######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023632 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 542 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023632 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23632 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23632 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام عبد الشافي محمد #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1422 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله الملك العظيم وصلى الله على سيدنا ~~محمد الكريم وعلى آله قال الشيخ الإمام، الفقيه الأجل، الحافظ الأكمل، ~~القاضي الأعدل، أبو محمد عبد الحق، ابن الفقيه الإمام الحافظ أبي بكر غالب، ~~بن عبد الرحمن، بن غالب، بن عبد الرؤوف، بن تمام، بن عبد الله، بن تمام، بن ~~عطية، بن خالد، بن عطية، وهو الداخل إلى الأندلس، ابن خالد، بن خفاف، بن ~~أسلم، بن مكرم المحاربي من ولد زيد، بن محارب، بن خصفة، بن قيس عيلان من ~~أهل غرناطة، رحمه الله ونفعه والمسلمين بما دون. # الحمد لله الذي برأ النسم، وأفاض النعم، ومنح القسم، وسنى من توحيده ~~وعبادته العصم، ذي العزة القاهرة، والقدرة الباهرة، والآلاء المتظاهرة، ~~الذي أوجدنا بعد العدم، وجعلنا الخيار الوسط من الأمم، وخولنا عوارف لا ~~تحصى، وهدانا شرعة رمت بنا من رضوانه إلى الغرض الأقصى، أنزل إلينا القرآن ~~العزيز، وعد فيه وبشر وأوعد وحذر، ونهى وأمر، وأكمل فيه الدين، وجعله ~~الوسيلة الناجحة والحبل المتين، ويسره للذكر، وخلده غابر الدهر، عصمة ~~للمعتصمين، ونورا صادعا في مشكلات المختصمين، وحجة قائمة على العالم، ودعوة ~~شاملة لفرق بني آدم، كلامه الذي أعجز الفصحاء، وأخرس البلغاء، وشرف ~~العلماء، له الحمد دائبا، والشكر واصبا، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، ~~وأفضل الصلاة والتسليم، على محمد رسوله الكريم، صفوته من العباد، وشفيع ~~الخلائق في المعاد، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، الناهض بأعباء ~~الرسالة والتبليغ الأعصم، والمخصوص بشرف السعاية في الصلاح الأعظم، صلى ~~الله عليه وعلى آله صلاة مستمرة الدوام، جديدة على مر الليالي والأيام. # وبعد، أرشدني الله وإياك، فإني لما رأيت العلوم فنونا، وحديث المعارف ~~شجونا، وسلكت فإذا هي أودية، وفي كل للسلف مقامات حسان وأندية، رأيت أن ~~الوجه لمن تشزن للتحصيل، وعزم على الوصول، أن يأخذ من كل علم طرفا خيارا، ~~ولن يذوق النوم مع ذلك إلا غرارا، ولن يرتقي هذا النجد، ويبلغ هذا المجد، ~~حتى ينضي مطايا الاجتهاد، ويصل التأويب بالإسئاد، ويطعم الصبر ويكتحل ~~بالسهاد، فجريت ms0001 في هذا المضمار صدر العمر طلقا، وأدمنت حتى تفسخت أينا ~~وتصببت عرقا، إلى أن انتهج بفضل الله عملي، وحزت من ذلك ما قسم لي، ثم رأيت ~~أن من الواجب على من احتبى، وتخير من العلوم واجتبى، أن يعتمد على علم من ~~علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه، ويتتبع أعماقه، ويضبط ~~أصوله، ويحكم فصوله، ويلخص ما هو منه، أو يؤول إليه، ويعنى بدفع الاعتراضات ~~عليه، حتى يكون لأهل ذلك العلم PageV01P033 # كالحصن المشيد، والذخر العتيد، يستندون فيه إلى أقواله، ويحتذون على ~~مثاله. # فلما أردت أن أختار لنفسي، وأنظر في علم أعد أنواره لظلم رمسي، سبرتها ~~بالتنويع والتقسيم، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها ~~حبالا، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا، وأسطعها أنوارا، علم كتاب الله جلت ~~قدرته، وتقدست أسماؤه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ~~تنزيل من حكيم حميد، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى ~~أمين الأرض، هو العلم الذي جعل للشرع قواما، واستعمل سائر المعارف خداما ~~منه تأخذ مبادئها، وبه تعتبر نواشئها، فما وافقه منها نصع وما خالفه رفض ~~ودفع، فهو عنصرها النمير، وسراجها الوهاج، وقمرها المنير. # وأيقنت أنه أعظم العلوم تقريبا إلى الله تعالى، وتخليصا للنيات، ونهيا عن ~~الباطل، وحضا على الصالحات، إذ ليس من علوم الدنيا فيختل حامله من منازلها ~~صيدا، ويمشي في التلطف لها رويدا. # ورجوت أن الله تعالى يحرم على النار فكرا عمرته أكثر عمره معانيه، ولسانا ~~مرن على آياته ومثانيه، ونفسا ميزت براعة رصفه ومبانيه، وجالت سومها في ~~ميادينه ومغانيه، فثنيت إليه عنان النظر، وأقطعته جانب الفكر، وجعلته فائدة ~~العمر، وما ونيت- علم الله- إلا عن ضرورة بحسب ما يلم في هذه الدار من ~~شغوب، ويمس من لغوب، أو بحسب تعهد نصيب من سائر المعارف. # فلما سلكت سبله بفضل الله ذللا، وبلغت من اطراد الفهم فيه أملا، رأيت أن ~~نكته وفوائده تغلب قوة الحفظ وتفدح، وتسنح لمن يروم تقييدها في فكره وتبرح، ~~وأنها قد أخذت بحظها من ms0002 الثقل، فهي تتفصى من الصدر تفصي الإبل من العقل. # قال الله تعالى: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا [المزمل: 5] . # قال المفسرون: أي علم معانيه والعمل بها، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «قيدوا العلم بالكتاب» ففزعت إلى تعليق ما يتخيل لي في المناظرة من ~~علم التفسير وترتيب المعاني، وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا، لا أذكر ~~من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به، وأثبت أقوال العلماء في المعاني ~~منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح- رضوان الله عليهم- كتاب الله من ~~مقاصده العربية السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز، وأهل القول بعلم ~~الباطن، وغيرهم، فمتى وقع لأحد من العلماء الذين قد حازوا حسن الظن بهم لفظ ~~ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين، نبهت عليه، وسردت التفسير في هذا التعليق ~~بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم، أو نحو، أو لغة، أو معنى، أو قراءة، وقصدت ~~تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر كما في كثير من كتب المفسرين، ورأيت أن تصنيف ~~التفسير كما صنع المهدوي- رحمه الله- مفرق للنظر، مشعب للفكر وقصدت إيراد ~~جميع القراءات: مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات ~~الألفاظ، كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي، وعلى غاية من الإيجاز وحذف ~~فضول القول. # وأنا أسأل الله جلت قدرته، أن يجعل ذلك كله لوجهه، وأن يبارك فيه وينفع ~~به، وأنا وإن كنت من PageV01P034 # المقصرين فقد ذكرت في هذا الكتاب كثيرا من علم التفسير، وحملت خواطري فيه ~~على التعب الخطير، وعمرت به زمني، واستفرغت فيه منني، إذ كتاب الله تعالى ~~لا يتفسر إلا بتصريف جميع العلوم فيه، وجعلته ثمرة وجودي، ونخبة مجهودي، ~~فليستصوب للمرء اجتهاده، وليعذر في تقصيره وخطئه وحسبنا الله ونعم الوكيل. # ولنقدم بين يدي القول في التفسير أشياء قد قدم أكثرها المفسرون، وأشياء ~~ينبغي أن تكون راسخة في حفظ الناظر في هذا العلم مجتمعة لذهنه PageV01P035 ### | باب ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة، وعن نبهاء العلماء، في فضل القرآن المجيد وصورة الاعتصام به # قال رسول ms0003 الله صلى الله عليه وسلم: # «إنه ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قيل: فما النجاة منها يا رسول الله؟ ~~قال: كتاب الله تعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، ~~وهو فصل ليس بالهزل، من تركه تجبرا قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره ~~أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، والصراط ~~المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه ~~العلماء، ولا يمله الأتقياء، من علم علمه سبق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به ~~عدل، ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم» . # قال أنس بن مالك في تفسير قوله تعالى: فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~[البقرة: 256، لقمان: 22] . قال: هي القرآن. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد علم الأولين والآخرين ~~فليثور القرآن» . # وقال عليه السلام: «اتلوا هذا القرآن، فإن الله يأجركم بالحرف منه عشر ~~حسنات، أما إني لا أقول «الم» حرف، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم ~~حرف» . # وروي عنه عليه السلام أنه قال في آخر خطبة خطبها وهو مريض: «أيها الناس ~~إني تارك فيكم الثقلين، إنه لن تعمى أبصاركم، ولن تضل قلوبكم، ولن تزل ~~أقدامكم، ولن تقصر أيديكم، كتاب الله سبب بينكم وبينه، طرفه بيده، وطرفه ~~بأيديكم، فاعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، ~~ألا وعترتي، وأهل بيتي، هو الثقل الآخر، فلا تسبعوهم فتهلكوا» . # وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم صار الشعر والخطب يمل ما أعيد منها، ~~والقرآن لا يمل؟ فقال: # لأن القرآن حجة على أهل الدهر الثاني، كما هو حجة على أهل الدهر الأول، ~~فكل طائفة تتلقاه غضا جديدا ولأن كل امرئ في نفسه متى أعاده وفكر فيه تلقى ~~منه في كل مرة علوما غضة، وليس هذا كله في الشعر والخطب. # وقيل لمحمد بن سعيد: ما هذا الترديد للقصص في القرآن؟ فقال: ليكون لمن ~~قرأ ما تيسر منه حظ في الاعتبار. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ ms0004 القرآن فرأى أن ~~أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله» . PageV01P036 # وقال عليه السلام: «ما من شفيع أفضل عند الله من القرآن، لا نبي ولا ملك» ~~. # وقال عليه السلام: «أفضل عبادة أمتي القرآن» . # وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: «من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين ~~جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه» . # وحدث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ مائة ~~آية كتب من القانتين ومن قرأ مائتي آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ~~ثلاثمائة آية لم يحاجه القرآن» . # وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشراف أمتي حملة ~~القرآن» . # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية: ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا [فاطر: 32] . فقال: «سابقكم سابق، ومقتصدكم ناج، ~~وظالمكم مغفور له» . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن أصفر البيوت بيت صفر من كتاب ~~الله» . # وروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن شافع، مشفع، وما ~~حل مصدق من شفع له القرآن نجا، ومن محل به القرآن يوم القيامة كبه الله ~~لوجهه في النار، وأحق من شفع له القرآن أهله وحملته، وأولى من محل به من ~~عدل عنه وضيعه» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الذي يتعاهد هذا القرآن ويشتد عليه له ~~أجران، والذي يقرأه وهو خفيف عليه مع السفرة الكرام البررة» . # وقال ابن مسعود: مل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: يا رسول ~~الله حدثنا، فأنزل الله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية [الزمر: 23] ، ثم ملوا ملة أخرى، ~~فقالوا: قص علينا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص ~~بما أوحينا إليك هذا القرآن [يوسف: 3] . # وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» . # وقال عبد الله ms0005 بن مسعود: «إن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله ~~القرآن» . # ومر أعرابي على عبد الله بن مسعود وعنده قوم يقرؤون القرآن، فقال: ما ~~يصنع هؤلاء؟ فقال له ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. # ومرت امرأة على عيسى ابن مريم عليه السلام فقال: طوبى لبطن حملك، ولثديين ~~رضعت منهما، فقال عيسى: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبع ما فيه. # وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان [آل عمران: 193] قال: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. PageV01P037 # وقال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: قل بفضل الله وبرحمته [يونس: 58] ~~قال: «الإسلام والقرآن» . # وقيل لعبد الله بن مسعود: إنك لتقل الصوم؟ فقال: «إنه يشغلني عن قراءة ~~القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي منه» . # وقال قوم من الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تر يا رسول الله ~~ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة يزهر فيها وحولها أمثال المصابيح فقال ~~لهم: فلعله قرأ سورة البقرة، فسئل ثابت بن قيس، فقال: # نعم قرأت سورة البقرة» . وفي هذا المعنى حديث صحيح عن أسيد بن حضير في ~~تنزل الملائكة في الظلة لصوته بقراءة سورة البقرة. # وذكر أبو عمرو الداني عن علي الأثرم قال: كنت أتكلم في الكسائي وأقع فيه، ~~فرأيته في النوم وعليه ثياب بيض ووجهه كالقمر فقلت: يا أبا الحسن ما فعل ~~الله بك؟ فقال: «غفر لي بالقرآن» . # وقال عقبة بن عامر: «عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع فقال: عليكم بالقرآن» . # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن من أشراط الساعة أن يبسط القول ويخزن ~~الفعل ويرفع الأشرار ويوضع الأخيار وأن تقرأ المثناة على رؤوس الناس لا ~~تغير، قيل وما المثناة؟ قال: ما استكتب من غير كتاب الله، قيل له: فكيف بما ~~جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما أخذتموه عمن تأمنونه ~~على نفسه ودينه فاعقلوه، وعليكم بالقرآن فتعلموه وعلموه ms0006 أبناءكم فإنكم عنه ~~تسألون وبه تجزون، وكفى به واعظا لمن عقل. # وقال رجل لأبي الدرداء: إن إخوانا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام ~~ويأمرونك أن توصيهم، فقال: أقرئهم السلام، ومرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم ~~فإنه يحملهم على القصد والسهولة، ويجنبهم الجور والحزونة. # وقال رجل لعبد الله بن مسعود: أوصني، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول يا ~~أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. # وروى أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أحسن الناس ~~قراءة أو صوتا بالقرآن، فقال: «الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى» . # وقال عليه السلام: «اقرؤوا القرآن قبل أن يجيء قوم يقيمونه كما يقام ~~القدح ويضيعون معانيه يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» . # ويروى أن أهل اليمن لما قدموا أيام أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- سمعوا ~~القرآن فجعلوا يبكون فقال أبو بكر: «هكذا كنا، ثم قست القلوب» . # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ مرة: إن عذاب ربك لواقع، ما له ~~من دافع [الطور: 7] فأن أنة عيد منها عشرين يوما. PageV01P038 # وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم ~~الليل جملا تركبونه، فتقطعون به المراحل، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل ~~إليهم من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار. # وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «أنزل عليهم القرآن ليعملوا به ~~فاتخذوا درسه عملا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط ~~منه حرفا وقد أسقط العمل به» . # قال القاضي عبد الحق رضي الله عنه: قال الله تعالى: ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر. # [القمر: 17- 22، 32- 40] . # وقال تعالى: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا [المزمل: 5] أي علم معانيه، ~~والعمل به، والقيام بحقوقه ثقيل، فمال الناس إلى الميسر، وتركوا الثقيل، ~~وهو المطلوب منهم. # وقيل ليوسف بن أسباط: بأي شيء تدعو إذا ختمت القرآن؟ قال: «أستغفر الله ~~من تلاوتي لأني إذا ختمته وتذكرت ما فيه من الأعمال خشيت المقت فأعدل إلى ~~الاستغفار والتسبيح» . # وقرأ رجل القرآن على ms0007 بعض العلماء، قال: فلما ختمته أردت الرجوع من أوله ~~فقال لي: اتخذت القراءة علي عملا اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك وانظر ~~ماذا يفهمك منه فاعمل به. PageV01P039 ### | باب في فضل تفسير القرآن والكلام على لغته والنظر في إعرابه ودقائق معانيه # روى ابن عباس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي علم القرآن ~~أفضل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عربيته فالتمسوها في الشعر» . # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه فإن الله ~~يحب أن يعرب» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: إعراب القرآن أصل في ~~الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع. # وقال أبو العالية في تفسير قوله عز وجل: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا [البقرة: 269] ، قال: «الحكمة» الفهم في القرآن، وقال قتادة: ~~«الحكمة» القرآن والفقه فيه، وقال غيره: # «الحكمة» تفسير القرآن. # وذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه جابر بن عبد الله فوصفه بالعلم، فقال ~~له رجل: جعلت فداك، تصف جابرا بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف تفسير ~~قوله تعالى: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد [القصص: 197] . # وقال الشعبي: رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي ~~يفسرها رحل إلى الشام، فتجهز ورحل إليه حتى علم تفسيرها. # وقال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل ~~قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة لا يدرون ما ~~في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في ~~الكتاب. # وقال ابن عباس: «الذي يقرأ ولا يفسر كالأعرابي الذي يهذ الشعر» . # وقال مجاهد: «أحب الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل» . # وقال الحسن: «والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيمن أنزلت وما ~~يعني بها» . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن ~~وجوها كثيرة» . # وقال الحسن: «أهلكتهم العجمة، يقرأ أحدهم الآية فيعيى بوجوهها ms0008 حتى يفتري ~~على الله فيها» . # وكان ابن عباس يبدأ في مجلسه بالقرآن ثم بالتفسير ثم بالحديث. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما من شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن ~~رأي الرجل يعجز عنه» . PageV01P040 ### | باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن، والجرأة عليه، ومراتب المفسرين # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفسر من كتاب الله إلا آيا بعدد علمه إياهن جبريل» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا الحديث: في مغيبات ~~القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله ~~تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به كوقت قيام الساعة ونحوه، ومنها ~~ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور، وكرتبة خلق السماوات والأرض. # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تكلم في القرآن برأيه ~~فأصاب فقد أخطأ» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن ~~معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته ~~قوانين العلوم كالنحو، والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون ~~لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على ~~قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه. وكان جلة ~~من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ~~ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم، مع إدراكهم، وتقدمهم، وكان جلة من ~~السلف كثير عددهم يفسرونه وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عنهم. # فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويتلوه ~~عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، وهو تجرد للأمر وكمله وتتبعه، وتبعه ~~العلماء عليه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر ~~من المحفوظ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقال ابن عباس: «ما أخذت من تفسير ms0009 القرآن فعن علي بن أبي طالب» . # وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ويحث على الأخذ عنه. # وكان عبد الله بن مسعود يقول: «نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس» ، ~~وهو الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين» ~~وحسبك بهذه الدعوة. # وقال عنه علي بن أبي طالب: «ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق» ~~، ويتلوه عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو ~~بن العاص، وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم. PageV01P041 # ومن المبرزين في التابعين الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ~~وعلقمة. # قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة، ~~والضحاك بن مزاحم، وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير. # وأما السدي رحمه الله فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبي صالح، لأنه ~~كان يراهما مقصرين في النظر، ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، ~~وألف الناس فيه كعبد الرزاق، والمفضل، وعلي بن أبي طلحة، والبخاري، وغيرهم. # ثم إن محمد بن جرير الطبري رحمه الله جمع على الناس أشتات التفسير، وقرب ~~البعيد وشفى في الإسناد. # ومن المبرزين في المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي فإن ~~كلامهما منخول وأما أبو بكر النقاش، وأبو جعفر النحاس، فكثيرا ما استدرك ~~الناس عليهما، وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو العباس ~~المهدوي رحمه الله متقن التأليف، وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله، ونضر ~~وجوههم. PageV01P042 ### | (باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه» # اختلف الناس في معنى هذا الحديث، اختلافا شديدا، فذهب فريق من العلماء ~~إلى أن تلك الحروف السبعة هي فيما يتفق أن يقال على سبعة أوجه فما دونها، ~~كتعال، وأقبل، وإلي، ونحوي، وقصدي، واقرب، وجىء، وكاللغات التي في أف، ~~وكالحروف التي في كتاب الله فيها قراءات كثيرة، وهذا ms0010 قول ضعيف. # قال ابن شهاب في كتاب مسلم: «بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في ~~الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا كلام محتمل. # وقال فريق من العلماء: «إن المراد بالسبعة الأحرف معاني كتاب الله تعالى، ~~وهي: أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. وهذا أيضا ضعيف، لأن ~~هذه لا تسمى أحرفا، وأيضا: # فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال، ولا في تحليل حرام، ولا في ~~تغيير شيء من المعاني المذكورة. # وحكى صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وقد حكى نحوه القاضي أبو بكر بن ~~الطيب، قال: # تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعة، منها ما تتغير حركته ولا ~~يزول معناه ولا صورته، مثل: # هن أطهر، وأطهر. ومنها ما لا تتغير صورته، ويتغير معناه بالإعراب، مثل: ~~ربنا باعد وباعد. ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل: ~~نشرها، وننشزها. ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه كقوله: # كالعهن المنفوش [القارعة: 5] ، وكالصوف المنفوش، ومنها ما تتغير صورته ~~ومعناه، مثل: وطلح منضود [الواقعة: 29] وطلع منضود، ومنها بالتقديم ~~والتأخير كقوله: وجاءت سكرة الموت بالحق [ق: 19] . وسكرة الحق بالموت. ~~ومنها بالزيادة والنقصان كقوله: «تسع وتسعون نعجة أنثى» . # وذكر القاضي أبو بكر بن الطيب في معنى هذه السبعة الأحرف حديثا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، نهي، ~~وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، ~~وائتمروا، وانتهوا، واعتبروا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه» . # قال القاضي أبو محمد: فهذا تفسير منه صلى الله عليه وسلم للأحرف السبعة، ~~ولكن ليست هذه التي أجاز لهم القراءة بها على اختلافها، وإنما الحرف في هذه ~~بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قوله تعالى: PageV01P043 # ومن الناس من يعبد الله على حرف [الحج: 11] أي على وجه وطريقة، هي ريب ~~وشك، فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق، من تحليل، وتحريم، وغير ذلك. # وذكر القاضي أيضا أن أبيا رضي الله عنه ms0011 روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «يا أبي إني أقرئت القرآن على حرف أو حرفين ثم زادني الملك حتى ~~بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شاف وكاف إن قلت غفور رحيم، سميع عليم، أو عليم ~~حكيم، وكذلك ما لم تختم عذابا برحمة، أو رحمة بعذاب» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وقد أسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر من كلام ابن مسعود نحوه. # قال القاضي ابن الطيب: «وهذه أيضا سبعة غير السبعة التي هي وجوه وطرائق، ~~وغير السبعة التي هي قراءات ووسع فيها، وإنما هي سبعة أوجه من أسماء الله ~~تعالى» . # وإذا ثبتت هذه الرواية حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس ~~أن يبدلوا اسما لله في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالفه. # قال القاضي: «وزعم قوم أن كل كلمة تختلف القراءة فيها فإنها على سبعة ~~أوجه، وإلا بطل معنى الحديث» . # قالوا: «وتعرف بعض الوجوه بمجيء الخبر به، ولا نعرف بعضها، إذا لم يأت به ~~خبر» . # قال: وقال قوم: ظاهر الحديث يوجب أن يوجد في القرآن كلمة أو كلمتان ~~تقرءان على سبعة أوجه، فإذا حصل ذلك تم معنى الحديث» . # قال القاضي أبو بكر بن الطيب: «وقد زعم قوم أن معنى الحديث أنه نزل على ~~سبع لغات مختلفات وهذا باطل إلا أن يريد الوجوه المختلفة التي تستعمل في ~~القصة الواحدة. # والدليل على ذلك أن لغة عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وهشام بن حكيم، وابن ~~مسعود، واحدة، وقراءتهم مختلفة، وخرجوا بها إلى المناكرة» . # فأما الأحرف السبعة التي صوب رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة ~~بجميعها- وهي التي راجع فيها فزاده وسهل عليه لعلمه تعالى بما هم عليه من ~~اختلافهم في اللغات- فلها سبعة أوجه، وسبع قراءات مختلفات، وطرائق يقرأ بها ~~على اختلافها في جميع القرآن أو معظمه، حسبما تقتضيه العبارة في قوله: # «أنزل القرآن» فإنما يريد به الجميع أو المعظم، فجائز أن يقرأ ms0012 بهذه ~~الوجوه على اختلافها ويدل على ذلك قول الناس: حرف أبي وحرف ابن مسعود، ~~ونقول في الجملة إن القرآن منزل على سبعة أحرف من اللغات، والإعراب، وتغيير ~~الأسماء والصور، وإن ذلك مفترق في كتاب الله ليس بموجود في حرف واحد، وسورة ~~واحدة، يقطع على اجتماع ذلك فيها. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: انتهى ما جمعت من كلام ~~القاضي أبي بكر رضي الله عنه، وإطلاقه البطلان على القول الذي حكاه فيه ~~نظر، لأن المذهب الصحيح الذي قرره آخرا من قوله PageV01P044 # «ونقول في الجملة» إنما صح وترتب من جهة اختلاف لغات العرب الذين نزل ~~القرآن بلسانهم، وهو اختلاف ليس بشديد التباين حتى يجهل بعضهم ما عند بعض ~~في الأكثر، وإنما هو أن قريشا استعملت في عباراتها شيئا، واستعملت هذيل ~~شيئا غيره في ذلك المعنى، وسعد بن بكر غيره، والجميع كلامهم في الجملة ~~ولغتهم. # واستدلال القاضي رضي الله عنه بأن لغة عمر وأبي وهشام وابن مسعود واحدة ~~فيه نظر، لأن ما استعملته قريش في عبارتها ومنهم عمر وهشام، وما استعملته ~~الأنصار ومنهم أبي وما استعملته هذيل ومنهم ابن مسعود، قد يختلف، ومن ذلك ~~النحو من الاختلاف هو الاختلاف في كتاب الله سبحانه، فليست لغتهم واحدة في ~~كل شيء، وأيضا فلو كانت لغتهم واحدة بأن نفرضهم جميعا من قبيلة واحدة، لما ~~كان اختلافهم حجة على من قال: إن القرآن أنزل على سبع لغات لأن مناكرتهم لم ~~تكن لأن المنكر سمع ما ليس في لغته فأنكره، وإنما كانت لأنه سمع خلاف ما ~~أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم وعساه قد أقرأه ما ليس من لغته واستعمال ~~قبيلته. # فكأن القاضي رحمه الله، إنما أبطل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد ~~في قوله: على سبعة أحرف عد اللغات التي تختلف بجملتها وأن تكون سبعا ~~متباينة لسبع قبائل تقرأ كل قبيلة القرآن كله بحرفها ولا تدخل عليها لغة ~~غيرها، بل قصد النبي عليه السلام- عنده- عد الوجوه والطرائق المختلفة في ~~كتاب الله مرة من ms0013 جهة لغة، ومرة من جهة إعراب، وغير ذلك، ولا مرية أن هذه ~~الوجوه والطرائق إنما اختلفت لاختلاف في العبارات بين الجملة التي نزل ~~القرآن بلسانها وذلك يقال فيه اختلاف لغات. # وصحيح أن يقصد عليه السلام عد الأنحاء والوجوه التي اختلفت في القرآن، ~~بسبب اختلاف عبارات اللغات. # وصحيح أن يقصد عد الجماهير والرؤوس من الجملة التي نزل القرآن بلسانها، ~~وهي قبائل مضر فجعلها سبعة، وهذا أكثر توسعة للنبي عليه السلام، لأن ~~الانحاء تبقى غير محصورة، فعسى أن الملك أقرأه بأكثر من سبعة طرائق ووجوه. # قال القاضي في كلامه المتقدم: «فجائز أن يقرأ بهذه الوجوه على اختلافها» ~~. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والشرط الذي يصح به هذا القول هو أن ~~تروى عن النبي عليه السلام، ومال كثير من أهل العلم كأبي عبيد، وغيره، إلى ~~أن معنى الحديث المذكور أنه أنزل على سبع لغات لسبع قبائل انبث فيه من كل ~~لغة منها، وهذا القول هو المتقرر من كلام القاضي رضي الله عنه وقد ذكر ~~بعضهم قبائل من العرب روما منهم أن يعينوا السبع التي يحسن أن تكون مراده ~~عليه السلام، نظروا في ذلك بحسب القطر ومن جاور منشأ النبي عليه السلام. ~~واختلفوا في التسمية وأكثروا، وأنا ألخص الغرض جهدي بحول الله: # فأصل ذلك وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر، لأن النبي عليه السلام قرشي، ~~واسترضع في بني سعد، ونشأ فيهم، ثم ترعرع وعقت تمائمه وهو يخالط في اللسان ~~كنانة، وهذيلا، وثقيفا، وخزاعة، PageV01P045 # وأسدا، وضبة، وألفافها لقربهم من مكة، وتكرارهم عليها، ثم بعد هذه تميما، ~~وقيسا، ومن انضاف إليهم وسط جزيرة العرب، فلما بعثه الله تعالى ويسر عليه ~~أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة، وهي التي قسمها على ~~سبعة لها السبعة الأحرف، وهي اختلافاتها في العبارات حسبما تقدم. # قال ثابت بن قاسم: «لو قلنا من هذه الأحرف لقريش، ومنها لكنانة، ومنها ~~لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتميم، ومنها لضبة وألفافها، ومنها لقيس، لكان قد ~~أتى على قبائل مضر في ms0014 مراتب سبعة تستوعي اللغات التي نزل بها القرآن» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا نحو ما ذكرناه، وهذه الجملة هي التي ~~انتهت إليها الفصاحة، وسلمت لغاتها من الدخيل ويسرها الله لذلك ليظهر آية ~~نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه، وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب ~~في الحجاز ونجد وتهامة فلم تطرقها الأمم، فأما اليمن وهي جنوبي الجزيرة ~~فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام، ~~وأبا العباس المبرد، قد ذكرا أن عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن ~~بلسانها. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وذلك عندي إنما هو فيما استعملته عرب ~~الحجاز من لغة اليمن كالعرم والفتاح. فأما ما انفردوا به كالزخيخ، ~~والقلوبي، ونحوه، فليس في كتاب الله منه شيء. # وأما ما والى العراق من جزيرة العرب، وهي بلاد ربيعة، وشرقي الجزيرة، ~~فأفسدت لغتها مخالطة الفرس، والنبط، ونصارى الحيرة، وغير ذلك. # وأما الذي يلي الشام وهو شمالي الجزيرة وهي بلاد آل جفنة، وابن الرافلة، ~~وغيرهم. فأفسدها مخالطة الروم، وكثير من بني إسرائيل. # وأما غربي الجزيرة فهي جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم وأكثرها غير معمور. ~~فبقيت القبائل المذكورة سليمة اللغات لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم، ~~ويقوي هذا المنزع أنه لما اتسع نطاق الإسلام وداخلت الأمم العرب وتجرد أهل ~~المصرين: البصرة، والكوفة، لحفظ لسان العرب، وكتب لغتها لم يأخذوا إلا عن ~~هذه القبائل الوسيطة المذكورة، ومن كان معها، وتجنبوا اليمن، والعراق، ~~والشام، فلم يكتب عنهم حرف واحد. وكذلك تجنبوا حواضر الحجاز مكة، والمدينة، ~~والطائف. لأن السبي والتجار من الأمم كثروا فيها فأفسدوا اللغة. وكانت هذه ~~الحواضر في مدة النبي صلى الله عليه وسلم سليمة لقلة المخالطة. # فمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» أي فيه ~~عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة ~~قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز في اللفظة. ألا ~~ترى أن فطر معناها عند ms0015 غير قريش ابتدأ خلق الشيء وعمله فجاءت في القرآن فلم ~~تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما: «أنا فطرتها» ~~قال ابن عباس: # «ففهمت حينئذ موقع قوله تعالى: فاطر السماوات والأرض [فاطر: 1، الزمر: ~~46] . PageV01P046 # وقال أيضا: «ما كنت أدري معنى قوله: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ~~[الأعراف: 89] حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك» . # وكذلك قال عمر بن الخطاب، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: أو يأخذهم على ~~تخوف [النحل: # 47] فوقف به فتى فقال: «إن أبي يتخوفني حقي» فقال عمر: «الله أكبر، أو ~~يأخذهم على تخوف أي على تنقص لهم» . # وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الصلاة: والنخل باسقات [ق: 10] ، ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر، ~~إلى غير هذا من الأمثلة. # فأباح الله تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة وعارضه بها جبريل في عرضاته ~~على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الوصف، ولم تقع الإباحة في قوله عليه ~~السلام: «فاقرؤوا ما تيسر منه» بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن ~~يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه. ولو كان هذا لذهب ~~إعجاز القرآن وكان معرضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند ~~الله وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي عليه السلام ليوسع بها على ~~أمته، فقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل صلوات الله عليهما، ومرة لابن ~~مسعود بما عارضه به أيضا. # وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على ~~حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» . # وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة هشام بن حكيم ~~لها، وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة كل ~~منهما- وقد اختلفتا-: هكذا أقرأني جبريل؟ هل ذلك إلا لأنه أقرأه بهذه مرة ~~وبهذه مرة. وعلى هذا يحمل قول أنس بن مالك حين ms0016 قرأ إن ناشئة الليل هي أشد ~~وطئا وأصوب قيلا [المزمل: 6] ، فقيل له: إنما تقرأ وأقوم، فقال أنس: «أصوب ~~وأقوم وأهيأ واحد» . فإنما معنى هذا أنها مروية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وإلا فلو كان هذا لأحد من الناس أن يضعه لبطل معنى قول الله تعالى: ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9] . # ثم إن هذه الروايات الكثيرة لما انتشرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وافترق الصحابة في البلدان، وجاء الخلف وقرأ القرآن كثير من غير العرب، وقع ~~بين أهل الشام والعراق ما ذكر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وذلك أنهم لما ~~اجتمعوا في غزوة أرمينية، فقرأت كل طائفة بما روي لها، فاختلفوا وتنازعوا ~~حتى قال بعضهم لبعض: «أنا كافر بما تقرأ به» فأشفق حذيفة مما رأى منهم. ~~فلما قدم حذيفة المدينة فيما ذكر البخاري وغيره دخل إلى عثمان بن عفان قبل ~~أن يدخل بيته، فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك، قال: فيما ذا؟ قال: في ~~كتاب الله، إني حضرت هذه الغزوة وجمعت ناسا من العراق، ومن الشام، ومن ~~الحجاز، فوصف له ما تقدم وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما ~~اختلفت اليهود والنصارى، قال عثمان رضي الله عنه: أفعل، فتجرد للأمر، ~~واستناب الكفاة العلماء الفصحاء في أن يكتبوا القرآن ويجعلوا ما اختلفت ~~القراءة فيه على أشهر الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفصح PageV01P047 # اللغات، وقال لهم: «إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش» . # فمعنى هذا إذا اختلفتم فيما روي، وإلا فمحال أن يحيلهم على اختلاف من ~~قبلهم، لأنه وضع قرآن فكتبوا في القرآن من كل اللغات السبع، مرة من هذه، ~~ومرة من هذه، وذلك مقيد بأن الجميع مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقرىء عليه، واستمر الناس على هذا المصحف المتخير وترك ما خرج عنه مما كان ~~كتب سدا للذريعة وتغليبا لمصلحة الألفة وهي المصاحف التي أمر عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه أن تحرق أو تخرق. # فأما ms0017 ابن مسعود فأبى أن يزال مصحفه فترك، ولكن أبى العلماء قراءته سدا ~~للذريعة، ولأنه روي أنه كتب فيه أشياء على جهة التفسير فظنها قوم من ~~التلاوة فتخلط الأمر فيه ولم يسقط فيما ترك معنى من معاني القرآن لأن ~~المعنى جزء من الشريعة، وإنما تركت ألفاظ معانيها موجودة في الذي أثبت. # ثم إن القراء في الأمصار تتبعوا ما روي لهم من اختلافات لا سيما فيما ~~وافق خط المصحف، فقرؤوا بذلك حسب اجتهاداتهم، فلذلك ترتب أمر القراء السبعة ~~وغيرهم رحمهم الله ومضت الأعصار والأمصار على قراءة السبعة وبها يصلى لأنها ~~ثبتت بالإجماع. # وأما شاذ القراءات فلا يصلى به، وذلك لأنه لم يجمع الناس عليه. أما أن ~~المروي منه عن الصحابة رضي الله عنهم وعن علماء التابعين لا يعتقد فيه إلا ~~أنهم رووه. # وأما ما يؤثر عن أبي السمال ومن قاربه فلا يوثق به وإنما أذكره في هذا ~~الكتاب لئلا يجهل والله المستعان. # وكان المصحف غير مشكول ولا منقوط، وقد وقع لبعض الناس خلاف في بعض ما ~~ذكرته في هذا الباب ومنازعات اختصرت ذلك كراهة التطويل وعولت على الأسلوب ~~الواضح الصحيح، والله المرشد للصواب برحمته. PageV01P048 ### | (باب ذكر جمع القرآن وشكله ونقطه وتحزيبه وتعشيره) # كان القرآن في مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقا في صدور الرجال، ~~وقد كتب الناس منه في صحف، وفي جريد، وظرر وفي لخاف وفي خزف وغير ذلك، فلما ~~استحر القتل بالقراء يوم اليمامة أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنهما بجمع القرآن، مخافة أن يموت أشياخ القراءة كأبي وزيد وابن ~~مسعود فيذهب، فندبا إلى ذلك زيد بن ثابت فجمعه غير مرتب السور بعد تعب شديد ~~منه رضي الله عنه. # وروي أن في هذا الجمع سقطت الآية من آخر براءة حتى وجدها عند خزيمة بن ~~ثابت. وحكى الطبري أنه إنما سقطت له في الجمع الأخير، والأول أصح. وهو الذي ~~حكى البخاري إلا أنه قال فيه مع أبي خزيمة الأنصاري، وقال: إن في الجمع ~~الثاني فقد ms0018 زيد آية من سورة الأحزاب من المؤمنين رجال [الأحزاب: 33] فوجدها ~~مع خزيمة بن ثابت، وبقيت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر بن الخطاب بعده، ثم ~~عند حفصة بنته في خلافة عثمان، وانتشرت في خلال ذلك صحف في الآفاق كتبت عن ~~الصحابة كمصحف ابن مسعود وما كتب عن الصحابة بالشام ومصحف أبي وغير ذلك، ~~وكان في ذلك اختلاف حسب السبعة الأحرف التي أنزل القرآن عليها. # فلما قدم حذيفة من غزوة أرمينية حسبما قد ذكرناه انتدب عثمان لجمع المصحف ~~وأمر زيد بن ثابت بجمعه، وقرن بزيد فيما ذكر البخاري ثلاثة من قريش: سعيد ~~بن العاصي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وكذلك ذكر ~~الترمذي وغيرهما. # وقال الطبري فيما روي: إنه قرن بزيد أبان بن سعيد بن العاصي وحده، وهذا ~~ضعيف. # وقال الطبري أيضا: إن الصحف التي كانت عند حفصة جعلت إماما في هذا الجمع ~~الأخير. وروي أن عثمان رضي الله عنه قال لهم: «إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه ~~بلغة قريش» ، فاختلفوا في التابوه والتابوت، قرأه زيد بن ثابت بالهاء ~~والقرشيون بالتاء، فأثبته بالتاء، وكتب المصحف على ما هو عليه غابر الدهر ~~ونسخ عثمان منه نسخا ووجه بها إلى الآفاق، وأمر بما سواها من المصاحف أن ~~تحرق أو تخرق، وتروى بالحاء غير منقوطة وتروى بالخاء على معنى: ثم تدفن. ~~ورواية الحاء غير منقوطة أحسن. # قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وترتيب السور اليوم هو من تلقاء زيد ومن ~~كان معه مع مشاركة من عثمان رضي الله عنه في ذلك وقد ذكر ذلك مكي رحمه الله ~~في تفسير سورة «براءة» . وذكر أن ترتيب الآيات PageV01P049 # في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ~~لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة. # هذا أحد ما قيل في براءة، وذلك مستقصى في موضعه موفى إن شاء الله تعالى. ~~وظاهر الآثار أن السبع الطول والحواميم والمفصل كان مرتبا في زمن النبي ~~عليه السلام، وكان في السور ms0019 ما لم يرتب، فذلك هو الذي رتب وقت الكتب. # وأما شكل المصحف ونقطه فروي أن عبد الملك بن مروان أمر به وعمله فتجرد ~~لذلك الحجاج بواسط وجد فيه وزاد تحزيبه وأمر وهو والي العراق الحسن ويحيى ~~بن يعمر بذلك، وألف إثر ذلك بواسط كتاب في القراءات، جمع فيه ما روي من ~~اختلاف الناس فيما وافق الخط، ومشى الناس على ذلك زمانا طويلا إلى أن ألف ~~ابن مجاهد كتابه في القراءات. وأسند الزبيدي في كتاب الطبقات إلى المبرد أن ~~أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وذكر أيضا أن ابن سيرين كان له مصحف ~~نقطه له يحيى بن يعمر. # وذكر أبو الفرج أن زياد بن أبي سفيان أمر أبا الأسود بنقط المصاحف. # وذكر الجاحظ في كتاب الأمصار أن نصر بن عاصم أول من نقط المصاحف وكان ~~يقال له نصر الحروف. # وأما وضع الأعشار فيه فمر بي في بعض التواريخ أن المأمون العباسي أمر ~~بذلك وقيل إن الحجاج فعل ذلك. # وذكر أبو عمرو الداني عن قتادة أنه قال: بدؤوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا، ~~وهذا كالإنكار. PageV01P050 ### | (باب في ذكر الألفاظ التي في كتاب الله وللغات العجم بها تعلق) # اختلف الناس في هذه المسألة، فقال أبو عبيدة وغيره: إن في كتاب الله ~~تعالى من كل لغة، وذهب الطبري وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي ~~عربية صريحة وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها ~~أن تواردت اللغتان فتكلمت بها العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد، وذلك مثل ~~قوله تعالى: إن ناشئة الليل [المزمل: 6] قال ابن عباس: نشأ بلغة الحبشة قام ~~من الليل، ومنه قوله تعالى: يؤتكم كفلين من رحمته [الحديد: 28] . # قال أبو موسى الأشعري: كفلان ضعفان من الأجر بلسان الحبشة وكذلك قال ابن ~~عباس في القسورة إنها الأسد بلغة الحبشة إلى غير هذا من الأمثلة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي أقوله إن القاعدة ~~والعقيدة هي أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فليس ms0020 فيه لفظة تخرج عن كلام ~~العرب فلا تفهمها إلا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها فإنه ~~قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة ~~بتجارات وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس إلى ~~الشام، وسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو بن العاصي وعمارة بن الوليد إلى أرض ~~الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، ~~فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى ~~تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي ~~الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي ما ~~فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى «فاطر» إلى غير ~~ذلك فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها ~~العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه، وما ذهب إليه الطبري من أن اللغتين ~~اتفقتا في لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع في الأكثر، لأنا لا ~~ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا. PageV01P051 ### | نبذة مما قال العلماء في إعجاز القرآن # اختلف الناس في إعجاز القرآن بم هو؟ فقال قوم: «إن التحدي وقع بالكلام ~~القديم الذي هو صفة الذات، وإن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وفيه وقع ~~عجزها» . # وقال قوم: «إن التحدي وقع بما في كتاب الله تعالى من الأنباء الصادقة، ~~والغيوب المسرودة» . # وهذان القولان إنما يرى العجز فيهما من قد تقررت الشريعة ونبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم في نفسه. # وأما من هو في ظلمة كفره فإنما يتحدى فيما يبين له بينه وبين نفسه عجزه ~~عنه، وأن البشر لا يأتي بمثله ويتحقق مجيئه من قبل المتحدي، وكفار العرب لم ~~يمكنهم قط أن ينكروا أن رصف القرآن ونظمه وفصاحته متلقى من قبل محمد صلى ~~الله عليه وسلم. فإذا تحديت إلى ذلك وعجزت فيه علم كل فصيح ضرورة أن هذا ~~نبي يأتي بما ليس ms0021 في قدرة البشر الإتيان به، إلا أن يخص الله تعالى من يشاء ~~من عباده. # وهذا هو القول الذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه أن التحدي ~~إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه. # ووجه إعجازه أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحاط بالكلام كله ~~علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى ~~وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم ~~الجهل، والنسيان، والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا. # فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا النظر يبطل قول ~~من قال: «إن العرب كان من قدرتها أن تأتي بمثل القرآن فلما جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه» . # والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ~~ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها ~~جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر نظيره فيأخذها بقريحة ~~جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل، كتاب الله ~~لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن ~~تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة ~~العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام. # ألا ترى ميز الجارية نفس الأعشى وميز الفرزدق نفس جرير من نفس ذي الرمة ~~ونظر الأعرابي في قوله: «عز فحكم فقطع» إلى كثير من الأمثلة اكتفيت ~~بالإشارة إليها اختصارا. PageV01P052 # فصورة قيام الحجة بالقرآن على العرب أنه لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم ~~به وقال: فأتوا بسورة من مثله [البقرة: 23] قال كل فصيح في نفسه: وما بال ~~هذا الكلام حتى لا آتي بمثله؟ فلما تأمله وتدبره، ميز منه ما ميز الوليد بن ~~المغيرة حين قال: «والله ما هو بالشعر ولا هو بالكهانة ولا بالجنون» وعرف ~~كل ms0022 فصيح بينه وبين نفسه أنه لا يقدر بشر على مثله، فصح عنده أنه من عند ~~الله تعالى. # فمنهم من آمن وأذعن، ومنهم من حسد كأبي جهل وغيره ففر إلى القتال، ورضي ~~بسفك الدم عجزا عن المعارضة، حتى أظهر الله دينه، ودخل جميعهم فيه، ولم يمت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الأرض قبيل من العرب يعلن كفره. وقامت ~~الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة، كما قامت ~~الحجة في معجزة عيسى بالأطباء، وفي معجزة موسى بالسحرة فإن الله تعالى إنما ~~جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد ~~إظهاره، فكأن السحر في مدة موسى قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطب في زمن ~~عيسى، والفصاحة في مدة محمد عليهم الصلاة والسلام. PageV01P053 ### | باب في الألفاظ التي يقتضي الإيجاز استعمالها في تفسير كتاب الله تعالى # اعلم أن القصد إلى إيجاز العبارة قد يسوق المتكلم في التفسير إلى أن ~~يقول: خاطب الله بهذه الآية المؤمنين وشرف الله بالذكر الرجل المؤمن من آل ~~فرعون، وحكى الله تعالى عن أم موسى أنها قالت: # «قصيه» ووقف الله ذرية آدم على ربوبيته بقوله: ألست بربكم [الأعراف: 172] ~~ونحو هذا من إسناد أفعال إلى الله تعالى لم يأت إسنادها بتوقيف من الشرع. # وقد استعمل هذه الطريقة المفسرون والمحدثون والفقهاء، واستعملها أبو ~~المعالي في الإرشاد، وذكر بعض الأصوليين أنه لا يجوز أن يقال: حكى الله ولا ~~ما جرى مجراه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا على تقرير هذه الصفة له وثبوتها ~~مستعملة كسائر أوصافه تبارك وتعالى، وأما إذا استعمل ذلك في سياق الكلام ~~والمراد منه حكت الآية أو اللفظ فذلك استعمال عربي شائع وعليه مشى الناس، ~~وأنا أتحفظ منه في هذا التعليق جهدي، لكني قدمت هذا الباب لما عسى أن أقع ~~فيه نادرا، واعتذارا عما وقع فيه المفسرون من ذلك. # وقد استعملت العرب أشياء في ذكر الله تعالى تنحمل على مجاز كلامها، فمن ~~ذلك قول أبي عامر يرتجز بالنبي صلى الله ms0023 عليه وسلم: «فاغفر فداء لك ما ~~اقتفينا» . وقول أم سلمة: فعزم الله لي في الحديث في موت أبي سلمة وإبدال ~~الله لها منه رسول الله. ومن ذلك قولهم: الله يدري كذا وكذا والدراية إنما ~~هي التأتي للعلم بالشيء حتى يتيسر ذلك. # قال أبو علي: «واحتج بعض أهل النظر على جواز هذا الإطلاق بقول الشاعر ~~الجوهري: [الرجز] . # لا هم لا أدري وأنت الداري قال أبو علي: «وهذا لا ثبت فيه لأنه يجوز أن ~~يكون من غلط الاعراب» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وكذلك أقول إن الطريقة كلها ~~عربية لا يثبت للنظر المنخول شيء منها. وقد أنشد بعض البغداديين: [الرجز] . # لا هم إن كنت الذي بعهدي ... ولم تغيرك الأمور بعدي # وقد قال العجاج: فارتاح ربي وأراد رحمتي. # وقال الآخر: قد يصبح الله إمام الساري. PageV01P054 # وقال الآخر: # يا فقعسي لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرمه # وقال أوس: # أبني لبينى لا أحبكم ... وجد الإله بكم كما أجد # وقال الآخر: # وإن الله ذاق عقول تيم ... فلما راء خفتها قلاها # ومن هذا الاستعمال الذي يبنى الباب عليه قول سعد بن معاذ: «عرق الله وجهك ~~في النار» يقول هذا للرامي الذي رماه، وقال: «خذها وأنا ابن العرقة» . # وفي هذه الأمثلة كفاية فيما نحوناه إذ النظير لذلك كثير موجود، وإن خرج ~~شيء من هذه على حذف مضاف فذلك متوجه في الاستعمال الذي قصدنا الاعتذار عنه ~~والله المستعان. PageV01P055 ### | باب في تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية # هو القرآن، وهو الكتاب، وهو الفرقان، وهو الذكر، فالقرآن مصدر من قولك: ~~قرأ الرجل إذا تلا يقرأ قرآنا وقراءة، وحكى أبو زيد الأنصاري: وقرءا. وقال ~~قتادة: «القرآن معناه التأليف قرأ الرجل إذا جمع وألف قولا» وبهذا فسر ~~قتادة قول الله تعالى: إن علينا جمعه وقرآنه # [القيامة: 17] أي تأليفه، وهذا نحو قول الشاعر عمرو بن كلثوم: [الوافر] # ذراعي بكرة أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي لم تجمع في بطنها ولدا فهو أفره لها، والقول الأول أقوى ms0024 إن القرآن ~~مصدر من قرأ إذا تلا، ومنه قول حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه: [البسيط] . # ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # أي قراءة. # وأما الكتاب فهو مصدر من كتب إذا جمع. ومنه قيل كتيبة لاجتماعها. ومنه ~~قول الشاعر: «واكتبها بأسيار» أي اجمعها. # وأما الفرقان أيضا فهو مصدر لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر، ~~فرقا وفرقانا. # وأما الذكر فسمي به لأنه ذكر به الناس آخرتهم وإلههم وما كانوا في غفلة ~~عنه فهو ذكر لهم، وقيل سمي بذلك لأنه فيه ذكر الأمم الماضية والأنبياء، ~~وقيل: سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمد صلى الله عليه وسلم وقومه وسائر ~~العلماء به. # وأما السورة فإن قريشا كلها ومن جاورها من قبائل العرب كهذيل، وسعد بن ~~بكر، وكنانة، يقولون: # سورة بغير همز، وتميم كلها وغيرهم أيضا يهمزون فيقولون: سؤر وسؤرة. # فأما من همز فهي عنده كالبقية من الشيء والقطعة منه التي هي سؤر وسؤرة من ~~أسأر إذا أبقى. ومنه «سؤر الشراب» ومنه قول الأعشى- وهو ميمون بن قيس-: ~~[المتقارب] # فبانت وقد أسأرت في الفؤا ... د صدعا على نأيها مستطيرا # أي أبقت فيه. # وأما من لا يهمز فمنهم من يراها من المعنى المتقدم إلا أنها سهلت همزتها. ~~ومنهم من يراها مشبهة PageV01P056 # بسورة البناء أي القطعة منه، لأن كل بناء فإنما يبنى قطعة بعد قطعة، وكل ~~قطعة منها سورة، وجمع سورة القرآن سور بفتح الواو، وجمع سورة البناء سور ~~بسكونها. # قال أبو عبيدة: «إنما اختلفا في هذا فكأن سور القرآن هي قطعة بعد قطعة ~~حتى كمل منها القرآن» . # ويقال أيضا للرتبة الرفيعة من المجد والملك سورة. ومنه قول النابغة ~~الذبياني للنعمان بن المنذر: # [الطويل] . # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # فكأن الرتبة انبنت حتى كملت. # وأما الآية فهي العلامة في كلام العرب. ومنه قول الأسير الموصي إلى قومه ~~باللغز: «بآية ما أكلت معكم حيسا» . # فلما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها ms0025 وعلى عجز ~~المتحدى بها سميت آية. هذا قول بعضهم، وقيل سميت آية لما كانت جملة وجماعة ~~كلام كما تقول العرب: «جئنا بآيتنا» أي بجماعتنا. وقيل: لما كانت علامة ~~للفصل بين ما قبلها وما بعدها سميت آية. ووزن آية عند سيبويه فعلة بفتح ~~العين أصلها أيية تحركت الياء الأولى وما قبلها مفتوح فجاءت آية. # وقال الكسائي: «أصل آية آيية على وزن فاعلة، حذفت الياء الأولى مخافة أن ~~يلتزم فيها من الإدغام ما لزم في دابة» . # وقال مكي في تعليل هذا الوجه: «سكنت الأولى وأدغمت فجاءت آية على وزن ~~دابة، ثم سهلت الياء المثقلة» ، وقيل: أصلها أية على وزن فعلة بسكون العين، ~~أبدلت الياء الساكنة ألفا استثقالا للتضعيف، قاله الفراء، وحكاه أبو علي عن ~~سيبويه في ترجمة وكأين من نبي [آل عمران: 146] . # وقال بعض الكوفيين: «أصلها أيية على وزن فعلة بكسر العين أبدلت الياء ~~الأولى ألفا لثقل الكسر عليها وانفتاح ما قبلها» . PageV01P057 ### | باب القول في الاستعاذة # قال الله عز وجل: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ~~[النحل: 98] . # معناه: إذا أردت أن تقرأ وشرعت فأوقع الماضي موقع المستقبل لثبوته. وأجمع ~~العلماء على أن قول القارئ: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ليس بآية من ~~كتاب الله. وأجمعوا على استحسان ذلك والتزامه في كل قراءة في غير صلاة، ~~واختلفوا في التعوذ في الصلاة، فابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وقوم، يتعوذون ~~في الصلاة في كل ركعة، ويمتثلون أمر الله بالاستعاذة على العموم في كل ~~قراءة، وأبو حنيفة، والشافعي، يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة، ويريان ~~أن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة. ومالك رحمه الله لا يرى التعوذ في ~~الصلاة المفروضة، ويراه في قيام رمضان. ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه تعوذ في صلاة. # وحكى الزهري عن الحسن أنه قال: «نزلت الآية في الصلاة، وندبنا إلى ~~الاستعاذة في غير الصلاة وليس بفرض» . # قال غيره: «كانت فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ثم تأسينا به» ~~. # وأما لفظ الاستعاذة فالذي عليه جمهور الناس ms0026 هو لفظ كتاب الله تعالى «أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم» . # وروي عن ابن عباس أنه قال: «أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال له: قل يا محمد: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ~~ثم قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم» . # وروى سليمان بن سالم عن ابن القاسم رحمه الله: أن الاستعاذة «أعوذ بالله ~~العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن ~~الرحيم» . # وأما المقرءون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي ~~الجهة الأخرى كقول بعضهم: «أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد» . ونحو ~~هذا مما لا أقول فيه نعمت البدعة ولا أقول إنه لا يجوز. # ومعنى الاستعاذة: الاستجارة، والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من ~~المكروه، والكلام على المكتوبة يجيء في بسم الله فذلك الموضع أولى به. PageV01P058 # وأما الشيطان فاختلف الناس في اشتقاقه، فقال الحذاق: «هو فيعال من شطن ~~إذا بعد لأنه بعد عن الخير ورحمة الله» . ومن اللفظة قولهم: نوى شطون، أي ~~بعيدة. # قال الأعشى: [الوافر] . # نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين # ومنه قيل للحبل شطن، لبعد طرفيه وامتداده، وقال قوم: إن شيطانا مأخوذ من ~~شاط يشيط إذا هاج وأحرق ونحوه، إذ هذه أفعاله، فهو فعلان. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويرد على هذه الفرقة أن ~~سيبويه حكى أن العرب تقول تشيطن فلان إذا فعل أفاعيل الشياطين، فهذا بين ~~أنه تفعيل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا تشيط. # ويرد أيضا عليهم بيت أمية بن أبي الصلت: [الخفيف] . # أيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأكبال # فهذا شاطن من شطن لا شك فيه. # وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول، كقتيل وجريح ونحوه، ومعناه أنه رجم ~~باللعنة، والمقت، وعدم الرحمة. # قال المهدوي رحمه الله: «أجمع القراء على إظهار الاستعاذة في أول قراءة ~~سورة الحمد إلا حمزة فإنه أسرها» . # وروى المسيب عن أهل المدينة أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالبسملة. PageV01P059 ### | سورة ms0027 الفاتحة ### || [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) إياك ~~نعبد وإياك نستعين (5) # اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين (7) ### ||| (القول في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم) # روي عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه أنه قال: «البسملة تيجان السور» ~~. # وروي أن رجلا قال بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم: تعس الشيطان، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقل ذلك، فإنه يتعاظم عنده، ولكن قل: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» فإنه يصغر حتى يصير أقل من ذباب» . # وقال علي بن الحسين رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا [الإسراء: 46] قال: «معناه إذا قلت: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» . # وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «كيف ~~تفتتح الصلاة يا جابر؟ # قلت: بالحمد لله رب العالمين. قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم» . # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فعلمني ~~الصلاة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يجهر بها» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذان الحديثان يقتضيان أنها ~~آية من الحمد، ويرد ذلك حديث أبي بن كعب الصحيح إذ قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «هل لك ألا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ~~ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها» ، قال: فجعلت أبطىء في المشي رجاء ~~ذلك، فقال لي: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت الحمد لله رب ~~العالمين حتى أتيت على آخرها. # ويرده الحديث الصحيح بقوله عز وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، يقول ~~العبد الحمد لله رب العالمين» . # ويرده أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أبي بكر، ولا عن ~~عمر، ولا عثمان، رضي الله عنهم أنهم قرؤوا في صلاتهم: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» . # ويرده عدد آيات ms0028 السورة لأن الإجماع أنها سبع آيات، إلا ما روي عن حسين ~~الجعفي أنها ست آيات، وهذا شاذ لا يعول عليه وكذلك روي عن عمرو بن عبيد أنه ~~جعل إياك نعبد [الفاتحة: 5] آية، فهي على عده ثماني آيات، وهذا أيضا شاذ. ~~وقول الله تعالى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني [الحجر: 87] هو الفصل في PageV01P060 # ذلك. والشافعي- رحمه الله- يعد «بسم الله الرحمن الرحيم» آية من الحمد، ~~وكثير من قراء مكة والكوفة لا يعدون أنعمت عليهم [الفاتحة: 7] . ومالك- ~~رحمه الله-، وأبو حنيفة، وجمهور الفقهاء، والقراء، لا يعدون البسملة آية. ~~والذي يحتمله عندي حديث جابر، وأبي هريرة- إذا صحا- أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى قراءة جابر وحكايته أمر الصلاة قراءة في غير صلاة على جهة التعلم ~~فأمره بالبسملة لهذا لا لأنها آية. وكذلك في حديث أبي هريرة رآها قراءة ~~تعليم، ولم يفعل ذلك مع أبي لأنها قصد تخصيص السورة ووسمها من الفضل بما ~~لها، فلم يدخل معها ما ليس منها، وليس هذا القصد في حديث جابر وأبي هريرة، ~~والله أعلم. # وقال ابن المبارك: «إن البسملة آية في كل سورة» ، وهذا قول شاذ رد الناس ~~عليه. وروى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب ~~«باسمك اللهم» ، حتى أمر أن يكتب «بسم الله» فكتبها. فلما نزلت قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن [الإسراء: 110] كتب: «بسم الله الرحمن» . فلما نزلت: ~~إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم [النمل: 30] كتبها. # وروى عمرو بن شرحبيل: أن جبريل أول ما جاء النبي عليه السلام قال له: قل: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» . # وروي عن ابن عباس: أن أول ما نزل به جبريل: «بسم الله الرحمن الرحيم» . ~~وفي بعض طرق حديث خديجة وحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ورقة، أن ~~جبريل قال للنبي عليهما السلام: # قل: «بسم الله الرحمن الرحيم» فقالها: فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ ... ~~الحديث. # والبسملة تسعة عشر حرفا. فقال بعض الناس: إن رواية بلغتهم أن ملائكة ~~النار الذين قال الله فيهم عليها تسعة عشر ms0029 [المدثر: 30] إنما ترتب عددهم ~~على حروف بسم الله الرحمن الرحيم، لكل حرف ملك، وهم يقولون في كل أفعالهم: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» فمن هنالك هي قوتهم، وباسم الله استضلعوا. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذه من ملح التفسير، وليست ~~من متين العلم، وهي نظير قولهم في ليلة القدر: «إنها ليلة سبع وعشرين» ، ~~مراعاة للفظة هي في كلمات سورة إنا أنزلناه [القدر: 1] ونظير قولهم في عدد ~~الملائكة الذين ابتدروا قول القائل: «ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه» ، فإنها بضعة وثلاثون حرفا، قالوا: فلذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول» . ~~والباء في: بسم الله متعلقة عند نحاة البصرة باسم تقديره ابتداء مستقر أو ~~ثابت بسم الله وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره ابتدأت بسم الله، فبسم الله في ~~موضع رفع على مذهب البصريين، وفي موضع نصب على مذهب الكوفيين، كذا أطلق ~~القول قوم، والظاهر من مذهب سيبويه أن الباء متعلقة باسم كما تقدم، وبسم ~~الله في موضع نصب تعلقا بثابت أو مستقر بمنزلة: في الدار من قولك زيد في ~~الدار، وكسرت باء الجر ليناسب لفظها عملها، أو لكونها لا تدخل إلا على ~~الأسماء فخصت بالخفض الذي PageV01P061 # لا يكون إلا في الأسماء، أو ليفرق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسما ~~نحو الكاف في قول الأعشى: # [البسيط] . # أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وحذفت الألف من بسم الله في الخط اختصارا وتخفيفا لكثرة الاستعمال. ~~واختلف النحاة إذا كتب «باسم الرحمن وباسم القاهر» فقال الكسائي وسعيد ~~الأخفش: «يحذف الألف» . وقال يحيى بن زياد: «لا تحذف إلا مع بسم الله فقط، ~~لأن الاستعمال إنما كثر فيه» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فأما في غير اسم الله تعالى ~~فلا خلاف في ثبوت الألف. # واسم أصله سمو بكسر السين أو سمو بضمها، وهو عند البصريين مشتق من السمو. ~~يقال: سما يسمو، فعلى هذا تضم ms0030 السين في قولك سمو ويقال: سمي يسمى فعلى هذا ~~تكسر، وحذفت الواو من سمو، وكسرت السين من سم، كما قال الشاعر: [الرجز] . # باسم الذي في كل سورة سمه وسكنت السين من بسم اعتلالا على غير قياس، ~~وإنما استدل على هذا الأصل الذي ذكرناه بقولهم في التصغير سمي، وفي الجمع ~~أسماء، وفي جمع الجمع أسامي. # وقال الكوفيون: أصل اسم وسم من السمة، وهي العلامة. لأن الاسم علامة لمن ~~وضع له، وحذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والتصغير والجمع المذكوران يردان ~~هذا المذهب الكوفي. وأما المعنى فيه فجيد لولا ما يلزمهم من أن يقال في ~~التصغير وسيم، وفي الجمع أوسام، لأن التصغير والجمع يردان الأشياء إلى ~~أصولها. وقد ذكر بعض المفسرين في هذا الموضع الاسم والمسمى هل هما واحد؟ # وقال الطبري رحمه الله: إنه ليس بموضع للمسألة، وأنحى في خطبته على ~~المتكلمين في هذه المسألة ونحوها، ولكن بحسب ما قد تدوول القول فيها، فلنقل ~~إن الاسم كزيد وأسد وفرس قد يرد في الكلام ويراد به الذات، كقولك زيد قائم ~~والأسد شجاع، وقد يراد به التسمية ذاتها، كقولك أسد ثلاثة أحرف، ففي الأول ~~يقال الاسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى وفي الثاني لا يراد به المسمى. ~~ومن الورود الأول قولك يا رحمن اغفر لي، وقوله تعالى: الرحمن علم القرآن ~~[الرحمن: 1] ومن الورود الثاني قولك: الرحمن وصف لله تعالى. وأما اسم الذي ~~هو ألف وسين وميم، فقد يجري في لغة العرب مجرى الذات. يقال: ذات، ونفس، ~~واسم، وعين، بمعنى. وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] وقوله تعالى: تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام [الرحمن: 78] . وقوله تعالى: ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم [يوسف: 40] . # وعضدوا ذلك بقول لبيد: [الطويل] . # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر PageV01P062 # وقالوا: إن لبيدا أراد التحية، وقد يجري «اسم» في اللغة مجرى ذات ~~العبارة، وهو الأكثر من استعمالها، فمنه قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء ms0031 كلها ~~[البقرة: 31] على أشهر التأويلات فيه. ومنه قول النبي عليه السلام: «إن لله ~~تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» ، وعلى هذا النحو ~~استعمل النحويون الاسم في تصريف أقوالهم فالذي يتنخل من هذا: أن الأسماء قد ~~تجيء يراد بها ذوات المسميات، وفي هذا يقال الاسم هو المسمى، وقد تجيء يراد ~~بها ذواتها نفسها لا مسمياتها. ومر بي أن مالكا رحمه الله سئل عن الاسم أهو ~~المسمى؟ فقال: «ليس به ولا هو غيره» ، يريد دائما في كل موضع، وهذا موافق ~~لما قلناه، والمكتوبة التي لفظها الله أبهر أسماء الله تعالى وأكثرها ~~استعمالا، وهو المتقدم لسائرها في الأغلب، وإنما تجيء الأخر أوصافا، واختلف ~~الناس في اشتقاقه، فقالت فرقة من أهل العلم: # «هو اسم مرتجل، لا اشتقاق له من فعل، وإنما هو اسم موضوع له تبارك ~~وتعالى، والألف واللام لازمة له لا لتعريف ولا لغيره، بل هكذا وضع الاسم» . ~~وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه مشتق من أله الرجل إذا عبد، وتأله إذا ~~تنسك. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج: [الرجز] # لله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي # ومن ذلك قول الله تعالى: ويذرك وآلهتك [الأعراف: 127] على هذه القراءة ~~فإن ابن عباس وغيره قال: وعبادتك، قالوا: فاسم الله مشتق من هذا الفعل، ~~لأنه الذي يألهه كل خلق ويعبده، حكاه النقاش في صدر سورة آل عمران فإلاه ~~فعال من هذا. # واختلف كيف تعلل إله حتى جاء الله، فقيل: حذفت الهمزة حذفا على غير قياس ~~ودخلت الألف واللام للتعظيم على لاه، وقيل بل دخلتا على اله ثم نقلت حركة ~~الهمزة إلى اللام فجاء اللاه ثم أدغمت اللام في اللام. وقيل إن أصل الكلمة ~~لاه، وعليه دخلت الألف واللام، والأول أقوى. # وروي عن الخليل أن أصل إله ولاه وأن الهمزة مبدلة من واو كما هي في إشاح ~~ووشاح وإسادة ووسادة، وقيل إن أصل الكلمة ولاه كما قال الخليل إلا أنها ~~مأخوذة من وله الرجل إذا تحير، لأنه- تعالى- تتحير الألباب في حقائق صفاته، ms0032 ~~والفكر في المعرفة به، وحذفت الألف الأخيرة من «الله» لئلا يشكل بخط اللات، ~~وقيل طرحت تخفيفا، وقيل هي لغة فاستعملت في الخط ومنها قول الشاعر ابن ~~الأعرابي: [الرجز] # أقبل سيل جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلة # والرحمن صفة مبالغة من الرحمة، ومعناها أنه انتهى إلى غاية الرحمة كما ~~يدل على الانتهاء سكران وغضبان، وهي صفة تختص بالله ولا تطلق على البشر، ~~وهي أبلغ من فعيل، وفعيل أبلغ من فاعل، لأن راحما يقال لمن رحم ولو مرة ~~واحدة، ورحيما يقال لمن كثر منه ذلك، والرحمن النهاية في الرحمة. وقال بعض ~~الناس: «الرحمن الرحيم» بمعنى واحد، كالندمان والنديم، وزعم أنهما من فعل ~~واحد، ولكن أحدهما أبلغ من الآخر. وأما المفسرون فعبروا عن «الرحمن الرحيم» ~~بعبارات، فمنها أن العرزمي قال: # «معناه: الرحمن بجميع خلقه في الأمطار، ونعم الحواس، والنعم العامة، ~~الرحيم بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف بهم» ومنها أن أبا سعيد الخدري ~~وابن مسعود رويا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: PageV01P063 # «الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة» . # وقال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله ~~تعالى، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين كما قال تعالى: وكان بالمؤمنين ~~رحيما [الأحزاب: 43] وهذه كلها أقوال تتعاضد. وقال عطاء الخراساني: «كان ~~الرحمن فلما اختزل وسمي به مسيلمة الكذاب قال الله- سبحانه- لنفسه: «الرحمن ~~الرحيم» فهذا الاقتران بين الصفتين ليس لأحد إلا لله تعالى» وهذا قول ضعيف، ~~لأن بسم الله الرحمن الرحيم كان قبل أن ينجم أمر مسيلمة. وأيضا فتسمي ~~مسيلمة بهذا لم يكن مما تأصل وثبت. وقال قوم: إن العرب كانت لا تعرف لفظة ~~الرحمن، ولا كانت في لغتها، واستدلوا على ذلك بقول العرب: «وما الرحمن؟ # أنسجد لما تأمرنا» وهذا القول ضعيف، وإنما وقفت العرب على تعيين الإله ~~الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة. # واختلف في وصل الرحيم بالحمد، فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم الرحيم الحمد تسكن الميم ويوقف عليها ويبتدأ ms0033 بألف مقطوعة، وقرأ به قوم ~~من الكوفيين، وقرأ جمهور الناس الرحيم الحمد يعرب الرحيم بالخفض، وتوصل ~~الألف من الحمد، ومن شاء أن يقدر أنه أسكن الميم ثم لما وصل حركها للالتقاء ~~ولم يعتد بألف الوصل فذلك سائغ، والأول أخصر. # وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ الرحيم الحمد بفتح الميم وصلة الألف ~~كأنها سكنت الميم وقطعت الألف، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت، ولم ترو ~~هذه قراءة عن أحد فيما علمت، وهذا هو نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى: الم ~~الله. PageV01P064 # بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عباس، وموسى بن جعفر عن أبيه، وعلي بن ~~الحسين، وقتادة، وأبو العالية، ومحمد بن يحيى بن حبان: إنها مكية، ويؤيد ~~هذا أن في سورة الحجر ولقد آتيناك سبعا من المثاني [الحجر: 87] والحجر مكية ~~بإجماع. وفي حديث أبي بن كعب أنها السبع المثاني، والسبع الطول نزلت بعد ~~الحجر بمدد، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنها كانت قط في ~~الإسلام صلاة بغير الحمد لله رب العالمين. # وروي عن عطاء بن يسار، وسوادة بن زياد، والزهري محمد بن مسلم، وعبد الله ~~بن عبيد بن عمير أن سورة الحمد مدنية. # وأما أسماؤها فلا خلاف أنها يقال لها فاتحة الكتاب، لأن موضعها يعطي ذلك، ~~واختلف هل يقال لها أم الكتاب، فكره الحسن بن أبي الحسن ذلك وقال: «أم ~~الكتاب والحلال والحرام» . قال الله تعالى: آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات [آل عمران: 7] . # وقال ابن عباس وغيره: «يقال لها أم الكتاب» . # وقال البخاري: سميت أم الكتاب لأنها يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها ~~في الصلاة، وفي تسميتها بأم الكتاب حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه، ~~واختلف هل يقال لها أم القرآن؟ فكره ذلك ابن سيرين وجوزه جمهور العلماء. # قال يحيى بن يعمر: «أم القرى مكة، وأم خراسان مرو، وأم القرآن سورة ~~الحمد» . # وقال الحسن بن أبي الحسن: اسمها أم القرآن. وأما المثاني فقيل سميت بذلك ~~لأنها تثنى في كل ركعة وقيل سميت بذلك ms0034 لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل ~~على أحد قبلها ذخرا لها. PageV01P065 # وأما فضل هذه السورة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ~~بن كعب «إنها لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها» . ~~ويروى أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون في المعاني، وإما أن ~~يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل، وكذلك يجيء عدل قل هو الله أحد ~~[الإخلاص: 1] وعدل زلزلت [الزلزلة: 1] . # وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحمد لله رب ~~العالمين فضل ثلاثين حسنة على سائر الكلام» . وورد حديث آخر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله كتبت له عشرون حسنة، ومن قال ~~الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة» . # وهذا الحديث هو في الذي يقولها من المؤمنين مؤتجرا طالب ثواب، لأن قوله ~~الحمد لله في ضمنها التوحيد الذي هو معنى لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد ~~وحمد، وفي قول لا إله إلا الله توحيد فقط. فأما إذا أخذا بموضعهما من شرع ~~الملة ومحلهما من رفع الكفر والإشراك فلا إله إلا الله أفضل، والحاكم بذلك ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله ~~إلا الله» . # الحمد معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من ~~المحامد، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى ~~الشاكر، وشكره حمد ما، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي ~~شيئا، فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثني بالصفات. # وذهب الطبري إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد، وذلك غير مرضي. # وحكي عن بعض الناس أنه قال: «الشكر ثناء على الله بأفعاله وأنعامه، ~~والحمد ثناء بأوصافه» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح معنى من أنهما بمعنى واحد. واستدل الطبري ~~على أنهما بمعنى بصحة قولك الحمد لله شكرا. وهو في الحقيقة دليل على خلاف ~~ما ذهب إليه. لأن قولك ms0035 شكرا إنما خصصت به الحمد أنه على نعمة من النعم. ~~وأجمع السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من «الحمد لله» . # وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج «الحمد لله» بفتح الدال وهذا على ~~إضمار فعل. # وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي: «الحمد لله» ، بكسر الدال على ~~إتباع الأول الثاني. # وروي عن ابن أبي عبلة: «الحمد لله» ، بضم الدال واللام، على اتباع الثاني ~~والأول. # قال الطبري: الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن ~~يثنوا به عليه، فكأنه قال: # «قولوا الحمد لله» وعلى هذا يجيء «قولوا إياك» قال: وهذا من حذف العرب ما ~~يدل ظاهر الكلام عليه، كما قال الشاعر: # وأعلم أنني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج لا يسير # فقال السائلون لمن حفرتم ... فقال القائلون لهم وزير PageV01P066 # المعنى المحفور له وزير، فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه، وهذا كثير. # وقرأت طائفة «رب» بالنصب. # فقال بعضهم: «هو نصب على المدح» . # وقال بعضهم: «هو على النداء، وعليه يجيء إياك. # والرب في اللغة: المعبود، والسيد المالك، والقائم بالأمور المصلح لما ~~يفسد منها، والملك، - تأتي اللفظة لهذه المعاني-. # فمما جاء بمعنى المعبود قول الشاعر [غاوي بن عبد العزى] : # أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب # ومما جاء بمعنى السيد المالك قولهم: رب العبيد والمماليك. # ومما جاء بمعنى القائم بالأمور الرئيس فيها قول لبيد: # وأهلكن يوما رب كندة وابنه ... ورب معد بين خبت وعرعر # ومما جاء بمعنى الملك قوله النابغة: # تخب إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريفي وتالدي # ومن معنى الإصلاح قولهم: أديم مربوب، أي مصلح، قال الشاعر الفرزدق: ~~[البسيط] . # كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت ... سلاءها في أديم غير مربوب # ومن معنى الملك قول صفوان بن أمية لأخيه يوم حنين: «لأن يربني رجل من ~~قريش خير من أن يربني رجل من هوازن» . # ومنه قول ابن عباس في شأن عبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان: «وإن ~~كان لا بد لأن يربني رجل ms0036 من بني عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم» . ذكره ~~البخاري في تفسير سورة براءة. ومن ذلك قول الشاعر علقمة بن عبدة: [الطويل] ~~. # وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... ومن قبل ربتني فضعت ربوب # وهذه الاستعمالات قد تتداخل، فالرب على الإطلاق الذي هو رب الأرباب على ~~كل جهة هو الله تعالى. # والعالمين جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، يقال لجملته عالم، ~~ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عالم، وبحسب ذلك يجمع على العالمين، ومن ~~حيث عالم الزمان متبدل في زمان آخر حسن جمعها، ولفظة العالم جمع لا واحد له ~~من لفظه وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده، كذا قال الزجاج. ~~وقد تقدم القول في «الرحمن الرحيم» . PageV01P067 # واختلف القراء في قوله تعالى: ملك يوم الدين. # فقرأ عاصم والكسائي «مالك يوم الدين» . # قال الفارسي: «وكذلك قرأها قتادة والأعمش» . # قال مكي: «وروى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك ~~بالألف، وكذلك قرأها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن ~~كعب، ومعاذ بن جبل، وطلحة، والزبير، رضي الله عنهم» . # وقرأ بقية السبعة «ملك يوم الدين» ، وأبو عمرو منهم يسكن اللام فيقرأ ~~«ملك يوم الدين» . هذه رواية عبد الوارث عنه. # وروي عن نافع إشباع الكسرة من الكاف في ملك فيقرأ «ملكي» وهي لغة للعرب ~~ذكرها المهدوي. # وقرأ أبو حيوة «ملك» بفتح الكاف وكسر اللام. # وقرأ ابن السميفع، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وأبو صالح السمان، وأبو ~~عبد الملك الشامي «مالك» بفتح الكاف. وهذان على النداء ليكون ذلك توطئة ~~لقوله إياك. # ورد الطبري على هذا وقال: «إن معنى السورة: قولوا الحمد لله، وعلى ذلك ~~يجيء إياك واهدنا. # وذكر أيضا أن من فصيح كلام العرب الخروج من الغيبة إلى الخطاب، وبالعكس، ~~كقول أبي كبير الهذلي: [الكامل] . # يا ويح نفسي كان جلدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر # وكما قال لبيد: [البسيط] . # قامت تشكى إلي النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا # وكقول الله تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك ms0037 وجرين بهم [يونس: 22] . # وقرأ يحيى بن يعمر والحسن بن أبي الحسن، وعلي بن أبي طالب «ملك يوم ~~الدين» على أنه فعل ماض. # وقرأ أبو هريرة «مليك» بالياء وكسر الكاف. # قال أبو علي: ولم يمل أحد من القراء ألف «مالك» ، وذلك جائز، إلا أنه لا ~~يقرأ بما يجوز، إلا أن يأتي بذلك أثر مستفيض، و «الملك» و «الملك» بضم ~~الميم وكسرها وما تصرف منهما راجع كله إلى ملك بمعنى شد وضبط، ثم يختص كل ~~تصريف من اللفظة بنوع من المعنى، يدلك على الأصل في ملك قول الشاعر قيس بن ~~الخطيم: [الطويل] : # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها PageV01P068 # وهذا يصف طعنة فأراد شددت، ومن ذلك قول أوس بن حجر: [الطويل] . # فملك بالليط تحت قشرها ... كغرقىء بيض كنه القيض من عل # أراد شدد، وهذا يصف صانع قوس ترك من قشرها ما يحفظ قلب القوس، والذي ~~مفعول وليس بصفة لليط، ومن ذلك قولهم: إملاك المرأة وإملاك فلان إنما هو ~~ربط النكاح، كما قالوا: عقدة النكاح، إذ النكاح موضع شد وربط، فالمالك ~~للشيء شاد عليه ضابط له، وكذلك الملك، واحتج من قرأ «ملك» بأن لفظة «ملك» ~~أعم من لفظة «مالك» ، إذ كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا. والملك الذي يدبر ~~المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك. وتتابع المفسرون على سرد ~~هذه الحجة وهي عندي غير لازمة، لأنهم أخذوا اللفظتين مطلقتين لا بنسبة إلى ~~ما هو المملوك وفيه الملك. فأما إذا كانت نسبة الملك هي نسبة المالك ~~فالمالك أبلغ، مثال ذلك أن نقدر مدينة آهلة عظيمة ثم نقدر لها رجلا يملكها ~~أجمع أو رجلا هو ملكها فقط إنما يملك التدبير والاحكام، فلا شك أن المالك ~~أبلغ تصرفا وأعظم، إذ إليه إجراء قوانين الشرع فيها، كما لكل أحد في ملكه، ~~ثم عنده زيادة التملك، وملك الله تعالى ليوم الدين هو على هذا الحد، فهو ~~مالكه وملكه، والقراءتان حسنتان. # وحكى أبو علي في حجة من قرأ «مالك يوم الدين» أن أول من قرأ «ملك ms0038 يوم ~~الدين» مروان بن الحكم وأنه قد يدخل في المالك ما لا يدخل في الملك فيقال ~~مالك الدنانير، والدراهم، والطير، والبهائم، ولا يقال ملكها، ومالك في صفة ~~الله تعالى يعم ملك أعيان الأشياء وملك الحكم فيها، وقد قال الله تعالى: # قل اللهم مالك الملك [آل عمران: 26] . # قال أبو بكر: «الأخبار الواردة تبطل أن أول من قرأ «ملك يوم الدين» مروان ~~بن الحكم بل القراءة بذلك أوسع ولعل قائل ذلك أراد أنه أول من قرأ في ذلك ~~العصر أو البلد ونحوه» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي الترمذي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما قرؤوا «ملك يوم الدين» بغير ~~ألف، وفيه أيضا أنهم قرؤوا «مالك يوم الدين» بألف. # قال أبو بكر: والاختيار عندي «ملك يوم الدين» لأن «الملك» و «الملك» ~~يجمعهما معنى واحد وهو الشد والربط كما قالوا ملكت العجين أي شددته إلى غير ~~ذلك من الأمثلة، والملك أفخم وأدخل في المدح، والآية إنما نزلت بالثناء ~~والمدح لله سبحانه، فالمعنى أنه ملك الملوك في ذلك اليوم، لا ملك لغيره. # قال: والوجه لمن قرأ «مالك» أن يقول: إن المعنى أن الله تعالى يملك ذلك ~~اليوم أن يأتي به كما يملك سائر الأيام لكن خصصه بالذكر لعظمه في جمعه ~~وحوادثه. # قال أبو الحسن الأخفش: «يقال «ملك» بين الملك، بضم الميم، ومالك بين ~~«الملك» و «الملك» بفتح الميم وكسرها، وزعموا أن ضم الميم لغة في هذا ~~المعنى، وروى بعض البغداديين لي في هذا الوادي «ملك» و «ملك» و «ملك» بمعنى ~~واحد» . PageV01P069 # قال أبو علي: «حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب «ملك» أن ~~الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله (رب العالمين) فلا فائدة ~~في قراءة من قرأ مالك لأنها تكرير» . # قال أبو علي ولا حجة في هذا، لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدم ~~العام ثم ذكر الخاص، كقوله تعالى: هو الله الخالق البارئ المصور ms0039 [الحشر: ~~24] ف الخالق يعم وذكر المصور لما في ذلك من التنبيه على الصنعة ووجوه ~~الحكمة، وكما قال تعالى: وبالآخرة هم يوقنون [البقرة: 4] بعد قوله: الذين ~~يؤمنون بالغيب [البقرة: 3] والغيب يعم الآخرة وغيرها ولكن ذكرها لعظمها، ~~والتنبيه على وجوب اعتقادها، والرد على الكفرة الجاحدين لها، وكما قال ~~تعالى: «الرحمن الرحيم» فذكر الرحمن الذي هو عام، وذكر الرحيم بعده لتخصيص ~~المؤمنين به في قوله تعالى: وكان بالمؤمنين رحيما [الأحزاب: 43] . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وأيضا: فإن الرب يتصرف في كلام العرب ~~بمعنى الملك كقوله: # [الطويل] (ومن قبل ربتني فضعت ربوب) وغير ذلك من الشواهد، فتنعكس الحجة ~~على من قرأ «مالك يوم الدين» والجر في «ملك» أو «مالك» على كلتا القراءتين ~~هو على الصفة للاسم المجرور قبله، والصفات تجري على موصوفيها إذا لم تقطع ~~عنهم لذم أو مدح، والإضافة إلى يوم الدين في كلتا القراءتين من باب يا سارق ~~الليلة أهل الدار، اتسع في الظرف فنصب نصب المفعول به، ثم وقعت الإضافة ~~إليه على هذا الحد، وليس هذا كإضافة قوله تعالى: وعنده علم الساعة [الزخرف: ~~85] ، لأن الساعة مفعول بها على الحقيقة، أي إنه يعلم الساعة وحقيقتها، ~~فليس أمرها على ما الكفار عليه من إنكارها. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وأما على المعنى الذي قاله ابن السراج من ~~أن معنى «مالك يوم الدين» أنه يملك مجيئه ووقوعه، فإن الإضافة إلى اليوم ~~كإضافة المصدر إلى الساعة، لأن اليوم على قوله مفعول به على الحقيقة، وليس ~~ظرفا اتسع فيه. # قال أبو علي: ومن قرأ «مالك يوم الدين» فأضاف اسم الفاعل إلى الظرف ~~المتسع فيه فإنه حذف المفعول من الكلام للدلالة عليه تقديره مالك يوم الدين ~~الاحكام، ومثل هذه الآية في حذف المفعول به مع الظرف قوله تعالى: فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه [البقرة: 185] فنصب الشهر على أنه ظرف والتقدير فمن شهد ~~منكم المصر في الشهر، ولو كان الشهر مفعولا للزم الصوم للمسافر، لأن شهادته ~~للشهر كشهادة المقيم، وشهد يتعدى إلى مفعول يدل على ذلك ms0040 قول الشاعر: ~~[الطويل] . # ويوما شهدناه سليما وعامرا والدين لفظ يجيء في كلام العرب على أنحاء، ~~منها الملة. قال الله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] إلى ~~كثير من الشواهد في هذا المعنى، وسمي حظ الرجل منها في أقواله وأعماله ~~واعتقاداته دينا، فيقال فلان حسن الدين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في رؤياه في قميص PageV01P070 # عمر الذي رآه يجره: «قيل: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين» وقال علي ~~بن أبي طالب: «محبة العلماء دين يدان به» . ومن أنحاء اللفظة الدين بمعنى ~~العادة. فمنه قول العرب في الريح: «عادت هيف لأديانها» . # ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] كدينك من أم الحويرث قبلها ومنه قول ~~الشاعر: [المثقب العبدي] [الوافر] : # أهذا دينه أبدا وديني إلى غير ذلك من الشواهد، يقال دين ودينة أي عادة، ~~ومن أنحاء اللفظة: الدين سيرة الملك وملكته، ومنه قول زهير: [البسيط] . # لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك # أراد في موضع طاعة عمرو وسيرته، وهذه الأنحاء الثلاثة لا يفسر بها قوله ~~ملك يوم الدين. ومن أنحاء اللفظة الدين الجزاء، فمن ذلك قول الفند الزماني: ~~[شهل بن شيبان] [الهزج] . # ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا # أي جازيناهم. ومنه قول كعب بن جعيل: [المتقارب] . # إذا ما رمونا رميناهم ... ودناهم مثل ما يقرضونا # ومنه قول الآخر: # واعلم يقينا أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان # وهذا النحو من المعنى هو الذي يصلح لتفسير قوله تعالى: ملك يوم الدين أي ~~يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها، كذلك قال ابن عباس، وابن مسعود، وابن ~~جريج، وقتادة وغيرهم. # قال أبو علي: يدل على ذلك قوله تعالى: اليوم تجزى كل نفس بما كسبت [غافر: ~~17] ، واليوم تجزون ما كنتم تعملون [الجاثية: 28] . وحكى أهل اللغة: دنته ~~بفعله دينا بفتح الدال ودينا بكسرها جزيته، وقيل الدين المصدر والدين بكسر ~~الاسم. # وقال مجاهد: ملك يوم الدين أي يوم الحساب، مدينين محاسبين وهذا عندي يرجع ~~إلى معنى الجزاء. ومن أنحاء ms0041 اللفظة الدين الذل، والمدين العبد، والمدينة ~~الأمة، ومنه قول الأخطل: # ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... تراه على مسحاته يتركل # أي ابن أمة، وقيل بل أراد ابن مدينة من المدن، الميم أصيلة، ونسبه إليها ~~كما يقال ابن ماء وغيره. # وهذا البيت في صفة كرمة فأراد أن أهل المدن أعلم بفلاحة الكرم من أهل ~~بادية العرب. ومن أنحاء اللفظة الدين السياسة، والديان السائس، ومنه قول ذي ~~الأصبع الحدثان بن الحارث: [البسيط] . # لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... يوما ولا أنت دياني فتخزوني PageV01P071 # ومن أنحاء اللفظة الدين الحال. # قال النضر بن شميل: «سألت أعرابيا عن شيء فقال لي لو لقيتني على دين غير ~~هذه لأخبرتك» . ومن أنحاء اللفظة الدين الداء، عن اللحياني وأنشد: [البسيط] ~~ما دين قلبك من سلمى وقد دينا قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ~~أما هذا الشاهد فقد يتأول على غير هذا النحو، فلم يبق إلا قول اللحياني. # وقوله تعالى: إياك نعبد. # نطق المؤمن به إقرار بالربوبية وتذلل وتحقيق لعبادة الله، إذ سائر الناس ~~يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك، وقدم المفعول على الفعل اهتماما، وشأن ~~العرب تقديم الأهم. # ويذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه، فقال له الساب: «إياك أعني» ~~فقال الآخر: # «وعنك أعرض» فقدما الأهم. # وقرأ الفضل الرقاشي: «أياك» بفتح الهمزة، وهي لغة مشهورة وقرأ عمرو بن ~~فائد: «إياك» بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وذاك أنه كره تضعيف الياء لثقلها ~~وكون الكسرة قبلها، وهذا كتخفيف «رب» و «إن» وقرأ أبو السوار الغنوي: «هياك ~~نعبد وهياك نستعين» بالهاء، وهي لغة. واختلف النحويون في إياك فقال الخليل: ~~إيا اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكي عن العرب إذا بلغ ~~الرجل الستين فإياه وايا الشواب. وقال المبرد: إيا اسم مبهم أضيف للتخصيص ~~لا للتعريف، وحكى ابن كيسان عن بعض الكوفيين أن إياك بكماله اسم مضمر، ولا ~~يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره، وحكي عن بعضهم أنه قال: الكاف والهاء ~~والياء هي الاسم المضمر، ms0042 لكنها لا تقوم بأنفسها ولا تكون إلا متصلات، فإذا ~~تقدمت الأفعال جعل «إيا» عمادا لها. فيقال «إياك» و «إياه» و «إياي» ، وإذا ~~تأخرت اتصلت بالأفعال واستغني عن «ايا» . وحكي عن بعضهم أن أيا اسم مبهم ~~يكنى به عن المنصوب، وزيدت الكاف والياء والهاء تفرقة بين المخاطب والغائب ~~والمتكلم، ولا موضع لها من الإعراب فهي كالكاف في ذلك وفي أرايتك زيدا ما ~~فعل. # ونعبد معناه نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة، والطريق المذلل يقال ~~له معبد، وكذلك البعير. وقال طرفة: [الطويل] . # تباري عتاق الناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد # وتكررت إياك بحسب اختلاف الفعلين، فاحتاج كل واحد منهما إلى تأكيد ~~واهتمام. # ونستعين معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرؤ من الأصنام. ~~وقرأ الأعمش وابن وثاب والنخعي: «ونستعين» بكسر النون، وهي لغة لبعض قريش ~~في النون والتاء والهمزة ولا يقولونها في ياء الغائب وإنما ذلك في كل فعل ~~سمي فاعله فيه زوائد أو فيما يأتي من الثلاثي على فعل يفعل PageV01P072 # بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل نحو علم وشرب، وكذلك فيما جاء ~~معتل العين نحو خال يخال، فإنهم يقولون تخال وأخال. # ونستعين أصله نستعون نقلت حركة الواو إلى العين وقلبت ياء لانكسار ما ~~قبلها، والمصدر استعانة أصله استعوانا نقلت حركة الواو إلى العين فلما ~~انفتح ما قبلها وهي في نية الحركة انقلبت ألفا، فوجب حذف أحد الألفين ~~الساكنين، فقيل حذفت الأولى لأن الثانية مجلوبة لمعنى، فهي أولى بالبقاء، ~~وقيل حذفت الثانية لأن الأولى أصلية فهي أولى بالبقاء، ثم لزمت الهاء عوضا ~~من المحذوف، وقوله تعالى: # اهدنا رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغة الأمر كلها، فإذا كانت ~~من الأعلى فهي أمر، والهداية في اللغة الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يعبر ~~عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد، وكلها إذا تؤملت رجعت إلى الإرشاد، فالهدى ~~يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أولئك على هدى من ربهم ~~[البقرة: 5] وقوله تعالى: والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من ms0043 يشاء إلى ~~صراط مستقيم [يونس: 25] وقوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي ~~من يشاء [القصص: # 56] وقوله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام [الأنعام: ~~125] . # قال أبو المعالي: فهذه آية لا يتجه حملها إلا على خلق الإيمان في القلب، ~~وهو محض الإرشاد. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء، من ذلك قوله ~~تعالى: ولكل قوم هاد [الرعد: 7] أي داع وقوله تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم [الشورى: 52] وهذا أيضا يبين فيه الإرشاد، لأنه ابتداء إرشاد، أجاب ~~المدعو أو لم يجب، وقد جاء الهدى بمعنى الإلهام، من ذلك قوله تعالى: أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى [طه: 5] . # قال المفسرون: معناه «ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها» . وهذا أيضا بين ~~فيه معنى الإرشاد، وقد جاء الهدى بمعنى البيان، من ذلك قوله تعالى: وأما ~~ثمود فهديناهم [فصلت: 17] . # قال المفسرون: «معناه بينا لهم» . قال أبو المعالي: معناه دعوناهم ومن ~~ذلك قوله تعالى: إن علينا للهدى [الليل: 12] أي علينا أن نبين، وفي هذا كله ~~معنى الإرشاد. # قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك ~~الجنان والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: فلن يضل ~~أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم [محمد: # 5] ومنه قوله تعالى: فاهدوهم إلى صراط الجحيم [الصافات: 23] معناه ~~فاسلكوهم إليها. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذه الهداية بعينها هي التي ~~تقال في طرق الدنيا، وهي ضد الضلال وهي الواقعة في قوله تعالى: اهدنا ~~الصراط المستقيم على صحيح التأويل، وذلك بين من لفظ الصراط، والهدى لفظ ~~مؤنث، وقال اللحياني: «هو مذكر» قال ابن سيده: «والهدى اسم من أسماء ~~النهار» قال ابن مقبل: [البسيط] . # حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة ... يخشعن في الآل غلفا أو يصلينا PageV01P073 # والصراط في اللغة الطريق الواضح فمن ذلك قول جرير: [الوافر] . # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # ومنه قول الآخر: فصد عن نهج الصراط الواضح. # وحكى النقاش: «الصراط الطريق بلغة الروم» . # قال القاضي ms0044 أبو محمد: وهذا ضعيف جدا. واختلف القراء في الصراط فقرأ ابن ~~كثير وجماعة من العلماء: «السراط» بالسين، وهذا هو أصل اللفظة. # قال الفارسي: «ورويت عن ابن كثير بالصاد» . وقرأ باقي السبعة غير حمزة ~~بصاد خالصة وهذا بدل السين بالصاد لتناسبها مع الطاء في الاطباق فيحسنان في ~~السمع، وحكاها سيبويه لغة. # قال أبو علي: روي عن أبي عمرو السين والصاد، والمضارعة بين الصاد والزاي، ~~رواه عنه العريان بن أبي سفيان. وروى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأها بزاي ~~خالصة. # قال بعض اللغويين: «ما حكاه الأصمعي من هذه القراءة خطأ منه، إنما سمع ~~أبا عمرو يقرأ بالمضارعة فتوهمها زايا، ولم يكن الأصمعي نحويا فيؤمن على ~~هذا» . # قال القاضي أبو محمد: وحكى هذا الكلام أبو علي عن أبي بكر بن مجاهد. وقرأ ~~حمزة بين الصاد والزاي. وروي أيضا عنه أنه إنما يلتزم ذلك في المعرفة دون ~~النكرة. # قال ابن مجاهد: «وهذه القراءة تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على اللسان، ~~وليس بحرف يبنى عليه الكلام ولا هو من حروف المعجم، ولست أدفع أنه من كلام ~~فصحاء العرب، إلا أن الصاد أفصح وأوسع» . # وقرأ الحسن والضحاك: «اهدنا صراطا مستقيما» دون تعريف وقرأ جعفر بن محمد ~~الصادق: «اهدنا صراط المستقيم» بالإضافة وقرأ ثابت البناني: «بصرنا الصراط» ~~. واختلف المفسرون في المعنى الذي استعير له الصراط في هذا الموضع وما ~~المراد به، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصراط المستقيم هنا ~~القرآن» وقال جابر: «هو الإسلام» يعني الحنيفية. وقال: سعته ما بين السماء ~~والأرض. وقال محمد بن الحنفية: «هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره» ~~وقال أبو العالية: «هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر» ~~. وذكر ذلك للحسن بن أبي الحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح. # قال القاضي أبو محمد: ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة إنما هي في ~~أن يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، ~~والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك ms0045 هو مقتضى القرآن ~~والإسلام، وهو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وهذا الدعاء إنما ~~أمر به المؤمنون وعندهم المعتقدات وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قولهم ~~اهدنا فيما هو حاصل عندهم طلب التثبيت والدوام، وفيما ليس بحاصل إما من جهة ~~الجهل به أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه. وأقول إن كل داع ~~به فإنما يريد الصراط بكماله في أقواله وأفعاله ومعتقداته، فيحسن على هذا ~~أن يدعو في الصراط على الكمال من عنده بعضه ولا يتجه أن يراد ب اهدنا في PageV01P074 # هذه الآية اخلق الإيمان في قلوبنا، لأنها هداية مقيدة إلى صراط ولا أن ~~يراد بها ادعنا، وسائر وجوه الهداية يتجه، والصراط نصب على المفعول الثاني، ~~والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى ~~غاية الفلاح، ودخول الجنة، وإعلال مستقيم أن أصله مستقوم نقلت الحركة إلى ~~القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وصراط الذين بدل من الأول. # وقرأ عمر بن الخطاب، وابن الزبير: «صراط من أنعمت عليهم» . # والذين جمع الذي، وأصله «لذ» ، حذفت منه الياء للتنوين كما تحذف من عم، ~~وقاض، فلما دخلته الألف واللام ثبتت الياء. و «الذي» اسم مبهم ناقص محتاج ~~إلى صلة وعائد، وهو مبني في إفراده وجمعه معرب في تثنيته. ومن العرب من ~~يعرب جمعه، فيقول في الرفع اللذون، وكتب الذي بلام واحدة في الإفراد والجمع ~~تخفيفا لكثرة الاستعمال، واختلف الناس في المشار إليهم بأنه أنعم عليهم. # فقال ابن عباس وجمهور من المفسرين: إنه أراد صراط النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء: 66- 69] ~~فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد. # وقال ابن عباس أيضا: «المنعم عليهم هم المؤمنون» . # وقال الحسن بن ms0046 أبي الحسن: «المنعم عليهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم» ~~. # وحكى مكي وغيره عن فرقة من المفسرين أن المنعم عليهم مؤمنو بني إسرائيل، ~~بدليل قوله تعالى: # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم [البقرة: 40، 47، 122] . # وقال ابن عباس: «المنعم عليهم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا والذي قبله سواء. # وقال قتادة بن دعامة: «المنعم عليهم الأنبياء خاصة» . # وحكى مكي عن أبي العالية أنه قال: «المنعم عليهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر وعمر» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد تقدم ما حكاه عنه الطبري من أنه فسر ~~الصراط المستقيم بذلك، وعلى ما حكى مكي ينتقض الأول ويكون الصراط المستقيم ~~طريق محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وهذا أقوى في ~~المعنى، لأن تسمية أشخاصهم طريقا تجوز، واختلف القراء في الهاء من عليهم، ~~فقرأ حمزة «عليهم» بضم الهاء وإسكان الميم، وكذلك لديهم وإليهم. قرأ ~~الباقون في جميعها بكسر الهاء واختلفوا في الميم. # فروي عن نافع التخيير بين ضمها وسكونها. وروي عنه أنه كان لا يعيب ضم ~~الميم، فدل ذلك على أن قراءته كانت بالإسكان. PageV01P075 # وكان عبد الله بن كثير يصل الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت فيقرأ ~~«عليهم وو قلوبهمو وسمعهمو وأبصارهمو» . # وقرأ ورش الهاء مكسورة والميم موقوفة، إلا أن تلقى الميم ألفا أصلية ~~فيلحق في اللفظ واوا مثل قوله: سواء عليهم أأنذرتهم [البقرة: 6] . # وكان أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، والكسائي، يكسرون، ويسكنون الميم، فإذا ~~لقي الميم حرف ساكن اختلفوا فكان عاصم، وابن كثير، ونافع يمضون على كسر ~~الهاء وضم الميم، مثل قوله تعالى: # عليهم الذلة [البقرة: 61، آل عمران: 112] ومن دونهم امرأتين [القصص: 23] ~~وما أشبه ذلك، وكان أبو عمرو يكسر الهاء والميم فيقول: عليهم الذلة وإليهم ~~اثنين [يس: 14] وما أشبه ذلك. # وكان الكسائي يضم الهاء والميم معا، فيقرأ عليهم الذلة ومن دونهم ~~امرأتين. # قال أبو بكر أحمد بن موسى: وكل هذا الاختلاف في كسر الهاء وضمها إنما هو ~~في الهاء ms0047 التي قبلها كسرة أو ياء ساكنة، فإذا جاوزت هذين لم يكن في الهاء ~~إلا الضم، فإذا لم يكن قبل الميم هاء قبلها كسرة أو ياء ساكنة لم يجز في ~~الميم إلا الضم والتسكين في مثل قوله تعالى: منكم وأنتم. # قال القاضي أبو محمد: وحكى صاحب الدلائل قال: «قرأ بعضهم عليهم وبواو ~~وضمتين، وبعضهم بضمتين وألغى الواو، وبعضهم بكسرتين وألحق الياء، وبعضهم ~~بكسرتين وألغى الياء، وبعضهم بكسر الهاء وضم الميم» . # قال: «وذلك مروي عن الأئمة ورؤساء اللغة» . # قال ابن جني: «حكى أحمد بن موسى عليهم وو عليهم بضم الميم من غير إشباع ~~إلى الواو، وعليهم بسكون الميم» . # وقرأ الحسن وعمرو بن فائد «عليهمي» . # وقرىء «عليهم» بكسر الميم دون إشباع إلى الياء. # وقرأ الأعرج: «عليهم» بكسر الياء وضم الميم من غير إشباع. # وهذه القراءات كلها بضم الهاء إلا الأخيرة وبإزاء كل واحدة منها قراءة ~~بكسر الهاء فيجيء في الجميع عشر قراءات. # وقوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضالين. # اختلف القراء في الراء من غير، فقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ~~وحمزة والكسائي بخفض الراء، وقرأ ابن كثير بالنصب، وروي عنه الخفض. # قال أبو علي: «الخفض على ضربين: على البدل، من الذين، أو على الصفة ~~للنكرة، كما تقول مررت برجل غيرك، وإنما وقع هنا صفة ل الذين لأن الذين هنا ~~ليس بمقصود قصدهم، فالكلام بمنزلة قولك إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه» . PageV01P076 # قال: «والنصب في الراء على ضربين: على الحال كأنك قلت أنعمت عليهم لا ~~مغضوبا عليهم، أو على الاستثناء كأنك قلت إلا المغضوب عليهم، ويجوز النصب ~~على أعني» . وحكي نحو هذا عن الخليل. # ومما يحتج به لمن ينصب أن غير نكرة فكره أن يوصف بها المعرفة، والاختيار ~~الذي لا خفاء به الكسر. وقد روي عن ابن كثير، فأولى القولين ما لم يخرج عن ~~إجماع قراء الأمصار. # قال أبو بكر بن السراج: «والذي عندي أن غير في هذا الموضع مع ما أضيف ~~إليه معرفة، وهذا شيء فيه نظر ولبس، فليفهم عني ما أقول: ms0048 اعلم أن حكم كل ~~مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت غير ومثل مع إضافتهما إلى ~~المعارف من أجل معناهما، وذلك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء سوى المخاطب فهو ~~غيره، وكذلك إذا قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة، ~~فإنما صارا نكرتين من أجل المعنى فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد وأردت ~~إثباته، ونفي ضده، وعلم ذلك السامع فوصفته بغير وأضفت غير إلى ضده فهو ~~معرفة، وذلك كقولك عليك بالحركة غير السكون، وكذلك قولك غير المغضوب لأن من ~~أنعم عليه لا يعاقبه إلا من غضب عليه، ومن لم يغضب عليه فهو الذي أنعم ~~عليه، فمتى كانت غير على هذه الصفة وقصد بها هذا المقصد فهي معرفة» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أبقى أبو بكر الذين على حد ~~التعريف، وجوز نعتها ب غير لما بينه من تعرف غير في هذا الموضع، وغير أبي ~~بكر وقف مع تنكر غير، وذهب إلى تقريب الذين من النكرة إذ هو اسم شائع لا ~~يختص به معين، وعلى هذا جوز نعتها بالنكرة، والمغضوب عليهم اليهود، ~~والضالون النصارى. وهكذا قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن ~~زيد، وروي ذلك عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بين من ~~كتاب الله تعالى، لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فيه كقوله: وباؤ بغضب ~~من الله [البقرة: 61، آل عمران: 112] ، وكقوله تعالى: قل هل أنبئكم بشر من ~~ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ~~[المائدة: 60] فهؤلاء اليهود، بدلالة قوله تعالى بعده: ولقد علمتم الذين ~~اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين [البقرة: 65] والغضب ~~عليهم هو من الله تعالى، وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محنا ~~وعقوبات وذلة ونحو ذلك، مما يدل على أنه قد أبعدهم عن رحمته بعدا مؤكدا ~~مبالغا فيه، والنصارى كان محققوهم على شرعة قبل ورود شرع محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ms0049 فلما ورد ضلوا، وأما غير محققيهم فضلالهم متقرر منذ تفرقت ~~أقوالهم في عيسى عليه السلام. وقد قال الله تعالى فيهم: # ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ~~[المائدة: 77] . # قال مكي رحمه الله حكاية: دخلت لا في قوله ولا الضالين لئلا يتوهم أن ~~الضالين عطف على الذين. # قال: «وقيل هي مؤكدة بمعنى غير» . # وحكى الطبري أن لا زائدة، وقال: هي هنا على نحو ما هي عليه في قول ~~الراجز: # فما ألوم البيض ألا تسخرا- أراد أن تسخر- وفي قول الأحوص: [الطويل] PageV01P077 # ويلحينني في اللهو أن لا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل # وقال الطبري: يريد: ويلحينني في اللهو أن أحبه» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وبيت الأحوص إنما معناه ~~إرادة أن لا أحبه ف «لا» فيه متمكنة. # قال الطبري: ومنه قوله تعالى: ما منعك ألا تسجد [الأعراف: 12] وإنما جاز ~~أن تكون لا بمعنى الحذف، ولأنها تقدمها الجحد في صدر الكلام، فسيق الكلام ~~الآخر مناسبا للأول، كما قال الشاعر: # ما كان يرضي رسول الله فعلهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر # وقرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب: «غير المغضوب عليهم وغير الضالين» . # وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين. # قال الطبري: «فإن قال قائل أليس الضلال من صفة اليهود، كما أن النصارى ~~عليهم غضب فلم خص كل فريق بذكر شيء مفرد؟ قيل: هم كذلك ولكن وسم الله ~~لعباده كل فريق بما قد تكررت العبارة عنه به وفهم به أمره» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا غير شاف، والقول في ذلك أن أفاعيل ~~اليهود من اعتدائهم، وتعنتهم، وكفرهم مع رؤيتهم الآيات، وقتلهم الأنبياء ~~أمور توجب الغضب في عرفنا، فسمى تعالى ما أحل بهم غضبا، والنصارى لم يقع ~~لهم شيء من ذلك، إنما ضلوا من أول كفرهم دون أن يقع منهم ما يوجب غضبا خاصا ~~بأفاعيلهم، بل هو الذي يعم كل كافر وإن اجتهد، فلهذا تقررت العبارة عن ~~الطائفتين بما ذكر، وليس في ms0050 العبارة ب الضالين تعلق للقدرية في أنهم أضلوا ~~أنفسهم لأن هذا إنما هو كقولهم تهدم الجدار وتحركت الشجرة والهادم والمحرك ~~غيرهما، وكذلك النصارى خلق الله الضلال فيهم وضلوا هم بتكسبهم. # وقرأ أيوب السختياني: «الضألين» بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء ~~الساكنين، وهي لغة. # حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ: «فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جأن» فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة وشأبة. # قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير [الطويل] . # إذا ما العوالي بالعبيط احمأرت وقول الآخر: [الطويل] . # وللأرض أما سودها فتجللت ... بياضا وأما بيضها فادهأمت # وأجمع الناس على أن عدد آي سورة الحمد سبع آيات: العالمين آية، الرحيم ~~آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا الضالين ~~آية. وقد ذكرنا في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم ما ورد من خلاف ضعيف في ~~ذلك. PageV01P078 ### || القول في آمين # روى أبو هريرة وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قال ~~الإمام: ولا الضالين [الفاتحة: 7] فقولوا آمين. فإن الملائكة في السماء ~~تقول آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. # وروي أن جبريل عليه السلام لما علم النبي عليه السلام فاتحة الكتاب وقت ~~نزولها فقرأها قال له: # «قل آمين» . # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «آمين خاتم رب العالمين، يختم بها ~~دعاء عبده المؤمن» . # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو فقال: «أوجب إن ختم. ~~فقال له رجل بأي شيء يختم يا رسول الله؟ قال: «بآمين» . # ومعنى «آمين» عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب، أو أجب يا رب، ونحو هذا. ~~قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، ونص عليه أحمد بن يحيى ثعلب وغيره. # وقال قوم: «هو اسم من أسماء الله تعالى» ، روي ذلك عن جعفر بن محمد ~~ومجاهد وهلال بن يساف، وقد روي أن «آمين» اسم خاتم يطبع به كتب أهل الجنة ~~التي تؤخذ بالإيمان. # قال القاضي أبو ms0051 محمد: فمقتضى هذه الآثار أن كل داع ينبغي له في آخر دعائه ~~أن يقول: «آمين» وكذلك كل قارئ للحمد في غير صلاة، لكن ليس بجهر الترتيل. ~~وأما في الصلاة فقال بعض العلماء: # «يقولها كل مصل من إمام وفذ ومأموم قرأها أو سمعها» . # وقال مالك في المدونة: «لا يقول الإمام «آمين» ولكن يقولها من خلفه ~~ويخفون، ويقولها الفذ» . # وقد روي عن مالك رضي الله عنه: أن الإمام يقولها أسر أم جهر. # وروي عنه: «الإمام لا يؤمن في الجهر» . # وقال ابن حبيب: «يؤمن» . # وقال ابن بكير: «هو مخير» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فهذا الخلاف إنما هو في ~~الإمام، ولم يختلف في الفذ ولا في المأموم إلا ابن نافع. قال في كتاب ابن ~~حارث: «لا يقولها المأموم إلا إن سمع الإمام يقول ولا الضالين [الفاتحة: 7] ~~، وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل» . PageV01P079 # وقال ابن عبدوس: «يتحرى قدر القراءة ويقول آمين» . وهي لفظة مبنية على ~~الفتح لالتقاء الساكنين، وكأن الفتح مع الياء أخف من سائر الحركات، ومن ~~العرب من يقول «آمين» فيمده، ومنه قول الشاعر: # [البسيط] # آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أبلغها ألفين آمينا # ومن العرب من يقول «أمين» بالقصر، ومنه قول الشاعر: [جبير بن الأضبط] . # تباعد مني فطحل إذ رأيته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # واختلف الناس في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن وافق تأمينه ~~تأمين الملائكة» فقيل في الإجابة، وقيل في خلوص النية، وقيل في الوقت، ~~والذي يترجح أن المعنى فمن وافق في الوقت مع خلوص النية، والإقبال على ~~الرغبة إلى الله تعالى بقلب سليم، والإجابة تتبع حينئذ، لأن من هذه حاله ~~فهو على الصراط المستقيم. PageV01P080 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البقرة # هذه السورة مدنية، نزلت في مدد شتى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهي: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون [البقرة: 280] . # ويقال لسورة البقرة: «فسطاط القرآن» ms0052 وذلك لعظمها وبهائها وما تضمنت من ~~الأحكام والمواعظ. # وتعلمها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بفقهها وجميع ما تحتوي عليه من ~~العلوم في ثمانية أعوام، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا. # وروى الحسن بن أبي الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أي ~~القرآن أفضل؟» قالوا: # الله ورسوله أعلم. قال: «سورة البقرة» ثم قال: «وأيها أفضل؟» قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: «آية الكرسي» . # ويقال إن آيات الرحمة والرجاء والعذاب تنتهي فيها معانيها إلى ثلاثمائة ~~وستين معنى. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت سورة البقرة من الذكر ~~الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى. وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم ~~سورة البقرة من تحت العرش» . # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تجيء البقرة ~~وآل عمران يوم القيامة كأنهما غيايتان بينهما شرف، أو غمامتان سوداوان، أو ~~كأنهما ظلة من طير صواف تجادلان عن صاحبهما» . # وفي البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة ~~البقرة في ليلة كفتاه» . # وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البيت الذي تقرأ فيه ~~سورة البقرة لا يدخله الشيطان» . # وروي عنه عليه السلام أنه قال: «لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة، ~~فيها آية هي سيدة أي القرآن هي آية الكرسي» . # وعدد آي سورة البقرة مائتان وخمس وثمانون آية، وقيل: ست وثمانون، وقيل ~~سبع وثمانون. # قوله تعالى: ### || [سورة البقرة (2) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) # اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين: PageV01P081 # قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: «هي سر ~~الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم ~~فيها، ولكن يؤمن بها وتمر كما جاءت» . # وقال الجمهور من العلماء: «بل يجب أن يتكلم فيها وتلتمس الفوائد التي ~~تحتها والمعاني التي تتخرج عليها» واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولا: # فقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله ms0053 عنهما: «الحروف المقطعة في ~~القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها» . # وقال ابن عباس أيضا: «هي أسماء الله أقسم بها» . # وقال زيد بن أسلم: «هي أسماء للسور» . # وقال قتادة: «هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر» . # وقال مجاهد: «هي فواتح للسور» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كما يقولون في أول الإنشاد ~~لشهير القصائد: «بل» و «لا بل» . نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش. # وقال قوم: «هي حساب أبي جاد لتدل على مدة ملة محمد صلى الله عليه وسلم ~~كما ورد في حديث حيي بن أخطب» وهو قول أبي العالية رفيع وغيره. # وقال قطرب وغيره: «هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما ~~تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم، فقوله الم بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، ~~لتدل بها على التسعة والعشرين حرفا» . # وقال قوم: «هي أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على ~~محمد كتابا في أول سور منه حروف مقطعة» . # وقال ابن عباس: «هي حروف تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، أنا الله ~~أفصل» . # وقال ابن جبير عن ابن عباس: «هي حروف كل واحد منها إما أن يكون من اسم من ~~أسماء الله، وإما من نعمة من نعمه، وإما من اسم ملك من ملائكته، أو نبي من ~~أنبيائه» . # وقال قوم: «هي تنبيه ك «يا» في النداء» . # وقال قوم: «روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ~~ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة» . # قال القاضي أبو محمد: والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس ~~لها التأويل، لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل ~~الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر: # [الوليد بن المغيرة] [الرجز] . # قلنا لها قفي فقالت قاف PageV01P082 # أراد قالت: وقفت. وكقول القائل: [زهير بن أبي سلمى] [الرجز] . # بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا # أراد: وإن شرا فشر، وأراد: إلا ms0054 أن تشاء. والشواهد في هذا كثيرة، فليس ~~كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان من معهود كلام ~~العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، والوقف على هذه الحروف على السكون ~~لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها. # وموضع الم من الإعراب رفع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو على أنه ابتداء، ~~أو نصب بإضمار فعل، أو خفض بالقسم، وهذا الإعراب يتجه الرفع منه في بعض ~~الأقوال المتقدمة في الحروف، والنصب في بعض، والخفض في قول ابن عباس رضي ~~الله عنه أنها أسماء لله أقسم بها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 2] # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) # الاسم من ذلك الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد ~~المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع ذلك رفع كأنه خبر ابتداء، أو ~~ابتداء وخبره بعده، واختلف في ذلك هنا فقيل: هو بمعنى «هذا» ، وتكون ~~الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن. # قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه قد يشار ب «ذلك» إلى حاضر تعلق به بعض ~~الغيبة وب «هذا» إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقرب. وقيل: هو على ~~بابه إشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من ~~القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ أي الكتاب الذي هو ~~القدر وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، ~~فأشار إلى ذلك الوعد. # وقال الكسائي: «ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد» . ~~وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا، فالإشارة إلى ~~ذلك الوعد. وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال الم حروف ~~المعجم التي تحديتكم بالنظم منها. # ولفظ الكتاب مأخوذ من «كتبت الشيء» إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ككتب ~~الخرز بضم الكاف وفتح التاء وكتب الناقة. # ورفع الكتاب يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان. ولا ~~ريب ms0055 فيه معناه: لا شك فيه ولا ارتياب به والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه ~~وإن وقع ريب للكفار. # وقال قوم: لفظ قوله لا ريب فيه لفظ الخبر ومعناه النهي. # وقال قوم: هو عموم يراد به الخصوص أي عند المؤمنين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. PageV01P083 # وقرأ الزهري، وابن محيصن، ومسلم بن جندب، وعبيد بن عمير: «فيه» بضم الهاء ~~وكذلك «إليه» و «عليه» و «به» و «نصله» ونوله وما أشبه ذلك حيث وقع على ~~الأصل. وقرأ ابن إسحاق: «فيهو» ضم الهاء ووصلها بواو. # وهدى معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر ذلك، أو خبر ~~ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله، ويصح أن يكون موضعه نصبا ~~على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من ~~الضمير في فيه، والعامل معنى الاستقرار وفي هذا القول ضعف. # وقوله للمتقين اللفظ مأخوذ من وقى، وفعله اتقى، على وزن افتعل، وأصله ~~«للموتقيين» استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو ~~تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار ~~للمتقين. والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، ~~كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 3] # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) # يؤمنون معناه يصدقون ويتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام كما قال تعالى: ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم [آل عمران: 73] وكما قال: فما آمن لموسى [يونس: ~~83] وبين التعديتين فرق، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تعد بالباء يفهم ~~من المعنى. واختلف القراء في همز يؤمنون فكان ابن كثير ونافع وعاصم وابن ~~عامر وحمزة والكسائي يهمزون «يؤمنون» وما أشبه، مثل يأكلون، ويأمرون، ~~ويؤتون وكذلك مع تحرك الهمزة مثل «يؤخركم» و «يؤوده» إلا أن حمزة كان يستحب ~~ترك الهمز إذا وقف، والباقون يقفون بالهمز. # وروى ورش عن نافع ترك الهمز في جميع ذلك. وقد روي عن عاصم أنه لم يكن ~~يهمز الهمزة الساكنة. # وكان ms0056 أبو عمرو إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة لم يهمز كل همزة ساكنة، ~~إلا أنه كان يهمز حروفا من السواكن بأعيانها ستذكر في مواضعها إن شاء الله. ~~وإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها مثل ننسأها [البقرة: 105] ~~وهيئ لنا [الكهف: 8] وما أشبهه. # وقوله: بالغيب قالت طائفة: معناه يصدقون إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين ~~الذين يؤمنون إذا حضروا ويكفرون إذا غابوا. وقال آخرون: معناه يصدقون بما ~~غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع. # واختلفت عبارة المفسرين في تمثيل ذلك، فقالت فرقة: «الغيب في هذه الآية ~~هو الله عز وجل» وقال آخرون: «القضاء والقدر» وقال آخرون: «القرآن وما فيه ~~من الغيوب» وقال آخرون: «الحشر والصراط والميزان والجنة والنار» . # قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها، ~~والغيب في اللغة: # ما غاب عنك من أمر، ومن مطمئن الأرض الذي يغيب فيه داخله. PageV01P084 # وقوله: يقيمون معناه يظهرونها ويثبتونها، كما يقال: أقيمت السوق، وهذا ~~تشبيه بالقيام من حالة خفاء، قعود أو غيره، ومنه قول الشاعر: [الكامل] . # وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعان # ومنه قول الشاعر: [المتقارب] # أقمنا لأهل العراقين سوق الط ... طعان فخاموا وولوا جميعا # وأصل يقيمون يقومون، نقلت حركة الواو إلى القاف فانقلبت ياء لكون الكسرة ~~قبلها. والصلاة مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، كما قال الشاعر: [البسيط] # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... يوما فإن لجنب المرء مضطجعا # ومنه قول الآخر: [الطويل] # لها حارس لا يبرح الدهر بيتها ... وإن ذبحت صلى عليها وزمزما # فلما كانت الصلاة في الشرع دعاء انضاف إليه هيئات وقراءة سمي جميع ذلك ~~باسم الدعاء. وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق ~~عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صلوي ~~السابق، فاشتقت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من ~~الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صلواه. # قال القاضي أبو محمد: والقول إنها من الدعاء أحسن. # وقوله تعالى: ومما ms0057 رزقناهم ينفقون كتبت «مما» متصلة «وما» بمعنى «الذي» ~~فحقها أن تكون منفصلة، إلا أن الجار والمجرور كشيء واحد، وأيضا فلما خفيت ~~نون «من» في اللفظ حذفت في الخط. # والرزق عند أهل السنة. ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، بخلاف قول ~~المعتزلة إن الحرام ليس برزق. وينفقون معناه هنا يؤتون ما ألزمهم الشرع من ~~زكاة وما ندبهم إليه من غير ذلك. # قال ابن عباس: ينفقون يؤتون الزكاة احتسابا لها» . # قال غيره: «الآية في النفقة في الجهاد» . # قال الضحاك: «هي نفقة كانوا يتقربون بها إلى الله عز وجل على قدر يسرهم» ~~. # قال ابن مسعود وابن عباس أيضا: «هي نفقة الرجل على أهله» . # قال القاضي أبو محمد: والآية تعم الجميع. وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 4 الى 5] # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) # اختلف المتأولون فيمن المراد بهذه الآية وبالتي قبلها. PageV01P085 # فقال قوم: «الآيتان جميعا في جميع المؤمنين» . # وقال آخرون: «هما في مؤمني أهل الكتاب» . # وقال آخرون: «الآية الأولى في مؤمني العرب، والثانية في مؤمني أهل ~~الكتاب، كعبد الله بن سلام، وفيه نزلت» . # قال القاضي أبو محمد: فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب والذين خفض على ~~العطف، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف، «أي وهم الذين» ومن جعل الآيتين ~~في صنفين، فإعراب «الذين» رفع على الابتداء، وخبره أولئك على هدى ويحتمل أن ~~يكون عطفا. # وقوله: بما أنزل إليك يعني القرآن وما أنزل من قبلك يعني الكتب السالفة. ~~وقرأ أبو حيوة ويزيد بن قطيب. «بما أنزل ... وما أنزل» بفتح الهمزة فيهما ~~خاصة. والفعل على هذا يحتمل أن يستند إلى الله تعالى، ويحتمل إلى جبريل، ~~والأول أظهر وألزم. وبالآخرة قيل معناه بالدار الآخرة، وقيل بالنشأة ~~الآخرة. # ويوقنون معناه يعلمون علما متمكنا في نفوسهم. واليقين أعلى درجات العلم، ~~وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه وقول مالك رحمه الله: «فيحلف على ms0058 يقينه ~~ثم يخرج الأمر على خلاف ذلك» تجوز منه في العبارة على عرف تجوز العرب، ولم ~~يقصد تحرير الكلام في اليقين. # وقوله تعالى: أولئك إشارة إلى المذكورين، و «أولاء» جمع «ذا» ، وهو مبني ~~على الكسر لأنه ضعف لإبهامه عن قوة الأسماء، وكان أصل البناء السكون فحرك ~~لالتقاء الساكنين، والكاف للخطاب، و «الهدى» هنا الإرشاد. وأولئك الثاني ~~ابتداء، والمفلحون خبره، وهم فصل، لأنه وقع بين معرفتين ويصح أن يكون هم ~~ابتداء، والمفلحون خبره، والجملة خبر أولئك، والفلاح الظفر بالبغية وإدراك ~~الأمل ومنه قول لبيد: [الرمل] . # اعقلي إن كنت لما تعقلي ... ولقد أفلح من كان عقل # وقد وردت للعرب أشعار فيها الفلاح بمعنى البقاء، كقوله: [الطويل] ونرجو ~~الفلاح بعد عاد وحمير وقول الأضبط: [المنسرح] # لكل هم من الهموم سعه ... والصبح والمسى لا فلاح معه # والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه وحكى ~~الخليل الفلاح على المعنيين. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 6 الى 7] # إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) PageV01P086 # معنى الكفر مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ~~ربيعة: [الكامل] في ليلة كفر النجوم غمامها أي سترها ومنه سمي الليل كافرا ~~لأنه يغطي كل شيء بسواده قال الشاعر: [ثعلبة بن صغيرة] : # [الكامل] . # فتذكر ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر # ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، ف «كفر» في الدين معناه غطى ~~قلبه بالرين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله. # واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار ~~قد أسلموا بعدها. # فقال قوم: «هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم ~~أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحد» . # وقال ابن عباس: «نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب، وأبي ياسر وابن الأشرف ~~ونظرائهم» وقال الربيع بن ms0059 أنس: «نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر» ~~. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا حكي هذا القول، وهو ~~خطأ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما ترتيب الآية في أصحاب ~~القليب، والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحدا فإنما ~~مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية. وقوله: سواء عليهم ~~معناه معتدل عندهم، ومنه قول الشاعر: [أعشى قيس] : [الطويل] # وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها # قال أبو علي: في اللفظة أربع لغات: سوى بكسر السين، وسواء بفتحها والمد، ~~وهاتان لغتان معروفتان، ومن العرب من يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ~~ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك. # ويقال سي بمعنى سواء كما قالوا: «قي، وقواء» ، وسواء رفع على خبر إن، أو ~~رفع على الابتداء وخبره فيما بعده، والجملة خبر إن، ويصح أن يكون خبر إن لا ~~يؤمنون. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع: «آنذرتهم» بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ~~ذلك في جميع القرآن، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خفف، غير أن مد أبي عمرو ~~أطول من مد ابن كثير، لأنه يدخل بين الهمزتين ألفا، وابن كثير لا يفعل ذلك. ~~وروى قالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع إدخال الألف بين الهمزتين مع تخفيف ~~الثانية. وروى عنه ورش تخفيف الثانية بين بين دون إدخال ألف بين الهمزتين، ~~فأما عاصم وحمزة والكسائي إذا حقق وابن عامر: فبالهمزتين «أأنذرتهم» ، وما ~~كان مثله في كل القرآن. # وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما. PageV01P087 # وقرأ الزهري وابن محيصن «أنذرتهم» بحذف الهمزة الأولى، وتدل أم على الألف ~~المحذوفة، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها، وحكاية مثل ذلك ~~في كتب التفسير عناء. والإنذار إعلام بتخويف، هذا حده، وأنذرت فعل يتعدى ~~إلى مفعولين. # قال الله عز وجل: فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [فصلت: 13] ~~وقال: نا أنذرناكم عذابا قريبا # [النساء: 40] وأحد المفعولين في هذه ms0060 الآية محذوف لدلالة المعنى عليه. # وقوله تعالى: أأنذرتهم أم لم تنذرهم لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، ~~وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام، ألا ~~ترى أنك إذا قلت مخبرا سواء علي أقعدت أم ذهبت، وإذا قلت مستفهما أخرج زيد ~~أم قام، فقد استوى الأمران عندك، هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام وعدم ~~علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام ~~لمشاركته إياه في الإبهام، وكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية ~~استفهاما. # وقوله تعالى: ختم الله مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت ~~طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض ~~مع زيادة الضلال والإعراض إصبعا إصبعا. # وقال آخرون: ذلك على المجاز، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال ~~والإعراض عن الإيمان سماه ختما. # وقال آخرون ممن حمله على المجاز: «الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر ~~الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلانا وإنما ~~أهلكه سوء تصرفه فيه» . # وقرأ الجمهور: وعلى سمعهم. # وقرأ ابن أبي عبلة: «وعلى أسماعهم» ، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع ~~للقليل والكثير، وأيضا فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على ~~المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه. # والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة: [البسيط] # هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما # وقال الآخر: [الحارث بن خالد المخزومي] : [الطويل] # تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها # ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره. # وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه «غشاوة» بالنصب على تقدير وجعل على ~~أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على ~~الأبصار، والوقف على قوله وعلى سمعهم. PageV01P088 # وقرأ الباقون «غشاوة» بالرفع. # قال أبو علي: «وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر ~~فيعترض في ذلك أنك حلت بين ms0061 حرف العطف والمعطوف به» وهذا عندنا إنما يجوز في ~~الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء ~~الكلام من باب: «متقلدا سيفا ورمحا» وقول الآخر: # [الرجز] : # علفتها تبنا وماء باردا ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. ~~فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة» . # قال: «ولم أسمع من الغشاوة فعلا مصرفا بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان ~~معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة ~~من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه ~~فعل كما لم يصرف من الجباوة» . # وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله على ~~قلوبهم. # وقال آخرون: «الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم» . # قال القاضي أبو محمد: وقد ذكرنا اعتراض أبي علي هذا القول. # وقرأ أبو حيوة «غشوة» ، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش. # وقال الثوري: «كان أصحاب عبد الله يقرؤونها «غشية» بفتح الغين والياء ~~والرفع» . # وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين، وأصوب هذه ~~القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء ~~التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة ~~والعصابة والربابة وغير ذلك. # وقوله تعالى: ولهم عذاب عظيم معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله ~~استوجبوا ذلك، وعظيم معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا ~~التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد ~~تخلل الآخر ما ليس بسواد. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 9] # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) # كان أصل النون أن تكسر لالتقاء الساكنين، لكنها تفتح مع الألف واللام. ~~ومن قال: استثقلت كسرتان تتوالى في كلمة على حرفين فمعترض بقولهم من ابنك ~~ومن اسمك وما أشبهه. PageV01P089 # واختلف النحويون في لفظة الناس فقال قوم: «هي ms0062 من نسي فأصل ناس نسي قلب ~~فجاء نيس تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فقيل ناس، ثم دخلت ~~الألف واللام» . # وقال آخرون: ناس اسم من أسماء الجموع دون هذا التعليل، دخلت عليه الألف ~~واللام. # وقال آخرون: «أصل ناس أناس دخلت الألف واللام فجاء الأناس، حذفت الهمزة ~~فجاء الناس أدغمت اللام في النون لقرب المخارج» . وهذه الآية نزلت في ~~المنافقين. # وقوله تعالى: من يقول آمنا بالله رجع من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب ~~لفظ من ومعناها، وحسن ذلك لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن ~~يرجع متكلم من لفظ جمع إلى توحيد، لو قلت ومن الناس من يقولون ويتكلم لم ~~يجز. # وسمى الله تعالى يوم القيامة باليوم الآخر لأنه لا ليل بعده، ولا يقال ~~يوم إلا لما تقدمه ليل، ثم نفى تعالى الإيمان عن المنافقين، وفي ذلك رد على ~~الكرامية في قولهم إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: يخادعون الله. # فقال الحسن بن أبي الحسن: «المعنى يخادعون رسول الله فأضاف الأمر إلى ~~الله تجوزا لتعلق رسوله به، ومخادعتهم هي تحيلهم في أن يفشي رسول الله ~~والمؤمنون لهم أسرارهم فيتحفظون مما يكرهونه ويتنبهون من ضرر المؤمنين على ~~ما يحبونه» . # وقال جماعة من المتأولين: «بل يخادعون الله والمؤمنين، وذلك بأن يظهروا ~~من الإيمان خلاف ما أبطنوا من الكفر ليحقنوا دماءهم ويحرزوا أموالهم ويظنون ~~أنهم قد نجوا وخدعوا وفازوا، وإنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب وما ~~شعروا لذلك» . # واختلف القراء في يخادعون الثاني. # فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «يخادعون» . # وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: «وما يخدعون» . # وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بن أبي سبرة: «يخدعون» بضم ~~الياء. # وقرأ قتادة ومورق العجلي: «يخدعون» بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال ~~وشدها. فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل ~~الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ويجيء ذلك كما قال الشاعر: [عمرو بن ~~كلثوم] : [الوافر] . # ألا لا ms0063 يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # فجعل انتصاره جهلا، ويؤيد هذا المنزع في هذه الآية أن فاعل قد تجيء من ~~واحد كعاقبت اللص وطارقت النعل. وتتجه أيضا هذه القراءة بأن ينزل ما يخطر ~~ببالهم ويهجس في خواطرهم من الدخول في PageV01P090 # الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة ~~أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين. وقد قال الشاعر: [الكميت] [الطويل] . # تذكر من أنى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الإبل # وأنشد ابن الأعرابي: [المنسرح] # لم تدر ما لا ولست قائلها ... عمرك ما عشت آخر الأبد # ولم تؤامر نفسيك ممتريا في ... ها وفي أختها ولم تكد # وقال الآخر: # يؤامر نفسيه وفي العيش فسحة ... أيستوتغ الذوبان أم لا يطورها # وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي: [الطويل] # وكنت كذات الضنء لم تدر إذ بغت ... تؤامر نفسيها أتسرق أم تزني # ووجه قراءة عاصم ومن ذكر، أن ذلك الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها، تقول: ~~«خادعت الرجل» بمعنى أعملت التحيل عليه، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ ~~فيه المراد، والمصدر «خدع» بكسر الخاء وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. فمعنى ~~الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم وفيها. ووجه قراءة أبي طالوت أحد ~~أمرين إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل ~~الفعل كما قال تعالى: واختار موسى قومه [الأعراف: 155] أي من قومه وإما أن ~~يكون «يخدعون» أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا ~~أنفسهم، ونحوه قول الله تعالى: ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم [البقرة: 187] ~~ولا تقول رفثت إلى المرأة ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك، ومنه قوله ~~تعالى: هل لك إلى أن تزكى [النازعات: 18] وإنما يقال هل لك في كذا، ولكن ~~لما كان المعنى أجد بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن، وهو باب سني من فصاحة ~~الكلام، ومنه قول الفرزدق: # [الرجز] . # كيف تراني قالبا مجني ... قد قتل الله زيادا عني # لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف. ومنه قول الآخر: [نحيف ms0064 العامري] : ~~[الوافر] # إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها # لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي. # وأما الكسائي فقال في هذا البيت: «وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى ~~أمور في اللسان مجرى نقائضها» . # ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع، إذ هو مصير إلى عذاب الله. # قال الخليل: «يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة، كما يقال عالجت ~~المريض لمكان المهلة» . PageV01P091 # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا من دقيق نظره وكأنه يرد ~~فاعل إلى الاثنين، ولا بد من حيث ما فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم ~~في المعنى الذي تجيء فيه فاعل. # وقوله تعالى: وما يشعرون معناه وما يعلمون علم تفطن وتهد، وهي لفظة ~~مأخوذة من الشعار كأن الشيء المتفطن له شعار للنفس، والشعار الثوب الذي يلي ~~جسد الإنسان، وهو مأخوذ من الشعر، والشاعر المتفطن لغريب المعاني. # وقولهم: «ليت شعري» معناه ليت فطنتي تدرك، ومن هذا المعنى قول الشاعر: ~~[المنخل الهذلي] . # عقوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاؤوا وقالوا حبذا الوضح # واختلف ما الذي نفى الله عنهم أن يشعروا له. فقالت طائفة: «وما يشعرون أن ~~ضرر تلك المخادعة راجع عليهم لخلودهم في النار» . # وقال آخرون: «وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ومخادعتهم في قولهم آمنا» ~~. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 10 الى 12] # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) ~~وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون (12) # المرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء المنافقين وذلك إما أن ~~يكون شكا، وإما جحدا بسبب حسدهم مع علمهم بصحة ما يجحدون، وبنحو هذا فسر ~~المتأولون. # وقال قوم: «المرض غمهم بظهور أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم» . # وقرأ الأصمعي عن أبي عمر: «مرض» بسكون الراء وهي لغة في المصدر قال أبو ~~الفتح: «وليس بتخفيف» . # واختلف المتأولون في معنى قوله فزادهم الله مرضا فقيل ms0065 هو دعاء عليهم، ~~وقيل هو خبر أن الله قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ~~ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض. # وقرأ حمزة: «فزادهم» بكسر الزاي، وكذلك ابن عامر. وكان نافع يشم الزاي ~~إلى الكسر، وفتح الباقون. وأليم معناه مؤلم كما قال الشاعر وهو عمرو بن ~~معدي كرب: [الوافر] . # أمن ريحانة الداعي السميع بمعنى: مسمع. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «يكذبون» بضم الياء وتشديد ~~الذال. # وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الذال. فالقراءة بالتثقيل يؤيدها قوله ~~تعالى قبل وما هم بمؤمنين PageV01P092 # فهذا إخبار بأنهم يكذبون. والقراءة بالتخفيف يؤيدها أن سياق الآيات إنما ~~هي إخبار بكذبهم، والتوعد بالعذاب الأليم، متوجه على الكذب في مثل هذه ~~النازلة، إذ هو منطو على الكفر، وقراءة التثقيل أرجح. وإذا ظرف زمان، وحكي ~~عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة خرجت فإذا زيد ظرف مكان، لأنها تضمنت ~~جثة، وهذا مردود لأن المعنى «خرجت فإذا حضور زيد» فإنما تضمنت المصدر، كما ~~يقتضيه سائر ظروف الزمان، ومنه قولهم: «اليوم خمر، وغدا أمر» فمعناه وجود ~~خمر ووقوع أمر، والعامل في إذا في هذه الآية قالوا. وأصل قيل قول نقلت حركة ~~الواو إلى القاف فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. # وقرأ الكسائي: «قيل وغيض وسيء وسيئت وحيل وسيق وجيء» بضم أوائل ذلك كله. ~~وروي مثل ذلك عن ابن عامر. وروي أيضا عنه أنه كسر «غيض وقيل وجيء» ، الغين ~~والقاف والجيم حيث وقع من القرآن وضم نافع من ذلك كله حرفين «سيء وسيئت» ~~وكسر ما بقي. وكان ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة يكسرون أوائل هذه الحروف ~~كلها، والضمير في لهم هو عائد إلى المنافقين المشار إليهم قبل. # وقال بعض الناس: «الإشارة هنا هي إلى منافقي اليهود» . # وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: لم يجىء هؤلاء بعد ~~ومعنى قوله: لم ينقرضوا بل هم يجيئون في كل زمان. # ولا تفسدوا في الأرض معناه بالكفر وموالاة الكفرة، ونحن ms0066 اسم من ضمائر ~~المرفوع مبني على الضم، إذ كان اسما قويا يقع للواحد المعظم والاثنين ~~والجماعة، فأعطي أسنى الحركات. # وأيضا فلما كان في الأغلب ضمير جماعة، وضمير الجماعة في الأسماء الظاهرة ~~الواو أعطي الضمة إذ هي أخت الواو، ولقول المنافقين: إنما نحن مصلحون ثلاث ~~تأويلات: # أحدها: جحد أنهم مفسدون وهذا استمرار منهم على النفاق. # والثاني: أن يقروا بموالاة الكفار ويدعون أنها صلاح من حيث هم قرابة ~~توصل. # والثالث: أنهم مصلحون بين الكفار والمؤمنين، فلذلك يداخلون الكفار. وألا ~~استفتاح كلام، و «إن» بكسر الألف استئناف، وهم الثاني رفع بالابتداء، ~~والمفسدون خبره والجملة خبر «إن» ، ويحتمل أن يكون فصلا ويسميه الكوفيون: ~~«العماد» ويكون المفسدون خبر «إن» ، فعلى هذا لا موضع ل هم من الإعراب، ~~ويحتمل أن يكون تأكيدا للضمير في أنهم فموضعه نصب، ودخلت الألف واللام في ~~قوله: المفسدون لما تقدم ذكر اللفظة في قوله: لا تفسدوا فكأنه ضرب من ~~العهد، ولو جاء الخبر عنهم ولم يتقدم من اللفظة ذكر لكان ألا إنهم مفسدون. ~~قاله الجرجاني. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الألف واللام تتضمن المبالغة كما تقول زيد هو ~~الرجل أي حق الرجل، فقد تستغني عن مقدمة تقتضي عهدا، ولكن بجملته حرف ~~استدراك، ويحتمل أن يراد هنا لا يشعرون أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد لا ~~يشعرون أن الله يفضحهم، وهذا مع أن يكون قولهم إنما نحن مصلحون جحدا محضا ~~للإفساد. والاحتمال الأول هو بأن يكون قولهم: إنما نحن مصلحون اعتقادا منهم ~~أنه PageV01P093 # صلاح في صلة القرابة، أو إصلاح بين المؤمنين والكافرين. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 13 الى 14] # وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن (14) # المعنى صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، مثل ما صدقه المهاجرون ~~والمحققون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خفت عقولهم؟ والسفه الخفة ~~والرقة الداعية إلى الخفة ms0067 يقال «ثوب سفيه» إذا كان رقيقا مهلهل النسج، ومنه ~~قول ذي الرمة: [الطويل] # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # وهذا القول إنما كانوا يقولونه في خفاء فأطلع الله عليه نبيه والمؤمنين، ~~وقرر أن السفه ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هو في حيزهم وصفة لهم، وأخبر ~~أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء للرين الذي على قلوبهم. # وقال قوم: «الآية نزلت في منافقي اليهود، والمراد بالناس عبد الله بن ~~سلام ومن أسلم من بني إسرائيل» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا تخصيص لا دليل عليه. # ولقوا أصله لقيوا استثقلت الضمة على الياء فسكنت فاجتمع الساكنان فحذفت ~~الياء. وقرأ ابن السميفع «لاقوا الذين» . وهذه كانت حال المنافقين إظهار ~~الإيمان للمؤمنين وإظهار الكفر في خلواتهم بعضهم مع بعض، وكان المؤمنون ~~يلبسونهم على ذلك لموضع القرابة فلم تلتمس عليهم الشهادات ولا تقرر تعينهم ~~في النفاق تقررا يوجب لوضوحه الحكم بقتلهم وكان ما يظهرونه من الإيمان يحقن ~~دماءهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم ويدعهم في غمرة ~~الاشتباه مخافة أن يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه فينفر الناس حسبما قال عليه ~~السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال له في وقت قول عبد الله بن أبي ~~ابن سلول: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» القصة: «دعني ~~يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق» فقال: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدا ~~يقتل أصحابه» . # فهذه طريقة أصحاب مالك رضي الله عنه في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن المنافقين مع علمه بكفرهم في الجملة. نص على هذا محمد بن الجهم وإسماعيل ~~القاضي والأبهري وابن الماجشون واحتج بقوله تعالى: لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا [الأحزاب: 60- 61] ~~. قال قتادة: # «معناه إذا هم أعلنوا النفاق» . PageV01P094 # قال مالك رحمه الله: «النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~الزندقة فينا اليوم، فيقتل ms0068 الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، لأنه لا ~~يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ~~ليسن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين» . # قال القاضي إسماعيل: «لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ~~ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه وحده، ولو شهد على أحد منهم ~~رجلان بكفره ونفاقه لقتل» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أقوى من انفراد زيد وغيره أن ~~اللفظ ليس بصريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر. # قال الشافعي رحمه الله: «السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن ~~بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه» . وبه قال ~~أصحاب الرأي والطبري وغيرهم. # قال الشافعي وأصحابه: «وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ~~المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام بألسنتهم مع العلم بنفاقهم لأن ما ~~يظهرونه يجب ما قبله فمن قال إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكفار فقد ~~خالف معنى الكتاب والسنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله على ~~المنافقين» . # قال الله تعالى: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون. # [المنافقون: 1] . # قال الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأهل الحديث: فالمعنى الموجب لكف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع العلم بهم أن الله تعالى نهاه ~~عن قتلهم إذا أظهروا الإيمان وصلوا فكذلك هو الزنديق. # واحتج ابن حنبل بحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار عن رجل من الأنصار في ~~الذي شهد عليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفاق فقال: «أليس يشهد ~~أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا بلى ولا شهادة له، قال: أليس ~~يصلي؟ قالوا بلى ولا صلاة له، قال: أولئك الذين نهاني الله عنهم» . # وذكر أيضا أهل الحديث ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms0069 قال ~~فيهم: «لعل الله سيخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ويصدق المرسلين ويخلص ~~العبادات لرب العالمين» . # قال أبو جعفر الطبري في كتاب اللطيف في باب المرتد: «إن الله تعالى قد ~~جعل الأحكام بين عباده على الظاهر وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه ~~فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان ~~أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حكم للمنافقين بحكم ~~المسلمين بما أظهروا ووكل سرائرهم إلى الله وقد كذب الله ظاهرهم في قوله ~~تعالى: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [المنافقون: 1] . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ينفصل المالكيون عما ألزموه ~~من هذه الآية بأنها لم PageV01P095 # تعين أشخاصهم وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموض عليه بالنفاق وبقي لكل واحد ~~منهم أن يقول لم أرد بها ولا أنا إلا مؤمن ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا. # وقوله تعالى: وإذا خلوا إلى شياطينهم وصلت خلوا ب إلى وعرفها أن توصل ~~بالباء فتقول خلوت بفلان من حيث نزلت خلوا في هذا الموضع منزلة ذهبوا ~~وانصرفوا، إذ هو فعل معادل لقوله لقوا، وهذا مثل ما تقدم من قول الفرزدق: ~~[الرجز] # كيف تراني قالبا مجني ... فقد قتل الله زيادا عني # لما أنزله منزلة صرف ورد. # قال مكي: «يقال خلوت بفلان بمعنى سخرت به فجاءت إلى في الآية زوالا عن ~~الاشتراك في الباء» . # وقال قوم: إلى بمعنى مع، وفي هذا ضعف ويأتي بيانه إن شاء الله في قوله ~~تعالى: من أنصاري إلى الله. [آل عمران: 52، الصف: 14] . # وقال قوم: إلى بمعنى الباء إذ حروف المعاني يبدل بعضها من بعض. وهذا ضعيف ~~يأباه الخليل وسيبويه وغيرهما. # واختلف المفسرون في المراد بالشياطين فقال ابن عباس رضي الله عنه: «هم ~~رؤساء الكفر» . # وقال ابن الكلبي وغيره: «هم شياطين الجن» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا في الموضع بعيد. # وقال جمع من المفسرين: «هم الكهان» . ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن ~~الإيمان والخير يعم جميع من ذكر ms0070 والمنافقين حتى يقدر كل واحد شيطان غيره، ~~فمنهم الخالون، ومنهم الشياطين. # ومستهزؤن معناه نتخذ هؤلاء الذين نصانعهم بإظهار الإيمان هزوا ونستخف ~~بهم. # ومذهب سيبويه رحمه الله أن تكون الهمزة مضمومة على الواو في مستهزؤن. ~~وحكى عنه أبو علي أنها تخفف بين بين. # ومذهب أبي الحسن الأخفش أن تقلب الهمزة ياء قلبا صحيحا فيقرأ «مستهزيون» ~~. # قال ابن جني: «حمل الياء الضمة تذكرا لحال الهمزة المضمومة والعرب تعاف ~~ياء مضمومة قبلها كسرة» . # وأكثر القراء على ما ذهب إليه سيبويه، ويقال «هزىء واستهزأ» بمعنى، فهو ~~«كعجب واستعجب» ، ومنه قول الشاعر [أوس بن حجر] : [الطويل] # ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم PageV01P096 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 15 الى 16] # الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) # اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء فقال جمهور العلماء: «هي تسمية العقوبة ~~باسم الذنب» . # والعرب تستعمل ذلك كثيرا، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم] : [الوافر] . # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقال قوم: إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزو حسبما ~~يروى أن النار تجمد كما تجمد الإهالة فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف ~~بهم، وما يروى أن أبواب النار تفتح لهم فيذهبون إلى الخروج، نحا هذا المنحى ~~ابن عباس والحسن، وقال قوم: استهزاؤه بهم هو استدراجهم من حيث لا يعلمون، ~~وذلك أنهم بدرور نعم الله الدنيوية عليهم يظنون أنه راض عنهم وهو تعالى قد ~~حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء. # ويمدهم معناه يزيدهم في الطغيان. وقال مجاهد: «معناه يملي لهم» ، قال ~~يونس بن حبيب: # «يقال مد في الشر وأمد في الخير» وقال غيره: «مد الشيء ومده ما كان مثله ~~ومن جنسه، وأمده ما كان مغايرا له، تقول: مد النهر ومده نهر آخر، ويقال ~~أمده» . # قال اللحياني: «يقال لكل شيء دخل فيه مثله فكثره مده يمده مدا، وفي ~~التنزيل: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ms0071 [لقمان: 27] . ومادة الشيء ما يمده ~~دخلت فيه الهاء للمبالغة» . # قال ابن قتيبة وغيره: «مددت الدواة وأمددتها بمعنى» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يشبه أن يكون «مددتها» جعلت ~~إلى مدادها آخر، و «أمددتها» جعلتها ذات مداد، مثل «قبر، وأقبر، وحصر، ~~وأحصر» ، ومددنا القوم صرنا لهم أنصارا، وأمددناهم بغيرنا. وحكى اللحياني ~~أيضا أمد الأمير جنده بالخيل، وفي التنزيل: وأمددناكم بأموال وبنين ~~[الإسراء: 6] . # قال بعض اللغويين: ويمدهم في طغيانهم يمهلهم ويلجهم. # قال القاضي أبو محمد: فتحتمل اللفظة أن تكون من المد الذي هو المطل ~~والتطويل، كما فسر في: # عمد ممددة [الهمزة: 9] . ويحتمل أن تكون من معنى الزيادة في نفس الطغيان، ~~والطغيان الغلو وتعدي الحد كما يقال: «طغا الماء وطغت النار» . وروي عن ~~الكسائي إمالة طغيانهم. # ويعمهون يترددون حيرة، والعمه الحيرة من جهة النظر، والعامة الذي كأنه لا ~~يبصر من التحير في ظلام أو فلاة أو هم. # وقوله: أولئك إشارة إلى المتقدم ذكرهم، وهو رفع بالابتداء والذين خبره، ~~واشتروا PageV01P097 # صلة ل الذين، وأصله اشتريوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ~~فحذفت لالتقاء الساكنين، وقيل استثقلت الضمة على الياء فسكنت وحذفت ~~للالتقاء وحركت الواو بعد ذلك للالتقاء بالساكن بعدها، وخصت بالضم لوجوه ~~منها أن الضمة أخت الواو وأخف الحركات عليها، ومنها أنه لما كانت واو جماعة ~~ضمت كما فعل بالنون في «نحن» . ومنها أنها ضمت اتباعا لحركة الياء المحذوفة ~~قبلها. # قال أبو على: «صار الضم فيها أولى ليفصل بينها وبين واو «أو» و «لو» إذ ~~هذان يحركان بالكسر» . # وقرأ أبو السمال قعنب العدوي بفتح الواو في: «اشتروا الضلالة» . # وقرأها يحيى بن يعمر بكسر الواو. والضلالة والضلال: التلف نقيض الهدى ~~الذي هو الرشاد إلى المقصد. # واختلفت عبارة المفسرين عن معنى قوله: اشتروا الضلالة بالهدى فقال قوم: ~~«أخذوا الضلالة وتركوا الهدى» . # وقال آخرون: استحبوا الضلالة وتجنبوا الهدى كما قال تعالى: فاستحبوا ~~العمى على الهدى [فصلت: 17] . # وقال آخرون: الشراء هنا استعارة وتشبيه، لما تركوا الهدى وهو معرض لهم ~~ووقعوا بدله في الضلالة واختاروها ms0072 شبهوا بمن اشترى فكأنهم دفعوا في الضلالة ~~هداهم إذ كان لهم أخذه. # وبهذا المعنى تعلق مالك رحمه الله في منع أن يشتري الرجل على أن يتخير في ~~كل ما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز فيه التفاضل. # وقال قوم: الآية فيمن كان آمن من المنافقين ثم ارتد في باطنه وعقده ويقرب ~~الشراء من الحقيقة على هذا. # وقوله تعالى: فما ربحت تجارتهم ختم للمثل بما يشبه مبدأه في لفظة الشراء، ~~وأسند الربح إلى التجارة كما قالوا: «ليل قائم ونهار صائم» . والمعنى فما ~~ربحوا في تجارتهم. # وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «فما ربحت تجاراتهم» بالجمع. # وقوله تعالى: وما كانوا مهتدين قيل المعنى في شرائهم هذا، وقيل على ~~الإطلاق، وقيل في سابق علم الله، وكل هذا يحتمله اللفظ. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18] # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) # «المثل والمثل والمثيل» واحد، معناه الشبه، هكذا نص أهل اللغة ~~والمتماثلان المتشابهان، وقد يكون مثل الشيء جرما مثله، وقد يكون ما تعقل ~~النفس وتتوهمه من الشيء مثلا له، فقوله تعالى: مثلهم PageV01P098 # كمثل # معناه أن الذي يتحصل في نفس الناظر في أمرهم كمثل الذي يتحصل في نفس ~~الناظر في أمر المستوقد، وبهذا يزول الإشكال الذي في تفسير قوله تعالى: مثل ~~الجنة [الرعد: 35، محمد: 15] وفي تفسير قوله تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: ~~11] لأن ما يتحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفي ما لا يجوز عليه ليس ~~يماثله فيه شيء، وذلك المتحصل هو المثل الأعلى الذي في قوله عز وجل: # ولله المثل الأعلى [النحل: 6] . وقد جاء في تفسيره أنه لا إله إلا الله ~~ففسر بجهة الوحدانية. # وقوله: مثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف، وهي على هذا اسم كما هي في ~~قول الأعشى: # [البسيط] . # أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # ويجوز أن يكون الخبر محذوفا تقديره مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا ~~حرف، ولا يجوز ms0073 ذلك في بيت الأعشى لأن المحذوف فاعل تقديره شيء كالطعن، ~~والفاعل لا يجوز حذفه عند جمهور البصريين، ويجوز حذف خبر الابتداء إذا كان ~~الكلام دالا عليه، وجوز الأخفش حذف الفاعل، وأن يكون الكاف في بيت الأعشى ~~حرفا ووحد الذي لأنه لم يقصد تشبيه الجماعة بالجماعة، وإنما المقصد أن كل ~~واحد من المنافقين فعله كفعل المستوقد، والذي أيضا ليس بإشارة إلى واحد ولا ~~بد، بل إلى هذا الفعل: وقع من واحد أو من جماعة. # قال النحويون: الذي اسم مبهم يقع للواحد والجميع. واستوقد قيل معناه ~~أوقد، فذلك بمنزلة عجب واستعجب بمعنى. # قال أبو علي: وبمنزلة هزىء واستهزأ وسخر واستسخر، وقر واستقر وعلا قرنه ~~واستعلاه، وقد جاء استفعل بمعنى أفعل أجاب واستجاب ومنه قول الشاعر [كعب بن ~~سعد الغنوي] : [الطويل] . # فلم يستجبه عند ذاك مجيب وأخلف لأهل واستخلف إذا جلب لهم الماء، ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # ومستخلفات من بلاد تنوفة ... لمصفرة الأشداق حمر الحواصل # ومنه قول الآخر: [الطويل] سقاها فرواها من الماء مخلف ومنه أوقد واستوقد ~~قاله أبو زيد، وقيل استوقد يراد به طلب من غيره أن يوقد له على المشهور من ~~باب استفعل، وذلك يقتضي حاجته إلى النار، فانطفاؤها مع حاجته إليها أنكى ~~له. واختلف في أضاءت فقيل يتعدى لأنه نقل بالهمزة من ضاء، ومنه قول العباس ~~بن عبد المطلب في النبي صلى الله عليه وسلم: # [المنسرح] # وأنت لما ولدت أشرقت ال ... أرض وضاءت بنورك الطرق PageV01P099 # وعلى هذا، ف (ما) في قوله: ما حوله مفعولة، وقيل (أضاءت) لا تتعدى، لأنه ~~يقال ضاء وأضاء بمعنى، ف (ما) زائدة، وحوله ظرف. واختلف المتأولون في فعل ~~المنافقين الذي يشبه فعل (الذي استوقد نارا) . # فقالت طائفة: هي فيمن آمن ثم كفر بالنفاق، فإيمانه بمنزلة النار إذا ~~أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها وذهاب النور. # وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: «إن ما يظهر المنافق في الدنيا من ~~الإيمان فيحقن به دمه ويحرز ماله ويناكح ويخالط كالنار التي أضاءت ما حوله، ~~فإذا مات صار إلى العذاب الأليم، ms0074 فذلك بمنزلة انطفائها وبقائه في الظلمات» ~~. # وقالت فرقة: إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار ~~وانصرافهم إلى مردتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. # وقالت فرقة: إن المنافقين كانوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين في منزلة بما أظهروه، فلما فضحهم الله وأعلم بنفاقهم سقطت ~~المنزلة، فكان ذلك كله بمنزلة النار وانطفائها. # وقالت فرقة منهم قتادة: نطقهم ب «لا إله إلا الله» والقرآن كإضاءة النار، ~~واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها. # قال جمهور النحاة: جواب «لما» ذهب، ويعود الضمير من «نورهم» في هذا القول ~~على (الذي) ، ويصح شبه الآية بقول الشاعر: [الأشهب بن رميلة] : [الطويل] . # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد، لأن بقاء المستوقد في ظلمات ~~لا يبصر كبقاء المنافق على الاختلاف المتقدم. # وقال قوم: جواب «لما» مضمر، وهو طفئت، والضمير في «نورهم» على هذا ~~للمنافقين والإخبار بهذا هو عن حال تكون في الآخرة وهو قوله تعالى: فضرب ~~بينهم بسور له باب [الحديد: 13] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول غير قوي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو ~~السمال «في ظلمات» بسكون اللام، وقرأ قوم «ظلمات» بفتح اللام. # قال أبو الفتح: في ظلمات وكسرات ثلاث لغات: اتباع الضم الضم والكسر الكسر ~~أو التخفيف بأن يعدل إلى الفتح في الثاني أو التخفيف بأن يسكن الثاني، وكل ~~ذلك جائز حسن، فأما فعلة بالفتح فلا بد فيه من التثقيل اتباعا فتقول ثمرة ~~وثمرات. # قال القاضي أبو محمد: وذهب قوم في «ظلمات» بفتح اللام إلى أنه جمع ظلم ~~فهو جمع الجمع، والأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا ~~فهم فهو الأخرس، وقيل الأبكم والأخرس واحد، PageV01P100 # ووصفهم بهذه الصفات إذ أعمالهم من الخطأ وقلة الإجابة كأعمال من هذه ~~صفته، وصم رفع على خبر ابتداء فإما أن يكون ذلك على تقدير تكرار أولئك، ~~وإما على إضمار هم. # وقرأ عبد الله بن مسعود وحفصة أم المؤمنين رضي الله عنهما. «صما، بكما، ~~عميا» بالنصب، ms0075 ونصبه على الحال من الضمير في مهتدين، وقيل هو نصب على الذم، ~~وفيه ضعف، وأما من جعل الضمير في «نورهم» للمنافقين لا للمستوقدين فنصب هذه ~~الصفات على قوله على الحال من الضمير في تركهم. # قال بعض المفسرين قوله تعالى فهم لا يرجعون إخبار منه تعالى أنهم لا ~~يؤمنون بوجه. # قال القاضي أبو محمد: وإنما كان يصح هذا إن لو كانت الآية في معينين، ~~وقال غيره: معناه فهم لا يرجعون ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا ~~هو الصحيح، لأن الآية لم تعين، وكلهم معرض للرجوع مدعو إليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 19 الى 20] # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما ~~أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) # أو للتخيير، معناه مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد ~~الأمرين، وقوله: أو كصيب معطوف على كمثل الذي. وقال الطبري: أو بمعنى ~~الواو. # قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة، والصيب المطر من صاب يصوب إذا انحط من ~~علو إلى سفل، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل] # كأنهم: صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب # وقول الآخر: [الطويل] # فلست لإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب # وأصل صيب صيوب اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ~~ياء وأدغمت، كما فعل في سيد وميت. # وقال بعض الكوفيين: أصل صيب صويب على مثال فعيل وكان يلزمه أن لا يعل كما ~~لم يعل طويل، فبهذا يضعف هذا القول. # وقوله تعالى: ظلمات بالجمع، إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن ومن حيث ~~تتراكب وتتزايد جمعت، وكون الدجن مظلما هول وغم للنفس، بخلاف السحاب والمطر ~~إذا انجلى دجنه، فإنه سار جميل، ومنه قول قيس بن الخطيم: [المتقارب] PageV01P101 # فما روضة من رياض القطا ... كأن المصابيح حوذانها # بأحسن منها ولا مزنة ... دلوح تكشف أدجانها # واختلف ms0076 العلماء في الرعد: فقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب وغيرهم: هو ~~ملك يزجر السحاب بهذا الصوت المسموع كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد ~~غضبه طار النار من فيه، فهي الصواعق، واسم هذا الملك الرعد، وقيل الرعد ~~ملك، وهذا الصوت تسبيحه، وقيل الرعد اسم الصوت المسموع، قاله علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في ~~جاهليته: [المنسرح] # فجعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد # وروي عن ابن عباس أنه قال: «الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت» ~~. وقيل: # «الرعد اصطكاك أجرام السحاب» . وأكثر العلماء على أن الرعد ملك، وذلك ~~صوته يسبح ويزجر السحاب. # واختلفوا في البرق: # فقال علي بن أبي طالب: «هو مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب» . # وقال ابن عباس: «هو سوط نور بيد الملك يزجي به السحاب» . # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن البرق ملك يتراءى، وقال قوم: «البرق ~~ماء» ، وهذا قول ضعيف. # والصاعقة: قال الخليل: «هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها ~~أحيانا نار، يقال إنها من المخراق الذي بيد الملك، وقيل في قطعة النار إنها ~~ماء يخرج من فم الملك عند غضبه» . # وحكى الخليل عن قوم من العرب «الساعقة» بالسين. # وقال النقاش: «يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد» . # وقرأ الحسن بن أبي الحسن «من الصواقع» بتقديم القاف. قال أبو عمرو: «وهي ~~لغة تميم» . # وقرأ الضحاك بن مزاحم «حذار الموت» بكسر الحاء وبألف. واختلف المتأولون ~~في المقصد بهذا المثل وكيف تترتب أحوال المنافقين الموازنة لما في المثل من ~~الظلمات والرعد والبرق والصواعق. # فقال جمهور المفسرين: «مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال ~~عليهم. والعمى: هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من ~~النور والحجج الباهرة التي تكاد أن تبهرهم هو البرق وتخوفهم وروعهم وحذرهم ~~هو جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم، واشتهار كفرهم، وتكاليف الشرع التي ~~يكرهونها من الجهاد والزكاة ونحوه هي الصواعق» . # قال القاضي ms0077 أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا كله صحيح بين. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: «إن رجلين من المنافقين هربا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى PageV01P102 # المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا ~~أصبحنا فنأتي محمدا ونضع أيدينا في يده، فأصبحا وأتياه وحسن إسلامهما، فضرب ~~الله ما نزل بهما مثلا للمنافقين» . # وقال أيضا ابن مسعود: «إن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب الله المثل ~~لهم» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا وفاق لقول الجمهور الذي ذكرناه. # وقال قوم: «الرعد والبرق هما بمثابة زجر القرآن ووعيده» . # ومحيط بالكافرين معناه بعقابه وأخذه، يقال أحاط السلطان بفلان إذا أخذه ~~أخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: وأحيط بثمره [الكهف: 42] ففي ~~الكلام حذف مضاف، ويكاد فعل ينفي المعنى مع إيجابه ويوجبه مع النفي، فهنا ~~لم يخطف البرق الأبصار، والخطف الانتزاع بسرعة. # واختلفت القراءة في هذه اللفظة فقرأ جمهور الناس: «يخطف أبصارهم» بفتح ~~الياء والطاء وسكون الخاء، على قولهم في الماضي خطف بكسر الطاء وهي أفصح ~~لغات العرب، وهي القرشية. # وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب: «يخطف» بفتح الياء وسكون الخاء وكسر ~~الطاء على قول بعض العرب في الماضي «خطف» بفتح الطاء، ونسب المهدوي هذه ~~القراءة إلى الحسن وأبي رجاء، وذلك وهم. # وقرأ الحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري وقتادة: «يخطف» بفتح الياء وكسر ~~الخاء والطاء وتشديد الطاء، وهذه أصلها «يختطف» أدغمت التاء في الطاء وكسرت ~~الخاء لالتقاء الساكنين. # وحكى ابن مجاهد قراءة لم ينسبها إلى أحد «يخطف» بفتح الياء والخاء وتشديد ~~الطاء المكسورة. # قال أبو الفتح: «أصلها يختطف نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت التاء في ~~الطاء» . # وحكى أبو عمرو الداني عن الحسن أيضا، أنه قرأ «يخطف» بفتح الياء والخاء ~~والطاء وشدها. # وروي أيضا عن الحسن والأعمش «يخطف» بكسر الثلاثة وشد الطاء منها. وهذه ~~أيضا أصلها يختطف أدغم وكسرت الخاء للالتقاء وكسرت الياء اتباعا. # وقال ms0078 عبد الوارث: «رأيتها في مصحف أبي بن كعب «يتخطف» بالتاء بين الياء ~~والخاء» . # وقال الفراء: «قرأ بعض أهل المدينة بفتح الياء وسكون الخاء وشد الطاء ~~مكسورة» . # قال أبو الفتح: «إنما هو اختلاس وإخفاء فيلطف عندهم فيرون أنه إدغام، ~~وذلك لا يجوز» . # قال القاضي أبو محمد: لأنه جمع بين ساكنين دون عذر. # وحكى الفراء قراءة عن بعض الناس بضم الياء وفتح الخاء وشد الطاء مكسورة. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأنه تشديد مبالغة لا تشديد تعدية. PageV01P103 # ومعنى: يكاد البرق يخطف أبصارهم تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة ~~تبهرهم، ومن جعل البرق في المثل الزجر والوعيد قال يكاد ذلك يصيبهم. # وكلما ظرف، والعامل فيه مشوا وهو أيضا جواب كلما، وأضاء صلة ما، ومن جعل ~~أضاء يتعدى قدر له مفعولا، ومن جعله بمنزلة ضاء استغنى عن ذلك. # وقرأ ابن أبي عبلة: «أضا لهم» بغير همز، وهي لغة. # وفي مصحف أبي بن كعب: «مروا فيه» . # وفي قراءة ابن مسعود «مضوا فيه» . # وقرأ الضحاك: «وإذا أظلم» بضم الهمزة وكسر اللام، وقاموا معناه ثبتوا، ~~لأنهم كانوا قياما، ومنه قول الأعرابي: «وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت ~~صعره» يريد أثبت الدهر، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عباس وغيره كلما سمع ~~المنافقون القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما ~~يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم. # وروي عن ابن مسعود أن معنى الآية: كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم ~~وتوالت عليهم النعم قالوا دين محمد دين مبارك. وإذا نزلت بهم مصيبة أو ~~أصابتهم شدة سخطوه وثبتوا في نفاقهم. # وقال قوم: معنى الآية: كلما خفي عليكم نفاقهم وظهر لكم منهم الإيمان مشوا ~~فيه، فإذا افتضحوا عندكم قاموا، ووحد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع. # وحكى النقاش أن من العلماء من قرأ بأسماعهم. # وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: «ولو شاء الله لأذهب أسماعهم وأبصارهم» وخص ~~الأسماع والأبصار لتقدم ذكرها في الآية. ويشبه هذا المعنى في حال المنافقين ~~أن ms0079 الله لو شاء لأوقع بهم ما يتخوفونه من الزجر والوعيد أو لفضحهم عند ~~المؤمنين وسلط المؤمنين عليهم، وبكل مذهب من هذين قال قوم. # وقوله تعالى: على كل شيء لفظه العموم ومعناه عند المتكلمين على كل شيء ~~يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه وقدير بمعنى قادر، وفيه مبالغة، وخص هنا صفته ~~التي هي القدرة بالذكر لأنه قد تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة، فكان ~~ذكر القدرة مناسبا لذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 22] # يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) # «يا» حرف نداء، وفيه تنبيه، و «أي» هو المنادى. PageV01P104 # قال أبو علي: «اجتلبت أي بعد حرف النداء فيما فيه الألف واللام لأن في ~~حرف النداء تعريفا فكان يجتمع تعريفان، و «ها» تنبيه وإشارة إلى المقصود، ~~وهي بمنزلة ذا في الواحد، والناس نعت لازم لأي» . # وقال مجاهد: يا أيها الناس حيث وقع في القرآن مكي، ويا أيها الذين آمنوا ~~مدني. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: قد تقدم في أول السورة أنها ~~كلها مدنية، وقد يجيء في المدني يا أيها الناس، وأما قوله في يا أيها الذين ~~آمنوا فصحيح. # وقوله تعالى: اعبدوا ربكم معناه وحدوه وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه ~~لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة ~~عليهم. # و «لعل» في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى ~~وليست من الله تعالى بمعنى ترج وتوقع. # وقال سيبويه ورؤساء اللسان: هي على بابها، والترجي والتوقع إنما هو في ~~حيز البشر، أي إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى، ~~ولعلكم متعلقة بقوله: اعبدوا ربكم، ويتجه تعلقها بخلقكم أي لما ولد كل ~~مولود على الفطرة فهو إن تأمله متأمل توقع له ورجا أن يكون متقيا. # وتتقون مأخوذ ms0080 من الوقاية، وأصله «توتقيون» نقلت حركة الياء إلى القاف ~~وحذفت للالتقاء مع الواو الساكنة وأدغمت الواو الأولى في التاء. # وقوله تعالى: الذي جعل نصب على إتباع الذي المتقدم، ويصح أن يكون مرفوعا ~~على القطع. # وما ذكر مكي من إضمار أعني أو مفعول ب تتقون فضعيف. # وجعل بمعنى صير في هذه الآية لتعديها إلى مفعولين، وفراشا معناه ~~تفترشونها وتستقرون عليها، وما في الأرض مما ليس بفراش كالجبال والبحار فهو ~~من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد والبحار يركب فيها إلى سائر ~~منافعها، والسماء قيل هو اسم مفرد جمعه «سماوات» ، وقيل هو جمع واحده ~~«سماوة» ، وكل ما ارتفع عليك في الهواء فهو سماء، والهواء نفسه علوا يقال ~~له «سماء» ، ومنه الحديث: # «خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعا» ، واللفظة من السمو وتصاريفه. # وقوله تعالى: بناء تشبيه بما يفهم، كما قال تعالى: والسماء بنيناها بأيد ~~[الذاريات: 47] . # وقال بعض الصحابة: «بناها على الأرض كالقبة» . # وقوله: وأنزل من السماء يريد السحاب، سمي بذلك تجوزا لما كان يلي السماء ~~ويقاربها وقد سموا المطر سماء للمجاورة، ومنه قول الشاعر: [الوافر] . # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # فتجوز أيضا في رعيناه، فبتوسط المطر جعل السماء عشبا، وأصل ماء موه يدل ~~على ذلك قولهم في PageV01P105 # الجمع مياه وأمواه، وفي التصغير مويه، وانطلق اسم الرزق على ما يخرج من ~~الثمرات قبل التملك، أي هي معدة أن يصح الانتفاع بها فهي رزق، ورد بهذه ~~الآية بعض الناس قول المعتزلة إن الرزق ما يصح تملكه، وليس الحرام برزق، ~~وواحد الأندادند، وهو المقاوم والمضاهي كان مثلا أو خلافا أو ضدا، ومن حيث ~~قاوم وضاهى فقد حصلت مماثلة ما. # وقال أبو عبيدة معمر والمفضل: الضد الند، وهذا التخصيص منهما تمثيل لا ~~حصر. # واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية؟ فقالت جماعة من المفسرين: ~~المخاطب جميع المشركين. فقوله على هذا: وأنتم تعلمون يريد العلم الخاص في ~~أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار، ~~وقيل المراد ms0081 كفار بني إسرائيل، فالمعنى تعلمون من الكتب التي عندكم، أن ~~الله لا ند له. # وقال ابن فورك: «يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين» ، فالمعنى لا ترتدوا ~~أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله ~~واحد. وهذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق، ~~فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد ~~أخذ بطرق من جعل لله ندا، عصمنا الله تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه ~~وطوله، لا رب غيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 23 الى 24] # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) # الريب الشك، وهذه الآية تقتضي أن الخطاب المتقدم إنما هو لجماعة المشركين ~~الذين تحدوا، وتقدم تفسير لفظ سورة في صدر هذا التعليق. وقرأ يزيد بن قطيب: ~~«أنزلنا» بألف. # واختلف المتأولون على من يعود الضمير في قوله مثله: فقال جمهور العلماء: ~~هو عائد على القرآن ثم اختلفوا. فقال الأكثر من مثل نظمه ورصفه وفصاحة ~~معانيه التي يعرفونها ولا يعجزهم إلا التأليف الذي خص به القرآن، وبه وقع ~~الإعجاز على قول حذاق أهل النظر. # وقال بعضهم: من مثله في غيوبه وصدقه وقدمه، فالتحدي عند هؤلاء وقع ~~بالقدم، والأول أبين ومن على هذا القول زائدة، أو لبيان الجنس، وعلى القول ~~الأول هي للتبعيض، أو لبيان الجنس. # وقالت فرقة: الضمير في قوله من مثله عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ثم اختلفوا. # فقالت طائفة: من أمي صادق مثله. # وقالت طائفة: من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله. على زعمكم أيها المشركون. PageV01P106 # وقالت طائفة: الضمير في مثله عائد على الكتب القديمة التوراة والإنجيل ~~والزبور. # وقوله تعالى: وادعوا شهداءكم معناه دعاء استصراخ، والشهداء من شهدهم ~~وحضرهم من عون ونصير، قاله ابن عباس. وقيل عن مجاهد: إن المعنى دعاء ~~استحضار. # والشهداء ms0082 جمع شاهد، أي من يشهد لكم أنكم عارضتم، وهذا قول ضعيف. # وقال الفراء: شهداؤهم يراد بهم آلهتهم. # وقوله تعالى: إن كنتم صادقين أي فيما قلتم من الريب. هذا قول بعض ~~المفسرين. # وقال غيره: فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة. ويؤيد هذا القول أنه ~~قد حكى عنهم في آية أخرى: لو نشاء لقلنا مثل هذا [الأنفال: 31] . # وقوله تعالى: فإن لم تفعلوا، دخلت «إن» على لم لأن لم تفعلوا معناه تركتم ~~الفعل، ف «إن» لا تؤثر كما لا تؤثر في الماضي من الأفعال، وتفعلوا جزم ب ~~لم، وجزمت ب لم لأنها أشبهت «لا» في التبرية في أنهما ينفيان، فكما تحذف لا ~~تنوين الاسم كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة من الفعل. # وقوله: ولن تفعلوا نصبت لن، ومن العرب من تجزم بها، ذكره أبو عبيدة، ومنه ~~بيت النابغة على بعض الروايات: [البسيط] فلن أعرض أبيت اللعن بالصفد وفي ~~الحديث في منامة عبد الله بن عمر فقيل لي: «لن ترع» هذا على تلك اللغة، وفي ~~قوله: لن تفعلوا إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، ~~وهو أيضا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها. # وقوله تعالى: فاتقوا النار، أمر بالإيمان وطاعة الله خرج في هذه الألفاظ ~~المحذرة. # وقرأ الجمهور: «وقودها» بفتح الواو. وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد ~~وطلحة بن مصرف وأبو حيوة: «وقودها» بضم الواو في كل القرآن، إلا أن طلحة ~~استثنى الحرف الذي في البروج، وبفتح الواو هو الحطب وبضمها هو المصدر، وقد ~~حكيا جميعا في الحطب وقد حكيا في المصدر. # قال ابن جني: «من قرأ بضم الواو فهو على حذف مضاف تقديره ذو وقودها، لأن ~~الوقود بالضم مصدر، وليس بالناس، وقد جاء عنهم الوقود بالفتح في المصدر، ~~ومثله ولعت به «ولوعا» بفتح الواو، وكله شاذ، والباب هو الضم» . # وقوله: الناس عموم معناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء بدخولها. # وروي عن ابن مسعود في الحجارة أنها حجارة الكبريت وخصت بذلك لأنها تزيد ~~على جميع الأحجار بخمسة أنواع من ms0083 العذاب: سرعة الاتقاد، ونتن الرائحة، ~~وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. PageV01P107 # وفي قوله تعالى: أعدت رد على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن، وهو ~~القول الذي سقط فيه منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، وذهب بعض المتأولين إلى ~~أن هذه النار المخصصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة، وأن غيرها هي للعصاة. # وقال الجمهور: بل الإشارة إلى جميع النار لا إلى نار مخصوصة، وإنما ذكر ~~الكافرين ليحصل المخاطبون في الوعيد، إذ فعلهم كفر، فكأنه قال أعدت لمن فعل ~~فعلكم، وليس يقتضي ذلك أنه لا يدخلها غيرهم. # وقرأ ابن أبي عبلة: «أعدها الله للكافرين» . # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 25] # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) # بشر مأخوذ من البشرة لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثر ~~في بشرة الوجه، والأغلب استعمال البشارة في الخير، وقد تستعمل في الشر ~~مقيدة به منصوصا على الشر المبشر به، كما قال تعالى: فبشرهم بعذاب أليم [آل ~~عمران: 21، التوبة: 34، الانشقاق: 24] ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل ~~على الخير، وفي قوله تعالى: وعملوا الصالحات رد على من يقول إن لفظة ~~الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات لأنه لو كان ذلك ما أعادها. # وأن في موضع نصب ب بشر وقيل في موضع خفض على تقدير باء الجر وجنات جمع ~~جنة، وهي بستان الشجر والنخيل، وبستان الكرم يقال له الفردوس، وسميت جنة ~~لأنها تجن من دخلها أي تستره، ومنه المجن والجنن وجن الليل. ومن تحتها ~~معناه من تحت الأشجار التي يتضمنها ذكر الجنة وقيل قوله من تحتها معناه ~~بإزائها كما تقول داري تحت دار فلان وهذا ضعيف، والأنهار المياه في مجاريها ~~المتطاولة الواسعة، لأنها لفظة مأخوذة من أنهرت أي وسعت، ومنه قول قيس بن ~~الخطيم: # [الطويل] . # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم ms0084 من دونها ما وراءها # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكلوه» معناه ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهر ونسب الجري إلى النهر وإنما ~~يجري الماء وحده تجوزا، كما قال وسئل القرية [يوسف: 82] وكما قال الشاعر: ~~[مهلهل أخو كليب] [الكامل] # نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس # وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح أرض الجنة ~~منضبطة. وقوله: PageV01P108 # كلما ظرف يقتضي الحصر وفي هذه الآية رد على من يقول: إن الرزق من شروطه ~~التملك. # قال القاضي أبو محمد: ذكر هذا بعض الأصوليين وليس عندي ببين، وقولهم هذا ~~إشارة إلى الجنس أي: هذا من الجنس الذي رزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل أن ~~يكون تعجبا وهو قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون خبرا من بعضهم لبعض، قاله ~~جماعة من المفسرين. # وقال الحسن ومجاهد: «يرزقون الثمرة ثم يرزقون بعدها مثل صورتها والطعم ~~مختلف فهم يتعجبون لذلك ويخبر بعضهم بعضا» . # وقال ابن عباس: «ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما ~~الذوات فمتباينة» . # وقال بعض المتأولين: «المعنى أنهم يرون الثمر فيميزون أجناسه حين أشبه ~~منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا» . # قال القاضي أبو محمد: وقول ابن عباس الذي قبل هذا يرد على هذا القول بعض ~~الرد. # وقال بعض المفسرين: «المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا فكأنهم قد رزقوه ~~في الدنيا إذ وعد الله منتجز» . # وقال قوم: إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيء خرج في الحين في موضعه مثله فهذا ~~إشارة إلى الخارج في موضع المجني. # وقرأ جمهور الناس: «وأتوا» بضم الهمزة وضم التاء. # وقرأ هارون الأعور: «وأتوا» بفتح الهمزة والتاء والفاعل على هذه القراءة ~~الولدان والخدام، و «أتوا» على قراءة الجماعة أصله أتيوا نقلت حركة الياء ~~إلى التاء ثم حذفت الياء للالتقاء. # وقوله تعالى: متشابها قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: «معناه يشبه ~~بعضه بعضا في المنظر ms0085 ويختلف في الطعم» . # وقال عكرمة: «معناه يشبه ثمر الدنيا في المنظر ويباينه في جل الصفات» . # وقوله تعالى: متشابها معناه خيار لا رذل فيه، كقوله تعالى: كتابا متشابها ~~[الزمر: 23] . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأنه يريد متناسبا في أن كل ~~صنف هو أعلى جنسه فهذا تشابه ما، وقيل متشابها أي مع ثمر الدنيا في الأسماء ~~لا في غير ذلك من هيئة وطعم، وأزواج جمع زوج والمرأة زوج الرجل والرجل زوج ~~المرأة ويقال في المرأة زوجة ومنه قول الفرزدق: [الطويل] # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «والله إني ~~لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم» . ذكر البخاري ~~وغيره الحديث بطوله. ومطهرة أبلغ من طاهرة، ومعنى هذه الطهارة من الحيض ~~والبزاق وسائر أقذار الآدميات، وقيل من الآثام. والخلود الدوام في الحياة ~~أو PageV01P109 # الملك ونحوه وخلد بالمكان إذا استمرت إقامته فيه، وقد يستعمل الخلود ~~مجازا فيما يطول، وأما هذا الذي في الآية فهو أبدي حقيقة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 26] # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) # ذكر المفسرون أنه لما ضرب الله تعالى المثلين المتقدمين في هذه السورة ~~قال الكفار: ما هذه الأمثال؟ الله عز وجل أجل من أن يضرب هذه أمثالا، فنزلت ~~الآية. # وقال ابن قتيبة: «إنما نزلت لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه ~~السورة بالذباب والعنكبوت» . # وقال قوم: «هذه الآية مثل للدنيا» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف يأباه رصف الكلام واتساق ~~المعنى. ويستحيي أصله يستحيي، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن ~~استثقلت الضمة على الياء فسكنت. # وقرأ ابن كثير في بعض الطرق عنه، وابن محيصن وغيرهما «يستحي» بكسر الحاء، ms0086 ~~وهي لغة لتميم، نقلت حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ثم استثقلت الضمة ~~على الياء الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء. # واختلف المتأولون في معنى: يستحيي في هذه الآية. فرجح الطبري أن معناه ~~يخشى. وقال غيره: # معناه يترك وهذا هو الأولى. ومن قال يمتنع أو يمنعه الحياء فهو يترك أو ~~قريب منه. ولما كان الجليل القدر في الشاهد لا يمنعه من الخوض في نازل ~~القول إلا الحياء من ذلك، رد الله بقوله: إن الله لا يستحيي على القائلين ~~كيف يضرب الله مثلا بالذباب ونحوه، أي إن هذه الأشياء ليست من نازل القول، ~~إذ هي من الفصيح في المعنى المبلغ أغراض المتكلم إلى نفس السامع، فليست مما ~~يستحيى منه. # وحكى المهدوي أن الاستحياء في هذه الآية راجع إلى الناس، وهذا غير مرضي. # وقوله تعالى: أن يضرب، إن مع الفعل في موضع نصب، كأنها مصدر في موضع ~~المفعول، ومعنى يضرب مثلا يبين ضربا من الأمثال أي نوعا، كما تقول: هذا من ~~ضرب هذا، والضريب المثيل. ويحتمل أن يكون مثل ضرب البعث، وضرب الذلة، فيجيء ~~المعنى أن يلزم الحجة بمثل، ومثلا مفعول، فقيل هو الأول، وقيل هو الثاني، ~~قدم وهو في نية التأخير، لأن «ضرب» في هذا المعنى يتعدى إلى مفعولين. # واختلفوا في قوله: ما بعوضة فقال قوم: ما صلة زائدة لا تفيد إلا شيئا من ~~تأكيد. وقيل ما PageV01P110 # نكرة في موضع نصب على البدل من قوله مثلا، وبعوضة نعت ل ما، فوصفت ما ~~بالجنس المنكر لإبهامها. حكى المهدوي هذا القول عن الفراء والزجاج وثعلب. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقيل غير هذا مما هو تخليط دعا إليه الظن ~~أن يضرب إنما يتعدى إلى مفعول واحد. # وقال بعض الكوفيين: نصب بعوضة على تقدير إسقاط حرف الجر. والمعنى أن يضرب ~~مثلا ما من بعوضة. # وحكي عن العرب: «له عشرون ما ناقة فجملا» ، وأنكر أبو العباس هذا الوجه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي يترجح أن ما صلة مخصصة ~~كما تقول ms0087 جئتك في أمر ما فتفيد النكرة تخصيصا وتقريبا، ومنه قول أمية بن ~~أبي الصلت: [الخفيف] # سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا # وبعوضة على هذا مفعول ثان. # وقال قوم: ما نكرة، كأنه قال شيئا. والآية في هذا يشبهها قول حسان بن ~~ثابت: [الكامل] . # فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا # قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم نظير هذا القول، والشبه بالبيت غير صحيح ~~عندي، والبعوضة فعولة من بعض إذا قطع اللحم، يقال بضع وبعض بمعنى، وعلى هذا ~~حملوا قول الشاعر: [الوافر] . # لنعم البيت بيت أبي دثار ... إذا ما خاف بعض القوم بعضا # وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج: «بعوضة» بالرفع. # قال أبو الفتح: وجه ذلك أن «ما» اسم بمنزلة «الذي» ، أي لا يستحيي أن ~~يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ، ومثله قراءة ~~بعضهم: «تماما على الذي أحسن» أي على الذي هو أحسن. # وحكى سيبويه ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي هو قائل. # وقوله تعالى: فما فوقها من جعل ما الأولى صلة زائدة، ف «ما» الثانية عطف ~~على بعوضة، ومن جعل ما اسما ف «ما» الثانية عطف عليها. # وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: «المعنى فما فوقها في الصغر» . # وقال قتادة وابن جريج وغيرهما: «المعنى في الكبر» . # قال القاضي أبو محمد: والكل محتمل، والضمير في أنه، عائد على المثل. # واختلف النحويون في ماذا: فقيل هي بمنزلة اسم واحد، بمعنى أي شيء أراد ~~الله، وقيل «ما» PageV01P111 # اسم «وذا» اسم آخر بمعنى الذي، ف «ما» في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» ~~خبره، ومعنى كلامهم هذا الإنكار بلفظ الاستفهام. # وقوله: مثلا نصب على التمييز، وقيل على الحال من «ذا» في بهذا، والعامل ~~فيه الإشارة والتنبيه. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا فقيل هو من ~~قول الكافرين، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة ~~وإلى هدى؟ وقيل بل هو خبر من الله ms0088 تعالى أنه يضل بالمثل الكفار الذين يعمون ~~به، ويهدي به المؤمنين الذين يعلمون أنه الحق. وفي هذا رد على المعتزلة في ~~قولهم: «إن الله لا يخلق الضلال» ولا خلاف أن قوله تعالى: وما يضل به إلا ~~الفاسقين من قول الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ويهدي به كثيرا إلى آخر ~~الآية ردا من الله تعالى على قول الكفار يضل به كثيرا والفسق الخروج عن ~~الشيء. يقال فسقت الفارة إذا خرجت من جحرها، والرطبة إذا خرجت من قشرها، ~~والفسق في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على ~~من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان، وقراءة جمهور الأمة في هذه الآية: «يضل» ~~بضم الياء فيهما. # وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه قرأ «يضل» بفتح الياء، «كثير» بالرفع ~~«ويهدي به كثير. وما يضل به إلا الفاسقون» بالرفع. # قال أبو عمرو الداني: «هذه قراءة القدرية وابن أبي عبلة من ثقات الشاميين ~~ومن أهل السنة، ولا تصح هذه القراءة عنه، مع أنها مخالفة خط المصحف» . # وروي عن ابن مسعود أنه قرأ في الأولى: «يضل» بضم الياء وفي الثانية «وما ~~يضل» بفتح الياء «به إلا الفاسقون» . # قال القاضي أبو محمد: وهذه قراءة متجهة لولا مخالفتها خط المصحف المجمع ~~عليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 27 الى 29] # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28) هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29) # النقض رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية التقدم في ~~الشيء والوصاة به. PageV01P112 # واختلف في تفسير هذا العهد: فقال بعض المتأولين: هو الذي أخذه الله على ~~بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر. # وقال آخرون: بل نصب الأدلة على ms0089 وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر ~~الصنعة هو بمنزلة العهد. # وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن ~~يوحدوه وأن لا يعبدوا غيره. # وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل ~~والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكتموا أمره. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فالآية على هذا في أهل ~~الكتاب، وظاهر ما قبل وبعد أنه في جميع الكفار. # وقال قتادة: «هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي عليه السلام ثم كفر به ~~فنقض العهد» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لم ينسب الطبري شيئا من هذه الأقوال، وكل ~~عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية، والضمير في ميثاقه يحتمل ~~العودة على العهد أو على اسم الله تعالى، وميثاق مفعال من الوثاقة، وهي ~~الشد في العقد والربط ونحوه، وهو في هذه الآية اسم في موضع المصدر كما قال ~~عمرو بن شييم: [الوافر] . # أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا؟ # أراد بعد إعطائك. # وقوله تعالى: ما أمر الله به أن يوصل، ما في موضع نصب ب يقطعون واختلف ~~الشيء الذي أمر بوصله؟ # فقال قتادة: «الأرحام عامة في الناس» وقال غيره: «خاصة فيمن آمن بمحمد، ~~كان الكفار يقطعون أرحامهم» . وقال جمهور أهل العلم: الإشارة في هذه الآية ~~إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الحق، والرحم جزء من هذا، وأن في موضع نصب ~~بدل من ما، أو مفعول من أجله. وقيل أن في موضع خفض بدل من الضمير في به، ~~وهذا متجه. # ويفسدون في الأرض يعبدون غير الله ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب ~~شهواتهم، والخاسر الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، والخسران النقص كان ~~في ميزان أو غيره. # وقوله تعالى: كيف تكفرون لفظه الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي ~~كيف تكفرون بالله ونعمه عليكم وقدرته هذه؟ وكيف ms0090 في موضع نصب على الحال ~~والعامل فيها تكفرون، وتقديرها أجاحدين تكفرون أمنكرين تكفرون؟ وكيف مبنية، ~~وخصت بالفتح لخفته، ومن قال إن كيف تقرير PageV01P113 # وتعجب فمعناه إن هذا الأمر إن عن فحقه أن يتعجب منه لغرابته وبعده عن ~~المألوف من شكر المنعم، والواو في قوله وكنتم واو الحال، واختلف في ترتيب ~~هاتين الموتتين والحياتين: فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: «فالمعنى كنتم ~~أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا دارسين، كما يقال للشيء الدارس ميت، ثم خلقتم ~~وأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم أماتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم ~~القيامة» . # وقال آخرون: «كنتم أمواتا بكون آدم من طين ميتا قبل أن يحيى ثم نفخ فيه ~~الروح فأحياكم بحياة آدم ثم يميتكم ثم يحييكم على ما تقدم» . # وقال قتادة: «كنتم أمواتا في أصلاب آبائكم فأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم ~~كما تقدم» . # وقال غيره: «كنتم أمواتا في الأرحام قبل نفخ الروح ثم أحياكم بالإخراج ~~إلى الدنيا ثم كما تقدم» . # وقال ابن زيد: «إن الله تعالى أخرج نسم بني آدم أمثال الذر ثم أماتهم بعد ~~ذلك فهو قوله وكنتم أمواتا، ثم أحياهم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم» . # وقال ابن عباس وأبو صالح: «كنتم أمواتا بالموت المعهود ثم أحياكم للسؤال ~~في القبور، ثم أماتكم فيها، ثم أحياكم للبعث» . # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: «وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم ~~وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والقول الأول هو أولى هذه الأقوال، لأنه ~~الذي لا محيد للكفار عن الإقرار به في أول ترتيبه، ثم إن قوله أولا كنتم ~~أمواتا وإسناده آخرا الإماتة إليه تبارك وتعالى مما يقوي ذلك القول، وإذا ~~أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم للإماتة ~~فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها، ~~والضمير في إليه عائد على الله تعالى أي إلى ثوابه أو عقابه، وقيل هو عائد ~~على الاحياء، والأول أظهر. # وقرأ جمهور الناس «ترجعون» بضم ms0091 التاء وفتح الجيم. # وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن يعمر وسلام والفياض بن غزوان ويعقوب ~~الحضرمي: # «يرجع ويرجعون وترجعون» بفتح الياء والتاء حيث وقع. # وخلق معناه اخترع وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان خلق بعد إنشائه ~~شيئا، ومنه قول الشاعر: # [زهير بن أبي سلمى] [الكامل] # ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري # ومنه قول الآخر: [مجزوء الكامل] # من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله # ولكم: معناه للاعتبار، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: ~~الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء وتسويتها. PageV01P114 # وقال قوم: بل معنى لكم إباحة الأشياء وتمليكها، وهذا قول من يقول إن ~~الأشياء قبل ورود السمع على الإباحة بينته هذه الآية، وخالفهم في هذا ~~التأويل القائلون بالحظر، والقائلون بالوقف، وأكثر القائلين بالحظر استثنوا ~~أشياء اقتضت حالها مع وجود الإنسان الإباحة كالتنفس والحركة ويرد على ~~القائلين بالحظر كل حظر في القرآن وعلى القائلين بالإباحة كل تحليل في ~~القرآن وإباحة، ويترجح الوقف إذا قدرنا نازلة لا يوجد فيها سمع ولا تتعلق ~~به. # ومعنى الوقف أنه استنفاد جهد الناظر فيما يحزب من النوازل. # وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: «لم يخل العقل قط من السمع ولا ~~نازلة إلا وفيها سمع أولها به تعلق أولها حال تستصحب» . قال: «فينبغي أن ~~يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف» ، وجميعا نصب على ~~الحال. # وقوله تعالى: ثم استوى، ثم هنا هي لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في ~~نفسه، واستوى: قال قوم: «معناه علا دون تكييف ولا تحديد» ، هذا اختيار ~~الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه. # وقال ابن كيسان: «معناه قصد إلى السماء» . # قال القاضي أبو محمد: أي بخلقه واختراعه. # وقيل معناه كمل صنعه فيها كما تقول استوى الأمر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق. # وحكى الطبري عن قوم: أن المعنى أقبل، وضعفه. # وحكي عن قوم «المستوي» هو الدخان. # وهذا أيضا يأباه رصف الكلام، وقيل المعنى استولى كما قال الشاعر الأخطل: ms0092 ~~[الرجز] # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: على العرش استوى [طه: 5] والقاعدة في هذه ~~الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان. # فسواهن قيل المعنى جعلهن سواء، وقيل سوى سطوحها بالإملاس، وسبع نصب على ~~البدل من الضمير، أو على المفعول ب «سوى» ، بتقدير حذف الجار من الضمير، ~~كأنه قال فسوى منهن سبع، وقيل نصب على الحال، وقال سواهن إما على أن السماء ~~جمع، وإما على أنه مفرد اسم جنس، فهو دال على الجمع. # وقوله تعالى: وهو بكل شيء عليم معناه بالموجودات وتحقق علمه بالمعدومات ~~من آيات أخر، وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك ~~صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي ~~في سورة المؤمن وفي النازعات. PageV01P115 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 32] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت ~~العليم الحكيم (32) # قال معمر بن المثنى: «إذ زائدة، والتقدير وقال ربك» . # قال أبو إسحاق الزجاج: «هذا اجتراء من أبي عبيدة» . # قال القاضي أبو محمد: وكذلك رد عليه جميع المفسرين. # وقال الجمهور: ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ ~~قال، وأيضا فقوله: خلق لكم ما في الأرض جميعا الآية، يقتضي أن يكون التقدير ~~وابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة، وإضافة رب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومخاطبته بالكاف تشريف منه له، وإظهار لاختصاصه به، والملائكة واحدها ملك ~~أصله ملاك على وزن مفعل من لاك إذا أرسل، وجمعه ملائكة على وزن مفاعلة. # وقال قوم: أصل ملك مألك، من ألك إذا أرسل، ومنه قول عدي بن زيد: [الرمل] # أبلغ ms0093 النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري # واللغتان مسموعتان لأك وألك، قلبت فيه الهمزة بعد اللام فجاء وزنه معفل، ~~وجمعه ملائكة، وزنه معافلة. # وقال ابن كيسان: «هو من ملك يملك، والهمزة فيه زائدة كما زيدت في شمأل من ~~شمل، فوزنه فعأل، ووزن جمعه فعائلة» وقد يأتي في الشعر على أصله كما قال: ~~[الطويل] # فلست لأنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب # وأما في الكلام فسهلت الهمزة وألقيت حركتها على اللام أو على العين في ~~قول ابن كيسان فقيل ملك، والهاء في ملائكة لتأنيث الجموع غير حقيقي، وقيل ~~هي للمبالغة كعلامة ونسابة، والأول أبين. # وقال أبو عبيدة: «الهمزة في ملائكة مجتلبة لأن واحدها ملك» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فهذا الذي نحا إليه ابن ~~كيسان. # وجاعل في هذه الآية بمعنى خالق، ذكره الطبري عن أبي روق، ويقضي بذلك ~~تعديها إلى مفعول واحد. # وقال الحسن وقتادة: «جاعل بمعنى فاعل» . PageV01P116 # وقال ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الأرض هنا يعني ~~بها مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، ولأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء، وإن ~~قبر نوح وهود وصالح بين المقام والركن» . # وخليفة معناه من يخلف. # قال ابن عباس: «كانت الجن قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء ~~فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة قتلهم وألحق فلهم بجزائر البحار ورؤوس ~~الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة» . # وقال الحسن: «إنما سمى الله بني آدم خليفة لأن كل قرن منهم يخلف الذي ~~قبله، الجيل بعد الجيل» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ففي هذا القول، يحتمل أن ~~تكون بمعنى خالفة وبمعنى مخلوفة. # وقال ابن مسعود: «إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق ~~وبأوامري» يعني بذلك آدم عليه السلام ومن قام مقامه بعده من ذريته. # وقرأ زيد بن علي «خليفة» بالقاف. # وقوله تعالى: قالوا أتجعل فيها الآية، وقد علمنا قطعا أن الملائكة لا ~~تعلم الغيب ولا تسبق بالقول، وذلك عام ms0094 في جميع الملائكة، لأن قوله: «لا ~~يسبقونه بالقول» خرج على جهة المدح لهم. # قال القاضي أبو بكر بن الطيب: «فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين ~~الشرطين إلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة في الأرض نبأ ومقدمة» . # قال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم ~~يفسدون ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة. # قال القاضي أبو محمد: فهذا إما على طريق التعجب من استخلاف الله من ~~يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على ~~طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعا، الاستخلاف، والعصيان. # وقال أحمد بن يحيى ثعلب وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأت وعلمت ما كان ~~من إفساد الجن وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم أتجعل فيها الآية، على ~~جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ # وقال آخرون: كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرض خلقا ~~يفسدون ويسفكون الدماء، فلما قال لهم بعد ذلك: إني جاعل قالوا أتجعل فيها ~~الآية، على جهة الاسترشاد والاستعلام هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به ~~قبل أو غيره؟ # والسفك صب الدم، هذا عرفه، وقد يقال سفك كلامه في كذا إذا سرده. PageV01P117 # وقراءة الجمهور بكسر الفاء. # وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ويسفك» بضم الفاء. # وقرأ ابن هرمز «ويسفك» بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن ~~يسفك. # وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام. # قال القاضي أبو محمد: والأول أحسن. # وقولهم: ونحن نسبح بحمدك قال بعض المتأولين: هو على جهة الاستفهام، كأنهم ~~أرادوا ونحن نسبح بحمدك الآية، أم نتغير عن هذه الحال. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا يحسن مع القول ~~بالاستفهام المحض في قولهم: أتجعل؟. # وقال آخرون: معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه ~~السلام: إني حفيظ عليم [يوسف: 55] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله ms0095 من ~~يعصيه في قولهم أتجعل وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: إني أعلم ما لا تعلمون. # وقال قوم: معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. ~~وهذا أيضا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: أتجعل. # ومعنى نسبح بحمدك ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك. # وقال ابن عباس وابن مسعود: «تسبيح الملائكة صلاتهم لله» . # وقال قتادة: «تسبيح الملائكة قولهم سبحان الله على عرفه في اللغة» . # وبحمدك معناه: نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، ويحتمل أن يكون قوله بحمدك ~~اعتراضا بين الكلامين، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة ~~التسليم، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك. # ونقدس لك قال الضحاك وغيره: معناه نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، ~~والتقديس التطهير بلا خلاف، ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة، ومنه بيت ~~المقدس، ومنه القدس الذي يتطهر به. # وقال آخرون: ونقدس لك معناه ونقدسك أي نعظمك ونطهر ذكرك عما لا يليق به. ~~قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما. # وقال قوم: نقدس لك معناه نصلي لك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. # وقوله تعالى: إني أعلم ما لا تعلمون الأظهر أن أعلم فعل مستقبل، وما في ~~موضع نصب به، PageV01P118 # وقيل أعلم اسم، وما في موضع خفض بالإضافة، ولا يصح الصرف فيه بإجماع من ~~النحاة، وإنما الخلاف في أفعل إذا سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا ~~يصرفانه، والأخفش يصرفه. # واختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: ما لا تعلمون فقال ابن عباس: ~~«كان إبليس- لعنه الله- قد أعجب ودخله الكبر لما جعله الله خازن السماء ~~الدنيا وشرفه» . وقيل: بل لما بعثه الله إلى قتل الجن الذين كانوا أفسدوا ~~في الأرض فهزمهم وقتلهم بجنده، قاله ابن عباس أيضا. واعتقد أن ذلك لمزية له ~~واستحقب الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام. # قال: فلما قالت الملائكة ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك وهي لا تعلم أن في نفس ~~إبليس خلاف ذلك. قال الله لهم إني أعلم ما لا تعلمون يعني ما في نفس إبليس. # وقال قتادة: لما قالت الملائكة أتجعل ms0096 فيها من يفسد فيها وقد علم الله ~~تعالى أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة، قال لهم إني أعلم ~~ما لا تعلمون يعني أفعال الفضلاء من بني آدم. # وقوله تعالى: وعلم معناه عرف وتعليم آدم هنا عند قوم إلهام علمه ضرورة. # وقال قوم: بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، ~~فلا يشارك موسى- عليه السلام- في خاصته. # وقرأ اليماني: «وعلم» بضم العين على بناء الفعل للمفعول، «آدم» مرفوعا. # قال أبو الفتح: «وهي قراءة يزيد البربري» ، وآدم أفعل مشتق من الأدمة وهي ~~حمرة تميل إلى السواد، وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه، وقيل ~~آدم وزنه فاعل مشتق من أديم الأرض، كأن الملك آدمها وجمعه آدمون وأوادم، ~~ويلزم قائل هذه المقالة صرفه. # وقال الطبري: «آدم فعل رباعي سمي به» ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «خلق الله آدم من أديم الأرض كلها فخرجت ذريته على نحو ذلك منهم ~~الأبيض والأسود والأسمر والسهل والحزن والطيب والخبيث» . # واختلف المتأولون في قوله: الأسماء فقال جمهور الأمة: «علمه التسميات» ~~وقال قوم: «عرض عليه الأشخاص» . # قال القاضي أبو محمد: والأول أبين، ولفظة- علمه- تعطي ذلك. # ثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه؟ فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: ~~«علمه اسم كل شيء من جميع المخلوقات دقيقها وجليلها» . # وقال حميد الشامي: «علمه أسماء النجوم فقط» . # وقال الربيع بن خثيم: «علمه أسماء الملائكة فقط» . PageV01P119 # وقال عبد الرحمن بن زيد «علمه أسماء ذريته فقط» . # وقال الطبري: «علمه أسماء ذريته والملائكة» ، واختار هذا ورجحه بقوله ~~تعالى: ثم عرضهم على الملائكة. # وحكى النقاش عن ابن عباس أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع ~~الأسماء. # وقال آخرون: «علمه أسماء الأجناس، كالجبال والخيل والأودية ونحو ذلك، دون ~~أن يعين ما سمته ذريته منها» . # وقال ابن قتيبة: «علمه أسماء ما خلق في الأرض» . # وقال قوم: علمه الأسماء بلغة واحدة، ثم وقع الاصطلاح من ذريته فيما ~~سواها. # وقال بعضهم: «بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته» ، وقد غلا قوم ms0097 في ~~هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: «علم الله تعالى ~~آدم كل شيء، حتى إنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه» ، ونحو هذا من ~~القول الذي هو بين الخطأ من جهات. وقال أكثر العلماء: # «علمه تعالى منافع كل شيء ولما يصلح» . # وقال قوم: «عرض عليه الأشخاص عند التعليم» . # وقال قوم: «بل وصفها له دون عرض أشخاص» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها. # وقرأ أبي بن كعب: «ثم عرضها» . # وقرأ ابن مسعود: «ثم عرضهن» واختلف المتأولون هل عرض على الملائكة أشخاص ~~الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟ فقال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص. # وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء، فمن قال في الأسماء بعموم كل شيء قال ~~عرضهم أمة أمة ونوعا نوعا، ومن قال في الأسماء إنها التسميات استقام على ~~قراءة أبي: «عرضها» ، ونقول في قراءة من قرأ «عرضهم» : إن لفظ الأسماء يدل ~~على الأشخاص، فلذلك ساغ أن يقول للأسماء عرضهم. # وأنبئوني معناه: أخبروني، والنبأ الخبر، ومنه النبيء. # وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق، ويتقرر جوازه، ~~لأنه تعالى علم أنهم لا يعلمون. # وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف وإنما هو على جهة ~~التقرير والتوقيف. # وقوله تعالى: هؤلاء ظاهره حضور أشخاص، وذلك عند العرض على الملائكة. # وليس في هذه الآية ما يوجب أن الاسم أريد به المسمى كما ذهب إليه مكي ~~والمهدوي، فمن قال إنه تعالى عرض على الملائكة أشخاصا استقام له مع لفظ ~~هؤلاء، ومن قال إنه إنما عرض أسماء فقط PageV01P120 # جعل الإشارة ب هؤلاء إلى أشخاص الأسماء وهي غائبة، إذ قد حضر ما هو منها ~~بسبب، وذلك أسماؤها، وكأنه قال لهم في كل اسم لأي شخص هذا. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم ~~الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصا، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم ~~عن تسمياتها التي قد تعلمها ms0098 آدم، ثم إن آدم قال لهم هذا اسمه كذا، وهذا ~~اسمه كذا، وهؤلاء لفظ مبني على الكسر والقصر فيه لغة تميم وبعض قيس وأسد، ~~قال الأعشى: [الخفيف] . # هؤلا ثم هؤلا كلا أعطي ... ت نعالا محذوة بنعال # وكنتم في موضع الجزم بالشرط، والجواب عند سيبويه فيما قبله، وعند المبرد ~~محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فأنبئوني. # وقال ابن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب النبي عليه السلام، معنى الآية: ~~إن كنتم صادقين في أن الخليفة يفسد ويسفك. # وقال آخرون: صادقين في أني إن استخلفتكم سبحتم بحمدي وقدستم لي. # وقال الحسن وقتادة: روي أن الملائكة قالت حين خلق الله آدم: ليخلق ربنا ~~ما شاء فلن يخلق خلقا أعلم منا ولا أكرم عليه، فأراد الله تعالى أن يريهم ~~من علم آدم وكرامته خلاف ما ظنوا فالمعنى إن كنتم صادقين في دعواكم العلم. # وقال قوم: معنى الآية إن كنتم صادقين في جواب السؤال عالمين بالأسماء. ~~قالوا: ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: سبحانك حكاه النقاش. قال: ~~ولو لم يشترط عليهم الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته ~~الله مائة عام حين قال له «كم لبثت؟» ولم يشترط عليه الإصابة. # فقال، ولم يصب فلم يعنف. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله محتمل. # وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال: معنى إن كنتم «إذ كنتم» . # قال الطبري: وهذا خطأ. وإن قال قائل ما الحكمة في قول الله تعالى ~~للملائكة إني جاعل الآية، قيل: هذا منه امتحان لهم واختبار ليقع منهم ما ~~وقع ويؤدبهم تعالى من تعليم آدم وتكريمه بما أدب. # وسبحانك معناه: تنزيها لك وتبرئة أن يعلم أحد من علمك إلا ما علمته، ~~وسبحانك نصب على المصدر. # وقال الكسائي: «نصبه على أنه منادى مضاف» . # قال الزهراوي: موضع ما من قولهم ما علمتنا نصب ب علمتنا، وخبر التبرئة في ~~لنا، ويحتمل أن يكون موضع ما رفعا على أنه بدل من خبر التبرئة، كما تقول لا ~~إله إلا الله أي لا إله في PageV01P121 # الوجود إلا ms0099 الله، وأنت في موضع نصب تأكيد للضمير في إنك، أو في موضع رفع ~~على الابتداء. # والعليم خبره، والجملة خبر «إن» ، أو فاصلة لا موضع لها من الإعراب. ~~والعليم معناه: العالم، ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير من المعلومات ~~في حق الله عز وجل. # والحكيم معناه الحاكم، وبينهما مزية المبالغة، وقيل: معناه المحكم كما ~~قال عمرو بن معديكرب: [الوافر] . # أمن ريحانة الداعي السميع أي المسمع، ويجيء الحكيم على هذا من صفات ~~الفعل. # وقال قوم: الحكيم المانع من الفساد، ومنه حكمة الفرس مانعته، ومنه قول ~~جرير: [الكامل] . # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 33 الى 34] # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34) # أنبئهم معناه أخبرهم، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر وقد يحذف ~~حرف الجر أحيانا، تقول نبئت زيدا. # قال سيبويه: معناه نبئت عن زيد. والضمير في أنبئهم عائد على الملائكة ~~بإجماع، والضمير في أسمائهم مختلف فيه حسب الاختلاف في الأسماء التي علمها ~~آدم. # قال أبو علي: «كلهم قرأ «أنبئهم» بالهمز وضم الهاء، إلا ما روي عن ابن ~~عامر، «أنبئهم» بالهمز وكسر الهاء، وكذلك روى بعض المكيين عن ابن كثير، ~~وذلك على إتباع كسرة الهاء لكسرة الباء، وإن حجز الساكن فحجزه لا يعتد به» ~~. # قال أبو عمرو الداني: «وقرأ الحسن والأعرج: «أنبيهم» بغير همز» . # قال ابن جني: «وقرأ الحسن «أنبهم» ، على وزن «أعطهم» ، وقد روي عنه، ~~«أنبيهم» بغير همز» . # قال أبو عمرو: «وقد روي مثل ذلك عن ابن كثير من طريق القواس» . # قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن، «أنبهم» «كأعطهم» ، فعلى إبدال الهمزة ~~ياء، على أنك تقول «أنبيت» كأعطيت، وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف ~~والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة شعر. # قال بعض العلماء: إن في قوله ms0100 تعالى: فلما أنبأهم نبوة لآدم عليه السلام، ~~إذ أمره الله أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل. PageV01P122 # ويجوز فتح الياء من «إني» وتسكينها. # قال الكسائي: «رأيت العرب إذا لقيت عندهم الياء همزة فتحوها» . # قال أبو علي: «كان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند ~~الهمزة المفتوحة والمكسورة، إذا كانت متصلة باسم، أو بفعل، ما لم يطل الحرف ~~فإنه يثقل فتحها، نحو قوله تعالى: ولا تفتني ألا [التوبة: 49] وقوله تعالى: ~~فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] ، والذي يخف: إني أرى [الأنفال: # 48، يوسف: 43، الصافات: 102] وأجري إلا على الله [يونس: 72، هود: 29، ~~سبأ: 47] . # وقوله تعالى: أعلم غيب السماوات والأرض معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا ~~غيب عنده من معلوماته وما في موضع نصب «بأعلم» . # قال المهدوي: ويجوز أن يكون قوله أعلم اسما بمعنى التفضيل في العلم، ~~فتكون ما في موضع خفض بالإضافة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فإذا قدر الأول اسما فلا بد ~~بعده من إضمار فعل ينصب غيب، تقديره إني أعلم من كل أعلم غيب، وكونها في ~~الموضعين فعلا مضارعا أخصر وأبلغ. # واختلف المفسرون في قوله تعالى: ما تبدون وما كنتم تكتمون فقالت طائفة: ~~ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع. # وحكى مكي أن المراد بقول ما تبدون قولهم: أتجعل فيها الآية. # وحكى المهدوي أن ما تبدون قولهم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق أعلم منا ~~ولا أكرم عليه، فجعل هذا مما أبدوه لما قالوه. # وقال الزهراوي: «ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم» . # واختلف في المكتوم فقال ابن عباس وابن مسعود: المراد ما كتمه إبليس في ~~نفسه من الكبر والكفر، ويتوجه قوله تكتمون للجماعة والكاتم واحد في هذا ~~القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم ~~فعلتم كذا، أي منكم فاعله. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: إن ~~الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون [الحجرات: 4] وإنما ناداه ~~منهم ms0101 عيينة، وقيل الأقرع، وقال قتادة: # المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فجعل هذا ~~فيما كتموه لما أسروه، - وإذ من قوله: وإذ قلنا معطوف على إذ المتقدمة. # وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل، بشرط وجودهم ~~وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله سبحانه ونواهيه ومخاطباته وقلنا ~~كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، وقوله للملائكة عموم فيهم. PageV01P123 # وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «للملائكة اسجدوا» برفع تاء للملائكة اتباعا ~~لضمة ثالث المستقبل. # قال أبو علي: «وهذا خطأ» . # وقال الزجاج: «أبو جعفر من رؤساء القراءة ولكنه غلط في هذا» . # قال أبو الفتح: لأن الملائكة في موضع جر فالتاء مكسورة كسرة إعراب، وهذا ~~الذي ذهب إليه أبو جعفر إنما يجوز إذا كان ما قبل الهمزة حرفا ساكنا صحيحا، ~~نحو قوله تعالى: وقالت اخرج عليهن [يوسف: 31] والسجود في كلام العرب الخضوع ~~والتذلل، ومنه قول الشاعر [زيد الخيل] : [الطويل] # ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء ~~وخضوع، ذكره النقاش وغيره، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود. # وقوله تعالى: فقعوا له ساجدين [الحجر: 29] لا دليل فيه لأن الجاثي على ~~ركبتيه واقع. # واختلف في حال السجود لآدم، فقال ابن عباس: «تعبدهم الله بالسجود لآدم، ~~والعبادة في ذلك لله» . # وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس: «إنما كان سجود تحية كسجود ~~أبوي يوسف عليه السلام، لا سجود عبادة» . # وقال الشعبي: «إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه ~~السلام. # وحكى النقاش عن مقاتل: «أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن ~~يخلقه» . # قال: «والقرآن يرد على هذا القول» . # وقال قوم: سجود الملائكة كان مرتين، والإجماع يرد هذا. # وقوله تعالى: إلا إبليس نصب على الاستثناء المتصل، لأنه من الملائكة على ~~قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازنا وملكا على سماء الدنيا والأرض، ~~واسمه ms0102 عزازيل، قاله ابن عباس. # وقال ابن زيد والحسن: «هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ~~ملكا» . # وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: «واسمه الحارث» . # وقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة ~~فسبوه صغيرا، وتعبد وخوطب معها، وحكاه الطبري عن ابن مسعود. والاستثناء على ~~هذه الأقوال منقطع، واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال صفة ~~للملائكة: «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» . # ورجح الطبري قول من قال: «إن إبليس كان من الملائكة» . وقال: «ليس في ~~خلقه من نار ولا في PageV01P124 # تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة» . # وقوله عز وجل: كان من الجن ففسق عن أمر ربه [الكهف: 50] يتخرج على أنه ~~عمل عملهم فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جنا لاستتارها، ~~قال تعالى: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا. [الصافات: 158] وقال الأعشى في ~~ذكر سليمان عليه السلام: [الطويل] # وسخر من جن الملائك تسعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر # أو على أن يكون نسبهم إلى الجنة كما ينسب إلى البصرة بصري، لما كان خازنا ~~عليها، وإبليس لا ينصرف لأنه اسم أعجمي معرف. # قال الزجاج: «ووزنه فعليل» . # وقال ابن عباس والسدي وأبو عبيدة وغيرهم: هو مشتق من أبلس إذا أبعد عن ~~الخير، ووزنه على هذا إفعيل ولم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه، وأجروه مجرى ~~إسحاق من أسحقه الله، وأيوب من آب يؤوب، مثل قيوم من قام يقوم، ولما لم ~~تصرف هذه- ولها وجه من الاشتقاق- كذلك لم يصرف هذا وإن توجه اشتقاقه لقلته ~~وشذوذه، ومن هذا المعنى قول الشاعر العجاج: [الرجز] . # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا # أي تغير وبعد عن العمار والإنس به ومثله قول الآخر: [الرجز] وفي الوجوه ~~صفرة وإبلاس ومنه قوله تعالى: فإذا هم مبلسون [الأنعام: 44] أي يائسون عن ~~الخير مبعدون منه فيما يرون- وأبى معناه امتنع من فعل ما أمر به، واستكبر ~~دخل في ms0103 الكبرياء، والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه، ~~والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده. # وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر ~~والشح، حسد إبليس آدم وتكبر، وشح آدم في أكله من شجرة قد نهي عن قربها. # حكى المهدوي عن فرقة أن معنى وكان من الكافرين: وصار من الكافرين. # وقال ابن فورك: «وهذا خطأ ترده الأصول» . # وقالت فرقة: «قد كان تقدم قبل من الجن من كفر فشبهه الله بهم وجعله منهم، ~~لما فعل في الكفر فعلهم» . # وذكر الطبري عن أبي العالية أنه كان يقول: «وكان من الكافرين معناه: من ~~العاصين» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وتلك معصية كفر لأنها عن ~~معتقد فاسد صدرت. PageV01P125 # وروي أن الله تعالى خلق خلقا وأمرهم بالسجود لآدم فعصوا فأحرقهم بالنار، ~~ثم خلق آخرين وأمرهم بذلك فعصوا فأحرقهم، ثم خلق الملائكة فأمرهم بذلك ~~فسجدوا. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والإسناد في مثل هذا غير وثيق. # وقال جمهور المتأولين: معنى وكان من الكافرين أي في علم الله تعالى أنه ~~سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة. # وذهب الطبري: إلى أن الله أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم ~~اليهود الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوته ومع تقدم ~~نعم الله عليهم وعلى أسلافهم. واختلف هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين ~~بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله قبل كفره، فمن قال إنه كفر ~~جهلا قال: «إنه سلب العلم عند كفره» . ومن قال كفر عنادا قال: «كفر ومعه ~~علمه» ، قال: والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا ~~يستحيل مع خذل الله لمن شاء. ولا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره ~~وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم اسكن. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 35 الى 36] # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا ms0104 حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما ~~كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~(36) # اسكن معناه لازم الإقامة، ولفظه لفظ الأمر ومعناه الإذن، وأنت تأكيد ~~للضمير الذي في اسكن، وزوجك عطف عليه والزوج امرأة الرجل وهذا أشهر من ~~زوجة، وقد تقدم، والجنة البستان عليه حظيرة، واختلف في الجنة التي أسكنها ~~آدم، هل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما؟ وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى ~~أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من ~~دخلها مثابا لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل ولا ورد ~~سمع بأنه لا يخرج منها. # واختلف متى خلقت حواء من ضلع آدم عليه السلام؟ فقال ابن عباس «حين أنبأ ~~الملائكة بالأسماء واسجدوا له ألقيت عليه السنة وخلقت حواء، فاستيقظ وهي ~~إلى جانبه» فقال فيما يزعمون: لحمي ودمي، وسكن إليها، فذهبت الملائكة لتجرب ~~علمه، فقالوا له يا آدم ما اسمها؟ قال: حواء. قالوا: ولم؟ # قال: لأنها خلقت من شيء حي، ثم قال الله له: اسكن أنت وزوجك الجنة. # وقال ابن مسعود وابن عباس أيضا: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا، ~~فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصيرى، ليسكن إليها ويستأنس بها، فلما انتبه ~~رآها، فقال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي، وحذفت النون من ~~كلا للأمر، والألف الأولى لحركة الكاف حين حذفت الثانية لاجتماع المثلين ~~وهو حذف شاذ، ولفظ هذا الأمر ب كلا معناه الإباحة، بقرينة قوله: حيث شئتما ~~والضمير في منها عائد على الجنة. PageV01P126 # وقرأ ابن وثاب والنخعي «رغدا» بسكون الغين، والجمهور على فتحها، والرغد ~~العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه، ومنه قول امرئ القيس: [الرمل] . # بينما المرء تراه ناعما ... يأمن الأحداث في عيش رغد # ورغدا منصوب على الصفة لمصدر محذوف وقيل: هو نصب على المصدر في موضع ~~الحال، وحيث مبنية على الضم، ومن ms0105 العرب من يبنيها على الفتح، ومن العرب من ~~يعربها حسب موضعها بالرفع والنصب والخفض، كقوله سبحانه: سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون [الأعراف: 82، القلم: 44] ومن العرب من يقول «حوث» ، وشئتما أصله ~~شيأتما حول إلى فعلتما تحركت ياؤه وانفتح ما قبلها جاء شائتما، حذفت الألف ~~الساكنة الممدودة للالتقاء وكسرت الشين لتدل على الياء فجاء شئتما. # قال القاضي أبو محمد: هذا تعليل المبرد، فأما سيبويه فالأصل عنده شيئتما ~~بكسر الياء، نقلت حركة الياء إلى الشين، وحذفت الياء بعد. # وقوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة معناه لا تقرباها بأكل، لأن الإباحة ~~فيه وقعت. # قال بعض الحذاق: «إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظة ~~تقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مثال بين في سد ~~الذرائع. # وقرأ ابن محيصن هذي على الأصل، والهاء في هذه بدل من الياء، وليس في ~~الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير هذه، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى ~~شجرة معينة واحدة، أو إلى جنس. # وحكى هارون الأعور عن بعض العلماء قراءة «الشجرة» بكسر الشين و «الشجر» ~~كل ما قام من النبات على ساق. # واختلف في هذه الشجرة التي نهى عنها ما هي؟ # فقال ابن مسعود وابن عباس: «هي الكرم ولذلك حرمت علينا الخمر» . # وقال ابن جريج عن بعض الصحابة: «هي شجرة التين» . # وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وعطية وقتادة: «هي السنبلة وحبها ككلى ~~البقر، أحلى من العسل، وألين من الزبد» . # وروي عن ابن عباس أيضا: «أنها شجرة العلم، فيها ثمر كل شيء» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا يصح عن ابن عباس. # وحكى الطبري عن يعقوب بن عتبة: «أنها الشجرة التي كانت الملائكة تحنك بها ~~للخلد» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضا ضعيف. PageV01P127 # قال: «واليهود تزعم أنها الحنظلة، وتقول: إنها كانت حلوة ومرت من حينئذ» ~~. # قال القاضي أبو محمد: وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما ~~الصواب أن يعتقد أن ms0106 الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في ~~الأكل منها، وفي حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة ~~لا يدوم، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر ولا ينهى. # وقيل إن هذه الشجرة كانت خصت بأن تحوج آكلها إلى التبرز، فلذلك نهي عنها ~~فلما أكل منها ولم تكن الجنة موضع تبرز أهبط إلى الأرض. # وقوله فتكونا في موضع جزم على العطف على لا تقربا، ويجوز فيه النصب على ~~الجواب، والناصب عند الخليل وسيبويه «أن المضمرة» ، وعند الجرمي الفاء، ~~والظالم في اللغة الذي يضع الشيء غير موضعه، ومنه قولهم: «من أشبه أباه فما ~~ظلم» ، ومنه «المظلومة الجلد» لأن المطر لم يأتها في وقته، ومنه قول عمرو ~~بن قمئة: [الكامل] # ظلم البطاح بها انهلال حريصة ... فصفا النطاف له بعيد المقلع # والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاها الشرك، ثم ظلم المعاصي وهي ~~مراتب، وهو في هذه الآية يدل على أن قوله: ولا تقربا على جهة الوجوب، لا ~~على الندب، لأن من ترك المندوب لا يسمى ظالما، فاقتضت لفظة الظلم قوة ~~النهي، و «أزلهما» مأخوذ من الزلل، وهو في الآية مجاز، لأنه في الرأي ~~والنظر، وإنما حقيقة الزلل في القدم. # قال أبو علي: فأزلهما يحتمل تأويلين، أحدهما، كسبهما الزلة، والآخر أن ~~يكون من زل إذا عثر» . # وقرأ حمزة: «فأزالهما» ، مأخوذ من الزوال، كأنه المزيل لما كان إغواؤه ~~مؤديا إلى الزوال. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء، ولا خلاف بين العلماء أن ~~إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم. واختلف في الكيفية، فقال ابن عباس وابن ~~مسعود وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى: وقاسمهما ~~والمقاسمة ظاهرها المشافهة. # وقال بعضهم: إن إبليس لما دخل إلى آدم كلمه في حاله، فقال: يا آدم ما ~~أحسن هذا لو أن خلدا كان، فوجد إبليس السبيل إلى إغوائه، فقال: هل أدلك على ~~شجرة الخلد؟. # وقال بعضهم: دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية، بعد أن عرض ~~نفسه على ms0107 كثير من الحيوان فلم تدخله إلا الحية، فخرج إلى حواء وأخذ شيئا من ~~الشجرة، وقال: انظري ما أحسن هذا فأغواها حتى أكلت، ثم أغوى آدم، وقالت له ~~حواء: كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوءاتهما، وحصلا في حكم ~~الذنب، ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني ~~آدم، وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم في كل شهر، وكذلك ~~تحملين كرها، وتضعين كرها، تشرفين به على الموت مرارا. زاد الطبري والنقاش: ~~«وتكونين سفيهة، وقد كنت حليمة» . PageV01P128 # وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد أن أخرج منها، وإنما ~~أغوى آدم بشيطانه وسلطانه ووساوسه التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» . والضمير في ~~عنها عائد على الشجرة في قراءة من قرأ «أزلهما» ، ويحتمل أن يعود على الجنة ~~فأما من قرأ أزالهما فإنه يعود على الجنة فقط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر، ~~تقديره فأكلا من الشجرة. # وقال قوم: «أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعا على جميع ~~جنسها» . # وقال آخرون: «تأولا النهي على الندب» . # وقال ابن المسيب: «إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فكان في غير ~~عقله» . # وقوله تعالى: فأخرجهما مما كانا فيه يحتمل وجوها، فقيل أخرجهما من الطاعة ~~إلى المعصية. # وقيل: من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا. وقيل: من رفعة المنزلة إلى سفل ~~مكانة الذنب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يتقارب. # وقرأ أبو حيوة: «اهبطوا» بضم الباء. «ويفعل» كثير في غير المتعدي وهبط ~~غير متعد. والهبوط النزول من علو إلى أسفل. # واختلف من المخاطب بالهبوط، فقال السدي وغيره: «آدم وحواء وإبليس والحية» ~~. # وقال الحسن: «آدم وحواء والوسوسة» . # قال غيره: «والحية لأن إبليس قد كان أهبط قبل عند معصيته» . # وبعضكم لبعض عدو جملة في موضع الحال، وإفراد لفظ عدو من حيث لفظ بعض، ~~وبعض وكل تجري مجرى الواحد، ومن حيث لفظة عدو تقع للواحد والجمع، ms0108 قال الله ~~تعالى: هم العدو فاحذرهم [المنافقون: 4] ولكم في الأرض مستقر أي موضع ~~استقرار قاله أبو العالية وابن زيد. # وقال السدي: «المراد الاستقرار في القبور، والمتاع ما يستمتع به من أكل ~~ولبس وحياة، وحديث، وأنس، وغير ذلك» . وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف ~~على قبر ابنه أيوب إثر دفنه: [الطويل] # وقفت على قبر غريب بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق # واختلف المتأولون في الحين هاهنا فقالت فرقة: إلى الموت، وهذا قول من ~~يقول المستقر هو المقام في الدنيا، وقالت فرقة: إلى حين إلى يوم القيامة، ~~وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور. ويترتب أيضا على أن المستقر في ~~الدنيا أن يراد بقوله: ولكم، أي لأنواعكم في الدنيا استقرار ومتاع قرنا بعد ~~قرن إلى يوم القيامة، والحين المدة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان ~~والالتزامات سنة. # قال الله تعالى: تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [إبراهيم: 25] وقد قيل: ~~أقصرها ستة أشهر، لأن من النخل ما يثمر في كل ستة أشهر، وقد يستعمل الحين ~~في المحاورات في القليل من الزمن. PageV01P129 # وفي قوله تعالى: إلى حين فائدة لآدم عليه السلام، ليعلم أنه غير باق فيها ~~ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها، وهي لغير آدم دالة على المعاد. # وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سرنديب وأن حواء نزلت بجدة، وأن الحية ~~نزلت بأصبهان، وقيل بميسان، وأن إبليس نزل على الأبلة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 37 الى 39] # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا ~~منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) # المعنى: فقال الكلمات فتاب الله عليه عند ذلك، وآدم رفع ب «تلقى» ، ~~وكلمات نصب بها، والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم. # وحكى مكي قولا: أنه ألهمها فانتفع بها. # وقرأ ابن كثير: «آدم» بالنصب. «من ربه كلمات» بالرفع، فالتلقي من ms0109 الكلمات ~~هو نيل آدم بسببها رحمة الله وتوبته. # واختلف المتأولون في الكلمات، فقال الحسن بن أبي الحسن: هي قوله تعالى: ~~ربنا ظلمنا أنفسنا الآية [الأعراف: 23] . # وقال مجاهد: «هي أن آدم قال: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي ~~فاغفر لي إنك أنت التواب الرحيم» . # وقال ابن عباس: «هي أن آدم قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ~~أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال بلى، قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. ~~قال: أرأيت إن تبت وأطعت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم» . # قال عبيد بن عمير: «إن آدم قال: أي رب أرأيت ما عصيتك فيه أشيء كتبته علي ~~أم شيء ابتدعته؟ # قال: بل شيء كتبته عليك. قال: أي رب كما كتبته علي فاغفر لي» . # وقال قتادة: «الكلمات هي أن آدم قال: أي رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ ~~قال: إذا أدخلك الجنة» . # وقالت طائفة: إن المراد بالكلمات ندمه واستغفاره وحزنه، رسول الله «فتشفع ~~بذلك، فهي الكلمات» . # وقالت طائفة: «إن المراد بالكلمات ندمه واستغفاره وحزنه، وسماها كلمات ~~مجازا لما هي في خلقها PageV01P130 # صادرة عن كلمات، وهي كن في كل واحدة منهن، وهذا قول يقتضي أن آدم لم يقل ~~شيئا إلا الاستغفار المعهود. # وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال ~~أبواه، ربنا ظلمنا أنفسنا. وما قال موسى: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. ~~[القصص: 16] . وما قال يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. ~~[الأنبياء: 87] . # و «تاب عليه» معناه رجع به، والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده ~~بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع ~~تركه فيما يستأنف وإنما خص الله تعالى آدم بالذكر هنا في التلقي والتوبة، ~~وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع لأنه المخاطب في أول القصة بقوله: اسكن أنت ~~وزوجك الجنة فلذلك كملت القصة بذكره وحده، وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة ~~فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية ms0110 في قوله: وعصى آدم ربه ~~فغوى [طه: 121] . # وروي أن الله تعالى تاب على آدم في يوم عاشوراء. # وكنية آدم أبو محمد، وقيل أبو البشر. # وقرأ الجمهور: «إنه» بكسر الألف على القطع. # وقرأ ابن أبي عقرب: «أنه» بفتح الهمزة على معنى لأنه، وبنية التواب ~~للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: إنه هو التواب الرحيم تأكيد فائدته أن ~~التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده لئلا يعجب ~~التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط ~~لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وعلق ~~بالثاني إتيان الهدى. وقيل: كرر الأمر بالهبوط على جهة تغليظ الأمر ~~وتأكيده، كما تقول لرجل قم قم. # وحكى النقاش: أن الهبوط الثاني إنما هو من الجنة إلى السماء، والأول في ~~ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو الآخر في الوقوع، فليس في الأمر تكرار ~~على هذا، وجميعا حال من الضمير في اهبطوا، وليس بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه ~~عوض منهما دال عليهما، كأنه قال هبوطا جميعا، أو هابطين جميعا، واختلف في ~~المقصود بهذا الخطاب، فقيل آدم وحواء وإبليس وذريتهم، وقيل ظاهره العموم ~~ومعناه الخصوص في آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخوطبا بلفظ الجمع ~~تشريفا لهما، والأول أصح لأن إبليس مخاطب بالإيمان بإجماع، و «إن» في قوله ~~فإما هي للشرط دخلت ما عليها مؤكدة ليصح دخول النون المشددة، فهي بمثابة ~~لام القسم التي تجيء لتجيء النون، وفي قوله تعالى: مني إشارة إلى أن أفعال ~~العباد خلق الله تعالى. واختلف في معنى قوله هدى، فقيل: بيان وإرشاد. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصواب أن يقال: بيان ودعاء. # وقالت فرقة: الهدى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر: ~~هو فمن بعده. # وقوله تعالى: فمن تبع هداي شرط جوابه فلا خوف عليهم. PageV01P131 # قال سيبويه: الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله: فإما يأتينكم. # وحكي عن الكسائي أن قوله: فلا خوف عليهم جواب ms0111 الشرطين جميعا. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: حكي هذا وفيه نظر، ولا يتوجه ~~أن يخالف سيبويه هنا، وإنما الخلاف في نحو قوله تعالى: فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان [الواقعة: 89] . # فيقول سيبويه: «جواب أحد الشرطين محذوف لدلالة قوله: (فروح) عليه» ويقول ~~الكوفيون: «فروح جواب الشرطين» . # قال القاضي أبو محمد: وأما في هذه الآية فالمعنى يمنع أن يكون فلا خوف ~~جوابا للشرطين. # وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق: هدى وهي لغة هذيل. # قال أبو ذؤيب يرثي بنيه: [الكامل] . # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع # وكذلك يقولون عصى وما أشبهه، وعلة هذه اللغة أن ياء الإضافة من شأنها أن ~~يكسر ما قبلها، فلما لم يصح في هذا الوزن كسر الألف الساكنة أبدلت ياء ~~وأدغمت. # وقرأ الزهري ويعقوب وعيسى الثقفي: «فلا خوف عليهم» نصب بالتبرية ووجهه ~~أنه أعم وأبلغ في رفع الخوف، ووجه الرفع أنه أعدل في اللفظ لينعطف المرفوع ~~من قولهم يحزنون على مرفوع، «ولا» في قراءة الرفع عاملة عمل ليس. # وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه «فلا خوف» بالرفع وترك التنوين وهي على أن ~~تعمل «لا» عمل ليس، لكنه حذف التنوين تخفيفا لكثرة الاستعمال، ويحتمل قوله ~~تعالى: «لا خوف عليهم» أي فيما بين أيديهم من الدنيا، ولا هم يحزنون على ما ~~فاتهم منها، ويحتمل أن «لا خوف عليهم» يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيه، ~~ويحتمل أن يريد أنه يدخلهم الجنة حيث لا خوف ولا حزن. # وقوله تعالى: والذين كفروا الآية، عطف جملة مرفوعة على جملة مرفوعة، وقال ~~وكذبوا وكان في الكفر كفاية لأن لفظة كفروا يشترك فيها كفر النعم وكفر ~~المعاصي، ولا يجب بهذا خلود فبين أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله وكذبوا ~~بآياتنا والآية هنا يحتمل أن يريد المتلوة، ويحتمل أن يريد العلامة ~~المنصوبة، وقد تقدم في صدر هذا الكتاب القول على لفظ آية، وأولئك رفع ~~بالابتداء وأصحاب خبره، والصحبة الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمن ما، ~~فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة، ms0112 وهكذا هي صحبة أهل النار لها، ~~وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم ~~متباينة، أقلها الاقتران في الإسلام والزمن، وأكثرها الخلطة والملازمة، وهم ~~فيها خالدون، ابتداء وخبر في موضع الحال. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 40 الى 41] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر ~~به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) PageV01P132 # يا حرف نداء مضمن معنى التنبيه. # قال الخليل: «والعامل في المنادى فعل مضمر كأنه يقول: أريد أو أدعو» . # وقال أبو علي الفارسي: العامل حرف النداء عصب به معنى الفعل المضمر فقوي ~~فعمل، ويدل على ذلك أنه ليس في حروف المعاني ما يلتئم بانفراده مع الأسماء ~~غير حرف النداء، وبني منادى مضاف وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~عليهم السلام، وهو اسم أعجمي يقال فيه إسراءل وإسرائيل وإسرائيل، وتميم ~~تقول إسرائين، وإسرا هو بالعبرانية عبد وإيل اسم الله تعالى فمعناه عبد ~~الله. # وحكى المهدوي أن- إسرا- مأخوذ من الشدة في الأسر كأنه الذي شد الله أسره ~~وقوى خلقته. # وروي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق ترك همز إسراييل، والذكر في ~~كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان، والنعمة ~~هنا اسم الجنس فهي مفردة بمعنى الجمع، وتحركت الياء من نعمتي لأنها لقيت ~~الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء وفتحها أحسن لزيادة ~~حرف في كتاب الله تعالى، وخصص بعض العلماء النعمة في هذه الآية. # فقال الطبري: «بعثة الرسل منهم وإنزال المن والسلوى، وإنقاذهم من تعذيب ~~آل فرعون، وتفجير الحجر» . # وقال غيره: «النعمة هنا أن دركهم مدة محمد صلى الله عليه وسلم» . # وقال آخرون: «هي أن منحهم علم التوراة وجعلهم أهله وحملته» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه أقوال على جهة المثال، والعموم في ~~اللفظة هو الحسن. # وحكى مكي: أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد صلى ms0113 ~~الله عليه وسلم، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. # وقال ابن عباس وجمهور العلماء: بل الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي ~~عليه السلام، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في عليكم يراد به على آبائكم كما ~~تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد، ومن قال ~~إنما خوطب المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم استقام الضمير في عليكم ويجيء ~~كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة. # وقوله تعالى: وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم أمر وجوابه. # فقال الخليل: «جزم الجواب في الأمر من معنى الشرط، والوفاء بالعهد هو ~~التزام ما تضمن من فعل» . PageV01P133 # وقرأ الزهري: «أوف» بفتح الواو وشد الفاء للتكثير. # واختلف المتأولون في هذا العهد إليهم فقال الجمهور ذلك عام في جميع ~~أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة، وقيل العهد قوله تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة [البقرة: 63، 93] ، ~~وقال ابن جريج: العهد قوله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ~~[المائدة: 12] ، وعهدهم هو أن يدخلهم الجنة، ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء ~~الله تعالى لهم بعهدهم، لا علة له، لأن العلة لا تتقدم المعلول. # وقوله تعالى: وإياي فارهبون الاسم ايا والياء ضمير ككاف المخاطب، وقيل ~~إياي بجملته هو الاسم، وهو منصوب بإضمار فعل مؤخر، تقديره: وإياي ارهبوا ~~فارهبون، وامتنع أن يتقدر مقدما لأن الفعل إذا تقدم لم يحسن أن يتصل به إلا ~~ضمير خفيف، فكان يجيء وارهبون، والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد وسقطت ~~الياء بعد النون لأنها رأس آية. # وقرأ ابن أبي إسحاق بالياء، وآمنوا معناه صدقوا، ومصدقا نصب على الحال من ~~الضمير في أنزلت، وقيل من «ما» ، والعامل فيه آمنوا وما أنزلت كناية عن ~~القرآن، ولما معكم يعني من التوراة وقوله تعالى: ولا تكونوا أول كافر به ~~هذا من مفهوم الخطاب الذي: المذكور فيه والمسكوت عنه حكمهما واحد، فالأول ~~والثاني وغيرهما داخل في النهي، ولكن حذروا البدار إلى الكفر به إذ على ~~الأول كفل من فعل المقتدى به، ونصب أول على ms0114 خبر كان. # قال سيبويه: أول أفعل لا فعل له لاعتلال فائه وعينه» قال غير سيبويه: «هو ~~أوأل من وأل إذا نجا، خففت الهمزة وأبدلت واوا وأدغمت» . # وقيل: إنه من آل فهو أأول قلب فجاء وزنه أعفل، وسهل وأبدل وأدغم، ووحد ~~كافر وهو بنية الجمع لأن أفعل إذا أضيف إلى اسم متصرف من فعل جاز إفراد ذلك ~~الاسم، والمراد به الجماعة. # قال الشاعر: [الكامل] # وإذا هم طعموا فألأم طاعم ... وإذا هم جاعوا فشر جياع # وسيبويه يرى أنها نكرة مختصرة من معرفة كأنه قال ولا تكونوا أول كافرين ~~به وقيل معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر به. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد كان كفر قبلهم كفار ~~قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، لأنهم حجة ~~مظنون بهم علم، واختلف في الضمير في به على من يعود، فقيل على محمد عليه ~~السلام، وقيل على التوراة إذ تضمنها قوله: لما معكم. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى هذا القول يجيء أول كافر به مستقيما ~~على ظاهره في الأولية، وقيل الضمير في به عائد على القرآن، إذ تضمنه قوله ~~بما أنزلت. # واختلف المتأولون في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، فقالت طائفة: إن ~~الأحبار كانوا يعلمون PageV01P134 # دينهم بالأجرة، فنهوا عن ذلك وفي كتبهم: علم مجانا كما علمت مجانا أي ~~باطلا بغير أجرة. # وقال قوم: كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك. # وقال قوم: إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير قصة محمد عليه السلام في ~~التوراة، ففي ذلك قال تعالى: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا [البقرة: 41، ~~المائدة: 44] . # وقال قوم: معنى الآية ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا، يعني ~~الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له، وقد تقدم نظير قوله وإياي ~~فاتقون وبين «اتقون» و «ارهبون» فرق، ان الرهبة مقرون بها وعيد بالغ. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 42 الى 46] # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم ms0115 تعلمون (42) وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون (46) # المعنى ولا تخلطوا، يقال «لبست الأمر» بفتح الباء ألبسه، إذا خلطته ومزجت ~~بينه بمشكله وحقه بباطله. # وأما قول الشاعر: # وكتيبة لبستها بكتيبة فالظاهر أنه من هذا المعنى، ويحتمل أن يكون المعنى ~~من اللباس، واختلف أهل التأويل في المراد بقوله: الحق بالباطل. # فقال أبو العالية: «قالت اليهود: محمد نبي مبعوث، لكن إلى غيرنا، ~~فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل» . # وقال الطبري: «كان من اليهود منافقون فما أظهروا من الإيمان حق، وما ~~أبطنوا من الكفر باطل» . # وقال مجاهد: «معناه لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام» . # وقال ابن زيد: المراد ب الحق التوراة، و «الباطل» ما بدلوا فيها من ذكر ~~محمد عليه السلام، وتلبسوا جزم بالنهي، وتكتموا عطف عليه في موضع جزم، ~~ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار «أن» ، وإذا قدرت «أن» كانت مع تكتموا ~~بتأويل المصدر، وكانت الواو عاطفة على مصدر مقدر من تلبسوا، كأن الكلام ولا ~~يكن لبسكم الحق بالباطل وكتمانكم الحق. # وقال الكوفيون: تكتموا نصب بواو الصرف، والحق يعني به أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم» . PageV01P135 # وقوله تعالى: وأنتم تعلمون جملة في موضع الحال ولم يشهد لهم تعالى بعلم ~~وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص ~~في أمر محمد عليه السلام، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق ولا تكون الجملة ~~على هذا في موضع الحال، وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من واقعه ~~على علم، وأنه أعصى من الجاهل. # وأقيموا الصلاة معناه: أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها، وذلك تشبيه ~~بإقامة القاعد إلى حال ظهور، ومنه قول الشاعر: [الكامل] # وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعان # وقد تقدم القول في الصلاة، والزكاة في هذه الآية هي المفروضة بقرينة ~~إجماع الأمة على وجوب الأمر بها، ms0116 والزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما ~~وزاد، وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو ~~بالأجر الذي يثيب الله به المزكي وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال ~~زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من ~~تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس. # وقوله تعالى: واركعوا مع الراكعين قال قوم: جعل الركوع لما كان من أركان ~~الصلاة عبارة عن الصلاة كلها. # وقال قوم: إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع. # وقالت فرقة: إنما قال مع لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، ~~فأمرهم بقوله مع بشهود الجماعة، والركوع في اللغة الانحناء بالشخص. # قال لبيد: [الطويل] # أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع # ويستعار أيضا في الانحطاط في المنزلة، قال الأضبط بن قريع: [الخفيف] # لا تعاد الضعيف علك أن تر ... كع يوما والدهر قد رفعه # وقوله تعالى: أتأمرون الناس خرج مخرج الاستفهام، ومعناه التوبيخ، و ~~«البر» يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر، وتنسون ~~بمعنى تتركون كما قال الله تعالى: نسوا الله فنسيهم [التوبة: 67] . # واختلف المتأولون في المقصود بهذه الآية، فقال ابن عباس: «كان الأحبار ~~يأمرون أتباعهم ومقلديهم باتباع التوراة، وكانوا هم يخالفونها في جحدهم ~~منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم» . # وقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع محمد دلوه ~~على ذلك، وهم لا يفعلونه. PageV01P136 # وقال ابن جريج: «كان الأحبار يحضون الناس على طاعة الله، وكانوا هم ~~يواقعون المعاصي» . # وقالت فرقة: كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون. # وقوله تعالى: وأنتم تتلون معناه: تدرسون وتقرءون، ويحتمل أن يكون المعنى ~~تتبعون أي في الاقتداء به، والكتاب التوراة وهي تنهاهم عما هم عليه من هذه ~~الصفة الذميمة. # وقوله تعالى: أفلا تعقلون معناه: أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة ms0117 هذه الحال ~~المردية لكم؟ # والعقل: الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير، أي يمنعه من ~~التصرف، ومنه المعقل أي موضع الامتناع. # وقوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة قال مقاتل: «معناه على طلب ~~الآخرة» . # وقال غيره: المعنى استعينوا بالصبر عن الطاعات وعن الشهوات على نيل رضوان ~~الله، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب، وعلى مصائب الدهر أيضا، ومنه ~~الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة، ~~ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع ~~وتنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ واستعينوا بالصبر ~~والصلاة. # وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر، وخص ~~الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات ~~ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع. ويقرأ فيها ~~القرآن الذي يذكر بالآخرة. # وقال قوم: «الصبر» على بابه، والصلاة الدعاء، وتجيء هذه الآية على هذا ~~القول مشبهة لقوله تعالى: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله [الأنفال: 45] لأن الثبات هو الصبر، ~~وذكر الله هو الدعاء. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: وإنها لكبيرة على أي شيء يعود الضمير؟ ~~فقيل على الصلاة، وقيل على الاستعانة التي يقتضيها قوله واستعينوا، وقيل ~~على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. # وقالت فرقة: على إجابة محمد صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية ~~عليه. # وقيل: يعود الضمير على الكعبة، لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا أضعف من الذي قبله. # و «كبيرة» معناه ثقيلة شاقة، والخاشعون المتواضعون المخبتون، والخشوع ~~هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع. # ويظنون في هذه الآية قال الجمهور: معناه يوقنون. # وحكى المهدوي وغيره: أن الظن هنا يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام ~~بذنوبهم، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين. PageV01P137 # قال القاضي أبو محمد عبد الحق ms0118 رضي الله عنه: وهذا تعسف، والظن في كلام ~~العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يوقع الظن موقع اليقين في ~~الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل ~~مرئي حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحسن بعد، ~~كهذه الآية، وكقوله تعالى: فظنوا أنهم مواقعوها [الكهف: 53] وكقول دريد بن ~~الصمة: # [الطويل] # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم بالفارسي المسرد # وقوله تعالى: أنهم ملاقوا ربهم أن وجملتها تسد مسد مفعولي الظن، ~~والملاقاة هي للعقاب أو الثواب، ففي الكلام حذف مضاف، ويصح أن تكون ~~الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث. # وحكى المهدوي: أن الملاقاة هنا مفاعلة من واحد، مثل عافاك الله. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول ضعيف، لأن لقي يتضمن معنى لاقى، ~~وليست كذلك الأفعال كلها، بل فعل خلاف فاعل في المعنى. # وملاقوا أصله ملاقون، لأنه بمعنى الاستقبال فحذفت النون تخفيفا، فلما ~~حذفت تمكنت الإضافة لمناسبتها للأسماء، وهي إضافة غير محضة، لأنها لا تعرف. # وقال الكوفيون: ما في اسم الفاعل الذي هو بمعنى المجيء من معنى الفعل ~~يقتضي إثبات النون وإعماله، وكونه وما بعده اسمين يقتضي حذف النون ~~والإضافة. # وراجعون قيل: معناه بالموت وقيل بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض، وتقوي ~~هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى: ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ~~[البقرة: 28، الحج: 66، الروم: 40] والضمير في إليه عائد على الرب تعالى، ~~وقيل على اللقاء الذي يتضمنه ملاقوا. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 47 الى 49] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(47) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ ~~منها عدل ولا هم ينصرون (48) وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) # قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن ~~يكون ms0119 للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرر إنما هو ~~للكافرين، بدلالة ما بعده، وأيضا فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على ~~ذكر أيادي الله وحسن خطابهم بقوله: فضلتكم على العالمين لأن تفضيل آبائهم ~~وأسلافهم تفضيل لهم، وفي الكلام اتساع. PageV01P138 # قال قتادة وابن زيد وابن جريج وغيرهم: المعنى على عالم زمانهم الذي كانت ~~فيه النبوءة المتكررة والملك، لأن الله تعالى يقول لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» . # وقوله عز وجل: واتقوا يوما نصب يوما «باتقوا» على السعة، والتقدير عذاب ~~يوم، أو هول يوم، ثم حذف ذلك وأقام اليوم مقامه، ويصح أن يكون نصبه على ~~الظرف لا للتقوى، لأن يوم القيامة ليس بيوم عمل، ولكن معناه: جيئوا متقين ~~يوما. ولا تجزي معناه: لا تغني. # وقال السدي: معناه لا تقضي، ويقويه قوله شيئا وقيل المعنى: لا تكافئ، ~~ويقال: جزى وأجزأ بمعنى واحد، وقد فرق بينهما قوم، فقالوا: جزى بمعنى: قضى ~~وكافأ، وأجزأ بمعنى أغنى وكفى. # وقرأ أبو السمال «تجزىء» بضم التاء والهمز، وفي الكلام حذف. # وقال البصريون: التقدير لا تجزي فيه، ثم حذف فيه. # وقال غيرهم: حذف ضمير متصل ب تجزي تقديره لا تجزيه، على أنه يقبح حذف هذا ~~الضمير في الخبر، وإنما يحسن في الصلة. # وقال بعض البصريين: التقدير لا تجزي فيه، فحذف حرف الجر واتصل الضمير، ثم ~~حذف الضمير بتدريج. # وقوله تعالى: ولا تقبل منها شفاعة قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالتاء، وقرأ ~~الباقون: بالياء من تحت على المعنى إذ تأنيث الشفاعة ليس بحقيقي، والشفاعة ~~مأخوذة من الشفع وهما الاثنان لأن الشافع والمشفوع له شفع، وكذلك الشفيع ~~فيما لم يقسم. # وسبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه ~~وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه ~~الشفاعة، ولا تجزي نفس عن نفس، وهذا إنما هو في الكافرين، للإجماع وتواتر ~~الحديث بالشفاعة في المؤمنين. # وقوله تعالى: ولا يؤخذ منها عدل، قال أبو العالية: «العدل الفدية» . # قال القاضي ms0120 أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وعدل الشيء هو الذي يساويه ~~قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه، «والعدل» بكسر العين هو الذي يساوي الشيء ~~من جنسه وفي جرمه. # وحكى الطبري أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية، فأما واحد ~~الأعدال فبالكسر لا غير، والضمير في قوله ولا هم عائد على الكافرين الذين ~~اقتضتهم الآية، ويحتمل أن يعود على النفسين المتقدم ذكرهما، لأن اثنين جمع، ~~أو لأن النفس للجنس وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم ~~في الدنيا، فإن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو ~~يفتدى. # وقوله تعالى: وإذ نجيناكم من آل فرعون أي خلصناكم، وآل أصله أهل، قلبت ~~الهاء ألفا كما عمل في ماء، ولذلك ردها التصغير إلى الأصل، فقيل أهيل، ~~مويه، وقد قيل في آل إنه اسم غير أهل، أصله أول وتصغيره أويل، وإنما نسب ~~الفعل إلى آل فرعون وهم إنما كانوا يفعلونه بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك ~~بأنفسهم. PageV01P139 # وقال الطبري رحمه الله: «ويقتضي هذا أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله ~~المأمور فهو المأخوذ به، وآل الرجل قرابته وشيعته وأتباعه» . # ومنه قول أراكة الثقفي: [الطويل] # فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر # يعني المؤمنين الذين قبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر في آل ~~أن يضاف إلى الأسماء لا إلى البقاع والبلاد، وقد يقال آل مكة، وآل المدينة، ~~وفرعون اسم لكل من ملك من العمالقة مصر، وفرعون موسى قيل اسمه مصعب بن ~~الريان. # وقال ابن إسحاق: «اسمه الوليد بن مصعب» . # وروي أنه كان من أهل إصطخر، ورد مصر فاتفق له فيها الملك، وكان أصل كون ~~بني إسرائيل بمصر نزول إسرائيل بها زمن ابنه يوسف عليهما السلام. # ويسومونكم معناه: يأخذونكم به ويلزمونكم إياه ومنه المساومة بالسلعة، ~~وسامه خطة خسف ويسومونكم إعرابه رفع على الاستئناف والجملة في موضع نصب على ~~الحال، أي سائمين لكم سوء العذاب، ويجوز أن لا تقدر فيه ms0121 الحال، ويكون وصف ~~حال ماضية، وسوء العذاب أشده وأصعبه. # قال السدي: «كان يصرفهم في الأعمال القذرة ويذبح الأبناء، ويستحيي ~~النساء» . # وقال غيره: صرفهم على الأعمال: الحرث والزراعة والبناء وغير ذلك، وكان ~~قومه جندا ملوكا، وقرأ الجمهور «يذبحون» بشد الباء المكسورة على المبالغة، ~~وقرأ ابن محيصن: «يذبحون» بالتخفيف، والأول أرجح إذ الذبح متكرر. كان فرعون ~~على ما روي قد رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر، ~~فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيخرب ملك فرعون على يديه. # وقال ابن إسحاق وابن عباس وغيرهما: إن الكهنة والمنجمين قالوا لفرعون: قد ~~أظلك زمن مولود من بني إسرائيل يخرب ملكك. # وقال ابن عباس أيضا: إن فرعون وقومه تذاكروا وعد الله لإبراهيم أن يجعل ~~في ذريته أنبياء وملوكا، فأمر عند ذلك بذبح الذكور من المولودين في بني ~~إسرائيل، ووكل بكل عشر نساء رجلا يحفظ من يحمل منهن. # وقيل: «وكل بذلك القوابل» . # وقالت طائفة: معنى يذبحون أبناءكم يذبحون الرجال ويسمون أبناء لما كانوا ~~كذلك، واستدل هذا القائل بقوله تعالى: نساءكم. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصحيح من التأويل أن الأبناء هم ~~الأطفال الذكور، والنساء هم الأطفال الإناث، وعبر عنهن باسم النساء ~~بالمئال، وليذكرهن بالاسم الذي في وقته يستخدمن ويمتهن، PageV01P140 # ونفس الاستحياء ليس بعذاب، لكن العذاب بسببه وقع الاستحياء، ويذبحون بدل ~~من «يسومون» . # وقوله تعالى: وفي ذلكم إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر، ~~وبلاء معناه امتحان واختبار، ويكون البلاء في الخير والشر. # وقال قوم: الإشارة ب ذلكم إلى التنجية من بني إسرائيل، فيكون البلاء على ~~هذا في الخير، أي وفي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. # وقال جمهور الناس: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هنا في الشر، ~~والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان. # وحكى الطبري وغيره في كيفية نجاتهم: أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن ~~يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط، ~~وأحل الله ذلك لبني إسرائيل، فسرى بهم موسى ms0122 من أول الليل، فأعلم فرعون فقال ~~لا يتبعنهم أحد حتى تصيح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك حتى أصبح، ~~وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في ~~الأتباع مشرقين، وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني ~~إسرائيل نيفا على ستمائة ألف، وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف. # وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ثبوته، فلما لحق فرعون موسى ظن بنو ~~إسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يوشع بن نون لموسى أين أمرت؟ فقال هكذا وأشار ~~إلى البحر فركض يوشع فرسه فيه حتى بلغ الغمر، ثم رجع فقال لموسى أين أمرت؟ ~~فو الله ما كذبت ولا كذبت، فأشار إلى البحر، وأوحى الله تعالى إليه: أن ~~اضرب بعصاك البحر [الشعراء: 63] . وأوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ~~ضربك، فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر، وكناه أبا ~~خالد فانفرق وكان ذلك في يوم عاشوراء. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 50 الى 53] # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) وإذ ~~واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ثم ~~عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان ~~لعلكم تهتدون (53) # فرقنا معناه: جعلناه فرقا، وقرأ الزهري «فرقنا» بتشديد الراء، ومعنى بكم ~~بسببكم، وقيل لما كانوا بين الفرق وقت جوازهم فكأنه بهم فرق، وقيل معناه ~~لكم، والباء عوض اللام وهذا ضعيف، والبحر هو بحر القلزم، ولم يفرق البحر ~~عرضا جزعا من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، ~~وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب ~~جبال وأوعار حائلة. # وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريبا من برية فلسطين وهي كانت ~~طريقهم. PageV01P141 # وقيل انفلق البحر عرضا وانفرق البحر على اثني عشر طريقا، طريق لكل سبط ~~فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى: اللهم ms0123 أعني على ~~أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في ~~الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضا، وجازوا، وجبريل صلى الله عليه وسلم في ~~ساقتهم على ماذيانة يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون: مهلا حتى يلحق آخركم ~~أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل ~~بالرمكة فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ~~ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا. # وتنظرون قيل معناه بأبصاركم، لقرب بعضهم من بعض. # وقيل معناه ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر ~~بالأبصار. # وقيل: إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم. # وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر، كما تقول: هذا الأمر منك بمرأى ~~ومسمع، أي بحال تراه وتسمعه إن شئت. # قال الطبري رحمه الله: وفي إخبار القرآن على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في خفي علم بني ~~إسرائيل، دليل واضح عند بني إسرائيل وقائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقرأ الجمهور «واعدنا» . # وقرأ أبو عمرو. «وعدنا» ، ورجحه أبو عبيد، وقال: إن المواعدة لا تكون إلا ~~من البشر. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله ~~والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة، وموسى اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة ~~والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء «مو» ، وللشجر «سا» ، فلما وجد ~~موسى في التابوت عند ماء وشجر سمي «موسى» . # قال ابن إسحاق: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم الخليل، ونصب أربعين على المفعول الثاني، ولا يجوز نصبها ~~على الظرف في هذا الموضع، وهي فيما روي ذو القعدة وعشر ذي الحجة، وخص ~~الليالي دون الأيام بالذكر إذ الليلة أقدم من اليوم وقبله في الرتبة، ولذلك ~~وقع بها التاريخ. # قال النقاش: «وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم، لأنه لو ذكر ms0124 الأيام لأمكن أن ~~يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه ~~السلام واصل أربعين ليلة بأيامها» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الشيخ ~~الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل بن الجوهري رحمه الله يعظ الناس بهذا ~~المعنى في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه، وأن ذلك يشغل عن كل ~~طعام وشراب ويقول: أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من ~~قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم: «آتنا غداءنا» ؟ وكل المفسرين ~~على أن الأربعين كلها ميعاد. PageV01P142 # وقال بعض البصريين: وعده رأس الأربعين ليلة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف: وقوله تعالى: ثم اتخذتم. قرأ أكثر ~~السبعة بالإدغام. # وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه بإظهار الذال وثم للمهلة، ولتدل ~~على أن الاتخاذ بعد المواعدة، واتخذ وزنه افتعل من الأخذ. # قال أبو علي: «هو من تخذ لا من أخذ» وأنشد [المخرق العبدي] : [الطويل] # وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرق # ونصب العجل ب اتخذتم، والمفعول الثاني محذوف، تقديره اتخذتم العجل إلها، ~~واتخذ قد يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا [الفرقان: 27] وقد يتعدى إلى مفعولين أحدهما هو الآخر في المعنى ~~كقوله تعالى: اتخذوا أيمانهم جنة [المجادلة: 16، المنافقون: 2] ، وكهذه ~~الآية وغيرها. والضمير في بعده يعود على موسى. # وقيل: على انطلاقه للتكليم، إذ المواعدة تقتضيه. # وقيل: على الوعد، وقصص هذه الآية أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج ~~ببني إسرائيل من مصر، قال لهم: إن الله تعالى سينجيكم من آل فرعون وينفلكم ~~حليهم ومتاعهم الذي كان أمرهم باستعارته، وروي أنهم استعاروه برأيهم، ~~فنفلهم الله ذلك بعد خروجهم، وقال لهم موسى عن الله تعالى: # إنه ينزل علي كتابا فيه التحليل والتحريم والهدى لكم، فلما جازوا البحر ~~طالبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم ~~بالأربعين ليلة، فعدوا عشرين يوما ms0125 بعشرين ليلة، ثم قالوا هذه أربعون من ~~الدهر، وقد أخلفنا الموعد، وبدا تعنتهم وخلافهم. # وكان السامري رجلا من بني إسرائيل يسمى موسى بن ظفر، وقيل لم يكن من بني ~~إسرائيل بل كان غريبا فيهم، وكان قد عرف جبريل عليه السلام وقت عبرهم ~~البحر، فقالت طائفة: أنكر هيئته فعرف أنه ملك. # وقال طائفة: كانت أم السامري ولدته عام الذبح فجعلته في غار وأطبقت عليه، ~~فكان جبريل صلى الله عليه وسلم يغذوه بأصابع نفسه فيجد في إصبع لبنا، وفي ~~إصبع عسلا، وفي إصبع سمنا، فلما رآه وقت جواز البحر عرفه، فأخذ من تحت حافر ~~فرسه قبضة تراب، وألقي في روعه أنه لن يلقيها على شيء ويقول له كن كذا إلا ~~كان، فلما خرج موسى لميعاده قال هارون لبني إسرائيل: إن ذلك الحلي والمتاع ~~الذي استعرتم من القبط لا يحل لكم، فجيئوا به حتى تأكله النار التي كانت ~~العادة أن تنزل على القرابين. # وقيل: بل أوقد لهم نارا وأمرهم بطرح جميع ذلك فيها، فجعلوا يطرحون. # وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حفرة دون نار حتى يجيء موسى، وجاء السامري ~~فطرح القبضة، وقال كن عجلا. PageV01P143 # وقيل: إن السامري كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. # وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرت مع موسى على قوم يعبدون البقر ف قالوا ~~يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] ، فوعاها السامري وعلم ~~أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلت منهم طائفة ~~يعبدونه، فاعتزلهم هارون بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده فغضب حسبما يأتي ~~قصصه في مواضعه من القرآن إن شاء الله. # ثم أوحى الله إليه أنه لن يتوب على بني إسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلت ~~بنو إسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح، من عبد منهم ومن لم يعبد وألقى ~~الله عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضا يقتل الأب ابنه والأخ أخاه، فلما استحر ~~فيهم القتل وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم وجعل من مات منهم شهيدا، وتاب ~~على البقية، ms0126 فذلك قوله: ثم عفونا عنكم. # وقال بعض المفسرين: وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه ~~عليهم بالسلاح فقتلوهم. # وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفنية، وخرج يوشع بن نون ينادي: ملعون ~~من حل حبوته، وجعل الذين لم يعبدوا يقتلونهم، وموسى في خلال ذلك يدعو لقومه ~~ويرغب في العفو عنهم، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد ~~الأقوال أو بقتلهم قراباتهم على الأقوال الأخر لأنهم لم يغيروا المنكر حين ~~عبدوا العجل، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده، وأنتم ~~ظالمون مبتدأ وخبر في موضع الحال، وقد تقدم تفسير الظلم، والعفو تغطية ~~الأثر وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح ~~إلا في الذنب وعفا عنهم عز وجل أي عمن بقي منهم لم يقتل، ولعلكم ترج لهم في ~~حقهم وتوقع منهم لا في حق الله عز وجل، لأنه كان يعلم ما يكون منهم. # وقوله تعالى: وإذ آتينا موسى الكتاب، إذ عطف على ما ذكر من النعم، ~~والكتاب هو التوراة بإجماع من المتأولين. # واختلف في الفرقان هنا فقال الزجاج وغيره هو التوراة أيضا كرر المعنى ~~لاختلاف اللفظ، ولأنه زاد معنى التفرقة بين الحق والباطل، ولفظة الكتاب لا ~~تعطي ذلك. # وقال آخرون: الكتاب التوراة، والفرقان سائر الآيات التي أوتي موسى صلى ~~الله عليه وسلم، لأنها فرقت بين الحق والباطل. # وقال آخرون: الفرقان: النصر الذي فرق بين حالهم وحال آل فرعون بالنجاة ~~والغرق. # وقال ابن زيد: «الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقا» . # وقال الفراء وقطرب: معنى هذه الآية: آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف. # ولعلكم تهتدون ترج وتوقع مثل الأول. PageV01P144 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 54 الى 55] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ms0127 ~~الصاعقة وأنتم تنظرون (55) # هذا القول من موسى صلى الله عليه وسلم كان بأمر من الله تعالى، وحذفت ~~الياء في «يا قومي» لأن النداء موضع حذف وتخفيف، والضمير في «اتخاذكم» في ~~موضع خفض على اللفظ، وفي موضع رفع بالمعنى، و «العجل» لفظة عربية، اسم لولد ~~البقرة. # وقال قوم: سمي عجلا لأنه استعجل قبل مجيء موسى عليه السلام. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس هذا القول بشيء. # واختلف هل بقي العجل من ذهب؟ قال ذلك الجمهور وقال الحسن بن أبي الحسن: ~~صار لحما ودما، والأول أصح. # و «توبوا» : معناه ارجعوا عن المعصية إلى الطاعة. # وقرأ الجمهور: «بارئكم» بإظهار الهمزة وكسرها. # وقرأ أبو عمرو: «بارئكم» بإسكان الهمزة. # وروي عن سيبويه اختلاس الحركة وهو أحسن، وهذا التسكين يحسن في توالي ~~الحركات. # وقال المبرد: لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب، وقراءة ~~أبي عمرو «بارئكم» لحن. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وقد روي عن العرب التسكين في ~~حرف الأعراب، قال الشاعر: [الرجز] إذا اعوججن قلت صاحب قوم وقال امرؤ ~~القيس: [السريع] # فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # وقال آخر: [الرجز] قالت سليمى اشتر لنا سويقا وقال الآخر: [السريع] وقد ~~بدا هنك من المئزر PageV01P145 # وقال جرير: # ونهر تيري فما تعرفكم العرب وقال وضاح اليمن: [الرجز] إنما شعري شهد قد ~~خلط بجلجلان ومن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث ~~كان علما للإعراب. # قال أبو علي: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع ~~توالي الحركات. # وقرأ الزهري «باريكم» بكسر الياء من غير همز، ورويت عن نافع. # وقرأ قتادة: «فاقتالوا أنفسكم» : وقال: «هي من الاستقالة» . # قال أبو الفتح: «اقتال» هذه افتعل، ويحتمل أن يكون عينها واوا كاقتادوا، ~~ويحتمل أن يكون ياء «كاقتاس» والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة، ولكن ~~قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده. # وقوله تعالى: فتاب عليكم قبله محذوف ms0128 تقديره ففعلتم. # وقوله عليكم معناه: على الباقين، وجعل الله تعالى القتل لمن قتل شهادة ~~وتاب على الباقين وعفا عنهم. # قال بعض الناس: فاقتلوا في هذه الآية معناه بالتوبة وإماتة عوارض النفوس ~~من شهوة وتعنت وغضب، واحتج بقوله عليه السلام في الثوم والبصل فلتمتهما ~~طبخا، وبقول حسان: # قتلت قتلت فهاتها لم تقتل وقوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى يريد السبعين ~~الذين اختارهم موسى، واختلف في وقت اختيارهم. # فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني ~~إسرائيل. # وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد، والأول ~~أصح، وقصة السبعين أن موسى صلى الله عليه وسلم لما رجع من تكليم الله ووجد ~~العجل قد عبد قالت له طائفة ممن لم يعبد العجل: نحن لم نكفر ونحن أصحابك، ~~ولكن أسمعنا كلام ربك، فأوحى الله إليه أن اختر منهم سبعين شيخا، فلم يجد ~~إلا ستين، فأوحى الله إليه أن اختر من الشباب عشرة، ففعل، فأصبحوا شيوخا، ~~وكان قد اختار ستة من كل سبط فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحوا فيمن ~~يتأخر، فأوحى الله إليه أن من تأخر له مثل أجر من مضى، فتأخر يوشع بن نون ~~وطالوت بن يوقنا وذهب موسى عليه السلام بالسبعين بعد أن أمرهم أن يتجنبوا ~~النساء ثلاثا ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى ~~أتى الجبل، فألقي عليهم الغمام. PageV01P146 # قال النقاش وغيره: غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور فوقعوا ~~سجودا. # قال السدي وغيره: وسمعوا كلام الله يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، ~~واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر لهم، ففعل، فلما فرغ ~~وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام الله فذلك قوله تعالى: وقد كان ~~فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه [البقرة: 75] ، واضطرب إيمانهم ~~وامتحنهم الله بذلك فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يطلبوا من ~~الرؤية محالا، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق السمع، ~~فأخذتهم حينئذ الصاعقة فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر ms0129 به الغير. # وقال قتادة: «ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا ~~في ذلك الهمود جعل موسى يناشد ربه فيهم ويقول: أي رب، كيف أرجع إلى بني ~~إسرائيل دونهم فيهلكون ولا يؤمنون بي أبدا، وقد خرجوا معي وهم الأخيار» . # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يعني وهم بحال الخير وقت الخروج. # وقال قوم: بل ظن موسى عليه السلام أن السبعين إنما عوقبوا بسبب عبادة ~~العجل، فذلك قوله أتهلكنا يعني السبعين بما فعل السفهاء منا [الأعراف: 155] ~~يعني عبدة العجل. # وقال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن ~~طريقه، بقولهم لموسى «أرنا» وليس ذلك من مقدور موسى صلى الله عليه وسلم، ~~وجهرة مصدر في موضع الحال، والأظهر أنها من الضمير في نرى، وقيل من الضمير ~~في نؤمن، وقيل من الضمير في قلتم، والجهرة العلانية، ومنه الجهر ضد السر، ~~وجهر الرجل الأمر كشفه. # وقرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس: «جهرة» بفتح الهاء، وهي لغة مسموعة عند ~~البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكنا قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه ~~الفتح وإن لم يسمعوه. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون جهرة جمع جاهر، أي حتى نرى الله ~~كاشفين هذا الأمر. # وقرأ عمر وعلي رضي الله عنهما: «فأخذتكم الصعقة» ، ومضى في صدر السورة ~~معنى الصاعقة، والصعقة ما يحدث بالإنسان عند الصاعقة. # وتنظرون معناه إلى حالكم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 56 الى 58] # ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا ~~عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون (57) وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) PageV01P147 # أجاب الله تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمود أو ~~الموت، ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة كما قال الله ~~تعالى: من ms0130 بعثنا من مرقدنا [يس: 52] . # وقال قوم: إنهم لما أحيوا وأنعم عليهم بالتوبة سألوا موسى عليه السلام أن ~~يجعلهم الله أنبياء، فذلك قوله تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم أي أنبياء ~~لعلكم تشكرون أي على هذه النعمة، والترجي إنما هو في حق البشر، ونزلت ~~الألواح بالتوراة على موسى في تلك المدة، وهذا قول جماعة، وقال آخرون: إن ~~الألواح نزلت في ذهابه الأول وحده. # وذكر المفسرون في تظليل الغمام: أن بني إسرائيل لما كان من أمرهم ما كان ~~من القتل وبقي منهم من بقي حصلوا في فحص التيه بين مصر والشام، فأمروا ~~بقتال الجبارين فعصوا وقالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا [المائدة: 24] فدعا ~~موسى عليهم فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة ~~فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث ~~كانوا بكرة أمس، فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم، فقيل له: فلا تأس ~~على القوم الفاسقين [المائدة: 26] . # وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم ~~الذين خرجوا من فحص التيه وقاتلوا الجبارين، وإذ كان جميعهم في التيه قالوا ~~لموسى: من لنا بالطعام؟ قال: الله، فأنزل الله عليهم المن والسلوى، قالوا: ~~من لنا من حر الشمس؟ فظلل عليهم الغمام، قالوا: بم نستصبح بالليل؟ # فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم، وذكر مكي: عمود نار. فقالوا: من لنا ~~بالماء؟ فأمر موسى بضرب الحجر، قالوا: من لنا باللباس؟ فأعطوا أن لا يبلى ~~لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان. # ومعنى ظللنا جعلناه ظللا، والغمام السحاب لأنه يغم وجه السماء أي يستره. # وقال مجاهد: «هو أبرد من السحاب وأرق وأصفى، وهو الذي يأتي الله فيه يوم ~~القيامة» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: يأتي أمره وسلطانه وقضاؤه. وقيل ~~الغمام ما ابيض من السحاب. # والمن صمغة حلوة، هذا قول فرقة، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حلو، وقيل: ~~الذي ينزل اليوم على الشجر، وقيل: المن خبز الرقاق ms0131 مثل النقي. وقيل: هو ~~الترنجبين وقيل الزنجبيل، وفي بعض هذه الأقوال بعد. وقيل: المن مصدر يعني ~~به جميع ما من الله به مجملا. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب مسلم: الكمأة مما من الله به على ~~بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين. PageV01P148 # فقيل: أراد عليه السلام أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل. # وقيل: أراد أنه لا تعب في الكمأة ولا جذاذ ولا حصاد، فهي منة دون تكلف من ~~جنس من بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف. # وروي أن المن كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج فيأخذ ~~منه الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ادخر فسد عليه إلا في يوم الجمعة فإنهم ~~كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم، لأن يوم السبت يوم عبادة، والمن ~~هنا اسم جمع لا واحد له من لفظه، والسلوى طير بإجماع من المفسرين، قاله ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. # قيل: هو السمانى بعينه. وقيل: طائر يميل إلى الحمرة مثل السمانى، وقيل: ~~طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب. # قال الأخفش: «السلوى جمعه وواحده بلفظ واحد» . قال الخليل: السلوى جمع ~~واحدته سلواة. # قال الكسائي: السلوى واحدة جمعها سلاوى، والسلوى اسم مقصور لا يظهر فيه ~~الإعراب، لأن آخره ألف، والألف حرف هوائي أشبه الحركة فاستحالت حركته ولو ~~حرك لرجع حرفا آخر، وقد غلط الهذلي فقال: [الطويل] # وقاسمها بالله عهدا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها # ظن السلوى العسل. # وقوله تعالى: كلوا الآية، معناه وقلنا كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر ~~عليه، والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ. # وقوله تعالى: وما ظلمونا يقدر قبله: فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر، ~~والمعنى وما وضعوا فعلهم في موضع مضرة لنا ولكن وضعوه في موضع مضرة لهم حيث ~~لا يجب. # وقال بعض المفسرين: ما ظلمونا ما نقصونا، والمعنى يرجع إلى ما لخصناه، ~~والقرية المدينة تسمى بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت، ومنه قريت الماء في الحوض ~~أي جمعته، والإشارة بهذه إلى بيت المقدس في ms0132 قول الجمهور. وقيل إلى أريحا، ~~وهي قريب من بيت المقدس. # قال عمر بن شبة: كانت قاعدة ومسكن ملوك، ولما خرج ذرية بني إسرائيل من ~~التيه أمروا بدخول القرية المشار إليها، وأما الشيوخ فماتوا فيه، وروي أن ~~موسى صلى الله عليه وسلم مات في التيه، وكذلك هارون عليه السلام. # وحكى الزجاج عن بعضهم أن موسى وهارون لم يكونا في التيه لأنه عذاب، ~~والأول أكثر، وكلوا إباحة، وقد تقدم معنى الرغد، وهي أرض مباركة عظيمة ~~الغلة، فلذلك قال رغدا. # والباب قال مجاهد: هو باب في مدينة بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطة، ~~وقيل هو باب PageV01P149 # القبة التي كان يصلي إليها موسى صلى الله عليه وسلم. # وروي عن مجاهد أيضا: أنه باب في الجبل الذي كلم عليه موسى كالفرضة. # وسجدا قال ابن عباس رضي الله عنه: معناه ركوعا، وقيل متواضعين خضوعا لا ~~على هيئة معينة، والسجود يعم هذا كله لأنه التواضع، ومنه قول الشاعر: ~~[الطويل] ترى الأكم فيه سجدا للحوافر وروي أن الباب خفض لهم ليقصر ويدخلوا ~~عليه متواضعين، وحطة فعلة من حط يحط، ورفعه على خبر ابتداء، كأنهم قالوا ~~سؤالنا حطة لذنوبنا، هذا تقدير الحسن بن أبي الحسن. # وقال الطبري: التقدير دخولنا الباب كما أمرنا حطة، وقيل أمروا أن يقولوا ~~مرفوعة على هذا اللفظ. # وقال عكرمة وغيره: أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله لتحط بها ذنوبهم. # وقال ابن عباس: قيل لهم استغفروا وقولوا ما يحط ذنوبكم. # وقال آخرون: قيل لهم أن يقولوا هذا الأمر حق كما أعلمنا. وهذه الأقوال ~~الثلاثة تقتضي النصب. # وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: «حطة» بالنصب. # وحكي عن ابن مسعود وغيره: أنهم أمروا بالسجود وأن يقولوا حطة فدخلوا ~~يزحفون على أستاههم ويقولون حنطة حبة حمراء في شعرة، ويروى غير هذا من ~~الألفاظ. # وقرأ نافع: «يغفر» بالياء من تحت مضمومة. # وقرأ ابن عامر: «تغفر» بالتاء من فوق مضمومة. # وقرأ أبو بكر عن عاصم: «يغفر» بفتح الياء على معنى يغفر الله. # وقرأ الباقون: «نغفر» بالنون. # وقرأت طائفة «تغفر» كأن ms0133 الحطة تكون سبب الغفران، والقراء السبعة على ~~خطاياكم، غير أن الكسائي كان يميلها. # وقرأ الجحدري: «تغفر لكم خطيئتكم» بضم التاء من فوق وبرفع الخطيئة. # وقرأ الأعمش: «يغفر» بالياء من أسفل مفتوحة «خطيئتكم» نصبا. # وقرأ قتادة مثل الجحدري، وروي عنه أنه قرأ بالياء من أسفل مضمومة خطيئتكم ~~رفعا. # وقرأ الحسن البصري: «يغفر لكم خطيئاتكم» أي يغفر الله. # وقرأ أبو حيوة: «تغفر» بالتاء من فوق مرفوعة «خطيئاتكم» بالجمع ورفع ~~التاء. # وحكى الأهوازي: أنه قرىء «خطأياكم» بهمز الألف الأولى وسكون الآخرة. وحكي ~~أيضا أنه قرىء بسكون الأولى وهمز الآخرة. PageV01P150 # قال الفراء: خطايا جمع خطية بلا همز كهدية وهدايا، وركية وركايا. # وقال الخليل: هو جمع خطيئة بالهمز، وأصله خطايىء قدمت الهمزة على الياء ~~فجاء خطائي أبدلت الياء ألفا بدلا لازما فانفتحت الهمزة التي قبلها فجاء ~~خطاء، همزة بين ألفين، وهي من قبيلهما فكأنها ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة ياء ~~فجاء خطايا. # قال سيبويه: «أصله خطايىء همزت الياء كما فعل في مدائن وكتائب فاجتمعت ~~همزتان فقلبت الثانية ياء، ثم أعلت على ما تقدم» . # وقوله تعالى: وسنزيد المحسنين عدة، المعنى إذا غفرت الخطايا بدخولكم ~~وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا ~~إله إلا الله فقيل هم المراد ب المحسنين هنا. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 59 الى 60] # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون (59) وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من ~~رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (60) # روي أنهم لما جاؤوا الباب دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث أنهم ~~دخلوا يزحفون على أستاههم، وبدلوا فقالوا حبة في شعرة، وقيل قالوا حنطة حبة ~~حمراء فيها شعرة وقيل شعيرة. # وحكى الطبري أنهم قالوا حطي شمقاثا أزبة، وتفسيره ما تقدم. # والرجز العذاب، وقال ابن زيد ومقاتل وغيرهما: «إن الله تعالى بعث على ~~الذين ms0134 بدلوا ودخلوا على غير ما أمروا الطاعون فأذهب منهم سبعين ألفا» ، ~~وقال ابن عباس: «أمات الله منهم في ساعة واحدة نيفا على عشرين ألفا» . # وقرأ ابن محيصن «رجزا» بعضهم الراء، وهي لغة في العذاب، والرجز أيضا اسم ~~صنم مشهور. # والباء في قوله بما متعلقة ب فأنزلنا، وهي باء السبب. # ويفسقون معناه يخرجون عن طاعة الله، وقرأ النخعي وابن وثاب «يفسقون» بكسر ~~السين، يقال فسق يفسق ويفسق بضم السين وكسرها. # وإذ متعلقة بفعل مضمر تقديره اذكر، واستسقى معناه طلب السقيا، وعرف ~~استفعل طلب الشيء، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: واستغنى الله [التغابن: ~~6] بمعنى غني، وقولهم: # استعجب بمعنى عجب، ومثل بعض الناس في هذا بقولهم استنسر البغاث، واستنوق ~~الجمل، إذ هي بمعنى انتقل من حال إلى حال، وكان هذا الاستسقاء في فحص ~~التيه، فأمره الله تعالى بضرب الحجر آية PageV01P151 # منه، وكان الحجر من جبل الطور، على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ~~ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم وضربه موسى عليه السلام، وذكر أنهم ~~لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من ~~المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا ~~تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى صلى الله عليه وسلم، وإذا استغنوا ~~عن الماء ورحلوا جفت العيون، وفي الكلام حذف تقديره فضربه فانفجرت، ~~والانفجار انصداع شيء عن شيء، ومنه الفجر، والانبجاس في الماء أقل من ~~الانفجار. # واثنتا معربة دون أخواتها لصحة معنى التثنية، وإنما يبنى واحد مع واحد، ~~وهذه إنما هي اثنان مع واحد، فلو بنيت لرد ثلاثة واحدا، وجاز اجتماع علامتي ~~التأنيث في قوله اثنتا عشرة لبعد العلامة من العلامة، ولأنهما في شيئين، ~~وإنما منع ذلك في شيء واحد، نحو مسلمات وغيره. # وقرأ ابن وثاب وابن أبي ليلى وغيرهما: «عشرة» بكسر الشين، وروي ذلك عن ~~أبي عمرو، والأشهر عنه الإسكان، وهي لغة تميم، وهو نادر، لأنهم يخففون ~~كثيرا، وثقلوا في هذه، وقرأ الأعمش ms0135 «عشرة» بفتح الشين وهي لغة ضعيفة، وروي ~~عنه كسرها وتسكينها، والإسكان لغة الحجاز. # وعينا نصب على التمييز، والعين اسم مشترك، وهي هنا منبع الماء. # وأناس اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا كل سبط، لأن الأسباط في ~~بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه ~~السلام. # والمشرب المفعل موضع الشرب، كالمشرع موضع الشروع في الماء، وكان لكل سبط ~~عين من تلك العيون لا يتعداها، وفي الكلام محذوف تقديره وقلنا لهم كلوا ~~المن والسلوى واشربوا الماء المنفجر من الحجر المنفصل، وبهذه الأحوال حسنت ~~إضافة الرزق إلى الله تعالى، وإلا فالجميع رزقه وإن كان فيه تكسب للعبد. # ولا تعثوا معناه ولا تفرطوا في الفساد، يقال عثى الرجل يعثي وعثي يعثى ~~عثيا إذا أفسد أشد فساد، والأولى هي لغة القرآن والثانية شاذة وتقول العرب ~~عثا يعثو عثوا ولم يقرأ بهذه اللغة لأنها توجب ضم الثاء من تعثوا، وتقول ~~العرب عاث يعيث إذا أفسد، وعث يعث كذلك، ومنه عثة الصوف، وهي السوسة التي ~~تلحسه. # ومفسدين حال، وتكرر المعنى لاختلاف اللفظ، وفي هذه الكلمات إباحة النعم ~~وتعدادها، والتقدم في المعاصي والنهي عنها. # قوله عز وجل: # وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير PageV01P152 ### || [سورة البقرة (2) : آية 61] # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) # كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى، وتذكروا عيشهم الأول ~~بمصر، وكنى عن المن والسلوى ب طعام واحد، وهما طعامان، لأنهما كانا يؤكلان ~~في وقت واحد، ولتكرارهما سواء ms0136 أبدا قيل لهما طعام واحد، ولغة بني عامر ~~«فادع» بكسر العين. # ويخرج: جزم بما تضمنه الأمر من معنى الجزاء، وبنفس الأمر على مذهب أبي ~~عمر الجرمي والمفعول على مذهب سيبويه مضمر تقديره مأكولا مما تنبت الأرض، ~~وقال الأخفش: «من» في قوله: # مما زائدة «وما» مفعولة، وأبى سيبويه أن تكون «من» ملغاة في غير النفي، ~~كقولهم: ما رأيت من أحد، ومن في قوله: من بقلها لبيان الجنس، وبقلها بدل ~~بإعادة الحرف، والبقل كل ما تنبته الأرض من النجم، والقثاء جمع قثأة. # وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب: «قثائها» ، بضم القاف. # وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: «الفوم الحنطة» . # وقال مجاهد: «الفوم الخبز» . # وقال عطاء وقتادة: «الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز كالحنطة والفول ~~والعدس ونحوه» . # وقال الضحاك: «الفوم الثوم» ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود بالثاء، وروي ~~ذلك عن ابن عباس، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا، مغاثير ومغافير، وجدث ~~وجدف، ووقعوا في عاثور شر، وعافور شر، على أن البدل لا يقاس عليه، والأول ~~أصح: أنها الحنطة، وأنشد ابن عباس قول أحيحة بن الجلاح: [الطويل] # قد كنت أغنى الناس شخصا واجدا ... ورد المدينة عن زراعة فوم # يعني حنطة. # قال ابن دريد: «الفوم الزرع أو الحنطة» ، وأزد السراة يسمون السنبل فوما» ~~، والاستبدال طلب وضع الشيء موضع الآخر، وأدنى مأخوذ عند أبي إسحاق الزجاج ~~من الدنو أي القرب في القيمة. # وقال علي بن سليمان: «هو مهموز من الدنيء البين الدناءة، بمعنى الأخس، ~~إلا أنه خففت همزته» . # وقال غيره: «هو مأخوذ من الدون أي الأحط، فأصله أدون أفعل، قلب فجاء ~~أفلع، وقلبت الواو ألفا لتطرفها» . # وقرأ زهير للكسائي: «أدنأ» ، ومعنى الآية: أتستبدلون البقل والقثاء ~~والفوم والعدس والبصل التي هي أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير؟ والوجه الذي ~~يوجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه، PageV01P153 # يحتمل أن يكون تفاضلها في القيمة، لأن هذه البقول لا خطر لها، وهذا قول ~~الزجاج، ويحتمل أن يفضل المن والسلوى لأنه الطعام الذي من الله به وأمرهم ~~بأكله، ms0137 وفي استدامة أمر الله تعالى وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي ~~طلبوا عار من هذه الخصال، فكأن أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في الطيب ~~واللذة به، فالبقول لا محالة أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في حسن ~~الغذاء ونفعه، فالمن والسلوى خير لا محالة في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل من ~~جهة أنه لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوا لا يجيء إلا بالحرث والزراعة ~~والتعب، فهو أدنى في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في أنه لا مرية في حله ~~وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها ~~الشبه، فهي أدنى في هذا الوجه. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويترتب الفضل للمن والسلوى بهذه الوجوه ~~كلها، وفي الكلام حذف، تقديره: فدعا موسى ربه فأجابه، فقال لهم: اهبطوا، ~~وتقدم ذكر معنى الهبوط، وكأن القادم على قطر منصب عليه، فهو من نحو الهبوط، ~~وجمهور الناس يقرؤون «مصرا» بالتنوين وهو خط المصحف، إلا ما حكي عن بعض ~~مصاحف عثمان رضي الله عنه. # وقال مجاهد وغيره ممن صرفها: «أراد مصرا من الأمصار غير معين» ، واستدلوا ~~بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم ~~سكنوا الشام بعد التيه. # وقالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها، واستدلوا بما في القرآن ~~من أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها. # قال الأخفش: «لخفتها وشبهها بهند ودعد» . وسيبويه لا يجيز هذا. # وقال غير الأخفش: «أراد المكان فصرف» . # وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما: «اهبطوا مصر» بترك الصرف، وكذلك هي في ~~مصحف أبي بن كعب وقالوا: «هي مصر فرعون» . # قال الأعمش: «هي مصر التي عليها صالح بن علي» . # وقال أشهب: «قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون» . # وقوله تعالى: فإن لكم ما سألتم يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم. # وقرأ النخعي وابن وثاب «سألتم» بكسر السين وهي لغة، وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة معناه ألزموها وقضي عليهم بها، كما يقال ضرب الأمير ms0138 البعث، وكما ~~قالت العرب ضربة لازب، أي إلزام ملزوم أو لازم، فينضاف المصدر إلى المفعول ~~بالمعنى، وكما يقال ضرب الحاكم على اليد، أي حجر وألزم، ومنه ضرب الدهر ~~ضرباته، أي ألزم إلزاماته، والذلة فعلة من الذل كأنها الهيئة والحال، ~~والمسكنة من المسكين، قال الزجاج: «هي مأخوذة من السكون وهي هنا: زي الفقر ~~وخضوعه، وإن وجد يهودي غني فلا يخلو من زي الفقر ومهانته» . PageV01P154 # قال الحسن وقتادة: «المسكنة الخراج أي الجزية» . # وقال أبو العالية: «المسكنة الفاقة والحاجة» . # وباؤ بغضب من الله معناه: مروا متحملين له، تقول: بؤت بكذا إذا تحملته، ~~ومنه قول مهلهل ليحيى بن الحارث بن عباد: «بؤ بشسع نعل كليب» . # والغضب بمعنى الإرادة صفة ذات، وبمعنى إظهاره على العبد بالمعاقبة صفة ~~فعل، والإشارة بذلك إلى ضرب الذلة وما بعده، والباء في بأنهم باء السبب. # وقال المهدوي: «إن الباء بمعنى اللام» والمعنى: لأنهم، والآيات هنا تحتمل ~~أن يراد بها التسع وغيرها مما يخرق العادة، وهو علامة لصدق الآية به، ~~ويحتمل أن يراد آيات التوراة التي هي كآيات القرآن. # وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «وتقتلون» بالتاء على الرجوع إلى خطابهم، وروي ~~عنه أيضا بالياء. # وقرأ نافع: بهمز «النبيئين» ، وكذلك حيث وقع في القرآن، إلا في موضعين: ~~في سورة الأحزاب: # إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي [الأحزاب: 50] بلا مد ولا همز، ولا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا [الأحزاب: 53] ، وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين ~~مكسورتين من جنس واحد، وترك الهمز في جميع ذلك الباقون، فأما من همز فهو ~~عنده من «أنبأ» إذا أخبر، واسم فاعله منبىء فقيل نبيء، بمعنى منبىء، كما ~~قيل: سميع بمعنى مسمع، واستدلوا بما جاء من جمعه على نباء. قال الشاعر: ~~[الطويل] # يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالحق كل هدى الإله هداكا # فهذا كما يجمع فعيل في الصحيح «كظريف» وظرفاء وشبهه. # قال أبو علي: «زعم سيبويه أنهم يقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة نبوته ~~نبيئة سوء، وكلهم يقولون تنبأ مسيلمة، فاتفاقهم على ذلك دليل على أن اللام ~~همزة» ، واختلف ms0139 القائلون بترك الهمز في نبيء، فمنهم من اشتق النبي من همز ~~ثم سهل الهمز، ومنهم من قال: هو مشتق من نبا ينبوا إذا ظهر، فالنبي الطريق ~~الظاهر، وكان النبي من عند الله طريق الهدى والنجاة، وقال الشاعر: [البسيط] ~~. # لما وردنا نبيا واستتب بنا ... مسحنفر كخطوط السيح منسحل # واستدلوا بأن الأغلب في جمع أنبياء كفعيل في المعتل، نحو ولي وأولياء ~~وصفي وأصفياء، وحكى الزهراوي أنه يقال نبوء إذا ظهر فهو نبيء، والطريق ~~الظاهر نبيء بالهمز، وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: السلام ~~عليك يا نبيء الله، وهمز، فقال له النبي عليه السلام: لست بنبيء الله، ~~وهمز، ولكني نبي الله، ولم يهمز. # قال أبو علي: «ضعف سند هذا الحديث، ومما يقوي ضعفه أنه صلى الله عليه ~~وسلم، قد أنشده المادح يا خاتم النبآء ولم يؤثر في ذلك إنكار، والجمع ~~كالواحد» . PageV01P155 # وقوله تعالى: بغير الحق تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه، ومعلوم أنه لا ~~يقتل نبي بحق، ولكن من حيث قد يتخيل متخيل لذلك وجها، فصرح قوله: بغير الحق ~~عن شنعة الذنب ووضوحه، ولم يجترم قط نبي ما يوجب قتله، وإنما أتاح الله ~~تعالى من أتاح منهم. وسلط عليه، كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من ~~يقتل في سبيل الله من المؤمنين، قال ابن عباس وغيره: «لم يقتل قط من ~~الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر» . # وقوله تعالى: ذلك رد على الأول وتأكيد للإشارة إليه، والباء في بما باء ~~السبب، ويعتدون معناه: يتجاوزون الحدود، والاعتداء تجاوز الحد في كل شيء، ~~وعرفه في الظلم والمعاصي. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 62 الى 64] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) ~~وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ~~لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم ~~من الخاسرين (64) # اختلف ms0140 المتأولون في المراد ب الذين آمنوا في هذه الآية، فقال سفيان ~~الثوري: هم المنافقون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: إن الذين ~~آمنوا في ظاهر أمرهم، وقرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من ~~آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله من آمن في المؤمنين ~~المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان. ~~وقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقا بمحمد صلى الله عليه وقوله من آمن ~~بالله يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وقال ~~السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، كزيد بن ~~عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، والذين هادوا كذلك ممن لم يلحق ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر بعيسى عليه السلام، والنصارى كذلك ~~ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، والصابئين كذلك، قال: إنها نزلت في ~~أصحاب سلمان الفارسي، وذكر له الطبري قصة طويلة، وحكاها أيضا ابن إسحاق، ~~مقتضاها أنه صحب عبادا من النصارى فقال له آخرهم: # إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فآمن به، ورأى منهم عبادة عظيمة، فلما جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ذكر له خبرهم، وسأله عنهم، فنزلت هذه ~~الآية. # وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أول الإسلام، وقرر الله بها أن من ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته وهو ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فله أجره، ثم نسخ ما قرر من ذلك بقوله تعالى ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85] وردت الشرائع كلها إلى ~~شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. PageV01P156 # والذين هادوا هم اليهود، وسموا بذلك لقولهم إنا هدنا إليك [الأعراف: 156] ~~أي تبنا، فاسمهم على هذا من هاد يهود، وقال الشاعر: [السريع] إني امرؤ من ~~مدحتي هائد أي تائب، وقيل: نسبوا إلى يهوذا بن يعقوب، فلما عرب الاسم لحقه ~~التغيير ms0141 كما تغير العرب في بعض ما عربت من لغة غيرها، وحكى الزهراوي أن ~~التهويد النطق في سكون ووقار ولين، وأنشد: # وخود من اللائي تسمعن بالضحى ... قريض الردافى بالغناء المهود # قال: ومن هذا سميت اليهود، وقرأ أبو السمال «هادوا» بفتح الدال. # والنصارى لفظة مشتقة من النصر، إما لأن قريتهم تسمى ناصرة، ويقال نصريا ~~ويقال نصرتا، وإما لأنهم تناصروا، وإما لقول عيسى عليه السلام من أنصاري ~~إلى الله [آل عمران: 152، الصف: 4] قال سيبويه: واحدهم نصران ونصرانة ~~كندمان وندمانة وندامى، وأنشد: [أبو الأخرز الحماني] : [الطويل] # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف # وأنشد الطبري: [الطويل] # يظل إذا دار العشي محنفا ... ويضحي لديها وهو نصران شامس # قال سيبوية: إلا أنه لا يستعمل في الكلام إلا بياء نسب، قال الخليل: واحد ~~النصارى نصري كمهري ومهارى. # والصابىء في اللغة من خرج من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن ~~أسلم قد صبا، وقيل إنها سمتهم بذاك لما أنكروا الآلهة تشبيها بالصابئين في ~~الموصل الذين لم يكن لهم بر إلا قولهم لا إله إلا الله، وطائفة همزته ~~وجعلته من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت، قال أبو علي: # يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت، فالصابىء التارك لدينه الذي شرع له إلى ~~دين غيره، كما أن الصابىء على القوم تارك لأرضه ومنتقل إلى سواها، وبالهمز ~~قرأ القراء غير نافع فإنه لم يهمزه، ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال، ~~أو يجعله على قلب الهمزة ياء، وسيبويه لا يجيزه إلا في الشعر. # وأما المشار إليهم في قوله تعالى: والصابئين فقال السدي: هم فرقة من أهل ~~الكتاب، وقال مجاهد: هم قوم لا دين لهم، ليسوا بيهود ولا نصارى، وقال ابن ~~أبي نجيح: هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم، ~~وقال ابن زيد: هم قوم يقولون لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب، كانوا ~~بجزيرة الموصل، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ~~ويصلون إلى ms0142 القبلة ويصلون الخمس ويقرؤون الزبور، رآهم زياد بن أبي سفيان ~~فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة. PageV01P157 # ومن في قوله من آمن بالله في موضع نصب بدل من الذين، والفاء في قولهم ~~فلهم داخلة بسبب الإبهام الذي في من و «لهم أجرهم» ابتداء وخبر في موضع خبر ~~إن، ويحتمل ويحسن أن تكون من في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والفاء ~~في قوله فلهم موطئة أن تكون الجملة جوابها، و «لهم أجرهم» خبر من، والجملة ~~كلها خبر إن، والعائد على الذين محذوف لا بد من تقديره، وتقديره «من آمن ~~منهم بالله» . # وفي الإيمان باليوم الآخر اندرج الإيمان بالرسل والكتب، ومنه يتفهم، لأن ~~البعث لم يعلم إلا بإخبار رسل الله عنه تبارك وتعالى، وجمع الضمير في قوله ~~تعالى «لهم أجرهم» بعد أن وحد في آمن لأن من تقع على الواحد والتثنية ~~والجمع، فجائز أن يخرج ما بعدها مفردا على لفظها، أو مثنى أو مجموعا على ~~معناها، كما قال عز وجل ومنهم من يستمعون إليك [يونس: 42] فجمع على المعنى، ~~وكقوله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات [النساء: 13] ثم قال خالدين فيها ~~[النساء: 13] فجمع على المعنى، وقال الفرزدق: [الطويل] # تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # فثنى على المعنى، وإذا جرى ما بعد من على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد ~~على المعنى، وإذا جرى ما بعدها على المعنى فلم يستعمل أن يخالف به بعد على ~~اللفظ، لأن الإلباس يدخل في الكلام. # وقرأ الحسن «ولا خوف» ، نصب على التبرية، وأما الرفع فعلى الابتداء، وقد ~~تقدم القول في مثل هذه الآية. # وقوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم، إذ معطوفة على التي قبلها، والميثاق ~~مفعال من وثق يثق، مثل ميزان من وزن يزن، والطور اسم الجبل الذي نوجي موسى ~~عليه، قاله ابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم: الطور اسم لكل جبل، ~~ويستدل على ذلك بقول العجاج: [الرجز] # دانى جناحيه من الطور فمر ... تقضي البازي إذا البازي كسر # وقال ابن عباس ms0143 أيضا: الطور كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت فليس بطور، قال ~~القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله على أن اللفظة عربية، وقال أبو ~~العالية ومجاهد: هي سريانية اسم لكل جبل. # وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله ~~تعالى بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا إلا أن ~~يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا، ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا، ~~فأمر الله تعالى الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين، طوله فرسخ في مثله، ~~وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأخرج الله تعالى البحر من ~~ورائهم، وأضرم نارا بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم خذوها وعليكم ~~الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، وغرقكم البحر وأحرقتكم النار، ~~فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق، وقال الطبري رحمه الله عن بعض ~~العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق، وكانت سجدتهم على شق، ~~لأنهم كانوا يرقبون PageV01P158 # الجبل خوفا، فلما رحمهم الله قالوا لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ~~ورحم بها، فأمروا سجودهم على شق واحد. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: والذي لا يصح سواه أن الله ~~تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لأنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير ~~مطمئنة، وقد اختصرت ما سرد في قصص هذه الآية، وقصدت أصحه الذي تقتضيه ألفاظ ~~الآية، وخلط بعض الناس صعقة هذه القصة بصعقة السبعين. # وقوله تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة في الكلام حذف تقديره: وقلنا خذوا، ~~وآتيناكم معناه أعطيناكم، وبقوة: قال ابن عباس: معناه بجد واجتهاد، وقيل: ~~بكثرة درس، وقال ابن زيد: معناه بتصديق وتحقيق، وقال الربيع. معناه بطاعة ~~الله. # واذكروا ما فيه أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه وتضيعوه، ~~والضمير عائد على ما آتيناكم ويعني التوراة، وتقدير صلة ما: واذكروا ما ~~استقر فيه، ولعلكم تتقون ترج في حق البشر. # وقوله تعالى: ثم توليتم من بعد ذلك الآية. تولى تفعل، وأصله الإعراض ~~والإدبار عن الشيء بالجسم، ms0144 ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان ~~والمعتقدات اتساعا ومجازا، وفضل الله رفع بالابتداء، والخبر مضمر عند ~~سيبويه لا يجوز إظهاره للاستغناء عنه، تقديره فلولا فضل الله عليكم ~~تدارككم، ورحمته عطف على فضل، قال قتادة: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن. ~~قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا على أن المخاطب بقوله: عليكم لفظا ~~ومعنى من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أن المراد ~~بالمعنى من سلف، ولكنتم جواب «لولا» ، ومن الخاسرين خبر «كان» . والخسران ~~النقصان، وتوليهم من بعد ذلك: إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة ~~والإمهال إليها، وإما أن يكون توليهم بالكفر فكان فضل الله بأن لم يعاجلهم ~~بالإهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن، أو يكون المراد من لحق محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وقد قال ذلك قوم، وعليه يتجه قول قتادة: إن الفضل الإسلام، ~~والرحمة القرآن، ويتجه أيضا أن يراد بالفضل والرحمة إدراكهم مدة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 65 الى 67] # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) ~~فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) وإذ قال موسى ~~لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن ~~أكون من الجاهلين (67) # علمتم معناه: عرفتم، كما تقول: علمت زيدا بمعنى عرفته، فلا يتعدى العلم ~~إلا إلى مفعول واحد، واعتدوا معناه تجاوزوا الحد، مصرف من الاعتداء، وفي ~~السبت معناه في يوم السبت، ويحتمل أن يريد في حكم السبت، والسبت مأخوذ إما: ~~من السبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من PageV01P159 # السبت وهو: القطع، لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها. # وقصة اعتدائهم فيه، أن الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة، ~~وعرفه فضله، كما أمر به سائر الأنبياء، فذكر موسى عليه السلام ذلك لبني ~~إسرائيل عن الله تعالى وأمرهم بالتشرع فيه، فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت، ~~فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم فيه بأن ms0145 أمرهم ~~بترك العمل وحرم عليهم صيد الحيتان، وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان ~~تأتي يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية. قاله الحسن بن أبي الحسن. وقيل حتى ~~تخرج خراطيمها من الماء، وذلك إما بالإلهام من الله تعالى، أو بأمر لا ~~يعلل، وإما بأن فهمها معنى الأمنة التي في اليوم مع تكراره حتى فهمت ذلك، ~~ألا ترى أن الله تعالى قد ألهم الدواب معنى الخوف الذي في يوم الجمعة من ~~أمر القيامة، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما من دابة إلا ~~وهي مصيخة يوم الجمعة فرقا من الساعة» ، وحمام مكة قد فهم الأمنة، إما أنها ~~متصلة بقرب فهمها. # وكان أمر بني إسرائيل بأيلة على البحر، فإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان فلم ~~تظهر إلى السبت الآخر، فبقوا على ذلك زمانا حتى اشتهوا الحوت، فعمد رجل يوم ~~السبت فربط حوتا بخزمة، وضرب له وتدا بالساحل، فلما ذهب السبت جاء وأخذه، ~~فسمع قوم بفعله فصنعوا مثل ما صنع، وقيل بل حفر رجل في غير السبت حفيرا ~~يخرج إليه البحر، فإذا كان يوم السبت خرج الحوت وحصل في الحفير، فإذا جزر ~~البحر ذهب الماء من طريق الحفير وبقي الحوت، فجاء بعد السبت فأخذه، ففعل ~~قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية، وباعوه في الأسواق، ~~فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك فنجت من ~~العقوبة، وكانت منهم فرقة لم تعص ولم تنه، فقيل نجت مع الناهين، وقيل هلكت ~~مع العاصين. # وكونوا لفظة أمر، وهو أمر التكوين، كقوله تعالى لكل شيء: كن فيكون ~~[النحل: 40، مريم: 35، يس: 82، غافر: 68] ، ولم يؤمروا في المصير إلى حال ~~المسخ بشيء يفعلونه ولا لهم فيه تكسب. # وخاسئين معناه مبعدين أذلاء صاغرين، كما يقال للكلب وللمطرود اخسأ. تقول ~~خسأته فخسأ، وموضعه من الإعراب النصب على الحال أو على خبر بعد خبر. # وروي في قصصهم أن الله تعالى مسخ العاصين قردة بالليل فأصبح الناجون إلى ~~مساجدهم ومجتمعاتهم، فلم يروا أحدا من الهالكين، فقالوا ms0146 إن للناس لشأنا، ~~ففتحوا عليهم الأبواب كما كانت مغلقة بالليل، فوجدوهم قردة يعرفون الرجل ~~والمرأة، وقيل: إن الناجين كانوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القرية ~~بجدار، تبريا منهم، فأصبحوا ولم تفتح مدينة الهالكين، فتسوروا عليهم الجدار ~~فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنه أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ~~ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ووقع في كتاب مسلم عنه عليه السلام ~~أن أمة من الأمم فقدت، وأراها الفأر، وظاهر PageV01P160 # هذا أن الممسوخ ينسل، فإن كان أراد هذا فهو ظن منه عليه السلام في أمر لا ~~مدخل له في التبليغ، ثم أوحي إليه بعد ذلك أن الممسوخ لا ينسل، ونظير ما ~~قلناه نزوله عليه السلام على مياه بدر، وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: «إذا أخبرتكم برأي في أمور الدنيا فإنما أنا بشر» . # وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردت أفهامهم ~~كأفهام القردة، والأول أقوى، والضمير في «جعلناها» : يحتمل العود على ~~المسخة والعقوبة، ويحتمل على الأمة التي مسخت، ويحتمل على القردة، ويحتمل ~~على القرية إذ معنى الكلام يقتضيها، وقيل يعود على الحيتان، وفي هذا القول ~~بعد. # والنكال: الزجر بالعقاب، والنكل والأنكال: قيود الحديد، فالنكال عقاب ~~ينكل بسببه غير المعاقب عن أن يفعل مثل ذلك الفعل، قال السدي: ما بين يدي ~~المسخة: ما قبلها من ذنوب القوم، وما خلفها: # لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب، وهذا قول جيد، وقال غيره: «ما بين يديها» ~~أي من حضرها من الناجين، وما خلفها أي لمن يجيء بعدها، وقال ابن عباس: لما ~~بين يديها: أي من بعدهم من الناس ليحذر ويتقي، وما خلفها: لمن بقي منهم ~~عبرة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما أراه يصح عن ابن عباس ~~رضي الله عنه، لأن دلالة ما بين اليد ليست كما في القول، وقال ابن عباس ~~أيضا: لما بين يديها وما خلفها، أي ms0147 من القرى، فهذا ترتيب أجرام لا ترتيب في ~~الزمان. # وموعظة مفعلة من الاتعاظ والازدجار، وللمتقين معناه للذين نهوا ونجوا، ~~وقالت فرقة: معناه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، واللفظ يعم كل متق من كل ~~أمة. # وقوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه الآية: إذ عطف على ما تقدم، والمراد ~~تذكيرهم بنقض سلفهم للميثاق، وقرأ أبو عمرو «يأمركم» بإسكان الراء، وروي ~~عنه اختلاس الحركة، وقد تقدم القول في مثله في «بارئكم» . # وسبب هذه الآية على ما روي، أن رجلا من بني إسرائيل أسن وكان له مال، ~~فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل أخوه، وقيل ابنا عمه، وقيل ورثة كثير غير ~~معينين، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه، ~~وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى ~~المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلا، ~~فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع ~~بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح، فقال أهل النهي منهم: ~~أنقتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى عليه السلام فقصوا عليه القصة، ~~وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها، فيحيى ~~ويخبر بقاتله فقال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فكان جوابهم أن ~~قالوا: أتتخذنا هزوا قرأ الجحدري «أيتخذنا» بالياء، على معنى أيتخذنا الله، ~~وقرأ حمزة: «هزؤا» بإسكان الزاي والهمز، وهي لغة، وقرأ عاصم بضم الزاي ~~والهاء والهمز، وقرأ أيضا: دون همز «هزوا» ، حكاه أبو علي، وقرأت طائفة من ~~القراء بضم الهاء والزاي والهمزة PageV01P161 # بين بين، وروي عن أبي جعفر وشيبة ضم الهاء وتشديد الزاي «هزا» ، وهذا ~~القول من بني إسرائيل ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن ~~يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، أتتخذنا ~~هزوا، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب ~~تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم ms0148 على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على ~~نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين: «إن هذه ~~لقسمة ما أريد بها وجه الله» ، وكما قال له الآخر: «اعدل يا محمد» ، وكل ~~محتمل، والله أعلم. # وقول موسى عليه السلام: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، يحتمل معنيين: ~~أحدهما الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئا، والآخر من ~~الجهل كما جهلوا في قولهم أتتخذنا هزوا لمن يخبرهم عن الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 68 الى 70] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا ~~بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) قالوا ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ~~(70) # هذا تعنت منهم وقلة طواعية، ولو امتثلوا الأمر فاستعرضوا بقرة فذبحوها ~~لقضوا ما أمروا به، ولكن شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو ~~العالية وغيرهما. ولغة بني عامر «ادع» بكسر العين، وما استفهام رفع ~~بالابتداء، وهي خبره، ورفع فارض على النعت للبقرة على مذهب الأخفش، أو على ~~خبر ابتداء مضمر تقديره لا هي فارض، والفارض المسنة الهرمة التي لا تلد، ~~قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم، تقول فرضت تفرض بفتح العين في الماضي، ~~فروضا، ويقال فرضت بضم العين، ويقال لكل ما قدم وطال أمده فارض، وقال ~~الشاعر [العجاج] : [الرجز] # يا رب ذي ضغن علي فارض ... له قروء كقروء الحائض # والبكر من البقر التي لم تلد من الصغر، وحكى ابن قتيبة أنها التي ولدت ~~ولدا واحدا، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجل، والبكر من الأولاد ~~الأول، ومن الحاجات الأولى، والعوان التي قد ولدت مرة بعد مرة، قاله مجاهد، ~~وحكاه أهل اللغة، ومنه قول العرب: العوان لا تعلم الخمرة. وحرب عوان: قد ~~قوتل فيها مرتين فما زاد، ms0149 ورفعت عوان على خبر ابتداء مضمر، تقديره هي عوان، ~~وجمعها عون بسكون الواو، وسمع عون بتحريكها بالضم. # وبين، بابها أن تضاف إلى اثنتين، وأضيفت هنا إلى ذلك، إذ ذلك يشار به إلى ~~المجملات، فذلك عند سيبويه منزلة ما ذكر، فهي إشارة إلى مفرد على بابه، وقد ~~ذكر اثنان فجاءت أيضا بين على بابها. PageV01P162 # وقوله: فافعلوا ما تؤمرون تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت، فما ~~تركوه، وما رفع بالابتداء، ولونها خبره، وقال ابن زيد وجمهور الناس في قوله ~~صفراء، إنها كانت كلها صفراء، قال مكي رحمه الله عن بعضهم: حتى القرن ~~والظلف، وقال الحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف ~~فقط، وقال الحسن أيضا: صفراء معناه سوداء، وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في ~~الإبل، وبه فسر قول الأعشى ميمون بن قيس: [الخفيف] # تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب # والفقوع: نعت مختص بالصفرة، كما خص أحمر بقانئ، وأسود بحالك، وأبيض ~~بناصع، وأخضر بناضر، ولونها فاعل ب فاقع. # وتسر الناظرين قال وهب بن منبه: كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها، ~~فمعناه تعجب الناظرين، ولهذا قال ابن عباس وغيره: الصفرة تسر النفس، وحض ~~ابن عباس على لباس النعال الصفر، حكاه عنه النقاش، وحكي نهي ابن الزبير ~~ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود، لأنها تهم، وقال أبو العالية ~~والسدي: تسر الناظرين معناه في سمنها ومنظرها كله، وسألوه بعد هذا كله عما ~~هي سؤال متحيرين قد أحسوا بمقت المعصية، والبقر جمع بقرة، وتجمع أيضا على ~~باقر، وبه قرأ ابن يعمر وعكرمة، وتجمع على بقير وبيقور، ولم يقرأ بهما فيما ~~علمت، وقرأ السبعة: «تشابه» فعل ماض، وقرأ الحسن «تشابه» بشد الشين وضم ~~الهاء، أصله تتشابه، وهي قراءة يحيى بن يعمر، فأدغم، وقرأ أيضا «تشابه» ~~بتخفيف الشين على حذف التاء الثانية، وقرأ ابن مسعود «يشابه» بالياء وإدغام ~~التاء، وحكى المهدي عن المعيطي «يشبه» بتشديد الشين والباء دون ألف، وحكى ~~أبو عمرو الداني قراءة «متشبه» اسم فاعل ms0150 من تشبه، وحكي أيضا «يتشابه» . # وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة ما وانقياد ودليل ندم وحرص على ~~موافقة الأمر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لولا ما استثنوا ~~ما اهتدوا إليها أبدا» ، والضمير في إنا، هو اسم إن، و «مهتدون» الخبر، ~~واللام للتأكيد، والاستثناء اعتراض، قدم على ذكر الاهتداء، تهمما به. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 71 الى 73] # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك ~~يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) # ذلول: مذللة بالعمل والرياضة، تقول بقرة مذللة بينة الذل بكسر الذال، ~~ورجل ذلول بين الذل بضم الذال، وذلول نعت ل بقرة، أو على إضمار هي، وقرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي: «لا ذلول» بنصب اللام. # وتثير الأرض، معناه بالحراثة، وهي عند قوم جملة في موضع رفع على صفة ~~البقرة، أي لا ذلول PageV01P163 # مثيرة، وقال قوم تثير فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث وأنها كانت تحرث ~~ولا تسقي، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، لأنها من نكرة، ~~وتسقي الحرث معناه بالسانية أو غيرها من الآلات، والحرث ما حرث وزرع. # ومسلمة بناء مبالغة من السلامة، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية: معناه ~~من العيوب، وقال مجاهد: # معناه من الشيات والألوان، وقال قوم: معناه من العمل. # ولا شية فيها: أي لا خلاف في لونها هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ~~ولا سواد قاله ابن زيد وغيره، والموشي المختلط الألوان، ومنه وشي الثوب، ~~تزيينه بالألوان، ومنه الواشي لأنه يزين كذبه بالألوان من القول، والثور ~~الأشيه الذي فيه بلقة، يقال فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وكلب أبقع، ~~وثور أشيه، كل ذلك بمعنى البلقة. # وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله ~~يسر، والتعمق في سؤال الأنبياء عليهم السلام ms0151 مذموم. # وقصة وجود هذه البقرة على ما روي، أن رجلا من بني إسرائيل ولد له ابن، ~~وكانت له عجلة، فأرسلها في غيضة، وقال: اللهم إني قد استودعتك هذه العجلة ~~لهذا الصبي، ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمه: إن أباك قد استودع ~~الله عجلة لك، فأذهب فخذها، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ ~~بقرنيها، وكانت مستوحشة، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا ~~بقرته على الصفة التي أمروا بها، وروت طائفة أنه كان رجل من بني إسرائيل ~~برا بأبيه فنام أبوه يوما وتحت رأسه مفاتيح مسكنهما، فمر به بائع جوهر ~~فسامه فيه بستين ألفا، فقال له ابن النائم: اصبر حتى ينتبه أبي، وأنا آخذه ~~منك بسبعين ألفا، فقال له صاحب الجوهر: نبه أباك وأنا أعطيكه بخمسين ألفا، ~~فداما كذلك حتى بلغه مائة ألف، وانحط صاحب الجوهر إلى ثلاثين ألفا، فقال له ~~ابن النائم: والله لا اشتريته منك بشيء برا بأبيه، فعوضه الله منه أن وجدت ~~البقرة عنده، وقال قوم: وجدت عند عجوز تعول يتامى كانت البقرة لهم، إلى غير ~~ذلك من اختلاف في قصتها، هذا معناه، فلما وجدت البقرة ساموا صاحبها، فاشتط ~~عليهم، وكانت قيمتها- على ما روي عن عكرمة- ثلاثة دنانير، فأتوا به موسى ~~عليه السلام، وقالوا: إن هذا اشتط علينا، فقال لهم: أرضوه في ملكه، ~~فاشتروها منه بوزنها مرة، قاله عبيدة السلماني، وقيل بوزنها مرتين، وقال ~~السدي: بوزنها عشر مرات، وقال مجاهد: كانت لرجل يبر أمه، وأخذت منه بملء ~~جلدها دنانير، وحكى مكي: أن هذه البقرة نزلت من السماء، ولم تكن من بقر ~~الأرض، وحكى الطبري عن الحسن أنها كانت وحشية. # والآن مبني على الفتح ولم يتعرف بهذه الألف واللام، ألا ترى أنها لا ~~تفارقة في الاستعمال، وإنما بني لأنه ضمن معنى حرف التعريف، ولأنه واقع ~~موقع المبهم، إذ معناه هذا الوقت، هو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، ~~وقرىء «قالوا الآن» بسكون اللام وهمزة بعدها، «وقالوا الان» بمدة على الواو ~~وفتح اللام دون همز، «وقالوا الآن» ms0152 بحذف الواو من اللفظ دون همز، «وقالوا ~~الآن» بقطع الألف الأولى وإن كانت ألف وصل، كما تقول «يا الله» . PageV01P164 # وجئت بالحق معناه- عند من جعلهم عصاة- بينت لنا غاية البيان، وجئت بالحق ~~الذي طلبناه، لا إنه كان يجيء قبل ذلك بغير حق، ومعناه عند ابن زيد- الذي ~~حمل محاورتهم على الكفر-: الآن صدقت. وأذعنوا في هذه الحال حين بين لهم ~~أنها سائمة، وقيل إنهم عينوها مع هذه الأوصاف، وقالوا: # هذه بقرة فلان، وهذه الآية تعطي أن الذبح أصل في البقر، وإن نحر أجزأت. # وقوله تعالى: وما كادوا يفعلون عبارة عن تثبطهم في ذبحها، وقلة مبادرتهم ~~إلى أمر الله تعالى، وقال محمد بن كعب القرظي: كان ذلك منهم لغلاء البقرة ~~وكثرة ثمنها، وقال غيره: كان ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل، وقيل: كان ذلك ~~للمعهود من قلة انقيادهم وتعنتهم على الأنبياء، وقد تقدم قصص القتيل الذي ~~يراد بقوله تعالى: وإذ قتلتم نفسا، والمعنى قلنا لهم اذكروا إذ قتلتم. # و «ادارأتم» أصله: تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال فتعذر الابتداء ~~بمدغم، فجلبت ألف الوصل، ومعناه تدافعتم أي دفع بعضكم قتل القتيل إلى بعض، ~~قال الشاعر: [الرجز] صادف درء السيل درءا يدفعه وقال الآخر [الخفيف] : # مدرأ يدرأ الخصوم بقول ... مثل حد الصمصامة الهندواني # والضمير في قوله: فيها عائد على النفس وقيل على القتلة، وقرأ أبو حيوة ~~وأبو السوار الغنوي «وإذ قتلتم نسمة فادارأتم» ، وقرأت فرقة «فتدارأتم» على ~~الأصل، وموضع ما نصب بمخرج، والمكتوم هو أمر المقتول. # وقوله: اضربوه ببعضها # آية من الله تعالى على يدي موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض ~~البقرة القتيل فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره، لأن ابن ~~عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا في طلب البقرة ~~أربعين سنة، وقال القرظي: لقد أمروا بطلبها وما هي في صلب ولا رحم بعد، ~~وقال السدي: ضرب باللحمة التي بين الكتفين، وقال مجاهد وقتادة وعبيدة ~~السلماني: ضرب بالفخذ، وقيل: ضرب باللسان، وقيل: بالذنب، وقال أبو العالية: ~~بعظم ms0153 من عظامها. # وقوله تعالى: كذلك يحي الله الموتى # الآية، الإشارة ب كذلك # إلى الإحياء الذي تضمنه قصص الآية، إذ في الكلام حذف، تقديره: فضربوه ~~فحيي، وفي هذه الآية حض على العبرة، ودلالة على البعث في الآخرة. وظاهرها ~~أنها خطاب لبني إسرائيل، حينئذ حكي لمحمد صلى الله عليه وسلم ليعتبر به إلى ~~يوم القيامة، وذهب الطبري إلى أنها خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وأنها مقطوعة من قوله تعالى: اضربوه ببعضها # ، وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتا كما كان، واستدل ~~مالك رحمه الله بهذه النازلة على تجويز قول القتيل وأن تقع معه القسامة. # قوله عز وجل: # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه PageV01P165 ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 74 الى 75] # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان ~~فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) # قست أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله ~~تعالى، وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي قال: إنهم ~~قتلوه وعاد إلى حال موته أنكروا قتله، وقالوا: كذب بعد ما رأوا هذه الآية ~~العظمى، لكن نفذ حكم الله تعالى بقتلهم، قال عبيدة السلماني: ولم يرث قاتل ~~من حينئذ. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وبمثله جاء شرعنا، وحكى مالك ~~رحمه الله في الموطأ، أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي التي كانت سببا أن ~~لا يرث قاتل، ثم ثبت ذلك الإسلام، كما ثبت كثيرا من نوازل الجاهلية، وقال ~~أبو العالية وقتادة وغيرهما: إنما أراد الله قلوب بني إسرائيل جميعا في ~~معاصيهم وما ركبوه بعد ذلك. # وقوله تعالى: فهي كالحجارة الآية، ms0154 الكاف في موضع رفع خبر ل «هي» ، ~~تقديره: فهي مثل الحجارة أو أشد مرتفع بالعطف على الكاف، أو على خبر ابتداء ~~بتقدير تكرار هي، وقسوة نصب على التمييز، والعرف في أو أنها للشك، وذلك لا ~~يصح في هذه الآية، واختلف في معنى أو هنا، فقالت طائفة: هي بمعنى الواو، ~~كما قال تعالى: آثما أو كفورا [الإنسان: 24] أي وكفورا، وكما قال الشاعر ~~[جرير] : [البسيط] # نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر # أي وكانت له. وقالت طائفة هي بمعنى بل، كقوله تعالى: إلى مائة ألف أو ~~يزيدون [الصافات: 147] المعنى بل يزيدون، وقالت طائفة: معناها التخيير، أي: ~~شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا، وقالت فرقة: هي على ~~بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم ~~قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة. وقالت فرقة: هي على جهة ~~الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي: # أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة أو عليا # ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد عورض أبو الأسود ~~في هذا، فاحتج بقول الله تعالى: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ~~[سبأ: 24] ، وهذه الآية مفارقة لبيت أبي الأسود، ولا يتم معنى الآية إلا ب ~~«أو» ، وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من ~~قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: ~~أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين، وقالت فرقة: ~~إنما أراد عز وجل أنها كانت كالحجارة PageV01P166 # يترجى لها الرجوع والإنابة، كما تتفجر الأنهار ويخرج الماء من الحجارة، ~~ثم زادت قلوبهم بعد ذلك قسوة بأن صارت في حد من لا ترجى إنابته، فصارت أشد ~~من الحجارة، فلم تخل أن كانت كالحجارة طورا أو أشد طورا، وقرأ أبو حيوة: ~~«قساوة» ، والمعنى واحد. # وقوله تعالى: وإن من الحجارة الآية، معذرة للحجارة وتفضيل لها على قلوبهم ~~في معنى قلة ms0155 القسوة، وقال قتادة: عذر الله تعالى الحجارة ولم يعذر شقي بني ~~آدم، وقرأ قتادة: «وإن» مخففة من الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وفرق ~~بينها وبين النافية لام التأكيد، في لما، وما في موضع نصب اسم ل إن، ودخلت ~~اللام على اسم إن لما حال بينهما المجرور، ولو اتصل الاسم ب إن لم يصح دخول ~~اللام لثقل اجتماع تأكيدين، وقرأ مالك بن دينار: «ينفجر» بالنون وياء من ~~تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد الضمير في منه حملا على لفظ «ما» ، وقرأ أبي بن ~~كعب والضحاك «منها الأنهار» ، حملا على الحجارة، والأنهار جمع نهر وهو ما ~~كثر ماؤه جريا من الأخاديد، وقرأ طلحة بن مصرف: «لما» بتشديد الميم في ~~الموضعين، وهي قراءة غير متجهة، ويشقق أصله يتشقق أدغمت التاء في الشين، ~~وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا، أو عن الحجارة التي ~~تشقق وإن لم يجر ماء منسفح، وقرأ ابن مصرف ينشقق بالنون، وقيل في هبوط ~~الحجارة تفيؤ ظلالها، وقيل المراد: الجبل الذي جعله الله دكا، وقيل: إن ~~الله تعالى يخلق في بعض الأحجار خشية وحياة يهبطها من علو تواضعا، ونظير ~~هذه الحياة حياة الحجر المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وحياة الجذع ~~الذي أن لفقد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل لفظة الهبوط مجاز لما كانت ~~الحجارة يعتبر بخلقها ويخشع بعض مناظرها، أضيف تواضع الناظر إليها، كما ~~قالت العرب: ناقة تاجرة أي: تبعث من يراها على شرائها، وقال مجاهد: ما تردى ~~حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء منه إلا من خشية الله، نزل ~~بذلك القرآن، وقال مثله ابن جريج، وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة ~~مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى يريد أن ينقض [الكهف: ~~77] ، وكما قال زيد الخيل: [الطويل] # بجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # وكما قال جرير: والجبال الخشع، أي من رأى الحجر هابطا تخيل فيه الخشية. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ms0156 وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية ~~تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدرا ما من الإدراك تقع به ~~الخشية والحركة، وبغافل في موضع نصب خبر ما، لأنها الحجازية، يقوي ذلك دخول ~~الباء في الخبر، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية، وقرأ ابن كثير ~~«يعملون» بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم الآية، الخطاب للمؤمنين من أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود ~~للحلف والجوار الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطاب: التقرير على أمر فيه بعد، ~~إذ قد سلفت لأسلاف هؤلاء اليهود أفاعيل سوء، وهؤلاء على ذلك السنن، والفريق ~~اسم جمع لا واحد له من لفظه كالحزب، وقال مجاهد والسدي: عني بالفريق هنا ~~الأحبار PageV01P167 # الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد كل من ~~حرف في التوراة شيئا حكما أو غيره كفعلهم في آية الرجم ونحوها، وقال ابن ~~إسحاق والربيع: عني السبعون الذين سمعوا مع موسى صلى الله عليه وسلم ثم ~~بدلوا بعد ذلك. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا القول ضعف، ومن قال إن السبعين ~~سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه ~~بالتكليم، وقرأ الأعمش: «كلم الله» ، وتحريف الشيء إحالته من حال إلى حال، ~~وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل ولفظ ~~التوراة باق، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم وأن ~~ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ~~ضمن حفظه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 76 الى 78] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني وإن هم إلا ms0157 يظنون (78) # المعنى: وهم أيضا إذا لقوا يفعلون هذا، فكيف يطمع في إيمانهم؟ ويحتمل أن ~~يكون هذا الكلام مستأنفا مقطوعا من معنى الطمع، فيه كشف سرائرهم. # وورد في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخلن علينا قصبة ~~المدينة إلا مؤمن» ، فقال كعب بن الأشرف ووهب بن يهوذا وأشباههما: اذهبوا ~~وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم، فنزلت هذه ~~الآية فيهم، وقال ابن عباس: نزلت في منافقين من اليهود، وروي عنه أيضا أنها ~~نزلت في قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين نحن نؤمن أنه نبي ولكن ليس ~~إلينا، وإنما هو إليكم خاصة، فلما خلوا قال بعضهم: لم تقرون بنبوته وقد كنا ~~قبل نستفتح به؟ فهذا هو الذي فتح الله عليهم من علمه، وأصل خلا «خلو» تحركت ~~الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، وقال أبو العالية وقتادة: إن بعض ~~اليهود تكلم بما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كفرة ~~الأحبار: أتحدثون بما فتح الله عليكم أي عرفكم من صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فيحتجون عليكم إذ تقرون به ولا تؤمنون به؟، وقال السدي: إن بعض اليهود ~~حكى لبعض المسلمين ما عذب به أسلافهم، فقال بعض الأحبار: أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم من العذاب، فيحتجون عليكم ويقولون نحن أكرم على الله حين لم ~~يفعل بنا مثل هذا؟، وفتح على هذا التأويل بمعنى حكم، وقال مجاهد: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لبني قريظة: يا إخوة الخنازير والقردة، فقال ~~الأحبار لأتباعهم: ما عرف هذا إلا من عندكم، أتحدثونهم؟ وقال ابن زيد: ~~كانوا إذا سئلوا عن شيء، قالوا في التوراة كذا وكذا، فكرهت الأحبار ذلك، ~~ونهوا في الخلوة عنه، ففيه نزلت الآية. # والفتح في اللغة ينقسم أقساما تجمعها بالمعنى التوسعة وإزالة الإبهام، ~~وإلى هذا يرجع الحكم PageV01P168 # وغيره، والفتاح هو القاضي بلغة اليمن، و «يحاجوكم» من الحجة، وأصله من حج ~~إذا قصد، لأن المتحاجين كل واحد منهما يقصد غلبة الآخر، وعند ربكم ms0158 معناه في ~~الآخرة، وقيل عند بمعنى في ربكم، أي فيكونون أحق به، وقيل: المعنى عند ذكر ~~ربكم. # وقوله تعالى: أفلا تعقلون قيل: هو من قول الأحبار للأتباع، وقيل: هو خطاب ~~من الله للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه ~~الأحوال. والعقل علوم ضرورية وقرأ الجمهور «أولا يعلمون» بالياء من أسفل، ~~وقرأ ابن محيصن «أو لا تعلمون» بالتاء خطابا للمؤمنين، والذي أسروه كفرهم، ~~والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم ~~الجميع. # وأميون هنا عبارة عن جهلة بالتوراة، قال أبو العالية ومجاهد وغيرهما: ~~المعنى ومن هؤلاء اليهود المذكورين، فالآية منبهة على عامتهم وأتباعهم، أي ~~إنهم ممن لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضلال، وقيل: المراد هنا ~~بالأميين قوم ذهب كتابهم لذنوب ركبوها فبقوا أميين، وقال عكرمة والضحاك: # هم في الآية نصارى العرب، وقيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه قال: ~~هم المجوس. والضمير في منهم على هذه الأقوال هو للكفار أجمعين، قال القاضي ~~أبو محمد رحمه الله: وقول أبي العالية ومجاهد أوجه هذه الأقوال، وقرأ أبو ~~حيوة وابن أبي عبلة «أميون» بتخفيف الميم، والأمي في اللغة الذي لا يكتب ~~ولا يقرأ في كتاب، نسب إلى الأم: إما لأنه بحال أمه من عدم الكتاب لا بحال ~~أبيه، إذ النساء ليس من شغلهن الكتاب، قاله الطبري، وإما لأنه بحال ولدته ~~أمه فيها لم ينتقل عنها، وقيل نسب إلى الأمة وهي القامة والخلقة، كأنه ليس ~~له من الآدميين إلا ذلك، وقيل نسب إلى الأمة على سذاجتها قبل أن تعرف ~~المعارف، فإنها لا تقرأ ولا تكتب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~العرب: «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» ، الحديث: والألف واللام في الكتاب ~~للعهد، ويعني به التوراة في قول أبي العالية ومجاهد. والأماني جمع أمنية، ~~وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع في بعض ما روي عنه ms0159 «أماني» بتخفيف الياء، وأصل ~~أمنية أمنوية على وزن أفعولة، ويجمع هذا الوزن على أفاعل، وعلى هذا يجب ~~تخفيف الياء، ويجمع على أفاعيل فعلى هذا يجيء أمانيي أدغمت الياء في الياء ~~فجاء «أماني» . # واختلف في معنى أماني، فقالت طائفة: هي هنا من تمني الرجل إذا ترجى، ~~فمعناه أن منهم من لا يكتب ولا يقرأ وإنما يقول بظنه شيئا سمعه، فيتمنى أنه ~~من الكتاب، وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قوله تعالى إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته [الحج: 52] ومنه قول الشاعر [كعب بن مالك] : # [الطويل] # تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر # فمعنى الآية أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى لا علم لهم بصحته، ~~وقال الطبري: هي من تمنى الرجل إذا حدث بحديث مختلق كذب، وذكر أهل اللغة أن ~~العرب تقول تمنى الرجل إذا كذب واختلق الحديث، ومنه قول عثمان رضي الله ~~عنه: «ما تمنيت ولا تغنيت منذ أسلمت» . PageV01P169 # فمعنى الآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يسمعون من الأحبار ~~أشياء مختلقة يظنونها من الكتاب، وإن نافية بمعنى ما، والظن هنا على بابه ~~في الميل إلى أحد الجائزين. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 79 الى 82] # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ~~أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) # الذين في هذه الآية يراد بهم الأحبار والرؤساء، قال الخليل: الويل شدة ~~الشر، وقال الأصمعي: # الويل القبوح وهو مصدر لا فعل له، ويجمع على ويلات، والأحسن فيه إذا ~~انفصل الرفع، لأنه يقتضي الوقوع، ويصح النصب على معنى الدعاء أي ألزمه الله ~~ويلا، وويل وويح وويس ms0160 وويب تتقارب في المعنى، وقد فرق بينها قوم، وروى ~~سفيان وعطاء بن يسار أن الويل في هذه الآية: واد يجري بفناء جهنم من صديد ~~أهل النار، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه واد في ~~جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا، وقال أبو عياض: إنه صهريج في ~~جهنم، وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~جبل من جبال النار. وحكى الزهراوي عن آخرين أنه باب من أبواب جهنم، والذين ~~يكتبون: هم الأحبار الذين بدلوا التوراة. # وقوله تعالى: بأيديهم بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من ~~كتب وبين من أمر، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأيا ~~له، وقال ابن السراج: هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وإن ~~لم تكن حقيقة في كتب أيديهم، والذي بدلوا هو صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليستديموا رياستهم ومكاسبهم، وقال ابن إسحاق: كانت صفته في التوراة أسمر ~~ربعة، فردوه آدم طويلا، وذكر السدي أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدلون فيها صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويبيعونها من الأعراب ويبثونها في أتباعهم ~~ويقولون هي من عند الله، وتناسق هذه الآية على التي قبلها يعطي أن هذا ~~الكتب والتبديل إنما هو للأتباع الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قرىء لهم. # والثمن قيل عرض الدنيا، وقيل الرشا والمآكل التي كانت لهم، ووصفه بالقلة ~~إما لفنائه وإما لكونه حراما، وكرر الويل لتكرار الحالات التي استحقوه بها، ~~ويكسبون معناه من المعاصي والخطايا، وقيل من المال الذي تضمنه ذكر الثمن. # وقوله تعالى: وقالوا لن تمسنا النار الآية، روى ابن زيد وغيره أن سببها ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: من أهل النار؟ فقالوا: نحن ثم ~~تخلفوننا أنتم، فقال لهم: كذبتم لقد علمتم أنا لا PageV01P170 # نخلفكم، فنزلت هذه الآية، ويقال إن السبب أن اليهود قالت: إن الله تعالى ~~أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، ms0161 قاله ابن عباس ~~وقتادة، وقالت طائفة: قالت اليهود إن في التوراة أن طول جهنم مسيرة أربعين ~~سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم، وقال ابن عباس ~~أيضا ومجاهد وابن جريج: إنهم قالوا إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإن الله ~~تعالى يعذبهم بكل ألف سنة يوما. # وأتخذتم أصله «ايتخذتم» ، وزنه افتعلتم من الأخذ، سهلت الهمزة الثانية ~~لامتناع جمع همزتين فجاء «ايتخذتم» فاضطربت الياء في التصريف فجاءت ألفا في ~~ياتخذوا وواوا في «موتخذ» فبدلت بحرف جلد ثابت وهو التاء وأدغمت، فلما دخلت ~~في هذه الآية ألف التقرير استغني عن ألف الوصل، ومذهب أبي علي أن أتخذتم من ~~«تخذ» لا من «أخذ» وقد تقدم ذكر ذلك. # وقال أهل التفسير: العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، ~~وقال ابن عباس وغيره: معناه هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون ~~بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار؟، فعلى هذا التأويل الأول يجيء المعنى: ~~هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون؟ وعلى التأويل الثاني يجيء: هل أسلفتم ~~عند الله أعمالا توجب ما تدعون؟، وقوله فلن يخلف الله عهده اعتراض أثناء ~~الكلام. # وبلى رد بعد النفي بمنزلة نعم بعد الإيجاب، وقال الكوفيون: أصلها بل التي ~~هل للإضراب عن الأول وزيدت عليها الياء ليحسن الوقف عليها وضمنت الياء معنى ~~الإيجاب والإنعام بما يأتي بعدها، وقال سيبويه: هي حرف مثل بل وغيره، وهي ~~في هذه الآية رد لقول بني إسرائيل لن تمسنا النار فرد الله عليهم وبين ~~الخلود في النار والجنة بحسب الكفر والإيمان، ومن شرط في موضع رفع ~~بالابتداء، و «أولئك» ابتداء ثان، وأصحاب خبره، والجملة خبر الأول، والفاء ~~موطئة أن تكون الجملة جواب الشرط. # وقالت طائفة: السيئة الشرك كقوله تعالى ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في ~~النار [النمل: 90] ، والخطيئات كبائر الذنوب، وقال قوم: «خطيئته» بالإفراد، ~~وقال قوم: السيئة هنا الكبائر، وأفردها وهي بمعنى الجمع لما كانت تدل على ~~الجنس، كقوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] ، ~~والخطيئة ms0162 الكفر، ولفظة الإحاطة تقوي هذا القول وهي مأخوذة من الحائط المحدق ~~بالشيء، وقال الربيع بن خيثم والأعمش والسدي وغيرهم: معنى الآية مات بذنوب ~~لم يتب منها، وقال الربيع أيضا: المعنى مات على كفره، وقال الحسن بن أبي ~~الحسن والسدي: المعنى كل ما توعد الله عليه بالنار فهي الخطيئة المحيطة، ~~والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى ~~الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك ~~بالخلد. # وقوله تعالى: والذين آمنوا الآية. يدل هذا التقسيم على أن قوله من كسب ~~سيئة الآية في الكفار لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضا قوله: أحاطت لأن ~~العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته، ويدل على ذلك أيضا أن الرد كان على كفار ~~ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة فهم المراد بالخلود، والله أعلم. # قوله عز وجل: # وإذ أخذنا ميثق بنى إسراءيل لا تعبدون إلا الله وبالولدين إحسانا وذى ~~القربى واليتامى PageV01P171 ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 83 الى 84] # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) # المعنى: «واذكروا إذ أخذنا» ، وقال مكي رحمه الله: «هذا هو الميثاق الذي ~~أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر» ، وهذا ضعيف، وإنما هو ميثاق أخذ ~~عليهم وهم عقلاء في حياتهم على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم ~~عليهم السلام، وأخذ الميثاق قول، فالمعنى قلنا لهم لا تعبدون، وقرأ ابن ~~كثير وحمزة والكسائي «لا يعبدون» بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بالتاء من ~~فوق، حكاية ما قيل لهم، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود «لا تعبدوا» على النهي. ~~قال سيبوية: لا تعبدون متعلق لقسم، والمعنى وإذ استخلفناكم والله لا ~~تعبدون، وقالت طائفة: تقدير الكلام بأن لا تعبدوا إلا الله، ثم حذفت الباء ~~ثم حذفت أن ms0163 فارتفع الفعل لزوالها، ف لا تعبدون على هذا معمول لحرف النصب، ~~وحكي عن قطرب أن لا تعبدون إلا الله في موضع الحال أي أخذنا ميثاقهم ~~موحدين، وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير، ونظام الآية يدفعه مع كل ~~قراءة، وقال قوم لا تعبدون إلا الله نهي في صيغة خبر، ويدل على ذلك أن في ~~قراءة أبي لا تعبدوا. # والباء في قوله وبالوالدين قيل هي متعلقة بالميثاق عطفا على الباء ~~المقدرة أولا على قول من قال التقدير بأن لا تعبدوا، وقيل: تتعلق بقوله ~~وإحسانا والتقدير قلنا لهم لا تعبدون إلا الله، وأحسنوا إحسانا بالوالدين ~~ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له، وقيل تتعلق ~~الباء بأحسنوا المقدر والمعنى وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا قول حسن، ~~وقدم اللفظ بالوالدين تهمما فهو نحو قوله تعالى إياك نعبد [الفاتحة: 5] وفي ~~الإحسان تدخل أنواع بر الوالدين كلها، وذي القربى عطف على الوالدين، ~~والقربى بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، وهذا يتضمن الأمر بصلة ~~الرحم، واليتامى: جمع يتيم كنديم وندامى، واليتم في بني آدم فقد الأب، وفي ~~البهائم فقد الأم، وقال عليه السلام: «لا يتم بعد بلوغ» ، وحكى الماوردي أن ~~اليتيم في بني آدم في فقد الأم، وهذا يتضمن الرأفة باليتامى وحيطة أموالهم، ~~والمساكين: جمع مسكين وهو الذي لا شيء له، لأنه مشتق من السكون وقد قيل: إن ~~المسكين هو الذي له بلغة من العيش، وهو على هذا مشتق من السكن، وهذا يتضمن ~~الحض على الصدقة والمواساة وتفقد أحوال المساكين. # وقوله تعالى: وقولوا للناس حسنا، أمر عطف على ما تضمنه لا تعبدون إلا ~~الله وما بعده من معنى الأمر والنهي، أو على أحسنوا المقدر في قوله ~~وبالوالدين، وقرأ حمزة والكسائي «حسنا» بفتح الحاء والسين، قال الأخفش: هما ~~بمعنى واحد كالبخل والبخل، قال الزجاج وغيره: بل المعنى في القراءتين ~~وقولوا قولا حسنا بفتح السين أو قولا ذا «حسن» بضم الحاء، وقرأ قوم «حسنى» ~~مثل فعلى، ورده سيبويه لأن أفعل وفعلى لا تجيء إلا معرفة ms0164 إلا أن يزال عنها ~~معنى التفضيل وتبقى مصدرا كالعقبى، فذلك جائز، وهو PageV01P172 # وجه القراءة بها، وقرأ عيسى بن عمر وعطاء بن أبي رباح «حسنا» بضم الحاء ~~والسين، وقال ابن عباس: # معنى الكلام قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها، وقال ابن جريج: قولوا ~~لهم حسنا في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ~~سفيان الثوري: معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال أبو العالية: ~~معناه قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، ~~وهذا حض على مكارم الأخلاق، وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله تعالى وقولوا ~~للناس حسنا: # منسوخ بآية السيف. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على أن هذه الأمة خوطبت ~~بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به ~~فلا نسخ فيه، وقد تقدم القول في إقامة الصلاة، وزكاتهم هي التي كانوا ~~يضعونها وتنزل النار على ما تقبل ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ~~«الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص» . # وقوله تعالى ثم توليتم الآية خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم أسند ~~إليهم تولي أسلافهم، إذ هم كلهم بتلك السبيل، قال نحوه ابن عباس وغيره، وثم ~~مبنية على الفتح ولم تجر مجرى رد وشد لأنها لا تتصرف، وضمت التاء الأخيرة ~~من توليتم لأن تاء المفرد أخذت الفتح وتاء المؤنث أخذت الكسر فلم يبق ~~للتثنية والجمع إلا الضم، وقليلا نصب على الاستثناء قال سيبويه: المستثنى ~~منصوب على التشبيه بالمفعول به، قال المبرد: هو مفعول حقيقة لأن تقديره ~~استثنيت كذا، والمراد بالقليل جميع مؤمنيهم قديما من أسلافهم وحديثا كابن ~~سلام وغيره، والقلة على هذه هي في عدد الأشخاص، ويحتمل أن تكون القلة في ~~الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان ~~قليل، إذ لا ms0165 ينفعهم، والأول أقوى، وقرأ قوم «إلا قليل» برفع القليل، ورويت ~~عن أبي عمرو، وهذا على بدل قليل من الضمير في توليتم، وجاز ذلك مع أن ~~الكلام لم يتقدم فيه نفي لأن توليتم معناه النفي كأنه قال ثم لم تفوا ~~بالميثاق إلا قليل، والسفك صب الدم وسرد الكلام، وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب ~~بن أبي حمزة «لا تسفكون» بضم الفاء، وقرأ أبو نهيك «تسفكون» بضم التاء وكسر ~~الفاء وتضعيفها، وإعراب لا تسفكون كما تقدم في لا تعبدون، ودماءكم جمع دم، ~~وهو اسم منقوص أصله دمي، وتثنيته دميان، وقيل أصله دمي بسكون الميم، وحركت ~~في التثنية لتدل الحركة على التغيير الذي في الواحد. # وقوله تعالى ولا تخرجون أنفسكم من دياركم معناه ولا ينفي بعضكم بعضا ~~بالفتنة والبغي، ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحدا وكانوا في الأمم ~~كالشخص الواحد، جعل قتل بعضهم لبعض ونفي بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا ~~لها، وكذلك حكم كل جماعة تخاطب بهذا اللف في القول، وقيل لا تسفكون دماءكم ~~أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دم نفسه لما سبب ذلك ولا يفسد في ~~الأرض فينفى فيكون قد أخرج نفسه من دياره، وهذا تأويل فيه تكلف، وإنما كان ~~الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا أن لا يقتل ~~بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسترق إلى غير ذلك من الطاعات. PageV01P173 # وقوله تعالى ثم أقررتم أي خلفا بعد سلف أن هذا الميثاق أخذ عليكم ~~والتزمتموه فيتجه في هذه اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد ~~وتتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله، أي ~~أقررتم هذا الميثاق ملتزما. # وقوله وأنتم تشهدون قيل الخطاب يراد به من سلف منهم والمعنى وأنتم شهود ~~أي حضور أخذ الميثاق والإقرار، وقيل إن المراد من كان في مدة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، والمعنى وأنتم شهداء أي بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم ~~فمن بعدهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة ms0166 (2) : آية 85] # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) # هؤلاء دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى الأسلاف، قيل: ~~تقدير الكلام يا هؤلاء، فحذف حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبويه مع ~~المبهمات، لا تقول هذا أقبل، وقيل تقديره أعني هؤلاء، وقيل هؤلاء بمعنى ~~الذين، فالتقدير ثم أنتم الذين تقتلون، ف تقتلون صلة لهؤلاء، ونحوه قال ~~يزيد بن مفرغ الحميري. # عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق # وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن بن أحمد شيخنا رضي الله عنه: هؤلاء رفع ~~بالابتداء وأنتم خبر مقدم، وتقتلون حال، بها تم المعنى، وهي كانت المقصود ~~فهي غير مستغنى عنها، وإنما جاءت بعد أن تم الكلام في المسند والمسند إليه، ~~كما تقول هذا زيد منطلقا، وأنت قد قصدت الإخبار بانطلاقه لا الإخبار بأن ~~هذا هو زيد. # وهذه الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع، وذلك أن النضير وقريظة ~~حالفت الأوس، وبني قينقاع حالفت الخزرج، فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني ~~قيلة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها فقتل بعضهم بعضا وأخرج بعضهم ~~بعضا من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة ~~وهم قد خالفوها بالقتال والإخراج، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «تقتلون» بضم ~~التاء الأولى وكسر الثانية وشدها على المبالغة، والديار مباني الإقامة، ~~وقال الخليل: محلة القوم دارهم، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي «تظاهرون» بتخفيف ~~الظاء وهذا على حذف التاء الثانية من تتظاهرون، وقرأ بقية السبعة «تظاهرون» ~~بشد الظاء على إدغام التاء في الظاء، وقرأ أبو حيوة «تظهرون» بضم التاء ~~وكسر الهاء، وقرأ مجاهد وقتادة «تظهرون» بفتح التاء وشد الظاء والهاء ~~مفتوحة دون ألف، ورويت هذه عن أبي PageV01P174 # عمرو، ومعنى ذلك على كل قراءة تتعاونون، ms0167 وهو مأخوذ من الظهر، كأن ~~المتظاهرين يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه، والإثم العهد الراتبة على ~~العبد من المعاصي، والمعنى بمكتسبات الإثم، والعدوان تجاوز الحدود والظلم، ~~وحسن لفظ الإتيان من حيث هو في مقابلة الإخراج فيظهر التضاد المقبح لفعلهم ~~في الإخراج، وقرأ حمزة «أسرى تفدوهم» ، وقرأ نافع وعاصم والكسائي «أسارى ~~تفادوهم» ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير «أسارى تفدوهم» ، وقرأ قوم ~~«أسرى تفادوهم» . وأسارى جمع أسير، والأسير مأخوذ من الأسر وهو الشد، سمي ~~بذلك لأنه يؤسر أي يشد وثاقا، ثم كثر استعماله حتى لزم وإن لم يكن ثم ربط ~~ولا شد، وأسير فعيل بمعنى مفعول، ولا يجمع بواو ونون وإنما يكسر على أسرى ~~وأسارى، والأقيس فيه أسرى، لأن فعيلا بمعنى مفعول الأصل فيه أن يجمع على ~~فعلى، كقتلى وجرحى، والأصل في فعلان أن يجمع على «فعالى» بفتح الفاء و ~~«فعالى» بضمها كسكران وكسلان وسكارى وكسالى، قال سيبويه: # فقالوا في جمع كسلان كسلى، شبهوه بأسرى كما قالوا أسارى شبهوه بكسالى، ~~ووجه الشبه أن الأسر يدخل على المرء مكرها كما يدخل الكسل، وفعالى إنما ~~يجيء فيما كان آفة تدخل على المرء. # وتفادوهم معناه في اللغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئا، قاله أبو ~~علي، قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت ~~شيئا، فعلى هذا قد تجيء بمعنى فديت أي دفعت فيه من مال نفسي، ومنه قول ~~العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلا، ~~وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر، تقول: فديت زيدا ~~بمال وفاديته بمال، وقال قوم: هي في قراءة تفادوهم مفاعلة في أسرى بأسرى، ~~قال أبو علي: كل واحد من الفريقين فعل، الأسر دفع الأسير، والمأسور منه دفع ~~أيضا إما أسيرا وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف. # وقوله تعالى: وهو محرم قيل في هو إنه ضمير الأمر، تقديره والأمر محرم ~~عليكم، وإخراجهم في هذا القول بدل من هو، وقيل هو فاصلة، وهذا مذهب ~~الكوفيين، وليست هنا ms0168 بالتي هي عماد، ومحرم على هذا ابتداء، وإخراجهم خبره، ~~وقيل هو الضمير المقدر في محرم قدم وأظهر، وقيل هو ضمير الإخراج تقديره ~~وإخراجهم محرم عليكم. # وقوله تعالى: أفتؤمنون ببعض الكتاب يعني التوراة، والذي آمنوا به فداء ~~الأسارى، والذي كفروا به قتل بعضهم بعضا وإخراجهم من ديارهم، وهذا توبيخ ~~لهم، وبيان لقبح فعلهم. # وروي أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من ~~النساء من لم تقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه، فقال له ابن سلام: أما ~~إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن. # ثم توعدهم عز وجل. والخزي: الفضيحة والعقوبة، يقال: خزي الرجل يخزى خزيا ~~إذا ذل من الفضيحة، وخزي يخزى خزاية إذا ذل واستحيا. واختلف ما المراد ~~بالخزي هاهنا فقيل: القصاص فيمن قتل، وقيل ضرب الجزية عليهم غابر الدهر، ~~وقيل قتل قريظة، وإجلاء النضير، وقيل: الخزي الذي توعد به الأمة وهو غلبة ~~العدو. والدنيا مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيها واو ولكن أبدلت فرقا ~~بين الأسماء والصفات. وأشد العذاب الخلود في جهنم، وقرأ الحسن وابن هرمز ~~«تردون» بتاء. PageV01P175 # وقوله تعالى: وما الله بغافل الآية، قرأ نافع وابن كثير «يعملون» بياء ~~على ذكر الغائب فالخطاب بالآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآية واعظة ~~لهم بالمعنى إذ الله تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص، وقرأ الباقون بتاء على ~~الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن بني ~~إسرائيل قد مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد، يريد: وبما يجري ~~مجراه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 86 الى 88] # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86) ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا ms0169 قلوبنا غلف بل لعنهم الله ~~بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) # جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من ~~أخذها ثم باعها بالدنيا. # وهذه النزعة صرفها مالك رحمه الله في فقه البيوع، إذ لا يجوز الشراء على ~~أن يختار المشتري في كل ما تختلف صفة آحاده، ولا يجوز فيه التفاضل كالحجل ~~المذبوحة وغيرها، ولا يخفف عنهم العذاب في الآخرة، ولا ينصرون لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة، والكتاب التوراة، ونصبه على المفعول الثاني ل آتينا، وقفينا ~~مأخوذ من القفا، تقول قفيت فلانا بفلان إذا جئت به من قبل قفاه، ومنه قفا ~~يقفو إذا اتبع. وهذه الآية مثل قوله تعالى: ثم أرسلنا رسلنا تترا ~~[المؤمنون: 144] ، وكل رسول جاء بعد موسى عليه السلام فإنما جاء بإثبات ~~التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر ~~«بالرسل» ساكنة السين، ووافقهما أبو عمرو إذا انضاف ذلك إلى ضمير نحو رسلنا ~~ورسلهم، والبينات الحجج التي أعطاها الله عيسى، وقيل هي آياته من إحياء ~~وإبراء وخلق طير، وقيل هي الإنجيل، والآية تعم جميع ذلك، وأيدناه معناه ~~قويناه، والأيد القوة، وقرأ ابن محيصن والأعرج وحميد «آيدناه» . وقرأ ابن ~~كثير ومجاهد «روح القدس» بسكون الدال. وقرأ الجمهور بضم القاف والدال، وفيه ~~لغة فتحهما، وقرأ أبو حيوة «بروح القدس» بواو، وقال ابن عباس رضي الله عنه: # «روح القدس هو الاسم الذي به كان يحيي الموتى» ، وقال ابن زيد: «هو ~~الإنجيل كما سمى الله تعالى القرآن روحا» ، وقال السدي والضحاك والربيع ~~وقتادة: «روح القدس جبريل صلى الله عليه وسلم» ، وهذا أصح الأقوال. وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «اهج قريشا وروح القدس معك» ، ~~ومرة قال له «وجبريل معك» ، وقال الربيع ومجاهد: القدس اسم من أسماء الله ~~تعالى كالقدوس، والإضافة على هذا إضافة الملك إلى المالك، وتوجهت لما كان ~~جبريل عليه السلام من عباد الله تعالى، وقيل القدس الطهارة، وقيل القدس ~~البركة. # وكلما ظرف، والعامل فيه استكبرتم، وظاهر الكلام الاستفهام، ومعناه ms0170 ~~التوبيخ والتقرير، ويتضمن أيضا الخبر عنهم، والمراد بهذه الآية بنو ~~إسرائيل. PageV01P176 # ويروى أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي ثم تقوم سوقهم ~~آخر النهار، وروي سبعين نبيا ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار، وفي تهوى ضمير ~~من صلة ما لطول اللفظ، والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق، وهذه الآية من ~~ذلك، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر ~~رضي الله عنه في قصة أسرى بدر: «فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ~~أبو بكر ولم يهو ما قلت» ، واستكبرتم من الكبر، وفريقا مفعول مقدم. # وقرأ جمهور القراء «غلف» بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل «حمر» و ~~«صفر» ، والمعنى قلوبنا عليها غلف وغشاوات فهي لا تفقه، قاله ابن عباس، ~~وقال قتادة: «المعنى عليها طابع» ، وقالت طائفة: # غلف بسكون اللام جمع غلاف، أصله غلف بتثقيل اللام فخفف. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قلما يستعمل إلا في الشعر. وقرأ ~~الأعمش والأعرج وابن محيصن «غلف» بتثقيل اللام جمع غلاف، ورويت عن أبي ~~عمرو، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف بزعمهم، فهي لا تحتاج إلى علم محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه ~~وسلم؟، فرد الله تعالى عليهم بقوله: بل لعنهم الله بكفرهم، وبل في هذه ~~الآية نقض للأول، وإضراب عنه، ثم بين تعالى أن السبب في نفورهم عن الإيمان ~~إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنب ~~فالذنب أعظم منه، واللعن الإبعاد والطرد، وقليلا نعت لمصدر محذوف تقديره ~~فإيمانا قليلا ما يؤمنون، والضمير في يؤمنون لحاضري محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ويتجه قلة هذا الإيمان: إما لأن من آمن بمحمد منهم قليل فيقل لقلة ~~الرجال، قال هذا المعنى قتادة، وإما لأن وقت إيمانهم عند ما كانوا يستفتحون ~~به قبل مبعثه قليل، إذ قد كفروا بعد ذلك، وإما لأنهم لم يبق لهم بعد كفرهم ~~غير التوحيد على غير وجهه، ms0171 إذ هم مجسمون فقد قللوه بجحدهم الرسل وتكذيبهم ~~التوراة، فإنما يقل من حيث لا ينفعهم كذلك، وعلى هذا التأويل يجيء التقدير ~~فإيمانا قليلا، وعلى الذي قبله فوقتا قليلا، وعلى الذي قبله فعددا من ~~الرجال قليلا، وما في قوله: فقليلا ما يؤمنون زائدة مؤكدة، و «قليلا» نصب ب ~~يؤمنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 91] # ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) ~~بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) وإذا قيل ~~لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو ~~الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) # الكتاب القرآن، ومصدق لما معهم يعني التوراة، وروي أن في مصحف أبي بن كعب ~~«مصدقا» بالنصب. PageV01P177 # ويستفتحون معناه أن بني إسرائيل كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد علموا خروجه بما عندهم من صفته وذكر وقته، وظنوا أنه منهم، فكانوا إذا ~~حاربوا الأوس والخزرج فغلبتهم العرب قالوا لهم: # لو قد خرج النبي الذي قد أظل وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا عليكم به ~~ويستفتحون معناه يستنصرون، وفي الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستفتح بصعاليك المهاجرين» ، وروي أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ~~ذلك الوقت كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبي المنتظر كانت ~~نقلتهم إلى الحجاز وسكناهم به، فإنهم كانوا علموا صقع المبعث، وما عرفوا ~~أنه محمد عليه السلام وشرعه، ويظهر من هذه الآيات العناد منهم، وأن كفرهم ~~كان مع معرفة ومعاندة، «ولعنة الله» : معناه إبعاده لهم وخزيهم لذلك. # واختلفت النحاة في جواب لما ولما الثانية في هذه الآية. فقال أبو العباس ~~المبرد: جوابهما في قوله: كفروا، وأعيدت لما الثانية لطول الكلام، ويفيد ~~ذلك تقريرا ms0172 للذنب، وتأكيدا له، وقال الزجاج: # لما الأولى لا جواب لها للاستغناء عن ذلك بدلالة الظاهر من الكلام عليه؟ # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فكأنه محذوف، وقال الفراء: ~~جواب لما الأولى في الفاء وما بعدها، وجواب لما الثانية كفروا. # «وبيس» أصله «بئس» سهلت الهمزة ونقلت إلى الباء حركتها، ويقال في «بئس» ~~«بيس» اتباعا للكسرة، وهي مستوفية للذم كما نعم مستوفية للمدح، واختلف ~~النحويون في بئسما في هذا الموضع، فمذهب سيبوية أن «ما» فاعلة ببئس، ودخلت ~~عليها بيس كما تدخل على أسماء الأجناس والنكرات لما أشبهتها «ما» في ~~الإبهام، فالتقدير على هذا القول: بيس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ~~كقولك: # بيس الرجل زيد، و «ما» في هذا القول موصولة، وقال الأخفش: «ما» في موضع ~~نصب على التمييز كقولك «بيس رجلا زيد» ، فالتقدير «بيس شيئا أن يكفروا» ، ~~واشتروا به أنفسهم في هذا القول صفة «ما» ، وقال الفراء «بئسما بجملته شيء ~~واحد ركب كحبذا» ، وفي هذا القول اعتراض لأنه فعل يبقى بلا فاعل، و «ما» ~~إنما تكف أبدا حروفا، وقال الكسائي: «ما» ، واشتروا بمنزلة اسم واحد قائم ~~بنفسه، فالتقدير بيس اشتراؤهم أنفسهم أن يكفروا، وهذا أيضا معترض لأن «بيس» ~~لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير، وقال الكسائي أيضا: إن ~~«ما» في موضع نصب على التفسير وثم «ما» أخرى مضمرة، فالتقدير بيس شيئا ما ~~اشتروا به أنفسهم، وأن يكفروا في هذا القول بدل من «ما» المضمرة، ويصح في ~~بعض الأقوال المتقدمة أن يكون أن يكفروا في موضع خفض بدلا من الضمير في به، ~~وأما في القولين الأولين ف أن يكفروا ابتداء وخبره فيما قبله، واشتروا ~~بمعنى باعوا، يقال: شرى واشترى بمعنى باع، وبمعنى ابتاع، وبما أنزل الله ~~يعني به القرآن، ويحتمل أن يراد به التوراة لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد ~~عليهما السلام فقد كفروا بالتوراة، ويحتمل أن يراد به الجميع من توراة ~~وإنجيل وقرآن، لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر بالكل، وبغيا مفعول من أجله، ~~وقيل نصب على ms0173 المصدر، وأن ينزل نصب على المفعول من أجله أو في موضع خفض ~~بتقدير بأن ينزل. PageV01P178 # وقرأ أبو عمرو وابن كثير «أن ينزل» بالتخفيف في النون والزاي، ومن فضله ~~يعني من النبوة والرسالة. ومن يشاء يعني به محمدا صلى الله عليه وسلم لأنهم ~~حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب. # ويدخل في المعنى عيسى عليه السلام لأنهم قد كفروا به بغيا، والله قد تفضل ~~عليه، و «باؤوا» معناه: مضوا متحملين لما يذكر أنهم باؤوا به، وبغضب معناه ~~من الله تعالى لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم على غضب متقدم من الله ~~تعالى عليهم، قيل لعبادتهم العجل، وقيل لقولهم عزير ابن الله، وقيل لكفرهم ~~بعيسى عليه السلام. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فالمعنى على غضب قد باء به أسلافهم حظ ~~هؤلاء منه وافر بسبب رضاهم بتلك الأفعال وتصويبهم لها. # وقال قوم: المراد بقوله بغضب على غضب التأكيد وتشديد الحال عليهم لا أنه ~~أراد غضبين معللين بقصتين، ومهين مأخوذ من الهوان وهو ما اقتضى الخلود في ~~النار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين إنما عذابه كعذاب الذي يقام عليه ~~الحد لا هوان فيه بل هو تطهير له. # وقوله تعالى: وإذا قيل لهم يعني: اليهود أنهم إذا قيل لهم: آمنوا بالقرآن ~~الذي أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~يعنون التوراة وما وراءه. قال قتادة: أي ما بعده، وقال الفراء: أي ما سواه ~~ويعني به القرآن، وإذا تكلم رجل أو فعل فعلا فأجاد يقال له ما وراء ما أتيت ~~به شيء، أي ليس يأتي بعده. ووصف الله تعالى القرآن بأنه الحق، ومصدقا حال ~~مؤكدة عند سيبويه، وهي غير منتقلة، وقد تقدم معناها في الكلام ولم يبق لها ~~هي إلا معنى التأكيد، وأنشد سيبويه على الحال المؤكدة. [البسيط] : # أنا ابن دارة معروفا بها حسبي ... وهل لدارة يا للناس من عار # ولما معهم يريد به التوراة. # وقوله تعالى: قل فلم تقتلون الآية رد من الله تعالى عليهم ms0174 في أنهم آمنوا ~~بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم في ذلك، واحتجاج عليهم. ولا يجوز الوقف على ~~فلم لنقصان الحرف الواحد إلا أن البزي وقف عليه بالهاء، وسائر القراء بسكون ~~الميم. وخاطب الله من حضر محمدا صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل بأنهم ~~قتلوا الأنبياء لما كان ذلك من فعل أسلافهم. وجاء تقتلون بلفظ الاستقبال ~~وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله من قبل وإذا لم يشكل فجائز سوق ~~الماضي بمعنى المستقبل وسوق المستقبل بمعنى الماضي. قال الحطيئة [الكامل ~~أخذ مضمر] . # شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر # وفائدة سوق الماضي في موضع المستقبل، الإشارة إلى أنه في الثبوت كالماضي ~~الذي قد وقع. # وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر. ألا ترى أن ~~حاضري محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من ~~قتل الأنبياء جزء، وإن كنتم شرط والجواب متقدم، وقالت فرقة: إن نافية بمعنى ~~ما. PageV01P179 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 92 الى 95] # ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا ~~سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم ~~إن كنتم مؤمنين (93) قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظالمين (95) # البينات التوراة والعصا وفرق البحر وغير ذلك من آيات موسى عليه السلام ~~وقوله تعالى: ثم اتخذتم تدل ثم على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في ~~الآيات، وذلك أعظم في دينهم «1» ، وقد تقدمت قصة اتخاذهم العجل، والضمير في ~~قوله من بعده عائد على موسى عليه السلام، أي من بعده حين غاب عنكم في ~~المناجاة، ويحتمل أن يعود الضمير في بعده على المجيء. وهذه الآية رد عليهم ~~في أن من آمن بما نزل عليه لا يتخذ العجل، وقد تقدم ذكر ms0175 أخذ الميثاق ورفع ~~الطور. # وقوله تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة يعني التوراة والشرع، وبقوة أي بعزم ~~ونشاط وجد. # واسمعوا معناه هنا: وأطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط. # وقالت طائفة من المفسرين: إنهم قالوا سمعنا وعصينا. ونطقوا بهذه الألفاظ ~~مبالغة في التعنت والمعصية. وقالت طائفة: ذلك مجاز ولم ينطقوا ب سمعنا ~~وعصينا، ولكن فعلهم اقتضاه، كما قال الشاعر [الرجز] : # امتلأ الحوض وقال قطني وهذا أيضا احتجاج عليهم في كذب قولهم نؤمن بما ~~أنزل علينا [البقرة: 91] ، وقوله تعالى: # وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم التقدير حب العجل، والمعنى جعلت قلوبهم ~~تشربه، وهذا تشبيه ومجاز، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم، وقال قوم: إن ~~معنى قوله وأشربوا في قلوبهم العجل شربهم الماء الذي ألقى فيه موسى برادة ~~العجل، وذلك أنه برده بالمبرد ورماه في الماء، وقيل لبني إسرائيل: # اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب ~~على شفتيه. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول يرده قوله تعالى: في قلوبهم، ~~وروي أن الذين تبين فيهم حب العجل أصابهم من ذلك الماء الجبن، وقوله تعالى ~~بكفرهم يحتمل أن تكون باء السبب، ويحتمل أن تكون بمعنى مع، وقوله تعالى: قل ~~بئسما الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم بأنه بئس هذه الأشياء ~~التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم الذي زعمتم في قولكم نؤمن بما أنزل علينا ~~[البقرة: 91] ، PageV01P180 # و «ما» في موضع رفع والتقدير: بئس الشيء قتل واتخاذ عجل وقول سمعنا ~~وعصينا، ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب، وإن كنتم مؤمنين شرط. وقد يأتي ~~الشرط والشارط يعلم أن الأمر على أحد الجهتين، كما قال الله تعالى عن عيسى ~~عليه السلام: إن كنت قلته فقد علمته [المائدة: 116] ، وقد علم عيسى عليه ~~السلام أنه لم يقله، وكذلك إن كنتم مؤمنين، والقائل يعلم أنهم غير مؤمنين، ~~لكنه إقامة حجة بقياس بين، وقال قوم إن هنا نافية بمنزلة «ما» كالتي تقدمت، ~~وقرأ الحسن ومسلم بن جندب: «يأمركم بهو إيمانكم» برفع الهاء. ms0176 # وقوله تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة الآية أمر لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم أن يوبخهم، والمعنى: # إن كان لكم نعيمها وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها ~~فتمنوا الموت، والدار اسم كانت، وخالصة خبرها، ويجوز أن يكون نصب خالصة على ~~الحال، وعند الله خبر كان، ومن دون الناس: يحتمل أن يراد ب الناس محمد صلى ~~الله عليه وسلم ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم التام وهو قول اليهود فيما ~~حفظ عنهم، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر الواو من «تمنوا» للالتقاء، وحكى ~~الأهوازي عن أبي عمرو أنه قرأ «تمنوا الموت» بفتح الواو، وحكي عن غيره ~~اختلاس الحركة في الرفع، وقراءة الجماعة بضم الواو. وهذه آية بينة أعطاها ~~الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قالت: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، وشبه ذلك من القول، فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت، وأن ~~يعلمهم أنه من تمناه منهم مات، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فعلم ~~اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه، فرقا من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكذبهم ~~في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وحرصا منهم على الحياة. # وقيل إن الله تعالى منعهم من التمني وقصرهم على الإمساك عنه، لتظهر الآية ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم. والمراد بقوله «تمنوا» أريدوه بقلوبكم واسألوه، ~~هذا قول جماعة من المفسرين، وقال ابن عباس: # المراد فيه السؤال فقط وإن لم يكن بالقلب، وقال أيضا هو وغيره: إنما ~~أمروا بالدعاء بالموت على أردأ الحزبين من المؤمنين أو منهم، وذكر المهدوي ~~وغيره أن هذه الآية كانت مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وارتفعت بموته. ~~والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمنى الموت إنما كانت أياما كثيرة عند ~~نزول الآية، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة، وقالت ~~فرقة: إن سبب هذا الدعاء إلى تمني الموت أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد ~~به هلاك الفريق المكذب أو قطع حجتهم، لا أن علته قولهم نحن أبناء الله. # ثم أخبر ms0177 تعالى عنهم بعجزهم وأنهم لا يتمنونه، وأبدا ظرف زمان وإذا كانت ~~«ما» بمعنى الذي فتحتاج إلى عائد تقديره قدمته، وإذا كانت مع قدمت بمثابة ~~المصدر غنيت عن الضمير، هذا قول سيبويه، والأخفش يرى الضمير في المصدرية، ~~وأضاف ذنوبهم واجترامهم إلى الأيدي وأسند تقديمها إليها إذ الأكثر من كسب ~~العبد الخير والشر إنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك. # وقوله تعالى: والله عليم بالظالمين ظاهرها الخبر ومضمنها الوعيد، لأن ~~الله عليم بالظالمين وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد. PageV01P181 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 96 الى 99] # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) قل من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى ~~وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن ~~الله عدو للكافرين (98) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا ~~الفاسقون (99) # «وجد» في هذا المعنى تتعدى إلى مفعولين لأنها من أفعال النفس، ولذلك صح ~~تعديها إلى ضمير المتكلم في قول الشاعر: # تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الضب: «إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني ~~أعافه» ، وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم وأن لا خير لهم عند الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: ومن الذين أشركوا قيل المعنى وأحرص من الذين أشركوا، لأن ~~مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، ألا ترى إلى قول امرئ القيس ~~[الطويل] : # تمتع من الدنيا فإنك فان # والضمير في أحدهم يعود في هذا القول على اليهود، وقيل إن الكلام تم في ~~قوله حياة، ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين أنهم يود أحدهم وهي ~~المجوس، لأن تشميتهم للعاطس لفظ بلغتهم معناه «عش ألف سنة» فكأن الكلام: ~~ومن المشركين قوم يود أحدهم، وفي هذا القول تشبيه بني إسرائيل بهذه الفرقة ~~من المشركين، وقصد «الألف» بالذكر لأنها نهاية العقد ms0178 في الحساب. # وقوله تعالى: وما هو بمزحزحه: اختلف النحاة في هو، فقيل هو ضمير الأحد ~~المتقدم الذكر، فالتقدير وما أحدهم بمزحزحه وخبر الابتداء في المجرور، وأن ~~يعمر فاعل بمزحزح، وقالت فرقة هو ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير ~~بمزحزحه والخبر في المجرور، وأن يعمر بدل من التعمير في هذا القول، وقالت ~~فرقة هو ضمير الأمر والشأن، وقد رد هذا القول بما حفظ عن النحاة من أن ~~الأمر والشأن إنما يفسر بجملة سالمة من حرف جر، وقد جوز أبو علي ذلك في بعض ~~مسائله الحلبيات، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد، وقيل ما عاملة ~~حجازية وهو اسمها والخبر في بمزحزحه، والزحزحة الإبعاد والتنحية. # وفي قوله والله بصير بما يعملون وعيد، والجمهور على قراءة «يعملون» ~~بالياء من أسفل، وقرأ قتادة والأعرج ويعقوب «تعملون» بالتاء من فوق، وهذا ~~على الرجوع إلى خطاب المتوعدين من بني إسرائيل. PageV01P182 # وقوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل الآية. نزل على سبب لم يتقدم له ذكر ~~فيما مضى من الآيات، ولكن أجمع أهل التفسير أن اليهود قالت: جبريل عدونا، ~~واختلف في كيفية ذلك، فقيل إن يهود فدك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~نسألك عن أربعة أشياء فإن عرفتها اتبعناك، فسألوه عما حرم إسرائيل على ~~نفسه، فقال: لحوم الإبل وألبانها، وسألوه عن الشبه في الولد، فقال: أي ماء ~~علا كان الشبه له، وسألوه عن نومه، فقال: تنام عيني ولا ينام قلبي، وسألوه ~~عمن يجيئه من الملائكة، فقال: جبريل، فلما ذكره قالوا ذاك عدونا، لأنه ملك ~~الحرب والشدائد والجدب، ولو كان الذي يجيئك ميكائيل ملك الرحمة والخصب ~~والأمطار لاتبعناك، وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتكرر على بيت ~~المدارس فاستحلفهم يوما بالذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتعلمون أن ~~محمدا نبي؟ قالوا نعم، قال: فلم تهلكون في تكذيبه، قالوا: صاحبه جبريل وهو ~~عدونا، وذكر أنهم قالوا سبب عداوتهم له أنه حمى بختنصر حين بعثوا إليه قبل ~~أن يملك من يقتله، فنزلت هذه الآية لقولهم. ms0179 # وفي جبريل لغات: «جبريل» بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، و ~~«جبريل» بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه ~~أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكال ~~فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك» ، وجبريل بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء ~~واللام وبها قرأ عاصم، و «جبرءيل» بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء وياء ~~بين الهمزة واللام، وبها قرأ حمزة والكسائي وحكاها الكسائي عن عاصم، ~~«وجبرائل» بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة، و «جبرائيل» بزيادة ياء ~~بعد الهمزة، و «جبراييل» بياءين وبها قرأ الأعمش، و «جبرئل» بفتح الجيم ~~والراء وهمزة ولام مشددة، وبها قرأ يحيى بن يعمر، و «جبرال» لغة فيه، و ~~«جبرين» بكسر الجيم والراء وياء ونون، قال الطبري: «هي لغة بني أسد» ولم ~~يقرأ بها، و «جبريل» اسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات، فبعضها هي ~~موجودة في أبنية العرب، وتلك أدخل في التعريب كجبريل الذي هو كقنديل، ~~وبعضها خارجة عن أبنية العرب فذلك كمثل ما عربته العرب ولم تدخله في بناء ~~كإبريسم وفرند وآجر ونحوه. # وذكر ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن «جبر» و «ميك» و «سراف» هي كلها ~~بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك، وإيل اسم الله تعالى، ويقال فيه إل، ومنه قول ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة: هذا كلام لم يخرج من إل. # وقوله تعالى: فإنه نزله على قلبك الضمير في فإنه عائد على الله عز وجل، ~~والضمير في نزله عائد على جبريل صلى الله عليه وسلم، والمعنى بالقرآن وسائر ~~الوحي، وقيل: الضمير في «إنه» عائد على جبريل وفي نزله على القرآن، وخص ~~القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف، وجاءت المخاطبة بالكاف ~~في قلبك اتساعا في العبارة إذ ليس ثم من يخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بهذه الكاف، وإنما يجيء قوله: فإنه نزله على قلبي، لكن حسن هذا إذ يحسن في ~~كلام ms0180 العرب أن تحرز اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول ويحسن أن تقصد المعنى ~~الذي يقوله فتسرده مخاطبة له، كما تقول لرجل: # قل لقومك لا يهينوك، فكذلك هي الآية، ونحو من هذا قول الفرزدق [الطويل] # ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ما ليا PageV01P183 # فأحرز المعنى ونكب عن نداء هنيدة «مالك» ، وبإذن الله معناه: بعلمه ~~وتمكينه إياه من هذه المنزلة، ومصدقا حال من ضمير القرآن في نزله و «ما بين ~~يديه» : ما تقدمه من كتب الله تعالى، هدى إرشاد، والبشرى: أكثر استعمالها ~~في الخير، ولا تجيء في الشر إلا مقيدة به، ومقصد هذه الآية: # تشريف جبريل صلى الله عليه وسلم وذم معاديه. # وقوله تعالى: من كان عدوا لله الآية وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام، ~~وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم، وعداوة العبد لله هي معصيته ~~واجتناب طاعته ومعاداة أوليائه، وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر ~~العداوة عليه، وذكر جبريل وميكائيل وقد كان ذكر الملائكة عمهما تشريفا ~~لهما، وقيل خصا لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا ~~تقول اليهود إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته، وقرأ نافع «ميكائل» بهمزة دون ~~ياء، وقرأ بها ابن كثير في بعض ما روي عنه، وقرأ ابن عامر وابن كثير أيضا ~~وحمزة والكسائي، «ميكائيل» بياء بعد الهمزة، وقرأ أبو عمرو وعاصم «ميكال» ، ~~ورويت عن ابن كثير منذ رآها في النوم كما ذكرنا، وقرأ ابن محيصن «ميكئل» ~~بهمزة دون ألف، وقرأ الأعمش «ميكاييل» بياءين، وظهر الاسم في قوله: فإن ~~الله لئلا يشكل عود الضمير، وجاءت العبارة بعموم الكافرين لأن عود الضمير ~~على من يشكل سواء أفردته أو جمعته، ولو لم نبال بالاشكال وقلنا المعنى يدل ~~السامع على المقصد للزم تعيين قوم بعداوة الله لهم، ويحتمل أن الله تعالى ~~قد علم أن بعضهم يؤمن فلا ينبغي أن تطلق عليه عداوة الله للمآل. # وروي أن رجلا من اليهود لقي عمر بن الخطاب فقال له: أرأيت جبريل الذي ~~يزعم صاحبك أنه يجيئه ذلك عدونا، فقال ms0181 له عمر رضي الله عنه: من كان عدوا ~~لله إلى آخر الآية، فنزلت على لسان عمر رضي الله عنه. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا الخبر يضعف من جهة معناه. # وقوله تعالى: ولقد أنزلنا إليك آيات بينات، ذكر الطبري أن ابن صوريا قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئت بآية بينة؟ فنزلت هذه الآية. ~~والفاسقون هنا الخارجون عن الإيمان، فهو فسق الكفر، والتقدير: ما يكفر بها ~~أحد إلا الفاسقون، لأن الإيجاب لا يأتي إلا بعد تمام جملة النفي. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 100 الى 102] # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما جاءهم ~~رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ~~وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما ~~له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) # قال سيبويه: الواو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، وقال الأخفش: هي ~~زائدة، وقال PageV01P184 # الكسائي: هي «أو» وفتحت تسهيلا، وقرأها قوم «أو» ساكنة الواو فتجيء بمعنى ~~بل، وكما يقول القائل: # لأضربنك فيقول المجيب: أو يكفي الله. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا كله متكلف، واو في هذا ~~المثل متمكنة في التقسيم، والصحيح قول سيبويه وقرىء «عهدوا عهدا» وقرأ ~~الحسن وأبو رجاء «عوهدوا» وعهدا مصدر، وقيل: مفعول بمعنى أعطوا عهدا، ~~والنبذ: الطرح والإلقاء، ومنه النبيذ والمنبوذ، والفريق اسم جمع لا واحد له ~~من لفظه، ويقع على اليسير والكثير من الجمع، ولذلك فسرت كثرة النابذين ~~بقوله: بل أكثرهم لما احتمل الفريق ms0182 أن يكون الأقل، ولا يؤمنون في هذا ~~التأويل حال من الضمير في أكثرهم، ويحتمل الضمير العود على الفريق، ويحتمل ~~العود على جميع بني إسرائيل وهو أذم لهم، والعهد الذي نبذوه هو ما أخذ ~~عليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود ~~«نقضه فريق» . # وقوله تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله، يعني به محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وما معهم هو التوراة، ومصدق نعت ل رسول، وقرأ ابن أبي عبلة «مصدقا» ~~بالنصب، ولما يجب بها الشيء لوجوب غيره، وهي ظرف زمان، وجوابها نبذ الذي ~~يجيء، والكتاب الذي أوتوه: التوراة، وكتاب الله مفعول ب نبذ، والمراد ~~القرآن، لأن التكذيب به نبذ، وقيل المراد التوراة، لأن مخالفتها والكفر بما ~~أخذ عليهم فيها نبذ، ووراء ظهورهم مثل لأن ما يجعل ظهريا فقد زال النظر ~~إليه جملة، والعرب تقول جعل هذا الأمر وراء ظهره ودبر أذنه، وقال الفرزدق: # تميم بن مر لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيى علي جوابها # وكأنهم لا يعلمون تشبيه بمن لا يعلم، إذ فعلوا فعل الجاهل، فيجيء من ~~اللفظ أنهم كفروا على علم. # وقوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين الآية، يعني اليهود، قال ابن زيد ~~والسدي: المراد من كان في عهد سليمان، وقال ابن عباس: المراد من كان في عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل الجميع، وتتلوا قال عطاء: معناه تقرأ من ~~التلاوة، وقال ابن عباس: تتلوا تتبع، كما تقول: جاء القوم يتلو بعضهم بعضا، ~~وتتلو بمعنى تلت، فالمستقبل وضع موضع الماضي، وقال الكوفيون: المعنى ما ~~كانت تتلو، وقرأ الحسن والضحاك: «الشياطون» بالواو. # وقوله: على ملك سليمان أي على عهد ملك سليمان، وقيل المعنى في ملك سليمان ~~بمعنى في قصصه وصفاته وأخباره، وقال الطبري: اتبعوا بمعنى فضلوا، وعلى ملك ~~سليمان أي على شرعه ونبوته وحاله، والذي تلته الشياطين: قيل إنهم كانوا ~~يلقون إلى الكهنة الكلمة من الحق معها المائة من الباطل حتى صار ذلك علمهم، ~~فجمعه سليمان ودفنه تحت كرسيه، فلما مات قالت ms0183 الشياطين: إن ذلك كان علم ~~سليمان، وقيل: بل كان الذي تلته الشياطين سحرا وتعليما فجمعه سليمان عليه ~~السلام كما تقدم، وقيل إن سليمان، عليه السلام كان يملي على كاتبه آصف بن ~~برخيا علمه ويختزنه، فلما مات أخرجته الجن وكتبت بين كل سطرين سطرا من سحر ~~ثم نسبت ذلك إلى سليمان، وقيل إن آصف تواطأ مع الشياطين على أن PageV01P185 # يكتبوا سحرا وينسبوه إلى سليمان بعد موته، وقيل إن الجن كتبت ذلك بعد موت ~~سليمان واختلقته ونسبته إليه، وقيل إن الجن والإنس حين زال ملك سليمان عنه ~~اتخذ بعضهم السحر والكهانة علما، فلما رجع سليمان إلى ملكه تتبع كتبهم في ~~الآفاق ودفنها، فلما مات قال شيطان لبني إسرائيل: هل أدلكم على كنز سليمان ~~الذي به سخرت له الجن والريح، هو هذا السحر، فاستخرجته بنو إسرائيل وانبث ~~فيهم، ونسبوا سليمان إلى السحر وكفروا في ذلك حتى برأه الله على لسان محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر سليمان ~~في الأنبياء قال بعض اليهود: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما ~~كان إلا ساحرا. # وقوله تعالى: وما كفر سليمان تبرئة من الله تعالى لسليمان، ولم يتقدم في ~~الآيات أن أحدا نسبه إلى الكفر، ولكنها آية نزلت في السبت المتقدم أن ~~اليهود نسبته إلى السحر، والسحر والعمل به كفر، ويقتل الساحر عند مالك رضي ~~الله عنه كفرا، ولا يستتاب كالزنديق، وقال الشافعي: يسأل عن سحره فإن كان ~~كفرا استتيب منه فإن تاب وإلا قتل، وقال مالك: فيمن يعقد الرجال عن النساء ~~يعاقب ولا يقتل، واختلف في ساحر أهل الذمة فقيل: يقتل، وقال مالك: لا يقتل ~~إلا إن قتل بسحره ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه بما لم يعاهد عليه، وقرأ ~~نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون من «لكن» ونصب الشياطين، وقرأ ~~حمزة والكسائي وابن عامر بتخفيف النون ورفع «الشياطين» ، قال بعض الكوفيين: ~~التشديد أحب إلي إذا دخلت عليها الواو لأن المخففة بمنزلة بل، ms0184 وبل لا تدخل ~~عليها الواو، وقال أبو علي: ليس دخول الواو عليها معنى يوجب التشديد، وهي ~~مثقلة ومخففة بمعنى واحد إلا أنها لا تعمل إذا خففت، وكفر الشياطين إما ~~بتعليمهم السحر، وإما بعلمهم به، وإما بتكفيرهم سليمان به، وكل ذلك كان، ~~والناس المعلمون أتباع الشياطين من بني إسرائيل، والسحر مفعول ثان ب ~~يعلمون، وموضع يعلمون نصب على الحال، أو رفع على خبر ثان. # وقوله تعالى: وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت: ما عطف على السحر ~~فهي مفعولة، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة ~~للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه، أو على قول مجاهد وغيره: إن الله ~~تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو ~~على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي ~~عنه. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف ~~يسير بمبادئه، وقيل إن ما عطف على ما في قوله: ما تتلوا، وقيل: ما نافية، ~~رد على قوله: وما كفر سليمان، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل ~~وميكائل بالسحر فنفى الله ذلك، وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى ~~«الملكين» بكسر اللام، وقال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول ~~أيضا ف ما نافية، وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ملكين، ف ما على هذا ~~القول غير نافية، وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال: هما هاروت وماروت، ~~فهذا كقول الحسن. # و «بابل» لا ينصرف للتأنيث والتعريف، وهي قطر من الأرض، واختلف أين هي؟ ~~فقال قوم: هي PageV01P186 # بالعراق وما والاه، وقال ابن مسعود لأهل الكوفة: أنتم بين الحيرة وبابل، ~~وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين، وقال قوم: هي بالمغرب. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف، وقال قوم: هي جبل دماوند، ~~وهاروت وماروت بدل من الملكين على قول من قال: هما ملكان، ومن قرأ «ملكين» ~~بكسر اللام وجعلهما داود وسليمان أو ms0185 جعل الملكين جبريل وميكائل، جعل هاروت ~~وماروت بدلا من الشياطين في قوله ولكن الشياطين كفروا، وقال هما شيطانان، ~~ويجيء يعلمون: إما على أن الاثنين جمع، وإما على تقدير أتباع لهذين ~~الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا علجين قال: هاروت وماروت بدل من ~~قوله الملكين، وقيل هما بدل من الناس في قوله يعلمون الناس، وقرأ الزهري ~~هاروت وماروت بالرفع، ووجهه البدل من الشياطين في قوله تتلوا الشياطين أو ~~من الشياطين الثاني على قراءة من خفف «لكن» ورفع، أو على خبر ابتداء مضمر ~~تقديره هما هاروت وماروت. # وروى من قال إنهما ملكان أن الملائكة مقتت حكام بني إسرائيل وزعمت أنها ~~لو كانت بمثابتهم من البعد عن الله لأطاعت حق الطاعة، فقال الله لهم: ~~اختاروا ملكين يحكمان بين الناس، فاختاروا هاروت وماروت، فكانا يحكمان، ~~فاختصمت إليهما امرأة ففتنا بها فراوداها، فأبت حتى يشربا الخمر ويقتلا، ~~ففعلا، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه، فتكلمت ~~به فعرجت، فمسخت كوكبا فهي الزهرة، وكان ابن عمر يلعنها. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله ضعيف وبعيد على ابن عمر رضي ~~الله عنهما، وروي أن الزهرة نزلت إليهما في صورة امرأة من فارس فجرى لهما ~~ما ذكر، فأطلع الله عز وجل الملائكة على ما كان من هاروت وماروت، فتعجبوا، ~~وبقيا في الأرض لأنهما خيرا بين عذاب الآخرة وعذاب الدنيا فاختارا عذاب ~~الدنيا، فهما في سرب من الأرض معلقين يصفقان بأجنحتهما، وروت طائفة أنهما ~~يعلمان السحر في موضعهما ذلك، وأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا له: ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا القصص يزيد في بعض الروايات وينقص ~~في بعض، ولا يقطع منه بشيء، فلذلك اختصرته. # ذكر ابن الأعرابي في الياقوتة أن يعلمان بمعنى يعلمان ويشعران كما قال ~~كعب بن زهير [الطويل] . # تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # وحمل هذه الآية على أن الملكين إنما نزلا يعلمان الناس بالسحر وينهيان ~~عنه، ms0186 وقال الجمهور: بل التعليم على عرفه، و «لا تكفر» قالت فرقة: بتعلم ~~السحر، وقالت فرقة: باستعماله، وحكى المهدوي أن قولهما: إنما نحن فتنة فلا ~~تكفر استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله، ومن في قوله من أحد ~~زائدة بعد النفي. PageV01P187 # وقوله تعالى: فيتعلمون: قال سيبويه: التقدير فهم يتعلمون، وقيل هو معطوف ~~على قوله يعلمون الناس، ومنعه الزجاج، وقيل: هو معطوف على موضع وما يعلمان ~~لأن قوله وما يعلمان وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الإيجاب في التعليم، ~~وقيل التقدير فيأتون فيتعلمون، واختاره الزجاج، والضمير في يعلمان هو ~~لهاروت وماروت الملكين أو الملكين العلجين على ما تقدم، والضمير في منهما ~~قيل: # هو عائد عليهما، وقيل: على السحر وعلى الذي أنزل على الملكين، ويفرقون ~~معناه فرقة العصمة، وقيل معناه: يؤخذون الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على ~~وطئها فهي أيضا فرقة. # وقرأ الحسن والزهري وقتادة «المرء» براء مكسورة خفيفة، وروي عن الزهري ~~تشديد الراء، وقرأ ابن أبي إسحاق «المرء» بضم الميم وهمزة وهي لغة هذيل، ~~وقرأ الأشهب العقيلي «المرء» بكسر الميم وهمزة، ورويت عن الحسن، وقرأ جمهور ~~الناس «المرء» بفتح الميم وهمزة، والزوج هنا امرأة الرجل، وكل واحد منهما ~~زوج الآخر، ويقال للمرأة زوجة قال الفرزدق. [الطويل] # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وقرأ الجمهور «بضارين به» ، وقرأ الأعمش «بضاري به من أحد» فقيل: حذفت ~~النون تخفيفا، وقيل: حذفت للإضافة إلى أحد وحيل بين المضاف والمضاف إليه ~~بالمجرور، وبإذن الله معناه بعلمه وتمكينه، ويضرهم معناه في الآخرة ولا ~~ينفعهم فيها أيضا، وإن نفع في الدنيا بالمكاسب فالمراعى إنما هو أمر ~~الآخرة، والضمير في علموا عائد على بني إسرائيل حسب الضمائر المتقدمة، ~~وقيل: على الشياطين، وقيل على الملكين وهما جمع، وقال اشتراه لأنهم كانوا ~~يعطون الأجرة على أن يعلموا، والخلاق النصيب والحظ، وهو هنا بمعنى الجاه ~~والقدر، واللام في قوله لمن المتقدمة للقسم المؤذنة بأن الكلام قسم لا شرط، ~~وتقدم القول في «بئسما» ، وشروا معناه باعوا، وقد تقدم ms0187 مثله، والضمير في ~~يعلمون عائد على بني إسرائيل باتفاق، ومن قال إن الضمير في علموا عائد ~~عليهم خرج هذا الثاني على المجاز، أي لما عملوا عمل من لا يعلم كانوا كأنهم ~~لا يعلمون، ومن قال إن الضمير في علموا عائد على الشياطين أو على الملكين ~~قال: إن أولئك علموا أن لا خلاق PageV01P188 # لمن اشتراه وهؤلاء لم يعلموا فهو على الحقيقة، وقال مكي: الضمير في علموا ~~لعلماء أهل الكتاب، وفي قوله لو كانوا يعلمون للمتعلمين منهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 103 الى 104] # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب ~~أليم (104) # وقوله تعالى: ولو أنهم آمنوا: موضع «أن» رفع، المعنى لو وقع إيمانهم، ~~ويعني الذين اشتروا السحر، ولو تقتضي جوابا، فقالت فرقة جوابها لمثوبة، ~~لأنها مصدر يقع للمضي والاستقبال، وجواب لولا يكون إلا ماضيا أو بمعناه، ~~وقال الأخفش: لا جواب ل لو في هذه الآية مظهرا ولكنه مقدر، أي لو آمنوا ~~لأثيبوا. # وقرأ قتادة وأبو السمال وابن بريدة «لمثوبة» بسكون الثاء وفتح الواو، وهو ~~مصدر أيضا كمشورة ومشورة، ومثوبة رفع بالابتداء وخير خبره والجملة خبر ان، ~~والمثوبة عند جمهور الناس بمعنى الثواب والأجر، وهذا هو الصحيح، وقال قوم: ~~معناه لرجعة إلى الله من ثاب يثوب إذا رجع، واللام فيها لام القسم لأن لام ~~الابتداء مستغنى عنها، وهذه لا غنى عنها، وقوله تعالى: لو كانوا يعلمون ~~يحتمل نفي العلم عنهم، ويحتمل أن يراد: لو كانوا يعلمون علما ينفع. # وقرأ جمهور الناس «راعنا» من المراعاة بمعنى فاعلنا أي أرعنا نرعك، وفي ~~هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده ~~وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين ~~عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل هو نهي ~~عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي صلى الله عليه ms0188 وسلم. وقالت طائفة: هي ~~لغة كانت الأنصار تقولها، فقالها رفاعة بن زيد بن التابوت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ليا بلسانه وطعنا كما كان يقول: اسمع غير مسمع، فنهى الله ~~المؤمنين أن تقال هذه اللفظة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ووقف هذه اللغة على الأنصار ~~تقصير، بل هي لغة لجميع العرب فاعل من المراعاة. فكانت اليهود تصرفها إلى ~~الرعونة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي ~~الجهل، وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد ~~كان مباحا وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعا متقررا. ~~وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن أبي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة «راعنا» ~~بالتنوين، وهذه من معنى الجهل، وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى ~~الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة لئلا يتطرق منه اليهود إلى ~~المحظور، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون «راعنا» دون تنوين، وفي مصحف ابن ~~مسعود «راعونا» ، وهي شاذة، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما تخاطب الجماعة، يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولا ~~من الرعونة. # وانظرنا مضمومة الألف والظاء معناها انتظرنا وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون ~~المعنى تفقدنا من النظر، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ~~على المعنيين، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا ~~هو معنى راعنا، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود، وقرأ الأعمش ~~وغيره «أنظرنا» بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ~~ونتلقى منك. # ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه ~~الطاعة، واعلم أن PageV01P189 # لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما، وهو المؤلم، واسمعوا معطوف على قولوا لا ~~على معمولها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 105 الى 106] # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من ms0189 يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ~~(106) # التقدير ولا من المشركين. وعم الذين كفروا ثم بين أجناسهم من اليهود ~~والنصارى وعبدة الأوثان ليبين في الألف واللام في الذين أنها ليست للعهد ~~يراد بها معين، ومعنى الآية أن ما أمرناكم به من أن تعظموا نبيكم خير من ~~الله منحكم إياه، وذلك لا يوده الكفار. ثم يتناول اللفظ كل خير غير هذا، ~~وأن مع الفعل بتأويل المصدر، ومن زائدة في قول بعضهم. ولما كان ود نزول ~~الخير منتفيا، قام ذلك مقام الجحد الذي يلزم أن يتقدم من الزائدة على قول ~~سيبويه والخليل. وأما الأخفش فيجيز زيادتها في الواجب، وقال قوم: من ~~للتبعيض لأنهم يريدون أن لا ينزل على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير، ولو ~~زال معنى التبعيض لساغ لقائل أن يقول: نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره ~~أن ينزل بعض، فإذا نفي ود نزول البعض فذلك أحرى في نزول خير كامل، والرحمة ~~في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا، ~~وقال قوم: الرحمة هي القرآن، وقال قوم: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه ~~أجزاء الرحمة العامة التي في لفظ الآية. # وقوله تعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها الآية، النسخ في كلام العرب على ~~وجهين: أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر، والثاني الإزالة، فأما الأول فلا ~~مدخل له في هذه الآية، وورد في كتاب الله تعالى في قوله تعالى: إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون [الجاثية: 29] ، وأما الثاني الذي هو الإزالة فهو ~~الذي في هذه الآية، وهو منقسم في اللغة على ضربين: أحدهما يثبت الناسخ بعد ~~المنسوخ كقولهم نسخت الشمس الظل، والآخر لا يثبت كقولهم «نسخت الريح الأثر» ~~، وورد النسخ في الشرع حسب هذين الضربين، والناسخ حقيقة هو الله تعالى، ~~ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا إذ به يقع النسخ، وحد الناسخ عند حذاق أهل ~~السنة: الخطاب الدال ms0190 على ارتفاع الحكم الثابت، بالخطاب المتقدم على وجه ~~لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. # والنسخ جائز على الله تعالى عقلا لأنه ليس يلزم عنه محال ولا تغيير صفة ~~من صفاته تعالى، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة ~~تغيرت، ولا النسخ لطرو علم، بل الله تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره ~~بالحكم الأول ويعلم نسخه بالثاني. والبداء لا يجوز على الله تعالى لأنه لا ~~يكون إلا لطرو علم أو لتغير إرادة، وذلك محال في جهة الله تعالى، وجعلت ~~اليهود النسخ والبداء واحدا، ولذلك لم يجوزوه فضلوا. # والمنسوخ عند أئمتنا: الحكم الثابت نفسه، لا ما ذهبت إليه المعتزلة، من ~~أنه مثل الحكم الثابت PageV01P190 # فيما يستقبل، والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحسن ~~صفة نفسية للحسن، ومراد الله تعالى حسن، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ~~ترتبط بالإرادة، وعلى أن الحسن والقبح في الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا ~~بصفة نفسية. # والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به، لأن المخصص لم يتناوله العموم ~~قط، ولو ثبت قطعا تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان ~~نسخا لا تخصيصا. والنسخ لا يجوز في الإخبار، وإنما هو مختص بالأوامر ~~والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبرا بأن قال: أليس معناه: # «واجب عليكم أن تفعلوا كذا» ؟ فهذا خبر، والجواب أن يقال: إن في ضمن ~~المعنى إلا أن أنسخه عنكم وأرفعه، فكما تضمن لفظ الأمر ذلك الإخبار كذلك ~~تضمن هذا الاستثناء. # وصور النسخ تختلف، فقد ينسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت ~~لاثنين، وقد ينسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة ~~برمضان، وقد ينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة، وقد ينسخ الشيء لا إلى ~~بدل كصدقة النجوى، والنسخ التام أن تنسخ التلاوة والحكم وذلك كثير، ومنه ~~قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر» ~~، وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم، وقد ينسخ الحكم ms0191 دون التلاوة ~~كصدقة النجوى، وكقوله تعالى: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ~~فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا [الممتحنة: 11] ، والتلاوة والحكم ~~حكمان، فجائز نسخ أحدهما دون الآخر. # وينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهذه العبارة يراد بها الخبر ~~المتواتر القطعي، وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد، وهذا كله متفق عليه، وحذاق ~~الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجود في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا وصية لوارث» ، وهو ظاهر مسائل مالك رحمه الله، وأبى ذلك الشافعي رحمه ~~الله، والحجة عليه من قوله إسقاطه الجلد في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم، ~~فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة. فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حذاق ~~الأئمة على أن السنة تنسخ بالقرآن، وذلك موجود في القبلة فإن الصلاة إلى ~~الشام لم تكن قط في كتاب الله، وفي قوله تعالى: فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~[الممتحنة: 10] ، فإن رجوعهن إنما كان يصلح النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقريش، والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا، واختلفوا هل وقع ~~شرعا، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء في التحول إلى ~~القبلة، وأبى ذلك قوم، ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس أن لا يخالف ~~نصا، وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته واستقرار ~~الشرع فأجمعت الأمة أنه لا نسخ. ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لأنه ~~إنما ينعقد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا ~~فنعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن. # وقال بعض المتكلمين: «النسخ الثابت متقرر في جهة كل أحد علم الناسخ أو لم ~~يعلمه» ، والذي عليه الحذاق أنه من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم ~~الأول، فإذا بلغه الناسخ طرأ عليه حكم النسخ، والحذاق على جواز نسخ الحكم ~~قبل فعله، وهو موجود في كتاب الله تعالى في قصة الذبيح. PageV01P191 # وقرأ جمهور الناس «ما ننسخ» بفتح النون، من نسخ، وقرأت طائفة «ننسخ» ms0192 ، ~~بضم النون من «أنسخ» ، وبها قرأ ابن عامر وحده من السبعة، قال أبو علي ~~الفارسي: ليست لغة لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي لتعدية لأن المعنى ~~يجيء ما نكتب من آية أي ما ننزل فيجيء القرآن كله على هذا منسوخا، وليس ~~الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا، كما تقول: أحمدت ~~الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محمودا أو بخيلا، قال أبو علي: وليس نجده منسوخا ~~إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وقد خرج قرأة هذه القراءة ~~المعنى على وجهين أحدهما أن يكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، ~~أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر ~~المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في منها ومثلها عائدين على الضمير في ~~ننسها، والمعنى الآخر أن يكون ننسخ من النسخ بمعنى الإزالة ويكون التقدير ~~ما ننسخك أي نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخها الله أباح لنبيه تركها بذلك ~~النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخا، وما شرطية وهي مفعولة ب ننسخ، وننسخ جزم ~~بالشرط. # واختلف القراء في قراءة قوله ننسها، فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم وابن ~~عامر وجمهور من الناس «ننسها» بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين ~~وترك الهمزة، وهذه من أنسى المنقول من نسي، وقرأت ذلك فرقة كما تقدم إلا ~~أنها همزت بعد السين، فهذه بمعنى التأخير، تقول العرب أنسأت الدين وغيره ~~أنسؤه إنساء إذا أخرته، وقرأت طائفة «أو ننسها» بفتح النون الأولى وسكون ~~الثانية وفتح السين، وهذه بمعنى الترك، ذكرها مكي ولم ينسبها، وذكرها أبو ~~عبيد البكري في كتاب اللآلي عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وهم، وقرأ سعد بن ~~أبي وقاص «أو تنسها» على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ونون بعدها ساكنة ~~وفتح السين، هكذا قال أبو الفتح وأبو عمرو الداني، فقيل لسعد إن سعيد بن ~~المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال: إن ms0193 القرآن لم ينزل على ~~المسيب ولا على آل المسيب، وتلا سنقرئك فلا تنسى [الأعلى: 6] ، واذكر ربك ~~إذا نسيت [الكهف: 24] ، وقرأ سعيد بن المسيب فيما ذكر عنه أيضا «أو تنسها» ~~بضم التاء أولا وفتح السين وسكون النون بينهما، وهذه من النسيان، وقرأ ~~الضحاك بن مزاحم وأبو رجاء «ننسها» بضم النون الأولى وفتح الثانية وسين ~~مكسورة مشددة، وهذه أيضا من النسيان. # وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي ~~رباح ومجاهد وعبيد ابن عمير وابن كثير وأبو عمرو «ننسأها» بنون مفتوحة ~~وأخرى بعدها ساكنة وسين مفتوحة وألف بعدها مهموزة، وهذه من التأخير، تقول ~~العرب: نسأت الإبل عن الحوض أنسؤها نسأ أي أخرتها، وكذلك يقال: # أنسأ الإبل إذا زاد في ظمئها يوما أو يومين أو أكثر من ذلك بمعنى أخرها ~~عن الورد، وقرأت فرقة مثل هذه القراءة إلا أنها بتاء مفتوحة أولا على ~~مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وإسناد الفعل إليه، وقرأ أبو حيوة مثل ذلك ~~إلا أنه ضم التاء أولا، وقرأ أبي بن كعب «أو ننسك» بضم النون الأولى وسكون ~~الثانية وسين PageV01P192 # مكسورة وكاف مخاطبة، وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة «أو ننسكها» مثل قراءة ~~أبي إلا أنه زاد ضمير الآية. # وقرأ الأعمش «ما ننسك من آية أو ننسخها نجىء بمثلها» ، وهكذا ثبتت في ~~مصحف عبد الله بن مسعود. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن ~~تكون من النسء أو الإنساء بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان. # والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك، ~~فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة ~~النسيان الذي هو ضد الذكر. # فمعنى الآية: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة ~~وتذهب فإنا نأتي بما هو خير منها لكم أو مثله في المنفعة. # وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها ~~أربعة ms0194 معان: # أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك فإنا لا بد أن ننزل ~~رفقا بكم خيرا من ذلك أو مثله حتى لا ينقص الدين عن حد كماله. # والمعنى الثاني أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا رفع ~~التلاوة والحكم. # والمعنى الثالث أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته فالنسخ أيضا على هذا رفع ~~التلاوة والحكم. # والمعنى الرابع أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة، فالنسخ على هذا ~~المعنى هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في منها أو مثلها عائدين على ~~المنسوخة فقط، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة ~~أو مثلها. # وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير فإن الآية معه تترتب فيها ~~المعاني الأربعة التي في الترك، أولها ما ننسخ أو نؤخر إنزاله، والثاني ما ~~ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته، والثالث ما ننسخ النسخ ~~الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه، والرابع ما ننسخ أو نؤخره مثبتا لا ~~ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، ~~لكن ذكرنا جميعها لأنها تحتمل، وقد قال «جميعها» العلماء إما نصا وإما ~~إشارة فكملناها. # وقال الزجاج: إن القراءة «أو ننسها» بضم النون وسكون الثانية وكسر السين ~~لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يقال أنسأ بمعنى ترك، وقال أبو علي ~~وغيره: ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها، وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية ~~على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا نسي قرآنا، وقال أبو علي وغيره: ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ~~ترفع الآية بنسخ أو بتنسئة، واحتج الزجاج بقوله تعالى: ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذي أوحينا إليك [الإسراء: 86] ، أي لم نفعل، قال أبو علي معناه لم نذهب ~~بالجميع. PageV01P193 # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: على معنى إزالة النعمة كما ~~توعد، وقد حكى الطبري القول عن أقدم من الزجاج، ms0195 ورد عليه، والصحيح في هذا ~~أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله تعالى أن ينساه ولم يرد ~~أن يثبت قرآنا جائز. # فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه ~~قبل التبليغ وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يحفظ ~~فجائز عليه ما يجوز على البشر لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث حين ~~أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: أفي القوم أبي؟ قال: نعم يا رسول الله، ~~قال: فلم لم تذكرني؟ قال: حسبت أنها رفعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لم ترفع ولكني نسيتها. # ولفظة خير في الآية صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن ~~كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية، وقال قوم ~~«خير» في الآية مصدر و «من» لابتداء الغاية. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويقلق هذا القول لقوله تعالى أو مثلها ~~إلا أن يعطف المثل على الضمير في منها دون إعادة حرف الجر، وذلك معترض. # وقوله تعالى: ألم تعلم أن ظاهره الاستفهام ومعناه التقرير، والتقرير ~~محتاج إلى معادل كالاستفهام المحض، فالمعادل هنا على قول جماعة أم تريدون ~~[البقرة: 18] ، وقال قوم أم هنا منقطعة، فالمعادل على قولهم محذوف تقديره ~~أم علمتم، وهذا كله على أن القصد بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة ~~أمته، وأما إن كان هو المخاطب وحده فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين ~~مروي. # ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء ويفعل في أحكامه ~~ما يشاء، هو قدير على ذلك وعلى كل شيء، وهذا لإنكار اليهود النسخ. # وقوله تعالى على كل شيء لفظ عموم معناه الخصوص، إذ لم تدخل فيه الصفات ~~القديمة بدلالة العقل ولا المحالات لأنها ليست بأشياء، والشيء في كلام ~~العرب الموجود، وقدير اسم فاعل على المبالغة من «قدر» بفتح العين «يقدر» ~~بكسرها. ومن العرب من يقول قدر بكسر العين يقدر بفتحها. # قوله عز وجل: ms0196 ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 107 الى 109] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (107) أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل ~~الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم ~~من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا ~~واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) # الملك السلطان ونفوذ الأمر والإرادة، وجمع الضمير في لكم دال على أن ~~المراد بخطاب النبي PageV01P194 # صلى الله عليه وسلم خطاب أمته، و «الولي» فعيل من ولي إذا جاور ولحق، ~~فالناصر والمعين والقائم بالأمر والحافظ كلهم مجاور بوجه ما، و «النصير» ~~فعيل من النصر، وهو أشد مبالغة من ناصر. # وقوله تعالى: أم تريدون: قالت فرقة: أم رد على الاستفهام الأول، فهي ~~معادلته. # وقالت فرقة أم استفهام مقطوع من الأول، كأنه قال: أتريدون، وهذا موجود في ~~كلام العرب. # وقالت فرقة: أم هنا بمعنى بل وألف الاستفهام، قال مكي وغيره: وهذا يضعف ~~لأن «أم» لا تقع بمعنى بل إلا إذا اعترض المتكلم شك فيما يورده. # قال القاضي أبو محمد: وليس كما قال مكي رحمه الله، لأن «بل» قد تكون ~~للإضراب عن اللفظ الأول لا عن معناه، وإنما يلزم ما قال على أحد معنيي «بل» ~~وهو الإضراب عن اللفظ والمعنى، ونعم ما قال سيبويه: بل هي لترك كلام وأخذ ~~في غيره. # وقال أبو العالية: إن هذه الآية نزلت حين قال بعض الصحابة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل بتعجيل العقوبة في ~~الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني ~~إسرائيل. وتلا: ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما # . [النساء: 110] . # قال القاضي أبو محمد: فتجيء إضافة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة ~~على هذا حسب الأمر في نفسه وحسب إقرارهم. # وقال ابن ms0197 عباس رضي الله عنه: إن رافع بن حريملة اليهودي سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم تفجير عيون وغير ذلك، وقيل: إن كفار قريش سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله جهرة، وقيل: سألوه أن يأتي بالله والملائكة ~~قبيلا، وقال مجاهد: سألوه أن يرد الصفا ذهبا، فقال لهم: خذوا ذلك كالمائدة ~~لبني إسرائيل، فأبوا ونكصوا. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فتجيء على هذه الأقوال إضافة ~~الرسول إليهم حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم، وكما سئل موسى عليه ~~السلام هو أن يرى الله جهرة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وغيره «سيل» بكسر ~~السين وياء وهي لغة، يقال: سلت أسال، ويحتمل أن يكون من همز أبدل الهمزة ~~ياء على غير قياس ثم كسر السين من أجل الياء، وقرأ بعض القراء بتسهيل ~~الهمزة بين الهمزة والياء مع ضم السين، وكني عن الإعراض عن الإيمان ~~والإقبال على الكفر بالتبدل، وقال أبو العالية: «الكفر هنا الشدة، والإيمان ~~الرخاء» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، إلا أن يريدهما مستعارتين، أي الشدة على ~~نفسه والرخاء لها عبارة عن العذاب والتنعيم، وأما المتعارف من شدة أمور ~~الدنيا ورخائها فلا تفسر الآية به، وضل أخطأ الطريق، و «السواء» من كل شيء ~~الوسط والمعظم، ومنه قوله تعالى في سواء الجحيم [الصافات: 55] . PageV01P195 # وقال عيسى بن عمر: كتبت حتى انقطع سوائي، وقال حسان بن ثابت في رثاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكر ابن إسحاق وغيره [الكامل] : # يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد # وقال أبو عبيد: هو في عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو عندي وهم منه، ~~والسبيل عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله لعباده، لما كانت كالسبب إلى ~~نيل رحمته كانت كالسبيل إليها. # وقوله تعالى: ود كثير من أهل الكتاب، كثير مرتفع ب ود، وهو نعت لنكرة، ~~وحذف الموصوف النكرة قلق، ولكن جاز هنا لأنها صفة متمكنة ترفع الإشكال ~~بمنزلة فريق، قال الزهري عنى ب كثير واحد، وهو ms0198 كعب بن الأشرف، وهذا تحامل، ~~وقوله تعالى يردونكم يرد عليه، وقال ابن عباس: المراد ابنا أخطب، حيي وأبو ~~ياسر. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي الضمن الاتباع، فتجيء ~~العبارة متمكنة، والكتاب هنا التوراة، ولو هنا بمنزلة «إن» لا تحتاج إلى ~~جواب، وقيل يتقدر جوابها في ود، التقدير لو يردونكم لودوا ذلك. # قال القاضي أبو محمد: ف «ود» دالة على الجواب، لأن من شرطه أن يكون ~~متأخرا عن لو، وكفارا مفعول ثان، ويحتمل أن يكون حالا، وحسدا مفعول له، ~~وقيل: هو مصدر في موضع الحال. # واختلف في تعلق قوله من عند أنفسهم: فقيل يتعلق ب ود لأنه بمعنى ودوا، ~~وقيل: يتعلق بقوله حسدا فالوقف على قوله كفارا، والمعنى على هذين القولين ~~أنهم لم يجدوا ذلك في كتاب ولا أمروا به فهو من تلقائهم، ولفظة الحسد تعطي ~~هذا، فجاء من عند أنفسهم تأكيدا وإلزاما، كما قال تعالى: يقولون بأفواههم ~~[آل عمران: 167] ، ويكتبون الكتاب بأيديهم [البقرة: 79] ، ولا طائر يطير ~~بجناحيه [الأنعام: 38] ، وقيل يتعلق بقوله يردونكم، فالمعنى أنهم ودوا الرد ~~بزيادة أن يكون من تلقائهم أي بإغوائهم وتزيينهم. # واختلف في سبب هذه الآية، فقيل: إن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا ~~بيت المدارس، فأراد اليهود صرفهم عن دينهم، فثبتا عليه ونزلت الآية، وقيل: ~~إنما هذه الآية تابعة في المعنى لما تقدم من نهي الله عن متابعة أقوال ~~اليهود في راعنا [البقرة: 104] وغيره، وأنهم لا يودون أن ينزل خير، ويودون ~~أن يردوا المؤمنين كفارا. # والحق: المراد به في هذه الآية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصحة ما ~~المسلمون عليه، وهذه الآية من الظواهر في صحة الكفر عنادا، واختلف أهل ~~السنة في جواز ذلك، والصحيح عندي جوازه غفلا وبعده وقوعا، ويترتب في كل آية ~~تقتضيه أن المعرفة تسلب في ثاني حال من العناد، والعفو ترك العقوبة وهو من ~~«عفت الآثار» ، والصفح الإعراض عن المذنب كأنه يولي صفحة العنق. # وقال ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون ms0199 ~~[التوبة: 29] إلى قوله صاغرون [التوبة: 29] ، وقيل: بقوله «اقتلوا ~~المشركين» ، وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان ~~التوقيف على مدته. PageV01P196 # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على من يجعل الأمر ~~المنتظر أوامر الشرع أو قتل قريظة وإجلاء النضير، وأمر من يجعله آجال بني ~~آدم فيترتب النسخ في هذه الآية بعينها، لأنه لا يختلف أن آيات الموادعة ~~المطلقة قد نسخت كلها، والنسخ هو مجيء الأمر في هذه المقيدة، وقيل: مجيء ~~الأمر هو فرض القتال، وقيل: قتل قريظة وإجلاء النضير، وقال أبو عبيدة في ~~هذه الآية: إنها منسوخة بالقتال، لأن كل آية فيها ترك القتال فهي مكية ~~منسوخة. # قال القاضي أبو محمد: وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف، لأن معاندات اليهود ~~إنما كانت بالمدينة، وقوله تعالى: إن الله على كل شيء قدير مقتضاه في هذا ~~الموضوع وعد للمؤمنين. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 110 الى 113] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت ~~اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون ~~الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (113) # قالت فرقة من الفقهاء: إن قوله تعالى: وأقيموا الصلاة عموم، وقالت فرقة: ~~هو من مجمل القرآن، والمرجح أن ذلك عموم من وجه ومجمل من وجه، فعموم من حيث ~~الصلاة الدعاء، فحمله على مقتضاه ممكن، وخصصه الشرع بهيئات وأفعال وأقوال، ~~ومجمل من حيث الأوقات، وعدد الركعات والسجدات لا يفهم من اللفظ، بل السامع ~~فيه مفتقر إلى التفسير، وهذا كله في أقيموا الصلاة، وأما الزكاة فمجملة لا ~~غير. # قال الطبري: إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة ms0200 لتحط ما تقدم من ميلهم ~~إلى أقوال اليهود راعنا [البقرة: 104] ، لأن ذلك نهي عن نوعه، ثم أمر ~~المؤمنين بما يحطه، والخير المقدم منقض لأنه فعل، فمعنى تجدوه تجدوا ثوابه ~~وجزاءه، وذلك بمنزلة وجوده. # وقوله تعالى: إن الله بما تعملون بصير خبر في اللفظ معناه الوعد والوعيد. # وقوله تعالى: وقالوا لن يدخل الجنة معناه قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فجمع قولهم، ~~ودل تفريق نوعيهم على تفرق قوليهم، وهذا هو الإيجاز واللف، وهود جمع هائد، ~~مثل عائد وعود، ومعناه التائب الراجع، ومثله في الجمع بازل وبزل وحائل وحول ~~وبائر وبور، وقيل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع كفطر وعدل ورضا، وقال ~~الفراء: أصله يهودي حذفت ياءاه على غير قياس. PageV01P197 # وقرأ أبي بن كعب «إلا من كان يهوديا» ، وكذبهم الله تعالى وجعل قولهم ~~أمنية، وقد قطعوا قبل بقوله فتمنوا الموت [البقرة: 94، الجمعة: 6] ، وأمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم بدعائهم إلى إظهار البرهان، وقيل: إن الهاء في ~~هاتوا أصلية من هاتا يهاتي، وأميت تصريف هذه اللفظة كله إلا الأمر منه ~~وقيل: هي عوض من همزة آتى، وقيل: ها تنبيه، وألزمت همزة آتى الحذف، ~~والبرهان الدليل الذي يوقع اليقين، قال الطبري: طلب الدليل هنا يقضي بإثبات ~~النظر ويرد على من ينفيه، وقول اليهود لن نفي حسنت بعده بلى، إذ هي رد ~~بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وقيل: هي «بل» زيدت عليها الياء ~~لتزيلها على حد النسق الذي في «بل» ، وأسلم معناه استسلم وخضع ودان، ومنه ~~قول زيد ابن عمرو بن نفيل: [المتقارب] . # وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا # وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان وموضع الحواس وفيه يظهر ~~العز والذل، ولذلك يقال وجه الأمر أي معظمه وأشرفه، قال الأعشى: [السريع] : # وأول الحكم على وجهه ... ليس قضائي بالهوى الجائر # ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد، وهو محسن جملة في موضع الحال، ~~وعاد الضمير ms0201 في «له» على لفظ من، وكذلك في قوله أجره، وعاد في عليهم على ~~المعنى، وكذلك في يحزنون، وقرأ ابن محيصن «فلا خوف» دون تنوين في الفاء ~~المرفوعة، فقيل: ذلك تخفيف، وقيل: # المراد فلا الخوف فحذفت الألف واللام، والخوف هو لما يتوقع، والحزن هو ~~لما قد وقع. # وقوله تعالى: وقالت اليهود الآية، معناه ادعى كل فريق أنه أحق برحمة الله ~~من الآخر. # وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فتسابوا، وكفر اليهود بعيسى وبملته وبالإنجيل، وكفر النصارى ~~بموسى وبالتوراة. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها، لأن ~~الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وصحة ~~نبوته، وكلاهما تضمن صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فعنفهم الله تعالى على ~~كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا. # وفي قوله تعالى: وهم يتلون الكتاب تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده، كما قال الحر بن قيس في عمر بن ~~الخطاب، وكان وقافا عند كتاب الله، والكتاب الذي يتلونه قيل: التوراة ~~والإنجيل، فالألف واللام للجنس، وقيل: التوراة لأن النصارى تمتثلها، فالألف ~~واللام للعهد. PageV01P198 # اختلف من المراد بقوله لا يعلمون، فقال الجمهور: عنى بذلك كفار العرب، ~~لأنهم لا كتاب لهم، وقال عطاء: المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقال ~~قوم: المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وأخبر تعالى بأنه يحكم بينهم، والمعنى ~~بأن يثيب من كان على شيء، أي شيء حق، ويعاقب من كان على غير شيء، وقال ~~الزجاج: المعنى يريهم عيانا من يدخل الجنة ومن يدخل النار ويوم القيامة سمي ~~بقيام الناس من القبور، إذ ذلك مبد لجميع مبدأ في اليوم وفي الاستمرار ~~بعده، وقوله كانوا بصيغة الماضي حسن على مراعاة الحكم، وليس هذا من وضع ~~الماضي موضع المستقبل لأن اختلافهم ليس في ذلك اليوم، بل في الدنيا. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 114 الى 115] # ومن أظلم ms0202 ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ~~(115) # وقوله تعالى ومن أظلم الآية، من رفع بالابتداء، وأظلم خبره، والمعنى لا ~~أحد أظلم. # واختلف في المشار إليه من هذا الصنف الظالم، فقال ابن عباس وغيره: المراد ~~النصارى الذين كانوا يؤذون من يصلي ببيت المقدس ويطرحون فيه الأقذار، وقال ~~قتادة والسدي: المراد الروم الذين أعانوا بختنصر على تخريب بيت المقدس حين ~~قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء عليه السلام، وقيل: المعني بختنصر، وقال ~~ابن زيد: المراد كفار قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المسجد الحرام، وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو ~~خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لهذه ~~الأمة، والمشهور مسجد بكسر الجيم، ومن العرب من يقول مسجد بفتحها، وأن يذكر ~~في موضع نصب: إما على تقدير حذف «من» وتسلط الفعل، وإما على البدل من ~~المساجد، وهو بدل الاشتمال الذي شأن البدل فيه أن يتعلق بالمبدل منه ويختص ~~به أو تقوم به صفة، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، ويجوز أن تكون أن في ~~موضع خفض على إسقاط حرف الجر، ذكره سيبويه، ومن قال من المفسرين إن الآية ~~بسبب بيت المقدس جعل الخراب الحقيقي الموجود، ومن قال هي بسبب المسجد ~~الحرام جعل منع عمارته خرابا، إذ هو داع إليه، ومن جعل الآية في النصارى ~~روى أنه مر زمان بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أوجع ضربا، قاله ~~قتادة والسدي، ومن جعلها في قريش قال كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن لا يحج مشرك، وخائفين نصب على الحال، وهذه الآية ليست بأمر بين ~~منعهم من المساجد، لكنها تطرق إلى ذلك وبدأة فيها وعد للمؤمنين ووعيد ~~للكافرين. # ومن جعل الآية ms0203 في النصارى قال: الخزي قتل الحربي وجزية الذمي، وقيل: ~~الفتوح الكائنة في الإسلام كعمورية وهرقلة وغير ذلك، ومن جعلها في قريش جعل ~~الخزي غلبتهم في الفتح وقتلهم والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا، وخزي ~~رفع بالابتداء وخبره في المجرور. # والمشرق موضع الشروق، والمغرب موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من ~~الجهات PageV01P199 # والمخلوقات، وخصهما بالذكر وإن كانت جملة المخلوقات كذلك لأن سبب الآية ~~اقتضى ذلك، و «أينما» شرط، وتولوا جزم به، والجواب في قوله فثم، والمعنى ~~فأينما تولوا نحوه وإليه، لأن ولى وإن كان غالب استعمالها أدبر فإنها تقتضي ~~أنه يقبل إلى ناحية، تقول وليت عن كذا وإلى كذا، وقرأ الحسن «تولوا» بفتح ~~التاء واللام، وثم مبنية على الفتح، وهي في موضع نصب على الظرف، ووجه الله ~~معناه الذي وجهنا إليه، كما تقول سافرت في وجه كذا أي في جهة كذا. # واختلف الناس في تأويل الوجه الذي جاء مضافا إلى الله تعالى في مواضع من ~~القرآن، فقال الحذاق: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز ~~كلام العرب، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدرا، وقال بعض ~~الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم ~~تعالى، وضعف أبو المعالي هذا القول، ويتجه في بعض المواضع كهذه الآية أن ~~يراد بالوجه الجهة التي فيها رضاه وعليها ثوابه، كما تقول تصدقت لوجه الله ~~تعالى، ويتجه في هذه الآية خاصة أن يراد بالوجه الجهة التي وجهنا إليها في ~~القبلة حسبما يأتي في أحد الأقوال، وقال أبو منصور في المقنع: يحتمل أن ~~يراد بالوجه هنا الجاه، كما تقول فلان وجه القوم أي موضع شرفهم، فالتقدير ~~فثم جلال الله وعظمته. # واختلف المفسرون في سبب هذه الآية، فقال قتادة: أباح الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم بهذه الآية أن يصلي المسلمون حيث شاؤوا، فاختار النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيت المقدس حينئذ، ثم نسخ ذلك كله بالتحول إلى الكعبة، وقال ~~مجاهد والضحاك: معناه إشارة إلى الكعبة، ms0204 أي حيث كنتم من المشرق والمغرب ~~فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة التي هي وجه الله الذي وجهكم إليه. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا فهي ناسخة لبيت المقدس، وقال ابن زيد: ~~كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت القدس، ~~وقالوا: ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود: ما ولاهم عن ~~قبلتهم؟ فنزلت ولله المشرق والمغرب الآية، وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في ~~صلاة النافلة في السفر حيث توجهت بالإنسان دابته، وقال النخعي: الآية عامة ~~أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم فثم وجه الله، أي موضع رضاه وثوابه وجهة ~~رحمته التي يوصل إليها بالطاعة، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن ~~اجتهد في القبلة فأخطأ، وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة قال: «كنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فتحرى قوم القبلة وأعلموا ~~علامات، فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطؤوها، فعرفوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية» ، وذكر قوم هذا الحديث على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن مع القوم في السفر، وذلك خطأ، وقال قتادة أيضا: نزلت هذه ~~الآية في النجاشي، وذلك أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ~~إلى الصلاة عليه، فقال قوم كيف نصلي على من لم يصل إلى القبلة قط؟، فنزلت ~~هذه الآية، أي إن النجاشي كان يقصد وجه الله وإن لم يبلغه التوجه إلى ~~القبلة، وقال ابن جبير: نزلت الآية في الدعاء لما نزلت ادعوني أستجب لكم ~~[غافر: 60] ، قال المسلمون: إلى أين ندعو، فنزلت فأينما تولوا فثم وجه ~~الله، وقال المهدوي: وقيل هذه الآية منتظمة في معنى التي قبلها، أي لا ~~يمنعكم تخريب مسجد من أداء العبادات، فإن المسجد المخصوص للصلاة إن خرب فثم ~~وجه الله موجود حيث توليتم. PageV01P200 # وقال أيضا: وقيل نزلت الآية حين صد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البيت، وواسع معناه متسع الرحمة عليهم ms0205 أين يضعها، وقيل واسع معناه هنا أنه ~~يوسع على عباده في الحكم دينه يسر، عليم بالنيات التي هي ملاك العمل، وإن ~~اختلفت ظواهره في قبلة وما أشبهها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 116 الى 118] # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) ~~وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) # قرأ هذه الآية عامة القراء «وقالوا» بواو تربط الجملة بالجملة، أو تعطف ~~على سعى [البقرة: 114] ، وقرأ ابن عامر وغيره «قالوا» بغير واو، وقال أبو ~~علي: وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، وحذف منه الواو يتجه من وجهين، أحدهما ~~أن هذه الجملة مرتبطة في المعنى بالتي قبلها فذلك يغني عن الواو، والآخر أن ~~تستأنف هذه الجملة ولا يراعى ارتباطها بما تقدم، واختلف على من يعود الضمير ~~في قالوا، فقيل: على النصارى، لأنهم قالوا المسيح ابن الله. # قال القاضي أبو محمد: وذكرهم أشبه بسياق الآية، وقيل: على اليهود، لأنهم ~~قالوا عزير ابن الله، وقيل: على كفرة العرب لأنهم قالوا الملائكة بنات ~~الله، وسبحانه مصدر معناه تنزيها له وتبرئة مما قالوا، وما رفع بالابتداء، ~~والخبر في المجرور، أو في الاستقرار المقدر، أي كل ذلك له ملك، والذي قالوا ~~اتخذ الله ولدا داخل في جملة ما في السماوات والأرض ولا يكون الولد إلا من ~~جنس الوالد لا من المخلوقات المملوكات. # والقنوت في اللغة الطاعة، والقنوت طول القيام في عبادة، ومنه القنوت في ~~الصلاة، فمعنى الآية أن المخلوقات كلها تقنت لله أي تخضع وتطيع، والكفار ~~والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظله وهو ~~كاره. # وبديع مصروف من مبدع كبصير من مبصر، ومثله قول عمرو بن معديكرب: [الوافر] ~~: # أمن ريحانة الداعي السميع يريد المسمع، والمبدع المخترع المنشئ، ومنه ~~أصحاب البدع، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله ms0206 عنه في صلاة رمضان: «نعمت ~~البدعة هذه» . # وخص السماوات والأرض بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا، ~~وقضى، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى ~~مذهب أهل السنة قدر في الأزل PageV01P201 # وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد. # والأمر واحد الأمور، وليس هنا بمصدر أمر يأمر، ويكون رفع على الاستئناف، ~~قال سيبويه: «معناه فهو يكون» ، قال غيره: «يكون» عطف على «يقول» ، واختاره ~~الطبري وقرره، وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين ~~والوجود، وتكلم أبو علي الفارسي في هذه المسألة بما هو فاسد من جملة ~~الاعتزال لا من جهة العربية. # وقرأ ابن عامر «فيكون» بالنصب، وضعفه أبو علي، ووجهه مع ضعفه على أن يشفع ~~له شبه اللفظ، وقال أحمد بن موسى في قراءة ابن عامر: «هذا لحن» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأن الفاء لا تعمل في جواب ~~الأمر إلا إذا كانا فعلين يطرد فيهما معنى الشرط، تقول أكرم زيدا فيكرمك، ~~والمعنى إن تكرم زيدا يكرمك، وفي هذه الآية لا يتجه هذا، لأنه يجيء تقديره: ~~إن تكن يكن، ولا معنى لهذا، والذي يطرد فيه معنى الشرط هو أن يختلف ~~الفاعلان أو الفعلان فالأول أكرم زيدا فيكرمك والثاني أكرم زيدا فتسود. # وتلخيص المعتقد في هذه الآية، أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط ~~وجودها، قادرا مع تأخر المقدورات، عالما مع تأخر وقوع المعلومات، فكل ما في ~~الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن ~~لم تكن، وكل ما يستند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر فهو قديم لم يزل، ~~ومن جعل من المفسرين قضى بمعنى أمضى عند الخلق والإيجاد، فكأن إظهار ~~المخترعات في أوقاتها المؤجلة قول لها كن، إذ التأمل يقتضي ذلك، على نحو ~~قول الشاعر [أبو النجم العجلي] : [الرجز] وقالت الأقراب للبطن الحق قال ~~القاضي أبو محمد: وهذا كله يجري مع قول المعتزلة، والمعنى الذي تقتضيه ~~عبارة ms0207 كن هو قديم قائم بالذات، والوضوح التام في هذه المسألة يحتاج أكثر من ~~هذا البسط. # وقوله تعالى: وقال الذين لا يعلمون الآية، قال الربيع والسدي: هم كفار ~~العرب. # قال القاضي أبو محمد: وقد طلب عبد الله بن أبي أمية وغيره من النبي صلى ~~الله عليه وسلم نحو هذا، فنفى عنهم العلم لأنهم لا كتاب عندهم ولا اتباع ~~نبوة، وقال مجاهد: هم النصارى لأنهم المذكورون في الآية أولا، ورجحه ~~الطبري، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من اليهود، لأن رافع بن حريملة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أسمعنا ~~كلام الله، وقيل: الإشارة بقوله لا يعلمون إلى جميع هذه الوظائف، لأن كلهم ~~قال هذه المقالة أو نحوها، ويكون الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ~~وغيرهم، ولولا تحضيض بمعنى هلا، كما قال الأشهب بن رميلة «1» : [الطويل] # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # وليست هذه لولا التي تعطي منع الشيء لوجوب غيره، وفرق بينهما أنها في ~~التحضيض لا يليها PageV01P202 # إلا الفعل مظهرا أو مقدرا، وعلى بابها في المنع للوجوب يليها الابتداء، ~~وجرت العادة بحذف الخبر، والآية هنا العلامة الدالة، وقد تقدم القول في ~~لفظها، والذين من قبلهم اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون ~~كفار العرب، وهم الأمم السالفة في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب ~~والنصارى واليهود، وهم اليهود في قول من جعل الذين لا يعلمون النصارى، ~~والكاف الأولى من كذلك نعت لمصدر مقدر، ومثل نعت لمصدر محذوف، ويصح أن يعمل ~~فيه، قال: وتشابه القلوب هنا في طلب ما لا يصح أو في الكفر وإن اختلفت ~~ظواهرهم، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة «تشابهت» بشد الشين، قال أبو عمرو ~~الداني: وذلك غير جائز لأنه فعل ماض. # وقوله تعالى: قد بينا الآيات لقوم يوقنون لما تقدم ذكر الذين أضلهم الله ~~حتى كفروا بالأنبياء وطلبوا ما لا يجوز لهم أتبع ذلك بذكر الذين بين لهم ما ~~ينفع ms0208 وتقوم به الحجة، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين، فلذلك خصهم بالذكر، ~~ويحتمل أن يكون المعنى قد بينا البيان الذي هو خلق الهدى، فكأن الكلام قد ~~هدينا من هدينا، واليقين إذا اتصف به العلم خصصه وبلغ به نهاية الوثاقة، ~~وقوله تعالى بينا قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينة أخرى، وهي أن ~~الكلام مدح لهم، وأما اليقين في استعمال الفقهاء إذا لم يتصف به العلم فإنه ~~أحط من العلم، لأن العلم عندهم معرفة المعلوم على ما هو به واليقين معتقد ~~يقع للموقن في حقه والشيء على خلاف معتقده، ومثال ذلك تيقن المقادة ثبوت ~~الصانع، ومنه قول مالك- رحمه الله- في «الموطأ» في مسألة الحالف على الشيء ~~يتيقنه والشيء في نفسه على غير ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وأما حقيقة الأمر فاليقين هو الأخص وهو ما علم على ~~الوجه الذي لا يمكن أن يكون إلا عليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 119 الى 121] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) ولن ترضى ~~عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (120) الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم ~~الخاسرون (121) # المعنى بشيرا لمن آمن، ونذيرا لمن كفر، وقرأ نافع وحده «ولا تسأل» بالجزم ~~على النهي، وفي ذلك معنيان: أحدهما لا تسأل على جهة التعظيم لحالهم من ~~العذاب، كما تقول: فلان لا تسأل عنه، تعني أنه في نهاية تشهره من خير أو ~~شر، والمعنى الثاني روي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليت شعري ما ~~فعل أبواي» فنزلت ولا تسئل. # وحكى المهدوي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليت شعري أي ~~أبوي أحدث موتا» ، فنزلت. PageV01P203 # قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ ممن رواه أو ظنه لأن أباه مات وهو في بطن ~~أمه، وقيل وهو ابن شهر، وقيل ابن شهرين، ms0209 وماتت أمه بعد ذلك بخمس سنين ~~منصرفة به من المدينة من زيارة أخواله، فهذا مما لا يتوهم أنه خفي عليه صلى ~~الله عليه وسلم، وقرأ باقي السبعة «ولا تسأل» بضم التاء واللام، وقرأ قوم ~~«ولا تسأل» بفتح التاء وضم اللام، ويتجه في هاتين القراءتين معنيان: أحدهما ~~الخبر أنه لا يسأل عنهم، أو لا يسأل هو عنهم، والآخر أن يراد معنى الحال ~~كأنه قال: وغير مسؤول أو غير سائل عنهم، عطفا على قوله بشيرا ونذيرا، وقرأ ~~أبي بن كعب «وما تسأل» ، وقرأ ابن مسعود «ولن تسأل» ، وهاتان القراءتان ~~تؤيدان معنى القطع والاستئناف في غيرهما، والجحيم إحدى طبقات النار. # ويقال: رضي يرضى رضى ورضا ورضوانا، وحكي رضاء ممدودا، وقال: ملتهم وهما ~~مختلفتان بمعنى لن ترضى اليهود حتى تتبع ملتهم ولن ترضى النصارى حتى تتبع ~~ملتهم، فجمعهم إيجازا، لأن ذلك مفهوم، والملة الطريقة، وقد اختصت اللفظة ~~بالشرائع والدين، وطريق ممل أي قد أثر المشي فيه. # وروي أن سبب هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعا منهم، فأعلمه الله تعالى ~~أن إعطاء الهدنة لا ينفع عندهم، وأطلعه على سر خداعهم. # وقوله تعالى: قل إن هدى الله هو الهدى أي ما أنت عليه يا محمد من هدى ~~الله الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء. # ثم قال تعالى لنبيه ولئن اتبعت أهواءهم الآية، فهذا شرط خوطب به النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمته معه داخلة فيه، و «أهواء» جمع هوى، ولما كانت ~~مختلفة جمعت، ولو حمل على إفراد الملة لقيل هواهم، والولي الذي يتولى ~~الإصلاح والحياطة والنصر والمعونة، ونصير بناء مبالغة في اسم الفاعل من ~~نصر. # وقوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب الآية، الذين رفع بالابتداء، وآتيناهم ~~الكتاب صلة، وقال قتادة: المراد ب الذين في هذا الموضع من أسلم من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، والكتاب على هذا التأويل القرآن، وقال ابن زيد: المراد ~~من آمن ms0210 بمحمد صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل، والكتاب على هذا التأويل ~~التوراة، وآتيناهم معناه أعطيناهم، وقال قوم: هذا مخصوص في الأربعين الذين ~~وردوا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في السفينة، فأثنى الله عليهم، ~~ويحتمل أن يراد ب الذين العموم في مؤمني بني إسرائيل والمؤمنين من العرب، ~~ويكون الكتاب اسم الجنس، ويتلونه معناه يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر ~~والنهي، وقيل يتلونه يقرؤونه حق قراءته، وهذا أيضا يتضمن الاتباع ~~والامتثال، ويتلونه إذا أريد ب الذين الخصوص فيمن اهتدى يصح أن يكون خبر ~~الابتداء ويصح أن يكون يتلونه في موضع الحال والخبر أولئك، وإذا أريد ب ~~الذين العموم لم يكن الخبر إلا أولئك، ويتلونه حال لا يستغنى عنها وفيها ~~الفائدة، لأنه لو كان الخبر في يتلونه لوجب أن يكون كل مؤمن يتلو الكتاب حق ~~تلاوته، وحق مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى أفعل، ولا يجوز إضافته ~~إلى واحد PageV01P204 # معرف، وإنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف ~~محض، وإنما هو بمنزلة قولهم رجل واحد أمة، ونسيج وحده، والضمير في به عائد ~~على الكتاب، وقيل: يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن متبعي التوراة ~~يجدونه فيها فيؤمنون به. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي أن يعود الضمير على الهدى الذي تقدم، ~~وذلك أنه ذكر كفار اليهود والنصارى في أول الآية وحذر رسوله من اتباع ~~أهوائهم، وأعلمه بأن هدى الله هو الهدى الذي أعطاه وبعثه به، ثم ذكر له أن ~~المؤمنين التالين لكتاب الله هم المؤمنون بذاك الهدى المقتدون بأنواره، ~~والضمير في يكفر به يحتمل من العود ما ذكر في الأول، وفأولئك هم الخاسرون ~~ابتداء وعماد وخبر، أو ابتداء وابتداء وخبر، والثاني وخبره خبر الأول، ~~والخسران نقصان الحظ. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 122 الى 124] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها ~~شفاعة ولا هم ms0211 ينصرون (123) وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) # قرأ الحسن وغيره «نعمتي» بتسكين الياء تخفيفا، لأن أصلها التحريك كتحريك ~~الضمائر لك وبك، ثم حذفها الحسن للالتقاء، وفي السبعة من يحرك الياء، ومنهم ~~من يسكنها، وإن قدرنا فضيلة بني إسرائيل مخصوصة في كثرة الأنبياء وغير ذلك ~~فالعالمون عموم مطلق، وإن قدرنا تفضيلهم على الإطلاق فالعالمون عالمو ~~زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل منهم بالنص، وقد تقدم القول ~~على مثل هذه الآية إلى قوله: ينصرون ومعنى لا تنفعها شفاعة أي ليست ثم، ~~وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد، وإنما نفى أن تكون ثم شفاعة على حد ما ~~هي في الدنيا، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء ~~الكفرة في خاصتهم، وأما الأخيرة التي هي بإذن من الله تعالى في أهل المعاصي ~~من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه، وليس لهؤلاء المتوعدين من الكفار ~~منها شيء. # والعامل في إذ فعل، تقديره: واذكر إذ، وابتلى معناه اختبر، وإبراهيم يقال ~~إن تفسيره بالعربية أب رحيم، وقرأ ابن عامر في جميع سورة البقرة «أبراهام» ~~، وقدم على الفاعل للاهتمام، إذ كون الرب مبتليا معلوم، فإنما يهتم السامع ~~بمن ابتلى، وكون ضمير المفعول متصلا بالفاعل موجب تقديم المفعول، فإنما بني ~~الكلام على هذا الاهتمام. # واختلف أهل التأويل في الكلمات، فقال ابن عباس: هي ثلاثون سهما، هي ~~الإسلام كله لم يتمه أحد كاملا إلا إبراهيم صلوات الله عليه، عشرة منها في ~~براءة التائبون العابدون # [التوبة: 112] ، وعشرة في الأحزاب إن المسلمين والمسلمات [الأحزاب: 35] ، ~~وعشرة في سأل سائل [المعارج: 1] ، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: الكلمات عشر ~~خصال خمس منها في الرأس المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وفرق الرأس، ~~وقيل بدل فرق الراس: إعفاء اللحية، وخمس في الجسد تقليم الظفر، PageV01P205 # وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان، وقال ابن عباس ~~أيضا: هي عشرة خصال، ست في البدن وأربع في الحج: الختان، وحلق ms0212 العانة، ونتف ~~الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة، والطواف بالبيت، ~~والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة، وقال الحسن بن أبي الحسن: هي الخلال الست ~~التي امتحن بها، الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، وقيل ~~بدل الهجرة: الذبح، وقالت طائفة: هي مناسك الحج خاصة، وروي أن الله عز وجل ~~أوحى إليه أن تطهر، فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستاك، ثم أن ~~تطهر فأخذ من شاربه، ثم أن تطهر ففرق شعره، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر ~~فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر ~~فأقبل على جسده ينظر ما يصنع فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. # قال القاضي أبو محمد: وفي البخاري أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. # وقال الراوي: فأوحى الله إليه إني جاعلك للناس إماما يأتمون بك في هذه ~~الخصال، ويقتدي بك الصالحون. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا أقوى الأقوال في تفسير ~~هذه الآية، وعلى هذه الأقوال كلها فإبراهيم عليه السلام هو الذي أتم. # وقال مجاهد وغيره: إن الكلمات هي أن الله عز وجل قال لإبراهيم: إني ~~مبتليك بأمر فما هو؟ قال إبراهيم: تجعلني للناس إماما، قال الله: نعم، قال ~~إبراهيم: تجعل البيت مثابة، قال الله: نعم، قال إبراهيم وأمنا، قال الله: ~~نعم، قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا، قال الله: نعم، قال ~~إبراهيم: # تجعل هذا البلد آمنا، قال الله: نعم، قال إبراهيم: وترزق أهله من ~~الثمرات، قال الله: نعم. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم، وقد طول ~~المفسرون في هذا، وذكروا أشياء فيها بعد فاختصرتها، وإنما سميت هذه الخصال ~~كلمات، لأنها اقترنت بها أوامر هي كلمات، وروي أن إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم لما أتم هذه الكلمات أو أتمها الله عليه كتب الله له البراءة من ~~النار، فذلك قوله تعالى: وإبراهيم الذي وفى [النجم: 37] . # والإمام القدوة، ومنه قيل لخيط البناء: إمام، وهو هنا اسم مفرد، وقيل ms0213 في ~~غير هذا الموضع: هو جمع آم وزنه فاعل أصله آمم، فيجيء مثل قائم وقيام وجائع ~~وجياع ونائم ونيام. # وجعل الله تعالى إبراهيم إماما لأهل طاعته، فلذلك أجمعت الأمم على الدعوى ~~فيه، وأعلم الله تعالى أنه كان حنيفا، وقول إبراهيم عليه السلام: ومن ~~ذريتي، هو على جهة الدعاء والرغبى إلى الله، أي ومن ذريتي يا رب فاجعل، ~~وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم، أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ ~~والذرية مأخوذة من ذرا يذرو أو من ذرى يذري أو من ذر يذر أو من ذرأ يذرأ، ~~وهي أفعال تتقارب معانيها، وقد طول في تعليلها أبو الفتح وشفى. # وقوله تعالى: قال لا ينال عهدي، أي قال الله، والعهد فيما قال مجاهد: ~~الإمامة، وقال السدي: PageV01P206 # النبوءة، وقال قتادة: الأمان من عذاب الله، وقال الربيع والضحاك: العهد ~~الدين: دين الله تعالى. # وقال ابن عباس: معنى الآية لا عهد عليك لظالم أن تطيعه، ونصب الظالمين ~~لأن العهد ينال كما ينال، وقرأ قتادة وأبو رجاء والأعمش «الظالمون» بالرفع، ~~وإذا أولنا العهد الدين أو الأمان أو أن لا طاعة لظالم فالظلم في الآية ظلم ~~الكفر، لأن العاصي المؤمن ينال الدين والأمان من عذاب الله وتلزم طاعته إذا ~~كان ذا أمر، وإذا أولنا العهد النبوءة أو الإمامة في الدين فالظلم ظلم ~~المعاصي فما زاد. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 125 الى 126] # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) ~~وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم ~~بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس ~~المصير (126) # قوله وإذ عطف على إذ المتقدمة والبيت الكعبة، ومثابة يحتمل أن تكون من ~~ثاب إذا رجع لأن الناس يثوبون إليها أي ينصرفون، ويحتمل أن تكون من الثواب ~~أي يثابون هناك، قال الأخفش: دخلت الهاء فيها للمبالغة لكثرة من يثوب أي ms0214 ~~يرجع، لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا، فهي ~~كنسابة وعلامة، وقال غيره: هي هاء تأنيث المصدر، فهي مفعلة أصلها مثوبة ~~نقلت حركة الواو إلى الثاء فانقلبت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها، وقيل: هو ~~على تأنيث البقعة، كما يقال: # مقام ومقامة، وقرأ الأعمش «مثابات» على الجمع، وقال ورقة بن نوفل في ~~الكعبة «1» : [الطويل] : # مثاب لأفناء القبائل كلها ... تخب إليها اليعملات الطلائح # وأمنا معناه أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي آمنة من ذلك، يلقى ~~الرجل بها قاتل أبيه فلا يهيجه، لأن الله تعالى جعل لها في النفوس حرمة ~~وجعلها أمنا للناس والطير والوحوش، وخصص الشرع من ذلك الخمس الفواسق، على ~~لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي وجمهور الناس «واتخذوا» بكسر الخاء على جهة الأمر، فقال أنس بن ~~مالك وغيره: # معنى ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، في ~~الحجاب، وفي عسى ربه إن طلقكن [التحريم: 5] ، وقلت يا رسول الله: لو اتخذت ~~من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. # قال القاضي أبو محمد: فهذا أمر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ~~المهدوي: وقيل ذلك عطف على قوله اذكروا فهذا أمر لبني إسرائيل، وقال الربيع ~~بن أنس: ذلك أمر لإبراهيم ومتبعيه، فهي من الكلمات، كأنه قال: إني جاعلك ~~للناس إماما [البقرة: 124] واتخذوا، وذكر المهدوي رحمه الله أن ذلك عطف على ~~الأمر الذي يتضمنه قوله: جعلنا البيت مثابة، لأن المعنى: توبوا، وقرأ نافع ~~وابن عامر «واتخذوا» PageV01P207 # بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم، وذلك معطوف على ~~قوله وإذ جعلنا، كأنه قال: وإذ اتخذوا، وقيل هو معطوف على جعلنا دون تقدير ~~إذ، فهي جملة واحدة، وعلى تقدير إذ فهي جملتان. # واختلف في مقام إبراهيم، فقال ابن عباس وقتادة وغيرهما، وخرجه البخاري: ~~إنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان ~~إسماعيل ms0215 يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه. # وقال الربيع بن أنس: هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه وهو راكب، ~~جاءته به من شق ثم من شق فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه، وقال فريق من ~~العلماء: المقام المسجد الحرام، وقال عطاء بن أبي رباح: المقام عرفة ~~والمزدلفة والجمار، وقال ابن عباس: مقامه مواقف الحج كلها، وقال مجاهد: # مقامه الحرم كله. # ومصلى موضع صلاة، هذا على قول من قال: المقام الحجر، ومن قال بغيره قال ~~مصلى مدعى، على أصل الصلاة. # وقوله تعالى: وعهدنا العهد في اللغة على أقسام، هذا منها الوصية بمعنى ~~الأمر، وأن في موضع نصب على تقدير بأن وحذف الخافض، قال سيبويه: إنها بمعنى ~~أي مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب، وطهرا قيل معناه ابنياه وأسساه على ~~طهارة ونية طهارة، فيجيء مثل قوله: أسس على التقوى [التوبة: 108] وقال ~~مجاهد: هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان، وقيل: من الفرث والدم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا تعضده الأخبار، وقيل: من الشرك، وأضاف ~~الله البيت إلى نفسه تشريفا للبيت، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى ~~مالك، وللطائفين ظاهره أهل الطواف، وقاله عطاء وغيره، وقال ابن جبير: معناه ~~للغرباء الطارئين على مكة، والعاكفين قال ابن جبير: هم أهل البلد المقيمون، ~~وقال عطاء: هم المجاورون بمكة، وقال ابن عباس: المصلون، وقال غيره: ~~المعتكفون. # قال القاضي أبو محمد: والعكوف في اللغة اللزوم للشيء والإقامة عليه، كما ~~قال الشاعر [العجاج] : # [الرجز] عكف النبيط يلعبون الفنزجا فمعناه لملازمي البيت إرادة وجه الله ~~العظيم، والركع السجود المصلون، وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب ~~أحوال المصلي إلى الله تعالى، وكل مقيم عند بيت الله إرادة ذات الله فلا ~~يخلو من إحدى هذه الرتب الثلاث، إما أن يكون في صلاة أو في طواف فإن كان في ~~شغل من دنياه فحال العكوف على مجاورة البيت لا يفارقه. # وقوله تعالى: وإذ قال إبراهيم الآية، دعا إبراهيم عليه السلام لذريته ~~وغيرهم بمكة بالأمن ورغد PageV01P208 # العيش، واجعل لفظه الأمر ms0216 وهو في حق الله تعالى رغبة ودعاء، وآمنا معناه ~~من الجبابرة والمسلطين والعدو المستأصل والمثلاث التي تحل بالبلاد. # وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء فيه ولا نبات، فبارك الله فيما ~~حولها كالطائف وغيره، ونبتت فيها أنواع الثمرات. # وروي أن الله تعالى لما دعاه إبراهيم أمر جبريل صلوات الله عليه فاقتلع ~~فلسطين، وقيل قطعة من الأردن فطاف بها حول البيت سبعا وأنزلها بوج، فسميت ~~الطائف بسبب ذلك الطواف. # واختلف في تحريم مكة متى كان؟ فقالت فرقة: جعلها الله حراما يوم خلق ~~السموات والأرض، وقالت فرقة: حرمها إبراهيم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والأول قاله النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خطبته ثاني يوم الفتح، والثاني قاله أيضا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ففي الصحيح عنه: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما ~~بين لابتيها حرام» ، ولا تعارض بين الحديثين، لأن الأول إخبار بسابق علم ~~الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان، والثاني ~~إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكل مقال من هذين ~~الإخبارين حسن في مقامه، عظم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد ~~التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالا لنفسه، ولا ~~محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله تعالى ومن نافذ قضائه وسابق ~~علمه، ومن بدل من قوله أهله، وخص إبراهيم المؤمنين بدعائه. # وقوله تعالى: ومن كفر الآية قال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما: هذا ~~القول من الله عز وجل لإبراهيم، وقرؤوا «فأمتعه» بضم الهمزة وفتح الميم وشد ~~التاء، «ثم اضطره» بقطع الألف وضم الراء، وكذلك قرأ السبعة حاشا ابن عامر، ~~فإنه قرأ «فأمتعه» بضم الهمزة وسكون الميم وتخفيف التاء، «ثم أضطره» بقطع ~~الألف، وقرأ يحيى بن وثاب «فأمتعه» كما قرأ ابن عامر «ثم اضطره» بكسر ~~الهمزة على لغة قريش في قولهم لا إخال، وقرأ أبي بن كعب «فنمتعه» «ثم ~~نضطره» ، ومن شرط والجواب في فأمتعه، وموضع من ms0217 رفع على الابتداء والخبر، ~~ويصح أن يكون موضعها نصبا على تقدير وأرزق من كفر، فلا تكون شرطا. # وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هذا القول هو من إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم، وقرؤوا «فأمتعه» بفتح الهمزة وسكون الميم «ثم اضطره» بوصل الألف وفتح ~~الراء، وقرئت بالكسر، ويجوز فيها الضم، وقرأ ابن محيصن «ثم اطره» بإدغام ~~الضاد في الطاء، وقرأ يزيد بن أبي حبيب «ثم اضطره» بضم الطاء. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فكأن إبراهيم عليه السلام ~~دعا للمؤمنين وعلى الكافرين. # وقليلا معناه مدة العمر، لأن متاع الدنيا قليل، وهو نعت إما لمصدر كأنه ~~قال: متاعا قليلا، وإما PageV01P209 # لزمان، كأنه قال: وقتا قليلا أو زمنا قليلا، والمصير مفعل كموضع من صار ~~يصير، و «بيس» أصلها بئس، وقد تقدمت في «بئسما» ، وأمتعه معناه أخوله ~~الدنيا وأبقيه فيها بقاء قليلا، لأنه فان منقض، وأصل المتاع الزاد، ثم ~~استعمل فيما يكون آخر أمر الإنسان أو عطائه أو أفعاله، قال الشاعر [سليمان ~~بن عبد الملك] : [الطويل] # وقفت على قبر غريب بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق # ومنه تمتيع الزوجات، ويضطر الله الكافر إلى النار جزاء على كفره. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى 129] # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~(129) # المعنى: واذكر إذ، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس، وقال الفراء: «هي ~~الجدر» . # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تجوز، والقواعد من النساء جمع قاعد وهي ~~التي قعدت عن الولد، وحذفت تاء التأنيث لأنه لا دخول للمذكر فيه، هذا قول ~~بعض النحاة، وقد شذ حذفها مع اشتراك المذكر بقولهم ناقة ضامر، ومذهب الخليل ~~أنه متى حذفت تاء التأنيث زال الجري على الفعل وكان ذلك على النسب. # والبيت هنا الكعبة بإجماع، ms0218 واختلف بعض رواة القصص: فقيل إن آدم أمر ~~ببنائه، فبناه، ثم دثر ودرس حتى دل عليه إبراهيم فرفع قواعده، وقيل: إن آدم ~~هبط به من الجنة، وقيل: إنه لما استوحش في الأرض حين نقص طوله وفقد أصوات ~~الملائكة أهبط إليه وهو كالدرة، وقيل: كالياقوتة، وقيل: إن البيت كان ربوة ~~حمراء، وقيل بيضاء، ومن تحته دحيت الأرض، وإن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر ~~الله ورفع قواعده. # والذي يصح من هذا كله أن الله أمر إبراهيم برفع قواعد البيت، وجائز قدمه ~~وجائز أن يكون ذلك ابتداء، ولا يرجح شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر، وقال ~~عبيد بن عمير: رفعها إبراهيم وإسماعيل معا، وقال ابن عباس: رفعها إبراهيم، ~~وإسماعيل يناوله الحجارة، وقال علي بن أبي طالب: رفعها إبراهيم، وإسماعيل ~~طفل صغير. # قال القاضي أبو محمد: ولا يصح هذا عن علي رضي الله عنه، لأن الآية ~~والآثار ترده، وإسماعيل عطف على إبراهيم، وقيل هو مقطوع على الابتداء وخبره ~~فيما بعد، قال الماوردي: # إسماعيل أصله اسمع يا إيل. PageV01P210 # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وتقدير الكلام: يقولان ربنا تقبل، وهي ~~في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود كذلك بثبوت «يقولان» ، وقالت فرقة: ~~التقدير وإسماعيل يقول ربنا، وحذف لدلالة الظاهر عليه، وكل هذا يدل على أن ~~إسماعيل لم يكن طفلا في ذلك الوقت، وخصا هاتين الصفتين لتناسبهما مع ~~حالهما، أي السميع لدعائنا والعليم بنياتنا. # وقولهما اجعلنا بمعنى صيرنا تتعدى إلى مفعولين، ومسلمين هو المفعول ~~الثاني، وكذلك كانا، فإنما أرادا التثبيت والدوام، والإسلام في هذا الموضع ~~الإيمان والأعمال جميعا، وقرأ ابن عباس وعوف: «مسلمين» على الجمع، ومن في ~~قوله ومن ذريتنا للتبعيض، وخص من الذرية بعضا لأن الله تعالى قد كان أعلمه ~~أن منهم ظالمين، والأمة الجماعة، وحكى الطبري أنه أراد بذلك العرب خاصة. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهو ضعيف، لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن ~~آمن من غيرهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي، «أرنا» بكسر الراء، وقرأ ابن كثير ~~«أرنا» بإسكان الراء، وقرأ ms0219 أبو عمرو بين الإسكان والكسر اختلاسا، والأصل ~~أرئينا حذفت الياء للجزم ونقلت حركة الهمزة إلى الراء وحذفت تخفيفا، ~~واستثقل بعد من سكن الراء الكسرة كما استثقلت في فخذ، وهنا من الإجحاف ما ~~ليس في فخذ، وقالت طائفة: أرنا من رؤية البصر، وقالت طائفة: من رؤية القلب، ~~وهو الأصح، ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفعولين، وينفصل عنه ~~بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدى. # قال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر: [الطويل] # أريني جوادا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # وقال قتادة: المناسك معالم الحج، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أنه قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ودعا بهذه الدعوة بعث الله إليه ~~جبريل فحج به، وقال ابن جريج: المناسك المذابح أي مواضع الذبح، وقال فريق ~~من العلماء: المناسك العبادات كلها، ومنه الناسك أي العابد، وفي قراءة ابن ~~مسعود «وأرهم مناسكهم» كأنه يريد الذرية، والتوبة الرجوع، وعرفه شرعا من ~~الشر إلى الخير وتوبة الله على العبد رجوعه به وهدايته له. # واختلف في معنى طلبهم التوبة وهم أنبياء معصومون، فقالت طائفة: طلبا ~~التثبيت والدوام، وقيل: # أرادا من بعدهما من الذرية كما تقول برني فلان وأكرمني وأنت تريد في ولدك ~~وذريتك، وقيل وهو الأحسن عندي: إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا ~~أرادا أن يسنا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب ~~وطلب التوبة. وقال الطبري: إنه ليس أحد من خلق الله تعالى إلا وبينه وبين ~~الله تعالى معان يحب أن تكون أحسن مما هي. # وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ ومن الكبائر ومن الصغائر ~~التي فيها رذيلة، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم ~~معصومون من الجميع، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم «إني لأتوب إلى الله ~~في اليوم وأستغفره سبعين مرة» إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها لتزيد PageV01P211 # علومه واطلاعه على أمر الله، فهو يتوب من ms0220 المنزلة الأولى إلى الأخرى، ~~والتوبة هنا لغوية. # وقوله تعالى: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية، هذا هو الذي أراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقوله «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى» ، ومعنى منهم ~~أن يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص، ويتلوا في موضع نصب نعت لرسول ~~أي تاليا عليهم، ويصح أن يكون في موضع الحال، والآيات آيات القرآن، والكتاب ~~القرآن، ونسب التعليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور ~~التي ينظر فيها ويعلم طرق النظر بما يلقيه الله إليه ويوحيه، وقال قتادة: ~~الحكمة السنة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم الشرائع، وروى ابن وهب عن ~~مالك: أن الحكمة الفقه في الدين والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى، ~~ويزكيهم معناه يطهرهم وينميهم بالخير، ومعنى الزكاة لا يخرج عن التطهير أو ~~التنمية، والعزيز الذي يغلب ويتم مراده ولا يرد، والحكيم المصيب مواقع ~~الفعل المحكم لها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 132] # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~(131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) # من استفهام في موضع رفع بالابتداء، ويرغب خبره، والمعنى يزهد فيها ويربأ ~~بنفسه عنها، والملة الشريعة والطريقة، وسفه من السفه الذي معناه الرقة ~~والخفة، واختلف في نصب نفسه، فقال الزجاج: سفه بمعنى جهل وعداه بالمعنى، ~~وقال غيره: سفه بمعنى أهلك، وحكى ثعلب والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى ~~كسفه بفتح الفاء وشدها، وحكي عن أبي الخطاب أنها لغة، وقال الفراء نصبها ~~على التمييز. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأن السفه يتعلق بالنفس ~~والرأي والخلق، فكأنه ميزها بين هذه ورأوا أن هذا التعريف ليس بمحض لأن ~~الضمير فيه الإبهام الذي في من، فكأن الكلام: # إلا من سفه نفسا، وقال البصريون: لا يجوز التمييز مع هذا ms0221 التعريف، وإنما ~~النصب على تقدير حذف «في» ، فلما انحذف حرف الجر قوي الفعل، وهذا يجري على ~~مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم ضرب فلان الظهر والبطن أي في الظهر والبطن، ~~وحكى مكي أن التقدير إلا من سفه قوله نفسه على أن نفسه تأكيد حذف المؤكد ~~وأقيم التوكيد مقامه قياسا على النعت والمنعوت. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متحامل، و «اصطفى» «افتعل» من الصفوة ~~معناه تخير الأصفى، وأبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في الإطباق، ومعنى ~~هذا الاصطفاء أنه نبأه واتخذه خليلا، وفي الآخرة متعلق باسم فاعل مقدر من ~~الصلاح، ولا يصلح تعلقه ب الصالحين لأن الصلة لا تتقدم الموصول، هذا على أن ~~تكون الألف واللام بمعنى الذي، وقال بعضهم: الألف واللام هنا للتعريف PageV01P212 # ويستقيم الكلام، وقيل: المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام ~~على حذف مضاف. # وقوله تعالى: إذ قال له ربه أسلم، العامل في إذ اصطفيناه، وكان هذا القول ~~من الله حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. والإسلام هنا على أتم وجوهه، ~~وقرأ نافع وابن عامر «وأوصى» ، وقرأ الباقون ووصى، والمعنى واحد، إلا أن ~~وصى يقتضي التكثير، والضمير في بها عائد على كلمته التي هي أسلمت لرب ~~العالمين، وقيل: على الملة المتقدمة، والأول أصوب لأنه أقرب مذكور، وقرأ ~~عمرو بن فائد الأسواري «ويعقوب» بالنصب على أن يعقوب داخل فيمن أوصى، ~~واختلف في إعراب رفعه، فقال قوم من النحاة: التقدير ويعقوب أوصى بنيه أيضا، ~~فهو عطف على إبراهيم، وقال بعضهم: هو مقطوع منفرد بقوله يا بني، فتقدير ~~الكلام ويعقوب قال يا بني، واصطفى هنا معناه تخير صفوة الأديان، والألف ~~واللام في الدين للعهد، لأنهم قد كانوا عرفوه، وكسرت إن بعد وصى لأنها ~~بمعنى القول، ولذلك سقطت «إن» التي تقتضيها «وصى» في قوله «أن يا بني» ، ~~وقرأ ابن مسعود والضحاك «أن يا بني» بثبوت أن. # وقوله تعالى: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون إيجاز بليغ، وذلك أن المقصود ~~منه أمرهم بالإسلام والدوام عليه، فأتى ذلك بلفظ موجز يقتضي المقصود ويتضمن ~~وعظا ms0222 وتذكيرا بالموت، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى؟ فإذا أمر ~~بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجه من وقت الأمر دائبا لازما، ~~وحكى سيبويه فيما يشبه هذا المعنى قولهم: لا أرينك هاهنا، وليس إلى المأمور ~~أن يحجب إدراك الأمر عنه، فإنما المقصود: اذهب وزل عن هاهنا، فجاء بالمقصود ~~بلفظ يزيد معنى الغضب والكراهية، وأنتم مسلمون ابتداء وخبر في موضع الحال. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 133 الى 135] # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا ~~يعملون (134) وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين (135) # هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ~~ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية، فرد الله تعالى عليهم وكذبهم، وأعلمهم ~~أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام، وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: ~~أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم؟، أي لم تشهدوا بل أنتم ~~تفترون، وأم تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية، وحكى ~~الطبري أن أم يستفهم بها في وسط كلام قد تقدم صدره، وهذا منه، ومنه أم ~~يقولون افتراه [يونس: 38، هود: 13، 35، السجدة: 3، الأحقاف: 8] ، وقال قوم: ~~أم بمعنى بل، والتقدير بل شهد أسلافكم يعقوب وعلمتم منهم ما أوصى به، ~~ولكنكم كفرتم جحدا ونسبتموهم إلى غير الحنيفية عنادا، والأظهر أنها التي PageV01P213 # بمعنى بل وألف الاستفهام معا، و «شهداء» جمع شاهد أي حاضر، ومعنى الآية ~~حضر يعقوب مقدمات الموت، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئا، وقدم ~~يعقوب على جهة تقديم الأهم، والعامل في إذ: شهداء، وإذ قال بدل من إذ ~~الأولى، وعبر عن المعبود بما تجربة لهم، ولم يقل من لئلا يطرق لهم ~~الاهتداء، وإنما أراد أن يختبرهم، وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون الله ~~تعالى ms0223 جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة فاستفهمهم عما يعبدون من ~~هذه، ومن بعدي أي من بعد موتي، وحكي أن يعقوب عليه السلام حين خير كما يخير ~~الأنبياء اختار الموت، وقال أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم ~~هذا فاهتدوا وقالوا: نعبد إلهك الآية، فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم ~~بالله تعالى، ودخل إسماعيل في الآباء لأنه عم. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العباس: «ردوا علي أبي، إني أخاف أن ~~تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود» . # وقال عنه في موطن آخر: «هذا بقية آبائي» ، ومنه قوله عليه السلام: «أنا ~~ابن الذبيحين» على القول الشهير في أن إسحاق هو الذبيح. # وقرأ الحسن وابن يعمر والجحدري وأبو رجاء «وإله أبيك» ، واختلف بعد فقيل ~~هو اسم مفرد أرادوا به إبراهيم وحده، وقال بعضهم: هو جمع سلامة، وحكى ~~سيبويه أب وأبون وأبين. قال الشاعر: [زياد بن واصل السلمي] : [المتقارب] : # فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا # وقال ابن زيد: يقال قدم إسماعيل لأنه أسن من إسحاق، وإلها بدل من إلهك، ~~وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية، وقيل إلها حال، وهذا قول حسن، لأن الغرض ~~إثبات حال الوحدانية، نحن له مسلمون ابتداء وخبر، أي كذلك كنا نحن ونكون، ~~ويحتمل أن يكون في موضع الحال والعامل نعبد، والتأويل الأول أمدح. # وقوله تعالى: قد خلت في موضع رفع نعت لأمة، ومعناه ماتت وصارت إلى الخلاء ~~من الأرض، ويعني بالأمة الأنبياء المذكورون، والمخاطب في هذه الآية اليهود ~~والنصارى، أي أنتم أيها الناحلوهم اليهودية والنصرانية، ذلك لا ينفعكم، لأن ~~كل نفس لها ما كسبت من خير وشر، فخيرهم لا ينفعكم إن كسبتم شرا، وفي هذه ~~الآية رد على الجبرية القائلين لا اكتساب للعبد، ولا تسئلون عما كانوا ~~يعملون فتنحلوهم دينا. # وقولهم: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا نظير قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى [البقرة: 111] ، ونصب ملة بإضمار فعل، أي بل نتبع ملة، وقيل ~~نصبت على الإغراء، وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة «بل ملة» بالرفع ms0224 والتقدير بل ~~الهدى ملة، وحنيفا حال، وقيل نصب بإضمار فعل، لأن الحال تعلق من المضاف ~~إليه، والحنف الميل، ومنه الأحنف لمن مالت إحدى قدميه إلى الأخرى، والحنيف ~~في الدين الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق، وقال قوم: الحنف ~~الاستقامة، وسمي المعوج القدمين أحنف تفاؤلا كما قيل سليم ومفازة، ويجيء ~~الحنيف في الدين المستقيم على جميع طاعات الله عز وجل، وقد PageV01P214 # خصص بعض المفسرين، فقال قوم: الحنيف الحاج، وقال آخرون: المختتن، وهذه ~~أجزاء الحنف. # ونفى عنه الإشراك فانتفت عبادة الأوثان واليهودية لقولهم عزير ابن الله، ~~والنصرانية لقولهم المسيح ابن الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 136 الى 138] # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) صبغة الله ~~ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) # هذا الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، علمهم الله الإيمان، وما أنزل ~~إلينا يعني به القرآن، وصحت إضافة الإنزال إليهم من حيث هم المأمورون ~~المنهيون فيه، وإبراهيم وإسماعيل يجمعان براهيم وسماعيل، هذا هو اختيار ~~سيبويه والخليل، وقال قوم «براهم» ، وقال الكوفيون: «براهمة وسماعلة» ، ~~وقال المبرد: «أباره وأسامع» ، وأجاز ثعلب «براه» كما يقال في التصغير ~~«بريه» ، والأسباط هم ولد يعقوب، وهم روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وربالون ~~ويشحر ودنية بنته وأمهم ليا، ثم خلف على أختها راحيل فولدت له يوسف ~~وبنيامين، وولد له من سريتين ذان وتفثالي وجاد وأشرو، والسبط في بني ~~إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسموا الأسباط لأنه كان من كل واحد ~~منهم سبط، وما أوتي موسى هو التوراة وآياته، و «ما أوتي عيسى» هو الإنجيل ~~وآياته، فالمعنى أنا نؤمن بجميع الأنبياء لأن جميعهم جاء بالايمان بالله، ~~فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع، ولا نفرق بين أحد منهم ms0225 أي لا ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما تفعلون، وفي الكلام حذف تقديره: بين أحد منهم ~~وبين نظيره، فاختصر لفهم السامع، والضمير في له عائد على اسم الله عز وجل. # وقوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به الآية، خطاب لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وأمته. # والمعنى إن صدقوا تصديقا مثل تصديقكم، فالمماثلة وقعت بين الإيمانين، هذا ~~قول بعض المتأولين، وقيل الباء زائدة مؤكدة، والتقدير آمنوا مثل، والضمير ~~في به عائد كالضمير في له، فكأن الكلام فإن آمنوا بالله مثل ما آمنتم به، ~~ويظهر عود الضمير على ما، وقيل «مثل» زائدة كما هي في قوله ليس كمثله شيء ~~[الشورى: 11] ، وقالت فرقة: هذا من مجاز الكلام، تقول هذا أمر لا يفعله ~~مثلك أي لا تفعله أنت، فالمعنى فإن آمنوا بالذي آمنتم به، هذا قول ابن ~~عباس، وقد حكاه عنه الطبري قراءة، ثم أسند إليه أنه قال: «لا تقولوا فإن ~~آمنوا بمثل ما آمنتم به، فإنه لا مثل لله تعالى، ولكن قولوا فإن آمنوا ~~بالذي آمنتم أو بما آمنتم به» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على جهة التفسير، أي ~~هكذا فليتأول، PageV01P215 # وحكاهما أبو عمرو الداني قراءتين عن ابن عباس فالله أعلم. # وقوله تعالى: وإن تولوا أي أعرضوا، يعني به اليهود والنصارى، والشقاق ~~المشاقة والمحادة والمخالفة، أي في شقاق لك هم في شق وأنت في شق، وقيل: شاق ~~معناه شق كل واحد وصل ما بينه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إياهم ~~ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء النضير. # وهذا الوعد وانتجازه من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والسميع ~~لقول كل قائل، العليم بما يجب أن ينفذ في عباده. # وصبغة الله شريعته وسنته وفطرته، قال كثير من المفسرين: وذلك أن النصارى ~~لهم ماء يصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك: وقيل: سمي الدين صبغة ~~استعارة من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر الصبغ في الثوب ~~وغيره، ونصب الصبغة على ms0226 الإغراء، وقيل بدل من ملة، وقيل نصب على المصدر ~~المؤكد لأن ما قبله من قوله فقد اهتدوا هو في معنى يلبسون أو يتجللون صبغة ~~الله، وقيل: التقدير ونحن له مسلمون صبغة الله، فهي متصلة بالآية المتقدمة، ~~وقال الطبري من قرأ برفع «ملة» قرأ برفع «صبغة» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد ذكرتها عن الأعرج وابن ~~أبي عبلة. ونحن له عابدون ابتداء وخبر. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 139 الى 141] # قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ~~وما الله بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ~~ولا تسئلون عما كانوا يعملون (141) # معنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء ~~الله وأحباؤه، وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم أديانهم وكتبهم: أتحاجوننا ~~في الله؟ أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم، والرب تعالى واحد وكل مجازى ~~بعمله، فأي تأثير لقدم الدين؟، ثم وبخوا بقوله ونحن له مخلصون أي ولم ~~تخلصوا أنتم، فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم؟. # وقرأ ابن محيصن «أتحاجونا» بإدغام النون في النون، وخف الجمع بين ساكنين ~~لأن الأول حرف مد ولين، فالمد كالحركة، ومن هذا الباب دابة وشابة، وفي الله ~~معناه في دينه والقرب منه والحظوة لديه. # وقوله تعالى: أم تقولون عطف على ألف الاستفهام المتقدمة، وهذه القراءة ~~بالتاء من فوق قرأها PageV01P216 # ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وأبو بكر عن عاصم «أم يقولون» بالياء من أسفل، وأم على هذه القراءة مقطوعة، ~~ذكره الطبري، وحكي عن بعض النحاة أنها ليست بمقطوعة لأنك إذا قلت أتقوم أم ~~يقوم عمرو؟ فالمعنى أيكون هذا أم هذا؟. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا المثال غير جيد، ms0227 لأن ~~القائل فيه واحد والمخاطب واحد، والقول في الآية من اثنين والمخاطب اثنان ~~غيران، وإنما تتجه معادلة أم للألف على الحكم المعنوي كأن معنى قل ~~أتحاجوننا أي أيحاجون يا محمد أم يقولون، وقيل إن أم في هذا الموضع غير ~~معادلة على القراءتين، وحجة ذلك اختلاف معنى الآيتين وإنهما ليسا قسمين، بل ~~المحاجة موجودة في دعواهم الأنبياء عليهم السلام، ووقفهم تعالى على موضع ~~الانقطاع في الحجة، لأنهم إن قالوا إن الأنبياء المذكورين على اليهودية ~~والنصرانية كذبوا، لأنه قد علم أن هذين الدينين حدثا بعدهم، وإن قالوا لم ~~يكونوا على اليهودية والنصرانية قيل لهم فهلموا إلى دينهم إذ تقرون بالحق. # وقوله تعالى: قل أأنتم أعلم أم الله تقرير على فساد دعواهم إذ لا جواب ~~لمفطور إلا أن الله تعالى أعلم، ومن أظلم لفظه الاستفهام والمعنى لا أحد ~~أظلم منهم، وإياهم أراد تعالى بكتمان الشهادة. # واختلف في الشهادة هنا ما هي؟ فقال مجاهد والحسن والربيع: هي ما في كتبهم ~~من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوا هم، وقال قتادة وابن زيد: هي ~~ما عندهم من الأمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم واتباعه، والأول أشبه ~~بسياق معنى الآية، واستودعهم الله تعالى هذه الشهادة ولذلك قال: من الله، ف ~~من على هذا متعلقة ب عنده، كأن المعنى شهادة تحصلت له من الله، ويحتمل أن ~~تتعلق من ب كتم، أي كتمها من الله. # وقوله تعالى: وما الله بغافل عما تعملون، وعيد وإعلام أنه لا يترك أمرهم ~~سدى، وأن أعمالهم تحصل ويجازون عليها، والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالا ~~منه، مأخوذ من الأرض الغفل، وهي التي لا معلم بها. # وقوله تعالى: تلك أمة الآية، كررها عن قرب لأنها تضمنت معنى التهديد ~~والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم ~~فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها، ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير ~~الأول. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 142 الى 143] # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ms0228 عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف ~~رحيم (143) PageV01P217 # أعلم الله تعالى في هذه الآية أنهم سيقولون في شأن تحول المؤمنين من ~~الشام إلى الكعبة: ما ولاهم؟ والسفهاء هم الخفاف الأحكام والعقول، والسفه ~~الخفة والهلهلة، ثوب سفيه أي غير متقن النسج، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # أي استخفتها، وخص بقوله من الناس، لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات، ~~والمراد ب السفهاء هنا جميع من قال ما ولاهم، وقالها فرق. # واختلف في تعيينهم، فقال ابن عباس: «قالها الأحبار منهم» ، وذلك أنهم ~~جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتنا؟ ~~ارجع إليها ونؤمن بك، يريدون فتنته، وقال السدي: قالها بعض اليهود ~~والمنافقون استهزاء، وذلك أنهم قالوا: اشتاق الرجل إلى وطنه، وقالت طائفة: ~~قالها كفار قريش، لأنهم قالوا: ما ولاه عن قبلته؟ ما رجع إلينا إلا لعلمه ~~أنا على الحق وسيرجع إلى ديننا كله، وولاهم معناه صرفهم، والقبلة فعلة هيئة ~~المقابل للشيء، فهي كالقعدة والإزرة، وجعل المستقبل موضع الماضي في قوله ~~سيقول دلالة على استدامة ذلك، وأنهم يستمرون على ذلك القول، ونص ابن عباس ~~وغيره أن الآية نزلت بعد قولهم. # وقوله تعالى: قل لله المشرق والمغرب إقامة حجة، أي له ملك المشارق ~~والمغارب وما بينهما، ويهدي من يشاء، إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة ~~إلى قبلة إبراهيم، والصراط: الطريق. # واختلف العلماء هل كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت ~~المقدس بأمر من الله تعالى في القرآن أو بوحي غير متلو؟، فذكر ابن فورك عن ~~ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن القبلة، وقال الجمهور: بل كان ms0229 أمر قبلة ~~بيت المقدس بوحي غير متلو، وقال الربيع: خير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في النواحي فاختار بيت المقدس، ليستألف بها أهل الكتاب، ومن قال كان بوحي ~~غير متلو قال: كان ذلك ليختبر الله تعالى من آمن من العرب، لأنهم كانوا ~~يألفون الكعبة وينافرون بيت المقدس وغيره. # واختلف كم صلى إلى بيت المقدس، ففي البخاري: ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، ~~وروي عن أنس بن مالك: تسعة أو عشرة أشهر، وروي عن غيره: ثلاثة عشر شهرا، ~~وحكى مكي عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال: أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ~~ركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، ثم كان الإسراء ليلة سبع عشرة من ~~شهر ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، ففرضت الخمس، وأم فيها جبريل عليه ~~السلام، وكانت أول صلاة الظهر، وتوجه بالنبي صلى الله عليهما وسلم إلى بيت ~~المقدس، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ربيع الأول، ~~وتمادى إلى بيت المقدس إلى رجب من سنة اثنتين، وقيل إلى جمادى، وقيل إلى ~~نصف شعبان. # وقوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا، الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله ~~يهدي من PageV01P218 # يشاء # ، أي كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته كذلك جعلناكم أمة وسطا، وأمة ~~مفعول ثان، ووسطا نعت، والأمة القرون من الناس، ووسطا معناه عدولا، روي ذلك ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظاهرت به عبارة المفسرين، والوسط ~~الخيار والأعلى من الشيء، كما تقول وسط القوم، وواسطة القلادة أنفس حجر ~~فيها، والأمير وسط الجيش، وكقوله تعالى قال أوسطهم [القلم: 28] ، والوسط ~~بإسكان السين ظرف مبني على الفتح، وقد جاء متمكنا في بعض الروايات في بيت ~~الفرزدق: # فجاءت بملجوم كأن جبينه ... صلاءة ورس وسطها قد تفلقا # برفع الطاء والضمير عائد على الصلاءة، وروي بفتح الطاء والضمير عائد على ~~الجائية، فإذا قلت حفرت وسط الدار أو وسط الدار فالمعنى مختلف. # قال بعض العلماء: أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تغل في الدين كما فعلت ~~اليهود، ولا افترت كالنصارى، ms0230 فهي متوسطة، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة، ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الأمور أوساطها» أي خيارها، وقد يكون ~~العلو والخير في الشيء لما بأنه أنفس جنسه، وأما أن يكون بين الإفراط ~~والتقصير فهو خيار من هذه الجهة وشهداء جمع شاهد في هذا الموضع. # واختلف المفسرون في المراد ب الناس في هذا الموضع، فقالت فرقة: هم جميع ~~الجنس، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد يوم القيامة للأنبياء على أممهم ~~بالتبليغ، وذلك أن نوحا تناكره أمته في التبليغ، فتقول له أمة محمد نحن ~~نشهد لك، فيشهدون، فيقول الله لهم: كيف شهدتم على ما لم تحضروا؟، فيقولون: ~~أي ربنا جاءنا رسولك ونزل إلينا كتابك فنحن نشهد بما عهدت إلينا وأعلمتنا ~~به، فيقول الله تعالى: صدقتم، وروي في هذا المعنى حديث صحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وروي عنه أن أمته تشهد لكل نبي ناكره قومه، وقال مجاهد: ~~معنى الآية تشهدون لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ الناس في مدته من ~~اليهود والنصارى والمجوس. # وقالت طائفة: معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين مرت به جنازة فأثني عليها بالخير، فقال: وجبت، ثم ~~مر بأخرى، فأثني عليها بشر، فقال: # وجبت، يعني الجنة والنار، فسئل عن ذلك، فقال: «أنتم شهداء الله في الأرض» ~~، وروي في بعض الطرق أنه قرأ لتكونوا شهداء على الناس. # ويكون الرسول عليكم شهيدا قيل: معناه بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: عليكم ~~بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان، وقيل: أي يشهد عليكم بالتبليغ إليكم. # وقوله تعالى: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الآية، قال قتادة والسدي ~~وعطاء وغيرهم: القبلة هنا بيت المقدس. والمعنى لم نجعلها حين أمرناك بها ~~أولا إلا فتنة لنعلم من يتبعك من العرب الذين إنما يألفون مسجد مكة، أو من ~~اليهود على ما قال الضحاك من أن الأحبار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء، فإن صليت إليه اتبعناك، ms0231 فأمره الله ~~بالصلاة إليه امتحانا لهم فلم يؤمنوا، وقال PageV01P219 # بعض من ذكر: القبلة بيت المقدس، والمعنى: وما جعلنا صرف القبلة التي كنت ~~عليها وتحويلها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقال ابن عباس: ~~القبلة في الآية الكعبة، وكنت بمعنى أنت كقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس [آل عمران: 110] بمعنى أنتم، أي وما جعلناها وصرفناك إليها إلا فتنة، ~~وروي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة أكثر في ~~ذلك اليهود والمنافقون وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلت الآية، وقال ابن جريج: ~~بلغني أن ناسا ممن كان أسلم رجعوا عن الإسلام، ومعنى قوله تعالى: لنعلم أي ~~ليعلم رسولي والمؤمنون به، وجاء الإسناد بنون العظمة إذ هم حزبه وخالصته، ~~وهذا شائع في كلام العرب كما تقول: فتح عمر العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ~~ذلك جنده وأتباعه، فهذا وجه التجوز إذا ورد علم الله تعالى بلفظ استقبال ~~لأنه قديم لم يزل، ووجه آخر: # وهو أن الله تعالى قد علم في الأزل من يتبع الرسول واستمر العلم حتى وقع ~~حدوثهم واستمر في حين الاتباع والانقلاب ويستمر بعد ذلك، والله تعالى متصف ~~في كل ذلك بأنه يعلم، فأراد بقوله لنعلم ذكر علمه وقت مواقعتهم الطاعة ~~والمعصية، إذ بذلك الوقت يتعلق الثواب والعقاب، فليس معنى لنعلم لنبتدىء ~~العلم وإنما المعنى لنعلم ذلك موجودا، وحكى ابن فورك أن معنى لنعلم لنثيب، ~~فالمعنى لنعلمهم في حال استحقوا فيها الثواب، وعلق العلم بأفعالهم لتقوى ~~الحجة ويقع التثبت فيما علمه لا مدافعة لهم فيه، وحكى ابن فورك أيضا أن ~~معنى لنعلم لنميز، وذكره الطبري عن ابن عباس، وحكى الطبري أيضا أن معنى ~~لنعلم لنرى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله متقارب، والقاعدة نفي استقبال العلم بعد ~~أن لم يكن، وقرأ الزهري ليعلم على ما لم يسم فاعله. # وينقلب على عقبيه عبارة عن المرتد الراجع عما كان فيه من إيمان أو شغل أو ~~غير ذلك، والرجوع على العقب أسوأ حالات الراجع في مشيه عن وجهته، فلذلك ms0232 شبه ~~المرتد في الدين به، وظاهر التشبيه أنه بالمتقهقر، وهي مشية الحيوان الفازع ~~من شيء قد قرب منه، ويحتمل أن يكون هذا التشبيه بالذي رد ظهره ومشى أدراجه ~~فإنه عند انقلابه إنما ينقلب على عقبيه. # وقوله تعالى: وإن كانت لكبيرة الآية، الضمير في كانت راجع إلى القبلة إلى ~~بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة حسب ما ذكرناه من الاختلاف في ~~القبلة، وقال ابن زيد: «هو راجع إلى الصلاة التي صليت إلى بيت المقدس» ، ~~وشهد الله تعالى في هذه الآية للمتبعين بالهداية، و «كبيرة» هنا معناه شاقة ~~صعبة تكبر في الصدور، وإن هي المخففة من الثقيلة، ولذلك لزمتها اللام لتزيل ~~اللبس الذي بينها وبين النافية، وإذا ظهر التثقيل في إن فلربما لزمت اللام ~~وربما لم تلزم، وقال الفراء: إن بمعنى ما واللام بمنزلة إلا. # ولما حولت القبلة كان من قول اليهود: يا محمد إن كانت الأولى حقا فأنت ~~الآن على باطل، وإن كانت هذه حقا فكنت في الأولى على ضلال. فوجست نفوس بعض ~~المؤمنين وأشفقوا على من مات قبل التحويل على صلاتهم السالفة، فنزلت وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم، وخاطب الحاضرين والمراد من PageV01P220 # حضر ومن مات، لأن الحاضر يغلب، كما تقول العرب: ألم نقتلكم في موطن كذا؟، ~~ومن خوطب لم يقتل ولكنه غلب لحضوره، وقرأ الضحاك ليضيع بفتح الضاد وشد ~~الياء، وقال ابن عباس والبراء بن عازب وقتادة والسدي والربيع وغيرهم: ~~الإيمان هنا الصلاة. وسمى الصلاة إيمانا لما كانت صادرة عن الإيمان ~~والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطبا عليه ~~تدور الأعمال وكان ثابتا في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به ~~يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة ~~المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضا فسميت ~~إيمانا إذ هي من شعب الإيمان، والرأفة أعلى منازل الرحمة، وقرأ قوم لرؤف ~~على وزن فعل، ومنه قول الوليد بن عقبة: [الطالبان] : [الوافر] # وشر الطالبين ms0233 فلا تكنه ... بقاتل عمه الرؤوف الرحيم # تقول العرب: رؤف ورؤوف ورئف كحذر ورأف وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع لرووف ~~بغير همز، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى ساكنة كانت أو متحركة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 144 الى 145] # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) ولئن أتيت الذين أوتوا ~~الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة ~~بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ~~(145) # المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب ~~الرغائب، تقول: # بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان، ومنه قول الشاعر: [الطويل] رجعت بما ~~أبغي ووجهي بمائه وأيضا فالوجه يتقلب بتقلب البصر، وقال قتادة والسدي ~~وغيرهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الدعاء إلى الله ~~تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة، وقيل كان يقلب ليؤذن له في الدعاء، ومعنى ~~التقلب نحو السماء أن السماء جهة قد تعود العالم منها الرحمة كالمطر ~~والأنوار والوحي فهم يجعلون رغبتهم حيث توالت النعم، وترضاها معناه تحبها ~~وتقر بها عينك. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الكعبة والتحول عن بيت المقدس ~~لوجوه ثلاثة رويت، فقال مجاهد: لقول اليهود ما علم محمد دينه حتى اتبعنا، ~~وقال ابن عباس: وليصيب قبلة إبراهيم عليه السلام، وقال الربيع والسدي: ~~وليستألف العرب لمحبتها في الكعبة، وقال عبد الله بن عمر: إنما وجه PageV01P221 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته حيال ميزاب الكعبة، وقال ابن عباس ~~وغيره: بل وجه إلى البيت كله. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والميزاب هو قبلة المدينة ~~والشام، وهنالك قبلة أهل الأندلس بلا ريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل ~~أفق، وقوله تعالى: فول وجهك ms0234 شطر المسجد الآية، أمر بالتحول ونسخ لقبلة ~~الشام، وقيل: نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الظهر بعد ~~ركعتين منها فتحول في الصلاة، وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة، وقيل: إنما نزلت هذه الآية في غير ~~صلاة وكانت أول صلاة إلى الكعبة العصر، وشطر نصب على الظرف ويشبه المفعول ~~به لوقوع الفعل عليه ومعناه نحو وتلقاء، قال ابن أحمر: [البسيط] # تعدو بنا شطر نجد وهي عاقدة ... قد كارب العقد من إيفادها الحقبا # وقال غيره: [الوافر] # أقول لأم زنباع أقيمي ... صدور العيس شطر بني تميم # وقال لقيط: [البسيط] # وقد أظلكم من شطر ثغركم ... هول له ظلم تغشاكم قطعا # وقال غيره [خفاف بن عمير] : [الوافر] # ألا من مبلغ عمرا رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو # وحيث ما كنتم فولوا أمر للأمة ناسخ، وقال داود بن أبي هند: إن في حرف ابن ~~مسعود: فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وقال محمد بن طلحة: إن فيه: فولوا ~~وجوهكم قبله، وقرأ ابن أبي عبلة: # «فولوا وجوهكم تلقاءه» ، والذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، وقال ~~السدي: المراد اليهود. # قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر، والمعنى أن اليهود والنصارى يعلمون أن ~~الكعبة هي قبلة إبراهيم إمام الأمم، وأن استقبالها هو الحق الواجب على ~~الجميع اتباعا لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وقرأ ابن ~~عامر وحمزة والكسائي «عما تعملون» بتاء على المخاطبة، فإما على إرادة أهل ~~الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله ~~تعالى لا يهمل العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد، وقرأ الباقون بالياء من ~~تحت. # وقوله تعالى: ولئن أتيت الآية، أعلم الله تعالى نبيه حين قالت له اليهود: ~~راجع بيت المقدس ونؤمن بك مخادعة منهم أنهم لا يتبعون له قبلة، يعني جملتهم ~~لأن البعض قد اتبع كعبد الله بن سلام وغيره وأنهم لا يدينون بدينه، أي فلا ~~تصغ إليهم، والآية هنا: العلامة، ms0235 وجاء جواب لئن كجواب «لو» وهي ضدها في أن ~~«لو» تطلب المضي والوقوع و «إن» تطلب الاستقبال لأنهما جميعا يترتب قبلهما ~~معنى القسم، فالجواب إنما هو للقسم، لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا ~~قول سيبويه. PageV01P222 # وقوله تعالى جلت قدرته وما أنت بتابع قبلتهم لفظ خبر يتضمن الأمر، أي فلا ~~تركن إلى شيء من ذلك، وقوله تعالى: وما بعضهم الآية، قال السدي وابن زيد: ~~المعنى ليست اليهود متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، ~~فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم، وقال غيرهما: معنى الآية: وما من ~~أسلم معك منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم بمتبع قبلة من أسلم. # قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر في الأبعاض، وقبلة النصارى مشرق الشمس ~~وقبلة اليهود بيت المقدس. # وقوله تعالى: ولئن اتبعت الآية، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته، وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي صلى الله عليه وسلم ظلما ~~متوقعا فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ~~ذلك لا يكون منه فإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم تعظيما للأمر. # والأهواء جمع هوى، ولا يجمع على أهوية، على أنهم قد قالوا: ندى وأندية. ~~قال الشاعر: [مرة بن محكان] : [البسيط] # في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا # وهوى النفس إنما يستعمل في الأكثر: فيما لا خير فيه، وقد يستعمل في الخير ~~مقيدا به، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أسرى بدر: فهوي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، و «إذا» حرف معناه أن تقرر ما ذكر. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 146 الى 149] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) ولكل وجهة ~~هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ms0236 إن الله على ~~كل شيء قدير (148) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ~~ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) # الذين في موضع رفع بالابتداء، والخبر يعرفونه، ويصح أن يكون في موضع خفض ~~نعتا للظالمين ويعرفونه في موضع الحال. # وخص الأبناء دون الأنفس وهي ألصق، لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا ~~يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه، والمراد هنا معرفة ~~الوجه وميزه لا معرفة حقيقة النسب، ولعبد الله بن سلام رضي الله عنه في هذا ~~الموضع كلام معترض يأتي موضعه إن شاء الله، والضمير في يعرفونه عائد على ~~الحق في القبلة والتحول بأمر الله إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة وابن ~~جريج والربيع، وقال قتادة أيضا PageV01P223 # ومجاهد وغيرهما: هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، أي يعرفون صدقه ~~ونبوته، والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم، والإشارة بالحق ~~إلى ما تقدم من الخلاف في ضمير يعرفونه، فعم الحق مبالغة في ذمهم، وهم ~~يعلمون ظاهر في صحة الكفر عنادا. # وقوله تعالى: الحق من ربك، الحق رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو ~~الحق، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده، وقرأ علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه الحق بالنصب، على أن العامل فيه يعلمون، ويصح نصبه على تقدير: ~~الزم الحق. # وقوله تعالى: فلا تكونن من الممترين، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته، وامترى في الشيء إذا شك فيه، ومنه المراء لأن هذا يشك في قول ~~هذا، وأنشد الطبري- شاهدا على أن الممترين الشاكون- قول الأعشى: [المتقارب] # تدر على اسؤق الممترين ... ركضا إذا ما السراب ارجحن # ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا: الممترون في البيت هم الذين ~~يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، فليس في البيت ~~معنى من الشك كما قال الطبري. # وقوله تعالى: لكل وجهة # الآية، الوجهة: فعلة من المواجهة كالقبلة، وقوله: # وعائد على اللفظ المفرد في «كل» ، والمراد به الجماعات. # المعنى: لكل ms0237 صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه، قاله الربيع وعطاء وابن عباس، ~~وقرأ ابن عباس وابن عامر وحده من السبعة هو مولاها، وقالت طائفة: الضمير في ~~و/ 148 # عائد على الله تعالى، والمعنى: الله موليها إياهم، وقالت فرقة: المعنى في ~~الآية أن للكل دينا وشرعا وهو دين الله وملة محمد وهو موليها إياهم اتبعها ~~من اتبعها وتركها من تركها، وقال قتادة: المراد بالآية أن الصلاة إلى الشام ~~ثم الصلاة إلى الكعبة لكل واحدة منهما وجهة الله موليها إياهم، وحكى الطبري ~~أن قوما قرؤوا لكل وجهة # بإضافة كل إلى وجهة، وخطأها الطبري. # قال القاضي أبو محمد: وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ~~ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع، وقدم ~~قوله: كل وجهة # على الأمر في قوله: # ستبقوا # للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ~~ابن عباس رضي الله عنه وسلمت الواو في وجهة ولم تجر كعدة وزنة لأن جهة # ظرف وتلك مصادر فسلمت للفرق، وأيضا فليكمل بناء الهيئة كالجلسة، قال أبو ~~علي: ذهب قوم إلى أنه مصدر شذ عن القياس فسلم، ومال قوم إلى أنه اسم ليس ~~بمصدر. # قال غير أبي علي: وإذا أردت المصدر قلت جهة. # قال القاضي أبو محمد: وقد يقال الجهة في الظرف، وحكى الطبري عن منصور أنه ~~قال: نحن نقرؤها «ولكل جعلنا قبلة يرضونها» . PageV01P224 # ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات والبدار إلى سبيل النجاة، ثم وعظهم ~~بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيدا وتحذيرا. # وقوله: أت بكم الله جميعا # يعني به البعث من القبور، ثم اتصف الله تعالى بالقدرة على كل شيء مقدور ~~عليه لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإتيان بهم. # وقوله تعالى: ومن حيث خرجت، معناه حيث كنت وأنى توجهت من مشارق الأرض ~~ومغاربها، ثم تكررت هذه الآية تأكيدا من الله تعالى، لأن موقع التحويل كان ~~صعبا في نفوسهم جدا فأكد الأمر ليرى الناس التهمم به فيخف عليهم وتسكن ~~نفوسهم إليه. # قوله عز وجل: ms0238 ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 150 الى 151] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) # قوله تعالى: فولوا وجوهكم شطره هو فرض استقبال القبلة على المصلين، وفرض ~~المصلي ما دام يرى الكعبة أن يصادفها باستقباله، فإذا غابت عنه ففرضه ~~الاجتهاد في مصادفتها، فإن اجتهد ثم كشف الغيب أنه أخطأ فلا شيء عليه عند ~~كثير من العلماء، ورأى مالك رحمه الله أن يعيد في الوقت إحرازا لفضيلة ~~القبلة. # وقوله تعالى: لئلا يكون للناس عليكم حجة الآية، قرأ نافع وحده بتسهيل ~~الهمزة، وقرأ الباقون لئلا بالهمز، والمعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم ~~والحجة في ذلك لئلا، وقوله: للناس عموم في اليهود والعرب وغيرهم، وقيل: ~~المراد بالناس اليهود ثم استثنى كفار العرب. # قال القاضي أبو محمد: وقوله منهم يرد هذا التأويل، وقالت فرقة إلا الذين ~~استثناء متصل، وهذا مع عموم لفظة الناس، والمعنى أنه لا حجة لأحد عليكم إلا ~~الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني اليهود وغيرهم من كل من تكلم في النازلة ~~في قولهم ما ولاهم استهزاء، وفي قولهم: تحير محمد في دينه، وغير ذلك من ~~الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو من منافق، وسماها ~~تعالى حجة وحكم بفسادها حين كانت من ظلمة، وقالت طائفة إلا الذين استثناء ~~منقطع وهذا مع كون الناس اليهود فقط، وقد ذكرنا ضعف هذا القول، والمعنى: ~~لكن الذين ظلموا يعني كفار قريش في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ~~ديننا كله، ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود، وقرأ ابن ~~عباس وزيد بن علي وابن زيد: «ألا» بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى ~~استفتاح لكلام، فيكون الذين ابتداء، أو على معنى الإغراء بهم فيكون الذين ~~نصبا بفعل مقدر. ms0239 PageV01P225 # وقوله تعالى: فلا تخشوهم واخشوني الآية، تحقير لشأنهم وأمر باطراح أمرهم ~~ومراعاة أمره، وقوله ولأتم عطف على قوله لئلا، وقيل: هو مقطوع في موضع رفع ~~بالابتداء والخبر مضمر بعد ذاك، والتقدير لأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ~~ونحوه. ولعلكم تهتدون ترج في حق البشر. # والكاف في قوله كما رد على قوله لأتم أي إتماما كما، وهذا أحسن الأقوال، ~~أي لأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم إجابة لدعوته في قوله ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية، وقيل: ~~الكاف من كما رد على تهتدون، أي اهتداء كما، وقيل، هو في موضع نصب على ~~الحال، وقيل: هو في معنى التأخير متعلق بقوله فاذكروني، وهذه الآية خطاب ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المعني بقوله رسولا منكم، ويتلوا في موضع ~~نصب على الصفة، والآيات: القرآن، ويزكيكم يطهركم من الكفر وينميكم بالطاعة، ~~والكتاب القرآن، والحكمة ما يتلقى عنه عليه السلام من سنة وفقه في دين، وما ~~لم تكونوا تعلمون قصص من سلف وقصص ما يأتي من الغيوب. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 152 الى 157] # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) يا أيها الذين آمنوا ~~استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ولا تقولوا لمن يقتل في ~~سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) # قال سعيد بن جبير: معنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة. # قال القاضي أبو محمد: أي اذكروني عند كل أموركم فيحملكم خوفي على الطاعة ~~فأذكركم حينئذ بالثواب، وقال الربيع والسدي: المعنى اذكروني بالدعاء ~~والتسبيح ونحوه. # وفي الحديث: إن الله تعالى يقول: «ابن آدم اذكرني في الرخاء أذكرك في ~~الشدة» ، وفي حديث آخر: إن الله تعالى يقول: «وإذ ذكرني عبدي في ملأ ذكرته ~~في ملأ خير منهم» وروي أن الكافر إذا ms0240 ذكر الله ذكره الله باللعنة والخلود ~~في النار، وكذلك العصاة يأخذون بحظ من هذا المعنى، وروي أن الله تعالى أوحى ~~إلى موسى عليه السلام «قل للعاصين لا يذكروني» . # واشكروا لي واشكروني بمعنى واحد، ولي أشهر وأفصح مع الشكر، ومعناه نعمي ~~وأيادي، وكذلك إذا قلت شكرتك فالمعنى شكرت صنيعك وذكرته، فحذف المضاف، إذ ~~معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معا، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما ~~بقي على ما حذف، وتكفرون أي نعمي PageV01P226 # وأيادي، وانحذفت نون الجماعة للجزم، وهذه نون المتكلم، وحذفت الياء التي ~~بعدها تخفيفا لأنها رأس آية، ولو كان نهيا عن الكفر ضد الإيمان لكان: ولا ~~تكفروا، بغير النون. # ويا حرف نداء و «أي» منادى و «ها» تنبيه، وتجلب «أي» فيما فيه الألف ~~واللام لأن في حرف النداء تعريفا ما، فلو لم تجلب «أي» لاجتمع تعريفان، ~~وقال قوم: «الصبر» : الصوم، ومنه قيل لرمضان: شهر الصبر، وتقدم معنى ~~الاستعانة بالصبر والصلاة، واختصاره أنهما رادعان عن المعاصي. # وقوله تعالى: إن الله مع الصابرين معناه بمعونته وإنجاده، فهو على حذف ~~مضاف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «اهجهم وروح ~~القدس معك» ، وكما قال: «ارموا وأنا مع بني فلان» ، الحديث. # وقوله تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات الآية، سببها أن ~~الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد مات فلان ومات فلان، فكره الله أن تحط ~~منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضا: # فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم، ~~تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم، ~~ويبين ذلك من حديث أم حارثة في السير، والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو ~~الرزق، وذلك أن الله تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أن أرواح الشهداء في حواصل طير ~~خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي أنهم في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ms0241 ~~ذهب، إلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوال لطوائف أو للجميع في أوقات ~~متغايرة، وجمهور العلماء على أنهم في الجنة، ويؤيده قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأم حارثة: إنه في الفردوس، وقال مجاهد: هم خارج الجنة ويعلقون ~~من شجرها، وأموات رفع بإضمار الابتداء والتقدير هم أموات، ولا يجوز إعمال ~~القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في قولك قلت كلاما وحجة. # وقوله ولكن لا تشعرون أي قبل أن نشعركم. # وقوله تعالى: ولنبلونكم الآية، أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وأخبر أنه مع ~~الصابرين، ثم اقتضت الآية بعدها من فضل الشهداء ما يقوي الصبر عليهم ويخفف ~~المصيبة، ثم جاء بعد ذلك من هذه الأمور التي لا تتلقى إلا بالصبر أشياء ~~تعلم أن الدنيا دار بلاء ومحن، أي فلا تنكروا فراق الإخوان والقرابة، ثم ~~وعد الصابرين أجرا، وقال عطاء والجمهور: إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل: الخطاب لقريش وحل ذلك بهم فهي آية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والأول أظهر، ولنبلونكم بشيء ~~معناه لنمتحننكم، وحركت الواو لالتقاء الساكنين، وقيل: الفعل مبني وهو مع ~~النون الثقيلة بمنزلة خمسة عشر، والخوف يعني من الأعداء في الحروب، والجوع ~~الجدب والسنة، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث، وقد استعمل فيه ~~المحدثون الجوع اتساعا، ونقص الأموال: بالجوائح والمصائب، PageV01P227 # والأنفس: بالموت والقتل، والثمرات: بالعاهات ونزع البركة، فالمراد بشيء ~~من هذا وشيء من هذا فاكتفى بالأول إيجازا ولذلك وحد، وقرأ الضحاك بأشياء ~~على الجمع، والمعنى قريب بعضه من بعض، وقال بعض العلماء: إنما المراد في ~~هذه الآية مؤن الجهاد وكلفه، فالخوف من العدو والجوع به وبالأسفار إليه ~~ونقص الأموال بالنفقات فيه والأنفس بالقتل والثمرات بإصابة العدو لها أو ~~بالغفلة عنها بسبب الجهاد. # ثم وصف تعالى الصابرين الذين بشرهم بقوله الذين إذا أصابتهم مصيبة الآية، ~~وجعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب وعصمة للممتحنين لما جمعت من المعاني ~~المباركة، وذلك توحيد الله والإقرار ms0242 له بالعبودية والبعث من القبور واليقين ~~بأن رجوع الأمر كله إليه كما هو له، وقال سعيد بن جبير: لم يعط هذه الكلمات ~~نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال يا أسفا على يوسف. # وروي أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟، فقال: «نعم كل ما ~~آذى المؤمن فهي مصيبة» . # وقوله تعالى: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة الآية، نعم من الله على ~~الصابرين المسترجعين، وصلوات الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه ~~إياه في الدنيا والآخرة، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا، وهي من أعظم ~~أجزاء الصلاة منه تعالى، وشهد لهم بالاهتداء. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قرأ هذه الآية: «نعم العدلان ونعم ~~العلاوة» أراد بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الاهتداء. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 158 الى 160] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب ~~عليهم وأنا التواب الرحيم (160) # الصفا والمروة: جبيلان بمكة، والصفا جمع صفاة، وقيل: هو اسم مفرد جمعه ~~صفى وأصفاء، وهي الصخرة العظيمة، قال الراجز: [الرجز] مواقع الطير على ~~الصفى وقيل: من شروط الصفا البياض والصلابة، والمروة واحدة المرو، وهي ~~الحجارة الصغار التي فيها لين، ومنه قول الذي أصاب شاته الموت من الصحابة ~~«فذكيتها بمروة» ، ومنه قيل الأمين: «اخرجني إلى أخي فإن قتلني فمروة كسرت ~~مروة، وصمصامة قطعت صمصامة» ، وقد قيل في المرو: إنها الصلاب. # قال الشاعر: [الوافر] PageV01P228 # وتولى الأرض خفا ذابلا ... فإذا ما صادف المرو رضخ # والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته، وفي هذا ~~يقال المرو أكثر، وقد يقال في الصليب، وتأمل قول أبي ذؤيب: [الكامل] # حتى ms0243 كأني للحوادث مروة ... بصفا المشقر كل يوم تقرع # وجبيل الصفا بمكة صليب، وجبيل المروة إلى اللين ماهق، فبذلك سميا، قال ~~قوم: ذكر الصفا لأن آدم وقف عليه، ووقفت حواء على المروة فانثت لذلك. # وقال الشعبي: «كان على الصفا صنم يدعى إسافا، وعلى المروة صنم يدعى ~~نائلة» ، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر، ومن شعائر الله معناه ~~من معالمه ومواضع عبادته، وهي جمع شعيرة أو شعارة، وقال مجاهد: ذلك راجع ~~إلى القول، أي مما أشعركم الله بفضله، مأخوذ من تشعرت إذا تحسست، وشعرت ~~مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد من الثياب، والشعار مأخوذ من الشعر، ومن ~~هذه اللفظة هو الشاعر، وحج معناه قصد وتكرر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا # ومنه قول الآخر: [البسيط] يحج مأمومة في قعرها لجف واعتمر زار وتكرر ~~مأخوذ من عمرت الموضع، وال جناح الإثم والميل عن الحق والطاعة، ومن اللفظة ~~الجناح لأنه في شق، ومنه قيل للخبا جناح لتمايله وكونه كذي أجنحة، ومنه: ~~وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [الأنفال: 61] ، ويطوف أصله يتطوف سكنت التاء ~~وأدغمت في الطاء. # وقرأ أبو السمال «أن يطاف» وأصله يطتوف تحركت الواو وانفتح ما قبلها ~~فانقلبت ألفا فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من ~~أجاز إدغام الثاني في الأول، كما جاء في مدكر، ومن لم يجز ذلك قال قلبت ~~التاء طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء، وفي هذا نظر لأن الأصلي أدغم في الزائد ~~وذلك ضعيف. # وروي عن ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب أنهم قرؤوا «أن لا يتطوف» ، ~~وكذلك في مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب «أن لا يطوف» ، وقيل: «أن لا ~~يطوف» بضم الطاء وسكون الواو. # وقوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله خبر يقتضي الأمر بما عهد من ~~الطواف بهما. # وقوله فلا جناح ليس المقصد منه إباحة الطواف لمن شاء، لأن ذلك بعد الأمر ~~لا يستقيم، وإنما المقصد منه رفع ما ms0244 وقع في نفوس قوم من العرب من أن الطواف ~~بينهما فيه حرج، وإعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غير صواب، واختلف في كيفية ~~ذلك فروي أن الجن كانت تعرف وتطوف بينهما في الجاهلية PageV01P229 # فكانت طائفة من تهامة لا تطوف بينهما في الجاهلية لذلك، فلما جاء الإسلام ~~تحرجوا من الطواف. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أن ذلك في الأنصار وذلك أنهم كانوا يهلون ~~لمناة التي كانت بالمشلل حذو قديد ويعظمونها فكانوا لا يطوفون بين إساف ~~ونائلة إجلالا لتلك، فلما جاء الإسلام تحرجوا فنزلت هذه الآية، وروي عن ~~الشعبي أن العرب التي كانت تطوف هنالك كانت تعتقد ذلك السعي إجلالا لإساف ~~ونائلة، وكان الساعي يتمسح بإساف فإذا بلغ المروة تمسح بنائلة وكذلك حتى ~~تتم أشواطه، فلما جاء الإسلام كرهوا السعي هنالك إذ كان بسبب الصنمين. # واختلف العلماء في السعى بين الصفا والمروة فمذهب مالك والشافعي أن ذلك ~~فرض ركن من أركان الحج لا يجزي تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري ~~وأصحاب الرأي أن الدم يجزىء تاركه وإن عاد فحسن، فهو عندهم ندب، وروي عن ~~أبي حنيفة: إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه ~~لكل شوط إطعام مسكين، وقال عطاء ليس على تاركه شيء لا دم ولا غيره، واحتج ~~عطاء بما في مصحف ابن مسعود «أن لا يطوف بهما» وهي قراءة خالفت مصاحف ~~الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها لعروة حين قال لها ~~«أرأيت قول الله: فلا جناح عليه أن يطوف بهما؟ فما نرى على أحد شيئا ألا ~~يطوف بهما» قالت: «يا عروة كلا لو كان ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف ~~بهما» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وأيضا فإن ما في مصحف ابن ~~مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف وتكون «لا» زائدة صلة في الكلام، كقوله ما ~~منعك ألا تسجد [الأعراف: 12] ، وكقول الشاعر: [البسيط] # ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر # أي ms0245 وعمر وكقول الآخر: [الرجز] وما ألوم البيض أن لا تسخرا ومذهب مالك ~~وأصحابه في العمرة أنها سنة إلا ابن حبيب فإنه قال بوجوبها، وقرأ قوم من ~~السبعة وغيرهم «ومن يطوع» بالياء من تحت على الاستقبال والشرط، والجواب في ~~قوله فإن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم «تطوع» على بابه في المضي، ~~ف من على هذه القراءة بمعنى الذي، ودخلت الفاء في قوله فإن للإبهام الذي في ~~من، حكاه مكي، وقال أبو علي: يحتمل «تطوع» أن يكون في موضع جزم ومن شرطية، ~~ويحتمل أن تكون من بمعنى الذي والفعل صلة لا موضع له من الإعراب، والفاء ~~مؤذنة أن الثاني وجب لوجوب الأول، ومن قال بوجوب السعي قال: معنى تطوع أي ~~زاد برا بعد الواجب، فجعله عاما في الأعمال، وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج ~~أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومن لم يوجب السعي قال: المعنى من تطوع بالسعي ~~بينهما، وفي قراءة ابن مسعود «فمن تطوع بخير» ، ومعنى شاكر أي يبذل الثواب ~~والجزاء، عليم بالنيات والأعمال لا يضيع معه لعامل بر ولا غيره عمل. PageV01P230 # وقوله تعالى إن الذين يكتمون الآية، المراد بالذين أحبار اليهود ورهبان ~~النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، قال الطبري: «وقد روي أن ~~معينين منهم سألهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عما في كتبهم من ~~أمره فكتموا فنزلت، وتتناول الآية بعد كل من كتم علما من دين الله يحتاج ~~إلى بثه، وذلك مفسر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه ~~ألجم يوم القيامة بلجام من نار» ، وهذا إذا كان لا يخاف ولا ضرر عليه في ~~بثه. # وهذه الآية أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله «لولا آية في كتاب الله ~~ما حدثتكم حديثا» ، وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال «حفظت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعاءين: أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع ~~هذا البلعوم» . # وهذه الآية أراد عثمان رضي الله ms0246 عنه في قوله: «لأحدثنكم حديثا لولا آية ~~في كتاب الله ما حدثتكموه» ، ومن روى في كلام عثمان «لولا أنه في كتاب ~~الله» فالمعنى غير هذا. # والبينات والهدى: أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يعم بعد كل ما يكتم من ~~خير، وقرأ طلحة بن صرف «من بعد ما بينه» على الإفراد، وفي الكتاب يراد به ~~التوراة والإنجيل بحكم سبب الآية وأنها في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم ~~يدخل القرآن مع تعميم الآية، وقد تقدم معنى اللعنة. # واختلف في اللاعنين فقال قتادة والربيع: الملائكة والمؤمنون، وهذا ظاهر ~~واضح جار على مقتضى الكلام، وقال مجاهد وعكرمة: هم الحشرات والبهائم يصيبهم ~~الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. # قال القاضي أبو محمد: وذكروا بالواو والنون كمن يعقل لأنهم أسند إليهم ~~فعل من يعقل، كما قال رأيتهم لي ساجدين [يوسف: 4] ، وقال البراء بن عازب ~~اللاعنون كل المخلوقات ما عدا الثقلين الجن والإنس، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين ~~فلعنه كل سامع» ، وقال ابن مسعود: المراد بها ما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن كل متلاعنين إن استحقا اللعنة وإلا انصرفت على اليهود» . # قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال الثلاثة لا يقتضيها اللفظ ولا تثبت ~~إلا بسند يقطع العذر، ثم استثنى الله تعالى التائبين وقد تقدم معنى التوبة، ~~وأصلحوا أي في أعمالهم وأقوالهم، وبينوا قال من فسر الآية على العموم: ~~معناه بينوا توبتهم بمبرز العمل والبروع فيه، ومن فسرها على أنها في كاتمي ~~أمر محمد قال: المعنى بينوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم فتجيء الآية فيمن ~~أسلم من اليهود والنصارى، وقد تقدم معنى توبة الله على عبده وأنها رجوعه به ~~عن المعصية إلى الطاعة. # قوله جلت قدرته: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 161 الى 164] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) وإلهكم ~~إله واحد لا ms0247 إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (164) PageV01P231 # قوله تعالى: إن الذين كفروا الآية، محكمة في الذين وافوا على كفرهم، ~~واختلف في معنى قوله والناس أجمعين وهم لا يلعنون أنفسهم، فقال قتادة ~~والربيع: المراد ب الناس المؤمنون خاصة، وقال أبو العالية: معنى ذلك في ~~الآخرة، وذلك أن الكفرة يلعنون أنفسهم يوم القيامة، وقالت فرقة: معنى ذلك ~~أن الكفرة يقولون في الدنيا: لعن الله الكافرين، فيلعنون أنفسهم من حيث لا ~~يشعرون، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «والملائكة والناس أجمعون» بالرفع على ~~تقدير أولئك يلعنهم الله، واللعنة في هذه الآية تقتضي العذاب، فلذلك قال ~~خالدين فيها، والضمير عائد على اللعنة، وقيل على النار وإن كان لم يجر لها ~~ذكر، لثبوتها في المعنى. # ثم اعلم تعالى برفع وجوه الرفق عنهم لأن العذاب إذا لم يخفف ولم يؤخر فهو ~~النهاية، وينظرون معناه يؤخرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النظر، نحو ~~قوله تعالى ولا ينظر إليهم يوم القيامة [آل عمران: 77] ، والأول أظهر، لأن ~~النظر بالعين إنما يعدى بإلى إلا شاذا في الشعر. # وقوله تعالى: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الآية، إعلام بالوحدانية، ~~وواحد في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو ~~المعالي: هو نفي التبعيض والانقسام، وقال عطاء: لما نزلت هذه الآية ~~بالمدينة قال كفار قريش بمكة: ما الدليل على هذا؟ وما آيته وعلامته؟ وقال ~~سعيد بن المسيب: قالوا: إن كان هذا يا محمد فائتنا بآية من عنده تكون علامة ~~الصدق، حتى قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا، فقيل لهم: ذلك لكم، ولكن إن كفرتم ~~بعد ذلك عذبتم، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: دعني أدعهم يوما ~~بيوم، فنزل عند ذلك قوله تعالى: إن في خلق السماوات والأرض، ms0248 الآية، ومعنى ~~في خلق السماوات في اختراعها وإنشائها، وقيل: المعنى أن في خلقه أي هيئة ~~السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار معناه أن هذا يخلف هذا وهذا يخلف ~~هذا فهما خلفة، كما قال تعالى: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة [الفرقان: ~~62] ، وكما قال زهير: [الطويل] # بها العين والأرآم يمسين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم # وقال الآخر: [المديد] # ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا # خلفة حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جلق بيعا # ويحتمل أيضا الاختلاف في هذه الآية أن يراد به اختلاف الأوصاف، والليل ~~جمع ليلة وتجمع PageV01P232 # ليالي، وزيدت فيها الياء كما زيدت في كراهية وفراهية، والنهار يجمع نهرا ~~وأنهرة، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعدي بن حاتم «إنما هو بياض النهار وسواد الليل» ، وهذا هو مقتضى ~~الفقه في الإيمان ونحوها، فأما على ظاهر اللغة وأخذه من السعة فهو من وقت ~~الإسفار إذا اتسع وقت النهار كما قال: [الطويل] # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها # وقال الزجاج في كتاب الأنواء: أول النهار ذرور الشمس قال: وزعم النضر بن ~~شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو الحكم، والفلك السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، وليست الحركات تلك ~~بأعيانها، بل كأنه بني الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم ~~فلكان، والفلك المفرد مذكر، قال الله تعالى: في الفلك المشحون [الشعراء: ~~119] . # و «ما ينفع الناس» هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو ~~وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري ~~بما يضر، وما أنزل الله من السماء من ماء يعني به الأمطار التي بها إنعاش ~~العالم وإخراج النبات والأرزاق، وبث معناه فرق وبسط، ودابة تجمع الحيوان ~~كله، وقد أخرج بعض الناس الطير من الدواب، ms0249 وهذا مردود، وقال الأعشى: ~~[الطويل] دبيب قطا البطحاء في كل منهل وقال علقمة بن عبدة: [الطويل] ~~صواعقها لطيرهن دبيب وتصريف الرياح إرسالها عقيما ومقحة وصرا ونصرا وهلاكا، ~~ومنه إرسالها جنوبا وشمالا وغير ذلك، والرياح جمع ريح، وجاءت في القرآن ~~مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله تعالى وجرين بهم ~~بريح طيبة [يونس: 22] ، وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: # «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح يقول: اللهم اجعلها ~~رياحا ولا تجعلها ريحا» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وذلك لأن ريح العذاب شديدة ~~ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح وهو ~~معنى «نشرا» ، وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ~~ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات ~~الواو، يقال ريح وأرواح، ولا يقال أرياح، وإنما قيل رياح من جهة الكسرة ~~وطلب تناسب الياء معها، وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن ~~جرير، فاستعمل الأرياح في شعره ولحن في ذلك، وقال له أبو حاتم: إن الأرياح ~~لا تجوز، فقال: أما تسمع قولهم رياح؟، فقال أبو حاتم: هذا خلاف ذلك، فقال: ~~صدقت ورجع، وأما القراء السبعة فاختلفوا فقرأ نافع الرياح في اثني عشر ~~موضعا: هنا PageV01P233 # وفي الأعراف يرسل الرياح [الآية: 57] ، وفي إبراهيم اشتدت به الرياح ~~[الآية: 8] ، وفي الحجر الرياح لواقح [الآية: 22] ، وفي الكهف تذروه ~~الرياح، وفي الفرقان أرسل الرياح [الآية: 22] ، وفي النمل ومن يرسل الرياح ~~[الآية: 63] ، وفي الروم [الآيتان: 46، 48] في موضعين، وفي فاطر [الآية: 9] ~~وفي الجاثية [الآية: 5] وفي حم عسق يسكن الرياح [الآية: 33] ، وقرأ أبو ~~عمرو وعاصم وابن عامر موضعين من هذه بالإفراد: في إبراهيم وفي حم عسق، ~~وقرؤوا سائرها كقراءة نافع، وقرأ ابن كثير بالجمع في خمسة مواضع: هنا وفي ~~الحجر وفي الكهف وفي الروم الحرف الأول وفي الجاثية وتصريف الرياح وباقي ما ~~في القرآن بالإفراد، وقرأ حمزة بالجمع في موضعين: ms0250 في الفرقان وفي الروم ~~الحرف الأول وأفرد سائر ما في القرآن، وقرأ الكسائي كحمزة وزاد عليه في ~~الحجر الرياح لواقح [الآية: 22] ، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس فيه ألف ~~ولام، والسحاب جمع سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما قالوا حبا لأنه يحبو، ~~قاله أبو علي الفارسي، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر، فهذه آيات أن الصانع ~~موجود. والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحدا ~~لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 165 الى 167] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ~~(167) # ذكر الله تعالى الوحدانية ثم الآيات الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن ~~يكون إلا واحدا، ثم ذكر في هذه الآية الجاحدين الضالين معجبا من سوء ضلالهم ~~مع الآيات، لأن المعنى أن في هذه الأمور لآيات بينة، ومن الناس مع ذلك ~~البيان من يتخذ، وخرج يتخذ موحدا على لفظ من والمعنى جمعه، ومن دون لفظ ~~يعطي غيبة ما تضاف إليه دون عن القضية التي فيها الكلام، وتفسير دون بسوى ~~أو بغير لا يطرد، والند النظير والمقاوم والموازي كان ضدا أو خلافا أو ~~مثلا، إذا قاوم من جهة فهو منها ند، وقال مجاهد وقتادة: المراد بالأنداد ~~الأوثان، وجاء ضميرها في يحبونهم ضمير من يعقل لما أنزلت بالعبادة منزلة من ~~يعقل، وقال ابن عباس والسدي: المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون يطيعونهم في ~~معاصي الله تعالى، ويحبونهم في موضع نصب نعت للأنداد، أو على الحال من ~~المضمر في يتخذ، أو يكون في موضع رفع نعت ل من وهذا على أن تكون من نكرة ~~والكاف من كحب ms0251 في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، و «حب» مصدر مضاف إلى المفعول ~~في اللفظ وهو على التقدير مضاف إلى PageV01P234 # الفاعل المضمر، تقديره كحبكم الله أو كحبهم الله حسبما قدر كل وجه منها ~~فرقة، ومعنى كحبهم أي يسوون بين محبة الله ومحبة الأوثان. # ثم أخبر أن المؤمنين أشد حبا لله لإخلاصهم وتيقنهم الحق. # وقوله تعالى: ولو ترى الذين ظلموا قرأ نافع وابن عامر «ترى» بالتاء من ~~فوق، و «أن» بفتح الألف، و «أن» الأخرى كذلك عطف على الأولى، وتقدير ذلك: ~~ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب وفزعهم منه واستعظامهم ~~له لأقروا أن القوة لله، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى، وهو العامل ~~في «أن» ، وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب ~~وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه ~~بمشاهدة مثل هذا، وتقدير ثالث: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم ~~للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم، فاللام ~~مضمرة قبل «أن» ، فهي مفعول من أجله، والجواب محذوف مقدر بعد ذلك، وقد حذف ~~جواب لو مبالغة، لأنك تدع السامع يسمو به تخيله، ولو شرحت له لوطنت نفسه ~~إلى ما شرحت، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة وأبو جعفر ترى بالتاء من فوق وكسر ~~الهمزة من «إن» ، وتأويل ذلك: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لاستعظمت ~~ما حل بهم، ثم ابتدأ الخبر بقوله «إن القوة لله» ، وتأويل آخر: ولو ترى ~~الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله جميعا لاستعظمت حالهم. ~~وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن كثير «يرى» بالياء من أسفل، وفتح ~~الألف من «أن» ، تأويله: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالهم في الآخرة إذ ~~يرون العذاب لعلموا أن القوة لله جميعا، وتأويل آخر روي عن المبرد والأخفش: ~~ولو يرى بمعنى يعلم الذين ms0252 ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ~~لاستعظموا ما حل بهم، ف «يرى» عامل في «أن» وسدت مسد المفعولين. # وقال أبو علي: «الرؤية في هذه الآية رؤية البصر» ، والتقدير في قراءة ~~الياء: ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله جميعا، وحذف جواب لو للمبالغة، ~~ويعمل في «أن» الفعل الظاهر وهو أرجح من أن يكون العامل فيها مقدرا، ودخلت ~~إذ وهي لما مضى في أثناء هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه، كما ~~يقع الماضي موقع المستقبل في قوله تعالى: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ~~[الأعراف: 50] ، وأتى أمر الله [النحل: 1] ، ومنه قول الأشتر النخعي: ~~[الكامل] # بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس # وقرأت طائفة «يرى» بالياء من أسفل وكسر الألف من «إن» ، وذلك إما على حذف ~~الجواب وابتداء الخبر، وإما على تقدير لقالوا إن القوة لله جميعا، وقرأ ابن ~~عامر وحده «يرون» بضم الياء والباقون بفتحها. # وثبتت بنص هذه الآية القوة لله بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات ~~القديمة، وقالت PageV01P235 # طائفة: الذين اتبعوا: كل من عبد من دون الله، وقال قتادة: هم الشياطين ~~المضلون، وقال الربيع وعطاء: هم رؤساؤهم. # قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يعم هذا كله، وإذ يحتمل أن تكون متعلقة ~~ب شديد العذاب، ويحتمل أن يكون العامل فيها: اذكر، والذين اتبعوا بفتح ~~الباء هم العبدة لغير الله، والضالون المقلدون لرؤسائهم أو للشياطين، ~~وتبريرهم هو بأن قالوا إنا لم نضل هؤلاء بل كفروا بإرادتهم، وتعلق العقاب ~~على المتبعين بكفرهم ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على المضلين، وقرأ ~~مجاهد بتقديم الفعل المسند إلى المتبعين للرؤساء وتأخير المسند إلى ~~المتبعين. # والسبب في اللغة: الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما يتمسك به فيصل بين ~~شيئين، وقال ابن عباس: الأسباب هنا الأرحام، وقال مجاهد: هي العهود، وقيل: ~~المودات، وقيل: المنازل التي كانت لهم في الدنيا، وقال ابن زيد والسدي: هي ~~الأعمال، إذ أعمال المؤمنين كالسبب في تنعيمهم فتقطعت بالظالمين أعمالهم. # وقوله تعالى: وقال الذين اتبعوا الآية، المعنى ms0253 وقال الأتباع الذين تبرئ ~~منهم: لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم، والكرة: العودة إلى ~~حال قد كانت، ومنه قول جرير: [الكامل] # ولقد عطفن على فزارة عطفة ... كر المنيح وجلن ثم مجالا # والمنيح هنا: أحد الأغفال من سهام الميسر، وذلك أنه إذا خرج من الربابة ~~رد لفوره لأنه لا فرض فيه ولا حكم عنه، والكاف من قوله كما في موضع نصب على ~~النعت إما لمصدر أو لحال تقديرها متبرئين كما، والكاف من قوله كذلك يريهم ~~قيل: هي في موضع رفع على خبر ابتداء تقديره الأمر كذلك، وقيل: هي كاف تشبيه ~~مجردة، والإشارة بذلك إلى حالهم وقت تمنيهم الكرة. # والرؤية في الآية هي من رؤية البصر، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب، ~~وأعمالهم قال الربيع وابن زيد المعنى: الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها ~~النار، وقال ابن مسعود والسدي المعنى: # الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة، ورويت في هذا القول أحاديث، وأضيفت ~~هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن ~~حيث عملوها، وحسرات حال على أن تكون الرؤية بصرية، ومفعول على أن تكون ~~قلبية، والحسرة أعلى درجات الندامة والهم بما فات، وهي مشتقة من الشيء ~~الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته كالبعير والبصر، وقيل هي من حسر إذا كشف، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحسر الفرات عن جبل من ذهب» . # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 171] # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون (171) PageV01P236 # الخطاب عام و «ما» بمعنى الذي، وحلالا حال من الضمير العائد على «ما» ، ~~وقال مكي: # نعت ms0254 لمفعول محذوف تقديره شيئا حلالا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يبعد، وكذلك مقصد الكلام لا يعطي أن يكون ~~حلالا مفعولا ب كلوا وتأمل، وطيبا نعت، ويصح أن يكون طيبا حالا من الضمير ~~في كلوا تقديره مستطيبين، والطيب عند مالك: الحلال، فهو هنا تأكيد لاختلاف ~~اللفظ، وهو عند الشافعي: المستلذ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو ~~خبيث، وخطوات جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي، فالمعنى النهي عن ~~اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه، قال ابن عباس: خطواته أعماله، قال غيره: ~~آثاره، قال مجاهد: خطاياه، قال أبو مجلز: هي النذور والمعاصي، قال الحسن: ~~نزلت فيما سنوه من البحيرة والسائبة ونحوه، قال النقاش: نزلت في ثقيف ~~وخزاعة وبني الحارث بن كعب. # وقرأ ابن عامر والكسائي «خطوات» بضم الخاء والطاء، ورويت عن عاصم وابن ~~كثير بخلاف، وقرأ الباقون بسكون الطاء، فإما أرادوا ضم الخاء والطاء ~~وخففوها إذ هو الباب في جمع فعلة كغرفة وغرفات، وإما أنهم تركوها في الجمع ~~على سكونها في المفرد، وقرأ أبو السمال «خطوات» بفتح الخاء والطاء وروي عن ~~علي بن أبي طالب وقتادة والأعمش وسلام «خطؤات» بضم الخاء والطاء وهمزة على ~~الواو، وذهب بهذه القراءة إلى أنها جمع خطأة من الخطأ لا من الخطو. وكل ما ~~عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان، وعدو يقع للمفرد ~~والتثنية والجمع. # وقوله تعالى: إنما يأمركم الآية، إنما تصلح للحصر، وقد تجيء غير حاصرة بل ~~للمبالغة كقولك «إنما الشجاع عنترة» ، كأنك تحاول الحصر أو توهمه، فإنما ~~يعرف معنى إنما بقرينة الكلام الذي هي فيه، فهي في هذه الآية حاصرة، وأمر ~~الشيطان إما بقوله في زمن الكهنة وحيث يتصور، وإما بوسوسته، فإذا أطيع نفذ ~~أمره. # و «السوء» مصدر من ساء يسوء فهي المعاصي وما تسوء عاقبته، والفحشاء قال ~~السدي: هي الزنا، وقيل: كل ما بلغ حدا من الحدود لأنه يتفاحش حينئذ، وقيل: ~~ما تفاحش ذكره، وأصل الفحش قبح المنظر كما قال امرؤ القيس: [الطويل] # وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا ms0255 هي نصته ولا بمعطل # ثم استعملت اللفظة فيما يستقبح من المعاني، والشرع هو الذي يحسن ويقبح، ~~فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء، وما لا تعلمون: قال الطبري: يريد ~~به ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوها وجعلوه شرعا. PageV01P237 # وقوله تعالى: وإذا قيل لهم يعني كفار العرب، وقال ابن عباس: نزلت في ~~اليهود، وقال الطبري: الضمير في لهم عائد على الناس من قوله يا أيها الناس ~~كلوا، وقيل: هو عائد على من في قوله ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~[البقرة: 165] ، واتبعوا معناه بالعمل والقبول، وما أنزل الله هو القرآن ~~والشرع، وألفينا معناه وجدنا، قال الشاعر: [المتقارب] # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا # والألف في قوله أولو للاستفهام، والواو لعطف جملة كلام على جملة، لأن ~~غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون، ~~فقرروا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم. # وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على إبطاله في ~~العقائد. # وقوله تعالى: ومثل الذين كفروا الآية، المراد تشبيه واعظ الكافرين ~~وداعيهم والكافرين الموعوظين بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا تسمع ~~إلا دعاءه ونداءه ولا تفقه ما يقول، هكذا فسر ابن عباس وعكرمة والسدي ~~وسيبويه. # قال القاضي أبو محمد: فذكر بعض هذه الجملة وترك البعض، ودل المذكور على ~~المحذوف وهذه نهاية الإيجاز. # والنعيق زجر الغنم والصياح بها، قال الأخطل: [الكامل] # انعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا # وقال قوم: إنما وقع هذا التشبيه براعي الضأن لأنها من أبلد الحيوان، فهي ~~تحمق راعيها، وفي المثل أحمق من راعي ضأن ثمانين، وقد قال دريد لمالك بن ~~عوف في يوم هوازن «راعي ضأن والله» ، وقال الشاعر: [البسيط] # أصبحت هزءا لراعي الضأن يهزأ بي ... ماذا يريبك مني راعي الضأن # فمعنى الآية أن هؤلاء الكفرة يمر الدعاء على آذانهم صفحا يسمعونه ولا ~~يفقهونه إذ لا ينتفعون بفقهه، وقال ابن زيد: المعنى في الآية: ومثل الذين ~~كفروا في اتباعهم آلهتهم وعبادتهم ms0256 إياها كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه ~~شيئا إلا دويا غير مفيد، يعني بذلك الصدى الذي يستجيب من الجبال، ووجه ~~الطبري في الآية معنى آخر، وهو أن المراد: ومثل الكافرين في عبادتهم آلهتهم ~~كمثل الذي ينعق بشيء بعيد منه فهو لا يسمع من أجل البعد، فليس للناعق من ~~ذلك إلا النداء الذي يتعبه ويصبه، فإنما شبه في هذين التأويلين الكفار ~~بالناعق والأصنام بالمنعوق به، وشبهوا في الصمم والبكم والعمى بمن لا حاسة ~~له لما لم ينتفعوا بحواسهم ولا صرفوها في إدراك ما ينبغي، ومنه قول الشاعر: ~~[الرجز] أصم عما ساءه، سميع ولما تقرر فقدهم لهذه الحواس قضى بأنهم لا ~~يعقلون إذ العقل كما قال أبو المعالي وغيره: علوم PageV01P238 # ضرورية تعطيها هذه الحواس، أو لا بد في كسبها من الحواس، وتأمل. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 172 الى 174] # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) إن ~~الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) # الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ، والآية تشير بتبعيض من إلى الحرام رزق، ~~وحض تعالى على الشكر والمعنى في كل حالة، وإن شرط، والمراد بهذا الشرط ~~التثبيت وهز النفس، كما تقول افعل كذا إن كنت رجلا. # وقوله تعالى: إنما حرم عليكم إنما هنا حاصرة، والميتة نصب بحرم، وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع «الميتة» بالتشديد، وقال الطبري وجماعة من اللغويين: ~~التشديد والتخفيف من «ميت» و «ميت» لغتان، وقال أبو حاتم وغيره: ما قد مات ~~فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه «ميت» بالتخفيف. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا هو استعمال العرب ويشهد ~~بذلك قول الشاعر: # [الخفيف] ms0257 # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # استراح: من الراحة، وقيل: من الرائحة، ولم يقرأ أحد بالتخفيف فيما لم يمت ~~إلا ما روى البزي عن ابن كثير وما هو بميت [إبراهيم: 17] ، والمشهور عنه ~~التثقيل، وأما قول الشاعر: [الوافر] # إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجىء بزاد # فالأبلغ في الهجاء أن يريد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد ~~من شارف الموت والأول أشعر، وقرأ قوم «الميتة» بالرفع على أن تكون ما بمعنى ~~الذي وإن عاملة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «حرم» على ما لم يسم فاعله ~~ورفع ما ذكر تحريمه، فإن كانت ما كافة فالميتة مفعول لم يسم فاعله، وإن ~~كانت بمعنى الذي فالميتة خبر. # ولفظ الميتة عموم والمعنى مخصص لأن الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا ~~العموم، والميتة: ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة، والطافي من الحوت جوزه ~~مالك وغيره ومنعه العراقيون، وفي الميت دون تسبب من الجراد خلاف، منعه مالك ~~وجمهور أصحابه وجوزه ابن نافع وابن عبد الحكم، وقال ابن وهب: # إن ضم في غرائر فضمه ذكاته، وقال ابن القاسم: لا، حتى يصنع به شيء يموت ~~منه كقطع الرؤوس PageV01P239 # والأجنحة والأرجل أو الطرح في الماء، وقال سحنون: لا يطرح في ماء بارد، ~~وقال أشهب: إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل لأنها حالة قد يعيش بها ~~وينسل. # والدم يراد به المسفوح لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع، وفي دم الحوت ~~المزايل للحوت اختلاف، روي عن القابسي أنه طاهر، ويلزم من طهارته أنه غير ~~محرم، وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك، وليعم ~~الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها، وأجمعت الأمة على تحريم شحمه، وفي ~~خنزير الماء كراهية، أبي مالك أن يجيب فيه، وقال أنتم تقولون خنزيرا. وذهب ~~أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية، وحكى ابن سيده عن بعضهم أنه ~~مشتق من خزر العين لأنه كذلك ينظر، فاللفظة على ms0258 هذا ثلاثية. # وما أهل به لغير الله، قال ابن عباس وغيره: المراد ما ذبح للأنصاب ~~والأوثان، وأهل معناه صيح، ومنه استهلال المولود، وجرت عادة العرب بالصياح ~~باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي ~~علة التحريم، ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل ~~التي نحرها غالب أبو الفرزدق، فقال إنها مما أهل به لغير الله فتركها ~~الناس، ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت ~~للعبها عرسا فذبحت جزورا، فقال الحسن: لا يحل أكلها فإنها إنما ذبحت لصنم، ~~وفي ذبيحة المجوسي اختلاف ومالك لا يجيزها البتة، وذبيحة النصراني واليهودي ~~جائزة. # واختلف فيما حرم عليهم كالطريف والشحم وغيره بالإجازة والمنع، وقال ابن ~~حبيب ما حرم عليهم بالكتاب فلا يحل لنا من ذبحهم، وما حرموه باجتهادهم فذاك ~~لنا حلال، وعند مالك كراهية فيما سمى عليه الكتابي المسيحي أو ذبحه لكنيسته ~~ولا يبلغ بذلك التحريم، وقوله تعالى فمن اضطر الآية، ضمت النون للالتقاء ~~اتباعا للضمة في الطاء حسب قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر وأبو السمال فمن ~~اضطر بكسر الطاء، وأصله اضطر فلما أدغم نقلت حركة الراء إلى الطاء، وقرأ ~~ابن محيصن «فمن اطر» بإدغام الضاد في الطاء، وكذلك حيث ما وقع في القرآن، ~~ومعنى اضطر: ضمه عدم وغرث، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء ~~والفقهاء، وقيل معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات، وغير باغ في موضع ~~نصب على الحال، والمعنى فيما قال قتادة والربيع وابن زيد وعكرمة وغيرهم غير ~~قاصد فساد وتعد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها، وهؤلاء يجيزون ~~الأكل منها في كل سفر مع الضرورة، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما المعنى غير ~~باغ على المسلمين وعاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع السبل، والخارج ~~على السلطان، والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله، ولغير ~~هؤلاء هي الرخصة، وقال السدي غير باغ أي غير متزيد على حد إمساك رمقه ms0259 ~~وإبقاء قوته، فيجيء أكله شهوة، ولا عاد أي متزود، وقال مالك رحمه الله: ~~«يأكل المضطر شبعه» ، وفي الموطأ- وهو لكثير من العلماء: أنه يترود إذا خشي ~~الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر، وقيل: في عاد أن معناه عايد، فهو من ~~المقلوب كشاكي السلاح أصله شايك وكهار أصله هايروكلاث أصله لائث وباغ أصله ~~بايغ، استثقلت الكسرة على PageV01P240 # الياء فسكنت، والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها. ورفع الله ~~تعالى الإثم لما أحل الميتة للمضطر لأن التحريم في الحقيقة متعلقه التصرف ~~بالأكل لا عين المحرم، ويطلق التحريم على العين تجوزا، ومنع قوم التزود من ~~الميتة وقالوا لما استقلت قوة الآكل صار كمن لم تصبه ضرورة قبل. # ومن العلماء من يرى أن الميتة من ابن آدم والخنزير لا تكون فيها رخصة ~~اضطرار، لأنهما لا تصح فيهما ذكاة بوجه، وإنما الرخصة فيما تصح الذكاة في ~~نوعه. # وقوله تعالى: إن الذين يكتمون الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع ~~والسدي: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والكتاب: التوراة والإنجيل، والضمير في به عائد على الكتاب، ويحتمل أن يعود ~~على ما وهو جزء من الكتاب، فيه أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه وقع ~~الكتم لا في جميع الكتاب، ويحتمل أن يعود على الكتمان، والثمن القليل: ~~الدنيا والمكاسب، ووصف بالقلة لانقضائه ونفاده، وهذه الآية وإن كانت نزلت ~~في الأحبار فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك لسبب ~~دنيا يصيبها. # وذكرت البطون في أكلهم المؤدي إلى النار دلالة على حقيقة الأكل، إذ قد ~~يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه، وفي ذكر البطن أيضا تنبيه على ~~مذمتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم ~~بطاعة بطونهم، وقال الربيع وغيره: سمي مأكولهم نارا لأنه يؤول بهم إلى ~~النار، وقيل: معنى الآية: أن الله تعالى يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في ~~جهنم حقيقة، وقوله تعالى: # ولا يكلمهم قيل: هي عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضى عنهم، ms0260 إذ في غير ~~موضع من القرآن ما ظاهره أن الله تعالى يكلم الكافرين، كقوله اخسؤا فيها ~~[المؤمنون: 108] ، ونحوه، فتكون هذه الآية بمنزلة قولك: «فلان لا يكلمه ~~السلطان ولا يلتفت إليه» وأنت إنما تعبر عن انحطاط منزلته لديه، وقال ~~الطبري وغيره: المعنى ولا يكلمهم بما يحبون، وقيل: المعنى لا يرسل إليهم ~~الملائكة بالتحية، ولا يزكيهم معناه: لا يطهرهم من موجبات العذاب، وقيل: ~~المعنى لا يسميهم أزكياء، وأليم اسم فاعل بمعنى مؤلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 175 الى 177] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب ~~لفي شقاق بعيد (176) ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) PageV01P241 # لما تركوا الهدى وأعرضوا عنه ولازموا الضلالة وتكسبوها مع أن الهدى ممكن ~~لهم ميسر كان ذلك كبيع وشراء، وقد تقدم إيعاب هذا المعنى، ولما كان العذاب ~~تابعا للضلالة التي اشتروها وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه أدخلا ~~في تجوز الشراء. # وقوله تعالى: فما أصبرهم على النار، قال جمهور المفسرين: «ما» تعجب، وهو ~~في حيز المخاطبين، أي هم أهل أن تعجبوا منهم، ومما يطول مكثهم في النار، ~~وفي التنزيل: قتل الإنسان ما أكفره [عبس: 17] ، وأسمع بهم وأبصر [مريم: 38] ~~، وبهذا المعنى صدر أبو علي، وقال قتادة والحسن وابن جبير والربيع: أظهر ~~التعجب من صبرهم على النار لما عملوا عمل من وطن نفسه عليها، وتقديره: ما ~~أجرأهم على النار إذ يعملون عملا يودي إليها، وقيل: «ما» استفهام معناه أي ~~شيء أصبرهم على النار، ذهب إلى ذلك معمر بن المثنى، والأول أظهر، ومعنى ~~أصبرهم في اللغة أمرهم بالصبر، ومعناه أيضا جعلهم ذوي صبر، وكلا المعنيين ~~متجه في الآية على ms0261 القول بالاستفهام، وذهب المبرد في باب التعجب من المقتضب ~~إلى أن هذه الآية تقرير واستفهام لا تعجب، وأن لفظة «أصبر» بمعنى اضطر ~~وحبس، كما تقول أصبرت زيدا على القتل، ومنه نهي النبي عليه السلام أن يصبر ~~الروح، قال: ومثله قول الشاعر: [السريع] # قلت لها أصبرها دائبا ... أمثال بسطام بن قيس قليل # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: الضبط عند المبرد بضم الهمزة ~~وكسر الباء، ورد عليه في ذلك كله بأنه لا يعرف في اللغة أصبر بمعنى صبر ~~وإنما البيت أصبرها بفتح الهمزة وضم الباء ماضيه صبر، ومنه المصبورة، وإنما ~~يرد قول أبي العباس على معنى اجعلها ذات صبر. # وقوله تعالى: ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق الآية، المعنى ذلك الأمر أو ~~الأمر ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به، والإشارة على هذا إلى وجوب ~~النار لهم، ويحتمل أن يقدر فعلنا ذلك، ويحتمل أن يقدر وجب ذلك، ويكون ~~الكتاب جملة القرآن على هذه التقديرات: وقيل: إن الإشارة ب الكتاب إلى قوله ~~تعالى: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم [البقرة: 6] ، أي وجبت لهم ~~النار بما قد نزله الله في الكتاب من الخبر به، والإشارة بذلك على هذا إلى ~~اشترائهم الضلالة بالهدى، أي ذلك بما سبق لهم في علم الله وورود إخباره به، ~~و «الحق» معناه بالواجب، ويحتمل أن يراد بالأخبار الحق: أي الصادقة. # والذين اختلفوا في الكتاب، قال السدي: «هم اليهود والنصارى لأن هؤلاء في ~~شق وهؤلاء في شق» . # قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن الشقاق سميت به المشارة والمقاتلة ونحوه، ~~لأن كل واحد يشق الوصل الذي بينه وبين مشاقه، وقيل: إن المراد ب الذين ~~اختلفوا كفار العرب لقول بعضهم هو سحر، وبعضهم هو أساطير، وبعضهم هو مفترى، ~~إلى غير ذلك، وشقاق هذه الطوائف إنما هو مع الإسلام وأهله، وبعيد هنا معناه ~~من الحق والاستقامة. PageV01P242 # وقوله تعالى: ليس البر الآية: قرأ أكثر السبعة برفع الراء، و «البر» اسم ~~ليس، قال أبو علي: # «ليس بمنزلة الفعل فالوجه أن يليها ms0262 الفاعل ثم المفعول» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: مذهب أبي علي أن ليس حرف، ~~والصواب الذي عليه الجمهور أنها فعل، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص «ليس ~~البر» بنصب الراء، جعل أن تولوا بمنزلة المضمر، إذ لا يوصف كما لا يوصف ~~المضمر، والمضمر أولى أن يكون اسما يخبر عنه، وفي مصحف أبي بن كعب وعبد ~~الله بن مسعود ليس البر بأن تولوا، وقال الأعمش: إن في مصحف عبد الله: لا ~~تحسبن البر، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: الخطاب بهذه الآية للمؤمنين، ~~فالمعنى ليس البر الصلاة وحدها، وقال قتادة والربيع: الخطاب لليهود ~~والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي، فاليهود إلى بيت المقدس ~~والنصارى إلى مطلع الشمس، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليها، ~~فقيل لهم ليس البر ما أنتم فيه ولكن البر من آمن بالله. قرأ قوم «ولكن ~~البر» بشد النون ونصب البر، وقرأ الجمهور «ولكن البر» والتقدير ولكن البر ~~بر من، وقيل: التقدير ولكن ذو البر من، وقيل: البر بمنزلة اسم الفاعل ~~تقديره ولكن البار من، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بد محمول ~~على حذف مضاف، كقولك رجل عدل ورضى. # والإيمان التصديق، أي صدق بالله تعالى وبهذه الأمور كلها حسب مخبرات ~~الشرائع. # وقوله تعالى: وآتى المال على حبه الآية، هذه كلها حقوق في المال سوى ~~الزكاة، وبها كمال البر، وقيل هي الزكاة، وآتى معناه أعطى، والضمير في حبه ~~عائد على المال فالمصدر مضاف إلى المفعول، ويجيء قوله على حبه اعتراضا ~~بليغا أثناء القول، ويحتمل أن يعود الضمير على الإيتاء أي في وقت حاجة من ~~الناس وفاقة، وفإيتاء المال حبيب إليهم، ويحتمل أن يعود الضمير على اسم ~~الله تعالى من قوله: # من آمن بالله أي من تصدق محبة في الله تعالى وطاعاته، ويحتمل أن يعود على ~~الضمير المستكن في آتى أي على حبه المال، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى ~~المقصود: أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو شحيح صحيح يخشى الفقر ويأمل ~~الغنى، ms0263 كما قال صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: والشح في هذا الحديث هو الغريزي الذي في قوله ~~تعالى: وأحضرت الأنفس الشح [النساء: 128] ، وليس المعنى أن يكون المتصدق ~~متصفا بالشح الذي هو البخل، وذوي القربى يراد به قرابة النسب. # واليتم في الآدميين من قبل الأب قبل البلوغ، وقال مجاهد وغيره: ابن ~~السبيل المسافر لملازمته السبيل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كما يقال ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ابن زنى» أي الملازم له، ~~وقيل: لما كانت السبيل تبرزه شبه ذلك بالولادة فنسب إليها، وقال قتادة: ابن ~~السبيل الضيف، والأول أعم، وفي الرقاب: يراد به العتق وفك الأسرى وإعطاء ~~أواخر الكتابات، وأقام الصلاة أتمها بشروطها، وذكر الزكاة هنا دليل على أن ~~ما تقدم ليس PageV01P243 # بالزكاة المفروضة، والموفون عطف على من في قوله: من آمن، ويحتمل أن يقدر ~~وهم الموفون، والصابرين نصب على المدح أو على إضمار فعل، وهذا مهيع في ~~تكرار النعوت، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «والموفين» على المدح أو على قطع ~~النعوت، وقرأ يعقوب والأعمش والحسن والموفون «والصابرون» ، وقرأ الجحدري ~~بعهودهم، والبأساء الفقر والفاقة، والضراء المرض ومصائب البدن، وحين البأس ~~وقت شدة القتال. # هذا قول المفسرين في الألفاظ الثلاثة، وتقول العرب: بئس الرجل إذا افتقر، ~~وبؤس إذا شجع. # ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البرة بالصدق في أمورهم أي هم عند الظن بهم ~~والرجاء فيهم كما تقول: صدقني المال وصدقني الربح، ومنه عود صدق، وتحتمل ~~اللفظة أيضا صدق الإخبار، ووصفهم الله تعالى بالتقى، والمعنى هم الذين ~~جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 178 الى 180] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ~~ولكم في القصاص حياة يا أولي ms0264 الألباب لعلكم تتقون (179) كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على ~~المتقين (180) # كتب معناه فرض وأثبت، والكتب مستعمل في الأمور المخلدات الدائمة كثيرا، ~~وقيل إن كتب في مثل هذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء، ~~وصورة فرض القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام ~~لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل ~~قاتل وليه وترك التعدي على غيره كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها الرجل ~~من قوم قاتله، وأن الحكام وأولي الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة ~~الحدود، وليس القصاص بلزام إنما اللزام أن لا يتجاوز القصاص إلى اعتداء، ~~فأما إذا وقع الرضى بدون القصاص من دية أو عفو فذاك مباح، فالآية معلمة أن ~~القصاص هو الغاية عند التشاح، والقصاص مأخوذ من قص الأثر فكأن القاتل سلك ~~طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، والقتلى جمع قتيل، ~~لفظ مؤنث تأنيث الجماعة وهو مما يدخل على الناس كرها فلذلك جاء على هذا ~~البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى. # واختلف في سبب هذه الآية، فقال الشعبي: إن العرب كان أهل العزة منهم ~~والمنعة إذا قتل منهم عبد قتلوا به حرا، وإذا قتلت امرأة قتلوا بها ذكرا، ~~فنزلت الآية في ذلك ليعلم الله تعالى بالسوية ويذهب أمر الجاهلية، وحكي أن ~~قوما من العرب تقاتلوا قتال عمية ثم قال بعضهم: نقتل بعبيدنا أحرارا، فنزلت ~~الآية، PageV01P244 # وقيل: نزلت بسبب قتال وقع بين قبيلتين من الأنصار، وقيل: من غيرهم فقتل ~~هؤلاء من هؤلاء رجالا وعبيدا ونساء، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يصلح بينهم ويقاصهم بعضهم ببعض بالديات على استواء الأحرار بالأحرار ~~والنساء بالنساء والعبيد بالعبيد، وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت مقتضية ~~أن لا يقتل الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل ولا يدخل صنف على صنف ثم نسخت ~~بآية المائدة أن النفس بالنفس. # قال القاضي أبو محمد: هكذا روي، وآية المائدة ms0265 إنما هي إخبار عما كتب على ~~بني إسرائيل، فلا يترتب النسخ إلا بما تلقي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أن حكمنا في شرعنا مثل حكمهم، وروي عن ابن عباس فيما ذكر أبو عبيد ~~وعن غيره أن هذه الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة، وأن قوله هنا ~~الحر بالحر يعم الرجال والنساء، وقاله مجاهد. # وقال مالك رحمه الله: أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد بها الجنس ~~الذكر والأنثى فيه سواء، وأعيد ذكر الأنثى تأكيدا وتهمما بإذهاب أمر ~~الجاهلية، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن الحسن بن أبي الحسن أن ~~الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر ~~عبدا أو عبد حرا أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا، وقالا: إنه إذا قتل رجل امرأة ~~فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية منه وإن أرادوا ~~استحيوه وأخذوا منه دية المرأة، وإذا قتلت المرأة رجلا فإن أراد أولياؤه ~~قتلوا وأخذوا نصف الدية وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها، وإذا قتل الحر ~~العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء ~~استحيا وأخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن علي رضي الله عنه وعن الحسن، وقد ~~أنكر ذلك عنهما أيضا، وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، ~~والجمهور لا يرون الرجوع بشيء، وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات، قال مالك ~~والشافعي: وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس، وقال أبو حنيفة: لا قصاص ~~بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس، وقال النخعي وقتادة وسعيد ~~بن المسيب والشعبي والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف: يقتل الحر ~~بالعبد، وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء: لا يقتل الحر بالعبد، ~~ودليلهم إجماع الأمة على أن العبد لا يقاوم الحر فيما دون النفس، فالنفس ~~مقيسة على ذلك، وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، ~~فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم ms0266 يشبهه في العمد، وأيضا فإن العبد سلعة من ~~السلع يباع ويشترى، وإذا قتل الرجل ابنه فإن قصد إلى قتله مثل أن يضجعه ~~ويذبحه أو يصبره مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ادعاء الخطأ فإنه يقتل به ~~قولا واحدا في مذهب مالك، وإن قتله على حد ما يرمي أو يضرب فيقتله ففيه في ~~المذهب قولان: يقتل به، ولا يقتل وتغلظ الدية. # وقوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء فيه أربع تأويلات: # أحدها أن من يراد بها القاتل وعفي يتضمن عافيا هو ولي الدم والأخ هو ~~المقتول، ويصح أن يكون هو الولي على هذا التأويل، وهي أخوة الإسلام، وشيء ~~هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابن عباس وجماعة من ~~العلماء، والعفو في هذا القول على بابه والضميران راجعان على من في كل ~~تأويل. PageV01P245 # والتأويل الثاني وهو قول مالك: ان من يراد بها الولي، وعفي بمعنى يسر لا ~~على بابها في العفو، والأخ يراد به القاتل، وشيء هي الدية، والأخوة على هذا ~~أخوة الإسلام، ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا التأويل المقتول أي يسر له من ~~قبل أخيه المقتول وبسببه، فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام، وعلى هذا ~~التأويل قال مالك رحمه الله: إن الولي إذا جنح إلى العفو على أخذ الدية فإن ~~القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه فمرة تيسر ومرة لا تيسر، وغير مالك ~~يقول: إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه، وقد روي أيضا هذا ~~القول عن مالك ورجحه كثير من أصحابه. # والتأويل الثالث أن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها ~~وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة حسبما ذكرناه آنفا، فمعنى الآية فمن فضل ~~له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات، ويكون عفي بمعنى فضل من ~~قولهم عفا الشيء إذا كثر أي أفضلت الحال له أو الحساب أو القدر. # والتأويل الرابع هو على قول علي رضي الله عنه والحسن بن أبي الحسن في ~~الفضل بين ms0267 دية المرأة والرجل والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع ~~بالمعروف، وعفي في هذا الموضع أيضا بمعنى أفضل، وكأن الآية من أولها بينت ~~الحكم إذا لم تتداخل الأنواع ثم الحكم إذا تداخلت، وشيء في هذه الآية مفعول ~~لم يسم فاعله، وجاز ذلك وعفي لا يتعدى الماضي الذي بنيت منه من حيث يقدر ~~شيء تقدير المصدر، كأن الكلام: عفي له من أخيه عفو، وشيء اسم عام لهذا ~~وغيره، أو من حيث تقدر عفي بمعنى ترك فتعمل عملها، والأول أجود، وله نظائر ~~في كتاب الله، منها قوله تعالى: # ولا تضرونه شيئا [هود: 57] ، قال الأخفش: التقدير لا تضرونه ضرا، ومن ذلك ~~قول أبي خراش: # [الطويل] # فعاديت شيئا والدريس كأنما ... يزعزعه ورد من الموم مردم # وقوله تعالى: فاتباع رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره فالواجب والحكم ~~اتباع، وهذا سبيل الواجبات كقوله تعالى فإمساك بمعروف [البقرة: 229] ، وأما ~~المندوب إليه فيأتي منصوبا كقوله تعالى فضرب الرقاب [محمد: 4] ، وهذه الآية ~~حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب وحسن القضاء من المؤدي، وقرأ ~~ابن أبي عبلة «فاتباعا» بالنصب. # وقوله تعالى: ذلك تخفيف من ربكم إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة من أخذ ~~الدية، وكانت بنو إسرائيل لا دية عندهم إنما هو القصاص فقط، والاعتداء ~~المتوعد عليه في هذه الآية هو أن يأخذ الرجل دية وليه ثم يقتل القاتل بعد ~~سقوط الدم واختلف في العذاب الأليم الذي يلحقه: فقال فريق من العلماء منهم ~~مالك: هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه، وعذابه في ~~الآخرة، وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة ولا يمكن ~~الحاكم الولي من العفو، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: نقسم أن ~~لا يعفى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل، وقال الحسن: عذابه أن ~~يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة، وقال عمر بن عبد العزيز أمره ~~إلى الإمام يصنع فيه ما رأى. # وقوله تعالى: ولكم في ms0268 القصاص حياة نحوه قول العرب في مثل: القتل أوقى ~~للقتل، ويروى: PageV01P246 # أبقى، بباء وقاف، ويروى أنفى بنون وفاء، والمعنى أن القصاص إذا أقيم ~~وتحقق الحكم به ازدجر من يريد قتل أحد مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا، ~~وهذا الترتيب مما سبق لهما في الأزل، وأيضا فكانت العرب إذا قتل الرجل ~~الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعية إلى موت العدد الكثير، فلما ~~شرع الله القصاص قنع الكل به ووقف عنده وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك حياة، ~~وخص أولي الألباب بالذكر تنبيها عليهم، لأنهم العارفون القابلون للأوامر ~~والنواهي، وغيرهم تبع لهم، وتتقون معناه القتل فتسلمون من القصاص ثم يكون ~~ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك فإن الله تعالى يثيب على الطاعة ~~بالطاعة، وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي «ولكم في القصص» أي في ~~كتاب الله الذي شرع فيه القصاص وحكمه، ويحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص، أي ~~إنه قص أثر القاتل قصصا فقتل كما قتل. # وقوله تعالى: كتب عليكم الآية، كأن الآية متصلة بقوله يا أيها الذين ~~آمنوا فلذلك سقطت واو العطف، وكتب معناه فرض وأثبت، وقال بعض أهل العلم: ~~الوصية فرض، وقال قوم: كانت فرضا ونسخت، وقال فريق: هي مندوب إليها، وكتب ~~عامل في رفع الوصية على المفعول الذي لم يسم فاعله في بعض التقديرات، وسقطت ~~علامة التأنيث من كتب لطول الكلام فحسن سقوطها، وقد حكى سيبوية: قام امرأة، ~~ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل، ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل ~~الوصية في إذا لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو الوصية، وقد تقدمت فلا ~~يجوز أن يعمل فيها متقدمة، ويتجه في إعراب هذه الآية أن يكون كتب هو العامل ~~في إذا والمعنى توجه إيجاب الله عليكم ومقتضى كتابه إذا حضر، فعبر عن توجه ~~الإيجاب ب كتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل، والوصية مفعول لم ~~يسم فاعله ب كتب وجواب الشرطين إذا وإن مقدر، يدل عليه ما تقدم من قوله كتب ms0269 ~~عليكم، كما تقول شكرت فعلك إن جئتني إذا كان كذا، ويتجه في إعرابها أن يكون ~~التقدير: كتب عليكم الإيصاء، ويكون هذا الإيصاء المقدر الذي يدل عليه ذكر ~~الوصية بعد هو العامل في إذا، وترتفع الوصية بالابتداء وفيه جواب الشرطين ~~على نحو ما أنشد سيبويه: [البسيط] من يفعل الصالحات الله يحفظها أو يكون ~~رفعها بالابتداء بتقدير: فعليه الوصية، أو بتقدير الفاء فقط، كأنه قيل: ~~فالوصية للوالدين، ويتجه في إعرابها أن تكون الوصية مرتفعة ب كتب على ~~المفعول الذي لم يسم فاعله، وتكون الوصية هي العامل في إذا، وهذا على مذهب ~~أبي الحسن الأخفش فإنه يجيز أن يتقدم ما في الصلة الموصول بشرطين هما في ~~هذه الآية، أحدهما أن يكون الموصول ليس بموصول محض بل يشبه الموصول، وذلك ~~كالألف واللام حيث توصل، أو كالمصدر، وهذا في الآية مصدر وهو الوصية، ~~والشرط الثاني أن يكون المتقدم ظرفا فإن في الظرف يسهل الاتساع، وإذا ظرف ~~وهذا هو رأي أبي الحسن في قول الشاعر: # [الطويل] # تقول وصكت وجهها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس PageV01P247 # فإنه يرى أن «بالرحا» متعلق بقوله المتقاعس، كأنه قال: أبعلي هذا ~~المتقاعس بالرحا، وجواب الشرطين في هذا القول كما ذكرناه في القول الأول، ~~وفي قوله تعالى إذا حضر مجاز لأن المعنى إذا تخوف وحضرت علاماته، والخير في ~~هذه الآية المال. # واختلف موجبو الوصية في القدر الذي تجب منه، فقال الزهري وغيره: تجب فيما ~~قل وفيما كثر، وقال النخعي: تجب في خمسمائة درهم فصاعدا، وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وقتادة: في ألف فصاعدا. # واختلف العلماء في هذه الآية، فقال فريق: محكمة ظاهرها العموم ومعناها ~~الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير ~~الوارثة، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: الآية عامة وتقرر الحكم بها برهة ~~ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض، وفي هذه العبارة يدخل قول ابن عباس ~~والحسن وغيرهما إنه نسخ منها الوالدان وثبت الأقربون الذين لا يرثون، وبين ~~أن آية الفرائض في سورة النساء ناسخة، ms0270 لهذا الحديث المتواتر: «إن الله قد ~~أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» . # وقال ابن عمر وابن عباس أيضا وابن زيد: الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ~~ندبا، ونحو هذا قول مالك رحمه الله، وقال الربيع بن خثيم وغيره: لا وصية ~~لوارث، وقال عروة بن ثابت للربيع بن خثيم: # أوص لي بمصحفك، فنظر الربيع إلى ولده وقرأ: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله [الأحزاب: 6] ، ونحو هذا صنع ابن عمر رضي الله عنه. # وقال بعض أهل العلم: إن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة في الحديث ~~المذكور قبل، وقد تقدم توجيه نسخ السنة للكتاب في تفسير قوله تعالى ما ننسخ ~~من آية [البقرة: 106] . # وقال قوم من العلماء: الوصية للقرابة أولى فإن كانت لأجنبي فمعهم ولا ~~تجوز لغيرهم مع تركهم. # وقال الناس حين مات أبو العالية: عجبا له أعتقته امرأة من رياح وأوصى ~~بماله لبني هاشم. # وقال الشعبي: «لم يكن ذلك له ولا كرامة» . # وقال طاوس: «إذا أوصى لغير قرابة ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله» وقاله ~~جابر بن زيد. # وقال الحسن وجابر بن زيد أيضا وعبد الملك بن يعلى: يبقى ثلث الوصية حيث ~~جعلها ويرد ثلثاها إلى قرابته. # وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء: الوصية ماضية حيث جعلها الميت، ~~والأقربون: جمع أقرب، وبالمعروف معناه بالقصد الذي تعرفه النفوس دون إضرار ~~بالورثة ولا تبذير للوصية، وحقا مصدر مؤكد، وخص المتقون بالذكر تشريفا ~~للرتبة ليتبادر الناس إليها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 181 الى 184] # فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم (182) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له ~~وأن تصوموا خير لكم ms0271 إن كنتم تعلمون (184) PageV01P248 # الضمير في بدله عائد على الإيصاء وأمر الميت وكذلك في سمعه، ويحتمل أن ~~يعود الذي في سمعه على أمر الله تعالى في هذه الآية، والقول الأول أسبق ~~للناظر، لكن في ضمنه أن يكون المبدل عالما بالنهي عامدا لخلافه، والضمير في ~~إثمه عائد على التبديل، وسميع عليم صفتان لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين ~~وتبديل المتعدين، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «من موص» بفتح الواو ~~وتشديد الصاد، وقرأ الباقون بسكون الواو، والجنف الميل، وقال الأعشى: ~~[الطويل] # تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا # وقال عامر الرامي الحضرمي المحاربي: [الوافر] # هم المولى وقد جنفوا علينا ... وإنا من عدواتهم لزور # ومعنى الآية على ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصي ويقطع ميراث طائفة ~~ويتعمد الإذاية أو يأتيها دون تعمد وذلك هو الجنف دون إثم وإذا تعمد فهو ~~الجنف في إثم، فالمعنى: من وعظه في ذلك ورده عنه فصلح بذلك ما بينه وبين ~~ورثته وما بين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه، إن الله غفور عن الموصي إذا ~~عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الإذاية رحيم به. # وقال ابن عباس رضي الله عنه وقتادة والربيع: معنى الآية: من خاف أي علم ~~ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي خلف وجنف وتعمد إذاية بعض ~~ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق فلا إثم عليه، أي لا ~~يلحقه إثم المبدل المذكور قبل وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد، لكنه تبديل ~~لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. وقرأ عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنه: # «فلإثم عليه» بحذف الألف، وكتب: معناه فرض. # والصيام في اللغة الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال، ومنه قول النابغة: ~~[البسيط] # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما # أي خيل ثابتة ممسكة، ومنه قول الله تعالى: إني نذرت للرحمن صوما [مريم: ~~26] أي إمساكا عن الكلام، ومنه قول امرئ القيس: ms0272 [الطويل] كأن الثريا علقت ~~في مصامها أي في موضع ثبوتها وامتساكها، ومنه قوله: [الطويل] PageV01P249 # فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا # أي وقفت الشمس عن الانتقال وثبتت، والصيام في الشرع إمساك عن الطعام ~~والشراب مقترنة به قرائن من مراعاة أوقات وغير ذلك، فهو من مجمل القرآن في ~~قول الحذاق، والكاف من قوله كما في موضع نصب على النعت، تقديره كتبا كما، ~~أو صوما كما، أو على الحال كأن الكلام: كتب عليكم الصيام مشبها ما كتب على ~~الذين من قبلكم. # وقال بعض النحاة: الكاف في موضع رفع على النعت للصيام إذ ليس تعريفه بمحض ~~لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة فلذلك جاز نعته ب كما إذ لا تنعت ~~بها إلا النكرات فهو بمنزلة كتب عليكم صيام، وقد ضعف هذا القول. # واختلف المتأولون في موضع التشبيه، فقال الشعبي وغيره: المعنى كتب عليكم ~~رمضان كما كتب على النصارى، قال: «فإنه كتب عليهم رمضان فبدلوه لأنهم ~~احتاطوا له بزيادة يوم في أوله ويوم في آخره قرنا بعد قرن حتى بلغوه خمسين ~~يوما، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي» . # قال النقاش: «وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي» ، ~~وقيل: بل مرض ملك من ملوكهم فنذر إن برىء أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم آخر ~~سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله. # وقال السدي والربيع: التشبيه هو أن من الإفطار إلى مثله لا يأكل ولا يشرب ~~ولا يطأ، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام، وكذلك كان في ~~النصارى أولا، وكان في أول الإسلام، ثم نسخه الله بسبب عمر وقيس بن صرمة ~~بما يأتي من الآيات في ذلك. # وقال عطاء: «التشبيه كتب عليكم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر- قال القاضي ~~أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي بعض الطرق: ويوم عاشوراء- كما كتب على ~~الذين من قبلكم ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، ثم نسخ هذا في ms0273 هذه ~~الأمة بشهر رمضان» . # وقالت فرقة: التشبيه كتب عليكم كصيام بالإطلاق، أي قد تقدم في شرع غيركم، ~~ف الذين عام في النصارى وغيرهم، ولعلكم ترج في حقهم، وتتقون قال السدي: ~~معناه تتقون الأكل والشرب والوطء بعد النوم على قول من تأول ذلك، وقيل: ~~تتقون على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام: # «جنة» ووجاء وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات. # وأياما مفعول ثان ب كتب، قاله الفراء، وقيل: هي نصب على الظرف، وقيل: ~~نصبها ب الصيام، وهذا لا يحسن إلا على أن يعمل الصيام في الكاف من كما على ~~قول من قدر: صوما كما، وإذا لم يعمل في الكاف قبح الفصل بين المصدر وبين ما ~~عمل فيه بما عمل فيه غيره، وذلك إذا كان العامل في الكاف كتب، وجوز بعضهم ~~أن يكون أياما ظرفا يعمل فيه الصيام، ومعدودات، قيل: # رمضان، وقيل: الثلاثة الأيام. PageV01P250 # وقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر، التقدير: فأفطر فعدة من أيام ~~أخر، وهذا يسمونه فحوى الخطاب. # واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر: فقال قوم: متى حصل ~~الإنسان في حال يستحق بها اسم المريض صح الفطر قياسا على المسافر أنه يفطر ~~لعلة السفر وإن لم تدعه إلى الفطر ضرورة، وقاله ابن سيرين. # وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤذيه ويؤلمه أو يخاف تماديه أو ~~يخاف من الصوم تزيده صح له الفطر، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك رحمه الله، ~~وبه يناظرون، وأما لفظ مالك فهو: المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به. # وقال الحسن: «إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر» . # وقالت فرقة: لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ~~ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر، وهذا قول الشافعي رحمه الله. # واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال قوم والشافعي ~~ومالك في بعض ما روي عنه: الصوم أفضل لمن قوي، وجل مذهب مالك التخيير. # وقال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: الفطر أفضل. ms0274 # وقال مجاهد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: أيسرهما أفضلهما، وكره ابن حنبل ~~وغيره الصوم في السفر. # وقال ابن عمر: من صام في السفر قضى في الحضر، وهو مذهب عمر رضي الله عنه، ~~ومذهب مالك في استحبابه الصوم لمن قدر عليه. وتقصير الصلاة حسن، لأن الذمة ~~تبرأ في رخصة الصلاة وهي مشغولة في أمر الصيام، والصواب المبادرة بالأعمال. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنه: «الفطر في السفر عزمة» ، وذهب أنس بن مالك إلى ~~الصوم، وقال: إنما نزلت الرخصة ونحن جياع نروح إلى جوع، ونغدو إلى جوع، ~~والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب ~~المعاش الضروري. وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز ~~والقول بالجواز أرجح وأما سفر المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول ~~بالمنع أرجح، ومسافة سفر الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة، واختلف في قدر ~~ذلك، فقال مالك: يوم وليلة ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلا، وروي عنه: # يومان، وروي عنه في العتبية: خمسة وأربعون ميلا، وفي المبسوط: أربعون ~~ميلا، وفي المذهب: ستة وثلاثون ميلا، وفيه: ثلاثون. # وقال ابن عمر وابن عباس والثوري: الفطر في سفر ثلاثة أيام، وفي غير ~~المذهب: يقصر في ثلاثة أميال فصاعدا. # وقوله تعالى: فعدة مرفوع على خبر الابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة، ~~ويصح أن يرتفع PageV01P251 # على ابتداء والخبر بعده والتقدير فعدة أمثل له، ويصح فعليه عدة، واختلف ~~في وجوب تتابعها على قولين، وأخر لا ينصرف عند سيبويه لأنه معدول عن الألف ~~واللام لأن هذا البناء إنما يأتي بالألف واللام كما تقول الفضل والكبر ~~فاجتمع فيه العدل والصفة، وجاء في الآية أخر ولم يجىء أخرى لئلا تشكل بأنها ~~صفة للعدة، والباب أن جمع ما لا يعقل يجري في مثل هذا مجرى الواحدة المؤنثة ~~ومنه قوله تعالى يا جبال أوبي معه [سبأ: 10] ، إلى غير ذلك. # وقرأ جمهور الناس «يطيقونه» بكسر الطاء وسكون الياء والأصل «يطوقونه» ~~نقلت حركة الواو إلى الطاء وقلبت ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ حميد ~~«يطوقونه» وذلك على ms0275 الأصل، والقياس الإعلال. # وقرأ ابن عباس «يطوقونه» بمعنى يكلفونه. # وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار «يطوقونه» بفتح الياء وشد الطاء ~~مفتوحة. # وقرأت فرقة «يطيقونه» بضم الياء وفتح الطاء وشد الياء المفتوحة. # وقرأ ابن عباس «يطيقونه» بفتح الياء وشد الطاء وشد الياء المفتوحة بمعنى ~~يتكلفونه، وحكاها النقاش عن عكرمة، وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف. # وقرأ نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان «فدية طعام مساكين» بإضافة ~~الفدية. # وقرأ هاشم عن ابن عامر «فدية طعام مساكين» بتنوين الفدية. # وقرأ الباقون «فدية» بالتنوين «طعام مسكين» بالإفراد، وهي قراءة حسنة ~~لأنها بينت الحكم في اليوم، وجمع المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من ~~غير الآية. # قال أبو علي: «فإن قلت كيف أفردوا المساكين والمعنى على الكثرة لأن الذين ~~يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع ~~المطيقون؟، فالجواب أن الإفراد حسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينا، ~~ونظير هذا قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة [النور: 4] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل ~~واحد ثمانون. # واختلف المتأولون في المراد بالآية فقال معاذ بن جبل وعلقمة والنخعي ~~والحسن البصري وابن عمر والشعبي وسلمة بن الأكوع وابن شهاب: كان فرض الصيام ~~هكذا على الناس من أراد صام ومن أراد أطعم مسكينا وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله ~~تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه [البقرة: 185] . # وقالت فرقة: وعلى الذين يطيقونه أي على الشيوخ والعجز، الذين يطيقون، لكن ~~بتكلف شديد فأباح الله لهم الفدية والفطر، وهي محكمة عند قائلي هذا القول. ~~وعلى هذا التأويل تجيء قراءة يطوقونه و «يطوقونه» . # وقال ابن عباس: «نزلت هذه الرخصة للشيوخ والعجز خاصة إذا أفطروا وهم ~~يطيقون الصوم ثم نسخت بقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه [البقرة: ~~185] ، فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم» . PageV01P252 # وقال السدي: وعلى الذين يطيقونه أي على الذين كانوا يطيقونه وهم بحالة ~~الشباب ثم استحالوا بالشيخ فلا يستطيعون الصوم» ، وهي عنده محكمة، ويلزم ~~الشيوخ ms0276 عنده الفدية إذا أفطروا، ونحوه عن ابن عباس. # وقال مالك: «لا أرى الفدية على الشيخ الضعيف واجبة، وتستحب لمن قدر ~~عليها» ، والآية عنده إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من المتقدم فقد ~~كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه الفدية. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: على الشيخ العاجز الإطعام. # وحكى الطبري عن عكرمة أنه كان يقرؤها «وعلى الذين يطيقونه» فأفطر، ومذهب ~~مالك رحمه الله وجماعة من العلماء أن قدر الدية مد لكل مسكين. # وقال قوم: قوت يوم، وقال قوم: عشاء وسحور. # وقال سفيان الثوري: نصف صاع من قمح أو صاع من تمر أو زبيب، والضمير في ~~يطيقونه عائد على الصيام، وقيل على الطعام وهو قول ضعيف. # واختلف في الحامل فقال ابن عمر وابن عباس: تفدي وتفطر ولا قضاء عليها. # وقال الحسن وعطاء والضحاك والزهري وربيعة ومالك: تقضي الحامل إذا أفطرت ~~ولا فدية عليها. # وقال الشافعي وأحمد بن حنبل ومجاهد: تقضي وتفدي إذا أفطرت، وكذلك قال ~~مالك في المرضع إنها إذا أفطرت تقضي وتفدي، هذا هو المشهور عنه، وقال في ~~مختصر ابن عبد الحكم: لا إطعام على المرضع. # وقوله تعالى: فمن تطوع خيرا فهو خير له الآية، قال ابن عباس وطاوس وعطاء ~~والسدي: المراد من أطعم مسكينين فصاعدا. # وقال ابن شهاب: «من زاد الإطعام على الصوم» وقال مجاهد: «من زاد في ~~الإطعام على المد» ، وخير الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث، وخير الأول قد ~~نزل منزلة مالا أو نفعا، وقرأ أبي بن كعب «والصوم خير لكم» بدل وأن تصوموا. # وقوله تعالى: إن كنتم تعلمون يقتضي الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك ~~وصوموا. # قوله عز وجل: PageV01P253 ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 185 الى 186] # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185) وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ms0277 دعوة الداع ~~إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) # الشهر مشتق من الاشتهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده، ورمضان ~~علقه الاسم من مدة كان فيها في الرمض وشدة الحر، وكان اسمه قبل ذلك ناثرا، ~~كما سمي ربيع من مدة الربيع، وجمادى من مدة الجمود، وكره مجاهد أن يقال ~~رمضان دون أن يقال شهر رمضان كما قال الله تعالى، وقال: لعل رمضان اسم من ~~أسماء الله عز وجل. # وقرأ جمهور الناس «شهر» بالرفع، ووجهه خبر ابتداء أي ذلكم شهر، وقيل: بدل ~~من الصيام، [البقرة: 183] وقيل: على الابتداء وخبره الذي أنزل فيه القرآن، ~~وقيل: ابتداء وخبره فمن شهد، والذي أنزل نعت له، فمن قال إن الصيام في قوله ~~كتب عليكم الصيام [البقرة: 183] هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هاهنا ~~بالابتداء، ومن قال: إن الصيام هنالك هو رمضان وهو الأيام المعدودة قال هنا ~~بخبر الابتداء أو بالبدل من الصيام، وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب «شهر» بالنصب، ~~ورواها أبو عمارة عن حفص عن عاصم ورواها هارون عن أبي عمرو، وهي على ~~الإغراء، وقيل: نصب ب تصوموا [البقرة: 184] وقيل: # نصب على الظرف، وقرأت فرقة بإدغام الراء في الراء وذلك لا تقتضيه الأصول ~~لاجتماع الساكنين فيه. # واختلف في إنزال القرآن فيه: فقال الضحاك: أنزل في فرضه وتعظيمه والحض ~~عليه، وقيل: بدىء بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ~~فيما يؤثر: أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة ليلة أربع وعشرين من رمضان ~~ثم كان جبريل ينزله رسلا رسلا في الأوامر والنواهي والأسباب، وروى واثلة بن ~~الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة ~~من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع ~~وعشرين» . # وترك ابن كثير همزة القرآن مع التعريف والتنكير حيث وقع، وقد قيل: إن ~~اشتقاقه على هذه القراءة من قرن، وذلك ضعيف، وهدى في موضع نصب على الحال من ~~القرآن، فالمراد أن القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ms0278 هدى، ثم ~~شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال والحرام والمواعظ والمحكم ~~كله، فالألف واللام في الهدى للعهد والمراد الأول، والفرقان المفرق بين ~~الحق والباطل، وشهد بمعنى حضر، والشهر نصب على الظرف، والتقدير: من حضر ~~المصر في الشهر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي والزهري وأبو عبد الرحمن السلمي ~~وأبو حيوة «فليصمه» بتحريك اللام، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن ~~على أصلها الذي هو الكسر، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعبيدة السلماني: ~~من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك ~~أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، وقال جمهور ~~الأمة: من شهد أول الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيما، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه: من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن ~~دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم PageV01P254 # يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي ~~أيام جنونه، ونصب الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ب شهد، ~~وقوله تعالى: أو على سفر بمنزلة أو مسافرا فلذلك عطف على اسم، وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع ويحيى بن وثاب وابن هرمز وعيسى بن عمر «اليسر» و «العسر» ~~بضم السين، والجمهور: بسكونه، وقال مجاهد والضحاك بن مزاحم: اليسر الفطر في ~~السفر والعسر الصوم في السفر، والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين، وقد ~~فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم «دين الله يسر» . # وقوله تعالى: ولتكملوا العدة معناه وليكمل من أفطر في سفره أو في مرضه ~~عدة الأيام التي أفطر فيها، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو في بعض ما روي ~~عنه «ولتكملوا» بتشديد الميم، وقد روي عنهما التخفيف كالجماعة، وهذه اللام ~~متعلقة إما ب يريد فهي اللام الداخلة على المفعول، كالذي في قولك ضربت ~~لزيد، المعنى ويريد إكمال العدة وهي مع الفعل مقدرة بأن، كأن الكلام: ms0279 ويريد ~~لأن تكملوا، هذا قول البصريين، ونحوه قول قيس كثير بن صخر: [الطويل] أريد ~~لأنسى ذكرها وإما بفعل مضمر بعد، تقديره ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه ~~الرخصة، وهذا قول بعض الكوفيين، ويحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو ~~عاطفة جملة كلام على جملة كلام. # وقوله: ولتكبروا الله حض على التكبير في آخر رمضان، واختلف الناس في حده، ~~فقال ابن عباس: «يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت ~~خروج الإمام ويكبر بتكبيره» ، وقال قوم: يكبر من رؤية الهلال إلى خروج ~~الإمام إلى الصلاة، وقال سفيان: «هو التكبير يوم الفطر» ، وقال مالك: «هو ~~من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام» ، ولفظه عند مالك وجماعة ~~من العلماء: # «الله أكبر، الله أكبر الله أكبر» ، ثلاثا، ومن العلماء من يكبر ثم يهلل ~~ويسبح أثناء التكبير، ومنهم من يقول: # «الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» . وقد قيل ~~غير هذا، والجميع حسن واسع مع البدأة بالتكبير. # وهداكم، وقيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم، وتعميم الهدى ~~جيد، ولعلكم تشكرون ترج في حق البشر، أي على نعمة الله في الهدى. # وقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني الآية، قال الحسن بن أبي الحسن: سببها ~~أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد ~~فنناديه؟ فنزلت، وقال عطاء: لما نزلت وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [غافر: ~~60] قال قوم في أي ساعة ندعو؟ فنزلت وإذا سألك عبادي عني، وقال مجاهد: بل ~~قالوا إلى أين ندعو فنزلت هذه الآية، وقال قتادة بل قالوا: كيف ندعو؟ فنزلت ~~وإذا سألك عبادي، روي أن المشركين قالوا لما نزل فإني قريب: كيف يكون قريبا ~~وبيننا وبينه على قولك سبع سماوات في غلظ سمك كل واحدة خمسمائة عام وفيما ~~بين كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت: أجيب دعوة الداع إذا دعان أي فإني قريب ~~بالإجابة والقدرة، وقال قوم: المعنى أجيب إن شئت، وقال قوم: PageV01P255 # إن الله تعالى يجيب كل الدعاء: ms0280 فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن ~~يكفر عنه، وإما أن يدخر له أجر في الآخرة، وهذا بحسب حديث الموطأ: «ما من ~~داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث» ، الحديث، وهذا إذا كان الدعاء على ما يجب ~~دون اعتداء، فإن الاعتداء في الدعاء ممنوع، قال الله تعالى: ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين [الأعراف: 55] قال المفسرون: أي في ~~الدعاء. # والوصف بمجاب الدعوة: وصف بحسن النظر والبعد عن الاعتداء، والتوفيق من ~~الله تعالى إلى الدعاء في مقدور. وانظر أن أفضل البشر المصطفى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم قد دعا أن لا يجعل بأس أمته بينهم، الحديث، فمنعها، إذ كان ~~القدر قد سبق بغير ذلك. # وقوله تعالى: فليستجيبوا لي قال أبو رجاء الخراساني: «معناه فليدعوا لي» ~~. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: المعنى فليطلبوا أن أجيبهم، ~~وهذا هو باب استفعل، أي طلب الشيء، إلا ما شذ، مثل. استغنى الله، وقال ~~مجاهد وغيره: المعنى فليجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان، أي بالطاعة ~~والعمل، ويقال: أجاب واستجاب بمعنى، ومنه قول الشاعر: # [الطويل] # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي لم يجبه، وقوله تعالى: وليؤمنوا بي، قال أبو رجاء: في أني أجيب ~~دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته. وقرأ الجمهور يرشدون ~~بفتح الياء وضم الشين. وقرأ قوم بضم الياء وفتح الشين. وروي عن ابن أبي ~~عبلة وأبي حيوة فتح الياء وكسر الشين باختلاف عنهما قرآ هذه القراءة والتي ~~قبلها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 187] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم ms0281 يتقون (187) # لفظة أحل تقتضي أنه كان محرما قبل ذلك، وليلة نصب على الظرف، وهي اسم جنس ~~فلذلك أفردت، ونحوه قول عامر الرامي الحضرمي المحاربي: [الوافر] # هم المولى وقد جنفوا علينا ... وإنا من عداوتهم لزور # والرفث كناية عن الجماع، لأن الله تعالى كريم يكني، قاله ابن عباس ~~والسدي، وقرأ ابن PageV01P256 # مسعود «الرفوث» ، والرفث في غير هذا ما فحش من القول، ومنه قول الشاعر: ~~[الرجز] عن اللغا ورفث التكلم. # وقال أبو إسحاق: «الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبل ولمس وجماع» ~~. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أو كلام في هذه المعاني، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ~~خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه» . # وسبب هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره أن جماعة من المسلمين اختانوا ~~أنفسهم وأصابوا النساء بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء، على الخلاف، منهم ~~عمر بن الخطاب، جاء إلى امرأته فأرادها، فقالت له: قد نمت، فظن أنها تعتل، ~~فوقع بها ثم تحقق أنها قد كانت نامت، وكان الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعا، ~~وقال السدي: جرى له هذا في جارية له، قالوا: فذهب عمر فاعتذر عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وجرى نحو هذا لكعب بن مالك الأنصاري، فنزل صدر الآية ~~فيهم، فهي ناسخة للحكم المتقرر في منع الوطء بعد النوم، وحكى النحاس ومكي ~~أن عمر نام ثم وقع بامرأته، وهذا عندي بعيد على عمر رضي الله عنه، وروي أن ~~صرمة بن قيس، ويقال صرمة بن مالك، ويقال أبو أنس قيس بن صرمة، نام قبل ~~الأكل فبقي كذلك دون أكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل، فنزل فيه من قوله ~~تعالى: وكلوا واشربوا، واللباس أصله في الثياب ثم شبه التباس الرجل بالمرأة ~~وامتزاجهما وتلازمهما بذلك، كما قال النابغة الجعدي: [المتقارب] # إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تداعت فكانت عليه لباسا # وقال النابغة أيضا: [المتقارب] # لبست أناسا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا # فشبه خلطته لهم ms0282 باللباس، نحا هذا المنحى في تفسير اللباس الربيع وغيره، ~~وقال مجاهد والسدي: # لباس: سكن، أي يسكن بعضهم إلى بعض، وإنما سميت هذه الأفعال اختيانا ~~لعاقبة المعصية وجزائها، فراكبها يخون نفسه ويؤذيها، وفتاب عليكم معناه من ~~المعصية التي واقعتموها، وعفا عنكم يحتمل أن يريد عن المعصية بعينها فيكون ~~ذلك تأكيدا، وتأنيسا بزيادة على التوبة، ويحتمل أن يريد عفا عما كان ألزمكم ~~من اجتناب النساء فيما يؤتنف، بمعنى تركه لكم، كما تقول شيء معفو عنه أي ~~متروك. # قال ابن عباس وغيره: باشروهن كناية عن الجماع، مأخوذ من البشرة، وقد ~~ذكرنا لفظة «الآن» في ماضي قصة البقرة. وابتغوا ما كتب الله لكم. # قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عتيبة وعكرمة والحسن والسدي والربيع ~~والضحاك: معناه ابتغوا الولد. # وروي أيضا عن ابن عباس وغيره أن المعنى وابتغوا ليلة القدر، وقيل: المعنى ~~ابتغوا الرخصة PageV01P257 # والتوسعة، قاله قتادة، وهو قول حسن، وقرأ الحسن فيما روي عنه ومعاوية بن ~~قرة «واتبعوا» من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ورجح ابتغوا من الابتغاء. # وكلوا واشربوا حتى يتبين نزلت بسبب صرمة بن قيس، وحتى غاية للتبين، ولا ~~يصح أن يقع التبين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر، ~~والخيط استعارة وتشبيه لرقة البياض أولا ورقة السواد الحاف به، ومن ذلك قول ~~أبي داود: # فلما بصرن به غدوة ... ولاح من الفجر خيط أنارا # ويروى فنارا، وقال بعض المفسرين: الخيط اللون، وهذا لا يطرد لغة، والمراد ~~فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل، وهو نص قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعدي بن حاتم في حديثه المشهور، ومن الأولى لابتداء الغاية، ~~والثانية للتبعيض، والفجر مأخوذ من تفجر الماء، لأنه يتفجر شيئا بعد شيء، ~~وروي عن سهل بن سعد وغيره من الصحابة أن الآية نزلت إلا قوله من الفجر فصنع ~~بعض الناس خيطين أبيض وأسود، فنزل قوله تعالى: من الفجر، وروي أنه كان بين ~~طرفي المدة عام. # قال القاضي أبو محمد: من رمضان إلى رمضان، تأخر البيان إلى وقت الحاجة، ms0283 ~~وعدي بن حاتم جعل خيطين على وساده وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~له: «إن وسادك لعريض» ، وروي أنه قال له: «إنك لعريض القفا» ، ولهذه ~~الألفاظ تأويلان، واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك: فقال الجمهور ~~وبه أخذ الناس ومضت عليه الأمصار والأعصار ووردت به الأحاديث الصحاح: ذلك ~~الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله في الأفق يجب ~~الإمساك، وهو مقتضى حديث ابن مسعود وسمرة بن جندب، وروي عن عثمان بن عفان ~~وحذيفة بن اليمان وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش وغيرهم ~~أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال، وذكر عن حذيفة أنه ~~قال: «تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النهار، إلا أن الشمس لم ~~تطلع» ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى الصبح بالناس ثم ~~قال: «الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود» . # قال الطبري: «ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في ~~النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس لأن آخره غروبها، فكذلك أوله طلوعها» ~~. # وحكى النقاش عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، ويدل على ذلك ~~قول الله تبارك وتعالى: أقم الصلاة طرفي النهار [هود: 114] ، قال القاضي ~~أبو محمد: والقول في نفسه صحيح، وقد ذكرت حجته في تفسير قوله تعالى: # واختلاف الليل والنهار [البقرة: 164، آل عمران: 190، الجاثية: 5] ، وفي ~~الاستدلال بهذه الآية نظر، ومن أكل وهو يشك هل طلع الفجر أم لم يطلع فعليه ~~عند مالك القضاء. PageV01P258 # وقوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل أمر يقتضي الوجوب، وإلى غاية، ~~إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه، كقولك اشتريت الفدان ~~إلى حاشيته، وإذا كان من غير جنسه كما تقول اشتريت الفدان إلى الدار لم ~~يدخل في المحدود ما بعد إلى، ورأت عائشة رضي الله عنها أن قوله إلى الليل ~~يقتضي النهي عن الوصال، وقد واصل النبي صلى الله عليه وسلم ونهى الناس ms0284 عن ~~الوصال، وقد واصل جماعة من العلماء وقد تقدم أن هذه الآية نسخت الحكم الذي ~~في قوله كما كتب على الذين من قبلكم [البقرة: 183] على قول من رأى التشبيه ~~في الامتناع من الوطء والأكل بعد النوم في قول بعضهم، وبعد صلاة العشاء في ~~قول بعضهم، والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس، فمن أفطر وهو شاك هل ~~غابت الشمس فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة. # وفي ثمانية أبي زيد: عليه القضاء فقط قياسا على الشك في الفجر، وهو قول ~~جماعة من العلماء. # وقال إسحاق والحسن: لا قضاء عليه كالناسي. # وقوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، قالت فرقة: المعنى ~~لا تجامعوهن. # وقال الجمهور: ذلك يقع على الجماع فما دونه مما يتلذذ به من النساء، ~~وعاكفون ملازمون، يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلا عليه، قال الراجز: ~~[الرجز] عكف النبيط يلعبون الفنزجا وقال الشاعر: [الطويل] # وظل بنات الليل حولي عكفا ... عكوف البواكي بينهن صريع # وقال أبو عمرو وأبو حاتم: قرأ قتادة «عكفون» بغير ألف، والاعتكاف سنة، ~~وقرأ الأعمش «في المسجد» بالإفراد، وقال: «وهو المسجد الحرام» . # قال مالك رحمه الله وجماعة معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات، وروي عن ~~مالك أيضا أن ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله. # وقال قوم: لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة التي تشد المطي إليها ~~حسب الحديث في ذلك. # وقالت فرقة لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. # وقال مالك: «لا يعتكف أقل من يوم وليلة، ومن نذر أحدهما لزمه الآخر» . # وقال سحنون: «من نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شيء» . # وقالت طائفة: أيهما نذر اعتكفه ولم يلزمه أكثر. # وقال مالك: «لا اعتكاف إلا بصوم» . # وقال غيره: يعتكف بغير صوم، وروي عن عائشة أنه يعتكف في غير مسجد. # وتلك إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي، والحدود: الحواجز بين الإباحة ~~والحظر، ومنه قيل PageV01P259 # للبواب حداد لأنه يمنع، ومنه الجاد وهي المرأة الممتنعة من الزينة، ~~والآيات: العلامات الهادية إلى الحق، ولعلهم ms0285 ترج في حقهم، وظاهر ذلك عموم ~~ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من ~~يشاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 188 الى 190] # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا ~~البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189) وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) # الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، ~~فأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهيا عنه، وكما قال ~~تقتلون أنفسكم [البقرة: 85] ، ويدخل في هذه الآية القمار والخداع والغصوب ~~وجحد الحقائق وغير ذلك، ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع ~~بحقيقة ما يبيع لأن الغبن كأنه وهبه. # وقال قوم: المراد بالآية ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي في الملاهي ~~والقيان والشراب والبطالة، فتجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين. # وقوله تعالى: وتدلوا بها الآية، يقال أدلى الرجل بالحجة أو بالأمر الذي ~~يرجو النجاح به تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر يرجو بها الماء. # قال قوم: معنى الآية تسارعون في الأموال إلى المخاصمة إذا علمتم أن الحجة ~~تقوم لكم، إما بأن لا تكون على الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة كاليتيم ~~ونحوه مما يكون القول فيه قوله، فالباء في بها باء السبب، وقيل: معنى الآية ~~ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد، وهذا القول يترجح لأن ~~الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل، وأيضا فإن اللفظتين متناسبتان، ~~تدلوا من أرسل الدلو والرشوة من الرشا، كأنها يمد بها لتقضى الحاجة، وتدلوا ~~في موضع جزم عطفا على تأكلوا، وفي مصحف أبي «ولا تدلوا» بتكرار حرف النهي، ~~وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة، وقيل: تدلوا في موضع نصب ~~على الظرف، وهذا مذهب ms0286 كوفي أن معنى الظرف هو الناصب، والذي ينصب في مثل هذا ~~عند سيبويه «أن» مضمرة، والفريق: القطعة والجزء، وبالإثم معناه بالظلم ~~والتعدي، وسمي ذلك إثما لما كان الإثم معنى يتعلق بفاعله، وأنتم تعلمون أي ~~إنكم مبطلون آثمون، وهذه مبالغة في المعصية والجرأة. PageV01P260 # وقوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع ~~وغيرهم: نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال ~~وما فائدة محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس؟، وجمع الأهلة وهو واحد في ~~الحقيقة من حيث كونه هلالا في شهر غير كونه هلالا في الآخر، فإنما جمع ~~أحواله من الهلالية، والهلال ليلتان بلا خلاف ثم يقمر، وقيل ثلاث. # وقال الأصمعي: هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق، وقيل هو هلال ~~حتى يبهر بضوئه السماء وذلك ليلة سبع. # وقوله: مواقيت معناه لمحل الديون وانقضاء العدد والأكرية وما أشبه هذا من ~~مصالح العباد، ومواقيت الحج أيضا يعرف بها وقته وأشهره، ومواقيت لا ينصرف ~~لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهاية إذ ليس يجمع، وقرأ ابن أبي ~~إسحاق «والحج» بكسر الحاء في جميع القرآن، وفي قوله «حج البيت» في آل ~~عمران. # قال سيبوية: الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران بمعنى، وقيل: ~~الفتح مصدر والكسر الاسم. # وقوله تعالى: وليس البر الآية، قال البراء بن عازب والزهري وقتادة: سببها ~~أن الأنصار كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يلتزمون تشرعا أن لا يحول بينهم وبين ~~السماء حائل، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدرات، وقيل: كانوا يجعلون ~~في ظهور بيوتهم فتوحا يدخلون منها ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير هذا مما ~~يشبهه فاختصرته، فجاء رجل منهم فدخل من باب بيته فعير بذلك، فنزلت الآية ~~فيه. # وقال إبراهيم: «كان يفعل ما ذكر قوم من أهل الحجاز» . # وقال السدي: ناس من العرب، وهم الذين يسمون الحمس، قال: فدخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بابا ومعه رجل منهم، فوقف ذلك الرجل وقال إني أحمس، فقال له ~~النبي صلى الله عليه ms0287 وسلم وأنا أحمس، ونزلت الآية. # وروى الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وخلفه رجل أنصاري فدخل وخرق ~~عادة قومه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم دخلت وأنت قد أحرمت؟، ~~قال: دخلت أنت فدخلت بدخولك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس، ~~أي من قوم لا يدينون بذلك، فقال الرجل: وأنا ديني دينك، فنزلت الآية. # وقال أبو عبيدة: الآية ضرب مثل، المعنى: ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن ~~اتقوا واسألوا العلماء، فهذا كما يقال أتيت هذا الأمر من بابه. # وقال غير أبي عبيدة: «المعنى ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلة ~~وغيرها فتأتون الأمور على غير ما يجب» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل والأول أسد، وأما ما حكاه المهدوي ومكي ~~عن ابن الأنباري PageV01P261 # من أن الآية مثل في جماع النساء فبعيد مغير نمط الكلام، وقرأ ابن كثير ~~وابن عامر والكسائي ونافع بخلاف عنه «البيوت» بكسر الباء، وقرأ بعض القراء ~~«ولكن البر» بتشديد نون «لكن» ونصب «البر» ، وقد تقدم القول على من في قوله ~~من آمن بالله [البقرة: 177] ، واتقوا معناه اجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية، ~~ولعلكم ترج في حق البشر، والفلاح درك البغية. # وقوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الآية، هي أول آية نزلت في الأمر ~~بالقتال. # قال ابن زيد والربيع: معناها قاتلوا من قاتلكم وكفوا عمن كف عنكم، ولا ~~تعتدوا في قتال من لم يقاتلوكم، وهذه الموادعة منسوخة بآية براءة، وبقوله: ~~قاتلوا المشركين كافة [التوبة: 36] . # وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: معنى الآية قاتلوا الذين هم ~~بحالة من يقاتلكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم، فهي ~~محكمة على هذا القول، وقال قوم: المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله ~~كالحمية وكسب الذكر. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 191 الى 194] # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا ms0288 فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) ~~الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) # قال ابن إسحاق وغيره: نزلت هذه الآيات في شأن عمرو بن الحضرمي وواقد، وهي ~~سرية عبد الله بن جحش، وثقفتموهم معناه أحكمتم غلبهم ولقيتموهم قادرين ~~عليهم، يقال رجل ثقف لقف إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور، وأخرجوهم. # قال الطبري: «الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: بل الخطاب لجميع المؤمنين، ~~ويقال أخرجوكم إذا أخرجوا بعضهم الأجل قدرا وهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمهاجرون، والفتنة أشد من القتل أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموكم بها ~~على الرجوع إلى الكفر أشد من القتل. # قال مجاهد: «أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة» . # قال غيره: بل المعنى الفتنة التي فعلوا أشد في هتك حرمات الحق من القتل ~~الذي أبيح لكم أيها المؤمنون أن توقعوه بهم، ويحتمل أن يكون المعنى والفتنة ~~أي الكفر والضلال الذي هم فيه أشد في الحرم وأعظم جرما من القتل الذي ~~عيروكم به في شأن ابن الحضرمي. PageV01P262 # وقوله تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام الآية، قال الجمهور: كان ~~هذا ثم نسخ وأمر بالقتال في كل موضع. # قال الربيع: نسخه وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة. # وقال قتادة: نسخه قوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم [التوبة: 5] . # وقال مجاهد: «الآية محكمة ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن ~~يقاتل» . # وقرأ حمزة والكسائي والأعمش «ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم ~~فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم» بالقتل في الأربعة، ولا خلاف في الأخيرة أنها ~~فاقتلوهم، والمعنى على قراءة حمزة والكسائي: فإن قتلوا منكم فاقتلوهم أيها ~~الباقون، وذلك كقوله تعالى: قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا [آل عمران: 146] ~~أي فما وهن الباقون، والانتهاء في هذه الآية ms0289 هو الدخول في الإسلام، لأن ~~غفران الله ورحمته إنما تكون مع ذلك. # وقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع ~~على قول من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين ~~قال الله فيهم فإن قاتلوكم، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن ~~يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله ويكون الدين لله، والفتنة هنا: # الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين، قاله ابن عباس وقتادة والربيع والسدي، ~~والدين هنا الطاعة والشرع. وقال الأعشى ميمون بن قيس: [الخفيف] # هو دان الرباب إذ كرهوا الذي ... ن دراكا بغزوة وصيال # والانتهاء في هذا الموضع يصح مع عموم الآية في الكفار أن يكون الدخول في ~~الإسلام، ويصح أن يكون أداء الجزية، وسمى ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث ~~هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان، والعقوبة تسمى باسم الذنب في غير ما ~~موضع، والظالمون هم على أحد التأويلين: من بدأ بقتال، وعلى التأويل الآخر: ~~من بقي على كفر وفتنة. # وقوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام الآية، قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم: نزلت في عمرة القضاء وعام ~~الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ ~~الحديبية سنة ست، فصده كفار قريش عن البيت، فانصرف ووعده الله أنه سيدخله ~~عليهم، فدخله سنة سبع، فنزلت الآية في ذلك، أي الشهر الحرام الذي غلبكم ~~الله فيه وأدخلكم الحرم عليهم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه، ومعنى الحرمات ~~قصاص على هذا التأويل: أي حرمة الشهر وحرمة البلد وحرمة المحرمين حين صددتم ~~بحرمة البلد والشهر والقطان حين دخلتم. # وقال الحسن بن أبي الحسن: نزلت الآية في أن الكفار سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم هل يقاتل في الشهر الحرام؟ فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه، فهموا ~~بالهجوم عليه فيه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع PageV01P263 # فيه، فنزلت: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، أي هو عليكم في ~~الامتناع من القتال أو ms0290 الاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين، فأية ~~سلكوا فاسلكوا، والحرمات على هذا جمع حرمة عموما: النفس والمال والعرض وغير ~~ذلك، فأباح الله بالآية مدافعتهم. والقول الأول أكثر. # وقالت فرقة: قوله: والحرمات قصاص مقطوع مما قبله، وهو ابتداء أمر كان في ~~أول الإسلام أن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك به، ثم نسخ ذلك ~~بالقتال. # وقالت طائفة: ما تناول من الآية التعدي بين أمة محمد والجنايات ونحوها لم ~~ينسخ، وجائز لمن تعدي عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه به ~~إذا خفي ذلك له، وليس بينه وبين الله في ذلك شيء، قاله الشافعي وغيره، وهي ~~رواية في مذهب مالك. # وقالت طائفة منهم مالك: ليس ذلك له، وأمور القصاص وقف على الحكام، ~~والأموال يتناولها قول النبي صلى الله عليه وسلم «أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك، ولا تخن من خانك» . # وقرأ الحسن بن أبي الحسن «والحرمات» بسكون الراء. # وقوله تعالى: فمن اعتدى عليكم الآية، اختلف في نسخ هذه الآية حسبما تقدم، ~~وسمي الجزاء على العدوان عدوانا كما قال الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] إلى ~~غير ذلك، واتقوا الله، قيل: # معناه في أن لا تعتدوا، وقيل: في أن لا تزيدوا على المثل. # وقال ابن عباس: «نزلت هذه الآية وما هو في معناها بمكة والإسلام لم يعز، ~~فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعز دينه أمر المسلمون برفع أمورهم ~~إلى حكامهم وأمروا بقتال الكفار» . # وقال مجاهد: «بل نزلت هذه الآية بالمدينة بعد عمرة القضاء، وهي من ~~التدريج في الأمر بالقتال» . # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 195 الى 196] # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ~~ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي ms0291 فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله ~~واعلموا أن الله شديد العقاب (196) # سبيل الله هنا الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله. # وقال أبو عبيدة وقوم: الباء في قوله بأيديكم زائدة، التقدير تلقوا ~~أيديكم. # وقال الجمهور: ذلك ضرب مثل، تقول ألقى فلان بيده في أمر كذا إذا استسلم، ~~لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيده، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ~~ومنه قول عبد المطلب: «والله إن إلقاءنا بأيدينا إلى الموت لعجز» . PageV01P264 # وقال قوم: التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما تقول لا تفسد حالك ~~برأيك، و «التهلكة» بضم اللام مصدر من هلك، وقرأ الخليل التهلكة بكسر ~~اللام، وهي تفعلة من «هلك» بشد اللام. # وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر ~~العدو، فقال قوم ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا إن هذه الآية ~~نزلت في الأنصار حين أرادوا لما ظهر الإسلام أن يتركوا الجهاد ويعمروا ~~أموالهم، وأما هذا فهو الذي قال الله فيه: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله [البقرة: 207] . # وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وجمهور الناس: ~~المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، ~~فيقول الرجل ليس عندي ما أنفق. # وقال قوم: المعنى لا تقنطوا من التوبة. # وقال البراء بن عازب وعبيدة السلماني: الآية في الرجل يقول قد بالغت في ~~المعاصي فلا فائدة في التوبة فينهمك بعد ذلك، وقال زيد بن أسلم: المعنى لا ~~تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع ~~في الطريق أو الكون عالة على الناس، وقوله وأحسنوا، قيل: معناه في أعمالكم ~~بامتثال الطاعات، وروي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل: المعنى وأحسنوا في ~~الإنفاق في سبيل الله وفي الصدقات، قاله زيد بن أسلم. # وقال عكرمة: المعنى وأحسنوا الظن بالله. # وقوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله، ms0292 قال ابن زيد والشعبي وغيرهما: ~~إتمامهما أن لا تفسخ وأن تتمهما إذا بدأت بهما. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة ~~أهلك، وفعله عمران بن حصين. # وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ~~ويؤيد هذا قوله: # لله. # وقال قتادة والقاسم بن محمد: إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير ~~أشهر الحج، وأن تتم الحج دون نقص ولا جبر بدم، وهذا مبني على أن الدم في ~~الحج والعمرة جبر نقص، وهو قول مالك وجماعة من العلماء. وأبو حنيفة وأصحابه ~~يرون أن كثرة الدم كمال وزيادة، وكلما كثر عندهم لزوم الدم فهو أفضل، ~~واحتجوا بأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أفضل الحج؟ فقال: العج ~~والثج، ومالك ومن قال بقوله يراه ثج التطوع. # وقالت فرقة: إتمامهما أن تفرد كل واحدة من حجة وعمرة ولا تقرن، وهذا على ~~أن الإفراد أفضل. # وقالت فرقة: القرآن أفضل، وذلك هو الإتمام عندهم. PageV01P265 # وقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم وغيرهم: إتمامهما أن تقضي مناسكهما كاملة ~~بما كان فيها من دماء. # وفروض الحج: النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي، والسعي بين الصفا ~~والمروة عندنا خلافا لأبي حنيفة، والوقوف بعرفة، والجمرة على قول ابن ~~الماجشون، وأما أعمال العمرة فنية وإحرام، وطواف، وسعي. # واختلف في فرض العمرة فقال مالك رحمه الله: هي سنة واجبة لا ينبغي أن ~~تترك كالوتر، وهي عندنا مرة واحدة في العام، وهذا قول جمهور أصحابه، وحكى ~~ابن المنذر في الإشراف عن أصحاب الرأي أنها عندهم غير واجبة، وحكى بعض ~~القرويين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه يوجبها كالحج، وبأنها سنة. # قال ابن مسعود وجمهور من العلماء، وأسند الطبري النص على ذلك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر ~~والشافعي وأحمد وإسحاق والشعبي وجماعة تابعين: أنها واجبة كالفرض، وقاله ~~ابن الجهم من المالكيين. # وقال مسروق: «الحج والعمرة فرض، نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من ~~الصلاة» ms0293 ، وقرأ الشعبي وأبو حيوة «والعمرة لله» برفع العمرة على القطع ~~والابتداء، وقرأ ابن أبي إسحاق «الحج» بكسر الحاء، وفي مصحف ابن مسعود ~~«وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله» ، وروي عنه: «وأقيموا الحج والعمرة ~~إلى البيت» ، وروي غير هذا مما هو كالتفسير. # وقوله تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، قال علقمة وعروة بن الزبير ~~وغيرهما: الآية فيمن أحصر بالمرض لا بالعدو. # وقال ابن عباس وغيره بعكس ذلك، والمشهور من اللغة أحصر بالمرض وحصر ~~بالعدو، وفي المجمل لابن فارس حصر بالمرض وأحصر بالعدو. # وقال الفراء: «هما بمعنى واحد في المرض والعدو» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والصحيح أن حصر إنما هي فيما ~~أحاط وجاور فقد يحصر العدو والماء ونحوه ولا يحصر المرض، وأحصر معناه جعل ~~الشيء ذا حصر كأقبر وأحمى وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون ~~محصرا لا حاصرا، ألا ترى أن العدو كان محصرا في عام الحديبية، وفي ذلك نزلت ~~هذه الآية عند جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهور الناس على أن المحصر بالعدو ~~يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه. # وقال قتادة وإبراهيم: يبعث بهديه إن أمكنه فإذا بلغ محله صار حلالا ولا ~~قضاء عليه عند الجميع إلا أن يكون صرورة فعليه حجة الإسلام. # وقال ابن الماجشون: «ليست عليه حجة الإسلام وقد قضاها حين أحصر» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا وجه له. PageV01P266 # وقال أشهب: «يهدي المحصر بعدو هديا من أجل الحصر» . # وقال ابن القاسم: «لا يهدي شيئا إلا إن كان معه هدي فأراد نحره» ، ذكره ~~ابن أبي زيد. # وقال عطاء وغيره: المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو. # وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء: المحصر بالمرض لا يحله إلا ~~البيت، ويقيم حتى يفيق، وإن أقام سنين، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع ~~التلبية في أوائل الحرم وحل بعمرة، ثم تكون عليه حجة قضاء وفيها يكون ~~الهدي، وقيل: إن الهدي يجب في وقت الحصر أولا، ولم ير ابن عباس ms0294 من أحصره ~~المرض داخلا في هذه الآية، وقال: إن المريض إن لم يكن معه هدي حل حيث حبس، ~~وإن كان معه هدي لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ثم لا قضاء عليه، قال: وإنما ~~قال الله: فإذا أمنتم والأمن إنما هو من العدو فليس المريض في الآية. # و «ما» في موضع رفع، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر، ويحتمل أن تكون في ~~موضع نصب أي فانحروا أو فاهدوا، وفما استيسر عند جمهور أهل العلم: شاة. # وقال ابن عمر وعروة بن الزبير «ما استيسر» جمل دون جمل وبقرة دون بقرة. # وقال الحسن: أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسه شاة، والهدي جمع هدية ~~كجدية السرج وهي البراد جمعها جدى، ويحتمل أن يكون الهدي مصدرا سمي به ~~كالرهن ونحوه فيقع للإفراد وللجمع. # وقال أبو عمرو بن العلاء: «لا أعرف لهذه اللفظة نظيرا» . # وقوله تعالى: ولا تحلقوا رؤسكم الآية، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ~~ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، ومحل الهدي حيث يحل نحره، وذلك لمن لم ~~يحصر بمنى ولمن أحصر بعدو حيث أحصر إذا لم يمكن إرساله، وأما المريض فإن ~~كان له هدي فيرسله إلى محله. # والترتيب أن يرمي الحاج الجمرة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف طواف الإفاضة، ~~فإن نحر رجل قبل الرمي أو حلق قبل النحر فلا حرج حسب الحديث ولا دم. # وقال قوم: لا حرج في الحج ولكن يهرق دما. # وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا: «إذا حلق قبل أن ينحر فليهد، وإن ~~حلق رجل قبل أن يرمي فعليه دم قولا واحدا في المذهب» . # قال ابن المواز عن مالك: ويمر الموسى على رأسه بعد الرمي، ولا دم في ذلك ~~عند أبي حنيفة وجماعة معه. # وقرأ الزهري والأعرج وأبو حيوة «الهدي» بكسر الدال وشد الياء في الموضعين ~~واحدته هدية، ورويت هذه القراءة عن عاصم. PageV01P267 # وقوله تعالى: فمن كان منكم مريضا الآية، المعنى فحلق لإزالة الأذى ففدية، ~~وهذا هو فحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين، ونزلت هذه الآية في كعب بن ms0295 عجرة ~~حين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يتناثر قملا، فأمره بالحلاق ~~ونزلت الرخصة، و «فدية» رفع على خبر الابتداء، والصيام عند مالك وعطاء ~~ومجاهد وإبراهيم وغيرهم وجميع أصحاب مالك: ثلاثة أيام، والصدقة: ستة ~~مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والنسك: شاة بإجماع، ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل. # وقال الحسن بن أبي الحسن وعكرمة: الصيام عشرة أيام، والإطعام عشرة ~~مساكين. # وقرأ الزهري «أو نسك» بسكون السين. # وقال سعيد بن جبير ومجاهد: النسك شاة، فإن لم يجدها فقيمتها يشترى بها ~~طعام فيطعم منه مدان لكل مسكين، فإن لم يجد القيمة عرفها وعرف ما يشترى بها ~~من الطعام وصام عن كل مدين يوما. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ذلك كله حيث شاء، وفاله إبراهيم وهو ~~مذهب مالك وأصحابه إلا ابن الجهم، فإنه قال: لا يكون النسك إلا بمكة. # وقال عطاء في بعض ما روي عنه وأصحاب الرأي: النسك بمكة، والصيام والإطعام ~~حيث شاء. # وقال الحسن بن أبي الحسن وطاوس وعطاء أيضا ومجاهد والشافعي: النسك ~~والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، والمفتدي مخير في أي هذه الثلاثة شاء، ~~وكذلك قال مالك وغيره في كل ما في القرآن أو فإنه على التخيير. # وقوله تعالى: فإذا أمنتم، قال علقمة وعروة: المعنى إذا برأتم من مرضكم. ~~وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو المحصر، وهذا ~~أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه. # وقوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية، قال عبد الله بن الزبير ~~وعلقمة وإبراهيم: الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم، وصورة المتمتع عند ~~ابن الزبير أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ~~ويقضي الحج من قابل، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء، وصورة ~~المتمتع المحصر عند غيره أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل ~~فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه. # وقال ms0296 ابن عباس وجماعة من العلماء: الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي ~~سبيله، وصورة المتمتع أن تجتمع فيه ستة شروط: أن يكون معتمرا في أشهر الحج، ~~وهو من غير حاضري المسجد الحرام، ويحل وينشىء الحج من عامه ذلك دون رجوع ~~إلى وطنه أو ما ساواه بعدا. هذا قول مالك وأصحابه، واختلف لم سمي متمتعا، ~~فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في ~~العمرة إلى وقت إنشائه الحج، وقال غيره: سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد ~~السفرين، وذلك أن PageV01P268 # حق العمرة أن تقصد بسفرة وحق الحج كذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه ~~الله هديا كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه شدة على القادم مكة من ~~سائر الأقطار لما أسقط سفرا، والمكي لا يقتضي حاله سفرا في عمرة ولا حج ~~لأنه في بقعة الحج فلم يلزم شيئا لأنه لم يسقط شيئا، ومن قال إن اسم التمتع ~~وحكمه إنما هو من جهة التمتع بالنساء والطيب وغير ذلك فيرد عليه أنه يستغرق ~~قوله: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج المكي وغيره على السواء في القياس، فكيف ~~يشتد مع ذلك على الغريب الذي هو أعذر ويلزم هديا، ولا يفعل ذلك بالمكي، ~~فيترجح بهذا النظر أن التمتع إنما هو من أجل إسقاط أحد السفرين، إلا أن أبا ~~عبيد قال في كتاب الناسخ والمنسوخ له: إن العمرة في أشهر الحج ممنوعة للمكي ~~لا تجوز له، ورخص الله تعالى للقادم لطول بقائه محرما وقرن الرخصة بالهدي. # قال القاضي أبو محمد: فهذه شدة على أهل مكة، وبهذا النظر يحسن أن يكون ~~التمتع من جهة استباحة ما لا يجوز للمحرم، لكنه قول شاذ لا يعول عليه، وجل ~~الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج للمكي ولا دم عليه، وذكر أبو عبيد ~~القولين عن ابن عمر واستند إليه في الذي وافقه، وقد حكاه الطبري عن ابن ~~عباس وقال: إنه قال يا أهل مكة لا ms0297 متعة لكم، إن الله قد أحلها لأهل الآفاق ~~وحرمها عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا ثم يحرم بعمرة. # قال القاضي أبو محمد: فمعنى هذا أنهم متى أحرموا داموا إلى الحج، وقال ~~السدي: المتمتع هو الذي يفسخ الحج في العمرة، وذلك لا يجوز عند مالك، وفي ~~صحيح مسلم حديث سراقة بن مالك قال: # قلت يا رسول الله: فسخ الحج في العمرة ألنا خاصة أم للأبد؟ فقال: «بل ~~لأبد أبد، بل لأبد أبد» . # قال القاضي أبو محمد: وإنما شرط في التمتع أن يحل في أشهر الحج لأنها مدة ~~يملكها الحج فمن كان فيها محرما فحقه أن يصل الإحرام إلى الحج، وفي كتاب ~~مسلم إيعاب الأحاديث في هذا المعنى، ومذهب عمر وقول أبي ذر إن متعة النساء ~~ومتعة الحج خاصتان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال طاوس: «من اعتمر ~~في غير أشهر الحج ثم أقام حتى حج من عامه فهو متمتع» . # وقال الحسن بن أبي الحسن البصري «من اعتمر بعد يوم النحر في بقية العام ~~فهو متمتع» ، وهذان قولان شاذان لم يوافقهما أحد من العلماء، وتقدم القول ~~فيما استيسر من الهدي. PageV01P269 # قوله: لم يجد إما بعدم المال وإما بعدم الحيوان، وفي الحج قال عكرمة ~~وعطاء: له أن يصومها في أشهر الحج وإن كان لم يحرم بالحج. # وقال ابن عباس ومالك بن أنس: له أن يصومها منذ يحرم بالحج. # وقال عطاء أيضا ومجاهد: لا يصومها إلا في عشر ذي الحجة. # وقال ابن عمر والحسن والحكم: يصوم يوما قبل يوم التروية ويوم التروية ~~ويوم عرفة، وكلهم يقول: # لا يجوز تأخيرها عن عشر ذي الحجة لأن بانقضائه ينقضي الحج. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عمر ومالك بن أنس وجماعة من أهل ~~العلم: من فاته صيامها قبل يوم النحر فله صيامها في أيام التشريق، لأنها من ~~أيام الحج. # وقال قوم: له ابتداء تأخيرها إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام ~~إلا بأن لا يجد يوم النحر. # وقوله تعالى: وسبعة إذا رجعتم قال ms0298 مجاهد وعطاء وإبراهيم: المعنى إذا ~~رجعتم من منى فمن بقي بمكة صامها، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق. # وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله تعالى، والمعنى إذا رجعتم إلى ~~أوطانكم فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدد أحدكما ~~يفعل من يصوم في السفر في رمضان، وقرأ زيد بن علي «وسبعة» بالنصب، أي ~~وصوموا سبعة، ولما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجع أزيل ذلك بالجملة من قوله تعالى: تلك عشرة كاملة قال الحسن ~~بن أبي الحسن: # المعنى كاملة في الثواب كمن أهدى، وقيل كاملة في الثواب كمن لم يتمتع، ~~وهذا على أن الحج الذي لم تكثر فيه الدماء أخلص وأفضل خلافا لأبي حنيفة، ~~وقيل: كاملة توكيد كما تقول كتبت بيدي، وكقوله تعالى: فخر عليهم السقف من ~~فوقهم [النحل: 6] ، وقيل: لفظها الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك ~~فرضها. # وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن علي بن أحمد: المعنى تلك كاملة، وكرر ~~الموصوف تأكيدا كما تقول زيد رجل عاقل. # وقوله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله الآية، الإشارة إلى التمتع وهديه ~~وحكمه، وهذا على قول من يرى أن المكي لا تجوز له المتعة في أشهر الحج، فكان ~~الكلام ذلك الترخيص، ويتأيد هذا بقوله لمن، لأن اللام أبدا إنما تجيء مع ~~الرخص، تقول لك إن تفعل كذا، وأما مع الشدة فالوجه أن تقول عليك، وأما من ~~يرى أن المكي يعتمر ولا دم عليه لأنه لم يسقط سفرا فالإشارة بذلك- على ~~قوله- هي إلى الهدي، أي ذلك الاشتداد والإلزام. PageV01P270 # واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل ~~بها، وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم، وليس كما قال: فقال بعض ~~العلماء: من كان حيث تجب الجمعة عليه بمكة فهو حضري، ومن كان أبعد من ذلك ~~فهو بدوي. # قال القاضي أبو محمد: فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة، وقال بعضهم: من ~~كان بحيث لا تقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر ms0299 أي شاهد، ومن كان أبعد من ذلك ~~فهو غائب، وقال عطاء بن أبي رباح: مكة وضجنان وذو طوى وما أشبهها حاضر ~~والمسجد الحرام. # وقال ابن عباس ومجاهد: أهل الحرم كله حاضر والمسجد الحرام، وقال مكحول ~~وعطاء: من كان دون المواقيت من كل جهة حاضر والمسجد الحرام. # وقال الزهري: من كان على يوم أو يومين فهو من حاضري المسجد الحرام، ثم ~~أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذر من شديد عقابه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 197 الى 198] # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين (198) # وقوله تعالى: الحج أشهر معلومات، في الكلام حذف تقديره: أشهر الحج أشهر، ~~أو: وقت الحج أشهر، أو: وقت عمل الحج أشهر، والغرض إنما هو أن يكون الخبر ~~عن الابتداء هو الابتداء نفسه، والحج ليس بالأشهر فاحتيج إلى هذه ~~التقديرات، ومن قدر الكلام: الحج في أشهر، فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب ~~الأشهر، ولم يقرأ بنصبها أحد. # وقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: أشهر الحج شوال ~~وذو القعدة وذو لحجة كله. # وقال ابن عباس والشعبي والسدي وإبراهيم: هي شوال وذو القعدة وعشر ذي ~~الحجة، والقولان لمالك رحمه الله، حكى الأخير ابن حبيب، وجمع على هذا القول ~~الأخير الاثنان وبعض الثالث كما فعلوا في جمع عشر فقالوا عشرون لعشرين ~~ويومين من الثالث، وكما قال امرؤ القيس: [الطويل] ثلاثون شهرا في ثلاثة ~~أحوال فمن قال إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال ~~بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج، وعلى القول الآخر ينقضي الحج بيوم النحر ~~ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك. # وقوله تعالى: فمن فرض فيهن الحج أي ms0300 من ألزمه نفسه، وأصل الفرض الحز الذي ~~يكون في السهام والقسي وغيرها، ومنه فرضة النهر والجبل، فكأن من التزم شيئا ~~وأثبته على نفسه قد فرضه، وفرض الحج هو بالنية والدخول في الإحرام، ~~والتلبية تبع لذلك، ومن رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والخبر قوله فرض لأن ~~من ليست بموصولة فكأنه قال فرجل فرض، وقوله فلا رفث يحتمل أن يكون الخبر، ~~وتكون فرض صفة. # وقوله تعالى: فيهن ولم يجىء الكلام فرض فيها: فقال قوم: هما سواء في ~~الاستعمال. # وقال أبو عثمان المازني: «الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة ~~المؤنثة، والقليل ليس كذلك، PageV01P271 # تقول الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت» ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: إن عدة ~~الشهور [التوبة: 36] ، ثم قال: منها، وقرأ نافع «فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال» بنصب الجميع، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال» بالرفع في الاثنين ونصب ~~الجدال، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة، ورويت عن عاصم في بعض ~~الطرق، ولا بمعنى ليس في قراءة الرفع وخبرها محذوف على قراءة أبي عمرو، وفي ~~الحج خبر لا جدال، وحذف الخبر هنا هو مذهب أبي علي، وقد خولف في ذلك، بل في ~~الحج هو خبر الكل، إذ هو في موضع رفع في الوجهين، لأن لا إنما تعمل على ~~بابها فيما يليها وخبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء، وظن أبو علي ~~أنها بمنزلة ليس في نصب الخبر، وليس كذلك، بل هي والاسم في موضع الابتداء ~~يطلبان الخبر، وفي الحج هو الخبر في قراءة كلها بالرفع وفي قراءتها بالنصب، ~~والتحرير أن في الحج في موضع نصب بالخبر المقدر كأنك قلت موجود في الحج، ~~ولا فرق بين الآية وبين قولك زيد في الدار. # وقال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة ومالك ومجاهد وغيرهم: الرفث ~~الجماع. # وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإعراب والتعريب، وهو ~~الإفحاش بأمر الجماع عند النساء خاصة، وهذا قول ابن عباس أيضا، وأنشد وهو ms0301 ~~محرم: # وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا # فقيل له: ترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء وقال قوم: ~~الرفث الإفحاش بذكر النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا، وقد قال ابن عمر للحادي: ~~«لا تذكر النساء» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل أن تحضر امرأة فلذلك نهاه، وإنما يقوي ~~القول من جهة ما يلزم من توقير الحج. # وقال أبو عبيدة: «الرفث اللغا من الكلام» ، وأنشد: # ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم # قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في البيت، وقرأ ابن مسعود «ولا رفوث» . # وقال ابن عباس وعطاء والحسن وغيرهم: الفسوق المعاصي كلها لا يختص بها شيء ~~دون شيء. # وقال ابن عمر وجماعة معه: الفسوق المعاصي في معنى الحج كقتل الصيد وغيره. # وقال ابن زيد ومالك: الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قول الله تعالى: أو فسقا ~~أهل لغير الله به [الأنعام: 145] . # وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب، ومنه قول الله تعالى: بئس الاسم ~~الفسوق [الحجرات: 11] . PageV01P272 # وقال ابن عمر أيضا ومجاهد وعطاء وإبراهيم: الفسوق السباب، ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» . # قال القاضي أبو محمد: وعموم جميع المعاصي أولى الأقوال. # وقال قتادة وغيره: الجدال هنا السباب. # وقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد: الجدال هنا أن تماري مسلما حتى ~~تغضبه. # وقال مالك وابن زيد: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم صادف موقف إبراهيم ~~عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف ~~سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك. # وقال محمد بن كعب القرظي: الجدال أن تقول طائفة حجنا أبر من حجكم وتقول ~~الأخرى مثل ذلك. # وقالت فرقة: الجدال هنا أن تقول طائفة: الحج اليوم وتقول طائفة بل الحج ~~غدا، وقيل: الجدال كان في الفخر بالآباء. # وقال مجاهد وجماعة معه: الجدال أن تنسىء العرب الشهور حسبما كان النسيء ~~عليه، فقرر الشرع وقت الحج وبينه، وأخبر أنه حتم لا جدال فيه، وهذا أصح ~~الأقوال وأظهرها، والجدال مأخوذ ms0302 من الجدل وهو الفتل، كأن كل مجادل يفاتل ~~صاحبه في الكلام. وأما ما كان النسيء عليه فظاهر سير ابن إسحاق وغيرها من ~~الدواوين أن الناسئ كان يحل المحرم لئلا تتوالى على العرب ثلاثة أشهر لا ~~إغارة فيها، ويحرم صفر، وربما سموه المحرم، وتبقى سائر الأشهر بأسمائها حتى ~~يأتي حجهم في ذي الحجة على الحقيقة، وأسند الطبري عن مجاهد أنه قال: كانوا ~~يسقطون المحرم ثم يقولون صفران لصفر وشهر ربيع الأول، ثم كذلك ينقلون أسماء ~~الشهور، ويتبدل وقت الحج في الحقيقة، لكنه يبقى في ذي الحجة بالتسمية لا في ~~حقيقة الشهر، قال: فكان حج أبي بكر سنة تسع في ذي القعدة على الحقيقة ثم حج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة على الحقيقة، وحينئذ ~~قال: «إن الزمان قد استدار» الحديث، ونزلت ولا جدال في الحج أي قد تبين ~~أمره فلا ينتقل شهر البتة أبدا. # وقوله تعالى: وما تفعلوا من خير يعلمه الله المعنى فيثيب عليه، وفي هذا ~~تخصيص على فعل الخير. # وقوله تعالى: وتزودوا الآية، قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد: ~~نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويقول بعضهم: نحن ~~المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة ~~على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالتزود. # وقال بعض الناس: المعنى تزودوا الرفيق الصالح، وهذا تخصيص ضعيف، والأولى ~~في معنى الآية: وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة، وفي قوله تعالى: فإن ~~خير الزاد التقوى حض على التقوى، وخص أولو الألباب بالخطاب وإن كان الأمر ~~يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله وهم PageV01P273 # قابلو أوامره والناهضون بها، وهذا على أن اللب لب التجارب وجودة النظر، ~~وإن جعلناه لب التكليف فالنداء ب أولي الألباب عام لجميع المكلفين، واللب ~~العقل، تقول العرب لببت بضم الباء الأولى ألب بضم اللام، حكاه سيبويه، وليس ~~في الكلام فعل يفعل بضم العين فيهما غير هذه الكلمة. # وقوله تعالى: ليس عليكم جناح الآية، الجناح ms0303 أعم من الإثم لأنه فيما يقتضي ~~العقاب وفيما يقتضي العتاب والزجر، وتبتغوا معناه تطلبون بمحاولتكم. # وقال ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعطاء: إن الآية نزلت لأن العرب تحرجت لما ~~جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية كعكاظ وذي المجاز ومجنة، فأباح الله ~~تعالى ذلك، أي لا درك في أن تتجروا وتطلبوا الربح. # وقال مجاهد: «كان بعض العرب لا يتجرون مذ يحرمون، فنزلت الآية في إباحة ~~ذلك» . # وقال ابن عمر فيمن أكرى ليحج: «حجه تام ولا حرج عليه في ابتغاء الكراء» ، ~~وقرأ ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم في مواسم الحج» . # وقوله تعالى: فإذا أفضتم من عرفات أجمع أهل العلم على تمام حج من وقف ~~بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل إلا مالك بن أنس، فإنه قال: «لا بد ~~أن يأخذ من الليل شيئا، وأما من وقف بعرفة بالليل فلا خلاف بين الأمة في ~~تمام حجه» وأفاض القوم أو الجيش إذا اندفعوا جملة، ومنه أفاض الرجل في ~~الكلام، ومنه فاض الإناء، وأفضته، ومنه المفيض في القداح، والتنوين في ~~عرفات على حده في مسلمات، الكسرة مقابلة للياء في مسلمين والتنوين مقابل ~~للنون، فإذا سميت به شخصا ترك، وهو معرف على حده قبل أن تسمي به، فإن كان ~~عرفات اسما لتلك البقعة كلها فهو كما ذكرناه، وإن كان جمع عرفة فهو كمسلمات ~~دون أن يسمى به، وحكى سيبويه كسر التاء من «عرفات» دون تنوين في حال النصب ~~والخفض مع التعريف، وحكى الكوفيون فتحها في حال النصب والخفض تشبيها بتاء ~~فاطمة وطلحة، وسميت تلك البقعة عرفات لأن إبراهيم عرفها حين رآها على ما ~~وصفت له، قاله السدي. # وقال ابن عباس: «سميت بذلك لأن جبريل عليه السلام كان يقول لإبراهيم عليه ~~السلام: هذا موضع كذا، فيقول قد عرفت» ، وقيل: سميت بذلك لأن آدم عرف بها ~~حواء حين لقيها هناك. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع، وعرفة ~~هي نعمان الأراك، وفيها يقول الشاعر: ms0304 # تزودت من نعمان عود أراكة ... لهند ولكن من يبلغه هندا؟ # والمشعر الحرام جمع كله، وهو ما بين جبلي المزدلفة من حد مفضى مأزمي ~~عرفة، قال ذلك ابن عباس وابن جبير والربيع وابن عمر ومجاهد، فهي كلها مشعر ~~إلى بطن محسر، كما أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، بفتح الراء وضمها، روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، ~~والمزدلفة كلها مشعر، إلا وارتفعوا عن بطن محسر» وذكر هذا عبد الله بن ~~الزبير في خطبته، وفي PageV01P274 # المزدلفة قرن قزح الذي كانت قريش تقف عليه، وذكر الله تعالى عند المشعر ~~الحرام ندب عند أهل العلم. # وقال مالك: «من مر به ولم ينزل فعليه دم» ، وقال الشافعي: «من خرج من ~~مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم، وإن كان بعد نصف الليل فلا شيء عليه» ؟ # وقال الشعبي والنخعي: من فاته الوقوف بمزدلفة فاته الحج. # وقوله: واذكروه كما هداكم تعديد للنعمة وأمر بشكرها، ثم ذكرهم بحال ~~ضلالهم ليظهر قدر الإنعام، والكاف في كما نعت لمصدر محذوف، وأن مخففة من ~~الثقيلة، ويدل على ذلك دخول اللام في الخبر، هذا قول سيبويه. # وقال الفراء: «هي النافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلا» ، والضمير في قبله ~~عائد على الهدي. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 199 الى 203] # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) ~~فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم ~~نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) واذكروا الله في أيام معدودات فمن ~~تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله ~~واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) # قال ابن عباس وعائشة وعطاء وغيرهم: المخاطب بهذه الآية قريش ومن ولدت وهم ~~الحمس، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن قطين ms0305 الله فينبغي لنا أن نعظم الحرم ولا ~~نعظم شيئا من الحل، فسنوا شق الثياب في الطواف إلى غير ذلك، وكانوا مع ~~معرفتهم وإقرارهم أن عرفة هي موقف إبراهيم لا يخرجون من الحرم ويقفون بجمع ~~ويفيضون منه، ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم أن يفيضوا مع الجملة، وثم ليست في ~~هذه الآية للترتيب، إنما هي لعطف جملة كلام على جملة هي منها منقطعة، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحمس، ولكنه كان يقف مذ كان بعرفة، هداية ~~من الله. # وقال الضحاك: «المخاطب بالآية جملة الأمة» ، والمراد ب الناس إبراهيم ~~عليه السلام كما قال: # الذين قال لهم الناس [آل عمران: 173] وهو يريد واحدا، ويحتمل على هذا أن ~~يؤمروا بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة ~~فتجيء ثم على هذا الاحتمال على PageV01P275 # بابها، وعلى هذا الاحتمال عول الطبري، وقرأ سعيد بن جبير «الناسي» وتأوله ~~آدم عليه السلام، ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أما جوازه في العربية فذكره ~~سيبويه، وأما جوازه مقروءا به فلا أحفظه، وأمر تعالى بالاستغفار لأنها ~~مواطنه ومظان القبول ومساقط الرحمة، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطب عشية عرفة فقال: «أيها الناس، إن الله عز وجل قد تطاول عليكم في ~~مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التبعات فيما بينكم، ~~أفيضوا على اسم الله» ، فلما كان غداة جمع، خطب فقال: «أيها الناس إن الله ~~تطاول عليكم فعوض التبعات من عنده» . # وقالت فرقة: المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفا لسنة ~~إبراهيم في وقوفكم بقزح من المزدلفة. # وقوله تعالى: فإذا قضيتم مناسككم الآية، قال مجاهد: «المناسك الذبائح ~~وهراقة الدماء» ، والمناسك عندي العبادات في معالم الحج ومواضع النسك فيه، ~~والمعنى إذا فرغتم من حجكم الذي هو الوقوف بعرفة فاذكروا الله بمحامده ~~وأثنوا عليه بآلائه عندكم، وخص هذا الوقت بالقضاء لما يقضي الناس فيه ~~مناسكهم في حين واحد، ms0306 وما قبل وما بعد فهو على الافتراق: هذا في طواف وهذا ~~في رمي وهذا في حلاق وغير ذلك، وكانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند ~~الجمرة فتتفاخر بالآباء وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم وغير ذلك، فنزلت ~~الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيام ~~الجاهلية، هذا قول جمهور المفسرين. # وقال ابن عباس وعطاء: معنى الآية اذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم ~~وأمهاتهم، أي فاستغيثوا به والجؤوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم ~~بآبائكم. # وقالت طائفة: معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من ~~أراد الشرك والنقص في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد ~~منهم وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم، وقرأ محمد ابن كعب القرظي «كذكركم ~~آباؤكم» أي اهتبلوا بذكره كما يهتبل المرء بذكر ابنه، فالمصدر على هذه ~~القراءة مضاف إلى المفعول، وأشد في موضع خفض عطفا على «ذكركم» ويجوز أن ~~يكون في موضع نصب، التقدير أو اذكروه أشد ذكرا. # وقوله تعالى: فمن الناس من يقول الآية، قال أبو وائل والسدي وابن زيد: ~~كانت عادتهم في الجاهلية أن يدعوا في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لا يعرفون ~~الآخرة، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة ~~الخبر عنهم، والخلاق: النصيب والحظ، ومن زائدة لأنها بعد النفي، فهي ~~مستغرقة لجنس الحظوظ. # وقال قتادة: «حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال» . # وقال الحسن بن أبي الحسن: «حسنة الدنيا العلم والعبادة» . PageV01P276 # وقال السدي: «حسنة الدنيا المال» ، وقيل: حسنة الدنيا المرأة الحسناء، ~~واللفظة تقتضي هذا كله وجميع محاب الدنيا، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع، وقنا ~~عذاب النار دعاء في أن لا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة، ~~ويحتمل أن يكون دعاء مؤكدا لطلب دخول الجنة، لتكون الرغبة في معنى النجاة ~~والفوز من الطرفين، كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: «أنا ~~إنما أقول في دعائي اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما ~~دندنتك ولا دندنة معاذ» ، فقال له ms0307 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حولها ~~ندندن» . # وقوله تعالى: أولئك لهم نصيب مما كسبوا الآية، وعد على كسب الأعمال ~~الصالحة في صيغة الإخبار المجرد، والرب تعالى سريع الحساب لأنه لا يحتاج ~~إلى عقد ولا إلى إعمال فكر، وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب ~~الله الخلائق في يوم؟ فقال «كما يرزقهم في يوم» ، وقيل: الحساب هنا ~~المجازاة، كأن المجازي يعد أجزاء العمل ثم يجازي بمثلها، وقيل معنى الآية ~~سريع مجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة، وأمر الله ~~تعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، ~~وهي أيام التشريق، وليس يوم النحر من المعدودات، ودل على ذلك إجماع الناس ~~على أنه لا ينفر أحد يوم القر وهو ثاني يوم النحر، فإن يوم النحر من ~~المعلومات، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم ~~القر، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات، وحكى مكي والمهدوي عن ابن عباس أنه ~~قال: «المعدودات هي أيام العشر» ، وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما ~~أن يريد العشر الذي بعد يوم النحر، وفي ذلك بعد، والأيام المعلومات هي يوم ~~النحر ويومان بعده لإجماعهم على أنه لا ينحر أحد في اليوم الثالث، والذكر ~~في المعلومات إنما هو على ما رزق الله من بهيمة الأنعام. # وقال ابن زيد: «المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق» ، وفي هذا القول ~~بعد، وجعل الله الأيام المعدودات أيام ذكر الله، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «هي أيام أكل وشرب وذكر لله» . # ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصلوات، واختلف في طرفي مدة التكبير: ~~فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس: يكبر من صلاة الصبح من يوم ~~عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق. # وقال ابن مسعود وأبو حنيفة: يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم ~~النحر. # وقال يحيى بن سعيد: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر ms0308 ~~يوم التشريق. # وقال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق، وبه قال الشافعي. # وقال ابن شهاب: «يكبر من الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق» ~~. # وقال سعيد بن جبير: «يكبر من الظهر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام ~~التشريق» . # وقال الحسن بن أبي الحسن: «يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر ~~يوم النفر الأول» . PageV01P277 # وقال أبو وائل: «يكبر من صلاة الظهر يوم عرفة إلى صلاة الظهر يوم النحر» ~~. # ومشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات، وفي المذهب رواية ~~أنه يقال بعد التكبيرات الثلاث: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد. # وقوله تعالى: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، قال ابن عباس والحسن ~~وعكرمة ومجاهد: # المعنى من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن ~~تأخر إلى الثالث فلا حرج عليه، فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا ~~التقسيم اهتماما وتأكيدا إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس، فنزلت ~~الآية رافعة للجناح في كل ذلك، ومن العلماء من رأى أن التعجل إنما أبيح لمن ~~بعد قطره لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر، قاله مالك وغيره، ومنهم من ~~رأى أن الناس كلهم مباح لهم ذلك، قاله عطاء وغيره. # وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم: معنى الآية من تعجل فقد غفر ~~له ومن تأخر فقد غفر له، واحتجوا بقوله عليه السلام: «من حج هذا البيت فلم ~~يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه» ، فقوله تعالى: فلا إثم عليه ~~نفي عام وتبرئة مطلقة، وقال مجاهد أيضا: معنى الآية من تعجل أو تأخر فلا ~~إثم عليه إلى العام القابل، وأسند في هذا القول أثر. # وقال أبو العالية: المعنى في الآية لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره، ~~والحاج مغفور له البتة. # وقال أبو صالح وغيره: معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد وما يجب ~~عليه ms0309 تجنبه في الحج، وقال أيضا: لمن اتقى في حجه فأتى به تاما حتى كان ~~مبرورا، واللام في قوله لمن اتقى متعلقة إما بالغفران على بعض التأويلات، ~~أو بارتفاع الإثم في الحج على بعضها، وقيل: بالذكر الذي دل عليه قوله ~~واذكروا، أي الذكر لمن اتقى، ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. # وقال ابن أبي زمنين: «يرميها في يوم النفر الأول حين يريد التعجل» . # قال ابن المواز: «يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع ~~حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأنه قد رمى جمرة العقبة ~~بسبع يوم النحر. # قال ابن المواز: «ويسقط رمي اليوم الثالث» . # وقرأ سالم بن عبد الله فلا إثم عليه بوصل الألف، ثم أمر تعالى بالتقوى ~~وذكر بالحشر والوقوف بين يديه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 204 الى 208] # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه ~~جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله ~~رؤف بالعباد (207) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) PageV01P278 # قال السدي: «نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبي، والأخنس لقب، وذلك أنه ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال: الله يعلم أني ~~صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم من المسلمين، فأحرق لهم زرعا، وقتل حمرا، ~~فنزلت فيه هذه الآيات» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم. # وقال ابن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة ~~الرجيع عاصم بن ثابت وخبيب وابن الدثنة وغيرهم قالوا: ويح هؤلاء القوم لا ~~هم قعدوا في بيوتهم ولا أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت هذه ms0310 الآيات في صفات ~~المنافقين. ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضات الله الآية، وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت ~~هذه الآيات في كل مبطن كفر أو نفاق أو كذب أو إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ~~ذلك، فهي عامة، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى: «أن ~~من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون ~~للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي ~~يغترون وعلي يجترون؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران» . ~~ومعنى ويشهد الله أي يقول: الله يعلم أني أقول حقا، وقرأ أبو حيوة وابن ~~محيصن «ويشهد الله» بإسناد الفعل إلى اسم الجلالة، المعنى يعجبك قوله والله ~~يعلم منه خلاف ما قال، والقراءة التي للجماعة أبلغ في ذمه، لأنه قوى على ~~نفسه التزام الكلام الحسن ثم ظهر من باطنه خلافه، وما في قلبه مختلف بحسب ~~القراءتين، فعلى قراءة الجمهور هو الخير الذي يظهر، أي هو في قلبه بزعمه، ~~وعلى قراءة ابن محيصن هو الشر الباطن، وقرأ ابن عباس «والله يشهد على ما في ~~قلبه» ، وقرأ أبي وابن مسعود «ويستشهد الله على ما في قلبه» ، والألد: ~~الشديد الخصومة الصعب الشكيمة الذي يلوي الحجج في كل جانب، فيشبه انحرافه ~~المشي في لديدي الوادي، ومنه لديد الفم، واللدود، ويقال منه: لددت بكسر ~~العين ألد، وهو ذم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أبغض الرجال إلى ~~الله الألد الخصم» ، ويقال: لددته بفتح العين ألده بضمها إذا غلبته في ~~الخصام، ومن اللفظة قول الشاعر: [الخفيف] # إن تحت الأحجار حزما وعزما ... وخصيما ألد ذا معلاق # والخصام في الآية مصدر خاصم، وقيل جمع خصم ككلب وكلاب، فكان الكلام وهو ~~أشد الخصماء والدهم. PageV01P279 # وتولى وسعى تحتمل جميعا معنيين: أحدهما أن تكون فعل قلب فيجيء تولى بمعنى ~~ضل وغضب وأنف في نفسه فسعى بحيله وإرادته الدوائر على الإسلام، ومن هذا ~~السعي قول الله ms0311 تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [النجم: 39] ، ومنه وسعى ~~لها سعيها [الإسراء: 19] . ومنه قول الشاعر: # [الرجز] # أسعى على حي بني مالك ... كل امرئ في شأنه ساع # ونحا هذا المنحى في معنى الآية ابن جريج وغيره، والمعنى الثاني أن يكونا ~~فعل شخص فيجيء تولى بمعنى أدبر ونهض عنك يا محمد، وسعى يجيء معناها بقدميه ~~فقطع الطريق وأفسدها، نحا هذا المنحى ابن عباس وغيره، وكلا السعيين فساد. # وقوله تعالى: ويهلك الحرث والنسل. # قال الطبري: «المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر» . # وقال مجاهد: «المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك ~~الحرث والنسل» ، وقيل: المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار الزرع ~~والمنسلون» . # وقال الزجاج: «يحتمل أن يراد بالحرث النساء وبالنسل نسلهن» . # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في الإفساد، إذ ~~كل فساد في أمور الدنيا، فعلى هذين الفصلين يدور، وأكثر القراء على يهلك ~~بضم الياء وكسر اللام وفتح الكاف عطفا على ليفسد، وفي مصحف أبي بن كعب ~~«وليهلك» ، وقرأ قوم «ويهلك» بضم الكاف، إما عطفا على يعجبك وإما على سعى، ~~لأنها بمعنى الاستقبال، وإما على القطع والاستئناف، وقرأ الحسن وابن أبي ~~إسحاق وأبو حيوة وابن محيصن «ويهلك» بفتح الياء وكسر اللام وضم الكاف ورفع ~~«الحرث» و «النسل» ، وكذلك رواه ابن سلمة عن ابن كثير وعبد الوارث عن أبي ~~عمرو، وحكى المهدوي أن الذي روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إنما هو «ويهلك» ~~بضم الياء والكاف «الحرث» بالنصب، وقرأ قوم «ويهلك» بفتح الياء واللام ورفع ~~«الحرث» وهي لغة هلك يهلك، تلحق بالشواذ كركن يركن، والحرث في اللغة شق ~~الأرض للزراعة، ويسمى الزرع حرثا للمجاورة والتناسب، ويدخل سائر الشجر ~~والغراسات في ذلك حملا على الزرع، ومنه قول عز وجل إذ يحكمان في الحرث ~~[الأنبياء: 78] ، وهو كرم على ما ورد في التفاسير، وسمي النساء حرثا على ~~التشبيه، والنسل مأخوذ من نسل ينسل إذا خرج متتابعا، ومنه نسال الطائر ما ~~تتابع سقوطه من ريشه، ومنه قوله تعالى: ms0312 وهم من كل حدب ينسلون [الأنبياء: ~~96] ، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ولا يحب ~~معناه لا يحبه من أهل الصلاح، أي لا يحبه دينا، وإلا فلا يقع إلا ما يحب ~~الله تعالى وقوعه، والفساد واقع، وهذا على ما ذهب إليه المتكلمون من أن ~~الحب بمعنى الإرادة. PageV01P280 # قال القاضي أبو محمد: والحب له على الإرادة مزية إيثار، فلو قال أحد: إن ~~الفساد المراد تنقصه مزية الإيثار لصح ذلك، إذ الحب من الله تعالى إنما هو ~~لما حسن من جميع جهاته. # وقوله تعالى: وإذا قيل له اتق الله الآية، هذه صفة الكافر أو المنافق ~~الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في نحو هذا. # وقال بعض العلماء: كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه اتق الله فيقول له: ~~عليك نفسك، مثلك يوصيني؟. والعزة هنا المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه ~~وانتخى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته به وألزمته أباه، ويحتمل لفظ ~~الآية أن يكون أخذته العزة مع الإثم، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلين، و ~~«حسبه» أي كافيه معاقبة وجزاء، كما تقول للرجل كفاك ما حل بك، وأنت تستعظم ~~وتعظم عليه ما حل به، والمهاد ما مهد الرجل لنفسه كأنه الفراش، ومن هذا ~~الباب قول الشاعر: [الوافر] تحية بينهم ضرب وجيع وقوله تعالى: ومن الناس من ~~يشري نفسه الآية تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مغير ~~منكر، والظاهر من هذا التقسيم أن تكون الآيات قبل هذا على العموم في الكافر ~~بدليل الوعيد بالنار ويأخذ العصاة الذين فيهم شيء من هذا الخلق بحظهم من ~~وعيد الآية، ومن قال إن الآيات المتقدمة هي في منافقين تكلموا في غزوة ~~الرجيع قال: هذه الآية في شهداء غزوة الرجيع، ومن قال تلك في الأخنس قال: ~~هذه في الأنصار والمهاجرين المبادرين إلى الإيمان. # وقال عكرمة وغيره: هذه في طائفة من المهاجرين، وذكروا حديث صهيب أنه خرج ~~من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعته قريش ms0313 لترده، فنثر كنانته، ~~وقال لهم: تعلمون والله إني لمن أرماكم رجلا، والله لأرمينكم ما بقي لي ~~سهم، ثم لأضربن بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فقالوا له: لا نتركك تذهب عنا ~~غنيا وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلنا على مالك ونتركك، فدلهم على ماله وتركوه، ~~فهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال له: «ربح البيع أبا يحيى» ~~، فنزلت فيه هذه الآية، ومن قال قصد بالأول العموم قال في هذه كذلك ~~بالعموم، ويشري معناه يبيع، ومنه وشروه بثمن بخس [يوسف: 20] ، ومنه قول ~~يزيد بن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل] # وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه # وقال الآخر: [الكامل] # يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبه ألا تشري # ومن هذا تسمى الشراة كأنهم الذين باعوا أنفسهم من الله تعالى، وحكى قوم ~~أنه يقال شرى بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب، لأنه ~~اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال إن عزم صهيب على قتالهم بيع ~~لنفسه من الله تعالى فتستقيم اللفظة على معنى باع. # وتأول هذه الآية عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم ~~في مغيري PageV01P281 # المنكر، ولذلك قال علي وابن عباس: اقتتل الرجلان، أي قال المغير للمفسد: ~~اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من الله تعالى ~~وقاتله فاقتتلا. # وروي أن عمر بن الخطاب كان يجمع في يوم الجمعة شبابا من القراءة فيهم ابن ~~عباس والحر بن قيس وغير هما فيقرؤون بين يديه ومعه، فسمع عمر ابن عباس رضي ~~الله عنهم يقول: اقتتل الرجلان، حين قرأ هذه الآية، فسأله عما قال، ففسر له ~~هذا التفسير، فقال له عمر: «لله تلادك يا ابن عباس» . # وقال أبو هريرة وأبو أيوب حين حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية ~~فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، ليس كما قالوا، بل هذا قول الله تعالى: ~~ومن الناس من يشري نفسه # الآية. # وابتغاء مفعول من أجله، ووقف حمزة على مرضات بالتاء ms0314 والباقون بالهاء. قال ~~أبو علي: # «وجه وقف حمزة بالتاء إما أنه على لغة من يقول طلحت وعلقمت، ومنه قول ~~الشاعر: [الرجز] بل جوز تيهاء كظهر الحجفت وإما أنه لما كان المضاف إليه في ~~ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما تثبت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه ~~مراد. # وقوله تعالى: والله رؤف بالعباد ترجية تقتضي الحض على امتثال ما وقع به ~~المدح في الآية كما في قوله تعالى: فحسبه جهنم تخويف يقتضي التحذير مما وقع ~~به الذم في الآية. # ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخول في السلم، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي ~~«السلم» بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها في هذا الموضع، فقيل: هما بمعنى ~~واحد، يقعان للإسلام وللمسالمة. # وقال أبو عمرو بن العلاء: «السلم بكسر السين الإسلام، وبالفتح المسالمة» ~~، وأنكر المبرد هذه التفرقة، ورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام، لأن ~~المؤمنين لم يؤمروا قط بالانتداب إلى الدخول في المسالمة، وإنما قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا لها، وأما أن يبتدىء بها فلا. # واختلف بعد حمل اللفظ على الإسلام من المخاطب؟ فقالت فرقة: جميع المؤمنين ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام ~~حدوده، ويستغرق كافة حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع، فتكون الحال من ~~شيئين، وذلك جائز، نحو قوله تعالى: فأتت به قومها تحمله [مريم: 27] ، إلى ~~غير ذلك من الأمثلة. # وقال عكرمة: «بل المخاطب من آمن بالنبي من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام ~~وغيره» . وذلك أنهم ذهبوا إلى تعظيم يوم السبت وكرهوا لحم الجمل وأرادوا ~~استعمال شيء من أحكام التوراة وخلط ذلك بالإسلام فنزلت هذه الآية فيهم، ف ~~كافة على هذا لإجزاء الشرع فقط. # وقال ابن عباس: «نزلت الآية في أهل الكتاب» ، والمعنى يا أيها الذين ~~آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد كافة، ف كافة على هذا لإجزاء ~~الشرع وللمخاطبين على من يرى السلم الإسلام، ومن PageV01P282 # يراها المسالمة يقول: أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية، وكافة معناه ~~جميعا، والمراد بالكافة ms0315 الجماعة التي تكف مخالفها، وقيل: إن كافة نعت لمصدر ~~محذوف، كأن الكلام: دخله كافة، فلما حذف المنعوت بقي النعت حالا، وتقدم ~~القول في خطوات، والألف واللام في الشيطان للجنس، وعدو يقع على الواحد ~~والاثنين والجميع، ومبين يحتمل أن يكون بمعنى أبان عداوته وأن يكون بمعنى ~~بان في نفسه أنه عدو، لأن العرب تقول: بان الأمر وأبان بمعنى واحد. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 209 الى 212] # فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ~~الله ترجع الأمور (210) سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل ~~نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (211) زين للذين كفروا ~~الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) # قرأ جمهور الناس «زللتم» بفتح اللام، وقرأ أبو السمال «زللتم» بكسرها، ~~وأصل الزلل في القدم ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، والمعنى ~~ضللتم وعجتم عن الحق، والبينات محمد وآياته ومعجزاته إذا كان الخطاب أولا ~~لجماعة المؤمنين، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين، فالبينات ما ورد في ~~شرائعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به، وعزيز صفة ~~مقتضية أنه قادر عليكم لا تعجزونه، ولا تمتنعون منه، وحكيم أي محكم فيما ~~يعاقبكم به لزللكم. # وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان ~~يعلمه: فاعلموا أن الله غفور رحيم، فقال كعب: إني لأستنكر أن يكون هكذا، ~~ومر بهما رجل، فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟، فقرأ الرجل: فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم، فقال كعب: هكذا ينبغي. # وقوله تعالى: هل ينظرون الآية، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهل من ~~حروف الابتداء كأما، وينظرون معناه ينتظرون. والمراد هؤلاء الذين يزلون، ~~والظلل جمع ظلة وهي ما أظل من فوق، وقرأ قتادة والضحاك «في ظلال» ، وكذلك ~~روى هارون بن حاتم عن أبي بكر ms0316 عن عاصم هنا، وفي الحرفين في الزمر. وقال ~~عكرمة: ظلل طاقات، وقرأ الحسن ويزيد بن القعقاع وأبو حيوة «والملائكة» ~~بالخفض عطفا على الغمام، وقرأ جمهور الناس بالرفع عطفا على الله، والمعنى ~~يأتيهم حكم الله وأمره ونهيه وعقابه إياهم، وذهب ابن جريج وغيره إلى أن هذا ~~التوعد هو بما يقع في الدنيا. # وقال قوم: بل هو توعد بيوم القيامة، وقال قوم: قوله إلا أن يأتيهم الله ~~وعيد بيوم القيامة، وأما الملائكة فالوعيد هو بإتيانهم عند الموت، والغمام ~~أرق السحاب وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظلل به بنو PageV01P283 # وقال النقاش: «هو ضباب أبيض» ، وفي قراءة ابن مسعود «إلا أن يأتيهم الله ~~والملائكة في ظلل من الغمام» ، وقضي الأمر معناه وقع الجزاء وعذب أهل ~~العصيان، وقرأ معاذ بن جبل «وقضاء الأمر» ، وقرأ يحيى بن يعمر «وقضى ~~الأمور» بالجمع، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ترجع» على بناء الفعل ~~للفاعل، وقرأ الباقون «ترجع» على بنائه للمفعول، وهي راجعة إليه تعالى قبل ~~وبعد، وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك ~~في الدنيا. # وقوله تعالى: سل بني إسرائيل الآية، الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~وفيه إباحة السؤال لمن شاء من أمته، ومعنى الآية توبيخهم على عنادهم بعد ~~الآيات البينة. وقرأ أبو عمرو في رواية عباس عنه «اسأل» على الأصل، وقرأ ~~قوم «أسل» على نقل الحركة إلى السين وترك الاعتداد بذلك في إبقاء ألف الوصل ~~على لغة من قال الحمر، ومن قرأ «سل» فإنه أزال ألف الوصل حين نقل واستغنى ~~عنها. وكم في موضع نصب إما بفعل مضمر بعدها لأن لها صدر الكلام، تقديره كم ~~آتينا آتيناهم، وإما ب آتيناهم. # وقوله: من آية هو على التقدير الأول مفعول ثان ل آتيناهم، وعلى الثاني في ~~موضع التمييز. ويصح أن تكون كم في موضع رفع بالابتداء والخبر في آتيناهم. ~~ويصير فيه عائد على كم تقديره كم آتيناهموه، والمراد بالآية: كم جاءهم في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم من آية معرفة به دالة ms0317 عليه، ونعمة الله لفظ ~~عام لجميع أنعامه، ولكن يقوي من حال النبي معهم أن المشار إليه هنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ومن يبدل من بني إسرائيل صفة نعمة الله، ثم ~~جاء اللفظ منسحبا على كل مبدل نعمة لله تعالى. # وقال الطبري: «النعمة هنا الإسلام» ، وهذا قريب من الأول، ويدخل في اللفظ ~~أيضا كفار قريش الذين بعث محمد منهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر ~~عليها كفرا، والتوراة أيضا نعمة على بني إسرائيل أرشدتهم وهدتهم، فبدلوها ~~بالتحريف لها وجحد أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: # فإن الله شديد العقاب خبر يقتضي ويتضمن الوعيد، والعقاب مأخوذ من العقب، ~~كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب وعقبة ~~القدر. # وقوله تعالى: زين للذين كفروا الحياة الدنيا المزين هو خالقها ومخترعها ~~وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه، وقرأ مجاهد وحميد بن ~~قيس وأبو حيوة «زين» على بناء الفعل للفاعل ونصب «الحياة» ، وقرأ ابن أبي ~~عبلة «زينت» بإظهار العلامة، والقراءة دون علامة هي للحائل ولكون التأنيث ~~غير حقيقي، وخص الذين كفروا الذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على ~~الدنيا وإعراضهم عن الآخرة سببها، والتزيين من الله تعالى واقع للكل، وقد ~~جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون ~~الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا ~~يعتقدون غيرها، وقد قال أبوبكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال: ~~«اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا» . # وقوله تعالى: ويسخرون إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من ~~الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كبلال ~~وصهيب وابن مسعود وغيرهم، فذكر الله قبيح فعلهم ونبه على خفض منزلتهم ~~بقوله: والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة، ومعنى الفوق هنا في الدرجة PageV01P284 # والقدر فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال ~~تعالى: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا [الفرقان: 24] ، وتحتمل الآية أن ~~المتقين ms0318 هم في الآخرة في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في ~~دنياهم، وكذلك خير مستقرا من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع ~~التفضيل في أمر فيه اشتراك، وتحتمل هذه الآية أن يراد بالفوق المكان من حيث ~~الجنة في السماء والنار في أسفل السافلين، فيعلم من ترتيب الأمكنة أن هؤلاء ~~في الجنة وهؤلاء في النار، وتحتمل الآيتان أن يكون التفضيل على ما يتضمنه ~~زعم الكفار، فإنهم كانوا يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ~~ومنه حديث خباب مع العاصي بن وائل، وهذا كله من التحميلات حفظ لمذهب سيبويه ~~والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا ~~اشتراك. # وقوله تعالى: والله يرزق من يشاء بغير حساب يحتمل أن يكون المعنى: والله ~~يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن ~~الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيرزقان ~~بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادة ~~إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن وإن لم ~~يرزق في الدنيا فهو فوق يوم القيامة، وتحتمل الآية أن يكون المعنى أن الله ~~يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم ~~بغير حساب، فالآية تنبيه على عظم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث ~~هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد، ويحتمل أن يكون بغير حساب صفة لرزق الله ~~تعالى كيف تصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب، ويحتمل ~~أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال ~~بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى: ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: ~~3] ، وإن اعترض معترض على هذه الآية بقوله تعالى: عطاء حسابا [النبأ: 36] ، ~~فالمعنى في ذلك محسبا، وأيضا فلو كان عدا لكان الحساب في الجزاء والمثوبة ~~لأنها معادة وغير الحساب في التفضل والإنعام. ms0319 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 213 الى 214] # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب (214) # قال أبي بن كعب وابن زيد: المراد ب الناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما ~~من ظهر آدم، أي كانوا على الفطرة. PageV01P285 # وقال مجاهد: «الناس آدم وحده» . # وقال قوم: «آدم وحواء» . # وقال ابن عباس وقتادة: الناس القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة، ~~كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله تعالى نوحا فمن بعده. # وقال قوم: الناس نوح ومن في سفينته، كانوا مسلمين ثم بعد ذلك اختلفوا. # وقال ابن عباس أيضا: كان الناس أمة واحدة كفارا، يريد في مدة نوح حين ~~بعثه الله، وكان على هذه الأقوال هي على بابها من المضي المنقضي، وتحتمل ~~الآية معنى سابعا وهو أن يخبر عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة ~~في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق. لولا من الله عليهم وتفضله بالرسل ~~إليهم، ف كان على هذا الثبوت لا تختص بالمضي فقط، وذلك كقوله تعالى: وكان ~~الله غفورا رحيما [النساء: 96- 99- 100- 152، الفرقان: 70، الأحزاب: 5- 59، ~~الفتح: 14] ، والأمة الجماعة على المقصد الواحد، ويسمى الواحد أمة إذا كان ~~منفردا بمقصد، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة: «يحشر ~~يوم القيامة أمة وحده» ، وقرأ أبي بن كعب «كان البشر أمة واحدة» ، وقرأ ابن ~~مسعود «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث» ، وكل من قدر الناس في الآية ~~مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا، وكل من قدرهم كفارا كانت بعثة النبيين ~~إليهم، وأول الرسل على ما ورد ms0320 في الصحيح في حديث الشفاعة نوح، لأن الناس ~~يقولون له: أنت أول الرسل، والمعنى إلى تقويم كفار وإلا فآدم مرسل إلى بنيه ~~يعلمهم الدين والإيمان، ومبشرين معناه بالثواب على الطاعة، ومنذرين معناه ~~من العقاب على المعاصي، ونصب اللفظتين على الحال، والكتاب اسم الجنس، ~~والمعنى جميع الكتب. # وقال الطبري: «الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة» ، وليحكم ~~مسند إلى الكتاب في قول الجمهور. # وقال قوم: المعنى ليحكم الله، وقرأ الجحدري «ليحكم» على بناء الفعل ~~للمفعول، وحكى عنه مكي «لنحكم» . # قال القاضي أبو محمد: وأظنه تصحيفا لأنه لم يحك عنه البناء للمفعول كما ~~حكى الناس، والضمير في فيه عائد على ما من قوله: فيما، والضمير في فيه ~~الثانية يحتمل العود على الكتاب ويحتمل على الضمير الذي قبله، والذين أوتوه ~~أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيها منه تعالى على الشنعة في ~~فعلهم والقبح الذي واقعوه. والبينات الدلالات والحجج، وبغيا منصوب على ~~المفعول له، والبغي التعدي بالباطل، و «هدى» معناه أرشد، وذلك خلق الإيمان ~~في قلوبهم، وقد تقدم ذكر وجوه الهدى في سورة الحمد، والمراد ب الذين آمنوا. ~~من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. # فقالت طائفة: معنى الآية: أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض فهدى الله أمة ~~محمد التصديق بجميعها. PageV01P286 # وقالت طائفة: إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين من ~~قولهم: إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا. # وقال ابن زيد: من قبلتهم، فإن قبلة اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى ~~المشرق، ومن يوم الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا اليوم الذي ~~اختلفوا فيه فهدانا الله له، فلليهود غد، وللنصارى بعد غد» ، ومن صيامهم ~~وجميع ما اختلفوا فيه. # وقال الفراء: في الكلام قلب، واختاره الطبري، قال: وتقديره فهدى الله ~~الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه. ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل ~~اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه ~~غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن ms0321 الفراء. # قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ~~ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه، لأن قوله فهدى ~~يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله فيه، وتبين بقوله من الحق جنس ~~ما وقع الخلاف فيه. # قال المهدوي: «وقدم لفظ الخلاف على لفظ الحق اهتماما، إذ العناية إنما هي ~~بذكر الاختلاف» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس هذا عندي بقوي، وفي ~~قراءة عبد الله بن مسعود «لما اختلفوا عنه من الحق» أي عن الإسلام. # وبإذنه قال الزجاج: معناه بعلمه، وقيل: بأمره، والإذن هو العلم والتمكين، ~~فإن اقترن بذلك أمر صار أقوى من الإذن بمزية، وفي قوله تعالى: والله يهدي ~~من يشاء رد على المعتزلة في قولهم إن العبد يستبد بهداية نفسه. # وقوله تعالى: أم حسبتم الآية، أم قد تجيء لابتداء كلام بعد كلام وإن لم ~~يكن تقسيم ولا معادلة ألف استفهام، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ~~ألف الاستفهام يبتدأ بها، وحسبتم تطلب مفعولين، فقال النحاة أن تدخلوا تسد ~~مسد المفعولين لأن الجملة التي بعد أن مستوفاة المعنى، ويصح أن يكون ~~المفعول الثاني محذوفا، تقديره أحسبتم دخولكم الجنة واقعا، ولما، ولا يظهر ~~أن يتقدر المفعول الثاني في قوله ولما يأتكم بتقدير أحسبتم دخولكم الجنة ~~خلوا من أن يصيبكم ما أصاب من قبلكم، لأن خلوا حال، والحال هنا إنما تأتي ~~بعد توفية المفعولين، والمفعولان هما الابتداء والخبر قبل دخول حسب، ~~والبأساء: في المال، والضراء: في البدن، وخلوا معناه انقرضوا، أي صاروا في ~~خلاء من الأرض. وهذه الآية نزلت في قصة الأحزاب حين حصروا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، هذا قول قتادة والسدي وأكثر المفسرين. # وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين الذين أصيبت أموالهم بعدهم في ~~بلادهم وفتنوا هم قبل ذلك، ومثل معناه شبه، فالتقدير شبه آتى الذين خلوا، ~~والزلزلة شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، ومذهب سيبوية أن ~~«زلزل» رباعي ms0322 ك «دحرج» . PageV01P287 # وقال الزجاج: «هو تضعيف في زل» فيجيء التضعيف على هذا في الفاء، وقرأ ~~الأعمش «وزلزلوا ويقول الرسول» بالواو بدل حتى، وفي مصحف ابن مسعود ~~«وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول» ، وقرأ نافع «يقول» بالرفع، وقرأ الباقون ~~«يقول» بالنصب، ف حتى غاية مجردة تنصب الفعل بتقدير إلى أن، وعلى قراءة ~~نافع كأنها اقترن بها تسبيب فهي حرف ابتداء ترفع الفعل، وأكثر المتأولين ~~على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول ~~الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب، والرسول اسم الجنس، ~~وذكره الله تعظيما للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول، وقالت طائفة: في ~~الكلام تقديم وتأخير، والتقدير حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله فيقول ~~الرسول ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ثم قدم قول ~~المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر، ويحتمل ~~أن يكون ألا إن نصر الله قريب إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر ~~القول. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 215 الى 217] # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) يسئلونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله ~~منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم ~~عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) # السائلون هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها ~~وأين يضعون ما لزم إنفاقه، و «ما» يصح أن تكون في موضع رفع على ms0323 الابتداء، و ~~«ذا» خبرها، فهي بمعنى الذي، وينفقون صلة، وفيه عائد على «ذا» تقديره ~~ينفقونه، ويصح أن تكون ماذا اسما واحدا مركبا في موضع نصب ب ينفقون، فيعرى ~~من الضمير، ومتى كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب لا ما جاء من قول الشاعر: ~~[الطويل] . # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشق # فإن عسى لا تعمل، فماذا في موضع رفع وهو مركب إذ لا صلة لذا. # قال قوم: هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ومن ~~جرى مجراهما من الأقربين. # وقال السدي: «نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة، ثم نسختها الزكاة المفروضة» ~~، ووهم المهدوي على السدي في هذا فنسب إليه أنه قال إن الآية في الزكاة ~~المفروضة، ثم نسخ منها الوالدان، وقال ابن PageV01P288 # جريج وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، ~~واليتم فقد الأب قبل البلوغ، وتقدم القول في المسكين وابن السبيل، وما ~~تفعلوا جزم بالشرط، والجواب في الفاء، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~«يفعلوا» بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد ~~بالمجازاة، وكتب معناه فرض، وقد تقدم مثله، وهذا هو فرض الجهاد، وقرأ قوم ~~«كتب عليكم القتل» . # وقال عطاء بن أبي رباح: «فرض القتال على أعيان أصحاب محمد، فلما استقر ~~الشرع وقيم به صار على الكفاية» ، وقال جمهور الأمة: أول فرضه إنما كان على ~~الكفاية دون تعيين. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: واستمر الإجماع على أن ~~الجهاد على أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن ~~الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام، فهو حينئذ فرض عين، وذكر ~~المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال: الجهاد تطوع. وهذه العبارة عندي إنما هي ~~على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد. فقيل له: ذلك تطوع وال كره بضم الكاف ~~الاسم، وفتحها المصدر. # وقال قوم «الكره» بفتح الكاف ما أكره المرء عليه، و «الكره» ما كرهه هو. ms0324 # وقال قوم: هما بمعنى واحد. # وقوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا الآية، قال قوم عسى من الله واجبة، ~~والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون ~~وتظهرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك ~~القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم، وفي قوله تعالى ~~والله يعلم الآية قوة أمر. # وقوله تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام الآية، نزل في قصة عمرو بن الحضرمي، ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية عليها عبد الله بن جحش ~~الأسدي مقدمه من بدر الأولى، فلقوا عمرو بن الحضرمي ومعه عثمان بن عبد الله ~~بن المغيرة وأخوه نوفل المخزوميان والحكم بن كيسان في آخر يوم من رجب على ~~ما ذكر ابن إسحاق، وفي آخر يوم من جمادى الآخرة على ما ذكره الطبري عن ~~السدي وغيره. والأول أشهر، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذاك كان في أول ~~ليلة من رجب والمسلمون يظنونها من جمادى، وأن القتل في الشهر الحرام لم ~~يقصدوه، وأما على قول ابن إسحاق فإنهم قالوا إن تركناهم اليوم دخلوا الحرم ~~فأزمعوا قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسر ~~عثمان بن عبد الله والحكم، وفر نوفل فأعجزهم، واستسهل المسلمون هذا في ~~الشهر الحرام خوف فوتهم، فقالت قريش: محمد قد استحل الأشهر الحرم، وعيروا ~~بذلك، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما أمرتكم بقتال في الأشهر ~~الحرم، فنزلت هذه الآية. # وذكر المهدوي أن سبب هذه الآية أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من بني ~~كلاب في رجب فنزلت، وهذا تخليط من المهدوي. وصاحبا عمرو كان عندهما عهد من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو قد أفلت من قصة بئر معونة، وذكر ~~الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن PageV01P289 # جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت، لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين، ~~وقتال بدل عند ms0325 سيبويه، وهو بدل الاشتمال. # وقال الفراء: هو خفض بتقدير عن. # وقال أبو عبيدة «هو خفض على الجوار» ، وقوله هذا خطأ، وفي مصحف عبد الله ~~بن مسعود «يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه» بتكرير عن، وكذلك قرأها ~~الربيع والأعمش، وقرأ عكرمة «عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل» دون ألف ~~فيهما، والشهر في الآية اسم الجنس، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر ~~الحرام قواما تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دما ولا تغير في الأشهر الحرم، وهي ~~ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى، فذلك قوله تعالى قل قتال فيه ~~كبير، وصد مبتدأ مقطوع مما قبله، والخبر أكبر، والمسجد معطوف على سبيل ~~الله، وهذا هو الصحيح. # وقال الفراء: صد عطف على كبير، وذلك خطأ، لأن المعنى يسوق إلى أن قوله ~~وكفر به عطف أيضا على كبير، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من ~~الكفر عند الله، وهذا بين فساده، ومعنى الآية على قول الجمهور: إنكم يا ~~كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد ~~عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد عنه ~~كما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند الله. # وقال الزهري ومجاهد وغيرهما: قوله قل قتال فيه كبير منسوخ بقوله وقاتلوا ~~المشركين كافة [التوبة: 36] ، وبقوله: فاقتلوا المشركين [التوبة: 5] . # وقال عطاء: «لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم» ، وهذا ضعيف. # وقوله تعالى: والفتنة أكبر من القتل المعنى عند جمهور المفسرين، والفتنة ~~التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في ~~الشهر الحرام، وقيل: المعنى والفتنة أشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون، أي ~~فعلكم على كل إنسان أشد من فعلنا. # وقال مجاهد وغيره: الفتنة هنا الكفر أي كفركم أشد من قتلنا أولئك. PageV01P290 # قوله تعالى: ولا يزالون ابتداء خبر من الله- عز ms0326 وجل- وتحذير منه للمؤمنين ~~من شر الكفرة، ويردوكم نصب ب حتى لأنها غاية مجردة، وقوله تعالى ومن يرتدد ~~[أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، قالت طائفة من العلماء: يستتاب المرتد فإن ~~تاب وإلا قتل. # وقال عبيد بن عمير وطاوس والحسن- على خلاف عنه- والشافعي في أحد قوليه: ~~يقتل دون أن يستتاب، وروي نحو هذا عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل. # قال القاضي أبو محمد: ومقتضى قولهما إنه يقال له للحين: راجع، فإن أبى ~~ذلك قتل، وقال عطاء ابن أبي رباح: «إن كان المرتد ابن مسلمين قتل دون ~~استتابة وإن كان أسلم ثم ارتد استتيب» ، وذلك لأنه يجهل من فضل الإسلام ما ~~لا يجهل ابن المسلمين، واختلف القائلون بالاستتابة: فقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يستتاب ثلاثة أيام. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ~~والشافعي في أحد قوليه. # وقال الزهري: «يدعى إلى الإسلام فإن تاب وإلا قتل» . # وروي عن علي أبي طالب رضي الله عنه أنه استتاب مرتدا شهرا فأبى فقتله، ~~وقال النخعي والثوري: # يستتاب محبوسا أبدا، قال ابن المنذر: واختلفت الآثار عن عمر في هذا ~~الباب. # قال القاضي أبو محمد: كان رضي الله عنه ينفذ بحسب جرم ذلك المرتد أو قلة ~~جرمه المقترن بالردة، وحبط العمل إذا انفسد في آخر فبطل، وقرأ أبو السمال ~~«حبطت» بفتح الباء في جميع القرآن. # وقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن ~~راهويه: ميراث المرتد لورثته من المسلمين، وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى ~~والشافعي وأبو ثور: ميراثه في بيت المال، وأجمع الناس على أن ورثته من أهل ~~الكفر لا يرثونه إلا شذوذا، روي عن عمر بن عبد العزيز وعن قتادة، وروي عن ~~عمر بن عبد العزيز خلافه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 218 الى 220] # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم (218) يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون ms0327 قل العفو كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من ~~المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220) # وقوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا الآية، قال جندب بن عبد الله ~~وعروة بن الزبير وغيرهما: لما قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن ~~الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه ~~الذي وفق في فرضه له عبد الله بن جحش وفي الأسيرين، فعنف المسلمون عبد الله ~~بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في ~~الشهر الحرام، ثم بذكرهم والإشارة إليهم في قوله: إن الذين آمنوا، ثم هي ~~باقية في كل من فعل ما ذكر الله عز وجل، وهاجر الرجل إذا انتقل نقلة إقامة ~~من موضع إلى موضع وقصد ترك الأول إيثارا للثاني، وهي مفاعلة من هجر، ومن ~~قال المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم بسبب أن ذلك كان ~~الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله، وجاهد مفاعلة من جهد إذا ~~استخرج الجهد، ويرجون PageV01P291 # معناه يطمعون ويستقربون، والرجاء تنعم، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما ~~أن الخوف معه رجاء، وقد يتجوز أحيانا ويجيء الرجاء بمعنى ما يقارنه من ~~الخوف، كما قال الهذلي: [الطويل] # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عوامل # وقال الأصمعي: «إذا اقترن حرف النفي بالرجاء كان بمعنى الخوف» ، كهذا ~~البيت، وكقوله عز وجل: لا يرجون لقاءنا [سورة يونس: الآيات: 7- 11- 15، ~~سورة الفرقان: الآية 21] ، المعنى لا يخافون، وقد قيل: إن الرجاء في الآية ~~على بابه، أي لا يرجون الثواب في لقائنا، وبإزاء ذلك خوف العقاب، وقال قوم: ~~اللفظة من الأضداد دون تجوز في إحدى الجهتين، وليس هذا بجيد، وقال الجاحظ ~~في كتاب البلدان: «إن معنى قوله لم يرج لسعها أي لم يرج برء لسعها وزواله، ~~فهو يصبر عليه» ، وباقي الآية وعد. # وقوله ms0328 تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر الآية، السائلون هم المؤمنون، ~~والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خمروا ~~الإناء» ، ومنه خمار المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، ومنه قول ~~الشاعر: # ألا يا زيد والضحاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطريق # أي سيرا مدلين فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره، ومنه قول ~~العجاج: # في لامع العقبان لا يمشي الخمر يصف جيشا جاء برايات غير مستخف، ومنه ~~قولهم دخل فلان في غمار الناس وخمارهم، أي هو بمكان خاف، فلما كانت الخمر ~~تستر العقل وتغطي عليه سميت بذلك، والخمر ماء العنب الذي غلي ولم يطبخ أو ~~طبخ طبخا لم يكف غليانه، وما خامر العقل من غير ذلك فهو في حكمه. قال أبو ~~حنيفة: قد تكون الخمر من الحبوب، قال ابن سيده: وأظنه تسفحا منه، لأن حقيقة ~~الخمر إنما هي ماء العنب دون سائر الأشياء، وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: العنب والنخلة» ، وحرمت الخمر ~~بالمدينة يوم حرمت وهي من العسل والزبيب والتمر والشعير والقمح، ولم تكن ~~عندهم خمر عنب، وأجمعت الأمة على خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام ~~قليلها وكثيرها، وأن الحد واجب في القليل منها والكثير، وجمهور الأمة على ~~أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره. # والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن ~~شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب، فما لا ~~يسكر منه حلال، وإذا سكر أحد منه دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد ~~عليه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف يرده النظر، وأبو بكر الصديق وعمر ~~الفاروق والصحابة على خلافه، وروي أن النبي عليه السلام قال: «كل مسكر خمر، ~~وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام» ، قال ابن المنذر في الإشراف: ~~«لم يبق هذا الخبر مقالة لقائل ولا حجة لمحتج» ، وروي أن هذه الآية أول ms0329 ~~تطرق إلى تحريم الخمر، ثم بعده لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [النساء: 43] ~~، ثم قوله PageV01P292 # تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون، [المائدة: 91] ، ~~ثم قوله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه [المائدة: 90] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت الخمر» ~~، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حد الخمر إلا أنه جلد أربعين، ~~خرجه مسلم وأبو داود، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضرب فيها ضربا ~~مشاعا، وحزره أبوبكر أربعين سوطا، وعمل بذلك هو ثم عمر، ثم تهافت الناس ~~فيها فشدد عليهم الحد وجعله كأخف الحدود ثمانين، وبه قال مالك، وقال ~~الشافعي بالأربعين، وضرب الخمر غير شديد عند جماعة من العلماء لا يبدو إبط ~~الضارب، وقال مالك: «الضرب كله سواء لا يخفف ولا يبرح» ، ويجتنب من المضروب ~~الوجه والفرج والقلب والدماغ والخواصر بإجماع، وقالت طائفة: هذه الآية ~~منسوخة بقوله: فاجتنبوه لعلكم تفلحون [المائدة: 90] ، يريد ما في قوله ~~ومنافع للناس من الإباحة والإشارة إلى الترخيص. # والميسر مأخوذ من يسر إذا جزر، والياسر الجازر، ومنه قول الشاعر: # فلم يزل بك واشيهم ومكرهم ... حتى أشاطوا بغيب لحم من يسروا # ومنه قول الآخر: # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ... ألم تيأسوا إني ابن فارس زهدم؟ # والجزور الذي يستهم عليه يسمى ميسرا لأنه موضع اليسر، ثم قيل للسهام ميسر ~~للمجاورة. وقال الطبري: «الميسر مأخوذ من يسر لي هذا إذا وجب وتسنى» ، ونسب ~~القول إلى مجاهد، ثم جلب من نص كلام مجاهد ما هو خلاف لقوله، بل أراد مجاهد ~~الجزر، واليسر: الذي يدخل في الضرب بالقداح، وجمعه أيسار وقيل يسر جمع ~~ياسر، كحارس وحرس وأحراس، وسهام الميسر سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدة ~~الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها، ولا فروض فيها، وهي الفذ والتوأم والرقيب ~~والحلس والنافس والمسبل والمعلى، والثلاثة التي لا حظوظ لها المنيح والسفيح ~~والوغد، تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام وتختلط على ms0330 الحرضة وهو الضارب بها، ~~فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا، وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في ~~الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء، تشتري الجزور ويضمن الأيسار ~~ثمنها ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام، وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور، فذكر ~~أنها كانت على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرين قسما، وليس كذلك. ثم يضرب على ~~العشرة الأقسام، فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ أنصباءه ~~وأعطاها الفقراء، وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز ~~سهمه. ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي، ومنه قول الأعشى: [السريع] # المطعمو الضيف إذا ما شتا ... والجاعلو القوت على الياسر # ومنه قول الآخر: [الطويل] # بأيديهم مقرومة ومغالق ... يعود بأرزاق العفاة منيحها # والمنيح في هذا البيت المستمنح، لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد أملس ~~وكثر فوزه، فذلك PageV01P293 # المنيح الممدوح، وأما المنيح الذي هو أحد الثلاثة الأغفال، فذلك إنما ~~يوصف بالكر، وإياه أراد جرير بقوله: [الكامل] # ولقد عطفن على فزارة عطفة ... كر المنيح وجلن ثم مجالا # ومن الميسر قول لبيد: # [الطويل] # إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم ... فواحش ينعى ذكرها بالمصائف # فهذا كله هو نفع الميسر، إلا أنه أكل المال بالباطل، ففيه إثم كبير، وقال ~~محمد بن سيرين والحسن وابن عباس وابن المسيب وغيرهم: كل قمار ميسر من نرد ~~وشطرنج ونحوه حتى لعب الصبيان بالجوز. # وقوله تعالى: قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس الآية، قال ابن عباس ~~والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبله، وقالت طائفة: ~~الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية والتعدي الذي يكون ~~من شاربها، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت: # ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # إلى غير ذلك من أفراحها، وقال مجاهد: «المنفعة بها كسب أثمانها» ، ثم ~~أعلم الله عز وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة، فهذا هو ~~التقدمة للتحريم، وقرأ حمزة والكسائي «كثير» بالثاء المثلثة، وحجتها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها ms0331 عشرة: بائعها، ومبتاعها، ~~والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، ~~والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، فهذه آثام كثيرة، وأيضا فجمع المنافع يحسن معه ~~جمع الآثام، و «كثير» بالثاء المثلثة يعطي ذلك، وقرأ باقي القراء وجمهور ~~الناس «كبير» بالباء بواحدة، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من ~~الكبائر فوصفه بالكبير أليق، وأيضا فاتفاقهم على أكبر حجة لكبير بالباء ~~بواحدة، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة، إلا ما في مصحف ابن مسعود فإن ~~فيه «قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر» بالثاء مثلثة في الحرفين، وقوله ~~تعالى: فيهما إثم يحتمل مقصدين، أحدهما أن يراد في استعمالهما بعد النهي، ~~والآخر أن يراد خلال السوء التي فيهما، وقال سعيد بن جبير: لما نزلت قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع للناس كرهها قوم للإثم وشربها قوم للمنافع، فلما ~~نزلت لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [النساء: 43] تجنبوها عند أوقات الصلوات ~~الخمس، فلما نزلت إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون [المائدة: 90] قال عمر بن الخطاب: ضيعة لك اليوم ~~قرنت بالميسر والأنصاب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر. # ولما سمع عمر بن الخطاب قوله تعالى: فهل أنتم منتهون [المائدة: 91] قال: ~~«انتهينا، انتهينا» ، قال الفارسي: وقال بعض أهل النظر: حرمت الخمر بهذه ~~الآية لأن الله تعالى قال: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم [الأعراف: 33] ، وأخبر في هذه الآية أن فيها إثما، فهي حرام. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ليس هذا النظر بجيد لأن ~~الإثم الذي فيها هو PageV01P294 # الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر. وقال قتادة: ذم الله ~~الخمر بهذه الآية ولم يحرمها. # وقوله تعالى ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو قال قيس بن سعد: «هذه الزكاة ~~المفروضة» . وقال جمهور العلماء: بل هي نفقات التطوع. وقال بعضهم: نسخت ~~بالزكاة. وقال آخرون: هي محكمة وفي المال حق سوى الزكاة. والعفو: هو ما ~~ينفقه المرء دون أن يجهد نفسه وماله. ونحو هذا هي ms0332 عبارة المفسرين، وهو ~~مأخوذ من عفا الشيء إذا كثر، فالمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تؤذوا ~~فيه أنفسكم فتكونوا عالة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «من كان ~~له فضل فلينفقه على نفسه، ثم على من يعول، فإن فضل شيء فليتصدق به» ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «خير الصدقة ما أبقت غنى» ، وفي حديث آخر: «ما كان عن ~~ظهر غنى» . # وقرأ جمهور الناس «العفو» بالنصب، وقرأ أبو عمرو وحده «العفو» بالرفع، ~~واختلف عن ابن كثير، وهذا متركب على ماذا، فمن جعل «ما» ابتداء و «ذا» خبره ~~بمعنى الذي وقدر الضمير في ينفقون ه عائدا قرأ «العفو» بالرفع، لتصح مناسبة ~~الجمل، ورفعه على الابتداء تقديره العفو إنفاقكم، أو الذي تنفقون العفو، ~~ومن جعل ماذا اسما واحدا مفعولا ب ينفقون، قرأ «قل العفو» بالنصب بإضمار ~~فعل، وصح له التناسب، ورفع «العفو» مع نصب «ما» جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع ~~رفعها. # وقوله تعالى: كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون الإشارة إلى ما ~~تقدم تبيينه من أمر الخمر والميسر والإنفاق، وأخبر تعالى أنه يبين للمؤمنين ~~الآيات التي تقودهم إلى الفكرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريق النجاة لمن ~~تنفعه فكرته، وقال مكي: «معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا ~~والآخرة تدل عليهما وعلى منزلتيهما لعلهم يتفكرون في تلك الآيات، فقوله في ~~الدنيا متعلق على هذا التأويل ب الآيات، وعلى التأويل الأول وهو المشهور عن ~~ابن عباس وغيره يتعلق في الدنيا ب تتفكرون. # قوله قبل في الدنيا ابتداء آية، وقد تقدم تعلقه، وكون تتفكرون موقفا يقوي ~~تعلق في الدنيا ب الآيات، وقرأ طاوس «قل أصلح لهم خير» ، وسبب الآية فيما ~~قال السدي والضحاك أن العرب كانت عادتهم أن يتجنبوا مال اليتيم ولا يخالطوه ~~في مأكل ولا مشرب ولا شيء، فكانت تلك مشقة عليهم، فسألوا عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب: سببها أن المسلمين لما PageV01P295 # نزلت ولا تقربوا مال اليتيم # [الأنعام: 152] الآية ونزلت إن الذين ms0333 يأكلون أموال اليتامى ظلما [النساء: ~~10] تجنبوا اليتامى وأموالهم وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم الآية، وقيل: إن السائل عبد الله بن رواحة، وأمر الله تعالى نبيه ~~أن يجيب بأن من قصد الإصلاح في مال اليتيم فهو خير، وما فعل بعد هذا المقصد ~~من مخالطة وانبساط بعوض منه فلا حرج، ورفع تعالى المشقة في تجنب اليتيم ~~ومأكله ومشربه، وأباح الخلطة في ذلك إذا قصد الإصلاح ورفق اليتيم، مثال ذلك ~~أن يكتفي اليتيم دون خلطة بقدر ما في الشهر، فإن دعت خلطة الولي إلى أن ~~يزاد في ذلك القدر فهي مخالطة فساد، وإن دعت إلى الحط من ذلك القدر فهي ~~مخالطة إصلاح، وقوله تعالى: فإخوانكم خبر ابتداء محذوف، وقوله والله يعلم ~~المفسد من المصلح تحذير، والعنت المشقة، منه عنت العزبة، وعقبة عنوت أي ~~شاقة، وعنت البعير إذا انكسر بعد جبر، فالمعنى: لأتعبكم في تجنب أمر ~~اليتامى، ولكنه خفف عنكم، وقال ابن عباس: المعنى لأوبقكم بما سلف من نيلكم ~~من أموال اليتامى، وعزيز مقتضاه لا يرد أمره، وحكيم أي محكم ما ينفذه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 221] # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) # وقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن الآية، قرأ جمهور الناس ~~«تنكحوا» بفتح التاء، وقرئت في الشاذ بالضم كأن المتزوج لها أنكحها من ~~نفسه، ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا، وقالت طائفة: ~~المشركات هنا من يشرك مع الله إلها آخر، فلم تدخل اليهوديات ولا النصرانيات ~~في لفظ هذه الآية، ولا في معناها، وسببها قصة أبي مرثد كناز بن حصين مع ~~عناق التي كانت بمكة، وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل ~~كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات، وبينت الخصوص آية المائدة ولم ~~يتناول قط الكتابيات، وقال ابن عباس والحسن: تناولهن ms0334 العموم ثم نسخت آية ~~سورة المائدة بعض العموم في الكتابيات، وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن ~~حبيب وقال: # «ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله مستثقل مذموم» ، وكره ~~مالك رحمه الله تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب ولتصرفها في ~~الخمر والخنزير، وأباح نكاح الكتابيات عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وجابر ~~بن عبد الله وطلحة وعطاء بن أبي رباح وابن المسيب والحسن وطاوس وابن جبير ~~والزهري والشافعي وعوام أهل المدينة والكوفة، ومنه مالك والشافعي وأبو ~~حنيفة والأوزاعي وإسحاق نكاح المجوسية، وقال ابن حنبل: لا يعجبني، وروي أن ~~حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية، وقال ابن الفصار: # «قال بعض أصحابنا: يجب- على أحد القولين أن لهم كتابا- أن تجوز مناكحتهم» ~~. وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات ~~والكتابيات، وكل من كان على غير الإسلام حرام» . # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في سورة المائدة، ~~وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ: «ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول ~~المرأة: ربها عيسى» ، وروي عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن ~~اليمان وبين كتابيتين وقالا: نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لو جاز ~~طلاقكما لجاز نكاحكما، ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يستند جيدا، وأسند منه أن عمر أراد التفريق ~~بينهما فقال له حذيفة: # أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها ~~حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا PageV01P296 # المومسات منهن، وروي عن ابن عباس نحو هذا، وقوله تعالى: ولأمة مؤمنة ~~إخبار أن المؤمنة المملوكة خير من المشركة وإن كانت ذات الحسب والمال ولو ~~أعجبتكم في الحسن وغير ذلك، هذا قول الطبري وغيره، وقال السدي: نزلت في عبد ~~الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب، ثم ندم فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره، وقال: هي تصوم وتصلي وتشهد الشهادتين، فقال رسول ~~الله صلى الله ms0335 عليه وسلم: هذه مؤمنة. فقال ابن رواحة: لأعتقنها ولأتزوجنها، ~~ففعل، فطعن عليه ناس فنزلت الآية فيه، ومالك رحمه الله لا يجوز عنده نكاح ~~الأمة الكتابية، وقال أشهب في كتاب محمد فيمن أسلم وتحته أمة كتابية: إنه ~~لا يفرق بينهما، وروى ابن وهب وغيره عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن ~~توطأ بملك اليمين، وأبو حنيفة وأصحابه يجيزون نكاح الإماء الكتابيات. # وقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا الآية، أجمعت الأمة على أن ~~المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام، ~~والقراء على ضم التاء من تنكحوا، وقال بعض العلماء: إن الولاية في النكاح ~~نص في لفظ هذه الآية. # ولعبد مؤمن مملوك خير من مشرك حسيب ولو أعجبك حسنه وماله حسبما تقدم، ~~وليس التفضيل هنا بلفظة خير من جهة الإيمان فقط لأنه لا اشتراك من جهة ~~الإيمان، لكن الاشتراك موجود في المعاشرة والصحبة وملك العصمة وغير شيء، ~~وهذا النظر هو على مذهب سيبويه في أن لفظة «أفعل» التي هي للتفضيل لا تصح ~~حيث لا اشتراك. كقولك «الثلج أبرد من النار» ، والنور أضوأ من الظلمة» ، ~~وقال الفراء وجماعة من الكوفيين: تصح لفظة «أفعل» حيث الاشتراك وحيث لا ~~اشتراك، وحكى مكي عن نفطويه أن لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجابا ~~للأول ونفيا عن الثاني. # قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الآية عندي أن يكون ذكر العبد والأمة عبارة ~~عن جميع الناس حرهم ومملوكهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء ~~الله مساجد الله» ، وكما نعتقد أن الكل عبيد الله، وكما قال تعالى: نعم ~~العبد إنه أواب [ص: 30] ، فكأن الكلام في هذه الآية: ولامرأة ولرجل. # وقوله تعالى: أولئك الإشارة إلى المشركات والمشركين، أي أن صحبتهم ~~ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النسل، فهذا كله دعاء ~~إلى النار مع السلامة من أن يدعو إلى دينه نصا من لفظه، والله تعالى يمن ~~بالهداية ويبين الآيات ويحض على الطاعات التي هي كلها دواع إلى الجنة، وقرأ ms0336 ~~الحسن بن أبي الحسن «والمغفرة» بالرفع على الابتداء، والإذن العلم ~~والتمكين، فإن انضاف إلى ذلك أمر فهو أقوى من الإذن، لأنك إذا قلت «أذنت ~~كذا» فليس يلزمك أنك أمرت، ولعلهم ترج في حق البشر، ومن تذكر عمل حسب ~~التذكر فنجا. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 222 الى 224] # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) PageV01P297 # ذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح، وقال قتادة وغيره: إنما ~~سألوا لأن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل ~~في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية، وقال مجاهد: «كانوا ~~يتجنبون النساء في الحيض ويأتونهن في أدبارهن فنزلت الآية في ذلك» ، ~~والمحيض مصدر كالحيض، ومثله المقيل من قال يقيل. قال الراعي: [الكامل] . # بنيت مرافقهن فوق مزلة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا # وقال الطبري: المحيض اسم الحيض، ومنه قول رؤبة في المعيش: [الرجز] . # إليك أشكو شدة المعيش ... ومر أعوام نتفن ريشي # وأذى لفظ جامع لأشياء تؤذي لأنه دم وقذر ومنتن ومن سبيل البول، وهذه ~~عبارة المفسرين للفظة، وقوله تعالى: فاعتزلوا يريد جماعهن بما فسر من ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يشد الرجل إزار الحائض ثم شأنه ~~بأعلاها، وهذا أصح ما ذهب إليه في الأمر، وبه قال ابن عباس وشريح وسعيد بن ~~جبير ومالك وجماعة عظيمة من العلماء، وروي عن مجاهد أنه قال: «الذي يجب ~~اعتزاله من الحائض الفرج وحده» ، وروي ذلك عن عائشة والشعبي وعكرمة، وروي ~~أيضا عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا ~~حاضت، وهذا قول شاذ، وقد وقفت ابن عباس عليه خالته ميمونة رضي الله عنهما، ms0337 ~~وقالت له: أرغبة عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. # وقوله تعالى: ولا تقربوهن حتى يطهرن قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر وعاصم في رواية حفص عنه: «يطهرن» بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل عنه «يطهرن» بتشديد الطاء والهاء ~~وفتحهما، وفي مصحف أبي وعبد الله حتى يتطهرن، وفي مصحف أنس بن مالك «ولا ~~تقربوا النساء في محيضهن، واعتزلوهن حتى يتطهرن» ، ورجح الطبري قراءة تشديد ~~الطاء وقال: هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب ~~امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر، قال: وإنما الاختلاف في الطهر ما هو؟ ~~فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: # هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم ~~تغتسل من الحيضة. # ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمثت، وهو ~~ثلاثي. # قال القاضي أبو محمد: وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال ~~بالماء وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه، وما ذهب إليه الطبري من أن ~~قراءة شد الطاء مضمنها الاغتسال وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم: أمر ~~غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع، أما إنه لا خلاف في كراهية الوطء قبل PageV01P298 # الاغتسال بالماء، وقال ابن عباس والأوزاعي: من فعله تصدق بنصف دينار، ومن ~~وطئ في الدم تصدق بدينار، وأسند أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» ~~، وقال ابن عباس: «الدينار في الدم، والنصف عند انقضائه» ، ووردت في الشدة ~~في هذا الفعل آثار، وجمهور العلماء على أنه ذنب عظيم يتاب منه ولا كفارة ~~فيه بمال، وذهب مالك رحمه الله وجمهور العلماء إلى أن الطهر الذي يحل جماع ~~الحائض التي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، ولا يجزي من ذلك ~~تيمم ولا غيره، وقال يحيى بن بكير وابن القرظي: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث ~~لا ms0338 ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم ~~يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ. وحتى غاية لا غير، وتقربوهن يريد بجماع، وهذا ~~من سد الذرائع، وقوله تعالى: فإذا تطهرن الآية، القراءة تطهرن بتاء مفتوحة ~~وهاء مشددة، والخلاف في معناه كما تقدم من التطهير بالماء أو انقطاع الدم. ~~ومجاهد وجماعة من العلماء يقولون هنا: إنه أريد الغسل بالماء، ولا بد ~~بقرينة الأمر بالإتيان وإن كان قربهن قبل الغسل مباحا، لكن لا تقع صيغة ~~الأمر من الله تعالى إلا على الوجه الأكمل، وفأتوهن # إباحة، والمعنى من حيث أمركم الله باعتزالهن وهو الفرج أو من السرة إلى ~~الركبتين. أو جميع الجسد، حسبما تقدم. هذا كله قول واحد، وقال ابن عباس ~~وأبو رزين: # المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقاله الضحاك. وقال محمد بن ~~الحنفية: المعنى من قبل الحلال لا من قبل الزنا، وقيل: المعنى من قبل حال ~~الإباحة، لا صائمات ولا محرمات ولا غير ذلك. # والتوابون: الراجعون، وعرفه من الشر إلى الخير، والمتطهرون: قال عطاء ~~وغيره: المعنى بالماء، وقال مجاهد وغيره: المعنى من الذنوب، وقال أيضا ~~مجاهد: المعنى من إتيان النساء في أدبارهن. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأنه نظر إلى قوله تعالى ~~حكاية عن قوم لوط أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [الأعراف: 82] ، ~~وقرأ طلحة بن مصرف «المطهرين» بشد الطاء والهاء. # وقوله تعالى: نساؤكم حرث لكم الآية، قال جابر بن عبد الله والربيع: سببها ~~أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد ~~أحول، وعابت على العرب ذلك، فنزلت الآية تتضمن الرد على قولهم، وقالت أم ~~سلمة وغيرها: سببها أن قريشا كانوا يأتون النساء في الفرج على هيئات ~~مختلفة، فلما قدموا المدينة وتزوجوا أنصاريات أرادوا ذلك، فلم ترده نساء ~~المدينة إذ لم تكن عادة رجالهم إلا الإتيان على هيئة واحدة وهي الانبطاح، ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر كلام الناس في ذلك، فنزلت الآية ~~مبيحة الهيئات ms0339 كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، وحرث تشبيه، لأنهن مزدرع ~~الذرية، فلفظة «الحرث» تعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة، إذ هو ~~المزدرع، وقوله أنى شئتم معناه عند جمهور العلماء من صحابة وتابعين وائمة: ~~من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة وعلى جنب، وأنى إنما تجيء سؤالا أو إخبارا عن ~~أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من كيف ومن أين ومن متى، هذا هو الاستعمال ~~العربي، وقد فسر الناس أنى في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبويه ب ~~«كيف» ومن أين باجتماعهما، وذهبت فرقة ممن فسرها ب «أين» إلى أن الوطء في ~~الدبر جائز، روي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروي عنه خلافه وتكفير من فعله، ~~وهذا هو اللائق به، ورويت الإباحة أيضا PageV01P299 # عن ابن أبي مليكة ومحمد بن المنكدر، ورواها مالك عن يزيد بن رومان عن ~~سالم عن ابن عمر، وروي عن مالك شيء في نحوه، وهو الذي وقع في العتبية، وقد ~~كذب ذلك على مالك، وروى بعضهم أن رجلا فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم فتكلم الناس فيه، فنزلت هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصنف ~~النسائي وفي غيره أنه قال: «إتيان النساء في أدبارهن حرام» ، وورد عنه فيه ~~أنه قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» ، وورد عنه أنه قال: «من أتى امرأة ~~في دبرها فقد كفر بما أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم» ، وهذا هو ~~الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة ~~على زلة عالم بعد أن تصح عنه، والله المرشد لا رب غيره. # وقال السدي: معنى قوله تعالى: وقدموا لأنفسكم أي الأجر في تجنب ما نهيتم ~~عنه وامتثال ما أمرتم به، وقال ابن عباس: «هي إشارة إلى ذكر الله على ~~الجماع» ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «لو أن أحدكم إذا أتى امرأته ~~قال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ms0340 ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم ~~يضره» ، وقيل: معنى قدموا لأنفسكم طلب الولد، واتقوا الله تحذير، واعلموا ~~أنكم ملاقوه خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر ~~والإثم، وبشر المؤمنين تأنيس لفاعلي البر ومتبعي سنن الهدى. # وقوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم الآية، عرضة فعلة بناء ~~للمفعول، أي كثيرا ما يتعرض بما ذكر، تقول «جمل عرضة للركوب» و «فرس عرضة ~~للجري» ، ومنه قول كعب بن زهير: # [البسيط] . # من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الاعلام مجهول # ومقصد الآية: ولا تعرضوا اسم الله تعالى للأيمان به، ولا تكثروا من ~~الأيمان فإن الحنث مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله تعالى، ثم اختلف ~~المتأولون: فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد والربيع وغيرهم: المعنى ~~فيما تريدون الشدة فيه من ترك صلة الرحم والبر والإصلاح. قال الطبري: # «التقدير لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا» ، وقدره المهدوي: كراهة أن ~~تبروا، وقال بعض المتأولين: # المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح، فلا ~~يحتاج إلى تقدير «لا» بعد «أن» ، ويحتمل أن يكون هذا التأويل في الذي يريد ~~الإصلاح بين الناس، فيحلف حانثا ليكمل غرضه، ويحتمل أن يكون على ما روي عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «نزلت في تكثير اليمين بالله نهيا أن يحلف ~~الرجل به برا فكيف فاجرا» ، فالمعنى: إذا أردتم لأنفسكم البر وقال الزجاج ~~وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتل بالله ~~تعالى، فقال علي يمين، وهو لم يحلف، وأن تبروا مفعول من أجله، والبر جميع ~~وجوه الخير. «بر الرجل» إذا تعلق به حكمها ونسبها كالحاج والمجاهد والعالم ~~وغير ذلك. وهو مضاد للإثم، إذ هو الحكم اللاحق عن المعاصي. وسميع أي لأقوال ~~العباد عليم بنياتهم، وهو مجاز على الجميع. PageV01P300 # وأما سبب الآية فقال ابن جريج: «نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ ~~حلف أن يقطع إنفاقه عن مسطح بن أثاثة حين تكلم مسطح في حديث الإفك» ، وقيل: ~~نزلت ms0341 في أبي بكر الصديق مع ابنه عبد الرحمن في حديث الضيافة حين حلف أبو ~~بكر أن لا يأكل الطعام، وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة مع بشير بن سعد ~~حين حلف أن لا يكلمه، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو ~~تعاهدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه ~~يمينا. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 225 الى 227] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله ~~غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) # «اللغو» سقط الكلام الذي لا حكم له، ويستعمل في الهجر والرفث وما لا حكم ~~له من الأيمان، تشبيها بالسقط من القول، يقال منه لغا يلغو لغوا ولغى يلغي ~~لغيا، ولغة القرآن بالواو، والمؤاخذة هي التناول بالعقوبة، واختلف العلماء ~~في اليمين التي هي لغو، فقال ابن عباس وعائشة وعامر الشعبي وأبو صالح ~~ومجاهد: لغو اليمين قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا ~~والله، وبلى والله، دون قصد لليمين، وروي أن قوما تراجعوا القول بينهم وهم ~~يرمون بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فحلف أحدهم: لقد أصبت وأخطأت يا ~~فلان، فإذا الأمر بخلافه، فقال رجل: حنث يا رسول الله، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «أيمان الرماة لغو لا إثم فيها ولا كفارة» ، وقال أبو هريرة ~~وابن عباس أيضا والحسن ومالك بن أنس وجماعة من العلماء: لغو اليمين ما حلف ~~به الرجل على يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا اليقين هو غلبة ظن أطلق الفقهاء عليه لفظة ~~اليقين تجوزا، قال مالك: # «مثله أن يرى الرجل على بعد فيعتقد أنه فلان لا يشك، فيحلف، ثم يجيء غير ~~المحلوف عليه» ، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الله ~~وعروة ابنا الزبير: لغو اليمين الحلف في المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر ~~أو ليقطعن الرحم، فبره ms0342 ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه، وقال سعيد بن جبير ~~مثله، إلا أنه قال: يكفر، فأشبه قوله بالكفارة قول من لا يراها لغوا، وقال ~~ابن عباس أيضا وطاوس: لغو اليمين الحلف في حال الغضب، وروى ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمين في غضب» ، وقال مكحول الدمشقي ~~وجماعة من العلماء: لغو اليمين أن يحرم الرجل على نفسه ما أحل الله فيقول ~~مالي علي حرام إن فعلت كذا، أو الحلال علي حرام، وقال بهذا القول مالك بن ~~أنس إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه، ~~وقال زيد بن أسلم وابنه: لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه أعمى الله بصره، ~~أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغية إن فعل كذا، وقال ابن عباس ~~أيضا والضحاك: لغو اليمين هو المكفرة، أي إذا كفرت اليمين فحينئذ سقطت ~~وصارت لغوا، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير، وقال ~~إبراهيم النخعي: «لغو اليمين ما حنث فيه الرجل ناسيا» ، وحكى ابن عبد البر ~~قولا إن اللغو أيمان المكره. PageV01P301 # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وطريقة النظر أن يتأمل لفظة ~~اللغو ولفظة الكسب، ويحكم موقعهما في اللغة، فكسب المرء ما قصده ونواه، ~~واللغو ما لم يتعمده أو ما حقه لهجنته أن يسقط، فيقوى على هذه الطريقة بعض ~~الأقوال المتقدمة ويضعف بعضها، وقد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في ~~اللغو، فحقيقته ما لا إثم فيه ولا كفارة، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة ~~الآخرة في الغموس المصبورة، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة ~~الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة، لأن المؤاخذة ~~قد وقعت فيها، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم. # وقوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم قال ابن عباس والنخعي ~~وغيرهما: ما كسب القلب هي اليمين الكاذبة الغموس، فهذه فيها المؤاخذة في ~~الآخرة، والكفارة إنما هي فيما يكون لغوا إذا كفر، وقال مالك وجماعة من ~~العلماء: ms0343 الغموس لا تكفر، هي أعظم ذنبا من ذلك، وقال الشافعي وقتادة وعطاء ~~والربيع: اليمين الغموس تكفر، والكفارة مؤاخذة، والغموس ما قصد الرجل في ~~الحلف به الكذب، وكذلك اليمين المصبورة: المعنى فيهما واحد، ولكن الغموس ~~سميت بذلك لأنها غمست صاحبها في الإثم، والمصبورة سميت بذلك لأنها صبرها ~~مغالبة وقوة عليها، كما يصبر الحيوان للقتل والرمي، وقال زيد بن أسلم: قوله ~~تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم هو في الرجل يقول هو مشرك إن فعل، أي ~~هذا لغو إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويسكبه، وغفور حليم صفتان لائقتان بما ~~ذكر من طرح المؤاخذة، إذا هو باب رفق وتوسعة. # وقوله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم الآية، قرأ أبي بن كعب وابن عباس ~~«للذين يقسمون» ، ويؤلون معناه يحلفون، يقال آلى الرجل يولي إيلاء، والألية ~~اليمين، ويقال فيها أيضا ألوة بفتح الهمزة وبضمها وبكسرها، والتربص التأني ~~والتأخر، وكان من عادة العرب أن يحلف الرجل أن لا يطأ امرأته، يقصد بذلك ~~الأذى عند المشارة ونحوها، فجعل الله تعالى في ذلك هذا الحد لئلا يضر ~~الرجال بالنساء، وبقي للحالف على هذا المعنى فسحة فيما دون الأربعة الأشهر، ~~واختلف من المراد أن يلزمه حكم الإيلاء فقال مالك رحمه الله: «هو الرجل ~~يغاضب امرأته فيحلف بيمين يلحق عن الحنث فيها حكم، أن لا يطأها، ضررا منه، ~~أكثر من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إصلاح ولد رضيع ونحوه» ، وقال به عطاء ~~وغيره، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن بن أبي الحسن: هو الرجل يحلف ~~أن لا يطأ امرأته على وجه مغاضبة ومشارة، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد ~~أولم يكن، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء. # وقال ابن عباس: «لا إيلاء إلا بغضب» ، وقال ابن سيرين: «سواء كانت اليمين ~~في غضب أو غير غضب هو إيلاء» . وقاله ابن مسعود والثوري ومالك والشافعي ~~وأهل العراق، إلا أن مالكا قال: ما لم يرد إصلاح ولد. # وقال الشعبي والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن المسيب: كل يمين ms0344 ~~حلفها الرجل أن لا يطأ امرأته أو أن لا يكلمها أو أن يضارها أو أن يغاضبها ~~فذلك كله إيلاء، وقال ابن المسيب منهم: إلا أنه إن حلف أن لا يكلم وكان يطأ ~~فليس بإيلاء، وإنما تكون اليمين على غير الوطء إيلاء إذا اقترن بذلك ~~الامتناع من الوطء. # قال القاضي أبو محمد: وأقوال من ذكرناه مع سعيد مسجلة محتملة ما قال سعيد ~~ومحتملة أن فساد العشرة إيلاء، وذهب إلى هذا الاحتمال الأخير الطبري، وقال ~~ابن عباس أيضا: لا يسمى موليا إلا الذي PageV01P302 # يحلف أن لا يطأ أبدا، حكاه ابن المنذر، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ~~ثور: لا يكون موليا إلا إن زاد على الأربعة الأشهر، وقال عطاء والثوري ~~وأصحاب الرأي: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وقال قتادة والنخعي ~~وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وابن أبي ليلى: من حلف على قليل من الوقت أو ~~كثير فتركها أربعة أشهر فهو مول. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من ~~أهل العلم. وقوله تعالى من نسائهم يدخل فيه الحرائر والإماء إذا تزوجن، ~~والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: أجله أربعة ~~أشهر، وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق: أجله شهران، وقال ~~الحسن: # أجله من حرة أربعة أشهر ومن أمة زوجة شهران، وقاله النخعي، وقال الشعبي: ~~«الإيلاء من الأمة نصف الإيلاء من الحرة» ، وقال مالك والشافعي وأصحاب ~~الرأي والأوزاعي والنخعي وغيرهم: المدخول بها وغير المدخول بها سواء في ~~لزوم الإيلاء فيهما، وقال الزهري وعطاء والثوري: لا إيلاء إلا بعد الدخول، ~~قال مالك: «ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فإن آلى منها فبلغت لزمه الإيلاء ~~من يوم بلوغها» ، وقال عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبو ~~الدرداء وابن عمر وابن المسيب ومجاهد وطاوس ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وأبو عبيد: إذا انقضت الأربعة الأشهر وقف: فإما فاء، وإما طلق، وإلا طلق ~~عليه، وقال ابن مسعود وابن عباس وعثمان وعلي أيضا وزيد بن ثابت وجابر بن ~~زيد ms0345 والحسن ومسروق بانقضاء الأربعة الأشهر دخل عليه الطلاق دون توقيت، ~~واختلف العلماء في الطلاق الداخل على المولي، فقال عثمان وعلي وابن عباس ~~وابن مسعود وعطاء والنخعي والأوزاعي وغيرهم: هي طلقة بائنة لا رجعة له ~~فيها، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ومكحول والزهري ومالك: ~~هي رجعية، وفاؤ معناه رجعوا، ومنه حتى تفيء إلى أمر الله [الحجرات: 9] ، ~~والفيء الظل الراجع عشيا، وقال الحسن وإبراهيم: إذا فاء المولي ووطئ فلا ~~كفارة عليه في يمينه، لقوله تعالى فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا متركب على أن لغو اليمين ما حلف في معصية، ~~وترك وطء الزوجة معصية، وقال الجمهور: إذا فاء كفر، والفيء عند ابن المسيب ~~وابن جبير لا يكون إلا بالجماع، وإن كان مسجونا أو في سفر مضى عليه حكم ~~الإيلاء إلا أن يطأ ولا عذر له ولا فيء بقول، وقال مالك رحمه الله: # «لا يكون الفيء إلا بالوطء أو بالتفكير في حال العذر كالغائب والمسجون» ، ~~قال ابن القاسم في المدونة: # «إلا أن تكون يمينه مما لا يكفرها لأنها لا تقع عليه إلا بعد الحنث، فإن ~~القول يكفيه ما دام معذورا» ، واختلف القول في المدونة في اليمين بالله ~~تعالى هل يكتفى فيه بالفيء بالقول والعزم على التكفير أم لا بد من التفكير ~~وإلا فلا فيء، وقال الحسن وعكرمة والنخعي وغيرهم: الفيء من غير المعذور ~~الجماع ولا بد، ومن المعذور أن يشهد أنه قد فاء بقلبه، وقال النخعي أيضا: ~~يصح الفيء بالقول والإشهاد فقط، ويسقط حكم الإيلاء. أرأيت إن لم ينتشر ~~للوطء؟ # وقال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويرجع في هذا القول إن لم ~~يطأ إلى باب الضرر، وقرأ أبي بن كعب «فإن فاؤوا فيهن» وروي عنه «فإن فاؤوا ~~فيها» . # وقوله تعالى: وإن عزموا الطلاق الآية، قال القائلون إن بمضي الأربعة أشهر ~~يدخل الطلاق: # عزيمة الطلاق هي ترك الفيء حتى تنصرم الأشهر، وقال القائلون لا بد من ~~التوقيف بعد تمام الأشهر: PageV01P303 # العزيمة هي ms0346 التطليق أو الإبانة وقت التوقيف حتى يطلق الحاكم، واستدل من ~~قال بالتوقيف بقوله سميع، لأن هذا الإدراك إنما هو في المقولات، وقرأ ابن ~~عباس «وإن عزموا السراح» . # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 228] # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) # قرأ جمهور الناس «قروء» على وزن فعول، اللام همزة، وروي عن نافع شد الواو ~~دون همز، وقرأ الحسن «ثلاثة قرو» بفتح القاف وسكون الراء وتنوين الواو ~~خفيفة، وحكم هذه الآية مقصده الاستبراء لا أنه عبادة، ولذلك خرجت منه من لم ~~يبن بها. بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة، والمطلقات لفظ عموم يراد به ~~الخصوص في المدخول بهن، ولم تدخل في العموم المطلقة قبل البناء ولا الحامل ~~ولا التي لم تحض ولا القاعد، وقال قوم: تناولهن العموم ثم نسخن، وهذا ضعيف ~~فإنما الآية فيمن تحيض، وهو عرف النساء وعليه معظمهن، فأغنى ذلك عن النص ~~عليه، والقرء في اللغة الوقت المعتاد تردده، وقرء النجم وقت طلوعه، وكذلك ~~وقت أفوله وقرء الريح وقت هبوبها، ومنه قول الراجز: [الرجز] # يا رب ذي ضغن على فارض ... له قروء كقروء الحائض # أراد وقت غضبه، فالحيض على هذا يسمى قرءا، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «اتركي الصلاة أيام أقرائك» ، أي أيام حيضك، وكذلك على هذا النظر ~~يسمى الطهر قرءا، لأنه وقت معتاد تردده يعاقب الحيض، ومنه قول الأعشى: # أفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة مالا وفي الحي رفعة ... بما ضاع فيها من قروء نسائكا # أي من أطهارهن، وقال قوم: القرء مأخوذ من قرء الماء في الحوض، وهو جمعه، ~~فكأن الرحم تجمع الدم وقت الحيض والجسم يجمعه وقت الطهر، واختلف أيهما أراد ~~الله تعالى بالثلاثة التي حددها للمطلقة، فقال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وابن عباس والضحاك ms0347 ومجاهد والربيع وقتادة وأصحاب الرأي وجماعة كبيرة من أهل ~~العلم: المراد الحيض، فإذا طلق الرجل امرأته في طهر لم يطأ فيه استقبلت ~~حيضة ثم حيضة ثم حيضة فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة، وقال بعض من ~~يقول بالحيض إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة قبل الغسل، هذا قول سعيد بن ~~جبير وغيره، وقالت عائشة وابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ~~منهم سليمان بن يسار ومالك: المراد الاطهار، فإذا طلق الرجل امرأته في طهر ~~لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة ثم ~~ثالثا بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت ~~من PageV01P304 # العدة، فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما ~~بقي من ذلك الطهر. وقول ابن القاسم ومالك: إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من ~~الحيضة الثالثة خرجت من العصمة. وهو مذهب زيد بن ثابت وغيره، وقال أشهب: لا ~~تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض لئلا يكون دفعة دم من غير ~~الحيض، واختلف المتأولون في المراد بقوله ما خلق فقال ابن عمر ومجاهد ~~والربيع وابن زيد والضحاك هو الحيض والحبل جميعا، ومعنى النهي عن الكتمان ~~النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة حضت وهي لم تحض ~~ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت لم أحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما ~~لم يلزمه، فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض أن لا يرتجع حتى تتم ~~العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل لينقطع حقه من الارتجاع، ~~وقال قتادة: «كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج ~~الجديد ففي ذلك نزلت الآية» ، وقال السدي: «سبب الآية أن الرجل كان إذا ~~أراد أن يطلق امرأته سألها أبها حمل؟ # مخافة أن يضر بنفسه وولده في فراقها، فأمرهن الله بالصدق في ذلك» . وقال ~~إبراهيم النخعي وعكرمة: # المراد ب ما خلق الحيض، وروي عن عمر وابن ms0348 عباس أن المراد الحبل، والعموم ~~راجح، وفي قوله تعالى: ولا يحل لهن ما يقتضي أنهن مؤتمنات على ما ذكر، ولو ~~كان الاستقصاء مباحا لم يكن كتم، وقرأ مبشر بن عبيد «في أرحامهن» بضم ~~الهاء، وقوله إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر الآية، أي حق الإيمان فإن ذلك ~~يقتضي أن لا يكتمن الحق، وهذا كما تقول: إن كنت حرا فانتصر، وأنت تخاطب ~~حرا، وقوله وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا، البعل: الزوج، ~~وجمعه على بعولة شاذ لا ينقاس. لكن هو المسموع. وقال قوم: الهاء فيه دالة ~~على تأنيث الجماعة، وقيل: هي هاء تأنيث دخلت على بعول. وبعول لا شذوذ فيه. ~~وقرأ ابن مسعود «بردتهن» بزيادة تاء، وقرأ مبشر بن عبيد «بردهن» بضم الهاء، ~~ونص الله تعالى بهذه الآية على أن للزوج أن يرتجع امرأته المطلقة ما دامت ~~في العدة، والإشارة ب ذلك هي إلى المدة، ثم اقترن بما لهم من الرد شرط ~~إرادة الإصلاح دون المضارة، كما تشدد على النساء في كتم ما في أرحامهن، ~~وهذا بيان الأحكام التي بين الله تعالى وبين عباده في ترك النساء الكتمان ~~وإرادة الرجال الإصلاح، فإن قصد أحد بعد هذا إفسادا أو كتمت امرأة ما في ~~رحمها فأحكام الدنيا على الظاهر، والبواطن إلى الله تعالى يتولى جزاء كل ذي ~~عمل. # وتضعف هذه الآية قول من قال في المولي: إن بانقضاء الأشهر الأربعة تزول ~~العصمة بطلقة بائنة لا رجعة فيها، لأن أكثر ما تعطي ألفاظ القرآن أن ترك ~~الفيء في الأشهر الأربعة هو عزم الطلاق، وإذا كان ذلك فالمرأة من المطلقات ~~اللواتي يتربصن وبعولتهن أحق بردهن. # وقوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، قال ابن عباس: «ذلك في ~~التزين والتصنع والمؤاتاة» ، وقال الضحاك وابن زيد: ذلك في حسن العشرة وحفظ ~~بعضهم لبعض وتقوى الله فيه، والآية تعم جميع حقوق الزوجية، وقوله وللرجال ~~عليهن درجة قال مجاهد وقتادة: ذلك تنبيه على فضل حظه على حظها في الجهاد ~~والميراث وما أشبهه، وقال زيد بن أسلم وابنه: ms0349 ذلك في الطاعة، عليها أن ~~تطيعه وليس عليه أن يطيعها، وقال عامر الشعبي: «ذلك الصداق الذي يعطي ~~الرجل، وأنه يلاعن إن قذف وتحد PageV01P305 # إن قذفت» ، فقال ابن عباس: «تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن ~~العشرة والتوسع للنساء في المال والخلق» ، أي إن الأفضل ينبغي أن يتحامل ~~على نفسه، وهذا قول حسن بارع، وقال ابن إسحاق: # «الدرجة الإنفاق وأنه قوام عليها» ، وقال ابن زيد: «الدرجة ملك العصمة ~~وأن الطلاق بيده» ، وقال حميد: # «الدرجة اللحية» . # وقال القاضي أبو محمد: وهذا إن صح عنه ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا ~~معناها، وإذا تأملت هذه الوجوه التي ذكر المفسرون فيجيء من مجموعها درجة ~~تقتضي التفضيل، وعزيز لا يعجزه أحد، وحكيم فيما ينفذه من الأحكام والأمور. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 229] # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) # قال عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم: نزلت هذه الآية بيانا لعدد ~~الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي، وذلك أنهم كانوا في ~~الجاهلية يطلقون ويرتجعون إلى غير غاية، فقال رجل لامرأته على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لا أؤويك ولا أدعك تحلين، قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا ~~دنا مضي عدتك راجعتك، فشكت ذلك، فنزلت الآية. وقال ابن مسعود وابن عباس ~~ومجاهد وغيرهم: # المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق، أي من طلق اثنتين فليتق الله في ~~الثالثة فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها وإما أمسكها محسنا عشرتها. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والآية تتضمن هذين المعنيين، ~~والإمساك بالمعروف هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة والتزام حقوق ~~الزوجية. والتسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما تركها تتم العدة من الثانية ~~وتكون أملك بنفسها، وهذا قول السدي والضحاك، والمعنى ms0350 الآخر أن يطلقها ثالثة ~~فيسرحها بذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، ويقوى عندي هذا القول من ~~ثلاثة وجوه: أولها أنه روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول ~~الله هذا ذكر الطلقتين فأين الثالثة؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي ~~قوله: أو تسريح بإحسان، والوجه الثاني أن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى ~~أنه قد قرىء وإن عزموا السراح [البقرة: 227] ، والوجه الثالث أن فعل تفعيلا ~~بهذا التضعيف يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، وليس في الترك ~~إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل، و «إمساك» مرتفع بالابتداء والخبر أمثل أو ~~أحسن، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء تقديره فالواجب إمساك، وقوله بإحسان ~~معناه أن لا يظلمها شيئا من حقها ولا يتعدى في قول. وقوله تعالى: ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا الآية خطاب للأزواج، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئا على ~~وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بأن لا ينفرد الرجل بالضرر، ~~وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم لأن العرف من الناس أن يطلب الرجل عند ~~الشقاق والفساد ما خرج عن يده، هذا وكدهم في الأغلب فلذلك خص PageV01P306 # بالذكر. وقرأ جميع السبعة إلا حمزة «يخافا» بفتح الياء على بناء الفعل ~~للفاعل، فهذا باب خاف في التعدي إلى مفعول واحد وهو أن، وقرأ حمزة وحده ~~«يخافا» بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، فهذا على تعدية خاف إلى ~~مفعولين، أحدهما أسند الفعل إليه، والآخر أن بتقدير حرف جر محذوف، فموضع ~~أن: خفض بالجار المقدر عنه سيبويه والكسائي، ونصب عند غيرهما لأنه لما حذف ~~الجار وصار الفعل إلى المفعول الثاني، مثل استغفر الله ذنبا، وأمرتك الخير، ~~وفي مصحف ابن مسعود «إلا أن يخافوا» بالياء وواو الجمع، والضمير على هذا ~~للحكام ومتوسطي أمور الناس. وحرم الله- تعالى- على الزوج في هذه الآية أن ~~يأخذ إلا بعد الخوف أن لا يقيما، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد، ~~وأجمع عوام أهل العلم على تحظير أخذ مالها إلا أن يكون النشوز وفساد ms0351 العشرة ~~من قبلها. قال ابن المنذر: «روينا معنى ذلك عن ابن عباس والشعبي ومجاهد ~~وعطاء والنخعي وابن سيرين والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير والزهري وحميد ~~بن عبد الرحمن وقتادة وسفيان الثوري ومالك وإسحاق وأبي ثور» ، وقال مالك- ~~رحمه الله- والشعبي وجماعة معهما: فإن كان مع فساد الزوجة ونشوزها فساد من ~~الزوج وتفاقم ما بينهما فالفدية جائزة للزوج. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى ذلك أن يكون الزوج لو ~~ترك فساده لم يزل نشوزها هي، وأما إن انفرد الزوج بالفساد فلا أعلم أحدا ~~يجيز له الفدية، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: «إذا جاء الظلم والنشوز ~~من قبله فخالعته فهو جائز ماض وهو آثم لا يحل ما صنع، ولا يرد ما أخذ» ، ~~قال ابن المنذر: «وهذا خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولو قيل لأحد: اجهد نفسك في طلب الخطأ، ما وجد أمرا أعظم من أن ~~ينطق القرآن بتحريم شيء فيحله هو ويجيزه» ، وحدود الله في هذا الموضع هي ما ~~يلزم الزوجين من حسن العشرة وحقوق العصمة. # ونازلة حبيبة بنت سهل- وقيل جميلة بنت أبي ابن سلول والأول أصح- مع ثابت ~~بن قيس حين أباح له النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الفدية منها إنما كان ~~التعسف فيها من المرأة لأنها ذكرت عنه كل خير وأنها لا تحب البقاء معه، ~~وقوله تعالى: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله المخاطبة للحكام والمتوسطين ~~لمثل هذا الأمر وإن لم يكن حاكما، وترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة ~~بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء، ~~وقال الحسن بن أبي الحسن وقوم معه: إذا قالت له: لا أطيع لك أمرا ولا أغتسل ~~لك من جنابة ولا أبر لك قسما، حل الخلع، وقال الشعبي: ألا يقيما حدود الله: ~~معناه أن لا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة» ، وقال ~~عطاء بن أبي رباح: «يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة ms0352 لزوجها إني لأكرهك ولا ~~أحبك ونحو هذا» . # وقوله تعالى: فلا جناح عليهما فيما افتدت به إباحة للفدية، وشركهما في ~~ارتفاع الجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيث لا يجوز له أخذه وهي ~~تقدر على المخاصمة، فإذا كان الخوف المذكور جاز له أن يأخذ ولها أن تعطي، ~~ومتى لم يقع الخوف فلا يجوز لها أن تعطي على طالب الفراق، وقال ابن عمر ~~والنخعي وابن عباس ومجاهد وعثمان بن عفان رضي الله عنه ومالك والشافعي وأبو ~~حنيفة وعكرمة وقبيصة بن ذؤيب وأبو ثور وغيرهم: مباح للزوج أن يأخذ من ~~المرأة في الفدية جميع ما تملكه، وقضى PageV01P307 # بذلك عمر بن الخطاب، وقال طاوس والزهري وعطاء وعمر بن شعيب والحسن ~~والشعبي والحكم وحماد وأحمد وإسحاق: لا يجوز له أن يزيد على المهر الذي ~~أعطاها. وبه قال الربيع، وكان يقرأ هو والحسن بن أبي الحسن «فيما افتدت به ~~منه» بزيادة «منه» ، يعني مما آتيتموهن وهو المهر. وحكى مكي هذا القول عن ~~أبي حنيفة، وابن المنذر أثبت. وقال ابن المسيب: «لا أرى أن يأخذ منها كل ~~مالها ولكن ليدع لها شيئا» . وقال بكر بن عبد الله المزني: «لا يجوز للرجل ~~أن يأخذ من زوجه شيئا خلعا قليلا ولا كثيرا» قال: «وهذه الآية منسوخة بقوله ~~عز وجل: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا [النساء: 20] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأن الأمة مجمعة على إجازة الفدية، ولأن ~~المعنى المقترن بآية الفدية غير المعنى الذي في آية إرادة الاستبدال. # وقوله تعالى: تلك حدود الله الآية، أي هذه الأوامر والنواهي هي المعالم ~~بين الحق والباطل والطاعة والمعصية فلا تتجاوزوها، ثم توعد- تعالى- على ~~تجاوز الحد ووصف المتعدي بالظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه، والظلم معاقب ~~صاحبه، وهو كما قال صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة» . # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 230 الى 231] # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما ms0353 أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون (230) وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) # قال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي: هذا ابتداء الطلقة الثالثة. # قال القاضي أبو محمد: فيجيء التسريح المتقدم ترك المرأة تتم عدتها من ~~الثانية، ومن قول ابن عباس رضي الله عنه: «إن الخلع فسخ عصمة وليس بطلاق» ، ~~واحتج من هذه الآية بذكر الله- تعالى- الطلاقين ثم ذكره الخلع ثم ذكره ~~الثالثة بعد الطلاقين ولم يك للخلع حكم يعتد به، ذكر هذا ابن المنذر في ~~«الإشراف» عنه وعن عكرمة وطاوس وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وذكر عن الجمهور ~~خلاف قولهم، وقال مجاهد: «هذه الآية بيان ما يلزم المسرح، والتسريح هو ~~الطلقة الثالثة» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقوله تعالى: أو تسريح يحتمل ~~الوجهين: إما تركها تتم العدة، وإما إرداف الثالثة. ثم بين في هذه الآية ~~حكم الاحتمال الواحد، إذ الاحتمال الثاني قد علم منه أنه لا حكم له عليها ~~بعد انقضاء العدة. وتنكح في اللغة جار على حقيقته في الوطء ومجاز في العقد، ~~وأجمعت الأمة في هذه النازلة على اتباع الحديث الصحيح في بنت سموأل امرأة ~~رفاعة حين تزوجها PageV01P308 # عبد الرحمن بن الزبير وكان رفاعة قد طلقها ثلاثا، فقالت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إني لا أريد البقاء مع عبد الرحمن، ما معه إلا مثل الهدبة» ، ~~فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعلك أردت الرجوع إلى رفاعة، لا ~~حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» ، فرأى العلماء أن النكاح المحل إنما هو ~~الدخول والوطء، وكلهم على أن مغيب الحشفة يحل إلا الحسن بن أبي الحسن فإنه ~~قال: «لا يحل إلا الإنزال وهو ذوق العسيلة» ، وقال بعض الفقهاء: التقاء ~~الختانين يحل. # قال القاضي ms0354 أبو محمد: والمعنى واحد، إذ لا يلتقي الختانان إلا مع المغيب ~~الذي عليه الجمهور، وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد عليها يحلها للأول، ~~وخطىء هذا القول لخلافه الحديث الصحيح، ويتأول على سعيد- رحمه الله- أن ~~الحديث لم يبلغه، ولما رأى العقد عاملا في منع الرجل نكاح امرأة قد عقد ~~عليها أبوه قاس عليه عمل العقد في تحليل المطلقة. # قال القاضي أبو محمد: وتحليل المطلقة ترخيص فلا يتم إلا بالأوفى، ومنع ~~الابن شدة تدخل بأرق الأسباب على أصلهم في البر والحنث. والذي يحل عند ~~مالك- رحمه الله- النكاح الصحيح والوطء المباح، والمحلل إذا وافق المرأة: ~~فلم تنكح زوجا، ولا يحل ذلك، ولا أعلم في اتفاقه مع الزوجة خلافا، وقال ~~عثمان بن عفان: «إذا قصد المحلل التحليل وحده لم يحل، وكذلك إن قصدته ~~المرأة وحدها» . # ورخص فيه مع قصد المرأة وحدها إبراهيم والشعبي إذا لم يأمر به الزوج. ~~وقال الحسن بن أبي الحسن: # «إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل لم تحل للأول» ، وهذا شاذ، وقال سالم ~~والقاسم: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان. # وقوله تعالى: فإن طلقها فلا جناح عليهما الآية، المعنى إن طلقها المتزوج ~~الثاني فلا جناح عليهما أي المرأة والزوج الأول، قاله ابن عباس، ولا خلاف ~~فيه، والظن هنا على بابه من تغليب أحد الجائزين، وقال أبو عبيدة: «المعنى ~~أيقنا» ، وقوله في ذلك ضعيف، وحدود الله الأمور التي أمر أن لا تتعدى، وخص ~~الذين يعلمون بالذكر تشريفا لهم، وإذ هم الذين ينتفعون بما بين. أي نصب ~~للعبرة من قول أو صنعة، وأما إن أردنا بالتبيين خلق البيان في القلب فذلك ~~يوجب تخصيص الذين يعلمون بالذكر، لأن من طبع على قلبه لم يبين له شيء، وقرأ ~~السبعة «يبينها» بالياء، وقرأ عاصم روي عنه «نبينها» بالنون. # وقوله تعالى: وإذا طلقتم النساء الآية خطاب للرجال لا يختص بحكمه إلا ~~الأزواج، وذلك نهي للرجل أن يطول العدة على المرأة مضارة منه لها، بأن ~~يرتجع قرب انقضائها ثم يطلق بعد ذلك، قاله الضحاك وغيره، ولا خلاف ms0355 فيه، ~~ومعنى «بلغن أجلهن» قاربن، لأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل ~~لا خيار له في الإمساك، ومعنى «أمسكوهن» راجعوهن، وبمعروف قيل هو الإشهاد، ~~ولا تمسكوهن أي لا تراجعوهن ضرارا، وباقي الآية بين. PageV01P309 # المراد آياته النازلة في الأوامر والنواهي، وقال الحسن: «نزلت هذه الآية ~~فيمن طلق لاعبا أو هازلا أو راجع كذلك» ، وقالته عائشة، وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: # النكاح والطلاق والرجعة» . ووقع هذا الحديث في المدونة من كلام ابن ~~المسيب، النكاح والطلاق والعتق، ثم ذكر الله عباده بإنعامه عليهم بالقرآن ~~والسنة، والحكمة هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب، والوصف ب عليم يقتضيه ما تقدم من ~~الأفعال التي ظاهرها خلاف النية فيها، كالمحلل والمرتجع مضارة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 232] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # وقوله تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن الآية خطاب ~~للمؤمنين الذين منهم الأزواج ومنهم الأولياء، لأنهم المراد في تعضلوهن، ~~وبلوغ الأجل في هذا الموضع تناهيه، لأن المعنى يقتضي ذلك، وقد قال بعض ~~الناس في هذا الموضع: إن المراد ب تعضلوهن، الأزواج، وذلك بأن يكون ~~الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير، فقوله أزواجهن على هذا يعني به الرجال، ~~إذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب تعضلوهن الأولياء فالأزواج هم الذين كن ~~في عصمتهم، والعضل المنع من الزواج، وهو من معنى التضييق والتعسير، كما ~~يقال أعضلت الدجاجة إذا عسر بيضها، والداء العضال العسير البرء، وقيل: نزلت ~~هذه الآية في معقل بن يسار وأخته، وقيل: في جابر بن عبد الله، وذلك أن رجلا ~~طلق أخته، وقيل بنته، وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد ارتجاعها فغار جابر، ~~وقال: «تركتها وأنت أملك بها، لا زوجتكها أبدا» ، فنزلت ms0356 الآية، وهذه الآية ~~تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وأن النكاح يفتقر إلى ولي، خلاف قول ~~أبي حنيفة إن الولي ليس من شروط النكاح، وقوله بالمعروف معناه المهر ~~والإشهاد. # وقوله تعالى: ذلك يوعظ به من كان منكم خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: ثم ~~رجوع إلى خطاب الجماعة، والإشارة في ذلكم أزكى إلى ترك العضل، وأزكى وأطهر ~~معناه أطيب للنفس وأطهر للعرض والدين، بسبب العلاقات التي تكون بين ~~الأزواج، وربما لم يعلمها الولي فيؤدي العضل إلى الفساد والمخالطة على ما ~~لا ينبغي، والله- تعالى- يعلم من ذلك ما لا يعلم البشر. # قوله عز وجل: # والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة يرضعن ~~أولادهن خبر، معناه: الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على جهة الندب ~~والتخيير لبعضهن، فأما المرأة التي في العصمة فعليها الإرضاع، وهو عرف يلزم ~~إذ قد صار كالشرط إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها أن لا ترضع وذلك ~~كالشرط، فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في PageV01P310 # المدونة أن الرضاع لازم للأم، بخلاف النفقة، وفي كتاب ابن الجلاب: رضاعه ~~في بيت المال، وقال عبد الوهاب: هو من فقراء المسلمين، وأما المطلقة طلاق ~~بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي، فهي أحق به ~~بأجرة المثل. هذا مع يسر الزوج، فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا أن ~~يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع، ولها أجر مثلها في ~~يسر الزوج، وكل ما يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع ~~على الأب. وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي فإن الرضاع ~~على الأم، فإن كان بها عذر ولها مال فالإرضاع عليها في مالها. وهذه الآية ~~هي في المطلقات، قاله السدي والضحاك وغيرهما، جعلها الله حدا عند اختلاف ~~الزوجين في مدة الرضاع فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له، وقال ~~جمهور المفسرين: إن هذين الحولين لكل واحد، وروي عن ابن عباس أنه قال: «هي ms0357 ~~في الولد الذي يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه أحد ~~وعشرون شهرا» . # قال القاضي أبو محمد: كأن هذا القول انبنى على قوله تعالى: وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا [الأحقاف: # 15] ، لأن ذلك حكم على الإنسان عموما، وسمي العام حولا لاستحالة الأمور ~~فيه في الأغلب، ووصفهما ب كاملين إذ مما قد اعتيد تجوزا أن يقال في حول ~~وبعض آخر حولين، وفي يوم وبعض آخر مشيت يومين وصبرت عليك في ديني يومين ~~وشهرين. وقوله تعالى: لمن أراد أن يتم الرضاعة مبني على أن الحولين ليسا ~~بفرض لا يتجاوز، وقرأ السبعة «أن يتم الرضاعة» بضم الياء ونصب الرضاعة، ~~وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد والحسن وأبو رجاء «تتم الرضاعة» بفتح التاء ~~الأولى ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة ~~والجارود بن أبي سبرة كذلك، إلا أنهم كسروا الراء من الرضاعة، وهي لغة ~~كالحضارة والحضارة، وغير ذلك. وروي عن مجاهد أنه قرأ «الرضعة» على وزن ~~الفعلة، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «أن يكمل الرضاعة» بالياء المضمومة، ~~وانتزع مالك رحمه الله وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة ~~الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين، لأن بانقضاء الحولين تمت ~~الرضاعة فلا رضاعة، وروي عن قتادة أنه قال: «هذه الآية تضمنت فرض الإرضاع ~~على الوالدات، ثم يسر ذلك وخفف بالتخيير الذي في قوله: لمن أراد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متداع. # قول عز وجل: # وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار ~~والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك المولود له اسم جنس ~~وصنف من الرجال، والرزق في هذا الحكم الطعام الكافي، وقوله بالمعروف يجمع ~~حسن القدر في الطعام وجودة الأداء له وحسن الاقتضاء من المرأة، ثم بين ~~تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها بقوله: لا تكلف نفس إلا وسعها، ~~وقرأ جمهور الناس: PageV01P311 # «تكلف» بضم التاء «نفس» على ما لم يسم فاعله، وقرأ أبو ms0358 رجاء «تكلف» بفتح ~~التاء بمعنى تتكلف «نفس» فاعله، وروى عنه أبو الأشهب «لا نكلف» بالنون ~~«نفسا» بالنصب، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم «لا تضار والدة» ~~بالرفع في الراء، وهو خبر معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصل «تضارر» بكسر ~~الراء الأولى فوالدة فاعل، ويحتمل أن يكون «تضارر» بفتح الراء الأولى ~~فوالدة مفعول لم يسم فاعله، ويعطف مولود له على هذا الحد في الاحتمالين، ~~وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم لا تضار بفتح الراء المشددة، وهذا على ~~النهي، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كل قراءة: النهي عن ~~أن تضار الوالدة زوجها المطلق بسبب ولدها، وأن يضارها هو بسبب الولد، أو ~~يضار الظئر، لأن لفظة نهيه تعم الظئر، وقد قال عكرمة في قوله: لا تضار ~~والدة: معناه الظئر، ووجوه الضرر لا تنحصر، وكل ما ذكر منها في التفاسير ~~فهو مثال. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ «لا تضارر» براءين ~~الأولى مفتوحة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «لا تضار» بإسكان الراء وتخفيفها، ~~وروي عنه الإسكان والتشديد، وروي عن ابن عباس «لا تضارر» بكسر الراء ~~الأولى. # واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: وعلى الوارث مثل ذلك. فقال قتادة ~~والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيرهم: هو وارث الصبي إن لو ~~مات، قال بعضهم: وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا ~~الصبي لو كان حيا، وقاله مجاهد وعطاء، وقال قتادة أيضا وغيره: هو وارث ~~الصبي من كان من الرجال والنساء، ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه. ~~وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أنهم قالوا: الوارث ~~الذي يلزمه إرضاع المولود هو وليه ووارثه إذا كان ذا رحم محرم منه، فإن كان ~~ابن عم وغيره وليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول تحكم، وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك ~~وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز: الوارث هو الصبي نفسه، أي عليه ms0359 في ~~ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه، وقال سفيان رحمه الله: «الوارث هو الباقي من ~~والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما» ويرى مع ذلك إن كانت الوالدة هي ~~الباقية أن يشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث. ونص ~~هؤلاء الذين ذكرت أقوالهم على أن المراد بقوله تعالى: مثل ذلك الرزق ~~والكسوة، وذكر ذلك أيضا من العلماء إبراهيم النخعي وعبيد الله بن عبد الله ~~بن عتبة بن مسعود والشعبي والحسن وابن عباس وغيرهم. وقال مالك رحمه الله في ~~المدونة وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة من العلماء: ~~المراد بقوله مثل ذلك أن لا يضار، وأما الرزق والكسوة فلا شيء عليه منه، ~~وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ثم ~~نسخ ذلك. # قال القاضي أبو محمد: فالإجماع من الأمة في أن لا يضار الوارث، والخلاف ~~هل عليه رزق وكسوة أم لا؟، وقرأ يحيى بن يعمر «وعلى الورثة مثل ذلك» ~~بالجمع. # قوله عز وجل: PageV01P312 ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 233 الى 234] # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله ~~بما تعملون خبير (234) # الضمير في أرادا للوالدين، وفصالا معناه «فطاما» عن الرضاع، ولا يقع ~~التشاور ولا يجوز التراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود، فإذا ظهر من ~~حاله الاستغناء عن اللبن قبل تمام الحولين فلا جناح على الأبوين في فصله، ~~هذا معنى الآية، وقاله مجاهد وقتادة وابن زيد وسفيان وغيرهم، وقال ابن ~~عباس: «لا جناح مع التراضي ms0360 في فصله قبل الحولين وبعدهما» . # قال القاضي أبو محمد: وتحرير القول في هذا أن فصله قبل الحولين لا يصح ~~إلا بتراضيهما وأن لا يكون على المولود ضرر، وأما بعد تمامهما فمن دعا إلى ~~الفصل فذلك له إلا أن يكون في ذلك على الصبي ضرر، وقوله تعالى: وإن أردتم ~~أن تسترضعوا مخاطبة لجميع الناس تجمع الآباء والأمهات، أي لهم اتخاذ الظئر ~~مع الاتفاق على ذلك، وأما قوله تعالى: إذا سلمتم فمخاطبة للرجال خاصة، إلا ~~على أحد التأويلين في قراءة من قرأ «أتيتم» ، وقرأ الستة من السبعة «آتيتم» ~~بالمد، المعنى أعطيتم، وقرأ ابن كثير «أتيتم» بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال ~~زهير: [الطويل] . # وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل # قال أبو علي: «المعنى إذا سلمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه، فحذف ~~المضاف وأقيم الضمير مقامه فكان التقدير ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من ~~الصلة» . # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم ~~ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك عن ~~اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر. وعلى هذا الاحتمال: فيدخل في ~~الخطاب ب سلمتم الرجال والنساء، وعلى التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره: ~~فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع، قال أبو علي: ويحتمل أن ~~تكون ما مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن ~~الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير، قال مجاهد: «المعنى إذا سلمتم إلى ~~الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع» ، وقال سفيان: ~~«المعنى إذا سلمتم إلى المسترضعة وهي الظئر أجرها بالمعروف» . وباقي الآية ~~أمر بالتقوى وتوقيف على أن الله تعالى بصير بكل عمل، وفي هذا وعيد وتحذير، ~~أي فهو مجاز بحسب عملكم. # قوله عز وجل: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا قال ~~بعض نحاة الكوفيين: الخبر عن الذين متروك والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن ~~يتربصن، ومذهب نحاة البصرة أن ms0361 خبر الذين مترتب بالمعنى، وذلك أن الكلام ~~إنما تقديره يتربص أزواجهم، وإن شئت قدرته. وأزواج الذين يتوفون منكم ~~يتربصن، فجاءت العبارة في غاية الإيجاز، وإعرابها مترتب على PageV01P313 # هذا المعنى المالك لها المتقرر فيها، وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: ~~وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون، ولا أعرف هذا الذي حكاه لأن ذلك إنما يتجه ~~إذا كان في الكلام لفظ أمر بعد. مثل قوله: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [المائدة: 38] ، وهذه الآية فيها معنى ~~الأمر لا لفظه فيحتاج مع هذا التقدير إلى تقدير آخر يستغنى عنه إذا حضر لفظ ~~الأمر، وحسن مجيء الآية هكذا أنها توطئة لقوله: فلا جناح عليكم، إذ القصد ~~بالمخاطبة من أول الآية إلى آخرها الرجال الذين منهم الحكام والنظرة، ~~وعبارة المبرد والأخفش ما ذكرناه، وهذه الآية هي في عدة المتوفى عنها ~~زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الحرائر غير الحوامل ولم تعن ~~الآية لما يشذ من مرتابة ونحوها، وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية ~~تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله: وأولات الأحمال [الطلاق: 4] ، وعدة ~~الحامل وضع حملها عند جمهور العلماء، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ~~وغيرهما أن تمام عدتها آخر الأجلين، والتربص الصبر والتأني بالشخص في مكان ~~أو حال، وقد بين تعالى ذلك بقوله: بأنفسهن، والأحاديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: متظاهرة أن التربص بإحداد وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ ~~الجميل والطيب ونحوه، والتزام المبيت في مسكنها حيث كانت وقت وفاة الزوج. ~~وهذا قول جمهور العلماء وهو قول مالك وأصحابه. وقال ابن عباس وأبو حنيفة ~~فيما روي عنه وغيرهما: ليس المبيت بمراعى، تبيت حيث شاءت. وقال الحسن بن ~~أبي الحسن: «ليس الإحداد بشيء، إنما تتربص عن الزواج، ولها أن تتزين ~~وتتطيب» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقرأ جمهور الناس «يتوفون» بضم الياء، ~~وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه «يتوفون» بفتح الياء، وكذلك روى المفضل ~~عن عاصم، ومعناه يستوفون آجالهم، وجعل الله الأربعة الأشهر والعشر عبادة في ~~العدة فيها استبراء للحمل، ms0362 إذا فيها تكمل الأربعون والأربعون والأربعون، ~~حسب الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره ثم ينفخ الروح، وجعل الله تعالى ~~العشر تكملة إذ هي مظنة لظهور الحركة بالجنين وذلك لنقص الشهور أو كمالها ~~ولسرعة حركة الجنين أو إبطائها، قاله سعيد بن المسيب وأبو العالية وغيرهما، ~~وقال تعالى: عشرا، ولم يقل عشرة تغليبا لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من ~~اليوم والأيام في ضمنها، وعشر أخف في اللفظ. قال جمهور أهل العلم: ويدخل في ~~ذلك اليوم العاشر وهو من العدة لأن الأيام مع الليالي، وحكى منذر بن سعيد- ~~وروي أيضا عن الأوزاعي-: أن اليوم العاشر ليس من العدة بل انقضت بتمام عشر ~~ليال، قال المهدوي: «وقيل المعنى وعشر مدد كل مدة من يوم وليلة» ، وروي عن ~~ابن عباس أنه قرأ «أربعة أشهر وعشر ليال» . # قوله عز وجل: # فإذا بلغن أجلهن فلا # # أضاف تعالى الأجل إليهن إذ هو محدود مضروب في أمرهن، والمخاطبة بقوله فلا ~~جناح عليكم عامة لجميع الناس، والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء ~~اللاصقين والنساء المعتدات، وقوله عز وجل فيما فعلن يريد به التزوج فما ~~دونه من التزين واطراح الإحداد. قال مجاهد وابن شهاب وغيرهما: أراد PageV01P314 # بما فعلن النكاح لمن أحببن إذا كان معروفا غير منكر. # قال القاضي أبو محمد: ووجوه المنكر في هذا كثيرة، وقال بعض المفسرين: ~~بالمعروف معناه بالإشهاد، وقوله تعالى: والله بما تعملون خبير وعيد يتضمن ~~التحذير. وخبير اسم فاعل من خبر إذا تقصى علم الشيء. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 235] # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # المخاطبة بهذه الآية لجميع الناس، والمباشر لحكمها هو الرجل الذي في نفسه ~~تزويج معتدة، والتعريض هو الكلام الذي لا تصريح فيه كأنه يعرض لفكر المتكلم ~~به، وأجمعت الأمة على ms0363 أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها وتنبيه ~~عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو ~~تحريض عليه لا يجوز. وجوز ما عدا ذلك، ومن أعظمه قربا إلى التصريح قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: «كوني عند أم شريك ولا تسبقيني ~~بنفسك» . ومن المجوز قول الرجل: # إنك لإلى خير، وإنك لمرغوب فيك، وإني لأرجو أن أتزوجك، وإن يقدر أمر يكن، ~~هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب وكثير من أهل العلم في هذا، وجائز أن يمدح ~~نفسه ويذكر مآثره على جهة التعريض بالزواج، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي ~~بن حسين، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مع أم سلمة، والهدية إلى ~~المعتدة جائزة، وهي من التعريض، قاله سحنون وكثير من العلماء. # قال القاضي أبو محمد: وقد كره مجاهد أن يقول لا تسبقيني بنفسك، ورآه من ~~المواعدة سرا، وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة ~~بنت قيس إنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه، وإلا فهو ~~خلاف لقوله صلى الله عليه وسلم، والخطبة بكسر الخاء فعل الخاطب من كلام ~~وقصد واستلطاف بفعل أو قول، يقال خطبها يخطبها خطبا وخطبة ورجل خطاب كثير ~~التصرف في الخطبة، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # برح بالعينين خطاب الكثب ... يقول إني خاطب وقد كذب # وإنما يخطب عسا من حلب والخطبة «فعلة» كجلسة «وقعدة» ، والخطبة بضم الخاء ~~هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره، أو أكننتم معناه سترتم وأخفيتم، تقول ~~العرب: كننت الشيء من الأجرام، إذا سترته في بيت أو ثوب أو أرض ونحوه، ~~وأكننت الأمر في نفسي، ولم يسمع من العرب كننته في نفسي، وتقول أكن البيت ~~الإنسان ونحو هذا، فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع ~~الإكنان، ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على ~~وعد، فرخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحانها وضعف البشر عن ملكها، ms0364 وقوله ~~تعالى ستذكرونهن، قال الحسن: معناه ستخطبونهن. PageV01P315 # قال القاضي أبو محمد: كأنه قال إن لم تنهوا، وقال غير الحسن: معناه علم ~~الله أنكم ستذكرون النساء المعتدات في نفوسكم وبألسنتكم لمن يخف عندكم فنهى ~~عن أن يوصل إلى التواعد معها لما في ذلك من هتك حرمة العدة، وقوله تعالى: ~~ولكن لا تواعدوهن سرا ذهب ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد ~~وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم إلى أن المعنى لا توافقوهن بالمواعدة ~~والتوثق وأخذ العهود في استسرار منكم وخفية، ف سرا على هذا التأويل نصب على ~~الحال أي مستسرين. وقال جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد والحسن بن أبي ~~الحسن والضحاك وإبراهيم النخعي: السر في هذه الآية الزنا أي لا تواعدوهن ~~زنى. # قال القاضي أبو محمد: هكذا جاءت عبارة هؤلاء في تفسير السر وفي ذلك عندي ~~نظر، وذلك أن السر في اللغة يقع على الوطء حلاله وحرامه، لكن معنى الكلام ~~وقرينته ترد إلى أحد الوجهين، فمن الشواهد قول الحطيئة: [الوافر] # ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع # فقرينة هذا البيت تعطي أن السر أراد به الوطء حراما، وإلا فلو تزوجت ~~الجارة كما يحسن لم يكن في ذلك عار، ومن الشواهد قول الآخر: [الطويل] # أخالتنا سر النساء محرم ... علي، وتشهاد الندامى مع الخمر # لئن لم أصبح داهنا ولفيفها ... وناعبها يوما براغية البكر # فقرينة هذا الشعر تعطي أنه أراد تحريم جماع النساء عموما في حرام وحلال ~~حتى ينال ثأره، والآية تعطي النهي عن أن يواعد الرجل المعتدة أن يطأها بعد ~~العدة بوجه التزويج، وأما المواعدة في الزنى فمحرم على المسلم مع معتدة ~~وغيرها، وحكى مكي عن ابن جبير أنه قال: «سرا: نكاحا» ، وهذه عبارة مخلصة، ~~وقال ابن زيد: «معنى قوله ولكن لا تواعدوهن سرا أي لا تنكحوهن وتكتمون ذلك ~~فإذا حلت أظهر تموه ودخلتم بهن» . # قال القاضي أبو محمد: فابن زيد في معنى السر مع القول الأول أي خفية، ~~وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة، وذلك قلق لأن ms0365 العقد متى وقع وإن تكتم به ~~فإنما هو في عزم العقدة، وحكى مكي عنه أنه قال: «الآية منسوخة بقوله: ولا ~~تعزموا عقدة النكاح وأجمعت الأمة على كراهية المواعدة في العدة للمرأة في ~~نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته، قال ابن المواز: «فأما الولي ~~الذي لا يملك الجبر فأكرهه، وإن نزل لم أفسخه» ، وقال مالك رحمه الله فيمن ~~يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها: «فراقها أحب إلي دخل بها أو لم يدخل وتكون ~~تطليقة واحدة، فإذا حلت خطبها مع الخطاب» ، هذه رواية ابن وهب، وروى أشهب ~~عن مالك أنه يفرق بينهما إيجابا، وقاله ابن القاسم، وحكى ابن حارث مثله عن ~~ابن الماجشون، وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد، وقوله تعالى: إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا استثناء منقطع، والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض، وقد ذكر ~~الضحاك أن من القول المعروف أن يقول الرجل للمعتدة احبسي علي نفسك فإن لي ~~بك رغبة، فتقول هي وأنا مثل ذلك. PageV01P316 # قال القاضي أبو محمد: وهذه عندي مواعدة، وإنما التعريض قول الرجل: إنكم ~~لأكفاء كرام، وما قدر كان، وإنك لمعجبة، ونحو هذا. # عزم العقدة عقدها بالإشهاد والولي، وحينئذ تسمى عقدة، وقوله تعالى: حتى ~~يبلغ الكتاب أجله يريد تمام العدة، والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر ~~الذي رسم من المدة، سماه كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب الله، كما قال: كتاب ~~الله عليكم [النساء: 24] ، وكما قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا [النساء: 103] ، ولا يحتاج عندي في الكلام إلى حذف مضاف، وقد قدر ~~أبو إسحاق في ذلك حذف مضاف أي فرض الكتاب، وهذا على أن جعل الكتاب القرآن، ~~واختلف أهل العلم إن خالف أحد هذا النهي وعزم العقدة قبل بلوغ الأجل. # قال القاضي أبو محمد: وأنا أفصل المسألة إن شاء الله تعالى، أما إن عقد ~~في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه وذلك قبل الدخول: فقول عمر بن الخطاب ~~وجماعة من العلماء إن ذلك لا يؤبد تحريما، وقاله مالك وابن القاسم في ms0366 ~~المدونة في آخر الباب الذي يليه ضرب أجل امرأة المفقود، وقال الجميع: # يكون خاطبا من الخطاب، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد ~~في العقد في العدة وإن فسخ قبل الدخول، وأما إن عقد في العدة ودخل بعد ~~انقضائها فقال قوم من أهل العلم: ذلك كالدخول في العدة يتأبد التحريم ~~بينهما، وقال قوم من أهل العلم: لا يتأبد بذلك تحريم، وقال مالك مرة: يتأبد ~~التحريم، وقال مرة: وما التحريم بذلك بالبين، والقولان له في المدونة في ~~طلاق السنة، وأما إن دخل في العدة فقول عمر بن الخطاب ومالك وجماعة من ~~أصحابه والأوزاعي والليث وغيرهم من أهل العلم: إن التحريم يتأبد، وقول علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وإبراهيم وأبي حنيفة والشافعي وجماعة ~~من العلماء وعبد العزيز بن أبي سلمة: إن التحريم لا يتأبد وإن وطئ في ~~العدة، بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ثم يكون خاطبا من الخطاب، قال أبو حنيفة ~~والشافعي: تعتد من الأول فإذا انقضت العدة فلا بأس أن يتزوجها الآخر، وحكى ~~ابن الجلاب رواية في المذهب أن التحريم لا يتأبد مع الدخول في العدة، ذكرها ~~في العالم بالتحريم المجترئ لأنه زان، وأما الجاهل فلا أعرف فيها خلافا في ~~المذهب. # حدثني أبو علي الحسين بن محمد الغساني مناولة، قال نا أبو عمر بن عبد ~~البر، نا عبد الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ، عن محمد بن إسماعيل، عن ~~نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، قال: بلغ عمر ~~بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها، فأرسل إليهما ~~ففرق بينهما وعاقبهما، وقال: «لا تنكحها أبدا» . وجعل صداقها في بيت المال، ~~وفشا ذلك في الناس، فبلغ عليا فقال: «يرحم الله أمير المؤمنين، ما PageV01P317 # بال الصداق وبيت المال؟ إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة» ، ~~قيل: فما تقول أنت فيها؟. # قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولا حد عليهما، وتكمل ~~عدتها ms0367 من الأول، ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء، ثم يخطبها إن ~~شاء» ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فخطب الناس فقال: «يا أيها الناس ردوا ~~الجهالات إلى السنة» ، وهذا قول الشافعي والليث في العدة من اثنين، وقال ~~مالك وأصحاب الرأي والأوزاعي والثوري: عدة واحدة تكفيهما جميعا سواء كانت ~~بالحمل أو بالإقراء أو بالأشهر، وروى المدنيون عن مالك مثل قول علي بن أبي ~~طالب والشافعي في إكمال العدتين، واختلف قول مالك رحمه الله في الذي يدخل ~~في العدة عالما بالتحريم مجترما، فمرة قال: العالم والجاهل فيه سواء لا حد ~~عليه، والصداق له لازم، والولد لاحق، ويعاقبان ولا يتناكحان أبدا، ومرة ~~قال: العالم بالتحريم كالزاني يحد، ولا يلحق به الولد، وينكحها بعد ~~الاستبراء، والقول الأول أشهر عن مالك رحمه الله. # وقوله تعالى واعلموا إلى آخر الآية: تحذير من الوقوع فيما نهى عنه، ~~وتوقيف على غفره وحلمه في هذه الأحكام التي بين ووسع فيها من إباحة التعريض ~~ونحوه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 236] # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) # هذا ابتداء إخبار برفع الجناح عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهرا أو ~~لم يفرض، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق ~~وقضاء الشهوة وأمر بالتزوج طلبا للعصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة ~~وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه، ~~فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن، ~~وقال قوم: لا جناح عليكم معناه لا طلب بجميع المهر بل عليكم نصف المفروض ~~لمن فرض لها والمتعة لمن لم يفرض لها، وقال قوم: لا جناح عليكم معناه في أن ~~ترسلوا الطلاق في وقت حيض بخلاف المدخول بها، وقال مكي: «المعنى لا جناح ~~عليكم في الطلاق قبل البناء لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد ms0368 أن كان ~~قاصدا للذوق، وذلك مأمون قبل المسيس» ، والخطاب بالآية لجميع الناس، وقرأ ~~أبو عمرو وابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر «تمسوهن» بغير ألف، وقرأ الكسائي ~~وحمزة «تماسوهن» بألف وضم التاء، وهذه القراءة الأخيرة تعطي المس من ~~الزوجين، والقراءة الأولى تقتضي ذلك بالمعنى المفهوم من المس، ورجحها أبو ~~علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن: نكح وسفد وقرع وذقط ~~وضرب الفحل، والقراءتان حسنتان، وتفرضوا عطف على «تمسوا» ، وفرض المهر ~~إثباته وتحديده، وهذه الآية تعطي جواز العقد على التفويض لأنه نكاح مقرر في ~~الآية مبين حكم الطلاق فيه، قاله مالك في المدونة، والفريضة الصداق، وقوله ~~تعالى ومتعوهن معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن، وحمله ابن عمر وعلي بن ~~أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة ~~والضحاك بن PageV01P318 # مزاحم على الوجوب، وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه وشريح وغيرهم على ~~الندب، ثم اختلفوا في الضمير المتصل ب «متعوا» من المراد به من النساء؟، ~~فقال ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وأصحاب الرأي: المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في غيرها، ~~وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها إلا في ~~التي لم يدخل بها وقد فرض لها، فحسبها ما فرض لها، ولا متعة لها، وقال أبو ~~ثور: لها المتعة ولكل مطلقة، وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم ~~يدخل بها لا شيء لها غير المتعة، فقال الزهري: يقضي لها بها القاضي، وقال ~~جمهور الناس: لا يقضي بها، قاله شريح، ويقال للزوج: إن كنت من المتقين ~~والمحسنين فمتع ولم يقض عليه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مع إطلاق لفظ الوجوب ~~عند بعضهم، وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان: المتعة بإزاء غم الطلاق ~~ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة، وقال الترمذي وعطاء والنخعي: ~~للمختلعة متعة، وقال أصحاب الرأي: للملاعنة متعة، قال ابن القاسم: ولا ms0369 متعة ~~في نكاح مفسوخ، قال ابن المواز: ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ~~ملك أحد الزوجين صاحبه، وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف ~~الأمة تعتق تحت العبد فتختار، فهذه لا متعة لها، وأما الحرة تخير أو تملك ~~أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذاك كله فلها المتعة، لأن الزوج سبب ~~الفراق، وعليها هي غضاضة في أن لا تختار نفسها. # واختلف الناس في مقدار المتعة، فقال ابن عمر: «أدنى ما يجزىء في المتعة ~~ثلاثون درهما أو شبهها» ، وروي أن ابن حجيرة كان يقضي على صاحب الديوان ~~بثلاثة دنانير، وقال ابن عباس: «أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة» ، وقال ~~عطاء: «من أوسط ذلك درع وخمار وملحفة» ، وقال الحسن: «يمتع كل على قدره: ~~هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب وهذا بنفقة» ، وكذلك يقول مالك بن أنس، ~~ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل، ومتع شريح بخمسمائة درهم، ~~وقالت أم حميد بن عبد الرحمن بن عوف: «كأني أنظر إلى خادم سوداء متع بها ~~عبد الرحمن بن عوف زوجه أم أبي سلمة» ، وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة التي ~~تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير، وقوله تعالى على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره دليل على رفض التحديد، وقرأ الجمهور «على الموسع» بسكون ~~الواو وكسر السين بمعنى الذي أوسع أي اتسعت حاله، وقرأ أو حيوة: «الموسع» ~~بفتح الواو وشد السين وفتحها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في ~~رواية أبي بكر «قدره» بسكون الدال في الموضعين، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص «قدره» بفتح الدال فيهما، قال أبو الحسن ~~الأخفش وغيره: هما بمعنى لغتان فصيحتان، وكذلك حكى أبو زيد، تقول: خذ قدر ~~كذا وقدر كذا بمعنى، ويقرأ في كتاب الله فسالت أودية بقدرها [الرعد: 17] ~~وقدرها، وقال: وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] ، ولو حركت الدال لكان ~~جائزا، والمقتر: المقل القليل المال، ومتاعا نصب على المصدر وقوله تعالى ~~بالمعروف أي ms0370 لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين، فهو تأكيد لمعنى قوله ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، ثم أكد تعالى الندب بقوله حقا على ~~المحسنين أي في هذه PageV01P319 # النازلة من التمتيع هم محسنون، ومن قال بأن المتعة واجبة قال: هذا تأكيد ~~الوجوب، أي على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لست بمحسن ~~على هذا التأويل، وحقا صفة لقوله متاعا، أو نصب على المصدر وذلك أدخل في ~~التأكيد للأمر. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 237] # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) # اختلف الناس في هذه الآية، فقالت فرقة فيها مالك وغيره: إنها مخرجة ~~المطلقة بعد الفرض من حكم التمتيع، إذ يتناولها قوله تعالى: ومتعوهن، وقال ~~ابن المسيب: نسخت هذه الآية الآية التي في الأحزاب، لأن تلك تضمنت تمتيع كل ~~من لم يدخل بها. وقال قتادة: نسخت هذه الآية الآية التي قبلها. # وقال ابن القاسم في المدونة: كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى وللمطلقات ~~متاع بالمعروف [البقرة: # 241] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة الأحزاب، الآية: 49 فاستثنى ~~الله المفروض لها قبل الدخول بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض ~~فقط، وزعم زيد بن أسلم أنها منسوخة بهذه الآية، حكى ذلك في المدونة عن زيد ~~بن أسلم زعما، وقال ابن القاسم: إنه استثناء، والتحرير برد ذلك إلى النسخ ~~الذي قال زيد، لأن ابن القاسم قال: إن قوله تعالى وللمطلقات متاع [البقرة: ~~241] عم الجميع، ثم استثنى الله منه هذه التي فرض لها قبل المسيس، وقال ~~فريق من العلماء منهم أبو ثور: المتعة لكل مطلقة عموما، وهذه الآية إنما ~~بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض، ولم تعن الآية لإسقاط متعتها بل لها ~~المتعة ونصف المفروض، وقرأ الجمهور «فنصف» بالرفع، والمعنى فالواجب نصف ما ~~فرضتم، وقرأت فرقة «فنصف» بنصب الفاء، ms0371 المعنى فادفعوا نصف، وقرأ علي بن أبي ~~طالب وزيد بن ثابت «فنصف» بضم النون في جميع القرآن، وهي لغة، وكذلك روى ~~الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وقوله تعالى إلا أن يعفون استثناء ~~منقطع لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن، ويعفون معناه يتركن ويصفحن، ~~وزنه يفعلن، والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج، والعافيات ~~في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها. وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء ~~والتابعين: # ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها، وحكاه سحنون في المدونة عن غير ابن ~~القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز، وأما التي في ~~حجر أب وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا فيما أحفظ. # واختلف الناس في المراد بقوله تعالى أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح فقال ~~ابن عباس وعلقمة وطاوس ومجاهد وشريح والحسن وإبراهيم والشعبي وأبو صالح ~~وعكرمة والزهري ومالك وغيرهم: هو الولي الذي المرأة في حجره، فهو الأب في ~~ابنته التي لم تملك أمرها، والسيد في أمته، وأما شريح فإنه PageV01P320 # جوز عفو الأخ عن نصف المهر، وقال وأنا أعفو عن مهور بني مرة وإن كرهن، ~~وكذلك قال عكرمة: يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما، كان عما أو أخا أو ~~أبا وإن كرهت، وقالت فرقة من العلماء: الذي بيده عقدة النكاح الزوج، قاله ~~علي بن أبي طالب وقاله ابن عباس أيضا، وشريح أيضا رجع إليه، وقاله سعيد ابن ~~جبير وكثير من فقهاء الأمصار، فعلى القول الأول: الندب لهما هو في النصف ~~الذي يجب للمرأة فإما أن تعفو هي وإما أن يعفو وليها، وعلى القول الثاني: ~~فالندب في الجهتين إما أن تعفو هي عن نصفها فلا تأخذ من الزوج شيئا، وإما ~~أن يعفو الزوج عن النصف الذي يحط فيؤدي جميع المهر، وهذا هو الفضل منهما، ~~وبحسب حال الزوجين يحسن التحمل والتجمل، ويروى أن جبير بن مطعم دخل على سعد ~~بن أبي وقاص فعرض عليه ابنة له فتزوجها، ms0372 فلما خرج طلقها وبعث إليه بالصداق، ~~فقيل له: لم تزوجتها؟، فقال: عرضها علي فكرهت رده، قيل: فلم تبعث بالصداق؟ ~~قال: فأين الفضل؟ # قال القاضي أبو محمد: ويحتج القائلون بأن الذي بيده عقدة النكاح هو ~~الزوج، بأن هذا الولي لا يجوز له ترك شيء من صداقها قبل الطلاق فلا فرق بعد ~~الطلاق. وأيضا فإنه لا يجوز له ترك شيء من مالها الذي ليس من الصداق فماله ~~يترك نصف الصداق؟ وأيضا فإنه إذا قيل إنه الولي فما الذي يخصص بعض الأولياء ~~دون بعض وكلهم بيده عقدة النكاح وإن كان كافلا أو وصيا أو الحاكم أو الرجل ~~من العشيرة؟، ويحتج من يقول إنه الولي الحاجر بعبارة الآية، لأن قوله الذي ~~بيده عقدة النكاح عبارة متمكنة في الولي، وهي في الزوج قلقة بعض القلق، ~~وليس الأمر في ذلك كما قال الطبري ومكي من أن المطلق لا عقدة بيده بل نسبة ~~العقدة إليه باقية من حيث كان عقدها قبل، وأيضا فإن قوله إلا أن يعفون لا ~~تدخل فيه من لا تملك أمرها لأنها لا عفو لها فكذلك لا يغبن النساء بعفو من ~~يملك أمر التي لا تملك أمرها، وأيضا فإن الآية إنما هي ندب إلى ترك شيء قد ~~وجب في مال الزوج، يعطي ذلك لفظ العفو الذي هو الترك والاطراح وإعطاء الزوج ~~المهر كاملا لا يقال فيه عفو، إنما هو انتداب إلى فضل، اللهم إلا أن تقدر ~~المرأة قد قبضته، وهذا طار لا يعتد به، قال مكي: وأيضا فقد ذكر الله ~~الأزواج في قوله فنصف ما فرضتم ثم ذكر الزوجات بقوله يعفون، فكيف يعبر عن ~~الأزواج بعد بالذي بيده عقدة النكاح بل هي درجة ثالثة لم يبق لها إلا ~~الولي. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي هذا نظر، وقرأ الجمهور ~~«أو يعفو» بفتح الواو لأن الفعل منصوب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «أو يعفو ~~الذي» بواو ساكنة، قال المهدوي: ذلك على التشبيه بالألف، ومنه قول عامر بن ~~الطفيل: [الطويل] # فما سودتني ms0373 عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي عندي أنه استثقل ~~الفتحة على واو متطرفة قبلها متحرك لقلة مجيئها في كلام العرب، وقد قال ~~الخليل رحمه الله: لم يجىء في الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلا في ~~قولهم عفوة وهو جمع عفو وهو ولد الحمار، وكذلك الحركة ما كانت قبل الواو ~~المفتوحة فإنها ثقيلة، ثم خاطب تعالى الجميع نادبا بقوله وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى أي يا جميع الناس، وهذه قراءة الجمهور بالتاء باثنتين من فوق، وقرأ ~~أبو نهيك والشعبي «وأن يعفو» بالياء، وذلك راجع إلى PageV01P321 # الذي بيده عقدة النكاح، وقرأ الجمهور «ولا تنسوا الفضل» ، وقرأ علي بن ~~أبي طالب ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة «ولا تناسوا الفضل» ، وهي قراءة ~~متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه، وقوله تعالى ولا ~~تنسوا الفضل ندب إلى المجاملة، قال مجاهد: الفضل إتمام الزوج الصداق كله أو ~~ترك المرأة النصف الذي لها، وقوله إن الله بما تعملون بصير خبر في ضمنه ~~الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 238] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) # الخطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها ~~وبجميع شروطها، وذكر تعالى الصلاة الوسطى ثانية وقد دخلت قبل في عموم قوله ~~الصلوات لأنه قصد تشريفها وإغراء المصلين بها، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي ~~«والصلاة الوسطى» بالنصب على الإغراء، وقرأ كذلك الحلواني. # واختلف الناس في أي صلاة هو هذا الوصف، فذهبت فرقة إلى أنها الصبح وأن ~~لفظ «وسطى» يراد به الترتيب، لأنها قبلها صلاتا ليل يجهر فيهما، وبعدها ~~صلاتا نهار يسر فيهما، قال هذا القول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وصلى ~~بالناس يوما الصبح فقنت قبل الركوع فلما فرغ قال: «هذه الصلاة الوسطى التي ~~أمرنا الله أن نقوم فيها قانتين» ، وقاله أبو العالية ورواه عن جماعة من ~~الصحابة، وقاله جابر بن عبد الله وعطاء بن ms0374 أبي رباح وعكرمة ومجاهد وعبد ~~الله بن شداد بن الهاد والربيع ومالك بن أنس. وقوى مالك ذلك بأن الصبح لا ~~تجمع إلى غيرها، وصلاتا جمع قبلها وصلاتا جمع بعدها، وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» ، وقال: ~~«إنهما أشد الصلوات على المنافقين» ، وفضل الصبح لأنها كقيام ليلة لمن ~~شهدها والعتمة نصف ليلة، وقال الله تعالى إن قرآن الفجر كان مشهودا ~~[الإسراء: 78] ، فيقوي هذا كله أمر الصبح. # وقالت فرقة: هي صلاة الظهر. قاله زيد بن ثابت ورفع فيه حديثا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وقاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر. واحتج قائلو هذه المقالة بأنها ~~أول صلاة صليت في الإسلام، فهي وسطى بذلك، أي فضلى، فليس هذا التوسط في ~~الترتيب، وأيضا فروي أنها كانت أشق الصلوات على أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنها كانت تجيء في الهاجرة، وهم قد نفعتهم أعمالهم في أموالهم، وأيضا ~~فيدل على ذلك ما قالته حفصة وعائشة حين أملتا: حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وصلاة العصر، فهذا اقتران الظهر والعصر. # وقالت فرقة: الصلاة الوسطى صلاة العصر لأنها قبلها صلاتا نهار وبعدها ~~صلاتا ليل، وروي هذا القول أيضا عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة ~~وابن عمر وأبي سعيد الخدري، وفي مصحف عائشة رضي الله عنها «والصلاة الوسطى ~~وهي صلاة العصر» ، وهو قولها المروي عنها. وقاله الحسن البصري وإبراهيم ~~النخعي، وفي إملاء حفصة أيضا «والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر» ، ومن روى PageV01P322 # «وصلاة العصر» فيتناول أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما لشيء واحد. ~~كما تقول جاءني زيد الكريم والعاقل، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر» على البدل، وروى هذا القول سمرة بن ~~جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله ~~بيوتهم وقبورهم نارا» ، وقال علي بن ms0375 أبي طالب رضي الله عنه: «كنا نرى أنها ~~الصبح حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى صلاة العصر. فعرفنا أنها العصر» ، وقال البراء ابن عازب: «كنا نقرأ ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر. ثم ~~نسخها الله، فقرأنا: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى. فقال له رجل: فهي ~~العصر؟، قال: «قد أخبرتك كيف قرأناها وكيف نسخت» ، والله أعلم. وروى أبو ~~مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر» . # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا القول جمهور الناس وبه أقوال والله أعلم. # وقال قبيصة بن ذؤيب: «الصلاة الوسطى صلاة المغرب» ، لأنها متوسطة في عدد ~~الركعات ليست ثنائية ولا رباعية، وأيضا فقبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر، ~~وحكى أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر في شرح باب جامع الوقوت وغيره ~~عن فرقة أن الصلاة الوسطى صلاة العشاء الآخرة، وذلك أنها تجيء في وقت نوم ~~وهي أشد الصلوات على المنافقين، ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في ~~المحافظة عليها، وأيضا فقبلها صلاتان وبعدها صلاتان. # وقالت فرقة: الصلاة الوسطى لم يعينها الله تعالى لنا، فهي في جملة الخمس ~~غير معينة، كليلة القدر في ليالي العشر، فعل الله ذلك لتقع المحافظة على ~~الجميع، قاله نافع عن ابن عمر وقاله الربيع بن خثيم. # وقالت فرقة: الصلاة الوسطى هي صلاة الجمعة فإنها وسطى فضلى، لما خصت به ~~من الجمع والخطبة وجعلت عيدا، ذكره ابن حبيب ومكي. # وقال بعض العلماء: الصلاة الوسطى المكتوبة الخمس، وقوله أولا على الصلوات ~~يعم النفل والفرض، ثم خص الفرض بالذكر، ويجري مع هذا التأويل قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى» . # وقوله تعالى وقوموا لله قانتين معناه في صلاتكم، واختلف الناس في معنى ~~قانتين، فقال الشعبي: «معناه مطيعين» ، وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن ~~جبير، وقال الضحاك: «كل قنوت في القرآن فإنما يعنى به الطاعة» ، وقاله أبو ~~سعيد عن النبي ms0376 صلى الله عليه وسلم، وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون لله ~~عاصمين، فقيل لهذه الأمة وقوموا لله مطيعين، وقال نحو هذا الحسن بن أبي ~~الحسن وطاوس، وقال السدي: «قانتين معناه ساكتين» ، وهذه الآية نزلت في ~~المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام. وقال عبد الله ~~بن مسعود: «كنا نتكلم في الصلاة ونرد السلام ويسأل الرجل صاحبه عن حاجته» ~~قال: «ودخلت يوما والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس فسلمت فلم يرد علي ~~أحد، فاشتد PageV01P323 # ذلك علي، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه لم يمنعني أن ~~أرد عليك إلا أنا أمرنا أن نقوم قانتين لا نتكلم في الصلاة» ، والقنوت ~~السكوت، وقاله زيد بن أرقم، وقال: «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: وقوموا ~~لله قانتين، فأمرنا بالسكوت» ، وقال مجاهد: «معنى قانتين خاشعين، القنوت ~~طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح» . # قال القاضي أبو محمد: وإحضار الخشية والفكر في الوقوف بين يدي الله ~~تعالى، وقال الربيع: # «القنوت طول القيام وطول الركوع والانتصاب له» ، وقال قوم: القنوت ~~الدعاء، وقانتين معناه داعين، روي معنى هذا عن ابن عباس، وفي الحديث: قنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان، فقال قوم: معناه ~~دعا، وقال قوم: معناه طول قيامه، ولا حجة في هذا الحديث لمعنى الدعاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 239] # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون (239) # أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوت، وهو الوقار والسكينة ~~وهدوء الجوارح، وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة، ثم ذكر تعالى ~~حالة الخوف الطارئة أحيانا، فرخص لعبيده في الصلاة رجالا متصرفين على ~~الأقدام، وركبانا على الخيل والإبل، ونحوه إيماء وإشارة بالرأس حيث ما ~~توجه، هذا قول جميع العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على ~~نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة ~~فكل ms0377 أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية، وأما صلاة الخوف ~~بالإمام وانقسام الناس فليس حكمها في هذه الآية، وفرق مالك رحمه الله بين ~~خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه بأن استحب في غير خوف العدو ~~الإعادة في الوقت إن وقع الأمن، وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء، ~~وقوله تعالى فرجالا هو جمع راجل أو رجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلا إذا ~~عدم المركب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل ورجل» بضم الجيم وهي لغة أهل ~~الحجاز، يقولون مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا، حكاه الطبري وغيره ~~ورجلان ورجيل، ورجل وأنشد ابن الأعرابي في «رجلان» : [الطويل] # علي إذا لاقيت ليلى بخلوة ... أن ازدار بيت الله رجلان حافيا # ويجمع على رجال ورجيلى ورجالى ورجالى ورجالة ورجال ورجالي ورجلان ورجلة ~~ورجلة ورجلة بفتح الجيم وأرجلة وأراجل وأراجيل، والرجل الذي هو اسم الجنس ~~يجمع أيضا على رجال، فهذه الآية وقوله تعالى: يأتوك رجالا [الحج: 27] هما ~~من لفظ الرجلة أي عدم المركوب، وقوله تعالى شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] ~~فهو جمع اسم الجنس المعروف، وحكى المهدوي عن عكرمة وأبي مجلز أنهما قرآ ~~«فرجالا» بضم الراء وشد الجيم المفتوحة، وعن عكرمة أيضا أنه قرأ «فرجالا» ~~بضم الراء وتخفيف الجيم، وحكى الطبري عن بعضهم أنه قرأ «فرجلا» دون ألف على ~~وزن فعل بضم الفاء وشد العين، وقرأ جمهور القراء «أو ركبانا» وقرأ بديل بن ~~ميسرة «فرجالا فركبانا» بالفاء، والركبان جمع PageV01P324 # راكب، وهذه الرخصة في ضمنها بإجماع من العلماء أن يكون الإنسان حيث ما ~~توجه من السموات، ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه. واختلف الناس كم يصلي من ~~الركعات. فمالك رحمه الله وجماعة من العلماء لا يرون أن ينقص من عدد ~~الركعات شيئا، بل يصلي المسافر ركعتين ولا بد. وقال الحسن بن أبي الحسن ~~وقتادة وغيرهما: يصلي ركعة إيماء. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: «فرض ~~الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ~~ركعة» ms0378 . وقال الضحاك بن مزاحم: # «يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة، فإن لم يقدر فليكبر ~~تكبيرتين» ، وقال إسحاق بن راهويه: «فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة ~~أجزأت عنه» ، ذكره ابن المنذر. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: فإذا أمنتم فاذكروا الله الآية، فقالت ~~فرقة: المعنى فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله ~~بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ولم ~~تفتكم صلاة من الصلوات، وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه، وقالت فرقة: ~~المعنى فإذا كنتم آمنين قبل أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا ~~الله، أي صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي فصلوا كما علمكم صلاة تامة، ~~حكاه النقاش وغيره. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقوله على هذا التأويل ما لم ~~تكونوا بدل من «ما» التي في قوله كما، وإلا لم يتسق لفظ الآية، وعلى ~~التأويل الأول ما مفعولة ب علمكم، وقال مجاهد: «معنى قوله فإذا أمنتم، فإذا ~~خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة» ، ورد الطبري على هذا القول، وكذلك ~~فيه تحويم على المعنى كثير، والكاف في قوله كما للتشبيه بين ذكر الإنسان ~~لله ونعمة الله عليه في أن تعادلا، وكان الذكر شبيها بالنعمة في القدر ~~وكفاء لها، ومن تأول «اذكروا» بمعنى صلوا على ما ذكرناه فالكاف للتشبيه بين ~~صلاة العبد والهيئة التي علمه الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 240] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) # الذين رفع بالابتداء، والخبر في الجملة التي هي «وصية لأزواجهم» ، وقرأ ~~ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «وصية» بالرفع، وذلك على ~~وجهين: أحدهما الابتداء والخبر في الظرف الذي هو قوله لأزواجهم، ويحسن ~~الابتداء بنكرة من حيث هو موضع تخصيص كما حسن أن يرتفع «سلام عليكم» ، وخير ~~بين يديك، وأمت في حجر لا فيك، ms0379 لأنها مواضع دعاء، والوجه الآخر أن تضمر له ~~خبرا تقدره، فعليهم وصية لأزواجهم، ويكون قوله لأزواجهم صفة. قال الطبري: ~~«قال بعض النحاة: المعنى كتبت عليهم وصية» ، قال: «وكذلك هي في قراءة عبد ~~الله بن مسعود» ، وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر «وصية» بالنصب، وذلك حمل ~~على الفعل كأنه قال: ليوصوا وصية، ولأزواجهم PageV01P325 # على هذه القراءة صفة أيضا، قال هارون: «وفي حرف أبي بن كعب «وصية ~~لأزواجهم متاع» بالرفع، وفي حرف ابن مسعود «الوصية لأزواجهم متاعا» ، وحكى ~~الخفاف أن في حرف أبي «فمتاع لأزواجهم» بدل وصية. # ومعنى هذه الآية أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق ~~عليها من ماله، وذلك وصية لها، واختلف العلماء ممن هي هذه الوصية، فقالت ~~فرقة: كانت وصية من الله تعالى تجب بعد وفاة الزوج، قال قتادة: «كانت ~~المرأة إذا توفي عنها زوجها فلها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها ما لم ~~تخرج برأيها، ثم نسخ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في ~~سورة النساء، ونسخ سكنى الحول بالأربعة الأشهر والعشر» . وقال الربيع وابن ~~عباس والضحاك وعطاء وابن زيد، وقالت فرقة: بل هذه الوصية هي من الزوج، ~~كانوا ندبوا إلى أن يوصوا للزوجات بذلك ف يتوفون على هذا القول معناه ~~يقاربون الوفاة ويحتضرون، لأن الميت لا يوصي، قال هذا القول قتادة أيضا ~~والسدي. وعليه حمل الآية أبو علي الفارسي في الحجة، قال السدي: «إلا أن ~~العدة كانت أربعة أشهر وعشرا، وكان الرجال يوصون بسكنى سنة ونفقتها ما لم ~~تخرج. فلو خرجت بعد انقضاء العدة الأربعة الأشهر والعشر سقطت الوصية. ثم ~~نسخ الله تعالى ذلك بنزول الفرائض. فأخذت ربعها أو ثمنها، ولم يكن لها سكنى ~~ولا نفقة وصارت الوصايا لمن لا يرث، وقال الطبري عن مجاهد: «إن هذه الآية ~~محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله لهن ~~وصية، منها سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها ~~وإن شاءت ms0380 خرجت، وهو قوله تعالى: غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم. # قال القاضي أبو محمد: وألفاظ مجاهد رحمه الله التي حكى عنها الطبري لا ~~يلزم منها أن الآية محكمة، ولا نص مجاهد ذلك، بل يمكن أنه أراد ثم نسخ ذلك ~~بعد بالميراث. # ومتاعا نصب على المصدر، وكان هذا الأمر إلى الحول من حيث العام معلم من ~~معالم الزمان قد أخذ بحظ من الطول، وقوله تعالى: غير إخراج معناه ليس ~~لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها، وغير نصب على المصدر عند الأخفش، ~~كأنه قال: لا إخراجا، وقيل: نصب على الحال من الموصين. وقيل: هي صفة لقوله ~~متاعا، وقوله تعالى: فإن خرجن الآية، معناه أن الخروج إذا كان من قبل ~~الزوجة فلا جناح على أحد ولي أو حاكم أو غيره فيما فعلن في أنفسهن من تزويج ~~وترك حداد وتزين إذا كان ذلك من المعروف الذي لا ينكر، وقوله تعالى: والله ~~عزيز صفة تقتضي الوعيد بالنقمة لمن خالف الحد في هذه النازلة فأخرج المرأة ~~وهي لا تريد الخروج. حكيم أي محكم لما يأمر به عباده، وهذا كله قد زال حكمه ~~بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوله الطبري مجاهدا رحمه الله، وفي ذلك نظر على ~~الطبري رحمه الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 241 الى 242] # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تعقلون (242) # اختلف الناس في هذه الآية، فقال أبو ثور: «هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة ~~دخل بها أو لم PageV01P326 # يدخل، فرض لها أو لم يفرض، بهذه الآية» ، وقال الزهري: «لكل مطلقة متعة، ~~وللأمة يطلقها زوجها» . # وقال سعيد بن جبير: «لكل مطلقة متعة» . وقال ابن القاسم في إرخاء الستور ~~من المدونة: «جعل الله تعالى المتاع لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في ~~الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم زيد بن ~~أسلم أنها نسختها» . # قال القاضي أبو محمد: ففر ابن القاسم رحمه الله من لفظ النسخ إلى لفظ ~~الاستثناء، والاستثناء لا يتجه في ms0381 هذا الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد ~~بن أسلم. وإذا التزم ابن القاسم أن قوله وللمطلقات عم كل مطلقة لزمه القول ~~بالنسخ ولا بد. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: هذه الآية في الثيب اللواتي ~~قد جومعن إذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن. # قال القاضي أبو محمد: فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل ~~قط في هذا العموم. # فهذا يجيء قوله على أن قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~[البقرة: 237] مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل إن العموم تناولها ~~فذلك نسخ لا تخصيص، وقال ابن زيد: «هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة، لأنه ~~نزل قبل حقا على المحسنين [البقرة: 236] فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم ~~أمتع، فنزلت: حقا على المتقين فوجب ذلك عليهم» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا الإيجاب هو من تقويل ~~الطبري لا من لفظ ابن زيد. # وقوله تعالى: حقا نصب على المصدر، والمتقين هنا ظاهره أن المراد من تلبس ~~بتقوى الله تعالى، والكاف في قوله كذلك للتشبيه، وذلك إشارة إلى هذا الشرع ~~والتنويع الذي وقع في النساء وإلى إلزام المتعة لهن، أي كبيانه هذه القصة ~~يبين سائر آياته، ولعلكم ترج في حق البشر، أي من رأى هذا المبين له رجا أن ~~يعقل ما يبين له. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 243] # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(243) # هذه رؤية القلب بمعنى: ألم تعلم، والكلام عند سيبويه بمعنى تنبه إلى أمر ~~الذين، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين، وقصة هؤلاء فيما قال الضحاك هي ~~أنهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، ~~فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من ~~الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم ms0382 بالجهاد بقوله وقاتلوا في سبيل الله [البقرة: ~~190- 244] الآية، وحكى قوم من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة ~~من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، فخرجوا من ديارهم فرارا منه، فأماتهم ~~الله، فبنى عليهم سائر بني إسرائيل حائطا، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله ~~حزقيل النبي عليه السلام، فدعا الله فأحياهم له، وقال السدي: «هم أمة كانت ~~قبل واسط في قرية يقال لها PageV01P327 # داوردان، وقع بها الطاعون فهربوا منه وهم بضعة وثلاثون ألفا» . في حديث ~~طويل، ففيهم نزلت الآية. # وقال إنهم فروا من الطاعون: الحسن وعمرو بن دينار. وحكى النقاش أنهم فروا ~~من الحمى. وحكى فيهم مجاهد أنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون. لكن ~~سحنة الموت على وجوههم. ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ~~ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم، وروى ابن جريج عن ابن عباس أنهم كانوا من بني ~~إسرائيل، وأنهم كانوا أربعين ألفا وثمانية آلاف، وأنهم أميتوا ثم أحيوا ~~وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم، فأمرهم الله ~~بالجهاد ثانية فذلك قوله وقاتلوا في سبيل الله [البقرة: 190- 244 ] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من ~~الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أخبارا في عبارة ~~التنبيه والتوقيف، عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، ~~فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليرواهم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما ~~هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر، وجعل الله ~~تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد. هذا قول ~~الطبري، وهو ظاهر رصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها ~~لضعفها. واختلف الناس في لفظ ألوف. فقال الجمهور: هي جمع ألف. وقال بعضهم: ~~كانوا ثمانين ألفا. وقال ابن عباس: «كانوا أربعين ألفا» . وقيل: كانوا ~~ثلاثين ألفا. وهذا كله يجري مع ألوف إذا هو جمع الكثير، وقال ابن عباس ~~أيضا: «كانوا ثمانية ms0383 آلاف» ، وقال أيضا: أربعة آلاف، وهذا يضعفه لفظ ألوف ~~لأنه جمع الكثير. وقال ابن زيد في لفظ ألوف: «إنما معناها وهم مؤتلفون» أي ~~لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم. إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه ~~الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم ~~بزعمهم. # وقوله تعالى: فقال لهم الله موتوا الآية، إنما هي مبالغة في العبارة عن ~~فعله بهم. كأن ذلك الذي نزل بهم فعل من قيل له: مت، فمات، وحكي أن ملكين ~~صاحا بهم: موتوا، فماتوا. فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين. وهذا الموت ~~ظاهر الآية، وما روي في قصصها أنه موت حقيقي فارقت فيه الأرواح الأجساد، ~~وإذا كان ذلك فليس بموت آجالهم، بل جعله الله في هؤلاء كمرض حادث مما يحدث ~~على البشر. وقوله تعالى: إن الله لذو فضل على الناس الآية، تنبيه على فضل ~~الله على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد، وأمرهم بأن ~~لا يجعلوا الحول والقوة إلا له، حسبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا ~~نعمته في جميع هذا، بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم. وهذه الآية ~~تحذير لسائر الناس من مثل هذا الفعل، أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في ~~إيجاده لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي، فيكون منهم الجري إلى ~~امتثالها لا طلب الخروج عنها، وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل ~~الشاكر. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 244 الى 246] # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون ~~(245) ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث ~~لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) PageV01P328 # الواو في هذه الآية عاطفة جملة كلام ms0384 على جملة ما تقدم، هذا قول الجمهور ~~إن هذه الآية هي مخاطبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل ~~الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا حسب الحديث، وقال ابن ~~عباس والضحاك: الأمر بالقتال هو للذين أحيوا من بني إسرائيل، فالواو على ~~هذا عاطفة على الأمر المتقدم، المعنى وقال لهم قاتلوا، قال الطبري رحمه ~~الله: «ولا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال هو للذين أحيوا» ، وسميع ~~معناه للأقوال، عليم بالنيات. # ثم قال تعالى: من ذا الذي يقرض الله الآية، فدخل في ذلك المقاتل في سبيل ~~الله فإنه يقرض رجاء الثواب، كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، ~~ويروى أن هذه الآية لما نزلت قال أبو الدحداح: «يا رسول الله أوإن الله ~~يريد منا القرض؟» قال: «نعم، يا أبا الدحداح» ، قال: «فإني قد أقرضت الله ~~حائطي» : لحائط فيه ستمائة نخلة، ثم جاء الحائط وفيه أم الدحداح، فقال: ~~اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقال فيه ابن الدحداحة، ~~واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه من ~~شبه القرض بالعمل للثواب، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء ~~المؤمن في الدنيا ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس ~~والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء، وقد ذهبت اليهود في مدة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى التخليط على المؤمنين بظاهر الاستقراض وقالوا إلهكم ~~محتاج يستقرض، وهذا بين الفساد، وقوله حسنا معناه تطيب فيه النية، ويشبه ~~أيضا أن تكون إشارة إلى كثرته وجودته، واختلف القراء في تشديد العين ~~وتخفيفها ورفع الفاء ونصبها وإسقاط الألف وإثباتها من قوله تعالى: فيضاعفه ~~فقرأ ابن كثير «فيضعفه» برفع الفاء من غير ألف وتشديد العين في جميع ~~القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه نصب ms0385 الفاء في جميع القرآن، ووافقه عاصم ~~على نصب الفاء إلا أنه أثبت الألف في «فيضاعفه» في جميع القرآن، وكان أبو ~~عمرو لا يسقط الألف من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب. قوله تعالى: يضاعف لها ~~العذاب [الأحزاب: 30] ، فإنه بغير ألف كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ~~ذلك كله بالألف ورفع الفاء، فالرفع في الفاء يتخرج على وجهين: أحدهما العطف ~~على ما في الصلة. وهو يقرض، والآخر أن يستأنف الفعل ويقطعه، قال أبو علي: ~~«والرفع في هذا الفعل أحسن» . # قال القاضي أبو محمد: لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام، وذلك ~~إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفا ~~له. تقول: أتقرضني فأشكرك، وهاهنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن ~~الإقراض، ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى، لأنه لم ~~يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض، فكأن الكلام أيقرض أحد الله ~~فيضاعفه له، ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ من يضلل الله فلا ~~هادي له ونذرهم [الأعراف: 186] PageV01P329 # بجزم نذرهم، لما كان معنى قوله فلا هادي له [الأعراف: 186] فلا يهد وهذه ~~الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة، وقرأ ~~ابن كثير «يبسط» بالسين، ونافع بالصاد في المشهور عنه، وقال الحلواني عن ~~قالون عن نافع: إنه لا يبالي كيف قرأ بسطة ويبسط بالسين أو بالصاد، وروى ~~أبو قرة عن نافع يبسط بالسين، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن ~~يسعر بسبب غلاء خيف على المدينة، فقال: «إن الله هو الباسط القابض، وإني ~~لأرجو أن ألقى الله ولا يتبعني أحد بمظلمة في نفس ولا مال» . # قوله عز وجل: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا هذه ~~الآية خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو، فطلبوا الإذن في ms0386 ~~الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل، فنصرهم الله، وفي ~~هذا كله مثال للمؤمنين يحذر المكروه منه ويقتدى بالحسن، والملإ في هذه ~~الآية جميع القوم، لأن المعنى يقتضيه، وهذا هو أصل اللفظة. # ويسمى الأشراف الملأ تشبيها، وقوله من بعد موسى معناه من بعد موته ~~وانقضاء مدته، واختلف المتأولون في النبي الذي قيل له ابعث، فقال ابن إسحاق ~~وغيره عن وهب بن منبه: هو سمويل بن بالي. # وقال السدي: هو شمعون وقال قتادة: هو يوشع بن نون. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف، لأن مدة داود ~~هي بعد مدة موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى، وكانت بنو إسرائيل ~~تغلب من حاربها، وروي أنها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة والبقية في ~~مأزق الحرب، فلا تزال تغلب حتى عصوا وظهرت فيهم الأحداث. وخالف ملوكهم ~~الأنبياء، واتبعوا الشهوات، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم بأن يكون ~~أنبياؤهم يسددون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه سلط الله عليهم أمما من ~~الكفرة فغلبوهم وأخذ لهم التابوت في بعض الحروب فذل أمرهم. وقال السدي: ~~«كان الغالب لهم جالوت وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاصطلام وذهاب ~~الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم. حتى اجتمع ملأهم على أن قالوا لنبي ~~الوقت: # ابعث لنا ملكا الآية، وإنما طلبوا ملكا يقوم بأمر القتال، وكانت المملكة ~~في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم: «بنو يهوذا» ، فعلم النبي بالوحي ~~أنه ليس في بيت المملكة من يقوم بأمر الحرب، ويسر الله لذلك طالوت. # وقرأ جمهور الناس «نقاتل» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وقرأ الضحاك ~~وابن أبي عبلة «يقاتل» بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك. وأراد ~~النبي المذكور عليه السلام أن يتوثق منهم فوقفهم على جهة التقرير وسبر ما ~~عندهم بقوله هل عسيتم وقرأ نافع «عسيتم» بكسر العين في الموضعين، وفتح ~~الباقون السين، قال أبو علي: «الأكثر فتح السين وهو المشهور» ، ووجه الكسر ~~قول PageV01P330 # العرب هو عس بذلك مثل ms0387 حر وشج، وقد جاء فعل وفعل في نحو نقم ونقم، فكذلك ~~عسيت وعسيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال عسي زيد مثل رضي، ~~فإن قيل فهو القياس، وإن لم يقل فسائغ أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في ~~موضع الأخرى كما فعل ذلك في غيره، ومعنى هذه المقالة: # هل أنتم قريب من التولي والفرار. إن كتب عليكم القتال؟. # قوله عز وجل: # ألم تر إلى الملإ # # المعنى وأي شيء يجعلنا ألا نقاتل وقد وترنا وأخرجنا من ديارنا؟ وقالوا ~~هذه المقالة وإن كان القائل لم يخرج من حيث قد أخرج من هو مثله وفي حكمه، ~~ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت ~~أفكارهم إلى مباشرة الحرب تولوا، أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن ~~الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة، فإذا حضرت ~~الحرب كعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم ~~فاثبتوا» ، ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى ~~واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله، ثم توعد الظالمين في لفظ الخبر ~~الذي هو قوله والله عليم بالظالمين، وقرأ أبي بن كعب «تولوا إلا أن يكون ~~قليل منهم» . # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 247] # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) # قال وهب بن منبه: «إنه لما قال الملأ من بني إسرائيل لسمويل بن بالي ما ~~قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا ويدله عليه، فقال الله تعالى له: ~~انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي ~~في القرن فهو ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه منه وملكه ms0388 عليهم، قال: وكان ~~طالوت رجلا دباغا، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان سبطا لا نبوة فيه ~~ولا ملك، فخرج طالوت في بغاء دابة له أضلها، فقصد سمويل عسى أن يدعو له في ~~أمر الدابة أو يجد عنده فرجا، فنش الدهن» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهو دهن القدس فيما يزعمون، ~~قال: فقام إليه سمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له: أنت ملك بني ~~إسرائيل الذي أمرني الله بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل «إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا» ، وطالوت اسم أعجمي معرب ولذلك لم ينصرف، PageV01P331 # وقال السدي: «إن الله أرسل إلى شمعون عصا وقال له: من دخل عليك من بني ~~إسرائيل فكان على طول هذه العصا فهو ملكهم، فقيس بها بنو إسرائيل فكانت ~~تطولهم حتى مربهم طالوت في بغاء حماره الذي كان يسقي عليه، وكان رجلا سقاء، ~~فدعوه فقاسوه بالعصا فكان مثلها، فقال لهم نبيهم ما قال، ثم إن بني إسرائيل ~~تعنتوا وحادوا عن أمر الله تعالى، وجروا على سننهم فقالوا: أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، أي لأنه ليس في بيت ملك ولا سبقت له فيه ~~سابقة. ولم يؤت مالا واسعا يجمع به نفوس الرجال حتى يغلب أهل الأنفة بماله. # قال القاضي أبو محمد: وترك القوم السبب الأقوى وهو قدر الله وقضاؤه ~~السابق، وأنه مالك الملك، فاحتج عليهم نبيهم عليه السلام بالحجة القاطعة، ~~وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفائه طالوت، وأنه زاده بسطة في العلم وهو ملاك ~~الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء، قال ابن عباس: # «كان في بني إسرائيل سبطان أحدهما للنبوة والآخر للملك، فلا يبعث نبي إلا ~~من الواحد ولا ملك إلا من الآخر، فلما بعث طالوت من غير ذلك قالوا مقالتهم» ~~، قال مجاهد: معنى الملك في هذه الآية الإمرة على الجيش. # قال القاضي أبو محمد: ولكنهم قلقوا لأن من عادة من تولى الحرب وغلب أن ~~يستمر ملكا، و «اصطفى» افتعل، مأخوذ من ms0389 الصفوة، وقرأ نافع «بصطة» بالصاد، ~~وقرأ أبو عمرو وابن كثير «بسطة» بالسين، والجمهور على أن العلم في هذه ~~الآية يراد به العموم في المعارف، وقال بعض المتأولين: المراد علم الحرب، ~~وأما جسمه فقال وهب بن منبه: إن أطول رجل في بني إسرائيل كان يبلغ منكب ~~طالوت. # والله يؤتي # # لما علم نبيهم عليه السلام تعنتهم وجدالهم في الحجج تمم كلامه بالقطعي ~~الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: والله يؤتي ملكه من يشاء، وظاهر اللفظ أنه ~~من قول النبي لهم، وقد ذهب بعض المتأولين إلى أنه من قول الله تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وأضيف ملك الدنيا إلى الله تعالى، إضافة ~~مملوك إلى مالك، وواسع معناه وسعت قدرته وعلمه كل شيء، وأما قول النبي لهم: ~~إن آية ملكه فإن الطبري ذهب إلى أن بني إسرائيل تعنتوا وقالوا لنبيهم: وما ~~آية ملك طالوت؟ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صدقه في قوله إن الله قد ~~بعث. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 248] # وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (248) # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك ~~على جهة التغبيط والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها الله بملك طالوت ~~وجعلها آية له دون أن تعن بنو إسرائيل لتكذيب نبيهم، وهذا عندي أظهر من لفظ ~~الآية، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، فإنهم أهل تكذيب ~~وتعنت واعوجاج، وقد حكى الطبري معناه عن ابن عباس وابن زيد والسدي. PageV01P332 # واختلف المفسرون في كيفية إتيان التابوت وكيف كان بدء أمره، فقال وهب بن ~~منبه: كان التابوت عند بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا ~~على التابوت، وصار التابوت عند القوم الذين غلبوا، فوضعوه في كنيسة لهم ~~فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسة، فجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك ~~القوم أوجاع ms0390 في أعناقهم، وقيل: جعل في مخراة قوم فكانوا يصيبهم الناسور، ~~فلما عظم بلاؤهم كيف كان، قالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت فلنرده إلى بلاد ~~بني إسرائيل، فأخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين فأرسلوهما ~~في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا ~~به على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت، فأيقنوا بالنصر. وهذا هو حمل ~~الملائكة للتابوت في هذه الرواية. وقال قتادة والربيع: بل كان هذا التابوت ~~مما تركه موسى عند يوشع بن نون، فجعله يوشع في البرية، ومرت عليه الدهور ~~حتى جاء وقت طالوت. وكان أمر التابوت مشهورا عندهم في تركة موسى، فجعل الله ~~الإتيان به آية لملك طالوت، وبعث الله ملائكة حملته إلى بني إسرائيل، فيروى ~~أنهم رأوا التابوت في الهواء يأتي حتى نزل بينهم، وروي أن الملائكة جاءت به ~~تحمله حتى جعلته في دار طالوت، فاستوسقت بنو إسرائيل عند ذلك على طالوت، ~~وقال وهب بن منبه: كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين، وقرأ زيد ~~بن ثابت «التابوه» ، وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء. # قال القاضي أبو محمد: وكثر الرواة في قصص التابوت وصورة حمله بما لم أر ~~لإثباته وجها للين إسناده. # قوله عز وجل: # فيه سكينة ... # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: السكينة ريح هفافة لها وجه كوجه ~~الإنسان، وروي عنه أنه قال: هي ريح خجوج ولها رأسان، وقال مجاهد: السكينة ~~لها رأس كرأس الهرة وجناحان وذنب، وقال: # أقبلت السكينة والصرد وجبريل مع إبراهيم من الشام. وقال وهب بن منبه عن ~~بعض علماء بني إسرائيل: # السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ الهر أيقنوا ~~بالنصر. وقال ابن عباس: السكينة طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب ~~الأنبياء، وقاله السدي. وقال وهب بن منبه: السكينة روح من الله يتكلم إذا ~~اختلفوا في شيء أخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء بن أبي رباح: السكينة ما ~~يعرفون من الآيات فيسكنون إليها. وقال الربيع بن أنس: ms0391 سكينة من ربكم أي ~~رحمة من ربكم، وقال قتادة: # سكينة من ربكم أي وقار لكم من ربكم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والصحيح أن التابوت كانت فيه ~~أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس ~~به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده، والسكينة على ~~هذا فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة. PageV01P333 # واختلف المفسرون في البقية ما هي؟: فقال ابن عباس: هي عصا موسى ورضاض ~~الألواح، وقال الربيع: هي عصا موسى وأمور من التوراة. وقال عكرمة: هي ~~التوراة والعصا ورضاض الألواح. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا ما روي من أن موسى عليه السلام لما جاء ~~قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل ألقى الألواح غضبا فتكسرت. فنزع منها ~~ما بقي صحيحا وأخذ رضاض ما تكسر فجعل في التابوت. وقال أبو صالح: البقية ~~عصا موسى وعصا هارون ولوحان من التوراة والمن. وقال عطية بن سعد: هي عصا ~~موسى وعصا هارون وثيابهما ورضاض الألواح. وقال الثوري: من الناس من يقول ~~البقية قفيز من ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان. وقال ~~الضحاك: البقية الجهاد وقتال الأعداء. # قال القاضي أبو محمد: أي الأمر بذلك في التابوت، إما أنه مكتوب فيه، وإما ~~أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى آل موسى وهارون من حيث ~~كان الأمر مندرجا من قوم إلى قوم، وكلهم آل لموسى وهارون، وآل الرجل قرابته ~~وأتباعه، وقال ابن عباس والسدي وابن زيد: حمل الملائكة هو سوقها التابوت ~~دون شيء يحمله سواها حتى وضعته بين يدي بني إسرائيل وهم ينظرون إليه بين ~~السماء والأرض، وقال وهب بن منبه والثوري عن بعض أشياخهم: حملها إياه هو ~~سوقها الثورين أو البقرتين اللتين جرتا العجلة به، ثم قرر تعالى أن مجيء ~~التابوت آية لهم إن كانوا ممن يؤمن ويبصر بعين حقيقة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 249] # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب ms0392 منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) # قبل هذه الآية متروك من اللفظ يدل معنى ما ذكر عليه، وهو فاتفق بنو ~~إسرائيل على طالوت ملكا وأذعنوا وتهيؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل، وفصل معناه ~~خرج بهم من القطر، وفصل حال السفر من حال الإقامة، قال السدي وغيره: كانوا ~~ثمانين ألفا. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولا محالة أنهم كان فيهم ~~المؤمن والمنافق والمجد والكسلان، وقال وهب بن منبه: لم يتخلف عنه إلا ذو ~~عذر من صغر أو كبر أو مرض. # واختلف المفسرون في النهر، فقال وهب بن منبه: لما فصل طالوت قالوا له إن ~~المياه لا تحملنا فادع الله يجر لنا نهرا، فقال لهم طالوت إن الله مبتليكم ~~الآية، وقال قتادة: النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين، ~~وقاله ابن عباس، وقال أيضا هو والسدي: النهر نهر فلسطين، وقرأ جمهور القراء ~~«بنهر» بفتح الهاء، وقرأ مجاهد وحميد الأعرج وأبو السمال وغيرهم «بنهر» ~~بإسكان الهاء في جميع القرآن، ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت ~~طاعته في ترك الماء علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلب شهوته في الماء ~~وعصى الأمر فهو بالعصيان في الشدائد أحرى، وروي أنهم أتوا النهر وهم قد ~~نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن، ولذلك رخص للمطيعين في الغرفة ~~ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال إلى ~~الاغتراف بالأيدي لنظافته وسهولته، وقد قال PageV01P334 # علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الأكف أنظف الآنية. ومنه قول الحسن رحمه ~~الله: [البسيط] . # لا يدلفون إلى ماء بآنية ... إلا اغترافا من الغدران بالراح # وظاهر قول طالوت إن الله مبتليكم هو أن ذلك بوحي إلى النبي ms0393 وإخبار من ~~النبي لطالوت، ويحتمل أن يكون هذا مما ألهم الله طالوت إليه فجرب به جنده، ~~وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم، وهذه النزعة واجب أن تقع من كل متولي ~~حرب، فليس يحارب إلا بالجند المطيع، ومنه قول معاوية: «علي في أخبث جند ~~وأعصاه وأنا في أصح جند وأطوعه» ، ومنه قول علي رضي الله عنه: «أفسدتم علي ~~رأيي بالعصيان» ، وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على ~~شظف العيش الذين هممهم في غير الرفاهية، كما قال عروة: [الطويل] وأحسو قراح ~~الماء والماء بارد فيشبه أن طالوت أراد تجربة القوم، وقد ذهب قوم إلى أن ~~عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر ~~أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمله مزاحه على ~~تخشين الأمر الذي كلفهم. # وقوله: فليس مني أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن ~~الإيمان، ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا، ومن ~~رمانا بالنبل فليس منا، وليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود» ، وفي قوله ~~تعالى: ومن لم يطعمه سد للذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا ~~وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم. ولهذه ~~المبالغات لم يأت الكلام، ومن لم يشرب منه. وقرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير ~~«غرفة» بفتح الغين. وهذا على تعدية الفعل إلى المصدر. والمفعول محذوف، ~~والمعنى إلا من اغترف ماء غرفة، وقرأ الباقون «غرفة» بضم الغين وهذا على ~~تعدية الفعل إلى المفعول به، لأن الغرفة هي العين المغترفة. فهذا بمنزلة ~~إلا من اغترف ماء، وكان أبو علي يرجح ضم الغين، ورجحه الطبري أيضا من جهة ~~أن «غرفة» بالفتح إنما هو مصدر على غير اغتراف، ثم أخبر تعالى عنهم أن ~~الأكثر شرب وخالف ما أريد منه، وروي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أن القوم ~~شربوا على قدر يقينهم. فشرب الكفار شرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، ~~وانصرف من ms0394 القوم ستة وسبعون ألفا، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا، وأخذ ~~بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برح به العطش، وأما من ترك الماء ~~فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. # قوله عز وجل: # فلما جاوزه هو والذين ... # «جاوز» فاعل من جاز يجوز. وهي مفاعلة من اثنين في كل موضع. لأن النهر وما ~~أشبهه كأنه PageV01P335 # يجاوز. واختلف الناس في الذين آمنوا معه كم كانوا؟ فقال البراء بن عازب: ~~كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ~~ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وفي رواية: وثلاثة عشر رجلا، وما جاوز معه إلا ~~مؤمن، وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ~~يوم بدر: «أنتم كعدة أصحاب طالوت» ، وقال السدي وابن عباس: بل جاوز معه ~~أربعة آلاف رجل، قال ابن عباس: فيهم من شرب، قالا: فلما نظروا إلى جالوت ~~وجنوده قالوا: لا طاقة لنا اليوم، ورجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة ~~وثمانون، هذا نص قول السدي ومعنى قول ابن عباس، فعلى القول الأول قالت ~~الجملة: لا طاقة لنا اليوم، على جهة استكثار العدو. فقال أهل الصلابة منهم ~~والتصميم والاستماتة: كم من فئة قليلة الآية، وظن لقاء الله على هذا القول ~~يحسن أن يكون ظنا على بابه، أي يظنون أنهم يستشهدون في ذلك اليوم لعزمهم ~~على صدق القتال، كما جرى لعبد الله بن حرام في يوم أحد، ولغيره، وعلى القول ~~الثاني قال كثير من الأربعة الآلاف: لا طاقة لنا على جهة الفشل والفزع من ~~الموت، وانصرفوا عن طالوت، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله ~~وهم عدة أهل بدر: كم من فئة قليلة والظن على هذا بمعنى اليقين، وهو فيما لم ~~يقع بعد ولا خرج إلى الحس. # قال القاضي أبو محمد: وما روي عن ابن عباس من أن في الأربعة الآلاف من ~~شرب يرد عليه قوله تعالى: هو والذين آمنوا معه، وأكثر المفسرين على أنه ~~إنما جاوز النهر من لم يشرب إلا غرفة ms0395 ومن لم يشرب جملة، ثم كانت بصائر ~~هؤلاء مختلفة، فبعض كع وقليل صمم، وقرأ أبي بن كعب «كأين من فئة» ، والفئة ~~الجماعة التي يرجع إليها في الشدائد، من قولهم: فاء يفيء إذا رجع، وقد يكون ~~الرجل الواحد فئة تشبيها، والملك فئة الناس، والجبل فئة، والحصن، كل ذلك ~~تشبيه، وفي قولهم رضي الله عنهم: كم من فئة الآية، تحريض بالمثال وحض ~~واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربه، و «إذن الله» هنا تمكينه وعلمه، ~~فمجموع ذلك هو الإذن، والله مع الصابرين بنصره وتأييده. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 250 الى 251] # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه ~~الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (251) # برزوا معناه: صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع، و «جالوت» اسم ~~أعجمي معرب، والإفراغ أعظم الصب، كأنه يتضمن عموم المفرغ عليه، والهزم أصله ~~أن يضرب الشيء فيدخل بعضه في بعض، وكذلك الجيش الذي يرد يركب ردعه، ثم قيل ~~في معنى الغلبة: هزم، وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم، وكان فيما روي في ~~ثلاثمائة ألف فارس. # وروي في قصة داود وقتله جالوت، أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود وهم ~~بنو إيشى، وكان داود صغيرا يرعى غنما لأبيه، فلما حضرت الحرب قال في نفسه: ~~لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فلما نهض PageV01P336 # مر في طريقه بحجر فناداه: يا داود، خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر ~~آخر، ثم آخر، ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فلما حضر الناس، خرج ~~جالوت يطلب مبارزا فكع الناس عنه حتى قال طالوت: # من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه بنتي وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال: أنا ~~أبرز له وأقتله، فقال له طالوت: # فاركب فرسي، وخذ سلاحي، ففعل، وخرج في أحسن شكة فلما مشى قليلا رجع. فقال ~~الناس: جبن الفتى، فقال داود: إن الله إن ms0396 لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني ~~هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. # قال: وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ ~~مقلاعه، وخرج إلى جالوت وهو شاك في سلاحه، فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج ~~إلي، قال: نعم. قال: هكذا كما يخرج إلى الكلب. قال: نعم وأنت أهون. قال: ~~لأطعمن اليوم لحمك الطير والسباع، ثم تدانيا فأدار داود مقلاعه، وأدخل يده ~~إلى الحجارة فروي أنها التأمت فصارت حجرا واحدا فأخذه فوضعه في المقلاع ~~وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في ~~مخلاته واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت وكانت الهزيمة، ثم إن داود جاء يطلب ~~شرطه من طالوت، فقال له: إن بنات الملوك لهن غرائب من المهر، ولا بد لك من ~~قتل مائتين من هؤلاء الجراجمة الذين يؤذون الناس، وتجيئني بغلفهم وطمع ~~طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه النزعة فقتل داود منهم مائتين، وجاء بذلك ~~وطلب امرأته فدفعها إليه طالوت، وعظم أمر داود، فيروى أن طالوت تخلى له عن ~~الملك وصار هو الملك، ويروى أن بني إسرائيل غلبت طالوت على ذلك بسبب أن ~~داود قتل جالوت، وكان سبب الفتح، وروي أن طالوت أخاف داود حتى هرب منه فكان ~~في جبل إلى أن مات طالوت فذهبت بنو إسرائيل إلى داود فملكته أمرها، وروي أن ~~نبي الله سمويل أوحى الله إليه أن يذهب إلى إيشى ويسأله أن يعرض عليه بنيه ~~فيدهن الذي يشار إليه بدهن القدس ويجعله ملك بني إسرائيل. والله أعلم أي ~~ذلك كان، غير أنه يقطع من ألفاظ الآية على أن داود صار ملك بني إسرائيل. ~~وقد روي في صدر هذه القصة: أن داود كان يسير في مطبخة طالوت ثم كلمه حجر ~~فأخذه فكان ذلك سبب قتله جالوت ومملكته، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، ~~وذلك كله لين الأسانيد، فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية وتعلم به مناقل ~~النازلة واختصرت سائر ذلك، وأما الحكمة ms0397 التي آتاه الله فهي النبوة والزبور ~~وقال السدي: آتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون والذي علمه هي صنعة الدروع ~~ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع علمه صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: # ولولا دفع الله ... # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة ~~على مر الدهر لفسدت PageV01P337 # الأرض # ، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي ~~الزمان من قائم بحق، وداع إلى الله ومقاتل عليه، إلى أن جعل ذلك في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، له الحمد كثيرا. قال مكي: وأكثر ~~المفسرين على أن المعنى لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي ~~عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس هذا معنى الآية ولا هي ~~منه في ورد ولا صدر، والحديث الذي رواه ابن عمر صحيح، وما ذكر مكي من ~~احتجاج ابن عمر عليه بالآية لا يصح عندي لأن ابن عمر من الفصحاء، وقرأ أبو ~~عمرو وابن كثير: ولولا دفع الله، وفي الحج إن الله يدافع [الآية: 38] ، ~~وقرأ نافع «ولولا دفاع الله» ، «وإن الله يدافع» ، وقرأ الباقون ولولا دفع ~~الله «وإن الله يدافع» ففرقوا بينهما، والدفاع يحتمل أن يكون مصدر دفع ككتب ~~كتابا ولقي لقاء، ويحتمل أن يكون مصدر دافع كقاتل قتالا، قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 252] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) # والإشارة بتلك إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصة بجملتها مثال ~~عظيم للمؤمنين ومعتبر، وقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معدين لحرب ~~الكفار، فلهم في هذه النازلة معتبر يقتضي تقوية النفوس والثقة بالله وغير ~~ذلك من وجوه العبرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 253] # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ms0398 ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) # الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس تلك رفع بالابتداء، والرسل خبره، ~~ويجوز أن يكون الرسل عطف بيان وفضلنا الخبر، وتلك إشارة إلى جماعة مؤنثة ~~اللفظ، ونص الله في هذه الآية على تفضيل بعض الأنبياء على بعض وذلك في ~~الجملة دون تعيين مفضول. وهكذا هي الأحاديث عن النبي عليه السلام. فإنه ~~قال: «أنا سيد ولد آدم» ، وقال: «لا تفضلوني على موسى» ، وقال: «لا ينبغي ~~لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» ، وفي هذا نهي شديد عن تعيين ~~المفضول، لأن يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ تحت أعباء النبوءة، فإذا كان ~~هذا التوقف فيه لمحمد وإبراهيم ونوح فغيره أحرى، فربط الباب أن التفضيل ~~فيهم على غير تعيين المفضول، وقد قال أبو هريرة: خير ولد آدم نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ومحمد وهم أولو العزم والمكلم موسى صلى الله عليه وسلم. # وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال نعم نبي ~~مكلم، وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصة ~~موسى، وقوله تعالى: ورفع بعضهم درجات قال مجاهد وغيره: هي إشارة إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث إلى الناس كافة وأعطي الخمس التي لم يعطها ~~أحد قبله، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات إلى غير ذلك من الخلق ~~العظيم الذي أعطاه الله، ومن معجزاته وباهر آياته، ويحتمل اللفظ أن يراد به ~~محمد وغيره ممن عظمت آياته ويكون الكلام تأكيدا للأول، ويحتمل أن يريد رفع ~~إدريس المكان العلي ومراتب الأنبياء في السماء فتكون PageV01P338 # الدرجات في المسافة ويبقى التفضيل مذكورا في صدر الآية فقط، وبينات عيسى ~~عليه السلام هي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وخلق الطير من الطين، ~~و «روح ms0399 القدس» جبريل عليه السلام، وقد تقدم ما قال العلماء فيه. # قوله عز وجل: # ولو شاء الله ... # ظاهر اللفظ في قولهم: من بعدهم يعطي أنه أراد القوم الذين جاؤوا من بعد ~~جميع الرسل، وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي فلف ~~الكلام لفا يفهمه السامع، وهذا كما تقول: # اشتريت خيلا، ثم بعتها، فجائزة لك هذه العبارة وأنت اشتريت فرسا ثم بعته، ~~ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل ~~نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا، وعلى حطام الدنيا، وذلك كله ~~بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان. ولكنه المستأثر ~~بسر الحكمة في ذلك. الفعال لما يريد، فاقتتلوا بأن قاتل المؤمنون الكافرين ~~على مر الدهر. وذلك هو دفع الله الناس بعضهم ببعض. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 254] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) # قال ابن جريج: هذه الآية تجمع الزكاة والتطوع، وهذا كلام صحيح فالزكاة ~~واجبة والتطوع مندوب إليه، وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر ~~من سبيل وصلة رحم، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع ~~بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ~~ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: والكافرون هم الظالمون، أي فكافحوهم بالقتال ~~بالأنفس وإنفاق الأموال، وندب الله تعالى بهذه الآية، إلى إنفاق شيء مما ~~أنعم به وهذه غاية التفضل فعلا وقولا، وحذر تعالى من الإمساك، إلى أن يجيء ~~يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك بنفقة في ذات الله، إذ هي مبايعة ~~على ما قد فسرناه في قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله [البقرة: 245] ، أو ~~إذ البيع فدية لأن المرء قد يشتري نفسه ومراده بماله، وكأن معنى الآية معنى ~~سائر الآي التي تتضمن إلا فدية يوم القيامة. ms0400 # وأخبر الله تعالى بعدم الخلة يوم القيامة، والمعنى: خلة نافعة تقتضي ~~المساهمة، كما كانت في الدنيا، وأهل التقوى بينهم في ذلك اليوم خلة ولكنها ~~غير محتاج إليها. وخلة غيرهم لا تغني من الله شيئا. # وأخبر تعالى أن الشفاعة أيضا معدومة في ذلك اليوم، فحمل الطبري ذلك على ~~عموم اللفظ وخصوص المعنى، وأن المراد ولا شفاعة للكفار. وهذا لا يحتاج ~~إليه. بل الشفاعة المعروفة في الدنيا وهي PageV01P339 # انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده مرتفعة يوم القيامة البتة. ~~وإنما توجد شفاعة بإذن الله تعالى. فحقيقتها رحمة من الله تعالى. لكنه شرف ~~الذي أذن له في أن يشفع، وإنما المعدوم مثل حال الدنيا من البيع والخلة ~~والشفاعة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة» بالنصب ~~في كل ذلك بلا تنوين، وكذلك في سورة إبراهيم لا بيع فيه ولا خلال [الآية: ~~31] ، وفي الطور: لا لغو فيها ولا تأثيم [الآية: 23] ، وقرأ الباقون جميع ~~ذلك بالرفع والتنوين، والظالمون واضعو الشيء في غير موضعه. وقال عطاء بن ~~دينار: الحمد لله الذي قال: والكافرون هم الظالمون ولم يقل: الظالمون هم ~~الكافرون. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 255] # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) # هذه سيدة آي القرآن، ورد ذلك في الحديث ورود أنها تعدل ثلث القرآن، وورد ~~أن من قرأها أول ليله لم يقربه شيطان، وكذلك من قرأها أول نهاره. وهذه ~~متضمنة التوحيد والصفات العلى، والله مبتدأ، ولا إله مبتدأ ثان، وخبره ~~محذوف تقديره معبود أو موجود، وإلا هو بدل من موضع لا إله، والحي صفة من ~~صفات الله تعالى ذاتية، وذكر الطبري، عن قوم أنهم قالوا: الله تعالى حي لا ~~بحياة. وهذا قول المعتزلة وهو قول ms0401 مرغوب عنه، وحكي عن قوم أنه حي بحياة هي ~~صفة له، وحكي عن قوم أنه يقال حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، ~~والقيوم فيعول من القيام أصله قيووم اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما ~~بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء، وقيوم بناء مبالغة ~~أي: هو القائم على كل أمر بما يجب له، وبهذا المعنى فسره مجاهد والربيع ~~والضحاك، وقرأ ابن مسعود وعلقمة وإبراهيم النخعي والأعمش: «الحي القيام» ~~بالألف ثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة أو نوم، وفي لفظ الأخذ غلبة ما، فلذلك ~~حسنت في هذا الموضع بالنفي، والسنة بدء النعاس، وهو فتور يعتري الإنسان ~~وترنيق في عينيه، وليس يفقد معه كل ذهنه، والنوم هو المستثقل الذي يزول معه ~~الذهن، والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا تدركه آفة ولا يلحقه خلل بحال ~~من الأحوال، فجعلت هذه مثالا لذلك وأقيم هذا المذكور من الآفات مقام ~~الجميع، وهذا هو مفهوم الخطاب كما قال تعالى: فلا تقل لهما أف [الإسراء: ~~23] ، ومما يفرق بين الوسن والنوم قول عدي بن الرقاع: [الكامل] # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # وبهذا المعنى في السنة فسر الضحاك والسدي، وقال ابن عباس وغيره: السنة ~~النعاس، وقال ابن زيد: الوسنان، الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل حتى ربما ~~جرد السيف على أهله. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا الذي قال ابن زيد فيه ~~نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب، وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على PageV01P340 # المنبر قال: «وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه؟ فأرسل الله إليه ~~ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما، ~~قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى ~~نام نومة فاصطفقت فانكسرت القارورتان» قال: ضرب الله مثلا أن لو كان ينام ~~لم تستمسك السماء والأرض، وقوله تعالى: ms0402 له ما في السماوات وما في الأرض أي ~~بالملك. فهو مالك الجميع وربه، وجاءت العبارة ب ما وإن كان في الجملة من ~~يعقل من حيث المراد الجملة والموجود، ثم قرر ووقف تعالى على من يتعاطى أن ~~يشفع عنده أو يتعاطى ذلك فيه إلا أن يأذن هو في ذلك لا إله إلا هو وقال ~~الطبري: هذه الآية نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى، فقال الله: له ما في السماوات وما في الأرض الآية وتقرر في ~~هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة وهنا هم الأنبياء والعلماء ~~وغيرهم، والإذن هنا راجع إلى الأمر فيما نص عليه، كمحمد صلى الله عليه وسلم ~~إذا قيل له: واشفع تشفع وإلى العلم والتمكين إن شفع أحد من الأنبياء ~~والعلماء قبل أن يؤمر، والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل ~~إلى النار، وهو بين المنزلتين أو وصل ولكن له أعمال صالحة. # وفي البخاري، في باب بقية من باب الرؤية، أن المؤمنين يقولون: ربنا ~~إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فهذه شفاعة فيمن يقرب ~~أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطئ على باب الجنة الحديث، وهذا إنما هو في ~~قرابتهم ومعارفهم وأن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم ~~بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في ~~المستغرقين بالذنوب الذين لم تنلهم شفاعة الأنبياء. # وأما شفاعة محمد في تعجيل الحساب فخاصة له، وهي الخامسة التي في قوله: ~~«وأعطيت الشفاعة» وهي عامة للناس، والقصد منها إراحة المؤمنين، ويتعجل ~~للكفار منها المصير إلى العذاب، وكذلك إنما يطلبها إلى الأنبياء المؤمنون، ~~والضميران في قوله: أيديهم وما خلفهم عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه ~~قوله: له ما في السماوات وما في الأرض، وقال مجاهد ما بين أيديهم الدنيا ~~وما خلفهم الآخرة، وهذا صحيح في نفسه عند موت الإنسان، لأن ما بين اليد هو ~~كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما ms0403 يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قاله ~~السدي وغيره. # قوله عز وجل: # ولا يحيطون بشيء من علمه # # قوله تعالى: ولا يحيطون بشيء من علمه معناه: من معلوماته، وهذا كقول ~~الخضر لموسى عليهما السلام حين نقر العصفور من حرف السفينة: ما نقص علمي ~~وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، فهذا وما شاكله ~~راجع إلى المعلومات، لأن علم الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، ومعنى ~~الآية: لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه، واختلف الناس في الكرسي ~~الذي وصفه الله PageV01P341 # تعالى بأنه وسع السموات والأرض، فقال ابن عباس: كرسيه علمه، ورجحه ~~الطبري: وقال: منه الكراسة للصحائف التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء ~~الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، وهذه الألفاظ تعطي ~~نقض ما ذهب إليه من أن الكرسي العلم، قال الطبري: ومنه قول الشاعر: # تحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسي بالأحداث حين تنوب # يريد بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها، وقال أبو موسى الأشعري: الكرسي ~~موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل، وقال السدي: هو موضع قدميه. # قال القاضي أبو محمد: وعبارة أبي موسى مخلصة لأنه يريد هو من عرش الرحمن ~~كموضع القدمين في أسرة الملوك، وهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه ~~نسبة الكرسي إلى سرير الملك، والكرسي هو موضع القدمين، وأما عبارة السدي ~~فقلقة، وقد مال إليها منذر البلوطي وتأولها بمعنى: ما قدم من المخلوقات على ~~نحو ما تأول في قول النبي عليه السلام وفي كتاب الله، وأما في عبارة مفسر ~~فلا، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسي هو العرش نفسه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي تقتضيه الأحاديث أن ~~الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس، ~~وقال أبوذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما الكرسي في العرش ~~إلا كحلقة من حديد ms0404 ألقيت في فلاة من الأرض، وهذه الآية منبئة عن عظم ~~مخلوقات الله تعالى، والمستفاد من ذلك عظم قدرته إذ لا يؤده حفظ هذا الأمر ~~العظيم، ويؤده: معناه يثقله، يقال آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه ~~مشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وروي عن الزهري ~~وأبي جعفر والأعرج بخلاف عنهم، تخفيف الهمزة التي على الواو الأولى، جعلوها ~~بين بين لا تخلص واوا مضمومة ولا همزة محققة، كما قيل في لؤم لوم، والعلي: ~~يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز، وحكى ~~الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا قول جهلة مجسمين، وكان ~~الوجه أن لا يحكى وكذا العظيم هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى ~~عظم الأجرام، وحكى الطبري عن قوم: أن العظيم معناه المعظم، كما يقال العتيق ~~بمعنى المعتق وأنشد قول الأعشى: # وكأن الخمر العتيق من الاس ... فنط ممزوجة بماء زلال # وذكر عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون ~~عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم، إذ لا معظم له حينئذ. # قوله عز وجل: PageV01P342 ### || [سورة البقرة (2) : آية 256] # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) # الدين في هذه الآية المعتقد والملة، بقرينة قوله قد تبين الرشد من الغي، ~~والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغير ذلك ليس هذا ~~موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ~~فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هنا هو في تفسير المعتقد من الملل والنحل ~~فاختلف الناس في معنى الآية، فقال الزهري: سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى: ~~لا إكراه في الدين فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ~~لا يكره أحدا في ms0405 الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في ~~قالتهم فأذن له، قال الطبري والآية منسوخة في هذا القول. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويلزم على هذا، أن الآية ~~مكية، وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف، وقال قتادة والضحاك ~~بن مزاحم: هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ~~ويؤدونها عن يد صغرة، قالا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل ~~العرب أهل الأوثان لا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله أو السيف، ثم أمر فيمن ~~سواهم أن يقبل الجزية، ونزلت فيهم لا إكراه في الدين. # قال القاضي أبو محمد: وعلى مذهب مالك في أن الجزية تقبل من كل كافر سوى ~~قريش أي نوع كان، فتجيء الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ~~ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: ~~إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة تكون مقلاة لا ~~يعيش لها ولد، فكانت تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان في بني ~~النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~النضير قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا، إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن ~~دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذ جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، فنزلت ~~لا إكراه في الدين الآية، وقال بهذا القول عامر الشعبي ومجاهد، إلا أنه قال ~~كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع، وقال السدي نزلت الآية في رجل من ~~الأنصار يقال له أبو حصين، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة ~~يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى ~~النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مشتكيا أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~يردهما، فنزلت لا إكراه في الدين، ولم يؤمر يومئذ بقتال ms0406 أهل الكتاب، وقال: ~~أبعدهما الله هما أول من كفر، فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله جل ثناؤه فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم [النساء: 65] ، ثم إنه نسخ لا إكراه في ~~الدين، فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. # قال القاضي أبو محمد: والصحيح في سبب قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون، ~~حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي، وقوله تعالى: قد تبين الرشد ~~من الغي معناه بنصب الأدلة ووجود الرسول الداعي إلى الله والآيات المنيرة، ~~والرشد مصدر من قولك رشد بكسر الشين وضمها يرشد رشدا PageV01P343 # ورشدا ورشادا، والغي مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال ~~الذي في الضلال على الإطلاق، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «الرشاد» بالألف، ~~وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد «الرشد» بفتح الراء والشين. وروي عن الحسن ~~«الرشد» بضم الراء والشين، و «الطاغوت» بناء مبالغة من طغى يطغى، وحكى ~~الطبري «يطغو» إذا جاوز الحد بزيادة عليه، وزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه ~~اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للكثير والقليل، ومذهب أبي على أنه مصدر كرهبوت ~~وجبروت وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه موضع ~~اللام فقيل: طاغوت، وقال المبرد: هو جمع، وذلك مردود. # واختلف المفسرون في معنى «الطاغوت» ، فقال عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي ~~والضحاك وقتادة والسدي: «الطاغوت» : الشيطان. وقال ابن سيرين وأبو العالية: ~~«الطاغوت» : الساحر، وقال سعيد بن جبير ورفيع وجابر بن عبد الله وابن جريج: ~~«الطاغوت» : الكاهن. قال أبو محمد: وبين أن هذه أمثلة في الطاغوت لأن كل ~~واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله، وقال قوم: «الطاغوت» : # الأصنام، وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. # قال القاضي أبو محمد: وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ~~ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام ومن لا يعقل ~~كالأوثان فسميت طاغوتا ms0407 في حق العبدة، وذلك مجاز. إذ هي بسبب الطاغوت الذي ~~يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان، وقدم تعالى ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان ~~بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت. و «العروة» في الأجرام وهي ~~موضع الإمساك وشد الأيدي. واستمسك معناه قبض وشد يديه، والوثقى فعلى من ~~الوثاقة، وهذه الآية تشبيه، واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه ~~بالعروة، فقال مجاهد: العروة الإيمان. وقال السدي: الإسلام. وقال سعيد بن ~~جبير والضحاك: العروة لا إله إلا الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد، والانفصام: ~~الانكسار من غير بينونة، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه، والفصم كسر ~~ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة، ومن ذلك قول ذي الرمة: ~~[البسيط] # كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم # ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده ~~القلب حسن في الصفات سميع من أجل النطق وعليم من أجل المعتقد. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 257] # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(257) # ال ولي فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه، فإذا لازم أحد أحدا بنصره ~~ووده واهتباله فهو وليه، PageV01P344 # هذا عرفه في اللغة. قال قتادة: الظلمات الضلالة. والنور الهدى. وبمعناه ~~قال الضحاك والربيع. # وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة إن قوله: الله ولي الذين آمنوا الآية نزلت ~~في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به فذلك إخراجهم من ~~النور إلى الظلمات. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فكأن هذا القول أحرز نورا في ~~المعتقد خرج منه إلى ظلمات. ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص. بل هو مترتب ~~في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب. # ومترتب في الناس جميعا. وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمات ~~الكفر إلى نور الإيمان. ومن كفر بعد وجود الداعي النبي المرسل فشيطانه ms0408 ~~ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان، إذ هو معد وأهل للدخول فيه. وهذا كما تقول ~~لمن منعك الدخول في أمر ما: أخرجتني يا فلان من هذا الأمر وإن كنت لم تدخل ~~فيه البتة. # ولفظة الطاغوت في هذه الآية تقتضي أنه اسم جنس، ولذلك قال أولياؤهم ~~بالجمع، إذ هي أنواع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، أولياؤهم الطواغيت، يعني ~~الشياطين، وحكم عليهم بالخلود في النار لكفرهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 258] # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(258) # ألم تر تنبيه، وهي رؤية القلب، وقرأ علي بن أبي طالب «ألم تر» بجزم ~~الراء، والذي حاج إبراهيم هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك ~~زمانه وصاحب النار والبعوضة، هذا قول مجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن ~~إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم. وقال ابن جريج: هو أول ملك في الأرض وهذا ~~مردود. وقال قتادة: هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل. وقيل: إنه ملك ~~الدنيا بأجمعها ونفذت فيها طينته وهو أحد الكافرين. والآخر بخت نصر. وقيل: ~~إن الذي حاج إبراهيم نمرود بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن ~~نوح، وفي قصص هذه المحاجة روايتان إحداهما: ذكر زيد بن أسلم أن النمرود هذا ~~قعد يأمر للناس بالميرة فكلما جاء قوم قال: من ربكم وإلهكم؟ # فيقولون: أنت، فيقول: ميروهم وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار، فقال له من ~~ربك وإلهك؟ قال قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، فلما سمعها نمرود قال: ~~أنا أحيي وأميت، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس، فبهت الذي كفر، وقال: لا ~~تميروه، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء، فمر على كثيب من رمل كالدقيق، فقال ~~لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهما، فذهب بذلك ms0409 ~~فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلا يلعبان فوق الغرارتين ونام هو من ~~الإعياء، فقالت امرأته: لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه، ففتحت إحدى ~~الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحواري فخبرته، فلما PageV01P345 # قام وضعته بين يديه فقال: من أين هذا؟ فقالت من الدقيق الذي سقت، فعلم ~~إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك، وقال الربيع وغيره في هذه القصص: ان ~~النمرود لما قال: أنا أحيي وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر وقال: ~~قد أحييت هذا وأمت هذا، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت، والرواية الأخرى ذكر ~~السدي: أنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل ~~عليه، فكلمه وقال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: أنا ~~أحيي وأميت، أنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون، ~~حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا، وتركت اثنين فماتا، فعارضه ~~إبراهيم بالشمس فبهت. وذكر الأصوليون في هذه الآية: أن إبراهيم عليه السلام ~~وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة، لكنه أمر له حقيقة ~~ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام الحقيقة، ففزع نمرود إلى المجاز وموه به ~~على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه من المثال، وجاءه بأمر ~~لا مجاز فيه، فبهت الذي كفر، ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق، ~~لأن ذوي الأسنان يكذبونه. وقوله حاج وزنه «فاعل» من الحجة أي جاذبه إياها ~~والضمير في ربه يحتمل أن يعود على إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن يعود على ~~الذي حاج، وأن مفعول من أجله والضمير في آتاه للنمرود، وهذا قول جمهور ~~المفسرين، وقال المهدوي: يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك ~~النبوءة، وهذا تحامل من التأويل، وقرأ جمهور القراء أن أحيي بطرح الألف ~~التي بعد النون من أنا إذا وصلوا في كل القرآن غير نافع، فإن ورشا وابن أبي ~~أويس وقالون رأوا إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن، ms0410 مثل أنا ~~أحيي أنا أخوك إلا في قوله تعالى: إن أنا إلا نذير [الأعراف: 188] ~~[الشعراء: 115] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء وتابع أصحابه في ~~حذفها عند غير همزة، قال أبو علي: ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون ثم ~~إن الألف تلحق في الوقف كما تلحق الهاء أحيانا في الوقف فإذا اتصلت الكلمة ~~التي هي فيها بشيء سقطت الهاء فكذلك الألف، وهي مثل ألف حيهلا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال الألف التي تلحق في القوافي، فتأمل. قال ~~أبو علي: فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطت الألف، لأن الشيء الذي تتصل به ~~الكلمة يقوم مقام الألف، وقد جاءت الألف مثبتة في الوصل في الشعر من ذلك ~~قول الشاعر: # أنا شيخ العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذريت السناما # وقرأ الجمهور: «فبهت» الذي بضم الباء وكسر الهاء، يقال بهت الرجل: إذا ~~انقطع وقامت عليه الحجة. قال ابن سيده: ويقال في هذا المعنى: «بهت» بفتح ~~الباء وكسر الهاء، «وبهت» بفتح الباء وضم الهاء. قال الطبري: وحكي عن بعض ~~العرب في هذا المعنى، «بهت» بفتح الباء والهاء. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ~~ابن ملول دون تقييد بفتح الباء والهاء، قال ابن جني: قرأ أبو حيوة: «فبهت» ~~بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء، قال: وقرأ ابن السميفع: ~~«فبهت» بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع PageV01P346 # نصب، قال: وقد يجوز أن يكون «بهت» بفتحهما لغة في بهت. قال: وحكى أبو ~~الحسن الأخفش قراءة «فبهت» بكسر الهاء كخرق ودهش، قال: والأكثر بالضم في ~~الهاء، قال ابن جني: يعني أن الضم يكون للمبالغة، قال الفقيه أبو محمد: وقد ~~تأول قوم في قراءة من قرأ فبهت بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو ~~الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة، وقوله تعالى: والله لا يهدي ~~القوم الظالمين، إخبار لمحمد عليه السلام وأمته. # والمعنى: لا يرشدهم في حججهم على ظلمهم، ms0411 لأنه لا هدى في الظلم، فظاهره ~~العموم، ومعناه الخصوص، كما ذكرنا، لأن الله قد يهدي الظالمين بالتوبة ~~والرجوع إلى الإيمان. ويحتمل أن يكون الخصوص فيمن يوافي ظالما. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 259] # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) # عطفت أو في هذه الآية على المعنى، لأن مقصد التعجيب في قوله: ألم تر إلى ~~الذي حاج [الآية: 258] يقتضي أن المعنى أرأيت كالذي حاج، ثم جاء قوله أو ~~كالذي، عطفا على ذلك المعنى، وقرأ أبو سفيان بن حسين «أو كالذي مر» بفتح ~~الواو، وهي واو عطف دخل عليها ألف التقرير، قال سليمان بن بريدة وناجية بن ~~كعب وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك: الذي مر على القرية هو عزير، ~~وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وبكر بن مضر: هو أرمياء، وقال ~~ابن إسحاق: # أرمياء هو الخضر وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، قال الفقيه أبو محمد: وهذا ~~كما تراه، إلا أن يكون اسما وافق اسما لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر ~~على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما روى وهب بن منبه، وحكى مكي عن ~~مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى، قال النقاش: ويقال هو غلام لوط ~~عليه السلام. قال أبو محمد: واختلف في القرية أيما هي؟ فحكى النقاش أن قوما ~~قالوا هي المؤتفكة. وقال ابن زيد: إن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ~~حذر الموت فقال لهم الله: # موتوا [البقرة: 243] مر عليهم رجل وهم عظام تلوح، فوقف ينظر فقال: أنى ~~يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة ms0412 عام، وترجم الطبري على هذا القصص ~~بأنه قول بأن القرية التي مر عليها هي التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ~~ديارهم. # قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد لا يلائم الترجمة، لأن الإشارة بهذه ~~على مقتضى الترجمة هي إلى المكان، وعلى نفس القول هي إلى العظام والأجساد. ~~وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية ~~لا أنيس فيها. والإشارة بهذه إنما هي إلى القرية، وإحياؤها إنما هو ~~بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك وعكرمة ~~والربيع: القرية بيت المقدس لما خربها بخت نصر البابلي في الحديث الطويل. ~~حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف أرمياء أو عزير على القرية وهي كالتل ~~العظيم وسط بيت المقدس لأن بخت نصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله PageV01P347 # كالجبل، ورأى أرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها، والعريش سقف ~~البيت وكل ما يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ومنه عريش الدالية والثمار، ومنه ~~قوله تعالى: ومما يعرشون، [النحل: 68] قال السدي: يقول هي ساقطة على سقفها ~~أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غير السدي: # معناه خاوية من الناس على العروش أي على البيوت، وسقفها عليها لكنها خوت ~~من الناس والبيوت قائمة، قال أبو محمد: وانظر استعمال العريش مع على، في ~~الحديث في قوله، وكان المسجد يومئذ على عريش في أمر ليلة القدر، وخاوية ~~معناه خالية، يقال خوت الدار تخوي خواء وخويا ويقال خويت قال الطبري: ~~والأول أفصح وقوله: أنى يحيي هذه الله بعد موتها معناه من أي طريق وبأي ~~سبب؟ وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان كما يقال الآن في ~~المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على ~~مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته، وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما ~~سأل عنه، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله، إنما ~~كان عن إحياء الموتى من بني آدم، ms0413 أي أنى يحيي الله موتاها، وقد حكى الطبري ~~عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكا في قدرة الله على الإحياء، فلذلك ضرب ~~له المثل في نفسه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس يدخل شك في قدرة الله ~~على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه ~~الآخر، والصواب أن لا يتأول في الآية شك، وروي في قصص هذه الآية أن بني ~~إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي فقتلهم وجلاهم ~~من بيت المقدس فخربه، فلما ذهب عنه جاء أرمياء فوقف على المدينة معتبرا ~~فقال، أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ قال: فأماته الله تعالى وكان معه حمار ~~قد ربطه بحبل جديد وكان معه سلة فيها تبن وهو طعامه، وقيل تبن وعنب، وكان ~~معه ركوة من خمر، وقيل من عصير وقيل، قلة ماء هي شرابه، وبقي ميتا مائة ~~عام، فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار، وأن ~~الحمار بقي حيا مربوطا لم يمت ولا أكل شيئا ولا بليت رمته، وروي أن الحمار ~~بلي وتفرقت أوصاله دون عزير، وروي أن الله بعث إلى تلك القرية من عمرها ورد ~~إليها جماعة بني إسرائيل حيث كملت على رأس مائة سنة، وحينئذ حيي عزير، وروي ~~أن الله رد عليه عينيه وخلق له حياة يرى بها كيف تعمر القرية ويحيى مدة من ~~ثلاثين سنة تكملة المائة، لأنه بقي سبعين ميتا كله، وهذا ضعيف ترد عليه ~~ألفاظ الآية. وقوله تعالى: ثم بعثه، معناه: أحياه وجعل له الحركة ~~والانتقال، فسأله الله تعالى بواسطة الملك كم لبثت؟ على جهة التقرير، وكم ~~في موضع نصب على الظرف، فقال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال ابن جريج وقتادة ~~والربيع: # أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب، فظن هذا اليوم واحدا فقال لبثت ~~يوما ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذبا فقال: أو بعض يوم فقيل له بل ~~لبثت مائة عام، ورأى ms0414 من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك قال ~~النقاش: العام مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس ~~في الفلك، والعوم كالسبح، وقال تعالى: وكل في فلك يسبحون [الأنبياء: 33] . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا معنى كلام النقاش. ~~والعام على هذا كالقول والقال. وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من ~~الجسد، وروي في قصص هذه الآية: أن الله بعث لها PageV01P348 # ملكا من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل: ~~أنى يحيي هذه الله بعد موتها وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع: لبثت في كل القرآن ~~بإظهار الثاء وذلك لتباين الثاء من مخرج التاء، وذلك أن الطاء والتاء ~~والدال من حيز، والظاء والذال والثاء المثلثة من حيز، وقرأ أبو عمرو وابن ~~عامر وحمزة والكسائي، بالإدغام في كل القرآن، أجروهما مجرى المثلى من حيث ~~اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان، ~~قال أبو علي: ويقوي ذلك وقوع هذين الحرفين في «روي قصيدة واحدة» . # قوله عز وجل: # فانظر إلى طعامك وشرابك ... # وقف في هذه الألفاظ على بقاء طعامه وشرابه على حاله لم يتغير، وعلى بقاء ~~حماره حيا على مربطه. هذا على أحد التأويلين. وعلى التأويل الثاني، وقف على ~~الحمار كيف يحيى وتجتمع عظامه. # وقرأ ابن مسعود: «وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه» ، وقرأ طلحة بن مصرف ~~وغيره: «وانظر إلى طعامك وشرابك لمائة سنة» ، قال أبو علي: واختلفوا في ~~إثبات الهاء في الفعل من قوله عز وجل: لم يتسنه واقتده [الأنعام: 90] ، وما ~~أغنى عني ماليه [الحاقة: 28] وسلطانيه [الحاقة: 29] وما أدراك ما هيه ~~[القارعة: 10] وإسقاطها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ~~ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في ~~الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذفها في يتسنه، واقتده، ~~ويثبتها في الباقي. ولم يختلفوا في حسابيه [الحاقة: 20- 26] وكتابيه ~~[الحاقة: 19- 25] أنهما بالهاء في الوقف والوصل، ويتسنه يحتمل ms0415 أن يكون من ~~تسنن الشيء إذا تغير وفسد، ومنه الحمأ المسنون في قول بعضهم. وقال الزجاج: ~~ليس منه وإنما المسنون المصبوب على سنة الأرض، فإذا كان من تسنن فهو لم ~~يتسنن. قلبت النون ياء كما فعل في تظننت، حتى قلت لم أتظنن، فيجيء تسنن ~~تسنى. ثم تحذف الياء للجزم فيجيء المضارع لم يتسن. ومن قرأها بالهاء على ~~هذا القول فهي هاء السكت. وعلى هذا يحسن حذفها في الوصل. ويحتمل يتسنه أن ~~يكون من السنة وهو الجدب. والقحط، وما أشبهه، يسمونه بذلك. وقد اشتق منه ~~فعل فقيل: استنوا، وإذا كان هذا أو من السنة التي هي العام على قول من ~~يجمعها سنوات فعلى هذا أيضا الهاء هاء السكت، والمعنى لم تغير طعامك القحوط ~~والجدوب ونحوه، أو لم تغيره السنون والأعوام. وأما من قال في تصغير السنة ~~سنيهة وفي الجمع سنهات، وقال أسنهت عند بني فلان وهي لغة الحجاز ومنها قول ~~الشاعر: # وليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح # فإن القراءة على هذه اللغة هي بإثبات الهاء ولا بد، وهي لام الفعل، وفيها ~~ظهر الجزم ب لم، PageV01P349 # وعلى هذا هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، وقد ذكر. وقرأ طلحة بن مصرف ~~«لم يسنه» على الإدغام. # وقال النقاش: لم يتسنه معناه: لم يتغير من قوله تعالى: ماء غير آسن ~~[محمد: 15] ، قال أبو محمد: ورد النحاة على هذا القول، لأنه لو كان من أسن ~~الماء لجاء لم يتأسن، وأما قوله تعالى: وانظر إلى حمارك، فقال وهب بن منبه ~~وغيره: المعنى وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءا جزءا. ويروى أنه أحياه ~~الله كذلك حتى صار عظاما ملتئمة، ثم كساه لحما حتى كمل حمارا، ثم جاء ملك ~~فنفخ في أنفه الروح، فقام الحمار ينهق، وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضا ~~أنهما قالا: بل قيل له وانظر إلى حمارك قائما في مربطه لم يصبه شيء مائة ~~سنة، قالا: وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه، قالا: # وأعمى الله العيون عن أرمياء وحماره طول ms0416 هذه المدة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وكثر أهل القصص في صورة هذه ~~النازلة تكثيرا اختصرته لعدم صحته، وقوله تعالى: ولنجعلك آية للناس معناه ~~لهذا المقصد من أن تكون آية فعلنا بك هذا، وقال الأعمش موضع كونه آية هو ~~أنه جاء شابا على حاله يوم مات، فوجد الحفدة والأبناء شيوخا، وقال عكرمة: ~~جاء وهو ابن أربعين سنة كما كان يوم مات، ووجد بنيه قد نيفوا على مائة سنة، ~~وقال غير الأعمش: بل موضع كونه آية أنه جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية ~~لمن كان حيا من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعا. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه أعظم ~~آية، وأمره كله آية للناس غابر الدهر، لا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض. ~~وأما العظام التي أمر بالنظر إليها فقد ذكرنا من قال: هي عظام نفسه، ومن ~~قال: هي عظام الحمار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «ننشرها» بضم النون ~~الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. «ننشزها» بالزاي، ~~وروى أبان عن عاصم «ننشرها» بفتح النون الأولى وضم الشين وبالراء، وقرأها ~~كذلك ابن عباس والحسن وأبو حيوة. # فمن قرأها «ننشرها» بضم النون الأولى وبالراء فمعناه نحييها. يقال أنشر ~~الله الموتى فنشروا، قال الله تعالى: # ثم إذا شاء أنشره [عبس: 22] . # وقال الأعشى: [السريع] يا عجبا للميت الناشر وقراءة عاصم: «ننشرها» بفتح ~~النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته ~~فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ~~ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطي، كأن الموت طي للعظام ~~والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: «ننشزها» ~~بالزاي فمعناه: نرفعها، والنشز المرتفع من الأرض، ومنه قول الشاعر: # ترى الثعلب الحولي فيها كأنه ... إذا ما علا نشزا حصان مجلل PageV01P350 # قال أبو علي وغيره: فتقديره ننشزها برفع بعضها إلى بعض للإحياء، ومنه ~~نشوز المرأة وقال الأعشى: ms0417 # [الطويل] قضاعية تأتي الكواهن ناشزا يقال نشز وأنشزته. # قال القاضي أبو محمد: ويقلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها ~~إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلا قلبلا، فكأنه وقف على نبات العظام ~~الرفات وخروج ما يوجد منها عند الاختراع، وقال النقاش: ننشزها معناه ~~ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت، من ذلك نشز ناب البعير، ~~والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشزت المرأة كأنها فارقت الحال التي ~~ينبغي أن تكون عليها، وقوله تعالى: وإذا قيل انشزوا فانشزوا [المجادلة: 11] ~~أي فارتفعوا شيئا شيئا كنشوز الناب. فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب ~~من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال أن يقال لمن ارتفع في حائط أو غرفة: # نشز. وقرأ النخعي «ننشزها» بفتح النون وضم الشين والزاي، وروي ذلك عن ابن ~~عباس وقتادة وقرأ أبي بن كعب: «كيف ننشيها» بالياء. والكسوة: ما وارى من ~~الثياب، وشبه اللحم بها، وقد استعاره النابغة للإسلام فقال: # الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا # وروي أنه كان يرى اللحم والعصب والعروق كيف تلتئم وتتواصل وقال الطبري: ~~المعنى في قوله: # فلما تبين له أي لما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل ~~عيانه، قال أعلم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ، وفسر على ~~القول الشاذ والاحتمال الضعيف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن ~~عامر: «أعلم أن» مقطوعة الألف مضمومة الميم. # وقرأ حمزة والكسائي: «قال اعلم أن الله» موصولة الألف ساكنة الميم. ~~وقرأها أبو رجاء، وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش، «قيل أعلم» . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فأما هذه فبينة المعنى أي ~~قال الملك له. والأولى بينة المعنى أي قال هو أنا أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير. وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري. بل هو قول ~~بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة الله: ~~الله لا ms0418 إله إلا هو ونحو هذا. وقال أبو علي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم ~~الذي لم أكن علمته. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يعني علم المعاينة، وأما ~~قراءة حمزة والكسائي فتحتمل وجهين أحدهما، قال الملك له «اعلم» ، والآخر أن ~~ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل، فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه: ~~«اعلم» وأنشد أبو علي في مثل هذا قول الأعشى: [البسيط] ودع هريرة إن الركب ~~مرتحل وألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا؟ [الطويل] PageV01P351 # وأمثلة هذا كثيرة وتأنس أبو علي في هذا المعنى بقول الشاعر: [الطويل] # تذكر من أنى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الآبل # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 260] # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) # العامل في إذ فعل مضمر تقديره واذكر. واختلف الناس لم صدرت هذه المقالة ~~عن إبراهيم عليه السلام؟ فقال الجمهور: إن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكا ~~في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة. وترجم الطبري في تفسيره ~~فقال: وقال آخرون سأل ذلك ربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى وأدخل ~~تحت الترجمة عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها، وذكر ~~عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ~~فقال: رب أرني كيف تحي الموتى؟ وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم. # الحديث. ثم رجح الطبري هذا القول الذي يجري مع ظاهر الحديث. وقال: إن ~~إبراهيم لما رأى الجيفة تأكل منها الحيتان ودواب البر ألقى الشيطان في نفسه ~~فقال: متى يجمع الله هذه من بطون هؤلاء؟ وأما من قال: بأن إبراهيم لم يكن ~~شاكا، فاختلفوا في سبب سؤاله، فقال قتادة: إن إبراهيم ms0419 رأى دابة قد توزعتها ~~السباع فعجب وسأل هذا السؤال. وقال الضحاك: نحوه، قال: وقد علم عليه السلام ~~أن الله قادر على إحياء الموتى، وقال ابن زيد: رأى الدابة تتقسمها السباع ~~والحيتان لأنها كانت على حاشية البحر، وقال ابن إسحاق، بل سببها أنه لما ~~فارق النمرود وقال له: أنا أحيي وأميت، فكر في تلك الحقيقة والمجاز، فسأل ~~هذا السؤال. وقال السدي وسعيد بن جبير: بل سبب هذا السؤال أنه لما بشر بأن ~~الله اتخذه خليلا أراد أن يدل بهذا السؤال ليجرب صحة الخلة، فإن الخليل يدل ~~بما لا يدل به غيره، وقال سعيد بن جبير: ولكن ليطمئن قلبي يريد بالخلة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما ترجم به الطبري عندي ~~مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأول، فأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن ~~حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ~~ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله، أولم تؤمن؟ أي إن الإيمان كاف لا يحتاج ~~بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما ~~يدخل قلوب الناس فمعناه من حب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ~~ما أخبرت به، ولهذا قال النبي عليه السلام: «ليس الخبر كالمعاينة» ، وأما ~~قول النبي عليه السلام نحن أحق بالشك من إبراهيم فمعناه: أنه لو كان شك ~~لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك، فإبراهيم عليه السلام أحرى أن لا يشك، ~~فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. والذي روي فيه عن النبي عليه السلام ~~أنه قال: ذلك محض PageV01P352 # الإيمان إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف ~~بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه ~~السلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم ~~به، يدلك على ذلك قوله: ربي الذي يحيي ويميت [البقرة: 258] فالشك يبعد على ~~من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة ms0420 النبوءة والخلة، والأنبياء ~~معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله ~~عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو ~~عن حال شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول، نحو قولك: كيف علم ~~زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال ~~عن حال من أحواله، وقد تكون كيف خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه، كيف نحو ~~قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، وكيف في هذه ~~الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا ~~بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء ~~يعلم أنها لا تصح، فليزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول ~~مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول له المكذب: أرني كيف ترفعه؟ فهذه طريقة ~~مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول افرض أنك ترفعه أرني كيف؟ ~~فلما كان في عبارة الخليل عليه السلام هذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ~~ذلك وحمله على أن يبين الحقيقة فقال له: أولم تؤمن قال بلى، فكمل الأمر ~~وتخلص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. # قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: أولم تؤمن معناه إيمانا مطلقا دخل فيه ~~فصل إحياء الموتى، والواو واو حال دخلت عليها ألف التقرير، وليطمئن معناه ~~ليسكن عن فكره، والطمأنينة اعتدال وسكون على ذلك الاعتدال فطمأنينة الأعضاء ~~معروفة، كما قال عليه السلام: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا» ، الحديث، ~~وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء ~~غير محظورة، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها، بل هي فكر فيها عبر، فأراد ~~الخليل أن يعاين، فتذهب فكره في صورة الإحياء، إذ حركه إلى ذلك إما أمر ~~الدابة المأكولة وإما قول النمرود: أنا أحيي وأميت، وقال الطبري: معنى ~~ليطمئن ليوقن. وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، ms0421 وحكي عنه ليزداد يقينا. وقاله ~~إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لأزداد إيمانا مع إيماني. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولا زيادة في هذا المعنى ~~تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلا فاليقين لا يتبعض، وروي أن الأربعة التي ~~أخذ إبراهيم هي الديك، والطاووس، والحمام، والغراب، ذكر ذلك ابن إسحاق عن ~~بعض أهل العلم الأول، وقاله مجاهد وابن جريج وابن زيد، وقال ابن عباس: مكان ~~الغراب الكركي. # وروي في قصص هذه الآية أن الخليل عليه السلام أخذ هذه الطير حسبما أمر ~~وذكاها ثم قطعها قطعا صغارا وجمع ذلك مع الدم والريش، ثم جعل من ذلك ~~المجموع المختلط جزءا على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء، وأمسك ~~رؤوس الطير في يده، ثم قال تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء PageV01P353 # وطار الدم إلى الدم، والريش إلى الريش، حتى التأمت كما كانت أولا وبقيت ~~بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعيا حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارت ~~بإذن الله تعالى، وقرأ حمزة وحده: «فصرهن إليك» بكسر الصاد، وقرأ الباقون ~~بضمها ويقال صرت الشيء أصوره بمعنى قطعته، ومنه قول ذي الرمة: # [الرجز] صرنا به الحكم وعنا الحكما ومنه قول الخنساء: [السريع] # فلو يلاقي الذي لاقيته حضن ... لظلت الشم منه وهي تنصار # أي تنقطع ويقال أيضا صرت الشيء بمعنى أملته ومنه قول الشاعر: [الوافر] # يصور عنوقها أحوى زنيم ... له صخب كما صخب الغريم # ومنه قول الأعرابي في صفة نساء هن إلى الصبا صور، وعن الخنا زور، فهذا ~~كله في ضم الصاد. # ويقال أيضا في هذين المعنيين: القطع والإمالة. صرت الشيء بكسر الصاد ~~أصيره، ومنه قول الشاعر: # [الطويل] # وفرع يصير الجيد وجف كأنه ... على الليت قنوان الكروم الدوالح # ففي اللفظة لغتان قرىء بهما، وقد قال ابن عباس ومجاهد في هذه الآية ~~«صرهن» معناه: قطعهن، وقال عكرمة وابن عباس فيما في بعض ما روي عنه أنها ~~لفظة بالنبطية معناها قطعهن، وقاله الضحاك، وقال أبو الأسواد الدؤلي: هي ~~بالسريانية، وقال قتادة: «صرهن» فصلهن، وقال ms0422 ابن إسحاق: معناه قطعهن، وهو ~~الصور في كلام العرب، وقال عطاء بن أبي رباح: فصرهن معناه اضممهن إليك. ~~وقال ابن زيد معناه اجمعهن، وروي عن ابن عباس معناه أوثقهن. # قال القاضي أبو محمد: فقد تأول المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع وبمعنى ~~الإمالة. فقوله إليك على تأويل التقطيع متعلق بخذ. وعلى تأويل الإمالة ~~والضم متعلق بصرهن، وفي الكلام متروك يدل عليه الظاهر تقديره فأملهن إليك ~~فقطعهن. وقرأ قوم «فصرهن» بضم الصاد وشد الراء المفتوحة كأنه يقول فشدهن. ~~ومنه صرة الدنانير. وقرأ قوم «فصرهن» بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ومعناه ~~صيحهن من قولك صر الباب والقلم إذا صوت، ذكره النقاش. قال ابن جني وهي ~~قراءة غريبة وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل، وإنما بابه ~~يفعل بضم العين كشد يشد ونحوه. لكن قد جاء منه نم الحديث ينمه وينمه وهر ~~الحرب يهرها ويهرها ومنه قول الأعشى: # ليعتورنك القول حتى تهره إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جني، وأما ~~قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد والوجه ~~ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد قال المهدوي وغيره وروي عن عكرمة فتح ~~الصاد وشد الراء المكسورة. # قال القاضي أبو محمد: وهذه بمعنى فاحبسهن من قولهم صرى يصري إذا حبس، ~~ومنه الشاة PageV01P354 # المصراة، واختلف المتأولون في معنى قوله: ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، ~~فروى أبو حمزة عن ابن عباس أن المعنى اجعل جزءا على كل ربع من أرباع الدنيا ~~كأن المعنى اجعلها في أركان الأرض الأربعة. وفي هذا القول بعد، وقال قتادة ~~والربيع المعنى واجعل على أربعة أجبل على كل جبل جزءا من ذلك المجموع ~~المقطع، فكما يبعث الله هذه الطير من هذه الجبال فكذلك يبعث الخلق يوم ~~القيامة من أرباع الدنيا وجميع أقطارها. وقرأ الجمهور: «جزءا» بالهمز، وقرأ ~~أبو جعفر «جزا» بشد الزاي في جميع القرآن. وهي لغة في الوقف فأجرى أبو جعفر ~~الوصل مجراه. وقال ابن جريج والسدي أمر أن يجعلها على ms0423 الجبال التي كانت ~~الطير والسباع حين تأكل الدابة تطير إليها وتسير نحوها وتتفرق فيها. قالا: ~~وكانت سبعة أجبل فكذلك جزأ ذلك المقطع من لحم الطير سبعة أجزاء. وقال ~~مجاهد: بل أمر أن يجعل على كل جبل يليه جزءا. قال الطبري معناه دون أن تحصر ~~الجبال بعدد، بل هي التي كان يصل إبراهيم إليها وقت تكليف الله إياه تفريق ~~ذلك فيها، لأن الكل لفظ يدل على الإحاطة. # قال القاضي أبو محمد: وبعيد أن يكلف جميع جبال الدنيا، فلن يحيط بذلك ~~بصره، فيجيء ما ذهب إليه الطبري جيدا متمكنا. والله أعلم أي ذلك كان. ومعنى ~~الآية أن إبراهيم عليه السلام كان بحيث يرى الأجزاء في مقامه، ويرى كيف ~~التأمت، وكذلك صحت له العبرة، وأمره بدعائهن وهن أموات إنما هو لتقرب الآية ~~منه وتكون بسبب من حاله، ويرى أنه قصد بعرض ذلك عليه. ولذلك جعل الله تعالى ~~سيرهن إليه سعيا، إذ هي مشية المجد الراغب فيما يمشي إليه، فكان من ~~المبالغة أن رأى إبراهيم جدها في قصده وإجابة دعوته. ولو جاءته مشيا لزالت ~~هذه القرينة، ولو جاءت طيرانا لكان ذلك على عرف أمرها، فهذا أغرب منه. ثم ~~وقف عليه السلام على العلم بالعزة التي في ضمنها القدرة وعلى الحكمة التي ~~بها إتقان كل شيء. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 262] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) # هذه الآية لفظها بيان مثل بشرف النفقة في سبيل الله وبحسنها، وضمنها ~~التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة التطوع، وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما ~~هو طاعة وعائد بمنفعة على المسلمين والملة، وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد ~~لتكون كلمة الله هي العليا، والحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، ~~وأشهر ms0424 ذلك البر، وكثيرا ما يراد بالحب. ومنه قول المتلمس: [البسيط] . # آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس # وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر، ~~ولكن المثال وقع بهذا القدر، وقد ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر ~~بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد PageV01P355 # حسنتها بسبعمائة ضعف، وبين ذلك الحديث الصحيح، واختلف العلماء في معنى ~~قوله: والله يضاعف لمن يشاء، فقالت طائفة هي مبينة ومؤكدة لما تقدم من ذكر ~~السبعمائة. وليس ثمة تضعيف فوق سبعمائة، وقالت طائفة من العلماء: بل هو ~~إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. وروي عن ابن ~~عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف. وليس هذا بثابت الإسناد ~~عنه، وقال ابن عمر لما نزلت هذه الآية قال النبي عليه السلام «رب زد أمتي» ~~. فنزلت من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له [الحديد: 11] ، فقال رب ~~زد أمتي، فنزلت إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10] وسنبلة ~~فنعلة من أسبل الزرع أي أرسل ما فيه كما ينسبل الثوب، والجمع سنابل، وفي ~~قوله تعالى: مثل الذين، حذف مضاف، تقديره مثل إنفاق الذين، أو تقدره كمثل ~~ذي حبة، وقال الطبري في هذه الآية، إن قوله في كل سنبلة مائة حبة، معناه إن ~~وجد ذلك وإلا فعلى أن نفرضه ثم أدخل عن الضحاك أنه قال: في كل سنبلة مائة ~~حبة معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة، فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال هو، ~~وذلك غير لازم من لفظ الضحاك، قال أبو عمرو الداني قرأ بعضهم «مائة حبة» ~~بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة، وقوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم ~~الآية، لما تقدم في الآية التي قبل هذه ذكر الإنفاق في سبيل الله على ~~العموم بين في هذه الآية أن ذلك الحكم إنما هو لمن لم يتبع إنفاقه منا ولا ~~أذى، وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ms0425 ثلاثة أوجه، إما أن ~~يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه، فهذا لا يرجو من المنفق عليه شيئا ولا ~~ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه، وإما أن يريد من المنفق عليه ~~جزاء بوجه من الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله بل نظر إلى هذه الحال من المنفق ~~عليه، وهذا هو الذي متى أخلف ظنه من بإنفاقه وآذى، وإما أن ينفق مضطرا دافع ~~غرم إما لماتة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد ~~نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى توبع وحرج بوجه من وجوه الحرج ~~آذى. # فالمن والأذى يكشفان ممن ظهرا منه أنه إنما كان على ما ذكرناه من ~~المقاصد، وأنه لم يخلص لوجه الله، فلهذا كان المن والأذى مبطلين للصدقة، من ~~حيث بين كل واحد منهما أنها لم تكن صدقة، وذكر النقاش أنه قيل إن هذه الآية ~~نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل في علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، وقال مكي في عثمان وابن عوف رضي الله عنهما: والمن ذكر النعمة على ~~معنى التعديد لها والتقريع بها، والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المن، ~~لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه، وذهب ابن زيد إلى أن هذه ~~الآية هي في الذين لا يخرجون في الجهاد، بل ينفقون وهم قعود، وأن الأولى ~~التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم وأموالهم. قال: ولذلك شرط على هؤلاء ~~ولم يشترط على الأولين. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي هذا القول نظر، لأن ~~التحكم فيه باد، وقال زيد بن أسلم: لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت ~~عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه، وقالت له امرأة: يا أبا أسامة دلني على ~~رجل يخرج في سبيل الله حقا، فإنهم إنما يخرجون ليأكلوا الفواكه، فإن عندي ~~أسهما وجعبة، فقال لها لا بارك الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن ~~تعطيهم. وضمن الله ms0426 PageV01P356 # الأجر للمنفق في سبيل الله، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته لما ~~يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه، لأنه يغتبط بآخرته. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 263 الى 264] # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ~~ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه ~~صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) # هذا إخبار جزم من الله تعالى أن القول المعروف وهو الدعاء والتأنيس ~~والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء. ~~لأن ذلك القول المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها. # وقال المهدوي وغيره التقدير في إعرابه قول معروف أولى ومغفرة خير. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ذهاب برونق المعنى، وإنما يكون المقدر ~~كالظاهر، والمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج. ومن هذا قول الأعرابي، ~~وقد سأل قوما بكلام فصيح، فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال اللهم غفرا، سوء ~~الاكتساب يمنع من الانتساب، وقال النقاش: يقال معناه ومغفرة للسائل إن أغلظ ~~أو جفا إذا حرم، ثم أخبر تعالى بغناه عن صدقة من هذه حاله وعاقبة أمره، ~~وحمله عمن يمكن أن يواقع هذا من عبيده وإمهالهم. وقوله تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى الآية، العقيدة أن السيئات لا ~~تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء في هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله ~~في صاحبها أنه يمن أو يؤذي فإنها لا تتقبل صدقة، وقيل بل جعل الله للملك ~~عليها أمارة فلا يكتبها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، لأن ما نتلقى نحن عن المعقول من بني آدم ~~فهو أن المن المؤذي ينص على نفسه أن نيته لم تكن لله عز وجل على ما ذكرناه ~~قبل، فلم تترتب له صدقة، فهذا هو بطلان الصدقة بالمن والأذى، والمن والأذى ~~في صدقة لا يبطل صدقة ms0427 غيرها، إذ لم يكشف ذلك على النية في السليمة ولا قدم ~~فيها، ثم مثل الله هذا الذي يمن ويؤذي بحسب مقدمة نيته بالذي ينفق رئاء لا ~~لوجه الله، والرياء مصدر من فاعل من الرؤية. كأن الرياء تظاهر وتفاخر بين ~~من لا خير فيه من الناس. قال المهدوي والتقدير كإبطال الذي ينفق رئاء، ~~وقوله تعالى: ولا يؤمن بالله واليوم الآخر يحتمل أن يريد الكافر الظاهر ~~الكفر، إذ قد ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء ولغير ذلك. ويحتمل ~~أن يريد المنافق الذي يظهر الإيمان. ثم مثل هذا المنفق رئاء ب صفوان عليه ~~تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة كما يظن قوم أن صدقة هذا المرائي لها قدر ~~أو معنى، فإذا أصاب الصفوان وابل من المطر انكشف ذلك التراب وبقي صلدا، ~~فكذلك هذا المرائي إذا كان يوم القيامة وحصلت الأعمال انكشف سره وظهر أنه ~~لا قدر لصدقته ولا معنى. فالمن والأذى والرياء يكشف عن النية. فيبطل الصدقة ~~كما يكشف الوابل الصفا فيذهب ما ظن PageV01P357 # أرضا. وقرأ طلحة بن مصرف «رياء الناس» بغير همز. ورويت عن عاصم. والصفوان ~~الحجر الكبير الأملس. قيل هو جمع واحدته صفواته. وقال قوم واحدته صفواة، ~~وقيل هو إفراد وجمعه صفى، وأنكره المبرد وقال: إنما هو جمع صفا، ومن هذا ~~المعنى الصفواء والصفا. قال امرؤ القيس: [الطويل] # كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل # وقال أبو ذؤيب: [الكامل] # حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشقر كل يوم تقرع # وقرأ الزهري وابن المسيب «صفوان» بفتح الفاء، وهي لغة، والوابل الكثير ~~القوي من المطر وهو الذي يسيل على وجه الأرض، والصلد من الحجارة الأملس ~~الصلب الذي لا شيء فيه، ويستعار للرأس الذي لا شعر فيه، ومنه قول رؤبة: ~~[الرجز] براق أصلاد الجبين الأجله قال النقاش: الصلد الأجرد بلغة هذيل، ~~وقوله تعالى: لا يقدرون يريد به الذين ينفقون رئاء، أي لا يقدرون على ~~الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم ذلك وهو كسبهم، وجاءت العبارة ب يقدرون على ~~معنى الذي. وقد انحمل ms0428 الكلام قبل على لفظ الذي، وهذا هو مهيع كلام العرب ~~ولو انحمل أولا على المعنى لقبح بعد أن يحمل على اللفظ، وقوله تعالى: والله ~~لا يهدي القوم الكافرين إما عموم يراد به الخصوص في الموافي على الكفر، ~~وإما أن يراد به أنه لم يهدهم في كفرهم بل هو ضلال محض، وإما أن يريد أنه ~~لا يهديهم في صدقاتهم وأعمالهم وهم على الكفر، وما ذكرته في هذه الآية من ~~تفسير لغة وتقويم معنى فإنه مسند عن المفسرين وإن لم تجىء ألفاظهم ملخصة في ~~تفسير إبطال المن والأذى للصدقة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 265] # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) # من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكر نقيض ما يتقدم ذكره لتبيين حال ~~التضاد بعرضها على الذهن، فلما ذكر الله صدقات القوم الذين لا خلاق ~~لصدقاتهم ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما عقب في هذه الآية ~~بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم وهي على وجهها في الشرع فضرب لها ~~مثلا، وتقدير الكلام ومثل نفقة الذين ينفقون كمثل غراس جنة، لأن المراد ~~بذكر الجنة غراسها أو تقدر الإضمار في آخر الكلام دون إضمار نفقة في أوله، ~~كأنه قال: كمثل غارس جنة، وابتغاء معناه طلب، وإعرابه النصب على المصدر في ~~موضع الحال. وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله. لكن النصب على ~~المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو وتثبيتا عليه. ولا يصح في ~~تثبيتا أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. وقال مكي في ~~المشكل: كلاهما مفعول PageV01P358 # من أجله وهو مردود بما بيناه، ومرضات مصدر من رضي يرضى، وقال الشعبي ~~والسدي وقتادة وابن زيد وأبو صالح: وتثبيتا معناه وتيقنا، أي إن نفوسهم لها ~~بصائر متأكدة فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتا، وقال مجاهد ~~والحسن: معنى قوله: وتثبيتا أي ms0429 إنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم؟ وقال الحسن ~~كأن الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك، ~~والقول الأول أصوب. # لأن هذا المعنى الذي ذهب إليه مجاهد والحسن إنما عبارته وتثبتا، فإن قال ~~محتج إن هذا من المصادر التي خرجت على غير المصدر كقوله تعالى: وتبتل إليه ~~تبتيلا [المزمل: 8] ، وكقوله: أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17] فالجواب لا ~~يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم للمصدر، وأما إذا لم يقع ~~إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول أحمله على فعل كذا ~~وكذا لفعل لم يتقدم له ذكر، هذا مهيع كلام العرب فيما علمت، وقال قتادة: ~~وتثبيتا معناه وإحسانا من أنفسهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو القول الأول، والجنة البستان وهي قطعة أرض ~~نبتت فيها الأشجار حتى سترت الأرض، فهي من لفظ الجن والجنن والجنة وجن ~~الليل، والربوة ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيرا معه في الأغلب كثافة ~~التراب وطيبه وتعمقه، وما كان كذلك فنباته أحسن، ورياض الحزن ليس من هذا ~~كما زعم الطبري، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض ~~تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال له الحزن، وقل ما يصلح ~~هواء تهامة إلا بالليل، ولذلك قالت الأعرابية: # زوجي كليل تهامة، وقال ابن عباس: الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه ~~الأنهار. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا إنما أراد به هذه ~~الربوة المذكورة في كتاب الله، لأن قوله تعالى: أصابها وابل إلى آخر الآية ~~يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد ابن عباس أن جنس الربا لا يجري ~~فيها ماء، لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين، والمعروف في كلام ~~العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر، وقال ~~الحسن: الربوة الأرض المستوية التي لا تعلو فوق الماء، وهذا أيضا أراد أنها ~~ليست كالجبل والضرب ونحوه، وقال ms0430 الخليل أرض مرتفعة طيبة وخص الله بالذكر ~~التي لا يجري فيها ماء من حيث هي العرف في بلاد العرب فمثل لهم بما يحسونه ~~كثيرا، وقال السدي بربوة أي برباوة وهو ما انخفض من الأرض، قال أبو محمد: ~~وهذه عبارة قلقة ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد، يقال «ربوة» ~~بضم الراء وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو. # ويقال «ربوة» بفتح الراء وبها قرأ عاصم وابن عامر، وكذلك خلافهم في سورة ~~المؤمنين، ويقال ربوة بكسر الراء وبها قرأ ابن عباس فيما حكي عنه. ويقال ~~رباوة بفتح الراء والباء وألف بعدها، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن، ~~ويقال رباوة بكسر الراء وبها قرأ الأشهب العقيلي، وآتت معناه أعطت، و ~~«الأكل» بضم الهمزة وسكون الكاف الثمر الذي يؤكل، والشيء المأكول من كل شيء ~~يقال له أكل، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الدابة وباب الدار، وإلا ~~فليس الثمر مما تأكله الجنة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «أكلها» بضم ~~الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف ~~إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى مكنى مثل أكل خمط فثقل أبو عمرو ~~ذلك، وخففاه، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه ~~بالتثقيل. ويقال أكل PageV01P359 # وأكل بمعنى، وهو من أكل بمنزلة الطعمة من طعم، أي الشيء الذي يطعم ويؤكل، ~~وضعفين معناه: # اثنين مما يظن بها ويحرز من مثلها، ثم أكد تعالى مدح هذه الربوة بأنهاإن ~~لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل، وذلك لكرم الأرض، والطل ~~المستدق من القطر الخفيف، قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة، وقال قوم ~~الطل الندى، وهذا تجوز وتشبيه، وقد روي ذلك عن ابن عباس. قال المبرد: ~~تقديره فطل يكفيها. وقال غيره التقدير فالذي أصابهم طل، فشبه نمو نفقات ~~هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل حسب الحديث ~~بنمو نبات هذه الجنة بالربوة الموصوفة، وذلك كله بخلاف الصفوان الذي انكشف ms0431 ~~عنه ترابه فبقي صلدا، وفي قوله تعالى: والله بما تعملون بصير وعد ووعيد، ~~وقرأ الزهري يعملون بالياء كأنه يريد به الناس أجمع. أو يريد المنفقين فقط ~~فهو وعد محض. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 266] # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا ~~القول، وحكى عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى [البقرة: 264] ، قال ثم ضرب في ذلك مثلا فقال: ~~أيود أحدكم الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أبين من الذي رجح الطبري، وليست هذه الآية ~~بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام، وأما بالمعنى في غير هذا ~~السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل وهو يحسب أنه يحسن صنعا، فلما جاء ~~إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا، وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالوا الله ورسوله أعلم، فقال وهو ~~غاضب قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال له ابن عباس هذا مثل ضربه الله كأنه قال: ~~أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير، فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ~~ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فرضي ذلك عمر، وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا ~~هذه الآية: أيود أحدكم، وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا ~~كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه، عمل عمل السوء. # قال القاضي أبو محمد: فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها، ~~وقال بنحو هذا مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم، وخص النخيل والأعناب بالذكر ~~لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن «جنات» بالجمع، وقوله من تحتها ~~هو تحت بالنسبة إلى الشجر، والواو ms0432 في قوله وأصابه واو الحال، وكذلك في ~~قوله: وله وضعفاء جمع ضعيف وكذلك ضعاف، وال إعصار الريح الشديدة العاصف ~~التي فيها إحراق لكل ما مرت عليه، يكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد ~~وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة PageV01P360 # فإن شدة الحر من فيح جهنم، وإن النار اشتكت إلى ربها» ، الحديث بكماله، ~~فإما أنه نار على حقيقته وإلا فهو نفسها يوجد عنه كاثرها، قال السدي: ~~الإعصار الريح، والنار السموم، وقال ابن عباس ريح فيها سموم شديدة، وقال ~~ابن مسعود إن السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من النار. # قال القاضي أبو محمد: يريد من نار الآخرة، وقال الحسن بن أبي الحسن إعصار ~~فيه نار ريح فيها صر، برد، وقاله الضحاك، وفي المثل: إن كنت ريحا فقد لاقيت ~~إعصارا، والريح إعصار لأنها تعصر السحاب، والسحاب معصرات إما أنها حوامل ~~فهي كالمعصر من النساء وهي التي هي عرضة للحمل وإما لأنها تنعصر بالرياح، ~~وبهذا فسر عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي، وحكى ابن سيده أن المعصرات ~~فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب، وقال الزجاج: الإعصار الريح الشديدة تصعد من ~~الأرض إلى السماء وهي التي يقال لها الزوبعة، قال المهدوي: قيل لها إعصار ~~لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والإشارة بذلك إلى هذه الأمثال المبينة، ~~ولعلكم ترج في حق البشر، أي إذا تأمل من يبين له هذا البيان رجي له التفكر ~~وكان أهلا له. وقال ابن عباس تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة ~~وبقائها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 267] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) # هذا الخطاب هو لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغة أمر من ~~الإنفاق، واختلف المتأولون هل ms0433 المراد بهذا الإنفاق، الزكاة المفروضة أو ~~التطوع، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبيدة السلماني ومحمد بن ~~سيرين: هي في الزكاة المفروضة. نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد، ~~وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ~~ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول للوجوب، والظاهر من قول ~~البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، أن الآية في التطوع، وروى ~~البراء بن عازب، وعطاء بن أبي رباح ما معناه أن الأنصار كانوا أيام الجداد ~~يعلقون أقناء التمر في حبل بين أسطوانتين في المسجد فيأكل من ذلك فقراء ~~المهاجرين فعلق رجل حشفا فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بئسما ~~علق هذا، فنزلت الآية. # قال القاضي أبو محمد: والأمر على هذا القول على الندب، وكذلك ندبوا إلى ~~أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار، والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة ~~يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب، وهؤلاء كلهم وجمهور ~~المتأولين قالوا معنى من طيبات من جيد ومختار ما كسبتم، وجعلوا الخبيث ~~بمعنى الرديء والرذالة، وقال ابن زيد معناه: من حلال ما كسبتم، قال: وقوله: ~~ولا تيمموا الخبيث أي الحرام. # قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من ~~معناه في نفسه، وقوله: PageV01P361 # من طيبات ما كسبتم يحتمل أن لا يقصد به لا الجيد ولا الحلال، لكن يكون ~~المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط. ثم دخل ذكر ~~الطيب تبيينا لصفة حسنة في المكسوب عاما وتعديدا للنعمة كما تقول: أطعمت ~~فلانا من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذا الوجه يعم الجود ~~والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليس في مال المؤمن ~~خبيث، وكسبتم معناه كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة، ~~والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه، إذ الضمير في كسبتم إنما هو ~~لنوع ms0434 الإنسان أو المؤمنين، ومما أخرجنا لكم من الأرض النباتات والمعادن ~~والركاز وما ضارع ذلك، وتيمموا معناه تعمدوا وتقصدوا، يقال تيمم الرجل كذا ~~وكذا إذا قصده، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] # تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طام # ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن # ومنه التيم الذي هو البدل من الوضوء عند عدم الماء، وهكذا قرأ جمهور ~~الناس وروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعا أولها هذا ~~الحرف، وحكى الطبري أن في قراءة عبد الله بن مسعود «ولا تؤموا الخبيث» من ~~أممت إذا قصدت، ومنه إمام البناء، والمعنى في القراءتين واحد، وقرأ الزهري ~~ومسلم بن جندب «ولا تيمموا» بضم التاء وكسر الميم، وهذا على لغة من قال: ~~يممت الشيء بمعنى قصدته، وفي اللفظ لغات، منها أممت الشيء خفيفة الميم ~~الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ «ولا ~~تؤمموا» بهمزة بعد التاء، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم، وقد مضى ~~القول في معنى الخبيث وقال الجرجاني في كتاب نظم القرآن: قال فريق من ~~الناس: إن الكلام تم في قوله: الخبيث ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث ~~فقال: تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ساهلتم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأن هذا المعنى عتاب للناس ~~وتقريع، والضمير في منه عائد على الخبيث. قال الجرجاني وقال فريق آخر: بل ~~الكلام متصل إلى قوله فيه. # قال القاضي أبو محمد: فالضمير في منه عائد على ما كسبتم، ويجيء تنفقون ~~كأنه في موضع نصب على الحال، وهو كقولك: إنما أخرج أجاهد في سبيل الله، ~~واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه فقال ~~البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وغيرهم: معناه ولستم بآخذيه في ديونكم ~~وحقوقكم عند الناس إلا بأن تساهلوا في ذلك، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ~~ترضونه، أي فلا تفعلوا مع ms0435 الله ما لا ترضونه لأنفسكم، وقال الحسن بن أبي ~~الحسن معنى الآية: لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع، إلا أن يهضم لكم ~~من ثمنه، وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذان القولان يشبهان كون الآية في ~~الزكاة الواجبة وقال البراء بن PageV01P362 # عازب أيضا: معناه ولستم بآخذيه لو أهدي إليكم إلا أن تغمضوا أي تستحيي من ~~المهدوي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يشبه كون الآية في التطوع، وقال ابن زيد معنى ~~الآية: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه، وقرأ جمهور الناس «إلا ~~أن تغمضوا» بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر ~~الميم مخففا، وروي عنه أيضا «تغمضوا» بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم ~~مشددة، وحكى مكي عن الحسن البصري «تغمضوا» مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. ~~وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا قال أبو عمرو معناه: ~~إلا أن يغمض لكم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه اللفظة تنتزع إما من قول ~~العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك ~~قول الطرماح بن حكيم: [الخفيف] # لم يفتنا بالوتر قوم وللذ ... ل أناس يرضون بالإغماض # وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه ~~عينيه ومنه قول الشاعر: # إلى كم وكم أشياء منكم تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمى # وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية ~~وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر كما ~~تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى ~~نجدا والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض فقراءة الجمهور ~~تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها ms0436 بمعنى ~~حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراما على قول ابن ~~زيد، وإما لكونه مهديا أو مأخوذا في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري ~~الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى ~~قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان. # قال القاضي أبو محمد: وأما قراءته الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني ~~فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين. وأما قراءة قتادة فقد ذكرت تفسير أبي ~~عمرو لها. وقال ابن جني: معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو ~~بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل ~~وجدته محمودا إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم نبه تعالى على صفة الغنى أي لا ~~حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر، وحميد ~~معناه محمود في كل حال، وهي صفة ذات. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 268 الى 269] # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~وما يذكر إلا أولوا الألباب (269) PageV01P363 # هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمرا بالصدقة فهي جالبة للنفوس إلى ~~الصدقة، بين عز وجل فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته، وذكر بثوابه هو لا ~~رب غيره. وذكر بتفضله بالحكمة وأثنى عليها، ونبه أن أهل العقول هم ~~المتذكرون الذين يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة الله عز وجل وغير ذلك، ~~ثم ذكر علمه بكل نفقة ونذر. وفي ذلك وعد ووعيد. ثم بين الحكم في الإعلان ~~والإخفاء وكذلك إلى آخر المعنى. والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في ~~الخير وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقيد بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه ~~الآية مما قيد الوعد فيها بمكروه وهو الفقر و «الفحشاء» كل ما فحش وفحش ~~ذكره، ومعاصي الله كلها فحشاء، وروى حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ ~~«الفقر» بضم الفاء، وهي لغة، وقال ابن عباس: ms0437 في الآية اثنتان من الشيطان، ~~واثنتان من الله تعالى، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: إن للشيطان لمة من ابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر ~~وتكذيب بالحق، فمن وجد ذلك فليتعوذ، وأما لمة الملك فوعد بالحق وتصديق ~~بالخير فمن وجد ذلك فليحمد الله، ثم قرأ عليه السلام الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم الآية، والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل هو ~~الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة، وبكل قد وعد الله تعالى، ~~وذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، لأن ~~الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. # قال القاضي أبو محمد: وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية ~~وروي أن في التوراة «عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على ~~كل يد مبسوطة» وفي القرآن مصداقه: # وهو وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين [سبأ: 39] وواسع لأنه ~~وسع كل شيء رحمة وعلما، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه يؤتي الحكمة أي يعطيها ~~لمن يشاء من عباده، واختلف المتأولون في الحكمة في هذا الموضع فقال السدي: ~~الحكمة النبوءة، وقال ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ~~ومتشابهه وعربيته. وقال قتادة: الحكمة الفقه في القرآن، وقاله مجاهد: # وقال مجاهد أيضا: الحكمة الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد وأبوه ~~زيد بن أسلم: الحكمة العقل في الدين، وقال مالك: الحكمة المعرفة في الدين ~~والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في ~~أمر الله والاتباع له، وقال أيضا الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل ~~به، وقال الربيع: الحكمة الخشية، ومنه قول النبي عليه السلام: «رأس كل شيء ~~خشية الله تعالى» ، وقال إبراهيم: الحكمة الفهم وقاله زيد بن أسلم، وقال ~~الحسن: الحكمة الورع، وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي قريب بعضها من ~~بعض لأن الحكمة مصدر من ms0438 الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول. وكتاب الله ~~حكمة، وسنة نبيه حكمة. وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس. # وقرأ الجمهور «من يؤت الحكمة» على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ~~ويعقوب «ومن يؤت» بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة ف من مفعول أول ~~مقدم والحكمة مفعول ثان، وقرأ الأخفش: «ومن PageV01P364 # يؤته الحكمة» ، وقرأ الربيع بن خثيم «تؤتي الحكمة من تشاء» بالتاء في ~~«تؤتي» و «تشاء» منقوطة من فوق، «ومن يؤت الحكمة» بالياء، وباقي الآية ~~تذكرة بينة وإقامة لهمم الغفلة، والألباب العقول واحدها لب. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 270 الى 271] # وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # كانت النذر من سيرة العرب تكثر منها، فذكر تعالى النوعين ما يفعله المرء ~~متبرعا وما يفعله بعد إلزامه لنفسه، ويقال: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله ~~«ينذر» بضم الذال «وينذر» بكسرها، وقوله تعالى: فإن الله يعلمه قال مجاهد: ~~معناه يحصيه، وفي الآية وعد ووعيد، أي من كان خالص النية فهو مثاب ومن أنفق ~~رئاء أو لمعنى آخر مما يكشفه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم يذهب فعله ~~باطلا ولا يجد ناصرا فيه، ووحد الضمير في يعلمه وقد ذكر شيئين من حيث أراد ~~ما ذكر أو نص، وقوله تعالى: إن تبدوا الصدقات الآية، ذهب جمهور المفسرين ~~إلى أن هذه الآية هي في صدقة التطوع، قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في ~~التطوع تفضل علانيتها، يقال بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل ~~من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا، قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في ~~الأشياء كلها. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقوي ذلك قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم «صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة، ~~وذلك أن الفرائض لا ms0439 يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك، وقال سفيان الثوري هذه ~~الآية في التطوع، وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما أنزلت هذه الآية في الصدقة ~~على اليهود والنصارى، وكان يأمر بقسم الزكاة في السر، وهذا مردود لا سيما ~~عند السلف الصالح، فقد قال الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل، ~~قال المهدوي: وقيل المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء ~~فيهما أفضل في مدة النبي عليه السلام، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن ~~العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع، قال أبو محمد: وهذا القول مخالف ~~للآثار، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها ~~وصار إخراجها عرضة للرياء، وقال النقاش: إن هذه الآية نسخها قوله تعالى: ~~الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية [البقرة: 274] ، وقوله: ~~فنعما هي ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء، ~~واختلف القراء في قوله فنعما هي، فقرأ نافع في غير رواية ورش، وأبو عمرو ~~وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل «فنعما» بكسر النون وسكون «فنعما» بكسر ~~النون والعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «فنعما» بفتح النون وكسر العين ~~وكلهم شدد الميم، قال أبو علي من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله، لأنه جمع ~~بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين، وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا ~~كان الأول حرف PageV01P365 # مد، إذ المد يصير عوضا من الحركة، وهذا نحو دابة وضوال وشبهه، ولعل أبا ~~عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في باريكم ويأمركم فظن السامع ~~الإخفاء إسكانا للطف، ذلك في السمع وخفائه، وأما من قرأ «نعما» بكسر النون ~~والعين فحجته أن أصل الكلمة «نعم» بكسر الفاء من أجل حرف الحلق، ولا يجوز ~~أن يكون ممن يقول «نعم» ألا ترى أن من يقول هذا قدم ملك فيدغم، لا يدغم، ~~هؤلاء قوم ملك وجسم ماجد، قال سيبويه «نعما» بكسر النون والعين ليس على لغة ~~من قال «نعم» فأسكن العين، ولكن على لغة من قال «نعم» فحرك ms0440 العين، وحدثنا ~~أبو الخطاب أنها لغة هذيل وكسرها كما قال لعب ولو كان الذي قال «نعما» ممن ~~يقول نعم بسكون العين لم يجز الإدغام. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: يشبه أن هذا يمتنع لأنه يسوق ~~إلى اجتماع ساكنين، قال أبو علي وأما من قرأ «نعما» بفتح النون وكسر العين ~~فإنما جاء بالكلمة على أصلها وهو نعم ومنه قول الشاعر: # ما أقلت قدماي أنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر # ولا يجوز أن يكون ممن يقول قبل الإدغام «نعم» بسكون العين، وقال المهدوي ~~وذلك جائز محتمل، وتكسر العين بعد الإدغام لالتقاء الساكنين، قال أبو علي: ~~وما من قوله «نعما» في موضع نصب، وقوله هي تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر ~~والتقدير: نعم شيئا إبداؤها. والإبداء هو المخصوص بالمدح. # إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويدلك على هذا قوله فهو خير ~~لكم أي الإخفاء خير، فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات، فكذلك أولا ~~الفاعل هو الإبداء، وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأقيم ضمير ~~الصدقات مقامه، واختلف القراء في قوله تعالى: ونكفر عنكم فقرأ أبو عمرو ~~وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: «ونكفر» بالنون ورفع الراء، وقرأ نافع ~~وحمزة والكسائي: «ونكفر» بالنون والجزم في الراء، وروي مثل ذلك أيضا عن ~~عاصم، وقرأ ابن عامر: «ويكفر» بالياء ورفع الراء، وقرأ ابن عباس وتكفر ~~بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء، وقرأ عكرمة: وتكفر بالتاء وفتح الفاء وجزم ~~الراء، وقرأ الحسن: «ويكفر» بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش أنه قرأ: ~~ويكفر بالياء ونصب الراء، وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش: «يكفر» بالياء دون ~~واو قبلها وبجزم الراء، وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ: «وتكفر» بالتاء ~~ورفع الراء، وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآها بتاء ونصب الراء. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فما كان من هذه القراءات ~~بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلة، إلا ما روي ~~عن عكرمة من ms0441 فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان ~~منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والإعطاء في خفاء هو المكفر، ذكره مكي ~~وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء، تقدير ~~ونحن نكفر، أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو والله يكفر، والثاني: القطع ~~والاستئناف وأن لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن لعطف جملة على جملة، ~~وأما الجزم في الراء فإنه حمل للكلام على موضع قوله تعالى: فهو خير إذ هو ~~في موضع PageV01P366 # جزم جوابا للشرط، كأنه قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، ثم عطفه على هذا ~~الموضع كما جاء قراءة من قرأ: من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم [الأعراف: ~~186] بجزم الراء وأمثلة هذا كثيرة، وأما نصب الراء فعلى تقدير «إن» وتأمل، ~~وقال المهدوي هو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء ~~لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تؤذن ~~بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء. وأما رفع الراء فليس ~~فيه هذا المعنى، ومن في قوله: من سيئاتكم للتبعيض المحض، والمعنى في ذلك ~~متمكن، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: من زائدة في هذا الموضع وذلك منهم ~~خطأ، وقوله: والله بما تعملون خبير وعد ووعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 272] # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) # روي عن سعيد بن جبير في سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على ~~فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم، فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ~~ليس من دين الإسلام، وذكر النقاش أن النبي عليه السلام أتى بصدقات فجاءه ~~يهودي فقال: أعطني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك في صدقة ~~المسلمين من شيء» ، فذهب اليهودي غير بعيد ms0442 فنزلت الآية، ليس عليك هداهم ~~فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية إنما ~~الصدقات [التوبة: 60] وروي عن ابن عباس أنه كان ناس من الأنصار لهم قرابات ~~في بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا ~~احتاجوا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وحكى بعض المفسرين أن أسماء بنت أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنهما أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك ~~لكونه كافرا، فنزلت الآية في ذلك، وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله: ليس عليك ~~هداهم قال أبو محمد: وهذه الصدقة التي أبيحت عليهم حسبما تضمنته هذه الآثار ~~إنما هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزي دفعها لكافر، وهذا الحكم ~~متصور للمسلمين اليوم مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. قال ابن ~~المنذر أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال ~~شيئا، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك، ولم يذكر خلافا، وقال المهدوي رخص ~~للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة بهذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود عندي، والهدى الذي ليس على محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم، وأما الهدى الذي هو الدعاء فهو ~~عليه، وليس بمراد في هذه الآية، ثم أخبر تعالى أنه هو: يهدي من يشاء أي ~~يرشده، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة، ثم أخبر أن نفقة المرء PageV01P367 # تأجرا إنما هي لنفسه فلا يراعى حيث وقعت، ثم بين تعالى أن النفقة المعتد ~~بها المقبولة إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله، هذا أحد التأويلات في قوله ~~تعالى: وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وفيه تأويل آخر وهو أنها شهادة من ~~الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله، فهو خبر منه لهم فيه ~~تفضيل، وعلى التأويل الآخر هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من ~~الأمة، ms0443 ونصب قوله ابتغاء هو على المفعول من أجله، ثم ذكر تعالى أن ثواب ~~الإنفاق يوفى إلى المنفقين، والمعنى في الآخرة ولا يبخسون منه شيئا، فيكون ~~ذلك أبخس ظلما لهم، وهذا هو بيان قوله: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم والخير ~~في هذه الآية المال لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه ~~المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، ~~نحو قوله تعالى: خير مستقرا [الفرقان: 24] وقوله تعالى: مثقال ذرة خيرا يره ~~[الزلزلة: 7] إلى غير ذلك، وهذا الذي قلناه تحرز من قول عكرمة: كل خير في ~~كتاب الله فهو المال. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 273] # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) # هذه اللام في قوله للفقراء متعلقة بمحذوف مقدر، تقديره الإنفاق أو الصدقة ~~للفقراء، وقال مجاهد والسدي وغيرهما: المراد بهؤلاء الفقراء فقراء ~~المهاجرين من قريش وغيرهم، قال الفقيه أبو محمد: ثم تتناول الآية كل من دخل ~~تحت صفة الفقر غابر الدهر، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن ~~هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم، ثم بين الله ~~تعالى من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم، بقوله: الذين ~~أحصروا في سبيل الله والمعنى حبسوا ومنعوا وذهب بعض اللغويين إلى أن أحصر ~~وحصر بمعنى واحد من الحبس والمنع سواء كان ذلك بعدو أو بمرض ونحوه من ~~الأعذار، حكاه ابن سيده وغيره، وفسر السدي هنا الإحصار بأنه بالعدو. وذهب ~~بعضهم إلى أن أحصر إنما يكون بالمرض والأعذار. وحصر بالعدو. وعلى هذا فسر ~~ابن زيد وقتادة ورجحه الطبري. وتأول في هذه الآية أنهم هم حابسو أنفسهم ~~بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو ~~عذرا أحصروا به. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا متجه كأن هذه ms0444 الأعذار ~~أحصرتهم أي جعلتهم ذوي حصر، كما قالوا قبره أدخله في قبره وأقبره جعله ذا ~~قبر، فالعدو وكل محيط يحصر، والأعذار المانعة «تحصر» بضم التاء وكسر الصاد ~~أي تجعل المرء كالمحاط به، وقوله: في سبيل الله يحتمل الجهاد ويحتمل الدخول ~~في الإسلام، واللفظ يتناولهما، والضرب في الأرض هو التصرف في التجارة، وضرب ~~الأرض هو المشي إلى حاجة الإنسان في البراز، وكانوا لا يستطيعون الضرب في ~~الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من ~~الاكتساب بالجهاد. وإنكار الكفار عليهم إسلامهم PageV01P368 # يمنع من التصرف في التجارة. فبقوا فقراء إلا أنهم من الانقباض وترك ~~المسألة والتوكل على الله بحيث يحسبهم الجاهل بباطن أحوالهم أغنياء والتعفف ~~تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وبهذا ~~المعنى فسر قتادة وغيره، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي «يحسبهم» بكسر ~~السين. وكذلك هذا الفعل في كل القرآن، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة «يحسبهم» ~~بفتح السين في كل القرآن، وهما لغتان في «يحسب» كعهد ويعهد بفتح الهاء ~~وكسرها في حروف كثيرة أتت كذلك، قال أبو علي فتح السين في يحسب أقيس لأن ~~العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة، والقراءة بالكسر ~~حسنة بمجيء السمع به، وإن كان شاذا عن القياس، ومن في قوله: من التعفف ~~لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس لأن الجاهل ~~بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من ~~التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه ~~جمهور المفسرين، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى لا يسئلون الناس إلحافا: # المعنى لا يسألون البتة. وتحتمل الآية معنى آخر من فيه لبيان الجنس، ~~سنذكره بعد والسيما مقصورة العلامة. وبعض العرب يقول: السيمياء بزيادة ياء ~~وبالمد، ومنه قول الشاعر: [الطويل] . # له سيمياء لا تشق على البصر واختلف المفسرون في تعيين هذه «السيما» التي ~~يعرف بها هؤلاء المتعففون، فقال مجاهد: هي التخشع والتواضع، ms0445 وقال السدي ~~والربيع: هي جهد الحاجة وقصف الفقر في وجوههم وقلة النعمة، وقال ابن زيد: ~~هي رثة الثياب، وقال قوم، وحكاه مكي: هي أثر السجود. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا حسن لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا ~~شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبدا، و «الإلحاف» ~~والإلحاح بمعنى واحد، وقال قوم: هو مأخوذ من ألحف الشيء إذا غطاه وغمه ~~بالتغطية، ومنه اللحاف، ومنه قول ابن الأحمر: [الوافر] # يظل يحفهن بقفقفيه ... ويلحفهن هفهافا ثخينا # يصف ذكر نعام يحضن بيضا، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ~~ذلك، وذهب الطبري والزجاج وغيرهما إلى أن المعنى لا يسألون البتة. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ~~ونفي الإلحاف فقط، أما الأولى فعلى أن يكون التعفف صفة ثابتة لهم، ويحسبهم ~~الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون من لابتداء الغاية ويكون ~~قوله: لا يسئلون الناس إلحافا لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد ~~به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس، كما تقول: هذا رجل خير ~~لا يقتل المسلمين. # فقولك: «خير» قد تضمن أنه لا يقتل ولا يعصي بأقل من ذلك، ثم نبهت بقولك ~~لا يقتل المسلمين على قبح فعل غيره ممن يقتل، وكثيرا ما يقال مثل هذا إذا ~~كان المنبه عليه موجودا في القضية مشارا إليه في نفس المتكلم والسامع. ~~وسؤال الإلحاف لم تخل منه مدة، وهو مما يكره، فلذلك نبه عليه. PageV01P369 # وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون التعفف داخلا في المحسبة أي إنهم لا ~~يظهر لهم سؤالا، بل هو قليل. # وبإجمال فالجاهل به مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، ف من لبيان الجنس ~~على هذا التأويل، ثم نفى عنهم سؤال الإلحاف وبقي غير الإلحاف مقررا لهم ~~حسبما يقتضيه دليل الخطاب، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ~~ألفاظ السدي، وقال الزجاج رحمه الله: المعنى لا يكون منهم سؤال فلا يكون ~~إلحاف. وهذا كما قال ms0446 امرؤ القيس: [الطويل] على لاحب لا يهتدى بمناره. # أي ليس ثم منار فلا يكون اهتداء. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: إن كان الزجاج أراد لا يكون منهم سؤال ~~البتة فذلك لا تعطيه الألفاظ التي بعد لا، وإنما ينتفي السؤال إذا ضبط ~~المعنى من أول الآية على ما قدمناه، وإن كان أراد لا يكون منهم سؤال إلحاف ~~فذلك نص الآية، وأما تشبيهه الآية ببيت امرئ القيس فغير صحيح، وذلك أن ~~قوله: على لاحب لا يهتدى بمناره وقوله الآخر: [البسيط] . # قف بالطلول التي لم يعفها القدم وقول الشاعر: [المتقارب] # ومن خفت من جوره في القضا ... ء فما خفت جورك يا عافيه # وما جرى مجراه ترتيب يسبق منه أنه لا يهتدى بالمنار، وإن كان المنار ~~موجودا، فلا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط، وكذلك ينتفي ~~العفا وإن وجد القدم، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور، وهذا لا يترتب في ~~الآية، ويجوز أن يريد الشعراء أن الثاني معدوم فلذلك أدخلوا على الأول حرف ~~النفي إذ لا يصح الأول إلا بوجود الثاني، أي ليس ثم منار، فإذا لا يكون ~~اهتداء بمنار، وليس ثم قدم فإذا لا يكون عفا، وليس ثم جور فإذا لا يكون ~~خوف، وقوله تعالى: لا يسئلون الناس إلحافا، لا يترتب فيه شيء من هذا، لأن ~~حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره، ثم خصص بقوله: إلحافا جزءا من ~~ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال، وبيت الشعر ينتفي فيه الأول ~~بعدم الثاني إذ دخل حرف النفي فيه على شيء متعلق وجوده بوجود الذي يراد أنه ~~معدوم، والسؤال ليس هكذا مع الإلحاف، بل الأمر بالعكس إذ قد يعدم الإلحاف ~~منهم ويبقى لهم سؤال لا إلحاف فيه، ولو كان الكلام لا يلحفون الناس سؤالا ~~لقرب الشبه بالأبيات المتقدمة، وكذلك لو كان بعد لا يسألون شيء إذا عدم ~~السؤال، كأنك قلت تكسبا أو نحوه لصح الشبه، والله المستعان وقوله تعالى: ~~وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم وعد محض ms0447 أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ~~ويثيب. # قوله تعالى: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 274 الى 275] # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ~~وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره ~~إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) PageV01P370 # قال عبد الله بن عباس: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم ~~علانية، وقال ابن جريج: نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم عليا ولا غيره، وقال ~~ابن عباس أيضا نزلت هذه الآية في علف الخيل، وقاله عبد الله بن بشر الغافقي ~~وأبو ذر وأبو أمامة والأوزاعي وأبو الدرداء قالوا: هي في علف الخيل ~~والمرتبطة في السبيل، وقال قتادة هذه الآية في المنفقين في سبيل الله من ~~غير تبذير ولا تقتير. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله ~~عنه، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي ~~الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولا ~~محكما، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان المؤمنون يعملون بهذه الآية من قوله: إن ~~تبدوا الصدقات [البقرة: # 271] إلى قوله: ولا هم يحزنون [البقرة: 274] فلما نزلت براءة بتفصيل ~~الزكاة قصروا عليها، وقد تقدم القول على نفي الخوف والحزن، والفاء في قوله: ~~فلهم دخلت لما في الذين من الإبهام، فهو يشبه بإبهامه الإبهام الذي في ~~الشرط. فحسنت الفاء في جوابه كما تحسن في الشرط، وإنما يوجد الشبه إذا كان ~~الذي موصولا بفعل وإذا لم يدخل على «الذي» عامل يغير معناه، فإن قلت: الذي ~~أبوه زيد ms0448 هو عمرو فلا تحسن الفاء في قولك فهو، بل تلبس المعنى، وإذا قلت ~~ليت الذي جاءك جاءني لم يكن للفاء مدخل في المعنى، وهذه الفاء المذكورة ~~إنما تجيء مؤكدة للمعنى، وقد يستغنى عنها إذا لم يقصد التأكيد كقوله بعد: ~~لا يقومون وقوله عز وجل: الذين يأكلون الربا الآية، الربا هو الزيادة وهو ~~مأخوذ من ربا يربو إذا نما وزاد على ما كان، وغالبة ما كانت العرب تفعله من ~~قولها للغريم أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب ~~عليه، ومن الربا البين التفاضل في النوع الواحد لأنها زيادة، وكذلك أكثر ~~البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة ~~لأحدهما من تأخير ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة ~~قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها: آكل ربا ~~فبتجوز وتشبيه، والربا من ذوات الواو، وتثنيته ربوان عند سيبويه، ويكتب ~~بالألف. قال الكوفيون: يكتب ويثنى بالياء لأجل الكسرة التي في أوله. وكذلك ~~يقولون في الثلاثية من ذوات الواو إذا انكسر الأول أو انضم، نحو ضحى، فإن ~~كان مفتوحا نحو صفا فكما قال البصري. # ومعنى هذه الآية: الذين يكسبون الربا ويفعلونه، وقصد إلى لفظة الأكل ~~لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنها دالة على الجشع، فأقيم هذا ~~البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق ~~على العيال وغير ذلك داخل كله في قوله: الذين يأكلون، وقال ابن عباس رضي ~~الله PageV01P371 # عنه ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد: معنى ~~قوله: لا يقومون من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه ~~شيطان يخنفة، وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جمع المحشر، ~~ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن في قراءة عبد الله بن مسعود «لا ~~يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم» . # قال القاضي أبو محمد: وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم ~~بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام ms0449 المجنون، لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى ~~تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه، مخلط في هيئة حركاته، إما من ~~فزع أو غيره، قد جن هذا، وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله: ~~[الطويل] # وتصبح من غب السرى وكأنما ... ألم بها من طائف الجن أولق # لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا ~~التأويل ويتخبطه «يتفعله» من خبط يخبط كما تقول: تملكه وتعبده وتحمله. ~~والمس الجنون، وكذلك الأولق والألس والرود، وقوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا ~~إنما البيع مثل الربا معناه عند جميع المتأولين في الكفار، وأنه قول تكذيب ~~للشريعة ورد عليها. # والآية كلها في الكفار المربين نزلت ولهم قيل فله ما سلف ولا يقال ذلك ~~لمؤمن عاص، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية، ثم جزم ~~تعالى الخير في قوله: وأحل الله البيع وحرم الربا وقال بعض العلماء في ~~قوله: وأحل الله البيع هذا من عموم القرآن، لأن العرب كانت تقدر على ~~إنفاذه، لأن الأخذ والإعطاء عندها بيع، وكل ما عارض العموم فهو تخصيص منه، ~~وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم، والقول ~~الأول عندي أصح، قال جعفر بن محمد الصادق: حرم الله الربا ليتقارض الناس. ~~وقال بعض العلماء: حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس. # وسقطت علامة التأنيث في قوله: فمن جاءه لأن تأنيث الموعظة غير حقيقي وهو ~~بمعنى وعظ، وقرأ الحسن «فمن جاءته» بإثبات العلامة، وقوله: فله ما سلف أي ~~من الربا لاتباعه عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة قاله السدي وغيره، وهذا ~~حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هناك، وسلف ~~معناه تقدم في الزمن وانقضى. # وفي قوله تعالى: وأمره إلى الله أربع تأويلات: أحدها أن الضمير عائد على ~~الربا بمعنى: وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك. والثاني أن ~~يكون الضمير عائدا على ما سلف. أي أمره إلى الله في العفو ms0450 عنه وإسقاط ~~التبعية فيه. والثالث أن يكون الضمير عائدا على ذي الربا بمعنى أمره إلى ~~الله في أن يثيبه على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا. والرابع أن ~~يعود الضمير على المنتهي ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير. كما ~~تقول وأمره إلى طاعة وخير وموضع رجاء. وكما تقول وأمره في نمو أو إقبال إلى ~~الله وإلى طاعته، ويجيء الأمر هاهنا ليس في الربا خاصة بل وجملة أموره. ~~وقوله تعالى: ومن عاد يعني إلى فعل الربا والقول إنما البيع مثل الربا وإن ~~قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد PageV01P372 # حقيقي، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة، كما ~~تقول العرب: ملك خالد، عبارة عن دوام ما لا على التأبيد الحقيقي. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 276 الى 277] # يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) # يمحق معناه: ينقص ويذهب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه، ويربي الصدقات ~~معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفا، تقول: ربت الصدقة وأرباها الله تعالى ~~ورباها وذلك هو التضعيف لمن يشاء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ~~صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله، أو فلوه، حتى ~~يجيء يوم القيامة وأن اللقمة لعلى قدر أحد» . # قال القاضي أبو محمد: وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص ~~الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره ~~وهي نماء في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن الزبير: # «يمحق الله» بضم الياء وكسر الحاء مشددة، «ويربي» بفتح الراء وشد الباء، ~~ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. # وقوله تعالى: والله لا يحب كل كفار أثيم يقتضي أن الزجر في هذه الآيات ~~للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع إنما البيع مثل ~~الربا ووصف الكفار ب أثيم، إما ms0451 مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب ~~الاشتراك الذي في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض. ~~قاله ابن فورك قال ومعنى قوله: والله لا يحب أي لا يحب الكفار الأثيم. # قال القاضي أبو محمد: محسنا صالحا بل يريده مسيئا فاجرا، ويحتمل أن يريد ~~والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم. # وهذه تأويلات مستكرهة، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ~~ما لا يحتمله لفظه، وأما الثاني فغير صحيح المعنى، بل الله تعالى يحب ~~التوفيق على العموم ويحببه، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ~~ولطف به، وحرص على حفظه، وتظهر دلائل ذلك، والله تعالى يريد وجود الكافر ~~على ما هو عليه، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في ~~الشاهد، وتلك المزية موجودة للمؤمن، ولما انقضى ذكرهم عقب بذكر ضدهم ليبين ~~ما بين الحالين. # فقال إن الذين آمنوا الآية، وقد تقدم تفسير مثل ألفاظ هذه الآية، وخص ~~الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنهما عمل الصالحات تشريفا لهما، وتنبيها على ~~قدرهما، إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال ~~المال. PageV01P373 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 278 الى 279] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~(278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم ~~لا تظلمون ولا تظلمون (279) # سبب هذه الآية أنه كان الربا بين الناس كثيرا في ذلك الوقت، وكان بين ~~قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح: # «ألا كل ربا في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب» ~~، فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، وهذه من سنن العدل للإمام ~~أن يفيض العدل على نفسه وخاصته، فيستفيض حينئذ في الناس، ثم رجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل على ms0452 مكة عتاب بن أسيد، فلما استنزل ~~أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطا، منها ما أعطاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لم يعطه، وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على ~~الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم فهو موضوع، فيروى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرر لهم هذه ثم ردها الله بهذه الآية، كما رد صلحه لكفار ~~قريش في رد النساء إليهم عام الحديبية. # وذكر النقاش رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل ~~الكتاب لثقيف لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فلما جاءت آجال رباهم بعثوا ~~إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني المغيرة وهم بنو عمرو بن عمير من ~~ثقيف، وكانت لهم على بني المغيرة المخزوميين فقال بنو المغيرة لا تعطي شيئا ~~فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب به إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت، هذا سبب الآية على اختصار مجموع مما ~~روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم. # فمعنى الآية، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من ~~ربا وصفحكم عنه. وقوله: # إن كنتم مؤمنين شرط محض في ثقيف على بابه، لأنه كان في أول دخولهم في ~~الإسلام وإذا قدرنا الآية فيمن تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة ~~المبالغة، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه: إن كنت رجلا فافعل كذا، وحكى ~~النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال: إن في هذه الآية بمعنى إذ. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مردود لا يعرف في ~~اللغة، وقال ابن فورك: # يحتمل أنه يريد يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد من الأنبياء، ذروا ما ~~بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بمحمد، إذ لا ينفع الأول إلا بهذا وهذا مردود ~~بما روي في سبب الآية، ثم توعدهم تعالى إن ms0453 لم يذروا الربا بحرب من الله ومن ~~رسوله وأمته، والحرب داعية القتل، وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لأكل ~~الربا: خذ سلاحك للحرب، وقال ابن عباس أيضا: من كان مقيما على الربا لا ~~ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستنيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، وقال ~~قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا، ثم ردهم ~~تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم، وقال لهم: لا تظلمون في أخذ الربا ولا ~~تظلمون PageV01P374 # في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم، فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون لا ~~تظلمون في مطل، لأن مطل الغني ظلم، كما قال صلى الله عليه وسلم. # فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا. وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء ~~بالصلح ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار على كعب بن مالك في ~~دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر، فقال كعب: # نعم يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر: قم فاقضه، ~~فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات، وقرأ الحسن «ما بقي» بكسر ~~القاف وإسكان الياء، وهذا كما قال جرير: [البسيط] # هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف # ووجهها أنه شبه الياء بالألف، فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لم تصل ~~هنا إلى الياء، وفي هذا نظر، وقرأ أبو السمال من «الربو» بكسر الراء ~~المشددة وضم الباء وسكون الواو، وقال أبو الفتح: شذ هذا الحرف في أمرين: # أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازما، والآخر وقوع الواو بعد ~~الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل، نحو يغزو ويدعو وأما ذو ~~الطائية بمعنى الذي فشاذة جدا، ومنهم من يغير واوها إذا فارق الرفع، فيقول ~~رأيت ذا قام، ووجه القراءة أنه فخم الألف انتحاء بها الواو التي الألف بدل ~~منها على حد قولهم، الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي: «فأذنوا» مقصورة ms0454 مفتوحة الذال، وقرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر: «فآذنوا» ممدودة مكسورة الذال. # قال سيبويه: آذنت أعلمت، وأذنت ناديت وصوت بالإعلام قال: وبعض يجري آذنت ~~مجرى أذنت، قال أبو علي: من قال: «فأذنوا» فقصر، معناه فاعلموا الحرب من ~~الله، قال ابن عباس وغيره من المفسرين: معناه فاستيقنوا الحرب من الله ~~تعالى. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهي عندي من الإذن، وإذا أذن ~~المرء في شيء فقد قرره وبنى مع نفسه عليه، فكأنه قال لهم فقرروا الحرب ~~بينكم وبين الله ورسوله، ملزمهم من لفظ الآية أنهم مستدعو الحرب والباغون ~~بها، إذ هم الآذنون بها وفيها، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم ~~بأنهم حرب وتيقنهم لذلك، قال أبو علي: ومن قرأ «فآذنوا» فمد، فتقديره ~~فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول محذوف، وقد ثبت هذا المفعول في ~~قوله تعالى: فقل آذنتكم على سواء [الأنبياء: 109] وإذا أمروا بإعلام غيرهم ~~علموا هم لا محالة، قال: ففي إعلامهم علمهم، وليس في علمهم إعلامهم غيرهم، ~~فقراءة المد أرجح، لأنها أبلغ وآكد قال الطبري: قراءة القصر أرجح لأنها ~~تختص بهم، وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والقراءتان عندي سواء لأن ~~المخاطب في الآية محضور بأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا، فإن قيل لهم: ~~«فأذنوا» فقد عمهم الأمر، وإن قيل لهم: # «فآذنوا» بالمد فالمعنى أنفسكم وبعضكم بعضا، وكأن هذه القراءة تقتضي فسحا ~~لهم في الارتياء PageV01P375 # والتثبيت أي فأعلموا نفوسكم هذا ثم انظروا في الأرجح لكم، ترك الربا أو ~~الحرب، وقرأ جميع القراء «لا تظلمون» بفتح التاء و «لا تظلمون» بضمها وقد ~~مضى تفسيره. # وروى المفضل عن عاصم: لا «تظلمون» بضم التاء في الأولى وفتحها في ~~الثانية. قال أبو علي: # وتترجح قراءة الجماعة فإنها تناسب قوله فإن تبتم في إسناد الفعلين إلى ~~الفاعل فيجيء «تظلمون» بفتح التاء أشكل بما قبله. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : الآيات 280 الى 281] # وإن كان ذو ms0455 عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون (281) # حكم الله تعالى لأرباب الربا برؤوس الأموال عند الواجدين للمال، ثم حكم ~~في ذي العسرة بالنظرة إلى حالة اليسر. قال المهدوي: وقال بعض العلماء هذه ~~الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وحكى مكي: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام. # قال القاضي أبو محمد: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ، ~~وإلا فليس بنسخ، و «العسرة» ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة، ~~والنظرة التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، وارتفع ذو عسرة ب كان التامة ~~التي هي بمعنى وجد وحدث. هذا قول سيبويه وأبي علي وغيرهما، ومن هنا يظهر أن ~~الأصل الغنى ووفور الذمة، وأن العدم طارئ حادث يلزم أن يثبت. وقال بعض ~~الكوفيين، حكاه الطبري: بل هي كان الناقصة والخبر محذوف، تقديره وإن كان من ~~غرمائكم ذو عسرة وارتفع قوله: فنظرة على خبر ابتداء مقدر، تقديره فالواجب ~~نظرة، أو فالحكم نظرة. # قال الطبري: وفي مصحف أبي بن كعب: وإن كان ذو عسرة على معنى وإن كان ~~المطلوب، وقرأ الأعمش «وإن كان معسرا فنظرة» . # قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبي بن كعب، قال مكي ~~والنقاش وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ وإن كان ذو عسرة ~~بالواو فهي عامة في جميع من عليه دين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير لازم، وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان، ~~«فإن كان» بالفاء ذو عسرة بالواو، وقراءة الجماعة نظرة بكسر الظاء، وقرأ ~~مجاهد وأبو رجاء والحسن: «فنظرة» بسكون الظاء، وكذلك قرأ الضحاك، وهي على ~~تسكين الظاء من نظرة، وهي لغة تميمية، وهم الذين يقولون: كرم زيد بمعنى ~~كرم، ويقولون: كبد في كبد، وكتف في كتف، وقرأ عطاء بن أبي رباح «فناظرة» ~~على وزن فاعلة، ms0456 وقال الزجاج: هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى: ليس ~~لوقعتها كاذبة [الواقعة: 2] وكقوله تعالى: تظن أن يفعل بها فاقرة [القيامة: ~~25] ، وكخائنة الأعين وغيره، وقرأ نافع PageV01P376 # وحده «ميسرة» بضم السين، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس «ميسرة» بفتح ~~السين على وزن مفعلة، وهذه القراءة أكثر في كلام العرب، لأن مفعلة بضم ~~العين قليل. # قال أبو علي: قد قالوا: مسربة ومشربة، ولكن مفعلة بفتح العين أكثر في ~~كلامهم، وقرأ عطاء بن أبي رياح أيضا ومجاهد: «فناظره إلى ميسره» على الأمر ~~في «ناظره» وجعلا الهاء ضمير الغريم، وضما السين من «ميسره» وكسرا الراء ~~وجعلا الهاء ضمير الغريم، فأما ناظره ففاعله من التأخير، كما تقول: سامحه، ~~وأما ميسر فشاذ، قال سيبويه: ليس في الكلام مفعل، قال أبو علي يريد في ~~الآحاد، فأما في الجمع فقد جاء قول عدي بن زيد: [الرمل] # أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظار # وقول جميل: [الطويل] # بثين الزمي- لا- إن- لا- إن لزمته ... على كثرة الواشين أي معون # فالأول جمع مالكة، والآخر جمع معونة، وقال ابن جني: إن عديا أراد مالكة ~~فحذف، وكذلك جميل أراد أي معونة، وكذلك قول الآخر: [الرجز] «ليوم روع أو ~~فعال مكرم» «أراد مكرمة» ، فحذف قال: ويحتمل أن تكون جموعا كما قال أبو ~~علي. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فإن كان ميسر جمع ميسرة ~~فيجري مجرى هذه الأمثلة، وإن كان قارئه أراد به الإفراد فذلك شاذ، وقد خطأه ~~بعض الناس، وكلام سيبويه يرده، واختلف أهل العلم: هل هذا الحكم بالنظرة إلى ~~الميسرة: واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال؟ # فقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصة، وأما الديون وسائر الأمانات ~~فليس فيها نظرة، بل تؤدى إلى أهلها، وكأن هذا القول يترتب إذا لم يكن فقر ~~مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة، وقال جمهور ~~العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الدين ربا أو من ~~تجارة في ذمة أو من أمانة، فسره ms0457 الضحاك. # وقوله تعالى: وأن تصدقوا ابتداء وخبره خير، وندب الله تعالى بهذه الألفاظ ~~إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره، قاله السدي وابن زيد ~~والضحاك وجمهور الناس. وقال الطبري وقال آخرون معنى الآية وأن تصدقوا على ~~الغني والفقير خير لكم، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة أقوالا لقتادة ~~وإبراهيم النخعي لا يلزم منها ما تضمنته ترجمته، بل هي كقول جمهور الناس، ~~وليس في الآية مدخل للغني، وقرأ جمهور القراء: «تصدقوا» بتشديد الصاد على ~~الإدغام من تتصدقوا. وقرأ عاصم «وأن تصدقوا» بتخفيف الصاد وفي مصحف عبد ~~الله بن مسعود «وأن تصدقوا» بفك الإدغام. # وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: كان آخر ما أنزل من ~~القرآن آية الربا، وقبض PageV01P377 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. وقال ~~ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا عندي أنها من آخر ~~ما نزل، لأن جمهور الناس وابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج وغيرهم، قال: ~~آخر آية قوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وقال سعيد بن المسيب: ~~بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين، وروي أن قوله عز وجل: واتقوا نزلت ~~قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وروي ~~بثلاث ليال، وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه قال عليه السلام ~~اجعلوها بين آية الربا وآية الدين، وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية، من البقرة. # وقوله تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله إلى آخر الآية، وعظ لجميع ~~الناس وأمر يخص كل إنسان، ويوما منصوب على المفعول لا على الظرف. وقرأ أبو ~~عمرو بن العلاء «ترجعون» بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ باقي السبعة «ترجعون» ~~بضم التاء وفتح الجيم، فمثل قراءة أبي عمرو إن إلينا إيابهم [الغاشية: 25] ~~ومثل قراءة الجماعة ثم ردوا إلى ms0458 الله [الأنعام: 62] ولئن رددت إلى ربي ~~[الكهف: 36] المخاطبة في القراءتين بالتاء على جهة المبالغة في الوعظ ~~والتحذير، وقرأ الحسن «يرجعون» بالياء على معنى يرجع جميع الناس. # قال ابن جني كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ ~~هي مما تنفطر له القلوب. فقال لهم: واتقوا يوما، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى ~~الغيبة رفقا بهم، وقرأ أبي بن كعب «يوما تردون» بضم التاء، وجمهور العلماء ~~على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية، وقال قوم هو ~~يوم الموت، والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية، وفي قوله: إلى الله مضاف ~~محذوف تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه، وقوله وهم رد على معنى كل نفس لا ~~على اللفظ إلا على قراءة الحسن «يرجعون» ، فقوله: وهم رد على ضمير الجماعة ~~في «يرجعون» ، وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان. ~~وهذا رد على الجبرية. # قوله عز وجل: # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب قال ابن عباس رضي ~~الله عنه نزلت هذه الآية في السلم خاصة. # قال القاضي أبو محمد: معناه أن سلم أهل المدينة كان بسبب هذه الآية، ثم ~~هي تتناول جميع المداينات إجماعا، وبين تعالى بقوله: بدين ما في قوله: ~~تداينتم من الاشتراك، إذ قد يقال في كلام العرب: تداينوا بمعنى جازى بعضهم ~~بعضا. ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها، ~~وإذا لم تكن تسمية وحد فليس أجل، وذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب PageV01P378 # على أربابها فرض بهذه الآية، وذهب الربيع إلى أن ذلك وجب بهذه الألفاظ، ~~ثم خففه الله تعالى بقوله: # فإن أمن بعضكم بعضا [البقرة: 283] . وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: ~~فإن أمن ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن ~~أبي سعيد الخدري، وقال جمهور العلماء: # الأمر بالكتب ندب إلى حفظ ms0459 الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا ~~فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق، ~~وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، وهذا هو القول الصحيح، ~~ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ~~ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس، ثم علم تعالى أنه سيقع ~~الائتمان فقال إن وقع ذلك فليؤد [البقرة: 283] الآية، فهذه وصية للذين ~~عليهم الديون، ولم يجزم تعالى الأمر نصا بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان، ~~وأما الطبري رحمه الله فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في ~~الاحتجاج، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ~~ذلك. # واختلف الناس في قوله تعالى: وليكتب بينكم فقال عطاء وغيره: واجب على ~~الكاتب أن يكتب، وقال الشعبي وعطاء أيضا: إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه ~~أن يكتب، وقال السدي: هو واجب مع الفراغ، وقوله تعالى: بالعدل معناه بالحق ~~والمعدلة، والباء متعلقة بقوله تعالى: وليكتب، وليست متعلقة ب كاتب لأنه ~~كان يلزم أن لا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد ~~والمسخوط إذا أقاموا فقهها، أما أن المنتصبين لكتبها لا يتجوز للولاة ما أن ~~يتركوهم إلا عدولا مرضيين، وقال مالك رحمه الله: لا يكتب الوثائق من الناس ~~إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى وليكتب بينكم كاتب بالعدل ثم ~~نهى الله تعالى الكتاب عن الإباية، وأبى يأبى شاذ لم يجىء إلا قلى يقلى ~~وأبا يأبى، ولا يجيء فعل يفعل بفتح العين في المضارع إلا إذا رده حرف حلق، ~~قال الزجاج والقول في أبى أن الألف فيه أشبهت الهمزة فلذلك جاء مضارعه يفعل ~~بفتح العين، وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله ولا يأب منسوخ بقوله ~~لا يضار كاتب ولا شهيد [البقرة: 282] والكاف في قوله كما علمه الله متعلقة ~~بقوله: أن يكتب المعنى كتبا كما علمه الله، هذا قول بعضهم، ويحتمل ms0460 أن تكون ~~كما متعلقة بما في قوله ولا يأب من المعنى أي كما أنعم الله عليه بعلم ~~الكتابة فلا يأب هو، وليفضل كما أفضل الله عليه، ويحتمل أن يكون الكلام على ~~هذا المعنى تاما عند قوله: أن يكتب، ثم يكون قوله: كما علمه الله ابتداء ~~كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله فليكتب. # قال القاضي أبو محمد: وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا ~~وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه ~~وجوب الندب حينئذ على الحاضر، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى: ~~وافعلوا الخير [الحج: 77] وهو من باب عون الضائع. # قوله عز وجل: # وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذى ~~عليه الحق PageV01P379 # سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل أمر الله ~~تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره، وإذا ~~كتبت الوثيقة وأقر بها فهو كإملاء له. وأمره الله بالتقوى فيما يملي ونهي ~~عن أن يبخس شيئا من الحق، والبخس النقص بنوع من المخادعة والمدافعة، وهؤلاء ~~الذين أمروا بالإملاء هم المالكون لأنفسهم إذا حضروا، ثم ذكر الله تعالى ~~ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمن. # فقال فإن كان الذي عليه الحق سفيها وكون الحق يترتب في جهات سوى ~~المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك، والسفيه المهلهل الرأي في المال ~~الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف ~~النسج، والسفه الخفة، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة: [الطويل] . # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي، وذلك هو وليه، ثم قال: ~~أو ضعيفا والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة، وهذا أيضا قد يكون ~~وليه أبا أو وصيا، الذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير، ووليه وصيه أو أبوه ~~والغائب عن موضع الإشهاد إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، ووليه ms0461 وكيله، وأما ~~الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممن لا يستطيع، فهذه أصناف ~~تتميز، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد، ~~وربما اجتمعت كلها في شخص، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من ~~العلماء الحذاق، وقال بعض الناس: السفيه الصبي الصغير، وهذا خطأ، وقال قوم ~~الضعيف هو الكبير الأحمق، وهذا قول حسن، وجاء الفعل مضاعفا في قوله: أن يمل ~~لأنه لو فك لتوالت حركات كثيرة، والفك في هذا الفعل لغة قريش. وبالعدل ~~معناه بالحق وقصد الصواب، وذهب الطبري إلى أن الضمير في وليه عائد على ~~الحق، وأسند في ذلك عن الربيع وعن ابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد على ~~البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين؟ هذا شيء ~~ليس في الشريعة، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع أن يمل ~~بمرضه إذا كان عاجزا عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، ~~فإذا كمل الإملاء أقر به، وهذا معنى لم تعن الآية إليه، ولا يصح هذا إلا ~~فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض. # قوله عز وجل: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون ~~من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى الاستشهاد: طلب الشهادة ~~وعبر ببناء مبالغة في شهيدين دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه، PageV01P380 # فكأنها إشارة إلى العدالة: وقوله تعالى: من رجالكم نص في رفض الكفار ~~والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم. واختلف العلماء فيهم فقال ~~شريح وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا، ~~وغلبوا لفظ الآية. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء: لا تجوز ~~شهادة العبد، وغلبوا نقص الرق، واسم كان الضمير الذي في قوله يكونا. # والمعنى في قول الجمهور، فإن لم يكن المستشهد رجلين أي إن أغفل ذلك صاحب ~~الحق أو قصده لعذر ما، وقال قوم: ms0462 بل المعنى فإن لم يوجد رجلان، ولا يجوز ~~استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، وهذا قول ضعيف، ولفظ الآية لا يعطيه ~~بل الظاهر منه قول الجمهور، وقوله: فرجل وامرأتان مرتفع بأحد ثلاثة أشياء، ~~إما أن تقدر فليستشهد رجل وامرأتان، وإما فليكن رجل وامرأتان ويصح أن تكون ~~يكونا هذه التامة والناقصة، ولكن التامة أشبه، لأنه يقل الإضمار، وإما فرجل ~~وامرأتان يشهدون، وعلى كل وجه فالمقدر هو العامل في قوله: أن تضل إحداهما ~~وروى حميد بن عبد الرحمن عن بعض أهل مكة أنهم قرؤوا «وامرأتان» بهمز الألف ~~ساكنة. # قال ابن جني: لا نظير لتسكين الهمزة المتحركة على غير قياس وإنما خففوا ~~الهمزة فقربت من الساكن، ثم بالغوا في ذلك فصارت الهمزة ألفا ساكنة كما قال ~~الشاعر: [الطويل] . # يقولون جهلا ليس للشيخ عيل ... لعمري لقد أعيلت وأن رقوب # يريد «وأنا» ، ثم بعد ذلك يدخلون الهمزة على هذه الألف كما هي. وهي ساكنة ~~وفي هذا نظر، ومنه قراءة ابن كثير «عن ساقيها» وقولهم يا ذو خاتم قال أبو ~~الفتح: فإن قيل شبهت الهمزة بالألف في أنها ساوتها في الجهر والزيادة ~~والبدل والحذف وقرب المخرج وفي الخفاء فقول مخشوب لا صنعة فيه، ولا يكاد ~~يقنع بمثله، وقوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء رفع في موضع الصفة لقوله عز ~~وجل: فرجل وامرأتان. # قال أبو علي: ولا يدخل في هذه الصفة قوله: شهيدين اختلاف الإعراب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حكم لفظي، وأما المعنى فالرضى شرط في الشهيدين ~~كما هو في الرجل والمرأتين. # قال ابن بكير وغيره: قوله ممن ترضون مخاطبة للحكام. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن ~~المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب ~~فيما يتلبس به البعض، وفي قوله: ممن ترضون دليل على أن في الشهود من لا ~~يرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم. ~~وقرأ حمزة وحده: «إن تضل» بكسر الألف وفتح التاء وكسر الضاد «فتذكر» ms0463 بفتح ~~الذال ورفع الراء وهي قراءة الأعمش. وقرأها الباقون «أن تضل» بفتح الألف ~~«فتذكر» بنصب الراء. غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الذال والكاف، وشددها ~~الباقون، وقد تقدم القول فيما هو العامل في قوله: أن تضل، وأن مفعول من ~~أجله والشهادة لم تقع لأن تضل إحداهما. وإنما وقع إشهاد امرأتين لأن تذكر PageV01P381 # إحداهما إن ضلت الأخرى. قال سيبويه: وهذا كما تقول: أعددت هذه الخشبة أن ~~يميل هذا الحائط فأدعمه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ولما كانت النفوس مستشرفة ~~إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود أن ~~يخبر به، وفي ذلك سبق النفوس إلى الإعلام بمرادها، وهذا من أنواع أبرع ~~الفصاحة، إذ لو قال رجل لك: أعددت هذه الخشبة أن أدعم بها الحائط، لقال ~~السامع: ولم تدعم حائطا قائما؟ فيجب ذكر السبب فيقال: إذا مال. فجاء في ~~كلامهم تقديم السبب أخصر من هذه المحاورة. وقال أبو عبيد: معنى تضل تنسى. # قال القاضي أبو محمد: والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر ~~جزء. ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالا، ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل ~~فيها، فأما قراءة حمزة فجعل أن الجزاء، والفاء في قوله فتذكر جواب الجزاء، ~~وموضع الشرط وجوابه رفع بكونه صفة للمذكور، وهما المرأتان، وارتفع «تذكر» ~~كما ارتفع قوله تعالى: ومن عاد فينتقم الله منه [المائدة: 95] هذا قول ~~سيبويه. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وأما نصب قوله «فتذكر» على قراءة ~~الجماعة فعلى العطف على الفعل المنصوب ب أن، وتخفيف الكاف على قراءة أبي ~~عمرو وابن كثير هو بمعنى تثقيله من الذكر، يقال: ذكرت وأذكرته تعديه ~~بالتضعيف أو بالهمز، وروي عن أبي عمرو بن العلاء وسفيان بن عيينة أنهما ~~قالا: معنى قوله: «فتذكر» بتخفيف الكاف أي تردها ذكرا في الشهادة، لأن ~~شهادة امرأة تصف شهادة، فإذا شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر، وهذا تأويل ~~بعيد، غير فصيح، ولا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذكر، وذكرت بشد ms0464 الكاف ~~يتعدى إلى مفعولين، وأحدهما في الآية محذوف، تقديره فتذكر إحداهما الأخرى ~~«الشهادة» ، التي ضلت عنها، وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر: «أن تضل» بضم التاء ~~وفتح الضاد بمعنى تنسى، هكذا حكى عنهما أبو عمرو الداني، وحكى النقاش عن ~~الجحدري ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة، تقول: أضللت الفرس ~~والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما، وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهد ~~«فتذكر» بتخفيف الكاف المكسورة ورفع الراء، وتضمنت هذه الآية جواز شهادة ~~امرأتين بشرط اقترانهما برجل، واختلف قول مالك في شهادتهما، فروى عنه ابن ~~وهب أن شهادة النساء لا تجوز إلا حيث ذكرها الله في الدين، أو فيما لا يطلع ~~عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك، وروى عنه ابن القاسم أنها تجوز في ~~الأموال والوكالات على الأموال وكل ما جر إلى مال، وخالف في ذلك أشهب ~~وغيره، وكذلك إذا شهدن على ما يؤدي إلى غير مال، ففيها قولان في المذهب. # قوله عز وجل: # ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى ~~أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا قال قتادة ~~والربيع وغيرهما: معنى الآية، إذا دعوا أن يشهدوا فيتقيد حق بشهادتهم، وفي ~~هذا المعنى PageV01P382 # نزلت، لأنه كان يطوف الرجل في القوم الكثير يطلب من يشهد له فيتحرجون هم ~~عن الشهادة فلا يقوم معه أحد، فنزلت الآية في ذلك، وقال الحسن بن أبي ~~الحسن: الآية جمعت أمرين: لا تأب إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا دعيت ~~إلى أدائها، وقاله ابن عباس، وقال مجاهد: معنى الآية، لا تأب إذا دعيت إلى ~~أداء شهادة قد حصلت عندك، وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~فسر الآية بهذا، قال مجاهد: فأما إذا دعيت لتشهد أولا، فإن شئت فاذهب، وإن ~~شئت فلا تذهب، وقاله لا حق بن حميد وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن ~~زيد وغيرهم. # قال القاضي أبو محمد: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب، ~~فالمسلمون ms0465 مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود وإلا ~~من تعطل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر وإن تخلف لغير عذر فلا ~~إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي ~~الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن ~~الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى ~~أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء، ولا ~~تسئموا معناه تملوا، وصغيرا أو كبيرا حالان من الضمير في تكتبوه، وقدم ~~الصغير اهتماما به، وهذا النبي الذي جاء عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة ~~عندهم، فخيف عليهم أن يملوا الكتب وأقسط معناه أعدل. وهذا أفعل من الرباعي ~~وفيه شذوذ، فانظر هل هو من قسط بضم السين؟ كما تقول: «أكرم» من «كرم» يقال: ~~أقسط بمعنى عدل وقسط بمعنى جار، ومنه قوله تعالى: أما القاسطون فكانوا ~~لجهنم حطبا # [الجن: 15] ومن قدر قوله تعالى: وأقوم للشهادة بمعنى وأشد إقامة فذلك ~~أيضا أفعل من الرباعي، ومن قدرها من قام بمعنى اعتدل زال عن الشذوذ، وأدنى ~~معناه أقرب، وترتابوا معناه، تشكوا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي. «يسأموا» و ~~«يكتبوا» و «يرتابوا» كلها بالياء على الحكاية عن الغائب. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 282] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها ms0466 بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # لما علم الله تعالى مشقة الكتاب عليهم نص على ترك ذلك ورفع الجناح فيه في ~~كل مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليل كالمطعوم ونحوه لا في كثير ~~كالأملاك ونحوها. وقال السدي والضحاك: # هذا فيما كان يدا بيد تأخذ وتعطي، وأن في موضع نصب على الاستثناء ~~المنقطع، وقوله تعالى: # تديرونها بينكم يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض، ولما كانت الرباع ~~والأرض وكثير من الحيوان لا تقوى البينونة به ولا يعاب عليه حسن الكتب فيها ~~ولحقت في ذلك بمبايعة الدين وقرأ عاصم وحده «تجارة» نصبا، وقرأ الباقون ~~«تجارة» رفعا، قال أبو علي وأشك في ابن عامر، وإذا أتت بمعنى حدث ووقع غنيت PageV01P383 # عن خبر، وإذا خلع منها معنى الحدوث لزمها الخبر المنصوب، فحجة من رفع ~~تجارة إن كان بمعنى حدث ووقع، وأما من نصب فعلى خبر كان، والاسم مقدر ~~تقديره عند أبي علي إما المبايعة التي دلت الآيات المتقدمة عليها، وإما إلا ~~أن تكون التجارة تجارة، ويكون ذلك مثل قول الشاعر: [الطويل] . # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # أي إذا كان اليوم يوما. # قال القاضي أبو محمد: هكذا أنشد أبو علي البيت، وكذلك أبو العباس المبرد، ~~وأنشده الطبري: # [الطويل] # ولله قومي أي قوم لحرة ... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # وأنشده سيبويه بالرفع إذا كان يوم ذو كواكب. # وقوله تعالى: وأشهدوا إذا تبايعتم قال الطبري معناه وأشهدوا على صغير ذلك ~~وكبيره، واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو على الندب؟ فقال الحسن والشعبي ~~وغيرهما: ذلك على الندب، وقال ابن عمرو والضحاك: ذلك على الوجوب، وكان ابن ~~عمر يفعله في قليل الأشياء وكثيرها، وقاله عطاء ورجح ذلك الطبري. # قال القاضي أبو محمد: والوجوب في ذلك قلق أما في الدقائق فصعب شاق وأما ~~ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك ms0467 الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض ~~البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه، فيدخل ~~ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في ~~الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا. # وحكى المهدوي عن قوم أنهم قالوا: وأشهدوا إذا تبايعتم منسوخ بقوله فإن ~~أمن [البقرة: 283] ، وذكره مكي عن أبي سعيد الخدري. # واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد. فقال الحسن ~~وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم: المعنى ولا يضار الكاتب بأن يكتب ما لم يمل ~~عليه ولا يضار الشاهد بأن يزيد في الشهادة أو ينقص منها، وقال مثله ابن ~~عباس ومجاهد وعطاء إلا أنهم قالوا: لا يضار الكاتب والشاهد بأن يمتنعا. # قال القاضي أبو محمد: ولفظ الضرر يعم هذا والقول الأول، والأصل في يضار ~~على هذين القولين «يضارر» بكسر الراء ثم وقع الإدغام وفتحت الراء في الجزم ~~لخفة الفتحة، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد والضحاك والسدي وطاوس وغيرهم: معنى ~~الآية ولا يضار كاتب ولا شهيد بأن يؤذيه طالب الكتبة أو الشهادة فيقول اكتب ~~لي أو اشهد لي في وقت عذر أو شغل للكاتب أو الشاهد فإذا اعتذرا بعذرهما حرج ~~وآذاهما، وقال خالفت أمر الله ونحو هذا من القول، ولفظ المضارة إذ هو من ~~اثنين يقتضي هذه المعاني كلها، والكاتب والشهيد على القول الأول رفع ~~بفعلهما وفي القول الثاني رفع على المفعول الذي لم يسم PageV01P384 # فاعله، وأصل يضار على القول الثاني «يضارر» بفتح الراء، وروي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وعن ابن مسعود ومجاهد أنهم كانوا يقرؤون «ولا يضارر» ~~بالفك وفتح الراء الأولى، وهذا على معنى أن يبدأهما بالضرر طالب الكتبة ~~والشهادة، وذكر ذلك الطبري عنهم في ترجمة هذا القول وفسر القراءة بهذا ~~المعنى فدل ذلك على أن الراء الأولى مفتوحة كما ذكرنا، وحكى أبو عمرو ~~الداني عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق ومجاهد أن الراء الأولى ~~مكسورة، وحكى عنهم أيضا فتحها، وفك الفعل ms0468 هي لغة أهل الحجاز والإدغام لغة ~~تميم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وعمرو بن عبيد «ولا يضار» بجزم الراء، قال ~~أبو الفتح: تسكين الراء مع التشديد فيه نظر، ولكن طريقه أجرى الوصل مجرى ~~الوقف، وقرأ عكرمة «ولا يضارر» بكسر الراء الأولى «كاتبا ولا شهيدا» بالنصب ~~أي لا يبدأهما صاحب الحق بضرر، ووجوه المضارة لا تنحصر، وروى مقسم عن عكرمة ~~أنه قرأ «ولا يضار» بالإدغام وكسر الراء للالتقاء، وقرأ ابن محيصن «ولا ~~يضار» برفع الراء مشددة، قال ابن مجاهد: ولا أدري ما هذه القراءة؟ # قال أبو الفتح هذا الذي أنكره ابن مجاهد معروف، وذلك على أن تجعل لا نفيا ~~أي ليس ينبغي أن يضار كما قال الشاعر: [الطويل] # على الحكم المأتي يوما إذا انقضى ... قضيته أن لا يجوز ويقصد # فرفع ويقصد على إرادة وينبغي أن يقصد فكذلك يرتفع «ولا يضار» على معنى ~~وينبغي أن لا يضار، قال: وإن شئت كان لفظ خبر على معنى النهي. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من النظر الأول. # وقوله تعالى: وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم من جعل المضارة المنهي عنها زيادة ~~الكاتب والشاهد فيما أملي عليهما أو نقصهما منه فالفسوق على عرفه في الشرع ~~وهو مواقعة الكبائر، لأن هذا من الكذب المؤذي في الأموال والأبشار، وفيه ~~إبطال الحق، ومن جعل المضارة المنهي عنها أذى الكاتب والشاهد بأن يقال ~~لهما: أجيبا ولا تخالفا أمر الله أو جعلها امتناعهما إذا دعيا فالفسوق على ~~أصله في اللغة الذي هو الخروج من شيء كما يقال فسقت الفأرة إذا خرجت من ~~جحرها، وفسقت الرطبة فكأن فاعل هذا فسق عن الصواب والحق في هذه النازلة، ~~ومن حيث خالف أمر الله في هذه الآية فيقرب الأمر من الفسوق العرفي في ~~الشرع، وقوله بكم تقديره فسوق حال بكم، وباقي الآية موعظة وتعديد نعمه ~~والله المستعان والمفضل لا رب غيره، وقيل إن معنى الآية الوعد بأن من اتقى ~~علم الخير وألهمه. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 283] # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا ms0469 كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (283) # لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال ~~والأديان عقب ذلك بذكر حال PageV01P385 # الأعذار المانعة من الكتب وجعل لها الرهن ونص من أحوال العذر على السفر ~~الذي هو الغالب من الأعذار لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك ~~بالمعنى كل عذر، فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس ~~وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. # وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، ~~فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «كذب ~~إني لأمين في الأرض أمين في السماء، ولو ائتمنني لأديت، اذهبوا إليه بدرعي» ~~. # وقد قال جمهور من العلماء الرهن في السفر ثابت في القرآن، وفي الحضر ثابت ~~في الحديث. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، إلا أنه لم يمعن فيه النظر في لفظ السفر ~~في الآية، وإذا كان السفر في الآية مثالا من الأعذار فالرهن في الحضر موجود ~~في الآية بالمعنى، إذ قد تترتب الأعذار في الحضر، وذهب الضحاك ومجاهد إلى ~~أن الرهن والائتمان إنما هو في السفر، وأما في الحضر فلا ينبغي شيء من ذلك، ~~وضعف الطبري قولهما في الرهن بحسب الحديث الثابت الذي ذكرته، وقوي قولهما ~~في الائتمان، والصحيح ضعف القول في الفصلين بل يقع الائتمان في الحضر كثيرا ~~ويحسن، وقرأ جمهور القراء «كاتبا» بمعنى رجل يكتب، وقرأ أبي بن كعب وابن ~~عباس «كتابا» بكسر الكاف وتخفيف التاء وألف بعدها وهو مصدر، قال مكي: وقيل ~~هو جمع كاتب كقائم وقيام. # قال القاضي أبو محمد: ومثله صاحب وصحاب، وقرأ بذلك مجاهد وأبو العالية ~~وقالا: المعنى وإن عدمت الدواة والقلم أو الصحيفة، ونفي وجود الكتاب يكون ~~بعدم أي آلة اتفق من الآلة، فنفي الكتاب يعمها، ونفي الكاتب أيضا ms0470 يقتضي نفي ~~الكتاب فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ~~«كتابا» بضم الكاف على جمع كاتب، وهذا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل ~~للجماعة ولم تجدوا كتابا، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ ~~«كاتبا» ، وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ «كتبا» وهذا جمع كتاب من ~~حيث النوازل مختلفة، وهذا هو الجنس الذي تدل عليه قراءة من قرأ «كتابا» . # وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وجمهور من العلماء «فرهان» ، ~~وقرأ أبو عمرو وابن كثير «فرهن» بضم الراء والهاء، وروي عنهما تخفيف الهاء. ~~وقد قرأ بكل واحدة جماعة غيرهما. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: رهن الشيء في كلام العرب ~~معناه: دام واستمر، يقال أرهن لهم الشراب وغيره قال ابن سيده: ورهنه أي ~~أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر: [السريع] # اللحم والخبز لهم راهن ... وقهوة راووقها ساكب # أي دائم قال أبو علي ولما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام فمن ثم بطل ~~الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى يد الراهن بوجه من الوجوه ~~لأنه فارق ما جعل له، ويقال أرهن في السلعة إذا غالى فيها حتى أخذها بكثير ~~الثمن، ومنه قول الشاعر في وصف ناقة: [البسيط] PageV01P386 # يطوي ابن سلمى بها من راكب بعدا ... عيدية أرهنت فيها الدنانير # العيد بطن من مهرة، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة، ويقال في معنى الرهن الذي ~~هو التوثقة من الحق: # أرهنت إرهانا فيما حكى بعضهم، وقال أبو علي يقال: أرهنت في المغالاة، ~~وأما في القرض والبيع فرهنت. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقال بلا خلاف في البيع ~~والقرض: رهنت رهنا، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع، ونقل إلى التسمية، ~~ولذلك كسر في الجمع كما تكسر الأسماء وكما تكسر المصادر التي يسمى بها وصار ~~فعله ينصبه نصب المفعول به لا نصب المصدر، تقول: رهنت رهنا فذلك كما تقول ~~رهنت ثوبا، لا كما تقول: رهنت الثوب رهنا وضربت ms0471 ضربا، قال أبو علي: وقد ~~يقال في هذا المعنى أرهنت، وفعلت فيه أكثر، ومنه قول الشاعر: [الوافر] # يراهنني ويرهنني بنيه ... وأرهنه بني بما أقول # وقال الأعشى: [الكامل] # حتى يقيدك من بنيه رهينة ... نعش ويرهنك السماك الفرقدا # فهذه رويت من رهن وأما أرهن فمنه قول همام بن مرة: [المتقارب] # ولما خشيت أظافرهم ... نجوت وأرهنتهم مالكا # قال الزجاج يقال في الرهن رهنت وأرهنت، وقاله ابن الأعرابي، ويقال رهنت ~~لساني بكذا ولا يقال فيه أرهنت. # قال القاضي أبو محمد: فمن قرأ «فرهان» فهو جمع رهن، ك «كبش» و «كباش» ، و ~~«كعب» وكعاب، ونعل ونعال، وبغل وبغال، ومن قرأ «فرهن» بضم الراء والهاء فهو ~~جمع رهن، ك «سقف وسقف، وأسد وأسد، إذ فعل وفعل يتقاربان في أحكامهما، ومن ~~قرأ «فرهن» بسكون الهاء فهو تخفيف رهن، وهي لغة في هذا الباب كله، كتف وفخذ ~~وعضد وغير ذلك، قال أبو علي: وتكسير رهن على أقل العدد لم أعلمه جاء، ولو ~~جاء لكان قياسه أفعل ككلب وأكلب، وكأنهم استغنوا بالكثير عن القليل في ~~قولهم: ثلاثة شسوع، وكما استغني ببناء القليل عن بناء الكثير في رسن ~~وأرسان، فرهن يجمع على بناءين من أبنية الجموع وهما فعل وفعال، فمما جاء ~~على «فعل» قول الأعشى: [الكامل] # آليت لا أعطيه من أبنائنا ... رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا # قال الطبري: تأول قوم أن «رهنا» بضم الراء والهاء جمع رهان، فهو جمع جمع، ~~وحكاه الزجاج عن الفراء، ووجه أبو علي قياسا يقتضي أن يكون رهانا جمع رهن ~~بأن يقال يجمع فعل على فعال كما جمعوا فعالا على فعائل في قول ذي الرمة: ~~[الطويل] # وقربن بالزرق الجمائل بعد ما ... تقوب عن غربان أوراكها الخطر PageV01P387 # ثم ضعف أبو علي هذا القياس وقال إن سيبويه لا يرى جمع الجمع مطردا فينبغي ~~أن لا يقدم عليه حتى يرد سماعا. # وقوله عز وجل: مقبوضة يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع الناس على صحة ~~قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكيله فيما علمت. # واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، ms0472 فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور ~~العلماء قبض العدل قبض، وقال الحكم بن عتيبة وأبو الخطاب قتادة بن دعامة ~~وغيرهما: ليس قبض العدل بقبض، وقول الجمهور أصح من جهة المعنى في الرهن. # وقوله تعالى: فإن أمن الآية، شرط ربط به وصية الذي عليه الحق بالأداء، ~~وقوله فليؤد أمر بمعنى الوجوب بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون وثبوت ~~حكم الحاكم به وجبره الغرماء عليه، وبقرينة الأحاديث الصحاح في تحريم مال ~~الغير، وقوله أمانته مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة، وأضافها إلى الذي ~~عليه الدين من حيث لها إليه نسبة، ويحتمل أن يريد بالأمانة نفس المصدر، ~~كأنه قال: # فليحفظ مروءته، فيجيء التقدير: فليؤد ذا أمانته، وقرأ عاصم فيما روى عنه ~~أبو بكر الذي اؤتمن برفع الألف ويشير بالضم إلى الهمزة، قال أحمد بن موسى ~~وهذه الترجمة غلط، وقرأ الباقون بالذال مكسورة وبعدها همزة ساكنة بغير ~~إشمام، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وروى سليم عن حمزة إشمام الهمزة ~~الضم، وهذا خطأ أيضا لا يجوز، وصوب أبو علي هذا القول كله الذي لأحمد بن ~~موسى واحتج له، وقرأ ابن محيصن «الذي أيتمن» بياء ساكنة مكان الهمزة، وكذلك ~~ما كان مثله. # وقوله تعالى: ولا تكتموا الشهادة نهي على الوجوب بعدة قرائن، منها الوعيد ~~وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق، وقال ابن عباس على الشاهد أن يشهد ~~حيثما استشهد ويخبر حيثما استخبر، قال ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل ~~أخبره بها لعله يرجع ويرعوي. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا عندي بحسب قرينة حال ~~الشاهد والمشهود فيه والنازلة، لا سيما مع فساد الزمن وأرذال الناس ونفاق ~~الحيلة وأعراض الدنيا عند الحكام، فرب شهادة إن صرح بها في غير موضع النفوذ ~~كانت سببا لتخدم باطلا ينطمس به الحق، وآثم معناه قد تعلق به الحكم اللاحق ~~عن المعصية في كتمان الشهادة، وإعرابه أنه خبر «إن» ، وقلبه فاعل ب آثم، ~~ويجوز أن يكون ابتداء وقلبه فاعل يسد مسد الخبر، والجملة ms0473 خبر إن، ويجوز أن ~~يكون قلبه بدلا على بدل البعض من الكل. # وخص الله تعالى ذكر القلب إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو المضغة التي ~~بصلاحها يصلح الجسد كما قال عليه السلام، وقرأ ابن أبي عبلة «فإنه آثم ~~قلبه» بنصب الباء، قال مكي هو على التفسير ثم ضعفه من أجل أنه معرفة. # وفي قوله تعالى: والله بما تعملون عليم توعد وإن كان لفظها يعم الوعيد ~~والوعد. PageV01P388 # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 284] # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) # المعنى جميع ما في السموات وما في الأرض ملك الله وطاعة، لأنه الموجد ~~المخترع لا رب غيره، وعبر ب ما وإن كان ثم من يعقل لأن الغالب إنما هو ~~جماد، ويقل من يعقل من حيث قلت أجناسه، إذ هي ثلاثة: ملائكة، وإنس، وجن، ~~وأجناس الغير كثيرة. # وقوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله معناه أن ~~الأمر سواء، لا تنفع فيه المواراة والكتم، بل يعلمه ويحاسب عليه، وقوله: في ~~أنفسكم تقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واعتقد واستصحبت الفكرة فيه، ~~وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلا على تجوز. # واختلف الناس في معنى هذه الآية، فقال ابن عباس وعكرمة والشعبي هي في ~~معنى الشهادة التي نهي عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها ~~المخفي في نفسه محاسب، وقال ابن عباس أيضا وأبو هريرة والشعبي وجماعة من ~~الصحابة والتابعين إن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا هلكنا يا رسول الله إن حوسبنا بخواطر نفوسنا، وشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم لكنه قال لهم أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو ~~إسرائيل: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوها، فأنزل الله بعد ~~ذلك لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: ms0474 286] ، فكشف عنهم الكربة ونسخ ~~الله بهذه الآية تلك، هذا معنى الحديث المروي، لأنه تطرق من جهات، واختلفت ~~عباراته واستثبتت عبارة هؤلاء القائلين بلفظة النسخ في هذه النازلة. وقال ~~سعيد بن مرجانة جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية، إن تبدوا ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله ثم قال: والله لئن أخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم ~~بكى حتى سالت دموعه، وسمع نشيجه، قال ابن مرجانة فقمت حتى جئت ابن عباس ~~فأخبرته بما قال ابن عمر وبما فعل، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد ~~وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر فأنزل الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها الآية فنسخت الوسوسة، وثبت القول والفعل، وقال الطبري ~~وقال آخرون هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله تعالى يحاسب خلقه على ما ~~عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم فأضمروه ونووه وأرادوه، ~~فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ثم أدخل عن ابن عباس ما يشبه ~~هذا المعنى، وقال مجاهد الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، وقال ~~الحسن الآية محكمة ليست بمنسوخة، قال الطبري وقال آخرون نحو هذا المعنى ~~الذي ذكر عن ابن عباس، إلا أنهم قالوا إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في ~~النفس وصحبه الفكر هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها، ثم أسند عن ~~عائشة رضي الله عنها نحو هذا المعنى، ورجح الطبري أن الآية محكمة غير ~~منسوخة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالى: وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو PageV01P389 # تخفوه # معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه، ~~فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فبين الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصصها، ونص على ~~حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها [البقرة: 286] ، والخواطر ليست هي ولا ~~دفعها في الوسع، بل هو أمر غالب، وليست مما ms0475 يكسب ولا يكتسب، وكان في هذا ~~البيان فرحهم وكشف كربهم، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها. # ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ~~ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا ~~من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «قولوا سمعنا وأطعنا» ~~يجيء منه الأمر بأن يبنوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران، ~~فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله عز وجل ~~إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين [الأنفال: 65] فهذا لفظ الخبر ولكن ~~معناه: التزموا هذا وابنوا عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك. # وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة ~~للمائتين، وهذه الآية في البقرة أشبه شيء بها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وحمزة والكسائي «فيغفر» ، «ويعذب» جزما، وقرأ ابن عامر وعاصم «فيغفر» ~~و «يعذب» رفعا، فوجه الجزم أنه أتبعه ما قبله ولم يقطعه، وهكذا تحسن ~~المشاكلة في كلامهم، ووجه الرفع أنه قطعه من الأول، وقطعه على أحد وجهين، ~~إما أن تجعل الفعل خبرا لمبتدأ محذوف فيرتفع الفعل لوقوعه موقع خبر ~~المبتدأ، وإما أن تعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها، وقرأ ابن عباس ~~والأعرج وأبو حيوة «فيغفر» و «يعذب» بالنصب على إضمار «أن» ، وهو معطوف على ~~المعنى كما في قوله: فيضاعفه [الحديد 11] وقرأ الجعفي وخلاد وطلحة بن مصرف ~~يغفر بغير فاء، وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود، قال ابن جني هي على ~~البدل من يحاسبكم فهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر: [الطويل] # رويدا بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان # تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتدان # فهذا على البدل، وكرر الشاعر الفعل لأن الفائدة فيما يليه من القول. # وقوله تعالى: ويعذب من يشاء يعني من العصاة الذين ينفذ عليهم الوعيد، قال ~~النقاش يغفر لمن يشاء، أي لمن ms0476 ينزع عنه، ويعذب من يشاء أي من أقام عليه، ~~وقال سفيان الثوري يغفر لمن يشاء العظيم ويعذب من يشاء على الصغير. # قال القاضي أبو محمد: وتعلق بهذه قوم ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق، ~~وقال إن الله قد كلفهم أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير بين، وإنما كان أمر الخواطر تأويلا تأوله ~~أصحاب النبي صلى الله PageV01P390 # عليه وسلم، ولم يثبت تكليفا إلا على الوجه الذي ذكرنا من تقدير النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياهم على ذلك. # ومسألة تكليف ما لا يطاق، نتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى. # ولما ذكر المغفرة والتعذيب بحسب مشيئته تعالى أعقب ذلك بذكر القدرة على ~~جميع الأشياء، إذ ما ذكر جزء منها. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 285] # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) # سبب هذه الآية أنه لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه الآية التي ~~قبلها. وأشفق منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ثم ~~تقرر الأمر على أن قالوا سمعنا وأطعنا، فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، ~~مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه ~~لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع ~~المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى كما جرى ~~لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء ~~إذ قالوا سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله عاذنا الله من ~~نقمه، وآمن معناه صدق، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل إليه من ~~ربه هو القرآن وسائر ما أوحي إليه، من جملة ذلك هذه الآية التي تأولوها ~~شديدة الحكم، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه قال: ~~ويحق له أن يؤمن، وقرأ ابن ms0477 مسعود «وآمن المؤمنون» ، وكل لفظة تصلح للإحاطة، ~~وقد تستعمل غير محيطة على جهة التشبيه بالإحاطة والقرينة تبين ذلك في كل ~~كلام، ولما وردت هنا بعد قوله والمؤمنون دل ذلك على إحاطتها بمن ذكر. # والإيمان بالله هو التصديق به وبصفاته ورفض الأصنام وكل معبود سواه. # والإيمان بملائكته هو اعتقادهم عبادا لله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم. # والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم ~~كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به، وقرأ ابن ~~كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر «وكتبه» على الجمع، وقرؤوا في ~~التحريم و «كتابه» على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم «وكتبه» على ~~الجمع، وقرأ حمزة والكسائي «وكتابه» على التوحيد فيهما، وروى حفص عن عاصم ~~هاهنا وفي التحريم «وكتبه» مثل أبي عمرو، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك، وبكل ~~قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد ~~المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله تعالى، هذا قول بعضهم وقد ~~وجهه أبو علي وهو كما قالوا: نسج اليمن، وقال أبو علي في صدر كلامه: أما ~~الإفراد في PageV01P391 # قول من قرأ «وكتابه» فليس كما تفرد المصادر وإن أريد بها الكثير، كقوله ~~تعالى: وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان: 14] ونحو ذلك، ولكن كما تفرد الأسماء ~~التي يراد بها الكثرة، كقولهم: كثر الدينار والدرهم ونحو ذلك، فإن قلت هذه ~~الأسماء التي يراد بها الكثرة إنما تجيء مفردة وهذه مضافة، قيل وقد جاء في ~~المضاف ما يعني به الكثرة ففي التنزيل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~[إبراهيم: 34] وفي الحديث منعت العراق درهمها وقفيزها، فهذا يراد به الكثير ~~كما يراد بما فيه لام التعريف، ومنه قول ابن الرقاع: # يدع الحي بالعشي رعاها ... وهم عن رغيفهم أغنياء # ومجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة، وقرأت ~~الجماعة «ورسله» بضم السين، وكذلك «رسلنا» و «رسلكم» و «رسلك» إلا أبا عمرو ~~فروي ms0478 عنه تخفيف «رسلنا» و «رسلكم» ، وروي عنه في «رسلك» التثقيل والتخفيف، ~~قال أبو علي من قرأ «على رسلك» بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما ~~يخفف في الآحاد مثل عنق وطنب، فإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي ~~هو أثقل، وقرأ يحيى بن يعمر «وكتبه ورسله» بسكون التاء والسين، وقرأ ابن ~~مسعود «وكتابه ولقائه ورسله» ، وقرأ جمهور الناس «لا نفرق» بالنون، والمعنى ~~يقولون لا نفرق، وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة بن عمر بن جرير ~~ويعقوب «لا يفرق» بالياء، وهذا على لفظ كل، قال هارون وهي في حرف ابن مسعود ~~«لا يفرقون» ، ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم ~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. # وقوله تعالى: وقالوا سمعنا وأطعنا مدح يقتضي الحض على هذه المقالة وأن ~~يكون المؤمن يمتثلها غابر الدهر، والطاعة قبول الأوامر، وغفرانك مصدر ~~كالكفران والخسران، ونصبه على جهة نصب المصادر، والعامل فيه فعل مقدر، قال ~~الزجاج تقديره اغفر غفرانك، وقال غيره نطلب ونسأل غفرانك، وإليك المصير ~~إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال له جبريل يا ~~محمد إن الله قد أجل الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل إلى آخر ~~السورة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البقرة (2) : آية 286] # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها خبر جزم نص على أنه لا يكلف ~~العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع ~~المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في ~~تأولهم أمر الخواطر، وتأول من ينكر جواز تكليف ما لا يطاق هذه ms0479 الآية بمعنى ~~أنه لا يكلف ولا كلف وليس ذلك بنص في الآية ولا أيضا يدفعه اللفظ، ولذلك ~~ساغ الخلاف. PageV01P392 # وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185] وقوله تعالى: ما جعل عليكم في ~~الدين من حرج [الحج: 78] وقوله: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] . # واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا بعد ~~اتفاقهم على أنه ليس واقعا الآن في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه، فقال ~~أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ولا ~~يحرم ذلك شيئا من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به. # قال القاضي أبو محمد: وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة حسب ~~الحديث. # واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟ ~~فقالت فرقة وقع في نازلة أبي لهب لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار، ~~وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، وتكليف الشرع له الإيمان راتب، فكأنه كلف أن يؤمن ~~وأن يكون في إيمانه أنه لا يؤمن لأنه إذا آمن فلا محالة أنه يؤمن بسورة تبت ~~يدا أبي لهب [المسد: 1] ، وقالت فرقة لم يقع قط، وقوله تعالى: سيصلى نارا ~~[المسد: 3] إنما معناه إن وافى على كفره. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وما لا يطاق ينقسم أقساما: ~~فمنه المحال عقلا كالجمع بين الضدين، ومنه المحال عادة، كرفع الإنسان جبلا، ~~ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك كالاحتراق بالنار ونحوه، ومنه ما لا يطاق ~~للاشتغال بغيره، وهذا إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير، ويكلف يتعدى ~~إلى مفعولين أحدهما محذوف تقديره «عبادة» أو شيئا، وقرأ ابن أبي عبلة «إلا ~~وسعها» بفتح الواو وكسر السين، وهذا فيه تجوز لأنه مقلوب، وكان وجه اللفظ ~~إلا وسعته، كما قال وسع كرسيه السماوات والأرض [البقرة: 255] وكما قال وسع ~~كل شيء علما ms0480 [طه: 98] ولكن يجيء هذا من باب أدخلت القلنسوة في رأسي، وفمي ~~في الحجر. # وقوله تعالى: لها ما كسبت يريد من الحسنات، وعليها ما اكتسبت يريد من ~~السيئات، قاله السدي وجماعة من المفسرين، لا خلاف في ذلك، والخواطر ونحوها ~~ليس من كسب الإنسان. وجاءت العبارة في الحسنات ب لها من حيث هي مما يفرح ~~الإنسان بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات ب عليها، من حيث ~~هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة. وهذا كما تقول لي مال وعلي دين، وكما قال ~~المتصدق باللقطة: اللهم عن فلان فإن أبى فلي وعلي، وكرر فعل الكسب فخالف ~~بين التصريف حسنا لنمط الكلام. كما قال فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ~~[الطلاق: 17] هذا وجه، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما يكسب دون ~~تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء ~~المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها، ~~فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى، وقال المهدوي وغيره: ~~وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا صحيح في نفسه، لكن من غير هذه الآية. PageV01P393 # وقوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا معناه قولوا في دعائكم. # واختلف الناس في معنى قوله نسينا أو أخطأنا فذهب الطبري وغيره إلى أنه ~~النسيان بمعنى الترك، أي إن تركنا شيئا من طاعتك وأنه الخطأ المقصود. قالوا ~~وأما النسيان الذي يغلب المرء والخطأ الذي هو عن اجتهاد فهو موضوع عن ~~المرء، فليس بمأمور في الدعاء بأن لا يؤاخذ به، وذهب كثير من العلماء إلى ~~أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود، ~~وهذا هو الصحيح عندي. قال قتادة في تفسير الآية بلغني أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن الله تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها، وقال السدي لما ~~نزلت هذه الآية فقالوها قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد فعل الله ~~ذلك يا محمد. # قال القاضي أبو محمد: فظاهر ms0481 قوليهما ما صححته، وذلك أن المؤمنين لما كشف ~~عنهم ما خافوه في قوله تعالى: يحاسبكم به الله [البقرة: 284] أمروا بالدعاء ~~في دفع ذلك النوع الذي ليس من طاقة الإنسان دفعه، وذلك في النسيان والخطأ، ~~«والإصر» الثقل وما لا يطاق على أتم أنواعه، وهذه الآية على هذا القول تقضي ~~بجواز تكليف ما لا يطاق، ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في أن لا يقع هذا ~~الجائز الصعب. ومذهب الطبري والزجاج أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، ~~فالنسيان عندهم المتروك من الطاعات. والخطأ هو المقصود من العصيان، والإصر ~~هي العبادات الثقيلة كتكاليف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وقرض أبدانهم ~~ومعاقباتهم على معاصيهم في أبدانهم حسبما كان يكتب على أبوابهم وتحميلهم ~~العهود الصعبة. وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز، كما تقول لا طاقة ~~لي على خصومة فلان، ولغير ذلك من الأمر تستصعبه وإن كنت في الحقيقة تطيقه ~~أو يكون ذلك ما لا طاقة لنا به من حيث هو مهلك لنا كعذاب جهنم وغيره. وأما ~~لفظة «أخطأ» فقد تجيء في القصد ومع الاجتهاد، قال قتادة: الإصر العهد ~~والميثاق الغليظ. وقاله مجاهد وابن عباس والسدي وابن جريج والربيع وابن زيد ~~وقال عطاء: الإصر المسخ قردة وخنازير. وقال ابن زيد أيضا: الإصر الذنب لا ~~كفارة فيه ولا توبة منه. وقال مالك رحمه الله: # الإصر: الأمر الغليظ الصعب. # قال القاضي أبو محمد: والإصرة في اللغة الأمر الرابط من ذمام أو قرابة أو ~~عهد ونحوه، فهذه العبارات كلها تنحو نحوه، والإصار الحبل الذي تربط به ~~الأحمال ونحوها، والقد يضم عضدي الرجل يقال أصر يأصر أصرا والإصر بكسر ~~الهمزة من ذلك، وفي هذا نظر. وروي عن عاصم أنه قرأ أصرا بضم الهمزة، ولا ~~خلاف أن الذين من قبلنا يراد به اليهود. قال الضحاك: والنصارى، وأما عبارات ~~المفسرين في قوله: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به فقال قتادة لا تشدد ~~علينا كما شددت على من كان قبلنا. وقال الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا ~~نطيق، ms0482 وقال نحوه ابن زيد، وقال ابن جريج: لا تمسخنا قردة وخنازير، وقال ~~سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به الغلمة، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء ~~وعن مكحول وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غلمة ليس ~~لها عدة، وقال السدي: هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من ~~التحريم، ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: واعف عنا PageV01P394 # أي فيما واقعناه وانكشف واغفر لنا أي استر علينا ما علمت منا وارحمنا أي ~~تفضل مبتدئا برحمة منك لنا. # قال القاضي أبو محمد: فهي مناح للدعاء متباينة وإن كان الغرض المراد بكل ~~واحد منها واحدا وهو دخول الجنة وأنت مولانا مدح في ضمنه تقرب إليه وشكر ~~على نعمه، ومولى هو من ولي فهو مفعل أي موضع الولاية، ثم ختمت الدعوة بطلب ~~النصر على الكافرين الذي هو ملاك قيام الشرع وعلو الكلمة ووجود السبيل إلى ~~أنواع الطاعات. # وروي أن جبريل عليه السلام أتى محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: قل ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فقالها فقال جبريل قد فعل، فقال: قل كذا ~~وكذا فيقولها فيقول جبريل: قد فعل إلى آخر السورة، وتظاهرت بهذا المعنى ~~أحاديث، وروي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال ~~آمين. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا يظن به أنه رواه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة ~~الحمد من حيث هناك دعاء وهنا دعاء فحسن، وروى أبو مسعود عقبة بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ~~ليل كفتاه، يعني من قيام الليل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما أظن ~~أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم ~~يؤتهن أحد ms0483 قبلي» . # كملت سورة البقرة والحمد لله كثيرا PageV01P395 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم ### | سورة آل عمران # هذه السورة مدنية بإجماع فيما علمت، وذكر النقاش أن اسم هذه السورة في ~~التوراة طيبة. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ~~إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) # قد تقدم ذكر اختلاف العلماء في الحروف التي في أوائل السور في أول سورة ~~البقرة، ومن حيث جاء في هذه السورة الله لا إله إلا هو الحي القيوم جملة ~~قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها في الم في هذه السورة، وذهب الجرجاني ~~في النظم الى أن أحسن الأقوال هنا أن يكون الم إشارة إلى حروف المعجم كأنه ~~يقول: هذه الحروف كتابك أو نحو هذا، ويدل قوله الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم نزل عليك الكتاب على ما ترك ذكره مما هو خبر عن الحروف قال: وذلك في ~~نظمه مثل قوله تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ~~[الزمر: 21] وترك الجواب لدلالة قوله: فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ~~[الزمر: 21] تقديره: كمن قسا قلبه. ومنه قول الشاعر: [الطويل] # فلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم، ولكن خامري أم عامر # قال: تقديره ولكن اتركوني للتي يقال لها خامري أم عامر. # قال القاضي رحمه الله: يحسن في هذا القول أن يكون نزل خبر قوله الله حتى ~~يرتبط الكلام إلى هذا المعنى. وهذا الذي ذكره القاضي الجرجاني فيه نظر لأن ~~مثله ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه وما قاله في الآية محتمل ولكن ~~الأبرع في نظم الآية أن يكون الم لا يضم ما بعدها إلى نفسها في المعنى وأن ~~يكون الله لا إله إلا هو الحي القيوم كلاما مبتدأ جزما جملة رادة على ms0484 نصارى ~~نجران الذين وفدوا على رسول الله عليه السلام فحاجوه في عيسى ابن مريم ~~وقالوا: إنه الله وذلك أن ابن إسحاق والربيع وغيرهما ممن ذكر السير رووا أن ~~وفد نجران قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى ستون رأكبا فيهم من ~~أشرافهم أربعة عشر رجلا في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليه يرجع أمرهم، العاقب ~~أمير القوم وذو رأيهم واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب مجتمعهم واسمه ~~الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسد PageV01P396 # بني بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسجد إثر صلاة العصر عليهم جبب وأردية فقال أصحاب رسول الله عليه السلام: ~~ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة، وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول ~~الله عليه السلام إلى المشرق فقال النبي عليه السلام: دعوهم ثم أقاموا ~~بالمدينة أياما يناظرون رسول الله عليه السلام في عيسى ويزعمون أنه الله ~~إلى غير ذلك من أقوال بشعة مضطربة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم ~~بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف ~~وثمانين آية إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الابتهال وسيأتي تفسير ذلك. # وقرأ السبعة «الم الله» بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكن ~~الميم ثم قطع الألف، روى الأولى التي هي كالجماعة حفص وروى الثانية أبو ~~بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي وأبو حيوة بكسر الميم ~~للالتقاء وذلك رديء لأن الياء تمنع من ذلك والصواب الفتح قراءة جمهور ~~الناس. قال أبو علي: حروف التهجي مبنية على الوقف فالميم ساكنة واللام ~~ساكنة فحركت الميم بالفتح كما حركت النون في قولك: «من الله ومن المسلمين» ~~إلى غير ذلك. # قال أبو محمد: ومن قال بأن حركة الهمزة ألقيت على الميم فذلك ضعيف ~~لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل فما يسقط فلا ~~تلقى حركته، قاله أبو علي، وقد تقدم تفسير قوله: # الحي ms0485 القيوم في آية الكرسي، والآية هنالك إخبار لجميع الناس، وكررت هنا ~~إخبارا لحجج هؤلاء النصارى، وللرد عليهم أن هذه الصفات لا يمكنهم ادعاؤها ~~لعيسى عليه السلام لأنهم إذ يقولون إنه صلب فذلك موت في معتقدهم لا محالة ~~إذ من البين أنه ليس بقيوم، وقرأ جمهور القراء «القيوم» وزنه فيعول، وقرأ ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعلقمة بن قيس «القيام» ~~وزنه- فيعال- وروي عن علقمة أيضا أنه قرأ «القيم» وزنه فيعل، وهذا كله من ~~قام بالأمر يقوم به إذا اضطلع بحفظه وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده، فالله ~~تعالى القيام على كل شيء بما ينبغي له أو فيه أو عليه. # وتنزيل الله الكتاب بواسطة الملك جبريل عليه السلام، والكتاب في هذا ~~الموضع القرآن باتفاق من المفسرين، وقرأ جمهور الناس «نزل عليك» بشد الزاي ~~«الكتاب» بنصب الباء، وقرأ إبراهيم النخعي «نزل عليك الكتاب» بتخفيف الزاي ~~ورفع الباء، وهذه الآية تقتضي أن قوله الله لا إله إلا هو الحي القيوم جملة ~~مستقلة منحازة، وقوله بالحق يحتمل معنيين: إحداهما أن يكون المعنى ضمن ~~الحقائق من خيره وأمره ونهيه ومواعظه، فالباء على حدها في قوله: جاءني كتاب ~~بخبر كذا وكذا أي ذلك الخبر مقتص فيه، والثاني: أن يكون المعنى أنه نزل ~~الكتاب باستحقاق أن ينزل لما فيه من المصلحة الشاملة وليس ذلك على أنه واجب ~~على الله تعالى أن يفعله، فالباء في هذا المعنى على حدها في قوله تعالى ~~حكاية عن عيسى عليه السلام سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ~~[المائدة: 116] وقال محمد بن جعفر بن الزبير: معنى قوله بالحق أي مما اختلف ~~فيه أهل الكتاب واضطرب فيه هؤلاء النصارى الوافدون، وهذا داخل في المعنى ~~الأول، ومصدقا حال مؤكدة وهي راتبة غير منتقلة لأنه لا يمكن أن PageV01P397 # يكون غير مصدق لما بين يديه من كتاب الله فهو كقول ابن دارة: [البسيط] # أنا ابن دارة معروفا بها نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار؟ # وما بين يديه هي التوراة ms0486 والإنجيل وسائر كتب الله التي تلقيت من شرعنا ~~كالزبور والصحف، وما بين اليد في هذه الحوادث هو المتقدم في الزمن. # والتوراة والإنجيل اسمان أصلهما عبراني لكن النحاة وأهل اللسان حملوها ~~على الاشتقاق العربي فقالوا في التوراة: إنها من ورى الزناد يري إذا قدح ~~وظهرت ناره يقال أوريته فوري، ومنه قوله تعالى: فالموريات [العاديات: 2] ~~وقوله: أفرأيتم النار التي تورون [الواقعة: 70] قال أبو علي، فأما قولهم: ~~وريت بك زنادي على وزن، فعلت فزعم أبو عثمان أنه استعمل في هذا الكلام فقط ~~ولم يجاوز به غيره، وتوراة عند الخليل وسيبويه وسائر البصريين فوعلة كحوقلة ~~وورية قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج وأصله وولج من: ولجت، وحكى ~~الزجاج عن بعض الكوفيين: أن توراة أصلها تفعلة بفتح العين، من: وريت بك ~~زنادي، وإنما ينبغي أن تكون من: أوريت قال فهي تورية، وقال بعضهم: يصلح أن ~~تكون تفعلة بكسر العين مثل توصية ثم ردت إلى تفعلة بفتح العين، قال الزجاج ~~وكأنه يجيز في توصية توصأة وذلك غير مسموع، وعلى كل قول فالياء لما انفتح ~~ما قبلها وتحركت هي انقلبت ألفا فقيل توراة، ورجح أبو علي قول البصريين ~~وضعفه غيره، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم «التوراة» مفتوحة الراء، وكان ~~حمزة ونافع يلفظان بالراء بين اللفظين بين الفتح والكسر وكذلك فعلا في قوله ~~من الأبرار ومن الأشرار [ص: 62] وقرار إذا كان الحرف مخفوضا، وروى المسيبي ~~عن نافع فتح الراء من التوراة، وروى ورش عنه كسرها، وكان أبو عمرو والكسائي ~~يكسران الراء من التوراة ويميلان من الأبرار وغيرها أشد من إمالة حمزة ~~ونافع. # وقالوا في الإنجيل: إنه إفعيل من النجل وهو الماء الذي ينز من الأرض، قال ~~الخليل: استنجلت الأرض وبها انجال إذا خرج منها الماء والنجل أيضا الولد ~~والنسل قاله الخليل وغيره، ونجله أبوه أي ولده، ومن ذلك قول الأعشى: ~~[المنسرح] # أنجب أيام والداه به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا # قال ابن سيده عن أبي علي: معنى قوله أيام والداه به كما تقول: أنا بالله ms0487 ~~وبك، وقال أبو الفتح: معنى البيت، أنجب والداه به أيام إذ نجلاه فهو كقولك ~~حينئذ ويومئذ لكنه حال بالفاعل بين المضاف الذي هو أيام وبين المضاف إليه ~~الذي هو إذ. ويروى هذا البيت أنجب أيام والديه، والنجل الرمي بالشيء وذلك ~~أيضا من معنى الظهور وفراق شيء شيئا، وحكى أبو القاسم الزجاجي في نوادره: ~~أن الوالد يقال له، نجل وأن اللفظة من الأضداد، وأما بيت زهير فالرواية ~~الصحيحة فيه: # وكل فحل له نجل أي ولد كريم ونسل، وروى الأصمعي فيما حكى: وكل فرع له ~~نجل، وهذا لا يتجه إلا على تسمية PageV01P398 # الوالد نجلا. وقال الزجاج: الإنجيل مأخوذ من النجل وهو الأصل فهذا ينحو ~~إلى ما حكى أبو القاسم قال أبو الفتح: ف التوراة من وري الزناد، إذا ظهرت ~~ناره، والإنجيل من نجل إذا ظهر ولده، أو من ظهور الماء من الأرض فهو مستخرج ~~إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة، والفرقان من الفرق بين الحق ~~والباطل، فحروفها مختلفة، والمعنى قريب بعضه من بعض، إذ كلها معناه، ظهور ~~الحق، وبيان الشرع، وفصله من غيره من الأباطيل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ~~«الإنجيل» بفتح الهمزة، وذلك لا يتجه في كلام العرب، ولكن يحميه مكان الحسن ~~من الفصاحة، وإنه لا يقرأ إلا بما روى، وأراه نحا به نحو الأسماء الأعجمية. # وقوله تعالى: من قبل يعني من قبل القرآن، وقوله: هدى للناس معناه دعاء، ~~والناس بنو إسرائيل في هذا الموضع، لأنهم المدعوون بهما لا غير، وإن أراد ~~أنهما هدى في ذاتهما مدعو إليه فرعون وغيره، منصوب لمن اهتدى به، فالناس ~~عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر. # قال القاضي رحمه الله: وقال هنا للناس، وقال في القرآن هدى للمتقين، وذلك ~~عندي، لأن هذا خبر مجرد، وقوله: هدى للمتقين [البقرة: 2] خبر مقترن به ~~الاستدعاء والصرف إلى الإيمان، فحسنت الصفة، ليقع من السامع النشاط ~~والبدار، وذكر الهدى الذي هو إيجاد الهداية في القلب، وهنا إنما ذكر الهدى ~~الذي هو الدعاء، والهدى الذي هو في نفسه معد ms0488 يهتدي به الناس، فسمي هدى ~~لذلك، وقال ابن فورك: التقدير هنا هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ~~ذلك الخاص، وفي هذا نظر، والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق ~~والباطل، قال محمد بن جعفر، فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام، ~~الذي جادل فيه الوفد، وقال قتادة والربيع وغيرهما، فرق بين الحق والباطل في ~~أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام ونحوه، والفرقان يعم هذا كله، وقال بعض ~~المفسرين، الفرقان هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل ~~في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال ~~الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم ~~التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما ~~فعلت هذه الكتب، ثم توعد تعالى الكفار عموما بالعذاب الشديد، وذلك يعم عذاب ~~الدنيا بالسيف والغلبة، وعذاب الآخرة بالنار، والإشارة بهذا الوعيد إلى ~~نصارى نجران، وقال النقاش: إلى اليهود، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني ~~أخطب وغيرهم، وعزيز، معناه غالب، وقد ذل له كل شيء، والنقمة والانتقام، ~~معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 5 الى 6] # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) # هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن ~~لعيسى ولا لأحد من PageV01P399 # المخلوقين، ثم أخبر عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات، وهذا أمر لا ينكره ~~عاقل، ولا ينكر أن عيسى وسائر البشر لا يقدرون عليه، ولا ينكر أن عيسى عليه ~~السلام من المصورين في الأرحام، فهذه الآية تعظيم لله تعالى في ضمنها الرد ~~على نصارى نجران، وفي قوله: إن الله لا يخفى عليه شيء وعيد ما لهم، فسر ~~بنحو هذا محمد بن جعفر بن الزبير والربيع، وفي قوله: هو الذي يصوركم رد على ~~أهل الطبيعة، إذ يجعلونها فاعلة مستبدة، ms0489 وشرح النبي صلى الله عليه وسلم ~~كيفية التصوير في الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره أن النطفة إذا وقعت في ~~الرحم مكثت نطفة أربعين يوما ثم تكون علقة أربعين يوما ثم مضغة مثل ذلك ثم ~~يبعث الله إليها ملكا فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ الحديث ~~بطوله على اختلاف ألفاظه، وفي مسند ابن سنجر حديث: إن الله يخلق عظام ~~الجنين وغضاريفه من مني الرجل ولحمه وشحمه وسائر ذلك من مني المرأة، وصور ~~بناء مبالغة من: صار يصور إذا أمال وثنى إلى حال ما، فلما كان التصوير ~~إمالة إلى حال وإثباتا فيها، جاء بناؤه على المبالغة، والرحم موضع نشأة ~~الجنين، وكيف يشاء يعني من طول وقصر ولون وسلامة وعاهة وغير ذلك من ~~الاختلافات، والعزيز الغالب والحكيم ذو الحكمة أو المحكم في مخلوقاته وهذا ~~أخص بما ذكر من التصوير. # والكتاب في هذه الآية القرآن بإجماع من المتأولين، والمحكمات، المفصلات ~~المبينات الثابتات الأحكام، والمتشابهات هي التي فيها نظر وتحتاج إلى تأويل ~~ويظهر فيها ببادئ النظر إما تعارض مع أخرى أو مع العقل، إلى غير ذلك من ~~أنواع التشابه، فهذا الشبه الذي من أجله توصف ب متشابهات، إنما هو بينها ~~وبين المعاني الفاسدة التي يظنها أهل الزيغ ومن لم يمعن النظر، وهذا نحو ~~الحديث الصحيح، عن النبي عليه السلام، الحلال بين والحرام بين، وبينهما ~~أمور متشابهات أي يكون الشيء حراما في نفسه فيشبه عند من لم يمعن النظر ~~شيئا حلالا وكذلك الآية يكون لها في نفسها معنى صحيح فتشبه عند من لم يمعن ~~النظر أو عند الزائغ معنى آخر فاسدا فربما أراد الاعتراض به على كتاب الله، ~~هذا عندي معنى الإحكام والتشابه في هذه الآية، ألا ترى أن نصارى نجران ~~قالوا للنبي عليه السلام، أليس في كتابك أن عيسى كلمة وروح منه؟ قال نعم، ~~قالوا: فحسبنا إذا. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا التشابه، واختلفت عبارة المفسرين في ~~تعيين المحكم والمتشابه المراد بهذه الآية، فقال ابن عباس المحكمات هي قوله ~~تعالى: ms0490 قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، ~~وقوله في بني إسرائيل وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] وهذا ~~عندي مثال أعطاه في المحكمات، وقال ابن عباس أيضا: المحكمات ناسخه وحلاله ~~وحرامه وما يؤمن به ويعمل، والمتشابه منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه ~~وما يؤمن به ولا يعمل به، وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، ~~والمتشابهات المنسوخات. # قال الفقيه الإمام: وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا ~~والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات، وقال بهذا القول ~~قتادة والربيع والضحاك، وقال مجاهد وعكرمة: # المحكمات ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو متشابه يصدق بعضه بعضا، ~~وذلك مثل قوله: وما PageV01P400 # يضل به إلا الفاسقين # [البقرة: 26] وقوله: كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [الأنعام: ~~125] . # قال الفقيه أبو محمد: وهذه الأقوال وما ضارعها يضعفها أن أهل الزيغ لا ~~تعلق لهم بنوع مما ذكر دون سواه، وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي ~~التي فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لها تصريف ولا ~~تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن ~~العباد. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية، وقال ابن ~~زيد: المحكم ما أحكم فيه قصص الأنبياء والأمم وبين لمحمد وأمته، والمتشابه ~~هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بعضها باتفاق ~~الألفاظ واختلاف المعاني، وبعضه بعكس ذلك نحو قوله: حية تسعى [طه: # 20] وثعبان مبين [الأعراف: 107] ونحو: اسلك يدك، وأدخل يدك، وقالت جماعة ~~من العلماء منهم جابر بن عبد الله بن رئاب وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان ~~الثوري، وغيرهما: المحكمات من آي القرآن ما عرف العلماء تأويله وفهموا ~~معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله ~~بعلمه دون خلقه قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج ~~والدجال ونزول عيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. # قال القاضي ms0491 رحمه الله: أما الغيوب التي تأتي فهي من المحكمات، لأن ما ~~يعلم البشر منها محدود وما لا يعلمونه وهو تحديد الوقت محدود أيضا، وأما ~~أوائل السور فمن المتشابه لأنها معرضة للتأويلات ولذلك اتبعته اليهود ~~وأرادوا أن يفهموا منه مدة أمة محمد عليه السلام، وفي بعض هذه العبارات ~~التي ذكرنا للعلماء اعتراضات، وذلك أن التشابه الذي في هذه الآية مقيد بأنه ~~مما لأهل الزيغ به تعلق، وفي بعض عبارات المفسرين تشابه لا يقتضي لأهل ~~الزيغ تعلقا. # وقوله تعالى: أم الكتاب فمعناه الإعلام بأنها معظم الكتاب وعمدة ما فيه ~~إذ المحكم في آيات الله كثير قد فصل ولم يفرط في شيء منه، قال يحيى بن ~~يعمر: هذا كما يقال لمكة- أم القرى- ولمرو أم خراسان، وكما يقال أم الرأس ~~لمجتمع الشؤون إذ هو أخطر مكان، قال المهدوي والنقاش: كل آية محكمة في كتاب ~~الله يقال لها أم الكتاب، وهذا مردود بل جميع المحكم هو أم الكتاب، وقال ~~النقاش: # وذلك كما تقول: كلكم علي أسد ضار. # قال الفقيه أبو محمد: وهذا المثال غير محكم، وقال ابن زيد: أم الكتاب ~~معناه جماع الكتاب، وحكى الطبري عن أبي فاختة أنه قال: هن أم الكتاب يراد ~~به فواتح السور إذ منها يستخرج القرآن الم ذلك الكتاب منه استخرجت سورة ~~البقرة الم الله لا إله إلا هو منه استخرجت سورة آل عمران، وهذا قول متداع ~~للسقوط مضطرب لم ينظر قائله أول الآية وآخرها ومقصدها وإنما معنى الآية ~~الإنحاء على أهل الزيغ والإشارة بذلك أولا إلى نصارى نجران وإلى اليهود ~~الذين كانوا معاصرين لمحمد عليه السلام فإنهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ~~ثم تعم بعد ذلك كل زائغ، فذكر الله تعالى أنه نزل الكتاب على محمد PageV01P401 # إفضالا منه ونعمة، وأن محكمه وبينه الذي لا اعتراض فيه هو معظمه والغالب ~~عليه، وأن متشابه الذي يحتمل التأويل ويحتاج إلى التفهم هو أقله. ثم إن أهل ~~الزيغ يتركون المحكم الذي فيه غنيتهم ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وأن ~~يفسدوا ذات البين ويردوا الناس إلى زيغهم، ms0492 فهكذا تتوجه المذمة عليهم، وأخر ~~جمع أخرى لا ينصرف لأنه صفة، وعدل عن الألف واللام في أنه يثنى ويجمع، ~~وصفات التفضيل كلها إذا عريت عن الألف واللام لم تثن ولم تجمع كأفضل وما ~~جرى مجراه، ولا يفاضل بهذه الصفات بين شيئين إلا وهي منكرة، ومتى دخلت عليه ~~الألف واللام زال معنى التفضيل بين أمرين، وليس عدل أخر عن الألف واللام ~~مؤثرا في التعريف كما هو عدل- سحر- بل أخر نكرة، وأما سحر فعدل بأنه زالت ~~الألف واللام وبقي معرفة في قوله، جئت يوم الجمعة سحر، وخلط المهدوي في هذه ~~المسألة وأفسد كلام سيبويه فتأمله. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 7] # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) # قوله تعالى: الذين في قلوبهم زيغ يعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل صاحب ~~بدعة، والزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، والإشارة بالآية في ~~ذلك الوقت كانت إلى نصارى نجران لتعرضهم للقرآن في أمر عيسى عليه السلام، ~~قاله الربيع، وإلى اليهود، ثم تنسحب على كل ذي بدعة أو كفر، وبالميل عن ~~الهدى فسر الزيغ محمد بن جعفر بن الزبير وابن مسعود وجماعة من الصحابة ~~ومجاهد وغيرهم، وما تشابه منه هو الموصوف آنفا- بمتشابهات- وقال قتادة في ~~تفسير قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ: إن لم يكونوا الحرورية وأنواع ~~الخوارج، فلا أدري من هم؟ وقالت عائشة: إذا رأيتم الذين يجادلون في القرآن ~~فهم الذي عنى الله فاحذروهم، وقال الطبري: الأشبه أن تكون الآية في الذين ~~جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدته ومدة أمته بسبب حروف أوائل ~~السور، وهؤلاء هم اليهود، وابتغاء نصب على المفعول من أجله، ومعناه طلب ~~الفتنة، وقال الربيع: الفتنة هنا الشرك، وقال مجاهد: الفتنة الشبهات واللبس ~~على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء ms0493 تأويله والتأويل هو مرد الكلام ومرجعه ~~والشيء الذي يقف عليه من المعاني، وهو من آل يؤول، إذا رجع، فالمعنى وطلب ~~تأويله على منازعهم الفاسدة. هذا فيما له تأويل حسن وإن كان مما لا يتأول ~~بل يوقف فيه كالكلام في معنى الروح ونحوه، فنفس طلب تأويله هو اتباع ما ~~تشابه. وقال ابن عباس: ابتغوا معرفة مدة محمد صلى الله عليه وسلم النبي ~~عليه السلام وأمته، ثم قال: وما يعلم تأويله إلا الله فهذا على الكمال ~~والتوفية فيما لا يتأول ولا سبيل لأحد إليه كأمر الروح وتعرف وقت قيام ~~الساعة وسائر الأحداث التي أنذر بها الشرع، وفيما يمكن أن يتأوله العلماء ~~ويصح التطرق إليه، فمعنى الآية: وما يعلم تأويله على الكمال إلا الله. # واختلف العلماء في قوله تعالى: والراسخون في العلم فرأت فرقة، أن رفع ~~والراسخون هو PageV01P402 # بالعطف على اسم الله عز وجل وأنهم داخلون في علم المتشابه في كتاب الله ~~وأنهم مع علمهم به، يقولون آمنا به الآية. قال بهذا القول ابن عباس، وقال: ~~أنا ممن يعلم تأويله، وقال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ~~ويقولون آمنا به، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير وغيرهم، ويقولون ~~على هذا التأويل نصب على الحال، وقالت طائفة أخرى: والراسخون رفع بالابتداء ~~وهو مقطوع من الكلام الأول وخبره يقولون، والمنفرد بعلم المتشابه هو الله ~~وحده بحسب اللفظ في الآية وفعل الراسخين قولهم آمنا به قالته عائشة وابن ~~عباس أيضا، وقال عروة بن الزبير: إن الراسخين لا يعلمون تأويله ولكنهم ~~يقولون، آمنا به، وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة ~~وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ربنا وقال مثل هذا ~~عمر بن عبد العزيز، وحكى نحوه الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس. # قال القاضي رحمه الله: وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من ~~الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين: - محكما ومتشابها- ~~فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب ms0494 لا يحتاج فيه إلى نظر ولا ~~يتعلق به شيء يلبس ويستوي في علمه الراسخ وغيره والمتشابه يتنوع، فمنه ما ~~لا يعلم البتة، كأمر الروح، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى ~~سائر ذلك، ومنه ما يحمل على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب، فيتأول ~~تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأويل غير مستقيم ~~كقوله في عيسى وروح منه [النساء: 171] إلى غير ذلك، ولا يسمى أحد راسخا إلا ~~بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم ~~فليس يسمى راسخا، وقوله تعالى: وما يعلم تأويله الضمير عائد على جميع ~~متشابه القرآن، وهو نوعان كما ذكرنا، فقوله إلا الله مقتض ببديهة العقل أنه ~~يعلمه على الكمال والاستيفاء، يعلم نوعيه جميعا، فإن جعلنا قوله: # والراسخون عطفا على اسم الله تعالى، فالمعنى إدخالهم في علم التأويل لا ~~على الكمال، بل علمهم إنما هو في النوع الثاني من المتشابه، وبديهة العقل ~~تقضي بهذا، والكلام مستقيم على فصاحة العرب كما تقول: ما قام لنصرتي إلا ~~فلان وفلان، وأحدهما قد نصرك بأن حارب معك، والآخر إنما أعانك بكلام فقط، ~~إلى كثير من المثل، فالمعنى وما يعلم تأويل المتشابه إلا الله والراسخون كل ~~بقدره، وما يصلح له، والراسخون بحال قول في جميعه آمنا به، وإذا تحصل لهم ~~في الذي لا يعلم ولا يتصور عليه تمييزه من غيره فذلك قدر من العلم بتأويله، ~~وإن جعلنا قوله: والراسخون رفعا بالابتداء مقطوعا مما قبله، فتسميتهم ~~راسخين يقتضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم ~~كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم، إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع، وما ~~الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام وموارد الأحكام، ومواقع المواعظ، وذلك ~~كله بقريحة معدة، فالمعنى وما يعلم تأويله على الاستيفاء إلى الله، والقوم ~~الذين يعلمون منه ما يمكن أن يعلم يقولون في جميعه آمنا به كل من عند ربنا ~~وهذا القدر هو الذي تعاطى ms0495 ابن عباس رضي الله عنه، وهو ترجمان القرآن، ولا ~~يتأول عليه أنه علم وقت الساعة وأمر الروح وما شاكله. فإعراب الراسخون ~~يحتمل الوجهين، ولذلك قال ابن عباس بهما، والمعنى فيهما يتقارب بهذا النظر ~~الذي سطرناه، فأما من يقول: إن المتشابه إنما هو ما لا سبيل لأحد إلى PageV01P403 # علمه فيستقيم على قوله إخراج الراسخين من علم تأويله، لكن تخصيصه ~~المتشابهات بهذا النوع غير صحيح، بل الصحيح في ذلك قول من قال: المحكم ما ~~لا يحتمل إلا تأويلا واحدا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها، وهذا هو ~~متبع أهل الزيغ، وعلى ذلك يترتب النظر الذي ذكرته، ومن قال من العلماء ~~الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه فإنما أرادوا هذا النوع ~~وخافوا أن يظن أحد أن الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال، وكذلك ~~ذهب الزجاج إلى أن الإشارة بما تشابه منه إنما هي إلى وقت البعث الذي ~~أنكره، وفسر باقي الآية على ذلك، فهذا أيضا تخصيص لا دليل عليه، وأما من ~~يقول، إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم ~~التأويل لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح، ورجح ابن فورك أن ~~الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس: «إلا ~~الله ويقول: الراسخون في العلم آمنا به» ، وقرأ ابن مسعود «وابتغاء تأويله» ~~إن تأويله إلا عند الله، - والراسخون في العلم يقولون آمنا به- والرسوخ ~~الثبوت في الشيء، وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل أو الشجر في الأرض وسئل ~~النبي عليه السلام عن «الراسخين في العلم» ، فقال: هو من برت يمينه وصدق ~~لسانه واستقام، وقوله: كل من عند ربنا فيه ضمير عائد على كتاب الله، محكمه ~~ومتشابهه، والتقدير، كله من عند ربنا، وحذف الضمير لدلالة لفظ كل عليه، إذ ~~هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال تعالى: وما يذكر إلا أولوا الألباب أي ما ~~يقول هذا ويؤمن به ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب، وهو العقل، ~~وأولوا: جمع ذو. # قوله تعالى: ### || [سورة آل ms0496 عمران (3) : الآيات 8 الى 9] # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) # يحتمل أن تكون هذه الآية حكاية عن الراسخين في العلم، أنهم يقولون هذا مع ~~قولهم آمنا به [آل عمران: 7] ويحتمل أن يكون المعنى منقطعا من الأول لما ~~ذكر أهل الزيغ وذكر نقيضهم، وظهر ما بين الحالتين عقب ذلك بأن علم عباده ~~الدعاء إليه في أن لا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت وهي أهل الزيغ، ~~وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم، إن الله لا يضل العباد، ولو لم تكن ~~الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعي في دفع ما لا يجوز عليه فعله وتزغ معناه، ~~تمل قلوبنا عن الهدى والحق، وقرأ أبو واقد، والجراح «ولا تزغ قلوبنا» ~~بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه أيضا رغبة إلى الله تعالى. وقال أبو الفتح: # ظاهر هذا ونحوه الرغبة إلى القلوب وإنما المسئول الله تعالى، وقوله ~~الرغبة إلى القلوب غير متمكن، ومعنى الآية على القراءتين، أن لا يكن منك ~~خلق الزيغ فيها فتزيغ هي. قال الزجاج: وقيل: إن معنى الآية لا تكلفنا عبادة ~~ثقيلة تزيغ منها قلوبنا. # قال الفقيه الإمام: وهذا قول فيه التحفظ من خلق الله تعالى الزيغ ~~والضلالة في قلب أحد من العباد، ومن لدنك معناه: من عندك ومن قبلك، أي تكون ~~تفضلا لا عن سبب منا ولا عمل، وفي هذا PageV01P404 # استسلام وتطارح، والمراد هب لنا نعيما صادرا عن الرحمة لأن الرحمة راجعة ~~إلى صفات الذات فلا تتصور فيها الهبة. # وقوله تعالى: ربنا إنك جامع الناس إقرار بالبعث ليوم القيامة، قال ~~الزجاج: هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون فأقروا به، وخالف الذين اتبعوا ~~ما تشابه عليهم من أمر البعث حين أنكروه، والريب: # الشك، والمعنى أنه في نفسه حق لا ريب فيه وإن وقع فيه ريب عند المكذبين ~~به فذلك لا يعتد به إذ هو خطأ منهم، وقوله تعالى: إن ms0497 الله لا يخلف الميعاد ~~يحتمل أن يكون إخبارا منه محمدا عليه السلام وأمته، ويحتمل أن يكون حكاية ~~من قول الداعين، ففي ذلك إقرار بصفة ذات الله تعالى، والميعاد مفعال من ~~الوعد. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 10 الى 11] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب (11) # هم الكفار الذين لا يقرون ببعث إنما هي على وجه الدهر وإلى يوم القيامة ~~في زينة الدنيا وهي المال والبنون، فأخبر الله تعالى في هذه الآية، أن ذلك ~~المتهم فيه لا يغني عن صاحبه شيئا ولا يمنعه من عذاب الله وعقابه، ومن في ~~قوله: من الله لابتداء الغاية، والإشارة بالآية إلى معاصري النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكانوا يفخرون بأموالهم وأبنائهم، وهي- بعد- متناولة كل كافر، ~~وقرأ أبو عبد الرحمن: «لن يغني» بالياء، على تذكير العلامة، والوقود بفتح ~~الواو ما يحترق في النار من حطب ونحوه، وكذلك هي قراءة جمهور الناس، وقرأ ~~الحسن ومجاهد وجماعة غيرهما وقود بضم الواو وهذا على حذف مضاف تقديره، حطب ~~وقود النار، والوقود بضم الواو المصدر، وقدت النار تقد إذا اشتعلت، والدأب ~~والدأب، بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب يدأب- إذا لازم فعل شيء ودام عليه ~~مجتهدا فيه، ويقال للعادة- دأب- فالمعنى في الآية، تشبيه هؤلاء في لزومهم ~~الكفر ودوامهم عليه بأولئك المتقدمين، وآخر الآية يقتضي الوعيد بأن يصيب ~~هؤلاء مثل ما أصاب أولئك من العقاب. # والكاف في قوله كدأب في موضع رفع، التقدير: دأبهم كدأب، ويصح أن يكون ~~الكاف في موضع نصب، قال الفراء: هو نعت لمصدر محذوف تقديره كفرا كدأب، ~~فالعامل فيه كفروا، ورد هذا القول الزجاج بأن الكاف خارجة من الصلة فلا ~~يعمل فيها ما في الصلة. # قال القاضي رحمه الله: ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ «الوقود» ويكون ~~التشبيه في نفس الاحتراق، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب، النار يعرضون عليها ms0498 غدوا وعشيا [غافر: 46] ، والقول الأول أرجح ~~الأقوال أن يكون الكاف في موضع رفع، والهاء في قبلهم عائدة على آل فرعون، ~~ويحتمل أن تعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار، وقوله: ~~بآياتنا يحتمل أن يريد بالآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد العلامات المنصوبة، ~~واختلفت عبارة PageV01P405 # المفسرين، في تفسير الدأب، وذلك كله راجع إلى المعنى الذي ذكرناه. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 13] # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم ~~آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي ~~العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) # قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، «ستغلبون وتحشرون» بالتاء من ~~فوق و «يرونهم» بالياء من تحت، وحكى أبان عن عاصم «ترونهم» بالتاء من فوق ~~مضمومة، وقرأ نافع ثلاثتهن بالتاء من فوق، وقرأ حمزة ثلاثتهن بالياء من ~~تحت، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، وقرأ ابن عباس، وطلحة بن ~~مصرف وأبو حيوة، «يرونهم» بالياء المضمومة، وقرأ أبو عبد الرحمن، بالتاء من ~~فوق مضمومة. # واختلف من الذين أمر بالقول لهم من الكفار، فقيل هم جميع معاصريه من ~~الكفار، أمر بأن يقول لهم هذا الذي فيه إعلام بغيب ووعيد، قد صدق بحمد الله ~~غلب الكفر وصار من مات عليه إلى جهنم، ونحا إلى هذا أبو علي في- الحجة- ~~وتظاهرت روايات بأن المراد يهود المدينة، قال ابن عباس وغيره: لما أصاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في ~~سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا ~~فقالوا يا محمد: لا يغرنك نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا ~~يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله في قولهم ~~هذه الآية، وروي حديث آخر ذكره النقاش، وهو أن النبي عليه السلام لما غلب ~~قريشا ببدر قالت اليهود: هذا هو النبي ms0499 المبعوث الذي في كتابنا وهو الذي لا ~~تهزم له راية، وكثرت فتنتهم بالأمر، فقال لهم رؤساؤهم وشياطينهم: # لا تعجلوا وأمهلوا حتى نرى أمره في وقعة أخرى، فلما وقعت أحد كفر جميعهم ~~وبقوا على أولهم، وقالوا: # ليس محمد بالنبي المنصور فنزلت الآية في ذلك، أي قل لهؤلاء اليهود ~~سيغلبون يعني قريشا، وهذا التأويل إنما يستقيم على قراءة «سيغلبون ويحشرون» ~~بالياء من تحت، ومن قرأ بالتاء فمعنى الآية: قل للكفار جميعا هذه الألفاظ، ~~ومن قرأ بالياء من تحت، فالمعنى قل لهم كلاما هذا معناه، ويحتمل قراءة ~~التاء التأويل الذي ذكرناه آنفا، أي قل لليهود ستغلب قريش، ورجح أبو علي ~~قراءة التاء على المواجهة، وأن الذين كفروا يعم الفريقين، المشركين ~~واليهود، وكل قد غلب بالسيف والجزية والذلة، والحشر: الجمع والإحضار، ~~وقوله: وبئس المهاد يعني جهنم، هذا ظاهر الآية، وقال مجاهد: المعنى بئس ما ~~مهدوا لأنفسهم، فكأن المعنى، وبئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم. # وقوله تعالى: قد كان لكم آية في فئتين الآية تحتمل أن يخاطب بها المؤمنون ~~وأن يخاطب بها جميع الكفار وأن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل احتمال منها ~~قد قال قوم، فمن رأى أن الخطاب بها للمؤمنين فمعنى الآية تثبيت النفوس ~~وتشجيعها، لأنه لما قال للكفار ما أمر به أمكن أن يستبعد ذلك المنافقون ~~وبعض ضعفة المؤمنين، كما قال قائل يوم الخندق: يعدنا محمد أموال كسرى ~~وقيصر، ونحن لا PageV01P406 # نأمن على أنفسنا في المذهب، وكما قال عدي بن حاتم حين أخبره النبي عليه ~~السلام بالأمنة التي تأتي، فقلت في نفسي: وأين دعار طيىء الذين سعروا ~~البلاد؟ الحديث بكماله، فنزلت الآية مقوية لنفوس المؤمنين ومبينة صحة ما ~~أخبر به بالمثال الواقع، فمن قرأ «ترونهم» بالتاء من فوق فهي مخاطبة لجميع ~~المؤمنين إذ قد رأى ذلك جمهور منهم، والهاء والميم في «ترونهم» تجمع ~~المشركين، وفي «مثلهم» تجمع المؤمنين، ومن قرأ بالياء من تحت فالمعنى يرى ~~الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع المؤمنين، ومن رأى أن الخطاب لجميع ~~الكفار ومن رأى أنه لليهود ms0500 فالآية عنده داخلة فيما أمر محمد عليه السلام أن ~~يقوله لهم احتجاجا عليهم، وتبيينا لصورة الوعيد المتقدم في أنهم سيغلبون، ~~فمن قرأ بالياء من تحت، فالمعنى يرى الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع ~~المؤمنين، ومن قرأ بالتاء فالمعنى لو حضرتم أو إن كنتم حضرتم وساغت العبارة ~~لوضوح الأمر في نفسه ووقوع اليقين به لكل إنسان في ذلك العصر، ومن قرأ بضم ~~التاء أو الياء فكأن المعنى، أن اعتقاد التضعيف في جميع الكفار إنما كان ~~تخمينا وظنا لا يقينا، فلذلك ترك في العبارة من الشك وذلك أن أرى بضم ~~الهمزة تقولها فيما بقي عندك فيه نظر وأرى- بفتح الهمزة تقولها فيما قد صح ~~نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفتح وهو صحيح، قال أبو علي: والرؤية في ~~هذه الآية عين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، ومثليهم نصب على الحال من الهاء ~~والميم في ترونهم وأجمع الناس على الفاعل ب ترونهم المؤمنون والضمير المتصل ~~هو للكفار، إلا ما حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين ~~في عيون الكفار حتى كانوا عندهم ضعفيهم، وضعف الطبري هذا القول، وكذلك هو ~~مردود من جهات، بل قلل الله كل طائفة في عين الأخرى، ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا، فقلل الكفار في عيون المؤمنين ليقع التجاسر ويحتقر العدو، وهذا مع ~~اعتقاد النبي وقوله، واعتقاد أولي الفهم من أصحابه أنهم من التسعمائة إلى ~~الألف، لكن أذهب الله عنهم البهاء وانتشار العساكر وفخامة الترتيب، حتى قال ~~ابن مسعود في بعض ما روي عنه: لقد قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ فقال: # أظنهم مائة، فلما أخذنا الأسرى أخبرونا أنهم كانوا ألفا، وقلل الله ~~المؤمنين في عيون الكفار ليغتروا ولا يحزموا، وتظاهرت الروايات أن جمع ~~الكفار ببدر كان نحو الألف فوق التسعمائة وأن جمع المؤمنين كان ثلاثمائة ~~وأربعة عشر رجلا وقيل وثلاثة عشر فكان الكفار ثلاثة من المؤمنين، لكن رجع ~~بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، ورجع طالب بن أبي طالب وأتباع وناس كثير حتى ~~بقي للقتال ms0501 من يقرب من المثلين، وقد ذكر النقاش نحوا من هذا فذكر الله ~~تعالى المثلين، إذ أمرهما متيقن لم يدفعه قط أحد، وقد حكى الطبري عن ابن ~~عباس: أن المشركين في قتال بدر كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا، وقد ذهب ~~الزجاج وبعض المفسرين، أنهم كانوا نحو الألف وأراهم الله للمؤمنين مثليهم ~~فقط، قال: فهذا التقليل في الآية الأخرى، ثم نصرهم عليهم مع علمهم بأنهم ~~مثلاهم في العدد، لأنه كان أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من ~~الكفار، وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي عليه السلام أنه قال ~~يوم بدر: # القوم ألف، وقوله تعالى: لكم آية يريد علامة وأمارة ومعتبرا، والفئة: ~~الجماعة من الناس سميت بذلك لأنها يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة، وقال ~~الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، ويقال: فأيته إذا ~~فلقته، ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر، وقرأ جمهور ~~الناس PageV01P407 # «فئة تقاتل» برفع «فئة» على خبر ابتداء، تقديره إحداهما فئة، وقرأ مجاهد ~~والحسن والزهري وحميد: «فئة» بالخفض على البدل، ومنهم من رفع «كافرة» ومنهم ~~من خفضها على العطف، وقرأ ابن أبي عبلة: «فئة» بالنصب وكذلك «كافرة» قال ~~الزجاج: يتجه ذلك على الحال كأنه قال: التقتا مؤمنة وكافرة، ويتجه أن يضمر ~~فعل أعني ونحوه ورأي العين نصب على المصدر، ويؤيد معناه يقوي من الأيد وهو ~~القوة. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 14] # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) # قرأ جمهور الناس «زين» على بناء الفعل للمفعول ورفع «حب» على أنه مفعول ~~لم يسم فاعله، وقرأ الضحاك ومجاهد «زين» على بناء الفعل للفاعل ونصب «حب» ~~على أنه المفعول، واختلف الناس من المزين؟ فقالت فرقة: الله زين ذلك وهو ~~ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت ~~الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت: ms0502 قل أأنبئكم بخير من ذلكم [آل عمران: 15] ~~، وقالت فرقة: المزين هو الشيطان، وهذا ظاهر قول الحسن بن أبي الحسن، فإنه ~~قال من زينها؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وإذا قيل زين الله، فمعناه ~~بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا ~~قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. ~~والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر. وهذه الآية ~~على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضيح لمعاصري محمد ~~عليه السلام من اليهود وغيرهم، والشهوات ذميمة واتباعها مرد وطاعتها مهلكة، ~~وقد قال عليه السلام: «حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره» فحسبك أن ~~النار حفت بها، فمن واقعها خلص إلى النار، وو القناطير جمع قنطار، وهو ~~العقدة الكبيرة من المال، واختلف الناس في تحرير حده كم هو؟ فروى أبي بن ~~كعب، عن النبي عليه السلام أنه قال: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقال بذلك ~~معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعاصم بن أبي النجود وجماعة من ~~العلماء، وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في ~~قدر الأوقية، وقال ابن عباس والضحاك بن مزاحم والحسن بن أبي الحسن: القنطار ~~ألف ومائتا مثقال، وروى الحسن ذلك مرفوعا عن النبي عليه السلام، قال الضحاك ~~وهو من الفضة ألف ومائتا، وروي عن ابن عباس أنه قال: القنطار من الفضة اثنا ~~عشر ألف درهم، ومن الذهب ألف دينار، وروي ذلك عن الحسن والضحاك وقال سعيد ~~بن المسيب: القنطار ثمانون ألفا، وقال قتادة: القنطار مائة رطل من الذهب أو ~~ثمانون ألف درهم من الفضة، وقال السدي: القنطار ثمانية آلاف مثقال وهي مائة ~~رطل، وقال مجاهد القنطار سبعون ألف دينار، وروي ذلك عن ابن عمر، وقال أبو ~~نضرة: القنطار ملء مسك ثور ذهبا. PageV01P408 # قال ابن سيده: هكذا هو بالسريانية، وقال الربيع بن أنس: القنطار المال ~~الكثير بعضه على بعض، وحكى ms0503 النقاش عن ابن الكلبي، أن القنطار بلغة الروم ~~ملء مسك ثور ذهبا، وقال النقاش: القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة لأنه جمع ~~الجمع، وهذا ضعف نظر وكلام غير صحيح، وقد حكى مكي نحوه عن ابن كيسان أنه ~~قال: لا تكون المقنطرة أقل من تسعة وحكى المهدوي عنه وعن الفراء، لا تكون ~~المقنطرة أكثر من تسعة، وهذا كله تحكم. قال أبو هريرة: القنطار اثنا عشر ~~ألف أوقية، وحكى مكي قولا إن القنطار أربعون أوقية ذهبا أو فضة، وقاله ابن ~~سيده في المحكم، وقال: القنطار بلغة بربر ألف مثقال، وروى أنس بن مالك عن ~~النبي عليه السلام في تفسير قوله تعالى: وآتيتم إحداهن قنطارا [النساء: 20] ~~قال ألف دينار ذكره الطبري، وحكى الزجاج أنه قيل: إن القنطار هو رطل ذهبا ~~أو فضة وأظنها وهما، وإن القول مائة رطل فسقطت مائة للناقل، والقنطار إنما ~~هو اسم المعيار الذي يوزن به، كما هو الرطل والربع، ويقال لما بلغ ذلك ~~الوزن هذا قنطار أي يعدل القنطار، والعرب تقول: قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن ~~يوزن بالقنطار، وقال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وأحكامه والقنطرة ~~المعقودة نحوه، فكأن القنطار عقدة مال. # واختلف الناس في معنى قوله: المقنطرة فقال الطبري: معناه المضعفة، وكأن ~~القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع، وقد تقدم ذكر هذا النظر، وقال الربيع: معناه ~~المال الكثير بعضه فوق بعض، وقال السدي: معنى المقنطرة، المضروبة حتى صارت ~~دنانير أو دراهم، وقال مكي: المقنطرة المكملة، والذي أقول: إنها إشارة إلى ~~حضور المال وكونه عتيدا، فذلك أشهى في أمره وذلك أنك تقول في رجل غني من ~~الحيوان والأملاك: فلان صاحب قناطير مال أي لو قومت أملاكه لاجتمع من ذلك ~~ما يعدل قناطير، وتقول في صاحب المال الحاضر العتيد هو صاحب قناطير مقنطرة ~~أي قد حصلت كذلك بالفعل بها، أي قنطرت فهي مقنطرة، وذلك أشهى للنفوس وأقرب ~~للانتفاع وبلوغ الآمال. وقد قال مروان بن الحكم: # ما المال إلا ما حازته العياب، وإذا كان هذا فسواء كان المال مسكوكا، أو ~~غير مسكوك، أما ms0504 أن المسكوك أشهى لما ذكرناه، ولكن لا تعطي ذلك لفظة ~~المقنطرة. # والخيل: جمع خائل عند أبي عبيدة، سمي بذلك الفرس لأنه يختال في مشيه فهو ~~كطائر وطير، وقال غيره: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، واختلف المفسرون في ~~معنى المسومة فقال سعيد بن جبير وابن عباس وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ~~والحسن والربيع ومجاهد، معناه الراعية في المروج والمسارح تقول: سامت ~~الدابة أو الشاة إذا سرحت وأخذت سومها من الرعي أي غاية جهدها ولم تقصر عن ~~حال دون حال، وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «في سائمة الغنم الزكاة» ومنه قوله عز وجل: فيه تسيمون [النحل: 10] ~~وروي عن مجاهد أنه قال: المسومة معناه المطهمة الحسان، وقاله عكرمة، سومها ~~الحسن، وروي عن ابن عباس أنه قال: المسومة معناه المعلمة، شيات الخيل في ~~وجوهها وقاله قتادة، ويشهد لهذا القول بيت لبيد: [الكامل] # وغداة قاع القرنتين أتينهم ... زجلا يلوح خلالها التسويم PageV01P409 # وأما قول النابغة: [الوافر] : # بسمر كالقداح مسومات ... عليها معشر أشباه جن # فيحتمل أن يريد المطهمة الحسان، ويحتمل أن يريد المعلمة بالشيات ويحتمل ~~أن يريد المعدة، وقد فسر الناس قوله تعالى: مسومة عند ربك [هود: 83] بمعنى ~~معدة، وقال ابن زيد في قوله تعالى: # والخيل المسومة معناه: المعدة للجهاد. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: قوله: للجهاد ليس من تفسير اللفظة، ~~والأنعام الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز والحرث هنا اسم لكل ~~ما يحرث، وهو مصدر سمي به، تقول: # حرث الرجل إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة فيقع اسم الحرث على زرع الحبوب ~~وعلى الجنات وغير ذلك من أنواع الفلاحة. وقوله تعالى: إذ يحكمان في الحرث ~~[الأنبياء: 78] قال جمهور المفسرين، كان كرما، والمتاع ما يستمتع به وينتفع ~~مدة ما منحصرة، والمآب المرجع، تقول: آب الرجل يؤوب، ومنه قول الشاعر: ~~[الوافر] رضيت من الغنيمة بالإياب وقول الآخر [بشر بن أبي خازم] : [الوافر] ~~إذا ما القارظ العنزي آبا وقول عبيد: [مخلع البسيط] وغائب الموت لا يؤوب ~~وأصل ms0505 مآب مأوب، نقلت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال، ~~فمعنى الآية تقليل أمر الدنيا وتحقيرها، والترغيب في حسن المرجع إلى الله ~~تعالى في الآخرة، وفي قوله: زين للناس تحسر ما على نحو ما في قول النبي ~~عليه السلام: تتزوج المرأة لأربع- الحديث- وقوله تعالى: قل أأنبئكم [آل ~~عمران: 15] بمثابة قول النبي عليه السلام: «فاظفر بذات الدين» . # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 15] # قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) # في هذه الآية تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها، وذكر تعالى حال ~~الدنيا وكيف استقر تزيين شهواتها، ثم جاء الإنباء بخير من ذلك، هازا للنفوس ~~وجامعا لها لتسمع هذا النبأ المستغرب النافع لمن عقل، وأنبئ: معناه أخبر، ~~وذهبت فرقة من الناس إلى أن الكلام الذي أمر النبي عليه السلام بقوله تم في ~~قوله تعالى: عند ربهم وجنات على هذا مرتفع بالابتداء المضمر تقديره: ذلك ~~جنات، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله: من ذلكم وأن قوله للذين خبر ~~متقدم، وجنات رفع بالابتداء، وعلى التأويل الأول يجوز في جنات الخفض بدلا ~~من خير، ولا يجوز ذلك على التأويل الثاني، والتأويلان PageV01P410 # محتملان، وقوله من تحتها يعني من تحت أشجارها وعلوها من الغرف ونحوها ~~وخالدين نصب على الحال، وقوله: وأزواج عطف على الجنات وهو جمع زوج وهي ~~امرأة الإنسان، وقد يقال زوجة، ولم يأت في القرآن، ومطهرة، معناه من المعود ~~في الدنيا من الأقذار والريب وكل ما يصم في الخلق والخلق، ويحتمل أن يكون ~~الأزواج الأنواع والأشباه، والرضوان، مصدر من الرضى وفي الحديث عن النبي ~~عليه السلام: أن أهل الجنة إذا استقروا فيها وحصل لكل واحد منهم ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الله لهم: أتريدون أن أعطيكم ما ~~هو أفضل من هذا؟ قالوا يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول الله تعالى: ~~«أحل عليكم رضواني ms0506 فلا أسخط عليكم أبدا» ، هذا سياق الحديث، وقد يجيء مختلف ~~الألفاظ والمعنى قريب بعضه من بعض، وفي قوله تعالى: # والله بصير بالعباد وعد ووعيد. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 16 الى 17] # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) # الذين بدل من «الذين اتقوا» [آل عمران: 15] ، فسر في هذه الآية أحوال ~~المتقين الموعودين بالجنات، ويحتمل أن يكون إعراب قوله: الذين في هذه الآية ~~رفعا على القطع وإضمار الابتداء ويحتاج إلى القطع وإضمار فعل في قوله: ~~الصابرين والخفض في ذلك كله على البدل أوجه. ويجوز في الذين، وما بعده ~~النصب على المدح؟ والصبر في هذه الآية معناه على الطاعات وعلى المعاصي ~~والشهوات، والصدق معناه في الأقوال والأفعال، والقنوت، الطاعة والدعاء أيضا ~~وبكل ذلك يتصف المتقي، والإنفاق معناه في سبيل الله ومظان الأجر كالصلة ~~للرحم وغيرها، ولا يختص هذا الإنفاق بالزكاة المفروضة، والاستغفار طلب ~~المغفرة من الله تعالى، وخص تعالى السحر لما فسر النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله، ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر فيقول، من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ فلا يزال كذلك حتى ~~يطلع الفجر. # وروي في تفسير قول يعقوب عليه السلام: سوف أستغفر لكم ربي، أنه أخر الأمر ~~إلى السحر، وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية ~~المسجد يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فنظرت فإذا ابن مسعود، ~~وقال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة، وقال نافع: كان ~~ابن عمر يحيي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع آسحرنا؟ فأقول- لا- فيعاود ~~الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر، فلفظ الآية إنما يعطي طلب ~~المغفرة، وهكذا تأوله من ذكرناه من الصحابة، وقال قتادة: المراد بالآية ~~المصلون بالسحر، وقال زيد بن أسلم: المراد بها الذين يصلون صلاة الصبح في ~~جماعة وهذا كله يقترن به الاستغفار، والسحر والسحر، بفتح الحاء وسكونها ms0507 آخر ~~الليل، قال الزجاج وغيره: هو قبل طلوع الفجر، وهذا صحيح لأن ما بعده الفجر ~~هو من اليوم لا من الليلة، PageV01P411 # وقال بعض اللغويين: السحر من ثلث الليل الآخر إلى الفجر. # قال الفقيه الإمام: والحديث في التنزل وهذه الآية في الاستغفار يؤيدان ~~هذا، وقد يجيء في أشعار العرب ما يقتضي أن حكم السحر يستمر فيما بعد الفجر ~~نحو قول امرئ القيس: [المتقارب] # يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر # يقال: أسحر واستحر إذا دخل في السحر، وكذلك قولهم: نسيم السحر، يقع لما ~~بعد الفجر، وكذلك قول الشاعر: [ربيع بن زياد] # تجد النساء حواسرا يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار # فقد قضى أن السحر يتبلج بطلوع الفجر، ولكن حقيقة السحر في هذه الأحكام ~~الشرعية من الاستغفار المحمود، ومن سحور الصائم، ومن يمين لو وقعت إنما هي ~~من ثلث الليل الباقي إلى السحر. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 18] # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) # أصل شهد في كلام العرب حضر، ومنه قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~[البقرة: # 185] ثم صرفت الكلمة حتى قيل في أداء ما تقرر علمه في النفس بأي وجه تقرر ~~من حضور أو غيره: شهد يشهد فمعنى شهد الله أعلم عباده بهذا الأمر الحق ~~وبينه، وقال أبو عبيدة: شهد الله معناه، قضى الله وهذا مردود من جهات، وقرأ ~~جميع القراء: أنه لا إله بفتح الألف من أنه وبكسرها من قوله: إن الدين [آل ~~عمران: 19] واستئناف الكلام، وقرأ الكسائي وحده «أن الدين» بفتح الألف، قال ~~أبو علي: # «أن» بدل من أنه الأولى، وإن شئت جعلته من بدل الشيء من الشيء وهو هو، ~~لأن الإسلام هو التوحيد والعدل، وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأن الإسلام ~~يشتمل على التوحيد والعدل، وإن شئت جعلت «إن الدين» بدلا من القسط لأنه هو ~~في المعنى، ووجه الطبري هذه القراءة، بأن قدر في الكلام واو عطف ثم حذفت ~~وهي ms0508 مرادة كأنه قال: وإن الدين [آل عمران: 19] وهذا ضعيف، وقرأ عبد الله بن ~~العباس: # «إنه لا إله إلا هو» بكسر الألف من «إنه» ، وقرأ «أن الدين» بفتح الألف، ~~فأعمل شهد في «أن الدين وجاء قوله: «إنه لا إله إلا هو» اعتراضا جميلا في ~~نفس الكلام المتصل، وتأول السدي الآية على نحو قراءة ابن عباس فقال: الله ~~وملائكته والعلماء يشهدون: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] وقرأ ~~أبو المهلب عم محارب بن دثار، «شهداء الله» على وزن فعلاء، وبالإضافة إلى ~~المكتوبة، قال أبو الفتح، هو نصب على الحال من الضمير في المستغفرين [آل ~~عمران: 17] وهو جمع شهيد أو جمع شاهد كعالم وعلماء، وروي عن أبي المهلب هذا ~~أنه قرأ «شهد الله» برفع الشهداء، وروي عنه أنه قرأ «شهد» الله» على وزن- ~~فعل- بضم الفاء والعين ونصب شهداء على الحال، وحكى النقاش أنه قرىء «شهد PageV01P412 # الله» بضم الشين والهاء، والإضافة إلى المكتوبة قال: فمنهم من نصب الدال ~~ومنهم من رفعها، وأصوب هذه القراءات قراءة الجمهور، وإبقاع الشهادة على ~~التوحيد، والملائكة وأولوا العلم عطف على اسم الله تعالى، وعلى بعض ما ~~ذكرناه من القراءات يجيء قوله: والملائكة وأولوا العلم ابتداء وخبره مقدر، ~~كأنه قال: والملائكة وأولوا العلم يشهدون وقائما نصب على الحال من اسمه ~~تعالى في قوله: شهد الله أو من قوله إلا هو وقرأ ابن مسعود «القائم بالقسط» ~~والقسط العدل. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 19] # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) # قد تقدم ذكر اختلاف القراء في كسر الألف من إن الدين وفتحها، والدين في ~~هذه الآية الطاعة والملة، والمعنى، أن الدين المقبول أو النافع أو المقرر، ~~والإسلام في هذه الآية هو الإيمان والطاعة، قاله أبو العالية وعليه جمهور ~~المتكلمين، وعبر عنه قتادة ومحمد بن جعفر بن الزبير بالإيمان. # قال أبو محمد رحمه الله: ومرادهما، أنه مع الأعمال، والإسلام هو الذي سأل ms0509 ~~عنه جبريل النبي عليه السلام حين جاء يعلم الناس دينهم الحديث وجواب النبي ~~له في الإيمان والإسلام يفسر ذلك، وكذلك تفسيره قوله عليه السلام: بني ~~الإسلام على خمس، الحديث، وكل مؤمن بنبيه ملتزم لطاعات شرعه فهو داخل تحت ~~هذه الصفة، وفي قراءة ابن مسعود «إن الدين عند الله للإسلام» باللام ثم ~~أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب، أنه كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان ~~بغيا وطلبا للدنيا، قاله ابن عمر وغيره. # والذين أوتوا الكتاب لفظ يعم اليهود والنصارى، لكن الربيع بن أنس قال، ~~المراد بهذه الآية اليهود، وذلك أن موسى عليه السلام، لما حضرته الوفاة، ~~دعا سبعين حبرا من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة، عند كل حبر جزء، ~~واستخلف يوشع بن نون فلما مضت ثلاثة قرون، وقعت الفرقة بينهم، وقال محمد بن ~~جعفر بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخ لنصارى نجران، وبغيا ~~نصب على المفعول من أجله أو على الحال من الذين ثم توعد عز وجل الكفار، ~~وسرعة الحساب يحتمل أن يراد بها سرعة مجيء القيامة والحساب إذ هي متيقنة ~~الوقوع، فكل آت قريب ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته ~~بكل شيء علما لا يحتاج إلى عد ولا فكرة، قاله مجاهد. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 20] # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) # حاجوك فاعلوك من الحجة والضمير في حاجوك لليهود ولنصارى نجران والمعنى: ~~إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة، والمغالطات فاسند إلى ما كلفت من ~~الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك، PageV01P413 # وقوله وجهي يحتمل أن يراد به المقصد كما تقول خرج فلان في وجه كذا فيكون ~~معنى الآية: جعلت مقصدي لله، ويحتمل أن يكون معنى الآية، أسلمت شخصي وذاتي ~~وكليتي وجعلت ذلك لله، وعبر بالوجه إذ الوجه أشرف أعضاء الشخص وأجمعها ~~للحواس، وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى: ويبقى وجه ربك [الرحمن: 27] ~~أنها عبارة ms0510 عن الذات، وأسلمت في هذا الموضع بمعنى دفعت وأمضيت وليست بمعنى ~~دخلت في السلم لأن تلك لا تتعدى، وقوله تعالى: ومن اتبعن في موضع رفع عطف ~~على الضمير في موضع خفض عطفا على اسم الله تعالى كأنه يقول: جعلت مقصدي لله ~~بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتبعن بالحفظ له والتحفي بتعليمه وصحبته لك ~~في اتبعن حذف الياء وإثباتها وحذفها أحسن اتباعا لخط المصحف، وهذه النون ~~إنما هي لتسلم فتحة لام الفعل فهي مع الكسرة تغني عن الياء لا سيما إذا ~~كانت رأس آية، فإنها تشبه قوافي الشعر كما قال الأعشى: [المتقارب] # وهل يمنعن ارتياد البلا ... د من حذر الموت أن يأتين # فمن ذلك قوله تعالى: ربي أكرمن [الفجر: 15] فإذا لم تكن نون فإثبات الياء ~~أحسن، لكنهم قد قالوا: هذا غلام قد جاء فاكتفوا بالكسرة دلالة على الياء، ~~والذين أوتوا الكتاب في هذا الموضع يجمع اليهود والنصارى باتفاق، والأميون ~~هم الذين لا يكتبون وهم العرب في هذه الآية، وهذه النسبة هي إلى الأم أو ~~إلى الأمة أي كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم أو على حال ~~الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق، وقوله: أأسلمتم تقرير في ضمنه الأمر كذا ~~قال الطبري وغيره، وذلك بين، وقال الزجاج أأسلمتم تهديد، وهذا حسن، لأن ~~المعنى أأسلمتم أم لا؟ وقوله تعالى: فقد اهتدوا وجاءت العبارة بالماضي ~~مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصله. # وقوله تعالى: فإنما عليك البلاغ ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما ~~نسخته آية السيف. # قال أبو محمد: وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر ~~نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك البلاغ بما فيه ~~قتال وغيره، والبلاغ مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، وفي قوله تعالى: والله ~~بصير بالعباد وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 22] # إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ms0511 (21) أولئك الذين حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) # قال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره: إن هذه الآية في اليهود والنصارى. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وتعم كل من كان بهذه الحال، ~~والآية توبيخ PageV01P414 # للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمساوئ، أسلافهم وببقائهم ~~أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساويء لأنهم كانوا حرصى على قتل محمد ~~عليه السلام، وروي أن بني إسرائيل قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا وقامت سوق ~~البقل بعد ذلك، وروى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي عليه السلام: أنهم قتلوا ~~ثلاثة وأربعين نبيا فاجتمع من خيارهم وأحبارهم مائة وعشرون ليغيروا وينكروا ~~فقتلوا أجمعين كل ذلك في يوم واحد وذلك معنى قوله تعالى: ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط وقوله تعالى: بغير حق مبالغة في التحرير للذنب إذ في الإمكان ~~أن يقتضي ذلك أمر الله تعالى بوجه ما من تكرمة نبي أو غير ذلك، وعلى هذا ~~المعنى تجيء أفعل من كذا إذا كان فيها شياع مثل أحب وخير وأفضل ونحوه مقولة ~~من شيئين ظاهرهما الاشتراك بينهما. # وقرأ جمهور الناس: «ويقتلون الذين» وقرأ حمزة وجماعة من غير السبعة ~~«ويقاتلون الذين» وفي مصحف ابن مسعود «وقاتلوا الذين» ، وقرأها الأعمش، ~~وكلها متوجهة وأبينها قراءة الجمهور، والقسط العدل، وجاءت البشارة بالعذاب ~~من حيث نص عليه وإذا جاءت البشارة مطلقة فمجملها فيما يستحسن، ودخلت الفاء ~~في قوله: فبشرهم لما في الذي من معنى الشرط في هذا الموضع فذلك بمنزلة ~~قولك: # الذي يفعل كذا فله كذا إذا أردت أن ذلك إنما يكون له بسبب فعله الشيء ~~الآخر فيكون الفعل في صلتها وتكون بحيث لم يدخل عليها عامل يغير معناها ~~كليت ولعل، وهذا المعنى نص في كتاب سيبويه في باب ترجمة هذا باب الحروف ~~التي تتنزل منزلة الأمر والنهي لأن فيها معنى الأمر والنهي، وحبطت معناه: # بطلت وسقط حكمها، وحبطها في الدنيا بقاء الذم واللعنة عليهم، وحبطها في ~~الآخرة كونها هباء منبثا وتعذيبهم عليها، وقرأ ابن عباس ms0512 وأبو السمال ~~العدوي: «حبطت» بفتح الباء وهي لغة، ثم نفى النصر عنهم في كلا الحالين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 23 الى 25] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم ~~لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25) # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~بيت المدارس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو ~~والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا على ملة إبراهيم» فقالا: فإن ~~إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما النبي عليه السلام: «فهلموا إلى التوراة فهي ~~بيننا وبينكم» فأبيا عليه فنزلت، وذكر النقاش: أنها نزلت لأن PageV01P415 # جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لهم النبي ~~عليه السلام: «هلموا إلى التوراة ففيها صفتي» فأبوا. # قال القاضي أبو محمد: فالكتاب في قوله: من الكتاب هو اسم الجنس، والكتاب ~~في قوله: # إلى كتاب الله هو التوراة، وقال قتادة وابن جريج: الكتاب في قوله إلى ~~كتاب الله هو القرآن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فكانوا ~~يعرضون، ورجح الطبري القول الأول، وقال مكي: الكتاب الأول اللوح المحفوظ ~~والثاني التوراة، وقرأ جمهور الناس «ليحكم» بفتح الياء أي ليحكم الكتاب، ~~وقرأ الحسن وأبو جعفر وعاصم الجحدري «ليحكم» بضم الياء وبناء الفعل ~~للمفعول، وخص الله تعالى بالتولي فريقا دون الكل لأن منهم من لم يتول كابن ~~سلام وغيره، وقوله تعالى: ذلك بأنهم الإشارة فيه إلى التولي والإعراض، أي ~~إنما تولوا وأعرضوا لاغترارهم بهذه الأقوال والافتراء الذي لهم في قولهم: ~~نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] إلى غير ذلك من هذا المعنى، وكان من ~~قول بني إسرائيل: إنهم لن تمسهم النار ms0513 إلا أربعين يوما عدد الأيام التي ~~عبدوا فيها العجل، قاله الربيع وقتادة، وحكى الطبري أنهم قالوا: إن الله ~~وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدا من ولده النار إلا تحلة القسم، وفي الحديث ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود: من أول من يدخل النار؟ فقالوا ~~نحن فترة يسيرة ثم تخلفوننا فيها فقال: كذبتم الحديث بطوله، ويفترون معناه، ~~يشققون ويختلقون من الأحاديث في مدح دينهم وأنفسهم وادعاء الفضائل لها، ثم ~~قال تعالى خطابا لمحمد وأمته على جهة التوقيف والتعجيب فكيف حال هؤلاء ~~المغترين بالأباطيل إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت تلك الزخارف التي ادعوها ~~في الدنيا وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم وأعمالهم القبيحة؟ قال النقاش: ~~واليوم الوقت، وكذلك قوله: في ستة أيام [الأعراف: 54] [السجدة: 4] إنما هي ~~عبارة عن أوقات فإنها الأيام والليالي والصحيح في يوم القيامة أنه يوم لأن ~~قبله ليلة وفيه شمس، واللام في قوله تعالى: ليوم طالبة لمحذوف، قال الطبري، ~~تقديره لما يحدث في يوم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 27] # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) تولج الليل في ~~النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ~~وترزق من تشاء بغير حساب (27) # قال بعض العلماء: إن هذه الآية لباطل نصارى نجران في قولهم: إن عيسى هو ~~الله وذلك أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى عليه السلام ليس في ~~شيء منها، وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي عليه السلام سأل ربه أن يجعل في ~~أمته ملك فارس والروم فنزلت الآية في ذلك، وقال مجاهد: الملك في هذه الآية ~~النبوة، والصحيح أنه مالك الملك كله مطلقا في جميع أنواعه، وأشرف ملك يؤتيه ~~سعادة الآخرة وروي أن الآية نزلت بسبب أن النبي عليه السلام بشر أمته بفتح ~~ملك فارس وغيره فقالت اليهود PageV01P416 # والمنافقون: هيهات وكذبوا ذلك، واختلف النحويون في تركيب ms0514 لفظة اللهم بعد ~~إجماعهم على أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة وأنها منادى، ودليل ~~ذلك أنها لا تأتي مستعملة في معنى خبر، فمذهب الخليل وسيبويه والبصريين، أن ~~الأصل «يا لله» فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو- يا- جعلوا بدل ~~حرف النداء هذه الميم المشددة، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى ~~المفرد، وذهب حرفان فعوض بحرفين، ومذهب الفراء والكوفيين، أن أصل اللهم يا ~~لله أم: أي أم بخير وأن ضمة الهاء هي ضمة الهمزة التي كانت في أم نقلت، ورد ~~الزجاج على هذا القول وقال: محال أن يترك الضم الذي هو دليل على نداء ~~المفرد وأن تجعل في اسم الله ضمة أم، هذا إلحاد في اسم الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غلو من الزجاج، وقال أيضا: إن هذا الهمز الذي ~~يطرح في الكلام فشأنه أن يؤتى به أحيانا كما قالوا: «ويلمه» في ويل أمه ~~والأكثر إثبات الهمزة، وما سمع قط «يا لله أم» في هذا اللفظ، وقال أيضا: ~~ولا تقول العرب «ياللهم» ، وقال الكوفيون: إنه قد يدخل حرف النداء على ~~اللهم وأنشدوا على ذلك: [الرجز] # وما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو هللت ياللهم ما # اردد علينا شيخنا مسلما قالوا: فلو كانت الميم عوضا من حرف النداء لما ~~اجتمعا، قال الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله ولا يترك له ما في كتاب الله ~~وفي جميع ديوان العرب، قال الكوفيون: وإنما تزاد الميم مخففة في «فم وابنم» ~~ونحوه فأما ميم مشددة فلا تزاد، قال البصريون: لما ذهب حرفان عوض بحرفين، ~~ومالك نصب على النداء، نص سيبويه ذلك في قوله تعالى: قل اللهم فاطر ~~السماوات والأرض [الزمر: 46] وقال: إن اللهم لا يوصف لأنه قد ضمت إليه ~~الميم، قال الزجاج: ومالك عندي صفة لاسم الله تعالى وكذلك فاطر السماوات ~~قال أبو علي: وهو مذهب أبي العباس، وما قال سيبويه أصوب وذلك أنه ليس في ~~الأسماء الموصوفة شيء على حد اللهم لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت والأصوات لا ~~توصف نحو، غاق ms0515 وما أشبه، وكأن حكم الاسم المفرد أن لا يوصف وإن كانوا قد ~~وصفوه في مواضع فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه أن لا يوصف صار ~~بمنزلة صوت ضم إلى صوت نحو، «حيهل» فلم يوصف، قال النضر بن شميل: من قال ~~اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه كلها، وقال الحسن: اللهم مجمع الدعاء. # وخص الله تعالى: الخير بالذكر وهو تعالى بيده كل شيء، إذ الآية في معنى ~~دعاء ورغبة فكأن المعنى بيدك الخير فأجزل حظي منه، وقيل المراد بيدك الخير ~~والشر فحذف لدلالة أحدهما على الآخر، كما قال تقيكم الحر [النحل: 81] قال ~~النقاش: بيدك الخير أي النصر والغنيمة فحذف لدلالة أحدهما، وقال ابن عباس ~~ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وابن زيد في معنى قوله تعالى: تولج الليل في ~~النهار الآية: أنه ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل وما ينتقص من الليل ~~فيزيد في النهار دأبا كل فصل من السنة، وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها ~~تعاقب الليل والنهار كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر. PageV01P417 # واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: وتخرج الحي من الميت الآية، فقال ~~الحسن: معناه تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وروي نحوه عن سلمان ~~الفارسي، وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض أزواجه فإذا ~~بامرأة حسنة النغمة فقال: من هذه؟ قالت إحدى خالاتك فقال: إن خالاتي بهذه ~~البلدة لغرائب، أي خالاتي هي؟ قالت: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال ~~النبي عليه السلام: سبحان الذي يخرج الحي من الميت، وكانت امرأة صالحة وكان ~~أبوها كافرا وهو أحد المستهزئين الذين كفيهم النبي عليه السلام. # قال أبو محمد: فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن ~~والحياة والموت مستعاران، وذهب جمهور كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت ~~في الآية إنما هو الحياة حقيقة والموت حقيقة لا باستعارة، ثم اختلفوا في ~~المثل التي فسروا بها فقال عكرمة: هو إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ~~ميتة وإخراج البيضة ms0516 وهي ميتة من الدجاجة وهي حية ولفظ الإخراج في هذا ~~المثال وما ناسبه لفظ متمكن على عرف استعماله، وقال عبد الله بن مسعود في ~~تفسير الآية: هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ويخرج الرجل منها ~~وهي ميتة. # قال القاضي أبو محمد: ولفظ الإخراج في تنقل النطفة حتى تكون رجلا إنما هو ~~عبارة عن تغير الحال كما تقول في صبي جيد البنية: يخرج من هذا رجل قوي، ~~وهذا المعنى يسميه ابن جني: التجريد أي تجرد الشيء من حال إلى حال هو خروج. ~~وقد يحتمل قوله تعالى: ويخرج الميت من الحي أن يراد به أن الحيوان كله ~~يميته فهذا هو معنى التجريد بعينه وأنشد ابن جني على ذلك: # أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا ... وفي الله- إن لم ينصفوا- حكم عدل # وروى السدي عن أبي مالك قال في تفسير الآية: هي الحبة تخرج من السنبلة ~~والسنبلة تخرج من الحبة، والنواة تخرج من النخلة والنخلة تخرج من النواة ~~والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه، وقوله تعالى: # بغير حساب قيل معناه بغير حساب منك لأنه تعالى لا يخاف أن تنتقص خزائنه، ~~هذا قول الربيع وغيره، وقيل معنى بغير حساب أي من أحد لك، لأنه تعالى لا ~~معقب لأمره، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ~~«الميت» بسكون الياء في جميع القرآن. وروى حفص عن عاصم «من الميت» بتشديد ~~الياء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي «الميت» بتشديد الياء في هذه الآية، وفي ~~قوله: لبلد ميت [الأعراف: 57] وإلى بلد ميت [فاطر: 9] وخفف حمزة والكسائي ~~غير هذه الحروف، قال أبو علي: الميت هو الأصل والواو التي هي عين منه ~~انقلبت ياء لإدغام الياء فيها وميت التخفيف محذوف منه عينه أعلت بالحذف كما ~~أعلت بالقلب، والحذف حسن والإتمام حسن وما مات وما لم يمت في هذا الباب ~~يستويان في الاستعمال. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وذهب قوم إلى أن «الميت» ~~بالتخفيف إنما يستعمل فيما قد مات، وأما «الميت» بالتشديد فيستعمل فيما ms0517 مات ~~وفيما لم يمت بعد. PageV01P418 # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 28] # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) # هذا النهي عن الاتخاذ إنما هو فيما يظهره المرء فأما أن يتخذه بقلبه ~~ونيته فلا يفعل ذلك مؤمن، والمنهيون هنا قد قرر لهم الإيمان، فالنهي إنما ~~هو عبارة عن إظهار اللطف للكفار والميل إليهم، ولفظ الآية عام في جميع ~~الأعصار، واختلف الناس في سبب هذه الآية، فقال ابن عباس: كان كعب بن الأشرف ~~وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، ~~فقال رفاعة بن المنذر بن زبير وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك ~~النفر اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا مباطنتهم فأبى أولئك النفر إلا موالاة ~~اليهود فنزلت الآية في ذلك، وقال قوم: نزلت الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة ~~وكتابه إلى أهل مكة، والآية عامة في جميع هذا ويدخل فيها فعل أبي لبابة في ~~إشارته إلى حلقه حين بعثه النبي عليه السلام في استنزال بني قريظة، وأما ~~تعذيب بني المغيرة لعمار فنزل فيما أباح النبي عليه السلام لعمار إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] . # وقوله تعالى: من دون عبارة عن كون الشيء الذي تضاف إليه دون غائبا متنحيا ~~ليس من الأمر الأول في شيء، وفي المثل، وأمر دون عبيدة الوذم كأنه من غير ~~أن ينتهي إلى الشيء الذي تضاف إليه، ورتبها الزجاج المضادة للشرف من الشيء ~~الدون وفيما قاله نظر، قوله: فليس من الله في شيء معناه، في شيء مرضي على ~~الكمال والصواب، وهذا كما قال النبي عليه السلام من غشنا فليس منا، وفي ~~الكلام حذف مضاف تقديره، فليس من التقرب إلى الله أو التزلف ونحو هذا، ~~وقوله في شيء هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله «ليس من ~~الله» ثم أباح الله إظهار اتخاذهم بشرط الاتقاء، فأما إبطانه ms0518 فلا يصح أن ~~يتصف به مؤمن في حال، وقرأ جمهور الناس «تقاة» أصله وقية- على وزن فعلة- ~~بضم الفاء وفتح العين أبدلوا من الواو تاء كتجاة وتكأة فصار تقية ثم قلبت ~~الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فجاء تقاة قال أبو علي يجوز أن تكون ~~تقاة مثل رماة حالا من تتقوا وهو جمع فاعل وإن كان لم يستعمل منه فاعل، ~~ويجوز أن يكون جمع تقى وجعل فعيل بمنزلة فاعل، وقرأ ابن عباس والحسن وحميد ~~بن قيس ويعقوب الحضرمي ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو رجاء والجحدري وأبو حيوة ~~«تقية» بفتح التاء وشد الياء على وزن فعيلة وكذلك روى المفضل عن عاصم وأمال ~~الكسائي القاف في تقاة في الموضعين، وأمال حمزة في هذه الآية ولم يمل في ~~قوله: حق تقاته [آل عمران: 102] وفتح سائر القراء القاف إلا أن نافعا كان ~~يقرأها بين الفتح والكسر، وذهب قتادة إلى أن معنى الآية: إلا أن تتقوا منهم ~~تقاة من جهة صلة الرحم أي ملامة، فكأن الآية عنده مبيحة الإحسان إلى ~~القرابة من الكفار، وذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى الآية، إلا أن تخافوا ~~منهم خوفا وهذا هو معنى التقية. PageV01P419 # واختلف العلماء في التقية ممن تكون؟ وبأي شيء تكون؟ وأي شيء تبيح؟ فأما ~~الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه، فيدخل في ذلك الكفار ~~إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر، قال مالك رحمه ~~الله: وزوج المرأة قد يكره، وأما بأي شيء تكون التقية ويترتب حكمها فذلك ~~بخوف القتل وبالخوف على الجوارح وبالضرب بالسوط وبسائر التعذيب، فإذا فعل ~~بالإنسان شيء من هذا أو خافه خوفا متمكنا فهو مكره وله حكم التقية، والسجن ~~إكراه والتقييد إكراه والتهديد والوعيد إكراه وعداوة أهل الجاه الجورة ~~تقية، وهذه كلها بحسب حال المكره وبحسب الشيء الذي يكره عليه، فكم من الناس ~~ليس السجن فيهم بإكراه، وكذلك الرجل العظيم يكره بالسجن والضرب غير المتلف ~~ليكفر فهذا لا تتصور تقيته من جهة عظم الشيء الذي طلب منه، ومسائل الإكراه ~~هي من ms0519 النوع الذي يدخله فقه الحال، وأما أي شيء تبيح فاتفق العلماء على ~~إباحتها للأقوال باللسان من الكفر وما دونه ومن بيع وهبة وطلاق، وإطلاق ~~القول بهذا كله، ومن مداراة ومصانعة، وقال ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني ~~سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلما به. واختلف الناس في الأفعال، فقال ~~جماعة من أهل العلم منهم الحسن ومكحول ومسروق: يفعل المكره كل ما حمل عليه ~~مما حرم الله فعله وينجي نفسه بذلك، وقال مسروق: # فإن لم يفعل حتى مات دخل النار، وقال كثير من أهل العلم منهم سحنون: بل ~~إن لم يفعل حتى مات فهو مأجور وتركه ذلك المباح أفضل من استعماله، وروي أن ~~عمر بن الخطاب قال في رجل يقال له، نهيت بن الحارث، أخذته الفرس أسيرا، ~~فعرض عليه شرب الخمر وأكل الخنزير وهدد بالنار، فلم يفعل فقذفوه فيها فبلغ ~~ذلك عمر، فقال: وما كان علي نهيت أن يأكل، وقال جمع كثير من العلماء التقية ~~إنما هي مبيحة للأقوال، فأما الأفعال فلا، روي ذلك عن ابن عباس والربيع ~~والضحاك، وروي ذلك عن سحنون وقال الحسن في الرجل يقال له: اسجد لصنم وإلا ~~قتلناك، قال، إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويجعل نيته لله، فإن كان ~~إلى غير القبلة فلا وإن قتلوه، قال ابن حبيب: وهذا قول حسن. # قال القاضي: وما يمنعه أن يجعل نيته لله وإن كان لغير قبلة، وفي كتاب ~~الله فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] وفي الشرع إباحة التنفل ~~للمسافر إلى غير القبلة، هذه قواعد مسألة التقية، وأما تشعب مسائلها فكثير ~~لا يقتضي الإيجاز جمعه. # وقوله تعالى: ويحذركم الله إلى آخر الآية وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير ~~بالآخرة، وقوله: نفسه نائبة عن إياه، وهذه مخاطبة على معهود ما يفهمه ~~البشر، والنفس في مثل هذا راجع إلى الذات، وفي الكلام حذف مضاف لأن التحذير ~~إنما هو من عقاب وتنكيل ونحوه، فقال ابن عباس والحسن: ويحذركم الله عقابه. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 29 الى 30] # قل إن ms0520 تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير (29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله ~~رؤف بالعباد (30) PageV01P420 # الضمير في تخفوا هو للمؤمنين الذين نهوا عن اتخاذ الكافرين أولياء، ~~والمعنى أنكم إن أبطنتم الحرص على إظهار موالاتهم فإن الله يعلم ذلك ويكرهه ~~منكم، وقوله تعالى: ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، معناه على التفصيل، ~~وقوله على كل شيء قدير عموم والشيء في كلام العرب الموجود. # ويوم نصب على الظرف، وقد اختلف في العامل فيه، فقال مكي بن أبي طالب، ~~العامل فيه قدير، وقال الطبري: العامل فيه قوله: وإلى الله المصير [آل ~~عمران: 28] وقال الزجاج، وقال أيضا العامل فيه ويحذركم الله نفسه [آل ~~عمران: 28] يوم ورجحه وقال مكي: حكاية العامل فيه فعل مضمر تقديره، «اذكر ~~يوم» ، وما بمعنى الذي ومحضرا قال قتادة: معناه موفرا، وهذا تفسير بالمعنى، ~~والحضور أبين من أن يفسر بلفظ آخر، وقوله تعالى: ما عملت من سوء يحتمل أن ~~تكون ما معطوفة على ما الأولى فهي في موضع نصب وتكون تود في موضع الحال، ~~وإلى هذا العطف ذهب الطبري وغيره، ويحتمل أن تكون رفعا بالابتداء ويكون ~~الخبر في قوله: تود وما بعده كأنه قال: وعملها السيء مردود عندها أن بينها ~~وبينه أمدا، وفي قراءة ابن مسعود «من سوء ودت» وكذلك قرأ ابن أبي عبلة، ~~ويجوز على هذه القراءة أن تكون ما شرطية ولا يجوز ذلك على قراءة «تود» لأن ~~الفعل مستقبل مرفوع والشرط يقتضي جزمه اللهم إلا أن يقدر في الكلام محذوف ~~«فهي تود» وفي ذلك ضعف، و «الأمد» الغاية المحدودة من المكان أو الزمان، ~~قال النابغة: [البسيط] سبق الجواد إذا استولى على الأمد فهذه غاية في ~~المكان، وقال الطرماح: [الخفيف] # كل حي مستكمل عدة العم ... ر ومود إذا انقضى أمده # فهذه غاية في الزمان، وقال الحسن في تفسير ms0521 هذه الآية: يسر أحدهم أن لا ~~يلقى عمله ذلك أبدا ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها، ~~وقوله: والله رؤف بالعباد يحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير لأن تحذيره ~~وتنبيهه على النجاة رأفة منه بعباده، ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه ~~الصفة فمقتضى ذلك التأنيس لئلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن، وتجيء الآية على ~~نحو قوله تعالى: إن ربك لشديد العقاب، وإنه لغفور رحيم [الأعراف: 165] لأن ~~قوله: ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28] والله محذور العقاب. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 31 الى 32] # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) # اختلف المفسرون فيمن أمر محمدا عليه السلام أن يقول له هذه المقالة، فقال ~~الحسن بن أبي PageV01P421 # الحسن وابن جريج: إن قوما قالوا للنبي عليه السلام: يا محمد إنا نحب ~~ربنا، فنزلت هذه الآية في قولهم، جعل الله فيها أتباع محمد علما لحبه، وقال ~~محمد بن جعفر بن الزبير: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا ~~القول لنصارى نجران، أي إن كان قولكم في عيسى وغلوكم في أمره حبا لله، ~~فاتبعوني ويحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم ~~كانوا يدعون أنهم يحبون الله ويحبهم، ألا ترى أن جميعهم قالوا نحن أبناء ~~الله وأحباؤه [المائدة: 18] ولفظ أحباؤه إنما يعطي أن الله يحبهم لكن يعلم ~~أن مرادهم «ومحبوه» فيحسن أن يقال لهم قل إن كنتم تحبون الله وقرأ الزهري ~~«فاتبعوني» بتشديد النون، وقرأ أبو رجاء «يحببكم» بفتح الياء وضم الباء ~~الأولى من «حب» وهي لغة، قال الزجاج: حببت قليلة في اللغة، وزعم الكسائي ~~أنها لغة قد ماتت وعليها استعمل محبوب والمحبة إرادة يقترن بها إقبال من ~~النفس وميل بالمعتقد، وقد تكون الإرادة المجردة فيما يكره المريد والله ~~تعالى يريد وقوع الكفر ولا يحبه، ومحبة العبد لله تعالى يلزم عنها ولا بد ~~أن يطيعه وتكون أعماله بحسب ms0522 إقبال النفس، وقد تمثل بعض العلماء حين رأى ~~الكعبة فأنشد: [الخفيف] # هذه داره وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الآماق # ومحبة الله للعبد أمارتها للمتأمل أن يرى العبد مهديا مسددا ذا قبول في ~~الأرض، فلطف الله بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته، وبهذا النظر يتفسر لفظ ~~المحبة حيث وقعت من كتاب الله عز وجل، وذكر الزجاج: أن أبا عمرو قرأ «يغفر ~~لكم» بإدغام الراء في اللام وخطأ القراء وغلط من رواها عن أبي عمرو فيما ~~حسبت، وذهب الطبري إلى أن قوله: قل أطيعوا الله والرسول خطاب لنصارى نجران ~~وفي قوله: # فإن الله لا يحب الكافرين وعيد، ويحتمل أن يكون بعد الصدع بالقتال. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى 35] # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم (34) إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما ~~في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35) # لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران والرد عليهم وبيان فساد ما هم عليه ~~جاءت هذه الآية معلمة بصورة الأمر الذي قد ضلوا فيه، ومنبئة عن حقيقته كيف ~~كانت، فبدأ تعالى بذكر فضله على هذه الجملة إلى آل عمران منها ثم خص امرأت ~~عمران بالذكر لأن القصد وصف قصة القوم إلى أن يبين أمر عيسى عليه السلام ~~وكيف كان واصطفى معناه: اختار صفو الناس فكان ذلك هؤلاء المذكورين وبقي ~~الكفار كدرا، وآدم هو أبونا عليه السلام اصطفاه الله تعالى بالإيجاد ~~والرسالة إلى بنيه والنبوة والتكليم حسبما ورد في الحديث وحكى الزجاج عن ~~قوم إن الله اصطفى آدم عليه السلام بالرسالة إلى الملائكة في قوله: # أنبئهم بأسمائهم [البقرة: 33] وهذا ضعيف، ونوح عليه السلام هو أبونا ~~الأصغر في قول الجمهور هو أول نبي بعث إلى الكفار، وانصرف نوح مع عجمته ~~وتعريفه لخفة الاسم، كهود ولوط، وآل إبراهيم PageV01P422 # يعني بإبراهيم الخليل عليه السلام، والآل في اللغة، الأهل والقرابة، ~~ويقال للأتباع وأهل الطاعة آل، فمنه آل فرعون، ms0523 ومنه قول الشاعر وهو أراكة ~~الثقفي في رثاء النبي عليه السلام وهو يعزي نفسه في أخيه عمرو: # [الطويل] # فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر # أراد جميع المؤمنين، و «الآل» في هذه الآية يحتمل الوجهين، فإذا قلنا ~~أراد بالآل القرابة والبيتية فالتقدير إن الله اصطفى هؤلاء على عالمي ~~زمانهم أو على العالمين عاما بأن يقدر محمدا عليه السلام من آل إبراهيم، ~~وإن قلنا أراد بالآل الأتباع فيستقيم دخول أمة محمد في الآل لأنها على ملة ~~إبراهيم، وذهب منذر بن سعيد وغيره إلى أن ذكر آدم يتضمن الإشارة إلى ~~المؤمنين به من بنيه وكذلك ذكر نوح عليه السلام وأن «الآل» الأتباع فعمت ~~الآية جميع مؤمني العالم فكان المعنى، أن الله اصطفى المؤمنين على ~~الكافرين، وخص هؤلاء بالذكر تشريفا لهم ولأن الكلام في قصة بعضهم، وآل ~~عمران أيضا يحتمل من التأويل ما تقدم في آل إبراهيم، وعمران هو رجل من بني ~~إسرائيل من ولد سليمان بن داود فيما حكى الطبري، قال مكي: هو عمران بن ~~ماثال، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: ذكر الله تعالى أهل بيتين صالحين ~~ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين فكان محمد من آل إبراهيم، وقال ابن ~~عباس: «اصطفى الله» هذه الجملة بالدين والنبوة والطاعة له. # وقوله تعالى: ذرية نصب على البدل، وقيل على الحال لأن معنى ذرية بعضها من ~~بعض متشابهين في الدين والحال، وهذا أظهر من البدل، والذرية في عرف ~~الاستعمال تقع لما تناسل من الأولاد سفلا، واشتقاق اللفظة في اللغة يعطي أن ~~تقع على جميع الناس أي كل أحد ذرية لغيره فالناس كلهم ذرية بعضهم لبعض، ~~وهكذا استعملت الذرية في قوله تعالى: أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ~~[يس: 41] أي ذرية هذا الجنس ولا يسوغ أن يقول في والد هذا ذرية لولده وإذ ~~اللفظة من ذر إذا بث فهكذا يجيء معناها، وكذلك إن جعلناها من «ذرى» وكذلك ~~إن جعلت من ذرأ أو من الذر الذي هو صغار النمل، قال أبو الفتح: الذرية ms0524 ~~يحتمل أن تكون مشتقة من هذه الحروف الأربعة، ثم طول أبو الفتح القول في ~~وزنها على كل اشتقاق من هذه الأربعة الأحرف تطويلا لا يقتضي هذا الإيجاز ~~ذكره وذكرها أبو علي في الأعراف في ترجمة من ظهورهم ذريتهم [الأعراف: 172] ~~قال الزجاج: أصلها فعلية من الذر، لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، ~~قال أبو الفتح: هذه نسبة إلى الذر غير أولها كما قالوا في النسبة إلى ~~الحرم: حرمي بكسر الحاء وغير ذلك من تغيير النسب قال الزجاج: وقيل أصل ذرية ~~ذرورة، وزنها فعلولة فلما كثرت الراءات أبدلوا من الأخيرة ياء فصارت ذروية ~~ثم أدغمت الواو في الياء فجاءت ذرية. # قال القاضي فهذا اشتقاق من ذر يذر، أو من ذرى، وإذا كانت من ذرأ فوزنها ~~فعلية كمريقة أصلها ذرئة فألزمت البدل والتخفيف كما فعلوا في البرية في قول ~~من رآها من برأ الله الخلق، وفي كوكب دري، في قول من رآه من- درأ- لأنه ~~يدفع الظلمة بضوئه. # وقرأ جمهور الناس «ذرية» بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت والضحاك، «ذرية» ~~بكسر الذال، وقوله PageV01P423 # تعالى: بعضها من بعض أي في الإيمان والطاعة وإنعام الله عليهم بالنبوة. # واختلف الناس في العامل في قوله إذ قالت فقال أبو عبيدة معمر: إذ زائدة، ~~وهذا قول مردود، وقال المبرد والأخفش: العامل فعل مضمر تقديره، اذكر إذ ~~وقال الزجاج: العامل معنى الاصطفاء، التقدير: # واصطفى آل عمران إذ: # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا القول يخرج عمران من الاصطفاء، وقال ~~الطبري ما معناه: إن العامل في إذ قوله سميع وامرأت عمران اسمها حنة بنت ~~قاذوذ فيما ذكر الطبري عن ابن إسحاق، وهي أم مريم بنت عمران، ومعنى قوله: ~~نذرت لك ما في بطني محررا أي جعلت نذرا أن يكون هذا الولد الذي في بطني ~~حبيسا على خدمة بيتك محررا من كل خدمة وشغل من أشغال الدنيا، أي عتيقا من ~~ذلك فهو من لفظ الحرية، ونصبه على الحال، قال مكي: فمن نصبه على النعت ~~لمفعول محذوف يقدره، غلاما محررا، وفي هذا ms0525 نظر، والبيت الذي نذرته له هو ~~بيت المقدس. # قال ابن إسحاق: كان سبب نذر حنة لأنها كانت قد أمسك عنها الولد حتى أسنت ~~فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يزق فرخا له فتحركت نفسها للولد فدعت ~~الله أن يهب لها ولدا فحملت بمريم وهلك عمران، فلما علمت أن في بطنها جنينا ~~جعلته نذيرة لله، أن يخدم الكنيسة لا ينتفع به في شيء من أمر الدنيا، وقال ~~مجاهد: محررا معناه خادما للكنيسة وقال مثله الشعبي وسعيد بن جبير، وكان ~~هذا المعنى من التحرير للكنائس عرفا في الذكور خاصة، وكان فرضا على الأبناء ~~التزام ذلك، فقالت ما في بطني ولم تنص على ذكورته لمكان الإشكال، ولكنها ~~جزمت الدعوة رجاء منها أن يكون ذكرا، وتقبل الشيء وقبوله أخذه حيث يتصور ~~الأخذ والرضى به في كل حال، فمعنى قولها فتقبل مني أي ارض عني في ذلك ~~واجعله فعلا مقبولا مجازى به، والسميع، إشارة إلى دعائها العليم إشارة إلى ~~نيتها. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 36 الى 37] # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) ~~فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) # هذه الآية خطاب من الله تعالى لمحمد عليه السلام، والوضع الولادة، وأنث ~~الضمير في وضعتها، حملا على الموجودة ورفعا للفظ ما التي في قولها ما في ~~بطني [آل عمران: 33] وقولها، رب إني وضعتها أنثى لفظ خبر في ضمنه التحسر ~~والتلهف، وبين الله ذلك بقوله: والله أعلم بما وضعت. وقرأ جمهور الناس ~~«وضعت» بفتح العين وإسكان التاء، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ~~«وضعت» ، بضم التاء وإسكان العين، وهذا أيضا مخرج قولها، رب إني وضعتها ~~أنثى من معنى الخبر إلى معنى PageV01P424 # التلهف، وإنما تلهفت ms0526 لأنهم كانوا لا يحررون الإناث لخدمة الكنائس ولا ~~يجوز ذلك عندهم، وكانت قد رجت أن يكون ما في بطنها ذكرا فلما وضعت أنثى ~~تلهفت على فوت الأمل وأفزعها أن نذرت ما لا يجوز نذره، وقرأ ابن عباس ~~«وضعت» بكسر التاء على الخطاب من الله لها، وقولها وليس الذكر كالأنثى تريد ~~في امتناع نذره إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان قاله قتادة والربيع ~~والسدي وعكرمة وغيرهم، وبدأت بذكر الأهم في نفسها وإلا فسياق قصتها يقتضي ~~أن تقول: وليست الأنثى كالذكر فتضع حرف النفي مع الشيء الذي عندها وانتفت ~~عنه صفات الكمال للغرض المراد، وفي قولها وإني سميتها مريم سنة تسمية ~~الأطفال قرب الولادة ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ولد لي الليلة ~~مولود فسميته باسم أبي إبراهيم وقد روي عنه عليه السلام أن ذلك في يوم ~~السابع يعق عن المولود ويسمى، قال مالك رحمه الله: # ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه ولا تسمية، قال ابن حبيب: أحب ~~إلي أن يسمى، وأن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته، ومريم، لا ينصرف ~~لعجمته وتعريفه وتأنيثه، وباقي الآية إعادة، وورد في الحديث عن النبي عليه ~~السلام من رواية أبي هريرة قال: كل مولود من بني آدم له طعنة من الشيطان ~~وبها يستهل إلا ما كان من مريم ابنة عمران وابنها فإن أمها قالت حين ~~وضعتها: وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فضرب بينهما حجاب فطعن ~~الشيطان في الحجاب، وقد اختلفت ألفاظ الحديث من طرق والمعنى واحد كما ~~ذكرته. # وقوله تعالى: فتقبلها إخبار لمحمد عليه السلام بأن الله رضي مريم لخدمة ~~المسجد كما نذرت أمها وسنى لها الأمل في ذلك، والمعنى يقتضي أن الله أوحى ~~إلى زكرياء ومن كان هنالك بأنه تقبلها، ولذلك جعلوها كما نذرت، وقوله بقبول ~~مصدر جاء على غير الصدر، وكذلك قوله نباتا بعد أنبت، وقوله وأنبتها نباتا ~~حسنا، عبارة عن حسن النشأة وسرعة الجودة فيها في خلقة وخلق، وقوله تعالى: ~~وكفلها زكريا معناه: ضمها إلى ms0527 إنفاقه وحضنه، والكافل هو المربي الحاضن، قال ~~ابن إسحاق: إن زكرياء كان زوج خالتها لأنه وعمران كانا سلفين على أختين، ~~ولدت امرأة زكرياء يحيى وولدت امرأة عمران مريم، وقال السدي وغيره: إن ~~زكرياء كان زوج ابنة أخرى لعمران، ويعضد هذا القول قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في يحيى وعيسى: ابنا الخالة، قال مكي: وهو زكريا بن آذن، وذكر قتادة ~~وغير واحد من أهل العلم: أنهم كانوا في ذلك الزمان يتشاحون في المحرر عند ~~من يكون من القائمين بأمر المسجد فيتساهمون عليه، وأنهم فعلوا في مريم ذلك، ~~فروي أنهم ألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، وقيل ~~أقلاما بروها من عود كالسهام والقداح، وقيل عصيا لهم، وهذه كلها تقلم، وروي ~~أنهم ألقوا ذلك في نهر الأردن، وروي أنهم ألقوه في عين، وروي أن قلم زكرياء ~~صاعد الجرية، ومضت أقلام الآخرين مع الماء في جريته، وروي أن أقلام القوم ~~عامت على الماء معروضة كما تفعل العيدان وبقي قلم زكرياء مرتكزا واقفا ~~كأنما ركز في طين فكفلها عليه السلام بهذا الاستهام، وحكى الطبري عن ابن ~~إسحاق: أنها لما ترعرعت أصابت بني إسرائيل مجاعة فقال لهم زكرياء: إني قد ~~عجزت عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا فخرج السهم على رجل يقال ~~له جريج فجعل ينفق عليها وحينئذ كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج ~~فيجد عندها الرزق. PageV01P425 # قال أبو محمد: وهذا الاستهام غير الأول، هذا المراد منه دفعها، والأول ~~المراد منه أخذها، ومضمن هذه الرواية أن زكرياء كفلها من لدن طفولتها دون ~~استهام، لكن أمها هلكت وقد كان أبوها هلك وهي في بطن أمها فضمها زكرياء إلى ~~نفسه لقرابتها من امرأته، وهكذا قال ابن إسحاق، والذي عليه الناس أن زكرياء ~~إنما كفل بالاستهام لتشاحهم حينئذ فيمن يكفل المحرر، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو وابن عامر وكفلها زكرياء مفتوحة الفاء، خفيفة «زكرياء» مرفوعا ~~ممدودا، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وكفلها مشدد الفاء ممدودا منصوبا في ~~جميع القرآن، وقرأ ms0528 حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، «كفلها» مشددة الفاء ~~مفتوحة، «زكريا» مقصورا في جميع القرآن، وفي رواية أبي بن كعب، و «أكفلها ~~زكرياء» بفتح الفاء على التعدية بالهمزة، وقرأ مجاهد، «فتقبلها» بسكون ~~اللام على الدعاء «ربها» بنصب الباء على النداء و «أنبتها» بكسر الباء على ~~الدعاء، و «كفلها» بكسر الفاء وشدها على الدعاء زكرياء منصوبا ممدودا، وروي ~~عن عبد الله بن كثير، وأبي عبد الله المزني، «وكفلها» بكسر الفاء خفيفة وهي ~~لغة يقال: كفل يكفل بضم العين في المضارع، وكفل بكسر العين يكفل بفتحها في ~~المضارع، «زكرياء» اسم أعجمي يمد ويقصر، قال أبو علي: لما عرب صادق العربية ~~في بنائه فهو كالهيجاء تمد وتقصر، قال الزجاج: فأما ترك صرفه فلأن فيه في ~~المد ألفي تأنيث وفي القصر ألف التأنيث، قال أبو علي: ألف زكرياء ألف تأنيث ~~ولا يجوز أن تكون ألف إلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه، ولا يجوز أن ~~تكون منقلبة، ويقال في لغة زكرى منون معرب، قال أبو علي: هاتان ياء نسب ولو ~~كانتا اللتين في زكريا لوجب ألا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف وإنما حذفت ~~تلك وجلبت ياء النسب، وحكى أبو حاتم، زكرى بغير صرف وهو غلط عند النحاة، ~~ذكره مكي. # وقوله تعالى: كلما ظرف والعامل فيه وجد، والمحراب المبنى الحسن كالغرف ~~والعلالي ونحوه، ومحراب القصر أشرف ما فيه ولذلك قيل لأشرف ما في المصلى ~~وهو موقف الإمام محراب، وقال الشاعر: # [وضاح اليمن] [السريع] # ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلما # ومثل قول الآخر: [عدي بن زيد] [الخفيف] # كدمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الروض زهره مستنير # وقوله تعالى: وجد عندها رزقا، معناه طعاما تتغذى به ما لم يعهده ولا عرف ~~كيف جلب إليها، وكانت فيما ذكر الربيع، تحت سبعة أبواب مغلقة وحكى مكي أنها ~~كانت في غرفة يطلع إليها بسلم، وقال ابن عباس: وجد عندها عنبا في مكتل في ~~غير حينه، وقاله ابن جبير ومجاهد، وقال الضحاك ومجاهد أيضا وقتادة: كان ms0529 يجد ~~عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وقال ابن عباس: كان ~~يجد عندها ثمار الجنة: فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وقال ~~الحسن: كان يجد عندها رزقا من السماء ليس عند الناس ولو أنه علم أن ذلك ~~الرزق من عنده لم يسألها عنه، وقال ابن إسحاق: هذا الدخول الذي ذكر الله ~~تعالى في قوله كلما دخل عليها إنما هو دخول زكرياء عليها وهي في كفالة جريج PageV01P426 # أخيرا، وذلك أن جريجا كان يأتيها بطعامها فينميه الله ويكثره، حتى إذا ~~دخل عليها زكرياء عجب من كثرته فقال: يا مريم أنى لك هذا والذي عليه الناس ~~أقوى مما ذكره ابن إسحاق، وقوله أنى معناه كيف ومن أين؟ وقولها: هو من عند ~~الله، دليل على أنه ليس من جلب بشر، وهكذا تلقى زكرياء المعنى وإلا فليس ~~كان يقنع بهذا الجواب، قال الزجاج: وهذا من الآية التي قال تعالى: وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين [الأنبياء: 91] وروي أنها لم تلقم ثديا قط، وقولها: إن ~~الله يرزق من يشاء بغير حساب تقرير لكون ذلك الرزق من عند الله، وذهب ~~الطبري إلى أن ذلك ليس من قول مريم وأنه خبر من الله تعالى لمحمد عليه ~~السلام، والله تعالى لا تنتقص خزائنه، فليس يحسب ما يخرج منها، وقد يعبر ~~بهذه العبارة عن المكثرين من الناس أنهم ينفقون بغير حساب، وذلك مجاز ~~وتشبيه، والحقيقة هي فيما ينتفق من خزائن الله تعالى. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 38 الى 39] # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~(38) فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) # هناك في كلام العرب إشارة إلى مكان فيه بعد أو زمان، وهنالك باللام أبلغ ~~في الدلالة على البعد، ولا يعرب هنالك لأنه إشارة فأشبه الحروف التي جاءت ~~لمعنى، ومعنى هذه الآية: أن في الوقت الذي رأى زكرياء رزق الله لمريم ~~ومكانتها منه ms0530 وفكر في أنها جاءت أمها بعد أن أسنت وأن الله تقبلها وجعلها ~~من الصالحات تحرك أمله لطلب الولد وقوي رجاؤه وذلك منه على حال سن ووهن عظم ~~واشتعال شيب وذلك لخوفه الموالي من ورائه حسبما يتفسر في سورة مريم إن شاء ~~الله فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة، و «الذرية» اسم جنس يقع على واحد ~~فصاعدا كما الولي يقع على اسم جنس كذلك، وقال الطبري: إنما أراد هنا ~~بالذرية واحدا ودليل ذلك طلبه وليا ولم يطلب أولياء، وأنث «الطيبة» حملا ~~على لفظ الذرية كما قال الشاعر: [الوافر] # أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال # وكما قال الآخر: # فما تزدري من حية جبلية؟ ... سكات إذا ما عض ليس بأدردا # وفيما قال الطبري تعقب وإنما الذرية والولي اسما جنس يقعان للواحد فما ~~زاد، وهكذا كان طلب زكرياء عليه السلام، وطيبة معناه سليمة في الخلق والدين ~~نقية، وسميع في هذه الآية بناء اسم فاعل. # ثم قال تعالى: فنادته الملائكة وترك محذوف كثير دل ما ذكر عليه، تقديره ~~فقبل الله دعاءه ووهبه PageV01P427 # يحيى وبعث الملك أو الملائكة بذلك إليه فنادته، وذكر أنه كان بين دعائه ~~والاستجابة له بالبشارة أربعون سنة، وذكر جمهور المفسرين: أن المنادي ~~المخبر إنما كان جبريل وحده وهذا هو العرف في الوحي إلى الأنبياء، وقال ~~قوم: بل نادت ملائكة كثيرة حسبما تقتضيه ألفاظ الآية، وقد وجدنا الله تعالى ~~بعث ملائكة إلى لوط وإلى إبراهيم عليه السلام وفي غير ما قصة، وفي مصحف عبد ~~الله بن مسعود وقراءته «فناداه جبريل وهو قائم يصلي» ، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وعاصم وابن عامر وأبو عمرو: «فنادته» بالتاء «الملائكة» ، وقرأ حمزة ~~والكسائي «فناداه الملائكة» بالألف وإمالة الدال، قال أبو علي: من قرأ ~~بالتاء فلموضع الجماعة والجماعة ممن يعقل في جمع التكسير تجري مجرى ما لا ~~يعقل، ألا ترى أنك تقول: هي الرجال كما تقول: هي الجذوع وهي الجمال، ومثله: ~~قالت الأعراب [الحجرات: 14] . # قال الفقيه الإمام: ففسر أبو علي على أن المنادي ملائكة كثيرة، والقراءة ms0531 ~~بالتاء على قول من يقول: # المنادي جبريل وحده متجهة على مراعاة لفظ الملائكة، وعبر عن جبريل ~~بالملائكة إذ هو منهم، فذكر اسم الجنس كما قال تعالى: الذين قال لهم الناس ~~[آل عمران: 173] قال أبو علي: ومن قرأ «فناداه الملائكة» ، فهو كقوله ~~تعالى: وقال نسوة في المدينة [يوسف: 30] . # قال القاضي: وهذا على أن المنادي كثير، ومن قال إنه جبريل وحده كالسدي ~~وغيره فأفرد الفعل مراعاة للمعنى، وعبر عن جبريل عليه السلام بالملائكة إذ ~~هو اسم جنسه، وقوله تعالى: فنادته عبارة تستعمل في التبشير وفيما ينبغي أن ~~يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به فلم يكن هذا من الملائكة إخبارا على ~~عرف الوحي بل نداء كما نادى الرجل الأنصاري كعب بن مالك من أعلى الجبل، ~~وقوله تعالى: # وهو قائم جملة في موضع الحال، ويصلي صفة لقائم، والمحراب في هذا الموضع ~~موقف الإمام من المسجد، وقرأ ابن عامر وحمزة: «إن الله» بكسر الألف، قال ~~أبو علي: وهذا على إضمار القول، كأنه قال فنادته الملائكة فقالت وهذا كقوله ~~تعالى: فدعا ربه أني مغلوب [القمر: 10] على قراءة من كسر الألف، وقال بعض ~~النحاة: كسرت بعد النداء والدعاء لأن النداء والدعاء أقوال، وقرأ الباقون ~~بفتح الألف من قوله: أن الله يبشرك قال أبو علي: المعنى فنادته بأن الله ~~فلما حذف الجار منها وصل الفعل إليها فنصبها، ف «أن» في موضع نصب، وعلى ~~قياس قول الخليل في موضع جر، وفي قراءة عبد الله «في المحراب، يا زكرياء إن ~~الله» ، قال أبو علي: فقوله «يا زكرياء» في موضع نصب بوقوع النداء عليه، ~~ولا يجوز فتح الألف في «إن» على هذه القراءة لأن نادته قد استوفت مفعوليها ~~أحدهما الضمير، والآخر المنادى، فإن فتحت «إن» لم يبق لها شيء متعلق به، ~~قال أبو علي: وكلهم قرأ في المحراب بفتح الراء إلا ابن عامر فإنه أمالها، ~~وأطلق ابن مجاهد القول في إمالة ابن عامر الألف من محراب ولم يخص به الجر ~~من غيره، وقال غير ابن مجاهد: إنما نميله في ms0532 الجر فقط. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يبشرك» ، بضم الياء وفتح الباء والتشديد في كل ~~القرآن إلا في «عسق» فإنهما قرآ ذلك الذي يبشر الله عباده [الشورى: 23] ~~بفتح الياء، وسكون الباء، وضم الشين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر، «يبشرك» ~~بشد الشين المكسورة في كل القرآن، وقرأ حمزة «يبشر» خفيفا بضم الشين PageV01P428 # مما لم يقع في كل القرآن إلا قوله تعالى، فبم تبشرون [الحجر: 54] وقرأ ~~الكسائي «يبشر» مخففة في خمسة مواضع في آل عمران في قصة زكرياء وقصة مريم ~~وفي سورة بني إسرائيل والكهف، ويبشر المؤمنين، وفي «عسق» يبشر الله عباده، ~~قال غير واحد من اللغويين: في هذه اللفظة ثلاث لغات، بشر بشد الشين، وبشر ~~بتخفيفها، وأبشر يبشر إبشارا، وهذه القراءات كلها متجهة فصيحة مروية، وفي ~~قراءة عبد الله بن مسعود «يبشرك» بضم الباء وتخفيف الشين المكسورة من- ~~أبشر- وهكذا قرأ في كل القرآن. # و «يحيى» اسم سماه الله به قبل أن يولد، قال أبو علي: هو اسم بالعبرانية ~~صادف «هذا البناء، والمعنى من العربية، قال الزجاج: لا ينصرف لأنه إن كان ~~أعجميا ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربيا فالتعريف ووزن الفعل، وقال ~~قتادة: سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان ومصدقا نصب على الحال وهي مؤكدة ~~بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى: بكلمة من الله، قال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي وغيرهم، «الكلمة» هنا يراد بها عيسى ~~ابن مريم. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وسمى الله تعالى عيسى كلمة إذ صدر عن كلمة ~~منه تعالى لا بسبب إنسان آخر كعرف البشر، وروى ابن عباس: أن امرأة زكرياء ~~قالت لمريم وهما حاملتان: إني أجد ما في بطني يتحرك لما في بطنك، وفي بعض ~~الروايات، يسجد لما في بطنك قال، فذلك تصديقه. # قال الفقيه أبو محمد: أي أول التصديق، وقال بعض الناس: بكلمة من الله، ~~معناه بكتاب من الله الإنجيل وغيره من كتب الله فأوقع المفرد موقع الجمع، ~~فكلمة اسم جنس، وعلى هذا النظر سمت العرب القصيدة الطويلة كلمة، وقوله ~~تعالى: وسيدا ms0533 قال فيه قتادة: اي والله سيد في الحلم والعبادة والورع، وقال ~~مرة: معناه في العلم والعبادة، وقال ابن جبير: وسيدا أي حليما، وقال مرة: ~~السيد التقي وقال الضحاك: وسيدا أي تقيا حليما، وقال ابن زيد: السيد ~~الشريف، وقال ابن المسيب: السيد الفقيه العالم، وقال ابن عباس: وسيدا يقول، ~~تقيا حليما، وقال عكرمة: السيد الذي لا يغلبه الغضب. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كل من فسر من هؤلاء العلماء ~~المذكورين السؤدد بالحلم فقد أحرز أكثر معنى السؤدد ومن جرد تفسيره بالعلم ~~والتقى ونحوه فلم يفسر بحسب كلام العرب، وقد تحصل العلم ليحيى عليه السلام ~~بقوله عز وجل مصدقا بكلمة من الله وتحصل التقى بباقي الآية، وخصه الله بذكر ~~السؤدد الذي هو الاحتمال في رضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في ~~باطل، هذا لفظ يعم السؤدد، وتفصيله أن يقال: بذل الندى، وهذا هو الكرم وكف ~~الأذى، وهنا هي العفة بالفرج واليد واللسان واحتمال العظائم، وهنا هو الحلم ~~وغيره من تحمل الغرامات وجبر الكسير والإفضال على المسترفد، والإنقاذ من ~~الهلكات، وانظر أن النبي عليه السلام قال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر يجمع ~~الله الأولين والآخرين، وذكر حديث شفاعته في إطلاق الموقف، وذلك منه احتمال ~~في رضى ولد آدم فهو سيدهم بذلك، وقد يوجد من الثقات العلماء من لا يبرز في ~~هذه الخصال، وقد يوجد من يبرز في هذه فيسمى سيدا وإن قصر في كثير من ~~الواجبات أعني واجبات الندب والمكافحة في الحق وقلة المبالاة باللائمة، وقد ~~قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أسود من معاوية بن أبي ~~سفيان قيل له، PageV01P429 # وأبو بكر وعمر؟ قال: هما خير من معاوية ومعاوية أسود منهما، فهذه إشارة ~~إلى أن معاوية برز في هذه الخصال ما لم يواقع محذورا، وأن أبا بكر وعمر ~~كانا من الاستضلاع بالواجبات وتتبع ذلك من أنفسهما وإقامة الحقائق على ~~الناس بحيث كانا خيرا من معاوية ومع تتبع الحقائق وحمل الناس على ms0534 الجادة ~~وقلة المبالاة برضاهم والوزن بقسطاس الشريعة تحريرا ينخرم كثير من هذه ~~الخصال التي هي السؤدد ويشغل الزمن عنها، والتقى والعلم والأخذ بالأشد أوكد ~~وأعلى من السؤدد، أما إنه يحسن بالتقي العالم أن يأخذ من السؤدد بكل ما لا ~~يخل بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى عليه السلام، وليس هذا الذي يحسن بواجب ~~ولا بد، كما ليس التتبع والتحرير في الشدة بواجب ولا بد، وهما طرفا خير ~~حفتهما الشريعة، فمن صائر إلى هذا ومن صائر إلى هذا، ومثال ذلك، حاكم صليب ~~معبس فظ على من عنده أدنى عوج لا يعتني في حوائج الناس، وآخر بسط الوجه ~~بسام يعتني فيما يجوز، ولا يتتبع ما لم يرفع إليه وينفذ الحكم مع رفق ~~بالمحكوم عليه فهما طريقان حسنان. # وقوله تعالى: وحصورا أصل هذه اللفظة الحبس والمنع، ومنه الحصير لأنه يحصر ~~من جلس عليه ومنه سمي السجن حصيرا وجهنم حصيرا، ومنه حصر العدو وإحصار ~~المرض والعذر، ومنه قيل للذي لا ينفق مع ندمائه حصور، قال الأخطل: [البسيط] # وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار # ويقال للذي يكتم السر حصور وحصر، قال جرير: [الكامل] # ولقد تساقطني الوشاة فصادفوا ... حصرا بسرك يا أميم ضنينا # وأجمع من يعتد بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى عليه السلام ~~إنما هي الامتناع من وطء النساء إلا ما حكى مكي من قول من قال: إنه الحصور ~~عن الذنوب أي لا يأتيها، وروى ابن المسيب عن ابن العاصي إما عبد الله وإما ~~أبوه عن النبي عليه السلام، أنه قال: كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب ~~إلا ما كان من يحيى بن زكرياء، قال: ثم دلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيده إلى الأرض فأخذ عويدا صغيرا، ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ما للرجال ~~إلا مثل هذا العود، ولذلك سماه الله سيدا وحصورا، وقال ابن مسعود «الحصور» ~~العنين، وقال مجاهد وقتادة، «الحصور» الذي لا يأتي النساء، وقال ابن عباس ~~والضحاك: الحصور الذي لا ينزل الماء. ms0535 # قال القاضي: ذهب بعض العلماء إلى أن حصر يحيى عليه السلام كان لأنه لم ~~يكن له إلا مثل الهدبة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان لأنه كان عنينا لا يأتي ~~النساء وإن كانت خلقته غير ناقصة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان بأنه كان ~~يمسك نفسه تقى وجلدا في طاعة الله وكانت به القدرة على جماع النساء، قالوا: ~~وهذا أمدح له وليس له في التأويلين الأولين مدح، إلا بأن الله يسر له شيئا ~~لا تكسب له فيه، وباقي الآية بين، وروي من صلاحه عليه السلام أنه كان يعيش ~~من العشب وأنه كان كثير البكاء من خشية الله حتى خدد الدمع في وجهه طرقا ~~وأخاديد. PageV01P430 # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 40] # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) # اختلف المفسرون لم قال زكرياء رب أنى يكون لي غلام فقال عكرمة والسدي: ~~إنه نودي بهذه البشارة، جاء الشيطان يكدر عليه نعمة ربه فقال هل تدري من ~~ناداك؟ قال: نادتني ملائكة ربي قال بل ذلك الشيطان ولو كان هذا من عند ربك ~~لأخفاه لك كما أخفيت نداءك قال: فخالطت قلبه وسوسة وشك مكانه، فقال: أنى ~~يكون لي غلام وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال ~~امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل ~~المرأة خلقتها أم كيف يكون؟ # قال الفقيه أبو محمد: وهذا تأويل حسن يليق بزكرياء عليه السلام وقال مكي: ~~وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون ~~سنة. # قال الفقيه أبو محمد: وهذا قول ضعيف المعنى، وأنى معناها كيف ومن أين، ~~وقوله بلغني الكبر استعارة كأن الزمان طريق والحوادث تتساوق فيه فإذا التقى ~~حادثان فكأن كل واحد منهما قد بلغ صاحبه وحقيقة البلوغ في الأجرام أن ينتقل ~~البالغ إلى المبلوغ إليه، وحسن في الآية: بلغني الكبر من حيث هي عبارة واهن ~~منفعل وبلغت عبارة فاعل مستعل، فتأمله ms0536 ولا يعترض على هذا بقوله: وقد بلغت ~~من الكبر عتيا [مريم: 8] لأنه قد أفصح بضعف حاله في ذكر العتي، والعاقر ~~الإنسان الذي لا يلد، يقال ذلك للمرأة والرجل، قال عامر بن الطفيل: # لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا فما عذري لدى كل مشهد؟ # و «عاقر» بناء فاعل وهو على النسب وليس بجار على الفعل، والإشارة بذلك في ~~قوله: كذلك الله، يحتمل أن تكون إلى هذه الغريبة التي بشر بها أي كهذه ~~القدرة المستغربة هي قدرة الله، ففي الكلام حذف مضاف، والكلام تام في قوله: ~~كذلك الله وقوله: يفعل ما يشاء شرح الإبهام الذي في ذلك، ويحتمل أن تكون ~~الإشارة بذلك إلى حال زكرياء وحال امرأته كأنه قال: رب على أي وجه يكون لنا ~~غلام ونحن بحال كذا؟ فقال له: كما أنتما يكون لكما الغلام، والكلام تام على ~~هذا التأويل في قوله: كذلك وقوله: الله يفعل ما يشاء جملة مبينة مقررة في ~~النفس وقوع هذا الأمر المستغرب. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 41] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) # «الآية» العلامة، وقال الربيع والسدي وغيرهما: إن زكرياء قال: يا رب إن ~~كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حق، فاجعل لي علامة أعرف صحة ذلك بها، ~~فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام PageV01P431 # ثلاثة أيام مع الناس، وقالت فرقة من المفسرين: لم يشك قط زكرياء وإنما ~~سأل عن الجهة التي بها يكون الولد وتتم البشارة فلما قيل له كذلك الله يفعل ~~ما يشاء [آل عمران: 40] سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. # واختلف المفسرون هل كان منعه الكلام لآفة نزلت به أم كان ذلك لغير آفة ~~فقال جبير بن نفير، ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث، ~~وقال الربيع وغيره: عوقب لأن الملائكة شافهته بالبشارة فسأل بعد ذلك علامة ~~فأخذ الله عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام، ms0537 وقال قوم من المفسرين: لم ~~تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله ~~قاله الطبري، وذكر نحوه عن محمد بن كعب، ثم استثنى الرمز، وهو استثناء ~~منقطع، وذهب الفقهاء في الإشارة ونحوها، إلى أنها في حكم الكلام في الإيمان ~~ونحوها، فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلا، والكلام المراد بالآية إنما هو ~~النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس، فحقيقة هذا الاستثناء، أنه منقطع، ~~وقرأ جمهور الناس رمزا بفتح الراء وسكون الميم، وقرأ علقمة بن قيس، «رمزا» ~~بضمها، وقرأ الأعمش «رمزا» بفتحها، والرمز في اللغة حركة تعلم بما في نفس ~~الرامز بأي شيء كانت الحركة من عين أو حاجب أو شفة أو يد أو عود أو غير ~~ذلك، وقد قيل للكلام المحرف عن ظاهره رموز، لأنها علامات بغير اللفظ ~~الموضوع للمعنى المقصود الإعلام به، وقد يقال للتصويت الدال على معنى رمز، ~~ومنه قول جوية بن عائد: [الوافر] # وكان تكلم الأبطال رمزا ... وغمغمة لهم مثل الهدير # وأما المفسرون فخصص كل واحد منهم نوعا من الرمز في تفسيره هذه الآية، ~~فقال مجاهد: إلا رمزا معناه إلا تحريكا بالشفتين، وقال الضحاك: معناه إلا ~~إشارة باليد والرأس، وبه قال السدي وعبد الله ابن كثير، وقال الحسن: أمسك ~~لسانه فجعل يشير بيده إلى قومه، وقال قتادة: إلا رمزا، معناه إلا إيماء، ~~وقرأ جمهور الناس: ألا تكلم الناس بنصب الفعل بأن، وقرأ ابن أبي عبلة، «ألا ~~تكلم» برفع الميم، وهذا على أن تكون «أن» مخففة من الثقيلة ويكون فيها ضمير ~~الأمر والشأن التقدير آيتك أنه لا تكلم الناس، والقول بأن هذه الآية نسخها ~~قول النبي عليه السلام: لا صمت يوما إلى الليل قول ظاهر الفساد من جهات، ~~وأمره تعالى بالذكر لربه كثيرا لأنه لم يحل بينه وبين ذكر الله، وهذا قاض ~~بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه، وقال محمد بن كعب القرظي: لو كان الله ~~رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكرياء عليه السلام حيث قال: «آيتك أن لا تكلم ms0538 ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا» ، لكنه قال له: واذكر ربك كثيرا، وقوله تعالى: ~~وسبح معناه قل سبحان الله، وقال قوم معناه: صل والقول الأول أصوب لأنه ~~يناسب الذكر ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس، و «العشي» في اللغة من ~~زوال الشمس إلى مغيبها ومنه قول القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم ~~يصلون الظهر بعشي، و «العشي» من حين يفيء الفيء، ومنه قول حميد بن ثور: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق # و «العشي» اسم مفرد عند بعضهم، وجمع عشية عند بعضهم كسفينة وسفين ~~والإبكار مصدر أبكر PageV01P432 # الرجل إذا بادر أمره من لدن طلوع الشمس، وتتمادى البكرة شيئا بعد طلوع ~~الشمس يقال أبكر الرجل وبكر فمن الأول قول ابن أبي ربيعة: [الطويل] أمن آل ~~نعمى أنت غاد فمبكر ومن الثاني قول جرير: [الطويل] # ألا بكرت سلمى فجد بكورها ... وشق العصا بعد اجتماع أميرها # وقال مجاهد في تفسير الإبكار: أول الفجر، والعشي ميل الشمس حتى تغيب. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 42 الى 43] # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) # قال الطبري: العامل في إذ قوله سميع فهو عطف على قوله: إذ قالت امرأت ~~عمران [آل عمران: 35] ، وقال كثير من النحاة: العامل في إذ في هذه الآية ~~فعل مضمر تقديره «واذكر» وهذا هو الراجح لأن هذه الآيات كلها إنما هي ~~إخبارات بغيب تدل على نبوة محمد عليه السلام، مقصد ذكرها هو الأظهر في حفظ ~~رونق الكلام، وقرأ عبد الله بن عمر وابن مسعود، «وإذ قال الملائكة» ، ~~واختلف المفسرون هل المراد هنا بالملائكة جبريل وحده أو جمع من الملائكة؟ ~~وقد تقدم القول على معنى مثلها في قوله تعالى: فنادته الملائكة [آل عمران: ~~39] واصطفاك مأخوذ من صفا يصفو وزنه- افتعل- وبدلت التاء طاء التناسب ~~الصاد، فالمعنى تخيرك لطاعته وقوله تعالى: وطهرك معناه من كل ما يصم النساء ~~في خلق أو خلق أو ms0539 دين قاله مجاهد وغيره، وقال الزجاج: قد جاء في التفسير أن ~~معناه طهرك من الحيض والنفاس. # قال الفقيه أبو محمد: وهذا يحتاج إلى سند قوي وما أحفظه. # وقوله تعالى: واصطفاك على نساء العالمين إن جعلنا العالمين عاما فيمن ~~تقدم وتأخر جعلنا الاصطفاء مخصوصا في أمر عيسى عليه السلام وأنها اصطفيت ~~لتلد من غير فحل، وإن جعلنا الاصطفاء عاما جعلنا قوله تعالى: العالمين ~~مخصوصا في عالم ذلك الزمان، قاله ابن جريج وغيره، وقد روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخير نساء الجنة، ~~خديجة بنت خويلد» وروي عنه أنه قال: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير ~~نسائها خديجة بنت خويلد» فذهب الطبري وغيره إلى أن الضمير في قوله- نسائها- ~~يراد به الجنة، وذهب قوم إلى أنه يراد به الدنيا، أي كل امرأة في زمانها، ~~وقال النبي عليه السلام، «خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ~~ولد في صغره، وأرعاه إلى زوج في ذات يده» ، وقال أبو هريرة راوي الحديث: ~~ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط، وهذه الزيادة فيها غيب، فلا يتأول أن ~~أبا هريرة رضي الله عنه، قالها إلا عن سماع من النبي صلى الله PageV01P433 # عليه وسلم، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال، «خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، ~~امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد» ، وقد أسند الطبري، أن ~~النبي عليه السلام، قال لفاطمة بنته، «أنت سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم ~~بنت عمران، البتول» ، وأنه قال، «فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم ~~على نساء العالمين» . # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وإذا تأملت هذه الأحاديث وغيرها مما هو في ~~معناها، وجدت مريم فيها متقدمة، فسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على العالمين ~~عموما أيضا، وقد قال بعض الناس، إن مريم نبية، قال ابن إسحاق، كانت ~~الملائكة تقبل على مريم فتقول، يا مريم إن الله اصطفاك، ms0540 الآية، فيسمع ذلك ~~زكريا فيقول، إن لمريم لشأنا، فمن مخاطبة الملائكة لها، جعلها هذا القائل ~~نبية، وجمهور الناس على أنه لم تنبأ امرأة. # واقنتي معناه اعبدي وأطيعي، قاله قتادة والحسن، وروى أبو سعيد الخدري، عن ~~النبي عليه السلام قال، كل قنوت في القرآن فهو بمعنى طاعة الله، ويحتمل أن ~~يكون معناه، أطيلي القيام في الصلاة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المناسب في ~~المعنى لقوله، واسجدي واركعي وبه قال مجاهد، وابن جريج، والربيع، وروى ~~مجاهد أنها لما خوطبت بهذا، قامت حتى ورمت قدماها، وروى الأوزاعي، أنها ~~قامت حتى سال الدم والقيح من قدميها، وروي أن الطير كانت تنزل على رأسها، ~~تظنها جمادا لسكونها في طول قيامها، وقال سعيد بن جبير، اقنتي لربك، معناه ~~أخلصي لربك، واختلف المتأولون، لم قدم السجود على الركوع؟ فقال قوم: كان ~~ذلك في شرع زكرياء وغيره منهم وقال قوم: الواو لا تعطي رتبة، وإنما المعنى، ~~افعلي هذا وهذا، وقد علم تقديم الركوع، وهذه الآية أكثر إشكالا من قولنا، ~~قام زيد وعمرو، لأن قيام زيد وعمرو ليس له رتبة معلومة، وهذه الآية قد علم ~~أن السجود بعد الركوع، فكيف جاءت الواو بعكس ذلك، فالقول عندي في ذلك، أن ~~مريم أمرت بفصلين ومعلمين من معالم الصلاة، وهما طول القيام والسجود، وخصا ~~بالذكر لشرفهما في أركان الصلاة، وإذا العبد يقرب في وقت سجوده من الله ~~تعالى: وهذان يختصان بصلاتها مفردة، وإلا فمن يصلي وراء إمام، فليس يقال له ~~أطل قيامك، ثم أمرت- بعد- بالصلاة في الجماعة، فقيل لها، واركعي مع ~~الراكعين وقصد هنا معلم من معالم الصلاة، لئلا يتكرر لفظ، ولم يرد بالآية ~~السجود والركوع، الذي هو منتظم في ركعة واحدة والله أعلم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 44 الى 45] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ms0541 ~~المقربين (45) # هذه المخاطبة لمحمد عليه السلام، والإشارة ب ذلك إلى ما تقدم ذكره من ~~القصص، والأنباء الأخبار، PageV01P434 # والغيب ما غاب عن مدارك الإنسان، ونوحيه معناه نلقيه في نفسك في خفاء، ~~وحد الوحي إلقاء المعنى في النفس في خفاء، ثم تختلف أنواعه، فمنه بالملك، ~~ومنه بالإلهام، ومنه بالإشارة، ومنه بالكتاب، كما قال كعب بن زهير: ~~[الطويل] # أتى العجم والآفاق منه قصائد ... بقين بقاء الوحي في الحجر الأصم # تقول العرب: أوحى، وتقول وحي، وفي هذه الآية بيان لنبوة محمد عليه ~~السلام، إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إلا من شاهدها وهو لم يكن لديهم، أو من ~~قرأها في كتب أهل الكتاب، ومحمد عليه السلام أمي من قوم أميين، أو من أعلمه ~~الله بها وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، ولديهم معناه عندهم ومعهم، وقد تقدم ~~القول في الأقلام والكفل، وجمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة ~~فيها، وقال ابن إسحاق: إنما كان استهامهم حين نالتهم المجاعة دفعا منها ~~لتحمل مؤونتها، ويختصمون معناه يتراجعون القول الجهير في أمرها، وفي هذه ~~الآية استعمال القرعة والقرعة سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر ~~أقرع بين نسائه، وقال عليه السلام: لو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا ~~عليه، وجمهور الأمة على تجويز القرعة إلا من شذ فظنها قمارا، وهذا كله فيما ~~يصلح التراضي بكونه دون قرعة فكأن القرعة محسنة لذلك الاختصاص، وأما حيث لا ~~يجوز التراضي كعتق العبيد في ثلث ميت فجوزها الجمهور ومنعها أبو حنيفة، وفي ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين ستة أعبد، فأعتق اثنين وأرق ~~أربعة، وقوله: # أيهم يكفل مريم ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل الذي تقديره، ينظرون، ~~أيهم يكفل مريم، والعامل في قوله إذ قالت الملائكة فعل مضمر تقديره اذكر إذ ~~قالت الملائكة وهكذا يطرد وصف الآية وتتوالى الإعلامات بهذه الغيوب، وقال ~~الزجاج: العامل فيها يختصمون، ويجوز أن يتعلق بقوله: # وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة وهذا كله يرده المعنى، لأن الاختصام لم ~~يكن عند قول الملائكة، ms0542 وقرأ ابن مسعود وعبد الله بن عمر: «إذ قال الملائكة» ~~واختلف المتأولون هل الملائكة هنا عبارة عن جبريل وحده أو عن جماعة من ~~الملائكة؟ وقد تقدم معنى ذلك كله في قوله آنفا، فنادته الملائكة [آل عمران: ~~39] فتأمله، وتقدم ذكر القراءات في قوله يبشرك. # واختلف المفسرون لم عبر عن عيسى عليه السلام بكلمة؟ فقال قتادة: جعله ~~«كلمة» إذ هو موجود بكلمة وهي قوله تعالى: لمرادته- كن- وهذا كما تقول في ~~شيء حادث هذا قدر الله أي هو عند قدر الله وكذلك تقول هذا أمر الله، وترجم ~~الطبري فقال: وقال آخرون: بل الكلمة اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر ~~خلقه بما شاء من الأسماء، فمقتضى هذه الترجمة أن الكلمة اسم مرتجل لعيسى ثم ~~أدخل الطبري تحت الترجمة عن ابن عباس أنه قال: «الكلمة» هي عيسى، وقول ابن ~~عباس يحتمل أن يفسر بما قال قتادة وبغير ذلك مما سنذكره الآن وليس فيه شيء ~~مما ادعى الطبري رحمه الله، وقال قوم من أهل العلم: سماه الله «كلمة» من ~~حيث كان تقدم ذكره في توراة موسى وغيرها من كتب الله وأنه سيكون، فهذه كلمة ~~سبقت فيه من الله، فمعنى الآية، أنت يا مريم مبشرة بأنك المخصوصة بولادة ~~الإنسان الذي قد تكلم الله بأمره وأخبر به في ماضي كتبه المنزلة على ~~أنبيائه، واسمه في هذا الموضع، معناه تسميته، وجاء الضمير مذكرا من أجل ~~المعنى، إذ «الكلمة» عبارة عن ولد. PageV01P435 # واختلف الناس في اشتقاق لفظة المسيح فقال قوم، هو من ساح يسيح في الأرض، ~~إذا ذهب ومشى أقطارها فوزنه مفعل، وقال جمهور الناس: هو من- مسح- فوزنه- ~~فعيل، واختلفوا- بعد- في صورة اشتقاقه من- مسح- فقال قوم من العلماء، سمي ~~بذلك من مساحة الأرض لأنه مشاها فكأنه مسحها، وقال آخرون: سمي بذلك لأنه ما ~~مسح بيده على ذي علة إلا برىء، فهو على هذين القولين- فعيل- بمعنى- فاعل- ~~وقال ابن جبير: سمي بذلك لأنه مسح بالبركة، وقال آخرون: سمي بذلك لأنه مسح ~~بدهن القدس فهو على هذين القولين- فعيل- بمعنى مفعول، وكذلك هو في قول من ~~قال: مسحه الله، فطهره ms0543 من الذنوب، قال إبراهيم النخعي: المسيح الصديق، وقال ~~ابن جبير عن ابن عباس: المسيح الملك، وسمي بذلك لأنه ملك إحياء الموتى، ~~وغير ذلك من الآيات، وهذا قول ضعيف لا يصح عن ابن عباس. # وقوله: عيسى يحتمل من الإعراب ثلاثة أوجه، البدل من المسيح، وعطف البيان، ~~وأن يكون خبرا بعد خبر، ومنع بعض النحاة أن يكون خبرا بعد خبر وقال: كان ~~يلزم أن تكون أسماؤه على المعنى أو أسماؤها على اللفظ للكلمة، ويتجه أن ~~يكون عيسى خبر ابتداء مضمر، تقديره، هو عيسى ابن مريم، ويدعو إلى هذا كون ~~قوله، ابن مريم صفة ل عيسى إذ قد أجمع الناس على كتبه دون ألف، وأما على ~~البدل أو عطف البيان فلا يجوز أن يكون ابن مريم صفة ل عيسى لأن الاسم هنا ~~لم يرد به الشخص، هذه النزعة لأبي علي، وفي صدر الكلام نظر، ووجيها، نصب ~~على الحال وهو من الوجه، أي له وجه ومنزلة عند الله والمعنى في الوجيه أنه ~~حيثما أقبل بوجهه، عظم وروعي أمره، وتقول العرب: فلان له وجه في الناس وله ~~جاه، وهذا على قلب في اللفظة، يقولون جاهني يجوهني بكذا أي واجهني به، وجاه ~~عيسى عليه السلام في الدنيا نبوته وذكره، ورفعه في الآخرة مكانته ونعيمه ~~وشفاعته، ومن المقربين، معناه من الله تعالى. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 46 الى 47] # ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) قالت رب أنى يكون لي ولد ~~ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون (47) # قوله: ويكلم نائب عن حال تقديرها ومكلما وذلك معطوف على قوله: وجيها [آل ~~عمران: 45] ، وجاء عطف الفعل المستقبل على اسم الفاعل لما بينهما من ~~المضارعة كما جاز عطف اسم الفاعل على الفعل المستقبل في قوله الشاعر: ~~[الرجز] . # بت أعشيها بعضب باتر ... يفصد في أسوقها وجائر # وقوله: في المهد حال من الضمير في يكلم، وكهلا حال معطوفة على قوله: في ~~المهد، وقوله: من الصالحين، حال معطوفة على ms0544 قوله، ويكلم، وهذه الآية إخبار ~~من الله تعالى لمريم بأن ابنها يتكلم في مهده مع الناس آية دالة على براءة ~~أمه مما عسى أن يقذفها به متعسف ظان، والمهد موضع اضطجاع الصبي وقت تربيته، ~~وأخبر تعالى عنه أنه أيضا يكلم الناس كهلا، PageV01P436 # وفائدة ذلك إذ كلام الكهل عرف أنه إخبار لها بحياته إلى سن الكهولة، هذا ~~قول الربيع وجماعة من المفسرين، وقال ابن زيد: فائدة قوله كهلا الإخبار ~~بنزوله عند قتله الدجال كهلا، وقال جمهور الناس: # الكهل الذي بلغ سن الكهولة، وقال مجاهد: الكهل الحليم، وهذا تفسير ~~الكهولة بعرض مصاحب لها في الأغلب، واختلف الناس في حد الكهولة، فقيل: ~~الكهل ابن أربعين سنة، وقيل: ابن خمس وثلاثين، وقيل، ابن ثلاث وثلاثين، ~~وقيل: ابن اثنين وثلاثين، وهذا حد أولها. وأما آخرها فاثنتان وخمسون، ثم ~~يدخل سن الشيخوخة. # وقول مريم: رب أنى يكون لي ولد استفهام عن جهة حملها واستغراب للحمل على ~~حال بكارتها، ويمسسني، معناه يطأ ويجامع، والمسيس الجماع، ومريم لم تنف ~~مسيس الأيدي، والإشارة بقوله: كذلك، يحتمل أن تكون إلى هذه القدرة التي ~~تتضمنها البشارة بالكلمة، ويحتمل أن تكون إلى حال مريم وبكارتها، وقد تقدم ~~شرح هذين التأويلين في أمر زكرياء عليه السلام، وجاءت العبارة في أمر زكريا ~~يفعل وجاءت هنا، يخلق من حيث أمر زكرياء داخل في الإمكان الذي يتعارف وإن ~~قل وقصة مريم لا تتعارف البتة، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع وأدل عليه، ~~وروي أن عيسى عليه السلام، ولد لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من يولد من غيره ~~لمثل ذلك، وقوله تعالى: إذا قضى معناه إذا أراد إيجاده، والأمر واحد الأمور ~~وهو مصدر سمي به، والضمير في له عائد على الأمر والقول على جهة المخاطبة، ~~قال مكي: وقيل المعنى يقول لأجله، وهذا ينحو إلى ما نورده عن أبي علي بعد، ~~وقرأ جمهور السبعة «فيكون» بالرفع، وقرأ ابن عامر وحده «فيكون» بالنصب، ~~فوجه الرفع العطف على يقول، أو تقدير فهو يكون، وأما قراءة ابن عامر فغير ~~متجهة لأن الأمر ms0545 المتقدم خطاب للمقضي وقوله: فيكون، خطاب للمخبر، فليس ~~كقوله قم فأحسن إليك، لكن وجهها أنه راعى الشبه اللفظي في أن تقدم في ~~الكلام لفظ أمر كما قال أبو الحسن الأخفش في نحو قوله تعالى: قل لعبادي ~~الذين آمنوا يقيموا الصلاة [إبراهيم: 31] أنه مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن ~~له جوابا في الحقيقة، فكذلك على قراءة ابن عامر يكون قوله، فيكون بمنزلة ~~جواب الأمر وإن لم يكن جوابا، وذهب أبو علي في هذه المسألة إلى أن القول ~~فيها ليس بالمخاطبة المحضة، وإنما هو قول مجازي كما قال: امتلأ الحوض وقال ~~قطني وغير ذلك، قال: لأن المنتفي ليس بكائن فلا يخاطب كما لا يؤمر، وإنما ~~المعنى فإنما يكونه فهو يكون، فهذه نزعة اعتزالية غفر الله له. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 48 الى 49] # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) ورسولا إلى بني إسرائيل ~~أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه ~~فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم ~~بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49) # قرأ نافع وعاصم «ويعلمه» بالياء، وذلك عطف على يبشرك بكلمة [آل عمران: ~~45] كذا قال أبو علي: ويحتمل أن يكون في موضع الحال عطفا على ويكلم [آل ~~عمران: 46] ، وقرأ الباقون، و «نعلمه» بالنون، وهي مثل قراءة الياء في ~~المعنى لكن جاءت بنون العظمة، قال الطبري: قراءة الياء عطف PageV01P437 # على قوله: يخلق ما يشاء [آل عمران: 47] ، وقراءة النون عطف على قوله: ~~نوحيه إليك [آل عمران: 44] . # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا الذي قاله خطأ في ~~الوجهين مفسد للمعنى والكتاب هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب، هذا قول ابن ~~جريج وجماعة المفسرين، وقال بعضهم: هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه ~~دعوى لا حجة عليها، وأما الحكمة، فهي السنة التي يتكلم بها الأنبياء، في ~~الشرعيات، والمواعظ، ونحو ذلك، مما لم يوح إليهم في كتاب ms0546 ولا بملك، لكنهم ~~يلهمون إليه وتقوى غرائزهم عليه، وقد عبر بعض العلماء عن الحكمة بأنها ~~الإصابة في القول والعمل، فذكر الله تعالى في هذه الآية أنه يعلم عيسى عليه ~~السلام الحكمة، والتعليم متمكن فيما كان من الحكمة بوحي أو مأثورا عمن تقدم ~~عيسى من نبي وعالم، وأما ما كان من حكمة عيسى الخاصة به فإنما يقال فيها ~~يعلمه على معنى يهيىء غريزته لها ويقدره ويجعله يتمرن في استخراجها ويجري ~~ذهنه إلى ذلك، والتوراة هي المنزلة على موسى عليه السلام، ويروى أن عيسى ~~كان يستظهر التوراة وكان أعمل الناس بما فيها، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر ~~قلب إلا أربعة، موسى ويوشع بن نون وعزيز وعيسى عليهم السلام، وذكر الإنجيل ~~لمريم وهو ينزل- بعد- لأنه كان كتابا مذكورا عند الأنبياء والعلماء وأنه ~~سينزل. # وقوله: ورسولا حال معطوفة على ويعلمه إذ التقدير، ومعلما الكتاب، فهذا ~~كله عطف بالمعنى على قوله وجيها [آل عمران: 45] ، ويحتمل أن يكون التقدير، ~~ويجعله رسولا، وكانت رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، مبينا حكم ~~التوراة ونادبا إلى العمل بها ومحللا أشياء مما حرم فيها، كالثروب ولحوم ~~الإبل وأشياء من الحيتان والطير، ومن أول القول لمريم إلى قوله إسرائيل ~~خطاب لمريم، ومن قوله، أني قد جئتكم إلى قوله مستقيم يحتمل أن يكون خطابا ~~لمريم على معنى يكون من قوله لبني إسرائيل، كيت وكيت، ويكون في آخر الكلام ~~متروك يدل عليه الظاهر تقديره، فجاء عيسى بني إسرائيل رسولا فقال لهم ما ~~تقدم ذكره فلما أحس ويحتمل أن يكون المتروك مقدرا في صدر الكلام بعد قوله، ~~إلى بني إسرائيل فيكون تقديره، فجاء عيسى كما بشر الله رسولا إلى بني ~~إسرائيل بأني قد جئتكم، ويكون قوله: أني قد جئتكم ليس بخطاب لمريم، والأول ~~أظهر، وقرأ جمهور الناس «أني قد جئتكم» بفتح الألف، تقديره بأني وقرىء في ~~الشاذ، «إني قد جئتكم» ، وجمهور الناس قرؤوا بآية على الإفراد وفي مصحف ابن ~~مسعود «بآيات» وكذلك في قوله بعد هذا وجئتكم بآيات من ربكم واختلف القراء ~~في ms0547 فتح الألف وكسرها من قوله: أني أخلق، فقرأ نافع وجماعة من العلماء، ~~«إني» بكسر الألف، وقرأ باقي السبعة وجماعة من العلماء، «أني» بفتح الألف، ~~فوجه قراءة نافع، إما القطع والاستئناف وإما أنه فسر الآية بقوله، «إني» ~~كما فسر المثل في قوله كمثل آدم بقوله، خلقه من تراب إلى غير ذلك من ~~الأمثلة ووجه قراءة الباقين البدل من آية، كأنه قال: «وجئتكم بأني أخلق» ، ~~وقيل: هي بدل من أني الأولى، وهذا كله يتقارب في المعنى وأخلق معناه، أقدر ~~وأهيئ بيدي، ومن ذلك قول الشاعر [زهير بن أبي سلمى] : # [الكامل] : # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري # وقوله لكم تقييد لقوله، أخلق لأنه يدل دلالة ما، على أنه لم يرد الإيجاد ~~من العدم، ويصرح PageV01P438 # بذلك قوله بإذن الله وحقيقة الخلق في الأجرام، ويستعمل في المعاني، ومنه ~~قوله تعالى: وتخلقون إفكا [العنكبوت: 17] ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل ~~مرفل] # من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله # وجمهور الناس قرأ «كهيئة» على وزن فعلة بفتح الفاء وهو مصدر من قولك، هاء ~~الشيء يهاء هيئا وهيئة، إذا ترتب واستقر على حال ما، وهو الذي تعديه فتقول: ~~هيأت، وقرأ الزهري «كهيئة الطير» ، بكسر الهاء وياء مفتوحة مشددة، وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع، «كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائرا» على الإفراد في ~~الموضعين، فالأول اسم الجنس والثاني مفرد، أي يكون طائرا من الطيور، وقرأ ~~نافع وحده، «كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا» بالإفراد في الأخير، وهكذا ~~قرأ في المائدة الباقون «كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا» بالجمع فيهما، ~~وكذلك في سورة المائدة، ومعاني هذه القراءات بينة، والطير اسم جمع وليس من ~~أبنية الجموع، وإنما البناء في جمع طائر أطيار، وجمع الجمع طيور، وحكاه أبو ~~علي عن أبي الحسن، وقوله فأنفخ فيه ذكر الضمير هنا لأنه يحتمل أن يعود على ~~الطين المهيأ، ويحتمل أن يريد فانفخ في المذكور، وأنث الضمير في سورة ~~المائدة في قوله، فتنفخ فيها [المائدة: 110] لأنه يحتمل أن يعود على ms0548 الهيئة ~~أو على تأنيث لفظ الجماعة في قوله الطير وكون عيسى عليه السلام خالقا بيده ~~ونافخا بفيه إنما هو ليبين تلبسه بالمعجزة، وأنها جاءت من قبله، وأما ~~الإيجاد من العدم وخلق الحياة في ذلك الطين فمن الله تعالى وحده لا شريك ~~له. # وقوله بإذن الله، معناه بعلم منه تعالى أني أفعل ذلك وتمكين منه لي، ~~وحقيقة الإذن في الشيء هي العلم بأنه يفعل والتمكين من ذلك، فإن اقترن بذلك ~~قول فذلك أمكن في الإذن وأبلغ، ويخرج من حد الإذن إلى حد الأمر ولكن تجده ~~أبدا في قسم الإباحة، وتأمل قوله تعالى: فهزموهم بإذن الله [البقرة: # 251] ، وقول النبي عليه السلام، وإذنها صماتها، وروي في قصص هذه الآية، ~~أن عيسى عليه السلام كان يقول لبني إسرائيل: أي الطير أشد خلقة وأصعب أن ~~يحكى؟ فيقولون: الخفاش، لأنه طائر لا ريش له، فكان يصنع من الطين خفافيش ثم ~~ينفخ فيها فتطير، وكل ذلك بحضرة الناس ومعاينتهم، فكانوا يقولون: # هذا ساحر. # قوله تعالى: أبرئ، معناه أزيل المرض يقال برأ المريض وأبرأه غيره، ويقال: ~~برىء المريض أيضا كما يقال في الذنب والدين، واختلف المفسرون في الأكمه ~~فقال مجاهد: الأكمه هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، وقال ابن عباس ~~والحسن والسدي: الأكمه الأعمى على الإطلاق، وقال عكرمة: الأكمه الأعمش، ~~وحكى النقاش قولا: أن الأكمه هو الأبكم الذي لا يفهم ولا يفهم، الميت ~~الفؤاد، وقال ابن PageV01P439 # عباس أيضا وقتادة: الأكمه الذي يولد أعمى مضموم العين. # قال القاضي: وقد كان عيسى عليه السلام يبرىء بدعائه ومسح يده كل علة، ~~ولكن الاحتجاج على بني إسرائيل في معنى النبوة لا يقوم إلا بالإبراء من ~~العلل التي لا يبرىء منها طبيب بوجه، فليس يتخلص من هذه الأقوال في الأكمه ~~إلا القول الأخير، إذ الأكمه في اللغة هو الأعمى، وكمهت العين عميت، ولولا ~~ضبط اللغة لكان القول الذي حكى النقاش حسنا في معنى قيام الحجة به، والأبرص ~~معروف، وهو داء لا يبرأ منه إذا تمكن، وروي في إحيائه الموتى، أنه كان يضرب ms0549 ~~بعصاه الميت أو القبر أو الجمجمة، فيحيي الإنسان ويكلمه، وروي أنه أحيى سام ~~بن نوح عليه السلام، وروي أن الذي كان يحييه كانت تدوم حياته، وروي أنه كان ~~يعود لموته سريعا، وفي قصص الإحياء أحاديث كثيرة لا يوقف على صحتها، وإحياء ~~الموتى هي آيته المعجزة المعرضة للتحدي، وهي بالمعنى متحدى بها وإن كان لم ~~ينص على التحدي بها، وآيات عيسى عليه السلام إنما تجري فيما يعارض الطب لأن ~~علم الطب كان شرف الناس في ذلك الزمان وشغلهم وحينئذ أثيرت فيه العجائب، ~~فلما جاء عيسى عليه السلام بغرائب لا تقتضيها الأمزجة وأصول الطب، وذلك ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص علمت الأطباء أن هذه القوة من عند ~~الله، وهذا كأمر السحرة مع موسى، والفصحاء مع محمد عليه السلام. # ووقع في التواريخ المترجمة عن الأطباء أن جالينوس، كان في زمن عيسى عليه ~~السلام وأنه رحل إليه من رومية إلى الشام ليلقاه فمات في طريقه ذلك. # واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: وأنبئكم الآية، فقال السدي وسعيد بن ~~جبير وابن إسحاق ومجاهد وعطاء: كان عيسى من لدن طفولته وهو في الكتاب يخبر ~~الصبيان بما يفعل آباؤهم في منازلهم وبما يؤكل من الطعام ويدخر حتى قال بنو ~~إسرائيل لأبنائهم لا تخالطوا هذا الساحر، وكذلك إلى أن نبىء، فكان يقول لكل ~~من سأله عن هذا المعنى، أكلت البارحة كذا، وادخرت كذا، قال ابن إسحاق: # وكان معلمه يريد أن يعلمه الشيء فيسبقه إليه عيسى فيتعجب معلمه من ذلك ~~ويذكره للناس، وقال قتادة، معنى الآية إنما هو في نزول المائدة عليهم. وذلك ~~أنها لما أنزلت أخذ عليهم عهدا أن يأكلوا ولا يخبىء أحد شيئا ولا يدخره ~~ويحمله إلى بيته فخانوا وجعلوا يخبئون من ثمار الجنة وطعامها الذي كان ينزل ~~على المائدة فكان عيسى عليه السلام يخبر كل أحد عما أكل وعما ادخر في بيته ~~من ذلك وعوقبوا على ذلك، وما في قوله بما تأكلون يحتمل أن تكون بمعنى الذي ~~وتحتمل المصدرية وكذلك وما تدخرون، وقرأ الجمهور، «تدخرون» بدال ms0550 مشددة وخاء ~~مكسورة، وهو تفتعلون من ذخرت أصله، «تذخرون» استثقل النطق بالذال والتاء، ~~لتقاربهما في المخرج فأبدلت التاء دالا وأدغمت الذال في الدال، كما صنع في ~~مدكر، ومطلع، بمعنى مضطلع وغير ذلك نحو قول الشاعر: [زهير] [البسيط] # إن الكريم الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيطلم # بالطاء غير منقوطة، وقرأ الزهري ومجاهد وأيوب السختياني وأبو السمال ~~«تدخرون» - بدال ساكنة وخاء مفتوحة، وقوله: إن في ذلك إشارة إلى ما ذكر من ~~الإحياء والإبراء والإنباء، وفي مصحف ابن PageV01P440 # مسعود «لآيات» على الجمع، وقوله إن كنتم مؤمنين، توقيف والمعنى، لآيات ~~نافعة هادية إن آمنتم وأبصرتم وإلا فليست بنافعة ولا هادية، فأما كونها ~~آيات فعلى كل حال آمنوا أو كفروا، هذا كله على أن المخاطبة لمن لم يؤمن- ~~بعد- وهو ظاهر حاله مع بني إسرائيل، وإن كان خطابه لمؤمنين، أو كما كانوا ~~مؤمنين بموسى، فمعنى الآية التشبيت وهز النفس كما تقول لإنسان تقيم نفسه ~~إلى شيء: ما أنت يا فلان يلزمك أن تفعل كذا وكذا إن كنت من الرجال. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 50 الى 51] # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم (51) # قوله: مصدقا حال معطوفة على قوله: أني قد جئتكم بآية [آل عمران: 49] ، ~~لأن قوله بآية في موضع الحال، وكان عيسى عليه السلام مصدقا للتوراة متبعا ~~عاملا بما فيها، قال وهب بن منبه: كان يسبت ويستقبل بيت المقدس، وقال قتادة ~~في تفسير قوله: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، كان الذي جاء به عيسى ألين ~~من الذي جاء به موسى، وقال ابن جريج، أحل لكم لحوم الإبل والشحوم، قال ~~الربيع: وأشياء من السمك، وما لا صيصية له من الطير، وكان في التوراة ~~محرمات تركها شرع عيسى على حالها، فلفظة «البعض» على هذا متمكنة، وقال أبو ~~عبيدة: «البعض» في هذه الآية بمعنى الكل، وخطأه الناس في هذه المقالة وأنشد ~~أبو عبيدة شاهدا على ms0551 قوله بيت لبيد: [الكامل] # تراك أمكنة إذا لم يرضها ... أو يخترم بعض النفوس حمامها # وليست في البيت له حجة لأن لبيدا أراد نفسه فهو تبعيض صحيح، وذهب بعض ~~المفسرين إلى أن قوله تعالى: حرم عليكم إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى ~~وشرعوه، فكأن عيسى رد أحكام التوراة إلى حقائقها التي نزلت من عند الله ~~تعالى، وقال عكرمة: «حرم عليكم» بفتح الحاء والراء المشددة، وإسناد الفعل ~~إلى الله تعالى أو إلى موسى عليه السلام، وقرأ الجمهور وجئتكم بآية وفي ~~مصحف عبد الله بن مسعود، «وجئتكم بآيات» من ربكم، وقوله تعالى: فاتقوا الله ~~وأطيعون تحذير ودعاء إلى الله تعالى. # وقرأ جمهور الناس إن الله ربي وربكم بكسر الألف على استئناف الخبر، وقرأه ~~قوم «أن الله ربي وربكم» بفتح الألف قال الطبري: «إن» بدل من «آية» ، في ~~قوله جئتكم بآية، وفي هذا ضعف وإنما التقدير أطيعون، لأن الله ربي وربكم، ~~أو يكون المعنى، لأن الله ربي وربكم فاعبدوه، وقوله هذا صراط مستقيم إشارة ~~إلى قوله: إن الله ربي وربكم فاعبدوه، وهو لأن ألفاظه جمعت الإيمان ~~والطاعات، والصراط، الطريق، والمستقيم، الذي لا اعوجاج فيه. # قوله تعالى: PageV01P441 ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 52 الى 54] # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا ~~الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) # قبل هذه الآية متروك به يتم اتساق الآيات، تقديره، فجاء عيسى عليه السلام ~~كما بشر الله به فقال جميع ما ذكر لبني إسرائيل، فلما أحس ومعنى أحس، علم ~~من جهة الحواس بما سمع من أقوالهم في تكذيبه ورأى من قرائن الأحوال وشدة ~~العداوة والإعراض يقال أحسست بالشيء وحسيت به، أصله، حسست فأبدلت إحدى ~~السينين ياء، والكفر هو التكذيب به، وروي أنه رأى منهم إرادة قتله، فحينئذ ~~طلب النصر، والضمير في منهم لبني إسرائيل، وقوله تعالى: قال من أنصاري إلى ~~الله عبارة عن حال عيسى في ms0552 طلبه من يقوم بالدين ويؤمن بالشرع ويحميه، كما ~~كان محمد عليه السلام يعرض نفسه على القبائل ويتعرض للأحياء في المواسم، ~~وهذه الأفعال كلها وما فيها من أقوال يعبر عنها يقال من أنصاري إلى الله، ~~ولا شك أن هذه الألفاظ كانت في جملة أقواله للناس، والأنصار جمع نصير، ~~كشهيد وأشهاد وغير ذلك، وقيل جمع ناصر، كصاحب وأصحاب وقوله: إلى الله يحتمل ~~معنيين، أحدهما، من ينصرني في السبيل إلى الله؟ فتكون إلى دالة على الغاية ~~دلالة ظاهرة على بابها، والمعنى الثاني، أن يكون التقدير من يضيف نصرته إلى ~~نصرة الله لي؟ فيكون بمنزلة قوله ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [النساء: ~~1] فإذا تأملتها وجدت فيها معنى الغاية لأنها تضمنت إضافة شيء إلى شيء، وقد ~~عبر عنها ابن جريج والسدي بأنها بمعنى مع ونعم، إن- مع- تسد في هذه المعاني ~~مسد «إلى» لكن ليس يباح من هذا أن يقال إن إلى بمعنى مع حتى غلط في ذلك بعض ~~الفقهاء في تأويل قوله تعالى: وأيديكم إلى المرافق [المائدة: 6] فقال إلى ~~بمعنى مع وهذه عجمة بل إلى في هذه الآية، غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد ~~إلى فيما قبلها من طريق آخر، والحواريون، قوم مر بهم عيسى عليه السلام، ~~فدعاهم إلى نصره، واتباع ملته، فأجابوه وقاموا بذلك خير قيام، وصبروا في ~~ذات الله، وروي أنه مر بهم وهم يصطادون السمك، واختلف الناس لم قيل لهم ~~الحواريون؟ فقال سعيد بن جبير، سموا بذلك لبياض ثيابهم ونقائها، وقال أبو ~~أرطأة، سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب، أي يبيضونها، وقال ~~قتادة، الحواريون أصفياء الأنبياء، الذين تصلح لهم الخلافة، وقال الضحاك ~~نحوه. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا تقرير حال القوم، وليس بتفسير اللفظة، ~~وعلى هذا الحد شبه النبي عليه السلام، ابن عمته بهم في قوله: وحواري ~~الزبير، والأقوال الأولى هي تفسير اللفظ، إذ هي من الحور، وهو البياض، حورت ~~الثوب بيضته ومنه الحواري، وقد تسمي العرب النساء الساكنات في الأمصار، ~~الحواريات، لغلبة البياض عليهن، ومنه قول أبي جلدة اليشكري: ms0553 # فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح # وحكى مكي: أن مريم دفعت عيسى عليه السلام في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ~~ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يقصرون الثياب ثم يصبغونها فأراهم آيات ~~وصبغ لهم ألوانا شتى من ماء واحد، وقرأ PageV01P442 # جمهور الناس «الحواريون» بتشديد الياء، واحدهم- حواري- وليست بياء نسب ~~وإنما هي كياء كرسي، وقرأ إبراهيم النخعي وأبوبكر الثقفي: «الحواريون» ~~مخففة الياء في جميع القرآن، قال أبو الفتح: العرب تعاف ضمة الياء الخفيفة ~~المكسور ما قبلها وتمتنع منها، ومتى جاءت في نحو قولهم، العاديون والقاضيون ~~والساعيون أعلت بأن تستثقل الضمة فتسكن الياء وتنقل حركتها ثم تحذف لسكونها ~~وسكون الواو بعدها فيجيء العادون ونحوه، فكان يجب على هذا أن يقال، ~~الحوارون، لكن وجه القراءة على ضعفها أن الياء خففت استثقالا لتضعيفها ~~وحملت الضمة دلالة على أن التشديد مراد، إذ التشديد محتمل للضمة، وهذا كما ~~ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزئون إلى أن أخلص الهمزة ياء البتة وحملها ~~الضمة تذكر الحال المرادة فيها. # وقول الحواريين: واشهد يحتمل أن يكون خطابا لعيسى عليه السلام، أي اشهد ~~لنا عند الله، ويحتمل أن يكون خطابا لله تعالى كما تقول: أنا أشهد الله على ~~كذا، إذا عزمت وبالغت في الالتزام، ومنه قول النبي عليه السلام في حجة ~~الوداع: اللهم اشهد، قال الطبري: وفي هذه الآية توبيخ لنصارى نجران، أي هذه ~~مقالة الأسلاف المؤمنين بعيسى، لا ما تقولونه أنتم، يا من يدعي له ~~الألوهية. # وقولهم: ربنا آمنا بما أنزلت يريدون الإنجيل وآيات عيسى، والرسول عيسى ~~عليه السلام، وقولهم: فاكتبنا مع الشاهدين عبارة عن الرغبة في أن يكونوا ~~عنده في عداد من شهد بالحق من مؤمني الأمم، ولما كان البشر يقيد ما يحتاج ~~إلى علمه وتحقيقه في ثاني حال بالكتاب، عبروا عن فعل الله بهم ذلك وقال ابن ~~عباس: قولهم مع الشاهدين معناه اجعلنا من أمة محمد عليه السلام في أن نكون ~~ممن يشهد على الناس. # ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال: ومكروا ms0554 يريد تحيلهم ~~في أخذ عيسى للقتل بزعمهم، ويروى أنهم تحيلوا له، وأذكوا عليه العيون حتى ~~دخل هو والحواريون بيتا فأخذوهم فيه، فهذا مكر بني إسرائيل، وجازاهم الله ~~تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى، وأعقب بني إسرائيل ~~مذلة وهوانا في الدنيا والآخرة، فهذه العقوبة هي التي سماها الله مكرا في ~~قوله ومكر الله وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه، ~~وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية، وعلى أن عيسى قال للحواريين: من يصبر ~~فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة؟ فقال أحدهم- أنا- فكان ذلك، وروى قوم أن ~~بني إسرائيل دست يهوديا جاسوسا على عيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه ~~البيت فلما أحيط بهم ألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب، ~~فهذا معنى قوله: # ومكروا ومكر الله وهذه أيضا تسمية عقوبة باسم الذنب، والمكر في اللغة، ~~السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي، ~~وقوله والله خير الماكرين معناه في أنه فاعل في حق في ذلك، والماكر من ~~البشر فاعل باطل في الأغلب، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل، والله ~~سبحانه أشد بطشا وأنفذ إرادة، فهو خير من جهات لا تحصى، لا إله إلا هو، ~~وذكر حصر عيسى عليه السلام، وعدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره ~~سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. PageV01P443 # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 55 الى 57] # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) # قال الطبري: العامل في إذ قوله تعالى ومكر الله [آل عمران: 54] وقال غيره ~~من النحاة: # العامل فعل مضمر تقديره اذكر. # قال القاضي أبو محمد: ms0555 وهذا هو الأصوب، وهذا القول هو بواسطة الملك لأن ~~عيسى ليس بمكلم، و «عيسى» اسم أعجمي معرف فلذلك لا ينصرف وهو بالسريانية- ~~ايسوع- عدلته العرب إلى «عيسى» ، واختلف المفسرون في هذا التوفي، فقال ~~الربيع: هي وفاة نوم، رفعه الله في منامه، وقال الحسن وابن جريج ومطر ~~الوراق ومحمد بن جعفر بن الزبير وجماعة من العلماء: المعنى أني قابضك من ~~الأرض، ومحصنك أني مميتك، هذا لفظ ابن عباس ولم يفسر، فقال وهب بن منبه: ~~توفاه الله بالموت ثلاث ساعات ورفعه فيها ثم أحياه الله بعد ذلك، عنده في ~~السماء وفي بعض الكتب، سبع ساعات، وقال الفراء: هي وفاة موت ولكن المعنى، ~~إني متوفيك في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، ففي الكلام تقديم وتأخير، ~~وقال مالك في جامع العتبية: مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ووقع في ~~كتاب مكي عن قوم: أن معنى متوفيك متقبل عملك، وهذا ضعيف من جهة اللفظ. # قال القاضي أبو محمد: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن ~~عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ~~ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد ويحج ~~البيت ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعا وعشرين سنة، وقيل أربعين سنة، ثم يميته ~~الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فقول ابن عباس رضي الله عنه: ~~هي وفاة موت لا بد أن يتمم، إما على قول وهب بن منبه، وإما على قول الفراء، ~~وقوله تعالى: ورافعك إلي عبارة عن نقله إلى علو من سفل وقوله إلي إضافة ~~تشريف لما كانت سماءه والجهة المكرمة المعظمة المرجوة، وإلا فمعلوم أن الله ~~تعالى غير متحيز في جهة، وقوله تعالى: ومطهرك حقيقة التطهير إنما هي من دنس ~~ونحوه، واستعمل ذلك في السب والدعاوى والآثام وخلطة الشرار ومعاشرتهم، ~~تشبيها لذلك كله بالأدناس، فطهر الله العظيم عيسى من دعاوى الكفرة ~~ومعاشرتهم القبيحة له، وقوله تعالى: وجاعل اسم فاعل للاستقبال، وحذف تنوينه ~~تخفيفا، وهو متعد إلى ms0556 مفعولين، لأنه بمعنى مصير فأحدهما الذين والآخر في ~~قوله: فوق الذين كفروا وقال ابن زيد: الذين اتبعوه هم النصارى والذين كفروا ~~هم اليهود، والآية PageV01P444 # مخبرة عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض ~~إلى يوم القيامة. # قال القاضي أبو محمد: فخصص ابن زيد المتبعين والكافرين وجعله حكما دنيويا ~~لا فضيلة فيه للمتبعين الكفار منهم بل كونهم فوق اليهود عقوبة لليهود فقط، ~~وقال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين فيدخل في ذلك أمة محمد لأنها ~~متبعة لعيسى، نص على ذلك قتادة وغيره، وكذلك قالوا بعموم اللفظ في ~~الكافرين، فمقتضى الآية إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به كما يجب ~~هم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان وبالعزة والغلبة، ويظهر من قول ابن ~~جريج وغيره أن المراد المتبعون له في وقت استنصاره وهم الحواريون جعلهم ~~الله فوق الكافرين لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكرا، فهم فوقهم ~~بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان الله، وقوله تعالى ثم إلي ~~مرجعكم الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ ~~عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: ثم إلي، أي إلى ~~حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي ~~مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: فأحكم إلى آخر الآية، وعد لعيسى ~~والمؤمنين ووعيد للكافرين. # وقوله تعالى: فأما الذين كفروا الآية، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول ~~أمرهم وليس بإخبار عما يفعل بعد يوم القيامة، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل، ~~وإنما المعنى، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم يعذبون عذابا شديدا في الدنيا ~~بالأسر والقتل والجزية والذل، ولم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن شرع ~~الإسلام طالب له بذلك، وقد أبرز الوجود هذا، وفي الآخرة معناه، بعذاب ~~النار، ثم ذكر قسم الإيمان وقرن به الأعمال الصالحات تنبيها على درجة ~~الكمال ودعاء إليها، وقرأ حفص عن عاصم «فيوفيهم» بالياء على الغيبة، والفعل ~~مسند إلى الله تعالى، وقرأ ms0557 الباقون وأبوبكر عن عاصم «فنوفيهم» بالنون، وهي ~~نون العظمة، وتوفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال، ~~وأما نفس دخول الجنة فبرحمة الله وبفضله، وتقدم نظير قوله والله لا يحب ~~الظالمين في قوله قبل فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين [آل عمران: 32] . # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 58 الى 61] # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين ~~(60) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين (61) # ذلك رفع بالابتداء والإشارة به إلى ما تقدم من الأنباء، ونتلوه عليك خبر ~~ابتداء وقوله من الآيات لبيان الجنس، ويجوز أن تكون للتبعيض، ويصح أن يكون ~~نتلوه عليك حالا ويكون الخبر في PageV01P445 # قوله من الآيات وعلى قول الكوفيين يكون قوله نتلوه صلة لذلك، على حد ~~قولهم في بيت ابن مفرغ الحميري: # وهذا تحملين طليق ويكون الخبر في قوله: من الآيات، وقول البصريين في ~~البيت أن تحملين حال التقدير، وهذا محمولا، ونتلوه معناه نسرده، ومن الآيات ~~ظاهره آيات القرآن، ويحتمل أن يريد بقوله من الآيات من المعجزات ~~والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلنا، وبسبب تلاوتنا وأنت أمي لا ~~تقرأ، ولست ممن أصحب أهل الكتاب، فالمعنى أنها آيات لنبوتك، وهذا الاحتمال ~~إنما يتمكن مع كون نتلوه حالا، والذكر ما ينزل من عند الله، والحكيم يجوز ~~أن يتأول بمعنى المحكم، فهو فعيل بمعنى مفعول، ويصح أن يتأول بمعنى مصرح ~~بالحكمة، فيكون بناء اسم الفاعل، قال ابن عباس، الذكر القرآن، والحكيم الذي ~~قد كمل في حكمته. # وذكر ابن عباس وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم، قالوا سبب نزول قوله تعالى: ~~إن مثل عيسى الآية أن وفد نصارى نجران جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أمر عيسى، وقالوا بلغنا أنك تشتم صاحبنا وتقول هو عبد، فقال ms0558 النبي عليه ~~السلام، وما يضر ذلك عيسى، أجل هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه، فقالوا فهل رأيت بشرا قط جاء من غير فحل أو سمعت به؟ وخرجوا من عند ~~النبي فأنزل الله عليه هذه الآية. وقوله تعالى: إن مثل عبر عنه بعض الناس، ~~بأن صفة عيسى وقرنوا ذلك بقوله تعالى: مثل الجنة [الرعد: 35] قالوا: معناه ~~صفة الجنة. # قال الإمام أبو محمد: وهذا عندي ضعف في فهم معنى الكلام وإنما المعنى: ~~«أن المثل» الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ ~~الناس كلهم مجمعون على أن الله تعالى خلقه من تراب من غير فحل، وكذلك مثل ~~الجنة عبارة عن المتصور منها، وفي هذه الآية صحة القياس، أي إذا تصوروا أمر ~~آدم قيس عليه جواز أمر عيسى عليه السلام والكاف في قوله: كمثل اسم على ما ~~ذكرناه من المعنى وقوله عند الله عبارة عن الحق في نفسه، أي هكذا هو الأمر ~~فيما غاب عنكم، وقوله: خلقه من تراب تفسير لمثل آدم، الذي ينبغي أن يتصور، ~~والمثل والمثال بمعنى واحد، ولا يجوز أن يكون خلقه صلة لآدم ولا حالا منه، ~~قال الزجاج: إذ الماضي لا يكون حالا أنت فيها بل هو كلام مقطوع منه، مضمنه ~~تفسير المثل، وقوله عز وجل: ثم قال ترتيب للأخبار لمحمد عليه السلام، ~~المعنى خلقه من تراب ثم كان من أمره في الأزل أن قاله له كن وقت كذا، وعلى ~~مذهب أبي علي الفارسي، في أن القول مجازي، مثل وقال قطني، وأن هذه الآية ~~عبارة عن التكوين، ف ثم على بابها في ترتيب الأمرين المذكورين، وقراءة ~~الجمهور «فيكون» ، بالرفع على معنى فهو يكون، وقرأ ابن عامر «فيكون» ~~بالنصب، وهي قراءة ضعيفة الوجه، وقد تقدم توجيهها آنفا في مخاطبة مريم. # وقوله تعالى: الحق من ربك، رفع على الابتداء وخبره فيما يتعلق به، قوله ~~من ربك، أو الحق ذلك، أو ما قلناه لك، ويجوز أن يكون خبر ابتداء، تقديره ~~هذا الحق والممترين هم الشاكون، والمرية ms0559 PageV01P446 # الشك، ونهي النبي عليه السلام في عبارة اقتضت ذم الممترين، وهذا يدل على ~~أن المراد بالامتراء غيره، ولو قيل: فلا تكن ممتريا لكانت هذه الدلالة أقل، ~~ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي عليه السلام عن الامتراء مع بعده ~~عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله. # وقوله تعالى: فمن حاجك فيه معناه جادلك ونازعك الحجة، والضمير في قوله: ~~فيه يحتمل أن يعود على عيسى، ويحتمل أن يعود على الحق، والعلم الذي أشير ~~إليه بالمجيء هو ما تضمنته هذه الآيات المتقدمة من أمر عيسى وقوله تعالى: ~~فقل تعالوا الآية، استدعاء المباهلة وتعالوا تفاعلوا من العلو، وهي كلمة ~~قصد بها أولا تحسين الأدب مع المدعو ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوه ~~وللبهيمة ونحو ذلك ونبتهل معناه نلتعن، ويقال عليهم بهلة الله بمعنى ~~اللعنة، والابتهال: الجد في الدعاء بالبهلة. # وروي في قصص هذه الآية: أنها نزلت بسبب محاجة نصارى نجران في عيسى عليه ~~السلام وقولهم هو الله، وكانوا يكثرون الجدال وقد روى عبد الله بن الحارث ~~بن جزء السوائي عن النبي عليه السلام أنه قال: ليت بيني وبين أهل نجران ~~حجابا فلا أراهم ولا يروني لشدة ما كانوا يمارون فلما قرأ النبي عليه ~~السلام الآية دعاهم إلى ذلك، فروى الشعبي وغيره: أنهم وعدوه بالغد أن ~~يلاعنوه فانطلقوا إلى السيد والعاقب فتابعاهم على أن يلاعنوا فانطلقوا إلى ~~رجل آخر منهم عاقل فذكروا له ما صنعوا فذمهم وقال لهم: # إن كان نبيا ثم دعا عليكم هلكتم، وإن كان ملكا فظهر لم يبق عليكم، قالوا ~~فكيف نصنع وقد واعدناه؟ # قال: إذا غدوتم فدعاكم إلى ذلك فاستعيذوا بالله من ذلك فعسى أن يعفيكم ~~فلما كان الغد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضنا حسينا آخذا بيد ~~الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الميعاد، فقالوا: نعوذ بالله فأعادوا ~~التعوذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن أبيتم فأسلموا فإن أبيتم فأعطوا ~~الجزية عن يد وأنتم صاغرون فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء، قالوا: لا ~~طاقة ms0560 لنا بحرب العرب ولكنا نؤدي الجزية قال: فجعل عليهم كل سنة ألفي حلة ~~ألفا في رجب وألفا في صفر وطلبوا منه رجلا أمينا يحكم بينهم فبعث معهم أبا ~~عبيدة بن الجراح وقال عليه السلام: لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران لو ~~تموا على الملاعنة، وروى محمد بن جعفر بن الزبير وغيره أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما دعاهم قالوا: دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نفعل ~~فذهبوا إلى العاقب وهو ذو رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: يا ~~معشر النصارى، والله لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من ~~خبر صاحبكم ولقد علمتم ما لا عن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم ~~وإنه الاستئصال إن فعلتم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما أنتم عليه من القول ~~في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه، فأتوا ~~النبي عليه السلام، فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نبقى ~~على ديننا وصالحوه على أموال وقالوا له: # ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم في أشياء قد اختلفنا فيها من ~~أموالنا فإنكم عندنا رضى، وروى السدي وغيره أن النبي عليه السلام جاء هو ~~وعلي وفاطمة والحسن والحسين ودعاهم فأبوا وجزعوا وقال لهم أحبارهم: إن ~~فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا فصالحوا النبي عليه السلام على ثمانين ألف ~~درهم في العام فما عجزت عنه الدراهم ففي العروض، الحلة بأربعين وعلى أن ~~عليهم ثلاثا وثلاثين درعا وثلاثة PageV01P447 # وثلاثين بعيرا وأربعا وثلاثين فرسا عارية كل سنة ورسول الله ضامن ذلك حتى ~~يؤديها إليهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا عنوا لاستؤصلوا من ~~جديد الأرض، وقال أيضا: لو فعلوا لاضطرم عليهم الوادي نارا، وروى علباء بن ~~أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شاب من ~~اليهود: ويحكم، أليس عهدكم بالأمس بإخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ ms0561 فلا ~~تلاعنوا فانتهوا، وفي هذه القصة اختلافات للرواة وعبارات تجري كلها في معنى ~~ما ذكرناه لكنا قصدنا الإيجاز وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوة محمد ~~شاهد عظيم على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم، وما روي من ذلك خير مما روى ~~الشعبي من تقسيم ذلك الرجل العاقل فيهم أمر محمد بأنه إما نبي وإما ملك لأن ~~هذا نظر دنياوي وما روى الرواة من أنهم تركوا الملاعنة لعلمهم بنبوته أحج ~~لنا على سائر الكفرة وأليق بحال محمد صلى الله عليه وسلم، ودعاء النساء ~~والأنبياء للملاعنة أهز للنفوس وأدعى لرحمة الله أو لغضبه على المبطلين، ~~وظاهر الأمر أن النبي عليه السلام جاءهم بما يخصه، ولو عزموا استدعى ~~المؤمنين بأبنائهم ونسائهم، ويحتمل أنه كان يكتفي بنفسه وخاصته فقط. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 62 الى 64] # إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~(62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64) # هذا خبر من الله تعالى جزم مؤكد فصل به بين المختصمين، والإشارة ب هذا هي ~~إلى ما تقدم في أمر عيسى عليه السلام، قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد ~~وغيرهم: والقصص معناه الأخبار، تقول: قص يقص، قصا وقصصا، إذا تتبع الأمر ~~يخبر به شيئا بعد شيء، قال قوم: هو مأخوذ من قص الأثر، وقوله لهو يحتمل أن ~~يكون فصلا ويحتمل أن يكون ابتداء، ومن قوله من إله مؤكدة بعد النفي، وهي ~~التي يتم الكلام دونها لكنها تعطي معنى التأكيد، وقوله تعالى: فإن الله ~~عليم بالمفسدين وعيد. # واختلف المفسرون من المراد بقوله: قل يا أهل الكتاب تعالوا فقال قتادة: ~~ذكر لنا أن رسول الله عليه السلام دعا يهود المدينة إلى الكلمة السواء، وهم ~~الذين حاجوا في إبراهيم، وقاله الربيع وابن جريج، وقال محمد ms0562 بن جعفر بن ~~الزبير: نزلت الآية في وفد نجران، وقاله السدي، وقال ابن زيد: لما أبى أهل ~~نجران ما دعوا إليه من الملاعنة، دعوا إلى أيسر من ذلك وهي «الكلمة السواء» ~~، والذي يظهر لي أن الآية نزلت في وفد نجران، لكن لفظ أهل الكتاب يعمهم ~~وسواهم من النصارى واليهود، فدعا النبي عليه السلام بعد ذلك يهود المدينة ~~بالآية، وكذلك كتب بها إلى هرقل عظيم الروم، وكذلك ينبغي أن يدعى بها أهل ~~الكتاب إلى يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس «إلى كلمة» بفتح الكاف وكسر ~~اللام، وروى أبو PageV01P448 # السمال: «كلمة» بفتح الكاف وسكون اللام، وروي عنه أنه قرأ «كلمة» بكسر ~~الكاف وسكون اللام، وذلك على إلقاء حركة اللام على الكاف كما قالوا في كبد، ~~كبد بكسر الكاف وسكون الباء، و «الكلمة» هنا عبارة عن الألفاظ التي تتضمن ~~المعاني المدعو إليها، وهي ما فسره بعد ذلك بقوله ألا نعبد الآية وهذا كما ~~تسمي العرب القصيدة كلمة، وجمهور المفسرين على أن الكلمة هي ما فسر بعد، ~~وقال أبو العالية: # «الكلمة السواء» ، لا إله إلا الله. # قال الفقيه الإمام: وقوله: سواء نعت للكلمة، قال قتادة والربيع وغيرهما: ~~معناه إلى كلمة عدل، فهذا معنى «السواء» ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ~~«إلى كلمة عدل بيننا وبينكم» ، كما فسر قتادة والربيع، وقال بعض المفسرين: ~~معناه إلى كلمة قصد. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا قريب في المعنى من الأول، والسواء ~~والعدل والقصد مصادر وصف بها في هذه التقديرات كلها، والذي أقوله في لفظة ~~سواء انها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضع وهو أنه دعاهم إلى ~~معان جميع الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعوين أن ~~يتخذ بعضهم بعضا أربابا فلم يكونوا على استواء حال فدعاهم بهذه الآية إلى ~~ما تألفه النفوس من حق لا يتفاضل الناس فيه، ف سواء على هذا التأويل بمنزلة ~~قولك لآخر: هذا شريكي في مال سواء بيني وبينه. والفرق بين هذا التفسير وبين ~~تفسير اللفظة بعدل، أنك لو ms0563 دعوت أسيرا عندك إلى أن يسلم أو تضرب عنقه، لكنت ~~قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل، وعلى هذا الحد جاءت لفظة سواء في قوله ~~تعالى: # فانبذ إليهم على سواء [الأنفال: 58] على بعض التأويلات، ولو دعوت أسيرك ~~إلى أن يؤمن فيكون حرا مقاسما لك في عيشك، لكنت قد دعوته إلى السواء، الذي ~~هو استواء الحال على ما فسرته، واللفظة على كل تأويل فيها معنى العدل، ~~ولكني لم أر لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال، وهو عندي ~~حسن، لأن النفوس تألفه، والله الموفق للصواب برحمته. # وقوله ألا نعبد يحتمل أن يكون في موضع خفض بمعنى، إلى ألا نعبد، فذلك على ~~البدل من كلمة ويحتمل أن يكون في موضع رفع بمعنى، هي ألا نعبد وما ذكره ~~المهدوي وغيره من أن تكون مفسرة إلى غير ذلك من الجائزات التي يلزم عنها ~~رفع نعبد إكثار منهم فاختصرته، واتخاذ بعضهم بعضا أربابا هو على مراتب، ~~أعلاها اعتقادهم فيهم الألوهية، وعبادتهم لهم على ذلك، كعزير وعيسى ابن ~~مريم، وبهذا فسر عكرمة، وأدنى ذلك طاعتهم لأساقفتهم ورؤسائهم في كل ما ~~أمروا به من الكفر والمعاصي والتزامهم طاعتهم شرعا، وبهذا فسر ابن جريج، ~~فجاءت الآية بالدعاء إلى ترك ذلك كله وأن يكون الممتثل ما قاله الله تعالى ~~على لسان نبيه عليه السلام، وقوله تعالى: فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون أمر ~~بتصريح مخالفتهم بمخاطبتهم ومواجهتهم بذلك، وإشهادهم على معنى التوبيخ ~~والتهديد، أي سترون أنتم أيها المتولون عاقبة توليكم كيف تكون. # قوله تعالى: PageV01P449 ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 65 الى 66] # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون ~~فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) # اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فقال ابن عباس: اجتمعت نصارى نجران ~~وأحبار يهود عند النبي عليه السلام فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان ~~إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى، ما كان إبراهيم ms0564 إلا نصرانيا، فأنزل ~~الله الآية، وقال السدي وقتادة: وحكى الطبري عن مجاهد وقتادة أيضا: أنهما ~~قالا نزلت الآية بسبب دعوى اليهود أنه منهم وأنه مات يهوديا، وجعل هذا ~~القول تحت ترجمة مفردة له، والصحيح أن جميع المتأولين إنما نحوا منحى ~~واحدا، وأن الآية في اليهود والنصارى، وألفاظ الآية تعطي ذلك فكيف يدافع ~~أحد الفريقين عن ذلك؟ وهذه الآية مبينة فساد هذه الدعاوى، التي لا تشبه ~~لقيام الدليل القاطع على فسادها، لأنهم ادعوا لإبراهيم الخليل نحلا لم تحدث ~~في الأرض، ولا وجدت إلا بعد موته بمدة طويلة، ولما كان الدليل عقليا قال ~~الله تعالى لهم موبخا أفلا تعقلون؟ # واختلف القراء في قوله ها أنتم في المد والهمز وتركه، فقرأ ابن كثير، ~~«هأنتم» ، في وزن هعنتم، وقرأ نافع وأبو عمرو «هانتم» استفهاما بلا همز، ~~وقرأ الباقون، «ها أنتم» ، ممدودا مهموزا، ولم يختلفوا في مد هؤلاء وأولاء، ~~فوجه قراءة ابن كثير، أنه أبدل من همزة الاستفهام الهاء، أراد «أأنتم» ، ~~ووجه قراءة نافع وأبي عمرو أحد أمرين، يجوز أن تكون «ها» التي للتنبيه دخلت ~~على «أنتم» ، ويكون التنبيه داخلا على الجملة، كما دخل على قولهم هلم وكما ~~دخلت- يا- التي للتنبيه في قوله ألا يا اسجدوا، وفي قول الشاعر: # [البسيط] # يا قاتل الله صبيانا تجيء بهم ... أم الهنيد من زند لها واري # وقول الآخر: [البسيط] # يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار # وخففت الهمزة من «أنتم» ولم تحقق بعد الألف، كما قالوا في هباءة هباة، ~~ويجوز أن تكون الهاء في ها أنتم بدلا من همزة الاستفهام، كوجه قراءة ابن ~~كثير، وتكون الألف هي التي تدخل بين الهمزتين، لتفصل بينهما، ووجه قراءة ~~الباقين «ها أنتم» مهموز ممدود يحتمل الوجهين اللذين في قراءة نافع وأبي ~~عمرو، وحققوا الهمزة التي بعد الألف، ولم يخففوها كما خففها أبو عمرو ~~ونافع، ومن لم ير إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين كما يراه أبو عمرو، ~~فينبغي أن تكون «ها» في قوله للتنبيه ولا تكون بدلا من همزة الاستفهام، ~~وأما هؤلاء ms0565 ففيه لغتان، المد والقصر، وقد جمعهما بيت الأعشى في بعض ~~الروايات: # [الخفيف] . # هؤلا ثم هؤلاء قد أعطيت ... نعالا محذوة بنعال # وأما إعراب ها أنتم هؤلاء فابتداء وخبر، وحاججتم في موضع الحال لا يستغنى ~~عنها، وهي PageV01P450 # بمنزلة قوله تعالى: ثم أنتم هؤلاء تقتلون [البقرة: 85] ويحتمل أن يكون ~~هؤلاء بدلا أو صفة ويكون الخبر حاججتم وعلى مذهب الكوفيين حاججتم، صلة ~~لأولاء والخبر في قوله: فلم تحاجون ومعنى قوله تعالى: فيما لكم به علم أي ~~على زعمكم، وإنما المعنى فيما تشبه فيه دعواكم، ويكون الدليل العقلي لا يرد ~~عليكم وفسر الطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبائهم ~~مما أيقنوه وثبت عندهم صحته. # قال الفقيه الإمام: وذهب عنه رحمه الله أن ما كان هكذا فلا يحتاج معهم ~~فيه إلى محاجة، لأنهم يجدونه عند محمد صلى الله عليه وسلم، كما كان هنالك ~~على حقيقته، وباقي الآية بين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 67 الى 68] # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين (68) # أخبر الله تعالى في هذه الآية، عن حقيقة أمر إبراهيم، فنفى عنه اليهودية ~~والنصرانية والإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي ~~تتضمنه اليهودية والنصرانية، وجاء ترتيب النفي على غاية الفصاحة، نفى نفس ~~الملل وقرر الحالة الحسنة، ثم نفى نفيا بين به أن تلك الملل فيها هذا ~~الفساد الذي هو الشرك، وهذا كما تقول: ما أخذت لك مالا بل حفظته، وما كنت ~~سارقا، فنفيت أقبح ما يكون في الأخذ. # ثم أخبر تعالى إخبارا مؤكدا أن أولى الناس بإبراهيم الخليل عليه السلام ~~هم القوم الذين اتبعوه على ملته الحنيفية. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهنا يدخل كل من اتبع الحنيفية في الفترات ~~وهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بعث بالحنيفية السمحة، والنبي في ~~الإعراب نعت أو عطف بيان، أو بدل، وفي كونه بدلا نظر، ms0566 والذين آمنوا يعني ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء على ما يجب دون المحرفين ~~المبدلين، ثم أخبر أن الله تعالى ولي المؤمنين، وعدا منه لهم بالنصر في ~~الدنيا والنعيم في الآخرة، و «الحنيف» مأخوذ من الحنف، وهو الاستقامة وقيل ~~هو الميل، ومنه قيل للمائل الرجل أحنف، فالحنيف من الاستقامة معناه ~~المستقيم، ومن الميل معناه المائل عن معوج الأديان إلى طريق الحق، واختلفت ~~عبارة المفسرين عن لفظة الحنيف، حتى قال بعضهم: الحنيف الحاج، وكلها عبارة ~~عن الحنف بإجراء منه كالحج وغيره، وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر عن ~~أبيه، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي ~~عالما من اليهود، فسأله عن دينه، وقال له: إني أريد أن أكون على دينكم، ~~فقال اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: ~~ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنا أستطيع، فهل ~~تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا، قال وما ~~الحنيف؟ قال دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وكان لا يعبد إلا PageV01P451 # الله، فخرج من عنده فلقي عالما من النصارى، فقاوله بمثل مقاولة اليهودي، ~~إلا أن النصراني قال: # بنصيبك من لعنة الله، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم فلم يزل ~~رافعا يديه إلى الله، وقال اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، وروى عبد ~~الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لكل نبي ولاة من ~~النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ إن أولى الناس ~~بإبراهيم الآية. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 69 الى 71] # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(69) يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا أهل الكتاب ~~لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) # أخبر الله تعالى عن طائفة أنها ms0567 تود وتشتهي أن تضل المسلمين، أي تتلفهم عن ~~دينهم وتجعلهم في ضلال ثم فسر الطائفة بقوله: من أهل الكتاب فتحتمل من أن ~~تكون للتبعيض، وتكون الطائفة الرؤساء والأحبار الذين يسكن الناس إلى قولهم، ~~ويحتمل أن تكون لبيان الجنس وتكون الطائفة جميع أهل الكتاب، وقال الطبري: ~~يضلونكم معناه يهلكونكم، واستشهد ببيت جرير. # كنت القذى في موج أخضر مزبد ... قذف الأتي به فضل ضلالا # وقول النابغة: [الطويل] فآب مضلوه بعين جلية وهذا تفسير غير خاص باللفظة ~~وإنما اطرد له هذا الضلال في الآية وفي البيتين اقترن به هلاك، وأما أن ~~تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم، قوله تعالى: وما يضلون إلا أنفسهم ~~إعلام بأن سوء فعلهم عائد عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالون، ثم ~~أعلم أنهم لا يشعرون أنهم لا يصلون إلى إضلالكم. # ثم وقفهم تعالى موبخا لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: قل ~~لهم يا محمد، لأي سبب تكفرون بآيات الله التي هي آية القرآن؟ وأنتم تشهدون ~~أن أمره وصفة محمد الذي هو الآتي به في كتابكم، قال هذا المعنى قتادة وابن ~~جريج والسدي، وتحتمل الآية أن يريد «بالآيات» ما ظهر على يدي محمد عليه ~~السلام من تعجيز العرب والإعلام بالغيوب وتكلم الجماعات وغير ذلك وتشهدون ~~على هذا يكون بمعنى تحضرون وتعاينون، والتأويل الأول أقوى لأنه روي أن أهل ~~الكتاب كانوا قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم يخبرون بصفة النبي الخارج ~~وحاله، فلما ظهر كفروا به حسدا، فإخبارهم المتقدم لظهوره هو الشهادة التي ~~وقفوا عليها، قال مكي: وقيل إن هذه الآيات عني بها قريظة والنضير وبنو ~~قينقاع ونصارى نجران. PageV01P452 # وقوله تعالى: لم تلبسون الحق معناه تخلطون، تقول لبست الأمر بفتح الباء ~~بمعنى خلطته، ومنه قوله تعالى: وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام: 9] ~~وتقول: لبست الثوب بكسر الباء، قال ابن زيد: # الحق الذي لبسوه هو التوراة المنزلة، و «الباطل» الذي لبسوه به هو ما ~~كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى التوراة، وقال ابن عباس: الحق إسلامهم بكرة، و ~~«الباطل» كفرهم ms0568 عشية، والآية نزلت في قول عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد ~~والحارث بن عوف. تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وجه النهار، ونكفر آخره، ~~عسى أن نلبس على المسلمين أمرهم، وقال قتادة وابن جريج: لم تلبسون الحق ~~بالباطل معناه لم تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين ~~الله الذي لا يقبل غيره الإسلام. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: فكأن هذا المعنى لم تبقون على هذه الأديان ~~وتوجدونها؟ فيكون في ذلك لبس على الناس أجمعين، وقال بعض المفسرين: الحق ~~الذي لبسوه قولهم: محمد نبي مرسل، و «الباطل» الذي لبسوه به قول أحبارهم: ~~لكن ليس إلينا بل ملة موسى مؤبدة، وقوله تعالى: وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ~~يريد شأن محمد صلى الله عليه وسلم، كذلك قال الربيع وابن جريج وقتادة ~~وغيرهم، وفي قوله: وأنتم تعلمون توقيف على العناد ظاهر، قال أبو إسحاق ~~الزجاج: ولو قيل وتكتموا الحق لجاز على قولك، لم تجمعون ذا وذا، على أن ~~تكتموا في موضع نصب على الصرف في قول الكافرين، وبإضمار «أن» ، في قول ~~أصحابنا، قال أبو علي: الصرف هاهنا يقبح، وكذلك إضمار «أن» ، لأن تكتمون، ~~معطوف على موجب، فليست الآية بمنزلة قولهم: أتأكل السمك وتشرب اللبن، ~~وبمنزلة قولك أتقوم فأقوم والعطف على الموجب مقرر وليس بمستقيم عنه، وإنما ~~استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، والعطف على الموجب المقرر قبيح متى ~~نصب إلا في ضرورة شعر كما روي: [الرجز] وألحق بالحجاز فاستريحا وقد قال ~~سيبويه في قولك: أسرت حتى تدخل المدينة؟ لا يجوز إلا النصب في تدخل، لأن ~~السير مستفهم عنه غير موجب، وإذا قلت: أيهم سار حتى يدخلها؟ رفعت، لأن ~~السير موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره. ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 72 الى 73] # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن ms0569 الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) # أخبر تعالى في هذه الآية أن طائفة من اليهود من أحبارهم ذهبت إلى خديعة ~~المسلمين بهذا المنزع، قال الحسن: قالت ذلك يهود خيبر ليهود المدينة، قال ~~قتادة وأبو مالك والسدي وغيرهم: قال بعض الأحبار: # لنظهر الإيمان لمحمد صدر النهار ثم لنكفر به آخر النهار، فسيقول المسلمون ~~عند ذلك: ما بال هؤلاء كانوا معناه ثم انصرفوا عنا؟ ما ذلك إلا لأنهم ~~انكشفت لهم حقيقة في الأمر فيشكون، ولعلهم يرجعون عن الإيمان بمحمد عليه ~~السلام. PageV01P453 # قال الفقيه الإمام أبو محمد: ولما كانت الأحبار يظن بهم العلم وجودة ~~النظر والاطلاع على الكتاب القديم، طمعوا أن تنخدع العرب بهذه النزعة ~~ففعلوا ذلك، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكرة، فقالوا: يا محمد أنت ~~هو الموصوف في كتابنا، ولكن أمهلنا إلى العشي حتى ننظر في أمرنا، ثم رجعوا ~~بالعشي، فقالوا: قد نظرنا ولست به وجه على هذا التأويل منصوب بقوله آمنوا ~~والمعنى أظهروا الإيمان في وجه النهار، والضمير في قوله آخره عائد على ~~النهار، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهم: نزلت الآية، لأن اليهود ذهبت إلى ~~المكر بالمؤمنين، فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم رجعوا ~~آخر النهار، فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنهم بدت لهم منه ضلالة، بعد أن كانوا ~~اتبعوه. # قال الفقيه الإمام: وهذا القول قريب من القول الأول، وقال جماعة من ~~المفسرين: نزلت هذه الآية في أمر القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلى صلاة الصبح إلى الشام، كما كان يصلي، ثم حولت القبلة، فصلى الظهر، ~~وقيل العصر إلى مكة، فقالت الأحبار لتباعهم وللعرب: آمنوا بالذي أنزل في ~~أول النهار واكفروا بهذه القبلة الأخيرة. # قال الفقيه الإمام: والعامل في قوله وجه النهار على هذا التأويل قوله: ~~أنزل والضمير في قوله: آخره يحتمل أن يعود على النهار أو يعود على «الذي ~~أنزل» ، ويرجعون في هذا التأويل، معناه عن مكة إلى قبلتنا التي هي الشام ~~كذلك قال قائل هذا التأويل، ms0570 ووجه النهار أوله الذي يواجه منه، تشبيها بوجه ~~الإنسان، وكذلك تقول: صدر النهار وغرة العام والشهر، ومنه قول النبي عليه ~~السلام أقتلته في غرة الإسلام؟ ومن هذا قول الربيع بن زياد العبسي: ~~[الكامل] # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار # يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي وكانوا قد أخذوا بثأره، وكان ~~القتيل عندهم لا يناح عليه ولا يندب إلا بعد أخذ ثأره، فالمعنى من سره ~~مصابنا فيه فلينظر إلى ما يدله على أنا قد أدركنا ثأره، فيكمد لذلك ويغتم، ~~ومن استعارة الوجه قولهم: فعلت كذا على وجه الدهر، أي في القديم. # وذكر الله تعالى عن هذه الطائفة من أهل الكتاب، أنهم قالوا: ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا القول هو من كلام ~~الطائفة، واختلف الناس في قوله تعالى: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو ~~يحاجوكم، فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل: الكلام كله من قول الطائفة ~~لأتباعهم، وقوله تعالى: قل إن الهدى هدى الله اعتراض بين الكلامين. # قال القاضي: والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني: أحدها: ولا تصدقوا ~~تصديقا صحيحا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم كراهة أو مخافة أو حذارا أن ~~يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم، وحذرا أن يحاجوكم بتصديقكم ~~إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد ~~والكفر، مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون ~~التقدير، أن لا يؤتى فحذفت- لا- لدلالة الكلام، ويحتمل الكلام أن يكون ~~معناه: ولا تصدقوا وتؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما PageV01P454 # أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضدا له، فإن ذلك لا يؤتاه غيركم، ~~أو يحاجوكم عند ربكم، بمعنى: إلا أن يحاجوكم، كما تقول: أنا لا أتركك أو ~~تقتضيني حقي، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة التكذيب بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم على اعتقاد منهم أن النبوة لا ms0571 تكون إلا في بني إسرائيل، ويحتمل الكلام ~~أن يكون معناه: ولا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته، إذ قد علمتم صحتها، إلا ~~لليهود الذين هم منكم، وأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، صفة لحال محمد فالمعنى، ~~تستروا بإقراركم، ان قد أوتي أحد مثل ما أوتيتم، أو فإنهم يعنون العرب ~~يحاجوكم بالإقرار عند ربكم، قال أبو علي وتؤمنوا تعدى بالباء المقدرة في ~~قوله أن يؤتى كما تعدى أول الآية في قوله، بالذي أنزل، واللام في قوله، لمن ~~تبع، لا يسهل أن تعلق ب تؤمنوا، وأنت قد أوصلته بالباء فتعلق بالفعل جارين، ~~كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين إذا كان لا يتعدى إلا إلى واحد، وإنما ~~يحمل أمر هذه اللام على المعنى، والمعنى: لا تقروا بأن الله يؤتي أحدا مثل ~~ما أوتيتم إلا لمن، فهذا كما تقول: أقررت لزيد بألف فتكون اللام متعلة ~~بالمعنى ولا تكون زائدة على حد إن كنتم للرءيا تعبرون [يوسف: 43] ولا تتعلق ~~على حد المفعول، قال أبو علي: وقد تعدى «آمن» باللام في قوله فما آمن لموسى ~~إلا ذرية [يونس: 83] وقوله آمنتم له [طه: 71] [الشعراء: 49] وقوله يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين [التوبة: 61] واحد، إنما دخل في هذا الكلام بسبب ~~النفي الواقع في أوله، قوله: لا تؤمنوا كما دخلت- من- في قوله ما يود الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [البقرة: ~~105] فكما دخلت- من- في صلة أن ينزل، لأنه مفعول النفي اللاحق لأول الكلام، ~~فكذلك دخل أحد في صلة- أن- في قوله أن يؤتى أحد لدخول النفي في أول الكلام. # قال القاضي: وهذا لأن أحدا الذي فيه الشياع، لا يجيء في واجب من الكلام، ~~لأنه لا يفيد معنى، وقرأ ابن كثير وحده بين السبعة «آن يؤتى» بالمد على جهة ~~الاستفهام الذي هو تقرير، وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على أن الكلام كله ~~من قول الطائفة، إلا الاعتراض الذي هو: قل إن الهدى هدى الله فإنه لا يختلف ~~أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قال: ms0572 فلا يجوز مع ~~الاستفهام أن يحمل أن يؤتى على ما قبله من الفعل، لأن الاستفهام قاطع، ~~فيجوز أن تكون- أن- في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره تصدقون به أو ~~تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا مما يدل عليه الكلام ويكون يحاجوكم ~~على هذا معطوفا على أن يؤتى قال أبو علي: ويجوز أن يكون موضع- أن- منصوبا، ~~فيكون المعنى: أتشيعون أو أتذكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ ويكون ذلك ~~بمعنى قوله تعالى عنهم أتحدثونهم بما فتح الله عليكم [البقرة: 76] فعلى كلا ~~الوجهين معنى الآية، توبيخ من الأحبار للأتباع على تصديقهم بأن محمدا نبي ~~مبعوث، ويكون قوله تعالى: أو يحاجوكم في تأويل نصب أن أي أو تريدون أن ~~يحاجوكم. قال أبو علي: وأحد على قراءة ابن كثير هو الذي يدل على الكثرة، ~~وقد منع الاستفهام القاطع من أن يشفع لدخوله النفي الذي في أول الكلام، فلم ~~يبق إلا أن يقدر أن أحدا الذي في قولك، أحد وعشرون وهو يقع في الإيجاب لأنه ~~بمعنى واحد، وجمع ضميره في قوله أو يحاجوكم حملا على المعنى، إذ لأحد ~~المراد بمثل النبوة اتباع، فهو في معنى الكثرة، قال أبو علي: وهذا موضع PageV01P455 # ينبغي أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأن الأسماء ~~المفردة ليس بالمستمر أن تدل على الكثرة. # قال القاضي: إلا أن أحدا في مثل النبوة يدل عليها من حيث يقتضي الاتباع، ~~وقرأ الأعمش، وشعيب بن أبي حمزة- «إن يؤتى» - بكسر الهمزة بمعنى، لم يعط ~~أحد مثل ما أعطيتم من الكرامة وهذه القراءة يحتمل بمعنى فليحاجوكم، وهذا ~~على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي، ويحتمل أن تكون بمعنى، إلا ~~أن يحاجوكم، وهذا على تجويز أن تؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له، فهذا ترتيب ~~التفسير والقراءات على قول من قال: الكلام كله من قول الطائفة. # وقال السدي وغيره: الكلام كله من قوله قل إن الهدى هدى الله، إلى آخر ~~الآية هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله لأمته، وحكى ms0573 الزجاج وغيره ~~أن المعنى: قل إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وحكي عن ~~بعض النحويين أن المعنى: أن لا يؤتي أحدا، وحذفت- لا- لأن في الكلام دليلا ~~عليها، كما في قوله تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] أي أن لا ~~تضلوا، وحكي عن أبي العباس المبرد: لا تحذف لا، وإنما المعنى كراهة أن ~~تضلوا، وكذلك هنا كراهة «أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم» ، أي ممن خالف دين ~~الإسلام، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير ~~المؤمنين. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وتبعد من هذا القول قراءة ابن كثير ~~بالاستفهام والمد، وتحمل عليه قراءة الأعمش وابن أبي حمزة- «إن يؤتى» - ~~بكسر الألف، كأنه عليه السلام يخبر أمته أن الله لا يعطي أحدا ولا أعطى ~~فيما سلف مثل ما أعطى أمة محمد عليه السلام لكونها وسطا ويكون قوله تعالى: ~~أو يحاجوكم على هذه المعاني التي ترتبت في قول السدي، تحتمل معنيين أحدهما ~~«أو فليحاجوكم عند ربكم» ، يعني اليهود، فالمعنى لم يعط أحد مثل حظكم وإلا ~~فليحاجوكم من ادعى سوى ذلك، والمعنى الثاني: أن يكون قوله، أو يحاجوكم ~~بمعنى التقرير والإزراء باليهود، كأنه قال: أو هل لهم أن يحاجوكم أو ~~يخاصموكم فيما وهبكم الله وفضلكم به؟ وقوله: هدى الله على جميع ما تقدم ~~خبران. # وقال قتادة والربيع: الكلام من قوله قل إن الهدى هدى الله إلى آخر الآية، ~~هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله للطائفة التي قالت ولا تؤمنوا إلا ~~لمن تبع دينكم وتتفق مع هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتقدير ~~الخبر المحذوف أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، حسدتم وكفرتم، ويكون قوله أو ~~يحاجوكم محمولا على المعنى، كأنه قال: أتحسدون أو تكفرون لأن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم؟ # أو يحاجوكم على ما أوتوه فإنه يغلبونكم بالحجة، وأما على قراءة غير ابن ~~كثير بغير المد، فيحتمل أن يكون بمعنى التقرير بغير حرف استفهام، وذلك هو ~~الظاهر من لفظ ms0574 قتادة فإنه قال: يقول لما أنزل الله كتابا مثل كتابكم وبعث ~~نبيا مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: أن يؤتى بدلا من ~~قوله هدى الله ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي ~~جاءنا نحن، ويكون قوله أو يحاجوكم بمعنى، أو فليحاجوكم، فإنه يغلبونكم، ~~ويحتمل قوله، أن يؤتى خبر- «إن» PageV01P456 # ويكون قوله هدى الله بدلا من الهدى، وهذا في المعنى قريب من الذي قبله، ~~وقال ابن جريج: قوله تعالى: أن يؤتى هو من قول محمد صلى الله عليه وسلم ~~لليهود، وتم الكلام في قوله أوتيتم وقوله تعالى: أو يحاجوكم متصل بقول ~~الطائفة ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ومنه، وهذا القول يفسر معانيه ما ~~تقدم في قول غيره من التقسيم والله المستعان. # وقرأ ابن مسعود: «أن يحاجوكم» بدل أو، وهذه القراءة تلتئم مع بعض المعاني ~~التي تقدمت ولا تلتئم مع بعضها، وقوله عند ربكم يجيء في بعض المعاني على ~~معنى عند ربكم في الآخرة، ويجيء في بعضها على معنى عند كتب ربكم، والعلم ~~الذي جعل في العباد، فأضاف ذلك إلى الرب تشريفا، وكأن المعنى أو يحاجوكم ~~عند الحق، وقرأ الحسن «إن يؤتى» أحد بكسر الهمزة والتاء، على إسناد الفعل ~~إلى أحد، والمعنى: أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وأظهر ما في ~~القراءة أن يكون خطابا من محمد عليه السلام لأمته، والمفعول محذوف تقديره ~~إن يؤتي أحد أحدا. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 73 الى 75] # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) ومن أهل الكتاب ~~من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ~~ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على ~~الله الكذب وهم ms0575 يعلمون (75) # في قوله تعالى: قل إن الفضل بيد الله إلى قوله العظيم، تكذيب لليهود في ~~قولهم: نبوءة موسى مؤبدة، ولن يؤتي الله أحدا مثل ما آتى بني إسرائيل من ~~النبوة والشرف، وسائر ما في الآية من لفظة واسع وغير ذلك قد تقدم نظيره. # ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم قسمان في الأمانة، ومقصد الآية ذم ~~الخونة منهم، والتفنيد لرأيهم وكذبهم على الله، في استحلالهم أموال العرب، ~~وفي قراءة أبي بن كعب «تيمنه» بتاء وياء في الحرفين وكذلك- تيمنا- في يوسف، ~~قال أبو عمرو الداني: وهي لغة تميم. # قال القاضي: وما أراها إلا لغة قرشية، وهي كسر نون الجماعة كنستعين، وألف ~~المتكلم كقول ابن عمر، لا إخاله، وتاء المخاطب كهذه الآية ولا يكسرون الياء ~~في الغائب وبها قرأ أبي بن كعب في «تيمنا» وابن مسعود والأشهب العقيلي وابن ~~وثاب، وقد تقدم القول في «القنطار» في صدر السورة وقرأ جمهور الناس، «يؤده ~~إليك» بكسر الهاء التي هي ضمير القنطار، وكذلك في الأخرى التي هي ضمير ~~«الدينار» ، واتفق أبو عمرو وحمزة وعاصم والأعمش على إسكان الهاء، وكذلك كل ~~ما أشبهه في القرآن، نحو نصله جهنم [النساء: 115] ونؤته نوله إلا حرفا حكي ~~عن أبي عمرو أنه كسره، وهو قوله تعالى: فألقه إليهم [النمل: 28] قال أبو ~~إسحاق: وهذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بين لأن الهاء لا ينبغي أن ~~تجزم، وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان ~~يختلس الكسرة فغلط PageV01P457 # عليه، كما غلط عليه في بارئكم، وقد حكى عنه سيبويه، وهو ضابط لمثل هذا: ~~أنه يكسر كسرا خفيفا، و «القنطار» في هذه الآية: مثال للمال الكثير يدخل ~~فيه أكثر من القنطار وأقل، وأما «الدينار» فيحتمل أن يكون كذلك، مثالا لما ~~قل، ويحتمل أن يريد طبقة لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يعن لذكر ~~الخائنين في أقل إذ هم طغام حثالة، وقرأ جمهور الناس «دمت» بضم الدال، وقرأ ~~ابن وثاب والأعمش وأبو عبد الرحمن السلمي وابن أبي ms0576 ليلى والفياض بن غزوان ~~وغيرهم: «دمت ودمتم» ، بكسر الدال في جميع القرآن، قال أبو إسحاق: من ~~قولهم: «دمت» ، تدام، نمت، تنام، وهي لغة، ودام معناه ثبت على حال ما، ~~والتدويم على الشيء الاستدارة حول الشيء ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] ~~والشمس حيرى لها في الجو تدويم والدوام، الدوار يأخذ في رأس الإنسان، فيرى ~~الأشياء تدور له، وتدويم الطائر في السماء، هو ثبوته إذا صف واستدار والماء ~~الدائم وغيره هو الذي كأنه يستدير حول مركزه، وقوله قائما يحتمل معنيين قال ~~الزجاج وقتادة ومجاهد: معناه قائما على اقتضاء دينك. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: يريدون بأنواع الاقتضاء من الحفز والمرافعة ~~إلى الحكام، فعلى هذا التأويل، لا تراعى هيئة هذا الدائم بل اللفظة من قيام ~~المرء على أشغاله، أي اجتهاده فيها، وقال السدي وغيره: قائما في هذه الآية ~~معناه: قائما على رأسه، على الهيئة المعروفة، وتلك نهاية الحفز، لأن معنى ~~ذلك أنه في صدر شغل آخر، يريد أن يستقبله، وذهب إلى هذا التأويل جماعة من ~~الفقهاء وانتزعوا من الآيات جواز السجن، لأن الذي يقوم عليه غريمه فهو ~~يمنعه من تصرفاته في غير القضاء، ولا فرق بين المنع من التصرفات وبين ~~السجن، وهذه الآية وما بعدها نزلت فيما روي، بسبب أن جماعة من العرب كانت ~~لهم ديون في ذمم قوم من أهل الكتاب، فلما أسلم أولئك العرب قالت لهم ~~اليهود: نحن لا نؤدي إليكم شيئا حين فارقتم دينكم الذي كنتم عليه، فنزلت ~~الآية في ذلك وروي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب ~~لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام وأسلم من أسلم من العرب بقي اليهود ~~فيهم على ذلك المعتقد، فنزلت الآية حامية من ذلك، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية فهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها ~~مؤداة إلى البر والفاجر» . # الإشارة ب ذلك إلى كونهم لا يؤدون الأمانة في دينار فما فوقه، على أحد ~~التأويلين، والضمير في، PageV01P458 # قالوا، يعني به لفيف بني إسرائيل، لأنهم كانوا ms0577 يقولون: نحن أهل الكتاب، ~~والعرب أميون أصحاب أوثان، فأموالهم لناحلال متى قدرنا على شيء منها لا حجة ~~علينا في ذلك ولا سبيل لمعترض وناقد إلينا في ذلك، و «الأميون» القوم الذين ~~لا يكتبون لأنهم لا يحسنون الكتابة، وقد مر في سورة البقرة اشتقاق اللفظ ~~واستعارة السبيل، هنا في الحجة هو على نحو قول حميد بن ثور: # وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح موجود علي طريق # وقوله تعالى: فأولئك ما عليهم من سبيل [الشورى: 41] هو من هذا المعنى، ~~وهو كثير في القرآن وكلام العرب، وروي أن رجلا قال لابن عباس: إنا نمر في ~~الغزو بأموال أهل الذمة فنأخذ منها الشاة والدجاجة ونحوها قال: وتقولون ~~ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بأس، فقال ابن عباس: هذا كما قال أهل الكتاب: ~~ليس علينا في الأميين سبيل، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا ~~بطيب أنفسهم، وقوله تعالى: ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ذم لبني ~~إسرائيل بأنهم يكذبون على الله تعالى في غير ما شيء، وهم علماء بمواضع ~~الصدق لو قصدوها، ومن أخطر ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول جماعة ~~من المتأولين، وروي عن السدي وابن جريج وغيرهما: أن طائفة من أهل الكتاب ~~ادعت أن في التوراة إحلال الله لهم أموال الأميين كذبا منها وهي عالمة ~~بكذبها في ذلك قالا: والإشارة بهذه الآية إلى ذلك الكذب المخصوص في هذا ~~الفصل. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 76 الى 77] # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77) # ثم رد الله تعالى في صدر قولهم، ليس علينا بقوله بلى أي عليهم سبيل وحجة ~~وتبعة، ثم أخبر على جهة الشرط أن من أوفى بالعهد واتقى عقوبة الله في نقضه، ~~فإنه محبوب عند الله، وتقول العرب: # وفى بالعهد، وأوفى به بمعنى، وأوفى، ms0578 هي لغة الحجاز وفسر الطبري وغيره، ~~على أن الضمير في قوله، بعهده عائد على الله تعالى، وقال بعض المفسرين: هو ~~عائد على من. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأن أمر ~~الله تعالى بالوفاء مقترن بعهد كل إنسان، وقال ابن عباس: اتقى في هذه ~~الآية، معناه: اتقى الشرك، ثم خرج جواب الشرط على تعميم المتقين تشريفا ~~للتقوى وحضا عليها. # وقوله تعالى: الذين يشترون بعهد الله الآية آية وعيد لمن فعل هذه ~~الأفاعيل إلى يوم القيامة وهي آية يدخل فيها الكفر فما دونه من جحد الحقوق ~~وختر المواثيق، وكل أحد يأخذ من وعيد الآية على قدر جريمته، واختلف ~~المفسرون في سبب نزولها، فقال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود، أبي رافع ~~وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، تركوا عهد الله في ~~التوراة للمكاسب والرياسة التي كانوا بسبيلها، وروي أنها نزلت بسبب خصومة ~~الأشعث بن قيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت اليمين على اليهودي فقال ~~الأشعث: إذن يحلف يا رسول الله ويذهب بمالي، فنزلت الآية، وروي أن الأشعث ~~بن قيس اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث وكان في ~~الحقيقة مبطلا قد غصب تلك الأرض في جاهليته فنزلت الآية، فنكل الأشعث عن ~~اليمين، وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضا أخرى، وروي أن الآية نزلت ~~بسبب خصومة لغير الأشعث بن قيس، وقال الشعبي: نزلت الآية في PageV01P459 # رجل أقام سلعة في السوق من أول النهار، فلما كان في آخره جاءه رجل فساومه ~~فحلف حانثا لقد منعها في أول النهار من كذا وكذا ولولا المساء ما باعها، ~~فنزلت الآية بسببه، وقال سعيد بن المسيب، اليمين الفاجرة من الكبائر، ثم ~~تلا هذه الآية وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع نبينا أن من الذنب الذي لا ~~يغفر يمين الصبر، إذا فجر فيها صاحبها، وقد جعل الله «الأيمان» في هذه ~~الألفاظ مشتراة فهي مثمونة أيضا، والخلاق: الحظ والنصيب والقدر، وهو مستعمل ~~في المستحبات، ms0579 وقال الطبري: ولا يكلمهم الله معناه بما يسرهم وقال غيره: ~~نفى تعالى أن يكلمهم جملة لأنه يكلم عباده المؤمنين المتقين، وقال قوم من ~~العلماء: وهي عبارة عن الغضب، المعنى لا يحفل بهم ولا يرضى عنهم ولا يزكيهم ~~يحتمل معنيين، أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي ~~تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في الآخرة وأليم فعيل بمعنى، مفعل، ~~فالمعنى، مؤلم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 78 الى 79] # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) # الضمير في منهم، عائد على أهل الكتاب، و «الفريق» ، الجماعة من الناس هي ~~مأخوذة من فرق، إذا فصل وأبان شيئا عن شيء، ويلوون معناه: يحرفون ويتحيلون ~~بتبديل المعاني من جهة اشتباه الألفاظ واشتراكها وتشعب التأويلات فيها، ~~ومثال ذلك قولهم: راعنا واسمع غير مسمع ونحو ذلك وليس التبديل المحض بلي، ~~وحقيقة اللي في الثياب والحبال ونحوها، فتلها وإراغتها، ومنه لي العنق ثم ~~استعمل ذلك في الحجج والخصومات والمجادلات تشبيها بتلك الإراغة التي في ~~الأجرام فمنه قولهم، خصم ألوى ومنه قول الشاعر: [الطويل] # فلو كان في ليلى شذى من خصومة ... للويت أعناق الخصوم الملاويا # وقال الآخر: [الرجز] ألفيتني ألوي بعيدا مستمر وقرأ جمهور الناس، «يلوون» ~~، مضارع لوى، على وزن فعل بتخفيف العين وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بن ~~نصاح، «يلوون» بتشديد الواو وفتح اللام، من لوى، على وزن فعل بتشديد العين، ~~وهو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، وقرأ حميد «يلون» بضم اللام وسكون الواو، ~~وهي في الأصل «يلون» مثل قراءة الجماعة، فهمزت الواو المضمومة لأنها عرفها ~~في بعض اللغات، فجاء «يلوون» فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام فجاء «يلون» ~~والكتاب في هذا الموضع التوراة، وضمير ms0580 الفاعل في قوله لتحسبوه هو PageV01P460 # للمسلمين وقوله وما هو من عند الله نفي أن يكون منزلا كما ادعوا، وهو من ~~عند الله بالخلق والاختراع والإيجاد ومنهم بالتكسب ولم تعن الآية إلا لمعنى ~~التنزيل فبطل تعلق القدرية بظاهر قوله، وما هو من عند الله، وقد تقدم نظير ~~قوله تعالى ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. # وقوله تعالى: ما كان لبشر معناه لأحد من الناس، والبشر اسم جنس يقع ~~للكثير والواحد ولا مفرد له من لفظه، وهذا الكلام لفظه النفي التام كقول ~~أبي بكر رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وإنما يعلم مبلغها من النفي بقرينة الكلام الذي هي ~~فيه، كقوله تعالى: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله [آل عمران: 145] ~~وقوله تعالى: ما كان لكم أن تنبتوا شجرها [النحل: 60] فهذا منتف عقلا، وأما ~~آيتنا هذه فإن النفي على الكمال لأنا نقطع أن الله تعالى لا يؤتي النبوة ~~للكذبة والمدعين، والكتاب في هذه الآية اسم جنس، والحكم بمعنى الحكمة، ومنه ~~قول النبي عليه السلام: إن من الشعر لحكما، وثم في قوله تعالى: ثم يقول ~~معطية تعظيم الذنب في القول، بعد مهلة من هذا الإنعام، وقوله عبادا هو جمع ~~عبد، ومن جموعه عبيد وعبدى، قال بعض اللغويين، هذه الجموع بمعنى، وقال قوم، ~~العباد لله، والعبيد والعبدى للبشر، وقال قوم: العبدى، إنما تقال في العبيد ~~بني العبيد، وكأنه بناء مبالغة، تقتضي الإغراق في العبودية. # قال القاضي أبو محمد: والذي استقريت في لفظة العباد، أنه جمع عبد متى ~~سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى ~~التحقير وتصغير الشأن وانظر قوله تعالى: والله رؤف بالعباد [البقرة: 207] ~~[آل عمران: 30] وعباد مكرمون [الأنبياء: 26] يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [الزمر: 53] وقول عيسى في معنى الشفاعة ~~والتعريض لرحمة الله إن تعذبهم فإنهم عبادك [المائدة: 118] فنوه بهم، وقال ~~بعض اللغويين: إن نصارى الحيرة وهم عرب لما ms0581 أطاعوا كسرى ودخلوا تحت أمره ~~سمتهم العرب العباد فلم ينته بهم إلى اسم العبيد، وقال قوم بل هم قوم من ~~العرب من قبائل شتى اجتمعوا وتنصروا وسموا أنفسهم العباد كأنه انتساب إلى ~~عبادة الله، وأما العبيد فيستعمل في تحقير، ومنه قول امرئ القيس: [السريع] ~~. # قولا لدودان عبيد العصى ... ما غركم بالأسد الباسل # ومنه قول حمزة بن عبد المطلب: وهل أنتم إلا عبيد ومنه قول الله تعالى: ~~وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: 46] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ~~ومقدرتهم، وأنه تعالى ليس بظلام لهم مع ذلك، ولما كانت لفظة العباد تقتضي ~~الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أنس بها في قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم [الزمر: 53] قال الإمام أبو محمد: فهذا النوع من النظر يسلك به ~~سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية السليمة، ~~ومعنى قوله: كونوا عبادا لي من دون الله اعبدوني واجعلوني إلها. # واختلف المفسرون إلى من هي الإشارة بقوله تعالى: ما كان لبشر فقال النقاش ~~وغيره: الإشارة PageV01P461 # إلى عيسى عليه السلام، والآية رادة على النصارى الذين قالوا: عيسى إله، ~~وادعوا أن عبادته هي شرعة ومستندة إلى أوامره، وقال ابن عباس والربيع وابن ~~جريج وجماعة من المفسرين: بل الإشارة إلى محمد عليه السلام، وسبب نزول ~~الآية، أن أبا رافع القرظي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، حين اجتمعت ~~الأحبار من يهود والوفد من نصارى نجران: يا محمد إنما تريد أن نعبدك ونتخذك ~~إلها كما عبدت النصارى عيسى، فقال الرئيس من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا ~~محمد وإليه تدعونا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله ما بذلك ~~أمرت، ولا إليه دعوت، فنزلت الآية، في ذلك، قال بعض العلماء: أرادت الأحبار ~~أن تلزم هذا القول محمدا صلى الله عليه وسلم، لما تلا عليهم قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني [آل عمران: 31] وإنما معنى الآية، فاتبعوني فيما ~~أدعوكم إليه من طاعة الله، فحرفوها بتأويلهم، وهذا من نوع ليهم الكتاب ~~بألسنتهم، وقرأ جمهور القراء ms0582 «ثم يقول» بالنصب، وروى شبل عن ابن كثير ~~ومحبوب عن أبي عمرو «ثم يقول» برفع اللام، وهذا على القطع وإضمار مبتدأ، ~~وقرأ عيسى بن عمر، «عبادا لي» بتحريك الياء مفتوحة. # المعنى ولكن يقول: كونوا ربانيين وهو جمع رباني، واختلف النحاة في هذه ~~النسبة، فقال قوم: هو منسوب إلى الرب من حيث هو العالم ما علمه، العامل ~~بطاعته، المعلم للناس ما أمر به، وزيدت الألف والنون مبالغة كما قالوا، ~~لحياني وشعراني في النسبة إلى اللحية والشعر، وقال قوم الرباني منسوب إلى ~~الربان وهو معلم الناس، وعالمهم السائس لأمرهم، مأخوذ من رب يرب إذا أصلح ~~وربى، وزيدت فيه هذه النون كما زيدت في غضبان وعطشان، ثم نسب إليه رباني، ~~واختلف العلماء في صفة من يستحق أن يقال له رباني، فقال أبو رزين: الرباني: ~~الحكيم العالم، وقال مجاهد: الرباني الفقيه، وقال قتادة وغيره: # الرباني العالم الحليم، وقال ابن عباس: هو الحكيم الفقيه، وقال الضحاك: ~~هو الفقيه العالم، وقال ابن زيد: الرباني والي الأمر، يرب الناس أي يصلحهم، ~~فالربانيون الولاة والأحبار والعلماء، وقال مجاهد: # الرباني فوق الحبر لأن الحبر هو العالم والرباني هو الذي جمع إلى العلم ~~والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دينهم ~~ودنياهم، وفي البخاري: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. # قال الفقيه أبو محمد: فجملة ما يقال في الرباني إنه العالم بالرب والشرع ~~المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في الناس، وقوله بما ~~كنتم معناه: بسبب كونكم عالمين دارسين، فما PageV01P462 # مصدرية، ولا يجوز أن تكون موصولة، لأن العائد الذي كان يلزم لم يكن بد أن ~~يتضمنه: كنتم تعلمون، ولا يصح شيء من ذلك لأن «كان» قد استوفت خبرها ظاهرا، ~~وهو تعلمون وكذلك تعلمون قد استوفى مفعوله وهو الكتاب ظاهرا، فلم يبق إلا ~~أن ما مصدرية، إذ لا يمكن عائد، وتعلمون بمعنى تعرفون، فهي متعدية إلى ~~مفعول واحد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «تعلمون» بسكون العين، وتخفيف ~~اللام، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة ms0583 والكسائي «تعلمون» مثقلا، بضم التاء وكسر ~~اللام، وهذا على تعدية الفعل بالتضعيف، والمفعول الثاني على هذه القراءة ~~محذوف، تقديره: تعلمون الناس الكتاب. # قال الفقيه الإمام: والقراءتان متقاربتا المعنى، وقد رجحت قراءة التخفيف ~~بتخفيفهم تدرسون وبأن العلم هو العلة التي توجب للموفق من الناس أن يكون ~~ربانيا، وليس التعليم شرطا في ذلك، ورجحت الأخرى بأن التعليم يتضمن العلم، ~~والعلم لا يتضمن التعليم، فتجيء قراءة التثقيل أبلغ في المدح. # قال الفقيه الإمام: ومن حيث العالم بحال من يعلم، فالتعليم كأنه في ضمن ~~العلم، وقراءة التخفيف عندي أرجح، وقرأ مجاهد والحسن «تعلمون» بفتح التاء ~~والعين، وشد اللام المفتوحة، وقرأ جمهور الناس، «تدرسون» بضم الراء، من درس ~~إذا أدمن قراءة الكتاب وكرره، وقرأ أبو حيوة «تدرسون» بكسر الراء، وهذا على ~~أنه يقال في مضارع درس، يدرس ويدرس وروي عن أبي حيوة، أنه قرأ «تدرسون» بضم ~~التاء، وكسر الراء وشدها، بمعنى تدرسون غيركم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 80 الى 81] # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون (80) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: «ولا يأمركم» برفع الراء، وكان ~~أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفا، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة: «ولا ~~يأمركم» نصبا، ولا خلاف في الراء من قوله: أيأمركم إلا اختلاس أبي عامر، ~~فمن رفع قوله: «ولا يأمركم» ، فهو على القطع، قال سيبويه: المعنى ولا ~~يأمركم الله، وقال ابن جريج وغيره: المعنى ولا يأمركم هذا البشر الذي أوتي ~~هذه النعم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قراءة ابن مسعود: «ولن ~~يأمركم» ، فهذه قراءة تدل على القطع، وأما قراءة من نصب الراء، فهي عطف على ~~قوله: أن يؤتيه [آل عمران: 79] والمعنى ولا له أن يأمركم، قاله أبو علي ~~وغيره، وقال الطبري: قوله ولا ms0584 يأمركم بالنصب، معطوف على قوله، ثم يقول [آل ~~عمران: 79] . # قال الفقيه أبو محمد: وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى، والأرباب في هذه ~~الآية وقوله تعالى: # أيأمركم بالكفر تقرير على هذا المعنى الظاهر فساده. # وقوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين الآية، المعنى واذكر يا محمد ~~«إذ» ويحتمل أن يكون «أخذ» هذا الميثاق حين أخرج بني آدم من ظهر آدم نسما، ~~ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه، ثم جمع اللفظ في ~~حكاية الحال في هذه الآية، والمعنى: أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه ~~يلتزم هو ومن آمن به، الإيمان بمن أوتي بعده من الرسل، الظاهرة براهينهم ~~والنصرة له، واختلف PageV01P463 # المفسرون في العبارة عن مقتضى ألفاظ هذه الآية، فقال مجاهد والربيع: إنما ~~أخذ ميثاق أهل الكتاب، لا ميثاق النبيين، وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود: ~~«وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» ، قال مجاهد: هكذا هو القرآن، ~~وإثبات «النبيين» خطأ من الكتاب. # قال الفقيه الإمام: وهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي ~~الله عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنه: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على ~~قومهم، فهو أخذ لميثاق الجميع، وقال طاوس: # أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وقال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: ما بعث الله نبيا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن ~~بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآية، ~~وقاله السدي: وروي عن طاوس أنه قال: صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين ~~وقوله: ثم جاءكم مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: حكاه الطبري وهو قول يفسده إعراب الآية، ~~وهذه الأقوال كلها ترجع إلى ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس، لأن الأخذ ~~على الأنبياء أخذ على الأمم. # وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة: «لما» بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير ~~لأجل ما آتيناكم، إذ أنتم القادة والرؤوس، ومن ms0585 كان بهذه الحال فهو الذي ~~يؤخذ ميثاقه، و «ما» في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة، والعائد إليها من ~~الصلة تقديره آتيناكموه، و «من» لبيان الجنس، وقوله، ثم جاءكم الآية، جملة ~~معطوفة على الصلة، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، فتقديره ~~عند سيبويه: # رسول به مصدق لما معكم، وحذف تخفيفا كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول ~~الكلام، كما قال تعالى: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان: 41] والحذف من ~~الصلات كثير جميل، وأما أبو الحسن الأخفش، فقال قوله تعالى: لما معكم. هو ~~العائد عنده على الموصول، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه، ~~وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين [يوسف: 90] لأن المعنى لا يضيع أجرهم، إذ المحسنون هم من يتقي ~~ويصبر، وكذلك قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر ~~من أحسن عملا [الكهف: 30] وكذلك ما ضارع هذه الآيات، وسيبويه رحمه الله لا ~~يرى أن يضع المظهر موقع المضمر، كما يراه أبو الحسن، واللام في لتؤمنن، هي ~~اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه ~~بالجار والمجرور وذلك جائز. # وقرأ سائر السبعة: «لما» بفتح اللام، وذلك يتخرج على وجهين، أحدهما أن ~~تكون «ما» موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء، وهي متلقية ~~لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق وخبر الابتداء قوله ~~لتؤمنن، ولتؤمنن متعلق بقسم محذوف، والمعنى والله لتؤمنن، هكذا قال أبو علي ~~الفارسي، وفيه من جهة المعنى نظر، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه ~~متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيدا فتأمل، والعائد الذي في الصلة، والعائد ~~الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرنا ~~هما في قراءة حمزة، أما أن هذا التأويل يقتضي عائدا من PageV01P464 # الخبر الذي هو لتؤمنن فهو قوله تعالى: به فالهاء من به عائدة على «ما» ~~ولا يجوز أن ms0586 تعود على رسول فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر، ~~والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء «لما» بفتح اللام، هو أن تكون ~~«ما» للجزاء شرطا، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم وجاءكم ~~معطوف في موضع جزم، واللام الداخلة على «ما» ليست المتلقية للقسم، ولكنها ~~الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى: لئن لم ~~ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض [الأحزاب: 60] لأنها مؤذنة بمجيء ~~المتلقية للقسم في قوله، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم ~~في قوله: لتؤمنن وهذه اللام الداخلة على «أن» لا يعتمد القسم عليها، فلذلك ~~جاز حذفها تارة وإثباتها تارة، كما قال تعالى: وإن لم ينتهوا عما يقولون ~~ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم [المائدة: 73] . قال الزجاج: لأن قولك، ~~والله لئن جنتني لأكرمنك، إنما حلف على فعلك، لأن الشرط معلق به، فلذلك ~~دخلت اللام على الشرط، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد ~~لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد. # والضمير في قوله تعالى: لتؤمنن به عائد على رسول، وكذلك هو على قراءة من ~~كسر اللام، وأما الضمير في قوله ولتنصرنه فلا يحتمل بوجه إلا العود على ~~رسول، قال أبو علي في الإغفال: وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله لتؤمنن عليه، ~~قال سيبويه: سألته، يعني الخليل عن قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لما آتيتكم فقال: «ما» هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن، حين ~~قلت: لئن فعلت لأفعلن، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي: أراد الخليل ~~بقوله: هي بمنزلة الذي، أنها اسم كما أن الذي اسم ولم يرد أنها موصولة ~~كالذي، وإنما فر من أن تكون «ما» حرفا كما جاءت حرفا في قوله تعالى: وإن ~~كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم [هود: 111] وفي قوله وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا [الزخرف: 35] ، والله المستعان، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه ~~والخليل: أن خبر الابتداء فيمن جعل «ما» ابتداء على ms0587 قراءة من فتح اللام هو ~~في قوله: من كتاب وحكمة ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا ~~يليق بسيبويه، والخليل، وإنما الخبر في قوله، لتؤمنن كما قال أبو علي ~~الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره، وقرأ الحسن: «لما آتيناكم» بفتح ~~اللام وشدها قال أبو إسحاق: # أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء، ~~كما تقول لما جئتني أكرمتك. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويظهر أن «لما» هذه هي ~~الظرفية أي لما كنتم بهذه الحال، رؤساء الناس وأماثلهم، أخذ عليكم الميثاق، ~~إذ على القادة يؤخذ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة، وذهب ابن جني ~~في «لما» في هذه الآية إلى أن أصلها «لمن ما» ، وزيدت «من» في الواجب على ~~مذهب الأخفش، ثم أدغمت، كما يجب في مثل هذا، فجاء لهما، فثقل اجتماع ثلاث ~~ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي «لما» ، وتتفسر هذه القراءة على هذا التوجيه ~~المحلق تفسر «لما» بفتح الميم مخففة، وقد تقدم، وقرأ نافع وحده، «آتيناكم» ~~بالنون، وقرأ الباقون، «آتيناكم» بالتاء، ورسول في هذه الآية اسم جنس، وقال ~~كثير من المفسرين: الإشارة بذلك إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن ~~مسعود: «مصدقا» بالنصب على الحال. PageV01P465 # قال أأقررتم # # هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له ~~وأخذ عهد الله فيه، وذلك يحتمل موطن القسم، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة ~~الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه، وأخذتم في هذه الآية عبارة عما تحصل ~~لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم أيضا وقال الطبري: ~~أخذتم في هذه الآية معناه: قبلتم، و «الإصر» : العهد، لا تفسير له في هذا ~~الموضع إلا لذلك، وقوله تعالى فاشهدوا يحتمل معنيين: أحدهما فاشهدوا على ~~أممكم المؤمنين بكم، وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد، هذا قول الطبري ~~وجماعة، والمعنى الثاني، بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به، وشهادة الله ~~تعالى هذا التأويل، وفي التي في قوله ms0588 وأنا معكم من الشاهدين هي إعطاء ~~المعجزات وإقرار نبوءاتهم، هذا قول الزجاج وغيره. # قال القاضي أبو محمد: فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، ~~والقول الثاني هو الأمر بأدائها قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 82 الى 83] # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) # وحكم الله تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق، قاله علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره ويحتمل أن يريد بعد الشهادة عند الأمم بهذا ~~الميثاق على أن قوله، فاشهدوا أمر بالأداء وقرأ أبو عمرو: «يبغون» بالياء ~~مفتوحة، و «ترجعون» بالتاء مضمومة، وقرأ عاصم، «يبغون» و «يرجعون» بالياء ~~معجمة من تحت فيهما، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ووجوه هذه القراءات لا ~~تخفى بأدنى تأمل وتبغون معناه: تطلبون، وأسلم في هذه الآية بمعنى: استسلم ~~عند جمهور المفسرين، ومن في هذه الآية تعم الملائكة والثقلين، واختلفوا في ~~معنى قوله طوعا وكرها فقال مجاهد: هذه الآية كقوله تعالى: ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله [الزمر: 38] فالمعنى أن إقرار كل كافر ~~بالصانع هو إسلام كرها. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا عموم في لفظ الآية، لأنه لا يبقى من لا ~~يسلم على هذا التأويل وأسلم فيه بمعنى استسلم، وقال بمثل هذا القول أبو ~~العالية رفيع، وعبارته رحمه الله: كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن الله ربي ~~وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها، ومن أخلص فهذا الذي ~~أسلم طوعا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل إسلام الكاره منهم كان حين ~~أخذ الميثاق، وروي عن مجاهد أنه قال: الكره في هذه الآية هو بسجود ظل ~~الكافر فيسجد المؤمن طوعا ويسجد الكافر وهو كاره، وقال الشعبي: الآية عبارة ~~عن استقادة جميع البشر لله وإذعانهم لقدرته وإن نسب بعضهم الألوهية إلى ~~غيره، وذلك هو الذي يسجد كرها. # قال الفقيه الإمام: وهذا هو قول مجاهد وأبي العالية المتقدم ms0589 وإن اختلفت ~~العبارات، وقال الحسن بن PageV01P466 # أبي الحسن: معنى الآية: أنه أسلم قوم طوعا، وأسلم قوم خوف السيف، وقال ~~مطر الوراق: أسلمت الملائكة طوعا، وكذلك الأنصار وبنو سليم وعبد القيس، ~~وأسلم سائر الناس كرها حذر القتال والسيف. # قال الفقيه الإمام: وهذا قول الإسلام فيه هو الذي في ضمنه الإيمان، ~~والآية ظاهرها العموم، ومعناها الخصوص، إذ من أهل الأرض من لم يسلم طوعا ~~ولا كرها على هذا الحد، وقال قتادة: الإسلام كرها هو إسلام الكافر عند ~~الموت والمعاينة حيث لا ينفعه. # قال الفقيه الإمام: ويلزم على هذا أن كل كافر يفعل ذلك، وهذا غير موجود ~~إلا في أفراد، والمعنى في هذه الآية، يفهم كل ناظر أن هذا القسم الذي هو ~~الكره إنما هو في أهل الأرض خاصة، والتوقيف بقوله أفغير إنما هو لمعاصري ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكفار، وقرأ أبو بكر عن عاصم، «أصري» ~~، بضم الألف وهي لغة. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 84 الى 85] # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين (85) # المعنى: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنا بالله وما أنزل علينا وهو القرآن ~~وأمر محمد صلى الله عليه وسلم والإنزال على نبي الأمة إنزال عليها، وقدم ~~إسماعيل لسنة، وسائر الآية بين، ثم حكم تعالى في قوله ومن يبتغ الآية بأنه ~~لا يقبل من آدمي دينا غير دين الإسلام، وهو الذي وافق في معتقداته دين كل ~~من سمي من الأنبياء، وهو الحنيفية السمحة، وقال عكرمة: لما نزلت قال أهل ~~الملل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون، فقال الله ~~له: فحجهم يا محمد وأنزل عليه ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] فحج المسلمون وقعد الكفار، وأسند الطبري عن ابن عباس أنه ~~قال: نزلت إن الذين آمنوا ms0590 والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر، إلى قوله ولا هم يحزنون [البقرة: 62] فأنزل الله بعدها، ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه الآية. # قال الفقيه الإمام: فهذه إشارة إلى نسخ، وقوله في الآخرة متعلق بمقدر، ~~تقديره خاسر في الآخرة لأن الألف واللام في الخاسرين في معنى الموصول، وقال ~~بعض المفسرين: إن قوله من يبتغ الآية، نزلت في الحارث بن سويد، ولم يذكر ~~ذلك الطبري. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 86 الى 89] # كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) PageV01P467 # قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآيات من قوله: كيف يهدي الله ~~نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، كان مسلما ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم ~~فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ # قال: فنزلت كيف يهدي الله الآيات، إلى قوله إلا الذين تابوا فأرسل إليه ~~قومه فأسلم، وقال مجاهد: حمل الآيات إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال له ~~الحارث: إنك والله لما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق ~~منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه، وقال ~~السدي: نسخ الله تعالى، بقوله: إلا الذين تابوا قوله أولئك جزاؤهم أن عليهم ~~لعنة الله. # قال الفقيه أبو محمد: وفي هذه العبارة تجوز كثير، وليس هذا بموضع نسخ، ~~وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت ~~ووحوح بن الأسلت في اثني عشر رجلا، رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا ~~إلى أهليهم هل لنا من توبة؟ فنزلت هذه الآيات وقال ابن عباس أيضا والحسن بن ~~أبي الحسن: إن هذه الآيات نزلت في اليهود والنصارى، شهدوا ms0591 بنعت الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وآمنوا به، فلما جاء من العرب حسدوه، وكفروا به ورجح الطبري ~~هذا القول، وقال النقاش: نزلت هذه الآيات في طعيمة بن أبيرق. # وقال الفقيه القاضي: وكل من ذكر فألفاظ الآية تعممه. # وقوله تعالى: كيف سؤال عن حال لكنه سؤال توقيف على جهة الاستبعاد للأمر ~~كما قال عليه السلام: كيف تفلح أمة أدمت وجه نبيها؟ فالمعنى أنهم لشدة هذه ~~الجرائم يبعد أن يهديهم الله تعالى، وقوله تعالى: وشهدوا عطف على كفروا ~~بحكم اللفظ، والمعنى مفهوم أن الشهادة قبل الكفر، والواو لا ترتب، وقال ~~قوم: معنى قوله بعد إيمانهم بعد أن آمنوا، فقوله وشهدوا عطف على هذا ~~التقدير، وقوله تعالى والله لا يهدي القوم الظالمين عموم معناه الخصوص فيمن ~~حتم كفره وموافاته عليه، ويحتمل أن يريد الإخبار عن أن الظالم في ظلمه ليس ~~على هدى من الله، فتجيء الآية عامة تامة العموم، و «اللعنة» الإبعاد وعدم ~~الرحمة والعطف، وذلك مع قرينة الكفر زعيم بتخليدهم في النار، ولعنة ~~الملائكة قول، والناس: بنو آدم، ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض ~~تعاليقه، أن الجن يدخلون في لفظة الناس، وأنشد على ذلك: [الوافر] # فقلت إلى الطعام فقال منهم ... أناس يحسد الأنس الطعاما # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي يظهر، أن لفظة الناس ~~إذا جاءت مطلقة، فإنما هي في كلام العرب بنو آدم لا غير، فإذا جاءت مقيدة ~~بالجن، فذلك على طريقة الاستعارة، إذ هي PageV01P468 # جماعة كجماعة، وكذلك برجال من الجن [الجن: 6] وكذلك نفر من الجن [الجن: ~~1] ، ولفظة النفر أقرب إلى الاشتراك من رجال وناس، وقوله تعالى: من الجنة ~~والناس [الناس: 6] قاض بتباين الصنفين، وقوله تعالى: والناس أجمعين إما ~~يكون لمعنى الخصوص في المؤمنين ويلعن بعضهم بعضا، فيجيء من هذا في كل شخص ~~منهم أن لعنة جميع الناس، وإما أن يريد أن هذه اللعنة تقع في الدنيا من ~~جميع الناس على من هذه صفته، وكل من هذه صفته- وقد أغواه الشيطان- يلعن ~~صاحب الصفات ولا يشعر من ms0592 نفسه أنه متصف بها، فيجيء من هذا أنهم يلعنهم جميع ~~الناس في الدنيا حتى أنهم ليلعنون أنفسهم، لكن على غير تعيين، والضمير في ~~قوله، خالدين فيها قال الطبري: يعود على عقوبة الله التي يتضمنها معنى ~~اللعنة، وقال قوم من المفسرين: الضمير عائد على اللعنة. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم ~~في جهنم، فالضمير عائد على النار، وإن كان لم يجر لها ذكر، لأن المعنى ~~يفهمها في هذا الموضع كما يفهم قوله تعالى: كل من عليها فان [الرحمن: 26] ~~أنها الأرض، وقد قال بعض الخراسانيين في قوله تعالى: إنما أنت منذر من ~~يخشاها [النازعات: 45] إن الضمير عائد على النار وينظرون في هذه الآية، ~~بمعنى يؤخرون، ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير فهما مرتفعان عنهم، ولا ~~يجوز أن يكون ينظرون هنا من نظر العين إلا على توجيه غير فصيح لا يليق ~~بكتاب الله تعالى وقوله جل وعز إلا الذين تابوا استثناء متصل يبين ذلك قوله ~~تعالى: من بعد ذلك التوبة: الرجوع، والإصلاح عام في القول والعمل، وقوله ~~تعالى: فإن الله غفور رحيم وعد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «والناس أجمعون» ~~. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 90 الى 91] # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) # اختلف المتأولون في كيف يترتب كفر بعد إيمان، ثم زيادة كفر، فقال الحسن ~~وقتادة وغيرهما: الآية في اليهود كفروا بعيسى بعد الإيمان بموسى ثم ازدادوا ~~كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. # قال الإمام أبو محمد: وفي هذا القول اضطراب، لأن الذي كفر بعيسى بعد ~~الإيمان بموسى ليس بالذي كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالآية على هذا ~~التأويل تخلط الأسلاف بالمخاطبين، وقال أبو العالية رفيع: الآية في اليهود، ~~كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم ms0593 أنها في ~~التوراة، ثم ازدادوا كفرا بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله ~~عليه وسلم، من الافتراء والبهت والسعي على الإسلام وغير ذلك. # قال الإمام أبو محمد: وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون ~~بقريش وغيرهم، وقال PageV01P469 # مجاهد: معنى قوله ثم ازدادوا كفرا أي تموا على كفرهم وبلغوا الموت به، ~~فيدخل في هذا القول اليهود والمرتدون، وقال السدي نحوه، ثم أخبر تعالى أن ~~توبة هؤلاء لن تقبل، وقد قررت الشريعة أن توبة كل كافر تقبل، سواء كفر بعد ~~إيمان وازداد كفرا، أو كان كافرا من أول أمره، فلا بد في هذه الآية من ~~تخصيص تحمل عليه ويصح به نفي قبول التوبة فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: ~~نفي قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة والغرغرة والمعاينة، فالمعنى لن تقبل ~~توبتهم عند المعاينة، وقال أبو العالية: # معنى الآية: لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على ~~الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان: نحن ~~نتوب من هذه الأفعال، وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى، أنه لا يقبل ~~تلك التوبة. # قال الفقيه الإمام: وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم من ~~المرتدين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجريمتهم ونكايتهم في ~~الدين، وهم الذين أشار إليهم بقوله كيف يهدي الله قوما [آل عمران: 86] ~~فأخبر عنهم أنهم لا تكون لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء الآية بمنزلة قول ~~الشاعر: # (على لا حب لا يهتدى بمناره) أي قد جعلهم الله من سخطه في حيز من لا تقبل ~~له توبة إذ ليست لهم، فهم لا محالة يموتون على الكفر، ولذلك بين حكم الذين ~~يموتون كفارا بعقب الآية، فبانت منزلة هؤلاء، فكأنه أخبر عن هؤلاء ~~المعينين، أنهم يموتون كفارا، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافرا والضالون ~~المخطئون الطريق القويم في الأقوال والأفعال، وقرأ عكرمة: «لن نقبل» بنون ~~العظمة «توبتهم» بنصب التاء. # وقوله تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار الآية، جزم للحكم على ms0594 كل ~~مواف على الكفر إلى يوم القيامة، وقرأ عكرمة: «فلن نقبل» بنون العظمة «ملء ~~الأرض» بالنصب، و «الملء» ما شحن به الوعاء، فهو بكسر الميم الاسم وبفتحها ~~المصدر، تقول ملأت الشيء أملؤه ملأ والملء اسم ما ملأت به، وقرأ أبو جعفر ~~بن القعقاع وأبو السمال: «مل» دون همزة، ورويت عن نافع وذهبا نصب على ~~التمييز، وقرأ ابن أبي عبلة: «ذهبا لو افتدى» به، دون واو، واختلف الناس في ~~هذه الآية في قوله ولو افتدى فقال الطبري: هي متعلقة بمحذوف في آخر الكلام ~~دل عليه دخول الواو، كما دخلت في قوله وليكون من الموقنين [الأنعام: 75] ~~لمتروك من الكلام، تقديره وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السماوات ~~والأرض. # قال الفقيه الإمام: وفي هذا التمثيل نظر فتأمله، وقال الزجاج: المعنى: لن ~~يقبل من أحدهم إنفاقه وتقرباته في الدنيا «ولو أنفق ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى» أيضا به في الآخرة لم يقبل منه، قال: فأعلم الله أنه لا يثيبهم على ~~أعمالهم من الخير، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا قول حسن، وقال قوم: الواو زائدة وهذا ~~قول مردود، ويحتمل أن PageV01P470 # يكون المعنى نفي القبول جملة على كل الوجوه، ثم خص من تلك الوجوه أليقها ~~وأحراها بالقبول، كما تقول: أنا لا أفعل لك كذا بوجه، ولو رغبت إلي، وباقي ~~الآية وعيد بين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 92 الى 93] # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ~~(92) كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل ~~أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) # ذهب بعض الناس إلى أن يصل معاني هذه الآيات بعضها ببعض، من حيث أخبر ~~تعالى: أنه لا يقبل من الموافي على الكفر ملء الأرض ذهبا [آل عمران: 91] ~~وقد بان أنه يقبل من المؤمن القليل والكثير، فحض على الإنفاق من المحبوب ~~المرغوب فيه، ثم ذكر تقرب إسرائيل عليه السلام، بتحريم ما ms0595 كان يحب على ~~نفسه، ليدل تعالى على أن جميع التقربات تدخل بالمعنى في جملة الإنفاق من ~~المحبوب، وفسر جمهور المفسرين هذه الآيات، على أنها معان منحازة، نظمتها ~~الفصاحة المعجزة أجمل نظم، وقوله تعالى لن تنالوا الآية، خطاب لجميع ~~المؤمنين، وقال السدي وعمرو بن ميمون: البر الجنة. # قال الفقيه الإمام: وهذا تفسير بالمعنى، وإنما الخاص باللفظة أنه ما ~~يفعله البر من أفاعيل الخير، فتحتمل الآية أن يريد: لن تنالوا بر الله ~~تعالى بكم، أي رحمته ولطفه، ويحتمل أن يريد: لن تنالوا درجة الكمال من فعل ~~البر حتى تكونوا أبرارا، إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم، وبسبب ~~نزول هذه الآية، تصدق أبو طلحة بحائطه، المسمى بيرحاء، وتصدق زيد بن حارثة ~~بفرس كان يحبها، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ابنه، فكأن ~~زيدا شق عليه فقال له النبي: أما إن الله قد قبل صدقتك، وكتب عمر بن الخطاب ~~إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري له جارية من سبي جلولاء وقت فتح مدائن كسرى ~~على يدي سعد بن أبي وقاص فسيقت إليه وأحبها فدعا بها يوما وقال: إن الله ~~يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، فأعتقها. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا كله حمل للآية على أن قوله تعالى: مما ~~تحبون أي من رغائب الأموال التي يضن بها، ويتفسر بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى- الحديث- ~~وذهب قوم من العلماء إلى أن ما يحب من المطعومات على جهة الاشتهاء يدخل في ~~الآية، فكان عبد الله بن عمر، يشتهي أكل السكر بالوز فكان يشتري ذلك ويتصدق ~~به ويتلو الآية. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: وإذا تأملت جميع الطاعات، وجدتها إنفاقا مما ~~يحب الإنسان، إما من ماله، وإما من صحته، وإما من دعته وترفهه، وهذه كلها ~~محبوبات، وسأل رجل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه، أي الأعمال أفضل؟ فقال: ~~الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شي عجيب، فقال PageV01P471 # له الرجل: أراك تركت ms0596 شيئا وهو أوثقها في نفسي الصيام، فقال أبوذر: قربة ~~وليس هناك، ثم تلا لن تنالوا البر الآية، وقوله تعالى وما تنفقوا من شيء ~~فإن الله به عليم شرط وجواب فيه وعد، أي عليم مجاز به وإن قل. # قوله تعالى: كل الطعام الآية، إخبار بمغيب عن محمد صلى الله عليه وسلم ~~وجميع الأميين لا يعلمه إلا الله وعلماء أهل الكتاب، وذهب كثير من المفسرين ~~إلى أن معنى الآية: الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من ~~الأشياء: إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة، فأكذبهم الله بهذه الآية، ~~وأخبر أن جميع الطعام كان حلا لهم، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ولم ~~يرد به ولده، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم، وليس من ~~التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها، وإلى هذا تنحو ألفاظ ~~السدي، وقال: إن الله تعالى حرم ذلك عليهم في التوراة عقوبة لاستنانهم في ~~تحريم شيء إنما فعله يعقوب خاصة لنفسه، قال: فذلك قوله تعالى: فبظلم من ~~الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160] قال القاضي أبو محمد ~~عبد الحق رضي الله عنه: والظاهر في لفظة ظلم أنها مختصة بتحريم ونحوه، يدل ~~على ذلك أن العقوبة وقعت بذلك النوع، وذهب قوم من العلماء إلى أن معنى ~~الآية: الرد على قوم من اليهود قالوا: إن ما نحرمه الآن على أنفسنا من ~~الأشياء التي لم تذكر في التوراة كان علينا حراما في ملة أبينا إبراهيم، ~~فأكذبهم الله وأخبر أن الطعام كله كان حلالا لهم قبل التوراة إلا ما حرم ~~إسرائيل في خاصته، ثم جاءت التوراة بتحريم ما نصت عليه، وبقيت هذه الزوائد ~~في حيز افترائهم وكذبهم، وإلى هذا تنحو ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما ~~وترجم الطبري في تفسير هذه الآية بتراجم، وأدخل تحتها أقوالا توافق تراجمه، ~~وحمل ألفاظ الضحاك أن الاستثناء منقطع وكأن المعنى: كل الطعام كان حلا لهم ~~قبل نزول التوراة وبعد نزولها. # قال الفقيه الإمام أبو ms0597 محمد: فيرجع المعنى إلى القول الأول الذي حكيناه، ~~وحمل الطبري قول الضحاك إن معناه: لكن إسرائيل حرم على نفسه خاصة ولم يحرم ~~الله على بني إسرائيل في توراة ولا غيرها. # قال الفقيه الإمام: وهذا تحميل يرد عليه قوله تعالى: حرمنا عليهم ~~[الأنعام: 146] وقوله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليهم الشحوم إلى غير ذلك ~~من الشواهد، وقوله تعالى: حلا معناه: حلالا، وإسرائيل هو يعقوب، وانتزع من ~~هذه الآية أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر ~~لمصلحة أو قربة أو زهد، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم النبي صلى الله عليه ~~وسلم جاريته، فعاتبه الله تعالى في ذلك ولم يعاتب يعقوب، فقيل: إن ذلك لحق ~~آدمي ترتب في نازلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: إن هذا تحريم تقرب ~~وزهد، وتحريم الجارية تحريم غضب ومصلحة نفوس، واختلف الناس في الشيء الذي ~~حرمه يعقوب على نفسه فقال يوسف بن ماهك: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال له: ~~إنه جعل امرأته عليه حراما، فقال ابن عباس: إنها ليست عليك بحرام، فقال ~~الأعرابي: ولم؟ PageV01P472 # والله تعالى يقول في كتابه إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فضحك ابن عباس ~~وقال: وما يدريك ما حرم إسرائيل؟ ثم أقبل على القوم يحدثهم، فقال: إن ~~إسرائيل عرضت له الأنساء فأضنته فجعل لله أن شفاه من ذلك أن لا يطعم عرقا، ~~قال: فلذلك اليهود تنزع العروق من اللحم، وقال بمثل هذا القول قتادة وأبو ~~مجلز وغيرهم، وقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن كثير ومجاهد ~~أيضا: إن الذي حرم إسرائيل هو لحوم الإبل وألبانها، ولم يختلف فيما علمت أن ~~سبب التحريم هو بمرض أصابه، فجعل تحريم ذلك شكرا لله تعالى إن شفي، وقيل: ~~هو وجع عرق النسا، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عصابة من بني ~~إسرائيل قالوا له: يا محمد ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقال لهم: أنشدكم ~~بالله هل تعلمون أن يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه ms0598 منه فنذر لله نذرا إن ~~عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه ~~لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم نعم، وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذه ~~الأمر أن يعقوب عليه السلام حرم لحوم الإبل وألبانها، وهو يحبها، تقربا إلى ~~الله بذلك، إذ ترك الترفه والتنعم من القرب، وهذا هو الزهد في الدنيا، ~~وإليه نحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: # إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر ومن ذلك قول أبي حازم ~~الزاهد، وقد مر بسوق الفاكهة فرأى محاسنها فقال: موعدك الجنة إن شاء الله، ~~وحرم يعقوب عليه السلام أيضا العروق، لكن بغضة لها لما كان امتحن بها، وهذا ~~شيء يعتري نفوس البشر في غير ما شيء وليس في تحريم العروق قربة فيما يظهر، ~~والله أعلم، وقد روي عن ابن عباس: أن يعقوب حرم العروق ولحوم الإبل، وأمر ~~الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالإتيان بالتوراة، حتى يبين ~~منها كيف الأمر، المعنى: فإنه أيها اليهود، كما أنزل الله علي لا كما تدعون ~~أنتم، قال الزجاج: وفي هذا تعجيز لهم وإقامة الحجة عليهم، وهي كقصة ~~المباهلة مع نصارى نجران. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 94 الى 96] # فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق ~~الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) # قوله: فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك # تحتمل الإشارة- بذلك- أن تكون إلى ثلاثة أشياء: أحدها: أن تكون إلى ~~التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى ~~أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه، والآخر: ~~أن تكون الإشارة إلى استقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية: كل ~~الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه [آل عمران: 93] ، ~~ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم، فمن افترى على الله الكذب ms0599 # ، وزاد في المحرمات فهو الظالم، والثالث: أن تكون الإشارة إلى الحال بعد ~~تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك ~~دون إذن من الله، ومن حرم شيئا ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو PageV01P473 # الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160] فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى ~~التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر ~~البقرة، وبخلاف هذه السيرة جاء الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم: يسروا ~~ولا تعسروا، وقوله: دين الله يسر وقوله: بعثت بالحنيفية، ثم أمر الله تعالى ~~نبيه أن يصدع بالخلاف والجدال مع الأحبار بقوله قل صدق الله أي الأمر كما ~~وصف لا كما تكذبون أنتم، فإن كنتم تعتزون بإبراهيم فاتبعوا ملته على ما ذكر ~~الله، وقرأ أبان بن تغلب: «قل صدق» ، بإدغام اللام في الصاد، وكذلك: # قل سيروا، قرأها بإدغام اللام في السين، قال أبو الفتح: علة جواز ذلك فشو ~~هذين الحرفين في الفم وانتشار الصدى المنبث عنهما فقاربا بذلك مخرج اللام، ~~فجاز إدغامهما فيهما، وقرأ جمهور الناس: «وضع» على بناء الفعل للمفعول على ~~معنى وضعه الله، فالآية على هذا ابتداء معنى منقطع من الكلام الأول، وقرأ ~~عكرمة، «وضع» بفتح الواو والضاد، فيحتمل أن يريد: وضع الله، فيكون المعنى ~~منقطعا كما هو في قراءة الجمهور، ويحتمل أن يريد وضع إبراهيم عليه السلام، ~~فيكون المعنى متصلا بالذي قبله، وتكون هذه الآية استدعاء لهم إلى ملته، في ~~الحج وغيره على ما روى عكرمة: أنه لما نزلت ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~الآية، قال اليهود: نحن على الإسلام فقرئت، ولله على الناس حج البيت [آل ~~عمران: 97] قيل له: أحجهم يا محمد، إن كانوا على ملة إبراهيم التي هي ~~الإسلام. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل ما قال أبو ذر رضي الله عنه قال: ~~قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي؟ قال: ~~المسجد ms0600 الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال أربعون سنة، فيظهر من هذا أنهما من وضع ~~إبراهيم جميعا، ويضعف ما قال الزجاج: من أن بيت المقدس من بناء سليمان بن ~~داود، اللهم إلا أن يكون جدده، وأين مدة سليمان من مدة إبراهيم؟ ولا مرية ~~في أن إبراهيم وضع بيت مكة، وإنما الخلاف هل وضع بدأة أو وضع تجديد؟ واختلف ~~المفسرون في معنى هذه الأولية التي في قوله: إن أول فقال علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: معنى الآية أن أول بيت وضع مباركا وهدى هذا البيت الذي ببكة ~~وقد كانت قبله بيوت لم توضع وضعه من البركة والهدى، وقال قوم: بل هو أول ~~بيت خلق الله تعالى ومن تحته دحيت الأرض. # قال الفقيه القاضي أبو محمد: ورويت في هذا أقاصيص من نزول آدم به من ~~الجنة ومن تحديد ما بين خلقه ودحو الأرض، ونحو ما قال الزجاج: من أنه البيت ~~المعمور أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها، وعلى هذا القول يجيء رفع إبراهيم ~~القواعد تجديدا، قال قتادة: ذكر لنا أن البيت أهبط مع آدم ورفع وقت ~~الطوفان، واختلف الناس في «بكة» ، فقال الضحاك وجماعة من العلماء: «بكة» هي ~~مكة، فكأن هذا من إبدال الباء بالميم، على لغة مازن وغيرهم، وقال ابن جبير ~~وابن شهاب وجماعة كثيرة من العلماء مكة الحرم كله، و «بكة» مزدحم الناس حيث ~~يتباكون، وهو المسجد وما حول البيت، وقال مالك في سماع ابن القاسم من ~~العتبية: «بكة» موضع البيت، ومكة غيره من المواضع، قال ابن القاسم: يريد ~~القرية، قال الطبري: ما خرج عن موضع الطواف فهو مكة لا بكة، وقال قوم: ~~«بكة» ، ما بين الجبلين ومكة، الحرم كله، ومباركا نصب على الحال، والعامل ~~فيه على قول علي بن أبي طالب إنه أول بيت وضع بهذه الحال، PageV01P474 # قوله: وضع والعامل فيه على القول الآخر الفعل الذي تتعلق به باء الجر في ~~قوله ببكة تقديره: # استقر ببكة مباركا، وفي وصف البيت ب هدى مجازية بليغة، لأنه مقوم مصلح، ~~فهو مرشد، وفيه إرشاد، ms0601 فجاء قوله، وهدى بمعنى وذا هدى، ويحتمل أن يكون هدى ~~في هذه الآية، بمعنى الدعاء، أي من حيث دعي العالمون إليه. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 97] # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) # الضمير في قوله: فيه عائد على البيت، وساغ ذلك مع كون «الآيات» خارجة عنه ~~لأن البيت إنما وضع بحرمه وجميع فضائله، فهي فيه وإن لم تكن داخل جدرانه، ~~وقرأ جمهور الناس: «آيات بينات» بالجمع، وقرأ أبي بن كعب وعمرو ابن عباس: ~~«آية بينة» على الإفراد، قال الطبري: يريد علامة واحدة المقام وحده، وحكي ~~ذلك عن مجاهد. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى ~~القراءة الأولى، واختلف عبارة المفسرين عن «الآيات البينات» فقال ابن عباس: ~~من الآيات المقام، يريد الحجر المعروف والمشعر وغير ذلك. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا يدل على أن قراءته «آية» ~~بالإفراد إنما يراد بها اسم الجنس، وقال الحسن بن أبي الحسن: «الآيات ~~البينات» مقام إبراهيم، وإن من دخله كان آمنا، وقال مجاهد: المقام الآية، ~~وقوله: ومن دخله كان آمنا كلام آخر. # قال القاضي أبو محمد: فرفع مقام على قول الحسن ومجاهد على البدل من آيات، ~~أو على خبر ابتداء تقديره هن مقام إبراهيم، وعلى قول ابن عباس ومن نحا ~~نحوه: هو مرتفع بالابتداء وخبره محذوف مقدم تقديره: منهن مقام إبراهيم. # قال القاضي: والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالا مما في حرم ~~الله من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، ~~إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم، ومن آيات الحرم والبيت التي تقوم بها ~~الحجة على الكفار أمر الفيل، ورمي طير الله عنه بحجارة السجيل، وذلك أمر لم ~~تختلف كافة العرب في نقله وصحته إلى أن أنزله الله في كتابه، ومن آياته كف ~~الجبابرة عنه على وجه الدهر، ومن آياته الحجر الأسود، ms0602 وما روي فيه أنه من ~~الجنة وما أشربت قلوب العالم من تعظيمه قبل الإسلام، ومن آياته حجر المقام، ~~وذلك أنه قام عليه إبراهيم عليه السلام، وقت رفعه القواعد من البيت، لما ~~طال له البناء فكلما علا الجدار، ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني ~~وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار، ثم إن الله ~~تعالى، لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر، فغرقت فيه قدما إبراهيم ~~عليه السلام كأنها في طين، فذلك الأثر العظيم باق في الحجر إلى اليوم، وقد ~~نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، وقال أبو طالب: ~~[الطويل] PageV01P475 # وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل # فما حفظ أن أحدا من الناس نازع في هذا القول، ومن آياته البينات زمزم في ~~نبعها لهاجر بهمز جبريل عليه السلام الأرض بعقبه، وفي حفر عبد المطلب لها ~~آخرا بعد دثورها بتلك الرؤيا المشهورة، وبما نبع من الماء تحت خف ناقته في ~~سفره، إلى منافرة قريش ومخاصمتها في أمر زمزم، ذكر ذلك ابن إسحاق مستوعبا، ~~ومن آيات البيت نفع ماء زمزم لما شرب له، وأنه يعظم ماؤها في الموسم، ويكثر ~~كثرة خارقة للعادة في الآبار، ومن آياته، الأمنة الثابتة فيه على قديم ~~الدهر، وأن العرب كانت تغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ ~~الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم، وتركب على هذا أمن الحيوان فيه، وسلامة ~~الشجر، وذلك كله للبركة التي خصه الله بها، والدعوة من الخليل عليه السلام ~~في قوله، اجعل هذا بلدا آمنا، وإذعان نفوس العرب وغيرهم قاطبة لتوقير هذه ~~البقعة دون ناه، ولا زاجر، آية عظمى تقوم بها الحجة، وهي التي فسرت بقوله ~~تعالى: ومن دخله كان آمنا ومن آياته كونه بواد غير ذي زرع، والأرزاق من كل ~~قطر تجيء إليه عن قرب وعن بعد، ومن آياته، ما ذكر ابن القاسم العتقي رحمه ~~الله، قال في النوادر وغيرها: سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل ms0603 ~~فيدخل الحرم. # قال القاضي أبو محمد: هذا والله أعلم، لأن الله تعالى جعله ربوة أو في ~~حكمها ليكون أصون له، والحرم فيما حكى ابن أبي زيد في الحج الثاني من ~~النوادر. مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي ~~العراق نحو من ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة ~~أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال، إلى موضع يقال له أضاة، ومما يلي ~~جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية، قال مالك في العتبية: والحديبية في ~~الحرم، ومن آياته فيما ذكر مكي وغيره، أن الطير لا تعلوه، وإن علاه طائر ~~فإنما ذلك لمرض به، فهو يستشفي بالبيت، وهذا كله عندي ضعيف، والطير تعاين ~~تعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من ~~آياته ومن آياته فيما ذكر الناس قديما وحديثا، أنه إذا عمه المطر من جوانبه ~~الأربعة في العام الواحد، أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يصب جانبا منه لم يخصب ~~ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام، واختلف الناس في مقام إبراهيم، فقال ~~الجمهور: هو الحجر المعروف، وقال قوم: البيت كله مقام إبراهيم لأنه بناه ~~وقام في جميع أقطاره، وقال قوم من العلماء مكة كلها مقام إبراهيم، وقال ~~قوم: الحرم كله مقام إبراهيم، والضمير في قوله، ومن دخله عائد على الحرم في ~~قول من قال: مقام إبراهيم هو الحرم، وعائد على البيت في قول الجمهور، إذ لم ~~يتقدم ذكر لغيره، إلا أن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذ ~~الحرم جزء من البيت، إذ هو بسببه ولحرمته. # واختلف الناس في معنى قوله كان آمنا فقال الحسن وقتادة وعطاء ومجاهد ~~وغيرهم: هذه وصف حال كانت في الجاهلية أن الذي يجر جريرة ثم يدخل الحرم، ~~فإنه كان لا يتناول ولا يطلب فأما في الإسلام وأمن جميع الأقطار، فإن الحرم ~~لا يمنع من حد من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى رجم، ومن قتل قتل، ~~واستحسن كثير ms0604 ممن قال هذا القول أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل PageV01P476 # هنالك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من أحدث حدثا ثم استجار بالبيت فهو ~~آمن، وإن الأمن في الإسلام كما كان في الجاهلية، والإسلام زاد البيت شرفا ~~وتوقيرا، فلا يعرض أحد بمكة لقاتل وليه، إلا أنه يجب على المسلمين ألا ~~يبايعوا ذلك الجاني ولا يكلموه ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام ~~عليه الحد، وقال بمثل هذا عبيد بن عمير والشعبي وعطاء بن أبي رباح والسدي ~~وغيرهم، إلا أن أكثرهم قالوا هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، ~~فأما من يقتل في الحرم، فإنه يقام عليه الحد في الحرم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وإذا تؤمل أمر هذا الذي لا ~~يكلم ولا يبايع، فليس بآمن، وقال يحيى بن جعدة: معنى الآية ومن دخل البيت ~~كان آمنا من النار، وحكى النقاش عن بعض العباد قال: كنت أطوف حول الكعبة ~~ليلا فقلت: يا رب إنك قلت: ومن دخله كان آمنا، فمن ماذا هو آمن يا رب؟ ~~فسمعت مكلما يكلمني وهو يقول: من النار، فنظرت وتأملت فما كان في المكان ~~أحد. # وقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت الآية، هو فرض الحج في كتاب الله ~~بإجماع، وقال مالك رحمه الله: الحج كله في كتاب الله، فأما الصلاة والزكاة ~~فهي من جملة الذي فسره النبي عليه السلام، والحج من دعائم الإسلام التي بني ~~عليها حسب الحديث، وشروط وجوبه خمسة، البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، ~~واستطاعة السبيل، والحج في اللغة: القصد لكنه في بيت الله مخصص بأعمال ~~وأقوال، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: «حج البيت» بكسر الحاء، وقرأ ~~الباقون: «حج البيت» بفتحها، قال سيبويه: حج حجا مثل ذكر ذكرا، قال أبو ~~علي: فحج على هذا مصدر، وقال سيبويه أيضا: # قالوا غزاة فأرادوا عمل وجه واحد، كما قيل حجة. # قال القاضي: بكسر الحاء يريدون عمل سنة واحدة، ولم يجيئوا به على الأصل ~~لكنه اسم له، قال أبو ms0605 علي: قوله لم يجيئوا به على الأصل يريد على الفتح ~~الذي هو الدفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه اسما لهذا المعنى، كما أن غزاة ~~كذلك، ولم تجىء فيه الغزوة وكان القياس. # قال القاضي: وأكثر ما التزم كسر الحاء في قولهم ذو الحجة، وأما قولهم حجة ~~الوداع ونحوه فإنها على الأصل، وقال الزجاج وغيره، «الحج» : بفتح الحاء ~~المصدر، وبكسرها اسم العمل، وقال الطبري: # هما لغتان الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية. # وقوله تعالى: من استطاع إليه سبيلا، من في موضع خفض بدل من الناس، وهو ~~بدل البعض من الكل وقال الكسائي وغيره: هي شرط في موضع رفع بالابتداء، ~~والجواب محذوف تقديره: من استطاع فعليه الحج، ويدل عليه عطف الشرط الآخر ~~بعده في قوله: ومن كفر، وقال بعض البصريين: من رفع على أنه فاعل بالمصدر ~~الذي هو حج البيت ويكون المصدر مضافا إلى المفعول، واختلف الناس في حال ~~مستطيع السبيل كيف هي؟ فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير: ~~هي حال الذي يجد زادا وراحلة، وروى الطبري عن الحسن من طريق إبراهيم بن ~~يزيد الخوزي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال له رجل: ~~يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة، وأسند الطبري إلى علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ملك زادا ~~وراحلة PageV01P477 # فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وروى عبد الرزاق وسفيان عن ~~إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال: قام رجل ~~إلى النبي عليه السلام، فقال: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة. # قال القاضي: وضعف قوم هذا الحديث، لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي تكلم فيه ~~ابن معين وغيره، والحديث مستغن عن طريق إبراهيم، وقال بعض البغداديين: هذا ~~الحديث مشير إلى أن الحج لا يجب مشيا. # قال القاضي: والذي أقول: إن هذا الحديث إنما خرج على الغالب من أحوال ~~الناس وهو البعد ms0606 عن مكة واستصعاب المشي على القدم كثيرا، فأما القريب الدار ~~فلا يدخل في الحديث، لأن القرب أغناه عن زاد وراحلة، وأما الذي يستطيع ~~المشي من الأقطار البعيدة، فالراحلة عنده بالمعنى والقوة التي وهب، وقد ~~ذكره الله تعالى في قوله: يأتوك رجالا [الحج: 27] وكذلك أيضا معنى الحديث: ~~الزاد والراحلة لمن لم يكن له عذر في بدنه، من مرض أو خوف على أقسامه أو ~~استحقاق بأجرة أو دين وهو يحاول الأداء ويطمع فيه بتصرفه في مال بين يديه، ~~وأما العديم فله أن يحج إذا تكلف واستطاع، فمقصد الحديث: أن يتحدد موضع ~~الوجوب على البعيد الدار، وأما المشاة وأصحاب الأعذار فكثير منهم من يتكلف ~~السفر، وإن كان الحج غير واجب عليه، ثم يؤديه ذلك التكلف إلى موضع يجب فيه ~~الحج عليه، وهذه مبالغة في طلب الأجر ونيله إن شاء الله تعالى، وذهبت فرقة ~~من العلماء إلى قوله تعالى: من استطاع إليه سبيلا كلام عام لا يتفسر بزاد ~~وراحلة ولا غير ذلك، بل إذا كان مستطيعا غير شاق على نفسه فقد وجب عليه ~~الحج، قال ذلك ابن الزبير والضحاك، وقال الحسن: من وجد شيئا يبلغه فقد ~~استطاع إليه سبيلا، وقال عكرمة: # استطاعة السبيل الصحة، وقال ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل ~~إليه، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه، في سماع أشهب من العتبية، وفي كتاب ~~محمد، وقد قيل له: أتقول إن السبيل الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله، قد يجد ~~زادا وراحلة ولا يقدر على مسير، وآخر يقدر أن يمشي راجلا، ورب صغير أجلد من ~~كبير فلا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى. # قال القاضي: وهذا أنبل كلام، وجميع ما حكي عن العلماء لا يخالف بعضه ~~بعضا، الزاد والراحلة على الأغلب من أمر الناس في البعد، وأنهم أصحاء غير ~~مستطيعين للمشي على الأقدام، والاستطاعة- متى تحصلت- عامة في ذلك وغيره، ~~فإذا فرضنا رجلا مستطيعا للسفر ماشيا معتادا لذلك، وهو ممن يسأل الناس في ~~إقامته ويعيش من خدمتهم وسؤالهم ووجد صحابة، فالحج عليه ms0607 واجب دون زاد ولا ~~راحلة، وهذه من الأمور التي يتصرف فيها فقه الحال، وكان الشافعي يقول: ~~الاستطاعة على وجهين: بنفسه أولا، فمن منعه مرض أو عذر وله مال فعليه أن ~~يجعل من يحج عنه وهو مستطيع لذلك. # واختلف الناس هل وجوب الحج على الفور أو على التراخي؟ على قولين، ولمالك ~~رحمه الله مسائل تقتضي القولين، قال في المجموعة فيمن أراد الحج ومنعه ~~أبواه: لا يعجل عليهما في حجة الفريضة وليستأذنهما العام والعامين، فهذا ~~على التراخي، وقال في كتاب ابن المواز: لا يحج أحد إلا بإذن أبويه إلا PageV01P478 # الفريضة، فليخرج وليدعهما، فهذا على الفور، وقال مالك في المرأة يموت ~~عنها زوجها فتريد الخروج إلى الحج: لا تخرج في أيام عدتها، قال الشيخ أبو ~~الحسن اللخمي: فجعله على التراخي. # قال القاضي: وهذا استقراء فيه نظر، واختلف قول مالك رحمه الله فيمن يخرج ~~إلى الحج على أن يسأل الناس جائيا وذاهبا ممن ليست تلك عادته في إقامته، ~~فروى عنه ابن وهب أنه قال: لا بأس بذلك، قيل له فإن مات في الطريق قال: ~~حسابه على الله، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى للذين لا يجدون ما ~~ينفقون أن يخرجوا إلى الحج والغزو، ويسألوا وإني لأكره ذلك، لقول الله ~~سبحانه، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج [التوبة: 91] قال ابن ~~القاسم: وكره مالك أن يحج النساء في البحر لأنها كشفة، وكره أن يحج أحد في ~~البحر إلا مثل أهل الأندلس الذين لا يجدون منه بدا، وقال في كتاب محمد ~~وغيره: # قال الله تعالى: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من ~~كل فج عميق [الحج: 27] وما أسمع للبحر ذكرا. # قال الفقيه القاضي: وهذا تأنيس من مالك رحمه الله لسقوط لفظة البحر، وليس ~~تقتضي الآية سقوط البحر، وسيأتي تفسير ذلك في موضعه إن شاء الله، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناس من أمتي عرضوا علي ملوكا على الأسرة أو ~~مثل الملوك على الأسرة، يركبون ثبج هذا ms0608 البحر الأخضر غزاة في سبيل الله. # قال القاضي أبو محمد: ولا فرق بين الغزو والحج، واختلف في حج النساء ~~ماشيات مع القدرة على ذلك، فقال في المدونة في المرأة تنذر مشيا فتمشي ~~وتعجز في بعض الطريق: إنها تعود ثانية، قال: # والرجال والنساء في ذلك سواء، فعلى هذا، يجب الحج إذا كانت قادرة على ~~المشي لأن حجة الفريضة آكد من النذر، وقال في كتاب محمد: لا أرى على المرأة ~~الحج ماشية وإن قويت عليه، لأن مشيهن عورة، إلا أن يكون المكان القريب من ~~مكة. # قال القاضي: وهذا ينظر بفقه الحال من رائعة ومتجالة، ولا حج على المرأة ~~إلا إذا كان معها ذو محرم، واختلف إذا عدمته، هل يجب الحج بما هو في معناه ~~من نساء ثقات يصطحبن في القافلة أو رجال ثقات؟ فقال الحسن البصري وإبراهيم ~~النخعي وابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة وأصحابه: # المحرم من السبيل، ولا حج عليها إلا مع ذي محرم. # قال القاضي: وهذا وقوف مع لفظ الحديث، وقال مالك: تخرج مع جماعة نساء، ~~وقال الشافعي: # تخرج مع حرة ثقة مسلمة، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل ثقة من المسلمين، ~~وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول وتتخذ سلما تصعد عليه وتنزل ولا يقربها ~~رجل. # قال القاضي: وهذه الأقوال راعت معنى الحديث، وجمهور الأمة على أن للمرأة ~~أن تحج الفريضة وإن كره زوجها وليس له منعها، واضطرب قول الشافعي في ذلك، ~~واختلف الناس في وجوب الحج مع وجود المكوس والغرامة، فقال سفيان الثوري: ~~إذا كان المكس ولو درهما سقط فرض الحج عن الناس، وقال عبد الوهاب: إذا كانت ~~الغرامة كثيرة مجحفة سقط الفرض، فظاهر هذا أنها إذا كانت كثيرة غير PageV01P479 # مجحفة لسعة الحال أن الفرض لا يسقط، وعلى هذا المنزع جماعة أهل العلم ~~وعليه مضت الأعصار، وهذه نبذة من فقه الاستطاعة، وليس هذا الجمع بموضع ~~لتقصي ذلك والله المستعان. # والسبيل- تذكر وتؤنث، والأغلب والأفصح التأنيث، قال الله تعالى: تبغونها ~~عوجا [آل عمران: 99] وقال: قل هذه سبيلي [يوسف: 108] ومن التذكير ms0609 قول كعب ~~بن مالك. # قضى يوم بدر أن تلاقي معشرا ... بغوا وسبيل البغي بالناس جائز # والضمير في إليه، عائد على البيت، ويحتلم أن يعود على الحج، وقوله تعالى: ~~ومن كفر فإن الله غني عن العالمين قال ابن عباس: المعنى، من زعم أن الحج ~~ليس بفرض عليه، وقال مثله الضحاك وعطاء وعمران القطان والحسن ومجاهد، وروي ~~عن النبي عليه السلام أنه قرأ الآية، فقال له رجل من هذيل: يا رسول الله من ~~تركه كفر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من تركه لا يخاف عقوبته، ومن ~~حجه لا يرجو ثوابه فهو ذلك وقال بمعنى هذا الحديث ابن عباس ومجاهد أيضا، ~~وهذا والذي قبله يرجع إلى كفر الجحد والخروج عن الملة، وقال ابن عمر وجماعة ~~من العلماء معنى الآية، من كفر بالله واليوم الآخر وهذا قريب من الأول، ~~وقال ابن زيد: معنى الآية من كفر بهذه الآيات التي في البيت، وقال السدي ~~وجماعة من أهل العلم: معنى الآية: ومن كفر بأن وجد ما يحج به ثم لم يحج، ~~قال السدي: من كان بهذه الحال فهو كافر. # قال القاضي أبو محمد: فهذا كفر معصية، كقوله عليه السلام: من ترك الصلاة ~~فقد كفر وقوله: لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، على أظهر ~~محتملات هذا الحديث. وبين أن من أنعم الله عليه بمال وصحة ولم يحج فقد كفر ~~النعمة، ومعنى قوله تعالى: غني عن العالمين الوعيد لمن كفر، والقصد ~~بالكلام، فإن الله غني عنهم، ولكن عمم اللفظ ليبرع المعنى، وينتبه الفكر ~~على قدرة الله وسلطانه واستغنائه من جميع الوجوه حتى ليس به افتقار إلى ~~شيء، لا رب سواه. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 99] # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل ~~يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما ~~الله بغافل عما تعملون (99) # هذه الآيات توبيخ لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم والكتاب ~~التوراة، ms0610 وجعلهم أهله بحسب زعمهم ونسبهم، وإلا فأهله على الحقيقة هم ~~المؤمنون، و «آيات الله» يحتمل أن يريد بها القرآن، ويحتمل أن يراد بالآيات ~~العلامات الظاهرة على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: والله ~~شهيد على ما تعملون وعيد محض: أي يجازيكم به ويعاقبكم، قال الطبري: هاتان ~~الآيتان قوله، قل يا أهل الكتاب لم تكفرون وما بعدهما، إلى قوله أولئك لهم ~~عذاب عظيم [آل عمران: 105] ، نزلت بسبب رجل من يهود، حاول الإغواء بين ~~الأوس والخزرج، قال ابن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال شاش ابن ~~قيس اليهودي، وكان شيخا قد عسى في الجاهلية، عظيم الكفر شديد الضغن على ~~المسلمين، والحسد PageV01P480 # لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، ~~وهم في مجلس يتحدثون، فغاظه ما رأى من جماعتهم، وصلاح ذات بينهم، بعد ما ~~كان بينهم من العداوة فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما ~~لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شابا من يهود، فقال أمد ~~إليهم، واجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله من أيام حربهم، وأنشدهم ~~ما قالوه من الشعر في ذلك، ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك فتفاخروا ~~وتنازعوا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قيظي، أحد بني ~~حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما ~~لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، فغضب الفريقان: وقالوا: قد فعلنا ~~السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة، يريدون الحرة، فخرجوا إليها، وتحاوز الناس ~~على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، فقال: يا معشر المسلمين، ~~الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، ووعظهم فعرف القوم أنها نزغة ~~من الشيطان، فألقوا السلاح وبكوا وعانق الناس بعضهم بعضا من الأوس والخزرج، ~~وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سامعين مطيعين فأنزل الله في ~~شاس بن قيس ms0611 وما صنع هذه الآيات، وقال الحسن وقتادة والسدي: إن هذه الآيات ~~نزلت في أحبار اليهود الذين كانوا يصدون المسلمين عن الإسلام، بأن يقولوا ~~لهم، إن محمدا ليس بالموصوف في كتابنا. # قال الفقيه الإمام: ولا شك في وقوع هذين السببين وما شاكلهما من أفعال ~~اليهود وأقوالهم، فنزلت الآيات في جميع ذلك و «صد» معناه: أعرض عن الشيء ~~وانصرف عنه، وهو فعل يقف ويتعدى بلفظ واحد، تقول: صددت عن كذا، وصددت غيري ~~عنه، فالذي في هذه الآية هو الفعل المتعدي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ~~«تصدون» بضم التاء وكسر الصاد، وهذا هو الفعل الواقف، نقل بالهمزة فعدي، ~~وسبيل الله في هذه الآية، هو الإسلام الذي هو طريق إلى رضى الله وجنته، ومن ~~مفعولة ب تصدون والضمير في تبغونها عائد على السبيل، ومعنى «تبغون» على ما ~~فسر الزجاج والطبري وغيرهما: تطلبون فالمعنى تطلبون لها العوج، أي الاعوجاج ~~والانفساد، تقول العرب: أبغني كذا بألف موصولة، بمعنى اطلبه لي، فإذا ~~أرادوا أعني على طلبه واطلبه معي، قطعوا الألف مفتوحة وقيل: إن تبغون هنا، ~~من البغي الذي هو التعدي، أي تبغون عليها، ويكون، عوجا على هذا التأويل ~~نصبه على الحال من الضمير في «تبغون» أي «عوجا» منكم وعدم استقامة، والعوج ~~بكسر العين: ما كان في الأمور والحجج غير الأجرام، والعوج بفتح العين، ما ~~كان في الأجرام، كالجدار والعصا ونحو ذلك، قال ابن قتيبة: والأرض خاصة من ~~الأجرام يقال فيها: عوج بكسر العين، ومنه قول الله تعالى: لا ترى فيها عوجا ~~ولا أمتا [طه: 107] قال بعض اللغويين هما لغتان بمعنى واحد، وقوله تعالى: ~~وأنتم شهداء، يريد جمع شاهد، على ما في التوراة من صفة محمد وصدقه، وباقي ~~الآية وعيد. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 100 الى 101] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ~~ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) PageV01P481 # الخطاب بقوله: يا أيها الذين آمنوا عام ms0612 في المؤمنين، والإشارة بذلك- وقت ~~نزوله- إلى الأوس والخزرج بسبب نائرة شاس بن قيس، و «الفريق» - الجماعة من ~~الناس والمراد بها هنا الأحبار والرؤوس، ويردوكم معناه: بالإضلال والتشكيك ~~والمخادعة وإظهار الغش في معرض النصح، ثم وقف تعالى المؤمنين على هذا الأمر ~~المستبعد المستشنع الذي يريده بهم اليهود، فقال وكيف تكفرون وأنتم بهذه ~~الأحوال الموصوفة؟ وكيف في موضع نصب على الحال، كما هي في قوله تعالى: كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [البقرة: 28] والمعنى أجاحدين تكفرون؟ # أجاهلين أمستخفين أمرتدين؟ ونحو هذا من التقدير والواو في قوله: وكيف ~~تكفرون عاطفة جملة كلام على جملة كلام، ولا يجوز أن تكون كيف في هذه الآية ~~كما هي في قولك، كيف تفعل كذا، وأنت تسأل عن شيء ثابت الوقوع متحصلة، لأنه ~~كان يلزم أن يكون كفر المؤمنين مقررا مثبت الوقوع، وتأمل معنى كيف إذا ~~وليها فعل، ومعناها إذا وليها اسم، وقرأ جمهور الناس «تتلى» بالتاء من فوق، ~~وقرأ الحسن: # «يتلى» بالياء إذا الآيات هي القرآن، وقوله تعالى: وفيكم هي ظرفية الحضور ~~والمشاهدة لشخصه عليه السلام، وهو في أمته إلى يوم القيامة، بأقواله ~~وآثاره، ويعتصم معناه: يتمسك ويستذري، وعصم الشيء إذا منع وحمي، ومنه قوله ~~يعصمني من الماء [هود: 43] والعصم الأسباب التي يمت بها، ويعتصم من الخيبة ~~في الغرض المطلوب، وقال الأعشى: [المتقارب] # إلى المرء قيس أطيل السرى ... وآخذ من كل حي عصم # وتصرف اللفظة كثير جدا، وباقي الآية بين، والله المستعان. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 102 الى 103] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) # الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود به وقت نزولها الأوس ~~والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر، و «تقاة» مصدر وزنه ~~فعلة، أصله تقية، وقد تقدم ms0613 قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويصح أن تكون ~~التقاة في هذه الآية جمع فاعل وإن كان لم يتصرف منه فيكون كرماة ورام، أو ~~يكون جمع تقي إذ فعيل وفاعل بمنزلة، والمعنى على هذا: اتقوا الله كما يحق ~~أن يكون متقوه المختصون به، ولذلك أضيفوا إلى ضمير الله تعالى، واختلف ~~العلماء في قوله: حق تقاته فقالت فرقة: نزلت الآية على عموم لفظها، وألزمت ~~الأمة أن تتقي الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال في شيء من الأشياء، ثم إن ~~الله نسخ ذلك عن الأمة بقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] ~~وبقوله: لا يكلف الله PageV01P482 # نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] قال ذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم، ~~وقالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، وهذه الآيات متفقات، ~~فمعنى هذه: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم، وذلك أن حق تقاته هو بحسب ~~أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسرا، وهذا هو القول الصحيح، وألا ~~يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة، وألا يفتر في العبادة أمر ~~متعذر في جبلة البشر، ولو كلف الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق، ولم يلتزم ~~ذلك أحد في تأويل هذه الآية، وإنما عبروا في تفسير هذه الآية بأن قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: حق تقاته: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر ~~فلا ينسى، وكذلك عبر الربيع بن خيثم وقتادة والحسن، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: # معنى قوله، واتقوا الله حق تقاته: جاهدوا في الله حق جهاده ولا نسخ في ~~الآية، وقال طاوس في معنى قوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته: يقول تعالى، إن ~~لم تتقوه ولم تستطيعوا ذلك فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وقوله تعالى: ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون معناه: دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم ~~عليه. هكذا هو وجه الأمر في المعنى، وجاءت العبارة على هذا النظم الرائق ~~الوجيز، ونظيره ما حكى سيبويه من قولهم: لا أرينك هاهنا، ms0614 وإنما المراد: لا ~~تكن هاهنا فتكون رؤيتي لك، ومسلمون في هذه الآية، هو المعنى الجامع التصديق ~~والأعمال، وهو الدين عند الله وهو الذي بني على خمس. # وقوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا معناه تمنعوا وتحصنوا به، فقد ~~يكون الاعتصام بالتمسك باليد، وبارتقاء القنن، وبغير ذلك مما هو منعة، ومنه ~~الأعصم في الجبل، ومنه عصمة النكاح، و «الحبل» في هذه الآية مستعار لما كان ~~السبب الذي يعتصم به، وصلة ممتدة بين العاصم والمعصوم، ونسبة بينهما، شبه ~~ذلك بالحبل الذي شأنه أن يصل شيئا بشيء، وتسمى العهود والمواثيق حبالا، ~~ومنه قول الأعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الأدنى إليك حبالها # ومنه قول الآخر: [الكامل] (إني بحبلك واصل حبلي) ومنه قول الله تعالى: ~~إلا بحبل من الله وحبل من الناس [آل عمران: 112] واختلفت عبارة المفسرين في ~~المراد في هذه الآية بحبل الله، فقال ابن مسعود: «حبل الله» الجماعة، وروى ~~أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن بني إسرائيل افترقوا ~~على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في ~~النار إلا واحدة قال فقيل يا رسول الله: وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده ~~وقال: الجماعة وقرأ، واعتصموا بحبل الله جميعا، وقال ابن مسعود في خطبة: ~~عليكم جميعا بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال قتادة رحمه ~~الله: «حبل الله» الذي أمر بالاعتصام به هو القرآن، وقال السدي: «حبل الله» ~~كتاب الله، وقاله أيضا ابن مسعود والضحاك، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى ~~الأرض، وقال أبو العالية: «حبل الله» في هذه الآية هو الإخلاص في التوحيد ~~وقال ابن زيد: «حبل الله» هو الإسلام. PageV01P483 # قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض، وقوله ~~تعالى: جميعا حال من الضمير في قوله، اعتصموا، فالمعنى: كونوا في اعتصامكم ~~مجتمعين. ولا تفرقوا يريد التفرق الذي لا يتأتى ms0615 معه الائتلاف على الجهاد ~~وحماية الدين وكلمة الله تعالى، وهذا هو الافتراق بالفتن والافتراق في ~~العقائد، وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية، بل ~~ذلك، هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلاف أمتي رحمة، وقد ~~اختلف الصحابة في الفروع أشد اختلاف، وهم يد واحدة على كل كافر، وأما ~~الفتنة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمن التفرق المنهي عنه، أما أن ~~التأويل هو الذي أدخل في ذلك أكثر من دخله من الصحابة رضي الله عن جميعهم. # قوله تعالى: # واذكروا نعمة الله # # هذه الآية تدل على أن الخطاب بهذه الآية إنما هو للأوس والخزرج، وذلك أن ~~العرب وإن كان هذا اللفظ يصلح في جميعها فإنها لم تكن في وقت نزول هذه ~~الآية اجتمعت على الإسلام ولا تألفت قلوبها، وإنما كانت في قصة شاس بن قيس ~~في صدر الهجرة، وحينئذ نزلت هذه الآية، فهي في الأوس والخزرج، كانت بينهم ~~عداوة وحروب، منها يوم بعاث وغيره، وكانت تلك الحروب والعداوة قد دامت بين ~~الحيين مائة وعشرين سنة، حتى رفعها الله بالإسلام، فجاء النفر الستة من ~~الأنصار إلى مكة حجاجا، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم، ~~وتلا عليهم القرآن، كما كان يصنع مع قبائل العرب، فآمنوا به وأراد الخروج ~~معهم، فقالوا يا رسول الله: إن قدمت بلادنا على ما بيننا من العداوة ~~والحرب، خفنا أن لا يتم ما نريده منك، ولكن نمضي نحن ونشيع أمرك، ونداخل ~~الناس، وموعدنا وإياك العام القابل، فمضوا وفعلوا، وجاءت الأنصار في العام ~~القابل، فكانت العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلا، فيهم خمسة من الستة ~~الأولين، ثم جاؤوا من العام الثالث، فكانت بيعة العقبة الكبرى، حضرها سبعون ~~وفيهم اثنا عشر نقيبا، ووصف هذه القصة مستوعب في سيرة ابن هشام، ويسر الله ~~تعالى الأنصار للإسلام بوجهين، أحدهما أن بني إسرائيل كانوا مجاورين لهم ~~وكانوا يقولون لمن يتوعدونه من العرب، يبعث لنا نبي الآن نقتلكم معه قتل ~~عاد وإرم، ms0616 فلما رأى النفر من الأنصار محمدا صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم ~~لبعض: هذا والله النبي الذي تذكره بنو إسرائيل فلا تسبقن إليه، والوجه ~~الآخر، الحرب التي كانت ضربتهم وأفنت سراتهم، فرجوا أن يجمع الله به كلمتهم ~~كالذي كان، فعدد الله تعالى عليهم نعمته في تأليفهم بعد العداوة، وذكرهم ~~بها، وقوله تعالى: فأصبحتم عبارة عن الاستمرار وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت ~~ما، وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبدأ النهار، وفيها مبدأ ~~الأعمال، فالحال التي يحسها المرء من نفسه فيها هي حاله التي يستمر عليها ~~يومه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع: [المنسرح] # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا PageV01P484 # و «الإخوان» جمع أخ، ويجمع إخوة، وهذان أشهر الجمع فيه، على أن سيبويه ~~رحمه الله يرى أن إخوة اسم جمع، وليس ببناء جمع لأن فعلا لا يجمع على فعلة، ~~قال بعض الناس: الأخ في الدين يجمع إخوانا، والأخ في النسب يجمع إخوة: هكذا ~~كثر استعمالهم. # قال القاضي أبو محمد. وفي كتاب الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة الحجرات: ~~10] وفيه، أو بني إخوانهن [النور: 31] ، فالصحيح أنهما يقالان في النسب، ~~ويقالان في الدين، و «الشفا» حرف كل جرم له مهوى، كالحفرة والبئر والجرف ~~والسقف والجدار ونحوه، ويضاف في الاستعمال إلى الأعلى، كقوله شفا جرف ~~[التوبة: 109] وإلى الأسفل كقوله شفا حفرة، ويثنى شفوان، فشبه تعالى كفرهم ~~الذي كانوا عليه وحربهم المدنية من الموت بالشفا، لأنهم كانوا يسقطون في ~~جهنم دأبا، فأنقذهم الله بالإسلام، والضمير في منها عائد على النار، أو على ~~«الحفرة» ، والعود على الأقرب أحسن، وقال بعض الناس حكاه الطبري: إن الضمير ~~عائد على «الشفا» ، وأنث الضمير من حيث كان الشفا مضافا إلى مؤنث، فالآية ~~كقول جرير: # رأت مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال # إلى غير ذلك من الأمثلة. # قال القاضي: وليس الأمر كما ذكر، والآية لا يحتاج فيها إلى هذه الصناعة، ~~إلا لو لم تجد معادا للضمير إلا «الشفا» ، وأما ومعنا لفظ ms0617 مؤنث يعود الضمير ~~عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة وقوله تعالى: ~~كذلك يبين الله لكم آياته إشارة إلى ما بين في هذه الآيات، أي فكذلك يبين ~~لكم غيرها، وقوله، لعلكم ترج في حق البشر، أي من تأمل منكم الحال رجا ~~الاهتداء. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 104 الى 105] # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) # قرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة: «ولتكن» بكسر ~~اللام على الأصل، إذ أصلها الكسر، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن، ~~قال الضحاك والطبري وغيرهما: أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة، ~~فهم خاصة أصحاب الرسول، وهم خاصة الرواة. # قال القاضي: فعلى هذا القول «من» للتبعيض، وأمر الله الأمة بأن يكون منها ~~علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون ~~سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم ~~تعالى أن الكل لا يكون عالما، وذهب الزجاج وغير واحد من المفسرين، إلى أن ~~المعنى: ولتكونوا كلكم أمة يدعون، «ومن» لبيان الجنس قال: ومثله من كتاب ~~الله، فاجتنبوا الرجس من PageV01P485 # الأوثان # [الحج: 30] ومثله من الشعر قول القائل: [البسيط] # أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر # قال القاضي: وهذه الآية على هذا التأويل إنما هي عندي بمنزلة قولك: ليكن ~~منك رجل صالح، ففيها المعنى الذي يسميه النحويون، التجريد، وانظر أن المعنى ~~الذي هو ابتداء الغاية يدخلها، وكذلك يدخل قوله تعالى: من الأوثان ذاتها ~~ولا تجده يدخل قول الشاعر: منه النوفل الزفر، ولا تجده يدخل في «من» التي ~~هي صريح بيان الجنس، كقولك ثوب من خز، وخاتم من فضة، بل هذه يعارضها معنى ~~التبعيض، ومعنى الآية على هذا التأويل: أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع ~~العالم إلى الخير، الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون ms0618 كل واحد ~~من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة، قال أهل العلم: وفرض الله بهذه ~~الآية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به ~~قائم سقط عن الغير، وللزوم الأمر بالمعروف شروط، منها أن يكون بمعروف لا ~~بتخرق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من كان آمرا بمعروف، فليكن أمره ذلك ~~بمعروف، ومنها أن لا يخاف الآمر أذى يصيبه، فإن فعل مع ذلك فهو أعظم لأجره، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن ~~لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . # قال القاضي: والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض ~~العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض الولاة ~~تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم هي اليد، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام ~~والولاة بعد النهي عنه قولا، وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد ~~نازلة بديهة من المنكر، كالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها بنفسه بحسب الحال ~~والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى، ~~ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير ~~«يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم» ، فهذا ~~وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر ~~والنهي، كما هي في قوله تعالى: # وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك [لقمان: 17] وقوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~[المائدة: 105] معناه إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره، وقال ~~بعض العلماء: «المعروف» التوحيد، والمنكر الكفر، والآية نزلت في الجهاد. # قال الفقيه القاضي: ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ~~ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد، المفلحون الظافرون ~~ببغيتهم، وهذا وعد كريم. # ثم نهى الله تعالى هذه الأمة عن أن يكونوا كالمتفرقين من الأمم، واختلفت ms0619 ~~عبارة المفسرين في المشار إليهم، فقال ابن عباس: هي إشارة إلى كل من افترق ~~في الأمم في الدين فأهلكهم الافتراق، وقال الحسن: هي إشارة إلى اليهود ~~والنصارى، وقال الزجاج: يحتمل أن تكون الإشارة أيضا إلى فرق اليهود وفرق ~~النصارى، ومجيء البينات هو ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وأسند الفعل دون ~~علامة إلى البينات، من حيث نزلت منزلة البيان، ومن حيث لا حقيقة لتأنيثها، ~~وباقي الآية وعيد، وقوله: عذاب عظيم يعني أنه أعظم من سواه، ويتفاضل هذان ~~العرضان بأن أحدهما يتخلله فتور، وأما الجزء الفرد من PageV01P486 # هذا وذلك فسواء، هذا تحرير مذهب أصحابنا الأصوليين رحمهم الله. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 106 الى 107] # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت ~~الله هم فيها خالدون (107) # والعامل في قوله يوم الفعل الذي تتعلق به اللام، في قوله ولهم عذاب عظيم ~~[آل عمران: 105] قال الزجاج: تقديره ويثبت لهم عذاب عظيم. # قال القاضي: وذلك ضعيف من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن عظم العذاب في ذلك ~~اليوم، ولا يجوز أن يكون العامل قوله عذاب، لأنه مصدر قد وصف، «وبياض ~~الوجوه» : عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة الله، قال الزجاج- ~~وغيره-: ويحتمل عندي أن يكون ذلك من آثار الوضوء كما قال النبي عليه ~~السلام، أنتم الغر المحجلون من آثار الوضوء، وأما «سواد الوجوه» ، فقال ~~المفسرون هي عبارة عن اربدادها وإظلامها بغمم العذاب، ويحتمل أن يكون ذلك ~~تسويدا ينزله الله بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم، على نحو حشرهم زرقا ~~وهذه أقبح طلعة، ومن ذلك قول بشار: [البسيط] # وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود # وقرأ يحيى بن وثاب، «تبيض وتسود» بكسر التاء، وقرأ الزهري، «تبياض» وجوه، ~~و «تسواد» وجوه بألف، وهي لغة، ولما كان صدر هذه الآية، إخبارا عن حال لا ~~تخص أحدا معينا، بدىء بذكر البياض لشرفه، وأنه الحالة المثلى، فلما فهم ~~المعنى، وتعين له «الكفار والمؤمنون» ، بدىء ms0620 بذكر الذين اسودت وجوههم ~~للاهتمام بالتحذير من حالهم، وقوله تعالى: أكفرتم تقرير وتوبيخ، متعلق ~~بمحذوف، تقديره، فيقال لهم: أكفرتم؟ وفي هذا المحذوف هو جواب «أما» ، وهذا ~~هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغني المعنى عنه، ~~كقوله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة [البقرة: 184] المعنى ~~فأفطر فعدة وقوله تعالى: بعد إيمانكم يقتضي أن لهؤلاء الموقنين إيمانا ~~متقدما، فاختلف أهل التأويل في تعيينهم، فقال أبي بن كعب: الموقفون جميع ~~الكفار، والإيمان الذي قيل لهم بسببه بعد إيمانكم هو الإيمان الذي أقروا به ~~يوم قيل لهم- ألست بربكم؟ قالوا بلى- وقال أكثر المتأولين: إنما عني ~~بالتوقيف في هذه الآية أهل القبلة من هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسن: ~~الآية في المنافقين، يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم، فيقال لهم: أكفرتم ~~بعد إيمانكم؟ أي ذلك الإيمان بألسنتهم، وقال السدي: هي فيمن كفر من أهل ~~القبلة حين اقتتلوا، وقال أبو أمامة: الآية في الخوارج وقال قتادة: الآية ~~في أهل الردة، ومنه الحديث: ليردن علي الحوض رجال من أصحابي حتى إذا رفعوا ~~إلي اختلجوا فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ~~فأقول: فسحقا فسحقا، وفي بعض طرقه: فأناديهم: ألا هلم، ألا هلم، وذكر ~~النحاس قولا: إن الآية في اليهود، وذلك أنهم آمنوا بصفة محمد واستفتحوا به، ~~فلما جاءهم من غيرهم كفروا، فهذا كفر بعد إيمان، وروي عن مالك أنه قال: ~~الآية في أهل الأهواء. PageV01P487 # قال القاضي: إن كان هذا ففي المجلحين منهم القائلين ما هو كفر، وروي ~~حديث: أن الآية في القدرية وقال أبو أمامة: سمعنا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أنها في الحرورية، وقد تقدم عنه أنها في الخوارج وهو قول واحد، ~~وما في قوله بما كنتم مصدرية وقوله تعالى: ففي رحمت الله أي في النعيم الذي ~~هو موجب رحمة الله وقوله بعد ذلك هم فيها تأكيد بجملتين، إذ كان الكلام ~~يقوم دونها. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 108 الى 110] # تلك آيات الله نتلوها ms0621 عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل ~~الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) # الإشارة بتلك إلى هذه الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم ~~المؤمنين، ولما كان فيها ذكر التعذيب، أخبر تعالى: أنه لا يريد أن يقع منه ~~ظلم لأحد من العباد، وإذا لم يرد ذلك فلا يوجد البتة، لأنه لا يقع من شيء ~~إلا ما يريد تعالى، وقوله تعالى: بالحق معناه: بالإخبار الحق، ويحتمل أن ~~يكون المعنى: نتلوها عليك مضمنة الأفاعيل التي هي «حق» في أنفسها، من كرامة ~~قوم، وتعذيب آخرين، وقرأ أبو نهيك: «يتلوها» بالياء، وجاء الإعلام بأنه ~~تعالى لا يريد ظلما في حكمه، فإذا لا يوجد. # ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي به خص الله قوما بعمل يرحمهم من ~~أجله، وآخرين بعمل يعذبهم عليه، ذكر تعالى الحجة القاطعة في ملكه جميع ~~المخلوقات، وأن «الحق» لا يعترض عليه، وذلك في قوله، ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض الآية، وقال: ما ولم يقل «من» من حيث هي جمل وأجناس، وذكر ~~الطبري: أن بعض البصريين نظر قوله تعالى: وإلى الله فأظهر الاسم، ولم يقل ~~إليه بقول الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # وما جرى مجراه، وقاله الزجاج، وحكي أن العرب تفعل ذلك إرادة تفخيم الكلام ~~والتنبيه على عظم المعنى. # قال القاضي أبو محمد: والآية تشبه البيت في قصد فخامة النظم، وتفارقه من ~~حيث الآية جملتان مفترقتان في المعنى، فلو تكررت جمل كثيرة على هذا الحد ~~لحسن فيها كلها إظهار الاسم، وليس التعرض بالضمير في ذلك بعرف، وأما البيت ~~وما أشبهه فالضمير فيه هو العرف، إذ الكلام في معنى واحد، ولا يجوز إظهار ~~الاسم إلا في المعاني الفخمة في النفوس من التي يؤمن فيها اللبس على ~~السامع، وقرأ بعض السبعة، «ترجع الأمور» بفتح التاء ms0622 على بناء الفعل للفاعل، ~~وقد تقدم ذكر ذلك. # واختلف المتأولون في معنى قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس فقال عمر بن ~~الخطاب: هذه PageV01P488 # لأولنا، ولا تكون لآخرنا وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي ~~حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل. # قال القاضي أبو محمد: يريد ومن شاكلهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~نزلت في الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. # قال القاضي: فهذا كله قول واحد، مقتضاه أن الآية نزلت في الصحابة، قيل ~~لهم كنتم خير أمة، فالإشارة بقوله أمة إلى أمة محمد معينة، فإن هؤلاء هم ~~خيرها، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم: معنى الآية، خطاب ~~الأمة بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فلفظ أمة، على هذا التأويل اسم جنس كأنه ~~قيل لهم كنتم خير الأمم، ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس، وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون السابقون الحديث. وروى بهز بن حكيم ~~عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وهو مسند ظهره ~~إلى الكعبة، نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها قال مجاهد: ~~معنى الآية «كنتم خير الناس» - وقال الحسن: نحن آخرها وأكرمها على الله ~~تعالى، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: معنى الآية كنتم للناس خير الناس. # قال القاضي أبو محمد: فأمه على هذا التأويل، اسم جنس، قال أبو هريرة: ~~يجيئون بالكفار في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام. # قال القاضي: ولم يبعث نبي إلى الأمم كافة إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فهو وأمته يدعون إلى الإيمان ويقاتلون العالم عليه، فهم خير الناس للناس، ~~وليس يلزم على هذا التأويل أنها أفضل الأمم من نفس لفظ الآية، لكن يعلم هذا ~~من لفظ آخر، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم: أرأف أمتي بأمتي أبوبكر، فليس ~~يقتضي هذا اللفظ أن أبابكر أرأف الناس على الإطلاق، في مؤمن وكافر. # قال القاضي: والرأفة على الإطلاق ليست بجارية مع الشرع كما ms0623 يجب، وأما ~~قوله، كنتم على صيغة المضي، فإنها التي بمعنى الدوام، كما قال: وكان الله ~~غفورا رحيما [النساء: 96- 99- 100- 152، الفرقان: 70، الأحزاب: 5- 50- 59- ~~73، الفتح: 14] ، إلى غير هذا من الأمثلة، وقال قوم: المعنى كنتم في علم ~~الله، وقيل: في اللوح المحفوظ، وقيل فيما أخبر به الأمم قديما عنكم وخير ~~على هذه الأقوال كلها خبر كان، ويحتمل أن تكون كان التامة، ويكون خير أمة ~~نصبا على الحال، وهذا يتجه على بعض التأويلات التي ذكرناها دون بعض. # قال القاضي: وهذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه ~~منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ~~بالله، وقوله: تأمرون بالمعروف وما بعده، أحوال في موضع نصب، ثم أخبر تعالى ~~عن أهل الكتاب على جهة التوبيخ المقرون بالنصح، أنهم لو آمنوا لنجوا أنفسهم ~~من عذاب الله، وجاءت لفظة خير في هذه الآية وهي صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين ~~كفرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظة خير من الشياع وتشعب ~~الوجوه، وكذلك هي لفظة أفضل وأحب وما جرى مجراها، وقد بين هذا المعنى في ~~غير هذا الموضع بأوعب من هذا، وقوله تعالى: PageV01P489 # منهم المؤمنون تنبيه على حال عبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن سعية ~~وغيرهم ممن آمن، ثم حكم الله على أكثرهم بالفسق في كفره لأنهم حرفوا وبدلوا ~~وعاندوا بعد معرفتهم بحقيقة أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فهم كفار فسقة في ~~الكفر قد جمعوا المذمتين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 111 الى 112] # لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب من ~~الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) # قوله تعالى: لن يضروكم إلا أذى معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا ~~في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة، فالاستثناء متصل، وقال الحسن، وقتادة ~~وغيرهما: «الأذى» هو ms0624 تحريفهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه. # قال القاضي أبو محمد: وتنقصهم المؤمنين وطعنهم عليهم جملة وأفرادا، وهذا ~~كله عظيم مقلق وبسببه استحقوا القتل والإجلاء، وضرب الجزية، لكن أراد الله ~~تعالى بهذه الآية أن يلحظهم المؤمنون بعين الاحتقار حتى لا يصدوا أحدا عن ~~دينه ولا يشغلوه عن عبادة ربه، وهكذا هي فصاحة العرب، ومن هذا المعنى في ~~التحقير قول ثمامة بن أثال: يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم ~~على شاكر، وإن شئت المال فاسأل منه ما شئت، فقوله: ذا دم، روي بالذال ~~منقوطة، وبالدال غير منقوطة، فذم بفتح الذال وبكسرها أراد بها الذمام، وأما ~~الدال غير منقوطة، فيحتمل أنه أراد التعظيم لأمر نفسه، وذلك بأحد وجهين: ~~إما أن يريد الوعيد، أي تقتل ذا دم مطلوب بثأره له حماة فاحذر عاقبة ذلك، ~~وإما أن يريد تقتل ملكا يستشفى بدمه، كما كانت العرب تعتقد في دماء الملوك، ~~فهذا استعطاف لا وعيد، أي لا ينبغي ذلك أن تفسد مثلي، وهذا كما استعطف ~~الأشعث بن قيس أبا بكر رضي الله عنه بهذا المعنى، ويحتمل كلام ثمامة، أنه ~~أراد تحقير أمر نفسه وليذهب عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسرة ~~بنيل مثل هذا الأمر العظيم، ويجري ذلك مجرى قول أبي جهل لعبد الله بن ~~مسعود: وهل أعمد من رجل قتلتموه؟ ومثله قول الأسير لعمر بن عبد العزيز، حين ~~قال له: لأقتلنك، قال: إن ذلك لا ينقص من عدد الخزر شيئا فكأن ثمامة أراد: ~~إن تقتلني تقتل حيوانا حقيرا شأنه، كما يقتل كل ذي دم فما بالك تفعل ذلك ~~وتدع الإنعام علي؟ فالآية تنظر إلى هذا المعنى من جهة أنه حقر عند المؤمنين ~~ما هو عظيم في نفسه تنبيها لهم، وأخبر الله تعالى في قوله: وإن يقاتلوكم ~~الآية، بخبر غيب صححه الوجود، فهي من آيات محمد صلى الله عليه وسلم، وفائدة ~~الخبر هي في قوله: ثم لا ينصرون أي لا تكون حربهم معكم سجالا وخص الأدبار ~~بالذكر دون ms0625 الظهر تخسيسا للفار، وهكذا هو حيث تصرف. # وقوله: ضربت معناه: أثبتت بشدة والتزام مؤكد، وهذا وصف حال تقررت على ~~اليهود في أقطار PageV01P490 # الأرض قبل مجيء الإسلام، قال الحسن: جاء الإسلام وإن المجوس لتجبيهم ~~الجزية، وما كانت لهم عزة ومنعة إلا بيثرب وخيبر وتلك الأرض فأزالها الله ~~بالإسلام، ولم تبق لهم راية أصلا في الأرض، والذلة فعلة من الذل ثقفوا ~~معناه أخذوا وهم بحال المذنب المستحق الإهلاك، ومنه قوله تعالى: فإما ~~تثقفنهم في الحرب [الأنفال: 57] فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم [التوبة: 5] ~~واللفظة مأخوذة من الثقاف، ومنه قول الشاعر: # تدعو ثقيفا وقد عض الحديد بها ... عض الثقاف على صم الأنابيب # وقوله تعالى: إلا بحبل استثناء منقطع، وهو نظير قوله تعالى: وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ [النساء: 92] لأن بادي الرأي يعطي أن له أن ~~يقتل خطئا، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، ~~وإنما الكلام محذوف، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر، وتقديره في آياتنا ~~فلا نجاة من الموت إلا بحبل، وقوله تعالى: ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا ~~كأنه بالمعنى هلكوا واستؤصلوا، فلذلك حسن أن يجيء بعده إلا بحبل، وقرب فهم ~~ذلك للسامع، قال الزجاج: المعنى ضربت عليهم الذلة إلا أنهم يعتصمون بالعهد ~~إذا أعطوه، و «الحبل» العهد، شبه به لأنه يصل قوما بقوم كما يفعل الحبل في ~~الأجرام، وباؤ معناه مضوا متحملين لهذا الحكم، و «غضب الله عليهم» ، بما ~~دلت عليه هذه الأمور التي أوقع بهم، وأفعال بني إسرائيل على وجه الدهر من ~~التعنت والعصيان توجب الغضب، فلذلك خصوا به، والنصارى إنما ضلوا فقط، ~~والمسكنة التذلل والضعة، وهي حالة الطواف الملتمس للقمة واللقمتين المضارع ~~المفارق لحالة التعفف والتعزز به، فليس أحد من اليهود وإن كان غنيا إلا وهو ~~بهذه الحال، وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنة، ~~فعاقبهم الله على كفرهم وقتلهم الأنبياء بذلك، و «آيات الله» : يحتمل أن ~~يراد بها المتلوة، ويحتمل أن يريد العبر التي عرضت عليهم، وقوله: بغير حق ms0626 ~~تأكيد ومبالغة وقطع لما عسى أن يكون في وهم إنسان ممكنا بوجه ما، وقوله ~~تعالى: # ذلك بما عصوا حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير ~~إليه بذلك الأول، قاله الطبري والزجاج وغيرهما. والذي أقول: إن الإشارة ب ~~ذلك الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم، وذلك أن الله تعالى، استدرجهم ~~فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي ~~يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ~~ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل، ~~وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب ~~الله، وقال قتادة رحمه الله عند ما فسر هذه الآية: اجتنبوا المعصية ~~والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 114] # ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) PageV01P491 # لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل ~~الكتاب، عقب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان، وذلك أن أهل الكتاب لم ~~يزل فيهم من هو على استقامة، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من ~~الصالحين، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه. # قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا النظر أن جميع اليهود على عوج من وقت ~~عيسى، وتجيء الآية إشارة إلى من أسلم فقط، أو يكون اليهود في معنى الأمة ~~القائمة إلى وقت عيسى، ثم ينتقل الحكم في النصارى، ولفظ أهل الكتاب يعم ~~الجميع، والضمير في ليسوا لمن تقدم ذكره في قوله منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون [آل عمران: 110] وما قال أبو عبيدة من أن الآية نظيرة قول العرب ~~أكلوني البراغيث خطأ مردود، وكذلك أيضا ما حكي عن الفراء أن أمة مرتفعة ب ~~سواء على أنها فاعلة كأنه قال: لا تستوي أمة كذا وإن في ms0627 آخر الكلام محذوفا ~~معادلا تقديره وأمة كافرة، فأغنى القسم الأول عن ذكرها ودل عليه كما قال ~~أبو ذؤيب: # عصيت إليها القلب إني لأمرها ... سميع فما أدري أرشد طلابها؟ # المعنى أم غي، فاقتصر لدلالة ما ذكر عليه. # قال القاضي أبو محمد: وإنما الوجه أن الضمير في ليسوا يراد به من تقدم ~~ذكره، وسواء خبر ليس، ومن أهل الكتاب مجرور فيه خبر مقدم، وأمة رفع ~~بالابتداء قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة ~~بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود، معهم، قال الكفار ~~من أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا خيارا ما تركوا دين ~~آبائهم، فأنزل الله تعالى في ذلك ليسوا سواء الآية، وقال مثله قتادة وابن ~~جريج. # قال القاضي أبو محمد: وهو أصح التأويلات، وقال عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه: معنى الآية: # ليس اليهود وأمة محمد سواء، وقاله السدي. # قال القاضي أبو محمد: فمن حيث تقدم ذكر هذه الأمة في قوله كنتم خير أمة ~~[آل عمران: 110] وذكر أيضا اليهود قال الله لنبيه ليسوا سواء والكتاب على ~~هذا جنس كتب الله وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط، والمعنى: من أهل ~~الكتاب وهم أهل القرآن أمة قائمة، واختلف عبارة المفسرين في قوله قائمة ~~فقال مجاهد: معناه عادلة، وقال قتادة والربيع وابن عباس: معناه قائمة على ~~كتاب الله وحدوده مهتدية، وقال السدي: القائمة القانتة المطيعة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يرجع إلى معنى واحد من الاعتدال على أمر ~~الله، ومنه قيل للدنانير أو الدراهم الوازنة قائمة وهذه الآية تحتمل هذا ~~المعنى وأن لا تنظر اللفظة إلى هيئة الأشخاص وقت تلاوة آيات الله، ويحتمل ~~أن يراد ب قائمة وصف حال التالين في آناء الليل، ومن كانت هذه حاله فلا ~~محالة أنه معتدل على أمر الله، وهذه الآية في هذين الاحتمالين مثل ما تقدم ~~في قوله إلا ما دمت عليه قائما PageV01P492 # [آل عمران: 75] ويتلون معناه: يسردون، وآيات الله في ms0628 هذه الآية هي كتبه، ~~و «الآناء» : # الساعات واحدها «إني» بكسر الهمزة وسكون النون، ويقال فيه «أني» بفتح ~~الهمزة، ويقال «إنى» بكسر الهمزة وفتح النون والقصر، ويقال فيه «أنى» بفتح ~~الهمزة ويقال «إنو» بكسر الهمزة وسكون النون وبواو مضمومة ومنه قول ~~الهذيلي: [البسيط] # حلو ومر كعطف القدح مرته ... في كل إني قضاه الليل ينتعل # وحكم هذه الآية لا يتفق في شخص بأن يكون كل واحد يصلي جميع ساعات الليل ~~وإنما يقوم هذا الحكم من جماعة الأمة، إذ بعض الناس يقوم أول الليل، وبعضهم ~~آخره، وبعضهم بعد هجعة ثم يعود إلى نومه، فيأتي من مجموع ذلك في المدن ~~والجماعات عبارة آناء الليل بالقيام، وهكذا كان صدر هذه الأمة، وعرف الناس ~~القيام في أول الثلث الآخر من الليل أو قبله بشيء، وحينئذ كان يقوم الأكثر، ~~والقيام طول الليل قليل وقد كان في الصالحين من يلتزمه، وقد ذكر الله تعالى ~~القصد من ذلك في سورة المزمل، وقيام الليل لقراءة العلم المبتغى به وجه ~~الله داخل في هذه الآية، وهو أفضل من التنفل لمن يرجى انتفاع المسلمين ~~بعلمه، وأما عبارة المفسرين في آناء الليل، فقال الربيع وقتادة وغيرهما: ~~آناء الليل ساعات الليل، وقال عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول آناء ~~الليل ساعات الليل، وقال السدي: آناء الليل جوف الليل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق، أما ان جوف الليل جزء من الآناء، وقال ~~ابن مسعود: نزلت هذه الآية بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم احتبس عنا ~~ليلة عن صلاة العشاء وكان عند بعض نسائه فلم يأت حتى مضى ليل، فجاء ومنا ~~المصلي ومنا المضطجع، فقال: أبشروا فإنه ليس أحد من أهل الكتاب يصلي هذه ~~الصلاة، فأنزل الله تعالى: ليسوا سواء الآية، فالمراد بقوله: يتلون آيات ~~الله آناء الليل صلاة العشاء، وروى سفيان الثوري عن منصور أنه قال: بلغني ~~أن هذه الآية نزلت في المصلين بين العشاءين وقوله تعالى: وهم يسجدون ذهب ~~بعض الناس إلى أن السجود هنا عبارة عن الصلاة، سماها بجزء شريف ms0629 منها كما ~~تسمى في كثير من المواضع ركوعا، فهي على هذا جملة في موضع الحال، كأنه قال: # يتلون آيات الله آناء الليل مصلين، وذهب الطبري وغيره إلى أنها جملة ~~مقطوعة من الكلام الأول، أخبر عنهم أنهم أيضا أهل سجود. # قال القاضي أبو محمد: ويحسن هذا من جهة أن التلاوة آناء الليل قد يعتقد ~~السامع أن ذلك في غير الصلاة، وأيضا فالقيام في قراءة العلم يخرج من الآية ~~على التأويل الأول، ويثبت فيها على هذا الثاني ف هم يسجدون على هذا نعت عدد ~~بواو العطف، كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل. # ويؤمنون معناه: يصدقون، وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالأنبياء، لأنه ~~من جائزات العقل التي أثبتها السمع من الأنبياء، وقوله تعالى: ويسارعون في ~~الخيرات وصف بأنهم متى دعوا إلى خير من نصر مظلوم وإغاثة مكروب وجبر مهيض ~~وعبادة الله أجابوا، ومنه فعل مالك رضي الله عنه في ركعتي المسجد، وقال: ~~دعوتني إلى خير فأجبت إليه، ومما يدخل في ضمن قوله تعالى: ويسارعون في PageV01P493 # الخيرات # أن يكون المرء مغتنما للخمس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اغتنم ~~خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك ~~قبل مماتك، وغناك قبل فقرك، فيكون متى أراد أن يصنع خيرا بادر إليه ولم ~~يسوف نفسه بالأمل، فهذه أيضا مسارعة في الخيرات، وذكر بعض الناس قال: دخلت ~~مع بعض الصالحين في مركب فقلت له: ما تقول أصلحك الله في الصوم في السفر؟ ~~فقال لي: إنها المبادرة يا ابن أخي، قال المحدث: فجاءني والله بجواب ليس من ~~أجوبة الفقهاء، ثم وصف الله تعالى من تحصلت له هذه الصفات، بأنه من جملة ~~الصالحين، ومن يحسن أن تكون للتبعيض، ويحسن أن تكون لبيان الجنس. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 115 الى 117] # وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) إن الذين كفروا ~~لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه ms0630 الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت ~~حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) # قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر «تفعلوا وتكفروه» ~~بالتاء على مخاطبة هذه الأمة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء ~~فيهما، على مشابهة ما تقدم من «يتلون ويؤمنون» وما بعدهما، وكان أبو عمرو ~~يقرأ بالوجهين، وتكفروه معناه: يعطى دونكم فلا تثابون عليه، ومن هذا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: من أزلت إليه نعمة فليذكرها فإن ذكرها فقد ~~شكرها، فإن لم يفعل فقد كفرها، ومنه قول الشاعر: [عنترة] : [الكامل] : # (والكفر مخبثة لنفس المنعم) وفي قوله تعالى: والله عليم بالمتقين وعد ~~ووعيد. # ثم عقب تعالى ذكر هذا الصنف الصالح بذكر حال الكفار، ليبين الفرق، وخص ~~الله تعالى «الأموال والأولاد» بالذكر لوجوه. منها أنها زينة الحياة ~~الدنيا، وعظم ما تجري إليه الآمال، ومنها أنها ألصق النصرة بالإنسان ~~وأيسرها، ومنها أن الكفار يفخرون بالآخرة لا همة لهم إلا فيها هي عندهم ~~غاية المرء وبها كانوا يفخرون على المؤمنين، فذكر الله أن هذين اللذين هما ~~بهذه الأوصاف لا غناء فيهما من عقاب الله في الآخرة، فإذا لم تغن هذه ~~فغيرها من الأمور البعيدة أحرى أن لا يغني وقوله تعالى: أصحابه إضافة تخصيص ~~ما، تقتضي ثبوت ذلك لهم ودوامه. # وقوله تعالى: ثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا # الآية، معناه: المثال القائم في النفوس من إنفاقهم الذي يعدونه قربة ~~وحسبة وتحنثا ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباء منثورا، وذهابه كالمثال ~~القائم في النفوس من زرع قوم نبت واخضر وقوي الأمل فيه فهبت عليه يح فيها ~~صر # محرق فأهلكته، فوقع PageV01P494 # التشبيه بين شيئين وشيئين، ذكر الله عز وجل أحد الشيئين المشبهين وترك ~~ذكر الآخر ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي يوازي المذكور الأول، ~~وترك ذكر الآخر، ودل المذكور أن على المتروكين، وهذه غاية البلاغة ~~والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع [البقرة: 171] ، وقرأ عبد ms0631 الرحمن بن هرمز الأعرج، «تنفقون» بالتاء على ~~معنى قل لهم يا محمد، وثل # رفع بالابتداء وخبره في محذوف به تتعلق الكاف من قوله مثل # ، وا # بمعنى الذي وجمهور المفسرين على أن نفقون # يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها في التحنث وفي عداوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان ذلك عندهم قربة، وقال السدي: نفقون # معناه من أقوالهم التي يبطنون ضدها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الآية في منافقين والآية ~~إنما هي في كفار يعلنون مثل ما يبطنون، وذهب بعض المفسرين إلى أن نفقون # يراد به أعمالهم من الكفر ونحوه، أي هي «كالريح التي فيها صر» ، فتبطل كل ~~ما لهم من صلة رحم وتحنث بعتق ونحوه، كما تبطل الريح الزرع، وهذا قول حسن ~~لولا بعد الاستعارة في الإنفاق، و «الصر» البرد الشديد، المحرق لكل ما يهب ~~عليه وهو معروف قال ابن عباس وجمهور المفسرين: «الصر» البرد، وتسميه العرب ~~الضريب، وذهب الزجاج وغيره: # إلى أن اللفظة من التصويت، من قولهم صر الشيء، ومنه الريح الصرصر، قال ~~الزجاج: فالصر صوت النار التي في الريح. # قال القاضي: «الصر» هو نفس جهنم الذي في الزمهرير يحرق نحوا مما تحرق ~~النار، و «الحرث» شامل للزرع والثمار، لأن الجميع مما يصدر عن إثارة الأرض، ~~وهي حقيقة الحرث، ومنه الحديث لا زكاة إلا في عين أو حرث أو ماشية، وقال عز ~~وجل: لموا أنفسهم # فما بال هذا التخصيص والمثل صحيح، وإن كان الحرث لمن لم يظلم نفسه؟ ~~فالجواب أن ظلم النفس في هذه الآية تأوله جمهور المفسرين بأنه ظلم بمعاصي ~~الله، فعلى هذا وقع التشبيه بحرث من هذه صفته، إذ عقوبته أوخى وأخذ الله له ~~أشد والنقمة إليه أسرع وفيه أقوى، كما روي في جوف العير وغيره، وأيضا فمن ~~أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا فإنما هي بمعاصي العبيد، وينتزع ذلك ~~من غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله: إن كل حرث تحرقه ريح فإنما هو ~~لمن قد ظلم نفسه، ms0632 وذهب بعض الناس ونحا إليه المهدوي: إلى أن قوله تعالى: # ث قوم ظلموا أنفسهم # معناه زرعوا في غير أوان الزراعة. # قال أبو محمد: وينبغي أن يقال في هذا: لموا أنفسهم # بأن وضعوا أفعال الفلاحة غير موضعها من وقت أو هيئة عمل، ويخص هؤلاء ~~بالذكر لأن الحرق فيما جرى هذا المجرى أو عب وأشد تمكنا، وهذا المنزع يشبهه ~~من جهة ما قول امرئ القيس: [المتقارب] # وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر # فخصص الغوي لأنه يلقي النار في النخلة الخضراء الحسنة التي لا ينبغي أن ~~تحرق، فتطفىء النار عن نفسها رطوبتها بعد أن تتشذب وتسود، فيجيء الشبه ~~حسنا، والرشيد لا يضرم النار إلا فيما يبس واستحق فهو يذهب ولا يبقى منه ما ~~يشبه به، والضمير في لمهم # للكفار الذين تقدم ضميرهم في نفقون PageV01P495 # وليس هو للقوم ذوي الحرث لأنهم لم يذكروا ليرد عليهم، ولا ليبين ظلمهم ~~وأيضا فقوله: لكن أنفسهم يظلمون # ، يدل على فعل الحال في حاضرين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 118] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون (118) # نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود ~~أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون ~~إليهم، وقوله: من دونكم # يعني من دون المؤمنين، ولفظة «دون» تقتضي فيما أضيف إليه أنه معدوم من ~~القصة التي فيها الكلام، فشبه الأخلاء بما يلي بطن الإنسان من ثوبه، ومن ~~هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله ~~بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ~~والمعصوم من عصم الله، وقوله: لا يألونكم خبالا معناه لا يقصرون لكم فيما ~~فيه الفساد عليكم، تقول: ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت ومنه قول ~~زهير: # جرى بعدهم قوم لكي يلحقوهم ... فلم ms0633 يلحقوا ولم يليموا ولم يألوا # أي لم يقصروا، والخبل والخبال: الفساد، وقال ابن عباس: كان رجال من ~~المؤمنين يواصلون رجالا من اليهود للجوار والحلف الذي كان بينهم في ~~الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، وقال أيضا ابن عباس وقتادة والربيع والسدي: ~~نزلت في المنافقين: نهى الله المؤمنين عنهم، وروى أنس بن مالك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم ~~عربيا فسره الحسن بن أبي الحسن، فقال أراد عليه السلام، لا تستشيروا ~~المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم (محمدا) . # قال القاضي: ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع ~~والشراء والاستنامة إليهم، وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه ~~عمر يعنفه، وتلا عليه هذه الآية، وقيل لعمر: # إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب ~~عنك؟ فقال: إذا أتخذ بطانة من دون المؤمنين، وما في قوله، ما عنتم مصدرية، ~~فالمعنى: ودوا عنتكم، و «العنت» : المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت: ~~أي شاقة، وقوله تعالى: ذلك لمن خشي العنت [النساء: 35] معناه المشقة إما في ~~الزنا وإما في ملك الإرب قال السدي: معناه «ودوا» ما ضللتم، وقال ابن جريج: ~~المعنى «ودوا» أن تعنتوا في دينكم ويقال عنت الرجل يعنت بكسر النون في ~~الماضي، وقوله تعالى: قد بدت البغضاء من أفواههم يعني بالأقوال، فهم فوق ~~المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة ~~إشارة إلى شدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، ويشبه هذا الذي قلناه ما في ~~الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتشحى الرجل في عرض أخيه، ~~معناه: أن يفتح فاه به يقال شحى الحمار فاه PageV01P496 # بالنهيق وشحى اللجام في الفرس، والنهي في أن يأخذ أحد عرض أخيه همسا ~~راتب، فذكر التشحي إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط، وقوله: وما تخفي ~~صدورهم أكبر إعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم، وفي ~~قراءة ms0634 عبد الله بن مسعود: «قد بدا البغضاء» بتذكير الفعل، لما كانت البغضاء ~~بمعنى البغض، ثم قال تعالى للمؤمنين، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ~~تحذيرا وتنبيها، وقد علم تعالى أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول: إن ~~كنت رجلا فافعل كذا وكذا. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 119] # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور (119) # تقدم إعراب نظير هذه الآية وقراءتها في قوله تعالى آنفا: ها أنتم هؤلاء ~~حاججتم فيما لكم به علم [آل عمران: 66] والضمير في تحبونهم لمنافقي اليهود ~~الذين تقدم ذكرهم في قوله: بطانة من دونكم [آل عمران: 118] والضمير في هذه ~~الآية اسم للجنس، أي تؤمنون بجميع الكتب وهم لا يؤمنون بقرآنكم، وإنما وقف ~~الله تعالى المؤمنين بهذه الآية على هذه الأحوال الموجبة لبغض المؤمنين ~~لمنافقي اليهود واطراحهم إياهم، فمن تلك الأحوال أنهم لا يحبون المؤمنين ~~وأنهم يكفرون بكتابهم وأنهم ينافقون عليهم ويستخفون بهم ويغتاظون ويتربصون ~~الدوائر عليهم، وقوله تعالى: عضوا عليكم الأنامل عبارة عن شدة الغيظ مع عدم ~~القدرة على إنفاذه ومنه قول أبي طالب: [الطويل] (يعضون غيظا خلفنا ~~بالأنامل) ومنه قول الآخر [الفرزدق] : # وقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم # وهذا العض هو بالأسنان، وهي هيئة في بدن الإنسان تتبع هيئة النفس ~~الغائظة، كما أن عض اليد على اليد يتبع هيئة النفس النادمة فقط، إلى غير ~~ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ونحوه، ويكتب هذا العض بالضاد، ~~ويكتب عظ الزمان بالظاء المشالة وواحد «الأنامل» أنملة بضم الميم، ويقال ~~بفتحها والضم أشهر، ولا نظير لهذا الاسم في بنائه إلا أشد، له نظائر في ~~الجموع، وقوله وتؤمنون بالكتاب كله يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في ~~منافقي العرب، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون ~~في الظاهر إيمانا مطلقا ويكفرون في الباطن، كما كان المنافقون ms0635 من العرب ~~يفعلون، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي فلم يبق إلا أن قولهم: ~~آمنا معناه: صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم ~~وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة، ~~وهذا منزع قد حفظ أن كثيرا من اليهود كان يذهب إليه، ويدل على هذا التأويل ~~أن المعادل لقولهم آمنا، «عض الأنامل من الغيظ» ، وليس هو ما يقتضي ~~الارتداد كما هو في قوله PageV01P497 # تعالى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [البقرة: 14] بل هو ما ~~يقتضي البغض وعدم المودة، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال: هم ~~الإباضية. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم ~~القيامة، وقوله تعالى: # قل موتوا بغيظكم، قال فيه الطبري وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا يتجه أن يدعى عليهم بهذا مواجهة، قال قوم: ~~بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يواجهوهم بهذا. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع ~~والإغاظة، ويجري المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو: # وننمي في ارومتنا ونفقأ عين من حسدا وينظر إلى هذا المعنى في قوله، موتوا ~~بغيظكم قوله تعالى: فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع [الحج: 15] ، وقوله: ~~إن الله عليم بذات الصدور وعيد يواجهون به على هذا التأويل الأخير في موتوا ~~بغيظكم و «ذات الصدور» : ما تنطوي عليه، والإشارة هنا إلى المعتقدات ومن ~~هذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة، ومنه ~~قولهم: الذيب مغبوط بذي بطنه، وال «ذات» : لفظ مشترك في معان لا يدخل منها ~~في هذه الآية إلا ما ذكرناه. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 120] # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) # «الحسنة والسيئة» في هذه الآية لفظ عام في كل ما يحسن ms0636 ويسوء، وما ذكر ~~المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم وغير ذلك من ~~الأقوال، فإنما هي أمثلة وليس ذلك باختلاف وذكر تعالى «المس في الحسنة» ~~ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك ~~بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن، لأن الشيء المصيب لشيء فهو ~~متمكن منه أو فيه، فدل هذا المنزع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا ~~يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة ~~الحسد في الأغلب، ولا سيما في مثل هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا ~~والآخرة وقد قال الشاعر: [البسيط] # كل العداوة قد ترجى إزالتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد # ولما قرر تعالى هذا الحال لهؤلاء المذكورين، وأوجبت الآية أن يعتقدهم ~~المؤمنون بهذه الصفة، جاء قوله تعالى: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم، وشرط ذلك بالصبر والتقوى، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو ونافع: «لا يضركم» بكسر الضاد وجزم الراء وهو من ضار يضير PageV01P498 # بمعنى ضر يضر وهي لغة فصيحة، وحكى الكسائي: ضار يضور، ولم يقرأ على هذه ~~اللغة، ومن ضار يضير في كتاب الله لا ضير [الشعراء: 50] ومنه قول أبي ذؤيب ~~الهذلي: # فقيل تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأتها لا يضيرها # يصف مدينة، والمعنى فليس يضيرها، وفي هذا النفي المقدر بالفاء هو جواب ~~الشرط، ومن اللفظ قول توبة بن الحمير: # وقال أناس لا يضيرك نأيها ... بلى كل ما شق النفوس يضيرها # وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: «لا يضركم» بضم الضاد والراء ~~والتشديد في الراء، وهذا من ضر يضر، وروي عن حمزة مثل قراءة أبي عمرو، وأما ~~إعراب هذه القراءة فجزم، وضمت الراء للالتقاء، وهو اختيار سيبويه في مثل ~~هذا اتباعا لضمة الضاد، ويجوز فتح الراء وكسرها مع إرادة الجزم، فأما الكسر ~~فلا أعرفها قراءة، وعبارة الزجاج في هذا متجوز فيها، إذ يظهر من درج كلامه ~~أنها قراءة، وأما فتح الراء من قوله «لا يضركم» فقرأ ms0637 به عاصم فيما رواه أبو ~~زيد عن المفضل عنه، ويجوز أيضا أن يكون إعراب قوله، «لا يضركم» ، رفعا إما ~~على تقدير، فليس يضركم، على نحو تقدم في بيت أبي ذؤيب، وإما على نية التقدم ~~على «وإن تصبروا» كما قال [جرير بن عبد الله] : [الرجز] # يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع # المراد أنك تصرع، وقرأ أبي بن كعب: «لا يضرركم» براءين وذلك على فك ~~الإدغام وهي لغة أهل الحجاز وعليها قوله تعالى في الآية إن تمسسكم ولغة ~~سائر العرب الإدغام في مثل هذا كله، و «الكيد» الاحتيال بالأباطيل وقوله ~~تعالى: وأكيد كيدا [الطارق: 16] إنما هي تسمية العقوبة باسم الذنب، وقوله ~~تعالى: إن الله بما يعملون محيط وعيد، والمعنى محيط جزاؤه وعقابه وبالقدرة ~~والسلطان، وقرأ الحسن: «بما تعملون» بالتاء، وهذا إما على توعد المؤمنين في ~~اتخاذ هؤلاء بطانة، وإما على توعد هؤلاء المنافقين بتقدير: قل لهم يا محمد. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 121 الى 122] # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) إذ ~~همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (122) # ذهب الطبري رحمه الله إلى أن هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من الآيات ~~والظاهر أنها استقبال أمر آخر، لأن تلك مقاولة في شأن منافقي اليهود، وهذا ~~ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره واذكر، ~~وقال الحسن: هذا الغدو المذكور في هذه الآية «لتبويء المؤمنين» الذي كان في ~~غزوة الأحزاب. # قال القاضي أبو محمد: وخالفه الناس، والجمهور على أن ذلك كان في غزوة ~~أحد، وفيها نزلت هذه PageV01P499 # الآيات كلها، وكان من أمر غزوة أحد أن المشركين اجتمعوا في ثلاثة آلاف ~~رجل، وقصدوا المدينة ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر، فنزلوا عند أحد يوم ~~الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين شهرا ~~من الهجرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة يدبر وينتظر أمر ms0638 الله تعالى، فلما كان في صبيحة يوم الجمعة جمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس واستشارهم وأخبرهم أنه كان يرى بقرة ~~تذبح وثلما في ذباب سيفه، وأنه يدخل يده في درع حصينة، وأنه تأولها ~~المدينة، وقال لهم، أرى أن لا نخرج إلى هؤلاء الكفار، فقال له عبد الله بن ~~أبي ابن سلول: أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإن هم أقاموا ~~أقاموا بشر محبس، وإن انصرفوا مضوا خائبين، وإن جاؤونا إلى المدينة ~~قاتلناهم في الأفنية ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، فو الله ~~ما حاربنا قط عدوا في هذه المدينة إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا ~~غلبنا، فوافق هذا الرأي رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي جماعة ~~عظيمة من المهاجرين والأنصار، وقال قوم من صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته ~~بدر: يا رسول الله اخرج بنا إلى عدونا، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب، فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس صلاة الجمعة وقد جشمه هؤلاء ~~الداعون إلى الحرب، فدخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه، فندم أولئك القوم ~~وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج عليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سلاحه، قالوا: يا رسول الله أقم إن شئت، فإنا لا نريد أن ~~نكرهك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن ~~يضعها حتى يقاتل ثم خرج بالناس، وسار حتى قرب من عسكر المشركين هناك وبات ~~تلك الليلة، وقد غضب عبد الله بن أبي ابن سلول وقال: أطاعهم وعصاني، فلما ~~كان في صبيحة يوم السبت، اعتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السير إلى ~~مناجزة المشركين، فنهض وهو في ألف رجل، فانعزل عنه عند ذلك عبد الله بن أبي ~~ابن سلول بثلاثمائة رجل من الناس، من منافق ومتبع، وقالوا: نظن أنكم لا ~~تلقون قتالا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبعمائة، فهمت عند ذلك ~~بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة ms0639 من الخزرج بالانصراف، ورأوا كثافة المشركين ~~وقلة المسلمين، وكادوا أن يجبنوا ويفشلوا فعصمهم الله تعالى، وذم بعضهم ~~بعضا، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أطل على المشركين، فتصاف الناس، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد أمر على الرماة عبد الله بن جبير، وكانوا خمسين رجلا، وجعلهم يحمون ~~الجبل وراء المسلمين، وأسند هو إلى الجبل، فلما أضرمت الحرب انكشف المشركون ~~وانهزموا، وجعل نساء المشركين تبدو خلاخلهن وهن يسندن في صفح جبل، فلما رأى ~~الرماة ذلك قالوا: الغنيمة الغنيمة أيها المسلمون، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد قال لهم: لا تبرحوا من هنا ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير، فقال ~~لهم عبد الله بن جبير وقوم منهم: اتقوا الله واثبتوا كما أمركم نبيكم، ~~فعصوا وخالفوا وزالوا متبعين، وكان خالد بن الوليد قد تجرد في جريدة خيل ~~وجاء من خلف المسلمين حيث كان الرماة، فحمل على الناس ووقع التخاذل وصيح في ~~المسلمين من مقدمتهم ومن ساقتهم، وصرخ صارخ: قتل محمد، فتخاذل الناس ~~واستشهد من المسلمين نيف على سبعين، قال مكي: قال مالك رحمه الله: قتل من ~~المهاجرين يوم أحد أربعة، ومن الأنصار سبعون وتحيز رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أعلى الجبل PageV01P500 # وتحاوز الناس، هذا مختصر من القصة يتركب عليه تفسير الآية، وأمر «أحد» ~~بطوله وما تخلله من الأفعال والأقوال، مستوعب في كتب السير، وليس هذا ~~التعليق مما يقتضي ذكره وحكى مكي عن السدي ما يظهر منه أن القتال كان يوم ~~الجمعة، وحكى عنه الطبري، أن نزول أبي سفيان بأحد كان # في الثالث من شوال، وذلك كله ضعيف، وقال النقاش: وقعة «أحد» في الحادي ~~عشر من شوال، وذلك خطأ، قال الطبري وغيره: فغدو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم الجمعة إلى التدبير مع الناس واستشارتهم هو الذي عبر عنه بقوله ~~تعالى: تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال. # قال القاضي: ولا سيما أن غدو النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ورأيه أن ms0640 ~~لا يخرج الناس، فكان لا يشك في نفسه أن يقسم أقطار المدينة على قبائل ~~الأنصار، وقال غير الطبري: بل نهوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ~~بعد الصلاة، هو غدوه، وبوأ المؤمنين في وقت حضور القتال، وقيل ذلك في ~~ليلته، وسماه «غدوا» إذ كان قد اعتزم التدبير، والشروع في الأمر من وقت ~~الغدو. # قال القاضي أبو محمد: ولا سيما أن صلاة الجمعة ربما كانت قبل الزوال، ~~حسبما وردت بذلك أحاديث، فيجيء لفظ الغدو متمكنا، وقيل إن «الغدو» المذكور ~~هو «غدوة» يوم السبت إلى القتال، ومن حيث لم يكن في تلك الليلة موافقا ~~للغدو فهو كأنه كان في أهله وبوأ المسلمين بأمره الرماة وبغير ذلك من ~~تدبيره مصاف الناس وتبوئ معناه: تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها ويثبتون تقول: ~~تبوأت مكان كذا، إذا حللته حلولا متمكنا تثبت فيه، ومنه قوله تعالى: نتبوأ ~~من الجنة حيث نشاء [الزمر: 74] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل مرفل] # كم صاحب لي صالح ... بوأته بيدي لحدا # ومنه قول الأعشى: [الطويل] # وما بوأ الرحمن بيتك منزلا ... بشرقي أجياد الصفا والمحرم # وقوله تعالى: مقاعد جمع مقعد وهو مكان القعود، وهذا بمنزلة قولك مواقف، ~~ولكن لفظة القعود أدل على الثبوت، ولا سيما أن الرماة إنما كانوا قعودا، ~~وكذلك كانت صفوف المسلمين أولا، والمبارزة والسرعان يجولون، وقوله: والله ~~سميع أي ما تقول ويقال لك وقت المشاورة وغيره. # وإذ الثانية بدل من الأولى، وهمت معناه أرادت ولم تفعل، والفشل في هذا ~~الموضع هو الجبن الذي كاد يلحق بني سلمة وبني حارثة و «الفشل» في البدن هو ~~الإعياء والتبليح، و «الفشل» في الرأي هو العجز والحيرة وفساد العزم، وقال ~~جابر بن عبد الله: ما وددنا أنها لم تنزل، لقوله تعالى: والله وليهما، ~~وقوله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما ~~فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ ms0641 عبد ~~الله بن مسعود، «تبوىء للمؤمنين» بلام الجر، وقرأ «والله وليهم» على معنى ~~الطائفتين لا على اللفظ. PageV01P501 # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 123 الى 125] # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (124) ~~بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين (125) # لما أمر الله تعالى بالتوكل عليه، ذكر بأمر «بدر» الذي كان ثمرة التوكل ~~على الله والثقة به، فمن قال من المفسرين إن قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمؤمنين: ألن يكفيكم. كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر «بدر» وبأمر ~~الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرضا على الجد والتوكل على الله، ومن ~~قال: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألن يكفيكم الآية، إنما كان في غزوة ~~أحد، كان قوله تعالى: # ولقد نصركم الله ببدر إلى تشكرون اعتراضا بين الكلام جميلا، والنصر ببدر ~~هو المشهور الذي قتل فيه صناديد قريش، وعلى ذلك اليوم انبنى الإسلام، وكانت ~~«بدر» يوم سبعة عشر من رمضان يوم جمعة لثمانية عشر شهرا من الهجرة، و «بدر» ~~ماء هنالك سمي به الموضع، وقال الشعبي: كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمى ~~بدرا فبه سمي، قال الواقدي: فذكرت هذا لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح ~~فأنكراه وقالا: # بأي شيء سميت الصفراء والجار وغير ذلك من المواضع؟ قال وذكرت ذلك ليحيى ~~بن النعمان الغفاري فقال: سمعت شيوخا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا ~~وما ملكه أحد قط يقال له بدر، وما هو من بلاد جهينة إنما هي بلاد غفار، قال ~~الواقدي: فهذا المعروف عندنا، وقوله تعالى: وأنتم أذلة معناه قليلون، وذلك ~~أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا، وكان عدوهم ما بين ~~التسعمائة إلى الألف، وأذلة جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم ~~يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في ~~أقطار الأرض ms0642 يقتضي عند التأمل ذلتهم، وأنهم مغلوبون، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك اليوم: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، وهذه ~~الاستعارة كاستعارة الكذب في قوله في الموطأ، كذب كعب، وكقوله كذب أبو ~~محمد، وكاستعارة المسكنة لأصحاب السفينة على بعض الأقوال، إذ كانت مسكنتهم ~~بالنسبة إلى الملك القادر الغاصب، ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى، ورجاهم ~~بالإنعام الذي يوجب الشكر، ويحتمل أن يكون المعنى: اتقوا الله عسى أن يكون ~~تقواكم شكرا على النعمة في نصره ببدر. # وقوله تعالى: إذ تقول العامل في إذ فعل مضمر، ويحتمل أن يكون العامل ~~نصركم وهذا على قول الجمهور: إن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~ببدر قال الشعبي والحسن بن أبي الحسن وغيرهما إن هذا كان ببدر، قال الشعبي ~~بلغ المؤمنين أن كرز بن جابر بن حسل المحاربي محارب فهر، قد جاء في مدد ~~للمشركين، فغم ذلك المؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين عن ~~أمر الله تعالى، هذه المقالة فصبر المؤمنون واتقوا، وهزم المشركون وبلغت ~~الهزيمة كرزا ومن معه فانصرفوا ولم يأتوا من فورهم، ولم يمد المؤمنون ~~بالملائكة، وكانت الملائكة بعد ذلك تحضر حروب النبي صلى الله PageV01P502 # عليه وسلم مددا، وهي تحضر حروب المسلمين إلى يوم القيامة. # قال القاضي: وخالف الناس الشعبي في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأن ~~الملائكة حضرت بدرا وقاتلت، ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة، لو كنت ~~معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ~~ولا أتمارى، ومنه حديث الغفاري وابن عمه اللذين سمعا من الصحابة، أقدم ~~حيزوم فانكشف قناع قلب أحدهما فمات مكانه، وتماسك الآخر، وقال ابن عباس: لم ~~تقاتل الملائكة في يوم من الأيام إلا يوم بدر، وكانوا يكونون في سائر ~~الأيام عددا ومددا لا يضربون، ومن ذلك قول أبي سفيان بن الحارث لأبي لهب: ~~ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون، وعلى ذلك فو ~~الله ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا ms0643 على خيل بلق بين السماء والأرض ما ~~تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، ومن ذلك أن أبا اليسر كعب بن عمرو الأنصاري ~~أحد بني سلمة أسر يوم بدر العباس بن عبد المطلب وكان أبو اليسر رجلا مجموعا ~~وكان العباس رجلا طويلا جسيما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # لقد أعانك عليه ملك كريم، الحديث بطوله، وقد قال بعض الصحابة: كنت يوم ~~بدر أتبع رجلا من المشركين لأضربه بسيفي فلما دنوت منه وقع رأسه قبل أن يصل ~~سيفي إليه فعلمت أن ملكا قتله، وقال قتادة ابن دعامة: أمد الله المؤمنين ~~يوم بدر بخمسة آلاف من الملائكة، قال الطبري: وقال آخرون: إن الله وعد ~~المؤمنين يوم بدر أن يمدهم في حروبهم كلها إن صبروا واتقوا، فلم يفعلوا ذلك ~~إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا قريظة، ثم أدخل تحت هذه الترجمة عن ~~عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: حاصرنا قريظة مدة فلم يفتح علينا فرجعنا، ~~فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا بغسل يريد أن يغسل رأسه، إذ ~~جاءه جبريل عليه السلام فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بخرقة ولم يغسله، ونادى فينا فقمنا ~~كالين متعبين، حتى أتينا قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله بالملائكة ~~بثلاثة آلاف، وفتح لنا فتحا يسيرا، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل، وقال ~~عكرمة: كان الوعد يوم بدر، فلم يصبروا يوم أحد ولا اتقوا، فلم يمدوا ولو ~~مدوا لم يهزموا، وقال الضحاك: كان هذا الوعد والمقالة للمؤمنين يوم أحد، ~~ففر الناس وولوا مدبرين فلم يمدهم الله، وإنما مدوا يوم بدر بألف من ~~الملائكة مردفين، وقال ابن زيد: قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد وهم ينتظرون المشركين: # يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ألن يكفيكم الآية وإنما أمدهم يوم بدر بألف قال ابن زيد: ~~فلم يصبروا، وقوله تعالى: ألن يكفيكم تقرير على اعتقادهم ms0644 الكفاية في هذا ~~العدد من الملائكة، ومن حيث كان الأمر بينا في نفسه أن الملائكة كافية، ~~بادر المتكلم إلى الجواب ليبني ما يستأنف من قوله عليه فقال: بلى وهي جواب ~~المقررين، وهذا يحسن في الأمور البينة التي لا محيد في جوابها، ونحوه قوله ~~تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله [الأنعام: 19] وفي مصحف أبي بن كعب، ~~«ألا يكفيكم» وقد مضى القول في قوله: ويمدهم في طغيانهم [البقرة: 15] وقرأ ~~الحسن بن أبي الحسن: «بثلاثة آلاف» ، يقف على الهاء، وكذلك «بخمسة آلاف» ، ~~ووجه هذه القراءة ضعيف، لأن المضاف والمضاف إليه يقتضيان الاتصال، إذ هما ~~كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال للأول، والهاء إنما هي أمارة وقف، فيقلق ~~الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا PageV01P503 # للعرب في مواضع، فمن ذلك ما حكاه الفراء أنهم يقولون: أكلت لحما، شاة، ~~يريدون لحم شاة فمطلوا الفتحة حتى نشأت عنها ألف، كما قالوا في الوقف، ~~قالا: يريدون قال: ثم مطلوا الفتحة في القوافي ونحوها من مواضع الروية ~~والتثبت، ومن ذلك في الشعر قول الشاعر: [عنترة] : [الرجز] : # ينباع من ذفرى غضوب جسرة يريد ينبع فمطل ومنه قول الآخر: [الرجز] # أقول إذ جرت على الكلكال ... يا ناقتا ما جلت من مجال # يريد على الكلكل، فمطل ومنه قول الآخر: [لابن هرمة] : [الوافر] # فأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمنتزاح # يريد بمنتزح، قال أبو الفتح: فإذا جاز ان يعترض هذا التمادي بين أثناء ~~الكلمة الواحدة، جاز التمادي والتأني بين المضاف والمضاف إليه إذ هما في ~~الحقيقة اثنان، وقرأ ابن عامر وحده: «منزلين» بفتح النون والزاي مشددة، ~~وقرأ الباقون: منزلين بسكون النون وفتح الزاي مخففة، وقرأ ابن أبي عبلة: ~~«منزلين» بفتح النون وكسر الزاي مشددة، معناها: ينزلون النصر، وحكى النحاس ~~قراءة ولم ينسبها: «منزلين» بسكون النون وكسر الزاي خفيفة، وفسرها بأنهم ~~ينزلون النصر. # وبلى - جواب للنفي الذي في ألن وقد تقدم معناه، ثم ذكر تعالى الشرط الذي ~~معه يقع الإمداد وهو الصبر، والتقى. و «الفور» : النهوض ms0645 المسرع إلى الشيء ~~مأخوذ من فور القدر والماء ونحوه، ومنه قوله تعالى: وفار التنور [هود: 40] ~~فالمعنى ويأتوكم في نهضتكم هذه، قال ابن عباس: من فورهم هذا: معناه من ~~سفرهم هذا، قال الحسن والسدي: معناه، من وجههم هذا، وقاله قتادة، وقال ~~مجاهد وعكرمة وأبو صالح مولى أم هاني: من غضبهم هذا. # قال القاضي: وهذا تفسير لا يخص اللفظة قد يكون «الفور» لغضب ولطمع ولرغبة ~~في أجر، ومنه الفور في الحج والوضوء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم: ~~«مسومين» ، بكسر الواو، وقرأ الباقون: # «مسومين» بفتح الواو، فأما من قرأ بفتح الواو فمعناه: معلمين بعلامات، ~~قال أبو زيد الأنصاري: «السومة» العلامة تكون على الشاة وغيرها يجعل عليها ~~لون يخالف لونها لتعرف، وروي أن الملائكة أعلمت يومئذ بعمائم بيض، حكاه ~~المهدوي عن الزجاج، إلا جبريل عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراء على مثال ~~عمامة الزبير بن العوام، وقاله ابن إسحاق، وقال مجاهد: كانت خيلهم مجزوزة ~~الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن، وقال الربيع: كانت ~~سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق، وقال عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير: ~~نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر، وقال ذلك عروة وعبد الله ~~ابنا الزبير: وقال عبد الله: كانت ملاءة صفراء فاعتم الزبير بها، ومن قرأ: ~~«مسومين» بكسر الواو، فيحتمل من المعنى مثل ما تقدم، أي هم قد أعلموا ~~أنفسهم بعلامة وأعلموا خيلهم، ورجح الطبري وغيره هذه القراءة، بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين يوم بدر: سوموا فإن الملائكة قد سومت، فهم ~~على PageV01P504 # هذا مسومون، وقال كثير من أهل التفسير: إن معنى «مسومين» بكسر الواو أي ~~هم قد سوموا خيلهم: أي أعطوها سومها من الجري والقتال والإحضار فهي سائمة، ~~ومنه سائمة الماشية، لأنها تركت وسومها من الرعي، وذكر المهدوي هذا المعنى ~~في «مسومين» بفتح الواو أي أرسلوا وسومهم. # قال القاضي: وهذا قلق: وقد قاله ابن فورك أيضا. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 126 الى 129] # وما جعله الله إلا بشرى لكم ms0646 ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ~~(127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور ~~رحيم (129) # الضمير في جعله الله عائد على الإنزال والإمداد، و «البشرى» مصدر واللام ~~في ولتطمئن متعلقة بفعل مضمر يدل عليه جعله، ومعنى الآية: وما كان هذا ~~الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم وتروا حفاية الله بكم، وإلا ~~فالكثرة لا تغني شيئا إلا أن ينصر الله، وقوله: وما النصر يريد للمؤمنين، ~~وكذلك أيضا هي الإدالة للكفار من عند الله. # واللام في قوله: ليقطع متعلقة بقوله وما النصر إلا من عند الله وعلى هذا ~~لا يكون قطع الطرف مختصا بيوم، اللهم إلا أن تكون الألف واللام في «النصر» ~~للعهد، وقيل: العامل فيه «ولقد نصركم» حكاه ابن فورك وهو قلق، لأن قوله: أو ~~يكبتهم لا يترتب عليه، وقد يحتمل أن تكون اللام في قوله ليقطع متعلقة ب ~~جعله، فيكون قطع الطرف إشارة إلى من قتل ببدر، على ما قال الحسن وابن إسحاق ~~وغيرهم، أو إلى من قتل بأحد على ما قال السدي، وقتل من المشركين ببدر ~~سبعون، وقتل منهم يوم أحد اثنان وعشرون رجلا، وقال السدي: قتل منهم ثمانية ~~عشر والأول أصح، و «الطرف» الفريق، ومتى قتل المسلمون كفارا في حرب فقد ~~قطعوا طرفا، لأنه الذي وليهم من الكفار فكأن جميع الكفار رقعة وهؤلاء ~~المقتولون طرف منها أي حاشية، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ليقطع طرفا ~~بمنزلة ليقطع دابرا وقوله: # أو يكبتهم معناه: أو يخزيهم، والكبت الصرع لليدين، وقال النقاش وغيره: ~~التاء بدل من دال كبته أصله كبده أي فعل به يؤذي كبده، وإذا نصر الله على ~~أمة كافرة فلا بد من أحد هذين الوجهين، إما أن يقتل منهم أو يخيبوا، فذلك ~~نوع من الهزم. # وقوله تعالى: ليس لك من الأمر شيء توقيف على أن ms0647 الأمر كله لله، وهذا ~~التوقيف يقتضي أنه كان بسبب من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وروي في ذلك ~~أنه لما هزم أصحابه وشج في وجهه، حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت ~~رباعيته وارتث بالحجارة حتى صرع لجنبه، تحيز عن الملحمة، وجعل يمسح الدم من ~~وجهه ويقول: لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، هكذا لفظ الحديث من طريق أنس بن PageV01P505 # مالك، وفي بعض الطرق، وكيف يفلح؟ وفي بعضها أن سالما مولى أبي حذيفة كان ~~يغسل الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأفاق وهو يقول: كيف ~~بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟ # فنزلت الآية، بسبب هذه المقالة. # قال القاضي: وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من ~~فلاح كفار قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله ويريح منهم، فروي أنه دعا ~~عليهم أو أستأذن في أن يدعو عليهم، وروى ابن عمر وغيره: أنه دعا على أبي ~~سفيان والحارث بن هشام وصفوان بن أمية باللعنة، إلى غير هذا من معناه، فقيل ~~له بسبب ذلك، ليس لك من الأمر شيء أي عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت ~~لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك، قال الطبري وغيره من المفسرين: قوله: أو ~~يتوب عليهم عطف على يكبتهم. # قال القاضي: فقوله: ليس لك من الأمر شيء اعتراض أثناء الكلام، وقوله: أو ~~يتوب معناه: # فيسلمون، وقوله: أو يعذبهم معناه: في الآخرة بأن يوافوا على الكفر، قال ~~الطبري وغيره: ويحتمل أن يكون قوله أو يتوب بمعنى حتى يتوب أو إلى أن يتوب ~~فيجيء بمنزلة قولك: لا أفارقك أو تقضيني حقي، وكما تقول: لا يتم هذا الأمر ~~أو يجيء فلان، وقوله تعالى: ليس لك من الأمر شيء ليس باعتراض على هذا ~~التأويل، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر ~~هؤلاء الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب الله عليهم فيسلموا، فيرى محمد عليه ~~السلام أحد أمليه فيهم، أو يعذبهم الله بقتل في الدنيا، ms0648 أو بنار في الآخرة ~~أو بهما، فيرى محمد صلى الله عليه وسلم الأمل الآخر، وعلى هذا التأويل فليس ~~في قوله: ليس لك من الأمر شيء ردع كما هو في التأويل الأول، وذلك التأويل ~~الأول أقوى، وقرأ أبي بن كعب، «أو يتوب أو يعذب» برفع الباء فيهما، المعنى: ~~أو هو يتوب، ثم قرر تعالى ظلم هؤلاء الكفار. # ثم أكد معنى قوله ليس لك من الأمر شيء بالقول العام وذكر الحجة الساطعة ~~في ذلك وهي ملكه الأشياء، إذ ذلك مقتض أن يفعل بحق ملكه ما شاء، لا اعتراض ~~عليه ولا معقب لحكمه، وذكر أن الغفران أو التعذيب إنما هو بمشيئته وحسب ~~السابق في علمه، ثم رجا في آخر ذلك تأنيسا للنفوس وجلبا لها إلى طاعته، ~~وذلك كله في قوله تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء، والله غفور رحيم وما في قوله ما في السماوات وما في الأرض، ~~إشارة إلى جملة العالم فلذلك حسنت ما، وما ذكر في هذه الآية من أن هذه ~~الآية ناسخة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين كلام ضعيف كله، ~~وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 132] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول ~~لعلكم ترحمون (132) # هذا النهي عن أكل الربا اعتراض أثناء قصة «أحد» ، ولا أحفظ سببا في ذلك ~~مرويا، والربا الزيادة، PageV01P506 # وقد تقدم ذكر مثل هذه الآية وأحكام الربا في سورة البقرة، وقوله أضعافا ~~نصب في موضع الحال، ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان ~~الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ وقوله: # مضاعفة إشارة إلى تكرار التضعيف عاما بعد عام، كما كانوا يصنعون، فدلت ~~هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصة، ~~وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم الخطاب إذ المسكوت عنه من ~~الربا في حكم المذكور، ms0649 وأيضا فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة ~~على وجوه مختلفة من العين أو من التأخير ونحوه. # والنار في قوله: واتقوا النار هي اسم الجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، ثم ~~ذكر أنها أعدت للكافرين، أي إنهم هم المقصود والمراد الأول، وقد يدخلها ~~سواهم من العصاة، فشنع أمر النار بذكر الكفر، وحسن للمؤمن أن يحذرها ويبعد ~~بطاعة الله عنها وهذا كما قال في الجنة: أعدت للمتقين، أي هم المقصود، وإن ~~كان يدخلها غيرهم من صبي ومجنون ونحوه ممن لا يكلف ولا يوصف بتقوى، هذا ~~مذهب أهل العلم في هذه الآية، وحكى الماوردي وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى ~~أن أكلة الربا إنما توعدهم الله بنار الكفرة، إذ النار سبع طبقات، العليا ~~منها وهي جهنم للعصاة، والخمس للكفار والدرك الأسفل للمنافقين، قالوا: ~~فأكلة الربا إنما يعذبون يوم القيامة بنار الكفرة لا بنار العصاة، وبذلك ~~توعدوا، فالألف واللام على هذا في قوله واتقوا النار إنما هي للعهد. # ثم أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، والطاعة هي موافقة الأمر الجاري عند ~~المأمور مع مراد الأمر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد ~~أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى ~~الأمير فقد عصاني، وقال محمد بن إسحاق إن هذه الآية من قوله تعالى: وأطيعوا ~~الله هي ابتداء المعاتبة في أمر أحد، وانهزام من فر وزوال الرماة عن ~~مراكزهم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 133 الى 134] # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ~~(133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~والله يحب المحسنين (134) # قرأ نافع وابن عامر: «سارعوا» بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة ~~وأهل الشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، قال أبو علي: كلا الأمرين شائع ~~مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على الجملة، ومن ترك الواو فلأن ~~الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن العطف بالواو، وأمال ~~الكسائي الألف من قوله سارعوا ومن قوله ms0650 يسارعون في الخيرات [المؤمنون: 61] ~~ونسارع لهم في الخيرات [المؤمنون: 56] في كل ذلك، قال أبو علي: والإمالة ~~هنا حسنة لوقوع الراء المكسورة بعدها، والمسارعة المبادرة وهي مفاعلة، إذ ~~الناس كأن كل واحد يسرع ليصل قبل غيره، فبينهم في ذلك مفاعلة، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: فاستبقوا الخيرات [المائدة: 48] وقوله إلى مغفرة معناه: سارعوا PageV01P507 # بالتقوى والطاعة والتقرب إلى ربكم إلى حال يغفر الله لكم فيها، أي يستر ~~ذنوبكم بعفوه عنها وإزالة حكمها، ويدخلكم جنة، قال أنس بن مالك ومكحول في ~~تفسير سارعوا إلى مغفرة، معناه: إلى تكبيرة الإحرام مع الإمام. # قال الفقيه القاضي: هذا مثال حسن يحتذى عليه في كل طاعة، وقوله تعالى: ~~عرضها السماوات والأرض تقديره: كعرض السماوات والأرض، وهذا كقوله تعالى: ما ~~خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [لقمان: 28] أي كخلق نفس واحدة وبعثها، ~~فجاء هذا الاقتضاب المفهوم الفصيح، ومنه قول الشاعر: [ذو الخرق الطهوي] : ~~[الوافر] : # حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق # ومنه قول الآخر: # كأن غديرهم بجنوب سلي ... نعام فاق في بلد قفار # التقدير صوت عناق وغدير نعام. # وأما معنى قوله تعالى: عرضها السماوات والأرض فاختلف العلماء في ذلك على ~~ثلاثة مذاهب، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تقرن السماوات ~~والأرضون بعضها إلى بعض كما يبسط الثوب، فذلك عرض الجنة ولا يعلم طولها إلا ~~الله، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن بين المصراعين من أبواب ~~الجنة مسيرة أربعين سنة، وسيأتي عليها يوم يزدحم الناس فيها كما تزدحم ~~الإبل إذا وردت خمصا ظماء وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أن في الجنة ~~شجرة يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها فهذا كله يقوي قول ابن ~~عباس وهو قول الجمهور، إن الجنة أكبر من هذه المخلوقات المذكورة وهي ممتدة ~~عن السماء حيث شاء الله تعالى، وذلك لا ينكر، فإن في حديث النبي عليه ~~السلام: ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في ~~فلاة من الأرض، وما ms0651 الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة من الأرض، فهذه ~~مخلوقات أعظم بكثير جدا من السماوات والأرض، وقدرة الله تعالى أعظم من ذلك ~~كله، وروى يعلى بن أبي مرة قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بحمص، شيخا كبيرا قد فند فقال قدمت على النبي عليه السلام، ~~بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره فقلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ ~~قالوا: معاوية، فإذا كتاب هرقل: إنك كتبت إلي تدعوني إلى جنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ وروى قيس بن مسلم عن طارق بن ~~شهاب قال: جاء رجلان من اليهود من نجران إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~فقال أحدهما: تقولون جنة عرضها السماوات والأرض، أين تكون النار؟ فقال عمر ~~رضي الله عنه أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ والليل إذا جاء أين ~~يكون النهار؟ فقال اليهودي: إنه لمثلها في التوراة فقال له صاحبه: لم ~~أخبرته؟ دعه إنه بكل موقن. # قال القاضي أبو محمد: فهذه الآثار كلها هي في طريق واحد، من أن قدرة الله ~~تتسع لهذا كله، PageV01P508 # وخص العرض بالذكر لأنه يدل متى ذكر على الطول، والطول إذا ذكر لا يدل على ~~قدر العرض، بل قد يكون الطويل يسير العرض كالخيط ونحوه، ومن ذلك قول العرب ~~بلاد عريضة، وفلاة عريضة، وقال قوم: # قوله تعالى: عرضها السماوات والأرض معناه: كعرض السماوات والأرض، كما هي ~~طباقا، لا بأن تقرن كبسط الثياب، فالجنة في السماء، وعرضها كعرضها وعرض ما ~~وراءها من الأرضين إلى السابعة، وهذه الدلالة على العظم أغنت عن ذكر الطول، ~~وقال قوم: الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة، فلما كانت الجنة من ~~الاتساع والانفساح في غاية قصوى، حسنت العبارة عنها بعرضها السماوات ~~والأرض، كما تقول لرجل: هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل، ولم تقصد ~~الآية تحديد العرض. # قال القاضي أبو محمد: وجلب مكي هذا القول غير ms0652 ملخص، وأدخل حجة عليه قول ~~العرب: أرض عريضة وليس قولهم، أرض عريضة، مثل قوله: عرضها السماوات والأرض ~~إلا في دلالة ذكر العرض على الطول فقط، وكذلك فعل النقاش وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال للفارين يوم أحد: لقد ذهبتم فيها عريضة، وقال ابن فورك: ~~الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا متعلق لمنذر بن سعيد وغيره ممن قال: إن ~~الجنة لم تخلق بعد، وكذلك النار، وهو قول ضعيف، وجمهور العلماء على أنهما ~~قد خلقتا، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله، أعدت للمتقين وأعدت للكافرين ~~[آل عمران: 131] وغير ذلك، وهو نص في الأحاديث كحديث الإسراء وغيره، مما ~~يقتضي أن ثم جنة قد خلقت، وأما من يقول: يزاد فيهما فلا ترد عليه الأحاديث، ~~لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر، وأعدت معناه: يسرت وانتظروا بها. # ثم وصف تعالى المتقين الذين أعدت لهم الجنة بقوله: الذين ينفقون الآية، ~~وظاهر هذه الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~في السراء والضراء # ، معناه: في العسر واليسر. # قال القاضي: إذ الأغلب أن مع اليسر النشاط وسرور النفس، ومع العسر ~~الكراهية وضر النفس، وكظم الغيظ رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، ~~فضبطه ومنعه كظم له، والكظام: السير الذي يشد به فم الزق والقربة، وكظم ~~البعير جرته: إذا ردها في جوفه، وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى ~~فيه، كظم، حكاه الزجاج، فقال: كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ومنه قول ~~الراعي: [الكامل] # فأفضن بعد كظومهن بجرة ... من ذي الأباطح أذرعين حقيلا # والغيظ: أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس الغيظ ~~بالغضب وليس تحرير الأمر كذلك، بل الغيظ فعل النفس لا يظهر على الجوارح، ~~والغضب حال لها معه ظهور في الجوارح وفعل ما ولا بد، ولهذا جاز إسناد الغضب ~~إلى الله تعالى، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، ولا يسند إليه ~~تعالى غيظ، وخلط ابن فورك في ms0653 هذه اللفظة، ووردت في كظم الغيظ وملك النفس ~~عند الغضب أحاديث، وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس، ومنه قول عليه ~~السلام: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، ومنه ~~قول النبي عليه السلام: ما من جرعة يتجرعها PageV01P509 # العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله، وروى أبو هريرة أن النبي ~~عليه السلام قال: من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنا ~~وإيمانا، والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، وهذا حيث يجوز للإنسان ~~ألا يعفو، وحيث يتجه حقه، وقال أبو العالية: والعافين عن الناس، يريد ~~المماليك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن على جهة المثال، إذ هم الخدمة، فهم مذنبون ~~كثيرا، والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسر ~~به، وذكر تعالى بعد ذلك أنه يحب المحسنين، فعم هذه الوجوه وسواها من البر، ~~وهذا يدلك على أن الآية في المندوب إليه، ألا ترى إلى سؤال جبريل عليه ~~السلام، فقال: ما الإيمان؟ ثم قال ما الإسلام؟ فذكر له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المفروضات، ثم قال له: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، ~~الحديث. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 135 الى 136] # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك ~~جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر ~~العاملين (136) # ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفا دون الصنف الأول، فألحقهم بهم برحمته ~~ومنه، فهؤلاء هم التوابون، وروي في سبب هاتين الآيتين: أن الصحابة قالوا: ~~يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا حين كان المذنب منهم ~~يصبح وعقوبته مكتوبة على باب داره، فأنزل الله هذه الآية توسعة ورحمة وعوضا ~~من ذلك الفعل ببني إسرائيل، ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية، وروى ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ms0654 عليه وسلم قال: ما من ~~عبد يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ويصلي ركعتين ويستغفر إلا غفر له، وقوله ~~والذين عطف جملة ناس على جملة أخرى، وليس الذين بنعت كرر معه واو العطف، ~~لأن تلك الطبقة الأولى تنزه عن الوقوع في الفواحش، و «الفاحشة» هنا صفة ~~لمحذوف أقيمت الصفة مقامه، التقدير: فعلوا فعلة فاحشة، وهو لفظ يعم جميع ~~المعاصي، وقد كثر اختصاصه بالزنا، حتى فسر السدي هذه الآية بالزنا، وقال ~~جابر بن عبد الله لما قرأها: زنى القوم ورب الكعبة، وقال إبراهيم النخعي: ~~الفاحشة من الظلم، والظلم من الفاحشة وقال قوم: الفاحشة في هذه الآية إشارة ~~إلى الكبائر، وظلم النفس إشارة إلى الصغائر، وذكروا الله معناه: بالخوف من ~~عقابه والحياء منه، إذ هو المنعم المتطول ومن هذا قول عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: رحم الله صهيبا لو لم يخف الله لم يعصه، و «استغفروا» معناه: ~~طلبوا الغفران، واللام معناها: لأجل «ذنوبهم» ، ثم اعترض أثناء الكلام قوله ~~تعالى: ومن يغفر الذنوب إلا الله، اعتراضا موقفا للنفس، داعيا إلى الله، ~~مرجيا في عفوه، إذا رجع إليه، وجاء اسم الله مرفوعا بعد الاستثناء والكلام ~~موجب، حملا على المعنى، إذ هو بمعنى وما يغفر الذنوب إلا الله، وقوله ~~تعالى: ولم يصروا الإصرار معناه: اعتزام الدوام على الأمر، وترك الإقلاع ~~عنه، ومنه صر الدنانير: أي الربط عليها، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي: ~~«علم الله أنها مني صرى» . PageV01P510 # يريد: عزيمة. فالإصرار اعتزام البقاء على الذنب، ومنه قول النبي عليه ~~السلام: لا توبة مع إصرار، وقال أيضا: ما أصر من استغفر، واختلفت عبارة ~~المفسرين في الإصرار، فقال قتادة: هو الذي يمضي قدما في الذنب لا تنهاه ~~مخافة الله. وقال الحسن: إتيان العبد الذنب هو الإصرار حتى يتوب، وقال ~~مجاهد: # لم يصروا معناه: لم يمضوا وقال السدي: «الإصرار» هو ترك الاستغفار، ~~والسكوت عنه مع الذنب، وقوله تعالى: وهم يعلمون قال السدي: معناه وهم ~~يعلمون أنهم قد أذنبوا، وقال ابن إسحاق: معناه، وهم يعلمون بما حرمت عليهم، ~~وقال ms0655 آخرون: معناه، وهم يعلمون أن باب التوبة مفتوح لهم وقيل: # المعنى، وهم يعلمون أني أعاقب على الإصرار. # ثم شرك تعالى الطائفتين المذكورتين في قوله أولئك جزاؤهم الآية، وهذه ~~تؤذن بأن الله تعالى أوجب على نفسه بهذا الخبر الصادق قبول توبة التائب، ~~وليس يجب عليه تعالى من جهة العقل شيء، بل هو بحكم الملك لا معقب لأمره، ~~وقوله: ونعم أجر العاملين بمنزلة قوله: ونعم الأجر، لأن نعم وبئس تطلب ~~الأجناس المعرفة أو ما أضيف إليها وليست هذه الآية بمنزلة قوله تعالى: ساء ~~مثلا القوم [الأعراف: 177] لأن المثل هنا أضيف إلى معهود لا إلى جنس، فلذلك ~~قدره أبو علي: ساء المثل مثل القوم، ويحتمل أن يكون مثل القوم مرتفعا ~~«بساء» ولا يضمر شيء. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 140] # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ~~والله لا يحب الظالمين (140) # الخطاب بقوله تعالى: قد خلت للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكم إن ظهر ~~الكفار المكذبون عليكم بأحد «فإن العاقبة للمتقين» وقديما أدال الله ~~المكذبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيف هلك المكذبون بعد ذلك، فكذلك تكون ~~عاقبة هؤلاء، وقال النقاش: الخطاب ب قد خلت للكفار. # قال الفقيه القاضي أبو محمد: وذلك قلق، وخلت معناه: مضت وسلفت، قال ~~الزجاج: التقدير أهل سنن، و «السنن» : الطرائق من السير والشرائع والملك ~~والفتن ونحو ذلك، وسنة الإنسان: الشيء الذي يعمله ويواليه، ومن ذلك قول خلد ~~الهذلي، لأبي ذؤيب: # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها # وقال سليمان بن قتة: # وإن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا # وقال لبيد: # من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها PageV01P511 # وقال ابن زيد: قد خلت من قبلكم سنن معناه: أمثال. # قال ms0656 الفقيه الإمام: هذا تفسير لا يخص اللفظة، وقال تعالى: فسيروا وهذا ~~الأمر قد يدرك بالإخبار دون السير لأن الإخبار إنما يكون ممن سار وعاين، إذ ~~هو مما يدرك بحاسة البصر وعن ذلك ينتقل خبره، فأحالهم الله تعالى على الوجه ~~الأكمل، وقوله: فانظروا، هو عند الجمهور من نظر العين، وقال قوم: هو ~~بالفكر. # وقوله تعالى: هذا بيان للناس قال الحسن: الإشارة إلى القرآن، وقال قتادة ~~في تفسير الآية: هو هذا القرآن جعله الله بيانا للناس عامة وهدى وموعظة ~~للمتقين خاصة، وقال بمثله ابن جريج والربيع. # قال القاضي: كونه بيانا للناس ظاهر، وهو في ذاته أيضا هدى منصوب وموعظة، ~~لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن، وتحسن ~~إضافته إلى «المتقين» الذين فيهم نفع وإياهم هدى، وقال ابن إسحاق والطبري ~~وجماعة: الإشارة ب هذا إلى قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن الآية، قال ابن ~~إسحاق: المعنى هذا تفسير للناس إن قبلوه، قال الشعبي: المعنى، هذا بيان ~~للناس من العمى. # ثم نهى عز وجل المؤمنين عن الوهن لما أصابهم بأحد، والحزن على من فقد، ~~وعلى مذمة الهزيمة، وآنسهم بأنهم الأعلون أصحاب العاقبة، والوهن: الضعف، ~~واللين والبلى، ومنه: وهن العظم مني [مريم: 4] ومنه قول زهير: [البسيط] ~~فأصبح الحبل منها وأهنأ خلقا ومن كرم الخلق ألا يهن الإنسان في حربه ~~وخصامه، ولا يلين إذا كان محقا، وأن يتقصى جميع قدرته ولا يضرع ولو مات، ~~وإنما يحسن اللين في السلم والرضى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # «المؤمن هين لين، والمؤمنون هينون لينون» ومنه قول الشاعر: [المنخل ~~الهذلي] : [المتقارب] . # لعمرك ما إن أبو مالك ... بواه ولا بضعيف قواه # إذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه # وفي هذا الأسلوب الذي ذكرته يجري قول النابغة: ولا تقعد على ضمد إلا ~~لمثلك أو من أنت سابقه وفيه يجري قول العرب: إذا لم تغلب اخلب، على من ~~تأوله من المخلب، أي حارب ولو بالأظافر، وهذا هو فعل عبد الله بن طارق وهو ms0657 ~~من أصحاب عاصم بن عدي حين نزع يده من القرآن وقاتل حتى قتل، وفعل المنذر بن ~~محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح في يوم بئر معونة، ومن رآه من معنى الخلب ~~والخلابة الذي هو الخديعة والمكر، فهو رأي دهاة العرب، وليس برأي جمهورها، ~~ومنه فعل عمرو بن سعيد الأشدق مع عبد الملك بن مروان عند قتله إياه، ~~والأمثلة في ذلك كثيرة، وأيضا فليس المكر والخديعة بذل محض، ولذلك رآه ~~بعضهم، وأما قولهم إذا عز أخوك فهن، فالرواية الصحيحة المعنى فيه بكسر ~~الهاء بمعنى: لن PageV01P512 # وأضعف ضعف المطواع، وأما الرواية بضم الهاء فهي أمر بالهوان، وما أعرف ~~ذلك في شيء من مقاطع العرب، وأما الشرع فقد قال النبي عليه السلام: لا ~~ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، ورأيت لعاصم أن المثل على ضم الهاء إنما هو من ~~الهون الذي هو الرفق، وليس من الهوان، قال منذر بن سعيد: يجب بهذه الآية أن ~~لا يوادع العدو ما كانت للمسلمين قوة، فإن كانوا في قطر ما على غير ذلك ~~فينظر الإمام لهم بالأصلح، وقوله تعالى: وأنتم الأعلون إخبار بعلو كلمة ~~الإسلام. # هذا قول الجمهور وظاهر اللفظ، وقاله ابن إسحاق: وروي عن ابن عباس وابن ~~جريج: إنما قال الله لهم ذلك بسبب علوهم في الجبل، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين انحاز في نفر يسير من أصحابه إلى الجبل، فبينما هو كذلك ~~إذ علا خالد بن الوليد عليهم الجبل فقال رسول الله عليه السلام: # اللهم لا يعلوننا، ثم قام وقام من معه فقاتل أصحابه وقاتل حينئذ عمر بن ~~الخطاب حتى أزالوا المشركين عن رأس الجبل، وصعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فيه، فأنزل الله تعالى عليه، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون وقوله تعالى: إن كنتم مؤمنين يحتمل أن يتعلق الشرط بقوله ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا فيكون المقصد هز النفوس وإقامتها، ويحتمل أن يتعلق بقوله وأنتم ~~الأعلون فيكون الشرط على بابه دون تجوز، ويترتب من ذلك الطعن على من ms0658 نجم ~~نفاقه في ذلك اليوم، وعلى من تأود إيمانه واضطرب يقينه، ألا لا يتحصل الوعد ~~إلا بالإيمان، فالزموه. # ثم قال تعالى، تسلية للمؤمنين: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~والأسوة مسلاة للبشر، ومنه قول الخنساء: [الوافر] # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # والسلو بالتأسي هو النفع الذي يجره إلى نفسه الشاهد المحدود، فلذلك ردت ~~شهادته فيما حد فيه وإن تاب وحسنت حاله، و «القرح» : القتل والجراح، قاله ~~مجاهد والحسن والربيع وقتادة وغيرهم، والمعنى: إن مسكم في أحد فقد مس كفار ~~قريش ببدر بأيديكم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في ~~رواية حفص: «قرح» بفتح القاف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ~~«قرح» بضم القاف، وكلهم سكن الراء، قال أبو علي: هما لغتان كالضعف والضعف ~~والكره والكره، والفتح أولى، لأنها لغة أهل الحجاز والأخذ بها أوجب لأن ~~القرآن عليها نزل. # قال القاضي أبو محمد: هذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه ~~السلام: وبجميعها عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه ~~الأمة، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا ~~يقال: هذه أولى من جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءة فبوجه غير وجه ~~النزول، قال أبو الحسن الأخفش: «القرح» و «القرح» مصدران بمعنى واحد، ومن ~~قال القرح بالفتح الجراحات بأعيانها، والقرح بضم القاف ألم الجراحات قبل ~~منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يعلم بقياس، وقال بهذا التفسير الطبري، ~~وقرأ الأعمش «إن تمسسكم» بالتاء من فوق، «قروح» بالجمع، «فقد PageV01P513 # مس القوم قرح مثله» ، وقرأ محمد بن السميفع اليماني «قرح» بفتح القاف ~~والراء، قال أبو الفتح: هي لغة في القرح كالشل والشلل والطرد والطرد. هذا ~~مذهب البصريين، وليس هذا عندهم من تأثير حرف الحلق، وأنا أميل في هذا إلى ~~قول أصحابنا البغداديين، في أن لحرف الحلق في مثل هذا أثرا معتمدا، وقد ms0659 ~~سمعت بعض بني عقيل يقول: نحوه بفتح الحاء، يريد نحوه، ولو كانت الكلمة ~~مبنية على فتح الحاء لأعلت الواو وكعصاة وفتاة، وسمعت غيره يقول: أنا محموم ~~بفتح الحاء قال ابن جني: ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين ~~الحق، والحمد لله. # أخبر تعالى على جهة التسلية أن الأيام على قديم الدهر وغابره أيضا إنما ~~جعلها دولا بين البشر، أي: فلا تنكروا أن يدال عليكم الكفار، وقال تعالى: ~~نداولها فهي مفاعلة من جهة واحدة، وإنما ساغ ذلك لأن المداولة منه تعالى هي ~~بين شيئين، فلما كان ذلك الفريقان يتداولان حسن ذلك، و «الدولة» بضم الدال ~~المصدر، و «الدولة» بفتح الدال الفعلة الواحدة من ذلك، فلذلك يقال في دولة ~~فلان لأنها مرة في الدهر، وسمع بعض العرب الأقحاح قارئا يقرأ هذه الآية، ~~فقال: إنما هو، «وتلك الأيام نداولها بين العرب» ، فقيل له: إنما هو «بين ~~الناس» فقال: إنا لله، ذهب ملك العرب ورب الكعبة، وقوله تعالى: # وليعلم الله الذين آمنوا دخلت الواو لتؤذن أن اللام متعلقة بمقدر في آخر ~~الكلام، تقديره: وليعلم الله الذين آمنوا، فعل ذلك، وقوله تعالى: وليعلم ~~معناه: ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلا أنهم يؤمنون، وليساوق علمه ~~إيمانهم ووجودهم، وإلا فقد علمهم في الأول، وعلمه تعالى لا يطرأ عليه ~~التغيير ونحو هذا: أن يضرب حاكم أحدا ثم يبين سبب الضرب ويقول: فعلت هذا ~~التبيين لأضرب مستحقا، معناه: ليظهر أن فعلي وافق استحقاقه، وقوله تعالى: ~~ويتخذ منكم شهداء، معناه: أهل فوز في سبيله حسبما ورد في فضائل الشهيد. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 141] # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) # ثم أخبر تعالى: أن إدالته الكفار على المؤمنين إنما هي ليمحص المؤمنين، ~~وأن إدالة المؤمنين على الكفار إنما هي لمحق الكفار، هذا مقتضى ألفاظ ~~الآية، وقد قال ابن عباس وغيره: جعل الله الدولة لرسوله يوم بدر، وعليه يوم ~~أحد وذهب كثير من أهل العلم إلى العبارة عن إدالة المؤمنين بالنصر، وعن ~~إدالة الكفار بالإدالة، وروي في ms0660 ذلك عن النبي عليه السلام حديث: إنهم ~~يدالون كما تنصرون، و «التمحيص» : # التنقية. قال الخليل: التمحيص من العيب يقال: محص الحبل إذا زال عنه ~~بكثرة مره على اليد زئبره واملس هكذا ساق الزجاج اللفظة «الحبل» ورواها ~~النقاش محص الجمل: إذا زال عنه وبره واملس، وقال حنيف الحناتم، وقد ورد ماء ~~يقال له طويلع: إنك لمحص الرشاء، بعيد المستقى، مطل على الأعداء، فالمعنى: ~~إنه لبعده يلمس حبله بالطين الحر ومد الأيدي، فمعنى الآية: أن الله يمحص ~~المؤمنين إذا أدال PageV01P514 # عليهم، بأنه ينقي المتشهدين من ذنوبهم، وينقي الأحياء من منافقهم إذ ~~يميزهم، وأنه يمحق الكافرين إذا نصر عليهم أي ينقصهم والمحق: الذهاب شيئا ~~شيئا، ومنه محاق القمر. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 142 الى 143] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) # أم هي بمعنى الإضراب عن الكلام الأول والترك له، وفيها لازم معنى ~~الاستفهام، فلذلك قدرها سيبويه ببل وألف الاستفهام، وحسبتم معناه ظننتم. ~~وهذه الآية وما بعدها تقريع وعتب لطوائف المؤمنين الذين وقعت منهم الهفوات ~~المشهورة في يوم واحد، وقوله: ولما يعلم نفي مؤكد وهو معادل لقول القائل: ~~قد كان كذا، فلما أكد هذا الخبر الموجب، بقد، أكد النفي المعادل له بلما، ~~وإذا قال القائل: كان كذا، فمعادله لم يكن دون تأكيد في الوجهين، قاله ~~سيبويه: وقرأ جمهور الناس: بكسر الميم للالتقاء في قوله: ولما يعلم وقرأ ~~يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي: «ولما يعلم» بفتح الميم اتباعا لفتحة اللام، ~~وقرأ الجمهور «ويعلم» على النصب بإضمار- أن- عند البصريين، وبواو الصرف عند ~~الكوفيين وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ: «ويعلم» بالرفع على استئناف ~~الفعل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويحيى بن يعمر وأبو حيوة وعمرو بن عبيد: ~~«ويعلم» بكسر الميم جزما معطوفا على قوله ولما يعلم. # ثم خاطب المؤمنين بقوله: ولقد كنتم تمنون الموت والسبب في ذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه ms0661 وسلم خرج في غزوة بدر يريد عير قريش مبادرا فلم يوعب ~~الناس معه، إذ كان الظن أنه لا يلقى حربا، فلما قضى الله ببدر ما قضى وفاز ~~حاضروها بالمنزلة الرفيعة، كان المتخلفون من المؤمنين عنها يتمنون حضور ~~قتال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم ~~عند ربهم ونبيهم بمنزلة أهل بدر، ولأنس بن النضر في ذلك كلام محفوظ، فلما ~~جاء أمر أحد- وحضر القتال لم يصدق كل المؤمنين، فعاتبهم الله بهذه الآية ~~وألزمهم تعالى تمني الموت من حيث تمنوا لقاء الرجال بالحديد ومضاربتهم به، ~~وهي حال في ضمنها في الأغلب الموت، ولا يتمناها إلا من طابت نفسه بالموت، ~~فصار الموت كأنه المتمنى، وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن يتمنى من ~~حيث هو قتل، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادة والتنعيم، وقرأ الجمهور: «من ~~قبل أن تلقوه» ، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي «من قبل أن تلاقوه» وهذه ~~والأولى في المعنى سواء من حيث- لقي- معناه يتضمن أنه من اثنين وإن لم يكن ~~على وزن فاعل، وقرأ مجاهد «من قبل» بضم اللام وترك الإضافة، وجعل أن تلقوه ~~بدلا من الموت، وقوله تعالى: فقد رأيتموه يريد رأيتم أسبابه وهي الحرب ~~المشتعلة والرجال بأيديهم السيوف، وهذا كما قال عمير بن وهب يوم بدر: رأيت ~~البلايا، تحمل المنايا، وكما قال الحارث بن هشام: [الكامل] # ووجدت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق والخيل لم تتبدد PageV01P515 # يريد لقرب الأمر، ونحو هذا قول عامر بن فهيرة: # لقد رأيت الموت قبل ذوقه يريد لما اشتد به المرض، وقرأ طلحة بن مصرف ~~«فلقد رأيتموه» ، وقوله تعالى: وأنتم تنظرون يحتمل ثلاثة معان: أحدها ~~التأكيد للرؤية وإخراجها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين في ~~اللفظ، والآخر أن يكون المعنى وأنتم تنظرون في أسباب النجاة والفرار وفي ~~أمر محمد عليه السلام هل قتل أم لا؟ وذلك كله نقض لما كنتم عاهدتم الله ~~عليه، وحكى مكي عن قوم أنهم قالوا: المعنى: وأنتم تنظرون إلى محمد، وهذا ~~قول ضعيف، إلا ms0662 أن ينحى به إلى هذا القول الذي ذكرته أنه النظر في أمره هل ~~قتل؟ # والاضطراب بحسب ذلك، والمعنى الثالث أن يكون قد وقفهم على تمنيهم ~~ومعاهدتهم، وعلى أنهم رأوا ذلك الذي تمنوا، ثم قال على جهة التوبيخ والعتب: ~~وأنتم تنظرون في فعلكم الآن بعد انقضاء الحرب هل وفيتم أم خالفتم؟ كأنه ~~قال: وأنتم حسباء أنفسكم، فتأملوا قبيح فعلكم وفي هذا التوبيخ على هذا ~~الوجه ضرب جميل من الإبقاء والصون والاستدعاء، قال ابن فورك: المعنى وأنتم ~~تتأملون الحال في ذلك وتفكرون فيها كيف هي؟ وهذا نحو ما تقدم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 144 الى 145] # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) ~~وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته ~~منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) # هذا استمرار في عتبهم، وإقامة لحجة الله عليهم، المعنى: أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم رسول كسائر الرسل، قد بلغ كما بلغوا، ولزمكم أيها المؤمنون ~~العمل بمضمن الرسالة وليست حياة الرسول وبقاؤه بين أظهركم شرطا في ذلك، لأن ~~الرسول يموت كما مات الرسل قبله، وخلت معناه مضت وسلفت، وصارت إلى الخلاء ~~من الأرض. وقرأ جمهور الناس «الرسل» بالتعريف، وفي مصحف ابن مسعود «رسل» ~~دون تعريف، وهي قراءة حطان بن عبد الله، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل، ~~والتنويه بهم على مقتضى حالهم من الله تعالى، ووجه الثانية أنه موضع تيسير ~~لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ~~ذلك، فجيء تنكير «الرسل» جاريا في مضمار هذا الاقتصاد به صلى الله عليه ~~وسلم، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشيء، فمنه قوله تعالى: وقليل من ~~عبادي الشكور [سبأ: 13] وقوله تعالى: وما آمن معه إلا قليل [هود: 40] إلى ~~غير ذلك من الأمثلة، ذكر ذلك أبو الفتح، والقراءة بتعريف «الرسل» أوجه في ~~الكلام، وقوله ms0663 تعالى: أفإن مات الآية، دخلت ألف الاستفهام على جملة الكلام ~~على الحد الذي يخبر به ملتزمه، لأن أقبح الأحوال أن يقولوا: إن مات محمد أو ~~قتل انقلبنا، فلما كان فعلهم ينحو هذا المنحى وقفوا على الحد الذي به يقع ~~الإخبار، وقال كثير من PageV01P516 # المفسرين: ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها، لأن الغرض إنما هو: ~~أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد؟ فالسؤال إنما هو عن جواب الشرط. # قال الفقيه القاضي أبو محمد: وبذلك النظر الذي قدمته يبين وجه فصاحة دخول ~~الألف على الشرط، وذلك شبيه بدخول ألف التقريب في قوله: أولو كان آباؤهم ~~[البقرة: 170، المائدة: 104] ونحوه من الكلام، كأنك أدخلت التقرير على ما ~~ألزمت المخاطب أنه يقوله، والانقلاب على العقب يقتضي التولي عن المنقلب ~~عنه، ثم توعد تعالى المنقلب على عقبه بقوله تعالى: فلن يضر الله شيئا لأن ~~المعنى فإنما يضر نفسه وإياها يوبق، ثم وعد الشاكرين وهم الذين صدقوا ~~وصبروا ولم ينقلب منهم أحد على عقبيه بل مضى على دينه قدما حتى مات، فمنهم ~~سعد بن الربيع وتقضي بذلك وصيته إلى الأنصار، ومنهم أنس بن النضر، ومنهم ~~الأنصاري الذي ذكر الطبري عنه بسند أنه مر عليه رجل من المهاجرين، ~~والأنصاري يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل، فقال ~~الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فإنه قد بلغ، فقاتلوا عن دينكم. # قال الفقيه أبو محمد: فهؤلاء أصحاب النازلة يومئذ صدق فعلهم قولهم. ثم ~~يدخل في الآية الشاكرون إلى يوم القيامة، قال ابن إسحاق معنى وسيجزي الله ~~الشاكرين أي من أطاعه وعمل بأمره، وذكر الطبري بسند عن علي بن أبي طالب ~~وذكر غيره: أنه قال في تفسير هذه الآية: «الشاكرون» : الثابتون على دينهم، ~~أبو بكر وأصحابه وكان يقول: أبو بكر أمير الشاكرين، وهذه عبارة من علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه إنما هي إلى صدع أبي بكر رضي الله عنه بهذه الآية في ~~يوم موت النبي عليه السلام وثبوته في ذلك الموطن، وثبوته في أمر الردة، ~~وذلك ms0664 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض وشاع موته، هاج المنافقون ~~وتكلموا، وهموا بالاجتماع والمكاشفة، أوقع الله تعالى في نفس عمر رضي الله ~~عنه أن النبي لم يقبض فقام بخطبته المشهورة المخوفة للمنافقين برجوع النبي ~~عليه السلام، ففت ذلك في أعضاد المنافقين وتفرقت كلمتهم ثم جاء أبو بكر بعد ~~أن نظر إلى النبي عليه السلام فسمع كلام عمر فقال له: اسكت، فاستمر عمر في ~~كلامه فتشهد أبو بكر فأصغى الناس إليه، فقال: أما بعد فإنه من كان يعبد ~~الله تعالى، فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وتلا الآية كلها، فبكى الناس ولم يبق ~~أحد إلا قرأ الآية كأن الناس ما سمعوها قبل ذلك اليوم، قالت عائشة رضي الله ~~عنها في البخاري: فنفع الله بخطبة عمر، ثم بخطبة أبي بكر. # قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا من المواطن التي ظهر فيها شكر أبي بكر ~~وشكر الناس بسببه. # ثم أخبر تعالى عن النفوس أنها إنما تموت بأجل مكتوب محتوم واحد عند الله ~~تعالى، أي فالجبن لا يزيد فيه، والشجاعة والإقدام لا تنقص منه، وفي هذه ~~الآية تقوية النفوس للجهاد، قال ابن فورك: وفيها تسلية في موت النبي عليه ~~السلام، والعبارة بقوله: وما كان قد تجيء فيما هو ممكن قريب نحو قول أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه: ما كان لأبن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول ~~الله، وقد تقع في الممتنع عقلا نحو قوله ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ~~[النمل: 60] فهي عبارة لا صيغة لها ولا تتضمن نهيا كما PageV01P517 # يقول بعض المفسرين، وإنما يفهم قدر معناها من قرائن الكلام الذي تجيء ~~العبارة فيه، و «نفس» في هذه الآية: اسم الجنس، و «الإذن» التمكين من الشيء ~~مع العلم بالشيء المأذون فيه، فإن انضاف إلى ذلك قول فهو الأمر، وقوله: ~~كتابا نصب على التمييز ومؤجلا صفة. وهذه الآية رد على المعتزلة في قولهم ~~بالأجلين، ms0665 وأما الانفصال عن تعلقهم بقوله تعالى: ويؤخركم إلى أجل مسمى ~~[نوح: 4] ونحو هذا من الآيات، فسيجيء في مواضعه إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: نؤته منها مشروط بالمشيئة، أي نؤت من شئنا منها ما قدر له، ~~بين ذلك قوله تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد [الإسراء: 18] ، ~~وقرينة الكلام تقتضي أنه لا يؤتى شيئا من الآخرة لأن من كانت نيته من عمله ~~مقصورة على طلب الدنيا، فلا نصيب له في الآخرة، والأعمال بالنيات، وقرينة ~~الكلام في قوله: ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها لا تمنع أن يؤتى نصيبا من ~~الدنيا، وقرأ جمهور الناس «نؤته ونؤته وسنجزي» . كلها بنون العظمة، وقرأ ~~الأعمش بالياء في الثلاثة، وذلك على حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، قال ~~ابن فورك: في قول الله تعالى: وسنجزي الشاكرين إشارة إلى أنه ينعمهم بنعيم ~~الدنيا لا أنهم يقصرون على الآخرة. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 146] # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) # ثم ضرب تعالى المثل للمؤمنين بمن سلف من صالحي الأمم الذين لم يثنهم عن ~~دينهم قتل الكفار لأنبيائهم فقال: وكأين من نبي الآية، وفي كأين أربع لغات: ~~«كأين» على وزن كعين بفتح العين، و «كأين» ، على وزن كاعن و «كأين» على وزن ~~كعين بسكون العين وكان على وزن كعن بكسر العين، وأكثر ما استعملت العرب في ~~أشعارها التي على وزن كاعن، فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل] # وكائن رددنا عنكم من مدجج ... يجيء أمام القوم يردي مقنعا # وقال جرير: [الطويل] # وكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا # وقال آخر: [زهير] : [الطويل] : # وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # وقد جاء في اللغة التي ذكرتها أولا قول الشاعر: [الوافر] # كأين في المعاشر من أناس ... أخوهم فوقهم وهم كرام PageV01P518 # وهذه اللغة هي أصل هذه اللفظة، لأنها كاف التشبيه دخلت على «أي» كما دخلت ~~على ms0666 «ذا» في قولك لفلان كذا وكذا، وكما دخلت على «أن» في قولك كأن زيدا ~~أسد، لكن بقي لها معنى التشبيه في كأن وزال عنها ذلك في كذا وكذا، وفي ~~كأين، وصرفت العرب كأين في معنى «كم» التي هي للتكثير، وكثر استعمالهم ~~للفظة حتى لعب فيها لسان العرب على اللغات الأربع التي ذكرت، وهذا كما لعب ~~في قولهم: # لعمري حتى قالوا: وعملي، وكما قالوا: أطيب وأيطب، وكما قالوا: طبيخ في ~~بطيخ، فعوملت الكاف «وأي» معاملة ما هو شيء واحد، فأما اعتلال لغة من قال: ~~«كأين» على وزن فاعل، فإنهم أخذوا الأصل الذي هو «كاين» فقلبوا الياء قبل ~~الهمزة ونقلت حركة كل واحد منهما إلى أختها، فجاء «كيا» على وزن كيع، ~~فحذفوا الياء الثانية المفتوحة تخفيفا، كما حذفوا الياء من ميت وهين ولين ~~فقالوا: ميت وهين ولين، وكما حذفوا الياء الثانية من «أي» تخفيفا ومنه قول ~~الفرزدق بن غالب التميمي: # تنظرت نصرا والسماكين أيهما ... علي من الغيث استهلت مواطره؟ # فجاء «كيا» على وزن كيع، فأبدلت هذه الياء الساكنة ألفا مراعاة للفتحة ~~التي قبلها، كما قالوا: في يوجل يأجل، وكما أبدلوا الياء ألفا في «طاى» ~~وكما أبدلت في آية عند سيبويه، إذ أصلها عنده أية على وزن فعلة بسكون ~~العين، فجاء «كاء» ثم كتب هذا التنوين نونا في المصحف، فأما قياس اللغة ~~فحذفه في الوقف، فكما يقولون: مررت بزيد فكذلك يقولون كأي، ووقف عليه أبو ~~عمرو بياء دون نون، وكذلك روى سورة بن المبارك عن الكسائي، ووقف سائر ~~القراء بإثبات النون مراعاة لخط المصحف، قال أبو علي: ولو قيل إنه لما تصرف ~~في الكلمة بالقلب صارت بمنزلة النون التي من نفس الكلمة وصارت بمنزلة لام ~~فاعل فأقرت في الوقف، لكان قولا، ويقوي ذلك أنهم لما حذفوا الكلام من قولهم ~~أما لا، جعلوها بالحذف ككلمة واحدة، فأجازوا الإمالة في ألف «لا» كما تجوز ~~في التي من نفس الكلمة في الأسماء والأفعال، فيوقف على «كأين» بالنون ولا ~~يتوقف على النون إذا لم تقلب، كما لا ms0667 تميل الألف من «لا» إذا لم يحذف ~~فعلها. # قال الفقيه أبو محمد: وبهذه اللغة التي فيها هذا القلب قرأ ابن كثير ~~وحده، وقرأ سائر السبعة باللغة التي هي الأصل «كأين» ، وذهب يونس بن حبيب ~~في «كأين» إلى أنه فاعل من الكون، وقوله مردود، إذ يلزم عنه إعراب الكلمة ~~ولم يعربها أحد من العرب، وأما اللغة التي هي «كأين» على وزن كعين فهي ~~قراءة ابن محيصن والأشهب العقيلي، وتعليل هذه اللغة أنه علل الأصل الذي هو ~~«كأين» بالتعليل المتقدم، فلما جاء «كيا» على وزن كيعن، ترك هؤلاء إبدال ~~الياء الساكنة ألفا كما تقدم في التعليل الأول، وقلبوا الكلمة فجعلوها ~~«كأين» على وزن كعين، وحسن هذا من وجهين: أحدهما أن التلعب والتصرف في هذه ~~الكلمة مهيع، والثاني أنهم راجعوا الأصل الذي هو تقديم الهمزة على الياء، ~~وأما اللغة التي هي كان على وزن كع فهي قراءة ابن محيصن أيضا، حكاها عنه ~~أبو عمرو الداني، وقرأها الحسن بن أبي الحسن، إلا أنه سهل الهمزة ياء، فقرأ ~~كي في جميع القرآن، وتعليل هذه اللغة أنهم حذفوا الألف من «كاء» الممدودة ~~على وزن كاعن بعد ذلك التصرف كله تخفيفا، وهذا كما قالوا: أم والله، ~~يريدون: أما، وكما قالوا على لسان الضب [المجتث] : # لا أشتهي أن أردا ... إلا عرادا عردا # وصليانا بردا ... وعنكثا ملتبدا PageV01P519 # أرادوا: عاردا وبادرا، فحذفوا تخفيفا، وهذا كثير في كلامهم، وكأين في هذه ~~الآية في موضع رفع بالابتداء، وهي بمنزلة «كم» وبمعناها تعطي في الأغلب ~~التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: «قتل» ، بضم القاف وكسر التاء ~~مخففة، وقرأ الباقون «قاتل معه» بألف بين القاف والتاء، وقرأ قتادة «قتل» ~~بضم القاف وكسر التاء مشددة على التكثير، وقوله تعالى: «قتل» قال فيه جماعة ~~من المفسرين منهم الطبري: # إنه مستند إلى ضمير نبي، والمعنى عندهم أن النبي قتل، قال ابن عباس في ~~قوله: وما كان لنبي أن يغل [آل عمران: 161] النبي يقتل، فكيف لا يخان، وإذا ~~كان هذا ف ربيون مرتفع بالظرف بلا خلاف، وقوله: ms0668 معه ربيون على هذا التأويل ~~يجوز أن يكون صفة ل نبي، ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي أسند إليه ~~«قتل» فإن جعلته صفة أضمرت للمبتدأ الذي هو كأين خبرا تقديره في آخر ~~الكلام: مضى أو ذهب أو فقد: فما وهنوا وإن جعلت معه ربيون حالا من الضمير ~~فخبر المبتدأ في قوله: «قتل» وإذا جعلته صفة فالضمير في معه عائد على ~~«النبي» ، وإذا جعلته حالا فالضمير في معه عائد على الضمير ذي الحال، وعلى ~~كلا الوجهين من الصفة أو الحال ف «معه ربيون» متعلق في الأصل بمحذوف، وليس ~~متعلقا «بقتل» ، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة معه: إن «قتل» إنما هو ~~مستند إلى قوله: ربيون وهم المقتولون قال الحسن وسعيد بن جبير: لم يقتل نبي ~~في حرب قط. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول يتعلق قوله: معه ب قتل- وهذه ~~الجملة- قتل معه ربيون، هي الابتداء ويتصور في قراءة من قرأ «قاتل» جميع ما ~~ذكرته من التقديرات في قراءة «قتل» ، وأما قراءة قتادة «قتل» فقال أبو ~~الفتح: لا يحسن أن يسند الفعل إلا إلى الربيين، لما فيه من معنى التكثير ~~الذي لا يجوز أن يستعمل في قتل شخص واحد، فإن قيل: يستند إلى نبي مراعاة ~~لمعنى «كم» فالجواب أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله من نبي ودل ~~الضمير المفرد في معه على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد، فخرج ~~الكلام على معنى «كم» قال أبو الفتح: وهذه القراءة تقوي قول من قال من ~~السبعة: إن «قتل» - بتخفيف التاء أو «قاتل» إنما يستند إلى الربيين، ورجح ~~الطبري استناد «قتل» إلى «النبي» بدلالة نازلة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك أن المؤمنين إنما تخاذلوا لما قيل قتل محمد- فضرب المثل بنبي قتل. # قال القاضي أبو محمد: وإذا لم يسند الفعل إلى «نبي» فإنما يجيء معنى ~~الآية: تثبيت المؤمنين بعد من قتل منهم فقط، وترجيح الطبري حسن، ويؤيد ذلك ~~ما تقدم من قوله تعالى: أفإن مات أو قتل [آل عمران: 144] وحجة ms0669 من قرأ ~~«قاتل» أنها أعم في المدح لأنه يدخلها فيها من قتل ومن بقي. # قال الفقيه أبو محمد: ويحسن عندي على هذه القراءة إسناد الفعل إلى ~~الربيين، وعلى قراءة «قتل» إسناده إلى نبي، وأجمع السبعة وجماعة من الناس ~~على كسر الراء من «ربيون» وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود ~~وابن عباس وعكرمة والحسن وأبو رجاء وعمرو بن عبيد وعطاء بن السائب: # «ربيون» بضم الراء، وروى قتادة عن ابن عباس «ربيون» بفتح الراء، قال ابن ~~جني: الفتح في الراء لغة تميم وكلها لغات، واختلف الناس في معنى ربيون فقال ~~ابن مسعود: الربيون الألوف من الناس والجمع الكثير، وقال ابن عباس: ربيون ~~جموع كثير، وقاله الحسن وقتادة وعكرمة ولقول عبد الله بن مسعود وابن PageV01P520 # عباس: إنهم الألوف، قال بعض المفسرين: هم عشرة آلاف فصاعدا، أخذ ذلك من ~~بناء الجمع الكثير في قولهما: هم الألوف وهذا في الربيين أنهم الجماعات ~~الكثيرة هو من الربة بكسر الراء وهي الجماعة الكثيرة، قاله يونس بن حبيب، ~~وقال: إن قوله تعالى: قتل معه ربيون منسوبون إليها، قال قطرب: # جماعة العلماء على قول يونس، وقال الزجاج: يقال: إن الربة عشرة آلاف، ~~وروي عن ابن عباس وعن الحسن بن أبي الحسن وغيرهما أنهم قالوا: ربيون معناه ~~علماء، وقال الحسن: فقهاء علماء، قال أيضا: # علماء صبر، وهذا القول هو على النسبة إلى الرب، إما لأنهم مطيعون له، أو ~~من حيث هم علماء بما شرع، ويقوي هذا القول في قراءة من قرأ «ربيون» بفتح ~~الراء وأما في ضم الراء وكسرها فيجيء على تغيير النسب، كما قالوا في النسبة ~~إلى الحرم: حرمي بكسر الحاء، وإلى البصرة، بصري بكسر الباء، وفي هذا نظر، ~~وقال ابن زيد: «الربانيون» : الولاة، والربيون الرعية الأتباع للولاة. # قال الفقيه أبو محمد: كأن هذا من حيث هم مربوبون، وقال النقاش: اشتقاق ~~ربي من ربا الشيء يربو إذا كثر، فسمي بذلك الكثير العلم. # قال الفقيه أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال مكي: ربي بكسر الراء منسوب إلى ms0670 ~~الرب لكن كسرت راؤه اتباعا للكسرة والياء اللتين بعد الراء، وروي بضم الراء ~~كذلك لكنهم ضموها كما قيل: دهري بضم الدال في النسب إلى الدهر، وقرأ جمهور ~~الناس «فما وهنوا» بفتح الهاء، وقرأ الأعمش والحسن وأبو السمال «وهنوا» ~~بكسر الهاء، وهما لغتان بمعنى، يقال: وهن بكسر الهاء يوهن ووهن بفتح الهاء ~~يهن، وقرأ عكرمة وأبو السمال أيضا «وهنوا» بإسكان الهاء، وهذا الوهن في ~~قوله آنفا ولا تهنوا [آل عمران: 139] والضمير في قوله: فما وهنوا عائد على ~~جميع الربيين في قول من أسند قتل إلى نبي، ومن أسنده إلى الربيين قال في ~~هذا الضمير إنه يعود على من بقي منهم، إذ المعنى يفهم نفسه، وقوله تعالى: ~~وما ضعفوا معناه لم يتكسبوا من العجز والإلقاء باليد ما ينبي عن ضعفهم، ~~وقوله تعالى: وما استكانوا ذهبت طائفة من النحاة إلى أنه من السكون فوزنه ~~افتعلوا استكنوا، فمطلت فتحة الكاف فحدث من مطلها ألف، وذهبت طائفة إلى أنه ~~مأخوذ من كان يكون فوزنه على هذا الاشتقاق استفعلوا أصله استكونوا، نقلت ~~حركة الواو إلى الكاف، وقلبت ألفا، كما فعلوا في قولك: استعانوا واستقاموا، ~~والمعنى: أنهم لم يضعفوا ولا كانوا قريبا من ذلك، كما تقول: ما فعلت كذا ~~ولا كدت، فتحذف لأن الكلام يدل على أن المراد، وما كدت أن أفعل، ومحبة الله ~~تعالى للصابرين ما يظهر عليهم من نصره وتنعيمه. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 147 الى 148] # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) # هذه الآية في ذكر الربيين، أي هذا كان قولهم، لا ما قاله بعضكم يا أصحاب ~~محمد، من قول من قال: نأخذ أمانا من أبي سفيان ومن قول من قال: نرجع إلى ~~ديننا الأول، ومن قول من فر، فلا شك أن قوله PageV01P521 # مناسب لفعله ولو بعض المناسبة، إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من ~~الأقوال، وقرأ السبعة ms0671 وجمهور الناس «قولهم» بالنصب، ويكون الاسم فيما بعد ~~إلا وقرأ جماعة من القراء «قولهم» بالرفع وجعلوا الخبر فيما بعد إلا وروى ~~ذلك حماد بن سلمة عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ذكره المهدوي، واستغفار ~~هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا ما نزل من مصائب ~~الدنيا إنما هو بذنوب من البشر وقوله تعالى: ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ~~عبارتان عن معنى قريب بعضه من بعض، جاء ذلك للتأكيد ولتعم مناحي الذنوب، ~~وكذلك فسر ابن عباس وغيره، وقال الضحاك: الذنوب عام، والإسراف في الأمر ~~أريد به الكبائر خاصة، وقولهم: وثبت أقدامنا يحتمل أن يجري مع ما قبله من ~~معنى الاستغفار، فيكون المعنى: اجعلنا دائبين على طاعتك والإيمان بك، ~~وتثبيت القدم على هذا: استعارة، ويحتمل أن يكون في معنى ما بعده من قوله: ~~وانصرنا على القوم الكافرين فيراد ثبوت القدم حقيقة في مواقف الحرب، قال ~~ابن فورك: في هذا الدعاء رد على القدرية، لقولهم: إن الله لا يخلق أفعال ~~العبد، ولو كان ذلك لم يسغ أن يدعي فيما لا يفعله. # وثواب الدنيا في هذه الآية: الظهور على عدوهم، قاله ابن إسحاق وقتادة ~~وغيرهما، وقال ابن جريج: الظفر والغنيمة، وفسر بهذا جماعة من المؤلفين في ~~التفسير، قال النقاش: ليس إلا الظفر والغلبة فقط، لأن الغنيمة لم تحلل إلا ~~لهذه الأمة. # قال الفقيه الإمام: وهذا اعتراض صحيح، وحسن ثواب الآخرة الجنة بلا خلاف، ~~وعبر بلفظة «حسن» زيادة في الترغيب وباقي الآية بين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 149 الى 151] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس ~~مثوى الظالمين (151) # الإشارة بقوله: الذين كفروا إلى المنافقين الذين جنبوا المسلمين وقالوا ~~في أمر- أحد- لو كان محمد نبيا لم يهزم، والذين قالوا: قد قتل محمد فلنرجع ~~إلى ديننا الأول، إلى نحو هذه الأقوال، ثم اللفظ يقتضي ms0672 كل كافر كان في ذلك ~~الوقت ويكون إلى يوم القيامة، نهى الله المؤمنين عن طاعتهم. # وبل ترك للكلام الأول ودخول في غيره، وقرأ جمهور الناس «بل الله مولاكم» ~~على الابتداء والخبر، وهذا تثبيت، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بل الله» ~~بالنصب على معنى: بل أطيعوا الله. # وقوله تعالى: سنلقي استعارة، إذ حقيقة الإلقاء إنما هي في الأجرام، وهذا ~~مثل قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات [النور: 4] ونحوه قول الفرزدق: [الطويل] PageV01P522 # هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد رجام # وقرأ جمهور الناس «سنلقي» بنون العظمة، وقرأ أيوب السختياني «سيلقي» ~~بالياء على معنى هو، وقرأ ابن عامر والكسائي «الرعب» بضم العين حيث وقع، ~~وقرأ الباقون «الرعب» بسكون العين، وهذا كقولهم: # عنق وعنق وكلاهما حسن فصيح، وسبب هذه الآية: أنه لما ارتحل أبو سفيان ~~بالكفار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال: انظر ~~القوم، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم متشمرون إلى مكة، وإن ~~كانوا على الخيل فهم عائدون إلى المدينة، فمضى علي فرآهم قد جنبوا الخيل ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسر وسر المسلمون، ثم رجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين يريهم الجلد، فبلغ ~~حمراء الأسد وأن أبا سفيان قال له كفار قريش: أحين قتلناهم وهزمناهم ولم ~~يبق إلا الفل والطريد ننصرف عنهم؟ ارجع بنا إليهم حتى نستأصلهم فعزموا على ~~ذلك، وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي قد جاء إلى رسول الله عليه السلام وهو ~~على كفره، إلا أن خزاعة كلها كانت تميل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال له: والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك، ولوددنا أنك لم ترزأ في ~~أصحابك، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بما عزمت عليه قريش ~~من الانصراف، اشتد ذلك عليهم، فسخر الله ذلك الرجل معبد بن أبي معبد، وألقى ~~بسببه الرعب في قلوب الكفار، وذلك أنه لما سمع الخبر، ركب حتى لحق ms0673 بأبي ~~سفيان بالروحاء، وقريش قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد ~~خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم، قد اجتمع إليه ~~من كان تخلف عنه، وندموا على ما صنعوا، قال: ويلك ما تقول؟ قال والله ما ~~أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم ~~لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن ~~قلت فيه شعرا قال وما قلت؟ قال قلت: [البسيط] # كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # تردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل # فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول # إلى آخر الشعر، فوقع الرعب في قلوب الكفار، وقال صفوان بن أمية: لا ~~ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان، فنزلت هذه الآية في ~~هذا الإلقاء، وهي بعد متناولة كل كافر، ويجري معها قول النبي عليه السلام: ~~نصرت بالرعب مسيرة شهر، ويظهر أن هذه الفضيلة إنما أعلم عليه السلام بها ~~بعد هذه الأحوال كلها حين امتد ظل الإسلام، قال بعض أهل العلم: إنه لما أمر ~~الله المؤمن بالصبر، ووعده النصر، وأخبره أن الرعب ملقى في قلوب الكفار، ~~نقص الرعب من كل كافر جزءا مع زيادة شجاعة المؤمن، إذ قد وعد النصر فلذلك ~~كلف المؤمن الوقوف للكافرين، وقوله تعالى: بما أشركوا هذه باء السبب، ~~والمعنى: أن المشرك بالله نفسه مقسمة في الدنيا وليس له بالله تعالى ثقة، ~~فهو يكره الموت ويستشعر الرعب منه، و «السلطان» : الحجة والبرهان، ثم أخبر ~~تعالى بعاقبة الكفار في الآخرة، PageV01P523 # و «المأوى» : مفعل من أويت إلى المكان إذا دخلته وسكنت فيه، و «المثوى» ، ~~مفعل من: ثويت، والتقدير: # وبئس مثوى الظالمين هي. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 152] # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ms0674 الأمر ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ~~ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) # جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي ~~عاتبهم الله تعالى عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة: منها ~~وعظ الجميع وزجره، إذ من لم يفعل معد أن يفعل إن لم يزجر، ومنها الستر ~~والإبقاء على من فعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين ~~النصر يومئذ على خبر الله تعالى- إن صبروا وجدوا- فصدق الله الوعد أولا، ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاف المسلمين يومئذ ورتب الرماة على ~~ما قد ذكرناه في صدر تفسير هذه الآيات في قصة أحد، فبارز علي بن أبي طالب ~~أبا سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين، وحمل الزبير وأبو دجانة فهزا ~~عسكر المشركين، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فأبلى حمزة بن ~~عبد المطلب وعاصم بن أبي الأقلح، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون ~~رجلا فهذا معنى قوله تعالى: إذ تحسونهم بإذنه والحس: القتل الذريع، يقال ~~حسهم إذا استأصلهم قتلا، وحس البرد النبات وقال رؤبة: # [الرجز] # إذا تشكوا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبيسا # قال بعض الناس: هو مأخوذ من الحاسة، والمعنى في حس: أفسد الحواس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، و «الإذن» : التمكين مع العلم بالممكن ~~منه، وقوله تعالى: # حتى إذا فشلتم يحتمل أن تكون حتى غاية مجردة، كأنه قال: إلى أن فشلتم، ~~ويقوي هذا أن إذا بمعنى «إذ» لأن الأمر قد كان تقضى، وإنما هي حكاية حال، ~~فتستغني إذا على هذا النظر عن جواب، والأظهر الأقوى أن إذا على بابها تحتاج ~~إلى الجواب، وتكون حتى كأنها حرف ابتداء على نحو دخولها على الجمل، واختلف ~~النحاة في جواب إذا فذهبت فرقة إلى أن الجواب قوله تنازعتم، والواو زائدة، ~~وحكى المهدوي عن أبي علي أنه قال: الجواب قوله: صرفكم وثم زائدة. ms0675 # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يشبه نظر أبي علي وسيبويه والخليل ~~وفرسان الصناعة، إن الجواب محذوف مقدر، يدل عليه المعنى، تقديره: انهزمتم ~~ونحوه، و «الفشل» - استشعار العجز وترك الجد، وهذا مما فعله يومئذ قوم، و ~~«التنازع» هو الذي وقع بين الرماة، فقال بعضهم: الغنيمة PageV01P524 # الغنيمة، الحق بنا بالمسلمين، وقال بعضهم: بل نثبت كما أمرنا وعصيتم ~~عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة حتى تمكن خالد بن الوليد من غرة المسلمين، ~~وقوله تعالى: من بعد ما أراكم ما تحبون يعني من هزم القوم، قال الزبير بن ~~العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات ~~هاربات ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا ~~القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ~~ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، وقوله تعالى: منكم من ~~يريد الدنيا إخبار عن الذين حرصوا على الغنيمة وكان المال همهم، قاله ابن ~~عباس وسائر المفسرين، وقال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد منكم من ~~يريد الدنيا وقوله تعالى: ومنكم من يريد الآخرة إخبار عن ثبوت من الرماة مع ~~عبد الله بن جبير امتثالا للأمر حتى قتلوا، ويدخل في هذا أنس بن النضر وكل ~~من جد ولم يضطرب من المؤمنين، وقوله تعالى: ليبتليكم معناه: لينزل بكم ذلك ~~البلاء من القتل والتمحيص، وقوله تعالى: ولقد عفا عنكم إعلام بأن الذنب كان ~~يستحق أكثر مما نزل، وهذا تحذير، والمعنى «ولقد عفا عنكم» بأن لم ~~يستأصلوكم، فهو بمنزلة: ولقد أبقى عليكم، ويحتمل أن يكون إخبارا بأنه عفا ~~عن ذنوبهم في قصة أحد، فيكون بمنزلة العفو المذكور بعد، وبالتفسير الأول ~~قال ابن جريج وابن إسحاق وجماعة من المفسرين، وقال الحسن بن أبي الحسن: قتل ~~منهم سبعون، وقتل عم النبي عليه السلام وشج في وجهه وكسرت رباعيته وإنما ~~العفو ms0676 أن لم يستأصلهم، هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل ~~الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فو الله ما تركوا ~~حتى غموا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يجترم كل كبيرة، ويركب كل داهية، ~~ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 153 الى 154] # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) ثم ~~أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور (154) # العامل في إذ قوله: عفا [آل عمران: 152] وقرأ جمهور الناس بضم التاء وكسر ~~العين من «أصعد» ومعناه: ذهب في الأرض، وفي قراءة أبي بن كعب، «إذ تصعدون ~~في الوادي» . # قال القاضي أبو محمد: والصعيد وجه الأرض، وصعدة اسم من أسماء الأرض، ~~فأصعد معناه: # دخل في الصعيد، كما أصبح دخل في الصباح إلى غير ذلك، والعرب تقول أصعدنا ~~من مكة وغيرها، إذا استقبلوا سفرا بعيدا وأنشد أبو عبيدة لحادي الإبل: ~~[الرجز] # قد كنت تبكين على الإصعاد ... فالآن صرحت وصاح الحادي PageV01P525 # وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو عبد الرحمن واليزيد ومجاهد وقتادة «إذ ~~تصعدون» بفتح التاء والعين، من صعد إذا علا، والمعنى بهذا صعود من صعد في ~~الجبل والقراءة الأولى أكثر، وقوله تعالى: # ولا تلوون مبالغة في صفة الانهزام وهو كما قال دريد: # وهل يرد المنهزم شيء؟ # وهذا أشد من قول امرئ القيس: [الطويل] أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا ~~وقرأ ابن محيصن ms0677 وابن كثير في رواية شبل «إذ يصعدون ولا يلوون» بالياء فيهما ~~على ذكر الغيب، وقرأ بعض القراء «ولا تلؤون» بهمز الواو المضمومة، وهذه ~~لغة، وقرأ بعضهم «ولا تلون» بضم اللام وواو واحدة، وهي قراءة متركبة على ~~لغة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت إحدى ~~الواوين الساكنتين، وقرأ الأعمش وعاصم في رواية أبي بكر «تلوون» بضم التاء ~~من ألوى وهي لغة، وقرأ حميد بن قيس «على أحد» بضم الألف والحاء، يريد ~~الجبل، والمعنى بذلك رسول الله عليه السلام، لأنه كان على الجبل، والقراءة ~~الشهيرة أقوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على الجبل إلا بعد ما فر ~~الناس عنه، وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت وهو يدعوهم، وروي أنه كان ~~ينادي: إلي عباد الله، والناس يفرون. وفي قوله تعالى: في أخراكم مدح للنبي ~~عليه السلام فإن ذلك هو موقف الابطال في أعقاب الناس، ومنه قول الزبير بن ~~باطا ما فعل مقدمتنا إذ حملنا وحاميتنا إذ فررنا، وكذلك كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أشجع الناس، ومنه قول سلمة بن الأكوع كنا إذا احمر البأس ~~اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: فأثابكم معناه: جازاكم ~~على صنيعكم، وسمي الغم ثوابا على معنى أنه القائم في هذه النازلة مقام ~~الثواب، وهذا كقوله: [الوافر] تحية بينهم ضرب وجيع وكقول الآخر: [الفرزدق] ~~: [الطويل] # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا # فجعل القيود والسياط عطاء، ومحدرجة: بمعنى مدحرجة، واختلف الناس في معنى ~~قوله تعالى: # غما بغم فقال قوم: المعنى «أثابكم غما» بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين، بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم. # قال القاضي أبو محمد: فالباء على هذا باء السبب، وقال قوم: «أثابكم غما ~~بغم» ، الذي أوقع على أيديكم بالكفار يوم بدر. # قال القاضي أبو محمد: فالباء باء معادلة، كما قال أبو سفيان: يوم بيوم ~~بدر والحرب سجال، وقالت جماعة كبيرة من المتأولين: المعنى أثابكم غما على ms0678 ~~غم، أو غما مع غم، وهذه باء الجر المجرد، واختلفوا في ترتيب هذين الغمين ~~فقال قتادة ومجاهد: الغم الأول أن سمعوا: ألا إن محمدا قد قتل، والثاني، ~~القتل PageV01P526 # والجراح الواقعة فيهم، وقال الربيع وقتادة أيضا بعكس هذا الترتيب، وقال ~~السدي ومجاهد أيضا وغيرهما: بل الغم الأول هو قتلهم وجراحهم وكل ما جرى في ~~ذلك المأزق، والغم الثاني هو إشراف أبي سفيان على النبي ومن كان معه، ذلك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى قوم ~~من أصحابه قد علوا صخرة في سفح الجبل فمشى نحوهم فأهوى إليه رجل بسهم ~~ليرميه، فقال: # أنا رسول الله، ففرحوا بذلك، وفرح هو عليه السلام إذ رأى من أصحابه ~~الامتناع، ثم أخذوا يتأسفون على ما فاتهم من الظفر، وعلى من مات من أصحابهم ~~فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم أبو سفيان من علو في خيل كثيرة، فنسوا ما نزل ~~بهم أولا، وأهمهم أمر أبي سفيان، فقال رسول الله عليه السلام: ليس لهم أن ~~يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد، ثم ندب أصحابه فرموهم ~~بالحجارة، وأغنى هنالك عمر بن الخطاب حتى أنزلوهم. واختلفت الروايات في هذه ~~القصة من هزيمة- أحد- اختلافا كثيرا، وذلك أن الأمر هول، فكل أحد وصف ما ~~رأى وسمع، قال كعب بن مالك: أول من ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، ~~رأيت عينيه تزهران تحت المغفر، وروي أن الخيل المستعلية إنما كانت حملة ~~خالد بن الوليد، وأن أبا سفيان إنما دنا، والنبي عليه السلام في عرعرة ~~الجبل، ولأبي سفيان في ذلك الموقف قول كثير، ولعمر معه مراجعة محفوظة ~~اختصرتها إذ لا تخص الآية، وقوله تعالى: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم معناه: ~~من الغنيمة وما أصابكم معناه: من القتل والجرح وذل الانهزام وما نيل من ~~نبيكم. # قال القاضي أبو محمد: واللام من قوله: لكيلا متعلقة بأثابكم، المعنى: ~~لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادة البشر ~~أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، ms0679 وأكثر قلق المعاقب وحزنه إنما هو مع ظنه ~~البراءة بنفسه وفي قوله تعالى: والله خبير بما تعملون توعد. # ثم ذكر الله تعالى أمر النعاس الذي أمن به المؤمنين، فغشي أهل الإخلاص، ~~وذلك أنه لما ارتحل أبو سفيان من موضع الحرب، قال النبي عليه السلام لعلي ~~بحضرة أصحابه المتحيزين في تلك الساعة إليه: # اذهب فانظر إلى القوم، فإن جنبوا الخيل فهم ناهضون إلى مكة، وإن كانوا ~~على خيلهم فهم عامدون إلى المدينة، فاتقوا الله واصبروا، ووطنهم على ~~القتال، فمضى علي ثم رجع، فأخبر أنهم جنبوا الخيل وقعدوا على أثقالهم ~~عجالا، فآمن الموقنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقى الله ~~عليهم النعاس، وبقي المنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يصدقون، بل كان ظنهم ~~أن أبا سفيان يؤم المدينة ولا بد، فلم يقع على أحد منهم نوم، وإنما كان ~~همهم في أحوالهم الدنيوية، قال أبو طلحة: لقد نمت في ذلك اليوم حتى سقط ~~سيفي من يدي مرارا، وقال الزبير بن العوام، لقد رفعت رأسي يوم أحد من النوم ~~فجعلت أنظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فما منهم أحد إلا وهو يميل ~~تحت جحفته، وقال ابن مسعود: نعسنا يوم- أحد- والنعاس في الحرب أمنة من ~~الله، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وقرأ جمهور الناس «أمنة» بفتح الميم، ~~وقرأ ابن محيصن والنخعي «أمنة» بسكون الميم، وهما بمعنى الأمن، وفتح الميم ~~أفصح، وقوله: نعاسا بدل، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ~~«يغشي» بالياء حملا على لفظ النعاس بإسناد الفعل إلى ضمير البدل، وقرأ حمزة ~~والكسائي «تغشى» بالتاء حملا على لفظ- الأمنة- بإسناد الفعل إلى ضمير ~~المبدل منه، والواو في قوله تعالى: وطائفة قد أهمتهم هي واو PageV01P527 # الحال كما تقول: جئت وزيد قائم، قاله سيبويه وغيره قال الزجاج: وجائز أن ~~يكون خبر قوله وطائفة قوله- يظنون- ويكون قد أهمتهم صفة للطائفة، وقوله ~~تعالى: قد أهمتهم أنفسهم ذهب أكثر المفسرين قتادة والربيع وابن إسحاق ~~وغيرهم: إلى أن اللفظة من الهم الذي هو بمعنى الغم والحزن، والمعنى: # أن ms0680 نفوسهم المريضة وظنونهم السيئة، قد جلبت إليهم الهم خوف القتل وذهاب ~~الأموال، تقول العرب: # أهمني الشيء إذا جلب الهم، وذكر بعض المفسرين: أن اللفظة من قولك: هم ~~بالشيء يهم إذا أراد فعله. # قال القاضي أبو محمد: أهمتهم أنفسهم المكاشفة. ونبذ الدين، وهذا قول من ~~قال: قد قتل محمد، فلنرجع إلى ديننا الأول ونحو هذا من الأقوال. # قوله تعالى: # يظنون بالله غير الحق ... # قوله تعالى: غير الحق معناه: يظنون أن الإسلام ليس بحق وأن أمر محمد عليه ~~السلام يضمحل ويذهب، وقوله: ظن الجاهلية ذهب جمهور الناس إلى أن المراد مدة ~~الجاهلية القديمة قبل الإسلام، وهذا كما قال: حمية الجاهلية [الفتح: 26] ~~وتبرج الجاهلية [الأحزاب: 33] ، وكما تقول شعر الجاهلية، وكما قال ابن ~~عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأسا دهاقا، وذهب بعض المفسرين إلى ~~أنه أراد في هذه الآية ظن الفرقة الجاهلية، والإشارة إلى أبي سفيان ومن ~~معه، والأمر محتمل، وقد نحا هذا المنحى قتادة والطبري، وقوله تعالى: يقولون ~~هل لنا من الأمر من شيء حكاية كلام قالوه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد ~~الله بن أبي ابن سلول: قتل بنو الخزرج فقال: «وهل لنا من الأمر من شيء» ؟ ~~يريد أن الرأي ليس لنا، ولو كان لنا منه شيء لسمع من رأينا فلم يخرج فلم ~~يقتل أحد منا، وهذا منهم قول بأجلين، وكأن كلامهم يحتمل الكفر والنفاق، على ~~معنى: ليس لنا من أمر الله شيء، ولا نحن على حق في اتباع محمد، ذكره ~~المهدوي وابن فورك، لكن يضعف ذلك أن الرد عليهم إنما جاء على أن كلامهم في ~~معنى سوء الرأي في الخروج، وأنه لو لم يخرج لم يقتل أحد، وقوله تعالى: قل ~~إن الأمر كله لله اعتراض أثناء الكلام فصيح، وقرأ جمهور القراء «كله» - ~~بالنصب على تأكيد الأمر، لأن «كله» بمعنى أجمع، وقرأ أبو عمرو بن العلاء ~~«كله لله» برفع كل على الابتداء والخبر، ورجح الناس قراءة الجمهور لأن ~~التأكيد أملك بلفظة «كل» ، وقوله تعالى: يخفون في أنفسهم ما لا يبدون ms0681 لك ~~يحتمل أن يكون إخبارا عن تسترهم بمثل هذه الأقوال التي ليست بمحض كفر، بل ~~هي جهالة، ويحتمل أن يكون إخبارا عما يخفونه من الكفر الذي لا يقدرون أن ~~يظهروا منه أكثر من هذه النزعات، وأخبر تعالى عنهم على PageV01P528 # الجملة دون تعيين، وهذه كانت سنته في المنافقين، لا إله إلا هو، وقوله ~~تعالى: يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا هي مقالة سمعت من ~~معتب بن قشير المغموص عليه بالنفاق، وقال الزبير بن العوام فيما أسند ~~الطبري عنه: والله لكأني أسمع قول معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، ~~والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا هاهنا. # قال القاضي أبو محمد: وكلام معتب يحتمل من المعنى ما احتمل كلام عبد الله ~~بن أبي، ومعتب هذا ممن شهد بدرا، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، وقال ابن عبد ~~البر: إنه شهد العقبة، وذلك وهم، والصحيح أنه لم يشهد عقبة، وقوله تعالى: ~~قل لو كنتم في بيوتكم الآية رد على الأقوال، وإعلام بأن أجل كل امرئ إنما ~~هو واحد، فمن لم يقتل فهو يموت لذلك الأجل على الوجه الذي قدر الله تعالى، ~~وإذا قتل فذلك هو الذي كان في سابق الأزل، وقرأ جمهور الناس «في بيوتكم» ~~بضم الباء، وقرأ بعض القراء وهي بعض طرق السبعة «في بيوتكم» ، بكسر الباء، ~~وقرأ جمهور الناس «لبرز» بفتح الراء والباء على معنى: # صاروا في البراز من الأرض، وقرأ أبو حيوة «لبرز» بضم الباء وكسر الراء ~~وشدها، وقرأ جمهور الناس: # «عليهم القتل» أي كتب عليهم في قضاء الله وتقديره، وقرأ الحسن والزهري: ~~«عليهم القتال» وتحتمل هذه القراءة معنى الاستغناء عن المنافقين، أي لو ~~تخلفتم أنتم لبرز المؤمنون الموقنون المطيعون في القتال المكتوب عليهم، ~~وقوله تعالى: وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم الآية، اللام ~~في قوله تعالى: وليبتلي متعلقة بفعل متأخر تقديره وليبتلي وليمحص فعل هذه ~~الأمور الواقعة والابتلاء هنا هو الاختبار، والتمحيص: ms0682 تخليص الشيء من غيره، ~~والمعنى ليختبره فيعلمه علما مساوقا لوجوده وقد كان متقررا قبل وجود ~~الابتلاء أزلا، و «ذات الصدور» ما تنطوي عليه من المعتقدات، هذا هو المراد ~~في هذه الآية. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 155] # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) # اختلف المتأولون في من المراد بقوله تعالى: إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان فقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المراد بها جميع ~~من تولى ذلك اليوم عن العدو. # قال القاضي أبو محمد: يريد على جميع أنحاء التولي الذي لم يكن تحرفا ~~لقتال، وأسند الطبري رحمه الله قال: خطب عمر رضي الله عنه يوم الجمعة فقرأ ~~آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان، قال: لما كان يوم- أحد- هزمنا ففررت حتى ~~صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأني أروى، والناس يقولون قتل محمد، فقلت: لا ~~أجد أحدا يقول: قتل محمد إلا قتلته، حتى اجتمعنا على الجبل فنزلت هذه الآية ~~كلها، قال قتادة: هذه الآية في كل من فر بتخويف الشيطان وخدعه، وعفا الله ~~عنهم هذه الزلة، قال ابن فورك: لم يبق مع النبي يومئذ إلا ثلاثة PageV01P529 # عشر رجلا، أبو بكر، وعلي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، ~~وسائرهم من الأنصار أبو طلحة وغيره وقال السدي وغيره: إنه لما انصرف ~~المسلمون عن حملة المشركين عليهم صعد قوم الجبل، وفر آخرون حتى أتوا ~~المدينة، فذكر الله في هذه الآية الذين فروا إلى المدينة خاصة. # قال القاضي: جعل الفرار إلى الجبل تحيزا إلى فئة، وقال عكرمة: نزلت هذه ~~الآية فيمن فر من المؤمنين فرارا كثيرا، منهم رافع بن المعلى، وأبو حذيفة ~~بن عتبة ورجل آخر، قال ابن إسحاق: فر عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان وأخوه ~~سعد، ورجلان من الأنصار زرقيان، حتى بلغوا الجعلب، جبل بناحية المدينة مما ~~يلي الأعوص، ms0683 فأقاموا به ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة، قال ابن زيد: فلا أدري هل عفا عن ~~هذه الطائفة خاصة؟ أم على المؤمنين جميعا؟ و «استزل» - معناه طلب منهم أن ~~يزلوا، لأن ذلك هو مقتضى وسوسته وتخويفه، وقوله تعالى: # ببعض ما كسبوا ظاهره عند جمهور المفسرين: أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله ~~عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم، وبخلق ما اكتسبوه أيضا هم من الفرار، ~~وذهب الزجاج وغيره: إلى أن المعنى، أن الشيطان ذكرهم بذنوب لهم متقدمة، ~~فكرهوا الموت قبل التوبة منها والإقلاع عنها، قال المهدوي: بما اكتسبوا من ~~حب الغنيمة والحرص على الحياة. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل لفظ الآية أن تكون الإشارة في قوله: ببعض ما ~~كسبوا إلى هذه العبرة، أي كان للشيطان في هذا الفعل الذي اكتسبوه استزلال ~~لهم، فهو شريك في بعضه، ثم أخبر تعالى بعفوه عنهم، فتأوله جمهور العلماء ~~على حط التبعة في الدنيا والآخرة، وكذلك تأوله عثمان بن عفان في حديثه مع ~~عبيد الله بن عدي بن الخيار، وكذلك تأوله ابن عمر في حديثه مع الرجل ~~العراقي، وقال ابن جريج: معنى الآية، عفا الله عنهم إذ لم يعاقبهم، والفرار ~~من الزحف كبيرة من الكبائر بإجماع فيما علمت، وعدها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الموبقات مع الشرك وقتل النفس وغيرها. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 156] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) # نهى الله تعالى المؤمنين عن الكون مثل الكفار والمنافقين في هذا المعتقد ~~الفاسد، الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها ومن قاتل فقتل لو قعد في بيته ~~لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر أو للقتال، وهذا هو ~~معتقد المعتزلة في القول بالأجلين، وهو نحو منه، ms0684 وقوله تعالى: # لإخوانهم هي أخوة نسب، لأن قتلى- أحد- كانوا من الأنصار، أكثرهم من ~~الخزرج، ولم يكن فيهم من المهاجرين إلا أربعة، وصرح بهذه المقالة فيما ذكر ~~السدي ومجاهد وغيرهما، عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وقيل: بل قالها ~~جميع المنافقين، ودخلت إذا في هذه الآية وهي حرف استقبال، من حيث PageV01P530 # «الذين» اسم فيه إبهام يعم من قال في الماضي، ومن يقول في المستقبل، ومن ~~حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان، ويطرد النهي للمؤمنين فيها، فوضعت ~~إذا لتدل على اطراد الأمر في مستقبل الزمان، وهذه فائدة وضع المستقبل موضع ~~الماضي، كما قال تعالى: والله يدعوا إلى دار السلام [يونس: 25] إلى نحوها ~~من الآيات وكما قالت: # وفينا نبي يعلم ما في غد كما أن فائدة وضعهم الماضي موضع المستقبل ~~للدلالة على ثبوت الأمر، لأن صيغة الماضي متحققة الوقوع، فمن ذلك قول ~~الشاعر: # وإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد # ومنه قول الربيع: # أصبحت لا أملك السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا # و «الضرب في الأرض» : الإبعاد في السير، ومنه ضرب الدهر ضربانه: إذا بعدت ~~المدة، وضرب الأرض: هو الذهاب فيها لحاجة الإنسان خاصة بسقوط «في» وقال ~~السدي وغيره: في هذه الآية، الضرب في الأرض: السير في التجارة، وقال ابن ~~إسحاق وغيره: بل هو السير في جميع طاعات الله ورسوله، والضرب في الأرض يعم ~~القولين، وغزى: جمع غاز، وزنه- فعل- بضم الفاء وشد العين المفتوحة كشاهد ~~وشهد وقائل وقول، وينشد بيت رؤبة: [الرجز] # فالآن قد نهنهني تنهنهي ... وقول حلم ليس بالمسفه # (وقول، الاده فلاده) يريد إن لم تتب الآن فلا تتوب أبدا، وهو مثل معناه: ~~إن لم تكن كذا فلا تكن كذا، وقد روي، وقولهم إلا ده فلا ده، قال سيبويه ~~وغيره: لا يدخل غزى الجر ولا الرفع، وقرأته عامة القراء بتشديد الزاي، وقرأ ~~الحسن بن أبي الحسن والزهري: «غزى» مخففة الزاي، ووجهه إما أن يريد غزاة، ~~فحذف الهاء إخلادا إلى لغة من يقول «غزى» بالتشديد، وهذ الحرف كثير ms0685 في ~~كلامهم، قول الشاعر يمدح الكسائي: [الطويل] # أبى الذم أخلاق الكسائي وانتمى ... به المجد أخلاق الأبو السوابق # يريد الأبوة جمع أب، كما أن العمومة جمع عم، والبنوة جمع ابن وقد قالوا: ~~ابن وبنو، وتحتمل قراءتهما أن تكون تخفيفا للزاي من «غزى» ، ونظيره قراءة ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكذبوا بآياتنا كذابا [النبأ: 28] في قول من ~~قال: إنه تخفيف، وقد قيل: إنه مصدر جرى على غير المصدر، وقرأ الحسن «وما ~~قتلوا» مشددة التاء، وقوله تعالى: ليجعل الله ذلك قال مجاهد: معناه يحزنهم ~~قوله ولا ينفعهم. # قال القاضي: فالإشارة في ذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم، جعل الله ذلك ~~حسرة، لأن الذي يتيقن PageV01P531 # أن كل موت وقتل فبأجل سابق، يجد برد اليأس والتسليم لله تعالى على قلبه، ~~والذي يعتقد أن حميمه لو قعد في بيته لم يمت، يتحسر ويتلهف، وعلى هذا ~~التأويل مشى المتأولون، وهو أظهر ما في الآية، وقال قوم: الإشارة بذلك إلى ~~انتهاء المؤمنين ومخالفتهم الكافرين في هذا المعتقد، فيكون خلافهم لهم حسرة ~~في قلوبهم، وقال قوم: الإشارة بذلك إلى نفس نهي الله تعالى عن الكون مثل ~~الكافرين في هذا المعتقد لأنهم إذا رأوا أن الله تعالى قد وسمهم بمعتقد ~~وأمر بخلافهم كان ذلك حسرة في قلوبهم، ويحتمل عندي أن تكون الإشارة إلى ~~النهي والانتهاء معا، فتأمله «والحسرة» : التلهف على الشيء والغم به، ثم ~~أخبر تعالى خبرا جزما أنه الذي يحيي ويميت بقضاء حتم، لا كما يعتقد هؤلاء، ~~وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: # «والله بما يعلمون» بالياء، فهذا وعيد للمنافقين، وقرأ الباقون «تعلمون» ~~بالتاء على مخاطبة المؤمنين، فهذا توكيد للنهي في قوله لا تكونوا ووعيد لمن ~~خالفه ووعد لمن امتثله. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 157 الى 159] # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ~~(157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم ms0686 في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) # اللام في قوله تعالى: ولئن قتلتم هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في ~~قوله: لمغفرة هي المتلقية للقسم، والتقدير: والله لمغفرة، وترتب الموت قبل ~~القتل في قوله ما ماتوا وما قتلوا [آل عمران: 156] مراعاة لرتبة الضرب في ~~الأرض والغزو فقدم الموت الذي هو بإزاء المتقدم الذكر وهو الضرب، وقدم ~~القتل في قوله تعالى: ولئن قتلتم لأنه ابتداء إخبار، فقدم الأشرف الأهم، ~~والمعنى: أو متم في سبيل الله، فوقع أجركم على الله، ثم قدم الموت في قوله ~~تعالى: ولئن متم أو قتلتم لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في ~~الدنيا والحياة، والموت المذكور فيها هو موت على الإطلاق في السبيل وفي ~~المنزل وكيف كان، فقدم لعمومه وأنه الأغلب في الناس من القتل، وقرأ نافع ~~وحمزة والكسائي «متم» بكسر الميم و «متنا» و «مت» بالكسر في جميع القرآن ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بضم الميم في جميع القرآن، وروى أبو ~~بكر عن عاصم ضم الميم في جميع القرآن، وروى عنه حفص ضم الميم في هذين ~~الموضعين «أو متم ولئن متم» فقط، وكسر الميم حيث ما وقعت في جميع القرآن، ~~قال أبو علي: ضم الميم هو الأشهر والأقيس، مت تموت مثل: قلت تقول وطفت ~~تطوف، والكسر شاذ في القياس وإن كان قد استعمل كثيرا، وليس كما شذ قياسا ~~واستعمالا كشذوذ اليجدع ونحوه، ونظير مت تموت بكسر الميم فضل بكسر الضاد ~~يفضل في الصحيح وأنشدوا: # ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر ... وما مر من عمري ذكرت وما فضل # وقوله تعالى: لمغفرة رفع بالابتداء ورحمة، عطف على المغفرة وخير خبر ~~الابتداء، والمعنى: المغفرة والرحمة اللاحقة عن القتل أو الموت في سبيل ~~الله خير، فجاء لفظ المغفرة غير معرف PageV01P532 # إشارة بليغة إلى أن أيسر جزء منها خير من الدنيا، وأنه كاف في فوز العبد ~~المؤمن، وتحتمل الآية أن يكون قوله لمغفرة إشارة إلى القتل أو الموت في ~~سبيل الله، سمى ذلك مغفرة ورحمة ms0687 إذ هما مقترنان به ويجيء التقدير: لذلك ~~مغفرة ورحمة وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر، وقوله خير صفة لخبر ~~الابتداء، وقرأ جمهور الناس «تجمعون» بالتاء على المخاطبة وهي أشكل ~~بالكلام، وقرأ قوم منهم عاصم فيما روى عن حفص «يجمعون» بالياء، والمعنى مما ~~يجمعه المنافقون وغيرهم. # ثم ذكر تعالى الحشر إليه، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات، وفي الآية تحقير ~~لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي ~~إليه في حال الشهادة أولى. # وقوله تعالى: فبما رحمة من الله، معناه: فبرحمة من الله «وما» قد جرد ~~عنها معنى النفي ودخلت للتأكيد وليست بزائدة على الإطلاق لا معنى لها، ~~وأطلق عليها سيبويه اسم الزيادة من حيث زال عملها، وهذه بمنزلة قوله تعالى: ~~فبما نقضهم ميثاقهم [النساء: 155] قال الزجاج: الباء بإجماع من النحويين ~~صلة وفيها معنى التأكيد، ومعنى الآية: التقريع لجميع من أخل يوم- أحد- ~~بمركزه، أي كانوا يستحقون الملام منك، وأن لا تلين لهم، ولكن رحم الله ~~جميعكم، أنت يا محمد بأن جعلك الله على خلق عظيم، وبعثك لتتمم محاسن ~~الأخلاق، وهم بأن لينك لهم وجعلت بهذه الصفات لما علم تعالى في ذلك من ~~صلاحهم وأنك لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، وتفرقوا عنك، والفظ: ~~الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفة النبي عليه السلام في الكتب المنزلة: ليس ~~بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، وقال الجواري لعمر بن الخطاب: أنت أفظ ~~وأغلظ من رسول الله الحديث، وفظاظة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما كانت ~~مستعملة منه آلة لعضد الحق والشدة في الدين، والفظاظة: الجفوة في المعاشرة ~~قولا وفعلا ومنه قول الشاعر: [البسيط] # أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ ... وكنت أخشى عليها من أذى الكلم # وغلظ القلب: عبارة عن تجهم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق ~~والرحمة ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط] # يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # والانفضاض: افتراق الجموع ومنه فض الخاتم. # قوله تعالى: # فاعف عنهم ms0688 واستغفر لهم .... # أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره ~~بأن يعفو عليه السلام عنهم ما PageV01P533 # له في خاصته عليهم من تبعة وحق، فإذا صاروا في هذه الدرجة، أمره أن ~~يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلا ~~للاستشارة في الأمور والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا ~~يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله ~~المؤمنين بقوله: وأمرهم شورى بينهم [الشورى: 38] وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وقال عليه السلام: المستشار ~~مؤتمن، وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالما دينا، وقل ما يكون ذلك إلا ~~في عاقل، فقد قال الحسن بن أبي الحسن: ما كمل دين امرئ لم يكمل عقله، وصفة ~~المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلا مجربا وادا في المستشير، والشورى ~~بركة، وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافة- وهي أعظم النوازل- شورى، وقال الحسن: ~~والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، وقد قال في غزوة بدر: # أشيروا علي أيها الناس، في اليوم الذي تكلم فيه المقداد، ثم سعد بن ~~عبادة، ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحروب والبعوث ونحوه من ~~أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع. ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء [الأنعام: 38] وكأن الآية نزلت مؤنسة للمؤمنين، إذ كان ~~تغلبهم على الرأي في قصة- أحد- يقتضي أن يعاقبوا بأن لا يشاوروا في ~~المستأنف، وقرأ ابن عباس «وشاورهم في بعض الأمر» وقراءة الجمهور إنما هي ~~باسم الجنس الذي يقع للبعض وللكل، ولا محالة أن اللفظ خاص بما ليس من تحليل ~~وتحريم، والشورى مبينة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ~~ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه وأنفذه متوكلا على ~~الله، إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر تعالى ms0689 نبيه في هذه ~~الآية، وقرأ جابر بن زيد وأبو نهيك وجعفر بن محمد وعكرمة «عزمت» - بضم ~~التاء سمى الله تعالى إرشاده وتسديده عزما منه، وهذا في المعنى نحو قوله ~~تعالى: # لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105] ونحو قوله تعالى: وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] فجعل تعالى هزمه المشركين بحنين ~~وتشويه وجوههم رميا، إذ كان ذلك متصلا برمي محمد عليه السلام بالحصباء. وقد ~~قالت أم سلمة ثم عزم الله لي، والتوكل على الله تعالى من فروض الإيمان ~~وفصوله، ولكنه مقترن بالجد في الطاعة والتشمير والحزامة بغاية الجهد: وليس ~~الإلقاء باليد وما أشبهه بتوكل، وإنما هو كما قال عليه السلام: قيدها ~~وتوكل. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 160] # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) # ثم ثبت تعالى المؤمنين بقوله: إن ينصركم الله فلا غالب لكم أي فالزموا ~~الأمور التي أمركم بها ووعدكم النصر معها، و «الخذل» : هو الترك في مواطن ~~الاحتياج إلى التارك، وأصله من خذل الظباء، وبهذا قيل لها: خاذل إذ تركتها ~~أمها، وهذا على النسب أي ذات خذل لأن المتروكة هي الخاذل بمعنى مخذولة، ~~وقوله تعالى: فمن ذا الذي ينصركم تقدير جوابه: لا من- والضمير في بعده ~~يحتمل العودة على المكتوبة، ويحتمل العودة على الخذل الذي تضمنه قوله إن ~~يخذلكم. # قوله تعالى: PageV01P534 ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 161 الى 163] # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير (162) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ~~(163) # تقدم القول في صيغة: وما كان لكذا أن يكون كذا، في قوله تعالى: وما كان ~~لنفس أن تموت [آل عمران: 145] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم «يغل» بفتح ~~الياء وضم الغين، وبها قرأ ابن عباس وجماعة من العلماء، وقرأ باقي السبعة ~~«أن يغل» بضم ms0690 الياء وفتح الغين، وبها قرأ ابن مسعود وجماعة من العلماء، ~~واللفظة: بمعنى الخيانة في خفاء، قال بعض اللغويين هي مأخوذة من الغلل وهو ~~الماء الجاري في أصول الشجر والدوح، قال أبو عمرو: تقول العرب: أغل الرجل ~~يغل إغلالا: إذا خان، ولم يؤد الأمانة، ومنه قول النمر بن تولب: [الطويل] # جزى الله عني جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغل بالأمانة كاذب # وقال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، قال أبو علي: وتقول من الغل ~~الذي هو الضغن: غل يغل بكسر الغين، ويقولون في الغلول من الغنيمة: غل يغل ~~بضم الغين، والحجة لمن قرأ يغل أن ما جاء من هذا النحو في التنزيل أسند ~~الفعل فيه إلى الفاعل على نحو ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء [يوسف: 38] ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك [يوسف: 76] وما كان لنفس أن تموت [آل ~~عمران: 145] وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم [التوبة: 115] وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب [آل عمران: 179] ولا يكاد يجيء: ما كان زيد ليضرب، ~~فيسند الفعل فيه إلى المفعول به، وفي هذا الاحتجاج نظر، وروي عن ابن عباس ~~أنه قرأ «يغل» بضم الغين، فقيل له: إن ابن مسعود قرأ «يغل» بفتح الغين، ~~فقال ابن عباس: بلى والله ويقتل، واختلف المفسرون في السبب الذي أوجب أن ~~ينفي الله تعالى عن النبي أن يكون غالا على هذه القراءة- التي هي بفتح ~~الياء وضم الغين، فقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم: نزلت بسبب ~~قطيفة حمراء فقدت من المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لعل رسول الله أخذها فنزلت الآية. # قال القاضي أبو محمد: قيل: كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ~~ذلك حرجا، وقيل كانت من منافقين، وقد روي أن المفقود إنما كان سيفا، قال ~~النقاش: ويقال: إنما نزلت لأن الرماة قالوا يوم أحد: الغنيمة الغنيمة أيها ~~الناس، إنما نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو ms0691 له، ~~فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: خشيتم أن نغل؟ ونزلت هذه ~~الآية، وقال الضحاك: بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع ~~في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم، فقسم للناس ولم يقسم للطلائع، فأنزل الله ~~تعالى عليه عتابا، وما كان لنبي أن يغل أي يقسم لبعض ويترك بعضا، وروي نحو ~~هذا القول عن ابن عباس، ويتجه على هذا أن تكون الآية إعلاما بعدل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقسمه للغنائم، وردا على الأعراب الذين صاحوا به: اقسم ~~علينا غنائمنا يا محمد، وازدحموا حتى اضطروه إلى السمرة التي أخذت رداءه، ~~ونحا إليه الزجاج، وقال ابن إسحاق: الآية إنما نزلت إعلاما بأن النبي عليه ~~السلام لم يكتم شيئا مما أمر بتبليغه. PageV01P535 # قال القاضي: وكأن الآية على هذا في قصة- أحد- لما نزل عليه: وشاورهم في ~~الأمر [آل عمران: 159] إلى غير ذلك مما استحسنوه بعد إساءتهم من العفو عنهم ~~ونحوه، وبالجملة فهو تأويل ضعيف، وكان يجب أن يكون «يغل» بضم الياء وكسر ~~الغين، لأنه من الإغلال في الأمانة، وأما قراءة من قرأ «أن يغل» بضم الياء ~~وفتح الغين، فمعناها عند جمهور من أهل العلم: أن ليس لأحد أن يغله: أي ~~يخونه في الغنيمة، فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في المغانم والتوعد ~~عليه، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورا مع الأمراء لشنعة الحال مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره، ~~والولاة هم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فلهم حظهم من التوقير، وقال ~~بعض الناس: معنى «أن يغل» أن يوجد غالا، كما تقول: أحمدت الرجل وجدته ~~محمودا، فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى «يغل» بفتح الياء وضم ~~الغين، وقال أبو علي الفارسي: معنى «يغل» بضم الياء وفتح الغين يقال له: ~~غللت وينسب إلى ذلك، كما تقول أسقيته، إذا قلت: سقاك الله كما قال ذو ~~الرمة: # [الطويل] # وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه # وهذا ms0692 التأويل موقر للنبي عليه السلام، ونحوه في الكلام: أكفرت الرجل إذا ~~نسبته إلى الكفر، وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا آكل سمنا حتى يحيا ~~الناس من أول ما يحيون: أي يدخلون في الحيا وقوله تعالى: ومن يغلل يأت بما ~~غل يوم القيامة وعيد لمن يغل من الغنيمة، أو في زكاته، فيجحدها ويمسكها، ~~فالفضيحة يوم القيامة بأن يأتي على رؤوس الأشهاد بالشيء الذي غل في الدنيا، ~~وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: ألا يخشى رجل ~~منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، ~~فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ثم ذكر ذلك عليه السلام في بقرة ~~لها خوار وجمل له رغاء، وفرس له حمحمة، وروى نحو هذا الحديث ابن عباس، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ~~ثغاء، الحديث بطوله، وروى نحوه أبو حميد الساعدي وعمر بن الخطاب وعبد الله ~~بن أنيس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدوا الخياط والمخيط، فقام ~~رجل فجاء بشراك أو شراكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شراك أو ~~شراكان من نار، وقال في مدعم، إن الشملة التي غل من المغانم يوم خيبر ~~لتشتعل عليه نارا. # قال القاضي: وهذه الفضيحة التي يوقع الله بالغال، هي نظيرة الفضيحة التي ~~توقع بالغادر، في أن ينصب له لواء بغدرته حسب قوله عليه السلام، وجعل الله ~~هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه، ألا ترى إلى قول الحارد: ~~[الكامل] # أسمي ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللواء لنا بها في المجمع # وكانت العرب ترفع للغادر لواء، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، وقد تقدم ~~القول في نظير، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [البقرة: 281] . # وقوله تعالى: أفمن اتبع رضوان الله الآية، توقيف على تباين المنزلتين ~~وافتراق الحالتين، PageV01P536 # والرضوان: مصدر، وقرأه عاصم- فيما روي عنه- بضم الراء- وقرأ جميعهم ~~بكسرها، وحكى أبو عمرو الداني عن الأعمش، ms0693 أنه قرأها- بكسر الراء وضم الضاد، ~~وهذا كله بمعنى واحد مصدر من الرضى، والمعنى، اتبعوا الطاعة الكفيلة برضوان ~~الله، ففي الكلام حذف مضاف، وباء بسخط- معناه: مضى متحملا له، والسخط: صفة ~~فعل، وقد تتردد متى لحظ فيها معنى الإرادة، وقال الضحاك: إن هذه الآية ~~مشيرة إلى أن من لم يغل واتقى فله الرضوان، وإلى أن من غل وعصى فله السخط، ~~وقال غيره: هي مشيرة إلى أن من استشهد- بأحد- فله الرضوان، وإلى المنافقين ~~الراجعين عن النبي صلى الله عليه وسلم فلهم السخط، وباقي الآية بين. # واختلف المفسرون في قوله تعالى: هم درجات من المراد بذلك؟ فقال ابن إسحاق ~~وغيره: # المراد بذلك الجمعان المذكوران، أهل الرضوان وأصحاب السخط، أي لكل صنف ~~منهم تباين في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النار أيضا، وقال مجاهد ~~والسدي ما ظاهره: إن المراد بقوله هم إنما هو لمتبعي الرضوان، أي لهم درجات ~~كريمة عند ربهم، وفي الكلام حذف مضاف تقديره «هم درجات» والدرجات المنازل ~~بعضها أعلى من بعض في المسافة أو في التكرمة، أو العذاب، وقرأ إبراهيم ~~النخعي «هم درجة» بالإفراد، وباقي الآية وعيد ووعد. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 164 الى 165] # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) ~~أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن ~~الله على كل شيء قدير (165) # اللام في لقد لام القسم، ومن في هذه الآية معناه: تطول وتفضل، وقد يقال: ~~من بمعنى: # كدر معروفه بالذكر فهي لفظة مشتركة. # وقوله تعالى: من أنفسهم معناه في الجنس واللسان والمجاورة فكونه من الجنس ~~يوجب الأنس به وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حسن التفهيم وقرب ~~الفهم، وكونه جارا وربيا يوجب التصديق والطمأنينة، إذ قد خبروه وعرفوا صدقه ~~وأمانته فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسب قومه، وكذلك الرسل، قال ~~النقاش: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت ms0694 رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قبل أمهاتهم إلا بني تغلب لنصرانيتهم، والآيات في هذه الآية، يحتمل أن يراد ~~بها القرآن ويحتمل أن يراد بها العلامات، والأول أظهر، ويزكيهم معناه: ~~يطهرهم من دنس الكفر والمعاصي، قال بعض المفسرين: # معناه يأخذ منهم الزكاة، وهذا ضعيف، والكتاب: القرآن، والحكمة، السنة ~~المتعلمة من لسانه عليه السلام، ثم ذكر حالتهم الأولى من الضلال ليظهر ~~الفرق بتجاور الضدين- وقيل: لفظة مبنية لما تضمنت الإضافة، فأشبهت الحروف ~~في تضمن المعاني فبنيت. PageV01P537 # ثم وقف تعالى المؤمنين على الخطأ في قلقهم للمصيبة التي نزلت بهم ~~وإعراضهم عما نزل بالكفار، وعرفهم أن ذلك لسبب أنفسهم، والواو في قوله: ~~أولما عطف جملة على جملة دخلت عليها ألف التقرير على معنى إلزام المؤمنين ~~هذه المقالة في هذه الحال، والمصيبة التي نالت المؤمنين هي: قصد- أحد- وقتل ~~سبعين منهم، واختلف في المثلين اللذين أصاب المؤمنين فقال قتادة والربيع: ~~وابن عباس وجمهور المتأولين: ذلك في يوم بدر، قتل المؤمنون من كفار قريش ~~سبعين، وأسروا سبعين، وقال الزجاج: أحد المثلين: هو قتل السبعين يوم بدر، ~~والثاني: هو قتل اثنين وعشرين من الكفار يوم- أحد- فهو قتل بقتل، ولا مدخل ~~للأسرى في هذه الآية، هذا معنى كلامه، لأن أسارى بدر أسروا ثم فدوا، فلا ~~مماثلة بين حالهم وبين قتل سبعين من المؤمنين، وأنى- معناها: كيف ومن أين؟ ~~ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لهم: هو من عند أنفسكم، واختلف ~~الناس كيف هو من عند أنفسهم ولأي سبب؟ # فقال الجمهور من المفسرين: لأنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الرأي حين رأى أن يقيم بالمدينة ويترك كفار قريش بشر محبس فأبوا إلا الخروج ~~حتى جرت القصة، وقالت طائفة: قوله تعالى: # من عند أنفسكم إشارة إلى عصيان الرماة وتسبيبهم الهزيمة على المؤمنين. ~~وقال الحسن وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: بل ذلك لما قبلوا الفداء يوم ~~بدر، وذلك أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه قال: # لما فرغت هزيمة المشركين ببدر جاء جبريل عليه السلام إلى ms0695 النبي عليه ~~السلام فقال: يا محمد إن الله قد كره ما يصنع قومك في أخذ الأسارى، وقد ~~أمرك أن تخيرهم بين أمرين: أن يقدموا الأسارى فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا ~~الفداء، على أن يقتل من أصحابك عدة هؤلاء الأسارى، فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، بل ~~نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما ~~نكره، قال: فقتل منهم يوم أحد- سبعون رجلا. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 167] # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) # الخطاب بقوله تعالى: وما أصابكم للمؤمنين، والجمعان هما عسكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعسكر قريش يوم- أحد- ودخلت الفاء في قوله: فبإذن الله ~~رابطة مشددة، وذلك للإبهام الذي في ما فأشبه الكلام الشرط، وهذا كما قال ~~سيبويه: الذي قام فله درهمان، فيحسن دخول الفاء إذا كان القيام سبب ~~الإعطاء، وكذلك ترتيب هذه الآية، فالمعنى إنما هو، وما أذن الله فيه فهو ~~الذي أصاب، لكن قدم الأهم في نفوسهم والأقرب إلى حسهم، والإذن: التمكين من ~~الشيء مع العلم به، وقوله تعالى: # وليعلم معناه: ليكون العلم مع وجود المؤمنين والمنافقين، أي مساوقين ~~للعلم الذي لم يزل ولا يزال واللام في قوله: ليعلم متعلقة بفعل مقدر في آخر ~~الكلام، والإشارة بقوله: نافقوا وقيل لهم هي إلى PageV01P538 # عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا معه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم- أحد- وذلك أنه كان من رأي عبد الله بن أبي أن لا يخرج إلى كفار قريش، ~~فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على الوجه الذي قد ذكرناه، ~~قال عبد الله بن أبي: أطاعهم وعصاني، فانخذل بنحو ثلث الناس، فمشى في أثرهم ~~عبد الله بن ms0696 عمرو بن حرام الأنصاري أبو جابر بن عبد الله فقال لهم: # اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، أو نحو هذا ~~من القول، فقال له ابن أبي: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال ~~لكنا معكم، فلما يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء الله، فسيغني الله ~~رسوله عنكم، ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستشهد، واختلف الناس في ~~معنى قوله: # أو ادفعوا فقال السدي وابن جريج وغيرهما معناه: كثروا السواد وإن لم ~~تقاتلوا، فيندفع القوم لكثرتكم، وقال أبو عون الأنصاري: معناه رابطوا، وهذا ~~قريب من الأول، ولا محالة أن المرابط مدافع، لأنه لولا مكان المرابطين في ~~الثغور لجاءها العدو، والمكثر للسواد مدافع، وقال أنس بن مالك: رأيت يوم ~~القادسية عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى، وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية ~~سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى، ولكني أكثر المسلمين ~~بنفسي، وروي أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله، وذهب بعض المفسرين إلى أن ~~قول عبد الله بن عمرو: أو ادفعوا، إنما هو استدعاء القتال حمية، لأنه دعاهم ~~إلى القتال في سبيل الله، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ~~ليسوا أهل ذلك، عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الأنفة، أي أو قاتلوا ~~دفاعا عن الحوزة، ألا ترى أن قزمان قال: والله ما قاتلت إلا على أحساب ~~قومي، وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم- أحد- لما رأى قريشا قد أرسلت الظهر ~~في زروع قناة قال: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أمر أن لا يقاتل أحد حتى يأمره بالقتال، فكأن عبد الله بن ~~عمرو بن حرام دعاهم إلى هذا المقطع العربي الخارج عن الدين والقتال في سبيل ~~الله، وذهب جمهور المفسرين إلى أن قوله: أقرب مأخوذ من القرب ضد البعد، ~~وسدت- اللام- في قوله: للكفر، وللإيمان- مسد إلى، وحكى النقاش: أن قوله ~~أقرب مأخوذ من القرب بفتح القاف والراء وهو الطلب، ms0697 والقارب طالب الماء، ~~وليلة القرب ليلة الورد، فاللفظة بمعنى أطلب، واللام متمكنة على هذا القول، ~~وقوله: بأفواههم تأكيد، مثل يطير بجناحيه، وقوله: ما ليس في قلوبهم يريد ما ~~يظهرون من الكلمة الحاقنة لدمائهم، ثم فضحهم تعالى بقوله: والله أعلم بما ~~يكتمون أي من الكفر وعداوة الدين وفي الكلام توعد لهم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 168 الى 170] # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين (168) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون ~~بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) # الذين بدل من «الذين» المتقدم، و «إخوانهم» المقتولون من الخزرج وهي أخوة ~~نسب ومجاورة، PageV01P539 # وقوله تعالى: لإخوانهم معناه لأجل إخوانهم وفي شأن إخوانهم، ويحتمل أن ~~يكون قوله: # لإخوانهم للأحياء من المنافقين، ويكون الضمير في أطاعونا هو للمقتولين، ~~وقوله: وقعدوا جملة في موضع الحال وهي حالة معترضة أثناء الكلام، وقوله: لو ~~أطاعونا يريد في أن لا يخرجوا إلى قريش، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «ما ~~قتلوا» بشد التاء، وهذا هو القول بالأجلين، فرد الله تعالى عليهم بقوله: قل ~~فادرؤا الآية، والدرء الدفع ومنه قول دغفل النسابة: [الرجز] # صادف درء السيل درءا يدفعه ... والعبء لا تعرفه أو ترفعه # ولزوم هذه الحجة هو أنكم أيها القائلون: إن التوقي واستعمال النظر يدفع ~~الموت، فتوقوا وانظروا في الذي يغشاكم منه حتف أنوفكم، فادفعوه إن كان ~~قولكم صدقا، أي إنما هي آجال مضروبة عند الله. # وقرأ جمهور القراء: «ولا تحسبن» بالتاء مخاطبة للنبي عليه السلام، وقرأ ~~حميد بن قيس، «ولا يحسبن» بالياء على ذكر الغائب، ورويت عن ابن عمر وذكره ~~أبو عمرو وكأن الفاعل مقدر: ولا يحسبن أحد أو حاسب، وأرى هذه القراءة بضم ~~الباء فالمعنى: ولا يحسب الناس، ويحسبن، معناه يظن، وقرأ الحسن: «الذين ~~قتلوا» ، بشد التاء، وابن عامر من السبعة، وروي عن عاصم أنه قرأ: «الذين ~~قاتلوا» ms0698 بألف بين القاف والتاء، وأخبر الله تعالى في هذه الآية عن الشهداء: ~~أنهم في الجنة يرزقون، هذا موضع الفائدة، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم ~~في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من ~~وقت القتل، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم، قال الحسن بن أبي الحسن: ما زال ~~ابن آدم يتحمد حتى صار حيا لا يموت بالشهادة في سبيل الله، فقوله: بل أحياء ~~مقدمة لقوله: يرزقون إذ لا يرزق إلا حي، وهذا كما تقول لمن ذم رجلا: بل هو ~~رجل فاضل، فتجيء باسم الجنس الذي تركب عليه الوصف بالفضل، وقرأ جمهور ~~الناس: «بل أحياء» بالرفع على خبر ابتداء مضمر، أي هم أحياء، وقرأ ابن أبي ~~عبلة، «بل أحياء» بالنصب، قال الزجاج: ويجوز النصب على معنى بل أحسبهم ~~أحياء، قال أبو علي في الأغفال: ذلك لا يجوز لأن الأمر يقين فلا يجوز أن ~~يؤمر فيه بمحسبة، ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة. # قال القاضي: فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن تضمر فعلا غير المحسبة، اعتقدهم ~~أو اجعلهم وذلك ضعيف إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر، وقوله عند ربهم ~~فيه حذف مضاف تقديره: عند كرامة ربهم، لأن عند تقتضي غاية القرب، ولذلك لم ~~تصغر قاله سيبويه، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أرواح ~~الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة ~~وعشيا، وروي عنه عليه السلام أنه قال: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد ~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها. # قال القاضي رحمه الله: وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة، يجمعها أنهم يرزقون، ~~وقال عليه السلام: # إنما نسمة المؤمن طير تعلق في ثمار الجنة، ويروى يعلق بفتح اللام ~~وبالياء، والحديث معناه في الشهداء خاصة، لأن أرواح المؤمنين غير الشهداء، ~~إنما ترى مقاعدها من الجنة دون أن تدخلها، وأيضا فإنها لا ترزق، وتعلق ~~معناه: تصيب العلقة من الطعام، وفتح اللام هو من التعلق، وقد رواه القراء ~~في إصابة ms0699 PageV01P540 # العلقة، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: إنه الله تعالى يطلع إلى ~~الشهداء فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون يا ربنا لا فوق ما ~~أعطيتنا، هذه الجنة نأكل منها حيث نشاء، لكنا نريد أن تردنا إلى الدنيا ~~فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة أخرى، فيقول تعالى: قد سبق أنكم لا تردون، وروي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله: ألا أبشرك يا جابر؟ ~~قال جابر: قلت بلى يا رسول الله، قال: إن أباك حيث أصيب- بأحد- أحياه الله، ~~ثم قال: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: يا رب أحب أن تردني ~~إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى، وقال قتادة رحمه الله: ذكر لنا أن ~~رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ليتنا نعلم ما فعل ~~إخواننا الذين أصيبوا- بأحد- فنزلت هذه الآية وقال محمد بن قيس بن مخرمة في ~~حديث: إن الشهداء قالوا يا ربنا ألا رسول يخبر نبينا عنا بما أعطيتنا؟ فقال ~~الله تعالى: # أنا رسولكم، فنزل جبريل بهذه الآية وكثرت هذه الأحاديث في هذا المعنى، ~~واختلفت الروايات وجميع ذلك جائز على ما اقتضبته من هذه المعاني وقوله ~~تعالى: فرحين نصب في موضع الحال وهو من الفرح بمعنى السرور، و «الفضل» في ~~هذه الآية: التنعيم المذكور. # يستبشرون معناه: يسرون ويفرحون، وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب ~~البشارة، بل هي بمعنى استغنى الله واستمجد المرخ والعفار، وذهب قتادة ~~والربيع وابن جريج وغيرهم: إلى أن هذا الاستبشار إنما هو بأنهم يقولون: ~~إخواننا الذين تركناهم خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم ~~فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه فيسرون لهم بذلك، إذ يحصلون ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وذهب فريق من العلماء وأشار إليه الزجاج وابن ~~فورك: إلى أن الإشارة في قوله: بالذين لم يلحقوا إلى جميع المؤمنين، أي لم ~~يلحقوا بهم في فضل الشهادة لكن الشهداء لما عاينوا ثواب الله، وقع اليقين ~~بأن دين الإسلام ms0700 هو الحق الذي يثيب الله عليه، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم ~~الله من فضله، ويستبشرون للمؤمنين بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» ، ~~وألا مفعول من أجله، التقدير، بأن لا خوف، ويجوز أن يكون في موضع خفض بدل ~~اشتمال. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 171 الى 172] # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم (172) # ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله: يستبشرون بنعمة ثم بين تعالى بقوله: وفضل ~~فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في ~~الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال، وقرأ الكسائي وجماعة من أهل ~~العلم: «وإن الله» - بكسر الألف من «أن» ، وقرأ باقي السبعة وجمهور ~~العلماء: «وأن الله» - بفتح الألف، فمن قرأ بالفتح فذلك داخل فيما يستبشر ~~به، المعنى، بنعمة وبأن الله، ومن قرأ بالكسر فهو إخبار مستأنف، وقرأ عبد ~~الله «وفضل والله لا يضيع» . PageV01P541 # وقوله تعالى: الذين استجابوا يحتمل أن تكون الذين صفة للمؤمنين على قراءة ~~من كسر الألف من «إن» ، والأظهر أن الذين ابتداء وخبره في قوله تعالى: ~~للذين أحسنوا الآية، فهذه الجملة هي خبر الابتداء الأول، والمستجيبون لله ~~والرسول هم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في ~~طلب قريش وانتظارهم لهم وذلك أنه لما كان في يوم الأحد وهو الثاني من يوم ~~أحد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس باتباع المشركين، وقال: لا ~~يخرجن معنا إلا من شاهدنا بالأمس، وكانت بالناس جراحة وقرح عظيم، ولكن ~~تجلدوا ونهض معه مائتا رجل من المؤمنين حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ~~ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وجرت قصة معبد بن أبي معبد ~~التي ذكرناها، ومرت قريش وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ~~فأنزل الله تعالى في شأن أولئك المستجيبين هذه الآية، ومدحهم لصبرهم، وروي ~~أنه خرج في ms0701 الناس أخوان وبهما جراحة شديدة وكان أحدهما قد ضعف، فكان أخوه ~~يحمله عقبة ويمشي هو عقبة، ورغب جابر بن عبد الله إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الخروج معه فأذن له، وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم ~~بهذه الفعلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها غزوة. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 173 الى 174] # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ~~واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) # الذين صفة للمحسنين المذكورين، وهذا القول هو الذي قاله الركب من عبد ~~القيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين حملهم أبو سفيان ذلك، ~~وقد ذكرته قبل، ف الناس الأول ركب عبد القيس والناس الثاني عسكر قريش، ~~وقوله تعالى: فزادهم إيمانا، أي ثبوتا واستعدادا، فزيادة الإيمان في هذا هي ~~في الأعمال، وأطلق العلماء عبارة: أن الإيمان يزيد وينقص، والعقيدة في هذا ~~أن نفس الإيمان الذي هو تصديق واحد بشيء ما، إنما هو معنى فرد لا تدخله ~~زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة ~~والنقص في متعلقاته دون ذاته، فذهب بعض العلماء إلى أنه يقال: يزيد وينقص ~~من حيث تزيد الأعمال الصادرة عنه وتنقص، لا سيما أن كثيرا من العلماء ~~يوقعون اسم الإيمان على الطاعات، وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان إنما ~~هي بنزول الفروض والإخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المعرفة ~~بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما زيادة إيمان إلى إيمان، فالقول فيه إن ~~الإيمان يزيد وينقص قول مجازي ولا يتصور النقص فيه على هذا الحد وإنما ~~يتصور الأنقص بالإضافة إلى الأعلم، وذهب قوم من العلماء: إلى أن زيادة ~~الإيمان ونقصه إنما هي من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد، فيقال في ~~ذلك: إنها زيادة في الإيمان، وهذا كما يقال في الكسوة، إنها زيادة ms0702 في ~~الإيمان، وذهب أبو المعالي في الإرشاد: إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه إنما ~~هو PageV01P542 # بثبوت المعتقد وتعاوره دائبا، قال: وذلك أن الإيمان عرض وهو لا يثبت ~~زمانين فهو للنبي صلى الله عليه وسلم وللصلحاء متعاقب متوال، وللفاسق ~~والغافل غير متوال، يصحبه حينا ويفارقه حينا في الفترة، فذلك الآخر أكثر ~~إيمانا، فهذه هي الزيادة والنقص وفي هذا القول نظر، وقوله تعالى: فزادهم ~~إيمانا لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة، ويتصور في الآية الجهات الأخر ~~الثلاث، وروي أنه لما أخبر الوفد من عبد القيس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما حملهم أبو سفيان، وأنه ينصرف إليهم بالناس ليستأصلهم، وأخبر بذلك ~~أيضا أعرابي، شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل فقالوا واستمرت عزائمهم على الصبر ودفع الله ~~عنهم كل سوء، وألقى الرعب في قلوب الكفار فمروا. # وقوله تعالى: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل يريد في السلامة والظهور في ~~اتباع العدو وحماية الحوزة، وبفضل في الأجر الذي حازوه والفضل الذي تجللوه، ~~وباقي الآية بين قد مضت نظائره، هذا هو تفسير الجمهور لهذه الآية، وأنها ~~غزوة- أحد- في الخرجة إلى حمراء الأسد وشذ مجاهد رحمه الله فقال: # إن هذه الآية من قوله: الذين قال لهم الناس إلى قوله: فضل عظيم إنما نزلت ~~في خروج النبي عليه السلام إلى بدر الصغرى، وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان ~~في- أحد- إذ قال: موعدنا بدر من العام المقبل، فقال النبي عليه السلام: ~~قولوا نعم: فخرج رسول الله قبل بدر وكان بها سوق عظيم، فأعطى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه دراهم وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي ~~فأخبره أن قريشا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها، فأشفق ~~المسلمون من ذلك لكنهم قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وصمموا حتى أتوا ~~بدرا فلم يجدوا عدوا ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدما وتجارة وانقلبوا ~~ولم يلقوا كيدا وربحوا في تجارتهم، فذلك قوله تعالى: بنعمة من الله وفضل أي ~~فضل ms0703 في تلك التجارة، والصواب ما قاله الجمهور: إن هذه الآية نزلت في غزوة ~~حمراء الأسد، وما قال ابن قتيبة وغيره: # من أن لفظة الناس على رجل واحد من هذه الآية، فقول ضعيف. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 175 الى 177] # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) ~~ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) # مقتضى إنما في اللغة الحصر، هذا منزع المتكلم بها من العرب، ثم إذا نظر ~~مقتضاها- عقلا- وهذا هو نظر الأصوليين- فهي تصلح للحصر وللتأكيد الذي ~~يستعار له لفظ الحصر، وهي في هذه الآية حاصرة، والإشارة ب ذلكم إلى جميع ما ~~جرى من أخبار الركب العبديين، عن رسالة أبي سفيان ومن تحميل أبي سفيان ذلك ~~الكلام، ومن جزع من ذلك الخبر من مؤمن أو متردد، وذلكم في الإعراب ابتداء، ~~والشيطان مبتدأ آخر، ويخوف أولياءه خبر عن الشيطان، والجملة خبر الابتداء PageV01P543 # الأول، وهذا الإعراب خير في تناسق المعنى من أن يكون الشيطان خبر ذلكم ~~لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة، ويخوف فعل يتعدى إلى مفعولين، لكن يجوز ~~الاقتصار على أحدهما إذ الآخر مفهوم من بنية هذا الفعل، لأنك إذا قلت: خوفت ~~زيدا، فمعلوم ضرورة أنك خوفته شيئا حقه أن يخاف، وقرأ جمهور الناس يخوف ~~أولياءه فقال قوم المعنى: يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه الذين هم كفار ~~قريش، فحذف المفعول الأول وقال قوم: المعنى يخوف المنافقين ومن في قلبه مرض ~~وهم أولياؤه، فإذا لا يعمل فيكم أيها المؤمنون تخويفه، إذ لستم بأوليائه، ~~والمعنى: يخوفهم كفار قريش، فحذف هنا المفعول الثاني واقتصر على الأول، ~~وقرأ ابن عباس فيما حكى أبو عمرو الداني «يخوفكم أولياءه» المعنى يخوفكم ~~قريش ومن معهم، وذلك بإضلال الشيطان لهم وذلك كله مضمحل، وبذلك قرأ النخعي ~~وحكى أبو الفتح بن جني عن ابن عباس أنه قرأ «يخوفكم أولياءه» فهذه ms0704 قراءة ~~ظهر فيها المفعولان، وفسرت قراءة الجماعة «يخوف أولياءه» قراءة أبي بن كعب ~~«يخوفكم بأوليائه» والضمير في قوله فلا تخافوهم لكفار قريش وغيرهم من ~~أولياء الشيطان، حقر الله شأنه وقوى نفوس المؤمنين عليهم، وأمرهم بخوفه هو ~~تعالى وامتثال أمره، من الصبر والجلد، ثم قرر بقوله تعالى إن كنتم مؤمنين ~~كما تقول: إن كنت رجلا فافعل كذا. # وقرأ نافع وحده «يحزنك» بضم الياء من أحزن، وكذلك قرأ في جميع القرآن، ~~إلا في سورة الأنبياء لا يحزنهم الفزع الأكبر [الأنبياء: 103] فإنه فتح ~~الياء، وقرأ الباقون «يحزنك» بفتح الياء من قولك حزنت الرجل، قال سيبويه: ~~يقال حزن الرجل وفتن إذا أصابه الحزن والفتنة، وحزنته وفتنته، إذا جعلت فيه ~~وعنده حزنا وفتنة، كما تقول: دهنت وكحلت، إذا جعلت دهنا وكحلا، وأحزنته ~~وأفتنته إذا جعلته حزينا وفاتنا، كما تقول: أدخلته وأسمعته، هذا معنى قول ~~سيبويه والمسارعة في الكفر هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله والجد في ذلك، ~~وقرأ الحر النحوي «يسرعون» في كل القرآن وقراءة الجماعة أبلغ، لأن من يسارع ~~غيره أشد اجتهادا من الذي يسرع وحده، ولذلك قالوا كل مجر بالخلاء يسر، وسلى ~~الله نبيه بهذه الآية عن حال المنافقين والمجاهدين إذ كلهم مسارع، وقوله ~~تعالى: إنهم لن يضروا الله شيئا خبر في ضمنه وعيد لهم أي: إنما يضرون ~~أنفسهم، والحظ إذا لم يقيد فإنما يستعمل في الخير، ألا ترى قوله تعالى: وما ~~يلقاها إلا ذو حظ عظيم [فصلت: 35] . # وقوله تعالى: إن الذين اشتروا أطلق عليهم الشراء من حيث كانوا متمكنين من ~~قبول هذا وهذا فجاء أخذهم للواحد وتركهم للآخر كأنه ترك لما قد أخذ وحصل، ~~إذ كانوا ممكنين منه، ولمالك رحمه الله متعلق بهذه الآية في مسألة شراء ما ~~تختلف آحاد جنسه مما لا يجوز التفاضل فيه، في أن منع الشراء على أن يختار ~~المبتاع، وباقي الآية وعيد كالمتقدم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 178 الى 179] # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب ms0705 مهين (178) ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى ~~يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) PageV01P544 # نملي معناه: نمهل ونمد في العمر، والملاوة: المدة من الدهر والملوان ~~الليل والنهار وتقول: # ملاك الله النعمة أي منحكها عمرا طويلا، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: ~~«يحسبن» بالياء من أسفل وكسر السين وفتح الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في ~~السين فإنه فتحها وقرأ حمزة تحسبن. # بالتاء من فوق الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في- السين- فإنه فتحها، ~~وقرأ حمزة «تحسبن» بالتاء من فوق وفتح السين، وقرأ عاصم والكسائي، كل ما في ~~هذه السورة بالتاء من فوق إلا حرفين، قوله ولا يحسبن الذين كفروا في هذه ~~الآية وبعدها ولا يحسبن الذين يبخلون فأما من قرأ «ولا يحسبن» بالياء من ~~أسفل فإن الذين فاعل وقوله أنما نملي لهم خير بفتح الألف من «أنما» ساد مسد ~~مفعولي حسب، وذلك أن «حسب» وما جرى مجراها تتعدى إلى مفعولين أو إلى مفعول ~~يسد مسد مفعولين، وذلك إذا جرى في صلة ما تتعدى إليه ذكر الحديث والمحدث ~~عنه، قال أبو علي: وكسر «إن» في قول من قرأ «يحسبن» بالياء لا ينبغي، وقد ~~قرىء فيما حكاه غير أحمد بن موسى وفي غير السبع، ووجه ذلك أن يتلقى بها ~~القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخلان على الابتداء والخبر، أعني- اللام- ~~وإن فعلق عن «إنما» عمل الحسبان كما تعلق عن اللام في قولك: حسبت لزيد ~~قائم، فيعلق الفعل عن العمل لفظا، وأما بالمعنى فما بعد «أن أو اللام» ففي ~~موضع مفعولي «حسب» ، وما يحتمل أن تكون بمعنى الذي، ففي نملي عائد مستكن، ~~ويحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى تقدير عائد وأما من قرأ «ولا تحسبن» ~~بالتاء فالذين مفعول أول للحسبان، قال أبو علي: وينبغي أن تكون الألف من ~~«إنما» مكسورة في هذه القراءة، وتكون «إن» وما دخلت عليه في موضع المفعول ~~الثاني ms0706 لتحسبن، ولا يجوز فتح الألف من «إنما» لأنها تكون المفعول الثاني، ~~والمفعول الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول بالمعنى، والإملاء لا يكون ~~إياهم، قال مكي في مشكله: ما عملت أحدا قرأ «تحسبن» بالتاء من فوق وكسر ~~الألف من «إنما» وجوز الزجاج هذه القراءة «تحسبن» بالتاء و «أنما» بفتح ~~الألف، وظاهر كلامه أنها تنصب خيرا، قال وقد قرأ بها خلق كثير وساق عليها ~~مثالا قول الشاعر: [الطويل] (فما كان قيس هلكه هلك واحد) بنصب هلك الثاني ~~على أن الأول بدل، فكذلك يكون أنما نملي بدلا من الذين كفروا كقوله تعالى: ~~وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره [الكهف: 63] وقوله وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم [الأنفال: 7] ويكون «خيرا» المفعول الثاني قال أبو علي: ~~لم يقرأ هذه القراءة أحد، وقد سألت أحمد بن موسى عنها فزعم أنه لم يقرأ بها ~~أحد، ويظهر من كلام أبي علي أن أبا إسحاق إنما جوز المسألة مع قراءة «خير» ~~بالرفع، وأبو علي أعلم لمشاهدته أبا إسحاق، وذكر قوم أن هذه القراءة تجوز ~~على حذف مضاف تقديره: ولا تحسبن شأن الذين كفروا أنما نملي لهم، فهذا كقوله ~~تعالى: وسئل القرية [يوسف: 82] وغير ذلك ويذهب الأستاذ أبو الحسن بن ~~الباذش: إلى أنها تجوز على بدل أن من الذين وحذف المفعول لحسب، إذ الكلام ~~يدل عليه. PageV01P545 # قال القاضي: والمسألة جائزة إذ المعنى لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرا ~~لهم أو نحو هذا ومعنى هذه الآية: الرد على الكفار في قولهم: إن كوننا ~~ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضى الله بحالنا واستقامة طريقتنا عنده، فأخبر ~~الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاء واستدراج، ليكتسبوا الآثام، ~~وقال عبد الله بن مسعود: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، أما ~~البرة فلتسرع إلى رحمة الله، وقرأ وما عند الله خير للأبرار [آل عمران: ~~198] وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثما، وقرأ هذه الآية ووصف العذاب بالمهين ~~معناه: التخسيس لهم، فقد يعذب من لا يهان، وذلك إذا اعتقدت إقالة عثرته ms0707 ~~يوما ما. # واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ما كان الله ليذر فقال مجاهد وابن ~~جريج وابن إسحاق وغيرهم: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: ما كان الله ليدع ~~المؤمنين مختلطين بالمنافقين مشكلا أمرهم، يجري المنافق مجرى المؤمن، ~~ولكنهم ميز بعضهم من بعض، بما ظهر من هؤلاء وهؤلاء في أحد من الأفعال ~~والأقوال، وقال قتادة والسدي: الخطاب للكفار، والمعنى: حتى يميز المؤمنين ~~من الكافرين بالإيمان والهجرة، وقال السدي وغيره: قال الكفار في بعض جدلهم: ~~أنت يا محمد تزعم في الرجل منا أنه من أهل النار، وأنه إذا اتبعك من أهل ~~الجنة، فكيف يصح هذا؟ ولكن أخبرنا بمن يؤمن منا وبمن يبقى على كفره، فنزلت ~~الآية، فقيل لهم: لا بد من التمييز وما كان الله ليطلعكم على الغيب فيمن ~~يؤمن ولا فيمن يبقى كافرا ولكن هذا رسول مجتبى فآمنوا به. فإن آمنتم نجوتم ~~وكان لكم أجر، وأما مجاهد وابن جريج وأهل القول، فقولهم في تأويل قوله ~~تعالى: وما كان الله ليطلعكم على الغيب أنه في أمر «أحد» أي ما كان الله ~~ليطلعكم على أنكم تهزمون، فكنتم تكعون عن هذا. وأيضا فما كان ليطلعكم على ~~المنافقين تصريحا بهم وتسمية لهم، ولكن هذا بقرائن أفعالهم وأقوالهم في مثل ~~هذا الموطن، وحتى- في قوله: حتى يميز غاية مجردة، لأن الكلام قبلها معناه: ~~الله يخلص ما بينكم بابتلائه وامتحانه حتى يميز، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر وعاصم: «حتى يميز» - بفتح الياء وكسر الميم وتخفيف الياء، ~~وكذلك «ليميز» ، وقرأ حمزة والكسائي: «حتى يميز» و «ليميز الله» بضم الياء ~~والتشديد، قال يعقوب بن السكيت: مزت وميزت، لغتان بمعنى واحد، قال أبو علي: ~~وليس ميزت بمنقول من مزت، بدليل أن ميزت لا يتعدى إلى مفعولين وإنما يتعدى ~~إلى مفعول واحد كمزت، كما أن «ألقيت» ليس بمنقول من لقي، إنما هو بمعنى ~~أسقطت، والغيب هنا: ما غاب عن البشر مما هو في علم الله من الحوادث التي ~~تحدث ومن الأسرار التي في قلوب المنافقين، ومن الأقوال التي يقولونها إذا ~~غابوا ms0708 عن الناس، قال الزجاج وغيره: روي أن بعض الكفار قال: لم لا يكون ~~جميعنا أنبياء؟ فنزلت هذه الآية، ويجتبي- معناه: يختار ويصطفي، وهي من جبيت ~~الماء والمال، وباقي الآية بين والله المستعان. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 180 الى 181] # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما ~~تعملون خبير (180) لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ~~سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) # لقد سمع الله PageV01P546 # قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء القراءات في قوله تعالى: ولا ~~يحسبن الذين يبخلون كالتي تقدمت آنفا في قوله ولا يحسبن الذين كفروا سواء، ~~وقال السدي وجماعة من المتأولين: الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في ~~سبيل الله وأداء الزكاة المفروضة ونحو ذلك، قالوا: ومعنى: سيطوقون ما بخلوا ~~هو الذي ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من ذي ~~رحم يأتي ذا رحمه فيسأله عن فضل ما عنده فيبخل به عليه إلا خرج له يوم ~~القيامة شجاع أقرع من الناس يتلمظ حتى يطوقه. والأحاديث في مثل هذا من منع ~~الزكاة واكتناز المال كثيرة صحيحة. وقال ابن عباس: الآية إنما نزلت في أهل ~~الكتاب وبخلهم ببيان ما علمهم الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ~~ذلك مجاهد وجماعة من أهل التفسير، وقوله تعالى سيطوقون على هذا التأويل ~~معناه سيحملون عقاب ما بخلوا به، فهو من الطاقة كما قال تعالى: وعلى الذين ~~يطيقونه [البقرة: 184] وليس من التطويق، وقال إبراهيم النخعي: سيطوقون ~~سيجعل لهم يوم القيامة طوق من نار، وهذا يجري مع التأويل الأول الذي ذكرته ~~للسدي وغيره، وقال مجاهد: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به يوم القيامة، ~~وهذا يضرب مع قوله: إن البخل هو بالعلم الذي تفضل الله عليهم بأن علمهم ~~إياه وإعراب قوله تعالى: الذين ms0709 يبخلون رفع في قراءة من قرأ «يحسبن» بالياء ~~من أسفل والمفعول الأول مقدر بالصلة تقديره «ولا يحسبن الذين يبخلون بما ~~آتاهم من فضله بخلهم هو خيرا» ، والمفعول الثاني خيرا، وهو فاصلة وهي ~~العماد عند الكوفيين، ودل قوله: يبخلون على هذا البخل المقدر كما دل السفيه ~~على السفه في قول الشاعر: [الوافر] # إذ نهي السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف # فالمعنى جرى إلى السفه، وأما من قرأ «تحسبن» بالتاء من فوق ففي الكلام ~~حذف مضاف هو المفعول الأول، تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون ~~خيرا لهم، قال الزجاج: وهي مثل وسئل القرية [يوسف: 82] وقوله تعالى: ولله ~~ميراث السماوات خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى ~~مالك إلا الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو «والله بما يعملون» بالياء من أسفل على ذكر الذين يبخلون ~~ويطوقون، وقرأ الباقون بالتاء من فوق، وذلك على الرجوع من الغيبة إلى ~~المخاطبة لأنه قد تقدم وإن تؤمنوا وتتقوا [آل عمران: 179] . # وقوله تعالى: لقد سمع الله الآية، قال ابن عباس: نزلت بسبب فنحاص اليهودي ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه إلى ~~بيت المدراس ليدعوهم فوجد فيه جماعة من اليهود قد اجتمعوا على فنحاص- وهو ~~حبرهم- فقال أبو بكر له: يا فنحاص اتق الله وأسلم فو الله إنك لتعلم أن ~~محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في ~~التوراة، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة وإنه إلينا ~~لفقير وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنيا لما استقرضنا أموالنا كما يزعم ~~صاحبكم، في كلام طويل غضب أبو بكر منه، فرفع يده فلطم وجه فنحاص وسبه وهم ~~بقتله، ثم منعه من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تحدث ~~شيئا حتى تنصرف إلي، ثم PageV01P547 # ذهب فنحاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم ms0710 فشكا فعل أبي بكر، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ قال يا رسول الله: إنه ~~قال قولا عظيما فلم أملك نفسي أن صنعت ما صنعت، فنزلت الآية في ذلك وقال ~~قتادة: نزلت الآية في حيي بن أخطب، وذلك أنه لما نزلت من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا [البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا؟ إنما يستقرض الفقير الغني، ~~وقال الحسن بن أبي الحسن ومعمر وقتادة أيضا وغيرهم: لما نزلت من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا [البقرة: # 245] ، قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني، ولا محالة أن هذا قول ~~صدر أولا عن فنحاص وحيي وأشباههما من الأحبار ثم تقاولها اليهود، وهو قول ~~يغلط به الأتباع ومن لا علم عنده بمقاصد الكلام، وهذا تحريف اليهود التأويل ~~على نحو ما صنعوا في توراتهم وقوله تعالى: قول الذين كفروا دال على أنهم ~~جماعه. # قرأ حمزة وحده «سيكتب» بالياء من أسفل على بناء الفعل للمفعول و «قتلهم» ~~برفع اللام عطفا على المفعول الذي لم يسم فاعله، و «يقول» بالياء من أسفل، ~~وقرأ الباقون بنون الجمع، فإما أنها نون العظمة، وإما هي للملائكة وما على ~~هذه القراءة مفعولة بها، و «قتلهم» بنصب اللام عطفا على ما ونقول بالنون ~~على نحو سنكتب والمعنى في هاتين القراءتين قريب بعضه من بعض، قال الكسائي: ~~وفي قراءة عبد الله بن مسعود «ويقال ذوقوا» وقال أبو معاذ النحوي في حرف ~~ابن مسعود: «سنكتب ما يقولون ويقال لهم ذوقوا» وقرأ طلحة بن مصرف «سنكتب ما ~~يقولون» وحكى أبو عمرو عنه أيضا أنه قرأ «ستكتب» بتاء مرفوعة ما قالوا، ~~بمعنى: ستكتب مقالتهم، وهذه الآية وعيد لهم، أي سيحصى عليهم قولهم، والكتب ~~فيما قال كثير من العلماء هو في صحف تقيده الملائكة فيها، وتلك الصحف ~~المكتوبة هي التي توزن وفيها يخلق الله الثقل والخفة بحسب العمل المكتوب ~~فيها، وذهب قوم إلى أن الكتب عبارة عن الإحصاء وعدم الإهمال، فعبر عن ذلك ~~بما تفهم العرب منه غاية الضبط والتقييد، ms0711 فمعنى الآية: أن أقوال هؤلاء تكتب ~~وأعمالهم، ويتصل ذلك بأفعال آبائهم من قتل الأنبياء بغير حق ونحوه، ثم يقال ~~لجميعهم ذوقوا عذاب الحريق وخلطت الآية الآباء مع الأبناء في الضمائر، إذ ~~الآباء هم الذين طوقوا لأبنائهم الكفر وإذ الأبناء راضون بأفعال الآباء ~~متبعون لهم، والذوق مع العذاب مستعار، عبارة عن المباشرة، إذ الذوق من أبلغ ~~أنواعها وحاسته مميزة جدا، والحريق معناه: المحرق فعيل بمعنى مفعل وقيل: ~~الحريق طبقة من طبقات جهنم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 182 الى 183] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) الذين قالوا إن ~~الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم ~~رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) # وقوله تعالى: ذلك بما قدمت أيديكم توبيخ وتوقيف داخل فيما يقال لهم يوم ~~القيامة، ويحتمل أن PageV01P548 # يكون خطابا لمعاصري النبي عليه السلام يوم نزول الآية، ونسب هذا التقديم ~~إلى اليد إذ هي الكاسبة للأعمال في غالب أمر الإنسان، فأضيف كل كسب إليها، ~~ثم بين تعالى: أنه يفعل هذا بعدل منه فيهم ووضع الشيء موضعه، والتقدير: ~~وبأن الله ليس بظلام للعبيد وجمع «عبدا» في هذه الآية على عبيد، لأنه مكان ~~تشفيق وتنجية من ظلم. # وقوله تعالى: الذين قالوا إن الله عهد إلينا صفة راجعة إلى قوله: الذين ~~قالوا إن الله فقير وقال الزجاج: الذين صفة للعبيد، وهذا مفسد للمعنى ~~والرصف، وهذه المقالة قالتها أحبار يهود مدافعة لأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أي إنك لا تأتي بنار فنحن قد عهد إلينا أن لا نؤمن لك، وعهد معناه: ~~أمر والعهد: أخص من الأمر، وذلك أنه في كل ما يتطاول أمره ويبقى في غابر ~~الزمان، وتعدى «آمن» في هذه الآية باللام والباء في ضمن ذلك، «وقربان» مصدر ~~سمي به الشيء الذي يقرب كالرهن، وكان أمر القربان حكما قديما في الأنبياء، ~~ألا ترى أن ابني آدم قربا قربانا، وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا معرفة قبول ~~الله تعالى لصدقة ms0712 إنسان أو عمله أو صدق قوله، قرب قربانا شاة أو بقرة ذبيحة ~~أو بعض ذلك وجعله في مكان للهواء وانتظر به ساعة، فتنزل نار من السماء ~~فتحرق ذلك الشيء، فهذه علامة القبول، وإذا لم تنزل النار فليس ذلك العمل ~~بمقبول، ثم كان هذا الحكم في أنبياء بني إسرائيل، وكانت هذه النار أيضا ~~تنزل لأموال الغنائم فتحرقها، حتى أحلت الغنائم لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~حسب الحديث وروي عن عيسى بن عمر، أنه كان يقرأ «بقربان» بضم الراء وذلك ~~للإتباع لضمة القاف وليست بلغة، لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء ~~والعين، وقد حكى سيبويه: السلطان بضم اللام، وقال: إن ذلك على الإتباع. # قوله تعالى: # قد جاءكم رسل ... # هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم، أي: قد جاءكم رسل بالآيات ~~الباهرة البينة، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني ~~إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ~~ذلك، والاقتراح لا غاية له، ولا يجاب كل مقترح، ولم يجب الله مقترحا إلا ~~وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله، كقوم صالح وغيرهم، وكذلك قيل لمحمد في ~~اقتراح قريش فأبى، وقال: بل أدعوهم وأعالجهم. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 184] # فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) # ثم آنس تعالى نبيه بالأسوة والقدوة فيمن تقدم من الأنبياء أي: فلا يعظم ~~عليك ذلك، وقرأ ابن عامر: و «بالزبر» بإعادة باء الجر، وسقوطها على قراءة ~~الجمهور متجه، لأن الواو شركت الزبر في الباء الأولى فاستغني عن إعادة ~~الباء، وإعادتها أيضا متجهة لأجل التأكيد، وكذلك ثبتت في مصاحف أهل الشام، ~~وروي أيضا عن ابن عامر إعادة الباء في قوله: «وبالكتاب المنير» والزبر: ~~الكتاب المكتوب يقال: زبرت الكتاب إذا كتبته، وزبرته إذا قرأته، والشاهد ~~لأنه الكتاب قول امرئ القيس: [الطويل] PageV01P549 # لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يماني؟ # وقال الزجاج: زبرت كتبت، وذبرت بالذال: قرأت، و «المنير» : وزنه مفعل من ~~النور أي سطع ms0713 نوره. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : آية 185] # كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) # والمعنى: كل نفس مخلوقة حية، والذوق هنا: استعارة وإنما حاصرة على ~~التوفية التي هي على الكمال، لأن من قضي له بالجنة فهو ما لم يدخلها غير ~~موفى، وخص تعالى ذكر «الأجور» لشرفها وإشارة مغفرته لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وأمته، ولا محالة أن المعنى: أن يوم القيامة تقع توفية الأجور وتوفية ~~العقاب، وزحزح معناه: أبعد، والمكان الزحزح: البعيد، وفاز معناه: نجا من ~~خطره وخوفه، والغرور، الخدع والترجية بالباطل، والحياة الدنيا وكل ما فيها ~~من الأموال فهي متاع قليل تخدع المرء وتمنيه الأباطيل وعلى هذا فسر الآية ~~جمهور من المفسرين، قال عبد الرحمن بن سابط: متاع الغرور كزاد الراعي يزود ~~الكف من التمر أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن، قال الطبري: ذهب إلى أن ~~متاع الدنيا قليل لا يكفي من تمتع به ولا يبلغه سفره. # قال القاضي: والغرور في هذا المعنى مستعمل في كلام العرب، ومنه قولهم في ~~المثل: غش ولا تغتر، أي لا تجتز بما لا يكفيك، وقال عكرمة: متاع الغرور، ~~القوارير أي لا بد لها من الانكسار والفساد، فكذلك أمر الحياة الدنيا كله، ~~وهذا تشبيه من عكرمة، وقرأ عبد الله بن عمر «الغرور» بفتح الغين، وقرأ أبو ~~حيوة والأعمش: ذائقة بالتنوين الموت بالنصب، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ثم تلا هذه الآية. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 186 الى 187] # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) # هذا الخطاب للنبي عليه السلام وأمته، والمعنى: لتختبرن ولتمتحنن في ~~أموالكم ms0714 بالمصائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله، وفي سائر تكاليف ~~الشرع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحبة بالموت، واختلف ~~المفسرون في سبب قوله تعالى: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم فقال ~~عكرمة وغيره: السبب في ذلك قول فنحاص: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقوله: يد ~~الله مغلولة PageV01P550 # إلى غير ذلك، وقال الزهري وغيره: نزلت هذه الآية بسبب كعب بن الأشرف، ~~فإنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ويشبب بنساء المسلمين، ~~حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله القتلة المشهورة في ~~السيرة، و «الأذى» : اسم جامع في معنى الضرر وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من سبهم وأقوالهم في جهة الله تعالى ~~وأنبيائه، وندب الله تعالى عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم ~~الأمور، أي من أشدها وأحسنها، و «العزم» : إمضاء الأمر المروي المنقح، وليس ~~ركوب الأمر دون روية عزما إلا على مقطع المشيخين من فتاك العرب كما قال: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر الحوادث جانبا # وقال النقاش: العزم والحزم بمعنى واحد، الحاء مبدلة من العين. # قال القاضي: وهذا خطأ، والحزم: جودة النظر في الأمور وتنقيحه والحذر من ~~الخطأ فيه، و «العزم» : # قصد الإمضاء، والله تعالى يقول: وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت [آل عمران: ~~159] فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم، والعرب تقول: قد أحزم لو أعزم. # وقوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية، توبيخ ~~لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو مع ذلك خبر عام لهم ولغيرهم. ~~والعامل في إذ فعل مقدر تقديره اذكر، وأخذ هذا الميثاق وهو على ألسنة ~~الأنبياء أمة بعد أمة، وقال ابن عباس والسدي وابن جريج: الآية في اليهود ~~خاصة، أخذ الله عليهم الميثاق في أمر محمد فكتموه ونبذوه، قال مسلم البطين: ~~سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن تفسير هذه الآية فقام رجل إلى سعيد بن جبير ~~فسأله فقال له: نزلت في يهود أخذ ms0715 الميثاق عليهم في أمر محمد فكتموه، وروي ~~عن ابن عباس أنه قرأ «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبيننه» فيجيء قوله ~~فنبذوه عائدا على الناس الذين بين الأنبياء لهم، وقال قوم من المفسرين: ~~الآية في اليهود والنصارى، وقال جمهور من العلماء: الآية عامة في كل من ~~علمه الله علما، وعلماء هذه الأمة داخلون في هذا الميثاق، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من ~~نار، وقد قال أبو هريرة: إني لأحدثكم حديثا، ولولا آية في كتاب الله ما ~~حدثتكموه ثم تلا إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب [البقرة: 174] ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: «ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه» ، بالياء من أسفل فيهما، وقرأ الباقون وحفص وعاصم بالتاء من فوق ~~فيهما، وكلا القراءتين متجه، والضمير في الفصلين عائد على الكتاب، وفي ~~قراءة ابن مسعود «لتبينونه» دون النون الثقيلة، وقد لا تلزم هذه النون لام ~~القسم، قاله سيبويه، و «النبذ» : الطرح، وقوله تعالى: وراء ظهورهم، استعارة ~~لما يبالغ في اطراحه، ومنه واتخذتموه وراءكم ظهريا [هود: 92] ، ومنه قول ~~الفرزدق: [الطويل] # تميم بن مر لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعبى علي جوابها # ومنه بالمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوني كقدح الراكب. ~~أراد عليه السلام، لا تجعلوا ذكري وطاعتي خلف أظهركم، وهو موضع القدح ومنه ~~قول حسان: [الطويل] (كما نيط خلف الراكب القدح الفرد) PageV01P551 # والتشبيه بالقدح إنما هو في هيئته لا في معناه، لأن الراكب يحتاجه، ومحله ~~من محلات الراكب جليل، والثمن القليل: هو مكسب الدنيا. وباقي الآية بين. # قال أبو محمد: والظاهر في هذه الآية أنها نزلت في اليهود، وهم المعنيون ~~ثم إن كل كاتم من هذه الأمة يأخذ بحظه من هذه المذمة ويتصف بها. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 188 الى 190] # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) ولله ملك ms0716 السماوات والأرض ~~والله على كل شيء قدير (189) إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب (190) # اختلف المفسرون في المراد بقوله تعالى: الذين يفرحون فقال أبو سعيد ~~الخدري رضي الله عنه وابن زيد وجماعة: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم ~~كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو تخلفوا عنه، فإذا جاء ~~اعتذروا إليه وقالوا: كانت لنا أشغال ونحو هذا، فيظهر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم القبول ويستغفر لهم، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية، فكانوا ~~يفرحون بما يأتونه ويفعلونه من التخلف والاعتذار، ويحبون أن يقال لهم: إنهم ~~في حكم المجاهدين لكن العذر حبسهم، وقالت جماعة كثيرة من المفسرين إنما ~~نزلت الآية في أهل الكتاب أحبار اليهود ثم اختلفوا فيما هو الذي أتوه وكيف ~~أحبوا المحمدة فقال ابن عباس رضي الله عنه: أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان ~~بمحمد وفرحوا بذلك لدوام رياستهم الدنيوية، وأحبوا أن يقال عنهم: إنهم ~~علماء بكتاب الله ومتقدم رسالاته، وقال ابن عباس أيضا والضحاك والسدي: أتوا ~~أنهم تعاقدوا وتكاتبوا من كل قطر بالارتباط إلى تكذيب محمد صلى الله عليه ~~وسلم والدفع في صدر نبوته، وأحبوا أن يقال عنهم: إنهم أهل صلاة وصيام ~~وعبادة، وقالوا هم ذلك عن أنفسهم، وقال مجاهد: فرحوا بإعجاب أتباعهم ~~بتبديلهم تأويل التوراة، وأحبوا حمدهم إياهم على ذلك، وهم في الحقيقة لم ~~يفعلوا شيئا نافعا ولا صحيحا بل الحق أبلج، وقال سعيد بن جبير: الآية في ~~اليهود، فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم من النبوءة والكتاب، فهم يقولون: ~~نحن على طريقهم ويحبون أن يحمدوا بذلك وهم ليسوا على طريقتهم، وقراءة سعيد ~~بن جبير: «أوتوا» بمعنى أعطوا بضم الهمزة والتاء، وعلى قراءته يستقيم ~~المعنى الذي قال. وقال ابن عباس أيضا: إن الآية نزلت في قوم سألهم النبي ~~عليه السلام عن شيء فكتموه الحق وقالوا له غير ذلك، ففرحوا بما فعلوا ~~وأحبوا أن يحمدوا بما أجابوا، وظنوا أن ذلك قد قنع به واعتقدت صحته، وقال ~~قتادة: إن الآية في يهود خيبر، نافقوا ms0717 على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين مرة، وقالوا: نحن معكم وعلى رأيكم وردء لكم وهم يعتقدون خلاف ~~ذلك، فأحبوا الحمد على ما أظهروا وفرحوا بذلك، وقال الزجاج: نزلت الآية في ~~قوم من اليهود، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكلموه في أشياء ثم ~~خرجوا، فقالوا لمن لقوا من المسلمين: إن النبي أخبرهم بأشياء قد عرفوها ~~فحمدهم المسلمون على ذلك وطمعوا بإسلامهم وكانوا قد أبطنوا خلاف ما أظهروا PageV01P552 # للمسلمين وتمادوا على كفرهم، فنزلت الآية فيهم وقرأ جمهور الناس: «أتوا» ~~بمعنى فعلوا، كما تقول أتيت أمر كذا، وقرأ مروان بن الحكم وإبراهيم النخعي: ~~«آتوا» بالمد، بمعنى أعطوا بفتح الهمزة والطاء. # قال أبو محمد: وهي قراءة تستقيم على بعض المعاني التي تقدمت، وقرأ سعيد ~~بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي، «أوتوا» بمعنى أعطوا، وقد تقدمت مع معناها ~~وقرأ أبو عمرو وابن كثير، لا يحسبن الذين يفرحون «فلا يحسبنهم» بالياء من ~~تحت فيهما وبكسر السين وبرفع الباء في يحسبنهم، قال أبو علي: الذين رفع ~~بأنه فاعل «يحسب» ، ولم تقع «يحسبن» على شيء، وقد تجيء هذه الأفعال لغوا لا ~~في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر: [الطويل] # وما خلت أبقى بيننا من مودة ... عراض المذاكي المسنفات القلائصا # وقال الخليل: العرب تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك ~~إلا زيد فتتجه القراءة بكون قوله: «فلا تحسبنهم» بدلا من الأول وقد عدي إلى ~~مفعوليه وهما الضمير، وقوله بمفازة فاستغني بذلك عن تعدية الأول إليها كما ~~استغني في قول الشاعر: [الطويل] # بأي كتاب أو بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب؟ # فاستغني بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر، والفاء في قوله فلا تحسبنهم ~~زائدة، ولذلك حسن البدل، إذ لا يتمكن أن تكون فاء عطف ولا فاء جزاء، فلم ~~يبق إلا أن تكون زائدة لا يقبح وجودها بين البدل والمبدل منه، وقوله على ~~هذه القراءة «فلا يحسبنهم» ، فيه تعدي فعل الفاعل إلى ضمير نفسه، نحو ~~ظننتني أخاه، ورأيتني الليلة عند الكعبة، ووجدتني رجعت ms0718 من الإصغاء، وذلك أن ~~هذه الأفعال وما كان في معناها لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت ~~«أن» وأخواتها، فكما تقول: إني ذاهب، فكذلك تقول: ظننتني ذاهبا، ولو قلت: ~~أظن نفسي أفعل كذا لم يحسن، كما يحسن: أظنني فاعلا، قرأ نافع وابن عامر: ~~«لا يحسبن الذين» بالياء من تحت وفتح الباء، وكسر نافع السين، وفتحها ابن ~~عامر «فلا تحسبنهم» بالتاء من فوق، وفتح الباء، والمفعولان اللذان يقتضيهما ~~قوله «لا يحسبن الذين» محذوفان لدلالة ما ذكر بعده، والكلام في ذلك كما ~~تقدم في قراءة ابن كثير، إلا أنه لا يجوز في هذا البدل الذي ذكره في قراءة ~~ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين واختلاف فعليهما، وقرأ حمزة «لا تحسبن» ~~بالتاء من فوق وكسر السين «فلا تحسبنهم» بالتاء من فوق وكسر السين وفتح ~~الباء ف الذين على هذه القراءة مفعول أول «لتحسبن» ، والمفعول الثاني محذوف ~~لدلالة ما يجيء بعد عليه، كما قيل آنفا في المفعولين، وحسن تكرار الفعل في ~~قوله «فلا تحسبنهم» لطول الكلام، وهي عادة العرب وذلك تقريب لذهن المخاطب، ~~وقرأ الضحاك بن مزاحم «فلا تحسبنهم» بالتاء من فوق وفتح السين وضم الباء، و ~~«المفازة» : مفعلة من فاز يفوز إذا نجا فهي بمعنى منجاة، وسمي موضع المخاف ~~مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعي وقيل: لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، ~~تقول العرب: فوز الرجل إذا مات قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي ~~فقال: # أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سميت «مفازة» لأن من قطعها فاز، وقال ~~الأصمعي: سمي اللديغ سليما تفاؤلا، قال ابن الأعرابي: بل لأنه مستسلم لما ~~أصابه، وبعد أن نهى أن يحسبوا ناجين أخبر أن لهم عذابا. PageV01P553 # ثم استفتح القول بذكر قدرة الله تعالى وملكه فقال: ولله ملك السماوات ~~والأرض الآية، قال بعض المفسرين: الآية رد على الذين قالوا: إن الله فقير ~~ونحن أغنياء [آل عمران: 181] وقوله تعالى: # والله على كل شيء قدير. قال القاضي ابن الطيب وغيره: ظاهره العموم، ~~ومعناه الخصوص لأن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على ms0719 المحالات هو الموجود في ~~مقتضى كلام العرب. # ثم دل على مواضع النظر والعبرة، حيث يقع الاستدلال على الصانع بوجود ~~السماوات والأرضين والمخلوقات دال على العلم، ومحال أن يكون موجود عالم ~~مريد غير حي، فثبت بالنظر في هذه الآية عظم الصفات واختلاف الليل والنهار ~~هو تعاقبهما، إذ جعلهما الله خلفة، ويدخل تحت لفظة الاختلاف كونهما يقصر ~~هذا ويطول الآخر وبالعكس، ويدخل في ذلك اختلافهما بالنور والظلام، و ~~«الآيات» : # العلامات والألباب في هذه الآية: هي ألباب التكليف لا ألباب التجربة، لأن ~~كل من له علوم ضرورية يدركها فإنه يعلم ضرورة ما قلناه من صفات الله تعالى. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 191 الى 192] # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) # الذين في موضع خفض صفة لأولي الألباب [آل عمران: 190] ، وهذا وصف ظاهره ~~استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر الله، وأن يحصر القلب ~~اللسان، وذلك من أعظم وجوه العبادات، والأحاديث في ذلك كثيرة، وابن آدم ~~منتقل في هذه الثلاث الهيئات لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه، ~~وكذلك جرت عائشة رضي الله عنها إلى حصر الزمن في قولها، كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه، فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ~~ذلك، وذهبت جماعة من المفسرين إلى أن قوله: الذين يذكرون الله، إنما هو ~~عبارة عن الصلاة، أي لا يضيعونها ففي حال العذر يصلونها قعودا وعلى جنوبهم، ~~قال بعضهم وهي كقوله تعالى: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله [النساء: 103] ~~، هذا تأويل من تأول هنالك قضيتم بمعنى أديتم، لأن بعض الناس يقول قضيتم ~~هنالك بمعنى فرغتم منها، فإذا كانت هذه الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان ~~يصلي قائما، فإن لم يستطيع فقاعدا، ظاهر المدونة متربعا، وروي عن مالك وبعض ~~أصحابه أنه يصلي كما يجلس بين السجدتين، فإن لم يستطع ms0720 القعود صلى على جنبه ~~أو ظهره على التخيير، هذا مذهب المدونة، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي ~~على ظهره، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن، ثم على الأيسر، وفي كتاب ابن ~~المواز، يصلي على جنبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر، وقال ~~سحنون يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره، وإلا فعلى ~~الأيسر، وحسن عطف قوله وعلى جنوبهم، على قوله: قياما وقعودا لأنه في معنى ~~مضطجعين، ثم عطف على هذه العبادة التي هي ذكر الله باللسان أو الصلاة فرضها ~~ومندوبها بعبادة أخرى PageV01P554 # عظيمة، وهي الفكرة في قدرة الله تعالى ومخلوقاته، والعبر التي بث: ~~[المتقارب] # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال: تفكروا في ~~الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره، وهذا هو قصد الآية: ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، وقال بعض العلماء: المتفكر في ذات الله ~~تعالى كالناظر في عين الشمس، لأنه تعالى ليس كمثله شيء، وإنما التفكير ~~وانبساط الذهن في المخلوقات، وفي مخاوف الآخرة، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا عبادة كتفكر، وقال الحسن بن أبي الحسن: الفكرة مرآة المؤمن، ~~ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته، وقال ابن عباس وأبو الدرداء: فكرة ساعة خير ~~من قيام ليلة، وقال سري السقطي: فكرة ساعة خير من عبادة سنة، ما هو إلا أن ~~تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الآخرة، وأخذ أبو سليمان الداراني قدح الماء ~~ليتوضا لصلاة الليل وعنده ضيف، فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام كذلك ~~مفكرا حتى طلع الفجر، فقال له ما هذا يا أبا سليمان؟ فقال: إني لما طرحت ~~أصبعي في أذن القدح تذكرت قول الله جل وتعالى: إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل [غافر: 71] ، ففكرت في حالي، وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم ~~القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت. # قال القاضي: فهذه نهاية الخوف، وخير الأمور أوسطها، وليس علماء الأمة ~~الذين هم ms0721 الحجة على هذا المنهاج، وقراءة علم كتاب الله ومعاني سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا، لكنه يحسن أن لا ~~تخلو البلاد من مثل هذا، وحدثني أبي رضي الله عنه عن بعض علماء المشرق قال: ~~كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر، فصليت العشاء فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء ~~له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة ~~الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة فصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته في ~~الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دنوت منه سمعته ~~ينشد: [المنسرح] # منسحق الجسم غائب حاضر ... منتبه القلب صامت ذاكر # منقبض في الغيوب منبسط ... كذاك من كان عارفا ذاكرا # يبيت في ليله أخا فكر ... فهو مدى الليل نائم ساهر # قال فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة وانصرفت عنه، وقوله تعالى: ربنا معناه ~~يقولون ربنا على النداء، ما خلقت هذا باطلا، يريد لغير غاية منصوبة بل ~~خلقته وخلقت البشر لينظر فيه فتوحد وتعبد، فمن فعل ذلك نعمته ومن ضل عن ذلك ~~عذبته لكفره وقوله عليك ما لا يليق بك، ولهذا المعنى الذي تعطيه قوة اللفظ ~~حسن قولهم: سبحانك: أي تنزيها لك عما يقول المبطلون وحسن قولهم: فقنا عذاب ~~النار إذ نحن المسبحون المنزهون لك الموحدون. # وقولهم: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، استجارة واستعاذة، أي فلا ~~تفعل بنا ذلك ولا تجعلنا ممن يعمل عملها، والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة ~~لقدر المرء، خزي الرجل يخزى خزيا إذا PageV01P555 # افتضح، وخزاية إذا استحيى، الفعل واحد والمصدر مختلف، وقال أنس بن مالك ~~والحسن بن أبي الحسن وابن جريج وغيرهم: هذه إشارة إلى من يخلد في النار، ~~ومن يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي، وقال جابر بن عبد الله وغيره: ~~كل من دخل النار فهو مخزي وإن خرج منها، وإن في دون ذلك لخزيا. # قال القاضي: أما إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة ~~لقدره، وإنما الخزي التام للكفار ms0722 وقوله تعالى: وما للظالمين من أنصار هو من ~~قول الداعين، وبذلك يتسق وصف الآية. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 193 الى 194] # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) # هذه الآيات حكاية عن أولي الألباب أنهم يقولون: ربنا قال أبو الدرداء: ~~يرحم الله المؤمنين ما زالوا يقولون: «ربنا ربنا» حتى استجيب لهم، واختلف ~~المتأولون في المنادي، فقال ابن جريج وابن زيد وغيرهما: المنادى محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقال محمد بن كعب القرظي: المنادي كتاب الله وليس كلهم رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه، ولما كانت ينادي بمنزلة يدعو، حسن وصولها ~~باللام بمعنى «إلى الإيمان» ، وقوله: أن آمنوا «أن» مفسرة لا موضع لها من ~~الإعراب، وغفران الذنوب وتكفير السيئات أمر قريب بعضه من بعض، لكنه كرر ~~للتأكيد ولأنها مناح من الستر، وإزالة حكم الذنب بعد حصوله، والأبرار جمع ~~بر، أصله برر على وزن فعل، أدغمت الراء في الراء، وقيل: هو جمع بار كصاحب ~~وأصحاب، والمعنى: توفنا معهم في كل أحكامهم وأفعالهم. # وقوله: ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك معناه: على ألسنة رسلك، وقرأ ~~الأعمش «رسلك» بسكون السين، وطلبوا من الله تعالى إنجاز الوعد، وهو تعالى ~~من لا يجوز عليه خلفه من حيث في طلبه الرغبة أن يكونوا ممن يستحقه، فالطلبة ~~والتخوف إنما هو في جهتهم لا في جهة الله تعالى لأن هذا الدعاء إنما هو في ~~الدنيا، فمعنى قول المرء: اللهم أنجز لي وعدك، إنما معناه: اجعلني ممن ~~يستحق إنجاز الوعد، وقيل: معنى دعائهم الاستعجال مع ثقتهم بأن الوعد منجز، ~~وقال الطبري وغيره: معنى الآية ما وعدتنا على ألسنة رسلك من النصر على ~~الأعداء فكأن الدعوة إنما هي في حكم الدنيا، وقولهم: ولا تخزنا يوم القيامة ~~إنك لا تخلف الميعاد، إشارة إلى قوله تعالى: يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه ms0723 [التحريم: 8] فهذا وعده تعالى وهو دال على أن الخزي إنما هو مع ~~الخلود. # قوله تعالى: PageV01P556 ### || [سورة آل عمران (3) : آية 195] # فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (195) # «استجاب» استفعل بمعنى أجاب، فليس استفعل على بابه من طلب الشيء بل هو ~~كما قال الشاعر: [الطويل] # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي لم يجبه، وقوله: أني يجوز أن تكون «أن» مفسرة ويمكن أن تكون بمعنى ~~«أني» ، وقرأ عيسى بن عمر: «إني» بكسر الهمزة، وهذه آية وعد من الله تعالى: ~~أي هذا فعله مع الذين يتصفون بما ذكر، وروي أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ~~يا رسول الله، قد ذكر الله تعالى الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء في شيء ~~من ذلك، فنزلت الآية، ونزلت آيات في معناها فيها ذكر النساء، وقوله: من ذكر ~~تبيين لجنس العامل، وقال قوم: من زائدة لتقدم النفي من الكلام وقوله تعالى: ~~بعضكم من بعض يعني في الأجر وتقبل العمل، أي إن الرجال والنساء في ذلك على ~~حد واحد، وبين تعالى حال المهاجرين، ثم الآية بعد تنسحب على كل من أوذي في ~~الله تعالى وهاجر أيضا إلى الله تعالى وإن كان اسم الهجرة وفصلها الخاص بها ~~قد انقطع بعد الفتح، فالمعنى باق إلى يوم القيامة، والله يضاعف لمن يشاء ~~[البقرة: 261] و «هاجر» مفاعلة من اثنين، وذلك أن الذي يهجر وطنه وقرابته ~~في الله كان الوطن والقرابة يهجرونه أيضا فهي مهاجرة، وقوله تعالى: وأخرجوا ~~من ديارهم عبارة إلزام ذنب للكفار، وذلك أن المهاجرين إنما أخرجهم سوء ~~العشرة وقبيح الأفعال فخرجوا باختيارهم فإذا جاء الكلام في مضمار إلزام ~~الذنب، للكفار قيل أخرجوا من ديارهم، وإخراج أهله منه أكبر عند الله، إلى ~~غير ذلك من الأمثلة، وإذا جاء ms0724 الكلام في مضمار الفخر والقوة على الأعداء، ~~تمسك بالوجه الآخر من أنهم خرجوا برأيهم، فمن ذلك إنكار النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث حين أنشده: [الطويل] (وردني ... إلى ~~الله من طردت كل مطرد) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت طردتني ~~كل مطرد؟ إنكارا عليه ومن ذلك قول كعب بن زهير: [البسيط] # في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا # زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل # وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو: «وقاتلوا وقتلوا» بتخفيف التاء وضم القاف، ~~ومعنى هذه القراءة بين، وقرأ ابن كثير: «وقاتلوا وقتلوا» بتشديد التاء وهي ~~في المعنى كالأولى في المبالغة في القتل، وقرأ حمزة والكسائي: «وقتلوا ~~وقاتلوا» يبدآن بالفعل المبني للمفعول به، وكذلك اختلافهم في سورة التوبة، ~~غير أن ابن كثير وابن عامر يشددان في التوبة، ومعنى قراءة حمزة هذه: إما أن ~~لا تعطى الواو رتبة لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولا في المعنى وليس ~~كذلك العطف بالفاء، ويجوز أن يكون المعنى وقتلوا وقاتل PageV01P557 # باقيهم فتشبه الآية قوله تعالى: فما وهنوا لما أصابهم [آل عمران: 146] ~~على تأويل من رأى أن القتل وقع بالربيين، وقرأ عمر بن عبد العزيز رضي الله ~~عنه: و «قتلوا» بفتح القاف والتاء من غير ألف، و «قتلوا» بضم القاف وكسر ~~التاء خفيفة، وهي قراءة حسنة المعنى مستوفية للفضلين على الترتيب المتعارف، ~~وقرأ محارب بن دثار: «وقتلوا» بفتح القاف «وقاتلوا» ، وقرأ طلحة بن مصرف: ~~«وقتلوا» بضم القاف وشد التاء «وقاتلوا» وهذه يدخلها إما رفض رتبة الواو، ~~وإما أنه قاتل من بقي، واللام في قوله: لأكفرن لام القسم وثوابا مصدر مؤكد ~~مثل قوله: صنع الله [النمل: 88] وكتاب الله عليكم [النساء: 24] وباقي الآية ~~بين. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 198] # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها نزلا ms0725 من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) # نزلت لا يغرنك في هذه الآية، منزلة: لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم ~~لذلك، وذلك أن المغتر فارح بالشيء الذي يغتر به، فالكفار مغترون بتقلبهم ~~والمؤمنون مهتمون به، لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أن هذا الإملاء للكفار ~~إنما هو لخير لهم، فيجيء هذا جنوحا إلى حالهم ونوعا من الاغترار فلذلك حسنت ~~لا يغرنك ونظيره قول عمر لحفصة: لا يغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنى: لا تغتري بما يتم لتلك من الإدلال ~~فتقعي فيه فيطلقك النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للنبي عليه السلام، ~~والمراد أمته وللكفار في ذلك حظ، أي لا يغرنكم تقلبهم، وقرأ ابن أبي إسحاق ~~ويعقوب: «لا يغرنك» بسكون النون خفيفة، وكذلك «لا يصدنك ولا يصدنكم ولا ~~يغرنكم» - وشبهه، و «التقلب» : التصرف في التجارات والأرباح والحروب وسائر ~~الأعمال، ثم أخبر تعالى عن قلة ذلك المتاع، لأنه منقض صائر إلى ذل وقل ~~وعذاب. # وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «لكن الذين» ، بشد النون، وعلى أن الذين في ~~موضع نصب اسما ل «لكن» ، ونزلا: معناه تكرمة، ونصبه على المصدر المؤكد، ~~وقرأ الحسن: «نزلا» ساكنة الزاي، وقوله تعالى: وما عند الله خير للأبرار ~~يحتمل أن يريد: خير مما هؤلاء فيه من التقلب والتنعم، ويحتمل أن يريد: خير ~~مما هم فيه في الدنيا، وإلى هذا ذهب ابن مسعود فإنه قال: ما من مؤمن ولا ~~كافر إلا والموت خير له، أما الكافر فلئلا يزداد إثما، وأما المؤمن فلأن ما ~~عند الله خير للأبرار. # قال أبو محمد: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الدنيا سجن ~~المؤمن وجنة الكافر، فقال القاضي ابن الطيب: هذا هو بالإضافة إلى ما يصير ~~إليه كل واحد منهما في الآخرة، فالدنيا على المؤمن المنعم سجن بالإضافة إلى ~~الجنة، والدنيا للكافر الفقير المضيق عليه في حاله وصحته جنة بالإضافة إلى ~~جهنم، وقيل: المعنى أنها سجن المؤمن لأنها موضع تبعه في ms0726 الطاعات وصومه ~~وقيامه، فهو فيها كالمعنت المنكل، وينتظر الثواب في الأخرى التي هي جنته، ~~والدنيا جنة الكافر، لأنها موضع ثوابه على ما PageV01P558 # عسى أن يعمل من خير، وليس ينتظر في الآخرة ثوابا، فهذه جنته، وهذا القول ~~عندي كالتفسير والشرح للأول. # قوله تعالى: ### || [سورة آل عمران (3) : الآيات 199 الى 200] # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون (200) # اختلف المتأولون فيمن عنى بهذه الآية، فقال جابر بن عبد الله وابن جريج ~~وقتادة وغيرهم: نزلت بسبب أصحمة النجاشي سلطان الحبشة، وذلك أنه كان مؤمنا ~~بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما مات عرف بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ~~اخرجوا فصلوا على أخ لكم، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ~~فكبر أربعا، وفي بعض الحديث: أنه كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~نعشه في الساعة التي قرب منها للدفن، فكان يراه من موضعه بالمدينة، فلما ~~صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على ~~علج نصراني لم يره قط، فنزلت هذه الآية، وكان أصحمة النجاشي نصرانيا، ~~وأصحمة تفسيره بالعربية عطية، قاله سفيان بن عيينة وغيره، وروي أن ~~المنافقين قالوا بعد ذلك: فإنه لم يصل القبلة فنزلت ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] وقال قوم: نزلت في عبد الله بن ~~سلام، وقال ابن زيد ومجاهد: نزلت في جميع من آمن من أهل الكتاب، وخاشعين ~~حال من الضمير في يؤمن، ورد خاشعين على المعنى في «من» لأنه جمع لا على لفظ ~~«من» لأنه إفراد، وقوله تعالى: لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا مدح لهم ~~وذم لسائر كفار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم كسب الدنيا الذي هو ثمن قليل ms0727 ~~على آخرتهم وعلى آيات الله تعالى، وقوله تعالى: إن الله سريع الحساب قيل ~~معناه: سريع إتيان بيوم القيامة، وهو يوم الحساب، فالحساب إذا سريع إذ كل ~~آت قريب، وقال قوم: سريع الحساب أي إحصاء أعمال العباد وأجورهم وآثامهم، إذ ~~ذلك كله في عمله لا يحتاج فيه إلى عد وروية ونظر كما يحتاج البشر. # ثم ختم الله تعالى السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على ~~الأعداء، والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، ~~وأمر بالمصابرة فقيل: معناه مصابرة الأعداء، قاله زيد بن أسلم، وقيل معناه: ~~مصابرة وعد الله في النصر، قاله محمد بن كعب القرظي: أي لا تسأموا وانتظروا ~~الفرج، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتظار الفرج بالصبر عبادة، ~~وكذلك اختلف المتأولون في معنى قوله ورابطوا فقال جمهور الأمة معناه: ~~رابطوا أعداءكم الخيل، أي ارتبطوها كما PageV01P559 # يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله عز وجل: ومن رباط الخيل [الأنفال: 8] ، وكتب ~~عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة، وقد كتب إليه يذكر جموع الروم، فكتب إليه ~~عمر: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن شدة، جعل الله بعدها فرجا، ولن يغلب ~~عسر يسرين، وأن الله تعالى يقول في كتابه: يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا الآية، وقد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية هي في ~~انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غزو يرابط فيه، واحتج بحديث علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأبي هريرة، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلكم على ما يحط الله به ~~الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى ~~المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم ~~الرباط، والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط ~~الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا، ~~واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي صلى ms0728 الله عليه وسلم: فذلك الرباط إنما ~~هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل ~~المنجية، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله: ليس الشديد بالصرعة، كقوله: ~~ليس المسكين بهذا الطواف إلى غير ذلك من الأمثلة، والمرابط في سبيل الله ~~عند الفقهاء: هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله ابن ~~المواز ورواه، فأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعتمرون ويكتسبون ~~هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين، وقوله: لعلكم تفلحون ترج في حق ~~البشر. PageV01P560 ### | سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم تسليما. # هذه السورة مدنية، إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح، في عثمان بن طلحة ~~وهي قوله: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [النساء: 58] قال ~~النقاش: وقيل نزلت السورة عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ~~إلى المدينة المنورة. # قال القاضي أبو محمد: وقد قال بعض الناس: إن قوله تعالى: يا أيها الناس ~~حيث وقع إنما هو مكي فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيا، وما نزل بعد ~~الهجرة فإنما هو مدني وإن نزل في مكة أو في سفر من أسفار النبي عليه ~~السلام، وقال النحاس: هذه السورة مكية. # قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أن فيها ما نزل بالمدينة، وفي البخاري: ~~آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة [النساء: 176] ذكرها في ~~تفسير سورة- براءة- من رواية البراء بن عازب، وفي البخاري عن عائشة أنها ~~قالت: ما نزلت سورة النساء # إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعني قد بنى بها. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) # «يا» حرف نداء، و «أي» منادى مفرد- و «ها» تنبيه، والناس- نعت لأي أو صلة ~~على مذهب ms0729 أبي الحسن الأخفش، «والرب» : المالك، وفي الآية تنبيه على الصانع ~~وعلى افتتاح الوجود، وفيها حض على التواصل لحرمة هذا النسب وإن بعد، وقال: ~~واحدة على تأنيث لفظ النفس، وهذا كقول الشاعر: # [الوافر] # أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال # وقرأ ابن أبي عبلة- «من نفس واحد» - بغير هاء، وهذا على مراعاة المعنى، ~~إذ المراد بالنفس آدم صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، ~~والخلق في الآية: بمعنى الاختراع، ويعني بقوله: PageV02P003 # زوجها حواء، والزوج في كلام العرب: امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت ~~أبي فراس: [الطويل] # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # وقوله منها، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: إن الله تعالى خلق آدم ~~وحشا في الجنة وحده، ثم نام فانتزع الله أحد أضلاعه القصيرى من شماله، ~~وقيل: من يمينه فخلق منه حواء، ويعضد هذا القول الحديث الصحيح في قوله عليه ~~السلام: «إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها» وكسرها طلاقها. ~~وقال بعضهم: معنى منها من جنسها، واللفظ يتناول المعنيين، أو يكون لحمها ~~وجواهرها من ضلعه، ونفسها من جنس نفسه، وبث معناه: نشر، كقوله تعالى: ~~كالفراش المبثوث [القارعة: 4] أي المنتشر، وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال ~~والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا، فله ~~حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين، وفي تكرار الأمر بالاتقاء تأكيد وتنبيه ~~لنفوس المأمورين. والذي في موضع نصب على النعت- وتسائلون معناه: تتعاطفون ~~به، فيقول أحدكم: # أسألك بالله أن تفعل كذا وما أشبهه وقالت طائفة معناه: تسائلون به حقوقكم ~~وتجعلونه مقطعا لها وأصله: # «تتساءلون» ، فأبدلت التاء الثانية سينا وأدغمت في السين، وهذه قراءة ابن ~~كثير ونافع وابن عامر وابن عمرو، بخلاف عنه، وقرأ الباقون- «تساءلون» - ~~بسين مخففة وذلك لأنهم حذفوا التاء الثانية تخفيفا فهذه تاء تتفاعلون تدغم ~~في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة، قال أبو علي: وإذا اجتمعت ~~المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال كما قالوا: طست فأبدلوا من السين ~~الواحدة تاء، إذ الأصل طس: قال ms0730 العجاج: [الرجز] # لو عرضت لأيبلي قس ... أشعث في هيكله مندس # حن إليها كحنين الطس وقال ابن مسعود- «تسألون» - خفيفة بغير ألف، ~~والأرحام نصب على العطف على موضع به لأن موضعه نصب، والأظهر أنه نصب بإضمار ~~فعل تقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهذه قراءة السبعة إلا حمزة، ~~وعليها فسر ابن عباس وغيره، وقرأ عبد الله بن يزيد- والأرحام- بالرفع وذلك ~~على الابتداء والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل، وقرأ حمزة وجماعة ~~من العلماء- «والأرحام» - بالخفض عطفا على الضمير، والمعنى عندهم: أنها ~~يتساءل بها كما يقول الرجل: أسألك بالله وبالرحم، هكذا فسرها الحسن ~~وإبراهيم النخعي ومجاهد، وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز، ~~لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض، قال الزجاج عن المازني: ~~لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا ~~يجوز: مررت بزيدوك، فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد، وأما سيبويه فهي عنده ~~قبيحة لا تجوز إلا في الشعر، كما قال: [البسيط] # فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب # وكما قال: [الطويل] # نعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف PageV02P004 # واستهلها بعض النحويين، قال أبو علي: ذلك ضعيف في القياس. # قال القاضي أبو محمد: المضمر المخفوض لا ينفصل فهو كحرف من الكلمة، ولا ~~يعطف على حرف، ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان: أحدهما أن ذكر ~~الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه ~~أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من ~~فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة، والوجه ~~الثاني أن في ذكرها على ذلك تقريرا للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث ~~الصحيح يرد ذلك في قوله عليه السلام: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ~~وقالت طائفة: إنما خفض- «والأرحام» - على جهة القسم من الله على ما اختص به ~~لا إله إلا هو من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من ms0731 قوله: إن ~~الله كان عليكم رقيبا وهذا كلام يأباه نظم الكلام وسرده، وإن كان المعنى ~~يخرجه- وكان في هذه الآية ليست لتحديد الماضي فقط، بل المعنى: كان وهو ~~يكون، والرقيب: بناء الاسم الفاعل من رقب يرقب إذا أحد النظر بالبصر أو ~~بالبصيرة إلى أمر ما ليتحققه على ما هو عليه، ويقترن بذلك حفظ ومشاهدة وعلم ~~بالحاصل عن الرقبة، وفي قوله عليكم ضرب من الوعيد، ولم يقل «لكم» للاشتراك ~~الذي كان يدخل من أنه يرقب لهم ما يصنع غيرهم، ومما ذكرناه قيل للذي يرقب ~~خروج السهم من ربابة الضريب في القداح رقيب، لأنه يرتقب ذلك. ومنه قول أبي ~~دؤاد: [مجزوء الكامل] كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 2 الى 3] # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) # اليتامى: جمع يتيم ويتيمة، واليتم في كلام العرب فقد الأب قبل البلوغ، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يتم بعد بلوغ» وهو في البهيمة فقد الأم ~~في حال الصغر، وحكى اليتم في الإنسان من جهة الأم، وقال ابن زيد: هذه ~~المخاطبة هي لمن كانت عادته من العرب أن لا يرث الصغير من الأولاد مع ~~الكبير، فقيل لهم: ورثوهم أموالهم، ولا تتركوا أيها الكبار حظوظكم حلالا ~~طيبا وتأخذوا الكل ظلما حراما خبيثا، فيجيء فعلكم ذلك تبدلا، وقالت طائفة: ~~هذه المخاطبة هي لأوصياء الأيتام، والمعنى: إذا بلغوا وأونس منهم الرشد. ~~وسماهم يتامى وهم قد بلغوا، استصحابا للحالة الأولى التي قد ثبتت لهم من ~~اليتم، ولا تتبدلوا قيل: المراد ما كان بعضهم يفعل من أن يبدل الشاة ~~السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف من ماله، ~~قاله سعيد بن المسيب والزهري والسندي والضحاك، وقيل: المراد بذلك لا تأكلوا ~~أموالهم خبيثا، وتدعوا أموالكم طيبا، ms0732 وقيل: معناه لا تتعجلوا أكل «الخبيث» ~~من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، قاله مجاهد وأبو ~~صالح، و «الخبيث» و «الطيب» : إنما هو هنا PageV02P005 # بالتحليل والتحريم، وروي عن ابن محيصن أنه قرأ- «ولا تبدلوا» - بإدغام ~~التاء في التاء وجاز في ذلك الجمع بين ساكنين، لأن أحدهما حرف مد ولين يشبه ~~الحركة، وقوله: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم استوى الأيتام في النهي عن ~~أكل «أموالهم» ، كانوا ورثة ممنوعين من الميراث ومحجورين، والآية نص في ~~[النهي عن] قصد مال اليتيم بالأكل والتمول على جميع وجوهه، وروي عن مجاهد ~~أنه قال: الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها ~~بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ منه النهي بقوله: وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم [البقرة: 220] وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة، وقال ابن فورك عن ~~الحسن: إنه تأول الناس من هذه الآية النهي عن الخلط فاجتنبوه من قبل ~~أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة، وقالت طائفة من المتأخرين إلى بمعنى مع، ~~وهذا غير جيد، وروي عن مجاهد أن معنى الآية: ولا تأكلوا أموالهم مع ~~أموالكم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تقريب للمعنى، لا أنه أراد أن الحرف بمعنى ~~الآخر، وقال الحذاق: # إلى هي على بابها وهي تتضمن الإضافة، التقدير: «لا تضيفوا أموالهم إلى ~~أموالكم في الأكل» ، كما قال تعالى من أنصاري إلى الله [آل عمران: 52، ~~الصف: 14] أي من ينضاف إلى الله في نصرتي والضمير في إنه عائد على الأكل ~~الذي تضمنه الفعل الظاهر، والحوب الإثم، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، ~~تقول: حاب الرجل يحوب حوبا وحابا وحوبا إذا أثم، قال أمية بن الأسكر: ~~[الوافر] # وإن مهاجرين تكنفاه ... غداتئذ لقد خطئا وخابا # وقرأ الحسن: «حوبا» بفتح الحاء، وهي لغة بني تميم، وقيل: هو بفتح الحاء ~~المصدر وبضمها الاسم، وتحوب الرجل إذا ألقى الحوب عن نفسه، وكذلك تحنث ~~وتأثم وتحرج، فإن هذه الأربعة بخلاف تفعل كله، لأن تفعل معناه الدخول في ~~الشيء كتعبد وتكسب وما أشبهه، ويلحق بهذه الأربعة تفكهون، في قوله ms0733 تعالى: ~~لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون [الواقعة: 65] أي تطرحون الفكاهة عن ~~أنفسكم، بدليل قوله بعد ذلك إنا لمغرمون بل نحن محرومون [الواقعة: 66 و 67] ~~أي يقولون ذلك، وقوله: كبيرا نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. # وقوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى قال أبو عبيدة: خفتم هنا ~~بمعنى أيقنتم، واستشهد بقول الشاعر: [دريد بن الصمة] : [الطويل] # فقلت لهم خافوا بألفي مدجج # وما قاله غير صحيح، ولا يكون الخوف بمعنى اليقين بوجه وإنما هو من أفعال ~~التوقع، إلا أنه قد يميل الظن فيه إلى إحدى الجهتين، وأما أن يصل إلى حد ~~اليقين فلا، وتقسطوا معناه تعدلوا، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا ~~جار، وقرأ ابن وثاب والنخعي، - «ألا تقسطوا» بفتح التاء من قسط على تقدير ~~زيادة- لا- كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا، واختلف في تأويل الآية، فقالت ~~عائشة رضي الله عنها: # نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم، فيريدون أن يبخسوهن ~~في المهر لمكان ولايتهم عليهن، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف ألا ~~يقسط فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي PageV02P006 # يكايسن في حقوقهن وقاله ربيعة، وقال عكرمة: نزلت في قريش، وذلك أن الرجل ~~منهم كان يتزوج العشر وأكثر وأقل، فإذا ضاق ماله مال على مال يتيمه فتزوج ~~منه، فقيل لهم: إن خفتم عجز أموالكم حتى تجوروا في اليتامى فاقتصروا، وقال ~~سعيد بن جبير والسدي وقتادة وابن عباس: إن العرب كانت تتحرج في أموال ~~اليتامى، ولا تتحرج في العدل بين النساء، كانوا يتزوجون العشر وأكثر، فنزلت ~~الآية في ذلك، أي كما تخافون «ألا تقسطوا في اليتامى» ، فكذلك فتحرجوا في ~~النساء، «وانكحوا» على هذا الحد الذي يبعد الجور عنه، وقال مجاهد: إنما ~~الآية تحذير من الزنى وزجر عنه، أي كما تتحرجون في مال اليتامى فكذلك ~~فتحرجوا من الزنى، وانكحوا على ما حد لكم، قال الحسن وأبو مالك وسعيد بن ~~جبير: ما طاب، معناه ما حل. # قال القاضي أبو محمد: لأن المحرمات من النساء كثير. وقرأ ابن ms0734 أبي عبلة، ~~«من طاب» على ذكر من يعقل، وحكى بعض الناس أن ما في هذه الآية ظرفية، أي ما ~~دمتم تستحسنون النكاح. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المنزع ضعف وقال ما ولم يقل- من- لأنه لم ~~يرد تعيين من يعقل، وإنما أراد النوع الذي هو الطيب من جهة التحليل، فكأنه ~~قال: «فانكحوا الطيب» ، وهذا الأمر بالنكاح هو ندب لقوم وإباحة لآخرين بحسب ~~قرائن المرء، والنكاح في الجملة والأغلب مندوب إليه، قال عليه السلام: من ~~استطاع منكم الباءة فليتزوج. ومثنى وثلاث ورباع: موضعها من الإعراب نصب على ~~البدل من ما طاب، وهي نكرات لا تنصرف لأنها معدولة وصفة كذا قاله أبو علي. ~~وقال غيره: هي معدولة في اللفظ وفي المعنى، وأيضا فإنها معدولة وجمع، وأيضا ~~فإنها معدولة مؤنثة، قال الطبري: هي معارف لأنها لا تدخلها الألف واللام، ~~وخطأ الزجاج هذا القول، وهي معدولة عن اثنين، وثلاثة، وأربعة، إلا أنها ~~مضمنة تكرار العدد إلى غاية المعدود، وأنشد الزجاج لشاعر [ساعدة بن جؤية] : ~~[الطويل] # ولكنما أهلي بواد أنيسه ... ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد # فإنما معناه اثنين اثنين، وواحد واحدا، وكذلك قولك: جاء الرجال مثنى ~~وثلاث، فإنما معناه: # اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «وربع» ~~ساقطة الألف، وتلك لغة مقصدها التخفيف كما قال الشاعر: على لسان الضب: ~~[المجتث] # لا أشتهي أن أردا ... إلا عرادا عردا # وعنكثا ملتبدا ... وصليانا بردا # يريد باردا. وقوله تعالى: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ~~قال الضحاك وغيره: # المعنى ألا تعدلوا في الميل والمحبة والجماع والعشرة بين الأربع أو ~~الثلاث أو الاثنتين، ويتوجه على قول من قال: إنها نزلت فيمن يخاف أن ينفق ~~مال اليتامى في نكاحاته، أن يكون المعنى: ألا تعدلوا في نكاح الأربع ~~والثلاث حتى تنفقوا فيه أموال يتاماكم، أي فتزوجوا واحدة بأموالكم، أو ~~تسروا منها، ونصب واحدة بإضمار فعل تقديره: فانكحوا واحدة. وقرأ عبد الرحمن ~~بن هرمز والحسن: «فواحدة» بالرفع على الابتداء، وتقدير الخبر: فواحدة ~~كافية، أو ما أشبهه، ورويت هذه ms0735 القراءة عن أبي عمرو. وما ملكت أيمانكم يريد PageV02P007 # به الإماء، والمعنى: إن خاف ألا يعدل في عشرة واحدة فما ملكت يمينه، ~~وأسند الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها، ~~ألا ترى أنها المنفقة، كما قال عليه السلام: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق ~~يمينه» وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الألية يمينا، وهي المتلقية لكتاب ~~النجاة ولرايات المجد، وقد نهى عليه السلام عن استعمالها في الاستنجاء وأمر ~~المرء بالأكل بها. # أدنى معناه: أقرب، وهو من الدنو، وموضع- أن- من الإعراب نصب بإسقاط ~~الخافض، والناصب أريحية الفعل الذي في أدنى، التقدير: ذلك أدنى إلى أن لا ~~تعولوا، وتعولوا معناه: تميلوا، قاله ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس وأبو ~~مالك والسدي وغيرهم، يقال: عال الرجل يعول: إذا مال وجار، ومنه قول أبي ~~طالب في شعره في النبي صلى الله عليه وسلم: # بميزان قسط لا يخس شعيرة ... ووزان صدق وزنه غير عائل # يريد غير مائل، ومنه قول عثمان لأهل الكوفة حين كتب إليهم: إني لست ~~بميزان لا أعول، ويروى بيت أبي طالب: «له شاهد من نفسه غير عائل» وعال ~~يعيل، معناه: افتقر فصار عالة، وقالت فرقة منهم زيد بن أسلم وابن زيد ~~والشافعي: معناه: ذلك أدنى ألا يكثر عيالكم، وحكى ابن الأعرابي أن العرب ~~تقول: عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقدح في هذا الزجاج وغيره، بأن الله ~~قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا ~~يكثر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القدح غير صحيح، لأن السراري إنما هن مال ~~يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الفادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة قوله ~~تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 4 الى 5] # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا (4) ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) # وقوله: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة قال ابن عباس وقتادة وابن جريج: إن ~~الخطاب في هذه الآية للأزواج، أمرهم الله ms0736 أن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة ~~منهم لأزواجهم، وقال أبو صالح: الخطاب لأولياء النساء، لأن عادة بعض العرب ~~كانت أن يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام وأمر بأن يدفع ذلك ~~إليهن، وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: زعم حضرمي أن المراد بالآية ~~المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. # قال القاضي أبو محمد: والآية تتناول هذه الفرق الثلاث، وقرأ جمهور الناس ~~والسبعة «صدقاتهن» بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي ~~عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم «صدقاتهن» بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره ~~«صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ ابن وثاب والنخعي «صدقتهن» بالإفراد ~~وضم الصاد وضم الدال. والإفراد من هذا كله صدقة وصدقة. ونحلة: معناه: نحلة PageV02P008 # منكم لهن أي عطية، وقيل التقدير: من الله عز وجل لهن، وذلك لأن الله جعل ~~الصداق على الرجال ولم يجعل على النساء شيئا، وقيل نحلة معناه: شرعة، مأخوذ ~~من النحل تقول: فلان ينتحل دين كذا، وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء، ~~ويتجه مع سواه، ونصبها على أنها من الأزواج بإضمار فعل من لفظها، تقديره- ~~انحلوهن نحلة، ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر، وإن كان من غير اللفظ لأنه ~~مناسب للنحلة في المعنى ونصبها على أنها من الله عز وجل بإضمار فعل مقدر من ~~اللفظ لا يصح غير ذلك، وعلى أنها شريعة هي أيضا من الله وقوله: فإن طبن لكم ~~عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف في ~~الأزواج والأولياء، والمعنى: إن وهبن غير مكرهات طيبة نفوسهن، والضمير في ~~منه راجع على الصداق، وكذلك قال عكرمة وغيره، أو على الإيتاء، وقال حضرمي: ~~سبب الآية أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوا إلى الزوجات، ونفسا ~~نصب على التمييز، ولا يجوز تقدمه على العامل عند سيبويه إلا في ضرورة شعر ~~مع تصرف العامل، وإجازة غيره في الكلام. ومنه قول الشاعر [المخبل السعدي] : ~~[الطويل] وما كان نفسا بالفراق تطيب و «من» - تتضمن الجنس هاهنا، ولذلك ~~يجوز ms0737 أن تهب المهر كله، ولو وقفت «من» على التبعيض لما جاز ذلك، وقرىء ~~«هنيا مريا» دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري. قال الطبري: ~~ومن هناء البعير أن يعطي الشفاء. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون: الطعام الهنيء هو ~~السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون: يقولون هنأني ~~الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني على وزن أفعل. قال ~~أبو علي: وهذا كما جاء في الحديث «ارجعن مأزورات غير مأجورات» فإنما اعتلت ~~الواو من موزورات اتباعا للفظ مأجورات، فكذلك مرأني اتباعا لهنأني، ودخل ~~رجل على علقمة- وهو يأكل شيئا مما وهبته امرأته من مهرها- فقال له: كل من ~~الهنيء المريء، قال سيبويه هنيئا مريئا صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو ~~بها بالفعل غير المستعمل إظهاره، المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، ~~كأنهم قالوا: ثبت ذلك «هنيئا مريئا» . # وقوله ولا تؤتوا السفهاء الآية، اختلف المتأولون في المراد ب السفهاء، ~~فقال ابن مسعود والسدي والضحاك والحسن وغيرهم: نزلت في ولد الرجل الصغار ~~وامرأته، وقال سعيد بن جبير: نزلت في المحجورين «السفهاء» وقال مجاهد: نزلت ~~في النساء خاصة، وروي عن عبد الله بن عمر أنه مرت به امرأة لها شارة فقال ~~لها ولا تؤتوا السفهاء أموالكم الآية، وقال أبو موسى الأشعري والطبري ~~وغيرهما: نزلت في كل من اقتضى الصفة التي شرط الله من السفه كان من كان، ~~وقول من خصها بالنساء يضعف من جهة الجمع، فإن العرب إنما تجمع فعيلة على ~~فعائل أو فعيلات، وقوله: أموالكم يريد أموال المخاطبين، هذا قول أبي موسى ~~الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة، وقال سعيد بن جبير: يريد أموال «السفهاء» ~~، وأضافها إلى المخاطبين تغبيطا بالأموال، أي هي لهم إذا احتاجوا، كأموالكم ~~لكم التي تقي أعراضكم، وتصونكم وتعظم أقداركم، ومن مثل هذا ولا تقتلوا ~~أنفسكم [النساء: 29] وما جرى مجراه، وقرأ PageV02P009 # الحسن بن أبي الحسن والنخعي «اللاتي» والأموال: جمع لما لا يعقل، فالأصوب ~~فيه قراءة الجماعة، وقيما جمع قيمة كديمة وديم، وخطأ ذلك أبو علي وقال: ms0738 هي ~~مصدر كقيام وقوام وأصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم: ~~جياد في جمع جواد، وكما قالت بنو ضبة: طويل وطيال، ونحو هذا، وقوما وقواما ~~وقياما، معناها: ثباتا في صلاح الحال، ودواما في ذلك، وقرأ نافع وابن عامر ~~قيما بغير ألف، وروي أن أبا عمرو فتح القاف من قوله: قواما، وقياما- كان ~~أصله قواما، فردت كسرة القاف الواو ياء للتناسب، ذكرها ابن مجاهد ولم ~~ينسبها، وهي قراءة أبي عمرو والحسن، وقرأ الباقون قياما وقرأت طائفة ~~«قواما» ، وقوله: وارزقوهم فيها واكسوهم قيل: معناه: فيمن يلزم الرجل نفقته ~~وكسوته من زوجه وبنيه الأصاغر، وقيل: في المحجورين من أموالهم، ومعروفا ~~قيل: معناه: ادعوا لهم: بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل: معناه عدوهم ~~وعدا حسنا، أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ومعنى اللفظ كل كلام تعرفه ~~النفوس وتأنس إليه ويقتضيه الشرع. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 6] # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا (6) # هذه مخاطبة للجميع، والمعنى: يخلص التلبس بهذا الأمر للأوصياء، ~~والابتلاء: الاختبار، وبلغوا النكاح، معناه: بلغوا مبلغ الرجال بحلم وحيض ~~أو ما يوازيه، ومعناه: جربوا عقولهم وقرائحهم وتصرفهم، وآنستم، معناه علمتم ~~وشعرتم وخبرتم، كما قال الشاعر: [الخفيف] # آنست نبأة وأفزعها القناص ... عصرا وقد دنا الإمساء # وقرأ ابن مسعود- «حستم» - بالحاء وسكون السين على مثال فعلتم، وقرأ أبو ~~عبد الرحمن وأبو السمال وابن مسعود وعيسى الثقفي: «رشدا» بفتح الراء والشين ~~والمعنى واحد، ومالك رحمه الله يرى الشرطين: # البلوغ، والرشد المختبر، وحينئذ يدفع المال، وأبو حنيفة يرى أن يدفع ~~المال بالشرط الواحد ما لم يحتفظ له سفه كما أبيحت التسرية بالشرط الواحد ~~وكتاب الله قد قيدها بعدم الطول وخوف العنت، إلى غير ذلك من الأمثلة، ~~كاليمين والحنث اللذين بعدهما تجب الكفارة، ولكنها تجوز قبل الحنث. # قال القاضي أبو محمد: والتمثيل عندي ms0739 في دفع المال بنوازل الشرطين غير ~~صحيح، وذلك أن البلوغ لم تسقه الآية سياق الشرط، ولكنه حالة الغالب على بني ~~آدم أن تلتئم عقولهم فيها، فهو الوقت الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه، ~~فقال: إذا بلغ ذلك الوقت فلينظر إلى الشرط وهو الرشد حينئذ، وفصاحة الكلام ~~تدل على ذلك، لأن التوقيف بالبلوغ جاء «بإذا» والمشروط جاء «بإن» التي هي ~~قاعدة حروف الشرط، وإذا ليست بحرف شرط لحصول ما بعدها، وأجاز سيبويه أن ~~يجازى بها في الشعر، وقال: فعلوا ذلك PageV02P010 # مضطرين، وإنما جوزي بها لأنها تحتاج إلى جواب، ولأنها يليها الفعل مظهرا ~~أو مضمرا، واحتج الخليل على منع شرطيتها بحصول ما بعدها، ألا ترى أنك تقول ~~أجيئك إذا احمر البسر، ولا تقول: إن احمر البسر، وقال الحسن وقتادة: الرشد ~~في العقل والدين، وقال ابن عباس: بل في العقل وتدبير المال لا غير، وهو قول ~~ابن القاسم في مذهبنا، والرواية الأخرى: أنه في العقل والدين مروية عن ~~مالك، وقالت فرقة: # دفع الوصي المال إلى المحجور يفتقر إلى أن يرفعه إلى السلطان ويثبت عنده ~~رشده، أو يكون ممن يأمنه الحاكم في مثل ذلك، وقالت فرقة: ذلك موكول إلى ~~اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. # قال القاضي أبو محمد: والصواب في أوصياء زمننا أن لا يستغنى عن رفعه إلى ~~السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الوصي ~~ويبرى المحجور لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت، وقوله: ولا تأكلوها الآية، ~~نهي من الله تعالى للأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، ~~والإسراف: الإفراط في الفعل، والسرف الخطأ في مواضع الإنفاق، ومنه قول ~~الشاعر [جرير] : [البسيط] ما في عطائهم من ولا سرف أي لا يخطئون مواضع ~~العطاء. وبدارا: معناه مبادرة كبرهم، أي إن الوصي يستغنم مال محجوره فيأكل ~~ويقول: أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله، قاله ابن عباس وغيره. وأن يكبروا ~~نصب ببدارا، ويجوز أن يكون التقدير مخافة أن وقوله: ومن كان غنيا فليستعفف ~~الآية، ms0740 يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف: إذا أمسك، فأمر الغني بالإمساك عن ~~مال اليتيم، وأباح الله للوصي الفقير أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف، ~~واختلف العلماء في حد المعروف، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن ~~جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية: إن ذلك القرض أن يتسلف من مال يتيمه ~~ويقضي إذا أيسر، ولا يتسلف أكثر من حاجته، وقال ابن عباس أيضا وعكرمة ~~والسدي وعطاء: روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني نزلت من مال الله ~~منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا ~~أيسرت قضيت. وروي عن إبراهيم وعطاء وغيرهما أنه لا قضاء على الوصي الفقير ~~فيما أكل بالمعروف، قال الحسن: هي طعمة من الله له، وذلك أن يأكل ما يقيمه ~~أكلا بأطراف الأصابع، ولا يكتسي منه بوجه، وقال إبراهيم النخعي ومكحول: ~~يأكل ما يقيمه ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الكتان والحلل، وقال ابن ~~عباس وأبو العالية والحسن والشعبي: إنما يأكل الوصي بالمعروف إذا شرب من ~~اللبن وأكل من الثمر بما يهنأ الجربى ويليط الحوض ويجد الثمر وما أشبهه، ~~وقالت فرقة: المعروف أن يكون له أجر بقدر عمله وخدمته، وقال الحسن بن حي: ~~إن كان وصي أب فله الأكل بالمعروف، وإن كان وصي حاكم فلا سبيل له إلى المال ~~بوجه، وقال ابن عباس والنخعي: المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من ماله حتى ~~لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: المراد اليتامى في ~~الحالين، أي: من كان منهم غنيا فليعف بماله، ومن كان فقيرا فليتقتر عليه ~~بالمعروف والاقتصاد، وقوله: فإذا دفعتم الآية. أمر من الله بالتحرز والحزم، ~~وهذا هو الأصل في الإشهاد في المدفوعات كلها، إذا كان حبسها أولا معروفا، ~~وقالت فرقة: # الإشهاد هاهنا فرض وقالت فرقة: هو ندب إلى الحزم، وروى عمر بن الخطاب ~~وابن جبيرة أن هذا هو دفع PageV02P011 # ما يستقرضه الوصي الفقير إذا أيسر، واللفظ يعم هذا وسواه، والحسيب هنا ~~المحسب، أي هو كاف من الشهود، هكذا ms0741 قال الطبري، والأظهر حسيبا معناه: حاسبا ~~أعمالكم ومجازيا بها، ففي هذا وعيد لكل جاحد حق. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 7 الى 9] # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) وليخش ~~الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا (9) # سمى الله عز وجل الأب والدا لأن الولد منه ومن الوالدة، كما قال الشاعر: ~~[الرجز] بحيث يعتش الغراب البائض لأن البيض من الأنثى والذكر، قال قتادة ~~وعكرمة وابن زيد: وسبب هذه الآية، أن العرب كان منها من لا يورث النساء ~~ويقول: لا يرث إلا من طاعن بالرمح وقاتل بالسيف فنزلت هذه الآية، قال ~~عكرمة: سببها خبر أم كحلة، مات زوجها وهو أوس بن سويد وترك لها بنتا فذهب ~~عم بنيها إلى أن لا ترث فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال العم: هي ~~يا رسول الله لا تقاتل ولا تحمل كلا ويكسب عليها ولا تكسب، واسم العم ثعلبة ~~فيما ذكره. ونصيبا مفروضا، نصب على الحال، كذا قال مكي، وإنما هو اسم نصب ~~كما ينصب المصدر في موضع الحال، تقديره: فرضا، ولذلك جاز نصبه، كما تقول: ~~لك علي كذا وكذا حقا واجبا، ولولا معنى المصدر الذي فيه ما جاز في الاسم ~~الذي ليس بمصدر هذا النصب، ولكان حقه الرفع. # وقوله: وإذا حضر القسمة الآية، اختلف المتأولون فيمن خوطب بهذه الآية على ~~قولين: أحدهما أنها مخاطبة للوارثين، والمعنى: إذا حضر قسمتكم لمال موروثكم ~~هذه الأصناف الثلاثة، فارزقوهم منه، ثم اختلف قائلو هذا القول، فقال سعيد ~~بن المسيب وأبو مالك والضحاك وابن عباس فيما حكى عنه المهدوي: نسخ ذلك بآية ~~المواريث. وكانت هذه قسمة قبل المواريث، فأعطى الله بعد ذلك كل ذي حق حقه، ~~وجعلت الوصية للذين يحزنون ولا يرثون، وقال ابن عباس والشعبي ومجاهد وابن ~~جبير: ذلك محكم لم ينسخ، وقال ms0742 ابن جبير: وقد ضيع الناس هذه الآية، قال ~~الحسن: ولكن الناس شحوا، وامتثل ذلك جماعة من التابعين، عروة بن الزبير ~~وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري، واختلف القائلون بأحكامها، فقالت فرقة: ~~ذلك على جهة الفرض والوجوب أن يعطى الورثة لهذه الأصناف ما تفه وطابت به ~~نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق، وما خف كالتابوت، وما تعذر قسمه، وقال ابن ~~جبير والحسن: ذلك على جهة الندب، فمن تركه فلا حرج عليه، واختلف في هذا ~~القول إذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله، فقال PageV02P012 # سعيد بن جبير وغيره: هذا على وجه المعروف فقط، يقوله ولي الوارث دون عطاء ~~ينفذ، وقالت فرقة: بل يعطي ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى، ~~والقول الثاني فيمن خوطب بها: إن الخطاب للمحتضرين الذين يقسمون أموالهم ~~بالوصية، فالمعنى: إذا حضركم الموت أيها المؤمنون، وقسمتم أموالكم بالوصية، ~~وحضركم من لا يرث من ذي القرابة واليتامى فارزقوهم منه، قال ابن عباس وسعيد ~~بن المسيب وابن زيد قال: كانوا يقولون للوصي: فلان يقسم ماله، ومعنى «حضر» ~~: شهد، إلا أن الصفة بالضعف واليتم والمسكنة تقضي أن ذلك هو علة الرزق، ~~فحيث وجدت رزقوا وإن لم يحضروا القسمة، وأولوا: اسم جمع لا واحد له من ~~لفظه، ولا يكون إلا مضافا للإبهام الذي فيه، وربما كان واحده من غير لفظة: ~~ذو، واليتم: الانفراد واليتيم: الفرد، وكذلك سمي من فقد أباه يتيما ~~لانفراده، ورأى عبيدة ومحمد بن سيرين أن الرزق في هذه الآية، أن يصنع لهم ~~طعام يأكلونه، وفعلا ذلك، ذبحا شاة من التركة، والضمير في قوله: فارزقوهم ~~وفي قوله: لهم عائد على الأصناف الثلاثة، وغير ذلك من تفريق عود الضميرين ~~كما ذهب إليه الطبري تحكم- والقول المعروف: كل ما يؤنس به من دعاء أو عدة ~~أو غير ذلك. # وقوله وليخش جزم بلام الأمر، ولا يجوز إضمار هذه اللام عند سيبويه، قياسا ~~على حروف الجر، إلا في ضرورة شعر، ومنه قول الشاعر: [الوافر] # محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا ms0743 # وقرأ أبو حيوة وعيسى بن عمر والحسن والزهري: بكسر لامات الأمر في هذه ~~الآية، وقد تقدم الكلام على لفظ ذرية في سورة آل عمران، ومفعول يخشى محذوف ~~لدلالة الكلام عليه، وحسن حذفه من حيث يتقدر فيه التخويف بالله تعالى. ~~والتخويف بالعاقبة في الدنيا، فينظر كل متأول بحسب الأهم في نفسه، وقرأ أبو ~~عبد الرحمن وأبو حيوة والزهري وابن محيصن وعائشة: «ضعفاء» بالمد وضم الضاد، ~~وروي عن ابن محيصن «ضعفا» بضم الضاد والعين وتنوين الفاء، وأمال حمزة ضعافا ~~وأمال- خافوا، والداعي إلى إمالة خافوا الكسرة التي في الماضي في قولك: ~~خفت، ليدل عليها، وخافوا جواب لو، تقديره: لو تركوا لخافوا، ويجوز حذف ~~اللام في جواب- لو- تقول- لو قام زيد لقام عمرو، ولو قام زيد قام عمرو، ~~واختلف من المراد بهذه الآية؟ فقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير ~~والضحاك ومجاهد: المراد من حضر ميتا حين يوصي فيقول له: قدم لنفسك وأعط ~~فلان وفلانة ويؤذي الورثة بذلك، فكأن الآية تقول لهم: كما كنتم تخشون على ~~ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم وذريته، ولا تحملوه على ~~تبذير ماله وتركهم عالة. وقال مقسم وحضرمي: نزلت في عكس ذلك، وهو أن يقول ~~للمحتضر: أمسك على ورثتك وأبق لولدك، وينهاه عن الوصية فيضر بذلك ذوي ~~القربى، وكل من يستحق أن يوصي له، فقيل لهم: كما كنتم تخشون على ذريتكم ~~وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك فسدوا القول في جهة المساكين واليتامى، ~~واتقوا الله في ضرهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل ~~الناس صنفان يصلح لأحدهما القول الواحد، وللآخر القول الثاني، وذلك أن ~~الرجل إذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن PageV02P013 # أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين ~~حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في ~~المساكين، فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال معه، وقال ابن عباس أيضا: ~~المراد بالآية ولاة الأيتام، فالمعنى: أحسنوا إليهم وسددوا القول ms0744 لهم، ~~واتقوا الله في أكل أموالهم كما تخافون على ذريتكم أن يفعل بهم خلاف ذلك، ~~وقالت فرقة: بل المراد جميع الناس، فالمعنى: أمرهم باتقاء الله في الأيتام ~~وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم، وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل ~~أحد أن يفعل بولده بعده، ومن هذا ما حكاه الشيباني قال: كنا على قسطنطينة ~~في عسكر مسلمة بن عبد الملك، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ~~الديلمي فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان، فقلت له: يا أبا بسر ودي أن ~~لا يكون لي ولد، فقال لي: ما عليك، ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا ~~خرجت أحب أم كره، ولكن إن أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا ~~هذه الآية. «والسديد» معناه: المصيب للحق، ومنه قول الشاعر: # أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني # معناه، لما وافق الأغراض التي يرمي إليها. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 10 الى 11] # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ~~فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم ~~لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) # قال ابن زيد: نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء والصغار، ~~ويأكلون أموالهم، وقال أكثر الناس: نزلت في الأوصياء الذين يأكلون ما لم ~~يبح لهم من مال اليتيم، وهي تتناول كل آكل وإن لم يكن وصيا، وسمي آخذ المال ~~على كل وجوهه آكلا لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر الإتلاف للأشياء، وفي ~~نصه على البطون من الفصاحة تبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق، ~~من التهافت ms0745 بسبب البطن، وهو أنقص الأسباب وألأمها حتى يدخلوا تحت الوعيد ~~بالنار، وظلما معناه: ما جاوز المعروف مع فقر الوصي، وقال بعض الناس: ~~المعنى أنه لما يؤول أكلهم للأموال إلى دخولهم النار قيل: يأكلون النار، ~~وقالت طائفة: بل هي حقيقة أنهم يطعمون النار، وفي ذلك أحاديث، منها حديث ~~أبي سعيد الخدري قال: حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به، ~~قال، رأيت أقواما لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم ~~يجعل في أفواههم صخرا من نار، تخرج من أسافلهم، قلت: # يا جبريل من هؤلاء؟ قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، وقرأ جمهور ~~الناس «وسيصلون» على إسناد الفعل إليهم، وقرأ ابن عامر بضم الياء واختلف عن ~~عاصم، وقرأ أبو حيوة، وسيصلون على بناء الفعل للمفعول بضم الياء وفتح الصاد ~~وشد اللام على التكثير، وقرأ ابن أبي عبلة «وسيصلون» بضم الياء واللام، وهي ~~ضعيفة، والأول أصوب، لأنه كذلك جاء في القرآن في قوله: لا يصلاها إلا ~~الأشقى [الليل: 16] PageV02P014 # وفي قوله: صال الجحيم [الصافات: 163] والصلي هو التسخن بقرب النار أو ~~بمباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد: # لم أكن من جناتها، علم الله ... وإني بحرها اليوم صال # والمحترق الذي يذهبه الحرق ليس بصال إلا في بدء أمره، وأهل جهنم لا ~~تذهبهم فهم فيها صالون، «والسعير» : الجمر المشتعل، وهذه آية من آيات ~~الوعيد، والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة، لئلا يقع ~~الخبر بخلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم، وتلخيص الكلام في المسألة: أن ~~الوعد في الخير، والوعيد في الشر، هذا عرفهما إذا أطلقا، وقد يستعمل الوعد ~~في الشر مقيدا به، كما قال تعالى: النار وعدها الله، الذين كفروا [الحج: ~~72] فقالت المعتزلة: آيات الوعد كلها في التائبين والطائعين، وآيات الوعيد ~~في المشركين والعصاة بالكبائر، وقال بعضهم: وبالصغائر، وقالت المرجئة: آيات ~~الوعد كلها فيمن اتصف بالإيمان الذي هو التصديق، كان من كان من عاص أو ~~طائع، وقلنا أهل السنة والجماعة: آيات الوعد في المؤمنين الطائعين ومن ~~حازته ms0746 المشيئة من العصاة، وآيات الوعيد في المشركين ومن حازه الإنفاذ من ~~العصاة، والآية الحاكمة بما قلناه قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48 و 116] فإن قالت المعتزلة لمن يشاء ~~يعني التائبين، رد عليهم بأن الفائدة في التفضيل كانت تنفسد، إذ الشرك أيضا ~~يغفر للتائب، وهذا قاطع بحكم قوله لمن يشاء بأن ثم مغفورا له وغير مغفور، ~~واستقام المذهب السني. # وقوله تعالى: يوصيكم يتضمن الفرض والوجوب، كما تتضمنه لفظة أمر- كيف ~~تصرفت، وأما صيغة الأمر من غير اللفظة ففيها الخلاف الذي سيأتي موضعه إن ~~شاء الله، ونحو هذه الآية قوله تعالى: # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به [الأنعام: 151] ~~وقيل: نزلت هذه الآية بسبب بنات سعد بن الربيع وقال السدي: نزلت بسبب بنات ~~عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت، وقيل: بسبب جابر بن عبد الله، إذ ~~عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، قال جابر بن عبد الله، وذكر أن ~~أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت ~~الآيات تبيينا أن لكل أنثى وصغير حظه، وروي عن ابن عباس: أن نزول ذلك كان ~~من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات، ومثل ~~مرتفع بالابتداء أو بالصفة، تقديره حظ مثل حظ، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ~~«في أولادكم أن للذكر» وقوله تعالى: فإن كن نساء الآية الأولاد لفظ يجمع ~~الذكران والإناث، فلما أراد بهذه الآية أن يخص الإناث بذكر حكمهن أنث الفعل ~~للمعنى، ولو اتبع لفظ الأولاد لقال كانوا، واسم- كان- مضمر، وقال بعض نحويي ~~البصرة: تقديره وإن كن المتروكات «نساء» ، وقوله: فوق اثنتين معناه: ~~«اثنتين» فما فوقهما، تقتضي ذلك قوة الكلام، وأما الوقوف مع اللفظ فيسقط ~~معه النص على الاثنتين، ويثبت الثلثان لهما بالإجماع الذي مرت عليه الأمصار ~~والأعصار، ولم يحفظ فيه خلاف، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس: أنه يرى ~~لهما النصف. ويثبت أيضا ذلك ms0747 لهما بالقياس على الأختين المنصوص عليهما، ~~ويثبت ذلك لهما بالحديث الذي ذكره الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P015 # قضى للابنتين بالثلثين، ومن قال: فوق زائدة واحتج بقوله تعالى: فوق ~~الأعناق [الأنفال: 12] هو الفصيح، وليست فوق زائدة بل هي محكمة المعنى لأن ~~ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال ~~دريد بن الصمة «اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق ~~الأبطال: وقد احتج لأخذهما الثلثين بغير هذا، وكله معارض، قال إسماعيل ~~القاضي: إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها الثلث إذا انفرد، فأحرى أن تأخذ ذلك ~~مع أختها قال غيره: وكما كان حكم الاثنين فما فوقهما من الإخوة للأم واحدا، ~~فكذلك البنات، وقال النحاس: لغة أهل الحجاز وبني أسد، الثلث والربع إلى ~~العشر، وقد قرأ الحسن ذلك كله بإسكان الأوسط، وقرأه الأعرج، ومذهب الزجاج: ~~أنها لغة واحدة، وأن سكون العين تخفيف، وإذا أخذ بنات الصلب الثلثين، فلا ~~شيء بعد ذلك لبنات الابن، إلا أن يكون معهن أخ لهن، أو ابن أخ، فيرد عليهن، ~~وعبد الله بن مسعود لا يرى لهن شيئا، وإن كان الأخ أو ابن الأخ، ويرى المال ~~كله للذكر وحده دونهن. # قوله تعالى: # قرأ السبعة سوى نافع «واحدة» بالنصب على خبر كان، وقرأ نافع واحدة بالرفع ~~على أن كان بمعنى وقع وحصر، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: «النصف» بضم ~~النون، وكذلك قرأه علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في جميع القرآن، وقوله: ~~ولد يريد ذكرا أو أنثى، واحدا أو جماعة للصلب أو ولد ولد ذكر، فإن ذلك كيف ~~وقع يجعل فرض الأب السدس، وإن أخذ النصف في ميراثه فإنما يأخذه بالتعصيب، ~~وقوله تعالى: فإن لم يكن له ولد الآية، المعنى: فإن لم يكن له ولد، ولا ولد ~~ولد ذكر، ذكرا كان أو أنثى، وقوله: وورثه أبواه تقتضي قوة الكلام أنهما ~~منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، فعلى هذا يكون قوله وورثه حكما ~~لهما بالمال فإذا ذكر ms0748 وحد بعد ذلك نصيب أحدهما أخذ النصيب الآخر، كما تقول ~~لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما، أنت يا فلان لك منه الثلث، فقد ~~حددت للآخر منه الثلثين، بنص كلامك، وعلى أن فريضتهما خلت من الولد وغيره ~~يجيء قول أكثر الناس: إن للأم مع الانفراد الثلث من المال كله، فإن كان ~~معهما زوج كان «للأم السدس» ، وهو الثلث بالإضافة إلى الأب، وعلى أن ~~الفريضة خلت من الولد فقط يجيء قول شريح وابن عباس: إن الفريضة إذا خلت من ~~الولد أخذت «الأم الثلث» من المال كله مع الزوج، وكان ما بقي للأب ويجيء ~~على هذا، قوله: وورثه أبواه. منفردين أو مع غيرهم. وقرأ حمزة والكسائي ~~«فلإمه» بكسر الهمزة، وهي لغة حكاها سيبويه، وكذلك كسر الهمزة من قوله: في ~~بطون أمهاتكم [النجم: 32] وفي أمها [القصص: 59] وفي أم الكتاب [آل عمران: ~~7، الرعد: 39، الزخرف: 4] وهذا كله إذا وصلا اتباعا للكسرة أو الياء التي ~~قبل الهمزة، وقرأ الباقون كل هذا بضم الهمزة، وكسر همزة الميم من «أمهاتكم» ~~اتباعا لكسر الهمزة، ومتى لم PageV02P016 # يكن وصل وياء أو كسرة فالضم باتفاق، وقوله تعالى: فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس الإخوة يحطون الأم إلى السدس ولا يأخذونه، أشقاء كانوا أو للأب أو ~~للأم، وقال من لا يعد قوله إلا في الشذوذ: إنهم يحطون ويأخذون ما يحطون ~~لأنفسهم مع الأب، روي عن ابن عباس، وروي عنه خلافه مثل قول «السدس» الذي ~~يحجبون «الأم» عنه، قال قتادة: وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم، ويلي ~~نكاحهم، والنفقة عليهم، هذا في الأغلب، ومجمعون على أن أخوين فصاعدا يحجبون ~~الأم عنه، إلا ما روي عن عبد الله بن عباس، أن الأخوين في حكم الواحد، ولا ~~يحجب الأم أقل من ثلاثة. واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان، لأن التثنية ~~جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع، وذكر المفسرون أن العرب قد تأتي ~~بلفظ الجمع وهي تريد التثنية، كما قال تعالى: وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ms0749 شاهدين [الأنبياء: 78] وكقوله في ~~آية الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا [ص: 21، 22] وكقوله: وأطراف النهار ~~[طه: 130] واحتجوا بهذا كله في أن الإخوة يدخل تحته الأخوان. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآيات كلها لا حجة فيها عندي على هذه الآية، ~~لأنه قد تبين في كل آية منها بالنص أن المراد اثنان، فساغ التجوز بأن يؤتى ~~بلفظ الجمع بعد ذلك، إذ معك في الأولى- يحكمان- وفي الثانية- إن هذا أخي، ~~وأيضا فالحكم قد يضاف إلى الحاكم والخصوم، وقد يتسور مع الخصم غيرهما فهم ~~جماعة، وأما «النهار» في الآية الثالثة فالألف واللام فيه للجنس فإنما أراد ~~طرفي كل يوم وأما إذا ورد لفظ الجمع ولم يقترن به ما يبين المراد فإنما ~~يحمل على الجمع، ولا يحمل على التثنية، لأن اللفظ مالك للمعنى وللبنية حق، ~~وذكر بعض من احتج لقول عبد الله بن عباس: أن بناء التثنية يدل على الجنس ~~والعدد، كبناء الإفراد وبناء الجمع يدل على الجنس ولا يدل على العدد فلا ~~يصح أن يدخل هذا على هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي- «يوصي» - ~~بإسناد الفعل إلى الموروث، إذ قد تقدم له ذكر، وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~وعاصم في رواية أبي بكر، «يوصى» بفتح الصاد ببنية الفعل للمفعول الذي لم ~~يسم فاعله، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، «يوصى» بفتح الصاد وتشديدها، وكل هذا ~~في الموضعين، وقرأ حفص عن عاصم في الأولى بالفتح، وفي الثانية بالكسر، وهذه ~~الآية إنما قصد بها تقديم هذين الفعلين على الميراث، ولم يقصد بها ترتيبهما ~~في أنفسهما، ولذلك تقدمت الوصية في اللفظ، والدين مقدم على الوصية بإجماع، ~~والذي أقول في هذا: إنه قدم الوصية إذ هي أقل لزوما من الدين، اهتماما بها ~~وندبا إليها، كما قال تعالى: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة [الكهف: 49] وأيضا ~~قدمها من جهة أنها مضمنها الوصية التي هي كاللازم يكون لكل ميت، إذ قد حض ~~الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا ~~بد منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحيانا، ms0750 ويقوي هذا كون العطف ب أو، ولو كان ~~الدين راتبا لكان العطف بالواو، وقدمت الوصية أيضا إذ هي حظ مساكين وضعاف ~~وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة، وهو صاحب حق له فيه، كما قال عليه ~~السلام إن لصاحب الحق مقالا وأجمع العلماء على أن ليس لأحد أن يوصي بأكثر ~~من الثلث، واستحب كثير منهم أن لا يبلغ الثلث، وأن يغض الناس إلى الربع. PageV02P017 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 12] # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) # آباؤكم وأبناؤكم رفع الابتداء، والخبر مضمر تقديره: هم المقسوم عليهم، ~~وهم المعطون، وهذا عرض للحكمة في ذلك، وتأنيس للعرب الذين كانوا يورثون على ~~غير هذه الصفة، ولا تدرون عامل في الجملة بالمعنى ومعلق عن العمل في اللفظ ~~بحسب المعمول فيه، إذ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ونفعا، قال مجاهد ~~والسدي وابن سيرين: معناه في الدنيا، أي إذا اضطر إلى إنفاقهم للحاجة، نحا ~~إليه الزجاج، وقد ينفقون دون اضطرار، وقال ابن عباس والحسن، في الآخرة، أي ~~بشفاعة الفاضل للمفضول، وقال ابن زيد: فيهما، واللفظ يقتضي ذلك، وفريضة نصب ~~على المصدر المؤكد، إذ معنى يوصيكم يفرض عليكم، وقال مكي وغيره: هي حال ~~مؤكدة، وذلك ضعيف، والعامل يوصيكم، وكان هي الناقصة، قال سيبويه لما رأوا ~~علما وحكمة قيل لهم: إن الله لم يزل هكذا وصيغة- كان- لا تعطي إلا المضي، ~~ومن المعنى بعد يعلم أن الله تعالى كان كذلك، وهو ويكون، لا من لفظ الآية، ~~وقال ms0751 قوم: # كان بمعنى وجد ووقع، وعليما، حال، وفي هذا ضعف، ومن قال: كان زائدة فقوله ~~خطأ. # وقوله تعالى: ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآية. الخطاب للرجال، والولد ~~هاهنا بنو الصلب وبنو ذكورهم وإن سفلوا، ذكرانا وإناثا، واحدا فما زاد هذا ~~بإجماع من العلماء. # قوله تعالى: # والولد في هذه الآية كما تقدم في الآية التي قبلها، والثمن للزوجة أو ~~للزوجات هن فيه مشتركات بإجماع، ويلحق العول فرض الزوج والزوجة، كما يلحق ~~سائر الفرائض المسماة، إلا عند ابن عباس، فإنه قال: يعطيان فرضهما بغير ~~عول، والكلالة: مأخوذة من تكلل النسب: أي أحاط، لأن الرجل إذا لم يترك ~~والدا ولا ولدا فقد انقطع طرفاه، وبقي أن يرثه من يتكلله نسبه، أي يحيط به ~~من نواحيه كالإكليل، وكالنبات إذا أحاط بالشيء، ومنه: روض مكلل بالزهر، ~~والإكليل منزل القمر يحيط به فيه كواكب، ومن الكلالة قول الشاعر: ~~[المتقارب] PageV02P018 # فإن أبا المرء أحمص له ... ومولى الكلالة لا يغضب # فالأب والابن هما عمودا النسب، وسائر القرابة يكللون، وقال أبو بكر ~~الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس وسليم بن عبيد وقتادة ~~والحكم وابن زيد والزهري وأبو إسحاق السبيعي: # «الكلالة» خلو الميت عن الولد والوالد، وهذا هو الصحيح، وقالت طائفة: هي ~~خلو الميت من الولد فقط، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعن عمر، ثم رجعا عنه، ~~وروي عن ابن عباس، وذلك مستقرا من قوله في الإخوة مع الوالدين: إنهم يحطون ~~الأم ويأخذون ما يحطونها. # قال القاضي أبو محمد: هكذا حكى الطبري. ويلزم على قول ابن عباس إذ ورثهم ~~بأن الفريضة «كلالة» أن يعطيهم الثلث بالنص، وقالت طائفة منهم الحكم بن ~~عتيبة: «الكلالة» الخلو من الوالد، وهذان القولان ضعيفان، لأن من بقي والده ~~أو ولده، فهو موروث بجزم نسب لا بتكلل، وأجمعت الآن الأمة على أن الإخوة لا ~~يرثون مع ابن ولا مع أب، وعلى هذا مضت الأمصار والأعصار، وقرأ جمهور الناس- ~~«يورث» بفتح الراء، وقرأ الأعمش وأبو رجاء- «يورث» - بكسر الراء وتشديدها، ~~قال أبو الفتح بن ms0752 جني: قرأ الحسن «يورث» من أورث، وعيسى «يورث» بشد الراء ~~من ورث، والمفعولان على كلتا القراءتين محذوفان، التقدير: يورث وارثه ماله ~~كلالة، ونصب كلالة على الحال، واختلفوا في «الكلالة» فيما وقعت عليه في هذه ~~الآية، فقال عمر وابن عباس: «الكلالة» الميت الموروث إذا لم يكن له أب، ~~ونصبها على خبر كان، وقال ابن زيد: «الكلالة» الوارثة بجملتها، الميت ~~والأحياء كلهم «كلالة» ، ونصبها على الحال أو على النعت لمصدر محذوف تقديره ~~وراثة «كلالة» ، ويصح على هذا أن تكون كان تامة بمعنى وقع، ويصح أن تكون ~~ناقصة وخبرها يورث وقال عطاء: «الكلالة» المال، ونصب على المفعول الثاني. # قال القاضي أبو محمد: والاشتقاق في معنى الكلالة يفسد تسمية المال بها، ~~وقالت طائفة: الكلالة الورثة، وهذا يستقيم على قراءة «يورث» بكسر الراء، ~~فينصب كلالة على المفعول، واحتج هؤلاء بحديث جابر بن عبد الله، إذ عاده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنما يرثني «كلالة» ~~أفأوصي بمالي كله؟ وحكى بعضهم: أن تكون «الكلالة» الورثة، ونصبها على خبر ~~كان، وذلك بحذف مضاف، تقديره ذا كلالة، ويستقيم سائر التأويلات على كسر ~~الراء، وقوله أو امرأة عطف على الرجل، وقوله تعالى: وله أخ أو أخت الآية، ~~الضمير في له عائد على الرجل، واكتفى بإعادته عليه دون المرأة، إذ المعنى ~~فيهما واحد، والحكم قد ضبطه العطف الأول، وأصل أخت: أخوة، كما أصل بنت: ~~بنية، فضم أول أخت إذ المحذوف منها واو، وكسر أول بنت إذ المحذوف ياء، وهذا ~~الحذف والتعليل على غير قياس، وأجمع العلماء على أن الإخوة في هذه الآية ~~الإخوة لأم، لأن حكمهم منصوص في هذه الآية على صفة، وحكم سائر الإخوة مخالف ~~له، وهو الذي في كلالة آخر السورة، وقرأ سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت ~~لأمه» والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء، وشركتهم في الثلث متساوية وإن ~~كثروا، هذا إجماع، فإن ماتت امرأة وتركت زوجا وأما وإخوة أشقاء، فللزوج ~~النصف، وللأم السدس وما بقي فللإخوة، فإن كانوا لأم فقط، ms0753 فلهم الثلث، فإن ~~تركت الميتة زوجا وأما وأخوين لأم وإخوة لأب وأم، فهذه الحمارية، قال قوم: ~~فيها للإخوة للأم الثلث، ولا شيء للإخوة الأشقاء، كما لو مات رجل وخلف ~~أخوين لأم، وخلف مائة أخ لأب PageV02P019 # وأم، فإنه يعطى الأخوان الثلث، والمائة الثلثين، فيفضلون بالثلث عليهم، ~~وقال قوم: الأم واحدة وهب أباهم كان حمارا، وأشركوا بينهم في الثلث وسموها ~~أيضا المشتركة. # قال القاضي أبو محمد: ولا تستقيم هذه المسألة ان لو كان الميت رجلا، لأنه ~~يبقى للأشقاء، ومتى بقي لهم شيء فليس لهم إلا ما بقي، والثلث للإخوة للأم. # غير مضار نصب على الحال، والعامل يوصى، ووصية نصب على المصدر في موضع ~~الحال، والعامل يوصيكم وقيل: هو نصب على الخروج من قوله: فلكل واحد منهما ~~السدس أو من قوله فهم شركاء في الثلث ويصح أن يعمل مضار في وصية، والمعنى: ~~أن يقع الضرر بها وبسببها، فأوقع عليها تجوزا، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ~~«غير مضار وصية» بالإضافة، كما تقول: # شجاع حرب، ومدره حرب، وبضة المتجرد، في قول طرفة بن العبد، والمعنى على ~~ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى، وقال ابن عباس: الضرار في ~~الوصية من الكبائر، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أبو هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ضار في وصية ألقاه الله تعالى في واد ~~في جهنم. # قال القاضي أبو محمد: ووجوه المضارة كثيرة لا تنحصر، وكلها ممنوعة: يقر ~~بحق ليس عليه، ويوصي بأكثر من ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فرارا عن وارث ~~محتاج، وغير ذلك، ومشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله ~~مضارة ما دام في الثلث، فإن ضار الورثة في ثلثه مضى ذلك، وفي المذهب قوله: ~~إن المضارة ترد وإن كانت في الثلث، إذا علمت بإقرار أو قرينة ويؤيد هذا ~~قوله تعالى: # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم [البقرة: 182] . # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 13 الى 14] # تلك حدود الله ومن يطع الله ms0754 ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) # وقوله: تلك حدود الله الآية تلك إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث، ~~والحد: الحجز المانع لأمر ما أن يدخل على غيره أو يدخل عليه غيره، ومن هذا ~~قولهم للبواب حداد لأنه يمنع، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها عن الزينة، ~~هذا هو الحد في هذه الآية، وقوله: من تحتها يريد من تحت بنائها، وأشجارها ~~الذي من أجله سميت جنة، لأن أنهار الجنة إنما هي على وجه أرضها في غير ~~أخاديد، وحكى الطبري: أن الحدود عند السدي هنا شروط الله، وعند ابن عباس: ~~طاعة الله، وعند بعضهم: سنة الله، وعند بعضهم: فرائض الله، وهذا كله معنى ~~واحد وعبارة مختلفة، وخالدين قال الزجاج: هي حالة PageV02P020 # على التقدير، أي مقدرين خالدين فيها، وجمع خالدين على معنى من بعد أن ~~تقدم الإفراد مراعاة للفظ من، وعكس هذا لا يجوز. # وقوله: ومن يعص الله ورسوله الآية، قرأ نافع وابن عامر «ندخله» بنون ~~العظمة، وقرأ الباقون، يدخله بالياء فيهما جميعا، وهذه آيتا وعد ووعيد، ~~وتقدم الإيجاز في ذلك، ورجى الله تعالى على التزام هذه الحدود في قسمة ~~الميراث، وتوعد على العصيان فيها بحسب إنكار العرب لهذه القسمة، وقد كلم ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن وغيره. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 15 الى 16] # واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) والذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا ~~رحيما (16) # قوله واللاتي: اسم جمع التي، وتجمع أيضا على «اللواتي» ، ويقال: اللائي ~~بالياء، والفاحشة في هذا الموضع: الزنا، وكل معصية فاحشة، لكن الألف واللام ~~هنا للعهد، وقرأ ابن مسعود «بالفاحشة» ببناء الجر وقوله: من نسائكم إضافة ~~في معنى الإسلام، لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب، ولا يلحقها ~~هذا ms0755 الحكم، وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء، ~~تغليظا على المدعي وسترا على العباد، وقال قوم: ذلك ليترتب شاهدان على كل ~~واحد من الزانيين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وكانت هذه أول عقوبات الزناة- الإمساك ~~في البيوت، قال عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد: حتى نسخ بالأذى الذي بعده، ~~ثم نسخ ذلك بآية النور وبالرجم في الثيب، وقالت فرقة: بل كان الأذى هو ~~الأول، ثم نسخ بالإمساك ولكن التلاوة أخرت وقدمت، ذكره ابن فورك، وسبيلا ~~معناه مخرجا بأمر من أوامر الشرع، وروى حطان بن عبد الله الرقاشي عن عمران ~~بن حصين، أنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه الوحي، ثم ~~أقلع عنه ووجهه محمر، فقال: قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. # والذان- تثنية الذي، وكان القياس أن يقال: اللذيان كرحيان المتمكنة وبين ~~الأسماء المبهمات. قال أبو علي: حذفت الياء تخفيفا إذ قد أمن من اللبس في ~~اللذان، لأن النون لا تنحذف ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع ~~الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين، ~~وقرأ ابن كثير «اللذان» بشد النون، وتلك عوض من الياء المحذوفة، وكذلك قرأ ~~هذان، وفذانك، وهاتين، بالتشديد في جميعها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ~~وحمزة والكسائي بتخفيف جميع ذلك، وشدد أبو عمرو، «فذانك» وحدها ولم يشدد ~~غيرها، والذان رفع بالابتداء، وقيل على معنى: فيما يتلى PageV02P021 # عليكم «اللذان» ، واختلف في الأذى، فقال عبادة والسدي: هو التعيير ~~والتوبيخ وقالت فرقة: هو السب والجفاء دون تعيير، وقال ابن عباس: هو النيل ~~باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، قال مجاهد وغيره: # الآية الأولى في النساء عامة لهن، محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في ~~الرجال، وبين بلفظ التثنية صنفي الرجال ممن أحصن وممن لم يحصن، فعقوبة ~~النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص ~~الكلام أصناف الزناة عليه، ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى من ms0756 نسائكم ~~وقوله في الثانية منكم، وقال السدي وقتادة وغير هما: الآية الأولى في ~~النساء المحصنات، يريد ويدخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والآية ~~الثانية هي في الرجل والمرأة البكرين. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا القول تام، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه، ~~وقد رجحه الطبري، وقرأ ابن مسعود «والذين يفعلونه منكم» وأجمع العلماء على ~~أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور، قاله الحسن ومجاهد ~~وغيرهما، إلا من قال: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان ~~بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وآية الجلد عامة في ~~الزناة محصنهم وغير محصنهم، وكذلك عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث حطان بن عبد الله الرقاشي الذي ذكرته آنفا، وإن كان في صحيح مسلم فهو ~~خبر آحاد، ثم ورد بالخبر المتواتر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ~~ولم يجلد، فمن قال: إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، جعل رجم الرسول دون ~~جلد ناسخا لجلد الثيب، وهذا الذي عليه الأئمة: أن السنة المتواترة تنسخ ~~القرآن، إذ هما جميعا وحي من الله، ويوجبان جميعا العلم والعمل، وإنما ~~اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، وصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في خبر ماعز، وفي حديث المرأة التي بعث إليها أنيس، ومن قال إن السنة ~~المتواترة لا تنسخ القرآن، قال: إنما يكون حكم القرآن موقفا، ثم تأتي السنة ~~مستأنفة من غير أن تتناول نسخا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تخيل لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع بحكمها ~~ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ، ولا يرد ذلك نظر، ولا ينخرم منه أصل، ~~أما أن هذه النازلة بعينها يتوجه عندي أن يقال فيها: إن الناسخ لحكم الجلد ~~هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه، في قوله تعالى: الشيخ والشيخة- ~~إذا زنيا- فارجموهما البتة، وهذا نص في الرجم، وقد قرره عمر على المنبر ~~بمحضر الصحابة، وذكر أنهم قرأوه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ms0757 والحديث ~~بكماله في مسلم وأيضا فيعضد أن ذلك من القرآن قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذي قال له: فاقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لأقضين بينكما بكتاب الله، ثم أمر أنيسا برجم المرأة إن هي ~~اعترفت، فدل هذا الظاهر على أن الرجم كان في القرآن، وأجمعت الأمة على رفع ~~لفظة، وهاتان الآيتان أعني الجلد والرجم لو لم يقع بيان من الرسول لم يجب ~~أن تنسخ إحداهما الأخرى، إذ يسوغ اجتماعهما على شخص واحد، وحديث عبادة ~~المتقدم يقوي جميعهما، وقد أخذ به علي رضي الله عنه في شراحة جلدها ثم ~~رجمها، وقال: أجلدها بكتاب الله وأرجمها بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه، ولكن لما بين الرسول برجمه دون جلد ~~كان فعله بمثابة قوله مع هذه الآية: فقوا ولا PageV02P022 # تجلدوا فيكون القرآن هو الناسخ والسنة هي المبينة ويصح أن نعترض من ينسخ ~~بالسنة في هذه النازلة فنقول: الناسخ من شروطه أن يستقل في البيان بنفسه، ~~وإذا لم يستقل فليس بناسخ، وآية الرجم بعد أن يسلم ثبوتها لا تستقل في ~~النسخ بنفسها، بل تنبني مع الجلد وتجتمع، كما تضمن حديث عبادة بن الصامت، ~~لكن إسقاط الرسول الجلد هو الناسخ، لأن فعله في ذلك هو بمنزلة قوله: لا ~~تجلدوا الثيب، وأما البكر فلا خلاف أنه يجلد، واختلف في نفيه، فقال الخلفاء ~~الأربعة وابن عمر ومالك والشافعي وجماعة: لا نفي اليوم، وقالت جماعة: ينفى ~~وقيل: نفيه سجنه، ولا تنفى المرأة ولا العبد، هذا مذهب مالك وجماعة من ~~العلماء، وقوله: فأعرضوا عنهما كانت هذه العقوبة من الإمساك والأذى إرادة ~~أن يتوب الزناة، وهو الرجوع عن الزنا والإصرار عليه، فأمر الله تعالى ~~المؤمنين، إذا تاب الزانيان وأصلحا في سائر أعمالهما أن يكف عنهما الأذى، ~~وجاء الأمر بهذا الكف الذي هو «أعرضوا» وفي قوة اللفظ غض من الزناة وإن ~~تابوا، لأن تركهم إنما هو إعراض، ألا ترى إلى قوله تعالى: وأعرض ms0758 عن ~~الجاهلين [الأعراف: 199] وليس الإعراض في الآيتين أمرا بهجرة، ولكنها ~~متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بحسب المعصية المتقدمة، ويحسب الجهالة في ~~الآية الأخرى، والله تعالى تواب، أي راجع بعباده عن المعاصي إلى تركها ~~ولزوم الطاعة. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 17 الى 18] # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون ~~وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) # إنما حاصرة، وهو مقصد المتكلم بها أبدا، فقد تصادف من المعنى ما يقتضي ~~العقل فيه الحصر، كقوله تعالى: إنما الله إله واحد [النساء: 171] وقد تصادف ~~من المعنى ما لا يقتضي العقل فيه الحصر، كقوله: إنما الشجاع عنترة فيبقى ~~الحصر في مقصد المادح، ويتحصل من ذلك لكل سامع تحقيق هذه الصفة للموصوف ~~بمبالغة، وهذه الآية مما يوجب النظر فيها أنها حاصرة، وهي في عرف الشرع: # الرجوع من شر إلى خير، وحد التوبة: الندم على فارط فعل، من حيث هو معصية ~~الله عز وجل، وإن كان الندم من حيث أضر ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس ~~بتوبة، فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم فعله في المستأنف فمن شروط ~~التوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف، وإلا فثم إصرار لا توبة معه، ~~وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه، مثل أن يتوب من الزنا فيجب بأثر ذلك ونحو ذلك، ~~فهذا لا يحتاج إلى شرط العزم على الترك، والتوبة فرض على المؤمنين بإجماع ~~الأمة، والإجماع هي القرينة التي حمل بها قوله تعالى: وتوبوا إلى الله ~~جميعا [النور: 31] على الوجوب، وتصح التوبة من ذنب من الإقامة على غيره من ~~غير نوعه، خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائبا من أقام على ذنب، PageV02P023 # وتصح التوبة وإن نقضها التائب في ثاني حال بمعاودة الذنب، فإن التوبة ~~الأولى طاعة قد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد موافقة الذنب إلى ms0759 توبة أخرى ~~مستأنفة، والإيمان للكافر ليس نفس توبته، وإنما توبته ندمه على سالف كفره، ~~وقوله تعالى: على الله فيه حذف مضاف تقديره: على فضل الله ورحمته لعباده، ~~وهذا نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: يا معاذ أتدري ما حق ~~الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا، ثم سكت قليلا، ثم قال: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله؟ قال ~~الله ورسوله أعلم، قال: أن يدخلهم الجنة، فهذا كله إنما معناه: ما حقهم على ~~فضل الله ورحمته، والعقيدة: أنه لا يجب على الله تعالى شيء عقلا، لكن ~~إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا، فمن ~~ذلك تخليد الكفار في النار، ومن ذلك قبول إيمان الكافر، والتوبة لا يجب ~~قبولها على الله تعالى عقلا، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب، قال أبو ~~المعالي وغيره: فهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن لا قطعا على الله بقبول ~~التوبة. # قال القاضي أبو محمد: وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى، فإذا ~~فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط، فقول أبي المعالي يغلب على الظن ~~قبول توبته، وقال غيره: يقطع على الله تعالى بقبول توبته، كما أخبر عن نفسه ~~عز وجل. # قال القاضي أبو محمد: وكان أبي رحمة الله عليه يميل إلى هذا القول ~~ويرجحه، وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب ~~المفروض معنى قوله تعالى: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده [الشورى: 25] ~~وقوله: وإني لغفار لمن تاب وآمن [طه: 82] والسوء في هذه الآية يعم الكفر ~~والمعاصي، وقوله تعالى: بجهالة معناه: بسفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية، ~~وليس المعنى أن تكون «الجهالة» ان ذلك الفعل معصية، لأن المتعمد للذنوب كان ~~يخرج من التوبة، وهذا فاسد إجماعا، وبما ذكرته في «الجهالة» قال أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك عنهم أبو العالية، وقال قتادة: اجتمع ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ms0760 على أن كل معصية فهي بجهالة، عمدا كانت أو ~~جهلا، وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي، وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا: ~~«الجهالة» هنا العمد، وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها «جهالة» . # قال القاضي أبو محمد: يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله، وهذا المعنى ~~عندي جار مع قوله تعالى: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو [محمد: 36، الحديد: ~~20] وقد تأول قوم قول عكرمة بأنه للذين يعملون السوء في الدنيا. # قال القاضي أبو محمد: فكأن «الجهالة» اسم للحياة الدنيا، وهذا عندي ضعيف، ~~وقيل بجهالة، أي لا يعلم كنه العقوبة، وهذا أيضا ضعيف، ذكره ابن فورك ورد ~~عليه، واختلف المتأولون في قوله تعالى: # من قريب فقال ابن عباس والسدي: معنى ذلك قبل المرض والموت، وقال أبو مجلز ~~ومحمد بن قيس والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم: معنى ذلك قبل المعاينة ~~للملائكة والسوق، وأن يغلب المرء على نفسه، وروى أبو قلابة، أن الله تعالى ~~لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف، ثم جرى له ما جرى ولعن وأنظر، PageV02P024 # قال: وعزتك لا برحت من قلبه ما دام فيه الروح، فقال الله تعالى: وعزتي لا ~~أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح. # قال القاضي أبو محمد: فابن عباس رضي الله عنه ذكر أحسن أوقات التوبة، ~~والجمهور حددوا آخر وقتها، وقال إبراهيم النخعي: كان يقال: التوبة مبسوطة ~~لأحدكم ما لم يؤخذ بكظمه، وروى بشير بن كعب والحسن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله. # قال القاضي أبو محمد: لأن الرجاء فيه باق ويصح منه الندم والعزم على ترك ~~الفعل في المستأنف، فإذا غلب تعذرت التوبة لعدم الندم والعزم على الترك، ~~وقوله تعالى: من قريب إنما معناه: «من قريب» إلى وقت الذنب، ومدة الحياة ~~كلها قريب، والمبادر في الصحة أفضل، والحق لأمله من العمل الصالح، والبعد ~~كل البعد الموت، ومنه قول مالك بن الريب: [الطويل] وأين مكان البعد إلا ~~مكانيا وقوله تعالى: وكان الله عليما حكيما أي بمن يتوب ms0761 وييسره هو للتوبة ~~حكيما فيما ينفذه من ذلك، وفي تأخير من يؤخر حتى يهلك. # ثم نفى بقوله تعالى: وليست التوبة الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره ~~موته وصار في حيز اليأس، وحضور الموت هو غاية قربه، كما كان فرعون حين صار ~~في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان، وبهذا قال ابن عباس ~~وابن زيد وجماعة المفسرين، وقال الربيع: الآية الأولى قوله: # إنما التوبة على الله هي في المؤمنين، والآية الثانية قوله: وليست التوبة ~~الآية نزلت في المسلمين ثم نسخت بقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48، 116] فحتم أن لا يغفر للكافر وأرجأ ~~المؤمنين إلى مشيئته لم ييئسهم من المغفرة. # قال القاضي أبو محمد: وطعن بعض الناس في هذا القول بأن خبر، والأخبار لا ~~تنسخ. وهذا غير لازم، لأن الآية لفظها الخبر، ومعناه تقرير حكم شرعي، فهي ~~نحو قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [البقرة: ~~284] ونحو قوله تعالى: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين [سورة ~~الأنفال: 65] وإنما يضعف القول بالنسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى ~~تقرير نسخ، لأن هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الذي لم يتب من قريب، ~~فنحتاج أن نقول، إن قوله: ويغفر ما دون ذلك [النساء: 48، 116] نسخها وإنما ~~نفت هذه الآية أن يكون تائبا من لم يتب إلا مع حضور الموت، فالعقيدة عندي ~~في هذه الآيات: أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم ~~ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعا، ~~لإخبار الله تعالى بذلك، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة ~~بالمشيئة، ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين، فإن كان كافرا ~~فهو يخلد، وإن كان مؤمنا فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوي ~~الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من ms0762 يغفر الله له ~~تعالى تفضلا منه ولا يعذبه. # وأعلم الله تعالى أيضا أن الذين يموتون وهم كفار فلا مستعتب لهم ولا توبة ~~في الآخرة، وقوله تعالى: PageV02P025 # أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون وهم كفار ~~فقط، فالعذاب عذاب خلود، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد، ~~ممن لا يتوب إلا مع حضور الموت من العصاة فهو في جهة هؤلاء، عذاب ولا خلود ~~معه، وأعتدنا معناه: يسرناه وأحضرناه، وظاهر هذه الآية أن النار مخلوقة ~~بعد. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 19] # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) # اختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ~~فقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ~~من أهلها، إن شاؤوا تزوجها أحدهم، وإن شاؤوا زوجوها من غيرهم، وإن شاؤوا ~~منعوها الزواج، فنزلت الآية في ذلك، قال أبو إمامة بن سهل بن حنيف: # لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في ~~الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، ذكر النقاش: أن اسم ولد أبي قيس محصن. # قال القاضي أبو محمد: كانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش ~~مباحة مع التراضي، ألا ترى أن أبا عمرو بن أمية، خلف على امرأة أبيه بعد ~~موته، فولدت من أبي عمرو مسافرا وأبا معيط وكان لها من أمية أبو العيص ~~وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما، وقال بمثل هذا القول ~~الذي حكيت عن ابن عباس عكرمة والحسن البصري وأبو مجلز، قال عكرمة: نزلت في ~~كبيشة بنت معن الأنصارية، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، وقال مجاهد: كان ~~الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن ولدها، وقال السدي: كان ولي الميت ~~إذا سبق فألقى على ms0763 امرأة الميت ثوبه، فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى ~~أهلها كانت أحق بنفسها. # قال القاضي أبو محمد: والروايات في هذا كثيرة بحسب السير الجاهلية، ولا ~~منفعة في ذكر جميع ذلك، إذ قد أذهبه الله بقوله: لا يحل لكم ومعنى الآية ~~على هذا القول: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء كالمال، يورثن عن الرجال ~~الموتى، كما يورث المال، والمتلبس بالخطاب أولياء الموتى، وقال بعض ~~المتأولين: معنى الآية: لا يحل لكم عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن ~~وإمساكهن دون تزويج حتى يمتن فتورث أموالهن. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي، وروي نحو هذا ~~عن ابن عباس وغيره، والمتلبس بالخطاب أولياء النساء وأزواجهن، إذا حبسوهن ~~مع سوء العشرة طماعية أن يرثها، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير: «كرها» ~~بفتح الكاف حيث وقع في النساء وسورة التوبة وفي الأحقاف، وقرأ PageV02P026 # حمزة والكسائي جميع ذلك بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في النساء ~~والتوبة بفتح الكاف، وفي الأحقاف في الموضعين بضمها، والكره والكره لغتان ~~كالضعف والضعف، والفقر والفقر، قاله أبو علي، وقال الفراء: هو بضم الكاف ~~المشقة وبفتحها إكراه غير، وقاله ابن قتيبة، واختلف المفسرون في معنى قوله ~~تعالى: ولا تعضلوهن الآية، فقال ابن عباس وغيره: هي أيضا في أولئك الأولياء ~~الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة، ويمسكونها ~~حتى تموت إذا كانت دميمة، وقال نحوه الحسن وعكرمة. # قال القاضي أبو محمد: ويجيء في قوله: آتيتموهن خلط أي ما آتاها الرجال ~~قبل، فهي كقوله: # فاقتلوا أنفسكم [البقرة: 54] وغير ذلك وقال ابن عباس أيضا: هي في ~~الأزواج، في الرجل يمسك المرأة ويسيء عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل ~~له، وقال مثله قتادة، وقال ابن البيلماني: الفصل الأول من الآية هو في أمر ~~الجاهلية، والثاني في العضل، هو في أهل الإسلام في حبس الزوجة ضرارا ~~للفدية، وقال ابن مسعود: معنى الآية: لا ترثوا النساء كفعل الجاهلية، ولا ~~تعضلوهن في الإسلام، وقال نحو هذا القول السدي والضحاك، وقال ms0764 السدي: هذه ~~الآية خطاب للأولياء، كالعضل المنهي عنه في سورة البقرة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يقلق، إلا أن يكون العضل من ولي وارث، فهو ~~يؤمل موتها، وإن كان غير وارث فبأي شيء يذهب؟، وقال ابن زيد: هذا العضل ~~المنهي عنه في هذه الآية هو من سير الجاهلية في قريش بمكة، إذا لم يتوافق ~~الزوجان طلقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت فإن ~~أعطته ورشته وإلا عضل، ففي هذا نزلت الآية. # قال القاضي أبو محمد: والذي أقول: إن العضل في اللغة الحبس في شدة ومضرة، ~~والمنع من الفرج في ذلك فمن ذلك قولهم: أعضلت الدجاجة وعضلت إذا صعب عليها ~~وضع البيضة، ومنه أعضل الداء إذا لحج ولم يبرأ، ومنه داء عضال. ومشى عرف ~~الفقهاء على أن العضل من الأولياء في حبس النساء عن التزويج، وهو في اللغة ~~أعم من هذا حسبما ذكرت، يقع من ولي ومن زوج، وأقوى ما في هذه الأقوال ~~المتقدمة، أن المراد الأزواج، ودليل ذلك قوله: إلا أن يأتين بفاحشة وإذا ~~أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك ~~للزوج على ما سنبين بعد إن شاء الله، وكذلك قوله: وعاشروهن بالمعروف إلى ~~آخر الآية يظهر منه تقوية ما ذكرته، وإن حان ذلك يحتمل أن يكون أمرا منقطعا ~~من الأول يخص به الأزواج. وأما العضل فمنهي عنه كل من يتصور في نازلة ~~عاضلا، ومتى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها ولم ~~يلتفت، إلا الأب في بناته، فإنه إن كان في أمره إشكال فلا يعترض قولا ~~واحدا، وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك: أحدهما أنه كسائر الأولياء: ~~يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه، والقول الآخر إنه لا يعرض له، ~~ويحتمل قوله: # ولا تعضلوهن أن يكون جزما، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من ~~الأولى، ويحتمل أن يكون تعضلوهن نصبا عطفا على ترثوا فتكون الواو مشركة ~~عاطفة فعل على فعل، وقرأ ابن ms0765 مسعود: «ولا أن تعضلوهن» . فهذه القراءة تقوي ~~احتمال النصب، وأن العضل مما لا يحل بالنص، وعلى تأويل الجزم PageV02P027 # هو نهي معرض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهية، واحتمال النصب أقوى، ~~واختلف الناس في معنى الفاحشة هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن: هو الزنا، ~~وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه، ~~وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى ~~تفتدي منه، وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن، وقال عطاء الخراساني: ~~كان هذا الحكم ثم نسخ بالحدود، وهذا قول ضعيف، وقال ابن عباس رحمه الله: ~~«الفاحشة» في هذه الآية البغض والنشوز، وقاله الضحاك وغيره، قالوا: فإذا ~~نشزت حل له أن يأخذ مالها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو مذهب مالك، إلا أني لا أحفظ له نصا في معنى ~~«الفاحشة» في هذه الآية، وقال قوم: «الفاحشة» البذاء باللسان وسوء العشرة ~~قولا وفعلا، وهذا في معنى النشوز، ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من ~~الناشز على جهة الخلع، إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله ~~تعالى: لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن وقال مالك وأصحابه وجماعة من أهل العلم: ~~للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. # قال القاضي أبو محمد: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك ~~فاحشة تحل أخذ المال، وقرأ ابن مسعود: «إلا أن يفحشن وعاشروهن» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا خلاف مفرط لمصحف الإمام، وكذلك ذكر أبو عمرو ~~عن ابن عباس وعكرمة وأبي بن كعب، وفي هذا نظر، وقرأ ابن كثير وعاصم في ~~رواية أبي بكر «مبينة» و «آيات مبينات» بفتح الياء فيهما، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي وحفص والمفضل عن عاصم: «مبينة» ، و «مبينات» - بكسر الياء ~~فيهما، وقرأ نافع وأبو عمرو: «مبينة» بالكسر، و «مبينات» بالفتح- وقرأ ابن ~~عباس: «بفاحشة مبينة» بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، وهذه ~~القراءات كلها لغات فصيحة، يقال: بين الشيء وأبان: إذا ظهر، وبان الشيء ~~وبينته، ms0766 وقوله تعالى: وعاشروهن بالمعروف أمر للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجا ~~كان أو وليا، ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج، والعشرة المخالطة ~~والممازجة، ومنه قول طرفة: [الرمل] # فلئن شطت نواها مرة ... لعلى عهد حبيب معتشر # جعل- الحبيب- جمعا كالخليط والفريق، يقال: عاشره معاشرة، وتعاشر القوم ~~واعتشروا، وأرى اللفظة من أعشار الجزور، لأنها مقاسمة ومخالطة ومخالقة ~~جميلة، فأمر الله تعالى الرجال بحسن صحبة النساء، وإلى هذا ينظر قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: فاستمتع بها وفيها عوج، ثم أدب تعالى عباده بقوله: فإن ~~كرهتموهن إلى آخر الآية، قال السدي: الخير الكثير في المرأة الولد، وقال ~~نحوه ابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: ومن فصاحة القرآن العموم الذي في لفظة شيء لأنه ~~يطرد هذا النظر في كل ما يكرهه المرء مما يجمل الصبر عليه، فيحسن الصبر، إذ ~~عاقبته إلى خير، إذا أريد به وجه الله. PageV02P028 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 20 الى 21] # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) # لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ ~~المال منها، عقب ذلك ذكر الفراق الذي سببه الزوج، والمنع من أخذ مالها مع ~~ذلك، فهذا الذي في هذه الآية هو الذي يختص الزوج بإرادته، واختلف العلماء، ~~إذا كان الزوجان يريدان الفراق، وكان منهما نشوز وسوء عشرة، فقال مالك رحمه ~~الله: للزوج أن يأخذ منها إذا سببت الفراق، ولا يراعى تسبيبه هو، وقالت ~~جماعة من العلماء: # لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وبظلمه في ذلك، وقال بعض ~~الناس: يخرج في هذه الآية جواز المغالاة بالمهور، لأن الله تعالى قد مثل ~~بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح، وخطب عمر بن الخطاب فقال: ألا لا تغالوا ~~بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: # تجشمت إليك علق القربة أو عرق القربة، فيروى ms0767 أن امرأة كلمته من وراء ~~الناس فقالت، كيف هذا؟ والله تعالى يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا قال: فأطرق ~~عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، ويروى أنه قال: امرأة أصابت ورجل ~~أخطأ، والله المستعان، وترك الإنكار، وقال قوم: لا تعطي الآية جواز ~~المغالاة بالمهور لأن التمثيل جاء على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا ~~القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله عليه السلام، من بنى لله مسجدا ~~ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص، ~~وقد قال النبي عليه السلام لابن أبي حدرد- وقد جاء يستعينه في مهره- فسأله ~~عن المهر، فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل، الحديث- فاستقرأ بعض ~~الناس من هذا منع المغالاة بالمهور. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يلزم، لأن هذا أحوج نفسه إلى الاستعانة ~~والسؤال، وذلك مكروه باتفاق، وإنما المغالاة المختلف فيها مع الغنى وسعة ~~المال، وقرأ ابن محيصن بوصل ألف «إحداهن» ، وهي لغة تحذف على جهة التخفيف. ~~ومنه قول الشاعر: [الطويل] ونسمع من تحت العجاج لها زملا وقول الآخر: ~~[الكامل] إن لم أقاتل فالبسوني برقعا وقد تقدم القول في قدر القنطار في ~~سورة آل عمران، وقرأ أبو السمال «منه شيئا» بفتح الياء والتنوين، وهي قراءة ~~أبي جعفر، والبهتان: مصدر في موضع الحال، ومعناه: محيرا لشنعته وقبح ~~الأحدوثة والفعلة فيه. PageV02P029 # ثم وعظ تعالى عباده مذكرا لهم بالمودة التي بين الزوجين الموجبة لحياطة ~~مال المرأة، إذ قد أخذ منها العوض عما أعطيته، وكيف في موضع نصب على الحال ~~وأفضى معناه: باشر وجاوز أقصى المجاوزة ومنه قول الشاعر: [الطويل] # بلى وثأى أفضى إلى كل كثبة ... بدا سيرها من ظاهر بعد باطن # وفي مثل الناس، فوضى فضا، أي مختلطون يباشر أمر بعضهم بعضا وتقول أفضت ~~الحال إلى كذا أي صارت إليه، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الإفضاء ~~في هذه الآية الجماع، قال ابن عباس: ولكن الله كريم يكني، ms0768 واختلف الناس في ~~المراد بالميثاق الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي ~~وغيرهم: هو قوله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [البقرة: 229] وقال ~~مجاهد وابن زيد: الميثاق الغليظ عقدة النكاح، وقول الرجل: نكحت وملكت ~~النكاح ونحوه، فهذه التي بها تستحل الفروج، وقال عكرمة والربيع: الميثاق ~~الغليظ يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن ~~عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلام الله، وقال قوم: # الميثاق الغليظ الولد، ومن شاذ الأقوال في هذه الآية، أن بكر بن عبد الله ~~المزني قال: لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليل ولا كثير، وإن كانت هي ~~المريدة للطلاق، ومنها أن ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ~~[البقرة: 229] . # قال القاضي أبو محمد: وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ~~ينبني بعضها مع بعض. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 22 الى 23] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا (22) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) # هذه الآية مخاطبة للمؤمنين من العرب في مدة نزول الآية ومعنى الآية: ~~والتحريم الذي بعدها مستقر على المؤمنين أجمع، وسبب الآية: أن العرب كان ~~منهم قبائل قد اعتادت أن يخلف الرجل على امرأة أبيه، على ما ذكرناه من أمر ~~أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، ومن ذلك خبر أبي قيس بن الأسلت، ومن ذلك ~~صفوان بن أمية بن خلف، تزوج بعد أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، ~~وكانت امرأة أبيه قتل عنها، ومن ذلك منظور بن ms0769 زيان، خلف على مليكة بنت ~~خارجة، وكانت عند أبيه زيان بن سيار، إلى كثير من هذا، وقد كان في العرب من ~~تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة، تمجس وفعل هذه الفعلة، ذكر ذلك PageV02P030 # النضر بن شميل في كتاب المثالب، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم ~~من هذه السير، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم، إلا امرأة ~~الأب والجمع بين الأختين، فنزلت هذه الآية في ذلك، واختلف المتأولون في ~~مقتضى ألفاظ الآية، فقالت فرقة: قوله: ما نكح يراد به النساء. أي لا تنكحوا ~~النساء اللواتي نكح آباؤكم، وقوله: إلا ما قد سلف معناه: لكن ما قد سلف ~~فدعوه، وقال بعضهم المعنى لكن ما قد سلف فهو معفو عنكم لمن كان واقعه، ~~فكأنه قال تعالى ولا تفعلوا حاشا ما قد سلف، ف ما على هذا القول واقعة على ~~من يعقل من حيث هؤلاء النساء صنف من أصناف من يعقل، وما تقع للأصناف ~~والأوصاف ممن يعقل، وقالت فرقة: قوله: ما نكح يراد به فعل الآباء، أي لا ~~تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة، وقوله: إلا ما قد سلف معناه إلا ~~ما تقدم منكم ووقع من تلك العقود الفاسدة فمباحة لكم الإقامة عليه في ~~الإسلام، إذا كان مما يقرر الإسلام عليه من جهة القرابة، ويجوزه الشرع أن ~~لو ابتدئ نكاحه في الإسلام على سنته، وقيل: معنى إلا ما قد سلف أي فهو معفو ~~عنكم. # قال القاضي أبو محمد: وما على هذا مصدرية، وفي قراءة أبي بن كعب «إلا ما ~~قد سلف إلا من تاب» . # قال القاضي أبو محمد: وكذلك حكاه أبو عمرو الداني، وقال ابن زيد: معنى ~~الآية: النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، «إلا ما قد سلف» من ~~الآباء في الجاهلية من الزنا، لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم زواجهم ~~في الإسلام، لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتا، قال ابن زيد: فزاد في هذه ~~الآية المقت، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل هذه ms0770 الآية: كل امرأة ~~تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام وكان في هذه الآية ~~تقتضي الماضي والمستقبل، وقال المبرد: هي زائدة، وذلك خطأ يرد عليه وجود ~~الخبر منصوبا، والمقت: البغض والاحتقار بسبب رذيلة يفعلها الممقوت، فسمى ~~تعالى هذا النكاح مقتا إذ هو ذا مقت يلحق فاعله، وقال أبو عبيدة وغيره: ~~كانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوج الوالد المقتي، وقوله: وساء سبيلا ~~أي بئس الطريق والمنهج لمن يسلكه، إذ عاقبته إلى عذاب الله. # وقوله تعالى: حرمت عليكم الآية، حكم حرم الله به سبعا من النسب، وستا من ~~بين رضاع وصهر، وألحقت السنة المأثورة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة ~~وعمتها، ومضى عليه الإجماع، وروي عن ابن عباس أنه قال: حرم من النسب سبع، ~~ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية، وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار: مثل ذلك، ~~وجعل السابعة قوله تعالى: والمحصنات من النساء [النساء: 24] ، وتحريم ~~الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ويسميه أهل العلم- المبهم- ~~أي لا باب فيه، ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات ~~والأخوات، فالأم كل من ولدت المرء وإن علت والبنت كل من ولدها وإن سفلت، ~~والأخت كل من جمعه وإياها صلب أو بطن، والعمة أخت الأب، والخالة أخت الأم، ~~كذلك فيهما العموم والإبهام، وكذلك عمة الأب وخالته، وعمة الأم وخالتها، ~~وكذلك عمة العمة، وأما خالة العمة فينظر، فإن كانت العمة أخت أب لأم، أو ~~لأب وأم فلا تحل خالة العمة، لأنها أخت الجدة، وإن كانت العمة إنما هي أخت ~~أب لأب فقط فخالتها أجنبية من بني أخيها، تحل للرجال، ويجمع بينها وبين ~~النساء، PageV02P031 # وكذلك عمة الخالة ينظر، فإن كانت الخالة أخت أم لأب، فعمتها حرام، لأنها ~~أخت جد، وإن كانت الخالة أخت أم لأم فقط فعمتها أجنبية من بني أختها، وكذلك ~~في بنات الأخ وبنات الأخت العموم والإبهام، سواء كانت الأخوة شقيقة. أو لأب ~~أو لأم، وقرأ أبو حيوة «من الرضاعة» بكسر الراء، والرضاع يحرم ما ms0771 يحرم ~~النسب، والمرضعة أم، وما تقدم من أولادها وتأخر إخوة، وفحل اللبن أب، وما ~~تقدم من أولاده وتأخر إخوة، وقرأ ابن مسعود «اللاي» بكسر الياء، وقرأ ابن ~~هرمز «وأمهاتكم التي» بالإفراد، كأنه من جهة الإبهام يقع مع الواحد ~~والجماعة، واختلف الناس في تأويل قوله تعالى: وأمهات نسائكم فقال جمهور أهل ~~العلم: هي تامة العموم فيمن دخل بها أو لم يدخل، فبالعقد على الابنة حرمت ~~الأم، وهذا مذهب جملة الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وروي عن علي بن ~~أبي طالب أنه قيل له في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أيتزوج ~~أمها؟ قال: نعم، هي بمنزلة الربيبة. # قال القاضي أبو محمد: يريد أن قوله تعالى: من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~شرط في هذه، وفي الربيبة، وروي نحوه عن ابن عباس، وروي عنه كقول الجمهور، ~~وروي عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن ~~يخلف على أمها، وإن طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل، وقال مجاهد: ~~الدخول مراد في النازلتين، وقول جمهور الناس مخالف لهذا القول، وروي في ذلك ~~عن زيد بن ثابت أنه قال: أمهات نسائكم مبهمة، وإنما الشرط في الربائب، وقال ~~ابن جريج: قلت لعطاء: أكان ابن عباس يقرأ «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن» ~~؟ فقال لا تترأ، قال حجاج: قلت لابن جريج: ما تترأ؟ قال كأنه قال، لا لا، ~~ويرد هذا القول من جهة الإعراب أن المجرورين إذا اختلفا لم يكن نعتهما ~~واحدا، ومعناه: إذا اختلفا في العامل، وهذه الآية قد اختلف فيها جنس ~~العامل. # قوله تعالى: # وربائبكم اللاتي في حجوركم # # الربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي ~~مربوبته. وربيبة: فعيلة بمعنى مفعولة، وقوله تعالى: اللاتي في حجوركم ذكر ~~الأغلب في هذه الأمور، إذ هي حالة الربيبة في الأكثر، وهي محرمة وإن كانت ~~في غير الحجر، لأنها في حكم أنها في الحجر، إلا ما روي عن علي أنه قال: تحل ~~إذا لم تكن في الحجر ms0772 وإن دخل بالأم، إذا كانت بعيدة عنه، ويقال: حجر بكسر ~~الحاء وفتحها، وهو مقدم ثوب الإنسان وما بين يديه منه في حالة اللبس، ثم ~~استعملت اللفظة في الحفظ والستر، لأن اللابس إنما تحفظ طفلا وما أشبهه بذلك ~~الموضع من الثوب، واختلف العلماء في معنى قوله: دخلتم بهن فقال ابن عباس ~~وطاوس وابن دينار: الدخول في هذا الموضع الجماع، فإن طلق الرجل بعد البناء ~~وقبل الوطء، فإن ابنتها له حلال، وقال جمهور من العلماء منهم مالك بن أنس ~~وعطاء بن أبي رباح PageV02P032 # وغيرهم: إن التجريد والتقبيل والمضاجعة وجميع أنواع التلذذ يحرم الابنة ~~كما يحرمها الوطء، والحلائل: # جمع حليلة، وهي الزوجة، لأنها تحل مع الرجل حيث حل، فهي فعلية بمعنى ~~فاعلة، وذهب الزجاج وقوم: إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة، ~~وقوله: الذين من أصلابكم تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس ~~للصلب، وكان عندهم أمرا كثيرا قوي الحكم، قال عطاء ابن أبي رباح: يتحدث- ~~والله أعلم- أنها نزلت في محمد عليه السلام حين تزوج امرأة زيد بن حارثة، ~~فقال المشركون: قد تزوج امرأة ابنه، فنزلت الآية، وحرمت حليلة الابن من ~~الرضاع وإن لم يكن للصلب بالإجماع المستند إلى قوله صلى الله عليه وسلم، ~~يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وقوله تعالى: # وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف لفظ يعم الجمع بنكاح وبملك يمين، ~~وأجمعت الأمة على منع جمعهما بنكاح، وأما بملك يمين، فقال عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، فأما أنا في خاصة نفسي فلا أرى ~~الجمع بينهما حسنا، وروي نحو هذا عن ابن عباس، ذكره ابن المنذر، وذكر أن ~~إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك، ~~وجعل مالكا فيمن كرهه. # قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك، وكذلك الأم ~~وبنتها، ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء، وتستقرأ ~~الكراهية من قول مالك: إنه إذا وطئ واحدة ثم وطئ ms0773 أخرى وقف عنهما حتى يحرم ~~إحداهما فلم يلزمه حدا، واختلف العلماء بعد القول بالمنع من الجمع بينهما ~~بالوطء، إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى، فقال علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: لا ~~يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه، ببيع أو عتق أو ~~بأن يزوجها، قال ابن المنذر: وفيها قول ثان لقتادة، وهو أنه إن كان يطأ ~~واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم ~~يمسك عنها حتى يستبرىء الأولى المحرمة، ثم يغشى الثانية. # قال القاضي أبو محمد: ومذهب مالك رحمه الله، إذا كان أختان عند رجل يملك، ~~فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء ~~الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله، من إخراج عن الملك، ~~أو تزويج، أو عتق إلى أجل، أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على ~~الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم ~~الأخرى، ولم يبق ذلك إلى أمانته، لأنه متهم فيمن قد وطئ، ولم يكن قبل متهما ~~إذ كان لم يطأ إلا الواحدة، وإن كانت عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها، ~~ففيها في المذهب ثلاثة أقوال، في النكاح الثالث من المدونة أنه يوقف عنهما ~~إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهيته لهذا النكاح، إذ هو عقد في ~~موضع لا يجوز فيه الوطء، وذلك مكروه إلا في الحيض، لأنه أمر غالب كثير، وفي ~~الباب بعينه قول آخر: إن النكاح لا ينعقد، وقال أشهب في كتاب الاستبراء: ~~عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة، وثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأجمعت ~~الأمة على ذلك وقد رأى بعض العلماء أن هذا الحديث ناسخ لعموم قوله تعالى: ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم PageV02P033 # [النساء: 24] وذلك ms0774 لأن الحديث من المتواتر، وكذلك قوله عليه السلام، يحرم ~~من الرضاعة ما يحرم من النسب، قيل أيضا إنه ناسخ، وقوله تعالى: إلا ما قد ~~سلف استثناء منقطع، معناه لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام فإن ~~الله يغفره، والإسلام يجبه. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 24] # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) # قوله عز وجل: والمحصنات عطف على المحرمات قبل، والتحصن: التمنع، يقال حصن ~~المكان: إذا امتنع، ومنه الحصن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه من وجوه ~~الامتناع، وأحصنت نفسها، وأحصنها غيرها، والإحصان تستعمله العرب في أربعة ~~أشياء، وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز وجل، فتستعمله في الزواج، ~~لأن ملك الزوجة منعة وحفظ، ويستعملون الإحصان في الحرية لأن الإماء كان ~~عرفهن في الجاهلية الزنا، والحرة بخلاف ذلك، ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة ~~للنبي عليه السلام، حين بايعته، وهل تزني الحرة؟ فالحرية منعة وحفظ، ~~ويستعملون الإحصان في الإسلام لأنه حافظ، ومنه قول النبي عليه السلام ~~«الإيمان قيد الفتك» ومنه قول الهذلي: # فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # ومنه قول الشاعر: # قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام # ومنه قول سحيم: # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ومنه قول أبي حية: # رمتني وستر الله بيني وبينها فإن أحد الأقوال في الستر أنه أراد به ~~الإسلام، ويستعملون الإحصان في العفة، لأنه إذا ارتبط بها إنسان وظهرت على ~~شخص ما وتخلق بها، فهي منعة وحفظ، وحيثما وقعت اللفظة في القرآن فلا تجدها ~~تخرج عن هذه المعاني، لكنها قد تقوى فيها بعض هذه المعاني دون بعض، بحسب ~~موضع وموضع، وسيأتي بيان ذلك في أماكنه إن شاء الله. # فقوله في هذه الآية والمحصنات، قال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ms0775 ومكحول ~~والزهري وأبو PageV02P034 # سعيد الخدري: هن ذوات الأزواج، أي هن محرمات، إلا ما ملكت اليمين بالسبي، ~~من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه، وإن كان لها زوج، وروى أبو ~~سعيد الخدري: أن الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا ~~إلى أوطاس فلقوا عدوا وأصابوا سبيا لهن أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون ~~من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة، وقال عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب ~~والحسن ابن أبي الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس أيضا: معنى ~~المحصنات ذوات الأزواج، فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج، فإن ~~بيعها طلاقها، وهبتها طلاقها والصدقة بها طلاقها، وأن تعتق طلاقها، وأن ~~تورث طلاقها، وتطليق الزوج طلاقها، وقال ابن مسعود: إذا بيعت الأمة ولها ~~زوج فالمشتري أحق ببضعها، ومذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء أن انتقال ~~الملك في الأمة لا يكون طلاقا، ولا طلاق لها إلا الطلاق، وقال قوم: ~~المحصنات في هذه الآية العفائف، أي كل النساء حرام، وألبسهن اسم الإحصان، ~~إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك، إلا ما ملكت أيمانكم قالوا: معناه بنكاح ~~أو شراء، كل ذلك تحت ملك اليمين، قال بهذا القول أبو العالية وعبيدة ~~السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر رضي الله عنه، ~~وقال ابن عباس: المحصنات العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب. # قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا، ~~وأسند الطبري عن عروة أنه قال في تأويل قوله تعالى: والمحصنات: هن الحرائر، ~~ويكون إلا ما ملكت أيمانكم معناه بنكاح، هذا على اتصال الاستثناء، وإن أريد ~~الإماء فيكون الاستثناء منقطعا، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان نساء ~~يأتيننا مهاجرات، ثم يهاجر أزواجهن فمنعناهن بقوله تعالى: والمحصنات الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يرجع إلى ما قد ذكر من الأقوال، وأسند ~~الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية ~~والمحصنات ms0776 من النساء فلم يقل فيها شيئا؟ فقال سعيد: كان ابن عباس لا ~~يعلمها، وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت ~~إليه أكباد الإبل، قوله: والمحصنات إلى قوله: حكيما. # قال القاضي أبو محمد: ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف ~~انتهى مجاهد إلى هذا القول؟ وروي عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية ~~والمحصنات من النساء فقال: يروى أنه حرم في هذه الآية ذوات الأزواج ~~والعفائف من حرائر ومملوكات، ولم يحل شيئا من ذلك إلا بالنكاح أو الشراء ~~والتملك، وهذا قول حسن عمم لفظ الإحسان ولفظ ملك اليمين، وعلى هذا التأويل ~~يتخرج عندي قول مالك في الموطأ، فإنه قال: هن ذوات الأزواج، وذلك راجع إلى ~~أن الله حرم الزنا، ففسر الإحصان بالزواج، ثم عاد عليه بالعفة، وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة، «والمحصنات» بفتح الصاد في كل ~~القرآن، وقرأ الكسائي كذلك في هذا الموضع وحده، وقرأ سائر ما في القرآن ~~المحصنات بكسر الصاد «ومحصنات» كذلك، وروي عن علقمة أنه قرأ جميع ما في ~~القرآن بكسر الصاد، ففتح الصاد هو على معنى أحصنهن غيرهن من زوج أو إسلام ~~أو عفة أو حرية وكسر الصاد هو على معنى أنهن أحصن أنفسهن بهذه الوجوه أو ~~ببعضها، وقرأ يزيد بن قطيب «والمحصنات» بضم الصاد، وهذا على إتباع الضمة ~~الضمة، وقرأ جمهور الناس «كتاب الله» وذلك نصب على المصدر المؤكد، وقرأ أبو ~~حيوة PageV02P035 # ومحمد بن السميفع اليماني «كتب الله عليكم» على الفعل الماضي المسند إلى ~~اسم الله تعالى، وقال عبيدة السلماني وغيره: قوله: كتاب الله عليكم إشارة ~~إلى ما ثبت في القرآن من قوله: مثنى وثلاث ورباع [النساء: 3] وفي هذا بعد، ~~والأظهر أن قوله كتاب الله عليكم إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين ~~الناس وبين ما كانت العرب تفعله، واختلفت عبارة المفسرين في قوله تعالى: ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم فقال السدي: المعنى وأحل لكم ما دون الخمس، أن ms0777 ~~تبتغوا بأموالكم، على وجه النكاح، وقال نحوه عبيدة السلماني، وقال عطاء ~~وغيره: المعنى «وأحل لكم ما وراء» من حرم من سائر القرابة، فهن حلال لكم ~~تزويجهن، وقال قتادة: المعنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم من الإماء. # قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يعم جميع هذه الأقوال، وقرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو وابن عامر «وأحل لكم» بفتح الألف والحاء، وهذه مناسبة ~~لقوله كتاب الله إذ المعنى كتب الله ذلك كتابا، وقرأ حمزة والكسائي «وأحل» ~~بضم الهمزة وكسر الحاء وهذه مناسبة لقوله: حرمت عليكم والوراء في هذه الآية ~~ما يعتبر أمره بعد اعتبار المحرمات، فهن وراء أولئك بهذا الوجه، وأن تبتغوا ~~بأموالكم، لفظ يجمع التزوج والشراء وأن في موضع نصب، وعلى قراءة حمزة في ~~موضع رفع، ويحتمل النصب بإسقاط الباء، ومحصنين، معناه متعففين أي تحصنون ~~أنفسكم بذلك غير مسافحين، أي غير زناة، والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح ~~الماء أي صبه وسيلانه، ولزم هذا الاسم الزنا ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين سمع الدفاف في عرس: هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر، واختلف ~~المفسرون في معنى قوله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة فقال ابن ~~عباس ومجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع ~~الوطء ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر، وهو المهر كله، ولفظة فما تعطي أن ~~بيسير الوطء يجب إيتاء الأجر، وروي عن ابن عباس أيضا ومجاهد والسدي وغيرهم: ~~أن الآية في نكاح المتعة، وقرأ ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير، «فما ~~استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن» وقال ابن عباس لأبي نضرة: ~~هكذا أنزلها الله عز وجل، وروى الحكم بن عتيبة، أن عليا رضي الله عنه قال: ~~لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي، وقد كانت المتعة في صدر ~~الإسلام، ثم نهى عنها النبي عليه السلام، وقال ابن المسيب: نسختها آية ~~الميراث، إذ كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل قول الله تعالى: يا أيها ~~النبي ms0778 إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] وقالت عائشة: نسخها ~~قوله: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ولا زوجية مع الأجل ورفع ~~الطلاق، والعدة، والميراث، وكانت: أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن ~~الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما اتفقا عليه، فإذا ~~انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وتستبرئ رحمها لأن الولد لاحق فيه بلا شك، ~~فإن لم تحمل حلت لغيره. # قال القاضي أبو محمد: وفي كتاب النحاس: في هذا خطأ فاحش في اللفظ، يوهم ~~أن الولد لا يلحق في نكاح المتعة، وحكى المهدوي عن ابن المسيب: أن نكاح ~~المتعة كان بلا ولي ولا شهود، وفيما حكاه ضعف، وفريضة نصب على المصدر في ~~موضع الحال، واختلف المفسرون في معنى قوله: ولا جناح عليكم الآية، فقال ~~القائلون بأن الآية المتقدمة أمر بإيتاء مهور النساء إذا دخل بهن: إن هذه ~~إشارة PageV02P036 # إلى ما يتراضى به من حط أو تأخير بعد استقرار الفريضة، فإن ذلك الذي يكون ~~على وجه الرضا جائز ماض، وقال القائلون بأن الآية المتقدمة هي أمر المتعة: ~~إن الإشارة بهذه إلى أن ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة وزيادة في ~~الأجر جائز سائغ، وباقي الآية بين قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 25] # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) # قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك بن أنس في ~~المدونة، الطول هنا السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي: الطول هنا ~~الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، ~~فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة في المال ms0779 لنكاح ~~حرة، ثم يكون قوله تعالى: لمن خشي العنت على هذا التأويل بيانا في صفة عدم ~~الجلد، وعلى التأويل الآخر يكون تزوج الأمة معلقا بشرطين: عدم السعة في ~~المال وخوف العنت، فلا يصح إلا باجتماعهما، وهذا هو نص مذهب مالك في ~~المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد. # ان الحر لا يتزوج الأمة على حال إلا ألا يجد سعة في المال لمهر حرة، وأن ~~يخشى العنت مع ذلك، وقال مالك في كتاب محمد: إذا وجد المهر ولكنه لا يقدر ~~على النفقة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة، وقال أصبغ: ذلك جائز، إذ نفقة ~~الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يحل للحر ~~أن ينكح أمة، ولا يقر إن وقع، إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى، ~~وقاله أصبغ، قال: وقد كان ابن القاسم يذكر أنه سمع مالكا يقول: نكاح الأمة ~~حلال في كتاب الله عز وجل. # قال القاضي أبو محمد: وهو في المدونة، وقال سحنون في غيرها: ذلك في قوله ~~تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم [النور: 32] . ~~وقاله ابن مزين. # قال القاضي أبو محمد: وليس في الآية ما يلزم منه تحليل الأمة لحر دون ~~الشرطين، وقال مالك في المدونة: ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة إذا لم ~~يجد سعة لأخرى وخاف العنت، وقال في كتاب محمد: ما يقتضي أن الحرة بمثابة ~~الطول، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وهو ظاهر القرآن، وروي نحو هذا عن ابن ~~حبيب، وقاله أبو حنيفة: فمقتضى هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح أمة، ~~وإن عدم السعة وخاف العنت، لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري ~~واحتج له، وطولا- يصح في إعرابه أن يكون مفعولا بالاستطاعة، وأن ينكح في ~~موضع نصب بدل من قوله طولا أو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح، وفي هذا نظر، ~~ويصح أن يكون طولا نصبا على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى ~~يتقارب، وأن ينكح ms0780 على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر، تقول: طال الرجل ~~طولا بفتح الطاء إذا تفضل ووجد واتسع عرفه، وطولا بضم الطاء في ضد القصر ~~والمحصنات في هذا الموضع الحرائر، يدل على ذلك التقسيم بينهن وبين الإماء، ~~وقالت فرقة: معناه العفائف وهو ضعيف لأن الإماء يقعن تحته، PageV02P037 # وقد تقدم الذكر للقراءة في المحصنات، والمؤمنات صفة، فأما من يقول في ~~الرجل يجد طولا لحرة كتابية لا لمؤمنة: إنه يمتنع عن نكاح الإماء، فهي صفة ~~غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة، وهذا هو المذهب ~~المالكي، نص عليه ابن الماجشون في الواضحة ومن قال في الرجل لا يجد طولا ~~إلا الكتابية: إنه يتزوج الأمة إن شاء، فصفة المؤمنات عنده في الآية مشترطة ~~في إباحة نكاح الإماء، والمسألة مختلف فيها حسبما ذكرناه، وما في قوله: فمن ~~ما ملكت أيمانكم يصح أن تكون مصدرية، تقديره: فمن ملك أيمانكم ويصح أن يراد ~~بها النوع المملوك، فهي واقعة عليه، والفتاة- وإن كانت واقعة في اللغة على ~~الشابة أية كانت، فعرفها في الإماء، وفتى- كذلك، وهذه المخاطبات بالكاف ~~والميم عامة، أي: منكم الناكحون ومنكم المالكون، لأن الرجل ينكح فتاة نفسه، ~~وهذا التوسع في اللغة كثير، والمؤمنات في هذا الموضع صفة مشترطة عند مالك ~~وجمهور أصحابه، لأنهم يقولون: لا يجوز زواج أمة غير مسلمة بوجه، وقالت ~~طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي: نكاح الأمة الكتابية جائز، وقوله ~~المؤمنات على جهة الوجه الفاضل، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما ~~لم يمنع قوله المؤمنات في الحرائر من نكاح الكتابيات الحرائر، فكذلك لا ~~يمنع قوله المؤمنات في الإماء من نكاح الكتابيات الإماء، وقال أشهب في ~~المدونة: جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية. # قال القاضي أبو محمد: فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معا، ~~وقوله تعالى: والله أعلم بإيمانكم معناه: أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ~~ظواهرها، فإذا كانت الفتاة ظاهرها الإيمان فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى ~~الله، وإنما هذا لئلا يستريب متحير بإيمان بعض الإماء، كالقريبة عهد ms0781 ~~بالسباء، أو كالخرساء وما أشبهه. وفي اللفظ أيضا تنبيه على أنه ربما كان ~~إيمان أمة أفضل من إيمان بعض من الحرائر، أي: فلا تعجبوا بمعنى الحرية، ~~وقوله: بعضكم من بعض قالت طائفة: هو رفع على الابتداء والخبر، والمقصد بهذا ~~الكلام أي إنكم أيها الناس سواء بنو الحرائر وبنو الإماء، أكركم عند الله ~~أتقاكم، فهذه توطئة لنفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة، فلما جاء ~~الشرع بجواز نكاحها، أعلموا مع ذلك أن ذلك التهجين لا معنى له، وقال ~~الطبري: هو رفع بفعل تقديره: فلينكح مما ملكت «أيمانكم بعضكم من بعض» فعلى ~~هذا في الكلام تقديم وتأخير. وهذا قول ضعيف. # قوله: بإذن أهلهن معناه: بولاية أربابهن المالكين، وقوله: وآتوهن أجورهن ~~يعني مهورهن، قاله ابن زيد وغيره، وبالمعروف معناه: بالشرع والسنة، وهذا ~~يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة، وهو مذهب مالك قال في كتاب الرهون: ليس ~~للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز. قال سحنون في PageV02P038 # غير المدونة: كيف هذا؟ وهو لا يبوئه معها بيتا. وقال بعض الفقهاء: معنى ~~ما في المدونة: أنه بشرط التبوئة، فعلى هذا لا يكون قول سحنون خلافا ~~ومحصنات وما بعده حال، فالظاهر أنه بمعنى عفيفات إذ غير ذلك من وجوه ~~الإحصان بعيد إلا مسلمات فإنه يقرب، والعامل في الحال فانكحوهن ويحتمل أن ~~يكون فانكحوهن بإذن أهلهن كلاما تاما، ثم استأنف «وآتوهن أجورهن مزوجات غير ~~مسافحات» ، فيكون العامل وآتوهن، ويكون معنى الإحصان: التزويج، و ~~«المسافحات» من الزواني: المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، «ومتخذات ~~الأخدان» : هن المتسترات اللواتي يصحبن واحدا واحدا ويزنين خفية، وهذان ~~كانا نوعين في زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وعامر الشعبي والضحاك وغيرهم، ~~وأيضا فهو تقسيم عقلي لا يعطي الوجود إلا أن تكون الزانية إما لا ترديد ~~لامس وإما أن تختص من تقتصر عليه، وقوله تعالى: فإذا أحصن الآية قرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «أحصن» على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حمزة ~~والكسائي على بناء الفعل للفاعل، واختلف عن عاصم، فوجه الكلام أن تكون ms0782 ~~القراءة الأولى بالتزوج، والثانية بالإسلام أو غيره مما هو من فعلهن، ولكن ~~يدخل كل معنى منهما على الآخر، واختلف المتأولون فيما هو الإحصان هنا، فقال ~~الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة- وإسلامها ~~هو إحصانها الذي في الآية، وقالت فرقة: إحصانها الذي في الآية هو التزويج ~~لحر، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن ~~جبير والحسن وقتادة، وقالت فرقة: # الإحصان- في الآية التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة بالسنة، ~~وهي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري، أنه قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ~~ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحد. قال الزهري: # فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث والسؤال من الصحابة يقتضي أنهم فهموا ~~من القرآن أن معنى أحصن تزوجن، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ~~يقتضي تقرير المعنى ومن أراد أن يضعف قول من قال: إنه الإسلام بأن الصفة ~~لهن بالإيمان قد تقدمت وتقررت فذلك غير لازم، لأنه جائز أن يقطع في الكلام ~~ويزيد، فإذا كن على هذه الحالة المتقدمة من الإيمان فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن، وذلك سائغ صحيح، والفاحشة هنا: الزنى بقرينة إلزام الحد، والمحصنات ~~في هذه الآية الحرائر، إذ هي الصفة المشروطة في الحد الكامل، والرجم لا ~~يتنصف، فلم يرد في الآية بإجماع، ثم اختلف، فقال ابن عباس والجمهور: على ~~الأمة نصف المائة لا غير ذلك، وقال الطبري وجماعة من التابعين: على الأمة ~~نصف المائة ونصف المدة، وهي نفي ستة أشهر، والإشارة بذلك إلى نكاح الأمة، ~~والعنت في اللغة: المشقة، وقالت طائفة: المقصد به هاهنا الزنا، قاله مجاهد: ~~وقال ابن عباس: ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قريبا، قال: والعنت ~~الزنا، وقاله عطية العوفي والضحاك، وقالت طائفة: الإثم، وقالت طائفة: الحد. # قال القاضي أبو محمد: والآية تحتمل ذلك كله، وكل ما يعنت عاجلا وآجلا. ~~وقوله تعالى: وأن تصبروا خير لكم يعني عن نكاح- الإماء- قاله سعيد بن جبير ~~ومجاهد والسدي ms0783 وابن عباس رضي الله عنهما، وهذا ندب إلى الترك، وعلته ما ~~يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن، وهذه الجملة ابتداء وخبر ~~تقديره: وصبركم خير لكم والله غفور، أي لمن فعل وتزوج. PageV02P039 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 28] # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) # اختلف النحاة في اللام من قوله: ليبين فمذهب سيبويه رحمه الله: أن ~~التقدير «لأن يبين» والمفعول مضمر، تقديره: يريد الله هذا، فإن كانت لام ~~الجر أو لام كي فلا بد فيهما من تقدير «أن» لأنهما لا يدخلان إلا على ~~الأسماء وقال الفراء والكوفيون: اللام نفسها بمنزلة «أن» وهو ضعيف، ونظير ~~هذه اللام قول الشاعر: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها وقال بعض النحاة: التقدير ~~إرادتي لأنسى. ويهديكم بمعنى: يرشدكم، لا يتوجه غير ذلك، بقرينة السنن، وال ~~سنن: الطرق ووجوه الأمور وأنحاؤها. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر من قوة هذا الكلام أن شرعتنا في المشروعات ~~كشرعة من قبلنا، وليس ذلك كذلك، وإنما هذه الهداية في أحد أمرين، إما في ~~أنا خوطبنا في كل قصة نهيا وأمرا، كما خوطبوا هم أيضا في قصصهم، وشرع لنا ~~كما شرع لهم، فهدينا سننهم في ذلك، وإن اختلفت أحكامنا وأحكامهم، والأمر ~~الثاني أن هدينا سننهم في أن أطعنا وسمعنا كما سمعوا وأطاعوا، فوقع التماثل ~~من هذه الجهة، والذين من قبلنا: هم المؤمنون في كل شريعة، وتوبة الله على ~~عبده هي رجوعه به عن المعاصي إلى الطاعات وتوفيقه له، وحسن عليم هنا بحسب ~~ما تقدم من سنن الشرائع وموضع المصالح وحكيم أي مصيب بالأشياء مواضعها بحسب ~~الحكمة والإتقان. # وتكرار إرادة الله تعالى التوبة على عباده تقوية للإخبار الأول، وليس ~~المقصد في هذه الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات، فقدمت ~~إرادة الله توطئة، مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات، واختلف المتأولون في ~~متبعي ms0784 الشهوات، فقال مجاهد: هم الزناة، وقال السدي: هم اليهود والنصارى، ~~وقالت فرقة: هم اليهود خاصة، لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح ~~الأخوات من الأب، وقال ابن زيد: # ذلك على العموم في هؤلاء، وفي كل متبع شهوة، ورجحه الطبري، وقرأ الجمهور ~~«ميلا» بسكون الياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «ميلا» بفتح الياء. # وقوله تعالى: يريد الله أن يخفف عنكم المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في ~~تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان ~~إنما هو في باب النساء، أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم ~~بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد وطاوس، وقال طاوس: ليس يكون ~~الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. PageV02P040 # قال القاضي أبو محمد: ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل، ~~لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسرا، ويقع ~~الإخبار عن ضعف الإنسان عاما، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في ~~الأغلب والإنسان رفع على ما لم يسم فاعله، وضعيفا حال، وقرأ ابن عباس ~~ومجاهد «وخلق الإنسان» على بناء الفعل للفاعل وضعيفا حال أيضا على هذه ~~القراءة، ويصح أن يكون خلق بمعنى جعل، فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، ~~فيكون قوله ضعيفا مفعولا ثانيا. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 30] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك ~~عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) # هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن إن كانت تجارة فكلوها، وقرأ ~~المدنيون وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: «تجارة» بالرفع على تمام «كان» ~~وأنها بمعنى: وقع، وقرأت فرقة، هي الكوفيون حمزة وعاصم والكسائي: «تجارة» ~~بالنصب على نقصان «كان» ، وهو اختيار أبي عبيد. # قال القاضي أبو محمد: وهما قولان قويان، إلا أن تمام «كان» يترجح عند ~~بعض، لأنها صلة «لأن» فهي ms0785 محطوطة عن درجتها إذا كانت سليمة من صلة وغيرها، ~~وهذا ترجيح ليس بالقوي ولكنه حسن، وأن في موضع نصب، ومن نصب «تجارة» جعل ~~اسم كان مضمرا، تقديره الأموال أموال تجارة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه، أو يكون التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، ومثل ذلك قول الشاعر: # [الطويل] إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا أي: إذا كان اليوم يوما، ~~والاستثناء منقطع في كل تقدير وفي قراءة الرفع. فأكل الأموال بالتجارة جائز ~~بإجماع الأمة، والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثال ذلك: أن يبيع ~~الرجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة، فذلك جائز، ويعضده حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم «لا يبع حاضر لباد» لأنه إنما أراد بذلك أن يبيع البادي ~~باجتهاده، ولا يمنع الحاضر الحاضر من رزق الله في غبنه، وقالت فرقة: الغبن ~~إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، ~~وأما المتفاحش الفادح فلا، وقاله ابن وهب من أصحاب مالك رحمه الله. وعن ~~تراض معناه عن رضا، إلا أنها جاءت من المفاعلة، إذ التجارة من اثنين. ~~واختلف أهل العلم في التراضي، فقالت طائفة: تمامه وجزمه بافتراق الأبدان ~~بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر فيقول: قد اخترت، وذلك ~~بعد العقدة أيضا، فينجزم حينئذ، هذا هو قول الشافعي وجماعة من الصحابة، ~~وحجته حديث النبي صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما PageV02P041 # لم يتفرقا إلا بيع الخيار» ، وهو حديث ابن عمر وأبي برزة، ورأيهما- وهما ~~الراويان- أنه افتراق الأبدان. # قال القاضي أبو محمد: والتفرق لا يكون حقيقة إلا بالأبدان، لأنه من صفات ~~الجواهر، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: تمام التراضي أن يعقد البيع ~~بالألسنة فتنجزم العقدة بذلك ويرتفع الخيار، وقالا في الحديث المتقدم: إنه ~~التفرق بالقول، واحتج بعضهم بقوله تعالى: وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ~~[النبأ: 130] فهذه فرقة بالقول لأنها بالطلاق، قال من احتج للشافعي: بل هي ~~فرقة بالأبدان، بدليل تثنية الضمير، والطلاق لا حظ للمرأة فيه، وإنما حظها ~~في فرقة البدن التي هي ثمرة ms0786 الطلاق، قال الشافعي: ولو كان معنى قوله: ~~يتفرقا بالقول الذي هو العقد لبطلت الفائدة في قوله: البيعان بالخيار، لأنه ~~لا يشك في أن كل ذي سلعة مخير ما لم يعقد، فجاء الإخبار لا طائل فيه، قال ~~من احتج لمالك: إنما القصد في الحديث الإخبار عن وجوب ثبوت العقد، فجاء ~~قوله: البيعان بالخيار توطئة لذلك، وإن كانت التوطئة معلومة، فإنها تهيىء ~~النفس لاستشعار ثبوت العقد ولزومها، واستدل الشافعي بقوله عليه السلام: «لا ~~يسم الرجل على سوم أخيه، ولا يبع الرجل على بيع أخيه» فجعلها مرتبتين لأن ~~حالة البيعين بعد العقد قبل التفرق تقتضي أن يفسد مفسد بزيادة في السلعة ~~فيختار ربها حل الصفقة الأولى، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~الإفساد، ألا ترى أنه عليه السلام قال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه» فهي ~~في درجة لا يسم، ولم يقل: لا ينكح على نكاح أخيه لأنه لا درجة بعد عقد ~~النكاح تقتضي تخييرا بإجماع من الأمة، قال من يحتج لمالك رحمه الله: قوله ~~عليه السلام: لا يسم ولا يبع، هي درجة واحدة كلها قبل العقد، وقال: لا يبع ~~تجوزا في لا يسم، إذ ماله إلى البيع، فهي جميعا بمنزلة قوله: لا يخطب، ~~والعقد جازم فيهما جميعا. # قال القاضي أبو محمد: وقوله في الحديث «إلا بيع الخيار» معناه عند ~~المالكيين: المتساومان بالخيار ما لم يعقدا، فإذا عقدا بطل الخيار إلا في ~~بيع الخيار الذي عقد من أوله على خيار مدة ما، فإنه لا يبطل الخيار فيه، ~~ومعناه عند الشافعيين: المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما، ~~إلا بيعا يقول فيه أحدهما لصاحبه اختر فيختار، فإن الخيار ينقطع بينهما وإن ~~لم يتفرقا، فإن فرض بيع خيار فالمعنى إلا بيع الخيار فإنه يبقي الخيار بعد ~~التفرق بالأبدان، وقوله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم قرأ الحسن «ولا تقتلوا» ~~على التكثير، فأجمع المتأولون أن المقصد بهذه الآية النهي عن أن يقتل بعض ~~الناس بعضها، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل، ms0787 أو بأن ~~يحملها على غرر ربما مات منه، فهذا كله يتناوله النهي، وقد احتج عمرو بن ~~العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد خوفا على نفسه منه، ~~فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجاجه. # وقوله تعالى: ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما اختلف المتأولون في المشار إليه ~~بذلك، فقال عطاء: ذلك عائد على القتل لأنه أقرب مذكور، وقالت فرقة: ذلك ~~عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس، لأن النهي عنهما جاء متسقا مسرودا، ~~ثم ورد الوعيد حسب النهي، وقالت فرقة ذلك عائد على كل ما نهى عنه من ~~القضايا من أول السورة إلى قوله تعالى: ومن يفعل ذلك وقال الطبري: ذلك عائد ~~على ما نهى عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل ~~لكم أن ترثوا النساء كرها PageV02P042 # [النساء: 19] لأن كل ما نهي عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا من قوله: ~~يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها فإنه والنواهي بعده ~~لا وعيد معها، إلا قوله: ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما والعدوان: تجاوز الحد، ~~ونصليه معناه: نمسه حرها، كما تعرض الشاة المصلية، أي نحرقه بها، وقرأ ~~الأعمش والنخعي، «نصليه» بفتح النون، وقراءة الجمهور بضم النون على نقل صلى ~~بالهمز، وقراءة هذين على لغة من يقول: صليته نارا، بمعنى أصليته، وحكى ~~الزجاج أنها قد قرئت «نصليه» بفتح الصاد وشد اللام المكسورة ويسير ذلك على ~~الله عز وجل، لأن حجته بالغة، وحكمه لا معقب له. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 31] # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~(31) # تجتنبوا معناه: تدعون جانبا، وقرأ ابن مسعود وابن جبير «إن تجتنبوا كبير» ~~وقرأ المفضل عن عاصم «يكفر» و «يدخلكم» على علامة الغائب، وقرأ الباقون ~~بالنون والقراءتان حسنتان، وقرأ ابن عباس «عنكم من سيئاتكم» بزيادة «من» ~~وقرأ السبعة سوى نافع «مدخلا» بضم الميم، وقرأ نافع: «مدخلا» بالفتح وقد ~~رواه أيضا أبو بكر عن عاصم هاهنا وفي الحج، ms0788 ولم يختلف في سورة بني إسرائيل ~~في مدخل ومخرج صدق [الإسراء: 80] أنهما بضم الميم، قال أبو علي: «مدخلا» ~~بالفتح يحتمل أن يكون مصدرا، والعامل فيه فعل يدل عليه الظاهر، التقدير: ~~ويدخلكم فتدخلون مدخلا، ويحتمل أن يكون مكانا، فيعمل فيه الفعل الظاهر، ~~وكذلك يحتمل «مدخلا» بضم الميم للوجهين، وإذا لم يعمل الفعل الظاهر فمعموله ~~الثاني محذوف، تقديره: ويدخلكم الجنة، واختلف أهل العلم في «الكبائر» ، ~~فقال علي بن أبي طالب: هي سبع، الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، ~~وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وقال ~~عبيد بن عمير: الكبائر سبع في كل واحدة منها آية في كتاب الله عز وجل. # قال القاضي أبو محمد: وذكر كقول علي، وجعل الآية في التعرب قوله تعالى: ~~إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى [محمد: 25] ، ووقع ~~في البخاري في كتاب الحدود في باب رمي المحصنات «اتقوا السبع الموبقات، ~~الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي ~~يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وقال عبد الله بن عمر: هي تسع ~~«الإشراك بالله، والقتل، والفرار، والقذف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ~~وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر، وبكاء الوالدين من العقوق» قال عبد ~~الله بن مسعود وإبراهيم النخعي: هي في جميع ما نهى عنه من أول سورة النساء ~~إلى ثلاثين آية منها وهي إن تجتنبوا وقال عبد الله بن مسعود: هي أربع أيضا ~~الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر ~~الله، وروي أيضا عن ابن مسعود: هي ثلاث: القنوط، واليأس، والأمن المتقدمة، ~~وقال ابن عباس أيضا وغيره: «الكبائر» كل ما PageV02P043 # ورد عليه وعيد بنار أو عذاب أو لعنة أو ما أشبه ذلك، وقالت فرقة من ~~الأصوليين: هي في هذا الموضع أنواع الشرك التي لا تصلح معها الأعمال، وقال ~~رجل لابن عباس: أخبرني عن الكبائر السبع، فقال: هي إلى السبعين أقرب، وقال ~~ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبير، ms0789 فهنا يدخل الزنا، وشرب الخمر، ~~والزور، والغيبة، وغير ذلك مما قد نص عليه في أحاديث لم يقصد الحصر للكبائر ~~بها، بل ذكر بعضها مثالا، وعلى هذا القول أئمة الكلام: القاضي، وأبو ~~المعالي، وغيرهما: قالوا: وإنما قيل: صغيرة بالإضافة إلى أكبر منها وهي في ~~نفسها كبيرة من حيث المعصي، بالجميع واحد، وهذه الآية يتعاضد معها حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الوضوء من مسلم، عن عثمان رضي الله ~~عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرئ مسلم تحضره ~~صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من ~~الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله. واختلف العلماء في هذه المسألة ~~فجماعة من الفقهاء وأهل الحديث يرون أن الرجل إذا اجتنب الكبائر وامتثل ~~الفرائض، كفرت صغائره كالنظر وشبهه قطعا بظاهر هذه الآية وظاهر الحديث، ~~وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، ~~وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك ~~أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير صغائره قطعا لكانت له ~~في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة. ومحمل ~~الكبائر عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر، والآية التي قيدت الحكم ~~فترد إليها هذه المطلقات كلها: قوله تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~[النساء: 48 و 116] وكريما يقتضي كرم الفضيلة ونفي العيوب، كما تقول: ثوب ~~كريم، وكريم المحتد، وهذه آية رجاء، روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: خمس ~~آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعا، قوله: إن تجتنبوا الآية، ~~وقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48 و 116] ، وقوله: ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم # [النساء: 110] وقوله أيضا: يضاعفها [النساء: 40] وقوله: والذين آمنوا ~~بالله ورسله [النساء: 152] . # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 32] # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا ms0790 الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ~~(32) # سبب الآية أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشركناهم ~~في الغزو، وروي أن أم سلمة قالت ذلك أو نحوه، وقال الرجال: ليت لنا في ~~الآخرة حظا زائدا على النساء، كما لنا عليهن في الدنيا، فنزلت الآية. # قال القاضي أبو محمد: لأن في تمنيهم هذا تحكما على الشريعة وتطرقا إلى ~~الدفع في صدر حكم الله، فهذا نهي عن كل تمن لخلاف حكم شرعي، ويدخل في النهي ~~أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا، على أن يذهب ما عند الآخر، إذ ~~هذا هو الحسد بعينه، وقد كره بعض العلماء أن يتمنى أحد حال PageV02P044 # رجل ينصبه في فكره وإن لم يتمن زوال حاله، وهذا في نعم الدنيا، وأما في ~~الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن ~~يقرن أمنيته بشيء مما قدمناه فذلك جائز، وذلك موجود في حديث النبي عليه ~~السلام في قوله «وددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا فأقتل» وفي غير موضع، ~~ولقوله تعالى: وسئلوا الله من فضله وقوله تعالى: للرجال نصيب الآية قال ~~قتادة: معناه من الميراث، لأن العرب كانت لا تورث النساء. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، ولفظة الاكتساب ترد عليه ردا بينا، ~~ولكنه يتركب على قول النساء: ليتنا ساوينا الرجال في الميراث، فكأنه قيل ~~بسببهن: لا تتمنوا هذا فلكل نصيبه، وقالت فرقة: # معناه من الأجر والحسنات، فكأنه قيل للناس: لا تتمنوا في أمر خلاف ما حكم ~~الله به، لاختيار ترونه أنتم، فإن الله قد جعل لكل أحد نصيبا من الأجر ~~والفضل، بحسب اكتسابه فيما شرع له. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول هو الواضح البين الأعم، وقالت فرقة: ~~معناه: لا تتمنوا خلاف ما حد الله في تفضيله، فإنه تعالى قد جعل لكل أحد ~~مكاسب تختص به، فهي نصيبه، قد جعل الجهاد والإنفاق وسعي المعيشة وحمل الكلف ~~كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك للرجال، وجعل الحمل ومشقته ms0791 وحسن التبعل ~~وحفظ غيب الزوج وخدمة البيوت للنساء. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كقول الذي قبله، إلا أنه فارقه بتقسيم ~~الأعمال، وفي تعليقه النصيب بالاكتساب حض على العمل، وتنبيه على كسب الخير، ~~وقرأ جمهور السبعة «واسألوا» بالهمز وسكون السين، وقرأ الكسائي وابن كثير ~~«وسلوا» ألقيا حركة الهمزة على السين، وهذا حيث وقعت اللفظة إلا في قوله ~~وسئلوا ما أنفقتم [الممتحنة: 10] فإنهم أجمعوا على الهمز فيه، قال سعيد بن ~~جبير، وليث بن أبي سليم: هذا في العبارات والدين وأعمال البر ليس في فضل ~~الدنيا، وقال الجمهور: ذلك على العموم، وهو الذي يقتضيه اللفظ، وقوله: ~~وسئلوا يقتضي مفعولا ثانيا، فهو عند بعض النحويين في قوله: # من فضله التقدير واسألوا الله فضله، وسيبويه لا يجيز هذا لأن فيه حذف ~~«من» في الواجب، والمفعول عنده مضمر، تقديره واسألوا الله الجنة أو كثيرا ~~أو حظا من فضله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الأصح، ويحسن عندي أن يقدر المفعول- ~~أمانيكم، إذ ما تقدم يحسن هذا التقدير، وقوله: بكل شيء عليما معناه: أن علم ~~الله قد أوجب الإصابة والإتقان والإحكام، فلا تعارضوا بثمن ولا غيره، وهذه ~~الآية تقتضي أن الله يعلم الأشياء، والعقائد توجب أنه يعلم المعدومات ~~الجائز وقوعها وإن لم تكن أشياء، والآية لا تناقض ذلك، بل وقفت على بعض ~~معلوماته وأمسكت عن بعض. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 33 الى 34] # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) الرجال قوامون على النساء بما ~~فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات ~~للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) PageV02P045 # «كل» إنما تستعمل مضافة ظهر المضاف إليه أو تقدر، فهي بمثابة قبل وبعد، ~~ولذلك أجاز بعض النحاة مررت بكل، على حد قبل وبعد، فالمقدر هنا على قول ~~فرقة، ولكل أحد وعلى قول فرقة «ولكل شيء» يعني ms0792 التركة، والمولى في كلام ~~العرب: لفظة يشترك فيها القريب القرابة، والصديق، والحليف، والمعتق، ~~والمعتق، والوارث، والعبد، فيما حكى ابن سيده، ويحسن هنا من هذا الاشتراك ~~الورثة، لأنها تصلح على تأويل «ولكل أحد» ، وعلى تأويل، «ولكل شيء» وبذلك ~~فسر قتادة والسدي وابن عباس وغيرهم: أن «الموالي» العصبة والورثة، قال ابن ~~ابن زيد: لما أسلمت العجم سموا موالي استعارة وتشبيها، وذلك في قول الله ~~تعالى: فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم [الأحزاب: 5] . # قال القاضي أبو محمد: وقد سمي قوم من العجم ببني العم، ومما متعلقة ~~«بشيء» ، تقديره ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا ورثة، وهي ~~متعلقة على تأويل «ولكل أحد» بفعل مضمر تقديره: ولكل أحد جعلنا موالي يرثون ~~مما ترك الوالدان والأقربون، ويحتمل على هذا أن تتعلق «من» ب موالي، وقوله: ~~والذين رفع بالابتداء والخبر في قوله: فآتوهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو وابن عامر «عاقدت» على المفاعلة أي إيمان هؤلاء عاقدت أولئك، وقرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي «عقدت» بتخفيف القاف على حذف مفعول، تقديره: عقدت ~~إيمانكم حلفهم أو ذمتهم، وقرأ حمزة في رواية علي ابن كبشة عنه، «عقدت» ~~مشددة القاف، واختلف المتأولون في من المراد ب الذين، فقال الحسن وابن عباس ~~وابن جبير وقتادة وغيرهم: هم الأحلاف، فإن العرب كانت تتوارث بالحلف فشدد ~~الله ذلك بهذه الآية، ثم نسخه بآية الأنفال وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله [الأنفال: 75] وقال ابن عباس أيضا: هم الذين كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم آخى بينهم، فإنهم كانوا يتوارثون بهذه الآية حتى نسخ ~~ذلك بما تقدم. # قال القاضي أبو محمد: وورد لابن عباس: أن المهاجرين كانوا يرثون الأنصار ~~دون ذوي رحمهم، للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فنزلت ~~الآية في ذلك ناسخة، وبقي إيتاء النصيب من النصر والمعونة، أو من المال على ~~جهة الندب في الوصية، وقال سعيد بن المسيب: هم الأبناء الذين كانوا يتبنون، ~~والنصيب الذي أمر الناس بإيتائه هو الوصية لا الميراث، وقال ms0793 ابن عباس أيضا: ~~هم الأحلاف إلا أن النصيب هو المؤازرة في الحق والنصر والوفاء بالحلف لا ~~الميراث، وروي عن الحسن: أنها في قوم يوصى لهم فيموت الموصى له قبل نفوذ ~~الوصية ووجوبها فأمر الموصي أن يؤديها إلى ورثة الموصى له. PageV02P046 # قال القاضي أبو محمد: ولفظة المعاقدة والأيمان ترجح أن المراد الأحلاف ~~لأن ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان، وشهيدا معناه: ~~أن الله شهيد بينكم على المعاقدة والصلة، فأوفوا بالعهد بحسب ذلك مراقبة ~~ورهبة. # وقوله تعالى: الرجال قوامون الآية، قوام فعال: بناء مبالغة، وهو من ~~القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجل على ~~النساء هو على هذا الحد، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال ~~عليهن استيلاء وملكا ما، قال ابن عباس: الرجال أمراء على النساء، وعلى هذا ~~قال أهل التأويل و «ما» في قوله: بما فضل الله مصدرية، ولذلك استغنت عن ~~العائد، وكذلك بما أنفقوا والفضيلة: هي الغزو وكمال الدين والعقل وما ~~أشبهه، والإنفاق: هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات، وقيل: سبب هذه ~~الآية أن سعد بن الربيع لطم زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فجاءت مع ~~أبيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تلطمه كما لطمها، فنزلت ~~الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونقض الحكم الأول وقال: أردت شيئا وما أراد الله خير، وفي طريق آخر أردت ~~شيئا وأراد الله غيره، وقيل: إن في هذا الحكم المردود نزلت ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه [طه: 114] وقيل سببها قول أم سلمة ~~المتقدم، أي: لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن وجه الفضيلة. والصلاح في ~~قوله فالصالحات هو الصلاح في الدين، و «والقانتات» معناه: مطيعات، والقنوت ~~الطاعة، ومعناه لأزواجهن، أو لله في أزواجهن، وغير ذلك، وقال الزجاج: إنها ~~الصلاة، وهذا هنا بعيد وللغيب معناه: كل ما غاب عن علم زوجها مما استرعته، ~~وذلك يعم حال غيب الزوج وحال حضوره، وروى أبو ms0794 هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك ~~وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها» ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه الآية، وفي مصحف ابن مسعود «فالصوالح قوانت حوافظ» وهذا بناء يختص ~~بالمؤنث، وقال ابن جني: والتكسير أشبه لفظا بالمعنى، إذ هو يعطي الكثرة وهي ~~المقصود هنا، وبما حفظ الله الجمهور على رفع اسم الله بإسناد الفعل إليه، ~~وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «الله» بالنصب على إعمال حفظ فأما قراءة الرفع ~~«فما» مصدرية تقديره: يحفظ الله، ويصح أن تكون بمعنى «الذي» ويكون العائد ~~الذي في حفظ ضمير نصب ويكون المعنى أما حفظ الله ورعايته التي لا يتم أمر ~~دونها، وأما أوامره ونواهيه للنساء، فكأنها حفظه، فمعناه: أن النساء يحفظن ~~بإرادته وبقدره، وأما قراءة ابن القعقاع بما حفظ الله، فالأولى أن تكون ~~«ما» بمعنى «الذي» وفي حفظ ضمير مرفوع، والمعنى حافظات للغيب بطاعة وخوف ~~وبر ودين حفظ الله في أوامره حين امتثلنها، وقيل: يصح أن تكون «ما» مصدرية، ~~على أن تقدير الكلام بما حفظن الله وينحذف الضمير، وفي حذفه قبح لا يجوز ~~إلا في الشعر، كما قال [الأعشى] : [المتقارب] فإن الحوادث أودى بها يريد ~~أودين، والمعنى: يحفظن الله في أمره حين امتثلنه، وقال ابن جني: الكلام على ~~حذف مضاف تقديره: بما حفظ دين الله وأمر الله، وفي مصحف ابن مسعود «بما حفظ ~~الله فأصلحوا إليهن» . PageV02P047 # واللاتي في موضع رفع بالابتداء والخبر فعظوهن، ويصح أن تكون في موضع نصب ~~بفعل مضمر تقديره: وعظوا اللاتي تخافون نشوزهن، كقوله: والسارق والسارقة ~~[المائدة: 38] على قراءة من قرأها بالنصب، قال سيبويه: النصب القياس، إلا ~~أن الرفع أكثر في كلامهم، وحكي عن سيبويه: أن تقدير الآية عنده: وفيما يتلى ~~عليكم اللاتي. قالت فرقة معنى تخافون تعلمون وتتيقنون، وذهبوا في ذلك إلى ~~أن وقوع النشوز هو الذي يوجب الوعظ، واحتجوا في جواز وقوع الخوف بمعنى ~~اليقين بقول أبي محجن: # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف ms0795 إذا ما مت أن لا أذوقها # وقالت فرقة: الخوف هاهنا على بابه في التوقع، لأن الوعظ وما بعده إنما هو ~~في دوام ما ظهر من مبادئ ما يتخوف، «والنشوز» : أن تتعرج المرأة وترتفع في ~~خلقها، وتستعلي على زوجها، وهو من نشز الأرض، يقال ناشز وناشص ومنه بيت ~~الأعشى: [الطويل] # تجللها شيخ عشاء فأصبحت ... قضاعية تأتي الكواهن ناشصا # وفعظوهن معناه: ذكروهن أمر الله، واستدعوهن إلى ما يجب عليهن بكتاب الله ~~وسنة نبيه، وقرأ إبراهيم النخعي «في المضجع» ، وهو واحد يدل على الجمع، ~~واختلف المتأولون في قوله: اهجروهن فقالت فرقة معناه جنبوا جماعهن، وجعلوا ~~في للوعاء على بابها دون حذف، قال ابن عباس: يضاجعها ويوليها ظهره ولا ~~يجامعها، وقال مجاهد: جنبوا مضاجعتهن، فيتقدر على هذا القول حذف تقديره: # واهجروهن برفض المضاجع أو بترك المضاجع وقال سعيد بن جبير: هي هجرة ~~الكلام أي لا تكلموهن وأعرضوا عنهن فيقدر حذف تقديره: واهجروهن في سبب ~~المضاجع حتى يراجعنها، وقال ابن عباس أيضا: # معناه وقولوا لهن هجرا من القول، أي إغلاظا، حتى يراجعن المضاجع، وهذا لا ~~يصح تصريفه إلا على من حكى هجر وأهجر بمعنى واحد، وقال الطبري: معناه ~~اربطوهن بالهجار، كما يربط البعير به، وهو حبل يشد به البعير، فهي في معنى ~~اضربوهن ونحوها، ورجح الطبري منزعه هذا وقدح في سائر الأقوال، وفي كلامه في ~~هذا الموضع نظر، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا ~~يكسر عظما ولا يشين جارحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اضربوا النساء ~~إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح» وقال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب ~~غير المبرح؟ قال بالشراك ونحوه، وروي عن ابن شهاب أنه قال: لا قصاص بين ~~الرجل وامرأته إلا في النفس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تجاوز، قال غيره: إلا في النفس والجراح، وهذه ~~العظة والهجر والضرب مراتب، إن وقعت الطاعة عند إحداها لم يتعد إلى سائرها. ~~وتبغوا معناه تطلبوا وسبيلا أي إلى الأذى، وهو التعنيت والتعسف بقول أو ~~فعل، ms0796 وهذا نهي عن ظلمهن بغير واجب بعد تقدير الفضل عليهن والتمكين من ~~أدبهن، وحسن معه الاتصاف بالعلو والكبر، أي قدره فوق كل قدر ويده بالقدرة ~~فوق كل يد، فلا يستعمل أحد على امرأته، فالله بالمرصاد، وينظر هذا إلى حديث ~~أبي مسعود فصرفت وجهي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اعلم أبا ~~مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد» . PageV02P048 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 35] # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) # قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا، لأنها إما طائعة، وإما ناشزة، ~~والنشز إما من يرجع إلى الطواعية، وإما من يحتاج إلى الحكمين، واختلف ~~المتأولون أيضا في الخوف هاهنا حسب ما تقدم، ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة ~~الخوف، و «الشقاق» : مصدر شاق يشاق، وأجري «البين» مجرى الأسماء وأزيل عنه ~~الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما وصحبتهما، وهذا من الإيجاز الذي يدل ~~فيه الظاهر على المقدر، واختلف من المأمور ب «البعثة» ، فقيل: الحاكم، فإذا ~~أعضل على الحاكم أمر الزوجين، وتعاضدت عنده الحجج، واقترنت الشبه، واغتم ~~وجه الإنفاذ على أحدهما، بعث حكمين من الأهل ليباشرا الأمر، وخص الأهل ~~لأنهم مظنة العلم بباطن الأمر، ومظنة الإشفاق بسبب القرابة، وقيل: المخاطب ~~الزوجان وإليهما تقديم الحكمين، وهذا في مذهب مالك، والأول لربيعة وغيره، ~~واختلف الناس في المقدار الذي ينظر فيه الحكمان، فقال الطبري: قالت فرقة: ~~لا ينظر الحكمان إلا فيما وكلهما به الزوجان وصرحا بتقديمهما عليه، ترجم ~~بهذا ثم أدخل عن علي غيره، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: ينظر الحكمان فى ~~الإصلاح، وفي الأخذ والإعطاء، إلا في الفرقة فإنها ليست إليهما، وقالت ~~فرقة: ينظر الحكمان في كل شيء، ويحملان على الظالم، ويمضيان ما رأياه من ~~بقاء أو فراق، وهذا هو مذهب مالك والجمهور من العلماء، وهو قول علي بن أبي ~~طالب في المدونة وغيرها، وتأول الزجاج عليه غير ذلك، وأنه وكل الحكمين على ~~الفرقة، وأنها ms0797 للإمام، وذلك وهم من أبي إسحاق، واختلف المتأولون في من ~~المراد بقوله: # إن يريدا إصلاحا فقال مجاهد وغيره: المراد الحكمان، أي إذا نصحا وقصدا ~~الخير بورك في وساطتهما، وقالت فرقة: المراد الزوجان، والأول أظهر، وكذلك ~~الضمير في بينهما، يحتمل الأمرين، والأظهر أنه للزوجين، والاتصاف ب «عليم ~~خبير» يشبه ما ذكر من إرادة الإصلاح. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 36] # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) # «الواو» لعطف جملة الكلام على جملة غيرها، والعبادة: التذلل بالطاعة، ~~ومنه طريق معبد، وبعير معبد، إذا كانا معلمين، وإحسانا نصب على المصدر، ~~والعامل فعل مضمر تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وما ذكر الطبري أنه ~~نصب بالإغراء خطأ، والقيام بحقوق الوالدين اللازمة لهما من التوقير والصون PageV02P049 # والإنفاق إذا احتاجا واجب، وسائر ذلك من وجوه البر والإلطاف وحسن القول، ~~والتصنع لهما مندوب إليه مؤكد فيه، وهو البر الذي تفضل فيه الأم على الأب، ~~حسب قوله عليه السلام للذي قال له من أبر؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أمك قال ~~ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أباك، ثم الأقرب فالأقرب، وفي رواية: ثم ~~أدناك أدناك، وقرأ ابن أبي عبلة «إحسان» بالرفع، و «ذو القربى» : هو القريب ~~النسب من قبل الأب والأم، وهذا من الأمر بصلة الرحم وحفظها، واليتامى: جمع ~~يتيم، وهو فاقد الأب قبل البلوغ، وإن ورد في كلام العرب يتم من قبل الأم ~~فهو مجاز واستعارة، والمساكين: المقترون من المسلمين الذين تحل لهم الزكاة، ~~وجاهروا بالسؤال، واختلف في معنى الجار ذي القربى وفي معنى الجنب، فقال ابن ~~عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم: الجار ذو القربى هو الجار القريب النسب، والجار ~~الجنب هو الجار الأجنبي الذي لا قرابة بينك وبينه، وقال نوف الشامي: الجار ~~ذو القربى هو الجار المسلم، والجار الجنب هو الجار اليهودي أو النصراني، ~~فهي عنده قرابة الإسلام وأجنبية الكفر، ms0798 وقالت فرقة: الجار ذو القربى هو ~~الجار القريب المسكن منك، والجار الجنب هو البعيد المسكن منك، وكأن هذا ~~القول منتزع من الحديث، قالت عائشة، يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما ~~أهدي؟ قال إلى أقربهما منك بابا، واختلف الناس في حد الجيرة، فقال ~~الأوزاعي: أربعون دارا من كل ناحية جيرة، وقالت فرقة: من سمع إقامة الصلاة ~~فهو جار ذلك المسجد، وبقدر ذلك في الدور وقالت فرقة: من ساكن رجلا في محلة ~~أو مدينة فهو جاره، والمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض، أدناها الزوج كما ~~قال الأعشى: [الطويل] أيا جارتي بيني وبعد ذلك الجيرة الخلط، ومنه قول ~~الشاعر: [البسيط] # سائل مجاور جرم هل جنيت لها ... حربا تفرق بين الجيرة الخلط # وحكى الطبري عن ميمون بن مهران: أن الجار ذا القربى أريد به جار القريب، ~~وهذا خطأ في اللسان، لأنه جمع على تأويله بين الألف واللام والإضافة، وكأن ~~وجه الكلام وجار ذي القربى، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «والجار ذا ~~القربى» بنصب الجار، وحكى مكي عن ابن وهب أنه قال عن بعض الصحابة في الجار ~~الجنب: إنها زوجة الرجل وروى المفضل عن عاصم أنه قرأ «والجار الجنب» بفتح ~~الجيم وسكون النون، والجنب في هذه الآية معناه. البعيد، والجنابة البعد، ~~ومنه قول الشاعر وهو الأعشى: [الطويل] # أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث عن عطائي جامدا # ومنه قول الآخر، وهو علقمة بن عبدة: [الطويل] # فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب # وهو من الاجتناب، وهو أن يترك الشيء جانبا، وسئل أعرابي عن الجار الجنب، ~~فقال: هو الذي PageV02P050 # يجيء فيحل حيث تقع عينك عليه، قال أبو علي: جنب صفة كناقة أجد، ومشية ~~سجح، وجنب التطهر مأخوذ من الجنب، وقال ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد ~~والضحاك: الصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر، وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، وابن مسعود وابن أبي ليلى وإبراهيم النخعي: الصاحب بالجنب الزوجة، ~~وقال ابن زيد: هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه، ms0799 وأسند الطبري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه، وهما على راحلتين، فدخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غيضة فقطع قضيبين، أحدهما معوج وخرج فأعطى صاحبه ~~القويم وحبس هو المعوج، فقال له الرجل: كنت يا رسول الله أحق بهذا، فقال ~~له: يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحبته ولو ساعة من نهار، ~~وقال المفسرون طرا: ابن السبيل هو المسافر على ظهر طريقه، وسمي ابنه للزومه ~~له كما قيل ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي عليه السلام: «لا ~~يدخل الجنة ابن زنى» أي: ملازمه الذي يستحق بالمثابرة عليه # أن ينسب إليه، وذكر الطبري أن مجاهدا فسره بأنه المار عليك في سفره، وأن ~~قتادة وغيره فسره بأنه الضيف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قول واحد، وما ملكت أيمانكم يريد العبيد ~~الأرقاء، ونسب الملك إلى اليمين إذ هي في المعتاد جارحة البطش والتغلب ~~والتملك، فأضيفت هذه المعاني وإن لم تكن بها إليها تجوزا والعبيد موصى بهم ~~في غير ما حديث يطول ذكرها، ويغني عن ذلك اشتهارها، ومعنى لا يحب في هذه ~~الآية لا تظهر عليه آثار نعمه في الآخرة ولا آثار حمده في الدنيا، فهي ~~المحبة التي هي صفة فعل أبعدها عمن صفته الخيلاء والفخر، يقال خال الرجل ~~يخول خولا إذا تكبر وأعجب بنفسه، وأنشد الطبري: [المتقارب] # فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل # قال القاضي أبو محمد: ونفي المحبة عمن هذه صفته ضرب من التوعد، وخص هاتين ~~الصفتين هنا إذ مقتضاهما العجب والزهو، وذلك هو الحامل على الإخلال ~~بالأصناف الذين تقدم أمر الله بالإحسان إليهم، ولكل صنف نوع من الإحسان ~~يختص به، ولا يعوق عن الإحسان إليهم إلا العجب أو البخل، فلذلك نفى الله ~~محبته عن المعجبين والباخلين على أحد التأويلين حسبما نذكره الآن بعد هذا، ~~وقال أبو رجاء الهروي: لا تجده سيء الملكة إلا وجدته مختالا فخورا، ولا ~~عاقا إلا وجدته جبارا شقيا، والفخر عد المناقب ms0800 تطاولا بذلك. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 37 الى 39] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) ~~وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله ~~بهم عليما (39) PageV02P051 # قالت فرقة الذين في موضع نصب بدل من من، في قوله من كان مختالا فخورا ~~[النساء: 36] ومعناه على هذا: «يبخلون بأموالهم ويأمرون الناس» يعني ~~إخوانهم، ومن هو مظنة طاعتهم بالبخل بالأموال، فلا تنفق في شيء من وجود ~~الإحسان إلى من ذكر، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، يعني: من الرزق ~~والمال، فيجيء على هذا أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، والآية إذا في ~~المؤمنين، فالمعنى: أحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمى، فإن الله لا يحب من ~~فيه الخلال المانعة من الإحسان إليهم من المؤمنين، وأما الكافرون فإنه أعد ~~لهم عذابا مهينا، ففضل توعد المؤمنين من توعد الكافرين، بأن جعل الأول عدم ~~المحبة، والثاني عذابا مهينا، وقالت فرقة: الذين- في موضع رفع بالابتداء، ~~والخبر محذوف، تقديره بعد قوله من فضله معذبون أو مجازون أو نحوه، وقال ~~الزجاج: الخبر في قوله تعالى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة ~~يضاعفها [النساء: 40] وفي هذا تكلف ما، والآية على هذا كله في كفار، وقد ~~روي: أنها نزلت في أحبار اليهود بالمدينة، فإنهم بخلوا بالإعلام بصفة محمد ~~عليه السلام، وبما عندهم من العلم في ذلك، وأمروا الناس بالبخل على جهتين، ~~بأن قالوا لأتباعهم وعوامهم: اجحدوا أمر محمد، وابخلوا به، وبأن قالوا ~~للأنصار: لم تنفقون أموالكم على هؤلاء المهاجرين فتفتخرون عليهم؟ ونحو هذا ~~مروي عن مجاهد وحضرمي وابن زيد وابن عباس، وحقيقة «البخل» : منع ما في ~~اليد، والشح: هو البخل الذي تقترن به الرغبة فيما في أيدي الناس، «وكتمان ~~الفضل» هو على هذا: كتمان العلم، والتوعد بالعذاب المهين لهم، وقرأ عيسى ~~ابن عمر والحسن «بالبخل» بضم الباء والخاء، ms0801 وقرأ الجمهور بضم الباء وسكون ~~الخاء، وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الحديد «بالبخل» بفتح الباء والخاء، ~~وقرأ ابن الزبير وقتادة وجماعة: بفتح الباء وسكون الخاء، وهي كلها لغات، ~~وأعتدنا معناه: يسرنا وأعددنا وأحضرنا، والعتيد: الحاضر، والمهين: الذي ~~يقترن به خزي وذل، وهو أنكى وأشد على المعذب. # وقوله تعالى: والذين ينفقون الآية- قال الطبري: الذين في موضع خفض عطف ~~على الكافرين، ويصح أن يكون في موضع رفع عطفا على الذين يبخلون على تأويل: ~~من رآه مقطوعا ورأى الخبر محذوفا، وقال: إنها نزلت في اليهود، ويصح أن يكون ~~في موضع رفع على العطف وحذف الخبر، وتقديره: بعد اليوم الآخر معذبون، وقال ~~مجاهد: نزلت هذه الآية في اليهود، قال الطبري: وهذا ضعيف، لأنه نفى عن هذه ~~الصفة الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليسوا كذلك. # قال القاضي أبو محمد: وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام، إذا ~~إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان، من حيث لا ينفعهم، وقال الجمهور: نزلت في ~~المنافقين، وهذا هو الصحيح، وإنفاقهم: هو ما كانوا يعطون من زكاة، وينفقون ~~في السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، «رياء» ودفعا عن أنفسهم، لا ~~إيمانا بالله، ولا حبا في دينه ورئاء نصب على الحال من الضمير في ينفقون ~~والعامل ينفقون، ويكون قوله: ولا يؤمنون في الصلة، لأن الحال لا تفرق إذا ~~كانت مما هو في الصلة، وحكى المهدوي: أن الحال تصح أن تكون من الذين فعلى ~~هذا يكون ولا يؤمنون مقطوعا ليس من الصلة، PageV02P052 # والأول أصح، وما حكى المهدوي ضعيف، ويحتمل أن يكون ولا يؤمنون في موضع ~~الحال، أي: غير مؤمنين، فتكون الواو واو الحال. و «القرين» : فعيل بمعنى ~~فاعل، من المقارنة وهي الملازمة والاصطحاب، وهي هاهنا مقارنة مع خلطة ~~وتواد، والإنسان كله يقارنه الشيطان، لكن الموفق عاص له، ومنه قيل لما ~~يلزمان الإبل والبقر قرينان، وقيل للحبل الذي يشدان به: قرن، قال الشاعر: ~~[البسيط] # كمدخل رأسه لم يدنه أحد ... بين القرينين حتى لزه القرن # فالمعنى: ومن يكن الشيطان له مصاحبا وملازما، أو شك ms0802 أن يطيعه فتسوء ~~عاقبته، وقرينا نصب على التمييز، والفاعل ل «ساء» مضمر، تقديره ساء القرين ~~قرينا، على حد بئس، وقرن الطبري هذه الآية بقوله تعالى: بئس للظالمين بدلا ~~[الكهف: 50] وذلك مردود، لأن بدلا حال، وفي هذا نظر. # وقوله تعالى: وماذا عليهم «ما» رفع بالابتداء، و «ذا» صلة، وعليهم خبر ~~الابتداء، التقدير: # وأي شيء عليهم؟ ويصح أن تكون «ما» اسما بانفرادها، و «ذا» بمعنى «الذي» ~~ابتداء وخبر، وجواب «لو» في قوله: ماذا فهو جواب مقدم. # قال القاضي أبو محمد: وكأن هذا الكلام يقتضي أن الإيمان متعلق بقدرتهم ~~ومن فعلهم، ولا يقال لأحد: ما عليك لو فعلت إلا فيما هو مقدور له، وهذه ~~شبهة للمعتزلة، والانفصال عنها أن المطلوب إنما هو تكسبهم واجتهادهم ~~وإقبالهم على الإيمان، وأما الاختراع فالله المنفرد به، وفي هذا الكلام ~~تفجع ما عليهم، واستدعاء جميل يقتضي حيطة وإشفاقا وكان الله بهم عليما ~~إخبار يتضمن وعيدا، وينبه على سوء تواطئهم، أي: لا ينفعهم كتم مع علم الله ~~تعالى بهم. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 40] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~(40) # مثقال مفعال من الثقل، و «الذرة» : الصغيرة الحمراء من النمل، وهي أصغر ~~ما يكون إذا مر عليها حول، لأنها تصغر وتجري كما تفعل الأفعى، تقول العرب: ~~أفعى جارية، وهي أشدها، وقال امرؤ القيس: # [الطويل] # من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا # فالمحول الذي أتى عليه حول. وقال حسان: [الخفيف] # لو يدب الحولي من ولد ألذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم # وعبر عن الذرة يزيد بن هارون «بأنها دودة حمراء» ، وهي عبارة فاسدة، وروي ~~عن ابن عباس: # «الذرة» رأس النملة، وقرأ ابن عباس «إن الله لا يظلم مثقال نملة» ومثقال ~~مفعول ثان ل يظلم، والأول مضمر التقدير، أن الله لا يظلم أحدا مثقال ويظلم ~~لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وإنما عدي هنا PageV02P053 # إلى مفعولين بأن يقدر في معنى ما يتعدى إلى مفعولين، كأنه قال: إن الله ms0803 ~~لا ينقص أو لا يبخس أو لا يغصب، ويصح أن يكون نصب مثقال على أنه بيان وصفة ~~لمقدار الظلم المنفي، فيجيء على هذا نعتا لمصدر محذوف، التقدير: إن الله لا ~~يظلم ظلما مثقال ذرة، كما تقول: إن الأمير لا يظلم قليلا ولا كثيرا، أي لا ~~يظلم ظلما قليلا ولا كثيرا، فعلى هذا وقف يظلم على مفعول واحد، وقال قتادة ~~عن نفسه، ورواه عن بعض العلماء، لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي ~~من الدنيا جميعا، وحذفت النون من «تكن» لكثرة الاستعمال، وشبهها خفة بحروف ~~المد واللين، وقرأ جمهور السبعة «حسنة» بالنصب على نقصان «كان» واسمها مضمر ~~تقديره وإن تك زنة الذرة حسنة، وقرأ نافع وابن كثير «حسنة» بالرفع على تمام ~~«كان» التقدير: وإن تقع حسنة أو توجد حسنة، ويضاعفها جواب الشرط، وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر «يضعفها» مشددة العين بغير ألف، قال أبو علي: المعنى فيهما ~~واحد، وهما لغتان، وقرأ الحسن «يضعفها» بسكون الضاد وتخفيف العين، ومضاعفة ~~الشيء في كلام العرب: زيادة مثله إليه، فإذا قلت: ضعفت، فقد أتيت ببنية ~~التكثير، وإذا كانت صيغة الفعل دون التكثير تقتضي الطي مرتين فبناء التكثير ~~يقتضي أكثر من المرتين إلى أقصى ما تريد من العدد، وإذا قلت ضاعفت فليس ~~ببنية تكثير، ولكنه فعل صيغته دالة على الطي مرتين فما زاد، هذه أصول هذا ~~الباب على مذهب الخليل وسيبويه، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب ~~المجاز: أن «ضاعفت» يقتضي مرارا كثيرة، وضعفت يقتضي مرتين، وقال مثله ~~الطبري ومنه نقل، ويدلك على تقارب الأمر في المعنى ما قرئ به في قوله ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة [البقرة: 245] فإنه قرئ «يضاعفه ويضعفه» وما قرئ ~~به في قوله تعالى: يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30] فإنها قرئ «يضعف ~~لها العذاب ضعفين» وقال بعض المتأولين: هذه الآية خص بها المهاجرون، لأن ~~الله أعلم في كتابه: أن الحسنة لكل مؤمن مضاعفة عشر مرار، وأعلم في هذه: # أنها مضاعفة مرارا كثيرة جدا حسب ما روى أبو هريرة من ms0804 أنها تضاعف ألفي ~~ألف مرة، وروى غيره من أنها تضاعف ألف ألف مرة، ولا يستقيم أن يتضاد ~~الخبران، فهذه مخصوصة للمهاجرين السابقين، حسبما روى عبد الله بن عمر: أنها ~~لما نزلت من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] في الناس كافة، ~~قال رجل: فما للمهاجرين؟ فقال ما هو أعظم من هذا إن الله لا يظلم الآية ~~فخصوا بهذا كما خصت نفقة سبيل الله بتضعيف سبعمائة مرة، ولا يقع تضاد في ~~الخبر، وقال بعضهم: بل وعد بذلك جميع المؤمنين، وروي في ذلك أحاديث، وهي: ~~أن الله عز وجل يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينادي هذا فلان بن ~~فلان، فمن كان له عنده حق فليقم قال: فيحب الإنسان أن لو كان له يومئذ الحق ~~على أبيه وابنه، فيأتي كل من له حق فيأخذ من حسناته حتى يقع الانتصاف، ولا ~~يبقى له إلا وزن الذرة، فيقول الله تعالى: # أضعفوها لعبدي واذهبوا به إلى الجنة، وهذا يجمع معاني ما روي مما لم ~~نذكره، والآية تعم المؤمنين والكافرين، فأما المؤمنون فيجازون في الآخرة ~~على مثاقيل الذر فما زاد، وأما الكافرون فما يفعلون من خير فتقع المكافأة ~~عليه بنعم الدنيا ويجيئون يوم القيامة ولا حسنة لهم، ولدنه معناه من عنده، ~~قال سيبويه: # ولدن: هي لابتداء الغاية، فهي تناسب أحد مواضع من، ولذلك التأما ودخلت من ~~عليها، والأجر العظيم: الجنة، قاله ابن مسعود وسعيد بن جبير وابن زيد، ~~والله إذا من بتفضله بلغ بعبده الغاية. PageV02P054 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 41 الى 42] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) # تقدم في الآية قبلها الإعلام بتحقيق الأحكام يوم القيامة، فحسن بعد ذلك ~~التنبيه على الحالة التي يحضر ذلك فيها، ويجاء فيها بالشهداء على الأمم، ~~ومعنى الآية: أن الله يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ~~ومعنى «الأمة» في هذه الآية: غير المعنى المتعارف في إضافة الأمم إلى ~~الأنبياء، ms0805 فإن المتعارف أن تريد بأمة محمد عليه السلام جميع من آمن به ~~وكذلك في كل نبي، وهي هنا جميع من بعث إليه من آمن منهم ومن كفر، وكذلك قال ~~المتأولون: إن الإشارة «بهؤلاء» إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص ~~كفار قريش بالذكر لأن وطأة الوعيد أشد عليهم منها على غيرهم و «كيف» في ~~موضع نصب مفعول مقدم بفعل تقديره في آخر الآية: ترى حالهم، أو يكونون، أو ~~نحوه، وقال مكي في الهداية: # جئنا عامل في «كيف» ، وذلك خطأ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه، وكذلك ذرفت عيناه عليه السلام حين قرأها ~~عليه عبد الله بن مسعود في الحديث المشهور وما ذكره الطبري من شهادة أمة ~~محمد بتبليغ الرسل، وما جرى في معنى ذلك من القصص الذي ذكر مكي، كسؤال ~~اللوح المحفوظ، ثم إسرافيل ثم جبريل، ثم الأنبياء، فليست هذه آيته، وإنما ~~آيته لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143] ويومئذ ظرف ويصح أن يكون نصب ~~«يوم» في هذا الموضع على الظرف، على أنه معرب مع الأسماء غير المتمكنة، ~~ويصح أن يكون نصبه على أنه مبني على النصب مع الأسماء غير المتمكنة، و ~~«الود» إنما هو في ذلك اليوم، وقرأ نافع وابن عامر «تسوى» بتشديد السين ~~والواو على إدغام التاء الثانية من تتسوى، وقرأ حمزة والكسائي «تسوى» ~~بتخفيف السين وتشديد الواو، على حذف التاء الثانية المذكورة، وهما بمعنى ~~واحد، واختلف فيه، فقالت فرقة: تنشق الأرض فيحصلون فيها ثم تتسوى هي في ~~نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا ~~كآبائهم، فجاء اللفظ على أن الأرض هي المستوية معهم، والمعنى إنما هو أنهم ~~يستوون مع الأرض، ففي اللفظ قلب يخرج على نحو اللغة التي حكاها سيبويه، ~~أدخلت القلنسوة في رأسي وأدخلت فمي في الحجر، وما جرى مجراه، وقرأ ابن كثير ~~وابن عامر وأبو عمرو «تسوى» على بناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله، ~~فيكون الله تعالى يفعل ms0806 ذلك على حسب المعنيين المتقدمين، قال أبو علي: إمالة ~~الفتحة إلى الكسرة والألف إلى الياء في «تسوى» حسنة، قالت طائفة: معنى ~~الآية أن الكفار لما يرونه من الهول وشدة المخاوف يودون أن تسوى بهم الأرض ~~فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام فأخبر أنهم لا يكتمون الله حديثا ~~لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم: والله ربنا ما كنا مشركين ~~[الأنعام: 23] فيقول الله: كذبتم، ثم ينطق جوارحهم فلا تكتم حديثا، وهذا ~~قول ابن عباس، وقال فيه: إن الله إذا جمع الأولين والآخرين ظن بعض الكفار ~~أن الإنكار ينجي، فقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، فيقول الله: كذبتم، ثم ~~ينطق جوارحهم فلا تكتم حديثا، وهكذا فتح ابن عباس على سائل أشكل عليه ~~الأمر، PageV02P055 # وقالت طائفة: مثل القول الأول، إلا أنها قالت: إنما استأنف الكلام بقوله: ~~ولا يكتمون الله حديثا ليخبر عن أن الكتم لا ينفع، وإن كتموا، لأن الله ~~تعالى يعلم جميع أسرارهم وأحاديثهم، فمعنى ذلك: # وليس ذلك المقام الهائل مقاما ينفع فيه الكتم. # قال القاضي أبو محمد: الفرق بين هذين القولين أن الأول يقتضي أن الكتم لا ~~ينفع بوجه، والآخر يقتضي أن الكتم لا ينفع وقع أو لم يقع، كما تقول: هذا ~~مجلس لا يقال فيه باطل، وأنت تريد لا ينتفع به ولا يستمع إليه، وقالت ~~طائفة: الكلام كله متصل، ومعناه: يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض، ~~ويودون أن لا يكتموا الله حديثا، وودهم لذلك إنما هو ندم على كذبهم حين ~~قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، وقالت طائفة: هي مواطن وفرق، وقالت ~~طائفة: معنى الآية: يود الذين كفروا أن تسوى بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا ~~الله حديثا، وهذا على جهة الندم على الكذب أيضا، كما تقول: وددت أن أعزم ~~كذا، ولا يكون كذا على جهة الفداء، أي يفدون كتمانهم بأن تسوى بهم الأرض، ~~والرسول في هذه الآية: للجنس، شرف بالذكر وهو مفرد دل على الجمع، وقرأ أبو ~~السمال ويحيى بن يعمر: «وعصوا الرسول» بكسر الواو من عصوا. # قوله ms0807 تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 43] # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) # سبب النهي عن قرب الصلاة في حال سكر: أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شربت الخمر عند أحدهم قبل التحريم، فيهم أبو بكر وعمر وعلي ~~وعبد الرحمن بن عوف، فحضرت الصلاة، فتقدمهم علي بن أبي طالب، فقرأ قل يا ~~أيها الكافرون [الكافرون: 1] فخلط فيها، بأن قال: # «أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد» ، فنزلت الآية، وروي أن المصلي ~~عبد الرحمن بن عوف، وجمهور المفسرين على أن المراد سكر الخمر، إلا الضحاك، ~~فإنه قال: إنما المراد سكر النوم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والخطاب لجميع الأمة الصالحين، وأما ~~السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت، وإنما هو مخاطب إذا ~~صحا بامتثال ما يجب عليه، وبتكفير ما ضاع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر ~~تكليفه إياها قبل السكر، وليس في هذا تكليف ما لا يطاق، على ما ذهب إليه ~~بعض الناس، وقرأت فرقة سكارى جمع سكران، وقرأت فرقة «سكرى» بفتح السين على ~~مثال فعلى وقرأ الأعمش: «سكرى» بضم السين وسكون الكاف على مثال فعلى، وقرأ ~~النخعي «سكرى» بفتح السين. قال أبو الفتح: هو تكسير سكران على سكارى، كما ~~قالوا: روبى نياما وكقولهم: PageV02P056 # هلكى وميدى في جمع هالك ومائد، ويحتمل أن يكون صفة لمؤنثة واحدة، كأن ~~المعنى وأنتم جماعة سكرى، وأما «سكرى» بضم السين فصفة لواحدة، كحبلى. ~~والسكر انسداد الفهم، ومنه سكرت الماء إذا سددت طريقه، وقالت طائفة: الصلاة ~~هنا العبادة المعروفة، حسب السبب في نزول الآية، وقالت طائفة: الصلاة هنا ~~المراد بها موضع الصلاة والصلاة معا، لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد ~~إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين. ms0808 # قال القاضي أبو محمد: وإنما احتيج إلى هذا الخلاف بحسب ما يأتي في تفسير ~~عابري السبيل، ويظهر من قوله: حتى تعلموا أن السكران لا يعلم ما يقول ولذلك ~~قال عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره: إن السكران لا يلزمه طلاقه، فأسقط ~~عنه أحكام القول، لهذا ولقول النبي عليه السلام للذي أقر بالزنى أسكران ~~أنت؟ فمعناه: أنه لو كان سكران لم يلزمه الإقرار. # قال القاضي أبو محمد: وبين طلاق السكران وإقراره بالزنى فرق، وذلك أن ~~الطلاق والإقرار بالمال والقذف وما أشبهه هذا يتعلق به حقوق الغير من ~~الآدميين، فيتهم السكران إن ادعى أنه لم يعلم، ويحكم عليه حكم العالم، ~~والإقرار بالزنا إنما هو حق لله تعالى، فإذا ادعى فيه بعد الصحو أنه كان ~~غير عالم دين، وأما أحكام الجنايات، فهي كلها لازمة للسكران وأنتم سكارى ~~ابتداء وخبر، جملة في موضع الحال، وحكي عن ابن فورك أنه قال: معنى الآية ~~النهي عن السكر، أي لا يكن منكم سكر، فيقع قرب الصلاة، إذ المرء مدعو إلى ~~الصلاة دأبا، والظاهر أن الأمر ليس كذلك، وقد روي: أن الصحابة بعد هذه ~~الآية كانوا يشربون ويقللون أثر الصبح وأثر العتمة، ولا تدخل عليهم صلاة ~~إلا وهم صاحون، وقوله: ولا جنبا عطف على موضع هذه الجملة المنصوبة، والجنب ~~هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان، هذا قول جمهور الأمة، وروي عن بعض ~~الصحابة: لا غسل إلا على من أنزل، وهو من الجنابة، وهي: البعد، كأنه جانب ~~الطهر أو من الجنب، كأنه ضاجع ومس بجنبه جنبا، وقرأت فرقة «جنبا» بإسكان ~~النون، و «عابري سبيل» هو من العبور أي: الخطور والجواز، ومنه: عبر السفينة ~~النهر، ومنه: ناقة عبر السير والفلاة والمهاجرة أي تعبرها بسرعة السير. قال ~~الشاعر: وهي امرأة: [الكامل] # عيرانة سرح اليدين شملة ... عبر الهواجر كالهزف الخاضب # وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم: عابر ~~السبيل هو المسافر، فلا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، ~~إلا المسافر ms0809 فإنه يتيمم، وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود وعكرمة والنخعي ~~وغيرهم: عابر السبيل الخاطر في المسجد، وهو المقصود في الآية، وهذا يحتاج ~~إلى ما تقدم من أن القول بأن الصلاة هي المسجد والمصلى، وروى بعضهم: أن سبب ~~الآية: أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصابت ~~أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد، فنزلت الآية في ذلك، ثم نزلت وإن ~~كنتم مرضى إلى آخر الآية، بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة المريسيع حين ~~أقام على التماس العقد، هكذا قال الجمهور، وقال النخعي: نزلت في قوم ~~أصابتهم جراح ثم أجنبوا، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ~~الآية، ذكر النقاش: أن ذلك PageV02P057 # نزل بعبد الرحمن بن عوف، والمريض المقصود في هذه الآية هو الحضري، والذي ~~يصح له التيمم هو الذي يخاف الموت لبرد الماء وللعلة به، وهذا يتيمم ~~بإجماع، إلا ما روي عن عطاء: أنه يتطهر وإن مات، والذي يخاف حدوث علة على ~~علة أو زيادة علة، والذي يخاف بطء برء، فهؤلاء يتيممون بإجماع من المذهب ~~فيما حفظت، والأسباب التي لا يجد المريض بها الماء هي إما عدم المناول، ~~وإما خوف ما ذكرناه. وقال داود: كل من انطلق عليه اسم المريض فجائز له ~~التيمم، وهذا قول خلف، وإنما هو عند علماء الأمة المجدور، والمحصوب، والعلل ~~المخوفة عليها من الماء، والمسافر في هذه الآية: هو الغائب عن الحضر، كان ~~السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا تقصر، هذا مذهب مالك وجمهور الفقهاء، وقال ~~الشافعي في كتاب الأشراف: وقال قوم: لا يتيمم إلا في سفر يجوز فيه التقصير، ~~وهذا ضعيف. # قال القاضي أبو محمد: وكذلك قالت فرقة: لا يتيمم في سفر معصية، وهذا أيضا ~~ضعيف، والأسباب التي لا يجد بها المسافر الماء هي إما عدمه جملة، وإما خوف ~~فوات الرفيق بسبب طلبه، وإما خوف على الرحل بسبب طلبه، وإما خوف سباع أو ~~إذاية عليه، واختلف في وقت إيقاعه التيمم، فقال الشافعي: في أول الوقت، ~~وقال أبو حنيفة ms0810 وغيره: في آخر الوقت، وفرق مالك بين اليائس والعالم الطامع ~~بإدراكه في الوقت، والجاهل بأمره جملة، وقال إسحق بن راهويه: لا يلزم ~~المسافر طلب الماء إلا بين يديه وحوله، وقالت طائفة: يخرج من طلبه الغلوتين ~~ونحوهما، وفي مذهب مالك يمشي في طلبه ثلاثة أميال، وقال الشافعي: يمشي في ~~طلبه ما لم يخف فوات رفيق أو فوات الوقت. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، وأصل الغائط ما انخفض من الأرض، ~~وكانت العرب تقصد بقضاء حاجتها ذلك الصنف من المواضع، حتى كثر استعماله في ~~قضاء الحاجة وصار عرفه، وقرأ قتادة والزهري «من الغيط» ساكنة الياء من غير ~~ألف، قال ابن جني: هو محذوف من فيعل، عين هذه الكلمة واو، وهذا اللفظ يجمع ~~بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى، واختلف الناس في حصرها، ~~وأنبل ما اعتقد في ذلك: أن أنواع الأحداث ثلاثة، ما خرج من السبيلين معتاد، ~~وما أذهب العقل، واللمس، هذا على مذهب مالك، وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من ~~النجاسات من الجسد، ولا يراعى المخرج ولا غيره، ولا يعد اللمس فيها. وعلى ~~مذهب الشافعي ما خرج من السبيلين، ولا يراعى الاعتياد، والإجماع من الأحداث ~~على تسعة، أربعة من الذكر، وهي البول والمني والودي والمذي، وواحد من فرج ~~المرأة وهو دم الحيض، واثنان من الدبر، وهما الريح والغائط، وذهاب العقل ~~كالجنون والإغماء والنوم الثقيل، فهذه تنقض الطهارة الصغرى إجماعا، وغير ~~ذلك كاللمس والدود يخرج من الدبر وما أشبهه مختلف فيه، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو وابن عامر وعاصم لامستم وقرأ حمزة والكسائي «لمستم» وهي في اللغة ~~لفظة قد تقع للمس الذي هو الجماع، وفي اللمس الذي هو جس اليد والقبلة ~~ونحوه، إذ في جميع ذلك لمس، واختلف أهل العلم في موقعها هنا. فمالك رحمه ~~الله يقول: اللفظة هنا على أتم عمومها تقتضي الوجهين، فالملامس بالجماع ~~يتيمم، والملامس باليد يتيمم، لأن اللمس نقض وضوءه، وقالت طائفة: هي هنا ~~مخصصة للمس اليد، والجنب لا ذكر له إلا مع الماء، ولا سبيل ms0811 له إلى التيمم، ~~وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، روي هذا القول عن عمر رضي ~~الله عنه وعن عبد الله بن PageV02P058 # مسعود وغيرهما، وقال أبو حنيفة: هي هنا مخصصة للمس الذي هو الجماع، ~~فالجنب يتيمم، واللامس باليد لم يجر له ذكر فليس بحدث، ولا هو ناقض لوضوء، ~~فإذا قبل الرجل امرأته للذة لم ينتقض وضوءه، ومالك رحمه الله يرى: أن اللمس ~~ينقض إذا كان للذة، ولا ينقض إذا لم يقصد به اللذة، ولا إذا كان لابنة أو ~~لأم، والشافعي رحمه الله يعمم لفظة النساء، فإذا لمس الرجل عنده أمه أو ~~ابنته على أي وجه كان انتقض وضوءه، وعدم وجود الماء يترتب للمريض وللمسافر ~~حسبما ذكرناه، ويترتب للصحيح الحاضر بالغلاء الذي يعم جميع الأصناف، واختلف ~~فيه، فقال الحسن: يشتري الرجل الماء بماله كله ويبقى عديما، وهذا قول ضعيف، ~~لأن دين الله يسر كما قال صلى الله عليه وسلم، ويريد بنا اليسر ولم يجعل ~~علينا في الدين من حرج، وقالت طائفة: يشتري ما لم يزد على القيمة الثلث ~~فصاعدا، وقالت طائفة: يشتري قيمة الدرهم بالدرهمين والثلاثة، ونحو هذا، ~~وهذا كله في مذهب مالك رحمه الله، وقيل لأشهب: أيشتري القربة بعشرة دراهم؟ ~~فقال ما أرى ذلك على الناس. # قال القاضي أبو محمد: وقدر هذه المسألة إنما هو بحسب غنى المشتري وحاجته، ~~والوجه عندي أن يشتري ما لم يؤذ غلاؤه، ويترتب أيضا عدم الماء للصحيح ~~الحاضر بأن يسجن أو يربط، وهذا هو الذي يقال فيه: إنه لم يجد ماء ولا ~~ترابا، كما ترجم البخاري، ففيه أربعة أقوال، فقال مالك وابن نافع: لا يصلي ~~ولا يعيد، وقال ابن القاسم: يصلي ويعيد، وقال أشهب: يصلي ولا يعيد، وقال ~~أصبغ: لا يصلي ويقضي، إذا خاف الحضري فوات الوقت إن تناول الماء، فلمالك ~~رحمه الله قولان في المدونة: إنه يتيمم ولا يعيد، وقال: إنه يعيد، وفي ~~الواضحة وغيرها عنه: أنه يتناول الماء ويغتسل وإن طلعت الشمس. وعلى القول ~~بأنه يتيمم ولا يعيد إذا بقي من ms0812 الوقت شيء بقدر ما كان يتوضأ ويصلي ركعة، ~~فقيل: يعيد، وقيل: لا يعيد، ومعنى قوله فتيمموا في اللغة: اقصدوا، ومنه قول ~~امرئ القيس [الطويل] # تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي # ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [المتقارب] # تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن # ثم غلب هذا الاسم في الشرع على العبادة المعروفة، والصعيد في اللغة: وجه ~~الأرض، قاله الخليل وغيره، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] # كأنه بالضحى ترمي الصعيد به ... دبابة في عظام الرأس خرطوم # واختلف الفقهاء فيه من أجل تقييد الآية إياه بالطيب، فقالت طائفة: يتيمم ~~بوجه الأرض، ترابا كان أو رملا أو حجارة أو معدنا أو سبخة، وجعلت «الطيب» ~~بمعنى الطاهر، وهذا مذهب مالك، وقالت طائفة منهم: «الطيب» بمعنى الحلال، ~~وهذا في هذا الموضع قلق، وقال الشافعي وطائفة: «الطيب» بمعنى المنبت، كما ~~قال جل ذكره والبلد الطيب يخرج نباته [الأعراف: 58] فيجيء الصعيد على هذا ~~التراب، وهذه الطائفة لا تجيز التيمم بغير ذلك مما ذكرناه، فمكان الإجماع: ~~أن يتيمم الرجل في تراب منبت طاهر غير منقول ولا مغصوب، ومكان الإجماع في ~~المنع: أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف، PageV02P059 # أو الفضة والياقوت والزمرد، أو الأطعمة، كالخبز واللحم وغيرهما، أو على ~~النجاسات- واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجيز، وهو مذهب مالك، ومنع، وهو ~~مذهب الشافعي، وأشار أبو الحسن اللخمي إلى أن الخلاف فيه موجود في المذهب، ~~وأما الملح فأجيز في المذهب المعدني والجامد، ومنعا، وأجيز المعدني ومنع ~~الجامد، والثلج في المدونة جوازه، ولمالك في غيرها منعه، وذكر النقاش عن ~~ابن علية وابن كيسان: # أنهما أجازا التيمم بالمسك والزعفران. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ بحت من جهات، وأما التراب المنقول في طبق ~~وغيره، فجمهور المذهب جواز التيمم به، وفي المذهب المنع، وهو في غير المذهب ~~أكثر، وأما ما طبخ كالآجر والجص ففيه في المذهب قولان، الإجازة والمنع، وفي ~~التيمم على الجدار الخلاف، وأما التيمم على النبات والعود فاختلف فيه في ~~مذهب مالك، فالجمهور على منع ms0813 التيمم على العود، وفي مختصر الوقار: أنه ~~جائز، وحكى الطبري في لفظة «الصعيد» اختلافا: أنها الأرض الملساء وأنها ~~الأرض المستوية، وأن «الصعيد» التراب، وأنه وجه الأرض. # وترتيب القرآن الوجه قبل اليدين، وبه قال الجمهور، ووقع في حديث عمار في ~~البخاري في بعض الطرق تقديم اليدين، وقاله بعض أهل العلم: قياسا على تنكيس ~~الوضوء، وتراعى في الوجه حدوده المعلومة في الوضوء، فالجمهور على أن ~~استيعابه بالمسح في التيمم واجب، ويتتبعه كما يصنع بالماء، وأن لا يقصد ترك ~~شيء منه، وأجاز بعضهم أن لا يتتبع كالغضون في الخفين، وما بين الأصابع في ~~اليدين، وهو في المذهب قول محمد بن مسلمة. ومذهب مالك في المدونة: أن ~~التيمم بضربتين، وقال ابن الجهم: التيمم واحدة، وقال مالك في كتاب محمد: إن ~~تيمم بضربة أجزاه، وقال غيره في المذهب: يعيد في الوقت، وقال ابن نافع: ~~يعيد أبدا، وقال مالك في المدونة: يبدأ بأصابع اليسرى على أصابع اليمنى، ثم ~~يمر كذلك إلى المرفق، ثم يلوي بالكف اليسرى على باطن الذراع الأيمن، حتى ~~يصل إلى الكوع. ثم يفعل باليمنى على اليسرى كذلك، فظاهر هذا الكلام أنه ~~يستغنى عن مسح الكف بالأخرى، ووجهه أنهما في الإمرار على الذراع ماسحة ~~ممسوحة، قال ابن حبيب: يمر بعد ذلك كفيه، فهذا مع تحكيم ظاهر المدونة خلاف، ~~قال اللخمي: في كلام المدونة يريد ثم يمسح كفه بالأخرى فيجيء على تأويل أبي ~~الحسن كلام ابن حبيب تفسيرا، وقالت طائفة: يبدأ بالشمال كما في المدونة، ~~فإذا وصل على باطن الذراع إلى الرسغ، مشى على الكف، ثم كذلك باليمنى في ~~اليسرى، ووجه هذا القول أن لا يترك من عضو بعد التلبس به موضعا، ثم يحتاج ~~إلى العودة إليه بعد غيره، وقالت طائفة: يتناول بالتراب كما يتناول بالماء ~~في صورة الإمرار دون رتبة، وقال مالك في المدونة: يمسح يديه إلى المرفقين، ~~فإن مسح إلى الكوعين أعاد في الوقت، وقال ابن نافع: يعيد أبدا، قال غيرهما: ~~في المذهب يمسح إلى الكوعين وهذا قول مكحول وجماعة من العلماء، وفي ms0814 غير ~~المذهب يمسح الكفين فقط، وفي ذلك حديث عن عمار بن ياسر، وهو قول الشعبي، ~~وقال ابن شهاب: يمسح إلى الآباط، وذكره الطبري عن أبي بكر الصديق أنه قال ~~لعائشة حين نزلت آية التيمم: إنك لمباركة، نزلت فيه رخصة، فضربنا ضربة ~~لوجوهنا، وضربة بأيدينا إلى المناكب والآباط، وفي مصنف أبي داود عن الأعمش: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسح إلى PageV02P060 # أنصاف ذراعيه، ولم يقل بهذا الحديث أحد من العلماء فيما حفظت، وما حكي ~~الداودي من أن الكوعين فرض والمرافق سنة والآباط فضيلة، فكلام لا يعضده ~~قياس ولا دليل، وإنما عمم قوم لفظة اليد فأوجبوه من المنكب، وقاس قوم على ~~الوضوء فأوجبوه من المرافق، وعمم جمهور الأمة، ووقف قوم مع الحديث في ~~الكوعين، وقيس أيضا على القطع، إذ هو حكم شرعي وتطهير، كما هذا تطهير، ووقف ~~آخرون مع حديث عمار في الكفين، واختلف المذهب في تحريك الخاتم وتخليل ~~الأصابع على قولين، يجب ولا يجب. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 46] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من ~~الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع ~~وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ~~(46) # الرؤية في قوله ألم تر من رؤية القلب، وهي علم بالشيء، وقال قوم: معناه ~~«ألم تعلم» وقال آخرون: «ألم تخبر» ، وهذا كله يتقارب، والرؤية بالقلب تصل ~~بحرف الجر وبغير حرف الجر، والمراد ب الذين: اليهود، قاله قتادة وغيره، ثم ~~اللفظ يتناول معهم النصارى، وقال ابن عباس: نزلت في رفاعة بن زيد بن ~~التابوت اليهودي، وأوتوا أعطوا، و «النصيب» الحظ، والكتاب: التوراة ~~والإنجيل، وإنما جعل المعطى نصيبا في حق كل واحد منفرد، لأنه لا يحصر علم ~~الكتاب واحد بوجه، ويشترون عبارة عن إيثارهم الكفر وتركهم الإيمان، فكأنه ms0815 ~~أخذ وإعطاء، هذا قول جماعة، وقالت فرقة: أراد الذين كانوا يعطون أموالهم ~~للأحبار على إقامة شرعهم فهذا شراء على وجهه على هذا التأويل، ويريدون أن ~~تضلوا السبيل، معناه أن تكفروا، وقرأ النخعي، «وتريدون أن تضلوا» ، بالتاء ~~منقوطة من فوق في تريدون. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وما بعدها، تقتضي توبيخا للمؤمنين على ~~استنامة قوم منهم إلى أحبار اليهود، في سؤال عن دين، أو في موالاة أو ما ~~أشبه ذلك، وهذا بين في ألفاظها، فمن ذلك، ويريدون أن تضلوا، أي تدعوا ~~الصواب في اجتنابهم، وتحسبوهم غير أعداء، والله أعلم بهم، وقوله: # والله أعلم بأعدائكم خبر في ضمنه التحذير منهم، وبالله، في قوله: وكفى ~~بالله في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض، وفائدة زيادته تبيين معنى الأمر في ~~لفظ الخبر، أي اكتفوا بالله، فالباء تدل على المراد من ذلك، وليا فعيلا، ~~ونصيرا كذلك، من الولاية والنصر. # وقوله تعالى: من الذين هادوا قال بعض المتأولين من راجعة على الذين ~~الأولى، فهي على هذا متعلقة ب تر، وقالت طائفة، هي متعلقة ب نصيرا والمعنى ~~ينصركم من الذين هادوا، فعلى PageV02P061 # هذين التأويلين لا يوقف في قوله: نصيرا وقالت فرقة: هي لابتداء الكلام، ~~وفيه إضمار تقديره قوم يحرفون، هذا مذهب أبي علي، ونظيره قول الشاعر ~~[النابغة الذبياني] : [الوافر] # كأنك من جمال أبي أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن # وقال الفراء وغيره: تقديره من، ومثله قول ذي الرمة: [الطويل] # فظلوا ومنهم دمعه سابق له ... وآخر يثني دمعة العين باليد # فعلى هذا التأويل يوقف في قوله: نصيرا وقول سيبويه أصوب لأن إضمار ~~الموصول ثقيل، وإضمار الموصوف أسهل، وهادوا مأخوذ من هاد إذا تاب أو من ~~يهود بن يعقوب وغيره التعريب، أو من التهود وهو الرويد من المشي واللين في ~~القول، ذكر هذه كلها الخليل، وقد تقدم شرحها وبيانها في سورة البقرة، و ~~«تحريف الكلم» على وجهين، إما بتغيير اللفظ، وقد فعلوا ذلك في الأقل، وإما ~~بتغيير التأويل، وقد فعلوا ذلك في الأكثر، وإليه ذهب الطبري، وهذا كله في ~~التوراة ms0816 على قول الجمهور، وقالت طائفة: هو كلم القرآن، وقال مكي: كلام ~~النبي محمد عليه السلام، فلا يكون التحريف على هذا إلا في التأويل، وقرأ ~~النخعي وأبو رجاء: يحرفون الكلام بالألف، ومن جعل «من» متعلقة «بنصيرا» جعل ~~«يحرفون» في موضع الحال، ومن جعلها منقطعة جعل «يحرفون» صفة، وقوله تعالى ~~عنهم سمعنا وعصينا عبارة عن عتوهم في كفرهم وطغيانهم فيه، ومسمع لا يتصرف ~~إلا من أسمع، وغير مسمع يتخرج فيه معنيان: أحدهما غير مأمور وغير صاغر، ~~كأنه قال: غير أن تسمع مأمورا بذلك، والآخر على جهة الدعاء، أي لا سمعت، ~~كما تقول: امض غير مصيب، وغير ذلك، فكانت اليهود إذا خاطبت النبي بغير ~~مسمع، أرادت في الباطن الدعاء عليه، وأرت ظاهرا أنها تريد تعظيمه، قال نحوه ~~ابن عباس وغيره، وكذلك راعنا كانوا يريدون منه في نفوسهم معنى الرعونة، ~~وحكى مكي معنى رعاية الماشية، ويظهرون منه معنى المراعاة، فهذا معنى «لي ~~اللسان» ، فقال الزجاج: كانوا يريدون: اجعل سمعك لكلامنا مرعى. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا جفاء لا يخاطب به نبي، وفي مصحف ابن مسعود ~~«راعونا» ومن قال: غير مسمع غير مقبول منك فإنه لا يساعده التصريف، وقد ~~حكاه الطبري عن الحسن ومجاهد، وليا أصله لويا، قلبت الواو ياء وأدغمت. ~~وطعنا في الدين أي توهينا له وإظهارا للاستخفاف به قال القاضي أبو محمد: ~~وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ~~ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب، وقوله ~~تعالى: ولو أنهم الآية، المعنى: لو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، واختلف ~~المتأولون في قوله، وانظرنا فقال مجاهد وعكرمة وغيرهما: معناه انتظرنا، ~~بمعنى: أفهمنا وتمهل علينا حتى نفهم عنك ونعي قولك، وهذا كما قال الحطيئة: # وقد نظرتكم إيناء صادرة ... للخمس طال بها مسحي وتناسي PageV02P062 # وقالت فرقة: انظر- معناه: انظر إلينا، فكأنه استدعاء اهتبال وتحف، ومنه ~~قول ابن الرقيات [الخفيف] : # ظاهرات الجمال والحسن ينظر ... ن كما تنظر الأراك الظباء # وأقوم معناه: أعدل وأصوب، «واللعنة» : الإبعاد، فمعناه: ms0817 أبعدهم من ~~المهدي، وقليلا: # نعت، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم، والمعنى مختلف، فمن عبر بالقلة عن ~~الإيمان قال: إما هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما ~~تنبت كذا وهي لا تنبته جملة، وإما قلل الإيمان لما قلت الأشياء التي آمنوا ~~بها فلم ينفعهم ذلك، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع ~~أوامر شريعته ونواهيها، ومن عبر بالقلة عن النفر قال: لا يؤمن منهم إلا ~~قليل، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما، وإذا قدرت الكلام نفرا ~~قليلا، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 47 الى 48] # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (48) # هذا خطاب لليهود والنصارى، ولما معكم معناه من شرع وملة، لا لما كان معهم ~~من مبدل ومغير، و «الطامس» : الدائر المغير الاعلام، كما قال ذو الرمة: ~~[البسيط] # من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الاعلام مجهول # ومن ذلك قيل للأعمى المسدودة عيناه: أعمى مطموس، وقالت طائفة: «طمس ~~الوجوه» هنا: أن تعفى أثر الحواس فيها. وتزال الخلقة منه فيرجع كسائر ~~الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس، فيكون أرد على «الأدبار» في هذا الموضع ~~بالمعنى، أي خلوه من الحواس دبرا لكونه عامرا بها، وقال ابن عباس وعطية ~~العوفي: «طمس الوجوه» أن تزال العينان خاصة منها وترد العينان في القفا ~~فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشى القهقرى، وحكى الطبري عن فرقة: أن طمس ~~الوجوه أن تتغير أعلامها وتصير منابت للشعر، فذلك هو الرد على الدبر، ورد ~~على هذا القول الطبري، وقال مالك رحمه الله: كان أول إسلام كعب أنه مر برجل ~~من أليل وهو يقرأ هذه الآية: يا أيها الذين أوتوا الكتاب ms0818 آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته. فأسلم مكانه، ~~وقال: والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي، وقال مجاهد والحسن ~~والسدي والضحاك: ذلك تجوز، وإنما المراد به وجوه الهدى والرشد، وطمسها حتم ~~الإضلال والصد عنها والتصيير إلى الكفر، وهو الرد على الأدبار، وقال ابن ~~زيد: الوجوه هي أوطانهم وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها، وطمسها: ~~إخراجهم منها، والرد على الأدبار: هو رجوعهم إلى الشام من حبث أتوا أولا، ~~وأصحاب السبت: هم أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت في الصيد، حسبما PageV02P063 # تقدم، وكانت لعنتهم أن مسخوا خنازير وقردة، قاله قتادة والحسن والسدي: ~~وأمر الله في هذا الموضع واحد الأمور، دال على جنسها، لا واحد الأوامر، فهي ~~عبارة عن المخلوقات كالعذاب واللعنة هنا، أو ما اقتضاه كل موضع مما يختص ~~به. # وقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية، هذه مسألة الوعد ~~والوعيد، وتلخيص الكلام فيها أن يقال: الناس أربعة أصناف، كافر مات على ~~كفره، فهذا مخلد في النار بإجماع، ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك، ~~فهذا في الجنة محتوم عليه حسب الخبر من الله تعالى بإجماع، وتائب مات على ~~توبته فهو عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن المحسن إلا أن ~~قانون المتكلمين أنه في المشيئة، ومذنب مات قبل توبته، فهذا موضع الخلاف، ~~فقالت المرجئة: هو في الجنة بإيمانه ولا تضره سيئاته، وبنوا هذه المقالة ~~على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار، وآيات الوعد عامة في ~~المؤمنين، تقيهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة: إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار ~~ولا بد، وقالت الخوارج: # إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له، لأنهم يرون ~~كل الذنوب كبائر، وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في ~~المؤمن المحسن الذي لم يعص قط، والمؤمن التائب، وجعلوا آيات الوعيد عامة في ~~العصاة كفارا أو مؤمنين، وقال أهل السنة وأحق: آيات الوعد ms0819 ظاهرة العموم، ~~وآيات الوعيد ظاهرة العموم، ولا يصح نفوذ كلها لوجهه بسبب تعارضها، كقوله ~~تعالى: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى [الليل: 15- 16] ، وهذه الآية ~~هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد وقوله: ومن يعص الله ~~ورسوله فإن له نار جهنم [الجن: 23] فلا بد أن نقول: إن آيات الوعد لفظها ~~لفظ عموم، والمراد بها الخصوص في المؤمن المحسن، وفي التائب، وفيمن سبق في ~~علمه تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة، وأن آيات الوعيد لفظها عموم، ~~والمراد بها الخصوص في الكفرة وفيمن سبق في علمه تعالى أنه يعذبه من ~~العصاة، وتحكم بقولنا: هذه الآية النص في موضع النزاع، وهي قوله تعالى: إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فإنها جلت الشك وردت ~~على الطائفتين، المرجئة والمعتزلة، وذلك أن قوله تعالى إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به فصل مجمع عليه، وقوله: ويغفر ما دون ذلك فصل قاطع بالمعتزلة راد ~~على قولهم ردا لا محيد عنه، ولو وقفنا في هذا الموضع من الكلام لصح قول ~~المرجئة، فجاء قوله لمن يشاء رادا عليهم، موجبا أن غفران ما دون الشرك إنما ~~هو لقوم دون قوم، بخلاف ما زعموه من أنه مغفور لكل مؤمن. # قال القاضي أبو محمد: ورامت المعتزلة أن ترد هذه الآية إلى قولها، بأن ~~قالوا: «من يشاء» هو التائب، وما أرادوه فاسد، لأن فائدة التقسيم في الآية ~~كانت تبطل، إذا التائب من الشرك يغفر له. # قال القاضي أبو محمد: ورامت المرجئة أن ترد الآية إلى قولها، بأن قالوا: ~~لمن يشاء معناه: # يشاء أن يؤمن، لا يشاء أن يغفر له. فالمشيئة معلقة بالإيمان ممن يؤمن، لا ~~بغفران الله لمن يغفر له، ويرد ذلك بأن الآية تقتضي على هذا التأويل أن ~~قوله: ويغفر ما دون ذلك عام في كافر ومؤمن، فإذا خصص المؤمنون بقوله لمن ~~يشاء وجب أن الكافرين لا يغفر لهم ما دون ذلك، ويجازون به. PageV02P064 # قال القاضي أبو محمد: وذلك وإن كان مما ms0820 قد قيل- فهو مما لم يقصد بالآية ~~على تأويل أحد من العلماء، ويرد على هذا المنزع بطول التقسيم، لأن الشرك ~~مغفور أيضا لمن شاء الله أن يؤمن. # قال القاضي أبو محمد: ومن آيات الوعيد التي احتج بها المعتزلة، قوله ~~تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما [النساء: 93] والآية مخرجة عنهم لوجوه، منها: أن الأصح ~~في تأويل قوله تعالى متعمدا ما قال ابن عباس: إنه أراد مستحلا، وإذا استحل ~~أحد ما حرم الله عليه فقد كفر، ويدل على ما قال ابن عباس: إنا نجد الله ~~تعالى في أمر القتل إذا ذكر القصاص لم يذكر الوعيد، وإذا ذكر الوعيد بالنار ~~لم يذكر القصاص، فيظهر أن القصاص للقاتل المؤمن العاصي، والوعيد للمستحل ~~الذي في حكم الكافر، ومنها من جهة أخرى أن الخلود إذا لم يقرن بقوله «أبدا» ~~فجائز أن يراد به الزمن المتطاول، إذ ذلك معهود في كلام العرب، ألا ترى ~~أنهم يحيون الملوك بخلد الله ملكك، ومن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] # وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال # وقال عبد الله بن عمرو لما نزلت قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا [الزمر: 53] قال بعض أصحاب ~~النبي عليه السلام: والشرك يا رسول الله، فنزلت: إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولما حتم على أنه لا يغفر الشرك ذكر قبح ~~موضعه وقدره في الذنوب، والفرية: أشد مراتب الكذب قبحا، وهو الاختلاق ~~للعصبية. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 49 الى 52] # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ~~(49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن ~~الله فلن تجد ms0821 له نصيرا (52) # هذا لفظ عام في ظاهره، ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود، ~~واختلف في المعنى الذي به «زكوا أنفسهم» ، فقال قتادة والحسن: ذلك قولهم ~~نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] وقولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا [البقرة: 111] وقال الضحاك والسدي: ذلك قولهم: لا ذنوب لنا وما فعلناه ~~نهارا غفر ليلا، وما فعلناه ليلا غفر نهارا، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب، ~~وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة: تقديمهم أولادهم الصغار للصلاة لأنهم لا ذنوب ~~لهم. # قال المؤلف: وهذا يبعد من مقصد الآية وقال ابن عباس: ذلك قولهم أبناؤنا ~~الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا، وقال عبد الله بن مسعود: ذلك ثناء بعضهم ~~على بعض، ومدحهم لهم وتزكيتهم لهم. # قال القاضي أبو محمد: فتقتضي هذه الآية الغض من المزكي لنفسه بلسانه، ~~والإعلام بأن الزاكي PageV02P065 # المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل، والضمير في يزكون عائد على ~~المذكورين ممن زكى نفسه أو ممن يزكيه الله تعالى، وغير هذين الصنفين علم أن ~~الله تعالى لا يظلمهم من غير هذه الآية، وقرأت طائفة «ولا تظلمون» بالتاء ~~على الخطاب، «والفتيل» : هو ما فتل، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقال ابن عباس ~~وعطاء ومجاهد وغيرهم: «الفتيل» : الخيط الذي في شق نواة التمرة، وقال ابن ~~عباس وأبو مالك والسدي: # هو ما خرج من بين إصبعيك أو كفيك إذا فتلتهما، وهذا كله يرجع إلى الكناية ~~عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه، ولا شيء دونه في الصغر، فكيف ~~بما فوقه، ونصبه على مفعول ثان ب يظلمون. # وقوله تعالى: انظر كيف يفترون الآية، يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت ~~بالباطل والكذب، ويقوي أن التزكية كانت بقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ~~[المائدة: 18] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن، وكيف يصح أن يكون في موضع ~~نصب ب يفترون، ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله: يفترون ~~وكفى به إثما مبينا خبر في مضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء ~~لتدل على معنى الأمر بالتعجب، وأن ms0822 يكتفى لهم بهذا الكذب إثما ولا يطلب لهم ~~غيره، إذ هو موبق ومهلك وإثما نصب على التمييز. # وقوله تعالى: ألم تر إلى الذين الآية، ظاهرها يعم اليهود والنصارى، ولكن ~~أجمع المتأولون على أن المراد بها طائفة من اليهود، والقصص يبين ذلك، ~~واختلف في بالجبت والطاغوت، فقال عكرمة وغيره: هما في هذا الموضع صنمان ~~كانا لقريش، وذلك أن كعب بن الأشرف وجماعة معه وردوا مكة محرضين على قتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم قريش: إنكم أهل الكتاب، ومحمد ~~صاحب كتاب، ونحن لا نأمنكم أن تكونوا معه، إلا أن تسجدوا لهذين الصنمين ~~اللذين لنا، ففعلوا، ففي ذلك نزلت هذه الآية، وقال ابن عباس: بالجبت هنا: ~~حيي بن أخطب والطاغوت: كعب بن الأشرف. فالمراد على هذه الآية القوم الذين ~~كانوا معهما من بني إسرائيل لإيمانهم بهما واتباعهم لهما، وقال ابن عباس: ~~بالجبت. الأصنام، والطاغوت. القوم المترجمون عن الأصنام، الذين يضلون الناس ~~بتعليمهم إياهم عبادة الأصنام، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~قال: بالجبت السحر، والطاغوت: الشيطان، وقاله مجاهد والشعبي، وقال زيد بن ~~أسلم: بالجبت: الساحر، والطاغوت: # الشيطان، وقال سعيد بن جبير ورفيع: بالجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن، ~~وقال قتادة: بالجبت: # الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وقال سعيد بن جبير أيضا: الجبت: الكاهن، ~~والطاغوت: الشيطان، وقال ابن سيرين: بالجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر، ~~وقال مجاهد في كتاب الطبري: بالجبت: كعب ابن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان ~~في صورة إنسان. # قال ابن عطية: فمجموع هذا يقتضي أن بالجبت والطاغوت هو كل ما عبد وأطيع ~~من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك رحمه الله: الطاغوت كل ما عبد من دون ~~الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت: هو من لغة الحبشة، وقال قطرب: بالجبت ~~أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما الطاغوت فهو من طغى، أصله ~~طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو ~~وفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، وقوله تعالى: ويقولون للذين كفروا الآية ~~سببها، أن قريشا قالت ms0823 لكعب بن الأشرف PageV02P066 # حين ورد مكة: أنت سيدنا وسيد قومك، إنا قوم ننحر الكوماء، ونقري الضيف، ~~ونصل الرحم، ونسقي الحجيج، ونعبد آلهتنا الذين وجدنا آباءنا يعبدون، وهذا ~~الصنبور المنبتر من قومه قد قطع الرحم، فمن أهدى نحن أو هو؟ فقال كعب: أنتم ~~أهدى منه وأقوم دينا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس: وحكى السدي: أن أبا ~~سفيان خاطب كعبا بهذه المقالة، فالضمير في يقولون عائد على كعب على ما ~~تقدم- أو على الجماعة من بني إسرائيل التي كانت مع كعب، لأنها قالت بقوله ~~في جميع ذلك على ما ذكر بعض المتأولين، و «الذين كفروا» في هذه الآية هم ~~قريش، والإشارة ب هؤلاء إليهم، وأهدى: وزنه أفعل وهو للتفضيل، والذين ~~آمنوا: هم النبي عليه السلام وأمته، وسبيلا نصب على التمييز، وقالت فرقة: ~~بل المراد في الآية من بني إسرائيل هو حيي بن أخطب وهو المقصود من أول ~~الآيات، والمشار إليه بقوله أولئك هم المراد من بني إسرائيل، فمن قال: ~~كانوا جماعة فذلك مستقيم لفظا ومعنى، ومن قال: هو كعب أو حيي، فعبر عنه ~~بلفظ الجمع، لأنه كان متبوعا، وكان قوله مقترنا بقول جماعة. # ولعنهم معناه: أبعدهم من خيره ومقتهم، ومن يفعل الله ذلك به ويخذله فلا ~~ناصر له من المخلوقين، وإن نصرته طائفة، فنصرتها كلا نصرة، إذ لا تغني عنه ~~شيئا. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 53 الى 55] # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ~~ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) # عرف أم أن تعطف بعد استفهام متقدم، كقولك: أقام زيد أم عمرو، فإذا وردت ~~ولم يتقدمها استفهام، فمذهب سيبويه: أنها مضمنة معنى الإضراب عن الكلام ~~الأول والقطع منه، وهي مضمنة مع ذلك معنى الاستفهام، فهي بمعنى «بل» مع ألف ~~الاستفهام، كقول العرب: إنها لإبل أم شاء، فالتقدير عند سيبويه، أنها لإبل ~~بل أهي شاء. ms0824 وكذلك هذا الموضع، تقديره: بل ألهم نصيب من الملك؟ وقد حكي عن ~~بعض النحويين، أن أم يستفهم بها ابتداء دون تقدم استفهام، حكاه ابن قتيبة ~~في المشكل، وهذا غير مشهور للعرب، وقال بعض المفسرين: أم بمعنى بل، ولم ~~يذكروا الألف اللازمة، فأوجبوا على هذا حصول الملك للمذكورين في الآية، ~~والتزموا ذلك وفسروا عليه، فالمعنى عندهم: بل هم ملوك أهل دنيا وعتو وتنعم، ~~لا يبغون غيره، فهم بخلاء به، حريصون على أن لا يكون ظهور لسواهم. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى على الأرجح الذي هو مذهب سيبويه والحذاق، ~~أنه استفهام على معنى الإنكار، أي ألهم ملك؟ فإذا لو كان لبخلوا، وقرأ ابن ~~مسعود، «فإذا لا يؤتوا» بغير نون على إعمال «إذا» ، والمصحف على إلغائها، ~~والوجهان جائزان، وإن كانت صدرا من أجل دخول الفاء عليها، والنقير، أعرف ما ~~فيه أنها النكتة التي في ظهر النواة من التمرة، ومن هنالك تنبت، وهو قول ~~الجمهور، وقالت فرقة: PageV02P067 # هي النقطة التي في بطن النواة، وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقر الإنسان ~~بأصبعه، وهذا كله يجمعه أنه كناية عن الغاية في الحقارة والقلة على مجاز ~~العرب واستعارتها، و «إذا» في هذه الآية ملغاة لدخول فاء العطف عليها، ~~ويجوز إعمالها، والإلغاء أفصح، وذلك أنها إذا تقدمت أعملت قولا واحدا، وإذا ~~توسطت ألغيت قولا واحدا، فإذا دخل عليها وهي متقدمة فاء أو واو جاز إعمالها ~~والإلغاء أفصح وهي لغة القرآن، وتكتب «إذا» بالنون وبالألف، فالنون هو ~~الأصل، كعن ومن، وجاز كتبها بالألف لصحة الوقوف عليها فأشبهت نون التنوين، ~~ولا يصح الوقوف على «عن ومن» . # وقوله تعالى: أم يحسدون الناس الآية، أم هذه على بابها، لأن الاستفهام ~~الذي في تقديرنا، بل ألهم قد تقدمها، واختلف المتأولون في المراد ب الناس ~~في هذا الموضع، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك، هو النبي عليه ~~السلام، والفضل النبوة فقط، والمعنى فلم يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل ~~إبراهيم في جميع ما آتيناهم من هذا وغيره من الملك؟ وقال ابن عباس ms0825 والسدي ~~أيضا: هو النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل ما أبيح له من النساء فقط، وسبب ~~الآية عندهم، أن اليهود قالت لكفار العرب: انظروا إلى هذا الذي يقول: إنه ~~بعث بالتواضع، وإنه لا يملأ بطنه طعاما، ليس همه إلا في النساء، ونحو هذا، ~~فنزلت الآية، والمعنى فلم يخصونه بالحسد ولا يحسدون آل إبراهيم؟ صلى الله ~~عليه وسلم يعني سليمان وداود عليهما السلام في أنهما أعطيا النبوة والكتاب، ~~وأعطيا مع ذلك ملكا عظيما، في أمر النساء، وهو ما روي أنه كان لسليمان ~~سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، ولداود مائة امرأة، ونحو هذا من الأخبار ~~الواردة في ذلك، فالملك في هذا القول إباحة النساء، كأنه المقصود أولا ~~بالذكر، وقال قتادة: # الناس في هذا الموضع: العرب، حسدتها بنو إسرائيل في أن كان النبي عليه ~~السلام منها، «والفضل» على هذا التأويل: هو محمد عليه السلام، فالمعنى: لم ~~يحسدون العرب على هذا النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوتي آل إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم- وهم أسلافهم- أنبياء وكتبا، كالتوراة والزبور، وحكمة وهي ~~الفهم في الدين وما يكون من الهدى مما لم ينص عليه الكتاب، وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: «نحن الناس» يريد قريشا، وملكا عظيما: أي ملك سليمان، قاله ~~ابن عباس: وقال مجاهد: الملك العظيم في الآية هو النبوة، وقال همام بن ~~الحارث وأبو مسلمة: هو التأييد بالملائكة. # قال القاضي أبو محمد: والأصوب أنه ملك سليمان أو أمر النساء في التأويل ~~المتقدم، وقوله تعالى: # فمنهم من آمن به الآية، اختلف المتأولون في عود الضمير من به فقال ~~الجمهور: هو عائد على القرآن الذي في قوله تعالى: آمنوا بما نزلنا مصدقا ~~لما معكم من قبل أن نطمس وجوها [النساء: 47] فأعلم الله أن منهم من آمن كما ~~أمر، فلذلك ارتفع الوعيد بالطمس ولم يقع، وصد قوم ثبت الوعيد عليهم في ~~الآخرة بقوله: وكفى بجهنم سعيرا وقالت فرقة: الضمير عائد على إبراهيم عليه ~~السلام، وحكى مكي في ذلك قصصا ليست بالثابتة، وقالت فرقة: هو عائد على ~~الفضل الذي آتاه ms0826 الله النبي عليه السلام، أو العرب على ما تقدم. # قال القاضي أبو محمد: قرأت فرقة: «صد» عنه بضم الصاد على بناء الفعل ~~للمفعول، وسعيرا معناه: احتراقا وتلهبا، والسعير: شدة توقد النار، فهذا ~~كناية عن شدة العذاب والعقوبة. PageV02P068 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 56 الى 57] # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها ~~أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) # تقدم في الآيات وصف المردة من بني إسرائيل وذكر أفعالهم وذنوبهم، ثم جاء ~~بالوعيد النص لهم بلفظ جلي عام لهم ولغيرهم ممن فعل فعلهم من الكفر، ~~والقراءة المشهورة نصليهم بضم النون من أصليت ومعناه قربت من النار وألقيت ~~فيها، وهو معنى صليت بتشديد اللام، وقرأ حميد «نصليهم» بفتح النون من صليت، ~~ومعناه شويت، ومنه الحديث، أتي رسول الله بشاة مصلية، أي مشوية، وكذا وقع ~~تصريف الفعل في العين وغيره، وقرأ سلام ويعقوب «نصليهم» بضم الهاء، واختلف ~~المتأولون في معنى تبديل الجلود، فقالت فرقة: تبدل عليهم جلود غيرها، إذ ~~نفوسهم هي المعذبة والجلود لا تألم في ذاتها، فإنها تبدل ليذوقوا تجديد ~~العذاب، وقالت فرقة: «تبديل الجلود» هو إعادة ذلك الجلد بعينه الذي كان في ~~الدنيا، تأكله النار ويعيده الله دأبا لتجدد العذاب، وإنما سماه «تبديلا» ، ~~لأن أوصافه تتغير ثم يعاد، كما تقول: بدل من خاتمي هذا خاتما وهي فضته ~~بعينها، فالبدل إنما وقع في تغيير الصفات، وقال ابن عمر، كلما احترقت ~~جلودهم بدلوا جلودا بيضاء كالقراطيس، وقال الحسن بن أبي الحسن، تبدل عليهم ~~في اليوم سبعين ألف مرة، وقالت فرقة: الجلود في هذا الموضع سرابيل القطران، ~~سماها جلودا للزومها فصارت كالجلود، وهي تبدل دأبا عافانا الله من عذابه ~~برحمته، حكاه الطبري، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالعزة والإحكام، لأن ~~الله لا يغالبه مغالب إلا غلبه الله، ولا يفعل شيئا إلا بحكمة وإصابة، لا ~~إله إلا هو ms0827 تبارك وتعالى. # ولما ذكر الله وعيد الكفار، عقب بوعد المؤمنين بالجنة على الإيمان ~~والأعمال الصالحة، وقرأ ابن وثاب والنخعي، «سيدخلهم» بالياء وكذلك «يدخلهم» ~~بعد ذلك وقد تقدم القول في معنى من تحتها في سورة البقرة ومطهرة معناه: من ~~الريب والأقذار التي هي معهودات في الدنيا وظليلا معناه: عند بعضهم يقي ~~الحر والبرد، ويصح أن يريد أنه ظل لا يستحيل ولا ينتقل، كما يفعل ظل ~~الدنيا، فأكده بقوله ظليلا لذلك، ويصح أن يصفه بظليل لامتداده، فقد قال ~~عليه السلام: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة ~~سنة ما يقطعها» . # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 59] # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا (59) PageV02P069 # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب، وابن زيد: ~~هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة. # قال القاضي أبو محمد: فهو للنبي عليه السلام وأمرائه، ثم يتناول من ~~بعدهم، وقال ابن جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي عليه السلام في أمر مفتاح ~~الكعبة حين أخذه من عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري ومن ابن عمه شيبة بن ~~عثمان بن أبي طلحة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى ~~السقاية، فدخل رسول الله الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام ~~إبراهيم، ونزل عليه جبريل بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله ~~وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه. # فدعا عثمان وشيبة، فقال لهما: خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ~~ظالم، وحكى مكي أن شيبة أراد أن لا يدفع المفتاح، ثم دفعه وقال للنبي عليه ~~السلام: خذه بأمانة الله. # قال القاضي أبو محمد: واختلف الرواة ms0828 في بعض ألفاظ هذا الخبر، زيادة ~~ونقصانا، إلا أنه المعنى بعينه، وقال ابن عباس: الآية في الولاة بأن يعظوا ~~النساء في النشوز ونحوه، ويردوهن إلى الأزواج، والأظهر في الآية أنها عامة ~~في جميع الناس، ومع أن سببها ما ذكرناه تتناول الولاة فيما إليهم من ~~الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات وعدل الحكومات وغيره، وتتناولهم ومن ~~دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم ~~في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات أمانات لله ~~تعالى، وقال ابن عباس: لم يرخص الله لموسر ولا معسر أن يمسك الأمانة، ونعما ~~أصله نعم ما، سكنت الأولى وأدغمت في الثانية وحركت العين لالتقاء الساكنين، ~~وخصت بالكسر اتباعا للنون، و «ما» المردفة على «نعم» إنما هي مهيئة لاتصال ~~الفعل بها كما هي في «ربما ومما» في قوله: وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مما يحرك شفتيه، وكقول الشاعر: [الطويل] # وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم # ونحوه، وفي هذا هي بمنزلة «ربما» وهي لها مخالفة في المعنى، لأن «ربما» ~~معناها: التقليل، و «مما» معناها التكثير، ومع أن «ما» موطئة فهي بمعنى ~~«الذي» وما وطأت إلا وهي اسم، ولكن القصد إنما هو لما يليها من المعنى الذي ~~في الفعل، وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالسمع والبصر، لأنها في الشاهد ~~محصلات ما يفعل المأمور فيما أمر به. # وقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله لما تقدم إلى الولاة في ~~الآية المتقدمة، تقدم في هذه إلى الرعية، فأمر بطاعته عز وجل، وهي امتثال ~~أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله، وطاعة الأمراء على قول الجمهور: أبي هريرة ~~وابن عباس وابن زيد وغيرهم، فالأمر على هذا التأويل إشارة إلى القرآن ~~والشريعة، أي: أولي هذا الأمر. وعن عبد الله ومجاهد وجماعة: أولو الأمر: ~~أهل القرآن والعلم، فالأمر على هذا التأويل أشار PageV02P070 # إلى القرآن والشريعة، أي: أولي هذا الأمر وهذا الشأن وحكى الطبري عن ~~مجاهد أنه قال: الإشارة هنا ب أولي الأمر ms0829 إلى أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم خاصة، وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر خاصة، وفي هذا ~~التخصيص بعد، وحكى بعض من قال: إنهم الأمراء أنها نزلت في أمراء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ~~فيها عمار بن ياسر، وأميرها خالد بن الوليد، فقصدوا قوما من العرب، فأتاهم ~~نذير فهربوا تحت الليل. وجاء منهم رجل إلى عسكر خالد، فدخل إلى عمار فقال: ~~يا أبا اليقظان، إن قومي قد فروا، وإني قد أسلمت، فإن كان ينفعني إسلامي ~~بقيت، وإلا فررت، فقال له عمار: هو ينفعك، فأقم، فلما أصبحوا أغار خالد فلم ~~يجد سوى الرجل المذكور فأخذه وأخذ ماله، فجاء عمار فقال: خل عن الرجل فإنه ~~قد أسلم وإنه في أمان مني، فقال خالد: وأنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على ~~أمير، واستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله ~~أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد ~~لا تسب عمارا، فإنه من سب عمارا سبه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن ~~لعن عمارا لعنه الله، فغضب عمار، فقام فذهب، فتبعه خالد حتى اعتذر إليه ~~فتراضيا، فأنزل الله عز وجل قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم وطاعة الرسول هي اتباع سنته، قاله عطاء وغيره، وقال ابن زيد: معنى ~~الآية وأطيعوا الرسول. # قال القاضي أبو محمد: يريد «وسنته» بعد موته، المعنى: فإن تنازعتم فيما ~~بينكم أو أنتم وأمراؤكم، ومعنى التنازع أن كل واحد ينتزع حجة الآخر ~~ويذهبها، والرد إلى الله: هو النظر في كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو ~~سؤاله في حياته والنظر في سنته بعد وفاته عليه السلام، هذا قول مجاهد ~~والأعمش وقتادة والسدي، وهو الصحيح، وقال قوم: معناه قولوا: الله ورسوله ~~أعلم، فهذا هو الرد، وفي قوله: إن كنتم تؤمنون بالله ms0830 واليوم الآخر بعض ~~وعيد، لأن فيه جزاء المسيء العاتي، وخاطبهم ب إن كنتم تؤمنون وهم قد كانوا ~~آمنوا، على جهة التقرير، ليتأكد الإلزام، وتأويلا معناه: مآلا على قول ~~جماعة، وقال مجاهد: أحسن جزاء، قال قتادة والسدي وابن زيد: المعنى أحسن ~~عاقبة، وقالت فرقة: # المعنى أن الله ورسوله أحسن نظرا وتأولا منكم إذا انفردتم بتأولكم. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 61] # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) # تقول العرب: زعم فلان كذا، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق وتتقوى فيه ~~شبه الإبطال، فغاية PageV02P071 # درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنونا، يقال: «زعم» بفتح الزاي وهو المصدر، ~~«وزعم» بضمها وهو الاسم وكذلك زعم المنافقين أنهم مؤمنون، هو مما قويت فيه ~~شبهة الإبطال لسوء أفعالهم، حتى صححها الخبر من الله تعالى عنهم، ومن هذا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس مطية الرجل زعموا» وقد قال الأعشى: ~~[المتقارب] # ونبئت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن # فقال الممدوح: وما هو إلا الزعم وحرمه، وإذا قال سيبويه: زعم الخليل، ~~فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به، وكان أقوى رتب «زعم» أن تبقى معها ~~عهدة الخبر على المخبر، و «أن» معمولة ل يزعمون. # وقال عامر الشعبي وغيره: نزلت الآية في منافق اسمه بشر، خاصم رجلا من ~~اليهود، فدعاه اليهودي إلى المسلمين لعلمه أنهم لا يرتشون، وكان هو يدعو ~~اليهودي إلى اليهود لعلمه أنهم يرتشون، فاتفقا بعد ذلك على أن أتيا كاهنا ~~كان بالمدينة فرضياه، فنزلت هذه الآية فيهما وفي صنفيهما، «فالذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل» على محمد هم المنافقون، «والذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل» من قبله هم اليهود، وكل قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت، ~~والطاغوت هنا الكاهن المذكور، فهذا تأنيب للصنفين، ms0831 وقال ابن عباس: الطاغوت ~~هنا هو كعب بن الأشرف، وهو الذي تراضيا به، فعلى هذا إنما يؤنب صنف ~~المنافقين وحده، وهم الذين آمنوا بما أنزل على محمد وبما أنزل من قبله ~~بزعمهم، لأن اليهود لم يؤمروا في شرعهم بالكفر بالأحبار، وكعب منهم، وذكر ~~النقاش: أن كعبا هذا أصله من طيىء وتهود، وقال مجاهد: نزلت في مؤمن ويهودي، ~~وقالت فرقة: نزلت في يهوديين. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذان القولان بعيدان من الاستقامة على ~~ألفاظ الآية، وقال السدي: نزلت في المنافقين من قريظة والنضير، وذلك أنهم ~~تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم، إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت، ~~وتستقيد إذا قتلت قريظة منهم، فأبت قريظة لما جاء الإسلام، وطلبوا ~~المنافرة، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا ~~المنافقون إلى أبي بردة الكاهن، فنزلت الآية فيهم، وحكى الزجاج: أن المنافق ~~المتقدم الذكر أو غيره اختصم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقضى في أمره، ~~فخرج وقال لخصمه: لا أرضى بحكمه، فذهبا إلى أبي بكر فقضى بينهما، فقال ~~المنافق: لا أرضى، فذهبا إلى عمر فوصفا له جميع ما فعلا، فقال لهما: اصبرا ~~حتى أقضي حاجة في منزلي ثم أخرج فأحكم بينكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج، فضرب ~~المنافق حتى برد، وقال: هذا حكمي فيمن لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت الآية، وقال الحسن: احتكم المنافقون بالقداح التي يضرب بها عند ~~الأوثان فنزلت الآية. # ويضلهم معناه: يتلفهم، وجاء ضلالا على غير المصدر، تقديره: «فيضلون ~~ضلالا» ، وبعيدا عبارة عن عظم الضلال وتمكنه حتى يبعد الرجوع عنه والاهتداء ~~معه. # وقرأ الجمهور «تعالوا» بفتح اللام، وقرأ الحسن فيما روى عنه قتادة ~~«تعالوا» بضمة، قال أبو الفتح: # وجهها أن لام الفعل من «تعاليت» حذفت تخفيفا، وضمت اللام التي هي عين ~~الفعل، وذلك لوقوع واو PageV02P072 # الجمع بعدها، كقولك: تقدموا وتأخروا، وهي لفظة مأخوذة من العلو، لما ~~استعملت في دعاء الإنسان وجلبه وأشخاصه، سيقت من العلو تحسينا للأدب، كما ~~تقول: ارتفع إلى الحق، ms0832 ونحوه، ورأيت هي رؤية عين لمن صد من المنافقين ~~مجاهرة وتصريحا، وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكرا وتخابثا ومسارقة حتى لا ~~يعلم ذلك منه إلا بالتأويل عليه والقرائن الصادرة عنه، فإذا كانت رؤية عين ~~ف يصدون في موضع نصب على الحال، وإذا كانت رؤية قلب ف يصدون نصب على ~~المفعول الثاني، وصدودا مصدر عند بعض النحاة من صد، وليس عند الخليل بمصدر ~~منه، والمصدر عنده «صدا» وإنما ذلك لأن فعولا إنما هو مصدر للأفعال غير ~~المتعدية. كجلس جلوسا، وقعد قعودا و «صد» فعل متعد بنفسه مرة كما قال: ~~فصدهم عن السبيل [النمل: 24- العنكبوت: 38] ، ومرة بحرف الجر كقوله تعالى: ~~يصدون عنك صدودا وغيره، فمصدره: صد، وصدودا اسم. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 62 الى 64] # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا ~~إلا إحسانا وتوفيقا (62) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ~~وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) # قالت فرقة: هي في المنافقين الذين احتكموا حسب ما تقدم، فالمعنى: فكيف ~~بهم إذا عاقبهم الله بهذه الذنوب بنقمة منه؟ ثم حلفوا إن أردنا بالاحتكام ~~إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه، دون مر الحكم وتقصي الحق، وقالت ~~فرقة: هي في المنافقين الذين طلبوا دم الذي قتله عمر، فالمعنى: فكيف بهم ~~إذا أصابتهم مصيبة في قتل قريبهم ومثله من نقم الله تعالى، ثم إنهم حلفوا ~~ما أرادوا بطلب دمه إلا إحسانا وحقا، نحا إليه الزجاج، وموضع «كيف» نصب ~~بفعل تقديره: فكيف تراهم ونحوه، ويصح أن يكون موضعها رفعا، تقديره: فكيف ~~صنيعهم. # وقوله تعالى: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم تكذيب المنافقين ~~المتقدم ذكرهم وتوعدهم، أي فهو مجازيهم بما يعلم، و «أعرض عنهم» يعني عن ~~معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول أيمانهم الكاذبة في قوله يحلفون ~~وليس بالإعراض الذي هو ms0833 القطيعة والهجر، فإن قوله: وعظهم يمنع من ذلك، وعظهم ~~معناه بالتخويف من عذاب الله، وغيره من المواعظ، والقول البليغ اختلف فيه، ~~فقيل: # هو الزجر والردع والكف بالبلاغة من القول، وقيل: هو التوعد بالقتل إن ~~استداموا حالة النفاق، قاله الحسن، وهذا أبلغ ما يكون في نفوسهم، والبلاغة: ~~مأخوذة من بلوغ المراد بالقول، وحكي عن مجاهد أن قوله: في أنفسهم، متعلق ~~بقوله: مصيبة وهو مؤخر بمعنى التقديم، وهذا ضعيف. PageV02P073 # وقوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله تنبيه على جلالة ~~الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك، ~~وليطاع، نصب بلام كي، وبإذن الله معناه بأمر الله، وحسنت العبارة بالإذن، ~~إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك، ويصح تعلق الباء من قوله ~~بإذن ب أرسلنا، والمعنى وما أرسلنا بأمر الله أي بشريعته وعبادته من رسول ~~إلا ليطاع، والأظهر تعلقها ب «يطاع» والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بأمر الله بطاعته. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى التعليقين فالكلام عام اللفظ خاص ~~المعنى، لأنا نقطع أن الله تبارك وتعالى قد أراد من بعض خلقه ألا يطيعوا، ~~ولذلك خرجت طائفة معنى الإذن إلى العلم، وطائفة خرجته إلى الإرشاد لقوم دون ~~قوم، وهذا تخريج حسن، لأن الله إذا علم من أحد أنه يؤمن ووفقه لذلك فكأنه ~~أذن له فيه، وحقيقة الإذن: التمكين مع العلم بقدر ما مكن منه، وقوله تعالى: ~~ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية، معناه: بالمعصية والنفاق، ونقصها حظها من ~~الإيمان و «استغفروا الله» معناه: طلبوا مغفرته، وتابوا إليه رجعوا، ~~وتوابا: معناه راجعا بعباده. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 65 الى 68] # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا ms0834 أجرا عظيما (67) ~~ولهديناهم صراطا مستقيما (68) # قال الطبري: قوله: فلا رد على ما تقدم، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون ~~أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله، وربك لا يؤمنون. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقال غيره: إنما قدم «لا» على القسم ~~اهتماما بالنفي، وإظهارا لقوته، ثم كررها بعده تأكيدا للتهمم بالنفي، وكان ~~يصح إسقاط لا الثانية، ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط ~~الأولى ويبقى معنى النفي، ويذهب معنى الاهتمام، وشجر معناه: اختلط والتف من ~~أمورهم، وهو من الشجر، شبيه بالتفاف الأغصان، وكذلك الشجير الذي امتزجت ~~مودته بمودة صاحبه، وقرأ أبو السمال «شجر» بإسكان الجيم. # قال القاضي أبو محمد: وأظنه فر من توالي الحركات، وليس بالقوي، لخفة ~~الفتحة، ويحكموك نصب بحتى، لأنها هاهنا غاية مجردة، ويجدوا عطف عليه، ~~والحرج: الضيق والتكلف والمشقة، قال مجاهد: حرجا، شكا، وقوله: تسليما مصدر ~~مؤكد، منبىء على التحقيق في التسليم، لأن العرب إنما تردف الفعل بالمصدر ~~إذا أرادت أن الفعل وقع حقيقة، كما قال تعالى: وكلم الله موسى تكليما ~~[النساء: 164] وقد تجيء به مبالغة وإن لم يقع، ومنه: «وعجت عجيجا من جدام ~~المطارف» . PageV02P074 # وقال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ذكره، ممن أراد التحاكم إلى ~~الطاغوت، وفيهم نزلت، ورجح الطبري هذا، لأنه أشبه بنسق الآية وقالت طائفة: ~~نزلت في رجل خاصم الزبير بن العوام في السقي بماء الحرة، فقال لهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب ذلك ~~الرجل وقال إن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوعب ~~للزبير حقه، فقال: احبس يا زبير الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسل الماء، ~~فنزلت الآية، واختلف أهل هذا القول في الرجل، فقال قوم: هو رجل من الأنصار ~~من أهل بدر، وقال مكي وغيره: هو حاطب بن أبي بلتعة. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصحيح الذي وقع في البخاري أنه رجل من ~~الأنصار، وأن الزبير قال: فما أحسب أن هذه الآية ms0835 نزلت إلا في ذلك، وقالت ~~طائفة: لما قتل عمر الرجل المنافق الذي لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، بلغ ذلك النبي وعظم عليه، وقال: ما كنت أظن أن عمر يجترىء على قتل ~~رجل مؤمن، فنزلت الآية نافية لإيمان ذلك الرجل الراد لحكم النبي، مقيمة عذر ~~عمر بن الخطاب في قتله. # وكتبنا معناه فرضنا، واقتلوا أنفسكم معناه ليقتل بعضكم بعضا، وقد تقدم ~~نظيره في البقرة، وضم النون من أن وكسرها جائز، وكذلك الواو من أو اخرجوا ~~وبضمها قرأ ابن عامر ونافع وابن كثير والكسائي، وبكسرها قرأ حمزة وعاصم، ~~وكسر أبو عمرو النون وضم الواو، وقليل رفع على البدل من الضمير في فعلوه، ~~وقرأ ابن عامر وحده بالنصب «إلا قليلا» ، وذلك جائز أجرى النفي مجرى ~~الإيجاب. # وسبب الآية على ما حكي: أن اليهود قالوا لما لم يرض المنافق بحكم النبي ~~عليه السلام: ما رأينا أسخف من هؤلاء، يؤمنون بمحمد ويتبعونه، ويطؤون عقبة، ~~ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل أنفسنا ففعلنا، وبلغ القتل فينا ~~سبعين ألفا فقال ثابت بن قيس: لو كتب ذلك علينا لفعلناه، فنزلت الآية معلمة ~~حال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على الأمة لم يفعلوه، وما كان يفعله ~~إلا قليل مؤمنون محققون، كثابت وغيره، وكذلك روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ثابت بن قيس وعمار وابن مسعود من القليل. وشركهم في ضمير ~~منهم لما كان المنافقون والمؤمنون مشتركين في دعوة الإسلام وظواهر الشريعة، ~~وقال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت ولو أنا كتبنا عليهم الآية، قال رجل: لو ~~أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، ~~وذكر مكي أن الرجل هو أبو بكر الصديق، وذكر النقاش: أنه عمر بن الخطاب، ~~وذكر عن أبي بكر أنه قال: لو كتب علينا لبدأت بنفسي وبأهل بيتي. # وقوله تعالى: ولو أنهم فعلوا أي لو أن هؤلاء المنافقين اتعظوا وأنابوا ms0836 ~~لكان خيرا لهم، وتثبيتا معناه: يقينا وتصديقا ونحو هذا، أي يثبتهم الله، ثم ~~ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر، ووصفه إياه بالعظم مقتض ما ~~لا يحصله بشر من النعيم المقيم، و «الصراط المستقيم» : الإيمان المؤدي إلى ~~الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن ~~المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ~~ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر. PageV02P075 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله ~~وكفى بالله عليما (70) # لما ذكر الله الأمر الذي لو فعلوه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من ~~يفعله، وهذه الآية تفسير قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم [الفاتحة: 5] ، وقالت طائفة إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد ~~الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أري الأذان، يا رسول الله إذا مت ~~ومتنا كنت في عليين فلا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت هذه ~~الآية، وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي عليه السلام، قال ~~اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي، وذكر أن جماعة من الأنصار قالت ~~ذلك أو نحوه، حكاه الطبري عن ابن جبير وقتادة والسدي. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى- أنهم معهم- أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، ~~وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن ~~قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر ~~فضل الله على من شاء، و «الصديق» فعيل من الصدق، وقيل من الصدقة. وروي عن ~~النبي عليه السلام، الصديقون المتصدقون، والشهداء المقتولون في سبيل الله، ~~هم المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذين فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل ~~والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم. وسموا بذلك لأن الله ms0837 شهد لهم بالجنة، ~~وقيل لأنهم شهدوا لله بالحق في موتهم ابتغاء مرضاته، ولكن لفظ، الشهداء في ~~هذه الآية يعم أنواع الشهداء، ورفيقا موحد في معنى الجمع، كما قال: # ثم يخرجكم طفلا [الحج: 5] ونصبه على التمييز، وقيل على الحال، والأول ~~أصوب، وقرأ أبو السمال، «وحسن» بسكون السين، وذلك مثل شجر بينهم. # وقوله تعالى: ذلك الفضل من الله رد على تقدير معترض يقول، وما الذي يوجب ~~استواء أهل الطاعة والنبيين في الآخرة، والفرق بينهم في الدنيا بين؟ فذكر ~~الله أن ذلك بفضله لا بوجوب عليه، والإشارة ب ذلك إلى كون المطيعين مع ~~المنعم عليهم، وأيضا فلا نقرر الاستواء، بل هم معهم في دار والمنازل ~~متباينة، ثم قال وكفى بالله عليما وفيها معنى أن يقول، فسلموا فعل الله ~~وتفضله من الاعتراض عليه، واكتفوا بعلمه في ذلك وغيره، ولذلك أدخلت الباء ~~على اسم الله، لتدل على الأمر الذي في قوله: # وكفى. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 73] # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن ~~منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ~~ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) PageV02P076 # هذا خطاب للمخلصين من أمة محمد عليه السلام، وأمر لهم بجهاد الكفار، ~~والخروج في سبيل الله، وحماية الشرع، وخذوا حذركم، معناه: احزموا واستعدوا ~~بأنواع الاستعداد، فهنا يدخل أخذ السلاح وغيره، وانفروا معناه: اخرجوا ~~مجدين مصممين، يقال: نفر الرجل ينفر بكسر الفاء نفيرا، ونفرت الدابة تنفر ~~بضم الفاء نفورا، وثبات معناه: جماعات متفرقات، فهي كناية عن السرايا ~~وجميعا، معناه: الجيش الكثيف مع النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا قال ابن ~~عباس وغيره، والثبة: # حكي أنها فوق العشرة من الرجال، وزنها فعلة بفتح العين، أصلها ثبوة، ~~وقيل: ثبية، حذفت لامها بعد أن تحركت وانقلبت ألفا حذفا غير مقبس، ولذلك ~~جمعت ثبون، بالواو والنون عوضا من المحذوف وكسر أولها في الجمع دلالة ms0838 على ~~خروجها عن بابها، لأن بابها أن تجمع بالتاء أبدا، فيقال: ثبات، وتصغر ثبية ~~أصلها ثبيوة، وأما ثبة الحوض وهي وسطه الذي يثوب الماء إليه، فالمحذوف منها ~~العين، وأصلها ثوبة وتصغيرها ثوبية، وهي من ثاب يثوب، وكذلك قال أبو علي ~~الفارسي في بيت أبي ذؤيب: [الطويل] # فلما جلاها بالأيام تحيزت ... ثبات عليها ذلها واكتئابها # انه اسم مفرد ليس يجمع سيق على الأصل، لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت بالواو ~~وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال. # وقوله تعالى: وإن منكم إن إيجاب، والخطاب لجماعة المؤمنين، والمراد ب ~~«من» المنافقون، وعبر عنهم ب منكم إذ هم في عداد المؤمنين، ومنتحلون ~~دعوتهم، واللام الداخلة على «من» لام التأكيد، دخلت على اسم إن لما كان ~~الخبر متقدما في المجرور، وذلك مهيع في كلامهم، كقولك: إن في الدار لزيدا، ~~واللام الداخلة على ليبطئن لام قسم عند الجمهور، تقديره وإن منكم لمن والله ~~ليبطئن وقيل: هي لام تأكيد، وليبطئن معناه: يبطىء غيره أي يثبطه ويحمله على ~~التخلف عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ مجاهد «ليبطئن» ~~بالتخفيف في الطاء، ومصيبة يعني من قتل واستشهاد، وإنما هي مصيبة بحسب ~~اعتقاد المنافقين ونظرهم الفاسد، أو على أن الموت كله مصيبة كما شاءه الله ~~تعالى، وإنما الشهادة في الحقيقة نعمة لحسن مآلها، وشهيدا معناه مشاهدا ~~فالمعنى: أن المنافق يسره غيبه إذا كانت شدة وذلك يدل على أن تخلفه إنما هو ~~فزع من القتال ونكول عن الجهاد. # وقوله تعالى: ولئن أصابكم فضل من الله الآية، المعنى ولئن ظفرتم وغنمتم ~~وكل ذلك من فضل الله، ندم المنافق إن لم يحضر ويصب الغنيمة، وقال: يا ليتني ~~كنت معهم فأفوز فوزا عظيما، متمنيا شيئا قد كان عاهد أن يفعله ثم غدر في ~~عهده، لأن المؤمن إنما يتمنى مثل هذا إذا كان المانع له من الحضور عذرا ~~واضحا، وأمرا لا قدرة له معه، فهو يتأسف بعد ذلك على فوات الخير، والمنافق ~~يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف ms0839 الإسلام، ثم يتخلف نفاقا ~~وشكا وكفرا بالله ورسوله، ثم يتمنى عند ما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين، فعلى ~~هذا يجيء قوله تعالى: كأن لم تكن بينكم وبينه مودة PageV02P077 # التفاتة بليغة، واعتراضا بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح ~~فعلهم. وحكى الطبري عن قتادة وابن جريج، أنهما كانا يتأولان قول المنافق يا ~~ليتني كنت معهم على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغيبة، وقرأ الحسن ~~ليقولن بضم اللام على معنى «من» وضم اللام لتدل على الواو المحذوفة. ويدل ~~مجموع هاتين الآيتين على أن خارج المنافقين فإنما كان يقصد الغنيمة، ~~ومتخلفهم إنما كان يقصد الشك وتربص الدوائر بالمؤمنين وكأن مضمنة معنى ~~التشبيه، ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر، وإنما تجيء ~~بعدها الجمل، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص «تكن» بتاء، وقرأ غيرهما ~~«يكن» بياء، وذلك حسن للفصل الواقع بين الفعل والفاعل، وقوله: فأفوز نصب ~~بالفاء في جواب التمني، وقرأ الحسن ويزيد النحوي فأفوز بالرفع على القطع ~~والاستئناف، التقدير: فأنا أفوز. قال روح: لم يجعل ل «ليت» جوابا. وقال ~~الزجاج: إن قوله: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة مؤخر. وإنما موضعه فإن ~~أصابتكم مصيبة. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف لأنه يفسد فصاحة الكلام. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 74 الى 75] # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) وما لكم لا تقاتلون في ~~سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا ~~أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من ~~لدنك نصيرا (75) # هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين الذين وصفهم بالجهاد في سبيل الله، ~~ويشرون معناه: يبيعون في هذا الموضع، وإن جاء في مواضع: يشترون، فالمعنى ~~هاهنا يدل على أنه بمعنى «يبيعون» ثم وصف الله ثواب المقاتل في سبيل الله، ~~فذكر غايتي حالتيه، واكتفى بالغايتين عما بينهما، وذلك أن غاية المغلوب في ~~القتال أن يقتل، ms0840 وغاية الذي يقتل ويغنم أن يتصف بأنه غالب على الإطلاق، ~~«والأجر العظيم» : الجنة، وقالت فرقة، «فليقاتل» بسكون لام الأمر، وقرأت ~~فرقة «فليقاتل» بكسرها، وقرأ محارب بن دثار «فيقتل أو يغلب» على بناء ~~الفعلين للفاعل، وقرأ الجمهور نؤتيه بالنون، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف ~~«فسوف يؤتيه» بالياء. # وقوله تعالى: وما لكم اللام متعلقة بما يتعلق بالمستفهم عنه من معنى ~~الفعل، تقديره وأي شيء موجود أو كائن أو نحو ذلك لكم، ولا تقاتلون في موضع ~~نصب على الحال، تقديره تاركين أو مضيعين. وقوله: والمستضعفين عطف على اسم ~~الله تعالى، أي وفي سبيل المستضعفين، وقيل: # عطف على «السبيل» ، أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم، ويعني ب المستضعفين من ~~كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم لا يستطيعون خروجا، ولا ~~يطيب لهم على الأذى إقامة، وفي هؤلاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول «اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج PageV02P078 # المستضعفين من المؤمنين» . والولدان بابه أن يكون جمع وليد، وقد يكون جمع ~~ولد كورل وورلان، فهي على الوجهين عبارة عن الصبيان، والقرية هاهنا مكة ~~بإجماع من المتأولين. # قال القاضي أبو محمد: والآية تتناول المؤمنين والأسرى وحواضر الشرك إلى ~~يوم القيامة، ووحد الظالم لأنه موضع اتخاذ الفعل، ألا ترى أن الفعل إنما ~~تقديره الذي ظلم أهلها، ولما لم يكن للمستضعفين حيلة إلا الدعاء، دعوا في ~~الاستنقاذ وفيما يواليهم من معونة الله تعالى وما ينصرهم على أولئك الظلمة ~~من فتح الله تبارك وتعالى. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 76 الى 77] # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) ألم تر إلى الذين ~~قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ~~لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) # هذه الآية ms0841 تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم، والطاغوت كل ما عبد واتبع ~~من دون الله، وتدل قرينة ذكر الشيطان بعد ذلك على أن المراد ب الطاغوت هنا ~~الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف كيد الشيطان تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم ~~على مقارعة الكيد الضعيف، فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان ~~يكسره ويهده، ودخلت كان دالة على لزوم الصفة. # وقوله: ألم تر إلى الذين قيل لهم اختلف المتأولون فيمن المراد بقوله ~~الذين قيل لهم؟ فقال ابن عباس وغيره: كان عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي ~~وقاص والمقداد بن عمرو الكندي وجماعة سواهم قد أنفوا من الذل بمكة قبل ~~الهجرة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيح لهم مقاتلة المشركين، ~~فأمرهم الله تعالى بكف الأيدي، وأن لا يفعلوا، فلما كان بالمدينة وفرض ~~القتال، شق ذلك على بعضهم وصعب موقعه، ولحقهم ما يلحق البشر من الخور والكع ~~عن مقارعة العدو فنزلت الآية فيهم، وقال قوم: # كان كثير من العرب قد استحسنوا الدخول في دين محمد عليه السلام على ~~فرائضه التي كانت قبل القتال من الصلاة والزكاة ونحوها والموادعة وكف ~~الأيدي، فلما نزل القتال شق ذلك عليهم وجزعوا له، فنزلت الآية فيهم، وقال ~~مجاهد وابن عباس أيضا: إنما الآية حكاية عن اليهود أنهم فعلوا ذلك مع نبيهم ~~في وقته، فمعنى الحكاية عنهم تقبيح فعلهم، ونهي المؤمنين عن فعل مثله، ~~وقالت فرقة: المراد بالآية المنافقون من أهل المدينة عبد الله بن أبي ~~وأمثاله، وذلك أنهم كانوا قد سكنوا على الكره إلى فرائض الإسلام مع الدعة ~~وعدم القتال، فلما نزل القتال شق عليهم وصعب عليهم صعوبة شديدة، إذ كانوا ~~مكذبين بالثواب، ذكره المهدوي. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويحسن هذا القول أن ذكر المنافقين يطرد ~~فيما بعدها من الآيات، ومعنى كفوا أيديكم أمسكوا عن القتال، والفريق: ~~الطائفة من الناس، كأنه فارق غيره. وقوله: PageV02P079 # يخشون الناس كخشية الله يعني أنهم كانوا يخافون الله في جهة الموت، لأنهم ~~لا يخشون الموت إلا منه، فلما كتب عليهم ms0842 قتال الناس رأوا أنهم يموتون ~~بأيديهم، فخشوهم في جهة الموت كما كانوا يخشون الله، وقال الحسن: قوله: ~~كخشية الله يدل على أنها في المؤمنين، وهي خشية خوف لا خشية مخالفة، ويحتمل ~~أن يكون المعنى يخشون الناس على حد خشية المؤمنين الله عز وجل. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ترجيح لا قطع، وقوله: أو أشد خشية ~~قالت فرقة: أو بمعنى الواو، وفرقة: هي بمعنى «بل» ، وفرقة: هي للتخيير، ~~وفرقة: على بابها في الشك في حق المخاطب، وفرقة: هي على جهة الإبهام على ~~المخاطب. # قال القاضي أبو محمد: وقد شرحت هذه الأقوال كلها في سورة البقرة في قوله: ~~أو أشد قسوة [الآية: 74] أن الموضعين سواء، وقولهم، لم كتبت علينا القتال؟ ~~رد في صدر أوامر الله تعالى وقلة استسلام، «والأجل القريب» يعنون به موتهم ~~على فرشهم، هكذا قال المفسرون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يحسن إذا كانت الآية في اليهود أو المنافقين، ~~وأما إذا كانت في طائفة من الصحابة، فإنما طلبوا التأخر إلى وقت ظهور ~~الإسلام وكثرة عددهم. # قل يا محمد لهؤلاء: متاع الدنيا، أي الاستمتاع بالحياة فيها الذي حرصتم ~~عليه وأشفقتم من فقده قليل، لأنه فان زائل والآخرة التي هي نعيم مؤبد خير ~~لمن أطاع الله واتقاه في الامتثال لأوامره، على المحاب والمكاره، وقرأ نافع ~~وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «تظلمون» بالتاء على الخطاب، وقرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي «يظلمون» بالياء على ترك المخاطبة وذكر الغائب، والفتيل ~~الخيط في شق نواة التمرة، وقد تقدم القول فيه. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 78] # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) # المعنى: أينما تكونوا يدرككم الموت جزاء وجوابه. وهكذا قراءة الجمهور، ~~وقرأ طلحة بن سليمان «يدرككم» بضم الكافين ورفع الفعل، قال أبو الفتح: ذلك ~~على تقدير دخول الفاء كأنه قال: فيدرككم الموت، وهي قراءة ms0843 ضعيفة، وهذا ~~إخبار من الله يتضمن تحقير الدنيا، وأنه لا منجى من الفناء والتنقل، واختلف ~~المتأولون في قوله: في بروج فالأكثر والأصح أنه أراد البروج والحصون التي ~~في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها، ~~قال قتادة: المعنى في قصور محصنة، وقاله ابن جريج والجمهور، وقال السدي: هي ~~بروج في السماء الدنيا مبنية، وحكى مكي هذا القول عن مالك، وأنه قال: ألا ~~ترى إلى قوله والسماء ذات البروج [البروج: 1] وحكى النقاش عن ابن عباس أنه ~~قال: في بروج مشيدة، معناه في قصور من حديد. PageV02P080 # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يعطيه اللفظ، وإنما البروج في القرآن إذا ~~وردت مقترنة بذكر السماء بروج المنازل للقمر وغيره على ما سمتها العرب ~~وعرفتها، وبرج معناه ظهر، ومنه البروج أي المطولة الظاهرة، ومنه تبرج ~~المرأة، ومشيدة قال الزجاج وغيره: معناه مرفوعة مطولة، لأن شاد الرجل ~~البناء إذا صنعه بالشيد وهو الجص إذا رفعه، وقالت طائفة: مشيدة معناه: ~~محسنة بالشيد، وذلك عندهم أن «شاد الرجل» معناه: جصص بالشيد، وشيد معناه: ~~كرر ذلك الفعل فهي للمبالغة، كما تقول: كسرت العود مرة، وكسرته في مواضع ~~منه كثيرة مرارا، وخرقت الثوب وخرقته، إذا كان الخرق منه في مواضع كثيرة، ~~فعلى هذا يصح أن تقول: شاد الرجل الجدار مرة وشيد الرجل الجدار إذا أردت ~~المبالغة، لأن التشييد منه وقع في مواضع كثيرة، ومن هذا المعنى قول الشاعر ~~[عدي بن زياد العبادي] : [الخفيف] # شاده مرمرا وجلله كل ... سا فللطير في ذراه وكور # والهاء والميم في قوله: وإن تصبهم رد على الذين قيل لهم، كفوا أيديكم ~~وهذا يدل على أنهم المنافقون، لأن المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة، ولأن ~~اليهود لم يكونوا للنبي عليه السلام تحت أمر، فتصيبهم بسببه أسواء، ومعنى ~~الآية، وإن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من هزم عدو أو غنيمة أو غير ذلك رأوا ~~أن ذلك بالاتفاق من صنع الله، لا أنه ببركة اتباعك والإيمان بك، وإن تصبهم ~~سيئة، أي هزيمة أو شدة جوع ms0844 وغير ذلك، قالوا: هذه بسببك، لسوء تدبيرك، كذا ~~قال ابن زيد، وقيل لشؤمك علينا. قاله الزجاج وغيره، وقوله: قل كل من عند ~~الله إعلام من الله تعالى، أن الخير والشر، والحسنة والسيئة خلق له ومن ~~عنده، لا رب غيره ولا خالق ولا مخترع سواه، فالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء: ~~ليس الأمر كما زعمتم من عندي ولا من عند غيري، بل هو كله من عند الله، قال ~~قتادة: النعم والمصائب من عند الله، قال ابن زيد، النصر والهزيمة، قال ابن ~~عباس: السيئة والحسنة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله شيء واحد، ثم وبخهم بالاستفهام عن علة ~~جهلهم، وقلة فهمهم وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق، والفقه في اللغة ~~الفهم، وأوقفته الشريعة على الفهم في الدين وأموره، وغلب عليه بعد ~~الاستعمال في علم المسائل الأحكامية، والبلاغة في الاستفهام عن قلة فقههم ~~بينة، لأنك إذا استفهمت عن علة أمر ما، فقد تضمن كلامك إيجاب ذلك الأمر ~~تضمنا لطيفا بليغا، ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله فما ووقف الباقون على ~~اللام في قوله: فما ل، اتباعا للخط، ومنعه قوم جملة، لأنه حرف جر فهي بعض ~~المجرور، وهذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس، وأما أن يختار أحد الوقف فيما ~~ذكرناه ابتداء فلا. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 79 الى 81] # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا (80) ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم ~~غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله ~~وكيلا (81) PageV02P081 # قالت فرقة: ما شرطية، ودخلت من بعدها لأن الشرط ليس بواجب فأشبه النفي ~~الذي تدخله من، وقالت فرقة ما بمعنى الذي، ومن لبيان الجنس، لأن المصيب ~~للإنسان أشياء كثيرة: حسنة وسيئة، ورخاء وشدة، وغير ذلك، والخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وغيره داخل في المعنى، وقيل: # الخطاب للمرء على الجملة، ومعنى ms0845 هذه الآية عند ابن عباس وقتادة والحسن ~~والربيع وابن زيد وأبي صالح وغيرهم، القطع واستئناف الإخبار من الله تعالى، ~~بأن الحسنة منه وبفضله، والسيئة من الإنسان بإذنابه، وهي من الله بالخلق ~~والاختراع، وفي مصحف ابن مسعود، «فمن نفسك» «وأنا قضيتها عليك» وقرأ بها ~~ابن عباس، وحكى أبو عمرو أنها في مصحف ابن مسعود «وأنا كتبتها» وروي أن ~~أبيا وابن مسعود قرأ «وأنا قدرتها عليك» ويعضد هذا التأويل أحاديث عن النبي ~~عليه السلام معناها، أن ما يصيب ابن آدم من المصائب، فإنما هي عقوبة ذنوبه. ~~ومن ذلك أن أبا بكر الصديق لما نزلت من يعمل سوءا يجز به [النساء: 123] جزع ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألست تمرض؟ ألست تسقم؟ ألست تغتم؟ # وقال أيضا عليه السلام: «ما يصيب الرجل خدشة عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج ~~عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» . ففي هذا بيان أو تلك كلها مجازاة ~~على ما يقع من الإنسان، وقالت طائفة: معنى الآية كمعنى التي قبلها في قوله: ~~وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله [النساء: 78] على تقدير حذف يقولون، ~~فتقديره فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: ما أصابك من ~~حسنة، ويجيء القطع على هذا القول من قوله: وأرسلناك، وقالت طائفة: بل القطع ~~في الآية من أولها، والآية مضمنة الإخبار أن الحسنة من الله وبفضله، وتقدير ~~ما بعده وما أصابك من سيئة فمن نفسك، على جهة الإنكار والتقرير، فعلى هذه ~~المقالة ألف الاستفهام محذوقة من الكلام، وحكى هذا القول المهدوي، ورسولا ~~نصب على الحال، وهي حال تتضمن معنى التأكيد في قوله تعالى، وأرسلناك للناس ~~رسولا ثم تلاه بقوله: وكفى بالله شهيدا توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة ~~الكلام، لأن المعنى شهيدا على من كذبه. # والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بيانا من الله وتبليغا، فإنما هي ~~أوامر الله ونواهيه، وقالت فرقة: # سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحبني فقد أحب ~~الله» ، فاعترضت اليهود عليه ms0846 في هذه المقالة، وقالوا: هذا محمد يأمر بعبادة ~~الله وحده، وهو في هذا القول مدع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقا للرسول ~~عليه السلام، وتبيينا لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى، وتولى معناه ~~أعرض، وأصل تولى في المعنى أن يتعدى بحرف، فنقول تولى فلان عن الإيمان، ~~وتولى إلى الإيمان، لأن اللفظة تتضمن إقبالا وإدبارا، لكن الاستعمال غلب ~~عليها في كلام العرب على الإعراض والإدبار، حتى استغني فيها عن ذكر الحرف ~~الذي يتضمنه، وحفيظا يحتمل معنيين، أي ليحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر ~~والمعاصي ونحوه، أو ليحفظ مساوئهم وذنوبهم ويحسبها عليهم، وهذه الآية تقتضي ~~الإعراض عن من تولى والترك له، وهي قبل نزول القتال وإنما كانت توطئة ورفقا ~~من الله تعالى حتى يستحكم أمر الإسلام. # وقوله تعالى: ويقولون طاعة الآية نزلت في المنافقين باتفاق من المفسرين، ~~المعنى يقولون لك PageV02P082 # يا محمد: أمرنا طاعة، فإذا خرجوا من عندك اجتمعوا ليلا وقالوا غير ما ~~أظهروا لك. وبيت معناه فعل ليلا، فإما أخذ من بات، وإما من البيت لأنه ~~ملتزم بالليل وفي الأسرار التي يخاف شياعها، ومن ذلك قول الشاعر [الأسود بن ~~يعفر] : [المتقارب] # أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بأمر نكر # ومنه قول النمر بن تولب: # هبت لتعذلني بليل اسمعي ... سفها تبيتك للملامة فاهجعي # المعنى وتقول لي: اسمع، وزيدت الياء إشباعا لتصريع القافية واتباعا ~~للياء، كقول امرئ القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي وقوله بأمثل، وقرأ جمهور القراء بيت ~~بتحريك التاء، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغامها في الطاء، وقرأ ابن مسعود «بيت ~~مبيت منهم يا محمد» وقوله: تقول يحتمل أن يكون معناه تقول أنت يا محمد، ~~ويحتمل، تقول هي لك، ويكتب معناه على وجهين، إما يكتبه عنده حسب كتب الحفظة ~~حتى يقع الجزاء، وإما يكتبه في كتابه إليك، أي ينزله في القرآن ويعلم بها، ~~قال هذا القول الزجاج، والأمر بالإعراض إنما هو عن معاقبتهم ومجازاتهم، ~~وأما استمرار دعوتهم وعظتهم فلازم. قال الضحاك: معنى «أعرض عنهم» لا تخبر ~~بأسمائهم، وهذا أيضا قبل ms0847 نزول القتال على ما تقدم. ثم أمر الله تعالى ~~بالتوكل عليه والتمسك بعروته الوثقى ثقة بإنجاز وعده في النصر، و «الوكيل» ~~القائم بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها، وليس ما غلب الاستعمال في ~~الوكيل في عصرنا بأصل في كلام العرب، وهي لفظة رفيعة وضعها الاستعمال ~~العامي، كالعريف والنقيب وغيره. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 82 الى 83] # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) # المعنى: هؤلاء المنافقون الطاعنون عليك الرافعون بغير برهان في صدر ~~نبوتك، ألا يرجعون إلى النصفة. وينظرون موضع الحجة ويتدبرون كلام الله ~~تعالى؟ فتظهر لهم براهينه، وتلوح أدلته، «والتدبر» : # النظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء، هذا كله يقتضيه قوله: أفلا ~~يتدبرون القرآن وهذا أمر بالنظر والاستدلال، ثم عرف تعالى بمواقع الحجة، أي ~~لو كان من كلام البشر لدخله ما في كلام البشر من القصور، وظهر فيه التناقض ~~والتنافي الذي لا يمكن جمعه، إذ ذلك موجود في كلام البشر، والقرآن منزه ~~عنه، إذ هو كلام المحيط بكل شيء علما. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافا في شيء ~~من كتاب الله، فالواجب أن يتهم نظره ويسأل من هو أعلم منه، وذهب الزجاج: ~~إلى أن معنى الآية لوجدوا فيما نخبرك به PageV02P083 # مما يبيتون اختلافا، أي: فإذ تخبرهم به على حد ما يقع، فذلك دليل أنه من ~~عند الله غيب من الغيوب، هذا معنى قوله، وقد بينه ابن فورك والمهدوي. # وقوله تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن الآية، قال جمهور المفسرين: الآية ~~في المنافقين حسبما تقدم من ذكرهم، والآية نازلة في سرايا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبعوثه، والمعنى: أن المنافقين كانوا يشرهون إلى سماع ما ~~يسوء النبي في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين أو فتح ms0848 عليهم، ~~حقروها وصغروا شأنها وأذاعوا بذلك التحقير والتصغير، وإذا طرأت لهم شبهة ~~خوف المسلمين أو مصيبة عظموها وأذاعوا ذلك التعظيم، وأذاعوا به معناه: ~~أفشوه، وهو فعل يتعدى بحرف جر وبنفسه أحيانا، تقول أذعت كذا وأذعت به. ومنه ~~قول أبي الأسود: [الطويل] # أذاعوا به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب # وقالت فرقة: الآية نازلة في المنافقين، وفي من ضعف جلده عن الإيمان من ~~المؤمنين وقلت تجربته. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فإما أن يكون ذلك في أمر السرايا فإنهم ~~كانوا يسمعون أقوال المنافقين فيقولونها مع من قالها، ويذيعونها مع من ~~أذاعها، وهم غير متثبتين في صحتها، وهذا هو الدال على قلة تجربتهم، وإما أن ~~يكون ذلك في سائر الأمور الواقعة، كالذي قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~إنه جاء وقوم في المسجد يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ~~قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنة أبي بكر بلغ من أمرك أن تؤذي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: يا بن الخطاب عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة ~~فقلت: يا حفصة قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يحبك، ولولا ~~أنا لطلقك، فجعلت تبكي، قال: فخرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في غرفة له، ورباح مولاه جالس على أسكفة الغرفة، فقلت: يا رباح ~~استأذن لي على رسول الله، فنظر إلى الغرفة ثم نظر إلي وسكت، فقلت: يا رباح ~~استأذن لي على رسول الله فلعله يظن أني جئت من أجل حفصة، والله لو أمرني أن ~~أضرب عنقها لضربته، فنظر ثم أشار إلي بيده: أن ادخل، فدخلت وإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مضطجع على حصير وقد أثر في جنبه، وإذا ليس في غرفته. # وهذا التأويل جار مع قول عمر، أنا استنبطته ببحثي وسؤالي، وتحتمل الآية ~~أن يكون المعنى لعلمه المسئولون المستنبطون، فأخبروا بعلمهم، وقرأ أبو ~~السمال، «لعلمه» بسكون اللام وذلك مثل «شجر بينهم» ، والضمير في ms0849 ردوه عائد ~~على الأمر، وفي ومنهم يحتمل أن يعود على الرسول وأولي الأمر، ويحتمل أن ~~يعود على الجماعة كلها، أي لعلمه البحثة من الناس، وقوله تعالى: ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته الآية، هذا خطاب لجميع المؤمنين باتفاق من المتأولين، ~~والمعنى: ولولا هداية الله وإرشاده لكم بالإيمان وذلك فضل منه ورحمة- لكنتم ~~على كفركم، وذلك هو اتباع الشيطان. وحكى الزجاج: لولا فضل الله في هذا ~~القرآن ورسالة محمد عليه السلام، واختلف المتأولون في الاستثناء بقوله إلا ~~قليلا مم هو؟ فقال ابن عباس وابن زيد: ذلك مستثنى من قوله: «أذاعوا به إلا ~~قليلا» ، ورجحه الطبري، وقال قتادة: ذلك مستثنى من قوله: «يستنبطونه إلا ~~قليلا» ، وقالت فرقة: PageV02P084 # ذلك مستثنى من قوله: لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، على سرد الكلام دون ~~تقدير تقديم، ثم اختلفت هذه الفرقة، فقال الضحاك: إن الله هدى الكل منهم ~~إلى الإيمان، فكان منهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك، ولا عنت له ~~شبهة ارتياب، فذلك هو القليل، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، ~~فلولا فضل الله بتجديد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان إلا قبضة من شعير ~~وقبضة من قرظ، وإذا أفيقان معلقان، فبكيت، فقال رسول الله عليه السلام: ما ~~يبكيك يا بن الخطاب؟ فقلت يا رسول الله: # أنت صفوة الله من خلقه ورسوله، وليس لك من الدنيا إلا هذا، وكسرى وقيصر ~~في الأشجار والأنهار، فقال أهاهنا أنت يا عمر؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ~~ولنا الآخرة؟ فقلت: بلى، ثم جعلت أحدثه حتى تهلل وابتسم، فقلت يا رسول ~~الله: إنهم ادعوا أنك طلقت نساءك، فقال: لا، فقلت أتأذن لي أن أعرف الناس؟ # قال: افعل إن شئت، قال: فقمت على باب المسجد، فقلت: ألا إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فأنزل الله في هذه القصة وإذا جاءهم أمر من ~~الأمن أو الخوف أذاعوا به الآية وأنا الذي استنبطته. # وقوله تعالى: ولو ردوه إلى الرسول الآية، المعنى: لو أمسكوا عن الخوض ~~واستقصوا ms0850 الأمور من قبل الرسول. أو أولي الأمر وهم الأمراء، قاله السدي ~~وابن زيد، وقيل: أهل العلم، قاله الحسن وقتادة وغيرهما، والمعنى يقتضيهما ~~معا لعلمه طلابه من أولي الأمر والبحثة عنه وهم مستنبطوه، كما يستنبط الماء ~~وهو النبط أي الماء المستخرج من الأرض. ومنه قول الشاعر: # قريب ثراه ما ينال عدوه ... له نبطا آبي الهوان قطوب # يعني بالنبط الماء المستنبط. # وقوله تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا. ~~هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين. والمعنى: لولا هداية الله لكم ~~وإرشاده لبقيتم على كفركم، وهو اتباع الشيطان. وقال الضحاك: هدى الكل منهم ~~للإيمان فمنهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك ولا عنت له شبهة ~~ارتياب، وذلك هو القليل وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر، فلولا ~~فضل الله بتجريد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان. # قال القاضي أبو محمد: هذا معنى قول الضحاك، ويجيء الفضل معينا، أي رسالة ~~محمد والقرآن، لأن الكل إنما هدي بفضل الله على الإطلاق، وقال قوم: المخاطب ~~بقوله لاتبعتم جميع المؤمنين، وقوله: إلا قليلا إشارة إلى من كان قبل ~~الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم، كورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن ~~نفيل، وغيرهما، وقال قوم: الاستثناء إنما هو من الاتباع، أي لاتبعتم ~~الشيطان كلكم إلا قليلا من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها، وقال قوم: قوله: ~~إلا قليلا عبارة عن العدم، يريدون لاتبعتم الشيطان كلكم، وهذا الأخير قول ~~قلق، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا، بمعنى لا ~~تنبته لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها، ولكن قد ذكره الطبري. # قوله تعالى: PageV02P085 ### || [سورة النساء (4) : الآيات 84 الى 86] # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) من يشفع شفاعة حسنة يكن له ~~نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا ~~(85) وإذا حييتم بتحية ms0851 فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) # هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن ~~القتال فرض على النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة مدة ما، المعنى- والله ~~أعلم- أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في ~~خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له فقاتل في سبيل الله ~~لا تكلف إلا نفسك ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ~~ذلك قول النبي عليه السلام «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي» وقول أبي ~~بكر وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي» ، وخلط قوم في تعلق ~~الفاء من قوله فقاتل بما فيه بعد، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة، ~~وهي دالة على اطراح غير ما أمر به، ثم خص النبي عليه السلام بالأمر ~~بالتحريض، أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم، وعسى إذا ~~وردت من الله تعالى فقال عكرمة وغيره: إنها واجبة، لأنها من البشر متوقعة ~~مرجوة ففضل الله تعالى يوجب وجوبها، وفي هذا وعد للمؤمنين بغلبتهم للكفرة، ~~ثم قوى بعد ذلك، قلوبهم بأن عرفهم شدة بأس الله، وأنه أقدر على الكفرة، ~~وأشد تنكيلا لهم، التنكيل: الأخذ بأنواع العذاب وترديده عليهم. # وقوله تعالى: من يشفع شفاعة حسنة الآية. أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من ~~الشفع، وهو الزوج في العدد، لأن الشافع ثان لوتر المذنب، والشفيع ثان لوتر ~~المشتري، واختلف في هذه الآية المتأولون، فقال الطبري: المعنى من يشفع وتر ~~الإسلام بالمعونة للمسلمين، أو من يشفع وتر الكفر بالمعونة على الإسلام، ~~ودله على هذا التأويل ما تقدم من أمر القتال، وقال مجاهد والحسن وابن زيد ~~وغيرهم: هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ~~ومن يشفع ليضر فله كفل، وقال الحسن وغيره: «الشفاعة الحسنة» هي في البر ~~والطاعة، والسيئة هي في المعاصي، وهذا كله قريب بعضه من بعض، «والكفل» ~~النصيب، ويستعمل ms0852 في النصيب من الخير ومن الشر، وفي كتاب الله تعالى يؤتكم ~~كفلين من رحمته [الحديد: 28] ومقيتا معناه قديرا، ومنه قول الشاعر، وهو ~~الزبير بن عبد المطلب: [الوافر] # وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على إذايته مقيتا # أي قديرا، وعبر عنه ابن عباس ومجاهد، بحفيظ وشهيد، وعبد الله بن كثير، ~~بأنه الواصب القيم بالأمور، وهذا كله يتقارب، ومنه قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت» على من رواها هكذا أي من هو ~~تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره، وذهب مقاتل بن حيان، إلى أنه الذي يقوت ~~كل حيوان، وهذا على أن يقال أقات بمعنى قات، وعلى هذا يجيء قوله عليه ~~السلام «من يقيت» من أقات وقد حكى الكسائي «أقات» يقيت، فأما قول الشاعر ~~[السموأل بن عادياء] : [الخفيف] PageV02P086 # ليت شعري وأشعرن إذا ما ... قربوها مطوية ودعيت # أإلى الفضل أم علي؟ إذا حو ... سبت، إني على الحساب مقيت # فقال فيه الطبري: إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى موقوت. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا يضعفه أن يكون بناء فاعل بمعنى بناء ~~مفعول. # وقوله تعالى: وإذا حييتم الآية. التحية وزنها تفعلة من حيي، وهذا هو ~~الأغلب من مصدر فعل في المعتل، وروي عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس، ~~وفيه ضعف، لأنه ليس في الكلام على ذلك دلالة، أما أن الرد على المشمت مما ~~يدخل بالقياس في معنى رد التحية، وهذا هو منحى مالك رحمه الله إن صح ذلك ~~عنه والله أعلم، واختلف المتأولون، فقالت فرقة: التحية أن يقول الرجل: سلام ~~عليك، فيجب على الآخر أن يقول: عليك السلام ورحمة الله، فإن قال البادئ: ~~السلام عليك ورحمة الله، قال الراد عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فإن ~~قال البادئ: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقد انتهى ولم يبق للراد أن ~~يحيي بأحسن منها، فهاهنا يقع الرد المذكور في الآية، فالمعنى عند أهل هذه ~~القالة إذا حييتم بتحية، فإن نقص المسلم من النهاية فحيوا ms0853 بأحسن. وإن انتهى ~~فردوا، وقالت فرقة: إنما معنى الآية تخيير الراد، فإذا قال البادئ: السلام ~~عليك، فللراد أن يقول، وعليك السلام فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول، وعليك ~~السلام ورحمة الله، وهذا هو التحية بأحسن منها، وقال ابن عباس وغيره: ~~المراد بالآية، إذا حييتم بتحية، فإن كانت من مؤمن فحيوا بأحسن منها، وإن ~~كانت من كافر فردوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم: ~~وعليكم، وروي عن ابن عمرو وابن عباس وغيرهما، انتهى السلام إلى البركة، ~~وجمهور أهل العلم على أن لا يبدأ أهل الكتاب بسلام، فإن سلم أحد ساهيا أو ~~جاهلا فينبغي أن يستقيله سلامه، وشذ قوم في إباحة ابتدائهم، والأول أصوب، ~~لأن به يتصور إذ لا لهم، وقال ابن عباس: كل من سلم عليك من خلق الله فرد ~~عليه وإن كان مجوسيا، وقال عطاء: الآية في المؤمنين خاصة، ومن سلم من غيرهم ~~قيل له: عليك، كما في الحديث، وأكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة ~~مؤكدة، ورده فريضة، لأنه حق من الحقوق، قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، ~~وحسيبا معناه: # حفيظا، وهو فعيل من الحساب، وحسنت هاهنا هذه الصفة، إذ معنى الآية في أن ~~يزيد الإنسان أو ينقص أو يوفي قدر ما يجيء به. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 87 الى 88] # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) # لما تقدم الإنذار والتحذير الذي تضمنه قوله تعالى إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا [النساء: 86] تلاه مقويا له الإعلام بصفة الربوبية، وحال الوحدانية، ~~والإعلام بالحشر، والبعث من PageV02P087 # القبور، للثواب، والعقاب، إعلاما بقسم، والمقسم به تقديره وهو: أو وحقه، ~~أو وعظمته، ليجمعنكم والجمع هنا بمعنى الحشر، فلذلك حسنت بعده إلى، أي: ~~إليه السوق والحشر، والقيامة: أصلها القيام، ولما كان قيام الحشر ms0854 من أذل ~~الحال وأضعفها إلى أشد الأهوال وأعظمها لحقته هاء المبالغة ولا ريب فيه ~~تبرئة هي وما بعدها بمثابة الابتداء تطلب الخبر، ومعناه: لا ريب فيه في ~~نفسه وحقيقة أمره، وإن ارتاب فيه الكفرة فغير ضائر، ومن أصدق من الله ~~حديثا؟ ظاهره الاستفهام ومعناه تقرير الخبر، تقديره: # لا أحد أصدق من الله تعالى، لأن دخول الكذب في حديث البشر إنما علته ~~الخوف والرجاء أو سوء السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى وتقدست أسماؤه، ~~والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقا لما في قلبه، ~~وللأمر المخبر عنه في وجوده، وحديثا نصب على التمييز. # وقوله: فما لكم في المنافقين الآية. الخطاب للمؤمنين، وهذا ظاهره ~~استفهام، والمقصد منه التوبيخ، واختلف المتأولون فيمن المراد ب المنافقين؟ ~~فقال ابن عباس: هم قوم كانوا بمكة فكتبوا إلى أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة، أنهم قد آمنوا وتركوا الهجرة، وأقاموا بين أظهر الكفار، ~~ثم سافر قوم منهم إلى الشام فأعطتهم قريش بضاعات وقالوا لهم: إنكم لا ~~تخافون أصحاب محمد، لأنكم تخدعونهم بإظهار الإيمان لهم، فاتصل خبرهم ~~بالمدينة، فاختلف المؤمنون فيهم، فقالت طائفة: نخرج إلى أعداء الله ~~المنافقين، وقالت طائفة: بل هم مؤمنون لا سبيل لنا إليهم، فنزلت الآية، ~~وقال مجاهد: بل نزلت في قوم جاؤوا إلى المدينة من مكة، فأظهروا الإسلام، ثم ~~قالوا: لنا بضاعات بمكة فانصرفوا إليها وأبطنوا الكفر، فاختلف فيهم أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذان القولان يعضدهما ما في آخر الآية ~~من قوله تعالى حتى يهاجروا [النساء: 89] ، وقال زيد بن ثابت: نزلت في ~~المنافقين الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، عبد الله ~~بن أبي وأصحابه، لأن أصحاب النبي عليه السلام اختلفوا فيهم، وقال السدي: بل ~~نزلت في قوم منافقين كانوا بالمدينة فطلبوا الخروج عنها نفاقا وكفرا، ~~وقالوا: إنا اجتويناها، وقال ابن زيد: إنما نزلت في المنافقين الذين تكلموا ~~في حديث الإفك، لأن الصحابة اختلفوا فيهم. ms0855 # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: الاختلاف في هذه النازلة كان بين أسيد بن ~~حضير وسعد بن عبادة، حسبما وقع في البخاري، وكان لكل واحد أتباع من ~~المؤمنين على قوله، وكل من قال في هذه الآية: إنها فيمن كان بالمدينة يرد ~~عليه قوله: حتى يهاجروا [النساء: 89] لكنهم يخرجون المهاجرة إلى هجر ما نهى ~~الله عنه، وترك الخلاف والنفاق، كما قال عليه السلام، والمهاجر من هجر ما ~~نهى الله عنه، وفئتين معناه فرقتين، ونصبهما على الحال كما تقول: ما لك ~~قائما، هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: نصبه بما يتضمنه ما لكم من ~~الفعل، والتقدير ما لكم كنتم فئتين، أو صرتم، وهذا الفعل المقدر ينصب عندهم ~~النكرة والمعرفة، كما نقول ما لك الشاتم لزيد، وخطأ هذا القول الزجاج، لأن ~~المعرفة لا تكون حالا، وأركسهم معناه رجعهم في كفرهم وضلالهم، «والركس» ~~الرجيع، ومنه حديث النبي عليه السلام في الاستنجاء، «فأخذ الحجرين وألقى ~~الروثة، وقال إنها ركس» ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [البسيط] PageV02P088 # فأركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا # وحكى النضر بن شميل والكسائي، «ركس وأركس» بمعنى واحد، أي رجعهم، ومن قال ~~من المتأولين: أهلكهم أو أضلهم فإنما هي بالمعنى، لأن ذلك كله يتضمنه ردهم ~~إلى الكفر، وبما كسبوا معناه بما اجترحوا من الكفر والنفاق، أي إن كفرهم ~~بخلق من الله واختراع وبتكسب منهم، وقوله: # أتريدون استفهام معناه الإبعاد واليأس مما أرادوه، والمعنى أتريدون أيها ~~المؤمنون القائلون: بأن أولئك المنافقين مؤمنون أن تسموا بالهدى من قد يسره ~~الله لضلالة وحتمها عليه، ثم أخبر تعالى أنه من يضلل فلا سبيل إلى إصلاحه ~~ولا إلى إرشاده. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 89] # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) # الضمير في ودوا عائد على المنافقين، وهذا كشف من الله لخبث معتقدهم، ~~وتحذير للمؤمنين منهم. والمعنى تمنوا كفركم، وهي غاية المصائب ms0856 بكم، وهذا ~~الود منهم يحتمل أن يكون عن حسد منهم لهم على ما يرون للمؤمنين من ظهور في ~~الدنيا، فتجري الآية مع ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم، ويحتمل أمر المنافقين أن يكون أنهم رأوا ~~المؤمنين على غير شيء فودوا رجوعهم إلى عبادة الأصنام، والأول أظهر، وقوله: ~~فلا تتخذوا الآية. هذا نهي عن موالاتهم حتى يهاجروا، لأن الهجرة في سبيل ~~الله تتضمن الإيمان، وفي سبيل الله معناه في طريق مرضاة الله، لأن سبل الله ~~كثيرة، وهي طاعاته كلها، المعنى فإن أعرضوا عن الهجرة وتولوا عن الإيمان ~~فخذوهم، وهذا أمر بالحمل عليهم ومجاهرتهم بالقتال. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 90] # إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~(90) # كان هذا الحكم في أول الإسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هادن من العرب قبائل، كرهط هلال بن عويمر ~~الأسلمي، وسرقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، فقضت هذه ~~الآية بأنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى هؤلاء أهل العهد فدخل في عدادهم وفعل من الموادعة فلا سبيل ~~عليه، قال عكرمة والسدي وابن زيد: ثم لما تقوى الإسلام وكثر ناصروه نسخت ~~هذه والتي بعدها بما في سورة براءة، PageV02P089 # وقال أبو عبيدة وغيره: يصلون في هذا الموضع معناه، ينتسبون، ومنه قول ~~الأعشى: [الطويل] # إذا اتصلت قالت: أبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم # يريد إذا انتسبت. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا غير صحيح، قال الطبري: قتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قريشا وهم قرابة السابقين إلى الإسلام يقضي بأن ~~قرابة من له ميثاق أجدر بأن تقاتل، فإن قيل: إن النبي عليه السلام ms0857 لم يقاتل ~~قريشا إلا بعد نسخ هذه الآية، قيل: التواريخ تقضي بخلاف ذلك، لأن الناسخ ~~لهذه الآية هي سورة براءة، ونزلت بعد فتح مكة وإسلام جميع قريش، وقوله ~~تعالى: أو جاؤكم عطف على يصلون، ويحتمل أن يكون على قوله: بينكم وبينهم ~~ميثاق والمعنى في العطفين مختلف وهذا أيضا حكم كان قبل أن يستحكم أمر ~~الإسلام، فكان المشرك إذا اعتزل القتال وجاء إلى دار الإسلام مسالما كارها ~~لقتال قومه، مع المسلمين ولقتال المسلمين مع قومه لا سبيل عليه، وهذه نسخت ~~أيضا بما في براءة. وحصرت: ضاقت وحرجت، ومنه الحصر في القول، وهو: ضيق ~~الكلام على المتكلم، وقرأ الحسن وقتادة «حصرة» كذا قال الطبري: وحكى ذلك ~~المهدوي عن عاصم من رواية حفص، وحكي عن الحسن أنه قرأ «حصرات» وفي مصحف أبي ~~سقط أو جاؤكم، وحصرت عند جمهور النحويين في موضع نصب على الحال بتقدير قد ~~حصرت. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يصحب الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال ~~والداعي إليه أن يفرق بين تقدير الحال وبين خبر مستأنف، كقولك جاء زيد ركب ~~الفرس، فإن أردت بقولك ركب الفرس خبرا آخر عن زيد، لم تحتج إلى تقدير قد، ~~وإن أردت به الحال من زيد قدرته بقد، قال الزجاج: # حصرت خبر بعد خبر، وقال المبرد: حصرت دعاء عليهم. # قال القاضي أبو محمد: وقال بعض المفسرين: لا يصح هنا الدعاء، لأنه يقتضي ~~الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم، ذلك فاسد. # قال المؤلف: وقول المبرد يخرج على أن الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا ~~المسلمين تعجيز لهم، والدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم تحقير لهم، أي هم ~~أقل وأحقر، ويستغنى عنهم، كما تقول إذا أردت هذا المعنى: لا جعل الله فلانا ~~علي ولا معي أيضا، بمعنى استغنى عنه واستقل دونه، واللام في قوله: # لسلطهم جواب لو، وفي قوله: فلقاتلوكم لام المحاذاة والازدواج، لأنها ~~بمثابة الأولى، لو لم تكن الأولى كنت تقول: لو شاء الله لقاتلوكم، والمعنى ~~تقرير المؤمنين على مقدار النقمة وصرفها، أي لو شاء الله ms0858 لقواهم وجرأهم ~~عليكم، فإذ قد أنعم الله عليكم بالهدنة فاقبلوها وأطيعوا فيها، وقرأت طائفة ~~«فلقتلوكم» . وقرأ الجحدري والحسن «فلقتلوكم» بتشديد التاء، والمعنى فإن ~~اعتزلوكم أي هادنوكم وتاركوكم في القتل، والسلم هنا الصلح، قاله الربيع، ~~ومنه قول الطرماح بن حكيم: # وذاك أن تميما غادرت سلما ... للأسد كل حصان رعثة الكبد PageV02P090 # وقال الربيع: السلم هاهنا الصلح، وكذا قرأته عامة القراء، وقرأ الجحدري ~~«السلم» بسكون اللام، وقرأ الحسن «السلم» بكسر السين وسكون اللام، فمعنى ~~جملة هذه الآية، خذوا المنافقين الكافرين واقتلوهم حيث وجدتموهم، إلا من ~~دخل منهم في عداد من بينكم وبينهم ميثاق والتزم مهادنتكم أو من جاءكم وقد ~~كره قتالكم وقتال قومه، وهذا بفضل الله عليكم ودفاعه عنكم، لأنه لو شاء ~~لسلط هؤلاء الذين هم بهذه الصفة من المتاركة عليكم فلقاتلوكم، فإن اعتزلوكم ~~أي إذا وقع هذا فلم يقاتلوكم، فلا سبيل لكم عليهم، وهذا والذي في سورة ~~الممتحنة من قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين ~~[الممتحنة: 8] منسوخ بما في سورة براءة، قاله قتادة وابن زيد وغيرهما. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 91] # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # لما وصف الله تعالى فيما تقدم صفة المحقين في المتاركة، المجدين في إلقاء ~~السلم، نبه على طائفة مخادعة مبطلة مبطنة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم ~~مع أهليهم، يقولون لهم: نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضا للمسلمين إذا ~~وفدوا وأرسلوا: نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة، قيل: # كانت أسد وغطفان بهذه الصفة، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ~~ينقل بين النبي عليه السلام والكفار الأخبار، وقيل: نزلت في قوم يجيئون من ~~مكة إلى النبي عليه السلام رياء، يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش ~~فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم ms0859 على غير صفة من تقدم، وقوله: # إلى الفتنة معناه إلى الاختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم فيقال ~~لأحدهم: قل: ربي الخنفساء، وربي العود، وربي العقرب، ونحوه، فيقولها، ومعنى ~~أركسوا رجعوا رجع ضلالة أي أهلكوا في الاختيار بما واقعوه من الكفر، وقرأ ~~عبد الله بن مسعود، «ركسوا» بضم الراء من غير ألف، وحكاه عنه أبو الفتح بشد ~~الكاف على التضعيف، والخلاف في السلم حسبما تقدم، وهذه الآية حض على قتل ~~هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين ~~للسلم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه ~~في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال. وإيجاب إلقاء السلم، ونفي ~~المقاتلة، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة ~~المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه ~~مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلا لو ~~لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم «سلطان مبين» ، وكذلك ~~هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم ~~الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا، PageV02P091 # وثقفتموهم مأخوذ من الثقاف، أي ظفرتم بهم مغلوبين متمكنا منهم، والسلطان ~~الحجة، قال عكرمة: # حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 92] # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) # قال جمهور المفسرين: معنى هذه الآية: وما كان في إذن الله وفي أمره ~~للمؤمن أن يقتل مؤمنا بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعا ليس من الأول، وهو ~~الذي تكون فيه ms0860 إلا بمعنى لكن، والتقدير لكن الخطأ قد يقع. # وهذا كقول الشاعر [الهذلي] : [البسيط] # أمسى سقام خلاء لا أنيس به ... إلا السباع وإلا الريح بالغرف # قال القاضي أبو محمد: سقام اسم واد، والغرف شجر يدبغ بلحائه، وكما قال ~~جرير: [الطويل] # من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ ... على الأرض إلا ريط برد مرحل # وفي هذا الشاهد نظر، ويتجه في معنى الآية وجه آخر، وهو أن تقدر كان بمعنى ~~استقر ووجد، كأنه قال، وما وجد ولا تقرر ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ، إذ هو مغلوب فيه أحيانا، فيجيء الاستثناء على هذا غير منقطع، وتتضمن ~~الآية على هذا إعظام العمد وبشاعة شأنه، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن ~~تتكلم بهذا إلا ناسيا، إعظاما للعمد والقصد مع خطر الكلام به البتة، وقرأ ~~الزهري «خطا» مقصورا غير مهموز، وقرأ الحسن والأعمش مهموزا ممدودا، وقال ~~مجاهد وعكرمة والسدي وغيرهم نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة المخزومي ~~حين قتل الحارث بن يزيد بن نبيشة، وذلك أنه كان يعذبه بمكة، ثم أسلم الحارث ~~وجاء مهاجرا فلقيه عياش بالحرة، فظنه على كفره فقتله، ثم جاء فأخبر النبي ~~عليه السلام فشق ذلك عليه ونزلت الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «قم فحرر» ، وقال ابن زيد: # نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان يرعى غنما وهو يتشهد فقتله وساق غنمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية وقيل: نزلت في أبي حذيفة اليمان ~~حين قتل خطأ يوم أحد، وقيل غير هذا، والله أعلم، وقوله تعالى: ومن قتل ~~مؤمنا الآية. بين الله تعالى في هذه الآية حكم المؤمن إذا قتل المؤمن خطأ، ~~وحقيقة الخطأ أن لا يقصده بالقتل، ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى، يربطها عدم ~~القصد، قال ابن عباس PageV02P092 # والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم: «الرقبة المؤمنة» هي الكبيرة التي ~~قد صلت وعقلت الإيمان، ولا يجزىء في ذلك الصغير، وقال عطاء بن أبي رباح: ~~يجزىء الصغير المولود بين المسلمين، وقالت جماعة منهم ms0861 مالك بن أنس: يجزىء ~~كل من يحكم له بحكم الإسلام في الصلاة عليه إن مات ودفنه، قال مالك: # ومن صلى وصام أحب إلي، وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكثير ~~كقطع اليدين أو الرجلين أو الأعمى لا يجزىء فيما حفظت، فإن كان النقصان ~~يسيرا تتفق له معه المعيشة والتحرف، كالعرج ونحوه ففيه قولان، ومسلمة معناه ~~مؤداة مدفوعة، وهي على العاقلة فيما جاز ثلث الدية، وإلا أن يصدقوا يريد ~~أولياء القتيل، وقرأ أبي بن كعب «يتصدقوا» وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعبد ~~الوارث عن أبي عمرو «تصدقوا» بالتاء على المخاطبة للحاضر، وقرأ نبيح العتري ~~«تصدقوا» بالتاء وتخفيف الصاد، و «الدية» مائة من الإبل على أهل الإبل عند ~~قوم، وعند آخرين على الناس كلهم، إلا أن لا يجد الإبل أهل الذهب والفضة، ~~فحينئذ ينتقلون إلى الذهب والفضة، يعطون منها قيمة الإبل في وقت النازلة ~~بالغة ما بلغت، واختلف في المائة من الإبل، فقال علي بن أبي طالب: هي ~~مربعة، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وقال ~~عبد الله بن مسعود: مخمسة، عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، ~~وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكرا، ولبعض الفقهاء غير هذا الترتيب، ~~وعمر بن الخطاب وغيره يرى الدية من البقر مائتي بقرة. ومن الغنم ألفي شاة، ~~ومن الحلل مائة حلة، وورد بذلك حديث عن النبي عليه السلام في مصنف أبي ~~داود، والحلة ثوبان من نوع واحد في كلام العرب، وكانت في ذلك الزمن صفة ~~تقاوم المائة من الإبل، فمضى القول على ذلك، وأما الذهب فهي ألف دينار، ~~قررها عمر ومشى الناس عليها، وأما الفضة فقررها عمر اثني عشر ألفا، وبه قال ~~مالك، وجماعة تقول: عشرة آلاف درهم. وقوله تعالى: فإن كان من قوم عدو لكم ~~الآية. المعنى عند ابن عباس وقتادة والسدي وإبراهيم وعكرمة وغيرهم، فإن كان ~~هذا المقتول خطأ رجلا مؤمنا، قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدو لكم، فلا ~~دية فيه، وإنما كفارته تحرير الرقبة، والسبب ms0862 عندهم في نزولها أن جيوش رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كانت تمر بقبائل الكفار فربما قتل من قد آمن ولم ~~يهاجر، أو من قد هاجر ثم رجع إلى قومه، فيقتل في حملات الحرب على أنه من ~~الكفار، فنزلت الآية، وتسقط الدية عند قائلي هذه المقالة لوجهين، أولهما أن ~~أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع الدية إليهم يتقوون بها، والآخر أن ~~حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية فيه، واحتجوا بقوله تعالى: ~~والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا [الأنفال: ~~72] وقالت فرقة: بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط، فسواء كان ~~القتيل خطأ بين أظهر المسلمين أو بين قومه، لم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى ~~قومه، كفارته التحرير ولا دية فيه، لأنه لا يصح دفعها إلى الكفار. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقائل المقالة الأولى يقول: إن قتل ~~المؤمن في بلد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة، وقوله ~~تعالى: وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق المعنى عند الحسن وجابر بن زيد ~~وإبراهيم وغيرهم وإن كان هذا المقتول خطأ مؤمنا من قوم معاهدين لكم، فعهدهم ~~يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم، فكفارته التحرير وأداء الدية، وقرأ الحسن «وإن ~~كان من قوم PageV02P093 # بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن» وقال ابن عباس والشعبي وإبراهيم أيضا. ~~المقتول من أهل العهد خطأ لا يبالى كان مؤمنا أو كافرا على عهد قومه فيه ~~الدية كدية المسلم والتحرير، واختلف على هذا في دية المعاهد، فقال أبو ~~حنيفة وغيره: ديته كدية المسلم، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ~~وقال مالك وأصحابه: ديته على نصف دية المسلم، وقال الشافعي وأبو ثور: ديته ~~على ثلث دية المسلم، وقوله تعالى: فمن لم يجد الآية يريد عند الجمهور فمن ~~لم يجد العتق ولا اتسع ماله له فيجزيه «صيام شهرين» متتابعين في الأيام لا ~~يتخللها فطر، وقال مكي عن الشعبي: «صيام الشهرين» يجزىء عن الدية والعتق ~~لمن ms0863 لم يجدها، وهذا القول وهم، لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على ~~القاتل، والطبري حكى القول عن مسروق، وتوبة نصب على المصدر ومعناه رجوعا ~~بكم إلى التيسير والتسهيل. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 93] # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما (93) # «المتعمد» في لغة العرب القاصد إلى الشيء، واختلف العلماء في صفة المتعمد ~~في القتل، فقال عطاء وإبراهيم النخعي وغيرهما: هو من قتل بحديدة كالسيف أو ~~الخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ المعد للقطع أو بما يعلم أن فيه ~~الموت من ثقيل الحجارة ونحوه، وقالت فرقة: «المتعمد» كل من قتل بحديدة كان ~~القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وهذا قول الجمهور وهو الأصح، ورأى ~~الشافعي وغيره أن القتل بغير الحديد المشحوذ هو شبه العمد، ورأوا فيه تغليظ ~~الدية، ومالك رحمه الله لا يرى شبه العمد ولا يقول به في شيء، وإنما القتل ~~عنده ما ذكره الله تعالى عمدا وخطأ لا غير، والقتل بالسم عنده عمد، وإن قال ~~ما أردت إلا سكره، وقوله: فجزاؤه جهنم # تقديره عند أهل السنة، فجزاؤه أن جازاه بذلك أي هو أهل ذلك ومستحقه لعظم ~~ذنبه، ونص على هذا أبو مجلز وأبو صالح وغيرهما وهذا مبني على القول ~~بالمشيئة في جميع العصاة قاتل وغيره، وذهبت المعتزلة إلى عموم هذه الآية، ~~وأنها مخصصة بعمومها لقوله تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48- ~~116] وتوركوا في ذلك على ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: نزلت الشديدة بعد ~~الهينة، يريد نزلت ومن يقتل مؤمنا متعمدا بعد ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~[النساء: 48 و 116] فهم يرون أن هذا الوعيد نافذ حتما على كل قاتل يقتل ~~مؤمنا، ويرونه عموما ماضيا لوجهه، مخصصا للعموم في قوله تعالى: ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48 و 116] كأنه قال: إلا من قتل عمدا. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وأهل الحق يقولون لهم: هذا العموم منكسر ~~غير ms0864 ماض لوجهه من جهتين، إحداهما ما أنتم معنا مجمعون عليه من الرجل الذي ~~بشهد عليه أو يقر بالقتل عمدا ويأتي السلطان أو الأولياء فيقام عليه الحد ~~ويقتل قودا، فهذا غير متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعا متركبا ~~على الحديث الصحيح من طريق عبادة بن الصامت، أنه من عوقب في الدنيا فهو ~~كفارة له، وهذا نقض PageV02P094 # للعموم، والجهة الأخرى أن لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم، بل لفظ مشترك يقع ~~كثيرا للخصوص، كقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~[المائدة: 44] وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق في أمر بكفرة بوجه، ~~وكقول الشاعر [زهير بن أبي سلمى] : [الطويل] # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # وهذا إنما معناه الخصوص، لأنه ليس كل من لا يظلم يظلم، فهذه جهة أخرى تدل ~~على أن العموم غير مترتب، وما احتجوا به من قول زيد بن ثابت فليس كما ~~ذكروه، وإنما أراد زيد أن هذه الآية نزلت بعد سورة الفرقان، ومراده باللينة ~~قوله تعالى: ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق [الفرقان: 68] ، وإن ~~كان المهدوي قد حكى عنه أنه قال: أنزلت الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا بعد ~~قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48- 116] بأربعة أشهر ~~فإذا دخله التخصيص، فالوجه أن هذه الآية مخصوصة في الكافر يقتل المؤمن، أما ~~على ما روي أنها نزلت في شأن مقيس بن حبابة، حين قتل أخاه هشام بن حبابة ~~رجل من الأنصار، فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية، ثم بعثه مع ~~رجل من فهر بعد ذلك في أمر ما، فعدا عليه مقيس فقتله ورجع إلى مكة مرتدا، ~~وجعل ينشد: [الطويل] # قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع # حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أؤمنه في حل ولا في حرم» ، وأمر ~~بقتله يوم فتح مكة، وهو متعلق ms0865 بالكعبة، وأما أن يكون على ما حكي عن ابن ~~عباس أنه قال متعمدا معناه مستحلا لقتله. فهذا يؤول أيضا إلى الكفر، وفي ~~المؤمن الذي قد سبق في علم الله أنه يعذبه بمعصيته على ما قدمنا من تأويل، ~~فجزاؤه أن جازاه، ويكون قوله خالدا إذا كانت في المؤمن بمعنى باق مدة طويلة ~~على نحو دعائهم للملوك بالتخليد ونحو ذلك، ويدل على هذا سقوط قوله «أبدا» ~~فإن التأبيد لا يقترن بالخلود إلا في ذكر الكفار. # واختلف العلماء في قبول توبة القاتل، فجماعة على أن لا تقبل توبته، وروي ~~ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وكان ابن عباس يقول: الشرك والقتل ~~مبهمان، من مات عليهما خلد، وكان يقول: # هذه الآية مدنية نسخت الآية التي في الفرقان، إذ الفرقان مكية والجمهور ~~على قبول توبته، وروي عن بعض العلماء أنهم كانوا يقصدون الإغلاظ والتخويف ~~أحيانا، فيطلقون: لا تقبل توبة القاتل، منهم ابن شهاب كان إذا سأله من يفهم ~~منه أنه قد قتل قال له: توبتك مقبولة، وإذا سأله من لم يفعل، قال له: لا ~~توبة للقاتل، ومنهم ابن عباس وقع عنه في تفسير عبد بن حميد أن رجلا سأله ~~أللقاتل توبة؟ فقال له: لا توبة للقاتل وجزاؤه جهنم، فلما مضى السائل قال ~~له أصحابه: ما هكذا كنا نعرفك تقول إلا أن للقاتل التوبة، فقال لهم: إني ~~رأيته مغضبا وأظنه يريد أن يقتل، فقاموا فطلبوه وسألوا عنه، فإذا هو كذلك. ~~وذكر هبة الله في كتاب الناسخ والمنسوخ له: أن هذه الآية منسوخة بقوله ~~تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48- 116] وقال: هذا إجماع الناس ~~إلا ابن عباس وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة. PageV02P095 # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفيما قاله هبة الله نظر، لأنه موضع عموم ~~وتخصيص، لا موضع نسخ، وإنما ركب كلامه على اختلاف الناس في قبول توبة ~~القاتل. والله أعلم. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 94] # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم ms0866 السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(94) # تقول العرب: ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيره مقترنة ب «في» ~~، وتقول: ضربت الأرض دون «في» إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قول- النبي ~~عليه السلام: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط يتحدثان كاشفين عن فرجيهما ~~فإن الله يمقت على ذلك» ، وسبب هذه الآية: أن سرية من سرايا رسول الله لقيت ~~رجلا له جمل ومتيع، وقيل غنيمة، فسلم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشق ذلك على رسول الله ونزلت الآية فيه، ~~واختلف المفسرون في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه ~~الأكثر- وهو في سيرة ابن إسحاق وفي مصنف أبي داود وغيرهما: أن القاتل محلم ~~بن جثامة والمقتول عامر بن الأضبط، والحديث بكماله في المصنف لأبي داود، ~~وفي السير وفي الاستيعاب، وقالت فرقة: القاتل أسامة بن زيد، والمقتول مرداس ~~بن نهيك الغطفاني، وقالت فرقة: القاتل أبو قتادة، وقالت فرقة: القاتل غالب ~~الليثي، والمقتول مرداس، وقالت فرقة: القاتل هو أبو الدرداء، ولا خلاف أن ~~الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم بن جثامة. # وقرأ جمهور السبعة فتبينوا وقرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا» بالثاء مثلثة في ~~الموضعين وفي الحجرات، وقال قوم: «تبينوا» أبلغ وأشد من «تثبتوا» ، لأن ~~المتثبت قد لا يتبين، وقال أبو عبيد: هما متقاربان. # قال القاضي أبو محمد: والصحيح ما قال أبو عبيد، لأن تبين الرجل لا يقتضي ~~أن الشيء بان له، بل يقتضي محاولة اليقين، كما أن ثبت تقتضي محاولة اليقين، ~~فهما سواء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وابن كثير في بعض طرقه، «السلم» ~~بتشديد السين وفتحه وفتح اللام، ومعناه: الاستسلام أي ألقى بيده واستسلم ~~لكم وأظهر دعوتكم، وقرأ بقية السبعة «السلام» يريد سلم ذلك المقتول على ~~السرية، لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به ~~الانحياز والترك، قال الأخفش: يقال: ms0867 فلان سلام إذا كان لا يخالط أحدا، وروي ~~في بعض طرق عاصم «السلم» بكسر السين وشده وسكون اللام وهو الصلح، والمعنى ~~المراد بهذه الثلاثة يتقارب، وقرأ الجحدري «السلم» بفتح السين وسكون اللام، ~~والعرض: هو المتيع والجمل، أو الغنيمة التي كانت للرجل المقتول، وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع وأبو حمزة واليماني «لست مؤمنا» بفتح الميم، أي لسنا نؤمنك ~~في نفسك، وقوله تعالى: فعند الله مغانم كثيرة عدة بما يأتي به الله على ~~وجهه ومن حله دون ارتكاب محظور أي فلا تتهافتوا. PageV02P096 # واختلف المتأولون في قوله تعالى: كذلك كنتم من قبل فقال سعيد بن جبير: ~~معناه كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمن الله ~~عليكم بإعزاز دينكم، وإظهار شريعتكم، فهم الآن كذلك، كل واحد منهم خائف من ~~قومه، متربص أن يصل إليكم فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره، ~~وقال ابن زيد: كذلك كنتم كفرة فمن الله عليكم بأن أسلمتم، فلا تنكروا أن ~~يكون هو كافرا ثم يسلم لحينه حين لقيكم، فيجب أن يتثبت في أمره، ويحتمل أن ~~يكون المعنى إشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في ~~جاهليتكم لا تتثبتون، حتى جاء الله بالإسلام ومن عليكم، ثم أكد تبارك ~~وتعالى الوصية بالتبين، وأعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر ~~يتضمن تحذيرا منه تعالى، لأن المعنى إن الله كان بما تعملون خبيرا، فاحفظوا ~~نفوسكم، وجنبوا الزلل الموبق بكم. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96] # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) ~~درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) # في قوله: لا يستوي إبهام على السامع هو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين ~~المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما، ~~والقاعدون عبارة عن المتخلفين، إذ القعود هيئة من لا ms0868 يتحرك إلى الأمر ~~المقعود عنه في الأغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، «غير أولي الضرر» ~~برفع الراء من غير، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي «غير» بالنصب، واختلف عن ~~عاصم، فروي عنه الرفع والنصب، وقرأ الأعمش وأبو حيوة «غير» بكسر الراء فمن ~~رفع جعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، كما هي عنده صفة في قوله تعالى: غير ~~المغضوب [الفاتحة: 7] بجر غير صفة، ومثله قول لبيد: [الرمل] # وإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزى الفتى غير الجمل # قال المؤلف: كذا ذكره أبو علي، ويروى ليس الجمل، ومن قرأ بنصب الراء جعله ~~استثناء من القاعدين، قال أبو الحسن: ويقوي ذلك أنها نزلت بعدها على طريق ~~الاستثناء والاستدراك. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد يتحصل الاستدراك بتخصيص القاعدين ~~بالصفة، قال الزجاج: يجوز أيضا في قراءة الرفع أن يكون على جهة الاستثناء، ~~كأنه قال: «لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر» فإنهم يساوون ~~المجاهدين. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود، لأن أولي الضرر لا يساوون ~~المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير ~~عذر، قال: ويجوز في قراءة نصب PageV02P097 # الراء أن يكون على الحال، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين، وروي من ~~غير طريق أن الآية نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فجاء ابن ~~أم مكتوم حين سمعها، فقال: يا رسول الله هل من رخصة؟ فإني ضرير البصر فنزلت ~~عند ذلك غير أولي الضرر قال الفلتان بن عاصم كنا قعودا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل عليه، وكان إذا أوحي إليه دام بصره مفتوحة عيناه وفرغ سمعه ~~وبصره لما يأتيه من الله، وكنا نعرف ذلك في وجهه، فلما فرغ قال للكاتب: ~~اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون إلى آخر الآية. قال: فقام ~~الأعمى، فقال: يا رسول الله ما ذنبنا؟ قال: فأنزل الله على رسوله، فقلنا ~~للأعمى: إنه ينزل عليه. قال: فخاف أن ينزل فيه شيء فبقي قائما مكانه يقول: ~~أتوب إلى رسول الله حتى فرغ ms0869 رسول الله، فقال الكاتب: اكتب غير أولي الضرر ~~وأولو الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد. قاله ابن ~~عباس وغيره. وقوله تعالى: بأموالهم وأنفسهم هي الغاية في كمال الجهاد. ولما ~~كان أهل الديوان متملكين بذلك العطاء يصرفون في الشدائد وتروعهم البعوث ~~والأوامر. قال بعض العلماء: هم أعظم أجرا من المتطوع لسكون جأشه ونعمة باله ~~في الصوائف الكبار ونحوها. واحتج بهذه الآية المظهرة لفضل المال من قال: إن ~~الغنى أفضل من الفقر وإن متعلقه بها لبين. # وفسر الناس الآية على أن تكملة التفضيل فيها ب «الدرجة» ثم بالدرجات إنما ~~هو مبالغة وتأكيد وبيان، وقال ابن جريج الفضل بدرجة هو على القاعدين من أهل ~~العذر. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لأنهم مع المؤمنين بنياتهم كما قال النبي ~~عليه السلام في غزوة تبوك «إن بالمدينة رجالا ما قطعنا واديا ولا سلكنا ~~جبلا ولا طريقا إلا وهم معنا حبسهم العذر» قال ابن جريج. والتفضيل «بالأجر ~~العظيم والدرجات» هو على القاعدين من غير أهل العذر، والحسنى الجنة، وهي ~~التي وعدها المؤمنون، وكذلك قال السدي وغيره. # وقال ابن محيريز: «الدرجات» هي درجات في الجنة، سبعون، ما بين الدرجتين ~~حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة، وقال بهذا القول الطبري ورجحه، وقال ~~ابن زيد: «الدرجات» في الآية هي السبع المذكورات في سورة براءة، فهي قوله ~~تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله [التوبة: ~~120] الآيات فذكر فيها الموطئ الغائظ للكفار، والنيل من العدو، والنفقة ~~الصغيرة والكبيرة، وقطع الأودية والمسافات. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن ~~يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ~~ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، ~~فالأقوال كلها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس. ونصب درجات إما على ~~البدل من الأجر، وإما على إضمار فعل على أن تكون تأكيدا للأجر، كما تقول: ~~لك علي ألف درهم عرفا، ms0870 كأنك قلت أعرفها عرفا. # قوله تعالى: PageV02P098 ### || [سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 100] # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان ~~الله عفوا غفورا (99) ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله وكان الله غفورا رحيما (100) # المراد بهذه الآية إلى قوله مصيرا جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا ~~وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر ~~بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما، كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بإسلامهم، ~~فأخرجهم المشركون يوم بدر فأصيب بعضهم، فقال المسلمون كان أصحابنا هؤلاء ~~مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت إن الذين توفاهم الملائكة الآية. ~~قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، أن لا عذر لهم، فخرجوا ~~فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية الأخرى، ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ~~[العنكبوت: 10] الآية فكتب إليهم المسلمون بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير. ~~ثم نزلت فيهم ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم [النحل: 110] فكتبوا إليهم بذلك، أن الله قد جعل ~~لكم مخرجا فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل، ~~وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في خمسة قتلوا ببدر، وهم قيس بن الفاكه بن ~~المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، ~~وأبو العاصي ms0871 بن منبه بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف، قال النقاش: في أناس ~~سواهم أسلموا ثم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غر هؤلاء ~~دينهم. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: وكان العباس ممن خرج مع الكفار لكنه ~~نجا وأسر، وكان من المطعمين في نفير بدر، قال السدي: لما أسر العباس وعقيل ~~ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: افد نفسك وابن أخيك، فقال ~~له العباس: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال «يا عباس: إنكم ~~خاصمتم فخصمتم» ، ثم تلا عليه هذه الآية ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها قال السدي: فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى ~~يهاجر، إلا من لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي ~~يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ~~ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم ~~من مات مؤمنا وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، ~~مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على ~~الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة ~~للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على PageV02P099 # تكفيرهم بالمعاصي، وأما العباس فقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله أنه أسلم ~~قبل بدر، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر من لقي العباس ~~فلا يقتله، فإنما أخرج كرها. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق- رحمه الله- وذكر أنه إنما أسلم مأسورا حين ~~ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أمر المال الذي ترك عند أم الفضل، وذكر ~~أنه أسلم في عام خيبر، وكان يكتب إلى رسول الله بأخبار المشركين، وكان يحب ~~أن يهاجر، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث بمكة فمقامك ms0872 بها ~~أنفع لنا. # قال القاضي أبو محمد: لكن عامله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسر ~~على ظاهر أمره. # وقوله تعالى: توفاهم يحتمل أن يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة تأنيث، إذ ~~تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على معنى ~~تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين ويكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي من هذا ~~المعنى في المستقبل بعد نزول الآية. وقرأ إبراهيم «توفاهم» بضم التاء، قال ~~أبو الفتح: كأنه يدفعون إلى الملائكة ويحتسبون عليهم. و «توفاهم» بفتح ~~التاء معناه: تقبض أرواحهم، وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى: تحشرهم إلى ~~النار وظالمي أنفسهم نصب على الحال أي ظالميها بترك الهجرة، قال الزجاج: ~~حذفت النون من «ظالمين» تخفيفا، كقوله تعالى: بالغ الكعبة [المائدة: # 95] ، وقول الملائكة فيم كنتم؟ تقرير وتوبيخ، وقول هؤلاء كنا مستضعفين في ~~الأرض اعتذار غير صحيح، إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل ثم وقفتهم ~~الملائكة على ذنبهم بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة والأرض في قول هؤلاء هي ~~أرض مكة خاصة، وأرض الله هي الأرض بالإطلاق. والمراد فتهاجروا فيها إلى ~~موضع الأمن، وهذه المقالة إنما هي بعد توفي الملائكة لأرواح هؤلاء. وهي ~~دالة على أنهم ماتوا مسلمين، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا، ~~وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه، ولعدم تعين أحد منهم ~~بالإيمان، ولاحتمال ردته، وتوعدهم الله تعالى بأن مأواهم جهنم. # ثم استثنى منهم من كان استضعافه على حقيقة من زمنة الرجال وضعفة النساء ~~والولدان، كعياش بن أبي ربيعة والوليد بن هشام وغيرهما، قال ابن عباس: كنت ~~أنا وأمي من المستضعفين، هي من النساء وأنا من الولدان، والحيلة: لفظ عام ~~لأسباب أنواع التخلص، و «السبيل» : سبيل المدينة فيما ذكر مجاهد والسدي ~~وغيرهما والصواب أنه عام في جميع السبل. # ثم رجى الله تعالى هؤلاء بالعفو عنهم، وعسى من الله واجبة. أما أنها دالة ~~على ثقل الأمر المعفو عنه، قال الحسن: عسى من الله واجبة، قال غيره: هي ~~بمنزلة ms0873 الوعد، إذ ليس يخبر ب عسى عن شك ولا توقع، وهذا يرجع إلى الوجوب، ~~قال آخرون: هي على معتقد البشر، أي ظنكم بمن هذه حاله ترجي عفو الله عنه. # والمراغم: المتحول والمذهب، كذا قال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم، ~~ومنه قول النابغة الجعدي: [المتقارب] PageV02P100 # كطود يلاذ بأركانه ... عزيز المراغم والمذهب # وقول الآخر: [المتقارب] # إلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغم والمضطرب # وقال مجاهد: «المراغم» المتزحزح عما يكره. وقال ابن زيد: «المراغم» ~~المهاجر، وقال السدي: # «المراغم» المبتغى للمعيشة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا كله تفسير بالمعنى، فأما الخاص ~~باللفظة، فإن «المراغم» موضع المراغمة، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين ~~أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، ~~فلو هاجر منهم مهاجر في أرض الله لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، ~~فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وكذلك الطود الذي ذكر النابغة، من صعد فيه ~~أمام طالب له وتوقل فقد أرغم أنف ذلك الطالب. وقرأ نبيح والجراح والحسن بن ~~عمران «مرغما» بفتح الميم وسكون الراء دون ألف. قال أبو الفتح: هذا إنما هو ~~على حذف الزوائد من راغم، والجماعة على «مراغم» ، وقال ابن عباس والربيع ~~والضحاك وغيرهم: السعة هنا هي السعة في الرزق، وقال قتادة: المعنى سعة من ~~الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وقال مالك: السعة سعة البلاد. # قال القاضي رحمه الله: والمشبه لفصاحة العرب أن يريد سعة الأرض وكثرة ~~المعاقل، وبذلك تكون «السعة» في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك ~~من وجوه الفرح، ونحو هذا المعنى قول الشاعر [حطان بن المعلى] . # لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض # ومنه قول الآخر: [الوافر] # وكنت إذا خليل رام قطعي ... وجدت وراي منفسحا عريضا # وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى: ألم تكن أرض الله واسعة وقال مالك بن ~~أنس رضي الله عنه: # الآية تعطي أن كل مسلم ينبغي أن يخرج من البلاد التي تغير فيها السنن ~~ويعمل فيها بغير الحق، وقوله تعالى ms0874 ومن يخرج من بيته الآية: حكم باق في ~~الجهاد والمشي إلى الصلاة والحج ونحوه، أما أنه لا يقال: إن بنفس خروجه ~~ونيته حصل في مرتبة الذي قضى ذلك الفرض أو العبادة في الجملة، ولكن يقال: # وقع له بذلك أجر عظيم، وروي: أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من كنانة، وقيل: ~~من خزاعة من بني ليث، وقيل: من جندع، لما سمع قول الله عز وجل الذين لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا قال: # إني لذو مال وعبيد- وكان مريضا- فقال: أخرجوني إلى المدينة، فأخرج في ~~سرير فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت الآية بسببه، واختلف في اسمه، فحكى ~~الطبري عن ابن جبير: أنه ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، وحكي ~~عن السدي: أنه ضمرة بن جندب، وحكي عن عكرمة: أنه جندب بن ضمرة الجندعي، ~~وحكي عن ابن جبير أيضا: أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث، وحكى أبو عمر بن ~~عبد البر: أنه ضمرة بن العيص، وحكى المهدوي: أنه ضمرة بن نعيم، وقيل: ضمرة ~~بن خزاعة، وقرأت PageV02P101 # الجماعة «ثم يدركه الموت» بالجزم عطفا على يخرج وقرأ طلحة بن سليمان ~~وإبراهيم النخعي فيما ذكر أبو عمرو «ثم يدركه» برفع الكاف- قال أبو الفتح: ~~هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه الموت فعطف الجملة من ~~المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة ~~على جملة، وعلى هذا حمل يونس بن حبيب قول الأعشى: [البسيط] # إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل # المراد وأنتم تنزلون وعليه قول الآخر [رويشد بن كثير الطائي] : [البسيط] # إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم ... فما علي بذنب عندكم فوت # المعنى: ثم أنتم تأتيني. وهذا أوجه من أن يحمله على قول الآخر: [الوافر] # ألم يأتيك والأنباء تنمى # وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة ونبيح والجراح «ثم يدركه» بنصب الكاف ~~وذلك على إضمار «أن» كقول الأعشى: [الطويل] # لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما # أراد: فأن يعصم- قال أبو الفتح: ms0875 وهذا ليس بالسهل وإنما بابه الشعر لا ~~القرآن، وأنشد ابن زيد: # [الوافر] # سأترك منزلي لبني تميم ... والحق بالحجاز فأستريحا # والآية أقوى من هذا لتقدم الشرط قبل المعطوف. # قال القاضي أبو محمد: ومن هذه الآية رأى بعض العلماء أن من مات من ~~المسلمين وقد خرج غازيا فله سهمه من الغنيمة، قاسوا ذلك على «الأجر» ، وقد ~~تقدم معنى الهجرة فيما سلف ووقع عبارة عن الثبوت وقوة اللزوم وكذلك هي- ~~وجب- لأن الوقوع والوجوب نزول في الأجرام بقوة. فشبه لازم المعاني بذلك. # وباقي الآية بين. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 101 الى 102] # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ~~وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) # ضربتم معناه: سافرتم. فأهل الظاهر يرون القصر في كل سفر يخرج عن الحاضرة، ~~وهي من حيث تؤتى الجمعة، وهذا قول ضعيف، واختلف العلماء في حد المسافة التي ~~تقصر فيها الصلاة، فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهويه: تقصر ~~الصلاة في أربعة برد، وذلك ثمانية وأربعون ميلا. PageV02P102 # وحجتهم أحاديث رويت في ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال الحسن والزهري: ~~تقصر الصلاة في مسيرة يومين ولم يذكرا أميالا، وروي هذا القول عن مالك، ~~وروي عنه أيضا: تقصر الصلاة في يوم وليلة، وهذه الأقوال الثلاثة تتقارب في ~~المعنى، وروي عن ابن عباس وابن عمر: أن الصلاة تقصر في مسيرة اليوم التام، ~~وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلا، وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على ~~مسيرة خمسة وأربعين ميلا، قال: يقصر، وعن ابن القاسم في العتبية: أن ms0876 قصر في ~~ستة وثلاثين فلا إعادة عليه، وقال يحيى بن عمر: يعيد أبدا، وقال ابن عبد ~~الحكم: في الوقت، وقال ابن مسعود وسفيان والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن ~~الحسن: من سافر مسيرة ثلاث قصر، قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها سير ~~الإبل ومشي الأقدام، وروي عن أنس بن مالك: أنه قصر في خمسة عشر ميلا، قال ~~الأوزاعي: عامة العلماء في القصر في مسيرة اليوم التام، وبه نأخذ. # واختلف الناس في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فأجمع الناس على الجهاد ~~والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس، واختلف الناس فيما سوى ~~ذلك، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح، كالتجارة ونحوها، وروي عن ~~ابن مسعود أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد، وقال عطاء لا تقصر ~~الصلاة إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير، وقد روي عن عطاء أنها تقصر في ~~كل المباح، والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية، كالباغي ~~وقاطع الطريق وما في معناهما، وروي عن الأوزاعي وأبي حنيفة إباحة القصر في ~~جميع ذلك. وجمهور العلماء على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، ~~وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك في المدونة وابن حبيب وجماعة ~~المذهب، قال ابن القاسم في المدونة: ولم يحد لنا مالك في القرب حدا، وروي ~~عن مالك إذا كانت قرية يجمع أهلها فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال وإلى ~~ذلك في الرجوع، وإن كانت لا يجمع أهلها قصر إذا جاوز بساتينها، وروي عن ~~الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود ~~بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان ~~بن موسى، وروي عن مجاهد أنه قال: لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل، ~~وهو شاذ، وقد ثبت أن النبي عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعا، والعصر ~~بذي الحليفة ركعتين، وليس بينهما ثلث يوم، ويظهر من قوله تعالى فليس ms0877 عليكم ~~جناح أن تقصروا أن القصر مباح أو مخير فيه، وقد روى ابن وهب عن مالك: أن ~~المسافر مخير، وقاله الأبهري، وعليه حذاق المذهب، وقال مالك في المبسوط: ~~القصر سنة. وهذا هو جمهور المذهب، وعليه جواب المدونة بالإعادة في الوقت ~~لمن أتم في سفره، وقال محمد بن سحنون وإسماعيل القاضي: القصر فرض، وبه قال ~~حماد بن أبي سليمان، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: من صلى في السفر أربعا فهو كمن صلى في الحضر ركعتين، وحكى ابن المنذر ~~عن عمر بن الخطاب: أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان ~~نبيكم، وقد خاب من افترى، ويؤيد هذا قول عائشة: فرضت الصلاة ركعتين في ~~الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، واختلف العلماء في ~~معنى قوله تعالى: أن تقصروا فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنين ~~من أربع، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا: إنا نضرب PageV02P103 # في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة ثم انقطع الكلام، فلما كان بعد ذلك بحول غزا ~~النبي عليه السلام، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ~~ظهورهم، فهلا شددتم عليهم، فقال قائل منهم: إن لهم أخرى في أثرها، فأنزل ~~الله تعالى بين الصلاتين إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إلى آخر صلاة ~~الخوف، وذكر الطبري في سرد هذه المقالة حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن ~~الخطاب، إن الله تعالى يقول إن خفتم وقد أمن الناس، فقال عجبت مما عجبت ~~منه، فسألت رسول الله عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا ~~صدقته» ، قال الطبري: وهذا كله قول حسن، إلا أن قوله تعالى: وإذا كنت تؤذن ~~بانقطاع ما بعدها مما قبلها، فليس يترتب من لفظ الآية، إلا أن القصر مشروط ~~بالخوف، وفي قراءة أبي ms0878 بن كعب «أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا» ~~- بسقوط إن خفتم وثبتت في مصحف عثمان رضي الله عنه، وذهبت جماعة أخرى إلى ~~أن هذه الآية إنما هي مبيحة القصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمنا ~~فلا قصر له، وروي عن عائشة أنها كانت تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر، فقالت: إنه كان في حرب وكان ~~يخاف، وهل أنتم تخافون؟ وقال عطاء: كان يتم الصلاة من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص، وأتم عثمان بن عفان، ولكن # علل ذلك بعلل غير هذه، وكذلك علل إتمام عائشة أيضا بغير هذا وقال آخرون: ~~القصر المباح في هذه الآية إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة، والركعتان في ~~السفر إنما هي تمام، وقصرها أن تصير ركعة، قال السدي: إذا صليت في السفر ~~ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن يخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل ~~طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا، ويكون للإمام ركعتان، وروي عن ابن عمر رضي ~~الله عنه أنه قال: ركعتان في السفر تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة ~~المخافة يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء فيصلي بهم ركعة، فتكون ~~للإمام ركعتان ولهم ركعة، ركعة، وقال نحو هذا سعيد بن جبير وجابر بن عبد ~~الله وكعب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله حذيفة بطبرستان وقد ~~سأله الأمير سعيد بن العاصي ذلك، وروى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة بكل طائفة ولم يقضوا، وقال مجاهد عن ابن ~~عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، ~~وفي الخوف ركعة، وروى جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~كذلك بأصحابه يوم حارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان، وقال آخرون: هذه ms0879 الآية مبيحة القصر ~~من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب، فأبيح لمن هذه حاله أن ~~يصلي إيماء برأسه، ويصلي ركعة واحدة حيث توجه إلى تكبيرتين إلى تكبيرة على ~~ما تقدم من أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ~~[البقرة: 239] ورجح الطبري هذا القول، وقال: إنه يعادله قوله فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة أي بحدودها وهيئتها الكاملة، وقرأ الجمهور «تقصروا» بفتح ~~التاء وضم الصاد، وروى الضبي عن أصحابه «تقصروا» بضم التاء وكسر الصاد ~~وسكون القاف وقرأ الزهري «تقصروا» بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها. ~~ويفتنكم معناه: يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم، ونحو PageV02P104 # هذا قول صاحب الحائط: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وأصل الفتنة ~~الاختبار بالشدائد، وإلى هذا المعنى ترجع كيف تصرفت، وعدو وصف يجري على ~~الواحد والجماعة، و «مبين» مفعل من أبان، المعنى: قد جلحوا في عدواتكم ~~وراموكم كل مرام. # وقوله تعالى: وإذا كنت فيهم الآية قال جمهور الأمة: الآية خطاب للنبي ~~عليه السلام، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وقال أبو يوسف ~~وإسماعيل بن علية: الآية خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصلاة بإمامة ~~النبي عليه السلام لا عوض منها، وغيره من الأمراء منه العوض، فيصلي الناس ~~بإمامين، طائفة بعد طائفة، ولا يحتاج إلى غير ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وكذلك جمهور العلماء على أن صلاة الخوف تصلى في ~~الحضر إذا نزل الخوف، وقال قوم: لا صلاة خوف في حضر، وقاله في المذهب عبد ~~الملك بن الماجشون، وقال الطبري: فأقمت لهم معناه: حدودها وهيئتها، ولم ~~تقصر على ما أبيح قبل في حال المسايفة، وقوله فلتقم طائفة منهم معك، أمر ~~بالانقسام، أي وسائرهم وجاه العدو حذرا وتوقع حملته، وأعظم الروايات ~~والأحاديث على أن صلاة الخوف إنما نزلت الرخصة فيها في غزوة ذات الرقاع، ~~وهي غزوة محارب وخصفة، وفي بعض الروايات: أنها نزلت في ناحية عسفان وضجنان، ~~والعدو: خيل قريش، عليها خالد بن الوليد، واختلف من المأمور بأخذ الأسلحة ~~هنا؟ فقيل الطائفة ms0880 المصلية، وقيل: بل الحارسة. # قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يتناول الكل، ولكن سلاح المصلين ما خف، ~~واختلفت الآثار في هيئة صلاة النبي عليه السلام بأصحابه صلاة الخوف، وبحسب ~~ذلك اختلف الفقهاء، فروى يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة ~~أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فصفت ~~طائفة معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا ثم ~~انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ~~من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وروى القاسم بن محمد ~~عن صالح بن خوات عن سهل هذا الحديث بعينه، إلا أنه روى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين صلى بالطائفة الأخيرة ركعة، سلم، ثم قضت هي بعد سلامه، وبهذا ~~الحديث أخذ مالك رحمه الله في صلاة الخوف، كان أولا يميل إلى رواية يزيد بن ~~رومان، ثم رجع إلى رواية القاسم بن محمد بن أبي بكر، وروى مجاهد وغيره عن ~~ابن عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت على خلاف فيه: أن النبي عليه السلام ~~صلى صلاة الخوف بعسفان والعدو في قبلته، قال: فصلى بنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم الظهر، فقال المشركون: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، فقالوا: ~~تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل ~~بين الظهر والعصر بهذه الآيات، وأخبره خبرهم، ثم قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فصف العسكر خلفه صفين، ثم كبر فكبروا جميعا، ثم ركع فركعنا ~~جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي ~~يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا سجد الآخرون في مكانهم، ثم ~~تقدموا إلى مصاف المتقدمين وتأخر المتقدمون إلى مصاف المتأخرين، ثم ركع ~~فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي فسجد الصف الذي يليه، ~~فلما رفع سجد الآخرون، ثم سلم فسلموا جميعا، ثم PageV02P105 # انصرفوا، قال ms0881 عبد الرزاق بن همام في مصنفه: وروى الثوري عن هشام مثل هذا، ~~إلا أنه قال: ينكص الصف المقدم القهقرى حين يرفعون رؤوسهم من السجود، ~~ويتقدم الآخرون فيسجدون في مصاف الأولين، قال عبد الرزاق عن معمر عن خلاد ~~بن عبد الرحمن عن مجاهد قال: لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ~~إلا مرتين، مرة بذات الرقاع من أرض بني سليم، ومرة بعسفان والمشركون بضجنان ~~بينهم وبين القبلة. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر اختلاف الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقتضي أنه صلى صلاة الخوف في غير هذين الموطنين، وذكر ابن عباس أنه كان في ~~غزوة ذي قرد صلاة خوف، وروى عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا ~~في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم النبي عليه السلام ~~ركعة، ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة في حين واحد، وبهذه الصفة في ~~صلاة الخوف أخذ أشهب رحمه الله، ومشى على الأصل في أن لا يقضي أحد قبل زوال ~~حكم الإمام، فكذلك لا يبني، ذكر هذا عن أشهب جماعة منهم ابن عبد البر وابن ~~يونس وغيرهما، وحكى اللخمي عنه: أن مذهبه أن يصلي الإمام بطائفة ركعة ثم ~~ينصرفون تجاه العدو، وتأتي الأخرى فيصلي بهم ركعة ثم يسلم وتقوم التي معه ~~تقضي، فإذا فرغوا منه صاروا تجاه العدو، وقضت الأخرى. وهذه سنة رويت عن ابن ~~مسعود، ورجح ابن عبد البر القول بما روي عن ابن عمر، وروي أن سهل بن أبي ~~حثمة قد روي عنه مثل ما روي عن ابن عمر سواء، وروى حذيفة حين حكى صلاة ~~النبي عليه السلام في الخوف: أنه صلى بكل طائفة ركعة، ولم يقض أحد من ~~الطائفتين شيئا زائدا على ركعة، وذكر ابن عبد البر وغيره عن جابر بن عبد ~~الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت لرسول الله ~~أربع، ولكل رجل ركعتان، ms0882 وبهذه كان يفتي الحسن بن أبي الحسن، وهو قول يجيزه ~~كل من أجاز اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة، وقال أصحاب الرأي: إذا ~~كانت صلاة المغرب افتتح الإمام الصلاة ومعه طائفة، وطائفة بإزاء العدو، ~~فيصلي بالتي معه ركعتين، ثم يصيرون إلى إزاء العدو، وتأتي الأخرى فيدخلون ~~مع الإمام، فيصلي بهم ركعة ثم يسلم وحده، ثم يقومون إلى إزاء العدو، وتأتي ~~الطائفة التي صلت مع الإمام ركعتين إلى مقامهم الأول في الصلاة، فيقضون ~~ركعة وسجدتين وحدانا ويسلمون، ثم يجيئون إلى إزاء العدو، وتنصرف الطائفة ~~الأخرى إلى مقام الصلاة، فيقضون ركعتين بقراءة وحدانا ويسلمون، وكملت ~~صلاتهم. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: وهذا طرد قول أصحاب الرأي في سائر ~~الصلوات، سأل مروان بن الحكم أبا هريرة، هل صليت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: # نعم، قال مروان: متى؟ قال أبو هريرة: عام غزوة نجد: قام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو ~~وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله وكبروا جميعا الذين معه والذين بإزاء ~~العدو ثم ركع رسول الله وركع معه الذين معه وسجدوا كذلك ثم قام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فصارت الطائفة التي كانت معه إلى إزاء العدو وأقبلت ~~الطائفة التي كانت بإزاء العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله قائم كما هو ثم ~~قاموا فركع رسول الله ركعة أخرى وركعوا معه وسجد فسجدوا PageV02P106 # معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت بإزاء العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ~~قاعد ثم كان السلام فسلم رسول الله وسلموا جميعا. وأسند أبو داود في مصنفه ~~عن عائشة رضي الله عنها صفة في صلاة النبي صلاة الخوف تقرب مما روي عن أبي ~~هريرة وتخالفها في أشياء إلا أنها صفة صلاة الخوف من لدن قول أبي يوسف وابن ~~علية أحد عشر قولا منع صلاة الخوف لكونها خاصة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعشر صفات على القول الشهير فإنها باقية للأمراء. # الضمير في سجدوا للطائفة ms0883 المصلية والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى ~~فلينصرفوا، هذا على بعض الهيئات المروية والمعنى: فإذا سجدوا ركعة القضاء ~~وهذا على هيئة سهل بن أبي حثمة، والضمير في قوله: فليكونوا يحتمل أن يكون ~~للذين سجدوا ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولا بإزاء العدو ويجيء الكلام ~~وصاة في حال الحذر والحرب، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق «فلتقم» بكسر اللام، ~~وقرأ الجمهور ولتأت طائفة بالتاء، وقرأ أبو حيوة «وليأت» بالياء، وقوله ~~تعالى: ود الذين كفروا الآية إخبار عن معتقد القوم وتحذير من الغفلة، لئلا ~~ينال العدو أمله. وأسلحة جمع سلاح، وفي قوله تعالى: # ميلة واحدة بناء مبالغة أي مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية، وقوله ~~تعالى: ولا جناح عليكم الآية ترخيص، قال ابن عباس: نزلت بسبب عبد الرحمن بن ~~عوف، كان مريضا فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على ~~الوجوب، فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين، وينقاس عليهما كل عذر يحدث في ~~ذلك الوقت، ثم قوى الله تعالى نفوس المؤمنين بقوله إن الله أعد للكافرين ~~عذابا مهينا. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 103 الى 104] # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) ولا تهنوا ~~في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ~~ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) # ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف، ~~على حد ما أمروا عند PageV02P107 # قضاء المناسك بذكر الله، فهو ذكر باللسان، وذهب قوم إلى أن قضيتم بمعنى ~~فعلتم، أي إذا تلبستم بالصلاة فلتكن على هذه الهيئات بحسب الضرورات: المرض، ~~وغيره، وبحسب هذه الآية رتب ابن المواز صلاة المريض فقال: يصلي قاعدا فإن ~~لم يطق فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يطق فعلى الأيسر، فإن لم يطق فعلى الظهر، ~~ومذهب مالك في المدونة التخيير، لأنه قال: فعلى جنبه أو على ظهره، وحكى ابن ms0884 ~~حبيب عن ابن القاسم أنه قال: يبتدىء بالظهر ثم بالجنب، قال ابن حبيب: وهو ~~وهم، قال اللخمي: وليس بوهم، بل هو أحكم في استقبال القبلة، وقال سحنون: ~~يصلي على جنبه الأيمن كما يجعل في قبره، فإن لم يقدر فعلى ظهره، و ~~«الطمأنينة» في الآية: سكون النفس من الخوف، وقال بعض المتأولين: المعنى: # فإذا رجعتم من سفركم إلى الحضر فأقيموها تامة أربعا، وقوله تعالى: كتابا ~~موقوتا معناه: منجما في أوقات، هذا ظاهر اللفظ، وروي عن ابن عباس: أن ~~المعنى فرضا مفروضا، فهما لفظان بمعنى واحد كرر مبالغة. # وقوله تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم يبين أن القضاء المشار إليه قبل، ~~إنما هو قضاء صلاة الخوف، وتهنوا معناه تلينوا وتضعفوا، حبل واهن أي ضعيف، ~~ومنه: وهن العظم [مريم: 4] ، وابتغاء القوم: طلبهم، وقرأ عبد الرحمن الأعرج ~~«أن تكونوا» بفتح الألف، وقرأ يحيى بن وثاب ومنصور بن المعتمر «تيلمون» في ~~الثلاثة وهي لغة، وهذا تشجيع لنفوس المؤمنين، وتحقير لأمر الكفرة، ومن نحو ~~هذا المعنى قول الشاعر [الشداخ بن يعمر الكناني] : [المنسرح] # القوم أمثالكم لهم شعر ... في الرأس لا ينشرون إن قتلوا # ثم تأكد التشجيع بقوله تعالى: وترجون من الله ما لا يرجون وهذا برهان ~~بين، ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين، وباقي الآية بين. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 107] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) # في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتفويض إليه، وتقويم أيضا ~~على الجادة في الحكم، وتأنيب ما على قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق ~~بسرعة، وقوله تعالى: بما أراك الله معناه: # على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي، وقد تضمن ~~الله تعالى لأنبيائه العصمة، وقوله تعالى: ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر ~~الله إن الله كان غفورا رحيما ms0885 سببها باتفاق من المتأولين أمر بني أبيرق، ~~وكانوا إخوة، بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وينحل الشعر غيره، فكان المسلمون يقولون: والله ما هو إلا ~~شعر الخبيث، فقال شعرا يتصل فيه، فمنه قوله: # أفكلما قال الرجال قصيدة ... نحلت وقالوا: ابن الأبيرق قالها PageV02P108 # قال قتادة بن النعمان: وكان بنو أبيرق أهل فاقة، فابتاع عمي رفاعة بن زيد ~~حملا من دومك الشام فجعله في مشربة له، وفي المشربة درعان له وسيفان، فعدي ~~على المشربة من الميل فنقبت وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي ~~رفاعة فقال: يا بن أخي، تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا ~~وذهب بطعامنا وسلاحنا، فقال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا ~~بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نراه إلا على بعض طعامكم، قال: وقد ~~كان بنو أبيرق قالوا: «ونحن نسأل» والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، ~~رجل منا له صلاح وإسلام، فسمع ذلك لبيد فاخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال: ~~والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها ~~الرجل، فو الله ما أنت بصاحبنا فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها ~~فقال لي عمي: يا بن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بهذه ~~القصة، فأتيته عليه السلام فقصصتها عليه، فقال: انظر في ذلك، فلما سمع بذلك ~~بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له: أسير بن عروة فكلموه في ذلك، واجتمع ~~إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا ~~رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح ~~يرمونهم بالسرقة على بينة، قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكلمته، قال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة عن ~~غير بينة، قال: فرجعت وقد وددت أن أخرج عن بعض مالي ولم أكلمه، فأتيت عمي ~~فقال: ms0886 ما صنعت؟ فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله ~~المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق الآيات. ~~فالخائنون بنو أبيرق، والبريء المرمي لبيد بن سهل، والطائفة التي همت: أسير ~~وأصحابه. # قال القاضي أبو محمد: وقال قتادة وغير واحد من المتأولين: هذه القصة ~~ونحوها إنما كان صاحبها طعمة بن أبيرق، ويقال فيه: طعيمة، وقال السدي: ~~القصة في طعمة بن أبيرق لكن بأن استودعه يهودي درعا فجحده إياها وخانه فيها ~~وطرحها في دار أبي مليل الأنصاري، وأراد أن يرميه بسرقتها لما افتضح، وأبو ~~مليل هو البريء المشار إليه، وقال عكرمة: سرق طعمة بن أبيرق درعا من مشربة ~~ورمى بسرقتها رجلا من اليهود يقال له: زيد بن السمين. # قال القاضي أبو محمد: وجملة هذا يستدير على أن قوم طعمة أتوا النبي ~~وكلموه في أن يذب عن طعمة ويرفع الدعوى عنه، ودفعوا هم عنه ومنهم من يعلم ~~أنه سرق، فكانت هذه معصية من مؤمنيهم، وخلق مقصود من منافقيهم فعصم الله ~~رسوله من ذلك، ونبه على مقاله لقتادة بن النعمان بقوله: ولا تكن للخائنين ~~خصيما قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وطعيمة بن أبيرق صرح بعد ~~ذلك بالارتداد وهرب إلى مكة، ونزل على سلافة فرماها حسان بن ثابت بشعر، ~~فأخذت رحل طعمة ورمت به في الأبطح وقالت: # اخرج عنا، أهديت إلي شعر حسان، فروي: أنه نزل على الحجاج بن علاط وسرقه ~~فطرده، وروي أنه نقب حائط بيت ليسرقه فانهدم الحائط عليه فقتله، وروي: أنه ~~اتبع قوما من العرب فسرقهم فقتلوه. # وقوله تعالى: واستغفر الله ذهب الطبري إلى أن المعنى استغفر الله من ذنبك ~~في خصامك للخائنين. PageV02P109 # قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بذنب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى: استغفر للمذنبين من أمتك ~~والمتخاصمين في الباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، فهذا حدك، ومحلك من الناس ~~أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب. ms0887 # وقوله تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # لفظ عام يندرج طيه أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم، وقوله تعالى: إن ~~الله لا يحب من كان خوانا أثيما # رفق وإبقاء، فإن الخوان: هو الذي تتكرر منه الخيانة، والأثيم: هو الذي ~~يقصدها، فيخرج من هذا الشديد الساقط مرة واحدة ونحو ذلك مما يجيء من ~~الخيانة بغير قصد أو على غفلة. واختيان الأنفس: هو بما يعود عليها من الإثم ~~والعقوبة في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 108 الى 110] # يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في ~~الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ~~(109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ~~(110) # الضمير في يستخفون # للصنف المرتكب للمعاصي مستسرين بذلك عن الناس مباهتين لهم، واندرج في طي ~~هذا العموم، ودخل تحت هذه الأنحاء أهل الخيانة في النازلة المذكورة، وأهل ~~التعصب لهم والتدبير في خدع النبي صلى الله عليه وسلم والتلبس عليه، ويحتمل ~~أن يكون الضمير لأهل هذه النازلة، ويدخل في معنى هذا التوبيخ كل من فعل نحو ~~فعلهم، ومعنى وهو معهم # بالإحاطة والعلم والقدرة، ويبيتون # يدبرون ليلا، انطلقت العبارة على كل استسرار بهذا، إذ الليل مظنة ~~الاستتار والاختفاء، قال الطبري: وزعم بعض الطائيين: أن التبييت في لغتهم ~~التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جوين الطائي: [المتقارب] # وبيت قولي عند الملي ... ك قاتلك الله عبدا كنودا # وقال أبو زيد يبيتون # معناه: يؤلفون، ويحتمل أن تكون اللفظة مأخوذة من البيت، أي: يستسرون في ~~تدبيرهم بالجدرات. # وقوله تعالى: ها أنتم هؤلاء # قد تقدمت وجوه القراءات فيه في سورة آل عمران، والخطاب بهذه الآية للقوم ~~الذين يتعصبون لأهل الريب والمعاصي، ويندرج طي هذا العموم أهل النازلة، ~~ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل التعصب في هذه النازلة وهو الأظهر عندي بحكم ~~التأكيد ب هؤلاء # ، وهي إشارة إلى ms0888 حاضرين، وقد تقدم إعراب مثل هذه الآية في سورة آل عمران، ~~«والمجادلة» : المدافعة بالقول وهي من فتل الكلام وليه، إذ الجدل الفتل، ~~وقوله تعالى: فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة # وعيد محض، أي إن PageV02P110 # الله يعلم حقيقة الأمر فلا يمكن أن يلبس عليه بجدال ولا غيره، كما فعلتم ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو بشر يقضي على نحو ما يسمع. # ولما تمكن هذا الوعيد وقضت العقول بأن لا مجادل لله ولا وكيل يقوم بأمور ~~العصاة عنده، عقب ذلك هذا الرجاء العظيم، والمهل المنفسح بقوله تعالى: ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله # الآية. منحى من عمل السوء، وهما بمعنى واحد تكرر باختلاف لفظ مبالغة، ~~واستغفار الله تعالى مع التحقيق في ذلك توبة وقوله تعالى: يجد الله # استعارة، لما كانت الرحمة والغفران معدة للمستغفرين التائبين، كانوا ~~كالواجدين لمطلوب، وكأن التوبة ورود على رحمة الله وقرب من الله، وقال عبد ~~الله بن مسعود يوما في مجلسه: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد ~~كتبت كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئا من ثيابه قرضه ~~بالمقراضين، فقال رجل من القوم: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرا، فقال عبد ~~الله: ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل لكم الماء طهورا، وقال ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه # الآية وهذه آية وعد بشرط المشيئة على ما تقتضيه عقيدة أهل السنة، وفضل ~~الله مرجو وهو المستعان. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 111 الى 113] # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن ~~يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ~~ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما (113) # تقدم القول في معنى «الكسب» ، «والإثم» الحكم اللاحق عن المعصية، ونسبة ~~المرء إلى العقوبة فيها، وقوله: فإنما ms0889 يكسبه على نفسه # أي إياها يردي وبها يحل المكروه. # وقوله تعالى: خطيئة أو إثما # ذهب بعض الناس إلى أنهما لفظان بمعنى كرر لاختلاف اللفظ، وقال الطبري: ~~إنما فرق بين «الخطيئة والإثم» أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم ~~لا يكون إلا عن عمد، وهذه الآية لفظها عام، ويندرج تحت ذلك العموم وتوبيخه ~~أهل النازلة المذكورة، «وبريء» النازلة قيل: هو لبيد بن سهل، وقيل: هو زيد ~~بن السمين اليهودي، وقيل: أبو مليل الأنصاري، وقوله تعالى: فقد احتمل # تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات، وبهتانا # معناه: كذبا على البريء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قلت في ~~أخيك ما فيه مما يكره سماعه فقد اغتبته، فإن قلت ما ليس فيه فقد بهته، فرمي ~~البريء بهت له ونفس الخطيئة والإثم إثم مبين، ومعصية هذا الرامي معصيتان. PageV02P111 # ثم وقف الله تعالى نبيه على مقدار عصمته له، وأنها بفضل من الله ورحمة ~~وقوله تعالى: لهمت # معناه: لجعلته همها وشغلها حتى تنفذه، وهذا يدل على أن الألفاظ عامة في ~~غير أهل النازلة، وإلا فأهل التعصب لبني أبيرق قد وقع همهم وثبت، وإنما ~~المعنى: ولولا عصمة الله لك لكان في الناس من يشتغل بإضلالك، ويجعله هم ~~نفسه أي كما فعل هؤلاء، لكن العصمة تبطل كيد الجميع، فيبقى الضلال في ~~حيزهم، ثم ضمن وعد الله تعالى له أنهم «لا يضرونه شيئا» ، وقرر عليه نعمه ~~لديه، من إنزال الكتاب # المتلو، والحكمة # التي بعضها خوطب به وبعضها جعلت له سجية ملكها، وقريحة يعمل عنها، وينظر ~~بين الناس بها، لا ينطق عن الهوى، وبهذين علمه ما لم يكن يعلم، وباقي الآية ~~بين. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 116] # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا ms0890 (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) # الضمير في نجواهم عائد على الناس أجمع، وجاءت هذه الآيات عامة التناول، ~~وفي عمومها يندرج أصحاب النازلة، وهذا عن الفصاحة والإيجاز المضمن الماضي ~~والغابر في عبارة واحدة، والنجوى: # المسارة، مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال: قوم عدل ورضا، وتحتمل ~~اللفظة في هذه الآية أن تكون الجماعة وأن تكون المصدر نفسه، فإن قدرناها ~~الجماعة فالاستثناء متصل، كأنه قال: لا خير في كثير من جماعاتهم المنفردة ~~المتسارة إلا من، وإن قدرنا اللفظة المصدر نفسه، كأنه قال: لا خير في كثير ~~من تناجيهم، فالاستثناء منقطع بحكم اللفظ، ويقدر اتصاله على حذف مضاف، كأنه ~~قال: إلا نجوى من، قال بعض المفسرين: النجوى كلام الجماعة المنفردة كان ذلك ~~سرا أو جهرا. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: انفراد الجماعة من الاستسرار، والغرض ~~المقصود أن النجوى ليست بمقصورة على الهمس في الأذن ونحوه، و «المعروف» : ~~لفظ يعم الصدقة والإصلاح، ولكن خصا بالذكر اهتماما بهما، إذ هما عظيما ~~الغناء في مصالح العباد، ثم وعد تعالى «بالأجر العظيم» على فعل هذه الخيرات ~~بنية وقصد لرضا الله تعالى. وابتغاء نصب على المصدر، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وعاصم والكسائي فسوف نؤتيه بالنون وقرأ أبو عمرو وحمزة «يؤتيه» بالياء ~~والقراءتان حسنتان. # وقوله تعالى: ومن يشاقق الرسول الآية، لفظ عام نزل بسبب طعمة بن أبيرق، ~~لأنه ارتد وسار إلى مكة، فاندرج الإنحاء عليه في طي هذا العموم المتناول ~~لمن اتصف بهذه الصفات إلى يوم القيامة، وقوله ما تولى وعيد بأن يترك مع ~~فاسد اختياره في تولي الطاغوت، وقرأ ابن أبي عبلة «يوله» و «يصله» بالياء ~~فيهما. PageV02P112 # ثم أوجب تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية وما ~~يتصل بها من المعتقد والبعد في صفة الضلال، مقتض بعد الرجوع إلى المحجة ~~البيضاء وتعذره وإن بقي غير مستحيل. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 117 الى 118] # إن يدعون ms0891 من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) # الضمير في يدعون عائد على من تقدم ذكره من الكفرة في قوله: ومن يشاقق ~~الرسول [النساء: 115] إن نافية بمعنى «ما» ويدعون عبارة مغنية موجزة في ~~معنيي: يعبدون ويتخذون آلهة، وقرأ أبو رجاء العطاردي «إن تدعون» بالتاء من ~~فوق، ورويت عن عاصم، واختلف في معنى «الإناث» ، فقال أبو مالك والسدي ~~وغيرهما: ذلك لأن العرب كانت تسمي أصنامها بأسماء مؤنثة، فاللات والعزى ~~ومناة ونائلة. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: ويرد على هذا أنها كانت تسمي بأسماء مذكرة ~~كثيرة، وقال الضحاك وغيره: المراد ما كانت العرب تعتقده من تأنيث الملائكة ~~وعبادتهم إياها، فقيل لهم هذا على جهة إقامة الحجة من فاسد قولهم، وقال ابن ~~عباس والحسن وقتادة: المراد: الخشب والحجارة وهي مؤنثات لا تعقل، فيخبر ~~عنها كما يخبر عن المؤنث من الأشياء فيجيء قوله: إلا إناثا عبارة عن ~~الجمادات، وقيل: # إنما هذا لأن العرب كانت تسمي الصنم أنثى فتقول: أنثى بني فلان. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا على اختلافه يقضي بتعييرهم بالتأنيث ~~وأن التأنيث نقص وخساسة بالإضافة إلى التذكير، وقيل معنى إناثا أوثانا، وفي ~~مصحف عائشة «إن يدعون من دونه إلا أوثانا» وقرأ ابن عباس فيما روى عنه أبو ~~صالح «إلا أنثا» يريد وثنا، فأبدل الهمزة واوا، وهو جمع جمع على ما حكى بعض ~~الناس، كأنه جمع وثنا على وثان، كجمل وجمال، ثم جمع وثانا على وثن كرهان ~~ورهن وكمثال ومثل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ، لأن فعالا في جمع فعل إنما هو للتكثير ~~والجمع الذي هو للتكثير لا يجمع وإنما تجمع جموع التقليل، والصواب أن تقول ~~وثن جمع وثن دون واسطة، كأسد وأسد، قال أبو عمرو: وبهذا قرأ ابن عمر وسعيد ~~بن المسيب ومسلم بن جندب وعطاء، وروي عن ابن عباس أنه قرأ «إلا وثنا» بفتح ~~الواو والثاء على إفراد اسم الجنس، وقرأ ابن عباس أيضا «وثنا» بضم الواو ~~والثاء، وقرأت ms0892 فرقة «إلا وثنا» ، وقرأت فرقة «إلا أثنا» بسكون الثاء، وقرأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم «إلا أنثا» بتقديم النون وهو جمع أنيث كغدير وغدر ~~ونحو ذلك، وحكى الطبري: أنه جمع إناث كثمار وثمر، وحكى هذه القراءة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبو عمرو الداني، قال: وقرأ بها ابن عباس وأبو ~~حيوة والحسن، واختلف في المعنى ب «الشيطان» ، فقالت فرقة: هو الشيطان ~~المقترن بكل صنم، فكأنه موحد باللفظ جمع بالمعنى، لأن الواحد يدل على ~~الجنس، وقال الجمهور: المراد إبليس وهذا هو الصواب، لأن سائر المقالة به ~~تليق، PageV02P113 # ومريدا معناه عاتيا صليبا في غوايته، وهو فعيل من مرد: إذا عتا وغلا في ~~انحرافه وتجرد للشر والغواية. # وأصل اللعن: الإبعاد، وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، ويحتمل أن ~~يكون لعنه صفة الشيطان، ويحتمل أن يكون خبرا عنه، والمعنى يتقارب على ~~الوجهين، وقوله تعالى: وقال لأتخذن الآية، التقدير: وقال الشيطان، والمعنى، ~~لأستخلصنهم لغوايتي: ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة، والمفروض معناه ~~في هذا الموضع المنحاز، وهو مأخوذ من الفرض وهو الحز في العود وغيره، ~~ويحتمل أن يريد واجبا أن أتخذه، وبعث النار هو نصيب إبليس. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 119 الى 122] # ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) يعدهم ~~ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون ~~عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) # قوله: ولأضلنهم معناه أصرفهم عن طريق الهدى، ولأمنينهم لأسولن لهم. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وهذا لا ينحصر إلى نوع واحد من ~~الأمنية، لأن كل واحد في نفسه إنما تمنيه بقدر نصبته وقرائن حاله، ومنه ~~قوله عليه السلام: «إن الشيطان يقول لمن يركب ولا يذكر الله: تغن، فإن لم ~~يحسن قال له تمن» ، واللامات كلها للقسم، «والبتك» : القطع. وكثر الفعل إذ ms0893 ~~القطع كثير على أنحاء مختلفة، وإنما كنى عز وجل عن البحيرة والسائبة ونحوه ~~مما كانوا يثبتون فيه حكما، بسبب آلهتهم وبغير ذلك، وقرأ أبو عمرو بن ~~العلاء ولآمرنهم بغير ألف، وقرأ أبي «وأضلهم وأمنيهم وأمرهم» واختلف في ~~معنى «تغيير خلق الله» ، فقال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد والحسن وقتادة ~~وغيرهم: # أراد: يغيرون دين الله، وذهبوا في ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى: فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله [الروم: 30] أي لدين الله، ~~والتبديل يقع موضعه التغيير، وإن كان التغيير أعم منه، وقالت فرقة: «تغيير ~~خلق الله» هو أن الله تعالى خلق الشمس والنار والحجارة وغيرها من المخلوقات ~~ليعتبر بها وينتفع بها، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وقال ابن ~~عباس أيضا وأنس وعكرمة وأبو صالح: # من تغيير خلق الله الإخصاء، والآية إشارة إلى إخصاء البهائم وما شاكله، ~~فهي عندهم أشياء ممنوعة، ورخص في إخصاء البهائم جماعة إذا قصدت به المنفعة، ~~إما السمن أو غيره، ورخصها عمر بن عبد العزيز في الخيل، وقال ابن مسعود ~~والحسن: هي إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن، فمن ذلك ~~الحديث: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمات والموشومات والمتنمصات ~~والمتفلجات PageV02P114 # المغيرات خلق الله» . ومنه قوله عليه السلام، «لعن الله الواصلة ~~والمستوصلة» ، وملاك تفسير هذه الآية: أن كل تغيير ضار فهو في الآية، وكل ~~تغيير نافع فهو مباح، ولما ذكر الله تعالى عتو الشيطان وما توعد به من بث ~~مكره، حذره تبارك وتعالى عباده، بأن شرط لمن يتخذه وليا جزاء الخسران، ~~وتصور الخسران إنما هو بأن أخذ هذا المتخذ حظ الشيطان، فكأنه أعطى حظ الله ~~تبارك وتعالى فيه وتركه من أجله. # وقوله تعالى: يعدهم ويمنيهم: يعدهم بأباطيله من المال والجاه، وأن لا بعث ~~ولا عقاب ونحو ذلك لكل أحد ما يليق بحاله. ويمنيهم كذلك، ثم ابتدأ تعالى ~~الخبر عن حقيقة ذلك بقوله: وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. # ثم أخبر تعالى بمصير المتخذين الشيطان وليا وتوعدهم بأن مأواهم جهنم، ولا ~~يدافعونها ms0894 بحيلة، ولا يعدلون عنها. ولا ينحرفون ولا يتروغون، و «المحيص» ~~مفعول من حاص إذا راغ ونفر، ومنه قول الشاعر [جعفر بن علبة الحارثي] : ~~[الطويل] # ولم أدر إن حصنا من الموت حيصة ... كم العمر باق والمدى متطاول # ومنه الحديث، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، يقال حاص الرجل من كذا، ~~وجاض بالجيم والضاد المنقوطة إذا راغ بنفور، ولغة القرآن الحاء والصاد غير ~~منقوطة. # ولما أخبر تعالى عن الكفار الذين يتخذون الشيطان وليا، وأعلم بغرور وعد ~~الشيطان لهم، وأعلم بصيور أمرهم وأنه إلى جهنم، فاقتضى ذلك كله التحذير، ~~أعقب ذلك- عز وجل- بالترغيب في ذكره حالة المؤمنين، وأعلم بصيور أمرهم وأنه ~~إلى النعيم المقيم، وأعلم بصحة وعده تعالى لهم، ثم قرر ذلك بالتوقيف عليه ~~في قوله ومن أصدق من الله قيلا والقيل والقول واحد، ونصبه على التمييز، ~~وقرأت فرقة «سندخلهم» بالنون وقرأت فرقة «سيدخلهم» بالياء، ووعد الله نصب ~~على المصدر. وحقا مصدر أيضا مؤكد لما قبله. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 123 الى 125] # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) # اسم ليس مضمر، و «الأماني» : جمع أمنوية، وزنها أفعولة، وهي: ما يتمناه ~~المرء ويطيع نفسه فيه، وتجمع على أفاعيل، فتجتمع ياءان فلذلك تدغم إحداهما ~~في الأخرى فتجيء مشددة وهي قراءة الجمهور، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو ~~جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج، «ليس بأمانيكم» ساكنة ~~الياء، وكذلك في الثانية، قال الفراء: هذا جمع على أفاعل، كما يقال قراقير ~~وقراقر إلى PageV02P115 # غير ذلك. واختلف الناس فيمن المخاطب بهذه الآية؟ فقال ابن عباس والضحاك ~~وأبو صالح ومسروق وقتادة والسدي وغيرهم: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقال بعضهم: وسبب الآية أن المؤمنين اختلفوا مع قوم ms0895 من أهل الكتاب، ~~فقال أهل الكتاب: ديننا أقدم من دينكم وأفضل، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أفضل ~~منكم، وقال المؤمنون: كتابنا يقضي على الكتب، ونبينا خاتم النبيين، أو نحو ~~هذا من المحاورة، فنزلت الآية، وقال مجاهد وابن زيد: بل الخطاب لكفار قريش، ~~وذلك أنهم قالوا: لن نبعث ولا نعذب، وإنما هي حياتنا الدنيا لنا فيها ~~النعيم ثم لا عذاب، وقالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] ، ~~إلى نحو هذا من الأقوال، كقولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ~~[البقرة: 111] ، وغيره، فرد الله تعالى على الفريقين بقوله ليس بأمانيكم ~~ولا أماني أهل الكتاب ثم ابتدأ الخبر الصادق من قبله بقوله من يعمل سوءا ~~يجز به وجاء هذا اللفظ عاما في كل سوء فاندرج تحت عمومه الفريقان ~~المذكوران، واختلف المتأولون في تعميم لفظ هذا الخبر، فقال الحسن بن أبي ~~الحسن: هذه الآية في الكافر، وقرأ وهل يجازى إلا الكفور [سبأ: 17] قال: ~~والآية يعني بها الكفار، ولا يعني بها أهل الصلاة، وقال: والله ما جازى ~~الله أحدا بالخير والشر إلا عذبه، ولكنه يغفر ذنوب المؤمنين، وقال ابن زيد: ~~في قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به [وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم ~~سيئاتهم، ولم يعد أولئك يعني المشركين، وقال الضحاك من يعمل سوءا يجز به ~~يعني بذلك اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: فهذا تخصيص للفظ الآية، ورأى هؤلاء أن ~~الكافر يجزى على كل سوء يعمله وأن المؤمن قد وعده الله تكفير سيئاته، وقال ~~ابن عباس وسعيد بن جبير: قوله تعالى: من يعمل سوءا معناه، من يك مشركا ~~والسوء هنا الشرك فهو تخصيص لعموم اللفظ من جهة أخرى، لأن أولئك خصصوا لفظ ~~من، وهذان خصصا لفظ السوء، وقال جمهور الناس: لفظ الآية عام، والكافر ~~والمؤمن مجازى بالسوء يعمله، فأما مجازاة الكافر فالنار، لأن كفره أوبقه، ~~وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لما نزلت من ~~يعمل سوءا يجز به قلت يا رسول ms0896 الله ما أشد هذه الآية، فقال: يا أبا بكر أما ~~تحزن أما تمرض أما تصيبك اللأواء؟. فهذا بذلك، وقال عطاء بن أبي رباح: لما ~~نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إنما هي المصيبات في الدنيا، وقالت بمثل هذا التأويل عائشة رضي الله ~~عنها، وقال أبي بن كعب، وسأله الربيع بن زياد عن معنى الآية وكأنه خافها، ~~فقال له أبي: ما كنت أظنك إلا أفقه مما أرى، ما يصيب الرجل خدش ولا غيره ~~إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: فالعقيدة في هذا: أن الكافر مجازى ~~والمؤمن يجازى في الدنيا غالبا، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو في المشيئة، ~~يغفر الله لمن يشاء، ويجازي من يشاء، وقرأ الجمهور «ولا يجد» بالجزم عطفا ~~على يجز، وروى ابن بكار عن ابن عامر: «ولا يجد» بالرفع على القطع، وقوله من ~~دون لفظة تقتضي عدم المذكور بعدها من النازلة، ويفسرها بعض المفسرين بغير، ~~وهو تفسير لا يطرد. # وقوله تعالى: ومن يعمل من الصالحات دخلت من للتبعيض إذ، الصالحات على PageV02P116 # الكمال مما لا يطيقه البشر، ففي هذا رفق بالعباد، لكن في هذا البعض ~~الفرائض وما أمكن من المندوب إليه، ثم قيد الأمر بالإيمان إذ لا ينفع عمل ~~دونه، وحكى الطبري عن قوم: أن من زائدة، وضعفه كما هو ضعيف، وقرأ نافع وابن ~~عامر وحمزة والكسائي «يدخلون الجنة» بفتح الياء وضم الخاء، وكذلك حيث جاء ~~من القرآن، وروي مثل هذا عن عاصم، وقرأ أبو عمرو في هذه الآية وفي مريم ~~والملائكة وفي المؤمن «يدخلون» بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ بفتح الياء من ~~سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] و «النقير» النكتة التي في ظهر نواة التمرة ~~ومنه تنبت، وروي عن عاصم «النقير» ما تنقره بأصبعك، وهذا كله مثال للحقير ~~اليسير. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فهنا كمل الرد على أهل الأماني والإخبار ~~بحقيقة الأمر. # ثم أخبر تعالى إخبارا موقفا على أنه لا أحسن ms0897 دينا ممن أسلم وجهه لله أي ~~أخلص مقصده وتوجهه. وأحسن في أعماله، واتبع الحنيفية التي هي ملة إبراهيم، ~~إمام العالم وقدوة أهل الأديان، ثم لما ذكر الله تعالى إبراهيم بأنه الذي ~~يجب اتباعه، شرفه بذكر الخلة، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم سماه الله ~~خليلا، إذ كان خلوصه وعبادته واجتهاده على الغاية التي يجري إليها المحب ~~المبالغ، وكان لطف الله به ورحمته ونصرته له بحسب ذلك، وذهب قوم إلى أن ~~إبراهيم سمي خليلا من الخلة بفتح الخاء، أي لأنه أنزل خلته وفاقته بالله ~~تعالى، وقال قوم: سمي خليلا لأنه فيما روي في الحديث جاء من عند خليل كان ~~له بمصر وقد حرمه الميرة التي قصد لها، فلما قرب من منزله ملأ غرارتيه رملا ~~ليتأنس بذلك صبيته، فلما دخل منزله نام كلالا وهما، فقامت امرأته وفتحت ~~الغرارة، فوجدت أحسن ما يكون من الحواري، فعجنت منه، فلما انتبه قال: ما ~~هذا؟ قالت من الدقيق الذي سقت من عند خليلك المصري فقال: بل هو من عند ~~خليلي الله تعالى، فسمي بذلك خليلا. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله-: وفي هذا ضعف، ولا تقتضي هذه القصة أن ~~يسمى بذلك اسما غالبا، وإنما هو شيء شرفه الله به كما شرف محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، فقد صح في كتاب مسلم وغيره: أن الله اتخذه خليلا. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 126 الى 127] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) ~~ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) # ذكر- عز وجل- سعة ملكه وإحاطته بكل شيء عقب ذكر الدين وتبيين الجادة منه، ~~ترغيبا في طاعة الله والانقطاع إليه. # وقوله تعالى: ويستفتونك الآية، نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر ~~النساء وأحكامهن PageV02P117 # في المواريث وغير ذلك، فأمر الله نبيه أن يقول ms0898 لهم الله يفتيكم فيهن أي ~~يبين لكم حكم ما سألتم عنه. # وقوله تعالى وما يتلى عليكم يحتمل ما أن تكون في موضع خفض عطفا على ~~الضمير في قوله فيهن، أي: «ويفتيكم فيما يتلى عليكم» ، قاله محمد بن أبي ~~موسى، وقال: أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يسألوا عنه، ويضعف هذا ~~التأويل ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض، ويحتمل ~~أن تكون ما في موضع رفع عطفا على اسم الله عز وجل، أي و «يفتيكم ما يتلى ~~عليكم في الكتاب» ، يعني القرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في ~~أمر النساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء [النساء: 3] . قالت عائشة: نزلت هذه الآية ~~أولا، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر النساء فنزلت: # ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم وقوله تعالى في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن معناه: النهي عما كانت العرب ~~تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية بدون ما تستحقه من المهر، ومن عضل ~~الدميمة الفقيرة أبدا، والدميمة الغنية حتى تموت فيرثها العاضل، ونحو هذا ~~مما يقصد به الولي منفعة نفسه لا نفع اليتيمة، والذي كتب الله لهن هو توفية ~~ما تستحقه من مهر، وإلحاقها بأقرانها، وقرأ أبو عبد الله المدني- «في ييامى ~~النساء» بياءين، قال أبو الفتح: والقول في هذه القراءة أنه أراد أيامى ~~فقلبت الهمزة ياء، كما قلبت في قولهم: باهلة بن يعصر، وإنما هو ابن أعصر ~~لأنه إنما يسمى بقوله: [الكامل] . # أبني إن أباك غير لونه ... كر الليالي واختلاف الأعصر # وكما قلبت الياء همزة في قولهم: قطع الله أده، يريدون يده، وأيامى: جمع ~~أيم أصله: أيايم، قلبت اللام موضع العين، فجاء أيامى، ثم أبدلت من الكسرة ~~فتحة ومن الياء ألف. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يشبه أن الداعي إلى هذا استثقال الضمة ~~على الياء، قال أبو الفتح: ms0899 ولو قال قائل كسر أيم على أيمى على وزن سكرى ~~وقتلى من حيث الأيومة بلية تدخل كرها، ثم كسر أيمى على أيامى لكان وجها ~~حسنا، وقوله تعالى وترغبون أن تنكحوهن إن كانت الجارية غنية جميلة فالرغبة ~~في نكاحها، وإن كانت بالعكس فالرغبة عن نكاحها، وكان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى، فكان إذا سأل الولي عن ~~وليته فقيل: هي غنية جميلة، قال له: # أطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع، وإذا قيل له: هي دميمة ~~فقيرة، قال له: أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك، وقوله تعالى ~~والمستضعفين من الولدان عطف على يتامى النساء، والذي تلي في المستضعفين من ~~الولدان هو قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] ، وذلك: أن ~~العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير، وكان الكبير ينفرد بالمال، ~~وكانوا يقولون: إنما يرث المال من يحمي الحوزة، ويرد الغنيمة، ويقاتل عن ~~الحريم، ففرض الله لكل أحد حقه، وقوله تعالى: وأن تقوموا لليتامى بالقسط ~~عطف أيضا على ما تقدم، والذي تلي في هذا المعنى هو قوله تعالى: ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم [النساء: 2] إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم، ~~والقسط العدل، وباقي الآية وعد على فعل الخير بالجزاء الجميل، بين. PageV02P118 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 128 الى 129] # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا ~~تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا ~~رحيما (129) # هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو ~~نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة ~~عليها، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضررا يلزمه إياها، بل ~~يعرض عليها الفرقة أو ms0900 الصبر على الأثرة، فتزيد هي بقاء العصمة، فهذه التي ~~أباح الله تعالى بينهما الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل صلح يكون ~~عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه، وأباح الله تعالى الصلح مع الخوف وظهور ~~علامات النشوز أو الإعراض، وهو مع وقوعها مباح أيضا، و «النشوز» : الارتفاع ~~بالنفس عن رتبة حسن العشرة، و «الإعراض» : أخف من النشوز، وأنواع الصلح ~~كلها مباحة في هذه النازلة، أن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على ~~أن لا يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر ~~على الاثرة، فهذا كله مباح، واختلف المفسرون في سبب الآية، فقال ابن عباس ~~وجماعة معه: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة، حدث الطبري ~~بسند عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل فنزلت وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا الآية، وفي المصنفات أن سودة لما كبرت وهبت ~~يومها لعائشة وهذا نحو الأول، وقال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعبيدة ~~السلماني وغيرهم: نزلت الآية بسبب رافع بن خديج وخولة بنت محمد بن مسلمة، ~~وذلك أنه خلا من سنها فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها ~~طلقة ثم تراجعا، فعاد فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها أخرى، فلما بقي من ~~العدة يسير قال لها: إن شئت راجعتك وصبرت على الاثرة، وإن شئت تركتك حتى ~~يخلو أجلك، قالت: بل راجعني وأصبر، فراجعها فآثر الشابة فلم تصبر، فقال: ~~إنما هي واحدة، فإما أن تقري على ما ترين من الإثرة، وإلا طلقتك، فقرت فهذا ~~هو الصلح الذي أنزل الله فيه وإن امرأة خافت الآية، وقال مجاهد: نزلت الآية ~~بسبب أبي السنابل ابن بعكك وامرأته، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر «يصالحا» بفتح الياء وشد الصاد وألف بعدها، وأصلها يتصالحا، وقرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم «يصلحا» بضم الياء ms0901 وسكون الصاد دون ألف، وقرأ عبيدة ~~السلماني «يصالحا» بضم الياء من المفاعلة، وقرأ الجحدري وعثمان البتي ~~«يصلحا» بفتح الياء وشد الصاد أصلها يصطلحا، قال أبو الفتح: أبدل الطاء ~~صادا ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء فصارت «يصلحا» ، وقرأ الأعمش «إن ~~اصالحا» ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود، وقوله صلحا ليس الصلح مصدرا على ~~واحد من هذه الأفعال التي قرىء بها، فالذي يحتمل أن يكون اسما كالعطاء مع ~~أعطيت والكرامة مع أكرمت، فمن قرأ «يصلحا» كان تعديه إلى الصلح كتعديه إلى ~~الأسماء، كما تقول: أصلحت ثوبا، ومن قرأ PageV02P119 # «يصالحا» من تفاعل وعرف تفاعل أنه لا يتعدى، فوجهه أن تفاعل قد جاء ~~متعديا في نحو قول ذي الرمة: # ومن جردة غفل بساط تحاسنت ... بها الوشي قرات الرياح وخورها # ويجوز أن يكون الصلح مصدرا حذفت زوائده، كما قال: «وإن تهلك فذلك كان ~~قدري» أي تقديري. # قال القاضي أبو محمد رحمه الله: هذا كلام أبي علي على أن القدر مصدر جار ~~على ان قدرت الأمر بالتخفيف بمعنى قدرت بالتشديد، وقوله تعالى والصلح خير ~~لفظ عام مطلق بمقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به ~~الخلاف خير على الإطلاق، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ~~ذكرنا خير من الفرقة. وقوله تعالى وأحضرت الأنفس الشح معذرة عن عبيده تعالى ~~أي لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح على إرادته حتى يحمل صاحبه ~~على بعض ما يكره. وخصص المفسرون هذه اللفظة هنا فقال ابن جبير: هو شح ~~المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها، وقال ابن زيد: الشح هنا منه ~~ومنها. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: وهذا حسن، والشح: الضبط على المعتقدات ~~والإرادات والهمم والأموال ونحو ذلك، فما أفرط منها ففيه بعض المذمة، وهو ~~الذي قال تعالى فيه ومن يوق شح نفسه [الحشر: 9] وما صار إلى حيز منع الحقوق ~~الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل، وهي رذيلة لكنها قد تكون في ~~المؤمن، ومنه الحديث «قيل يا رسول الله ms0902 أيكون المؤمن بخيلا؟ قال نعم» . ~~وأما الشح ففي كل أحد، وينبغي أن يكون، لكن لا يفرط إلا على الدين، ويدلك ~~على أن الشح في كل أحد قوله تعالى: وأحضرت الأنفس الشح وقوله شح نفسه فقد ~~أثبت أن لكل نفس شحا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «أن تصدق وأنت صحيح ~~شحيح» وهذا لم يرد به واحدا بعينه، وليس يجمل أن يقال هنا: أن تصدق وأنت ~~صحيح بخيل، وقوله تعالى: وإن تحسنوا ندب إلى الإحسان في تحسين العشرة وحمل ~~خلق الزوجة والصبر على ما يكره من حالها. وتمكن الندب إلى الإحسان من حيث ~~للزوج أن يشح فلا يحسن وتتقوا معناه: تتقوا الله في وصيته بالنساء، إذ هن ~~عوان عند الأزواج حسبما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «استوصوا ~~بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم» . # وقوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء الآية. معناه: العدل ~~التام على الإطلاق المستوي في الأفعال والأقوال والمحبة والجماع وغير ذلك، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول: «اللهم هذا ~~فعلي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» يعني ميله بقلبه، وكان ~~عمر ابن الخطاب يقول: اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن ~~أعدل. وروي أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وميله بقلبه إلى ~~عائشة، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل ~~قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض، ونشاطهم إليهن وبشرهم معهن، ثم نهى عن ~~«الميل كل الميل» ، وهو أن يفعل فعلا يقصده من التفضيل وهو يقدر أن لا ~~يفعله، فهذا هو كل الميل، وإن كان في أمر حقير، فكأن الكلام فلا تميلوا ~~النوع الذي هو كل الميل وهو المقصود من قول أو فعل، PageV02P120 # وقوله تعالى فتذروها كالمعلقة أي لا هي أيم ولا ذات زوج، وهذا تشبيه ~~بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق منه انحمل، ~~وهذا مطرد في قولهم في المثل: أرض ms0903 من المركب بالتعليق، وفي عرف النحويين في ~~تعليق الفعل، ومنه في حديث أم زرع قول المرأة: زوجي العشنق، إن انطلق أطلق، ~~وإن أسكت أعلق، وقرأ أبي بن كعب «فتذروها كالمسجونة» وقرأ عبد الله بن ~~مسعود «فتذروها كأنها معلقة» ثم قال تعالى وإن تصلحوا وتتقوا أي وإن ~~تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون فإن الله كان غفورا رحيما لما لا ~~تملكونه متجاوزا عنه، وقال الطبري: معنى الآية، غفورا لما سلف منكم من ~~الميل كل الميل قبل نزول الآية. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: فعلى هذا فهي مغفرة مخصصة لقوم ~~بأعيانهم، واقعوا المحظور في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في التي ~~قبل وإن تحسنوا وفي هذه وإن تصلحوا لأن الأول في مندوب إليه، وهذه في لازم، ~~لأن الرجل له هنالك أن لا يحسن وأن يشح ويصالح بما يرضيه، وفي هذه ليس له ~~أن يصلح، بل يلزمه العدل فيما يملك. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 130 الى 133] # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا ~~حميدا (131) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) إن ~~يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) # الضمير في قوله يتفرقا للزوجين اللذين تقدم ذكرهما، أي إن شح كل واحد ~~منهما فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما ~~عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه، في المال والعشرة، والسعة وجود المرادات ~~والتمكن منها، وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو ~~بالقول، إذ الطلاق قول، واحتج بهذه على قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول ~~لا بالبدن. # قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذه الآية، ms0904 لأن إخبارها إنما هو من ~~افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، و «الإغناء» إنما يقع في ~~ثاني حال، ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ~~ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة، و «الواسع» ~~معناه: الذي عنده خزائن كل شيء. # وقوله تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض تنبيه على موضع الرجاء ~~لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~وما في الأرض تنبيها على استغنائه عن PageV02P121 # العباد، ومقدمة للخبر بكونه غنيا حميدا، ثم جاء بعد ذلك قوله ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلا مقدمة للوعيد، فهذه وجوه تكرار ~~هذا الخبر الواحد ثلاث مرات متقاربة. وقوله تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم لفظ عام لكل من أوتي كتابا، فإن وصية الله تعالى عباده ~~بالتقوى لم تزل منذ أوجدهم، و «الوكيل» : القائم بالأمور المنفذ فيها ما ~~رآه. # وقوله تعالى: أيها الناس مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين ~~لتحضر أذهانهم. # وقوله بآخرين يريد من نوعكم، وروي عن أبي هريرة أنه لما نزلت هذه الآية ~~ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على كتف سلمان الفارسي وقال: هم قوم ~~هذا، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيدا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من ~~غير نوعهم، كما قد روي: أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم، ~~وقدرة الله تعالى على ما ذكر تقضي بها العقول ببدائها، وقال الطبري هذا ~~الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر ~~خيانته في الدرع والدقيق. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن ~~رصفه بعمومه وانسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 134 الى 135] # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا (134) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ms0905 على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(135) # أي: من كان لا مراد له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أن ثم سواه، فليس هو ~~كما ظن، بل عند الله تعالى ثواب الدارين، فمن قصد الآخرة أعطاه الله من ~~ثواب الدنيا وأعطاه قصده، ومن قصد الدنيا فقط أعطاه من الدنيا ما قدر له ~~وكان له في الآخرة العذاب، والله تعالى «سميع» للأقوال، «بصير» بالأعمال ~~والنيات. # ثم خاطب تعالى المؤمنين بقوله كونوا قوامين الآية، وهذا بناء مبالغة، أي ~~ليتكرر منكم القيام. # بالقسط وهو العدل، وقوله شهداء نصب على خبر بعد خبر، والحال فيه ضعيفة في ~~المعنى، لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط، قوله لله المعنى ~~لذات الله ولوجهه ولمرضاته، وقوله ولو على أنفسكم متعلق ب شهداء، هذا هو ~~الظاهر الذي فسر عليه الناس، وأن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق، ~~ويحتمل أن يكون قوله شهداء لله معناه بالوحدانية، ويتعلق قوله ولو على ~~أنفسكم ب قوامين بالقسط، والتأويل الأول أبين، وشهادة المرء على نفسه ~~إقراره بالحقائق وقوله الحق في كل أمر، وقيامه بالقسط عليها كذلك، ثم ذكر ~~الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى PageV02P122 # ب الأقربين إذ هم مظنة المودة والتعصب، فجاء الأجنبي من الناس أحرى أن ~~يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، وهذه الآية إنما تضمنت الشهادة على القرابة، ~~فلا معنى للتفقه منها في الشهادة لهم كما فعل بعض المفسرين ولا خلاف بين ~~أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وقوله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا ~~فالله أولى بهما معناه: إن يكن المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه، ولا ~~يخاف منه، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه فإن الله تعالى أولى ~~بالنوعين وأهل الحالين، والغني والفقير اسما جنس والمشهود عليه كذلك، فلذلك ~~ثنى الضمير في قوله بهما، وفي قراءة أبي بن كعب «فالله أولى بهم» على ~~الجمع، وقال ms0906 الطبري: # ثنى الضمير لأن المعنى فالله أولى بهذين المعنيين، غنى الغني وفقر ~~الفقير، أي: وهو أنظر فيهما، وقد حد حدودا وجعل لكل ذي حق حقه، وقال قوم أو ~~بمعنى الواو، وفي هذا ضعف. # وذكر السدي: أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، اختصم إليه ~~غني وفقير، فكان في ضلع الفقير علما منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير، ~~فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وارتبط هذا الأمر على ما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # «فأقضي له على نحو ما أسمع» ، أما أنه قد أبيح للحاكم أن يكون في ضلع ~~الضعيف، بأن يقيد له المقالات ويشد على عضده، ويقول له: قل حجتك مدلا، ~~وينبهه تنبيها لا يفت في عضد الآخر، ولا يكون تعليم خصام، هكذا هي الرواية ~~عن أشهب وغيره. # وذكر الطبري: أن هذه الآية هي بسبب نازلة طعمة بن أبيرق، وقيام من قام في ~~أمره بغير القسط، وقوله تعالى: فلا تتبعوا الهوى نهي بين، واتباع الهوى مرد ~~مهلك، وقوله تعالى: أن تعدلوا يحتمل أن يكون معناه مخافة أن تعدلوا، ويكون ~~العدل هنا بمعنى العدول عن الحق، ويحتمل أن يكون معناه محبة أن تعدلوا، ~~ويكون العدل بمعنى القسط، كأنه قال: انتهوا خوف أن تجوروا أو محبة أن ~~تقسطوا، فإن جعلت العامل تتبعوا فيحتمل أن يكون المعنى محبة أن تجوروا، ~~وقوله تعالى: وإن تلووا أو تعرضوا قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين ~~يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر، فاللي على هذا مطل ~~الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي عليه، وقد شاهدت ~~بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل، وقال ابن عباس أيضا، ومجاهد، ~~وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم: هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، ~~فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة ~~والتوسط بين الناس، وكل إنسان ms0907 مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في ~~القضاة فتأمله، وقرأ جمهور الناس «تلووا» بواوين من لوى يلوي على حسب ما ~~فسرناه، وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ «وأن تلو» بضم اللام وواو ~~واحدة، وذلك يحتمل أن يكون أصله «تلئوا» على القراءة الأولى، همزت الواو ~~المضمومة كما همزت في أدؤر، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء «لوى» ثم ~~حذفت لاجتماع ساكنين، ويحتمل أن تكون «تلوا» من قولك ولي الرجل الأمر، ~~فيكون في الطرف الآخر من تعرضوا كأنه قال تعالى للشهود PageV02P123 # وغيرهم: وإن وليتم الأمر وأعرضتم عنه فالله تعالى خبير بفعلكم ومقصدكم ~~فيه، فالولاية والإعراض طرفان، واللي والإعراض في طريق واحد، وباقي الآية ~~وعيد. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 136 الى 137] # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ~~ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) # اختلف الناس فيمن خوطب بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~فقالت فرقة: الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى من أهل الكتابين، أي: يا من قد آمن ~~بنبي من الأنبياء، آمن بمحمد عليه السلام، ورجح الطبري هذا القول، وقيل: ~~الخطاب للمؤمنين على معنى: ليكن إيمانكم هكذا على الكمال والتوفية بالله ~~تعالى وبمحمد عليه السلام وبالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ومضمن هذا الأمر ~~الثبوت والدوام، وقيل: # الخطاب للمنافقين، أي: يا أيها الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، ليكن ~~إيمانكم حقيقة على هذه الصورة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر، «نزل» ~~بضم النون وكسر الزاي المشددة على ما لم يسم فاعله، وكذلك قرؤوا «والكتاب ~~الذي أنزل من قبل» بضم الهمزة وكسر الزاي على ما لم يسم فاعله، وقرأ ~~الباقون «نزل وأنزل» بفتح النون والزاي وبفتح الهمزة في «أنزل» على إسناد ~~الفعلين إلى الله تعالى، وروي عن عاصم مثل قراءة أبي عمرو، والكتاب ms0908 المذكور ~~أولا هو القرآن، والمذكور ثانيا هو اسم جنس لكل ما نزل من الكتاب، وقوله ~~تعالى: ومن يكفر بالله إلى آخر الآية وعيد وخبر، مضمنة تحذير المؤمنين من ~~حالة الكفر. # واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية: الآية في اليهود ~~والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى ~~والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجح الطبري ~~هذا القول، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي ~~قالت آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره [آل عمران: ~~72] وقال مجاهد وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم ~~يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفرا بأن ~~تم على نفاقه حتى مات. # قال القاضي: وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، ~~وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، ~~وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد ~~بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفرا بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب ~~في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر ~~مع تلفيق الطوائف PageV02P124 # التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية، وإنما توجد هذه الصفة ~~في شخص من المنافقين، لأن الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على ~~الكفر وتأمل قوله تعالى: لم يكن الله ليغفر لهم فإنها عبارة تقتضي أن هؤلاء ~~محتوم عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا وليست هذه العبارة مثل أن يقول: # لا يغفر الله لهم، بل هي أشد، وهي مشيرة إلى استدراج من هذه حاله ~~وإهلاكه، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه، ~~وأن يكون من هؤلاء، وكل من كفر كفرا واحدا ووافى عليه فقد قال الله ms0909 تعالى: ~~إنه لا يغفر له، ولم يقل «لم يكن الله ليغفر له» فتأمل الفرق بين العبارتين ~~فإنه من دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله لم يكن الله ~~حكم قد تقرر عليهم في الدنيا وهم أحياء. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 138 الى 140] # بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) الذين يتخذون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (139) وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين ~~والكافرين في جهنم جميعا (140) # في هذه الآية دليل ما على أن التي قبلها إنما هي في المنافقين، كما ترجح ~~آنفا، وجاءت البشارة هنا مصرحا بقيدها، فلذلك حسن استعمالها في المكروه، ~~ومتى جاءت مطلقة فإنما عرفها في المحبوب. # ثم نص تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضررا على المؤمنين، وهي موالاتهم ~~الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع ~~منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة، ثم وقف تعالى على جهة التوبيخ ~~على مقصدهم في ذلك، أهو طلب العزة والاستكثار بهم أي ليس الأمر كذلك بل ~~العزة كلها لله يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة ~~للمتقين، والعزة أصلها: # الشدة والقوة، ومنه الأرض العزاز أي: الصلبة، ومنه عزني [ص: 23] أي: ~~غلبني بشدته، واستعز المرض إذا قوي، إلى غير هذا من تصاريف اللفظة. # وقوله تعالى وقد نزل عليكم مخاطبة لجميع من أظهر الإيمان من محقق ومنافق، ~~لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله تعالى، والإشارة ~~بهذه الآية إلى قوله تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره [الإنعام: 68] ، إلى نحو هذا من الآيات، وقرأ ~~جمهور الناس «نزل عليكم» بضم النون وكسر الزاي المشددة قال الطبري: وقرأ ~~بعض الكوفيين «نزل» بفتح النون والزاي المشددة على معنى نزل الله، ms0910 وقرأ أبو ~~حيوة وحميد «نزل» بفتح النون والزاي خفيفة، وقرأ إبراهيم النخعي «أنزل» ~~بألف على بناء الفعل للمفعول، والكتاب في هذا الموضع القرآن، وفي هذه الآية ~~دليل قوي على وجوب تجنب أهل البدع وأهل المعاصي، وأن لا يجالسوا، وقد روي ~~عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين: ~~إنه صائم فحمل PageV02P125 # عليه الأدب، وقرأ هذه الآية إنكم إذا مثلهم وهذه المماثلة ليست في جميع ~~الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، وهذا المعنى كقول ~~الشاعر: [الطويل] # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي # ثم توعد تعالى المنافقين والكافرين بجمعهم في جهنم، فتأكد بذلك النهي ~~والحذر من مجالسهم وخلطتهم. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 141 الى 143] # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) # الذين صفة للمنافقين، ويتربصون معناه: ينتظرون دور الدوائر عليكم، فإن ~~كان فتح للمؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان ~~للكافرين نيل من المؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يبطنونه من موالاة ~~الكفار، وهذا حال المنافقين، ونستحوذ معناه: نغلب على أمركم، ونحطكم ونحسم ~~أمركم، ومنه قول العجاج في صفة ثور وبقر: [الرجز] يحوذهن وله حوذي أي ~~يغلبهن على أمرهن، ويغلب الثيران عليهن، ويروى يحوزهن بالزاي، ومن اللفظة ~~قول لبيد في صفة عير وأتن: # إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها ... وأوردها على عوج طوال # أحوذ جانبيها قهرها وغلب عليها. وقوله تعالى: استحوذ عليهم الشيطان ~~[المجادلة: 19] معناه: # غلب عليهم، وشذ هذا الفعل في أن لم تعل واوه، بل استعملت على الأصل، وقرأ ms0911 ~~أبي بن كعب «ومنعناكم من المؤمنين» وقرأ ابن أبي عبلة «ونمنعكم» بفتح العين ~~على الصرف، ثم سلى وأنس المؤمنين بما وعدهم به في قوله فالله يحكم بينكم ~~يوم القيامة أي وبينهم وينصفكم من جميعهم، وبقوله ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا وقال يسيع الحضرمي: كنت عند علي بن أبي طالب فقال له ~~رجل: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا كيف ذلك وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحيانا؟ فقال علي رضي ~~الله عنه: معنى ذلك: يوم القيامة يكون الحكم، وبهذا قال جميع أهل التأويل. PageV02P126 # و «السبيل» : الحجة والغلبة، ومخادعة المنافقين هي لأولياء الله تعالى، ~~إذ يظنونهم غير أولياء، ففي الكلام حذف مضاف، وإلزام ذنب اقتضته أفعالهم، ~~وإن كانت نياتهم لم تقتضه، لأنه لا يقصد أحد من البشر مخادعة الله تعالى ~~وقوله وهو خادعهم # أي منزل الخداع بهم، وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب، فعقوبتهم في ~~الدنيا ذلهم وخوفهم وغم قلوبهم، وفي الآخرة عذاب جهنم، وقال السدي وابن ~~جريج والحسن وغيرهم من المفسرين: إن هذا الخدع هو أن الله تعالى يعطي لهذه ~~الأمة يوم القيامة نورا لكل إنسان مؤمن أو منافق، فيفرح المنافقون ويظنون ~~أنهم قد نجوا، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق، ونهض المؤمنون ~~بذاك، فذلك قول المنافقين «انظرونا نقتبس من نوركم» وذلك هو الخدع الذي ~~يجري على المنافقين، وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي «وهو خادعهم» بإسكان ~~العين وذلك على التخفيف ثم ذكر تعالى كسلهم في القيام إلى الصلاة، وتلك حال ~~كل من يعمل العمل كارها غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة، وقرأ ابن ~~هرمز الأعرج «كسالى» بفتح الكاف، وقرأ جمهور الناس «يرءون» بهمزة مضمومة ~~مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف وهي أقوى في ~~المعنى من يراؤن # لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون ~~النفاق، وتقليله ذكرهم يحتمل وجهين، قال الحسن: قل لأنه كان لغير الله، ~~فهذا وجه، والآخر ms0912 أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور ~~والكفر، ومذبذبين معناه: مضطربين لا يثبتون على حال، والتذبذب: الاضطراب ~~بخجل أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه، ومنه قول النابغة: # ترى كل ملك دونها يتذبذب # ومنه قول الآخر: [البعيث بن حريث] : # خيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المذبذب # بكسر الذال الثانية، قال أبو الفتح: أي المهتز القلق الذي لا يثبت، ولا ~~يتمهل فهؤلاء المنافقون مترددون بين الكفار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق مثل الشاة ~~العائرة بين الغنمين» ، فالإشارة بذلك إلى حالي الكفر والإيمان، وأشار إليه ~~وإن لم يتقدم ذكره، لظهور تضمن الكلام له، كما جاء حتى توارت بالحجاب [ص: ~~32] وكل من عليها فان [الرحمن: 26] وقرأ جمهور الناس «مذبذبين» بفتح الذال ~~الأولى والثانية، وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد، «مذبذبين» بكسر الذال ~~الثانية، وقرأ أبي بن كعب «متذبذبين» بالتاء وكسر الذال الثانية، وقرأ ~~الحسن بن أبي الحسن «مذبذبين» بفتح الميم والذالين وهي قراءة مردودة. وقوله ~~تعالى: فلن تجد له سبيلا معناه سبيل هدى وإرشاد. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 144 الى 147] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ~~(146) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) PageV02P127 # خطابه تعالى للمؤمنين، يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان، ~~ففي اللفظ رفق بهم، وهم المراد بقوله تعالى: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا لأن التوقيف إنما هو لمن ألم بشيء من الفعل المؤدي إلى هذه ~~الحال، والمؤمنون المخلصون ما ألموا قط بشيء من ذلك، ويقوي هذا المنزع قوله ~~تعالى: من دون المؤمنين أي والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه ~~الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل ms0913 المعنى: يا أيها الذين ~~أظهروا الإيمان والتزموا لوازمه، و «السلطان» : الحجة، وهي لفظة تؤنث ~~وتذكر، والتذكير أشهر، وهي لغة القرآن حيث وقع، والسلطان إذا سمي به صاحب ~~الأمر فهو على حذف مضاف، والتقدير: ذو السلطان أي ذو الحجة على الناس، إذ ~~هو مدبرهم، والناظر في منافعهم، ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك ~~الأسفل من نار جهنم، وهي ادراك بعضها فوق بعض سبعة طبقة على طبقة، أعلاها ~~هي جهنم وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا، فالمنافقون الذين يظهرون ~~الإيمان ويبطنون الكفر هم في أسفل طبقة من النار، لأنهم أسوأ غوائل من ~~الكفار وأشد تمكنا من أذى المسلمين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «في ~~الدرك» مفتوحة الراء، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب «في الدرك» ~~بسكون الراء، واختلف عن عاصم فروي عنه الفتح والسكون، وهما لغتان، قال أبو ~~علي: كالشمع والشمع ونحوه، وروي عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وغيرهما ~~أنهم قالوا: المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار تقفل ~~عليهم، و «النصير» : بناء مبالغة من النصر، ثم استثنى عز وجل التائبين من ~~المنافقين، ومن شروط التائب أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله ~~منعته وملجأه، ويخلص دينه لله تعالى، وإلا فليس بتائب، وقال حذيفة بن ~~اليمان بحضرة عبد الله بن مسعود: والله ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين، ~~فقال له عبد الله بن مسعود: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة وتنحى، فلما تفرقوا ~~مر به علقمة فدعاه وقال: أما إن صاحبكم يعلم الذي قلت، ثم تلا إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا واعتصموا الآية، وأخبر تعالى أنهم مع المؤمنين في رحمة الله ~~وفي منازل الجنة، ثم وعد المؤمنين «الأجر العظيم» ، وحذفت الياء من يؤت في ~~المصحف تخفيفا قال الزجاج: لسكونها وسكون اللام في الله كما حذفت من قوله ~~يوم يناد المناد [ق: 41] وكذلك سندع الزبانية [العلق: 18] وأمثال هذا كثير، ~~و «الأجر العظيم» : التخليد في الجنة، ثم قال تعالى للمنافقين، ما يفعل ~~الله بعذابكم إن شكرتم ms0914 الآية، أي: أي منفعة له في ذلك أو حاجة؟ والشكر على ~~الحقيقة لا يكون إلا مقترنا بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيدا وتنبيها على ~~جلالة موقعه، ثم وعد الله تعالى بقوله: وكان الله شاكرا عليما، أي يتقبل ~~أقل شيء من العمل وينميه، فذلك شكر منه لعباده، والشكور من البهائم الذي ~~يأكل قليلا ويظهر به بدنه، والعرب PageV02P128 # تقول في مثل أشكر من بروقة، لأنها يقال: تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر، ~~وفي قوله عليما تحذير وندب إلى الإخلاص. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 148 الى 151] # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ~~(149) إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك ~~هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) # المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال ~~الظاهرة من المحب بحسب ذلك، والجهر بالسوء من القول لا يكون من الله تعالى ~~فيه شيء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه. ~~والجهر: كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى أرنا الله جهرة [النساء: ~~53] ومنه قولهم: جهرت البير، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها، واختلف القراء في ~~قوله تعالى إلا من ظلم وقراءة جمهور الناس بضم الظاء وكسر اللام، وقرأ ابن ~~أبي إسحاق وزيد بن أسلم والضحاك بن مزاحم وابن عباس وابن جبير وعطاء بن ~~السائب وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار ومسلم بن يسار وغيرهم «إلا ~~من ظلم» بفتح الظاء واللام، واختلف المتأولون على القراءة بضم الظاء، فقالت ~~فرقة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول «إلا من ظلم» فلا ~~يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو ~~المباح من ذلك، فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل ms0915 فلا يدع عليه، ولكن ليقل: ~~اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين ما يريد من ~~ظلمي، وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر ~~فهو أحسن له، وقال مجاهد وغيره: هو في الضيف المحول رحله، فإنه يجهر الذي ~~لم يكرمه بالسوء من القول، فقد رخص له أن يقول فيه: وفي هذا نزلت الآية، ~~ومقتضاها ذكر الظلم وتبيين الظلامة في ضيافة وغيرها، وقال ابن عباس والسدي: ~~لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له بالسوء من القول. # قال القاضي رحمه الله: فهذه الأقوال على أربع مراتب: # قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول. # وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء. # وقول مجاهد، ذكر الظلامة والظلم. # وقول السدي الانتصار بما يوازي الظلامة. # وقال ابن المستنير: إلا من ظلم معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من ~~القول كفرا أو نحوه، PageV02P129 # فذلك مباح، والآية في الإكراه، واختلف المتأولون على القراءة بفتح الضاد ~~واللام، فقال ابن زيد: المعنى «إلا من ظلم» في قول أو في فعل، فاجهروا له ~~بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ والرد عليه، قال: وذلك أنه ~~لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، كان ذلك ~~جهرا بالسوء من القول. ثم قال لهم بعد ذلك ما يفعل الله بعذابكم [النساء: ~~147] الآية، على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان، ثم قال ~~للمؤمنين: «ولا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا لمن ظلم» في إقامته ~~على النفاق، فإنه يقال له: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك ~~الأسفل؟ # ونحو هذا من الأقوال، وقال قوم معنى الكلام: «ولا يحب الله أن يجهر أحد ~~بالسوء من القول» ، ثم استثنى استثناء منقطعا، تقديره: لكن من ظلم فهو يجهر ~~بالسوء وهو ظالم في ذلك وإعراب من يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ~~ويحتمل الرفع على البدل ms0916 من أحد المقدر، و «سميع عليم» : صفتان لائقتان ~~بالجهر بالسوء وبالظلم أيضا، فإنه يعلمه ويجازي عليه، ولما ذكر تعالى عذر ~~المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، ~~والعفو عن السوء، ثم وعد عليه بقوله فإن الله كان عفوا قديرا وعدا خفيا ~~تقتضيه البلاغة ورغب في العفو إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الانتقام، ~~ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها، وقوله تعالى: إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله إلى آخر الآية. نزل في اليهود والنصارى، لأنهم في كفرهم ~~بمحمد عليه السلام كأنهم قد كفروا بجميع الرسل. وكفرهم بالرسل كفر بالله، ~~وفرقوا بين الله ورسله في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان ~~من الأنبياء، وقولهم نؤمن ببعض ونكفر ببعض قيل: معناه من الأنبياء، وقيل: ~~هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من ~~تفريقاتهم التي كانت تعنتا وروغانا. وقوله بين ذلك أي بين الإيمان والإسلام ~~والكفر الصريح المجلح، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقا، لئلا يظن أحد ~~أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد. ### || [سورة النساء (4) : الآيات 152 الى 153] # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا ~~من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) # لما ذكر الله تعالى أن المفرقين بين الرسل هم الكافرون حقا، عقب ذلك بذكر ~~المؤمنين بالله ورسله جميعا. وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام ليصرح بوعد ~~هؤلاء كما صرح بوعيد أولئك، فبين الفرق بين المنزلتين، وقرأ بعض السبعة ~~«سوف يؤتيهم» بالياء أي يؤتيهم الله، وقرأ الأكثر «سوف نؤتيهم» بالنون، ~~منهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو، واختلف المتأولون في كيفية سؤال أهل الكتاب ~~لمحمد عليه السلام أن ينزل عليهم ms0917 كتابا من السماء، فقال السدي: قالت ~~اليهود: يا محمد إن كنت صادقا فجىء بكتاب من PageV02P130 # السماء كما جاء موسى بكتاب، وقال محمد بن كعب القرظي: قد جاء موسى بألواح ~~فيها التوراة فجيء أنت بألواح فيها كتابك، وقال قتادة: بل سألوه أن يأتي ~~بكتاب خاص لليهود، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمد، وقال ابن جريج: قالت اليهود: ~~يا محمد لن نتابعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى ~~فلان وإلى فلان أنك رسول الله. # قال القاضي أبو محمد- رحمه الله-: فقول ابن جريج يقتضي أن سؤالهم كان على ~~نحو سؤال عبد الله بن أبي أمية المخزومي القرشي، ثم قال تعالى فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك على جهة التسلية لمحمد عليه السلام، وعرض الأسوة، وفي ~~الكلام متروك يدل عليه المذكور، تقديره: فلا تبال يا محمد عن سؤالهم ~~وتشططهم فإنها عادتهم، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، وقرأ جمهور الناس ~~«أكبر» بالباء المنقوطة بواحدة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «أكثر» بالثاء ~~المثلثة، وجمهور الناس «أكبر» بالباء المنقوطة بواحدة، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن «أكثر» بالثاء المثلثة، وجمهور المتأولين على أن جهرة معمول ل أرنا، ~~أي: حتى نراه جهارا أي عيانا رؤية منكشفة بينة، وروي عن ابن عباس أنه كان ~~يرى أن جهرة معمول لقالوا، أي قالوا جهرة منهم وتصريحا أرنا الله. # قال القاضي أبو محمد: وأهل السنة معتقدون أن هؤلاء لم يسألوا محالا عقلا، ~~لكنه محال من جهة الشرع، إذ قد أخبر تعالى على ألسنة أنبيائه أنه لا يرى في ~~هذه الحياة الدنيا، والرؤية في الآخرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالخبر المتواتر، وهي جائزة عقلا دون تحديد ولا تكييف ولا تحيز، كما هو ~~تعالى معلوم لا كالمعلومات كذاك هو مرئي لا كالمرئيات، هذه حجة أهل السنة ~~وقولهم، ولقد حدثني أبي رضي الله عنه عن أبي عبد الله النحوي أنه كان يقول ~~عند تدريس هذه المسألة: مثال العلم بالله حلق لحا المعتزلة في إنكارهم ~~الرؤية، والجملة التي قالت أرنا ms0918 الله جهرة هي التي مضت مع موسى لحضور ~~المناجاة، وقد تقدم قصصها في سورة البقرة، وقرأ جمهور الناس «فأخذتهم ~~الصاعقة» وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي «الصعقة» والمعنى ~~يتقارب، إذ ذلك كله عبارة عن الوقع الشديد من الصوت يصيب الإنسان بشدته وهو ~~له خمود وركود حواس، وبظلمهم هو تعنتهم وسؤالهم ما ليس لهم أن يسألوه. ~~وقوله تعالى: قد كان من أمرهم أن اتخذوا العجل، وذلك أن اتخاذ العجل كان ~~عند أمر المضي للمناجاة، فلم يكن الذين صعقوا ممن اتخذوا العجل، لكن الذين ~~اتخذوه كانوا قد جاءتهم البينات في أمر إجازة البحر وأمر العصا وغرق فرعون ~~وغير ذلك، وقوله تعالى: فعفونا عن ذلك يعني بما امتحنهم به من القتل ~~لأنفسهم، ثم وقع العفو عن الباقين منهم، و «السلطان» الحجة. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 154 الى 156] # ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم ~~بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ~~(156) # الطور الجبل اسم جنس، هذا قول، وقيل الطور: كل جبل غير منبت، وبالشام جبل ~~قد PageV02P131 # عرف بالطور ولزمه الاسم وهو طور سيناء، وليس بالمرفوع على بني إسرائيل، ~~لأن رفع الجبل كان فيما يلي فحص التيه من جهة ديار مصر، وهم ناهضون مع موسى ~~عليه السلام، وقد تقدم في سورة البقرة قصص رفع الطور، وقوله بميثاقهم أي ~~بسبب ميثاقهم أن يعطوه في أخذ الكتاب بقوة والعمل بما فيه، وقوله تعالى: ~~وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا هو باب بيت المقدس المعروف بباب حطة، أمروا أن ~~يتواضعوا شكرا لله تعالى على الفتح الذي منحهم في تلك البلاد، وأن يدخلوا ~~باب المدينة سجدا. وهذا نوع من سجدة الشكر التي قد فعلها كثير من العلماء، ~~ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مالك بن أنس رحمه الله لا ~~يراها. ms0919 وقوله تعالى وقلنا لهم لا تعدوا في السبت أي على الحيتان وفي سائر ~~الأعمال، وهؤلاء كانوا بأيلة من ساحل البحر فأمروا بالسكون عن كل شغل في ~~يوم السبت فلم يفعلوا، بل اصطادوا وتصرفوا، وقد تقدم قصص ذلك، وأخذ الله ~~تعالى منهم «الميثاق الغليظ» هو على لسان موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، ~~أي بأنهم يأخذون التوراة بقوة، ويعملون بجميع ما فيها، ويوصلونه إلى ~~أبنائهم ويؤدون الأمانة فيه. # وقوله تعالى فبما نقضهم الآية، إخبار عن أشياء واقعوها هي في الضد مما ~~أمروا به وذلك أن الميثاق الذي رفع الطور من أجله نقضوه، والإيمان الذي ~~تضمنه ادخلوا الباب سجدا إذ ذلك التواضع إنما هو ثمرة الإيمان والإخبات ~~جعلوا بدله كفرهم بآيات الله، وقولهم: حبة في شعرة وحنطة في شعيرة، ونحو ~~ذلك مما هو استخفاف بأمر الله وكفر به، وكذلك أمروا أن لا يعتدوا في السبت، ~~وفي ضمن ذلك الطاعة وسماع الأمر، فجعلوا بدل ذلك الانتهاء إلى انتهاك أعظم ~~حرمة، وهي قتل الأنبياء، وكذلك أخذ «الميثاق الغليظ» منهم تضمن فهمهم بقدر ~~ما التزموه، فجعلوا بدل ذلك تجاهلهم. وقولهم قلوبنا غلف أي هي في حجب وغلف، ~~فهي لا تفهم، وأخبر الله تعالى أن ذلك كله عن طبع منه على قلوبهم، وأنهم ~~كذبة فيما يدعونه من قلة الفهم، وقرأ نافع «تعدوا» بسكون العين وشد الدال ~~المضمومة، وروى عنه ورش «تعدوا» بفتح العين وشد الدال المضمومة، وقرأ ~~الباقون «لا تعدوا» ساكنة العين خفيفة الدال مضمومة، وقرأ الأعمش والحسن ~~«لا تعتدوا» وقوله تعالى: فبما ما زائدة مؤكدة، التقدير فبنقضهم، وحذف جواب ~~هذا الكلام بليغ منهم، متروك مع ذهن السامع، تقديره لعناهم وأذللناهم، ~~وحتمنا على الموافين منهم الخلود في جهنم. # ثم قال تعالى: وبكفرهم أي في أمر عيسى عليه السلام، وقولهم على مريم ~~بهتانا، يعني رميهم إياها بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد، ~~وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ~~ذكر و «البهتان» : مصدر من قولك بهته إذا ms0920 قابله بأمر مبهت يحار معه الذهن ~~وهو رمي بباطل. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 157 الى 159] # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) ~~وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~(159) PageV02P132 # هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيها أقوال بني إسرائيل وأفعالهم ~~على اختلاف الأزمان وتعاقب القرون، فاجتمع من ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان الحجة في أن وجبت لهم اللعنة وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة، فهذه الطائفة التي قالت إنا قتلنا المسيح غير الذين نقضوا ~~الميثاق في الطور، وغير الذين اتخذوا العجل، وقول بني إسرائيل إنما هو إلى ~~قوله: عيسى ابن مريم وقوله عز وجل: رسول الله إنما هو إخبار من الله تعالى ~~بصفة لعيسى وهي الرسالة، على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل، ولزمهم ~~الذنب وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى، وعلى أن ~~عيسى كذاب ليس برسول، ولكن لزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في ~~عيسى فكأنهم قتلوه، وإذا كانوا قتلوه فليس يرفع الذنب عنهم اعتقادهم أنه ~~غير رسول، كما أن قريشا في تكذيبها رسول الله لا ينفعهم فيه اعتقادهم أنه ~~كذاب، بل جازاهم الله على حقيقة الأمر في نفسه، ثم أخبر تعالى أن بني ~~إسرائيل ما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن شبه لهم، واختلفت الرواة في هذه ~~القصة وكيفيتها اختلافا شديدا أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع ~~بصحته، لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ~~ترجيح شيء منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام ~~كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك ~~الزمان ms0921 يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه ~~حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين ~~رشي عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه فأحيط به، ثم ندم ذلك الحواري وخنق ~~نفسه، وروي أن رجلا من اليهود جعل له جعل فما زال ينقر عليه حتى دل على ~~مكانه، فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتا بمرأى من بني ~~إسرائيل فروي: أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر وحصروا ليلا فروي أن ~~عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة، ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل ~~معه فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي ~~على اليهودي الذي دل عليه فصلب، وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال ~~لأصحابه: أيكم يلقى شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة؟ فقال ~~سرجس: أنا، وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على ~~الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحدا ~~ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص، وروي: ~~أن الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى لما رأوه من نقصان العدة ~~واختلاط الأمر، فصلب ذلك الشخص وأبعد الناس عن خشبته أياما حتى تغير ولم ~~تثبت له صفة، وحينئذ دنا الناس منه ومضى الحواريون يحدثون بالآفاق أن عيسى ~~صلب، فهذا أيضا يدل على أنه فرقهم وهو في البيت، أو على أن الشبه ألقي على ~~الكل، وروي أن هذه القصة كلها لم يكن فيها إلقاء شبه شخص عيسى على أحد ~~وإنما المعنى ولكن شبه لهم أي شبه عليهم الملك الممخرق، ليستديم ملكه، وذلك ~~أنه لما نقص واحد من PageV02P133 # الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه. وقال: هذا ~~عيسى قد صلب وانحل أمره، وقوله تعالى وإن الذين اختلفوا فيه يعني اختلاف ~~المحلولين لأخذه، لأنهم حين فقدوا واحدا من العدد وتحدث برفع ms0922 عيسى اضطربوا ~~واختلفوا، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع ~~للاختلاف، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو. # قال القاضي- رحمه الله: الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصا ~~صلب، وأما هل هو عيسى أم لا؟ فليس من علم الحواس، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل ~~كافة اليهود والنصارى، ونفى الله عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو ~~به، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل، إذ الظن والعلم يضمهما جنس ~~واحد أنهما من معتقدات النفس، وقد يقول الظان على طريق التجوز: علمي في هذا ~~الأمر أنه كذا، وهو يعني ظنه. وقوله تعالى: وما قتلوه يقينا اختلف ~~المتأولون في عود الضمير من قتلوه فقالت فرقة: هو عائد على الظن كما تقول: ~~قتلت هذا الأمر علما، فالمعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقينا، هذا قول ~~ابن عباس والسدي وجماعة، وقال قوم: الضمير عائد على عيسى، أخبر أنهم لم ~~يقتلوه يقينا، فيصح لهم الإصفاق ويثبت نقل كافتهم، ومضمن الكلام أنهم ما ~~قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقينا ولا شكا، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى ~~صار قتله عندهم مشكوكا فيه، وقال قوم من أهل اللسان: الكلام تام في قوله ~~وما قتلوه ويقينا مصدر مؤكد للنفي في قوله وما قتلوه المعنى يخبركم يقينا، ~~أو يقص عليكم يقينا، أو أيقنوا بذلك يقينا، وقوله تعالى بل رفعه الله إليه ~~يعني إلى سمائه وكرامته، وعيسى عليه السلام حي في السماء الثانية على ما ~~تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث ~~المعراج، وذكره غيره، وهو هناك مقيم حتى ينزله الله لقتل الدجال، وليملأ ~~الأرض عدلا، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر. # وقوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته اختلف المتأولون ~~في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم: الضمير ~~في ms0923 موته راجع إلى عيسى، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل ~~عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر، وترجع الأديان كلها ~~واحدا، وقال مجاهد وابن عباس أيضا وغيرهما: الضمير في به لعيسى وفي موته ~~للكتابي الذي تضمنه قوله وإن من أهل الكتاب التقدير: وإن من أهل الكتاب ~~أحد، قالوا: وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح الله، ويعلم أنه نبي ولكن ~~عند المعاينة للموت، فهو إيمان لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند ~~المعاينة، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضا، وقال ~~عكرمة أيضا: الضمير في به لمحمد عليه السلام، وقبل موته للكتابي، قال: وليس ~~يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد، ولو غرق أو سقط عليه جدار ~~فإنه يؤمن في ذلك الوقت، وفي مصحف أبي بن كعب «قبل موتهم» ففي هذه القراءة ~~تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان «وإن من أهل الكتاب» ~~بتشديد «إن» . والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليه السلام في جل ~~الأقوال، ولمحمد عليه السلام في قول عكرمة. PageV02P134 # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 160 الى 162] # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ~~وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم منهم ~~والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ~~(162) # قوله تعالى: فبظلم عطف على قوله فبما نقضهم [النساء: 155] كأنه قال ~~فبنقضهم لعناهم وأوجبنا عذابهم، فبظلم منهم حرمنا عليهم المطاعم، وجعل الله ~~تعالى هذه العقوبة الدنيوية إزاء ظلم بني إسرائيل في تعنتهم وسائر أخلاقهم ~~الدميمة، و «الطيبات» هنا: هي الشحوم وبعض الذبائح والطير والحوت وغير ذلك، ~~وقرأ ابن عباس «طيبات كانت أحلت لهم» وقوله تعالى وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا يحتمل أن يريد صدهم في ذاتهم، ويحتمل أن يريد صدهم غيرهم، ms0924 وإلى هذا ~~ذهب الطبري، وقال: هو جحدهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم صدوا بذلك ~~جمعا عظيما من الناس عن سبيل الله وأخذهم الربوا: هو الدرهم بالدرهمين إلى ~~أجل ونحو ذلك مما هو مفسدة، وقد نهوا عنه فشرعوه لأنفسهم واستمروا عليه من ~~ذلك، ومن كراء العين ونحوه، وأكل أموال الناس بالباطل: هو الرشى، ثم استثنى ~~الله تعالى من بني إسرائيل «الراسخين» في علم التوراة الذين قد تحققوا أمر ~~محمد عليه السلام وعلاماته، وهم: عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى ~~مجراهما، والمؤمنون: عطف على الراسخين، و «ما أنزل» إلى محمد هو القرآن، ~~والذي أنزل من قبله: هو التوراة والإنجيل، واختلف الناس في معنى قوله ~~والمقيمين وكيف خالف إعرابها إعراب ما تقدم وتأخر، فقال أبان بن عثمان بن ~~عفان وعائشة رضي الله عنها: ذلك من خطأ كاتب المصحف، وروي أنها في مصحف أبي ~~بن كعب «والمقيمون» وقد روي أنها فيه والمقيمين كما هي في مصحف عثمان. قال ~~الفراء: وفي مصحف ابن مسعود «والمقيمون» وكذلك روى عصمة عن الأعمش، وكذلك ~~قرأ سعيد بن جبير، وكذا قرأ عمرو بن عبيد والجحدري وعيسى بن عمر ومالك بن ~~دينار، وكذلك روى يونس وهارون عن أبي عمرو، وقال آخرون: ليس ذلك من خطأ ~~الكاتب ولا خطأ في المصحف، وإنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب ~~بأعني، والرفع بعد ذلك بهم، وذهب إلى هذا المعنى بعض نحويي الكوفة والبصرة، ~~وحكي عن سيبويه: أنه قطع على المدح، وخبر لكن يؤمنون لأن المدح لا يكون إلا ~~بعد تمام الجملة الأولى، وهذا كقول خرنق بنت هفان: # [الكامل] # لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر # قال القاضي أبو محمد: وقد فرق بين الآية والبيت بحرف العطف الذي في ~~الآية، فإنه يمنع عند بعضهم تقدير الفعل، وفي هذا نظر، وقال قوم: قوله ~~تعالى والمقيمين ليس بعطف على قوله PageV02P135 # والمؤمنون ولكن على ما في قوله وما أنزل من قبلك والمعنى ويؤمنون ~~بالمقيمين ms0925 الصلاة وهم الملائكة، وقال بعضهم: بل من تقدم من الأنبياء، ~~قالوا: ثم رجع بقوله والمؤتون فعطف على قوله والمؤمنون وقال قوم والمقيمين ~~عطف على ما أنزل، والمراد بهم المؤمنون بمحمد، أي يؤمن الراسخون بهم وبما ~~هم عليه، ويكون قوله المؤتون أي وهم المؤتون، وقال قوم والمقيمين عطف على ~~الضمير في منهم، وقال آخرون: بل على الكاف في قوله من قبلك ويعني الأنبياء، ~~وقرأت فرقة «سنؤتيهم» بالنون، وقرأت فرقة «سيؤتيهم» بالياء. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 163 الى 164] # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك وكلم الله موسى تكليما (164) # روي عن عبد الله بن عباس: أن سبب هذه الآية أن سكينا الحبر وعدي بن زيد ~~قالا: يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر شيئا بعد موسى، ولا أوحى إليه، ~~فنزلت هذه الآية تكذيبا لقولهما. وقال محمد بن كعب القرظي: لما أنزل الله ~~يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء [النساء: # 153] إلى آخر الآيات، فتليت عليهم وسمعوا الخبر بأعمالهم الخبيثة قالوا: ~~ما أنزل الله على بشر من شيء ولا على موسى ولا على عيسى وجحدوا جميع ذلك ~~فأنزل الله وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ~~[الأنعام: 91] والوحي: إلقاء المعنى في خفاء، وعرفه في الأنبياء بواسطة ~~جبريل عليه السلام، وذلك هو المراد بقوله كما أوحينا أي بملك ينزل من عند ~~الله، ونوح أول الرسل في الأرض إلى أمة كافرة، وصرف نوح مع العجمة والتعريف ~~لخفته، وإبراهيم عليه السلام هو الخليل، وإسماعيل # ابنه الأكبر وهو الذبيح في قول المحققين، وهو أبو العرب، وإسحاق ابنه ~~الأصغر ويعقوب هو ولد إسحاق وهو إسرائيل، والأسباط: بنو يعقوب، يوسف ~~وإخوته، وعيسى هو المسيح، وأيوب هو المبتلى الصابر، ويونس هو ابن متى، وروى ~~ابن جماز عن نافع: يونس ms0926 بكسر النون، وقرأ ابن وثاب والنخعي- بفتحها، وهي ~~كلها لغات، وهارون هو ابن عمران، وسليمان هو النبي الملك، وداود: أبوه، ~~وقرأ جمهور الناس «زبورا» بفتح الزاي، وهو اسم كتاب داود تخصيصا، وكل كتاب ~~في اللغة فهو زبور من حيث تقول زبرت الكتاب إذا كتبته، وقرأ حمزة وحده ~~«زبورا» بضم الزاي، قال أبو علي: يحتمل أن يكون جمع زبر، أوقع على المزبور ~~اسم الزبر، كما قالوا ضرب الأمير. ونسج اليمن. وكأن سمي المكتوب كتابا، ~~ويحتمل أن يكون جمع زبور على حذف الزيادة، كما قالوا: ظريف وظروف وكروان ~~وكروان وورشان وورشان، ونحو ذلك مما جمع بحذف الزيادة، ويقوي هذا الوجه أن ~~التكسير مثل التصغير. وقد اطرد هذا المعنى في PageV02P136 # تصغير الترخيم نحو أزهر وزهير، وحارث وحريث، وثابت وثبيت، فالجمع مثله في ~~القياس إن كان أقل منه في الاستعمال. # وقوله تعالى: ورسلا قد قصصناهم عليك الآية، نصب رسلا على المعنى، لأن ~~المعنى إنا أرسلناك كما أرسلنا نوحا، ويحتمل أن ينصب رسلا بفعل مضمر تقديره ~~أرسلنا رسلا، لأن الرد على اليهود إنما هو في إنكارهم إرسال الرسل واطراد ~~الوحي، وفي حرف أبي بن كعب «ورسل» في الموضعين بالرفع على تقديرهم رسل، ~~وقصصناهم معناه ذكرنا أسماءهم وأخبارهم، وقوله تعالى: ورسلا لم نقصصهم عليك ~~يقتضي كثرة الأنبياء دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير [فاطر: 24] وقال تعالى: وقرونا بين ذلك كثيرا [الفرقان: 38] وما ~~يذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح، الله أعلم بعدتهم، صلى الله عليهم، وقوله ~~تعالى: وكلم الله موسى تكليما إخبار بخاصة موسى، وأن الله تعالى شرفه ~~بكلامه ثم أكد تعالى الفعل بالمصدر، وذلك منبىء في الأغلب عن تحقيق الفعل ~~ووقوعه، وأنه خارج عن وجوه المجاز والاستعارة، لا يجوز أن تقول العرب: ~~امتلأ الحوض وقال: # قطني قولا، فإنما تؤكد بالمصادر الحقائق. ومما شذ قول هند بنت النعمان بن ~~بشير: # وعجت عجيجا من جذام المطارف. # وكلام الله للنبي موسى عليه السلام دون تكييف ولا تحديد ولا تجويز حدوث ~~ولا حروف ولا ms0927 أصوات، والذي عليه الراسخون في العلم: أن الكلام هو المعنى ~~القائم في النفس، ويخلق الله لموسى أو جبريل إدراكا من جهة السمع يتحصل به ~~الكلام، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات ~~فكذلك كلامه لا كالكلام، وما روي عن كعب الأحبار وعن محمد بن كعب القرظي ~~ونحوهما: # من أن الذي سمع موسى كان كأشد ما يسمع من الصواعق، وفي رواية أخرى كالرعد ~~الساكن فذلك كله غير مرضي عند الأصوليين، وقرأ جمهور الأمة «وكلم الله ~~موسى» بالرفع في اسم الله، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «وكلم الله» ~~بالنصب على أن موسى هو المكلم، وهي قراءة ضعيفة من جهة الاشتهار، لكنها ~~مخرجة من عدة تأويلات. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 165 الى 169] # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما (165) لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا (166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ~~ضلالا بعيدا (167) إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله ~~يسيرا (169) # رسلا بدل من الأول قبل. ومبشرين ومنذرين حالان أي يبشرون بالجنة من آمن ~~وأطاع، PageV02P137 # وينذرون بالنار من كفر وعصى، وأراد الله تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من ~~يقول: لو بعث إلي الرسول لآمنت، والله تعالى عزيز لا يغالبه شيء ولا حجة ~~لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة، فكذلك قطع الحجة بالرسل ~~حكمة منه تعالى. # وقوله تعالى: لكن الله يشهد الآية، سببها قول اليهود ما أنزل الله على ~~بشر من شيء [الأنعام: # 91] وقال بعضهم لمحمد عليه السلام: ما نعلم يا محمد أن الله أرسل إليك ~~ولا أنزل عليك شيئا، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والجراح الحكمي «لكن الله ~~يشهد» بشد النون ونصب المكتوبة على اسم «لكن» وقوله تعالى: أنزله بعلمه هذه ~~الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم ms0928 الله تعالى خلافا للمعتزلة ~~في أنهم يقولون: عالم بلا علم، والمعنى عند أهل السنة: أنزله وهو يعلم ~~إنزاله ونزوله، ومذهب المعتزلة في هذه الآية أنه أنزله مقترنا بعلمه، أي ~~فيه علمه من غيوب وأوامر ونحو ذلك، فالعلم عبارة عن المعلومات التي في ~~القرآن، كما هو في قول الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص ~~هذا العصفور من هذا البحر، معناه: من علم الله الذي بث في عباده، وقرأ ~~الجمهور «أنزل» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الحسن «أنزل» بضم الهمزة على ~~بنائه للمفعول، وقوله تعالى: والملائكة يشهدون تقوية لأمر محمد عليه السلام ~~ورد على اليهود، قال قتادة: شهود والله غير متهمة، وقوله تعالى: وكفى بالله ~~شهيدا تقديره: وكفى الله شهيدا، لكن دخلت الباء لتدل على أن المراد بالله. # ثم أخبر تعالى عن الكافرين الذين يصدون الناس عن سبيل الله أنهم قد بعدوا ~~عن الحق وضلوا ضلالا بعيدا لا يقرب رجوعهم عنه ولا تخلصهم معه، وقرأ عكرمة ~~وابن هرمز «وصدوا» بضم الصاد. # ثم أخبر تعالى عن الكافرين الظالمين في أن وضعوا الشيء في غير موضعه، وهو ~~الكفر بالله، والله تعالى يستوجب منهم غير ذلك لنعمه الظاهرة والباطنة أنهم ~~بحيث لم يكن ليغفر لهم، وهذه العبارة أقوى من الإخبار المجرد أنه لا يغفر، ~~ومثال ذلك أنك إذا قلت: أنا لا أبيع هذا الشيء فهم منك الاغتباط به، فإذا ~~قلت: أنا ما كنت لأبيع هذا الشيء، فالاغتباط منك أكثر، هذا هو المفهوم من ~~هذه العبارة، وقوله تعالى: # ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم هذه هداية الطرق وليست بالإرشاد على ~~الإطلاق. وباقي الآية بين يتضمن تحقير أمر الكفار، وأنهم لا يباليهم الله ~~بالة كما ورد في الحديث، يذهب الصالحون الأول فالأول، حتى تبقى حثالة ~~كحثالة التمر لا يباليهم الله بالة، المعنى: إذ هم كفار في آخر الزمان ~~وعليهم تقوم الساعة. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 170 الى 171] # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن ms0929 تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) # المخاطبة بقوله يا أيها الناس مخاطبة لجميع الناس، والسورة مدنية، فهذا ~~مما خوطب به جميع PageV02P138 # الناس بعد الهجرة، لأن الآية دعاء إلى الشرع، ولو كانت في أمر من أوامر ~~الأحكام ونحوها لكانت «يا أيها الذين آمنوا» والرسول في هذه الآية محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وبالحق في شرعه، وقوله تعالى: # خيرا لكم منصوب بفعل مضمر تقديره، إيتوا خيرا لكم، أو حوزوا خيرا لكم، ~~وقوله فآمنوا وقوله انتهوا بعد ذلك، أمر بترك الشيء والدخول في غيره، فلذلك ~~حسنت صفة التفضيل التي هي خير، هذا مذهب سيبويه في نصب خير، ونظيره من ~~الشعر قول عمر بن أبي ربيعة: # فواعديه سرحتي مالك ... أو الربى بينهما أسهلا # أي يأت أسهل، وقال أبو عبيدة التقدير يكن الإيمان خيرا والانتهاء خيرا، ~~فنصبه على خبر كان، وقال الفراء: التقدير فآمنوا إيمانا خيرا لكم، فنصبه ~~على النعت لمصدر محذوف ثم قال تعالى وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~والأرض وهذا خبر بالاستغناء، وأن ضرر الكفر إنما هو نازل بهم، ولله تعالى ~~العلم والحكمة. # ثم خاطب تعالى أهل الكتاب من النصارى بأن يدعوا «الغلو» ، وهو تجاوز ~~الحد، ومنه غلاء السعر، ومنه غلوة السهم، وقوله تعالى: في دينكم إنما ~~معناه، في الدين الذي أنتم مطلوبون به، فكأنه اسم جنس، وأضافه إليهم بيانا ~~أنهم مأخوذون به، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل، ولا أمروا بالثبوت عليه ~~دون غلو، وإنما أمروا بترك الغلو في دين الله على الإطلاق، وأن يوحدوا ولا ~~«يقولوا على الله إلا الحق» ، وإذا سلكوا ما أمروا به، فذلك سائقهم إلى ~~الإسلام، ثم بين ms0930 تعالى أمر المسيح وأنه رسول الله وكلمته، أي مكون عن كلمته ~~التي هي «كن» وقوله ألقاها عبارة عن إيجاد هذا الحادث في مريم، وقال الطبري ~~وكلمته ألقاها يريد جملة مخلوقاته، ف «من» لابتداء الغاية إذا حقق النظر ~~فيها، وقال البشارة التي بعث الملك بها إليها، وقوله تعالى: وروح منه أي من ~~الله وقال الطبري وروح منه أي نفخة منه، إذ هي من جبريل بأمره، وأنشد قول ~~ذي الرمة: # فقلت له اضممها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا # يصف سقط النار، وقال أبي بن كعب: روح عيسى من أرواح الله التي خلقها ~~واستنطقها بقوله ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172] فبعثه الله إلى مريم ~~فدخل فيها، ثم أمرهم بالإيمان بالله ورسله، أي الذين من جملتهم عيسى ومحمد ~~عليهما السلام، وقوله تعالى: ولا تقولوا ثلاثة المعنى: # الله ثالث ثلاثة، فحذف الابتداء والمضاف، كذا قدر أبو علي، ويحتمل أن ~~يكون المقدر: المعبود ثلاثة، أو الإله ثلاثة، أو الآلهة ثلاثة، أو الأقانيم ~~ثلاثة، وكيف ما تشعب اختلاف عبارات النصارى فإنه يختلف بحسب ذلك التقدير، ~~وقد تقدم القول في معنى انتهوا خيرا لكم. PageV02P139 # إنما في هذه الآية حاصرة، اقتضى ذلك العقل في المعنى المتكلم فيه، وليست ~~صيغة إنما تقتضي الحصر، ولكنها تصلح للحصر وللمبالغة في الصفة وإن لم يكن ~~حصر، نحو: إنما الشجاع عنترة وغير ذلك. وسبحانه: معناه تنزيها له وتعظيما ~~عن أن يكون له ولد كما تزعمون أنتم أيها النصارى في أمر عيسى، إذ نقلتم ~~أبوة الحنان والرأفة إلى أبوة النسل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «إن يكون له ~~ولد» بكسر الألف من «أن» وهي نافية بمعنى ما يكون له ولد، وقوله تعالى: له ~~ما في السماوات وما في الأرض الآية: إخبار يستغرق عبودية عيسى وغير ذلك من ~~الأمور. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 172 الى 173] # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ms0931 فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) # ثم برأ تعالى جهة المسيح عليه السلام من أقوالهم، وخلصه للذي يليق به ~~فقال ن يستنكف المسيح أن يكون # الآية، والاستنكاف: إباية بأنفة، وقوله تعالى: لا الملائكة المقربون # زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات ~~المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم، وفي هذه الآية الدليل الواضح ~~على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ثم أخبر تعالى عمن يستنكف أي يأنف عن ~~عبادة الله ويستكبر، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى الله، وقوله ~~سيحشرهم # عبارة وعيد، وقرأ جمهور الناس «فسيحشرهم» بالياء، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن «فسنحشرهم» بنون الجماعة، «فنوفيهم» ، «ونزيدهم» ، «فنعذبهم» ، كلها ~~بالنون، قال أبو الفتح: وقرأ مسلمة «فسيحشرهم» «فيعذبهم» بسكون الراء ~~والباء على التخفيف. # وبين الله تعالى أمر المحشورين، فأخبر عن المؤمنين العاملين بالصالحات، ~~أنه «يوفيهم أجورهم» حتى لا يبخس أحد قليلا ولا كثيرا، وأنه يزيدهم من ~~فضله، وتحتمل هذه الزيادة أن تكون المخبر عنها في أن الحسنة بعشر إلى ~~سبعمائة ضعف، ويحتمل أن يكون التضعيف الذي هو غير مصرد محسوب، وهو المشار ~~إليه في قوله تعالى: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: 261] . # قوله تعالى: # وأما الذين استنكفوا .... # هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة الله أنفة وتكبرا، وهذا الاستنكاف ~~إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه، كفعل حيي بن أخطب ~~وأخيه أبي ياسر بمحمد عليه السلام، وكفعل أبي PageV02P140 # جهل وغيره، وإلا فإذا فرضت أحدا من البشر عرف الله تعالى، فمحال أن تجده ~~يكفر به تكبرا عليه، والعناد المجوز إنما يسوق إليه الاستكبار عن البشر، ~~ومع تقارب المنازل في ظن المتكبر. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : الآيات 174 الى 175] # يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) ~~فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما (175) # وقوله تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ms0932 ربكم الآية إشارة إلى محمد ~~رسول الله، و «البرهان» : الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، ~~والمعنى: قد جاءكم مقترنا بمحمد برهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم ~~إليه وفساد ما أنتم عليه من النحل، وقوله تعالى: وأنزلنا إليكم نورا مبينا ~~يعني القرآن فيه بيان لكل شيء، وهو الواعظ الزاجر، الناهي الآمر. # ثم وعد تبارك وتعالى المؤمنين بالله، المعتصمين به، والضمير في به يحتمل ~~أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود على القرآن الذي تضمنه قوله تعالى: ~~نورا مبينا و «الاعتصام» به التمسك بسببه وطلب النجاة والمنعة به، فهو يعصم ~~كما تعصم المعاقل، وهذا قد فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حبل ~~الله المتين من تمسك به عصم» ، و «الرحمة» و «الفضل» : الجنة وتنعيمها، ~~ويهديهم، معناه: إلى الفضل، وهذه هداية طريق الجنان، كما قال تعالى: ~~سيهديهم ويصلح بالهم [محمد: 5] لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين ~~آمنوا بالله واعتصموا بكتابه، وصراطا نصب بإضمار فعل يدل عليه يهديهم، ~~تقديره فيعرفهم، ويحتمل أن ينتصب كالمفعول الثاني، إذ يهديهم في معنى ~~يعرفهم، ويحتمل أن ينتصب على ظرفية «ما» ويحتمل أن يكون حالا من الضمير في ~~إليه وقيل: من فضل، والصراط: الطريق وقد تقدم تفسيره. # قوله تعالى: ### || [سورة النساء (4) : آية 176] # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # تقدم القول في تفسير الكلالة في صدر السورة، وان المترجح أنها الوراثة ~~التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي ~~فيها من يتكلل، أي: يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل، وكان أمر الكلالة ~~عند عمر بن الخطاب مشكلا فقال: ما راجعت رسول الله في شيء مراجعتي إياه في ~~الكلالة، ولوددت أن رسول ms0933 الله لم يمت حتى يبينها وقال على المنبر: ثلاث لو ~~بينها رسول الله كان أحب إلي من الدنيا: الجد والكلالة، والخلافة، وأبواب ~~من الربا، وروي عنه رضي الله عنه أنه كتب فيها كتابا فمكث يستخير الله فيه ~~ويقول. اللهم إن علمت فيه خيرا فأمضه، فلما طعن دعا بالكتاب فمحي، فلم يدر ~~أحد ما كان فيه، وروى الأعمش عن إبراهيم وسائر شيوخه قال: ذكروا أن عمر رضي ~~الله عنه قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحب إلي من جزية قصور الشام. وقال ~~طارق بن شهاب: أخذ عمر بن الخطاب كتفا وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورها فخرجت عليهم حية ~~من البيت فتفرقوا، فقال عمر: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه، PageV02P141 # وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر بالناس يوم الجمعة فقال: إني والله ما ~~أدع بعدي شيئا هو أهم إلي من أمر الكلالة، وقد سألت عنها رسول الله، فما ~~أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال: تكفيك آية الصيف ~~التي أنزلت في آخر سورة النساء، فإن أعش فسأقضي فيها بقضية لا يختلف معها ~~اثنان ممن يقرأ القرآن، وسئل عقبة بن عامر عن الكلالة فقال: ألا تعجبون ~~لهذا يسألني عن الكلالة؟ وما أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ~~ما أعضلت بهم الكلالة. # قال القاضي أبو محمد: فظاهر كلام عمر رضي الله عنه أن آية الصيف هي هذه، ~~وروى أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال: ألم ~~تسمع الآية التي أنزلت في الصيف وإن كان رجل يورث كلالة [النساء: 12] إلى ~~آخر الآية. # قال القاضي رحمه الله: هذا هو الظاهر، لأن البراء بن عازب قال: آخر آية ~~أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ~~وقال كثير من الصحابة: هي من آخر ما نزل، وقال جابر بن عبد الله: نزلت ~~بسببي، ms0934 عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقلت يا رسول الله: # كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي والد ولا ولد؟ فنزلت ~~الآية. # قال القاضي أبو محمد: وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكفيك منها آية ~~الصيف، بيان فيه كفاية وجلاء، ولا أدري ما الذي أشكل منها على الفاروق ~~رضوان الله عليه؟ إلا أن تكون دلالة اللفظ ولذلك قال بعضهم: الكلالة الميت ~~نفسه، وقال آخرون الكلالة المال، إلى غير ذلك من الخلاف، وإذا لم يكن في ~~الفريضة والد ولا ولد وترك الميت أختا، فلها النصف فرضا مسمى بهذه الآية، ~~فإن ترك الميت بنتا وأختا، فللبنت النصف، وللأخت النصف بالتعصيب لا بالفرض ~~المسمى، ولعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس في هذه المسألة خلاف للناس ~~وذكر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبته: ألا إن آية أول ~~سورة النساء أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها الله في ~~الزوج والزوجة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في ~~الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال، أنزلها ~~الله في أولي الأرحام، وقرأ ابن أبي عبلة «فإن للذكر مثل حظ» . وقوله تعالى ~~أن تضلوا معناه: كراهية أن تضلوا، وحذر أن تضلوا فالتقدير. لئلا تضلوا، ~~ومنه قول القطامي في صفة ناقة: [الوافر] . # رأينا ما يرى البصراء منها ... فآلينا عليها أن تباعا # وكان عمر رضي الله عنه إذا قرأ يبين الله لكم أن تضلوا قال: اللهم من ~~بينت له الكلالة فلم تبين لي. PageV02P142 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه ~~وسلم ### | سورة المائدة # هذه السورة مدنية بإجماع. وروي أنها نزلت عند منصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الحديبية. وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال: لما رجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال: يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة ~~المائدة ونعمت الفائدة. # قال القاضي ms0935 أبو محمد رضي الله عنه: وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع. ومنها ما نزل عام ~~الفتح وهو قوله تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم [المائدة: 2] الآية. وكل ما ~~نزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني سواء ما نزل ~~بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة. وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل ~~الهجرة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سورة المائدة تدعى في ملكوت ~~الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب. # قوله تعالى: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا ~~آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ~~(2) # قال علقمة: كل ما في القرآن يا أيها الذين آمنوا فهو مدني. وقد تقدم ~~القول في مثل هذا. ويقال: # وفى وأوفى بمعنى واحد، وأمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود. ~~وهي الربوط في القول كان ذلك في تعاهد على بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو ~~غيره. ولفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب. إذ بينهم وبين الله عقد في أداء ~~الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولفظ «العقود» يعم ~~عقود الجاهلية المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم ~~على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام فإنما معنى الآية أمر جميع المؤمنين ~~بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة وفسر الناس لفظ «العقود» بالعهود. # وذكر بعضهم من العقود أشياء على جهة المثال فمن ms0936 ذلك قول قتادة (أوفوا ~~بالعقود) معناه بعهد الجاهلية. روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام. # قال القاضي أبو محمد: وفقه هذا الحديث أن عقد الجاهلية كان يخص ~~المتعاقدين، إذ كان الجمهور على ظلم وضلال، والإسلام قد ربط الجميع وجعل ~~المؤمنين إخوة فالذي يريد أن يختص به PageV02P143 # المتعاقدان قد ربطهما إليه الشرع مع غيرهم من المسلمين اللهم إلا أن يكون ~~التعاهد على دفع نازلة من نوازل الظلامات فيلزم في الإسلام التعاهد على دفع ~~ذلك والوفاء بذلك العهد، وأما عهد خاص لما عسى أن يقع يختص المتعاهدون ~~بالنظر فيه والمنفعة كما كان في الجاهلية فلا يكون ذلك في الإسلام. قال ~~الطبري: وذكر أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~حلف الجاهلية، فقال لعلك تسأل عن حلف لجيم وتيم الله، قال نعم يا نبي الله، ~~قال لا يزيده الإسلام إلا شدة. وقال ابن عباس رضي الله عنه أوفوا بالعقود ~~معناه بما أحل الله وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء، قاله مجاهد ~~وغيره. # وقال محمد بن كعب القرظي وابن زيد وغيرهما «العقود» في الآية هي كل ما ~~ربطه المرء على نفسه من بيع أو نكاح أو غيره. # وقال ابن زيد وعبد الله بن عبيدة: العقود خمس: عقدة الإيمان وعقدة النكاح ~~وعقدة العهد وعقدة البيع وعقدة الحلف. # قال القاضي أبو محمد: وقد تنحصر إلى أقل من خمس، وقال ابن جريج قوله ~~تعالى: أوفوا بالعقود قال: هي العقود التي أخذها الله على أهل الكتاب أن ~~يعملوا بما جاءهم، وقال ابن شهاب قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره: هذا بيان من الله ~~ورسوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود فكتب الآيات منها إلى قوله: إن ~~الله سريع الحساب [المائدة: 4] . # قال القاضي أبو محمد: وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها ms0937 ~~بغاية ما تتناول فيعمم لفظ المؤمنين جملة من مظهر الإيمان إن لم يبطنه وفي ~~المؤمنين حقيقة ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع. ومن ~~لفظ العقد قول الحطيئة: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # وقوله تعالى: أحلت لكم بهيمة الأنعام خطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه ~~وكماله وكانت للعرب سنن في «الأنعام» من السائبة والبحيرة والحام وغير ذلك ~~فنزلت هذه الآية رافعة لجميع ذلك، واختلف في معنى بهيمة الأنعام فقال السدي ~~والربيع وقتادة والضحاك: هي «الأنعام» كلها. # قال القاضي أبو محمد: كأنه قال أحلت لكم «الأنعام» فأضاف الجنس إلى أخص ~~منه. وقال الحسن: بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم. وروي عن عبد الله بن ~~عمر أنه قال بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح للأمهات فهي تؤكل ~~دون ذكاة، وقال ابن عباس: هذه الأجنة من بهيمة الأنعام، قال الطبري: وقال ~~قوم بهيمة الأنعام وحشها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك. وذكره غير ~~الطبري عن الضحاك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، وذلك أن «الأنعام» هي الثمانية ~~الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها وكان ~~المفترس من الحيوان كالأسد وكل ذي ناب قد خرج عن PageV02P144 # حد «الأنعام» فصار له نظر ما، ف بهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع ~~وهذه على ما قيل إضافة الشيء إلى نفسه كدار الآخرة ومسجد الجامع، وما هي ~~عندي إلا إضافة الشيء إلى جنسه وصرح القرآن بتحليلها. # واتفقت الآية وقول النبي عليه السلام «كل ذي ناب من السباع حرام» ، ويؤيد ~~هذا المنزع الاستثناءان بعد إذ أحدهما استثني فيه أشخاص نالتها صفات ما ~~وتلك الصفات واقعات كثيرا في الراعي من الحيوان. والثاني استثني فيه حال ~~للمخاطبين وهي الإحرام والحرم، والصيد لا يكون إلا من غير الثمانية ~~الأزواج، فترتب الاستثناءان في الراعي من ذوات الأربع. والبهيمة في كلام ~~العرب ما أبهم من جهة نقص النطق والفهم ومنه باب مبهم وحائط مبهم، وليل ~~بهيم، وبهمة، للشجاع ms0938 الذي لا يدرى من أين يؤتى له. # وقوله تعالى: إلا ما يتلى عليكم استثناء ما تلي في قوله تعالى: حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير [المائدة: 3] . وما في موضع نصب على أصل ~~الاستثناء وأجاز بعض الكوفيين أن تكون في موضع رفع على البدل وعلى أن تكون ~~إلا عاطفة وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها من أسماء ~~الأجناس نحو قولك جاء الرجال إلا زيد كأنك قلت غير زيد بالرفع وقوله: غير ~~محلي الصيد نصب غير على الحال من الكاف والميم في قوله أحلت لكم، وقرأ ابن ~~أبي عبلة «غير» بالرفع ووجهها الصفة للضمير في يتلى لأن «غير محلي الصيد» ~~هو في المعنى بمنزلة غير مستحل إذا كان صيدا أو يتخرج على الصفة ل بهيمة ~~على مراعاة معنى الكلام كما ذكرت. # قال القاضي أبو محمد: وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب «غير» وقدروا ~~فيها تقديمات وتأخيرات وذلك كله غير مرضي لأن الكلام على اطراده متمكن ~~استثناء بعد استثناء وحرم جميع حرام وهو المحرم ومنه قول الشاعر: # فقلت لها فيئي إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب # أي ملب وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب «حرم» بسكون الراء. قال أبو ~~الحسن هذه لغة تميمية يقولون في رسل رسل وفي كتب كتب ونحوه، وقوله: إن الله ~~يحكم ما يريد تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب أي ~~فأنت أيها السامع لنسخ تلك العهود التي عهدت تنبه فإن الله الذي هو مالك ~~الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة ~~معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصر بالكلام ولمن عنده أدنى إبصار فإنها ~~تضمنت خمسة أحكام: الأمر بالوفاء بالعقود وتحليل بهيمة الأنعام واستثناء ما ~~تلي بعد واستثناء حال الإحرام فيما يصاد وما يقتضيه معنى الآية من إباحة ~~الصيد لمن ليس بمحرم، وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا للكندي: أيها ~~الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياما ms0939 كثيرة ~~ثم خرج فقال: والله ما أقدر عليه ولا يطيق هذا أحد إني فتحت المصحف فخرجت ~~سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلا عاما ~~ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا ~~يستطيع أن يأتي أحد بهذا إلا في أجلاد.. # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله خطاب للمؤمنين حقا ~~أن لا يتعدوا حدود الله PageV02P145 # في أمر من الأمور. والشعائر جمع شعيرة أي قد أشعر الله أنها حده وطاعته ~~فهي بمعنى معالم الله، واختلفت عبارة المفسرين في المقصود من الشعائر الذي ~~بسببه نزل هذا العموم في الشعائر فقال السدي شعائر الله حرم الله، وقال ابن ~~عباس شعائر الله مناسك الحج. وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون وينحرون ~~ويعظمون مشاعر الحج فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله تعالى: لا ~~تحلوا شعائر الله وقال ابن عباس أيضا شعائر الله ما حد تحريمه في الإحرام. ~~وقال عطاء بن أبي رباح، شعائر الله جميع ما أمر به أو نهى عنه، وهذا هو ~~القول الراجح الذي تقدم. وقال ابن الكلبي كان عامة العرب لا يعدون الصفا ~~والمروة من الشعائر وكانت قريش لا تقف بعرفات فنهوا بهذه الآية، وقوله ~~تعالى: ولا الشهر الحرام اسم مفرد يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي ~~كما قال النبي عليه السلام ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين ~~جمادى وشعبان وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تختص بتحريمه. وتزيل فيه ~~السلاح، وتنزع الأسنة من الرماح، وتسميه منصل الأسنة وتسميه الأصم من حيث ~~كان لا يسمع فيه صوت سلاح، وكانت العرب مجمعة على ذي القعدة وذي الحجة ~~والمحرم وكانت تطول عليها الحرمة وتمتنع من الغارات ثلاثة أشهر فلذلك اتخذت ~~النسيء وهو أن يحل لها ذلك المتكلم نعيم بن ثعلبة وغيره المحرم يحرم بدله ~~صفرا فنهى الله عن ذلك بهذه الآية وبقوله: إنما النسيء زيادة في الكفر ~~[التوبة: 37] وجعل المحرم أول شهور السنة من حيث ms0940 كان الحج والموسم غاية ~~العام وثمرته فبذلك يكمل ثم يستأنف عام آخر ولذلك والله علم دون به عمر بن ~~الخطاب الدواوين فمعنى قوله تعالى: ولا الشهر الحرام أي لا تحلوه بقتال ولا ~~غارة ولا تبديل فإن تبديله استحلال لحرمته.. # قال القاضي أبو محمد: والأظهر عندي أن الشهر الحرام أريد به رجب ليشتد ~~أمره لأنه إنما كان مختصا بقريش ثم فشا في مضر، ومما يدل على هذا قول عوف ~~بن الأحوص: # وشهر بني أمية والهدايا ... إذا حبست مضرجها الدماء # قال أبو عبيدة أراد رجبا لأنه شهر كانت مشايخ قريش تعظمه فنسبه إلى بني ~~أمية ذكر هذا الأخفش في المفضليات وقد قال الطبري المراد في هذه الآية رجب ~~مضر.. # قال القاضي أبو محمد: فوجه هذا التخصيص هو كما قد ذكرت أن الله تعالى شدد ~~أمر هذا الشهر إذ كانت العرب غير مجمعة عليه، وقال عكرمة: المراد في هذه ~~الآية ذو القعدة من حيث كان أولها، وقولنا فيها «أول» تقريب وتجوز أن ~~الشهور دائرة فالأول إنما يترتب بحسب نازلة أو قرينة ما مختصة بقوم. # وقوله تعالى: ولا الهدي ولا القلائد أما الهدي فلا خلاف أنه ما أهدي من ~~النعم إلى بيت الله وقصدت به القربة فأمر الله أن لا يستحل ويغار عليه، ~~واختلف الناس في القلائد فحكى الطبري عن ابن عباس أن القلائد هي الهدي ~~المقلد وأن الهدي إنما يسمى هديا ما لم يقلد فكأنه قال ولا «الهدي» الذي ~~يقلد والمقلد منه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي قال الطبري تحامل على ألفاظ ابن عباس ~~وليس يلزم من كلام ابن عباس أن الهدي إنما يقال لما لم يقلد وإنما يقتضي أن ~~الله نهى عن استحلال الهدي جملة ثم ذكر PageV02P146 # المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد، وقال جمهور ~~الناس: الهدي عام في أنواع ما أهدي قربة والقلائد ما كان الناس يتقلدونه ~~أمنة لهم، قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج يريد الحج تقلد من ~~السمر قلادة فلم يعرض له ms0941 أحد بسوء إذ كانت تلك علامة إحرامه وحجه وقال عطاء ~~وغيره: بل كان الناس إذا خرجوا من الحرم في حوائج لهم تقلدوا من شجر الحرم ~~ومن لحائه فيدل ذلك على أنهم من أهل الحرم أو من حجاجه فيأمنون بذلك فنهى ~~الله تعالى عن استحلال من تحرم بشيء من هذه المعاني. # وقال مجاهد وعطاء: بل الآية نهي للمؤمنين عن أن يستحلوا أخذ القلائد من ~~شجر الحرم كما كان أهل الجاهلية يفعلون، وقاله الربيع بن أنس عن مطرف بن ~~الشخير وغيره، وقوله تعالى: ولا آمين البيت الحرام معناه ولا تحلوهم ~~فتغيروا عليهم ونهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يعمدوا للكفار ~~القاصدين البيت الحرام على جهة التعبد والقربة وكل ما في هذه الآية من نهي ~~عن مشرك أو مراعاة حرمة له بقلادة أو أم البيت ونحوه فهو كله منسوخ بآية ~~السيف في قوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] وروي أن ~~هذه الآية نزلت بسبب الحطم بن هند البكري أخي بني ضبيعة بن ثعلبة وذلك أنه ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه: «يدخل اليوم عليكم رجل من ~~ربيعة يتكلم بلسان شيطان» فجاء الحطم فخلف خيله خارجة من المدينة ودخل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما عرض رسول الله عليه السلام ودعاه إلى ~~الله قال: أنظر ولعلي أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من أشاوره. # فخرج فقال النبي عليه السلام «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر» ، فمر ~~بسرح من سرح المدينة فساقه وانطلق به وهو يقول: # قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين خفاق القدم # ثم أقبل الحطم من عام قابل حاجا وساق هديا فأراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يبعث إليه. # وخف إليه ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فنزلت هذه الآية، قال ابن ~~جريج: هذه الآية نهي عن الحجاج أن تقطع سبلهم، ms0942 ونزلت الآية بسبب الحطم فذكر ~~نحوه، وقال ابن زيد: نزلت الآية عام الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون، فقال المسلمون يا رسول الله، ~~إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن ولا آمين ~~البيت الحرام. # قال القاضي أبو محمد: فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو ~~معكم، وكل ما كان منها في الكفار فهو منسوخ، وقرأ ابن مسعود وأصحابه «ولا ~~آمي البيت» بالإضافة إلى البيت وقوله تعالى: يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ~~قال فيه جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل في الأرباح في التجارة ويبتغون ~~مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم، وقال قوم إنما الفضل والرضوان في الآية في ~~معنى واحد وهو رضا الله وفضله بالرحمة والجزاء، فمن العرب من كان يعتقد ~~جزاء بعد الموت، وأكثرهم إنما كانوا يرجون الجزاء والرضوان في الدنيا ~~والكسب وكثرة الأولاد ويتقربون رجاء الزيادة في هذه المعاني وقرأ الأعمش ~~«ورضوانا» بضم الراء. PageV02P147 # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم ~~لتنبسط النفوس ويتداخل الناس ويردون الموسم فيسمعون القرآن ويدخل الإيمان ~~في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي كان وهذه الآية نزلت عام الفتح ونسخ ~~الله تعالى ذلك كله بعد عام سنة تسع إذ حج أبو بكر ونودي الناس بسورة ~~براءة. # قوله تعالى: # وإذا حللتم فاصطادوا ... # جاءت إباحة الصيد عقب التشدد في حرم البشر حسنة في فصاحة القول، وقوله ~~تعالى: فاصطادوا صيغة أمر ومعناه الإباحة بإجماع من الناس، واختلف العلماء ~~في صيغة أفعل إذا وردت ولم يقترن بها بيان واضح في أحد المحتملات، فقال ~~الفقهاء: هي على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، وقال المتكلمون هي على ~~الوقف حتى تطلق القرينة ولن يعرى أمر من قرينة، وقال قوم هي على الإباحة ~~حتى يدل الدليل، وقال قوم: هي على الندب حتى يدل الدليل وقول الفقهاء ~~أحوطها وقول المتكلمين أقيسها وغير ذلك ضعيف. ولفظة أفعل قد تجيء للوجوب ~~كقوله ms0943 أقيموا الصلاة، وقد تجيء للندب كقوله: # وافعلوا الخير [الحج: 77] وقد تجيء للإباحة كقوله فاصطادوا وابتغوا من ~~فضل الله فانتشروا في الأرض [العنكبوت: 17] ، ويحتمل الابتغاء من فضل الله ~~أن يكون ندبا، وقد تجيء للوعيد كقوله اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] وقد تجيء ~~للتعجيز كقوله كونوا حجارة [الإسراء: 50] وقرأ أبو واقد والجراح ونبيح ~~والحسن بن عمران «فاصطادوا» بكسر الفاء وهي قراءة مشكلة ومن توجيهها أن ~~يكون راعى كسر ألف الوصل إذ بدأت فقلت: اصطادوا فكسر الفاء مراعاة وتذكرا ~~لكسرة ألف الوصل، وقوله تعالى: # ولا يجرمنكم معناه ولا يكسبنكم وجرم الرجل معناه كسب ويتعدى إلى مفعولين ~~كما يتعدى كسب، وفي الحديث: وتكسب المعدوم، قال أبو علي: وأجرم بالألف عرفه ~~الكسب في الخطايا والذنوب، وقال الكسائي جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي كسب ~~وقال قوم يجرمنكم معناه يحق لكم كما أن لا جرم أن لهم النار [النحل: 62] ~~معناه حق لهم أن لهم النار وقال ابن عباس يجرمنكم معناه يحملنكم. # قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال تتقارب بالمعنى فالتفسير الذي يخص ~~اللفظة هو معنى الكسب ومنه قول الشاعر: [أبو خراش الهذلي] : # جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا # معناه كاسب قوت ناهض، ويقال فلان جريمة قومه إذا كان الكاسب لهم، وقرأ ~~ابن مسعود وغيره PageV02P148 # «يجرمنكم» بضم الياء والمعنى أيضا لا يكسبنكم وأما قول الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # فمعناه كسبت فزارة بعدها الغضب وقد فسر بغير هذا مما هو قريب منه وقوله ~~تعالى: شنآن قوم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «شنآن» متحركة ~~النون، وقرأ ابن عامر «شنآن» ساكنة النون، واختلف عن عاصم ونافع، يقال شنئت ~~الرجل شنأ بفتح الشين وشنآنا بفتح النون وشنآنا بسكون النون والفتح أكثر كل ~~ذلك إذا أبغضته، قال سيبويه: كل ما كان من المصادر على فعلان بفتح العين لم ~~يتعد فعله إلا أن يشذ شيء كالشنآن وإنما عدي شنئت من حيث كان أبغضت كما عدي ~~الرفث ب «إلى» من حيث ms0944 كان بمعنى الإفضاء. # قال القاضي أبو محمد: فأما من قرأ «شنآن» بفتح النون فالأظهر فيه أنه ~~مصدر كأنه قال لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عدوانا عليهم وظلما لهم ~~والمصادر على هذا الوزن كثيرة كالنزوان والغليان والطوفان والجريان وغيره، ~~ويحتمل «الشنان» بفتح النون أن يكون وصفا فيجيء المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم ~~أو بغضاء قوم عدوانا ومما جاء على هذا الوزن صفة قولهم: حمار قطوان إذا لم ~~يكن سهل السير وقولهم عدو وصمان أي ثقيل كعدو الشيخ ونحوه إلى غير هذا مما ~~ليس في الكثرة كالمصادر ومنه ما أنشده أبو زيد: # وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي ... وفقأت عين الأشوس الأبيان # بفتح الباء وأما من قرأ «شنآن» بسكون النون فيحتمل أن يكون مصدرا وقد جاء ~~المصدر على هذا الوزن في قولهم لويته دينه ليانا، وقول الأحوص: # وإن لام فيه ذو الشنان وفندا إنما هو تخفيف من «شنآن» الذي هو مصدر بسكون ~~النون لأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الساكن هذا هو التخفيف القياسي، ~~قال أبو علي: من زعم أن فعلان إذا أسكنت علينه لم يك مصدرا فقد أخطأ، ~~وتحتمل القراءة بسكون النون أن يكون وصفا فقد حكي: رجل شنآن وامرأة شنآنة ~~وقياس هذا أنه من فعل غير متعد وقد يشتق من لفظ واحد فعل متعد وفعل واقف ~~فيكون المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو بغضاء قوم عدوانا وإذا قدرت اللفظة ~~مصدرا فهو مصدر مضاف إلى المفعول، ومما جاء وصفا على فعلان ما حكاه سيبويه ~~من قولهم خمصان ومن ذلك قولهم ندمان. # قال القاضي أبو محمد: ومنه رحمان وهذه الآية نزلت عام الفتح حين أراد ~~المؤمنون أن يستطيلوا على قريش وألفافها من القبائل المتظاهرين على صد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية وذلك سنة ست من الهجرة فحصلت ~~بذلك بغضة في قلوب المؤمنين وحسيكة للكفار فقيل للمؤمنين عام الفتح وهو سنة ~~ثمان لا يحملنكم ذلك البغض أو أولئك البغضاء من أجل أن صدوكم على أن تعتدوا ~~عليهم ms0945 إذ لله فيهم إرادة خير وفي علمه أن منهم من يؤمن كالذي كان، وحكى ~~المهدوي عن قوم أنها نزلت عام الحديبية لأنه لما صد المسلمون عن البيت مر ~~بهم قوم من أهل نجد يريدون البيت فقالوا نصد هؤلاء كما PageV02P149 # صددنا فنزلت الآية، وقرأ أبو عمرو وابن كثير «إن صدوكم» بكسر الهمزة وقرأ ~~الباقون «أن صدوكم» بفتح الهمزة إشارة إلى الصد الذي وقع وهذه قراءة ~~الجمهور وهي أمكن في المعنى وكسر الهمزة معناه إن وقع مثل ذلك في المستقبل. ~~وقرأ ابن مسعود «أن يصدوكم» وهذه تؤيد قراءة أبي عمرو وابن كثير. # ثم أمر الله تعالى الجميع بالتعاون على البر والتقوى قال قوم: هما لفظان ~~بمعنى وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تسامح ما والعرف في دلالة هذين اللفظين أن ~~البر يتناول الواجب والمندوب إليه والتقوى رعاية الواجب فإن جعل أحدهما بدل ~~الآخر فبتجوز ثم نهى تعالى عن التعاون على الإثم وهو الحكم اللاحق عن ~~الجرائم وعن العدوان وهو ظلم الناس، ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا بشدة ~~العقاب وروي أن هذه الآية نزلت نهيا عن الطلب بذحول الجاهلية إذ أراد قوم ~~من المؤمنين ذلك، قاله مجاهد. وقد قتل بذلك حليف لأبي سفيان من هذيل.. # قوله تعالى: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 3 الى 4] # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) يسئلونك ~~ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما ~~علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن ~~الله سريع الحساب (4) # وقوله تعالى: حرمت عليكم الميتة الآية ms0946 تعديد لما يتلى على الأمة مما ~~استثني من بهيمة الأنعام [المائدة: 1] والميتة كل حيوان له نفس سائلة خرجت ~~نفسه من جسده على غير طريق الذكاة المشروع سوى الحوت والجراد على أن الجراد ~~قد رأى كثير من العلماء أنه لا بد من فعل فيها يجري مجرى الذكاة، وقرأ ~~جمهور الناس «الميتة» بسكون الياء، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «الميتة» ~~بالتشديد في الياء قال الزجاج: # هما بمعنى واحد، وقال قوم من أهل اللسان: الميت بسكون الياء ما قد مات ~~بعد والميت يقال لما قد مات ولما لم يمت وهو حي بعد ولا يقال له ميت ~~بالتخفيف ورد الزجاج هذا القول واستشهد على رده بقول الشاعر: # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # قال القاضي أبو محمد: والبيت يحتمل أن يتأول شاهدا عليه لا له وقد تأول ~~قوم استراح في هذا البيت بمعنى اكتسب رائحة إذ قائله جاهلي لا يرى في الموت ~~راحة وقوله تعالى: والدم معناه المسفوح لأنه بهذا تقيد الدم في غير هذه ~~الآية فيرد المطلق إلى المقيد وأجمعت الأمة على تحليل الدم المخالط للحم ~~وعلى تحليل الطحال ونحوه وكانت الجاهلية تستبيح الدم ومنه قولهم لم يحرم من ~~فصد له والعلهز دم ووبر يأكلونه في الأزمات ولحم الخنزير مقتض لشحمه ~~بإجماع، واختلف في استعمال شعره وجلده بعد الدباغ فأجيز ومنع وكل شيء من ~~الخنزير حرام بإجماع جلدا كان أو عظما، وقوله تعالى: وما أهل لغير الله به ~~يعني ما ذبح لغير الله تعالى وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب ~~تفعل وكذلك النصارى وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به فذلك إهلاله ومنه ~~استهلال المولود إذا صاح عند الولادة، ومنه إهلال الهلال أي الصياح بأمره ~~عند رؤيته ومن الإهلال قول ابن أحمر: # يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر # وقوله تعالى: والمنخنقة معناه التي تموت خنقا وهو حبس النفس سواء فعل بها ~~ذلك آدمي أو اتفق لها ذلك في حجر أو شجرة أو بحبل أو نحوه ms0947 وهذا إجماع، وقد ~~ذكر قتادة أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة PageV02P150 # وغيرها فإذا ماتت أكلوها وذكر نحوه ابن عباس والموقوذة التي ترمى أو تضرب ~~بعصا أو بحجر أو نحوه وكأنها التي تحذف به وقال الفرزدق: # شغارة تغذ الفصيل برجلها ... فطارة لقوادم الأبكار # وقال ابن عباس الموقوذة التي تضرب بالخشب حتى يوقذها فتموت وقال قتادة: ~~كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونها. # قال القاضي أبو محمد: ومن اللفظة قول معاوية، وأما ابن عمر فرجل قد وقذه ~~الورع وكفى أمره ونزوته، وقال الضحاك: كانوا يضربون «الأنعام» بالخشب ~~لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلونها وقال أبو عبد الله الصنابحي ليس الموقوذة ~~إلا في مالك وليس في الصيد وقيذ. # قال القاضي أبو محمد: وعند مالك وغيره من الفقهاء في الصيد ما حكمه حكم ~~الوقيذ وهو نص في قول النبي صلى الله عليه وسلم، في المعراض «وإذا أصاب ~~بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ» ، والمتردية هي التي تتردى من العلو إلى السفل ~~فتموت كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه، هي متفعلة من الردى وهو الهلاك ~~وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن العرب تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ~~ونحو ذلك دون سبب يعرف فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة، فحصر الشرع ~~الذكاة في صفة مخصوصة وبقيت هذه كلها ميتة، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة ~~وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة ~~لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان، وقال قوم: لو ذكر الشاة لقيل: والشاة ~~النطيح كما يقال كف خضيب ولحية دهين، فلما لم تذكر ألحقت الهاء لئلا يشكل ~~الأمر أمذكرا يريد أم مؤنثا، قال ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك: النطيحة ~~الشاة تناطح الشاة فتموتان أو الشاة تنطحها البقر والغنم.. # قال القاضي أبو محمد: وكل ما مات ضغطا فهو نطيح، وقرأ أبو ميسرة ~~«والمنطوحة» ، وقوله: وما أكل السبع يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من ~~الحيوان كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوه هذه كلها سباع. ومن ~~العرب من يوقف اسم السبع على الأسد. ms0948 وكان العرب إذا أخذ السبع شاة فقتلها ~~ثم خلصت منه أكلوها وكذلك إن أكل بعضها، قاله قتادة وغيره. # وقرأ الحسن والفياض وطلحة بن سليطان وأبو حيوة وما «أكل السبع» بسكون ~~الباء وهي لغة أهل نجد وقرأ بذلك عاصم في رواية أبي بكر عنه. وقرأ عبد الله ~~بن مسعود «وأكيلة السبع» وقرأ عبد الله بن عباس «وأكيل السبع» ، واختلف ~~العلماء في قوله تعالى: إلا ما ذكيتم فقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن ~~وعلي بن أبي طالب وقتادة وإبراهيم النخعي وطاوس وعبيد بن عمير والضحاك وابن ~~زيد وجمهور العلماء الاستثناء هو من هذه المذكورات فما أدرك منها يطرق بعين ~~أو يمصع برجل أو يحرك ذنبا وبالجملة ما يتحقق أنه لم تفض نفسه بل له حياة ~~فإنه يذكى على سنة الذكاة ويؤكل، وما فاضت نفسه فهو في حكم الميتة بالوجع ~~ونحوه على ما كانت الجاهلية تعتقده، وقال مالك رحمه الله مرة بهذا القول، ~~وقال أيضا وهو المشهور عنه وعن أصحابه من أهل المدينة ان قوله تعالى: إلا ~~ما ذكيتم معناه من هذه المذكورات في وقت تصح فيه ذكاتها وهو ما لم تنفذ ~~مقاتلها ويتحقق أنها لا تعيش ومتى صارت في هذا الحد فهي في حكم الميتة. PageV02P151 # قال القاضي أبو محمد: فقال بعض المفسرين إن الاستثناء في قول الجمهور ~~متصل وفي قول مالك منقطع لأن المعنى عنده «لكن ما ذكيتم» مما تجوز تذكيته ~~فكلوه حتى قال بعضهم إن المعنى إلا ما ذكيتم من غير هذه فكلوه، وفي هذا ~~عندي نظر، بل الاستثناء على قول مالك متصل لكنه يخالف في الحال التي تصح ~~ذكاة هذه المذكورات، وقال الطبري: إن الاستثناء عند مالك من التحريم لا من ~~المحرمات. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذه العبارة تجوز كثير وحينئذ يلتئم المعنى، ~~والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله ثعلب، قال ابن سيده: والعرب تقول ذكاة ~~الجنين ذكاة أمه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما هو حديث، وذكى الحيوان ذبحه، ومنه قول ~~الشاعر: # يذكيها الأسل # ومما احتج به ms0949 المالكيون لقول مالك، إن ما تيقن أنه يموت من هذه الحوادث ~~فهو في حكم الميتة أنه لو لم تحرم هذه التي قد تيقن موتها إلا بأن تموت ~~لكان ذكر الميتة أولا يغني عنها فمن حجة المخالف ان قال إنما ذكرت بسبب أن ~~العرب كانت تعتقد أن هذه الحوادث كالذكاة فلو لم يذكر لها غير الميتة لظنت ~~أنها ميتة الوجع حسب ما كانت هي عليه. # قوله تعالى: # وما ذبح على النصب ... # قوله: وما ذبح عطف على المحرمات المذكورات، والنصب جمع واحده نصاب، وقيل ~~هو اسم مفرد وجمعه أنصاب وهي حجارة تنصب كل منها حول الكعبة ثلاثمائة ~~وستون، وكان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها لآلهتهم ولها أيضا وتلطخ ~~بالدماء وتوضع عليه اللحوم قطعا قطعا ليأكل الناس، قال مجاهد وقتادة ~~وغيرهما: النصب حجارة كان أهل الجاهلية يذبحون عليها. وقال ابن عباس: # ويهلون عليها، قال ابن جريج: النصب ليس بأصنام الصنم يصور وينقش، وهذه ~~حجارة تنصب. # قال القاضي أبو محمد: وقد كانت للعرب في بلادها أنصاب حجارة يعبدونها ~~ويحكون فيها أنصاب مكة، ومنها الحجر المسمى بسعد وغيره، قال ابن جريج: كانت ~~العرب تذبح بمكة وينضحون بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على ~~الحجارة.. فلما جاء الإسلام قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يكره ذلك فأنزل الله تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها [الحج: ~~37] ونزلت وما ذبح على النصب. PageV02P152 # قال القاضي أبو محمد: المعنى والنية فيها تعظيم النصب، قال مجاهد: وكان ~~أهل مكة يبدلون ما شاؤوا من تلك الحجارة إذا وجدوا أعجب إليهم منها، قال ~~ابن زيد: ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله شيء واحد. # قال رضي الله عنه: ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله لكن خص ~~بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له. وقد يقال للصنم ~~أيضا نصب ونصب لأنه ينصب وروي أن ms0950 الحسن بن أبي الحسن قرأ «وما ذبح على ~~النصب» بفتح النون وسكون الصاد، وقال على الصنم، وقرأ طلحة ابن مصرف «على ~~النصب» بضم النون وسكون الصاد، وقرأ عيسى بن عمر «على النصب» بفتح النون ~~والصاد وروي عنه أنه قرأ بضم النون والصاد كقراءة الجمهور، وقوله تعالى: ~~وأن تستقسموا بالأزلام حرم به تعالى طلب القسم وهو النصيب أو القسم بفتح ~~القاف وهو المصدر بالأزلام وهي سهام واحدها زلم بضم الزاي وبفتحها وأزلام ~~العرب ثلاثة أنواع، منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها ~~افعل والآخر لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا ~~أراد فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج أحدها وائتمر وانتهى بحسب ما يخرج ~~له، وإن خرج القدح الذي لا شيء فيه أعاد الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة ~~بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة، ~~والنوع الثاني سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة فيها أحكام العرب وما ~~يدور بين الناس من النوازل، في أحدها العقل في أمور الديات، وفي آخر منكم ~~وفي آخر من غيركم وفي آخر ملصق وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك وهي التي ~~ضرب بها على بني عبد المطلب إذ كان نذر هو نحر أحدهم إذا أكملوا عشرة وهو ~~الحديث الطويل الذي في سيرة ابن إسحاق، وهذه السبعة أيضا متخذة عند كل كاهن ~~من كهان العرب وحكامهم على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث ~~هو قداح الميسر وهي عشرة سبعة منها فيها خطوط لها بعددها حظوظ، وثلاثة ~~أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة ففيها لهو للبطالين ولعب، وكان عقلاؤهم ~~يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف، ~~وكان من العرب من يستقسم بها لنفسه طلب الكسب والمغامرة وقد شرحت أمرها ~~بأوعب من هذا في سورة البقرة في تفسير الميسر، فالاستقسام بهذا كله هو طلب ~~القسم والنصيب وهو من أكل المال بالباطل ms0951 وهو حرام، وكل مقامرة بحمام أو ~~بنرد أو بشطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى ~~«الأزلام» حرام كله وقوله تعالى: ذلكم فسق إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، ~~والفسق الخروج من مكان محتو جامع يقال فسقت الرطبة خرجت من قشرها والفأرة ~~من جحرها واستعملت اللفظة في الشرع فيمن يخرج من احتواء الأمر الشرعي وجمعه ~~وإحاطته. # وقوله تعالى: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم معناه عند ابن عباس من أن ~~ترجعوا إلى دينهم وقاله السدي وعطاء، وظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وظهور دينه يقتضي أن يأس الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع ~~منذ زمان، وإنما هذا اليأس عندي من اضمحلال أمر الإسلام وفساد جمعه لأن هذا ~~أمر كان يترجاه من بقي من الكفار ألا ترى إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم ~~هوازن حين انكشف المسلمون وظنها هزيمة ألا بطل السحر اليوم، إلى غير هذا من ~~الأمثلة، وهذه الآية نزلت في إثر PageV02P153 # حجة الوداع وقيل في يوم عرفة يوم الجمعة، قاله عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، ولم يكن المشركون حينئذ إلا في حيز القلة ولم يحضر منهم الموسم بشر، ~~وفي ذلك اليوم أمحى أمر الشرك من مشاعر الحج، ويحتمل قوله تعالى: اليوم أن ~~يكون إشارة إلى اليوم بعينه لا سيما في قول الجمهور عمر بن الخطاب وغيره، ~~إنها نزلت في عشية عرفة يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الموقف على ناقته وليس في الموسم مشرك. ويحتمل أن يكون إشارة إلى الزمن ~~والوقت أي في هذا الأوان يئس الكفار من دينكم وقوله تعالى: الذين كفروا يعم ~~مشركي العرب وغيرهم من الروم والفرس وغير ذلك وهذا يقوي أن اليأس من انحلال ~~أمر الإسلام وذهاب شوكته ويقوي أن الإشارة باليوم إنما هي إلى الأوان الذي ~~فاتحته يوم عرفة ولا مشرك بالموسم ويعضد هذا قوله تعالى: فلا تخشوهم واخشون ~~فإنما نهى المؤمنين عن خشية جميع أنواع الكفار وأمر بخشيته تعالى التي ms0952 هي ~~رأس كل عبادة كما قال صلى الله عليه وسلم ومفتاح كل خير، وروي عن أبي عمرو ~~أنه قرأ «ييس» بغير همزة وهي قراءة أبي جعفر. # وقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم تحتمل الإشارة ب اليوم ما قد ذكرناه، ~~وهذا الإكمال عند الجمهور هو الإظهار واستيعاب عظم الفرائض والتحليل ~~والتحريم. قالوا، وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير ونزلت آية الربا ونزلت آية ~~الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل عظم الدين وأمر الحج أن حجوا وليس معهم ~~مشرك. وقال ابن عباس والسدي هو إكمال تام ولم ينزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد ذلك اليوم تحليل ولا تحريم ولا فرض، وحكى الطبري عن بعض من قال ~~هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا ~~إحدى وثمانين ليلة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والظاهر أنه عاش عليه السلام أكثر ~~بأيام يسيرة. وروي أن هذه الآية لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما يبكيك؟ فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما ~~إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي صلى الله عليه وسلم صدقت، ~~وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له يهودي: آية في كتابكم تقرءونها ~~لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال له عمر أية آية هي ~~فقال له: اليوم أكملت لكم دينكم فقال له عمر قد علمنا ذلك اليوم نزلت على ~~رسول الله وهو واقف بعرفة يوم الجمعة. # قال القاضي أبو محمد: ففي ذلك اليوم عيدان لأهل الإسلام إلى يوم القيامة، ~~وقال داود بن أبي هند للشعبي إن اليهود تقول كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم ~~الذي كمل الله لها دينها فيه فقال الشعبي أو ما حفظته قال داود: فقلت أي ~~يوم هو قال يوم عرفة، وقال ms0953 عيسى بن جارية الأنصاري كنا جلوسا في الديوان ~~فقال لنا نصراني مثل ما قال اليهودي لعمر بن الخطاب فما أجابه منا أحد ~~فلقيت محمد بن كعب القرظي فأخبرته فقال هلا أجبتموه، قال عمر بن الخطاب ~~أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة. # قال القاضي أبو محمد: وذكر عكرمة عن عمر بن الخطاب أنه قال: نزلت سورة ~~المائدة بالمدينة يوم PageV02P154 # الاثنين، وقال الربيع بن أنس نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى حجة الوداع، وهذا كله يقتضي أن السورة مدنية بعد الهجرة ~~وإتمام النعمة هو في ظهور الإسلام ونور العقائد وإكمال الدين وسعة الأحوال ~~وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة والخلود في رحمة ~~الله هذه كلها نعم الله المتممة قبلنا، وقوله تعالى: ورضيت لكم الإسلام ~~دينا يحتمل الرضا في هذا الموضع أن يكون بمعنى الإرادة ويحتمل أن يكون صفة ~~فعل عبارة عن إظهار الله إياه لأن الرضى من الصفات المترددة بين صفات الذات ~~وصفات الأفعال والله تعالى قد أراد لنا الإسلام ورضيه لنا وثم أشياء يريد ~~الله تعالى وقوعها ولا يرضاها، والإسلام في هذه الآية هو الذي في قوله ~~تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] وهو الذي تفسر في سؤال ~~جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الإيمان والأعمال والشعب. # وقوله تعالى: فمن اضطر في مخمصة يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر ~~تلك المحرمات، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تحل الميتة؟ فقال إذا ~~لم يصطبحوا ولم يغتبقوا ولم تحتفئوا بها بقلا. # قال القاضي أبو محمد: فهذا مثال في حال عدم المأكول حتى يؤدي ذلك إلى ~~ذهاب القوى والحياة وقرأ ابن محيصن «فمن اطر» بإدغام الضاد في الطاء وليس ~~بالقياس ولكن العرب استعملته في ألفاظ قليلة استعمالا كثيرا وقد تقدم القول ~~في أحكام الاضطرار في نظير هذه الآية في سورة البقرة، و «المخمصة» المجاعة ~~التي تخمص فيها البطون أي تضمر ms0954 والخمص ضمور البطن فالخلقة منه حسنة في ~~النساء ومنه يقال خمصانة وبطن خميص ومنه أخمص القدم، ويستعمل ذلك كثيرا في ~~الجوع والغرث، ومنه قول الأعشى: # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # أي منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن، وقوله تعالى: غير متجانف لإثم هو ~~بمعنى غير باغ ولا عاد [البقرة: 173] وقد تقدم تفسيره وفقهه في سورة البقرة ~~والجنف الميل، وقرأ أبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي «غير ~~متجنف» ، دون ألف وهي أبلغ في المعنى من متجانف، لأن شد العين يقتضي مبالغة ~~وتوغلا في المعنى وثبوتا لحكمه، وتفاعل إنما هي محاكاة الشيء والتقرب منه. ~~ألا ترى إذا قلت تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي تأودا، ومقاربة ميل، وإذا قلت ~~تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك تصاون وتصون وتغافل وتغفل وقوله تعالى: فإن ~~الله غفور رحيم نائب مناب فلا حرج عليه إلى ما يتضمن من زيادة الوعد وترجية ~~النفوس وفي الكلام محذوف يدل عليه المذكور تقديره فأكل من هذه المحرمات ~~المذكورات. # وسبب نزول قوله تعالى: يسئلونك ماذا أحل لهم أن جبريل جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوجد في البيت كلبا فلم يدخل فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم ادخل فقال أنا لا أدخل بيتا فيه كلب فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقتل الكلاب فقتلت حتى بلغت العوالي فجاء عاصم بن عدي وسعد بن ~~خيثمة وعويم بن ساعدة فقالوا يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب؟ PageV02P155 # قال القاضي أبو محمد: وروى هذا السبب أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو كان المتولي لقتل الكلاب، وحكاه أيضا عكرمة ومحمد بن كعب القرظي ~~موقوفا عليهما وظاهر الآية أن سائلا سأل عما أحل للناس من المطاعم لأن قوله ~~تعالى: قل أحل لكم الطيبات ليس الجواب على ما يحل لنا من اتخاذ الكلاب ~~اللهم إلا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه وهذا موجود كثيرا ~~من النبي صلى الله عليه ms0955 وسلم كجوابه في لباس المحرم وغير ذلك وهو صلى الله ~~عليه وسلم مبين الشرع فإنما يجاوب مادا أطناب التعليم لأمته، والطيبات ~~الحلال هذا هو المعنى عند مالك وغيره ولا يراغى مستلذا كان أم لا، وقال ~~الشافعي: الطيبات الحلال المستلذ وكل مستقذر كالوزغ والخنافس وغيرها فهي من ~~الخبائث حرام. # وقوله تعالى: وما علمتم من الجوارح تقديره وصيد ما علمتم أو فاتخاذ ما ~~علمتم وأعلى مراتب التعليم أن يشلى الحيوان فينشلي ويدعى فيجيب ويزجر بعد ~~ظفره بالصيد فينزجر وأن يكون لا يأكل من صيده فإذا كان كلب بهذه الصفات ولم ~~يكن أسود بهيما فأجمعت الأمة على صحة الصيد به بشرط أن يكون تعليم مسلم ~~ويصيد به مسلم، هنا انعقد الإجماع فإذا انخرم شيء مما ذكرنا دخل الخلاف، ~~فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من ~~الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد تعليم فهو جارح أي كاسب يقال: جرح ~~فلان واجترح إذا كسب ومنه قوله تعالى: ويعلم ما جرحتم بالنهار [الأنعام: ~~60] أي كسبتم من حسنة وسيئة وكان ابن عمر يقول إنما يصاد بالكلاب فأما ما ~~صيد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو حلال لك وإلا ~~فلا تطعمه هكذا حكى ابن المنذر قال: وسئل أبو جعفر عن البازي والصقر أيحل ~~صيده قال: لا إلا أن تدرك ذكاته قال واستثنى قوم البزاة فجوزوا صيدها لحديث ~~عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال ~~إذا أمسك عليك فكل، وقال الضحاك والسدي: وما علمتم من الجوارح مكلبين هي ~~الكلاب خاصة فإن كان الكلب أسود بهيما فكره صيده الحسن بن أبي الحسن وقتادة ~~وإبراهيم النخعي. وقال أحمد بن حنبل ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ~~وبه قال ابن راهويه، فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد ~~كل كلب معلم. # وأما أكل الكلب من الصيد فقال ابن عباس وأبو هريرة والشعبي وإبراهيم ~~النخعي وسعيد ms0956 بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقتادة وعكرمة والشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه، لا يؤكل ما بقي لأنه إنما أمسك على نفسه ~~ولم يمسك على ربه ويعضد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن ~~حاتم في الكلب المعلم وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وتأول هؤلاء ~~قوله تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم أي الإمساك التام ومتى أكل فلم يمسك على ~~الصائد، وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن عمر وأبو هريرة أيضا وسلمان ~~الفارسي رضي الله عنهم: إذا أكل الجارح أكل ما بقي وإن لم تبق إلا بضعة. ~~وهذا قول مالك وجميع أصحابه فيما علمت وتأولوا قوله تعالى: مما أمسكن عليكم ~~[المائدة: 4] على عموم الإمساك فمتى حصل إمساك ولو في بضعة حل أكلها وروي ~~عن النخعي وأصحاب الرأي والثوري وحماد بن أبي سليمان أنهم رخصوا فيما أكل ~~البازي منه خاصة في البازي. # قال القاضي أبو محمد: كأنه لا يمكن فيه أكثر من ذلك لأن حد تعليمه أن ~~يدعى فيجيب، وأن يشلى PageV02P156 # فينشلي، وإذا كان الجارح يشرب من دم الصيد فجمهور الناس على أن ذلك الصيد ~~يؤكل، وقال عطاء: # ليس شرب الدم بأكل. وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري. # قال القاضي أبو محمد: وليس في الحيوان شيء يقبل التعليم التام إلا الكلب ~~شاذا وأكثرها يأكل من الصيد ولذلك لم ير مالك ذلك من شروط التعليم. وأما ~~الطير فقال ربيعة: ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري. # قال القاضي أبو محمد: لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي، وقال أصحاب أبي ~~حنيفة: إذا صاد الكلب وأمسك ثلاث مرات ولاء فقد حصل منه التعليم، قال ابن ~~المنذر: وكان النعمان لا يحد في ذلك عددا، وقال غيرهم: إذا فعل ذلك مرة ~~واحدة فقد حصل معلما وإذا كان الكلب تعليم يهودي أو نصراني فكره الصيد به ~~الحسن البصري، فأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبد ~~الله والحسن وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وإسحاق ms0957 بن راهويه، ومالك ~~رحمه الله والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم على إباحة الصيد بكلابهم إذا كان ~~الصائد مسلما قالوا: وذلك مثل شفرته، وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب ~~فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك رحمه الله فإنه لم يجوز صيد اليهودي ~~والنصراني وفرق بين ذلك وبين ذبيحته وتلا قول الله تعالى: تناله أيديكم ~~ورماحكم قال فلم يذكر الله بهذا اليهود ولا النصارى، وقال ابن وهب وأشهب: ~~صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته، وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابىء ~~ولا ذبيحته وهم قوم بين اليهود والنصارى لا دين لهم وأما إن كان الصائد ~~مجوسيا فمنع من أكل صيده مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وعطاء وابن ~~جبير والنخعي والليث بن سعد وجمهور الناس، وقال أبو ثور فيها قولين: أحدهما ~~كقول هؤلاء، والآخر أن المجوس أهل كتاب وأن صيدهم جائز، وقرأ جمهور الناس ~~«وما علمتم» بفتح العين واللام وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية «علمتم» بضم ~~العين وكسر اللام أي أمر الجوارح والصيد بها، والجوارح الكواسر على ما ~~تقدم، وحكى ابن المنذر عن قوم أنهم قالوا الجوارح مأخوذ من الجارح أي ~~الحيوان الذي له ناب وظفر أو مخلب يجرح به صيده. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف أهل اللغة على خلافه وقرأ جمهور ~~الناس «مكلبين» بفتح الكاف وشد اللام والمكلب معلم الكلاب ومضريها ويقال ~~لمن يعلم غير كلب مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب، وقرأ الحسن وأبو زيد ~~«مكلبين» بسكون الكاف وتخفيف اللام ومعناه أصحاب كلاب يقال: أمشى الرجل ~~كثرت ماشيته وأكلب كثرت كلابه، وقال بعض المفسرين: المكلب بفتح الكاف وشد ~~اللام صاحب الكلاب. # قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بمحرر. # قوله عز وجل: # فكلوا مما أمسكن عليكم # PageV02P157 # أي يعلمونهن من الحيلة في الاصطياد والتأتي لتحصيل الحيوان وهذا جزء مما ~~علمه الله الإنسان ف «من» للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية وأنث ~~الضمير في تعلمونهن مراعاة للفظ الجوارح إذ هو جمع جارحة، وقوله تعالى: ~~فكلوا مما أمسكن عليكم يحتمل أن يريد ms0958 مما أمسكن فلم يأكلن منه شيئا. # ويحتمل أن يريد مما «أمسكن» وإن أكلن بعض الصيد وبحسب هذا الاحتمال اختلف ~~العلماء في جواز أكل الصيد إذا أكل منه الجارح وقد تقدم ذلك، وقوله تعالى: ~~واذكروا اسم الله عليه أمر بالتسمية عند الإرسال على الصيد وفقه الصيد ~~والذبح في معنى التسمية واحد فقال بعض العلماء هذا الأمر على الوجوب ومتى ~~ترك المرسل أو الذابح التسمية عمدا أو نسيانا لم تؤكل وممن رويت عنه كراهية ~~ما لم يسم عليه الله نسيانا الشعبي وابن سيرين ونافع وأبو ثور، ورأى بعض ~~العلماء هذا الأمر بالتسمية على الندب وإلى ذلك ينحو أشهب في قوله إن ترك ~~التسمية مستخفا لم تؤكل وإن تركها عامدا لا يدري قدر ذلك لكنه غير متهاون ~~بأمر الشريعة فإنها تؤكل ومذهب مالك وجمهور أهل العلم: أن التسمية واجبة مع ~~الذكر ساقطة مع النسيان فمن تركها عامدا فقد أفسد الذبيحة والصيد ومن تركها ~~ناسيا سمى عند الأكل وكانت الذبيحة جائزة، واستحب أكثر أهل العلم أن لا ~~يذكر في التسمية غير الله تعالى وأن لفظها بسم الله والله كبر، وقال قوم: ~~إن صلى مع ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز، ثم أمر تعالى بالتقوى ~~على الجملة والإشارة الغريبة هي إلى ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر وسرعة ~~الحساب هي من أنه تبارك وتعالى قد أحاط بكل شيء علما فلا يحتاج إلى محاولة ~~عد ويحاسب جميع الخلائق دفعة واحدة، وتحتمل الآية أن تكون وعيدا بيوم ~~القيامة كأنه قال إن حساب الله لكم سريع إتيانه إذ يوم القيامة قريب، ~~ويحتمل أن يريد ب الحساب المجازاة فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة ~~قريبة إن لم يتق الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 5] # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة ms0959 من الخاسرين (5) # وقوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات إشارة إلى الزمن والأوان، والخطاب ~~للمؤمنين، وتقدم القول في الطيبات وقوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم ابتداء وخبر، وحل معناه حلال، والطعام في هذه الآية الذبائح كذا قال ~~أهل التفسير، وذلك أن الطعام الذي لا محاولة فيه كالبر والفاكهة ونحوه لا ~~يضر فيه ويحرم عينه تملك أحد، والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين فمنه ~~ما محاولته صنعة لا تعلق للدين بها كخبز الدقيق وتعصير الزيت ونحوه فهذا إن ~~جنب من الذمي فعلى جهة التقزز، والضرب الثاني هي التزكية التي هي محتاجة ~~إلى الدين والنية فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم كما تقول: إنهم لا صلاة ~~لهم ولا صوم ولا عبادة مقبولة رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة ~~وأخرجها بالنص عن القياس، ثم إن العلماء اختلفوا في لفظ طعام فقال الجمهور: ~~وهي الذبيحة كلها وتذكية الذمي عاملة لنا في كل الذبيحة ما حل له منها وما ~~حرم عليه لأنه مذك. وقالت جماعة من أهل العلم إنما أحل لنا طعامهم من ~~الذبيحة أي الحلال لهم لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم فمنعت هذه ~~الطائفة الطريف والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب، وهذا الخلاف موجود في ~~مذهب مالك رحمه الله، واختلف PageV02P158 # العلماء في لفظة أوتوا فقالت فرقة إنما أحلت لنا ذبائح بني إسرائيل ~~والنصارى الصرحاء الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، فمنعت هذه الفرقة ~~ذبائح نصارى بني تغلب من العرب وذبائح كل دخيل في هذين الدينين وكان علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب ويقول لأنهم لم ~~يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. # قال القاضي أبو محمد: فهذا ليس بنهي عن ذبائح النصارى المحققين منهم، ~~وقال جمهور الأمة ابن عباس والحسن وعكرمة وابن المسيب والشعبي وعطاء وابن ~~شهاب والحكم وحماد وقتادة ومالك رحمه الله وغيرهم: إن ذبيحة كل نصراني حلال ~~سواء كان من بني تغلب أو غيرهم، وكذلك اليهود وتأولوا قول ms0960 الله تعالى: ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم [المائدة: 51] وقوله تعالى: وطعامكم حل لهم أي ~~ذبائحكم، فهذه رخصة للمسلمين لا لأهل الكتاب لما كان الأمر يقتضي أن شيئا ~~قد تشرعنا فيه بالتذكية ينبغي لنا أن نحميه منهم ورخص الله تعالى في ذلك ~~رفعا للمشقة بحسب التجاوز، وقوله تعالى: والمحصنات عطف على الطعام المحلل، ~~والإحصان في كلام العرب وفي تصريف الشرع مأخوذ من المنعة ومنه الحصن، وهو ~~مترتب بأربعة أشياء: الإسلام والعفة والنكاح والحرية، فيمتنع في هذا الموضع ~~أن يكون الإسلام لأنه قد نص أنهن من أهل الكتاب ويمتنع أن يكون النكاح لأن ~~ذات الزوج لا تحل، ولم يبق إلا الحرية والعفة فاللفظة تحتملهما، واختلف أهل ~~العلم بحسب هذا الاحتمال فقال مالك رحمه الله ومجاهد وعمر بن الخطاب وجماعة ~~من أهل العلم «المحصنات» في هذه الآية الحرائر فمنعوا نكاح الأمة الكتابية، ~~وقالت جماعة من أهل العلم: «المحصنات» في هذه الآية العفائف، منهم مجاهد ~~أيضا والشعبي وغيرهم فجوزوا نكاح الأمة الكتابية وبه قال سفيان والسدي، ~~وقال الشعبي: إحصان الذمية ألا تزني وأن تغتسل من الجنابة، وقال أبو ميسرة: ~~مملوكات أهل الكتاب بمنزلة حرائرهن العفائف منهن حلال نكاحهن. # قال القاضي أبو محمد: ومنع بعض العلماء زواج غير العفيفة بهذه الآية، ~~وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا اطلع الرجل من امرأته على فاحشة فليفارقها. ~~وفرق ابن عباس بين نساء أهل الحرب ونساء أهل الذمة فقال: من أهل الكتاب من ~~يحل لنا وهم كل من أعطى الجزية، ومنهم من لا يحل لنا وهم أهل الحرب، وكره ~~مالك رحمه الله نكاح نساء أهل الحرب مخافة ضياع الولد أو تغير دينه، ~~والأجور في هذه الآية المهور، وانتزع أهل العلم لفظة آتيتموهن أنه لا ينبغي ~~أن يدخل زوج بزوجته إلا بعد أن يبذل من المهر ما يستحلها به، ومن جوز أن ~~يدخل دون أن يبذل ذلك فرأى أنه بحكم الارتباط والالتزام في حكم الموتى، ~~ومحصنين معناه متزوجين على السنة، والإحصان في هذا الموضع هو بالنكاح، ~~والمسافح المزاني، والسفاح الزنى، ms0961 والمسافحة هي المرأة التي لا ترد يد لامس ~~وتزني مع كل أحد وهن أصحاب الرايات في الجاهلية، والمخادنة أن يكون ~~الزانيان قد وقف كل واحد نفسه على صاحبه، وقد تقدم نظير هذه الآية وفسر ~~بأوعب من هذا، وقوله تعالى: ومن يكفر بالإيمان يحتمل أن يكون المعنى على أن ~~الكفر هو بنفس الإيمان، وفي هذا مجاز واستعارة لأن الإيمان لا يتصور كفر به ~~إنما الكفر بالأمور التي حقها أن يقع الإيمان بها، وباقي الآية بين. PageV02P159 # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 6] # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) # لا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة رضي الله عنها فيها نزلت آية ~~التيمم وهي آية الوضوء، لكن من حيث كان الوضوء متقررا عندهم مستعملا فكأن ~~الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم ~~واستدل على حصول الوضوء بقول عائشة فأقام رسول الله بالناس وليسوا على ماء ~~وليس معهم ماء، وآية النساء إما نزلت معها أو بعدها بيسير، وكانت قصة ~~التيمم في سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع وهي غزوة بني ~~المصطلق. وفيها كان هبوب الريح فيما روي، وفيها كان قول عبد الله بن أبي ~~ابن سلول لئن رجعنا إلى المدينة [المنافقون: 8] القصة بطولها، وفيها وقع ~~حديث الإفك. ولما كانت محاولة الصلاة في الأغلب إنما هي بقيام جاءت العبارة ~~إذا قمتم، واختلف الناس في القرينة التي أريدت مع قوله إذا قمتم فقالت ~~طائفة: هذا لفظ عام في كل قيام سواء كان المرء على طهور أو محدثا فإنه ~~ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وروي أن علي ms0962 بن أبي طالب كان يفعل ~~ذلك ويقرأ الآية، وروي نحوه عن عكرمة، وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون ~~لكل صلاة، وروي أن عمر بن الخطاب توضأ وضوءا فيه تجوز ثم قال هذا وضوء من ~~لم يحدث وقال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه ~~الوضوء إلا من حدث. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر ~~وغيره يتوضؤون لكل صلاة انتدابا إلى فضيلة وكذلك كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يفعل ثم جمع بين صلاتين بوضوء واحد في حديث سويد بن النعمان وفي ~~غير موطن إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد إرادة البيان ~~لأمته وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من توضأ على طهر كتب ~~له عشر حسنات، وقال: إنما رغبت في هذا، وقالت فرقة: نزلت هذه الآية رخصة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء ~~ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما إلى غير ذلك فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء ~~إنما هو عند القيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال، قال ذلك علقمة بن ~~الفغواء وهو من الصحابة، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ~~وقال زيد بن أسلم والسدي: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع يعني ~~النوم. PageV02P160 # قال القاضي أبو محمد: والقصد بهذا التأويل أن تعم الأحداث بالذكر ولا ~~سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو في نفسه حدث، وفي الآية على هذا ~~التأويل تقديم وتأخير تقديره يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من ~~النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء يعني الملامسة الصغرى ~~فاغسلوا فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر ثم قال: وإن كنتم جنبا فاطهروا فهذا ~~حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعا وإن ms0963 كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمه ~~الله وغيره، وقال جمهور أهل العلم معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ~~وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير بل يترتب في الآية حكم واجد الماء ~~إلى قوله: # فاطهروا ودخلت الملامسة الصغرى في قوله محدثين، ثم ذكر بعد ذلك بقوله: ~~وإن كنتم مرضى إلى آخر الآية حكم عادم الماء من النوعين جميعا وكانت ~~الملامسة هي الجماع ولا بد ليذكر الجنب العادم للماء كما ذكر الواجد، وهذا ~~هو تأويل الشافعي وغيره وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن ~~عباس وأبي موسى وغيرهم. # وقوله تعالى: فاغسلوا وجوهكم الغسل في اللغة إيجاد الماء في المغسول مع ~~إمرار شيء عليه كاليد أو ما قام مقامها، وهو يتفاضل بحسب الانغمار في الماء ~~أو التقليل منه، وغسل الوجه في الوضوء هو بنقل الماء إليه وإمرار اليد ~~عليه، والوجه ما راجه الناظر وقابله، وحده في الطول منابت الشعر فوق الجبهة ~~إلى آخر الذقن، وعبر بعض الناس إلى تحت الذقن، واختلف في ذي اللحية فقيل: ~~حده من اللحية إلى ما قابل آخر الذقن، وقيل بل حده فيها آخر الشعر، واختلف ~~العلماء في تخليل اللحية على قولين روي تخليلها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث أنس ذكره الطبري، واختلف في حده عرضا فهو في المرأة والأمرد ~~من الأذن إلى الأذن وفي ذي اللحية ثلاثة أقوال فقيل: من الشعر إلى الشعر ~~يعني شعر العارضين وقيل: من الأذن إلى الأذن ويدخل البياض الذي بين العارض ~~والأذن في الوجه وقيل: يغسل ذلك البياض استحبابا، واختلف في الأذنين فقيل ~~هما من الرأس، وقال الزهري من الوجه، وقيل هما عضو قائم بنفسه ليسا من ~~الوجه ولا من الرأس، وقيل: ما أقبل منهما من الوجه وما أدبر فهو من الرأس، ~~واختلف في المضمضة والاستنشاق فجمهور الأمة يرونها سنة ولا يدخل هذان ~~الباطنان عندهم في الوجه وقال مجاهد: # الاستنشاق ms0964 شطر الوضوء، وقال حماد بن أبي سليمان وقتادة وعطاء والزهري ~~وابن أبي ليلى وابن راهويه: # من ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة، وقال أحمد: يعيد من ~~ترك الاستنشاق ولا يعيد من ترك المضمضة والناس كلهم على أن داخل العينين لا ~~يلزم غسله إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه. # وقوله تعالى: وأيديكم إلى المرافق اليد في اللغة تقع على العضو الذي هو ~~من المنكب إلى أطراف الأصابع ولذلك كان أبو هريرة يغسل جميعه في الوضوء ~~أحيانا ليطيل الغرة، وحد الله تعالى موضع الغسل منه بقوله: إلى المرافق ~~يقال في واحدها مرفق ومرفق، وكسر الميم وفتح الفاء أشهر، واختلف العلماء هل ~~تدخل المرافق في الغسل أم لا فقالت طائفة لا تدخل لأن إلى غاية تحول بين ما ~~قبلها وما بعدها، وقالت طائفة تدخل المرافق في الغسل لأن ما بعد إلى إذا ~~كان من نوع ما قبلها فهو داخل، ومثل أبو PageV02P161 # العباس المبرد في ذلك بأن تقول: اشتريت الفدان إلى حاشيته أو بأن تقول ~~اشتريت الفدان إلى الدار وبقوله: أتموا الصيام إلى الليل [البقرة: 187] . # قال القاضي أبو محمد: وتحرير العبارة في هذا المعنى أن يقال: إذا كان ما ~~بعد إلى ليس مما قبلها فالحد أول المذكور بعدها وإذا كان ما بعدها من جملة ~~ما قبلها فالاحتياط يعطي أن الحد المذكور بعدها ولذلك يترجح دخول المرفقين ~~في الغسل. والروايتان محفوظتان عن مالك بن أنس رضي الله عنه، روى عنه أشهب ~~أن المرفقين غير داخلين في الحد، وروي عنه أنهما داخلان. # وقوله تعالى: وامسحوا برؤسكم المسح أن يمر على الشيء بشيء مبلول بالماء ~~وسنة مسح الرأس أن يؤخذ ماء باليدين ثم يرسل ثم يمسح الرأس بما تعلق ~~باليدين، واختلف في مسح الرأس في مواضع منها هيئة المسح فقالت طائفة منها ~~مالك والشافعي وجماعة من الصحابة والتابعين يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بهما ~~إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه، وقالت فرقة يبدأ من مؤخر الرأس حتى يجيء ms0965 إلى ~~المقدم ثم يرد إلى المؤخر، وقالت فرقة: يبدأ من وسط الرأس فيجيء بيديه نحو ~~الوجه ثم يرد فيصيب باطن الشعر فإذا انتهى إلى وسط الرأس أمر يديه كذلك على ~~ظاهر شعر مؤخر الرأس ثم يرد فيصيب باطنه ويقف عند وسط الرأس، وقالت فرقة ~~يمسح رأسه من هنا وهنا على غير نظام ولا مبدأ محدود حتى يعمه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قول بالعموم، واختلف في رد اليدين على شعر ~~الرأس هل هو فرض أم سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن ~~فالجمهور على أنه سنة وقيل: هو فرض، ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس قدر ما ~~يمسح فقالت جماعة: الواجب من مسح الرأس عمومه، ثم اختلفوا في الهيئات على ~~ما ذكرناه، وقال محمد بن مسلمة أن مسح ثلثي الرأس وترك الثلث أجزأ وقال أبو ~~الفرج المالكي: وروي عن مالك أنه أن مسح الثلث أجزأ لأنه كثير في أمور من ~~الشرع، وقال أشهب إن مسح الناصية أجزأ. # قال القاضي أبو محمد: وكل من أحفظ عنه إجزاء بعض الرأس فإنه يرى ذلك ~~البعض من مقدم الرأس، وذلك أنه قد روي في ذلك أحاديث في بعضها ذكر الناصية ~~وفي بعضها ذكر مقدم الرأس، إلا ما روي عن إبراهيم والشعبي قالا: أي نواحي ~~رأسك مسحت أجزأك، وكان سلمة بن الأكوع يمسح مقدم رأسه. وروي عن ابن عمر أنه ~~مسح اليافوخ فقط، وقال أصحاب الرأي: إن مسح بثلاث أصابع أجزأه وإن كان ~~الممسوح أقل مما يمر عليه ثلاث أصابع لم يجزىء وقال قوم: يجزىء من مسح ~~الرأس أن يمسح مسحة بأصبع واحدة، وقال الحسن بن أبي الحسن: إن لم تصب ~~المرأة إلا شعرة واحدة أجزأها، وحكى الطبري وغيره عن سفيان الثوري أن الرجل ~~إذا مسح شعرة واحدة أجزأه، ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس ما العضو الذي ~~يمسح به؟ فالإجماع على استحسان المسح باليدين جميعا وعلى الإجزاء إن مسح ~~بواحدة، واختلف فيمن مسح بأصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه ms0966 من الرأس ~~فالمشهور أن ذلك يجزىء وقيل لا يجزىء. # قال القاضي أبو محمد: ويترجح أنه لا يجزىء لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه ~~لعب إلا أن يكون PageV02P162 # ذلك عن ضرورة مرض فينبغي أن لا يختلف في الاجزاء، ومن مواضع الخلاف عدد ~~المسحات، فالجمهور على مرة واحدة ويجزىء ذلك عند الشافعي وثلاثا أحب إليه ~~وروي عن ابن سيرين أنه مسح رأسه مرتين، وروي عن أنس أنه قال يمسح الرأس ~~ثلاثا، وقاله سعيد بن جبير وعطاء وميسرة، والباء في قوله برؤسكم مؤكدة ~~زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى عنده وامسحوا رؤوسكم، وهي للإلزاق ~~المحض عند من يرى إجزاء بعض الرأس كأن المعنى أوجدوا مسحا برؤوسكم فمن مسح ~~شعرة فقد فعل ذلك، ثم اتبعوا في المقادير التي حدوها آثارا وأقيسة بحسب ~~اجتهاد العلماء رحمهم الله. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «وأرجلكم» خفضا وقرأ نافع وابن عامر ~~والكسائي وأرجلكم نصبا، وروى أبو بكر عن عاصم الخفض، وروى عنه حفص النصب، ~~وقرأ الحسن والأعمش «وأرجلكم» بالرفع المعنى فاغسلوها، ورويت عن نافع، ~~وبحسب هذا اختلاف الصحابة والتابعين، فكل من قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا ~~وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل بالماء دون المسح، وهنا هو الجمهور ~~وعليه علم فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو اللازم من قوله صلى الله عليه ~~وسلم وقد رأى قوما يتوضؤون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته، «ويل للأعقاب ~~من النار» ومن قرأ بالخفض جعل العامل أقرب العاملين، واختلفوا، فقالت فرقة ~~منهم، الفرض في الرجلين المسح لا الغسل وروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء ~~غسلتان ومسحتان، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: اغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من ~~خبثه من قدميه «فاغسلوا» بطونهما وظهورهما وعراقيبهما فسمع ذلك أنس بن مالك ~~فقال صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى: # وامسحوا برؤسكم وأرجلكم قال وكان أنس إذا مسح رجليه بلهما، وروي أيضا عن ~~أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة ms0967 بالغسل وكان عكرمة يمسح على رجليه ~~وليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. # وقال الشعبي: نزل جبريل بالمسح ثم قال: ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما ~~كان غسلا ويلغى ما كان مسحا وروي عن أبي جعفر أنه قال: امسح على رأسك ~~وقدميك، وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين، وكل من ذكرنا فقراءته ~~«وأرجلكم» بكسر اللام، وبذلك قرأ علقمة والأعمش والضحاك وغيرهم، وذكرهم ~~الطبري تحت ترجمة القول بالمسح، وذهب قوم ممن يقر بكسر اللام إلى أن المسح ~~في «الرجلين» هو الغسل، وروي عن أبي زيد أن العرب تسمي الغسل الخفيف مسحا ~~ويقولون تمسحت للصلاة بمعنى غسلت أعضائي، وقال أبو عبيدة وغيره في تفسير ~~قوله تعالى: فطفق مسحا [ص: 33] أنه الضرب، ويقال: مسح علاوته إذا ضربه، قال ~~أبو علي: فهذا يقوي أن المراد بمسح الرجلين الغسل، ومن الدليل على أن مسح ~~الرجلين يراد به الغسل أن الحد قد وقع فيهما ب إلى كما وقع في الأيدي وهي ~~مغسولة ولم يقع في الممسوح حد. # قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا التأويل بترك الحد في الوجه فكان الوضوء ~~مغسولين حد أحدهما وممسوحين حد أحدهما، وقال الطبري رحمه الله إن مسح ~~الرجلين هو بإيصال الماء إليهما ثم PageV02P163 # يمسح بيديه بعد ذلك فيكون المرء غاسلا ماسحا، قال: ولذلك كره أكثر ~~العلماء للمتوضىء أن يدخل رجليه في الماء دون أن يمر يديه. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقد جوز ذلك قوم منهم الحسن البصري ~~وبعض فقهاء الأمصار. وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين على أن الفرض في ~~الرجلين الغسل وأن المسح لا يجزىء. وروي ذلك عن الضحاك وهو يقرأ بضم اللام، ~~والكلام في قوله إلى الكعبين كما تقدم في قوله إلى المرافق. واختلف ~~اللغويون في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل. ~~وهذان هما حد الوضوء بإجماع فيما علمت، واختلف هل يدخلان في الغسل أم لا ~~كما تقدم في المرفق. وقال قوم الكعب هو العظم الناتئ في وجه القدم حيث ~~يجتمع شراك ms0968 النعل. # قال القاضي أبو محمد: ولا أعلم أحدا جعل حد الوضوء إلى هذا ولكن عبد ~~الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإبهام. قال الشافعي رحمه ~~الله لم أعلم مخالفا في أن الكعبين هما العظمان في مجمع مفصل الساق، وروى ~~الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال: الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما ~~العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب وليس الكعب بالظاهر في وجه ~~القدم. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر ذلك من الآية من قوله في الأيدي إلى المرافق ~~أي في كل يد مرفق ولو كان كذلك في الأرجل لقيل إلى الكعوب فلما كان في كل ~~رجل كعبان خصا بالذكر، وألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء واختلف ~~العلماء في ذلك فقال ابن أبي سلمة وابن وهب ذلك من فروض الوضوء في الذكر ~~والنسيان، وقال ابن عبد الحكم ليس بفرض مع الذكر، وقال مالك هو فرض مع ~~الذكر ساقط مع النسيان، وكذلك تتضمن ألفاظ الآية الترتيب واختلف فيه فقال ~~الأبهري الترتيب سنة، وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي مجزىء، واختلف في ~~العامد فقيل: يجزىء ويرتب في المستقبل، وقال أبو بكر القاضي وغيره: لا ~~يجزىء لأنه عابث. # وقوله تعالى: وإن كنتم جنبا الجنب مأخوذ من الجنب لأنه يمس جنبه جنب ~~امرأة في الأغلب، ومن المجاورة والقرب قيل والجار الجنب [النساء: 36] ، ~~ويحتمل الجنب أن يكون من البعد إذ البعد جنابة ومنه تجنبت الشيء إذا بعدت ~~عنه، فكأنه جانب الطهارة وعلى هذا يحتمل أن يكون الجار الجنب [النساء: 36] ~~هو البعيد الجوار ويكون مقابلا للصاحب بالجنب و «اطهروا» أمر بالاغتسال ~~بالماء، ولذلك رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن مسعود وغيرهما أن الجنب ~~لا يتيمم البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء، وقال جمهور الناس: بل هذه ~~العبارة هي لواجد الماء، وقد ذكر الجنب أيضا بعد في أحكام عادم الماء بقوله ~~تعالى: أو لامستم النساء إذ الملامسة هنا الجماع، والطهور بالماء صفته أن ~~يعم الجسد بالماء وتمر اليد مع ذلك عليه، هذا هو ms0969 مشهور المذهب، وروى محمد ~~بن مروان الظاهري وغيره عن مالك أنه يجزىء في غسل الجنابة أن ينغمس الرجل ~~في الماء دون تدلك، وقد تقدم في سورة النساء تفسير قوله عز وجل: وإن كنتم ~~مرضى إلى قوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وقراءة من قرأ «من ~~الغيط» . # وقوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج الإرادة صفة ذات وجاء ~~الفعل مستقبلا مراعاة PageV02P164 # للحوادث التي تظهر عن الإرادة فإنها تجيء مؤتنفة من تطهير المؤمنين ~~وإتمام النعم عليهم، وتعدية أراد وما تصرف منه بهذه اللام عرف في كلام ~~العرب، ومنه قول الشاعر: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل # قال سيبويه وسألته رحمه الله عن هذا فقال، المعنى إرادتي لأنسى، ومن ذلك ~~قول قيس بن سعد: # أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود # ويحتمل أن يكون في الكلام مفعول محذوف تتعلق به اللام وما قال الخليل ~~لسيبويه أخصر وأحسن، ويعترض هذا الاحتمال في المفعول المحذوف بأن من تصير ~~زائدة في الواجب وينفصل بأن قوة النفي الذي في صدر الكلام يشفع لزيادة من ~~وإن لم يكن النفي واقعا على الفعل الواقع على الحرج، ولهذا نظائر، والحرج ~~الضيق، والحرجة الشجر الملتف المتضايق، ومنه قيل يوم بدر في أبي جهل إنه ~~كان في مثل الحرج من الرماح ويجري مع معنى هذه الآية قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم «دين الله يسر» وقوله «بعثت بالحنيفية السمحة» . وجاء لفظ الآية ~~على العموم والشيء المذكور بقرب هو أمر التيمم والرخصة فيه وزوال الحرج في ~~تحمل الماء أبدا ولذلك قال أسيد: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. # وقوله تعالى: ولكن يريد ليطهركم الآية، إعلام بما لا يوازى بشكر من عظيم ~~تفضله تبارك وتعالى، ولعلكم: ترج في حق البشر، وقرأ سعيد بن المسيب ~~«يطهركم» بسكون الطاء وتخفيف الهاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 7 الى 8] # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم ms0970 بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) # الخطاب بقوله: واذكروا إلى آخر الآية هو للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ونعمة الله اسم جنس يجمع الإسلام وجمع الكلمة وعزة الحياة وغنى المال ~~وحسن المآل، هذه كلها نعم هذه الملة، والميثاق المذكور هو ما وقع للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في بيعات العقبة وبيعة الرضوان وكل موطن قال الناس فيه ~~سمعنا وأطعنا هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة من المفسرين. وقال مجاهد: ~~الميثاق المذكور هو المأخوذ على النسم حين استخرجوا من ظهر آدم، والقول ~~الأول أرجح وأليق بنمط الكلام. # ثم أمر تعالى المؤمنين بالقيام دأبا متكررا بالقسط وهو العدل، وقد تقدم ~~نظير هذا في سورة النساء وتقدم في صدر هذه السورة نظير قوله: ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم [المائدة: 2] وباقي الآية بين متكرر والله المعين. PageV02P165 # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 9 الى 11] # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم وبالجنة فهي الأجر العظيم، ووعد ~~يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، وكذلك هو في هذه الآية، ~~فالمفعول الثاني مقدر يفسره ويدل عليه قوله تعالى: لهم مغفرة ثم عقب تعالى ~~بذكر حال الكفار ليبين الفرق. # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمته، والنعمة هي العاملة في إذ وهي نعمة مخصوصة، وهم الرجل بالشيء إذا ~~أراد فعله، ومنه قول الشاعر: # هل ينفعنك اليوم أن همت بهم ... كثرة ما توصي وتعقاد الرتم # ومنه قول الآخر: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله # واختلف الناس في سبب هذه الآية وما النازلة التي ms0971 وقع فيها الهم ببسط اليد ~~والكف من الله تعالى؟ # فقال الجمهور: إن سبب هذه الآية أنه لما قتل أهل بئر معونة نجا من القوم ~~عمرو بن أمية الضمري ورجل آخر معه، فلقيا بقرب المدينة رجلين من سليم قد ~~كانا أخذا عهدا من النبي صلى الله عليه وسلم وانصرفا، فسألهما عمرو ممن ~~أنتما؟ فانتسبا إلى بني عامر بن الطفيل وهو كان الجاني على المسلمين في بئر ~~معونة، فقتلهما عمرو وصاحبه وأتيا بسلبهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~لقد قتلتما قتيلين لأدينهما ثم شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع ~~الدية فذهب يوما إلى بني النضير يستعينهم في الدية ومعه أبو بكر وعمر وعلي. ~~فكلمهم فقالوا: نعم يا أبا القاسم انزل حتى نصنع لك طعاما وننظر في معونتك، ~~فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل جدار فتآمروا بينهم في قتله، ~~وقالوا ما ظفرتم بمحمد قط أقرب مراما منه اليوم، فقال بعضهم لبعض من رجل ~~يظهر على الحائط فيصب عليه حجرا يشدخه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش فيما روي، ~~وجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله من المكان ~~وتوجه إلى المدينة ونزلت الآية في ذلك، وفي الخبر زوائد لا تخص الآية وقد ~~ذكره ابن إسحاق وغيره، وهذا القول يترجح بما يأتي بعد من الآيات في وصف غدر ~~بني إسرائيل ونقضهم المواثيق، وقالت جماعة من العلماء: سبب الآية فعل ~~الأعرابي في غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني محارب ~~بن خصفة بن قيس بن عيلان، وذلك أنه نزل بواد كثير العضاه، فتفرق الناس في ~~الظلال وتركت للنبي صلى الله عليه وسلم شجرة ظليلة، فعلق سيفه بها ونام ~~فجاء رجل PageV02P166 # من محارب فاخترط السيف فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم والسيف صلت في ~~يده، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أتخافني؟ فقال لا، فقال له ومن يمنعك ~~مني، فقال: الله، فشام السيف في غمده وجلس، وفي البخاري أن النبي صلى الله ~~عليه ms0972 وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يعاقبه، وذكر الواقدي وابن أبي حاتم عن أبيه أنه أسلم، وذكر قوم أنه ضرب ~~برأسه في ساق الشجرة حتى مات، فنزلت الآية بسبب ذلك، وفي البخاري في غزوة ~~ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث بالغين منقوطة، وحكى بعض الناس أن ~~اسمه دعثور بن الحارث وحكى الطبري أن الآية نزلت بسبب قوم من اليهود أرادوا ~~قتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام، فأشعره الله بذلك، ثم أدخل الطبري ~~تحت هذه الترجمة عن ابن عباس خلاف ما ترجم به من أن قوما من اليهود صنعوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام. # قال القاضي أبو محمد: فيشبه أن ابن عباس إنما وصف قصة بني النضير ~~المتقدمة، وقال قتادة: سبب الآية ما همت به محارب وبنو ثعلبة يوم ذات ~~الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر، فأشعره الله تعالى بذلك ونزلت ~~صلاة الخوف، فذلك كف أيديهم عن المسلمين، وحكى ابن فورك عن الحسن بن أبي ~~الحسن أن الآية نزلت بسبب أن قريشا بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ~~ليغتاله ويقتله. # فأطلعه الله تعالى على ذلك وكفاه شره. # قال القاضي أبو محمد: والمحفوظ في هذا هو نهوض عمير بن وهب لهذا المعنى ~~بعد اتفاقه على ذلك مع صفوان بن أمية والحديث بكماله في سيرة ابن هشام، ~~وذكر قوم من المفسرين وأشار إليه الزجاج أن الآية نزلت في قوله تعالى: ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم [المائدة: 3] فكأنه تعالى عدد على المؤمنين ~~نعمه في أن أظهرهم وكف بذلك أيدي الكفار عنهم التي كانوا هموا ببسطها إلى ~~المؤمنين. # قال القاضي أبو محمد: ويحسن على هذا القول أن تكون الآية نزلت عقب غزوة ~~الخندق وحين هزم الله الأحزاب وكفى الله المؤمنين القتال، وباقي الآية أمر ~~بالتقوى والتوكل. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 12] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر ms0973 نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) # هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية ~~المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في أمر بني النضير، واختلف المفسرون في ~~كيفية بعثة هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم القائم ~~بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها، والنقاب الرجل العظيم الذي هو في ~~الناس PageV02P167 # كلهم على هذه الطريقة ومنه قيل في عمر: إنه كان لنقابا، فالنقباء قوم ~~كبار من كل سبط تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ونحو هذا كان النقباء ليلة ~~بيعة العقبة مع محمد صلى الله عليه وسلم، وهي العقبة الثالثة بايع فيها ~~سبعون رجلا وامرأتان فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني ~~عشر رجلا وسماهم النقباء، وقال الربيع والسدي وغيرهما إنما بعث النقباء من ~~بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم فساروا ~~حتى لقيهم رجل من الجبارين فأخذهم جميعا فجعلهم في حجزته. # قال القاضي أبو محمد: في قصص طويل ضعيف مقتضاه أنهم اطلعوا من الجبارين ~~على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بهم فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك ~~عن بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى عليه السلام ليرى فيه أمر ربه فلما ~~انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ومن وثقوه على سرهم ~~ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل وقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون، وأسند الطبري عن ابن عباس قال: النقباء من بني إسرائيل بعثهم ~~موسى لينظروا إلى مدينة الجبارين فذهبوا ونظروا فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر ~~رجل فقالوا: اقدروا قدر قوة قوم هذه فاكهتهم فكان ذلك سبب فتنة بني إسرائيل ~~ونكولهم، وذكر النقاش أن معنى قوله تعالى: وبعثنا ms0974 منهم اثني عشر نقيبا أي ~~ملكا وأن الآية تعديد نعمة الله عليهم في أن بعث لإصلاحهم هذا العدد من ~~الملوك قال فما وفى منهم إلا خمسة داود عليه السلام وابنه سليمان وطالوت ~~وحزقيا وابنه وكفر السبعة وبدلوا وقتلوا الأنبياء وخرج خلال الاثني عشر ~~اثنان وثلاثون جبارا كلهم يأخذ الملك بالسيف ويعيث فيهم والضمير في معكم ~~لبني إسرائيل جميعا ولهم كانت هذه المقالة وقال الربيع: بل الضمير للاثني ~~عشر ولهم كانت هذه المقالة. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أرجح ومعكم معناه بنصري وحياطتي ~~وتأييدي واللام في قوله لئن هي المؤذنة بمجيء لام القسم ولام القسم هي قوله ~~لأكفرن والدليل على أن هذه اللام إنما هي مؤذنة أنها قد يستغنى عنها أحيانا ~~ويتم الكلام دونها ولو كانت لام القسم لن يترتب ذلك، وإقامة الصلاة توفية ~~شروطها والزكاة هنا شيء من المال كان مفروضا فيما قال بعض المفسرين ويحتمل ~~أن يكون المعنى وأعطيتم من أنفسكم كل ما فيه زكاة لكم حسبما ندبتم إليه ~~وقدم هذه على الإيمان تشريفا للصلاة والزكاة وإذ قد علم وتقرر أنه لا ينفع ~~عمل إلا بإيمان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «برسلي» ساكنة السين في كل ~~القرآن. وعزرتموهم معناه وقرتموهم وعظمتموهم ونصرتموهم ومنه قول الشاعر: # وكم من ماجد لهم كريم ... ومن ليث يعزر في الندى # وقرأ عاصم الجحدري «وعزرتموهم» خفيفة الزاي حيث وقع وقرأ في سورة الفتح ~~«وتعزوه» بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي، وقد تقدم في سورة البقرة تفسير ~~الإقراض، وتكفير السيئات تغطيتها بالمحو والإذهاب فهي استعارة وسواء السبيل ~~وسطه ومنه سواء الجحيم [الصافات: 55] ومنه قول الأعرابي قد انقطع سوائي، ~~وأوساط الطرق هي المعظم اللاحب منها، وسائر ما في الآية بين والله ~~المستعان. PageV02P168 # قوله تعالى: ### || [سورة المائدة (5) : آية 13] # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) # يحتمل أن تكون «ما» زائدة والتقدير «فبنقضهم» ms0975 ويحتمل أن تكون اسما نكرة ~~أبدل منه النقض على بدل المعرفة من النكرة التقدير فبفعل هو نقضهم للميثاق ~~وهذا هو المعنى في هذا التأويل، وقد تقدم في النساء نظير هذا ولعناهم معناه ~~بعدناهم من الخير أجمعه وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ~~«قاسية» بالألف وقرأ حمزة والكسائي «قسية» دون ألف وزنها فعيلة فحجة الأولى ~~قوله تعالى: فويل للقاسية قلوبهم وقوله: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك [البقرة: ~~74] والقسوة غلظ القلب ونبوه عن الرقة والموعظة وصلابته حتى لا ينفعل لخير ~~ومن قرأ قسية فهو من هذا المعنى فعيلة بمعنى فاعلة كشاهد وشهيد وغير ذلك من ~~الأمثلة، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا «قسية» ليست من معنى القسوة وإنما ~~هي كالقسي من الدراهم وهي التي خالطها غش وتدليس فكذا القلوب لم تصف ~~للإيمان بل خالطها الكفر والفساد ومن ذلك قول أبي زبيد: # لها صواهل في صم السلام كما ... صاح القسيات في أيدي الصياريف # ومنه قول الآخر: # فما زوداني غير سحق عمامة ... وخمس مئي منها قسي وزائف # قال أبو علي: هذه اللفظة معربة وليست بأصل في كلام العرب، واختلف العلماء ~~في معنى قوله: # يحرفون الكلم فقال قوم منهم ابن عباس، تحريفهم هو بالتأويل ولا قدرة لهم ~~على تبديل الألفاظ في التوراة ولا يتمكن لهم ذلك ويدل على ذلك بقاء آية ~~الرجم واحتياجهم إلى أن يضع القارئ يده عليها، وقالت فرقة: بل حرفوا الكلام ~~وبدلوه أيضا وفعلوا الأمرين جميعا بحسب ما أمكنهم. # قال القاضي أبو محمد: وألفاظ القرآن تحتمل المعنيين فقوله تعالى: فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم [البقرة: 79] يقتضي التبديل. ولا شك أنهم ~~فعلوا الأمرين. وقرأ جمهور الناس «الكلم» بفتح الكاف وكسر اللام وقرأ أبو ~~عبد الرحمن وإبراهيم النخعي «الكلام» بالألف، وقرأ أبو رجاء. «الكلم» بكسر ~~الكاف وسكون اللام، وقوله تعالى: ونسوا حظا مما ذكروا به نص على سوء فعلهم ~~بأنفسهم أي قد كان لهم حظ عظيم فيما ذكروا به فنسوه وتركوه، ثم أخبر تعالى ~~نبيه عليه السلام أنه لا يزال ms0976 في مؤتنف الزمان يطلع على خائنة منهم وغائلة ~~وأمور فاسدة، واختلف الناس في معنى خائنة في هذا الموضع فقالت فرقة خائنة ~~مصدر كالعاقبة وكقوله تعالى: فأهلكوا بالطاغية [الحاقة: 5] فالمعنى على ~~خيانة، وقال آخرون معناه على فرقة خائنة فهي اسم فاعل صفة المؤنث، وقال ~~آخرون المعنى على خائن فزيدت الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة ومنه قول ~~الشاعر: PageV02P169 # حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغل الإصبع # وقرأ الأعمش: «على خيانة منهم» ، ثم استثنى تبارك وتعالى منهم القليل ~~فيحتمل أن يكون الاستثناء في الأشخاص، ويحتمل أن يكون في الأفعال، وقوله ~~تعالى: فاعف عنهم واصفح منسوخ بما في براءة من الأمر بقتالهم حتى يؤدوا ~~الجزية وباقي الآية وعد على الإحسان. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 14 الى 15] # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~(14) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) # من متعلقة ب أخذنا التقدير: وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، ~~ويحتمل أن يكون قوله ومن معطوفا على قوله خائنة منهم [المائدة: 13] ، ويكون ~~قوله أخذنا ميثاقهم ابتداء خبر عنهم. والأول أرجح. وعلق كونهم نصارى بقولهم ~~ودعواهم، من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين الله، وسموا به أنفسهم دون ~~استحقاق ولا مشابهة بين فعلهم وقولهم، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم مزحزحة ~~عن طريق نصر دين الله وأنبيائه، وقوله تعالى: فأغرينا بينهم معناه أثبتناها ~~بينهم وألصقناها، والإغراء مأخوذ من الغراء الذي يلصق به، والضمير في بينهم ~~يحتمل أن يعود على اليهود والنصارى لأن العداوة بينهم، موجودة مستمرة، ~~ويحتمل أن يعود على النصارى فقط لأنها أمة متقاتلة بينها الفتن إلى يوم ~~القيامة، ثم توعدهم الله تعالى بعقاب الآخرة إذ أنباؤهم بصنعهم إنما هو ~~تقرير وتوبيخ للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار. # وقوله تعالى: يا أهل ms0977 الكتاب لفظ يعم اليهود والنصارى ولكن نوازل الإخفاء ~~كالرحم وغيره إنما حفظت لليهود، لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مهاجره، وقال محمد بن كعب القرظي: أول ما نزل من هذه السورة ~~هاتان الآيتان في شأن اليهود والنصارى، ثم نزل سائر السورة بعرفة في حجة ~~الوداع وقوله: رسولنا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وفي الآية الدلالة ~~على صحة نبوته. لأن إعلامه بخفي ما في كتبهم وهو أمي لا يقرأ ولا يصحب ~~القراءة دليل على أن ذلك إنما يأتيه من عند الله تبارك وتعالى، وأشهر ~~النوازل التي أخفوها فأظهرها الله على لسان نبيه أمر الرجم، وحديثه مشهور. ~~ومن ذلك صفات محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. ومن الكتاب يعني من ~~التوراة وقوله: ويعفوا عن كثير معناه ويترك كثيرا لا يفضحكم فيه إبقاء ~~عليكم. وهذا المتروك هو في معنى افتخارهم ووصفهم أيام الله قبلهم ونحو ذلك ~~مما لا يتعين في ملة الإسلام فضحهم فيه وتكذيبهم، والفاعل في يعفو هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يستند الفعل إلى الله تعالى وإذا كان العفو ~~من النبي عليه السلام فبأمر ربه، وإن كان من الله تعالى فعلى لسان نبيه ~~عليه السلام، والاحتمالان قريب بعضهما من بعض. PageV02P170 # قوله عز وجل: نور وكتاب مبين يحتمل أن يريد محمدا صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل أن يريد موسى عليه السلام والتوراة، ~~أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، إذ هي آمرة بذلك مبشرة به قوله ~~عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 16 الى 17] # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ~~ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ~~والله على كل شيء قدير (17) # وقرأ عبيد بن ms0978 عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب «به الله» بضم ~~الهاء حيث وقع مثله، واتبع رضوانه معناه بالتكسب والنية والإقبال عليه، ~~والسبل الطرق، والقراءة في «رضوان» بضم الراء وبكسرها وهما لغتان، وقد تقدم ~~ذكر ذلك وقرأ ابن شهاب والحسن بن أبي الحسن «سبل» ساكنة الباء. والسلام في ~~هذه الآية يحتمل أن يكون اسما من أسماء الله تعالى، فالمعنى طرق الله تعالى ~~التي أمر بها عباده وشرعها لهم، ويحتمل أن يكون مصدرا كالسلامة فالمعنى طرق ~~النجاة والسلامة من النار. وقوله تعالى: ويخرجهم يعني المتبعين الرضوان، ~~فالضمير على معنى من لا على لفظها، والظلمات الكفر، والنور الإيمان، وقوله ~~تعالى: بإذنه أي يمكنهم من أقوال الإيمان وأفعاله، ويعلم فعلهم لذلك ~~والتزامهم إياه، فهذا هو حد الإذن، العلم بالشيء والتمكين منه، وقد تقدم ~~شرحه في سورة البقرة والصراط المستقيم هو دين الله وتوحيده وما تركب عليه ~~من شرعه. # ثم أخبر تعالى بكفر النصارى القائلين بأن الله هو المسيح، وهذه فرقة من ~~النصارى وكل فرقهم على اختلاف أقوالهم يجعل للمسيح عليه السلام حظا من ~~الألوهية، وقد تقدم القول في لفظ المسيح في سورة آل عمران، ثم رد عليهم ~~تعالى قوله لنبيه: قل فمن يملك من الله شيئا أي لا مالك ولا راد لإرادة ~~الله تعالى في المسيح ولا في غيره فهذا مما تقضي العقول معه أن من تنفذ ~~الإرادة فيه ليس بإله، ثم قرر تعالى ملكه في السموات والأرض وما بينهما ~~فحصل المسيح عليه السلام أقل أجزاء ملك الله تعالى، وقوله تعالى: يخلق ما ~~يشاء إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعا كآدم عليه ~~السلام، وقد تقدم في آل عمران الفرق بين قوله تعالى في قصة زكرياء يفعل ما ~~يشاء [آل عمران: 40] وفي قصة مريم يخلق ما يشاء وقوله تعالى: والله على كل ~~شيء قدير عموم معناه الخصوص في ما عدا الذات والصفات والمحالات، والشيء في ~~اللغة هو الموجود. PageV02P171 # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 18 الى 19] # وقالت اليهود ms0979 والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على ~~فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ~~والله على كل شيء قدير (19) # في الكلام لف وإيجاز يحال المستمع على تفريقه بذهنه وذلك أن ظاهر اللفظ ~~يقتضي أن جميع اليهود والنصارى يقولون عن جميعهم: نحن أبناء الله وأحباؤه ~~وليس الأمر كذلك بل كل فرقة تقول خاصة نحن أبناء الله وأحباؤه. والبنوة في ~~قولهم هذا بنوة الحنان والرأفة. وذكروا أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن ~~أول أولادك بكري فضلوا بذلك. وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ولو صح ما رووا ~~لكان معناه بكرا في التشريف أو النبوة ونحوه، وأحباء جمع حبيب، وكانت هذه ~~المقالة منهم عند ما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وخوفهم ~~العذاب، فقالوا نحن لا نخاف ما تقول لأننا أبناء الله وأحباؤه وذكر ذلك ابن ~~عباس، وقد كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن نحن ندخل ~~النار فنقيم بها أربعين يوما ثم تخلفوننا فيها، فرد الله عليهم بقولهم فقال ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل فلم يعذبكم بذنوبكم أي لو كانت منزلتكم فوق ~~منازل البشر لما عذبكم وأنتم قد أقررتم أنه يعذبكم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على أن التعذيب هو بنار الآخرة، ~~وقد تحتمل الآية أن يكون المراد ما كان الله تعالى «يعذبهم» به في الدنيا. ~~وذلك أن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب الرجل منهم خطيئة أصبح مكتوبا على بابه ~~ذكر ذنبه وذكر عقوبته فينفذ ذلك عليه فهذا تعذيب في الدنيا على الذنوب ~~ينافي أنهم أبناء وأحباء. ثم ترك الكلام الأول وأضرب عنه غيره مفسد له ودخل ~~في غيره من تقرير كونهم بشرا كسائر الناس، والخلق أكرمهم أتقاهم، يهدي من ~~يشاء للإيمان فيغفر ms0980 له ويورط من يشاء في الكفر فيعذبه، وله ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما، فله بحق الملك أن يفعل ما شاء لا معقب لحكمه وإليه مصير ~~العالم بالحشر والمعاد. # وقوله تعالى: يا أهل الكتاب خطاب لليهود والنصارى، والرسول في قوله: ~~رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: على فترة من الرسل، أي على انقطاع ~~من مجيئهم مدة ما، والفترة سكون بعد حركة في جرم، ويستعار ذلك في المعاني، ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لكل عمل شدة، ولكل شدة فترة» ، وقال ~~الشاعر: # وإني لتعروني لذكراك فترة # معناه سكون بعد اضطراب، واختلف الناس في قدر الفترة التي كانت بين عيسى ~~ومحمد صلى الله عليهما فقال قتادة خمسمائة عام وستون عاما. وقال الضحاك ~~أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة وفي PageV02P172 # الصحيح أن الفترة بينهما ستمائة سنة. وهذه الآية نزلت بسبب قول اليهود: ~~ما أنزل الله على بشر بعد موسى من شيء، قاله ابن عباس، وقوله تعالى: أن ~~تقولوا مفعول من أجله، المعنى حذار أن تقولوا محتجين يوم القيامة: ما جاءنا ~~من بشير ولا نذير فقد جاءكم وقامت الحجة عليكم، والله على كل شيء قدير فهو ~~الهادي والمضل والمنعم والمعذب لا رب غيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 22] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) ~~قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون (22) # المعنى واذكر لهم يا محمد على جهة إعلامهم بغير كتبهم ليتحققوا نبوتك ~~وينتظم في ذلك نعم الله عليهم وتلقيهم تلك النعم بالكفر وقلة الطاعة ~~والإنابة. وقرأ ابن محيصن «يا قوم» بالرفع وكذلك حيث وقع من القرآن. وروي ~~ذلك عن ابن كثير، ونعمت الله هنا اسم الجنس، ثم عدد عيون تلك النعم، ~~والأنبياء الذين جعل فيهم أمرهم ms0981 مشهور من لدن إسرائيل إلى زمان عيسى عليه ~~السلام والأنبياء حاطة ومنقذون من النار وشرف في الدنيا والآخرة. وقوله: ~~وجعلكم ملوكا يحتمل معاني أحدها أن يعدد عليهم ملك من ملك من بني إسرائيل ~~لأن الملوك شرف في الدنيا وحاطة من نوائبها، والمعنى الآخر: أن يريد ~~استنقذكم من القبط الذين كانوا يستخدمونكم فصرتم أحرارا تملكون ولا تملكون، ~~فهم ملوك بهذا الوجه وبنحو هذا فسر السدي وغيره. وقال قتادة إنما قال: ~~وجعلكم ملوكا لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدمه أحد من بني آدم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن القبط كانوا يستخدمون بني إسرائيل. ~~وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا، وإنما اختلفت ~~الأمم في معنى التملك فقط. وقال عبد الله ابن عمرو بن العاصي والحسن بن أبي ~~الحسن وجماعة من أهل العلم من كان له مسكن وامرأة وخادم فهو ملك، وقيل من ~~له مسكن لا يدخل عليه فيه إلا بإذن فهو ملك، وقوله تعالى: وآتاكم ما لم يؤت ~~أحدا من العالمين قال فيه أبو مالك وسعيد بن جبير: الخطاب لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وهذا ضعيف، وقال جمهور المفسرين الخطاب هو من موسى عليه ~~السلام لقومه، ثم اختلف المفسرون ماذا الذي أوتوا ولم يؤت أحد مثله؟ فقال ~~مجاهد، المن والسلوى والحجر والغمام، وقال غيره: كثرة الأنبياء. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا في كثرة الأنبياء فالعالمون على العموم ~~والإطلاق، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى فالعالمون مقيدون بالزمان ~~الذي كانوا فيه، لأن أمة محمد قد أوتيت من آيات محمد عليه السلام أكثر من ~~ذلك، قد ظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغمامة قبل مبعثه، وكلمته ~~الحجارة والبهائم، وأقبلت إليه الشجرة وحن الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه ~~وشبع كثير من الناس من PageV02P173 # قليل الطعام ببركته، وانشق له القمر، وعاد العود سيفا، ورجع الحجر ~~المعترض في الخندق رملا مهيلا. # قال القاضي أبو محمد: وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى يتعزز ~~ويأخذ ms0982 الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع ~~شأنه، والمقدسة معناه المطهرة، وقال مجاهد: المباركة. # قال القاضي أبو محمد: والبركة تطهير من القحوط والجوع ونحوه. واختلف ~~الناس في تعيينها، فقال ابن عباس ومجاهد هي الطور وما حوله، وقال قتادة: هي ~~الشام، وقال ابن زيد: هي أريحا وقاله السدي وابن عباس أيضا، وقال قوم: هي ~~الغوطة وفلسطين وبعض الأردن، قال الطبري: ولا يختلف أنها بين الفرات وعريش ~~مصر. # قال القاضي أبو محمد: وتظاهرت الروايات أن دمشق هي قاعدة الجبارين، ~~وقوله: «التي كتاب الله لكم» معناه التي «كتب الله» في قضائه وقدره أنها ~~لكم ترثونها وتسكنونها مالكين لها، ولكن فتنتكم في دخولها بفرض قتال من ~~فيها عليكم تمحيصا وتجربة، ثم حذرهم موسى عليه السلام الارتداد على ~~الأدبار، وذلك الرجوع القهقهرى، ويحتمل أن يكون تولية الدبر والرجوع في ~~الطريق الذي جيء منه، والخاسر: # الذي قد نقص حظه. # ثم ذكر عز وجل عن بني إسرائيل أنهم تعنتوا ونكصوا فقالوا إن فيها قوما ~~جبارين. والجبار فعال من الجبر كأنه لقوته وغشمه وبطشه يجبر الناس على ~~إرادته، والنخلة الجبارة العالية التي لا تنال بيد، وكان من خبر الجبارين ~~أنهم كانوا أهل قوة فلما بعث «موسى» الاثني عشر نقيبا مطلعين على أمر ~~الجبارين وأحوالهم رأوا لهم قوة وبطشا وتخيلوا أن لا طاقة لهم بهم فجاؤوا ~~بني إسرائيل ونقضوا العهد في أن أخبروهم بحال ال جبارين حسبما قدمناه في ~~ذكر بعث النقباء، ولم يف منهم إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، ثم إن بني ~~إسرائيل كعوا وجبنوا وقالوا: كوننا عبيدا للقبط أسهل من قتال هؤلاء، وهم ~~كثير منهم أن يقدموا رجلا على أنفسهم ويصير بهتم إلى أرض مصر مرتدين على ~~الأعقاب، ونسوا أن الله تعالى إذا أيد الضعيف غلب القوي وأخبروا «موسى» ~~أنهم لن يدخلوا الأرض ما دام الجبارون فيها، وطلبوا منه أن يخرج الله ~~الجبارين بجند من عنده وحينئذ يدخل بنو إسرائيل. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 23 الى 26] ms0983 # قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى ~~إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ~~(24) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ~~(25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) # قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «يخافون» بضم الياء. وقرأ الجمهور ~~«يخافون» بفتح الياء، PageV02P174 # وقال أكثر المفسرين: الرجلان يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وكالب بن ~~يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، ~~وهو صهر «موسى» على أخته، قال الطبري: اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى ~~يخافون أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، ~~وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن أنعم الله عليهما بالإيمان والثبوت مع ~~خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود: «قال رجلان من الذين ~~يخافون الله أنعم عليهما» . وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، ~~أحدها ما روي من أن الرجلين كانا من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من ~~القوم الذين يخافون لكن أنعم الله عليهما بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم ~~بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع ~~كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم. فهم «يخافون» بهذا الوجه. # والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين يخافون بأوامر ~~الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحا لهم على نحو المدح في قوله ~~تعالى: أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى [الحجرات: 3] وقوله تعالى: ~~أنعم الله عليهما صفة للرجلين، والباب هو باب مدينة الجبارين فيما ذكر ~~المفسرون والمعنى اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب، وقوله: فإنكم غالبون ~~ظن منهما ورجاء وقياس أي إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم ~~فتغلبونهم، وفي قراءة ابن مسعود «عليهما ويلكم ادخلوا» . وقولهما: وعلى ~~الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين يقتضي ms0984 أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم ~~يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر. # ثم إن بني إسرائيل لجوا في عصيانهم وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس ~~الذين خوفوهم أمر الجبارين ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم فصمموا على ~~خلاف أمر الله تعالى: وقالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون وهذه عبارة تقتضي كفرا، وذهب بعض ~~الناس إلى أن المعنى اذهب أنت وربك يعينك وأن الكلام معصية لا كفر. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقولهم فقاتلا يقطع بهذا التأويل، ~~وذكر النقاش عن بعض المفسرين أن المراد بالرب هنا هارون لأنه كان اسن من ~~«موسى» وكان معظما في بني إسرائيل محببا لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا ~~اذهب أنت وكبيرك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيرا لموسى ~~وتابعا له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر، وذكر ~~الطبري عن قتادة أنه قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزم ~~على قتال قريش في عام الحديبية، جمع العسكر وكلم الناس في ذلك فقال له ~~المقداد بن الأسود: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل «اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هنا قاعدون» . # لكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. وذكر النقاش أن ~~الأنصار قالت هذه المقالة للنبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وجميع هذا وهم، غلط قتادة رحمه الله في وقت ~~النازلة، وغلط النقاش في قائل المقالة، والكلام إنما وقع في غزوة بدر حين ~~نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذفران فكلم الناس PageV02P175 # وقال لهم: أشيروا علي أيها الناس، فقال له المقداد هذه المقالة في كلام ~~طويل، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ثم تكلم من الأنصار سعد بن معاذ بنحو هذا ~~المعنى ولكن سبقه المقداد إلى التمثيل بالآية. # قال القاضي أبو محمد: وتمثل المقداد بها وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم ~~لذلك يقتضي أن الرب ms0985 إنما أريد به الله تعالى، ويونس أيضا في إيمان بني ~~إسرائيل، لأن المقداد قد قال: اذهب أنت وربك فقاتلا، وليس لكلامه معنى إلا ~~أن الله تعالى يعينك ويقاتل معك ملائكته ونصره فعسى أن بني إسرائيل أرادت ~~ذلك، أي اذهب أنت ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئذ ندخلها، لكن ~~قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها، وحسنت عبارة المقداد لاقتران الطاعة ~~والإقدام بها. # ولما سمع موسى عليه السلام قولهم ورأى عصيانهم تبرأ إلى الله تعالى منهم، ~~وقال داعيا عليهم: # رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي يعني هارون، وقوله: وأخي يحتمل أن يكون ~~إعرابه رفعا إما على الابتداء والتقدير وأخي لا يملك إلا نفسه، وإما على ~~العطف على الضمير الذي في أملك تقديره لا أملك أنا، ويحتمل أن يكون إعرابه ~~نصبا على العطف على نفسي، وذلك لأن هارون كان يطيع «موسى» فلذلك أخبر أنه ~~يملكه، وقرأ الحسن «إلا نفسي وأخي» بفتح الياء فيهما، وقوله: فافرق بيننا ~~دعاء حرج، قال السدي، هي عجلة عجلها موسى عليه السلام، وقال ابن عباس ~~والضحاك وغيرهما: المعنى افصل بيننا وبينهم بحكم وافتح، فالمعنى احكم بحكم ~~يفرق هذا الاختلاف ويلم الشعث. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فليس في الدعاء عجلة، وقال قوم: ~~المعنى «فافرق بيننا وبينهم» في الآخرة حتى تكون منزلة المطيع مفارقة ~~لمنزلة العاصي الفاسق، ويحتمل الدعاء أن يكون معناه: «فرق بيننا وبينهم» ~~بمعنى أن يقول فقدنا وجوههم «وفرق بيننا وبينهم» حتى لا نشقى بفسقهم، وبهذا ~~الوجه تجيء العجلة في الدعاء، وقرأ عبيد بن عمير «فافرق» بكسر الراء. # قال فإنها محرمة المعنى قال الله، وأضمر الفاعل في هذه الأفعال كلها ~~إيجازا لدلالة معنى الكلام على المراد، وحرم الله تعالى على جميع بني ~~إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنة وتركهم خلالها يتيهون في الأرض أي في ~~أرض تلك النازلة، وهو فحص التيه وهو على ما يحكى طول ثمانين ميلا في عرض ~~ستة فراسخ، وهو ما بين مصر والشام، ويروى أنه اتفق أنه مات كل من كان ms0986 قال ~~إنا لن ندخلها أبدا، ولم يدخل المدينة أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالوث، ~~ويروى أن هارون عليه السلام مات في فحص التيه في خلال هذه المدة ولم يختلف ~~فيها، وروي أن «موسى» عليه السلام مات فيه بعد هارون بثمانية أعوام، وقيل ~~بستة أشهر ونصف، وأن يوشع نبىء بعد كمال «الأربعين سنة» . وخرج ببني ~~إسرائيل وقاتل الجبارين وفتح المدينة، وفي تلك الحرب وقفت له الشمس ساعة ~~حتى استمر هزم الجبارين، وروي أن «موسى» عليه السلام عاش حتى كملت الأربعون ~~وخرج بالناس وحارب الجبارين ويوشع وكالب على مقدمته، وأنه فتح المدينة وقتل ~~بيده عوج بن عناق، يقال كان في طول «موسى» عشرة أذرع وفي طول عصاه عشرة ~~أذرع، ونزل من الأرض في السماء عشرة أذرع. وحينئذ لحق كعب عوج فضربه بعصاه ~~في كعبه فخر صريعا، ويروى أن عوجا اقتلع صخرة ليطرحها على عسكر بني إسرائيل ~~فبعث الله هدهدا بحجر الماس PageV02P176 # فأداره على الصخرة فتقورت ودخلت في عنق عوج، وضربه «موسى» فمات، وحكى ~~الطبري أن طول عوج ثمانمائة ذراع، وحكي عن ابن عباس أنه قال لما خر كان ~~جسرا على النيل سنة. # قال القاضي أبو محمد: والنيل ليس في تلك الأقطار وهذا كله ضعيف والله ~~أعلم، وحكى الزجاج عن قوم أن «موسى» وهارون لم يكونا في التيه، والعامل في ~~أربعين يحتمل أن يكون محرمة، أي حرمت عليهم أربعين سنة ويتيهون في الأرض ~~هذه المدة ثم تفتح عليهم، أدرك ذلك من أدركه ومات قبله من مات. وخطأ أبو ~~إسحاق أن يكون العامل محرمة، وذلك منه تحامل، ويحتمل أن يكون العامل يتيهون ~~مضمرا يدل عليه يتيهون المتأخر، ويكون قوله إنها محرمة إخبار مستمر تلقوا ~~منه أن المخاطبين لا يدخلونها أبدا، وأنهم مع ذلك «يتيهون في الأرض أربعين ~~سنة» يموت فيها من مات. # قال القاضي أبو محمد: والخطاب على هذا التأويل أصعب موقفا وأحضر يأسا. ~~وروي أن من كان قد جاوز عشرين سنة لم يعش إلى الخروج من التيه، وأن من كان ~~دون العشرين ms0987 عاشوا. # قال القاضي أبو محمد: كأنه لم يعش المكلفون أشار إلى ذلك الزجاج، والتيه ~~الذهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم، ويروى أن بني إسرائيل كانوا يرحلون ~~بالليل ويسيرون ليلهم أجمع في تحليق ونحوه من التردد وقلة استقامة السير، ~~حتى إذا أصبحوا وجدوا جملتهم في الموضع الذي كانوا فيه أول الليل، قال ~~مجاهد وغيره كانوا يسيرون النهار أحيانا والليل أحيانا فيمسون حيث أصبحوا ~~ويصبحون حيث أمسوا، وذلك في مقدار ستة فراسخ. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة وقلة اجتماع ~~الرأي، وإن الله تعالى رماهم بالاختلاف وعلموا أنها قد حرمت عليهم «أربعين ~~سنة» . فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع على ~~غير نظام واجتماع، حتى كملت هذه المدة وأذن الله بخروجهم وهذا تيه ممكن ~~محتمل على عرف البشر. والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خرق عادة وعجب من قدرة ~~الله تعالى، وفي ذلك التيه ظلل عليهم الغمام ورزقوا المن والسلوى إلى غير ~~ذلك مما روي من ملابسهم، وقد مضى ذلك في سورة البقرة، وقوله تعالى: فلا تأس ~~على القوم الفاسقين معناه فلا تحزن يقال أسي: الرجل يأسى أسى إذا حزن ومنه ~~قول امرئ القيس: # وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # ومنه قول متمم بن نويرة: # فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك # والخطاب بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابن عباس ندم «موسى» على ~~دعائه على قومه وحزن عليهم، فقال له الله: فلا تأس على القوم الفاسقين. ~~وقال قوم من المفسرين الخطاب بهذه الألفاظ لمحمد صلى الله عليه وسلم ويراد ~~ب الفاسقين معاصروه، أي هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم ~~الخبيثة معك وردهم عليك، فإنها سجية خبيثة موروثة عندهم. PageV02P177 # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 29] # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن ms0988 بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) ~~إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ~~(29) # اتل معناه اسرد وأسمعهم إياه، وهذه من علوم الكتب الأول التي لا تعلق ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم بها إلا من طريق الوحي، فهو من دلائل نبوته، ~~والضمير في عليهم ظاهر أمره أنه يراد به بنو إسرائيل لوجهين: أحدهما أن ~~المحاورة فيما تقدم إنما هي في شأنهم وإقامة الحجج عليهم بسبب همهم ببسط ~~اليد إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني أن علم نبأ ابني آدم إنما هو ~~عندهم وفي غامض كتبهم، وعليهم تقوم الحجة في إيراده والنبأ الخبر. و «ابنا ~~آدم» هما في قول جمهور المفسرين لصلبه. وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن ~~أبي الحسن البصري «ابنا آدم» ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني ~~إسرائيل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل ~~حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان ~~تحنثا وتطوعا. وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى أرذل ما عنده وأدناه فقربه، ~~وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أفضل كباشه فقربه، وكانت العادة حينئذ أن ~~يقرب المقرب قربانه ويقوم يصلي ويسجد، فإن نزلت نار وأكلت القربان فذلك ~~دليل للقبول وإلا كان تركه دليل عدم القبول، فلما قرب هذان كما ذكرت فنزلت ~~النار وأخذت كبش هابيل فرفعته وسترته عن العيون وتركت زرع قابيل، قال سعيد ~~بن جبير وغيره: فكان ذلك الكبش يرتع في الجنة حتى أهبط إلى إبراهيم في فداء ~~ابنه، قال سائقو هذا القصص، فحسد قابيل هابيل وقال له: أتمشي على الأرض ~~يراك الناس أفضل مني؟ وكان قابيل أسن ولد «آدم» . وروي أن «آدم» سافر إلى ~~مكة ليرى الكعبة وترك قابيل وصيا على بنيه فجرت هذه القصة في غيابه، وروت ~~جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود: أن سبب هذا التقريب أن حواء كانت تلد في ~~كل بطن ms0989 ذكرا وأنثى فكان الذكر يزوج أنثى البطن الآخر، ولا تحل له أخته ~~توأمته، فولدت مع قابيل أخت جميلة، ومع هابيل أخت ليست كذلك فلما أراد آدم ~~تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره «آدم» فلم يأتمر، فاتفقوا على ~~التقريب، وروي أن آدم حضر ذلك فتقبل قربان هابيل ووجب أن يأخذ أخت قابيل، ~~فحينئذ قال له لأقتلنك وقول هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين كلام قبله ~~محذوف تقديره ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ولا ذنب لي في قبول الله قرباني؟ ~~أما إني اتقيته وكنت على لا حب الحق. وإنما يتقبل الله من المتقين. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ ~~أنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، ~~وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من PageV02P178 # القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على ~~الله تعالى عقلا، وقال عدي بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة. # واختلف الناس لم قال هابيل: ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك؟ فقال مجاهد: ~~كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفا وأن لا يمتنع من أريد قتله.. ~~وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس: كان هابيل أشد قوة من قابيل، ولكنه ~~تحرج. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا هو الأظهر. ومن هنا يقوى أن ~~قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج وجه، وإنما ~~وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا ويرضى بأن يظلم ليجازى ~~في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه. # وقوله: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، ~~وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني ~~وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوما سيستنصر الله لي في الآخرة، وتبوء ~~معناه تمضي متحملا. وقوله: بإثمي وإثمك قيل معناه: بإثم قتلي ms0990 وسائر آثامك ~~التي أوجبت أن لا يتقبل منك، وقيل المعنى: بإثم قتلي وإثمك في العداء علي ~~إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم ولو لم ينفذ القتل، وقيل المعنى: بإثمي ~~إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول ~~الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه، فكأن ~~هابيل أراد: أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا ~~على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي، وقيل المعنى: بإثمي الذي يختص ~~لي فيما فرط لي أي يؤخذ من سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي «تبوء بإثمك» في ~~قتلي وهذا تأويل يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالظالم والمظلوم ~~يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن ~~لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه، وقوله تعالى: وذلك جزاء ~~الظالمين يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخبارا من الله ~~تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 30 الى 31] # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا ~~يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل ~~هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) # قراءة الجمهور فطوعت والمعنى أن القتل في ذاته مستصعب عظيم على النفوس، ~~فرد؟ ه هذه PageV02P179 # النفس اللجوجة الأمارة بالسوء طائعا منقادا حتى واقعه صاحب هذه النفس، ~~وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجراح والحسن بن عمران وأبو واقد «فطاوعت» ~~والمعنى كأن القتل يدعو إلى نفسه بسبب الحقد والحسد الذي أصاب قابيل، وكأن ~~النفس تأبى لذلك ويصعب عليها، وكل جهة تريد أن تطيعها الأخرى، إلى أن تفاقم ~~الأمر وطاوعت النفس القتل فواقعته، وروي أنه التمس ms0991 الغرة في قتله حتى وجده ~~نائما في غنمه فشدخ رأسه بحجر، وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر أو ~~حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل وروي أنه لما ~~انصرف قابيل إلى آدم قال له أين هابيل قال لا أدري كأنك وكلتني بحفظه فقال ~~له آدم أفعلتها والله إن دمه ليناديني من الأرض، اللهم العن أرضا شربت دم ~~هابيل، فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دما، ثم ان آدم صلى الله عليه وسلم ~~بقي مائة عام لم يتبسم حتى جاء ملك فقال له حياك الله يا آدم وبياك فقال ~~آدم: ما بياك؟ قال أضحكك. ويروى أن آدم عليه السلام قال حينئذ: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح # وكذا هو الشعر بنصب بشاشة وكف التنوين، وروي عن مجاهد أنه قال علقت إحدى ~~رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس ~~حيث ما دارت عليه حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. # قال القاضي أبو محمد: فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى: ~~فأصبح من الخاسرين: ومن خسرانه ما روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال إنا ~~لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم، ~~ومن خسرانه ما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما قتلت نفس ~~ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، وذلك أنه أول من سن القتل» ~~وقوله: # فأصبح عبارة عن جميع أوقاته أقيم بعض الزمن مقام كله، وخص الصباح بذلك ~~لأنه بدء النهار والانبعاث إلى الأمور ومطية النشاط، ومنه قول الربيع بن ~~ضبع: # أصبحت لا أحمل السلاح البيت، ومنه قول سعد بن أبي وقاص، ثم أصبحت بنو أسد ~~تعزرني على الإسلام، إلى غير ذلك من استعمال العرب لما ذكرناه. # وقوله تعالى: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ms0992 يواري سوأة أخيه ~~روي في معناه أن قابيل جعل أخاه في جراب ومشى به يحمله في عنقه مائة عام. ~~وقيل سنة واحدة، وقيل بل أصبح في ثاني يوم قتله يطلب إخفاء أمر أخيه فلم ~~يدر ما يصنع به، فبعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت فجعل يبحث في الأرض ~~ويلقي التراب على الغراب الميت. وروي أن الله تعالى بعث غرابين فاقتتلا حتى ~~قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث ويواري الميت، وروي أن الله تعالى ~~«إنما بعث غرابا» واحدا فجعل يبحث ويلقي التراب على هابيل، وظاهر هذه الآية ~~أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة، وكذلك حكى ~~الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في الكتب الأول، ويبحث PageV02P180 # معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره، ومن هذا سميت سورة براءة البحوث لأنها ~~فتشت عن المنافقين ومن ذلك قول الشاعر: # إن الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإن بحثوني كان فيهم مباحث # وفي مثل: لا تكن كالباحث عن الشفرة، والضمير في قوله: سوأة أخيه يحتمل أن ~~يعود على قابيل ويراد بالأخ هابيل، ويحتمل أن يعود على الغراب الباحث ويراد ~~بالأخ الغراب الميت، والأول أشهر في التأويل، والسوأة العورة، وخصت بالذكر ~~مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها، ولأن سترها أوكد، ويحتمل أن ~~يراد «بالسوأة» هذه الحالة التي تسوء الناظر بمجموعها، وأضيفت إلى المقتول ~~من حيث نزلت به النازلة لا على جهة الغض منه بل الغض حق للقاتل وهو الذي ~~أتى «بالسوأة» ، وقرأ الجمهور «فأواري» بنصب الياء. # وقرأ طلحة بن مصرف والفياض بن غزوان «فأواري» بسكون الياء، وهي لغة ~~لتوالي الحركات، ولما رأى قابيل فعل الغراب تنبه على ما يجب أن يصنع بأخيه، ~~ورأى قصور نفسه وجهل البشر بالأمور، فقال يا ويلتى أعجزت الآية واحتقر نفسه ~~ولذلك ندم، وقرأ الجمهور «يا ويلتى» والأصل «يا ويلتي» لكن من العرب من ~~يبدل من الياء ألفا ويفتح الياء لذلك فيقولون «يا ويلتى» ويا غلاما ويقف ~~بعضهم على هاء السكت فيقول يا ms0993 ويلتاه. وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يا ويلتى» ~~ونداء الويلة هو على معنى احضري فهذا أوانك، وهذا هو الباب في قوله يا حسرة ~~[يس: 30] وفي قوله: يا عجبا وما جرى مجراه من نداء هذه الأمور التي لا تعقل ~~وهي معان، وقرأ الجمهور «أعجزت» بفتح الجيم. وقرأ ابن مسعود والحسن والفياض ~~وطلحة بن سليمان «أعجزت» بكسر الجيم، وهي لغة، ثم إن قابيل وارى أخاه وندم ~~على ما كان منه من معصية الله في قتله حيث لا ينفعه الندم، واختلف العلماء ~~في قابيل هل هو من الكفار أو من العصاة، والظاهر أنه من العصاة، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من ~~خيرهما ودعوا الشر» . # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 32] # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) # جمهور الناس على أن قوله: من أجل ذلك متعلق بقوله كتبنا أي بسبب هذه ~~النازلة ومن جراها كتبنا، وقال قوم: بل هو متعلق بقوله من النادمين ~~[المائدة: 31] أي ندم من «أجل» ما وقع، والوقف على هذا على ذلك، والناس على ~~أن الوقف من النادمين، ويقال أجل الأمر أجلا وأجلا إذا جناه وجره، ومنه قول ~~خوات: # وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله PageV02P181 # ويقال فعلت ذلك من أجلك بفتح الهمزة ومن إجلك بكسرها، وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع ذلك بوصل الألف وكسر النون قبلها، وهذا على أن ألقى حركة الهمزة ~~على النون كما قالوا كم إبلك بكسر الميم ووصل الألف. ومن ابراهيم بكسر ~~النون وكتبنا معناه كتب بأمرنا في كتب منزلة عليهم تضمنت فرض ذلك، وخص الله ~~تعالى: بني إسرائيل بالذكر وقد تقدمتهم أمم كان قتل النفس فيهم محظورا ~~لوجهين، أحدهما فيما روي أن بني إسرائيل أول أمة ms0994 نزل الوعيد عليهم في قتل ~~النفس في كتاب، وغلظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء، والآخر لتلوح ~~مذمتهم في أن كتب عليهم هذا وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون بل هموا بقتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ظلما، فخصوا بالذكر لحضورهم مخالفين لما كتب ~~عليهم، وقوله تعالى: بغير نفس معناه بغير أن تقتل نفسا فتستحق القتل، وقد ~~حرم الله تعالى نفس المؤمن إلا بإحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد ~~إحصان، أو قتل نفس ظلما وتعديا. وهنا يندرج المحارب، والفساد في الأرض ~~بجميع الزنا والارتداد والحرابة، وقرأ الحسن «أو فسادا في الأرض» بنصب ~~الفساد على فعل محذوف وتقديره أو أتى فسادا أو أحدث فسادا، وحذف الفعل ~~الناصب لدلالة الكلام عليه، وقوله تعالى: فكأنما قتل الناس جميعا اضطرب لفظ ~~المفسرين في ترتيب هذا التشبيه، فروي عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل ~~نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره ~~فكأنما أحيا الناس جميعا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا تعطيه الألفاظ، وروي عن ابن عباس أيضا ~~أنه قال: المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس ~~جميعا. ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها مخافتي واستحياها أن يقتلها فهو ~~كمن أحيا الناس جميعا. وقال عبد الله بن عباس أيضا، المعنى فكأنما قتل ~~الناس جميعا عند المقتول ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس ~~جميعا عند المستنقذ. # وقال ابن عباس أيضا وغيره المعنى من قتل نفسا فأوبق نفسه فكأنه قتل الناس ~~جميعا إذ يصلى النار بذلك ومن سلم من قتلها فكأنه سلم من «قتل الناس جميعا» ~~، وقال مجاهد الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، يقول لو «قتل الناس جميعا» لم يزد على ~~ذلك. ومن لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه، وقال ابن زيد المعنى أي من قتل ~~نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم ms0995 من «قتل الناس جميعا» . قال ومن ~~أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله، وقاله الحسن أيضا أي هو العفو بعد ~~القدرة، وقال مجاهد ومن أحياها أنقذها من حرق أو غرق، وقال قوم لما كان ~~المؤمنون كلهم يطلبون القاتل كان كمن قتل الناس جميعا. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول متداع ولم يتخلص التشبيه إلى ~~طرف في شيء من هذه الأقوال، والذي أقول إن الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل ~~لا يطرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد تحصل من ثلاث جهات. إحداها القود ~~فإنه واحد، والثانية الوعيد، فقد توعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، ~~وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعد بسبب التوحيد فكذلك قاتل ~~الجميع ان لو اتفق ذلك، والثالثة انتهاك الحرمة، فإن نفسا واحدة، في ذلك ~~وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع، ومثال ذلك ~~رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا، فطعم PageV02P182 # أحدهما واحدة من ثمر شجرته وطعم الآخر ثمر شجرته كله، فقد استويا في ~~الحنث، وقوله تعالى: ومن أحياها فيه تجوز لأنها عبارة عن الترك والإنقاذ ~~وإلا فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى. # وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمرود، أنا أحيي، سمى الترك إحياء، ومحيي ~~نفس كمحيي الجميع في حفظ الحرمة واستحقاق الحمد، ثم أخبر الله تعالى عن ~~«بني إسرائيل» أنهم جاءتهم الرسل من الله بالبينات في هذا وفي سواه، ثم لم ~~يزل الكثير منهم بعد ذلك في كل عصر يسرفون ويتجاوزون الحدود، وفي هذه الآية ~~إشارة إلى فعل اليهود في همهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره إلى ~~سائر ذلك من أعمالهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 33 الى 34] # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من ms0996 قبل أن تقدروا ~~عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) # اقتضى المعنى في هذه الآية كون إنما حاصرة الحصر التام، واختلف الناس في ~~سبب هذه الآية، فروي عن ابن عباس والضحاك أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب ~~كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا ~~السبيل وأفسدوا في الأرض. # قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن تكون نازلة بني قريظة حين هموا بقتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقال عكرمة والحسن: نزلت الآية في المشركين. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ضعف، لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة ~~عليه وعلى كل حال، وقال أنس بن مالك وجرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وعروة ~~بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهم: إن الآية نزلت في قوم من عكل وعرينة ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا ثم إنهم مرضوا واستوخموا ~~المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا في لقاح الصدقة، وقال ~~اشربوا من ألبانها وأبوالها. # فخرجوا فيها فلما صحوا قتلوا الرعاء واستاقوا الإبل فجاء الصريخ فأخبر ~~بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر فنودي في الناس يا خيل الله اركبي، ~~فركب رسول الله على أثرهم فأخذوا، وقال جرير بن عبد الله فبعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى إذا أدركناهم، وقد أشرفوا على ~~بلادهم فجئنا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال جميع الرواة فقطع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، ويروى ~~وسمل، وتركهم في جانب الحرة يستسقون فلا يسقون، وفي حديث جرير، فكانوا ~~يقولون الماء ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: النار، وفي بعض الروايات ~~عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم، قال ~~أبو قلابة، هؤلاء كفروا وقتلوا وأخذوا الأموال وحاربوا الله ورسوله، وحكى ~~الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي PageV02P183 # صلى الله عليه وسلم بالعرنيين ووقفت الأمر على ms0997 هذه الحدود، وقال بعضهم ~~وجعلها الله عتابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على سمل الأعين، وحكي عن جماعة ~~من أهل العلم أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل لأن ذلك وقع في ~~المرتدين. # قال القاضي أبو محمد: لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاة ~~قالوا، وهذه الآية هي في المحارب المؤمن، وحكى الطبري عن السدي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يسمل أعين العرنيين وإنما أراد ذلك فنزلت الآية ~~ناهية عن ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف تخالفه الروايات المتظاهرة، ولا خلاف ~~بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، ~~واختلفوا فيمن هو الذي يستحق اسم الحرابة، فقال مالك بن أنس رحمه الله، ~~المحارب عندنا من حمل على الناس السلاح في مصر أو برية فكابرهم عن أنفسهم ~~وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة، وقال بهذا القول جماعة من أهل ~~العلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل العلم، لا يكون المحارب إلا ~~القاطع على الناس في خارج الأمصار، فأما في المصر فلا. # قال القاضي أبو محمد: يريدون أن القاطع في المصر يلزمه حد ما اجترح من ~~قتل أو سرقة أو غصب ونحو ذلك. والحرابة رتب أدناها إخافة الطريق فقط لكنها ~~توجب صفة الحرابة، ثم بعد ذلك أن يأخذ المال مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يقتل ~~مع الإخافة ثم بعد ذلك أن يجمع ذلك كله، فقال مالك رحمه الله وجماعة من ~~العلماء: في أي رتبة كان المحارب من هذه الرتب فالإمام مخير فيه في أن ~~يعاقبه بما رأى من هذه العقوبات، واستحسن أن يأخذ في الذي لم يقتل بأيسر ~~العقوبات. # قال القاضي أبو محمد: لا سيما إن كانت زلة ولم يكن صاحب شرور معروفة، ~~وأما إن قتل فلا بد من قتله، وقال ابن عباس رضي الله عنه والحسن وأبو مجلز ~~وقتادة وغيرهم من العلماء بل لكل رتبة من الحرابة رتبة من العقاب، فمن أخاف ~~الطرق فقط فعقوبته النفي، ومن ms0998 أخذ المال ولم يقتل فعقوبته القطع من خلاف. ~~ومن قتل دون أخذ مال فعقوبته القتل، ومن جمع الكل قتل وصلب، وحجة هذا القول ~~أن الحرابة لا تخرج عن الإيمان ودم المؤمن حرام إلا بإحدى ثلاث: ارتداد أو ~~زنى بعد إحصان أو قتل نفس، فالمحارب إذا لم يقتل فلا سبيل إلى قتله، وقد ~~روي عن ابن عباس والحسن أيضا وسعيد بن المسيب وغيرهم مثل قول مالك: إن ~~الإمام مخير، ومن حجة هذا القول أن ما كان في القرآن «أو. أو» ، فإنه ~~للتخيير، كقوله تعالى: ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] وكآية ~~كفارة اليمين وآية جزاء الصيد. # قال القاضي أبو محمد: ورجح الطبري القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم ~~المحارب وقول مالك أسد للذريعة وأحفظ للناس والطرق، والمخيف في حكم القاتل ~~ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحسانا، وذكر الطبري عن أنس ~~بن مالك أنه قال سأل رسول الله جبريل عليهما السلام عن الحكم في المحارب، ~~فقال: من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ، ورجله للإخافة ومن قتل ~~فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه. PageV02P184 # قال القاضي أبو محمد: وبقي النفي للمخيف فقط، وقوله تعالى: يحاربون الله ~~تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة، وقيل التقدير يحاربون عباد الله، ففي الكلام ~~حذف مضاف، وقوله تعالى: ويسعون في الأرض فسادا تبيين للحرابة أي: ويسعون ~~بحرابتهم، ويحتمل أن يكون المعنى ويسعون فسادا منضافا إلى الحرابة، والرابط ~~إلى هذه الحدود إنما هو الحرابة، وقرأ الجمهور «يقتلوا، يصلبوا، تقطع» ~~بالتثقيل في هذه الأفعال للمبالغة والتكثير، والتكثير هنا إنما هو من جهة ~~عدد الذين يوقع بهم كالتذبيح في بني إسرائيل في قراءة من ثقل يذبحون وقرأ ~~الحسن ومجاهد وابن محيصن «يقتلوا، ويصلبوا، تقطع» بالتخفيف في الأفعال ~~الثلاثة، وأما قتل المحارب فبالسيف ضربة العنق، وأما صلبه فجمهور من ~~العلماء على أنه يقتل ثم يصلب نكالا لغيره، وهذا قول الشافعي، وجمهور من ~~العلماء على أنه يصلب حيا ويقتل بالطعن على الخشبة، وروي هذا عن مالك وهو ~~الأظهر من ms0999 الآية وهو الأنكى في النكال، وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ ~~والرجل الشمال من المفصل، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان ~~يقطع اليد من الأصابع ويبقي الكف والرجل من نصف القدم ويبقي العقب واختلف ~~العلماء في النفي فقال السدي: هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ ~~فيقام عليه حد الله ويخرج من دار الإسلام، وروي عن ابن عباس أنه قال: نفيه ~~أن يطلب وقاله أنس بن مالك، وروي ذلك عن الليث ومالك بن أنس غير أن مالكا ~~قال: لا يضطر مسلم إلى دخول دار الشرك، وقال سعيد بن جبير: النفي من دار ~~الإسلام إلى دار الشرك، وقالت طائفة من العلماء منهم عمر بن عبد العزيز: ~~النفي في المحاربين أن ينفوا من بلد إلى غيره مما هو قاص بعيد، وقال ~~الشافعي: ينفيه من عمله، وقال أبو الزناد: كان النفي قديما إلى دهلك وباضع ~~وهما من أقصى اليمن، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة: النفي في المحاربين ~~السجن فذلك إخراجهم من الأرض. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الأرض في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد ~~جنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدر، ~~نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب ~~يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان ~~غير مخوف الجانب ترك مسرحا، وهذا هو صريح مذهب مالك: أن يغرب ويسجن حيث ~~يغرب، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الراجح لأن نفيه من ~~أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإذا تاب ~~وفهم حاله سرح وقوله تعالى: ذلك لهم خزي إشارة إلى هذه الحدود التي توقع ~~بهم، وغلظ الله الوعيد في ذنب الحرابة بأن أخبر أن لهم في الآخرة عذابا ~~عظيما مع العقوبة في الدنيا، وهذا خارج عن المعاصي الذي في حديث عبادة بن ~~الصامت في قول النبي صلى الله عليه ms1000 وسلم، فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به ~~فهو له كفارة. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن ~~سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره، وهذا الوعيد مشروط الإنفاذ ~~بالمشيئة، اما أن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وعظم الذنب، والخزي في هذه ~~الآية الفضيحة والذل والمقت. # وقوله تعالى: إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم استثنى عز وجل ~~التائب قبل أن يقدر عليه PageV02P185 # وأخبر بسقوط حقوق الله عنه بقوله تعالى: فاعلموا أن الله غفور رحيم ~~واختلف الناس في معنى الآية فقال قتادة والزهري في كتاب الاشراف: ذلك لأهل ~~الشرك. # قال القاضي أبو محمد: من حيث رأيا الوعيد بعد العقاب، وهذا ضعيف، ~~والعلماء على أن الآية في المؤمنين وأن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه ~~فقد سقط عنه حكم الحرابة ولا نظر للإمام فيه إلا كما ينظر في سائر ~~المسلمين، فإن طلبه أحد بدم نظر فيه وأقاد منه إذا كان الطالب وليا، وكذلك ~~يتبع بما وجد عنده من مال الغير وبقيمة ما استهلك من الأموال، هذا قول مالك ~~والشافعي وأصحاب الرأي ذكره ابن المنذر، وقال قوم من الصحابة والتابعين: ~~إنه لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده بعينه، وأما ما استهلك فلا يطلب به، ~~وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل ~~علي بن أبي طالب بحارثة بن بدر الغداني فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة ~~عليه فكتب له بسقوط الأموال والدم كتابا منشورا، وحكى الطبري عن عروة بن ~~الزبير أنه قال: لا تقبل توبة المحارب، ولو قبلت لاجترؤوا وكان فساد كثير ~~ولكن لو فر إلى العدو ثم جاء تائبا لم أر عليه عقوبة. # قال القاضي أبو محمد: لا أدري هل أراد ارتد أم لا، وقال الأوزاعي نحوه ~~إلا أنه قال: إذا لحق بدار الحرب فارتد عن الإسلام أو بقي عليه ثم جاء ~~تائبا من قبل أن يقدر عليه قبلت توبته. # قال القاضي أبو ms1001 محمد: والصحيح من هذا كله مذهب الفقهاء الذي قررته آنفا ~~أن حكم الحرابة يسقط ويبقى كسائر المسلمين، واختلف إذا كان المال أقل مما ~~يقطع فيه السارق، فقال مالك: ذلك كالكثير، وقال الشافعي وأصحاب الرأي: لا ~~يقطع من المحاربين إلا من أخذ ما يقطع فيه السارق. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 37] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون ~~أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) # هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا ~~من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة، وعادة البشر إذا رأى ~~وسمع أمر ممتحن ببشيع المكاره أن يرق ويخشع، فجاء الوعظ في هذه الحال، ~~ابتغوا معناه اطلبوا، والوسيلة القربة وسبب النجاح في المراد، ومن ذلك قول ~~عنترة لامرأته: # إن الرجال لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحلي وتخضبي # وأما الوسيلة المطلوبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فهي أيضا من هذا، لأن ~~الدعاء له بالوسيلة PageV02P186 # والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في ~~الآخرة التشفيع في المقام المحمود، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل # أنشده الطبري، وقوله تعالى: وجاهدوا في سبيله خص الجهاد بالذكر لوجهين، ~~أحدهما نباهته في أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام، وقد دخل بالمعنى في قوله: ~~وابتغوا إليه الوسيلة ولكن خصه تشريفا، والوجه الآخر أنها العبادة التي ~~تصلح لكل منهي عن المحاربة وهو معدلها من حاله وسنه وقوته وشره نفسه، فليس ~~بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلا توفيق الله تعالى. # واللام في قوله: ليفتدوا لام كي، وقرأ جمهور الناس «تقبل» بضم التاء ~~والقاف على ما لم يسم فاعله، وقرأ يزيد بن قطيب «تقبل» بفتحها على معنى ما ~~قبل ms1002 الله. # وقوله تعالى: يريدون إخبار عن أنهم يتمنون هذا في قلوبهم، وفي غير ما آية ~~أنهم ينطقون عن هذه الإرادة، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا فارت بهم النار ~~قربوا من حاشيتها فحينئذ يريدون الخروج ويطمعون به وذلك قوله تعالى: يريدون ~~أن يخرجوا من النار. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقد تأول قوم هذه الإرادة أنها بمعنى ~~يكادون على هذا القصص الذي حكى الحسن، وهذا لا ينبغي أن يتأول إلا فيما لا ~~تتأتى منه الإرادة الحقيقة كقوله تعالى: # يريد أن ينقض [الكهف: 77] وأما في إرادة بني آدم فلا إلا على تجوز كثير، ~~وقرأ جمهور الناس «يخرجوا» بفتح الياء وضم الراء وقرأ يحيى بن وثاب ~~وإبراهيم النخعي «يخرجوا» بضم الياء وفتح الراء، وأخبر تعالى عن هؤلاء ~~الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد، وحكى ~~الطبري عن نافع بن الأزرق الخارجي أنه قال لابن عباس يا أعمى البصر أعمى ~~القلب تزعم أن قوما «يخرجون من النار» وقد قال الله تعالى: وما هم بخارجين ~~منها فقال له ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها، هذه الآية في الكفار. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 38] # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم (38) # قرأ جمهور القراء «والسارق والسارقة» بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر وإبراهيم ~~بن أبي عبلة «والسارق والسارقة» بالنصب، قال سيبويه رحمه الله الوجه في ~~كلام العرب النصب كما تقول زيدا اضربه، ولكن أبت العامة إلا الرفع يعني ~~عامة القراء وجلهم، قال سيبويه الرفع في هذا وفي قوله: الزانية والزاني ~~[النور: 2] وفي قول الله: والذان يأتيانها منكم [النساء: 16] هو على معنى ~~فيما فرض عليكم. والفاء في قوله تعالى: فاقطعوا ردت المستقل غير مستقل، لأن ~~قوله فيما فرض عليكم السارق جملة حقها وظاهرها الاستقلال، لكن المعنى ~~المقصود ليس إلا في قوله: فاقطعوا فهذه الفاء هي التي ربطت الكلام الثاني ~~بالأول وأظهرت الأول هنا غير مستقل، وقال أبو العباس المبرد وهو قول جماعة ~~من البصريين، ms1003 اختار PageV02P187 # أن يكون «والسارق والسارقة» رفعا بالابتداء لأن القصد ليس إلى واحد بعينه ~~فليس هو مثل قولك زيدا فاضربه إنما هو كقولك من سرق فاقطع يده، قال الزجاج ~~وهذا القول هو المختار. # قال القاضي أبو محمد: أنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين، وقرأ ~~عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم» ~~، وقال الخفاف: وجدت في مصحف أبي بن كعب «والسرق والسرقة» هكذا ضبطا بضم ~~السين المشددة وفتح الراء المشددة فيهما هكذا ضبطهما أبو عمرو. # قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن يكون هذا تصحيفا من الضابط لأن قراءة ~~الجماعة إذا كتب «السارق» بغير ألف وافقت في الخط هذه، وأخذ ملك الغير ~~يتنوع بحسب قرائنه، فمنه الغصب وقرينته علم المغصوب منه وقت الغصب أو علم ~~مشاهد غيره، ومنه الخيانة وقرينتها أن الخائن قد طرق له إلى المال بتصرف ما ~~ومنه السرقة وقرائنها أن يؤخذ مال لم يطرق إليه على غير علم من المسروق ~~ماله وفي خفاء من جميع الناس فيما يرى السارق، وهذا هو الذي يجب عليه القطع ~~وحده من بين أخذة الأموال لخبث هذا المنزع وقلة العذر فيه، وحاط الله تعالى ~~البشر على لسان نبيه بأن القطع لا يكون إلا بقرائن، منها الإخراج من حرز، ~~ومنها القدر المسروق على اختلاف أهل العلم فيه، ومنها أن يعلم السارق ~~بتحريم السرقة، وأن تكون السرقة فيما يحل ملكه، فلفظ السارق في الآية عموم ~~معناه الخصوص، فأما القدر المسروق فقالت طائفة لا قطع إلا في ربع دينار ~~فصاعدا، قال به عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وعائشة وعمر بن عبد ~~العزيز والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور، وفيه حديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # القطع في ربع دينار فصاعدا وقال مالك رحمه الله: تقطع اليد في ربع دينار ~~أو في ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين وهي ربع دينار لانحطاط الصرف لم يقطع ~~وكذلك العروض لا يقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر، وقال ~~إسحاق بن ms1004 راهويه وأحمد بن حنبل: إن كانت قيمة السلعة ربع دينار أو ثلاثة ~~دراهم قطع فيها قل الصرف أو كثر، وفي القطع قول رابع وهو أن لا قطع إلا في ~~خمسة دراهم أو قيمتها، روي هذا عن عمر، وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ~~ليلى وابن شبرمة، ومنه قول أنس بن مالك: قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة ~~دراهم. # قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذا على أن الخمسة حد وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه وعطاء: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وقال أبو هريرة وأبو سعيد ~~الخدري: لا تقطع اليد في أقل من أربعة دراهم، وقال عثمان البتي: تقطع اليد ~~في درهمين فما فوقه، وحكى الطبري أن عبد الله بن الزبير قطع في درهم، وروي ~~عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: تقطع اليد في كل ما له قيمة قل أو كثر على ~~ظاهر الآية. وقد حكى الطبري نحوه عن ابن عباس، وهو قول أهل الظاهر وقول ~~الخوارج، وروي عن الحسن أيضا أنه قال: تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد ~~زياد فاتفق رأينا على درهمين وأكثر العلماء على أن التوبة لا تسقط عن ~~السارق القطع، وروي عن الشافعي أنه إذا تاب قبل أن يقدر عليه وتمتد إليه يد ~~الأحكام فإن القطع يسقط عنه قياسا على المحارب، وجمهور الناس على أن القطع ~~لا يكون إلا على من أخرج من حرز، وقال الحسن بن أبي الحسن إذا جمع الثياب ~~في البيت قطع وإن لم يخرجها، وقوله تعالى: PageV02P188 # فاقطعوا أيديهما جمع الأيدي من حيث كان لكل سارق يمين واحدة وهي المعرضة ~~للقطع في السرقة أولا فجاءت للسراق أيد وللسارقات أيد، فكأنه قال اقطعوا ~~أيمان النوعين فالتثنية في الضمير إنما هي للنوعين. قال الزجاج عن بعض ~~النحويين، إنما جعلت تثنية ما في الإنسان منه واحد جمعا كقوله: صغت قلوبكما ~~[التحريم: 4] لأن أكثر أعضائه فيه منه اثنان فحمل ما كان فيه الواحد على ~~مثال ذلك. قال أبو إسحاق: وحقيقة هذا الباب ms1005 أن ما كان في الشيء منه واحد لم ~~يثن ولفظ به على لفظ الجمع لأن الإضافة تبينه. فإذا قلت أشبعت بطونهما علم ~~أن للاثنين بطنين. # قال القاضي أبو محمد: كأنهم كرهوا اجتماع تثنيتين في كلمة. # واختلف العلماء في ترتيب القطع، فمذهب مالك رحمه الله وجمهور الناس أن ~~تقطع اليمنى من يد السارق ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ثم إن عاد قطعت يده ~~اليسرى ثم إن عاد قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عزر وحبس، وقال علي بن أبي ~~طالب والزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل: تقطع يده اليمنى ثم إن ~~سرق قطعت رجله اليسرى ثم إن سرق عزر وحبس. وروي عن عطاء بن أبي رباح: لا ~~تقطع في السرقة إلا اليد اليمنى فقط ثم إن سرق عزر وحبس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تمسك بظاهر الآية، والقول شاذ فيلزم على ظاهر ~~الآية أن تقطع اليد ثم اليد. ومذهب جمهور الفقهاء أن القطع في اليد من ~~الرسغ وفي الرجل من المفصل، وروي عن علي بن أبي طالب أن القطع في اليد من ~~الأصابع وفي الرجل من نصف القدم. وقوله تعالى: جزاء بما كسبا نصبه على ~~المصدر، وقال الزجاج مفعول من أجله. وكذلك: نكالا من الله والنكال العذاب، ~~والنكل القيد، وسائر معنى الآية بين وفيه بعض الإعراب حكاية. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 39 الى 41] # فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ~~ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير (40) يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ~~يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن ~~تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ms1006 لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) # المعنى عند جمهور أهل العلم أن من تاب من السرقة فندم على ما مضى وأقلع ~~في المستأنف وأصلح برد الظلامة إن أمكنه ذلك وإلا فبإنفاقها في سبيل الله ~~وأصلح أيضا في سائر أعماله وارتفع إلى فوق فإن الله يتوب عليه ويذهب عنه ~~حكم السرقة فيما بينه وبين الله تعالى، وهو في المشيئة مرجو له الوعد وليس ~~تسقط عنه التوبة حكم الدنيا من القطع إن اعترف أو شهد عليه، وقال مجاهد: ~~التوبة والإصلاح هي أن يقام عليه الحد. PageV02P189 # قال القاضي أبو محمد: وهذا تشديد وقد جعل الله للخروج من الذنوب بابين ~~أحدهما الحد والآخر التوبة، وقال الشافعي: إذا تاب السارق قبل أن يتلبس ~~الحاكم بأخذه فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياسا على توبة المحارب. # وقوله: ألم تعلم الآية توقيف وتنبيه على العلة الموجبة لإنفاذ هذه ~~الأوامر في المحاربين والسرقة والإخبار بهذا التعذيب لقوم والتوبة على ~~آخرين وهي ملكه تعالى لجميع الأشياء، فهو بحق الملك لا معقب لحكمه ولا ~~معترض عليه. # وقوله تعالى: يا أيها الرسول الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وتقوية لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين وبني إسرائيل، والمعنى ~~قد وعدناك النصر والظهور عليهم ف لا يحزنك ما يقع منهم خلال بقائهم، وقرأ ~~بعض القراء «يحزنك» بفتح الياء وضم الزاي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي ~~وحزنته بفتحها وقرأ بعض القراء «يحزنك» بضم الياء وكسر الزاي لأن من العرب ~~من يقول أحزنت الرجل بمعنى حزنته وجعلته ذا حزن، وقرأ الناس يسارعون. وقرأ ~~الحر النحوي «يسرعون» دون ألف ومعنى المسارعة في الكفر البدار إلى نصره ~~وإقامة حججه والسعي في إطفاء الإسلام به واختلف المفسرون في ترتيب معنى ~~الآية وفيمن المراد بقوله بأفواههم وفي سبب نزول الآية فأما سببها فروي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه وابن عباس وجماعة أنهم قالوا: نزلت هذه الآية بسبب ~~الرجم. # قال القاضي أبو محمد: وذلك أن يهوديا زنى بيهودية وكان في التوراة رجم ms1007 ~~الزناة، وكان بنو إسرائيل قد غيروا ذلك وردوه جلدا وتحميم وجوه، لأنهم لم ~~يقيموا الرجم على أشرافهم وأقاموه على صغارهم في القدر فاستقبحوا ذلك ~~وأحدثوا حكما سووا فيه بين الشريف والمشروف، فلما هاجر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة زنى رجل من اليهود بامرأة فروي أن ذلك كان بالمدينة. ~~وروي أنه كان في غير المدينة في يهود الحجاز. وبعثوا إلى يهود المدينة وإلى ~~حلفائهم من المنافقين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النازلة ~~وطمعوا بذلك أن يوافقهم على الجلد والتحميم فيشتد أمرهم بذلك. فلما سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهض في جملة من أصحابه إلى بيت ~~المدارس فجمع الأحبار هنالك وسألهم عما في التوراة فقالوا إنا لا نجد فيها ~~الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيها الرجم فانشروها فنشرت ~~ووضع أحدهم يده على آية الرجم. فقال عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده ~~فإذا آية الرجم فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالرجم وأنفذه. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي هذا الحديث اختلاف ألفاظ وروايات ~~كثيرة، منها أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه يهودي ~~ويهودية زنيا وقد جلدا وحمما. فقال هكذا شرعكم يا معشر يهود؟ فقالوا نعم، ~~فقال لا، ثم مشى إلى بيت المدارس وفضحهم وحكم في ذينك بالرجم، وقال: # لأكونن أول من أحيا حكم التوراة حين أماتوه. وروي أن الزانيين لم يكونا ~~بالمدينة، وأن يهود فدك هم الذين قالوا ليهود المدينة استفتوا محمدا فإن ~~أفتاكم بما نحن عليه من الجلد والتجبية فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ~~الرجم، قاله الشعبي وغيره، وقال قتادة بن دعامة وغيره سبب الآية وذكر ~~اليهود أن بني PageV02P190 # النضير كانوا غزوا بني قريظة فكان النضري إذا قتله قرظي قتل به وإذا قتل ~~نضري قرظيا أعطي الدية، وقيل كانت دية القرظي على نصف دية النضري، فلما جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة طلبت ms1008 قريظة الاستواء إذ هم أبناء عم ~~يرجعان إلى جد، وطلبت الحكومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت ~~النضير بعضها لبعض إن حكم بما كنا عليه فخذوه وإلا فاحذروا. # قال القاضي أبو محمد: وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها، ~~ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتمرسهم بالدين، ~~والروايات في هذا كثيرة ومختلفة، وقد وقع في بعض الطرق في حديث أبي هريرة ~~أنه قال في قصة الرجم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدراسهم ~~وقمنا معه وهذا يقتضي أن الأمر كان في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأن أبا هريرة أسلم عام خيبر في آخر سنة ست من الهجرة، وقد كانت النضير ~~أجليت وقريظة وقريش قتلت، واليهود بالمدينة لا شيء، فكيف كان لهم بيت مدارس ~~في ذلك الوقت أو إن كان لهم بيت على حال ذلة فهل كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يحتاج مع ظهور دينه إلى محاجتهم تلك المحاجة؟ وظاهر حديث بيت المدارس ~~أنه كان في صدر الهجرة اللهم إلا أن يكون ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع عزة كلمته من حيث أراد أن يخرج حكمهم من أيدي أحبارهم بالحجة عليهم من ~~كتابهم فلذلك مشى إلى بيت مدراسهم مع قدرته عليهم، وهذا عندي يبعد لأنهم لم ~~يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى عنها صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا عندي يبعد لأنهم لم يكونوا ذلك الوقت يحزنونه ولا كانت لهم حال يسلى ~~عنها صلى الله عليه وسلم، وأما اختلاف الناس فيمن المراد بقوله: الذين ~~يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم فقال ~~السدي: نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لبابة بن عبد المنذر أشارت ~~إليه قريظة يوم حصرهم ما الأمر؟ وعلى من نزل من الحكم؟ فأشار إلى حلقه أنه ~~بمعنى الذبح. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وأبو لبابة من فضلاء الصحابة وهو وإن كان ~~أشار بتلك الإشارة ms1009 فإنه قال فو الله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ~~ورسوله ثم جاء إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فربط نفسه ~~بسارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يبرح كذلك حتى يتوب الله عليه ويرضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإنما كانت تلك الإشارة منه زلة حمله ~~عليها إشفاق ما على قوم كانت بينه وبينهم مودة ومشاركة قديمة رضي الله عنه ~~وعن جميع الصحابة، وقال الشعبي وغيره: نزلت الآية في قوم من اليهود أرادوا ~~سؤال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر رجل منهم قتل آخر فكلفوا السؤال رجلا ~~من المسلمين وقالوا: إن أفتى بالدية قبلنا قوله وإن أفتى بالقتل لم نقبل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو ما تقدم عن قتادة في أمر قتل النضير ~~وقريظة، وقال عبد الله بن كثير ومجاهد وغيرهما قوله تعالى: من الذين قالوا ~~آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم يراد به المنافقون. # وقوله بعد ذلك سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين يراد به اليهود، وأما ~~ترتيب معنى الآية بحسب هذه الأقوال. فيحتمل أن يكون المعنى يا أيها الرسول ~~لا يحزنك المسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ويكون قوله: سماعون ~~خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون المعنى لا يحزنك المسارعون في الكفر PageV02P191 # من اليهود ووصفهم بأنهم قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم إلزاما منه ~~ذلك لهم من حيث حرفوا توراتهم وبدلوا أحكامها، فهم يقولون بأفواههم نحن ~~مؤمنون بالتوراة وبموسى، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها ~~من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما كفر بهم، ويؤيد هذا التأويل ~~قوله بعد هذا، وما أولئك بالمؤمنين [المائدة: 42] ، ويجيء على هذا التأويل ~~قوله: ومن الذين هادوا كأنه قال ومنهم لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة ~~السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها. وقرأ جمهور الناس ~~«سماعون» ، وقرأ الضحاك «سماعين» ، ووجهها عندي نصب على الذم على ترتيب من ~~يقول لا يحزنك المسارعون من هؤلاء «سماعين» ms1010 ، وأما المعنى في قوله: سماعون ~~للكذب فيحتمل أن يكون صفة للمنافقين ولبني إسرائيل لأن جميعهم يسمع الكذب ~~بعضهم من بعض ويقبلونه، ولذلك جاءت عبارة سماعهم في صيغة المبالغة، وإذ ~~المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ذلك المسموع، وقوله تعالى: # للكذب يحتمل أن يريد سماعون للكذب ويحتمل أن يريد «سماعون منك أقوالك» من ~~أجل أن يكونوا عليك وينقلوا حديثك ويزيدوا مع الكلمة أضعافها كذبا، وقرأ ~~الحسن وعيسى بن عمر «للكذب» بكسر الكاف وسكون الذل، وقوله تعالى: سماعون ~~لقوم آخرين يحتمل أن يريد يسمعون منهم، وذكر الطبري عن جابر أن المراد ~~بالقوم الآخرين يهود فدك، وقيل يهود خيبر، وقيل أهل الزانيين، وقيل أهل ~~الخصام في القتل والدية، وهؤلاء القوم الآخرون هم الموصوفون بأنهم لم يأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون معنى سماعون لقوم بمعنى جواسيس ~~مسترقين للكلام لينقلوه لقوم آخرين، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ~~ويهود المدينة، وقيل لسفيان بن عيينة هل جرى للجاسوس ذكر في كتاب الله عز ~~وجل، فقالوا نعم، وتلا هذه الآية: سماعون لقوم آخرين. # قوله عز وجل: # يحرفون الكلم من بعد مواضعه # # قرأ جمهور الناس «الكلم» بفتح الكاف وكسر اللام، وقرأ بعض الناس «الكلم» ~~بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة ضعيفة في كلمة، وقوله تعالى: يحرفون الكلم ~~صفة لليهود فيما حرفوا من التوراة إذ ذاك أخطر أمر حرفوا فيه. ويحتمل أن ~~يكون صفة لهم وللمنافقين فيما يحرفون من الأقوال عند كذبهم، لأن مبادئ ~~كذبهم لا بد أن تكون من أشياء قيلت أو فعلت، وهذا هو الكذب المزين الذي ~~يقرب قبوله، وأما الكذب الذي لا يرفد بمبدأ فقليل الأثر في النفس، وقوله: ~~من بعد مواضعه أي من بعد أن وضع مواضعه وقصدت به وجوهه القويمة، والإشارة ~~بهذا قيل هي إلى التحميم والجلد في الزنا، وقيل: هي إلى قبول الدية في أمر ~~القتل، وقيل إلى إبقاء عزة النضير على قريظة، وهذا بحسب الخلاف المتقدم في ~~الآية، PageV02P192 # ثم قال تعالى لنبيه على جهة قطع الرجاء فيهم ومن ms1011 يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا أي لا تتبع نفسك أمرهم، والفتنة هنا المحنة بالكفر ~~والتعذيب في الآخرة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سبق لهم في علم الله ~~ألا «يطهر قلوبكم» وأن يكونوا مدنسين بالكفر، ثم قرر تعالى لهم «الخزي في ~~الدنيا» . والمعنى بالذلة والمسكنة التي انضربت عليهم في أقطار الأرض وفي ~~كل أمة، وقرر لهم العذاب في الآخرة بكفرهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 42 الى 44] # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ~~وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) # وقوله: سماعون للكذب إن كان الأول في بني إسرائيل فهذا تكرار تأكيد ~~ومبالغة، وإن كان الأول في المنافقين فهذا خبر أيضا عن بني إسرائيل وقوله ~~تعالى: أكالون للسحت فعالون مبالغة بناء أي يتكرر أكلهم له ويكثر. و ~~«السحت» كل ما لا يحل كسبه من المال. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة ~~«السحت» ساكنة الحاء خفيفة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «السحت» ~~مضمومة الحاء مثقلة. وروي عن خارجة بن مصعب عن نافع «السحت» بكسر السين ~~وسكون الحاء واللفظة مأخوذة من قولهم سحت وأسحت إذا استأصل وأذهب فمن ~~الثلاثي قوله تعالى: فيسحتكم بعذاب [طه: 61] ومن الرباعي قول الفرزدق: # إلا مسحتا أو مجلف # والسحت والسحت بضم السين وتخفيف الحاء وتثقيلها لغتان في اسم الشيء ~~المسحوت، والسحت بفتح السين وسكون الحاء المصدر، سمي به المسحوت كما سمي ~~المصيد صيدا في قوله عز وجل لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم [المائدة: 95] وكما ~~سمي المرهون رهنا، وهذا كثير. # قال القاضي أبو محمد: ms1012 فسمي المال الحرام سحتا لأنه يذهب وتستأصله النوب، ~~كما قال عليه السلام «من جمع مالا من تهاوش أذهبه الله في نهابير» ، وقال ~~مكي سمي المال الحرام سحتا لأنه يذهب من حيث يسحت الطاعات أي يذهب بها قليل ~~قليلا، وقال المهدوي من حيث يسحت أديانهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود لأن السيئات لا تحبط الحسنات اللهم إلا ~~أن يقدر أنه يشغل عن الطاعات فهو سحتها من حيث لا تعمل، وأما طاعة حاصلة ~~فلا يقال هذا فيها، وقال المهدوي سمي أجر الحجام سحتا لأنه يسحت مروءة ~~آخذه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أشبه، أصل السحت كلب الجوع، يقال فلان مسحوت ~~المعدة إذا كان لا يلفى أبدا إلا جائعا يذهب ما في معدته، فكان الذي يرتشي ~~به من الشره ما بالجائع أبدا لا يشبع. # قال القاضي أبو محمد: وذلك بأن الرشوة تنسحت، فالمعنى هو كما قدمناه، وفي ~~عبارة الطبري بعض اضطراب لأن مسحوت المعدة هو مأخوذ من الاستئصال والذهاب، ~~وليس كلب الغرث أصلا للسحت، والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في ~~الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو ~~هذا، وقال أبو هريرة وعلي بن أبي طالب: مهر البغي سحت وعسب الفحل سحت وكسب ~~الحجام سحت وثمن الكلب والخمر سحت، وقال ابن مسعود السحت أن يهدي لك من قد ~~أعنته في حاجته أو حقه فتقبل، قيل لعبد الله ما كنا نعد السحت إلا الرشوة ~~في الحكم قال: ذلك الكفر، PageV02P193 # وقد روي عن ابن مسعود وجماعة كثيرة أن السحت هو الرشوة في الحكم، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، قيل ~~يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة، ~~ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس، وهو لفظ يعم كل كسب لا ~~يحل، وقوله تعالى: فإن جاؤك فاحكم بينهم أو ms1013 أعرض عنهم تخيير للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم، وقال ~~عكرمة والحسن: هذا التخيير منسوخ بقوله وأن احكم بينهم بما أنزل [المائدة: ~~49] وقال ابن عباس ومجاهد: نسخ من المائدة آيتان، قوله تعالى: ولا القلائد ~~[المائدة: 2] نسختها آية السيف وقوله: أو أعرض عنهم نسختها وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله [المائدة: 49] . # قال القاضي أبو محمد: وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، ~~وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على ~~أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم ويتسلط عليهم في تغييره ~~وينفر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب ~~المال وغير ذلك، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر وإنما ~~هي دعاوى محتملة وطلب ما يحل ولا يحل وطلب المخرج من الإثم في الآخرة فهي ~~التي هو الحاكم فيها مخير، وإذا رضي به الخصمان فلا بد مع ذلك من رضى ~~الأساقفة أو الأحبار، قاله ابن القاسم في العتبية، قال وأما إن رضي ~~الأساقفة دون الخصمين أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم. # قال القاضي أبو محمد: وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن ~~يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار ~~نكير فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار رد ذلك الحكم وهل تستوي النوازل في هذا ~~كالرجم في زانيين والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر؟ # وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار أو يقنع ~~بأن لم تقع منهم معارضته؟ # ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراض عنهم وتركهم إلى دينهم ~~وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله تعالى: فإن جاؤك يعني أهل نازلة ~~الزانيين. # قال القاضي أبو محمد: ثم الآية بعد تتناول سائر النوازل والله علم. # قوله عز وجل: # وإن تعرض عنهم فلن # PageV02P194 # أمن الله تعالى نبيه صلى الله ms1014 عليه وسلم من ضررهم إذ أعرض عنهم وحقر في ~~ذلك شأنهم، والمعنى أنك منصور ظاهر الأمر على كل حال، وهذا نحو من قوله ~~تعالى للمؤمنين لن يضروكم [آل عمران: 111] ثم قال تعالى: وإن حكمت أي اخترت ~~أن تحكم بينهم في نازلة ما فاحكم بينهم بالقسط أي بالعدل، يقال أقسط الرجل ~~إذا عدل وحكم بالحق وقسط إذا جار، ومنه قوله: أما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا # [الجن: 15] ومحبة الله للمقسطين ما يظهر عليهم من نعمه. # ثم ذكر الله تعالى بعد تحكيمهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالإخلاص منهم ~~ويبين بالقياس الصحيح أنهم لا يحكمونه إلا رغبة في ميله في هواهم وانحطاطه ~~في شهواتهم، وذلك أنه قال: وكيف يحكمونك بنية صادقة وهم قد خالفوا حكم ~~الكتاب الذي يصدقون به وبنبوة الآتي به وتولوا عن حكم الله فيها؟ فأنت الذي ~~لا يؤمنون بك ولا يصدقونك أحرى بأن يخالفوا حكمك، وقوله تعالى: من بعد ذلك ~~أي من بعد حكم الله في التوراة في الرجم وما أشبهه من الأمور التي خالفوا ~~فيها أمر الله تعالى، وقوله تعالى: وما أولئك بالمؤمنين يعني بالتوراة ~~وبموسى، وهذا إلزام لهم لأن من خالف حكم كتاب الله فدعواه الإيمان به قلقة. ~~وهذه الآية تقوي أن قوله في صدر الآية من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم [المائدة: 41] أنه يراد به اليهود. # وقوله تعالى: إنا أنزلنا التوراة الآية، قال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية، نحن اليوم نحكم على ~~اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان. و «الهدى» : # الإرشاد في المعتقد والشرائع، و «النور» : ما يستضاء به من أوامرها ~~ونواهيها، والنبيون الذين أسلموا هم من بعث من لدن موسى بن عمران إلى مدة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، هذان طرفا هذه الجماعة المذكورة في هذه الآية ~~وأسلموا معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم لله تعالى. وقوله تعالى: للذين هادوا ~~متعلق ب يحكم أي يحكمون بمقتضى التوراة لبني إسرائيل وعليهم. وقوله تعالى: # الربانيون عطف ms1015 على «النبيين» أي ويحكم بها الربانيون وهم العلماء، وفي ~~البخاري قال «الرباني» الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقيل ~~«الرباني» منسوب إلى الرب أي عنده العلم به وبدينه، وزيدت النون في «رباني» ~~مبالغة كما قالوا منظراني ومخبراني وفي عظيم الرقبة رقباني، والأحبار أيضا ~~العلماء واحدهم حبر بكسر الحاء، ويقال بفتحها وكثر استعمال الفتح فيه للفرق ~~بينه وبين الحبر الذي يكتب به. وقال السدي المراد هنا «بالربانيين ~~والأحبار» الذين يحكمون بالتوراة ابنا صوريا كان أحدهم ربانيا والآخر حبرا. ~~وكانوا قد أعطوا النبي صلى الله عليه وسلم عهدا أن لا يسألهما عن شيء من ~~أمر التوراة إلا أخبراه به، فسألهما عن آية الرجم فأخبراه به على وجهه ~~فنزلت الآية مشيرة إليهما. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، والرواية الصحيحة أن ابني صوريا ~~وغيرهم جحدوا أمر الرجم PageV02P195 # وفضحهم فيه عبد الله بن سلام، وإنما اللفظ عام في كل حبر مستقيم فيما مضى ~~من الزمان، وأما في مدة محمد صلى الله عليه وسلم فلو وجد لأسلم فلم يسم ~~حبرا ولا ربانيا. وقوله تعالى: بما استحفظوا أي بسبب استحفاظ الله تعالى ~~إياهم أمر التوراة وأخذه العهد عليهم في العمل والقول بها وعرفهم ما فيها ~~فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيعوا لما استحفظوا حتى تبدلت التوراة، والقرآن ~~بخلاف هذا لقوله تعالى: # وإنا له لحافظون [الحجر: 9] والحمد لله. وقوله تعالى: فلا تخشوا الناس ~~واخشون حكاية ما قيل لعلماء بني إسرائيل. وقوله: ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا نهي عن جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين. وهذا ~~المعنى بعينه يتناول علماء هذه الأمة وحكامها ويحتمل أن يكون قوله فلا ~~تخشوا الناس إلى آخر الآية خطابا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم واختلف ~~العلماء في المراد بقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون فقالت جماعة: المراد اليهود بالكافرين والظالمين والفاسقين، وروي ~~في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء بن عازب. وقالت ~~جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل ms1016 من لم يحكم بما أنزل الله. ~~ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان. وقيل لحذيفة بن ~~اليمان أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل؟ فقال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل ~~ان كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة لتسلكن طريقهم قد الشراك. وقال الشعبي: ~~نزلت الكافرون في المسلمين والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى. # قال القاضي أبو محمد: ولا أعلم بهذا التخصيص وجها إلا إن صح فيه حديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه راعى من ذكر مع كل خبر من هذه الثلاثة ~~فلا يترتب له ما ذكر في المسلمين إلا على أنهم خوطبوا بقوله: فلا تخشوا ~~الناس وقال إبراهيم النخعي: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ثم رضي لهذه ~~الأمة بها. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 45] # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) # «الكتب» في هذه الآية هو حقيقة كتب في الألواح، وهو بالمعنى كتب فرض ~~وإلزام، والضمير في عليهم لبني إسرائيل وفي فيها للتوراة، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر أن النفس بالنفس بنصب النفس على اسم أن وعطف ما بعد ~~ذلك منصوبا على النفس. ويرفعون «والجروح قصاص» على أنها جملة مقطوعة. وقرأ ~~نافع وحمزة وعاصم بنصب ذلك كله. وقصاص خبر أن. وروى الواقدي عن نافع أنه ~~رفع «والجروح» . وقرأ الكسائي «أن النفس بالنفس» نصبا ورفع ما بعد ذلك، فمن ~~نصب «والعين» جعل عطف الواو مشركا في عمل «أن» ولم يقطع الكلام مما قبله. ~~ومن رفع «والعين» فيتمثل ذلك من الأعراب أن يكون قطع مما قبل، وصار عطف ~~الواو عطف جملة كلام لا عطف تشريك في PageV02P196 # عامل، ويحتمل أن تكون الواو عاطفة على المعنى لأن معنى قوله: وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس قلنا لهم النفس بالنفس، ومثله لما كان المعنى ~~في قوله تعالى: يطاف عليهم بكأس ms1017 من معين # [الصافات: 45] يمنحون كأسا من معين عطف وحورا عينا على ذلك، ويحتمل أن ~~يعطف قوله والعين على الذكر المستتر في الطرق الذي هو الخبر وإن لم يؤكد ~~المعطوف عليه بالضمير المنفصل كما أكد في قوله تعالى: إنه يراكم هو وقبيله ~~من حيث لا ترونهم [الأعراف: 27] وقد جاء مثله غير مؤكد في قوله تعالى: ما ~~أشركنا ولا آباؤنا [الأنعام: 148] . # قال القاضي أبو محمد: ولسيبويه رحمه الله في هذه الآية أن العطف ساغ دون ~~توكيد بضمير منفصل لأن الكلام طال ب لا في قوله: ولا آباؤنا فكانت لا عوضا ~~من التوكيد كما طال الكلام في قولهم حضر القاضي اليوم امرأة، قال أبو علي: ~~وهذا إنما يستقيم أن يكون عوضا إذا وقع قبل حرف العطف فهناك يكون عوضا من ~~الضمير الواقع قبل حرف العطف، فأما إذا وقع بعد حرف العطف فلا يسد مسد ~~الضمير، ألا ترى أنك قلت حضر امرأة القاضي اليوم لم يغن طول الكلام في غير ~~الموضع الذي ينبغي أن يقع فيه. # قال القاضي أبو محمد: وكلام سيبويه متجه على النظر النحوي وإن كان الطول ~~قبل حرف العطف أتم فإنه بعد حرف العطف مؤثر لا سيما في هذه الآية، لأن لا ~~ربطت المعنى إذ قد تقدمها نفي ونفت هي أيضا عن الآباء فتمكن العطف، قال أبو ~~علي ومن رفع «والجروح قصاص» فقطعه مما قبله فإن ذلك يحتمل هذه الوجوه ~~الثلاثة التي احتملها رفع والعين، ويجوز أن يستأنف والجروح ليس على أنه مما ~~كتب عليهم في التوراة، لكن على استئناف إيجاب وابتداء شريعة. ويقوي أنه من ~~المكتوب عليهم نصب من نصبه. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قرأ «أن النفس بالنفس» بتخفيف «أن» ورفع «النفس» ثم رفع ما بعدها إلى ~~آخر الآية. وقرأ أبي بن كعب بنصب «النفس» وما بعدها ثم قرأ: «وأن الجروح ~~قصاص» بزيادة «أن» الخفيفة ورفع «الجروح» . # ومعنى هذه الآية الخبر بأن الله تعالى كتب فرضا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا ms1018 فيجب في ذلك أخذ نفسه ثم هذه الأعضاء المذكورة كذلك ثم استمر هذا ~~الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه. ومضى ~~عليه إجماع الناس، وذهب قوم من العلماء إلى تعميم قوله: # النفس بالنفس فقتلوا الحر بالعبد والمسلم بالذمي، والجمهور على أنه عموم ~~يراد به الخصوص في المتماثلين. وهذا مذهب مالك وفيه الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لا يقتل مسلم بكافر» وقال ابن عباس رضي الله عنه: رخص ~~الله لهذه الأمة ووسع عليها بالدية ولم يجعل لبني إسرائيل دية فيما نزل على ~~موسى وكتب عليهم. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذه الآية بيان لفساد فعل بني إسرائيل في تعزر ~~بعضهم على بعض وكون بني النضير على الضعف في الدية من بني قريظة أو على أن ~~لا يقاد بينهم بل يقنع بالدية، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية وأعلم أنهم ~~خالفوا كتابهم، وحكى الطبري عن ابن عباس: كان بين حيين من الأنصار قتال ~~فصارت بينهم قتلى وكان لأحدهما طول على الآخر فجاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل الحر بالحر والعبد بالعبد. قال الثوري: وبلغني عن ابن عباس أنه ~~قال ثم نسختها النفس بالنفس. PageV02P197 # قال القاضي أبو محمد: وكذلك قوله تعالى: والجروح قصاص هو عموم يراد به ~~الخصوص في جراح القود، وهي التي لا يخاف منها على النفس، فأما ما خيف منه ~~كالمأمومة وكسر الفخذ ونحو ذلك فلا قصاص فيها. و «القصاص» مأخوذ من قص ~~الأثر وهو اتباعه. فكأن الجاني يقتص أثره ويتبع فيما سنه فيقتل كما قتل، ~~وقوله تعالى: فمن تصدق به فهو كفارة له يحتمل ثلاثة معان، أحدها أن تكون ~~«من» للجروح أو ولي القتيل. ويعود الضمير في قوله: له عليه أيضا، ويكون ~~المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو ~~كفارة له عن ذنوبه ويعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه، وقال بهذا التأويل عبد ~~الله بن عمر وجابر بن زيد وأبو الدرداء وذكر ms1019 أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة ~~وحط عنه خطيئة، وذكر مكي حديثا من طريق الشعبي أنه يحط من ذنوبه بقدر ما ~~عفا من الدية والله أعلم. وقال به أيضا قتادة والحسن، والمعنى الثاني أن ~~تكون «من» للجروح أو ولي القتيل، والضمير في له يعود على الجارح أو القاتل ~~إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصح عنه: فذلك العفو كفارة للجارح عن ~~ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى ~~الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر لأن المعنى يقتضيه، قال ~~بهذا التأويل ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وإبراهيم وعامر الشعبي ~~وزيد بن أسلم، والمعنى الثالث أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في له يعود ~~عليه أيضا، والمعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن ~~الحق من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه، وذهب القائلون بهذا التأويل إلى ~~الاحتجاج بأن مجاهدا قال إذا أصاب رجل رجلا ولم يعلم المصاب من أصابه ~~فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب، وروي أن عروة بن الزبير أصاب عين إنسان ~~عند الركن وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة أنا أصبتك ~~وأنا عروة بن الزبير. فإن كان بعينك بأس فإنها بها. # قال القاضي أبو محمد: وانظر أن تصدق على هذا التأويل يحتمل أن يكون من ~~الصدقة ومن الصدق، وذكر مكي بن أبي طالب وغيره أن قوما تأولوا الآية أن ~~المعنى والجروح قصاص فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت ~~منه وقبلت. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل قلق. وقد تقدم القول على قوله تعالى: ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله الآية. وفي مصحف أبي بن كعب «ومن يتصدق به فإنه ~~كفارة له» . # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 46 الى 48] # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين ms1020 يديه من التوراة وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ~~(46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون (47) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك ~~من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون (48) # قفينا تشبيه كأن مجيء عيسى كان في قفاء مجيء النبيين وذهابهم، والضمير في ~~آثارهم PageV02P198 # للنبيين المذكورين في قوله: يحكم بها النبيون [المائدة: 44] ومصدقا حال ~~مؤكده. # والتوراة بين يدي عيسى لأنها جاءت قبله كما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين يدي الساعة، وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع، والإنجيل ~~اسم أعجمي ذهب به مذهب الاشتقاق من نجل إذا استخرج وأظهر، والناس على ~~قراءته بكسر الهمزة إلا الحسن بن أبي الحسن فإنه قرأ «الإنجيل» بفتح ~~الهمزة، وقد تقدم القول على ذلك في أول سورة آل عمران. و «الهدى» الإرشاد ~~والدعاء إلى توحيد الله وإحياء أحكامه. و «النور» ما فيه مما يستضاء به. ~~ومصدقا حال مؤكدة معطوفة على موضع الجملة التي هي فيه هدى فإنها جملة في ~~موضع الحال. وقال مكي وغيره: مصدقا معطوف على الأول. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا قلق من جهة اتساق المعاني. وقرأ الناس ~~«وهدى وموعظة» بالنصب. وذلك عطف على مصدقا، وقرأ الضحاك «وهدى وموعظة» ~~بالرفع وذلك متجه. وخص «المتقين» بالذكر لأنهم المقصود به في علم الله وإن ~~كان الجميع يدعى ويوعظ ولكن ذلك على غير المتقين عمى وحيرة. # وقرأ أبي بن كعب «وأن ليحكم» بزيادة أن. وقرأ حمزة وحده «وليحكم» بكسر ~~اللام وفتح الميم على لام كي ونصب الفعل بها، والمعنى وآتيناه الإنجيل ~~ليتضمن الهدى والنور والتصديق ليحكم أهله بما أنزل الله فيه، وقرأ باقي ~~السبعة «وليحكم» بسكون ms1021 اللام التي هي لام الأمر وجزم الفعل. ومعنى أمره لهم ~~بالحكم أي هكذا يجب عليهم. وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما أنزل ~~الله. ومن القراء من يكسر لام الأمر ويجزم الفعل وقد تقدم نظير هذه الآية، ~~وتقريره هذه الصفات لمن لم يحكم بما أنزل الله هو على جهة التأكيد وأصوب ما ~~يقال فيها أنها تعم كل مؤمن وكل كافر، فيجيء كل ذلك في الكافر على أتم ~~وجوهه، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية وظلمها وفسقها. # وأخبر تعالى بعد بنزول هذا القرآن، وقوله: بالحق يحتمل أن يريد مضمنا ~~الحقائق من الأمور فكأنه نزل بها، ويحتمل أن يريد أنه أنزله بأن حق ذلك لا ~~أنه وجب على الله ولكن حق في نفسه وأنزله الله تعالى صلاحا لعباده، وقوله: ~~من الكتاب يريد من الكتب المنزلة. فهو اسم جنس، واختلفت عبارة المفسرين في ~~معنى «مهيمن» . فقال ابن عباس: مهيمنا شاهدا. وقال أيضا مؤتمنا. وقال ابن ~~زيد: # معناه مصدقا، وقال الحسن بن أبي الحسن أمينا، وحكى الزجاج رقيبا ولفظة ~~المهيمن أخص من هذه الألفاظ، لأن المهيمن على الشيء هو المعني بأمره الشاهد ~~على حقائقه الحافظ لحاصله ولأن يدخل فيه ما ليس منه والله تبارك وتعالى هو ~~المهيمن على مخلوقاته وعباده، والوصي مهيمن على محجوريه وأموالهم، والرئيس ~~مهيمن على رعيته وأحوالهم، والقرآن جعله الله مهيمنا على الكتب يشهد بما ~~فيها من الحقائق وعلى ما نسبه المحرفون إليها فيصحح الحقائق ويبطل التحريف، ~~وهذا هو شاهد ومصدق ومؤتمن وأمين، و «مهيمن» بناء اسم فاعل، قال أبو عبيدة: ~~ولم يجىء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة أحرف. # وهي مسيطر ومبيطر ومهيمن ومجيمر. وذكر أبو القاسم الزجاج في شرحه لصدر ~~أدب الكتاب ومبيقر. يقال بيقر الرجل إذا سار من الحجاز إلى الشام ومن أفق ~~إلى أفق، وبيقر أيضا لعب البيقرا وهي لعب يلعب بها PageV02P199 # الصبيان، وقال مجاهد قوله تعالى: ومهيمنا عليه يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم هو مؤتمن على القرآن. # قال القاضي أبو محمد: ms1022 وغلط الطبري رحمه الله في هذه اللفظة على مجاهد ~~فإنه فسر تأويله على قراءة الناس «مهيمنا» بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ~~ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن «ومهيمنا» عليه بفتح الميم ~~الثانية فهو بناء اسم المفعول. وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: # مصدقا وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم وعليه ~~في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك ~~مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع قال أبو العباس ~~محمد بن يزيد المبرد رحمه الله: «مهيمن» أصله «مويمن» بني من أمين، أبدلت ~~همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج: وهذا حسن على طريق ~~العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى «مهيمن» مؤتمن، وحكى ابن ~~قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلبا ~~فقال: إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد ~~وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب. # قال القاضي أبو محمد: ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه ~~وحاطه وصار قائما عليه أمينا، ويحتمل أن يكون مصدقا ومهيمنا حالين من الكاف ~~في إليك. ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي. # قوله عز وجل: # فاحكم بينهم بما أنزل الله # # قال بعض العلماء هذه ناسخة لقوله: أو أعرض عنهم [المائدة: 42] وقد تقدم ~~ذكر ذلك. وقال الجمهور: إنه ليس بنسخ، وإن المعنى فإن اخترت أن تحكم فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله ثم حذر تعالى نبيه من اتباع أهوائهم أي شهواتهم ~~وإرادتهم التي هي هوى وسول للنفس، والنفس أمارة بالسوء فهواها مرد لا ~~محالة، وحسن هنا دخول عن في قوله: عما جاءك من الحق لما كان الكلام بمعنى ~~لا تنصرف أو لا تزحزح بحسب أهوائهم عما جاءك. واختلف المتأولون في معنى ~~قوله عز وجل لكل جعلنا منكم ms1023 شرعة ومنهاجا # فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتادة وجمهور المتكلمين: المعنى «لكل ~~أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجا» أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك ~~وللمسلمين كذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين ~~واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى ~~في كتابه عددا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] فهذا عند العلماء ~~في PageV02P200 # المعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا. # قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول عليه الناس. ويحتمل أن يكون المراد ~~بقوله: لكل جعلنا منكم الأمم كما قدمنا. ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء لا ~~سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم، وتجيء الآية مع هذا الاحتمال في ~~الأنبياء تنبيها لمحمد صلى الله عليه وسلم أي فاحفظ شرعتك ومنهاجك لئلا ~~يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه، والمتأولون على أن الشرعة والمنهاج في ~~هذه الآية لفظان بمعنى واحد، وذلك أن الشرعة والشريعة هي الطريق إلى الماء ~~وغيره مما يورد كثيرا فمن ذلك قول الشاعر: # وفي الشرائع من جلان مقتنص ... بالي الثياب خفي الصوت مندوب # أراد في الطرق إلى المياه، ومنه الشارع وهي سكك المدن، ومنه قول الناس ~~وفيها يشرع الباب، والمنهاج أيضا الطريق، ومنه قول الشاعر: # من يك في شك فهذا نهج ... ماء رواء وطريق نهج # أراد واضحا والمنهاج بناء مبالغة في ذلك، وقال ابن عباس وغيره: شرعة ~~ومنهاجا معناه سبيلا وسنة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويحتمل لفظ الآية أن يريد بالشرعة ~~الأحكام، وبالمنهاج المعتقد أي وهو واحد في جميعكم، وفي هذا الاحتمال بعد، ~~والقراء على «شرعة» بكسر الشين وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب «شرعة» ~~بفتح الشين، ثم أخبر تعالى بأنه لو شاء لجعل العالم أمة واحدة ولكنه لم يشأ ~~لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع، كذا قال ابن ~~جريج وغيره، ms1024 فليس لهم إلا أن يجدوا في امتثال الأوامر وهو استباق الخيرات، ~~فلذلك أمرهم بأحسن الأشياء عاقبة لهم، ثم حثهم تعالى بالموعظة والتذكير ~~بالمعاد في قوله إلى الله مرجعكم جميعا والمعنى فالبدار البدار، وقوله ~~تعالى: فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون معناه يظهر الثواب والعقاب فتخبرون به ~~إخبار إيقاع، وإلا فقد نبأ الله في الدنيا بالحق فيما اختلفت الأمم فيه. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية بارعة الفصاحة جمعت المعاني الكثيرة في ~~الألفاظ اليسيرة، وكل كتاب الله كذلك، إلا أنا بقصور أفهامنا يبين في بعض ~~لنا أكثر مما يبين في بعض. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 49 الى 50] # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله ~~حكما لقوم يوقنون (50) # وأن احكم معطوف على الكتاب في قوله: وأنزلنا إليك الكتاب [المائدة: 48] ، ~~وقال مكي: هو معطوف على «الحق» في قوله: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~[المائدة: 48] ، والوجهان حسنان، ويقرأ PageV02P201 # بضم النون من «أن احكم» مراعاة للضمة في عين الفعل المضارع، ويقرأ بكسرها ~~على القانون في التقاء الساكنين، وهذه الآية ناسخة عند قوم للتخيير الذي في ~~قوله أو أعرض عنهم [المائدة: 42] وقد تقدم ذكر ذلك، ثم نهاه تعالى عن اتباع ~~أهواء بني إسرائيل إذ هي مضلة، والهوى في الأغلب إنما يجيء عبارة عما لا ~~خير فيه، وقد يجيء أحيانا مقيدا بما فيه خير، من ذلك قول عمر بن الخطاب في ~~قصة رأيه ورأي أبي بكر في أسرى بدر: فهوى رسول الله رأي أبي بكر، ومنه قول ~~عمر بن عبد العزيز وقد قيل له ما ألذ الأشياء عندك؟ قال: حق وافق هوى، ~~والهوى مقصور ووزنه فعل، ويجمع على أهواء، والهواء ممدود ويجمع على أهوية، ~~ثم حذر تبارك وتعالى من جهتهم «أن يفتنوه» أي يصرفوه بامتحانهم وابتلائهم ~~عن شيء مما أنزل الله عليه من ms1025 الأحكام، لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مرارا احكم لنا في نازلة كذا بكذا ونتبعك ~~على دينك، وقوله تعالى: فإن تولوا قبله محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر، ~~تقديره لا تتبع واحذر، فإن حكموك مع ذلك واستقاموا فنعما ذلك وإن تولوا ~~فاعلم، ويحسن أن يقدر هذا المحذوف المعادل بعد قوله لفاسقون، وقوله تعالى: ~~فاعلم الآية وعد للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم، وقد أنجزه بقصة بني قينقاع ~~وقصة قريظة والنضير وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم، وخصص تعالى إصابتهم ~~ببعض الذنوب دون كلها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا وذنوبهم فيها ~~نوعان: # نوع يخصهم كشرب الخمر ورباهم ورشاهم ونحو ذلك، ونوع يتعدى إلى النبي ~~والمؤمنين كمعاملاتهم للكفار وأقوالهم في الدين، فهذا النوع هو الذي يوجد ~~إليهم السبيل وبه هلكوا وبه توعدهم الله في الدنيا، فلذلك خصص البعض دون ~~الكل، وإنما يعذبون بالكل في الآخرة، وقوله تعالى: وإن كثيرا من الناس ~~لفاسقون إشارة إليهم لكن جاءت العبارة تعمهم وغيرهم ليتنبه سواهم ممن كان ~~على فسق ونفاق وتول عن النبي عليه السلام فيرى أنه تحت الوعيد. # واختلف القراء في قوله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون فقرأ الجمهور بنصب ~~الميم على إعمال فعل ما يلي ألف الاستفهام بينه هذا الظاهر بعد، وقرأ يحيى ~~بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج «أفحكم» برفع الميم، قال ابن مجاهد: وهي ~~خطأ، قال أبو الفتح: ليس كذلك ولكنه وجه غيره أقوى منه. # وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم: # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع # برفع كل. # قال القاضي أبو محمد: وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح لأنه أراد ~~التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب «كل» لكان ظاهر قوله إنه صنع بعضه، وهذا هو ~~حذف الضمير من الخبر وهو قبيح، التقدير يبغونه ولم أصنعه، وإنما يحذف ~~الضمير كثيرا من الصلة كقوله تعالى: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان: ~~41] ، وكما تقول مررت بالذي أكرمت، ويحذف أقل من ذلك من ms1026 الصفة، وحذفه من ~~الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين: أحدهما أنه ليس ~~في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى: أفحكم والثاني ~~أن في البيت عوضا من الهاء المحذوفة، وذلك حرف PageV02P202 # الإطلاق أعني الياء في اصنعي فتضعف قراءة من قرأ «أفحكم» بالرفع لأن ~~الفعل بعده لا ضمير فيه ولا عوض من الضمير، وألف الاستفهام التي تطلب الفعل ~~ويختار معها النصب وإن لفظ بالضمير حاضرة، وإنما تتجه القراءة على أن يكون ~~التقدير أفحكم الجاهلية حكم يبغون فلا تجعل يبغون خبرا بل تجعله صفة خبر ~~موصوف محذوف، ونظيره قوله تعالى: من الذين هادوا يحرفون الكلم [النساء: 46] ~~تقديره قوم يحرفون فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، ومثله قول الشاعر: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وقرأ سليمان بن مهران «أفحكم» بفتح الحاء والكاف والميم وهو اسم جنس، ~~وجاز إضافة اسم الجنس على نحو قولهم منعت العراق قفيزها ودرهمها ومصر ~~أردبها، وله نظائر. # قال القاضي أبو محمد: فكأنه قال أفحكام الجاهلية يبغون؟ إشارة إلى الكهان ~~الذين كانوا يأخذون الحلوان ويحكمون بحسبه وبحسب الشهوات، ثم ترجع هذه ~~القراءة بالمعنى إلى الأولى لأن التقدير أفحكم الجاهلية، وقرأ ابن عامر ~~«تبغون» بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وباقي السبعة «يبغون» بالياء من ~~تحت، ويبغون معناه يطلبون ويريدون، وقوله تعالى: ومن أحسن من الله حكما ~~تقرير أي لا أحد أحسن منه حكما تبارك وتعالى وحسن دخول اللام في قوله: لقوم ~~من حيث المعنى يبين ذلك ويظهر لقوم يوقنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 52] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين ~~في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) # نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن ms1027 اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في ~~النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة. وحكم هذه الآية باق. وكل ~~من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى: ~~فإنه منهم، وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا ~~تدخل في النهي، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديا ورهنه درعه، ~~واختلف المفسرون في سبب هذه الآية، فقال عطية بن سعد والزهري وابن إسحاق ~~وغيرهم: سببها أنه لما انقضت بدر وشجر أمر بني قينقاع أراد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قتلهم فقام دونهم عبد الله بن أبي ابن سلول وكان حليفا لهم، ~~وكان لعبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد الله، فلما رأى عبادة منزع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سلكته يهود من المشاقة لله ورسوله جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أبرأ إلى الله من حلف ~~يهود وولائهم ولا والي إلا الله ورسوله، وقال عبد الله بن أبي: أما أنا فلا ~~أبرأ من ولاء يهود، فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر، وحكى ابن ~~إسحاق في السير أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في جيب ~~درعه، وقال: يا محمد أحسن في موالي، فقال له رسول الله: PageV02P203 # أرسل الدرع من يدك، فقال لا والله حتى تهبهم لي لأنهم ثلاثمائة دارع ~~وأربعمائة حاسر أفأدعك تحصدهم في غداة واحدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قد وهبتهم لك، ونزلت الآية في ذلك، وقال السدي: سبب هذه الآية أنه ~~لما نزل بالمسلمين أمر أحد فزع منهم قوم وقال بعضهم لبعض نأخذ من اليهود ~~عصما ليعاضدونا إن ألمت بنا قاصمة من قريش وسائر العرب، فنزلت الآية في ~~ذلك، وقال عكرمة: سبب الآية أمر أبي لبابة بن عبد المنذر وإشارته إلى قريظة ~~أنه الذبح حين استفهموه عن رأيه في نزولهم على حكم سعد بن معاذ. # قال القاضي أبو محمد: وكل هذه الأقوال ms1028 محتمل، وأوقات هذه النوازل مختلفة، ~~وقرأ أبي بن كعب وابن عباس «لا تتخذوا اليهود والنصارى أربابا بعضهم» ، ~~وقوله تعالى: بعضهم أولياء بعض جماعة مقطوعة من النهي يتضمن التفرقة بينهم ~~وبين المؤمنين، وقوله تعالى: بعضهم أولياء بعض جماعة مقطوعة من النهي يتضمن ~~التفرقة بينهم وبين المؤمنين، وقوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~إنحاء على عبد الله بن أبي وكل من اتصف بهذه الصفة من موالاتهم، ومن تولاهم ~~بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار، ومن ~~تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان فهو منهم في ~~المقت والمذمة الواقعة عليهم وعليه، وبهذه الآية جوز ابن عباس وغيره ذبائح ~~النصارى من العرب وقال: ومن يتولهم منكم فإنه منهم فقال من دخل في دين قوم ~~فهو منهم، وسئل ابن سيرين رحمه الله عن رجل أراد بيع داره من نصارى ~~يتخذونها كنيسة فتلا هذه الآية، وقوله تعالى: إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين عموم فإما أن يراد به الخصوص فيمن سبق في علم الله أن لا يؤمن ولا ~~يهتدي وإما أن يراد به تخصيص مدة الظلم والتلبس بفعله، فإن الظلم لا هدى ~~فيه، والظالم من حيث هو ظالم فليس بمهدي في ظلمه. # وقوله تعالى: فترى الذين في قلوبهم مرض الآية، مخاطبة محمد صلى الله عليه ~~وسلم والإشارة إلى عبد الله بن أبي ابن سلول ومن تبعه من المنافقين على ~~مذهبه في حماية بني قينقاع، ويدخل في الآية من كان من مؤمني الخزرج يتابعه ~~جهالة وعصبية، فهذا الصنف له حظه من مرض القلب، وقراءة جمهور الناس «ترى» ~~بالتاء من فوق، فإن جعلت رؤية عين ف يسارعون حال وفيها الفائدة المقصودة، ~~وإن جعلت رؤية قلب ف يسارعون في موضع المفعول الثاني، ويقولون حال، وقرأ ~~إبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب «فيرى» بالياء من تحت والفاعل على هذه ~~القراءة محذوف ولك أن تقدر فيرى الله أو فيرى الرأي والذين مفعول، ويحتمل ~~أن يكون الذين فاعل والمعنى أن يسارعوا فحذفت «أن» إيجازا ms1029 يسارعون فيهم ~~معناه في نصرتهم وتأنيسهم وتجميل ذكرهم، وقوله تعالى: يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة لفظ محفوظ عن عبد الله بن أبي، ولا محالة أنه قال بقوله ~~منافقون كثير، والآية تعطي ذلك، ودائرة معناه نازلة من الزمان وحادثة من ~~الحوادث تحوجنا إلى موالينا من اليهود، وتسمى هذه الأمور دوائر على قديم ~~الزمان من حيث الليل والنهار في دوران، فكأن الحادث يدور بدورانها حتى ينزل ~~فيمن نزل، ومنه قول الله تعالى: دائرة السوء [التوبة: 98، الفتح: 6] ويتربص ~~بكم الدوائر [التوبة: 98] ومنه قول الشاعر: # والدهر بالإنسان دواري PageV02P204 # وقول الآخر: # ويعلم أن النائبات تدور # وقول الآخر: # يرد عنك القدر المقدورا ... ودائرات الدهر أن تدورا # ويعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الزمان قد استدار» . # قال القاضي أبو محمد: وفعل عبد الله بن أبي في هذه النازلة لم يكن ظاهره ~~مغالبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو فعل ذلك لحاربه رسول الله، وإنما ~~كان يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستبقيهم لنصرة محمد ولأن ذلك هو ~~الرأي، وقوله إني امرؤ أخشى الدوائر أي من العرب وممن يحارب المدينة ~~وأهلها، وكان يبطن في ذلك كله التحرز من النبي والمؤمنين وآلفت في أعضادهم، ~~وذلك هو الذي أسر هو في نفسه ومن معه على نفاقه ممن يفتضح بعضهم إلى بعض، ~~وقوله تبارك وتعالى: فعسى الله مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ~~ووعد لهم، و «عسى» من الله واجبة، واختلف المتأولون في معنى بالفتح في هذه ~~الآية فقال قتادة: يعني به القضاء في هذه النوازل، والفتاح القاضي، فكان ~~هذا الوعد هو مما نزل ببني قينقاع بعد ذلك ويقريظة والنضير، وقال السدي ~~يعني به فتح مكة. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر الفتح في هذه الآية ظهور رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلو كلمته، أي فيبدو الاستغناء عن اليهود ويرى المنافق أن الله ~~لم يوجد سبيلا إلى ما كان يؤمل فيهم من المعونة على أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم والدفع في صدر نبوته فيندم حينئذ ms1030 على ما حصل فيه من محادة الشرع، ~~وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله عليه السلام والمؤمنين كالذي وقع ~~وظهر بعد، وقوله تعالى: أو أمر من عنده قال السدي المراد ضرب الجزية. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن هذا التقسيم إنما هو لأن الفتح الموعود به ~~هو ما يتركب على سعي النبي وأصحابه ويسببه جدهم وعملهم، فوعد الله تعالى ~~إما بفتح بمقتضى تلك الأفعال وإما بأمر من عنده يهلك أعداء الشرع هو أيضا ~~فتح لا يقع للبشر فيه تسبيب، وقوله تعالى: فيصبحوا معناه يكونون كذلك طول ~~دهرهم، وخص الإصباح بالذكر لأن الإنسان في ليله مفكر متستر، فعند الصباح ~~يرى بالحالة التي اقتضتها فكره أو أمراضه ونحو ذلك ومنه قول الشاعر: # أصبحت لا أحمل السلاح # إلى غير هذا من الأمثلة، والذي أسروه هو ما ذكرناه من التمرس بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وإعداد اليهود للثورة عليه يوما ما، وقرأ ابن الزهري «فيصبح ~~الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين» . # قوله عز وجل. PageV02P205 ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 53 الى 54] # ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم (54) # اختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع «يقول» بغير ~~واو عطف وبرفع اللام. # وكذلك ثبت في مصاحف المدينة ومكة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «ويقول» ~~بإثبات الواو. وكذلك ثبت في مصاحف الكوفيين. وقال الطبري كذلك هي في مصاحف ~~أهل الشرق. وقرأ أبو عمرو وحده «ويقول» بإثبات الواو وبنصب اللام. قال أبو ~~علي وروى علي بن نصر عن أبي عمرو النصب والرفع في اللام. فأما قراءة ابن ~~كثير ونافع فمتعاضدة مع قراءة حمزة والكسائي. لأن الواو ليست عاطفة مفرد ~~على مفرد مشركة في العامل وإنما هي عاطفة ms1031 جملة على جملة وواصلة بينهما ~~والجملتان متصلتان بغير واو. إذ في الجملة الثانية ذكر من الجملة المعطوف ~~عليها. إذ الذين يسارعون وقالوا نخشى ويصبحون نادمين هم الذين قيل فيهم. # أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم فلما كانت الجملتان هكذا حسن ~~العطف بالواو وبغير الواو. كما أن قوله تعالى: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم [الكهف: 22] لما كان في كل واحدة من الجملتين ~~ذكر مما تقدم اكتفى بذلك عن الواو، وعلى هذا قوله تعالى: أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون [البقرة: 39 الأعراف: 36 يونس: 27] ولو دخلت الواو فقيل ~~«وهم فيها خالدون» كان حسنا. # قال القاضي أبو محمد: ولكن براعة الفصاحة في الإيجاز، ويدل على حسن دخول ~~الواو قوله تعالى: ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم [الكهف: 22] فحذف الواو من ~~قوله ويقول الذين آمنوا كحذفها من هذه الآية، وإلحاقها في قوله ثامنهم. # قال القاضي أبو محمد: وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من ~~المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، ~~فحينئذ يقول المؤمنون أهؤلاء الذين أقسموا [المائدة: # 53] الآية. وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين ~~في قلوبهم مرض نخشى أن تصيبنا دائرة [المائدة: 52] وعند أفعالهم ما فعلوا ~~في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو ~~إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~بني قينقاع لعبد الله بن أبي رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد ~~الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب ~~المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك ~~موطنا يحسن أن يقول فيه المؤمنون أهؤلاء الذين أقسموا الآية، وأما قراءة ~~أبي عمرو ويقول بنصب اللام فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند ~~الفتح وظهور ندامة المنافقين وفضيحتهم، لأن الواو عاطفة فعل على فعل مشركة ~~في العامل، وتوجه عطف ويقول مطرد ms1032 على ثلاثة أوجه، أحدها على المعنى، وذلك ~~أن قوله فعسى الله أن يأتي بالفتح [المائدة: 52] إنما المعنى فيه فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح فعطف قوله تعالى: ويقول على يأتي اعتمادا على المعنى، وإلا ~~فلا PageV02P206 # يجوز أن يقال عسى الله أن يقول المؤمنون. وهكذا قوله تعالى: لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن [المنافقون: 10] لما كان المعنى «أخرني إلى أجل ~~قريب» أصدق وحمل أكن على الجزم الذي يقتضيه المعنى في قوله فأصدق، والوجه ~~الثاني أن يكون قوله أن يأتي بالفتح [المائدة: 52] بدلا من اسم الله عز وجل ~~كما أبدل من الضمير في قوله تعالى: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~[الكهف: 63] ثم يعطف ويقول على أن يأتي لأنه حينئذ كأنك قلت عسى أن يأتي، ~~والوجه الثالث أن يعطف قوله ويقول على فيصبحوا [المائدة: 52] إذ هو فعل ~~منصوب بالفاء في جواب التمني، إذ قوله عسى الله تمن وترج في حق البشر، وفي ~~هذا الوجه نظر وكذلك عندي في منعهم جواز عسى الله أن يقول المؤمنون نظر، إذ ~~الله تعالى يصيرهم يقولون بنصره وإظهار دينه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتمادا ~~على المعنى وقوله تعالى: جهد أيمانهم نصب جهد على المصدر المؤكد والمعنى ~~أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الأيمان إنهم لمعكم ثم قد ظهر الآن ~~منهم من موالاة اليهود وخذل الشريعة ما يكذب إيمانهم، ويحتمل قوله تعالى: ~~حبطت أعمالهم أن يكون إخبارا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من قول ~~المؤمنين على جهة الإخبار بما حصل في اعتقادهم إذ رأوا المنافقين في هذه ~~الأحوال، ويحتمل أن يكون قوله حبطت أعمالهم على جهة الدعاء إما من الله ~~تعالى عليهم وإما من المؤمنين، وحبط العمل إذا بطل بعد أن كان حاصلا، وقد ~~يقال حبط في عمل الكفار وإن كان لم يتحصل على جهة التشبيه، وقرأ جمهور ~~الناس «حبطت بكسر الباء وقرأ أبو واقد والجراح «حبطت» بفتح الباء وهي لغة. # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه الآية قال فيها ~~الحسن بن ms1033 أبي الحسن ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وقتادة نزلت الآية خطابا ~~للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة، والإشارة بالقوم الذين يأتي الله بهم إلى ~~أبي بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، وقال هذا القول ابن جريج ~~وغيره. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى الآية عندي أن الله وعد هذه الأمة من ارتد ~~منها فإنه يجيء بقوم ينصرون الدين ويغنون عن المرتدين فكان أبو بكر وأصحابه ~~ممن صدق فيهم الخبر في ذلك العصر، وكذلك هو عندي أمر علي مع الخوارج، وروى ~~أبو موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية قرأها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري وقال هذا القول عياض، وقال شريح بن ~~عبيد: لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنا وقومي هم يا ~~رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ولكنهم قوم هذا، وأشار ~~إلى أبي موسى، وقال مجاهد ومحمد بن كعب أيضا: الإشارة إلى أهل اليمن، وقاله ~~شهر بن حوشب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله عندي قول واحد، لأن أهل اليمن هم قوم أبي ~~موسى، ومعنى الآية على هذا القول مخاطبة جميع من حضر عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم على معنى التنبيه لهم والعتاب والتوعد، وقال السدي الإشارة ~~بالقوم إلى الأنصار. PageV02P207 # قال القاضي أبو محمد: وهذا على أن يكون قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ~~خطابا للمؤمنين الحاضرين يعم مؤمنهم ومنافقهم. لأن المنافقين كانوا يظهرون ~~الإيمان، والإشارة بالارتداد إلى المنافقين، والمعنى أن من نافق وارتد فإن ~~المحققين من الأنصار يحمون الشريعة ويسد الله بهم كل ثلم، وقرأ أبو عمرو ~~وابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم «يرتد» بإدغام الدال في الدال، وقرأ نافع ~~وابن عامر «يرتدد» بترك الإدغام، وهذه لغة الحجاز، مكة وما جاورها، ~~والإدغام لغة تميم، وقوله تعالى أذلة على المؤمنين معناه متذللين من قبل ~~أنفسهم غير متكبرين، وهذا كقوله تعالى: أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~[الفتح: 29] . وكقوله عليه السلام «المؤمن هين لين» ، وفي ms1034 قراءة ابن مسعود ~~«أذلة على المؤمنين غلظاء على الكافرين» ، وقوله تعالى: ولا يخافون لومة ~~لائم إشارة إلى الرد على المنافقين في أنهم كانوا يعتذرون بملامة الأخلاق ~~والمعارف من الكفار ويراعون أمرهم، وقوله تعالى: ذلك فضل الله الإشارة بذلك ~~إلى كون القوم يحبون الله ويحبهم، وقد تقدم القول غير مرة في معنى محبة ~~الله للعبد وأنها إظهار النعم المنبئة عن رضاه عنه وإلباسه إياها. وواسع ~~معناه ذو سعة فيما يملك ويعطي وينعم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 55 الى 57] # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين (57) # الخطاب بقوله: إنما وليكم الله الآية للقوم الذين قيل لهم لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء [المائدة: # 51] ، وإنما في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى، وولي اسم جنس، وقرأ ابن ~~مسعود «إنما موليكم الله» وقوله: والذين آمنوا أي ومن آمن من الناس حقيقة ~~لا نفاقا وهم الذين يقيمون الصلاة المفروضة بجميع شروطها ويؤتون الزكاة، ~~وهي هنا لفظ عام للزكاة المفروضة وللتطوع بالصدقة ولكل أفعال البر، إذ هي ~~تنمية للحسنات مطهرة للمرء من دنس الذنوب، فالمؤمنون يؤتون من ذلك كل بقدر ~~استطاعته، وقرأ ابن مسعود «آمنوا والذين يقيمون» بواو، وقوله تعالى: وهم ~~راكعون جملة معطوفة على جملة، ومعناه وصفهم بتكثير الصلاة وخص الركوع ~~بالذكر لكونه من أعظم أركان الصلاة، وهو هيئة تواضع فعبر به عن جميع ~~الصلاة، كما قال والركع السجود [البقرة: 125] وهي عبارة عن المصلين، وهذا ~~قول جمهور المفسرين، ولكن اتفق أن عليا بن أبي طالب أعطى صدقة وهو راكع، ~~قال السدي: هذه الآية في جمع المؤمنين ولكن عليا بن أبي طالب مر به سائل ~~وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وروي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج من بيته ms1035 وقد نزلت عليه الآية فوجد مسكينا فقال له هل أعطاك أحد شيئا ~~فقال نعم، أعطاني ذلك الرجل الذي يصلي خاتما من فضة، وأعطانيه وهو راكع، ~~فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الرجل الذي أشار إليه علي بن أبي طالب، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم، الله أكبر وتلا الآية على الناس. PageV02P208 # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقال مجاهد: نزلت الآية في علي بن أبي ~~طالب تصدق وهو راكع، وفي هذا القول نظر، والصحيح ما قدمناه من تأويل ~~الجمهور، وقد قيل لأبي جعفر نزلت هذه الآية في علي، فقال علي من المؤمنين، ~~والواو على هذا القول في قوله وهم واوا الحال، وقال قوم نزلت الآية من ~~أولها بسبب عبادة بن الصامت وتبريه من بني قينقاع، وقال ابن الكلبي نزلت ~~بسبب قوم أسلموا من أهل الكتاب فجاؤوا فقالوا يا رسول الله بيوتنا بعيدة ~~ولا متحدث لنا إلا مسجدك وقد أقسم قومنا أن لا يخالطونا ولا يوالونا، فنزلت ~~الآية مؤنسة لهم. # ثم أخبر تعالى أن من يتول الله ورسوله والمؤمنين فإنه غالب كل من ناوأه، ~~وجاءت العبارة عامة فإن حزب الله هم الغالبون اختصارا لأن المتولي هو من ~~حزب الله، وحزب الله غالب، فهذا الذي تولى الله ورسوله والمؤمنين غالب، ومن ~~يراد بها الجنس لا مفرد بعينه، و «الحزب» الصاغية والمنتمون إلى صاحب الحزب ~~والمعاونون فيما يحزب، ومنه قول عائشة في حمنة: وكانت تحارب في أمر الإفك ~~فهلكت فيمن هلك، ثم نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى ~~أولياء، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على تجنبهم، وذلك اتخاذهم دين المؤمنين ~~هزوا ولعبا والهزء السخرية والازدراء ويقرأ «هزؤا» بضم الزاي والهمز، و ~~«هزؤا» بسكون الزاي والهمز ويوقف عليه هزا بتشديد الزاي المفتوحة، و «هزوا» ~~بضم الزاي وتنوين الواو، و «هزا» بزاي مفتوحة منونة، ثم بين تعالى جنس ~~هؤلاء أنهم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، واختلف القراء في إعراب الكفار ~~فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة: «والكفار» نصبا، وقرأ أبو ms1036 عمرو ~~والكسائي «والكفار» خفضا، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو النصب، قال أبو ~~علي: حجة من قرأ بالخفض حمل الكلام على أقرب العاملين وهي لغة التنزيل. # قال القاضي أبو محمد: ويدخل «الكفار» على قراءة الخفض فيمن اتخذ دين ~~المؤمنين هزؤا، وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله: إنا كفيناك المستهزئين ~~[الحجر: 95] وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاء ~~المنافقين في قولهم لشياطينهم إنا معكم إنما نحن مستهزؤن [البقرة: 14] ، ~~ومن قرأ «الكفار» بالنصب حمل على الفعل الذي هو لا تتخذوا، ويخرج الكفار من ~~أن يتضمن لفظ هذه الآية استهزاءهم، وقرأ أبي بن كعب «ومن الكفار» بزيادة ~~«من» فهذه تؤيد قراءة الخفض، وكذلك في قراءة ابن مسعود «من قبلكم من الذي ~~أشركوا» ، وفرقت الآية بين الكفار وبين الذين أوتوا الكتاب من حيث الغلب في ~~اسم الكفار أن يقع على المشركين بالله إشراك عبادة أوثان، لأنهم أبعد شأوا ~~في الكفر، وقد قال تعالى: # جاهد الكفار والمنافقين [التوبة: 73] ففرق بينهم إرادة البيان والجمع ~~كفار وكان هذا لأن عباد الأوثان هم كفار من كل جهة، وهذه الفرق تلحق بهم في ~~حكم الكفر وتخالفهم في رتب، فأهل الكتاب يؤمنون بالله وببعض الأنبياء، ~~والمنافقون بألسنتهم، ثم أمر تعالى بتقواه ونبه النفوس بقوله: إن كنتم ~~مؤمنين أي حق مؤمنين. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 58 الى 60] # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) ~~قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر ~~مكانا وأضل عن سواء السبيل (60) PageV02P209 # قوله تعالى: وإذا ناديتم الآية إنحاء على اليهود وتبيين لسوء فعلهم فإنهم ~~كانوا إذا سمعوا قيام المؤمنين إلى الصلاة قال بعضهم لبعض، قد قاموا لا ~~قاموا، إلى غير هذا من الألفاظ التي يستخفون بها في وقت الأذان وغيره، ms1037 وكل ~~ما ذكر من ذلك فهو مثال، وقد ذكر السدي أنه كان رجل من النصارى بالمدينة ~~فكان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله، قال حرق الله الكاذب، ~~فما زال كذلك حتى سقط مصباح في بيته ليلة فأحرقه واحترق النصراني لعنه ~~الله، ثم ذكر تعالى أن فعلهم هذا إنما هو لعدم عقولهم، وإنما عدموها إذ لم ~~تتصرف كما ينبغي بها، فكأنها لم توجد. # ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب هل تنقمون منا ~~ومعناه هل تعدون علينا ذنبا أو نقيصة، يقال «نقم» بفتح القاف ينقم بكسرها، ~~وعلى هذه اللغة قراءة الجمهور، ويقال «نقم» بكسر القاف ينقم بفتحها وعلى ~~هذه اللغة قرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو البرهسم والنخعي، وهذه الآية من ~~المحاورة البليغة الوجيزة، ومثلها قوله تعالى: وما نقموا منهم، إلا أن ~~يؤمنوا بالله [البروج: 8] ونظير هذا الغرض في الاستثناء قول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وقرأ الجمهور «أنزل» بضم الهمزة، وكذلك في الثاني، وقرأ أبو نهيك «أنزل» ~~بفتح الهمزة والزاي فيهما، وقوله تعالى: وأن أكثركم فاسقون هو عند أكثر ~~المتأولين معطوف على قوله: أن آمنا فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه، وهذا لا ~~يتجه معناه، وروي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال في ذلك بفسقهم نقموا علينا ~~الإيمان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام صحيح في نفسه لكنه غير مغن في تقويم ~~معنى الألفاظ، وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة هل تنقمون منا إلا ~~عموم هذه الحال من إنا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون وأن أكثركم فاسقون مما ~~قرره المخاطب لهم، وهذا كما تقول لمن تخاصمه هل تنقم مني إلا أن صدقت أنا ~~وكذبت أنت، وهو لا يقر بأنه كاذب ولا ينقم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تنقم ~~إلا مجموع هذه الحال، وقال بعض المتأولين قوله: وأن أكثركم معطوف على ما، ~~كأنه قال إلا أن آمنا بالله وبكتبه وبأن أكثركم. # قال القاضي أبو محمد: ms1038 وهذا مستقيم المعنى، لأن إيمان المؤمنين بأن أهل ~~الكتاب المستمرين على الكفر بمحمد فسقة هو مما ينقمونه، وذكر تعالى الأكثر ~~منهم من حيث فيهم من آمن واهتدى. # وقوله تعالى: قل هل أنبئكم قرأ الجمهور بفتح النون وشد الباء، وقرأ ابن ~~وثاب والنخعي «أنبئكم» بسكون النون وتخفيف الباء من أنبأ وقرأ أكثر الناس: ~~«مثوبة» بضم الثاء وسكون الواو، وقرأ ابن PageV02P210 # بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران «مثوبة» بسكون الثاء وفتح الواو، وقال ~~أبو الفتح هذا مما خرج عن أصله شاذا عن نظائره، ومثله قول العرب: الفاكهة ~~مقودة إلى الأذى، بسكون القاف وفتح الواو، والقياس مثابة ومقادة، وأما ~~مثوبة بضم الثاء فأصلها مثوبة وزنها مفعلة بضم العين نقلت حركة الواو إلى ~~الثاء وكانت قبل مثوبة مثل مقولة، والمعنى في القراءتين مرجعا عند الله أي ~~في الحشر يوم القيامة، تقول العرب: ثاب يثوب إذا رجع، منه قوله تعالى: وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا [البقرة: 125] ومشى المفسرون في هذه الآية ~~على أن الذين أمر أن يقول لهم هل أنبئكم هم اليهود والكفار المتخذون ديننا ~~هزؤا ولعبا، قال ذلك الطبري وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئا، ~~والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين، أي قل يا محمد للمؤمنين هل أنبئكم ~~بشر من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله، أولئك أسلافهم الذين ~~لعنهم الله وغضب عليهم، فتكون الإشارة بذلك إلى حالهم من كون أكثرهم ~~فاسقين، وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل وتكون الإشارة ~~بذلك إلى حال الحاضرين من كون أكثرهم فاسقين ويكون قوله شر وأضل صفتي تفضيل ~~بين شيئين لهما اشتراك في الشر والضلال، وتحتمل الآية أن يكون القول ~~للحاضرين من بني إسرائيل والإشارة بذلك إلى إيمان المؤمنين وجميع حالهم ~~ويوجه التفضيل ب شر وأضل على أن الاشتراك في الشر والضلال هو في معتقد ~~اليهود فأما في الحقيقة فلا شر ولا ضلال عند المؤمنين، ولا شركة لهم في ذلك ~~مع اليهود والكفار، ويكون على هذا الاحتمال قوله: من لعنه ms1039 الله الآية يراد ~~به جميع بني إسرائيل الأسلاف والأخلاف، لأن الخلف يذم ويعير بمذمات السلف ~~إذا كان الخلف غير مراجع ولا ذام لما كان عليه سلفه، فهو في حكمه، وفي ~~قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود «من غضب الله عليهم وجعلهم قردة ~~وخنازير» ، واللعنة الإبعاد عن الخير، وقوله تعالى: وجعل هي بمعنى صير، ~~وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى خلق. # قال القاضي أبو محمد: وهذه منه رحمه الله نزعة اعتزالية، لأن قوله: وعبد ~~الطاغوت تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحدا عابد ~~الطاغوت، وقد تقدم قصص مسخهم قردة في سورة البقرة، وأما مسخهم خنازير، فروي ~~أن ذلك بسبب امرأة كانت مؤمنة من بني إسرائيل وكفر ملك منهم في مدينة من ~~مدنهم وكفر معه أهل مملكته، فدعت المرأة قوما إلى نصرة الدين فأجابوها ~~فخرجت بهم فهزموا ثم فعلت ذلك ثانية وثالثة في كل مرة يهزم جمعها، فيئست ~~وباتت مهمومة، فلما أصبح رأت أهل تلك المدينة ينفقون في نواحيها خنازير ~~فقالت: الآن أعلم أن الله أعز دينه وآثر دينه، قال عمرو بن كثير بن أفلح ~~مولى أبي أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة، ~~وقوله تعالى: وعبد الطاغوت تقديره ومن عبد الطاغوت، وذلك عطف على قوله: من ~~لعنه الله أو معمول ل جعل وفي هذا يقول أبو علي: إن جعل بمعنى خلق، واختلفت ~~القراءة في هذا الحرف فقرأ حمزة وحده «وعبد الطاغوت» بفتح العين وضم الباء ~~وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن «عبد» لفظ مبالغة كيقظ وندس فهو لفظ مفرد ~~يراد به الجنس وبني بناء الصفات، لأن «عبدا» في الأصل صفة وإن كان استعمل ~~استعمال الأسماء، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة فلذلك لم يمتنع أن يبنى منه ~~بناء الصفات، وقرأ بهذه القراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، ومنه قول الشاعر: ~~[أوس بن حجر] . PageV02P211 # أبني لبينى إن أمكم ... أمة وإن أباكم عبد # ذكره الطبري وغيره بضم الباء وقرأ الباقون «وعبد ms1040 الطاغوت» بفتح العين ~~والباء على الفعل الماضي وإعماله في الطاغوت وقد تقدم ذكره، وقرأ أبي بن ~~كعب «عبدوا الطاغوت» ، على إسناد الفعل الماضي إلى ضمير جمع، وقرأ ابن ~~مسعود فيما روى عبد الغفار عن علقمة عنه «وعبد الطاغوت» بفتح العين وضم ~~الباء ورفع التاء من الطاغوت، وذلك على أن يصير له أن «عبد» كالخلق والأمر ~~المعتاد المعروف، فهي في معنى فقه وشرف وظرف، وقرأ ابن عباس وإبراهيم بن ~~أبي عبلة «وعبد الطاغوت» بفتح العين والباء وكسر التاء من الطاغوت، وذلك ~~على أن المراد عبدة الطاغوت وحذفت الهاء تخفيفا ومثله قول الراجز: # قام ولاها فسقوها صرخدا أراد ولاتها فحذف تخفيفا، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن في رواية عباد عنه «وعبد الطاغوت» بفتح العين وسكون الباء وكسر التاء ~~من الطاغوت وهذا على أنه اسم جنس مفرد يراد به جميع، وروي عن الحسن من غير ~~طريق عباد أنه قرأ بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من الطاغوت، ~~وهذه تتجه على وجهين أحدهما أنه أراد و «عبدا الطاغوت» فحذف التنوين كما ~~حذف في قول الشاعر: # ولا ذاكر الله إلا قليلا والوجه الآخر أن يريد «عبد» الذي هو فعل ماض ~~وسكن الباء على نحو ما هي عين الفعل مسكنة في قول الشاعر: # وما كل مغبون ولو سلف صفقة فإن اللام من سلف مسكنة ونحو هذا قول أبي ~~السمال «ولعنوا بما قالوا» بسكون العين، فهذه قراءات العين فيها مفتوحة، ~~وقرأ أبو واقد الأعرابي في رواية العباس بن الفضل عنه «وعباد الطاغوت» بضم ~~العين وشد الباء المفتوحة وألف بعدها وفتح الدال وكسر التاء من الطاغوت ~~وذلك جمع عابد، وقرأ عون العقيلي فيما روى عنه العباس بن الفضل أيضا «وعابد ~~الطاغوت» على وزن فاعل، والدال مرفوعة، قال أبو عمرو تقديره وهم عابد ~~الطاغوت. # قال القاضي أبو محمد: فهو اسم جنس، وروى عكرمة عن ابن عباس «وعابدو ~~الطاغوت» بضمير جمع، وقد قال بعض الرواة في هذه الأخيرة إنها تجويز لا ~~قراءة، وقرأ ابن بريدة «وعابد الطاغوت» بفتح العين ms1041 والدال وكسر الباء ~~والتاء، وقرأ بعض البصريين و «عباد الطاغوت» بكسر العين وفتح الباء والدال ~~وألف بينهما وكسر التاء، قال أبو الفتح فيحتمل أن يكون ذلك جمع عابد كقائم ~~وقيام وصائم وصيام، وقد يجوز أن يكون جمع عبد، وقل ما يأتي عباد مضافا إلى ~~غير الله، وأنشد سيبويه: # أتوعدني بقومك يا ابن حجل ... أشابات يخالون العبادا # قال أبو الفتح يريد عباد آدم عليه السلام، ولو أراد عباد الله فليس ذلك ~~شيء يسب به أحد، وجميع الخلق عباد الله. PageV02P212 # قال القاضي أبو محمد: وهذا التعليق بآدم صلى الله عليه وسلم شاذ بعيد ~~والاعتراض فيه باق، وليس هذا مما يتخيل أن الشاعر قصده، وإنما أراد العبيد ~~فساقته القافية إلى العباد، إذ يقال ذلك لمن تملك ملكة ما وقد ذكر أن عرب ~~الحيرة من العراق إنما سموا العباد لأنهم دخلوا في طاعة كسرى فدانتهم ~~مملكة، وذكر الطبري عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرأ «وعابد الشيطان» بفتح ~~العين والدال وكسر الباء وألف قبلها وذكر الشيطان بدل الطاغوت فهذه قراءات ~~فيها ألف، وقرأ ابن عباس فيما روى عن عكرمة وقرأها مجاهد ويحيى ابن وثاب ~~«وعبد الطاغوت» بضم العين والباء وفتح الدال وكسر التاء، وذلك جمع عبد كرهن ~~ورهن وسقف وسقف، وقال أحمد بن يحيى ثعلب هو جمع عابد كشارف وشرف، ومنه قول ~~القينة: # ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معلقات بالفناء # وقال أبو الحسن الأخفش: هو جمع عبيد وأنشد: # أنسب العبد إلى آبائه ... أسود الجلدة من قوم عبد # وقرأ الأعمش وغيره «وعبد الطاغوت» بضم العين وشد الباء المفتوحة وفتح ~~الدال وكسر التاء وذلك على جمع عابد كضارب وضرب. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو ~~جعفر بن القعقاع والأعمش في رواية هارون «وعبد الطاغوت» بضم العين وكسر ~~الباء وفتح الدال وضم التاء كما تقول ضرب زيد، وضعف الطبري هذه القراءة وهي ~~متجهة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ «وعبدت الطاغوت» كما تقول ضربت ~~المرأة، وروى علقمة عن عبد الله بن مسعود «وعبد الطاغوت» بضم العين وفتح ms1042 ~~الباء والدال وكسر التاء، وهذا أيضا بناء مبالغة اسم مفرد يراد به هنا ~~الجمع بني كحطم ولبد، وروى عكرمة عن ابن عباس: «وعبد الطاغوت» على وزن فعل ~~بضم الفاء وشد العين المفتوحة وفتح اللام ونصب التاء وهذه تتخرج على أنه ~~أراد وعبدا منونا ثم حذف التنوين كما قال، ولا ذاكر الله، وقد تقدم نظيره ~~والطاغوت كل ما عبد من دون الله من وثن أو آدمي يرضى ذلك أو شيطان، وقد ~~استوعبت تفسيره في سورة البقرة، و «مكان» يحتمل أن يريد في الآخرة، فالمكان ~~على وجهه أي المحل إذ محلهم جهنم، وأن يريد في الدنيا فهي استعارة للمكانة ~~والحالة، وسواء السبيل وسطه ومنه قول العرب قمت حتى انقطع سوائي، ومنه قوله ~~تعالى: في سواء الجحيم [الصافات: 55] وخط الاستقامة في السبل إنما هو متمكن ~~غاية التمكن في الأوساط فلذلك خص السواء بالذكر، ومن لفظ السواء قيل خط ~~الاستواء. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 61 الى 64] # وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت ~~لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ~~أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا ~~والله لا يحب المفسدين (64) PageV02P213 # الضمير في جاؤكم لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم وخاصة ~~للمنافقين. نص على ذلك ابن عباس وقتادة والسدي، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ~~دخلوا وهم كفار وخرجوا كذلك لم تنفعهم الموعظة ولا نفع فيهم التذكير، ~~وقوله: وهم تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر ثم يؤمنوا ويخرج ~~قوم وهم كفرة فكان ينطبق على الجميع وقد دخلوا بالكفر وقد خرجوا به، فأزال ~~الاحتمال قوله تعالى: ms1043 وهم قد خرجوا به أي هم بأعيانهم ثم فضحهم تعالى ~~بقوله: والله أعلم بما كانوا يكتمون أي من الكفر. # وقوله تعالى لنبيه: وترى يحتمل أن يكون من رؤية البصر ويحتمل من رؤية ~~القلب ويكون المفعول الثاني يسارعون، وعلى الاحتمال الأول يسارعون حال، وفي ~~الإثم معناه في موجبات الإثم إذ الإثم إنما هو الحكم المعلق بصاحب المعصية ~~والنسبة التي يصير إليها إذا وقع الذنب وهو من هؤلاء كفرهم والعدوان مصدر ~~من عدا الرجل إذا ظلم وتجاوز الحد، والسحت هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث، ~~واللام في لبئس لام قسم، وقرأ أبو حيوة «والعدوان» بكسر العين. # وقوله تعالى: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار تخصيص في ضمنه توبيخ لهم إذ ~~تركوا اللازم، قال الطبري: كل العلماء يقولون ما في القرآن آية هي أشد ~~توبيخا للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها، وقال الضحاك بن مزاحم: ~~ما في القرآن آية أخوف عندي منها إنا لا ننهى، وقال نحو هذا ابن عباس، وقرأ ~~الجراح وأبو واقد «الربانيون» بكسر الراء واحدهم ربي إما منسوب إلى علم ~~الرب وإما من تربية الناس بصغار العلم قبل كباره، وزيدت النون في نسبته ~~مبالغة كشعراني ومنظراني ومخبراني، وقال الحسن: الرباني عالم الإنجيل ~~والحبر عالم التوراة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقوله في الرباني شاذ بعيد. والأحبار ~~واحدهم حبر بكسر الحاء وفتحها وهم العلماء الذين لا يعنون لإصلاح الناس ولا ~~يكلفون ذلك، والرباني هو العالم المدبر المصلح، وقوله تعالى: عن قولهم ~~الإثم ظاهر أن الإثم هنا يراد به الكفر، ويحتمل أن يراد به سائر أقوالهم ~~المنكرة في النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ عباس «بئس ما كانوا ~~يصنعون» بغير لام قسم. # وقوله تعالى: وقالت اليهود إلى قوله لا يحب المفسدين هذه الآية تعديد ~~كبيرة من أقوالهم وكفرهم أي فمن يقول هذه العظيمة فلا يستنكر عليه أن ينافق ~~عليك يا محمد ويسعى في رد أمر الله الذي أوحاه إليك، وقال ابن عباس وجماعة ~~من المتأولين معنى قولهم التبخيل، وذلك أنهم ms1044 لحقتهم سنة وجهد فقالوا هذه ~~العبارة يعنون بها أن الله بخل عليهم بالرزق والتوسعة، وهذا المعنى يشبه ما ~~في قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك [الإسراء: 29] فإنما المراد ~~لا تبخل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: PageV02P214 # مثل البخيل والمتصدق، الحديث وذكر الطبري والنقاش أن هذه الآية نزلت في ~~فنحاص اليهودي وأنه قالها، وقال الحسن بن أبي الحسن قولهم: يد الله مغلولة ~~إنما يريدون عن عذابهم فهي على هذا في معنى قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ~~[المائدة: 18] وقال السدي أرادوا بذلك أن يده مغلولة حتى يرد علينا ملكنا. # قال القاضي أبو محمد: فكأنهم عنوا أن قوته تعالى نقصت حتى غلبوا ملكهم، ~~وظاهر مذهب اليهود لعنهم الله في هذه المقالة التجسيم، وكذلك يعطي كثير من ~~أقوالهم، وقوله تعالى: غلت أيديهم دعاء عليهم، ويحتمل أن يكون خبرا، ويصح ~~على كلا الاحتمالين أن يكون ذلك في الدنيا وأن يراد به الآخرة، وإذا كان ~~خبرا عن الدنيا فالمعنى غلت أيديهم عن الخير والإنفاق في سبيل الله ونحوه ~~وإذا كان خبرا عن الآخرة فالمعنى غلت في نار جهنم أي حتم هذا عليهم ونفذ به ~~القضاء كما حتمت عليهم اللعنة بقولهم هذا وبما جرى مجراه، وقرأ أبو السمال ~~«ولعنوا» بسكون العين، وذلك قصد للتخفيف لا سيما هنا الهبوط من ضمة إلى ~~كسرة، وقوله تعالى: بل يداه مبسوطتان العقيدة في هذه المعنى نفي التشبيه عن ~~الله تعالى وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه ولا يكيف ولا يتحيز في جهة ~~كالجواهر ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون. # ثم اختلف العلماء فيما ينبغي أن يعتقد في قوله تعالى: بل يداه وفي قوله: ~~بيدي [ص: 75] وعملت أيدينا [يس: 71] ويد الله فوق أيديهم [الفتح: 10] ~~ولتصنع على عيني [طه: 39] وتجري بأعيننا [القمر: 14] واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا [الطور: 48] وكل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] ونحو هذا، فقال ~~فريق من العلماء منهم الشعبي وابن المسيب وسفيان يؤمن بهذه الأشياء وتقرأ ~~كما نصها الله ولا يعن لتفسيرها ولا يشقق ms1045 النظر فيها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يضطرب لأن القائلين به يجمعون على أنها ~~ليست على ظاهرها في كلام العرب فإذا فعلوا هذا فقد نظروا وصار السكوت عن ~~الأمر بعد هذا مما يوهم العوام ويتيه الجهلة. # وقال جمهور الأمة: بل تفسر هذه الأمور على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة ~~وغير ذلك من أفانين كلام العرب. فقالوا في العين والأعين إنها عبارة عن ~~العلم والإدراك، كما يقال فلان من فلان بمرأى ومسمع، إذا كان يعنى بأموره ~~وإن كان غائبا عنه، وقالوا في الوجه إنه عبارة عن الذات وصفاتها، وقالوا في ~~اليد واليدين والأيدي إنها تأتي مرة بمعنى القدرة كما تقول العرب لا يد لي ~~بكذا، ومرة بمعنى النعمة كما يقال لفلان عند فلان يد، وتكون بمعنى الملك ~~كما يقال يد فلان على أرضه، وهذه المعاني إذا وردت عن الله تبارك وتعالى ~~عبر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالا لفصاحة العرب ولما في ذلك من ~~الإيجاز، وهذا مذهب أبي المعالي والحداق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ~~ابن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك ~~تشبيه ولا تحديد، وذكر هذا الطبري وغيره، وقال ابن عباس في هذه الآية، يداه ~~نعمتاه، ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة ~~الآخرة، وقيل النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، وقيل نعمة المطر ونعمة ~~النبات. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن قوله تعالى: بل يداه مبسوطتان عبارة عن ~~إنعامه على الجملة PageV02P215 # وعبر عنه بيدين جريا على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه ~~قول الشاعر وهو الأعشى: # يداك يدا مجد فكف مفيدة ... وكف إذا ما ضن بالمال تنفق # ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق، قال أبو عمرو الداني: ~~وقرأ أبو عبد الله «بل يداه بسطتان» ، يقال يد بسطة أي مطلقة، وروي عنه ~~«بسطان» ، وقوله تعالى: وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا إعلام لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء ms1046 اليهود من العتو والبعد عن ~~الحق بحيث إذا سمعوا هذه الأسرار التي لهم والأقوال التي لا يعلمها غيرهم ~~تنزل عليك، طغوا وكفروا، وكان عليهم أن يؤمنوا إذ يعلمون أنك لا تعرفها إلا ~~من قبل الله، لكنهم من العتو بحيث يزيدهم ذلك طغيانا، وخص تعالى ذكر الكثير ~~إذ فيهم من آمن بالله ومن لا يطغى كل الطغيان. # وقوله تعالى: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء معطوف على قوله وقالت ~~اليهود فهي قصص يعطف بعضها على بعض، والعداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو ~~فهو يبغض وقد يبغض من ليس بعدو، وكأن العداوة شيء مشتهر يكون عنه عمل وحرب، ~~والبغضاء قد لا تجاوز النفوس، وقد ألقى الله الأمرين على بني إسرائيل، ~~وقوله تعالى: كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله استعارة بليغة تنبىء عن ~~فض جموعهم وتشتيت آرائهم وتفريق كلمتهم، والآية تحتمل أن تكون إخبارا عن ~~حال أسلافهم أي منذ عصوا وعتوا وهد الله ملكهم رماهم بهذه الأمور، فهم لا ~~ترتفع لهم راية إلى يوم القيامة ولا يقاتلون جميعا إلا في قرى محصنة، هذا ~~قول الربيع والسدي وغيرهما. وقال مجاهد: معنى الآية كلما أوقدوا نارا لحرب ~~محمد أطفأها الله، فالآية على هذا تبشير لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين وإشارة إلى حاضريه من اليهود، وقوله تعالى: ويسعون معنى السعي في ~~هذه الآية العمل والفعل، وقد يجيء السعي بمعنى الانتقال على القدم، وذلك ~~كقوله تعالى: فاسعوا إلى ذكر الله [الجمعة: 9] وإن كان مالك رحمه الله قد ~~قال في الموطأ: إن السعي في قوله: فاسعوا إلى ذكر الله إنه العمل والفعل، ~~ولكن غيره من أهل العلم جعله على الأقدام وهو الظاهر بقرينة ضيق الوقت ~~وبالتعدية ب «إلى» ، ويؤيده قراءة عمر بن الخطاب «فامضوا إلى ذكر الله» ~~وقوله تعالى: والله لا يحب المفسدين أي لا يظهر عليهم من أفعاله في الدنيا ~~والآخرة ما يقتضي المحبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 65 الى 68] # ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) ولو أنهم ms1047 أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ~~(66) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) قل يا أهل ~~الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ~~وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم ~~الكافرين (68) PageV02P216 # هذه الآية تحتمل أن يراد بها معاصر ومحمد صلى الله عليه وسلم، والأظهر ~~أنه يراد بها الأسلاف والمعاصرون داخلون في هذه الأحوال بالمعنى، والغرض ~~الإخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم بمعاصيهم لو آمنوا بالله ~~وكتابه واتقوا في امتثال أوامره ونواهيه لكفرت سيئاتهم أي سترت وأذهبت ~~ولأدخلوا الجنة. # ولو أنهم أقاموا التوراة أي أظهروا أحكامها فهي كإقامة السوق وإقامة ~~الصلاة، وذلك كله تشبيه بالقائم من الناس، إذ هي أظهر هيئات المرء، وقوله ~~تعالى: والإنجيل يقتضي دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب في هذه الآية، وقوله ~~تعالى: وما أنزل إليهم من ربهم معناه من وحي وسنن على ألسنة الأنبياء، ~~واختلف المفسرون في معنى من فوقهم ومن تحت أرجلهم فقال ابن عباس وقتادة ~~ومجاهد والسدي: المعنى لأعطتهم السماء مطرها وبركتها والأرض نباتها بفضل ~~الله تعالى. وحكى الطبري والزجاج وغيرهما أن الكلام استعارة ومبالغة في ~~التوسعة كما يقال فلان قد عمه الخير من قرنه إلى قدمه، وذكر النقاش أن ~~المعنى: لأكلوا من فوقهم أي من رزق الجنة ومن تحت أرجلهم من رزق الدنيا، إذ ~~هو من نبات الأرض. قوله تعالى منهم أمة مقتصدة معناه: معتدلة، والقصد ~~والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال، قال ~~الطبري: معنى الآية أن من بني إسرائيل من هو مقتصد في عيسى عليه السلام ~~يقولون هو عبد الله ورسول وروح منه، والأكثر منهم غلا فيه فقال بعضهم هو ~~إله وعلى هذا مشى الروم ومن دخل بأخرة في ملة عيسى ms1048 عليه السلام، وقال بعضهم ~~وهم الأكثر من بني إسرائيل: هو آدمي لغير رشدة، فكفر الطرفان، وقال مجاهد: ~~المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديما وحديثا. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا يتخرج قول الطبري: ولا يقول في عيسى إنه ~~عبد رسول إلا مسلم، وقال ابن زيد: هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب، وهذا هو ~~المترجح، وقد ذكر الزجاج أنه يعني بالمقتصدة الطوائف التي لم تناصب ~~الأنبياء مناصبة المتهتكين المجاهرين. # قال القاضي أبو محمد: وإنما يتوجه أن توصف بالاقتصاد بالإضافة إلى ~~المتمردة كما يقال في أبي البختري بن هشام إنه مقتصد بالإضافة إلى أبي جهل ~~بن هشام لعنه الله، ثم وصف تعالى الكثير منهم بسوء العمل عموما، وذهب ~~الطبري إلى أن ذلك في تكذيبهم الأنبياء، وكفر اليهود بعيسى والجميع من أهل ~~الكتابين بمحمد صلى الله عليه وسلم وساء في هذه الآية هي المتصرفة كما تقول ~~ساء الأمر يسوء، وقد تستعمل ساء استعمال نعم وبئس، كقوله عز وجل: ساء مثلا ~~[الأعراف: 177] فتلك غير هذه، يحتاج في هذه التي في قوله ساء مثلا من ~~الإضمار والتقدير إلى ما يحتاج في نعم وبئس، وفي هذا نظر. # وقوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إلى قوله القوم ~~الكافرين هذه الآية أمر من الله ورسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. ~~لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد، ~~وذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان ~~فساد PageV02P217 # حالهم فكان يلقى منهم عنتا وربما خافهم أحيانا قبل نزول هذه الآية، فقال ~~الله له بلغ ما أنزل إليك من ربك أي كاملا متمما، ثم توعده تعالى بقوله: ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # ، أي إنك إن تركت شيئا فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتد به، ~~فقوله تعالى: وإن لم تفعل معناه وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر: # سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلا ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد ms1049 # أي ولم تعط ما يعد نائلا وإلا فيتكاذب البيت، وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي «فما بلغت رسالته» على الإفراد. وقرؤوا في الأنعام حيث يجعل ~~رسالته [الأنعام: 124] على الجمع، وكذلك في الأعراف برسالاتي [الأعراف: ~~144] ، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة، وقرأ نافع ~~«رسالاته» بالجمع، وكذلك في الأنعام، وأفرد في الأعراف، وقرأ ابن عامر ~~وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع الثلاثة، وروى حفص عن عاصم ~~الإفراد في العقود والأنعام، والجمع في الأعراف، فمن أفرد الرسالة فلأن ~~الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة ~~وورد دفعا في أزمان مختلفة، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: من زعم ~~أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية، والله تعالى يقول: يا أيها ~~الرسول الآية، وقال عبد الله بن شقيق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتعقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت والله يعصمك من الناس خرج فقال: يا أيها ~~الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني، وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت ~~والله يعصمك من الناس بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليقتله به. # قال القاضي أبو محمد: هو غورث بن الحارث، والقصة في غزوة ذات الرقاع، ~~وقال ابن جريج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهاب قريشا فلما نزلت هذه ~~الآية إلى قوله والله يعصمك من الناس استلقى وقال: من شاء فليخذلني، مرتين ~~أو ثلاثا، ويعصمك معناه يحفظك ويجعل عليك وقاية، ومنه قوله تعالى: يعصمني ~~من الماء [هود: 43] ومنه قول الشاعر: # فقلت عليكم مالكا إن مالكا ... سيعصمكم إن كان في الناس عاصم # وهذه العصمة التي في الآية هي من المخاوف التي يمكن أن توقف عن شيء من ~~التبليغ كالقتل والأسر والأذى في الجسم ونحوه، وأما أقوال الكفار ونحوها ~~فليست في الآية، وقوله تعالى: لا يهدي القوم الكافرين إما على الخصوص فيمن ~~سبق في علم أنه لا يؤمن، وإما على العموم على أن لا هداية ms1050 في الكفر، ولا ~~يهدي الله الكافر في سبل كفره. # ثم أمر تعالى نبيه محمدا عليه السلام أن يقول لأهل الكتاب الحاضرين معه ~~لستم على شيء أي على شيء مستقيم حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وفي إقامة ~~هذين الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: وما أنزل إليكم من ~~ربكم يعني به القرآن، قاله ابن عباس وغيره ثم أخبر تعالى نبيه أنه سيطغى ~~كثير منهم بسبب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويزيده نزول القرآن والشرع ~~كفرا وحسدا، ثم سلاه عنهم وحقرهم بقوله فلا تأس على القوم الكافرين أي لا ~~تحزن إذ لم يؤمنوا ولا تبال عنهم، PageV02P218 # والأسى الحزن يقال أسي الرجل يأسى أسى إذا حزن، ومنه قول الراجز: # وانحلبت عيناه من فرط الأسى. # وأسند الطبري إلى ابن عباس قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع ~~بن جارية وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة فقالوا: يا محمد ~~ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم وأنك تؤمن بالتوراة وبنبوة موسى وأن جميع ~~ذلك حق؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وغيرتم وكتمتم، فقالوا: إنا نأخذ بما في ~~أيدينا فإنه الحق ولا نصدقك ولا نتبعك، فنزلت الآية بسبب ذلك قل يا أهل ~~الكتاب الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 69 الى 70] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون (70) # الذين لفظ عام لكل مؤمن من ملة محمد ومن غيرها من الملل، فكأن ألفاظ ~~الآية حصر بها الناس كلهم وبينت الطوائف على اختلافها، وهذا تأويل جمهور ~~المفسرين، وقال الزجاج المراد بقوله: إن الذين آمنوا المنافقون، فالمعنى ان ~~الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. # قال القاضي أبو محمد: فكأن ألفاظ الآية عدت الطوائف التي يمكن أن تنتقل ~~إلى الإيمان، ثم نفى عنهم الخوف والحزن بشرط انتقالهم إلى الإيمان بالله ~~واليوم ms1051 الآخر، وعلى التأويل الأول يكون قوله من آمن في حيز المؤمنين بمعنى ~~ثبت واستمر، وقد تقدم تفسير هادوا وتفسير «الصابئين» وتفسير النصارى في ~~سورة البقرة، واختلف القراء في إعراب الصابئين في هذه الآية فقرأ الجمهور و ~~«الصابئون» بالرفع وعليه مصاحف الأمصار والقراء السبعة، وقرأ عثمان بن عفان ~~وعائشة وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والجحدري «والصابين» وهذه قراءة بينة ~~الإعراب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري «والصابيون» بكسر الباء وضم ~~الياء دون همز، وقد تقدم في سورة البقرة، وأما قراءة الجمهور «والصابئون» ~~فمذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير وهو ~~المراد به، كأنه قال «إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى» كذلك، ~~وأنشد الزجاج نظيرا في ذلك: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق # فقوله وأنتم مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى أي وأنتم كذلك، وحكى الزجاج عن ~~الكسائي والفراء أنهما قالا: والصابئون عطف على الذين، إذ الأصل في الذين ~~الرفع وإذ نصب إن ضعيف وخطأ الزجاج هذا القول وقال: إن أقوى النواصب، وحكي ~~أيضا عن الكسائي أنه قال والصابئون عطف على الضمير في هادوا والتقدير هادوا ~~هم والصابئون، وهذا قول يرده المعنى لأنه يقتضي أن الصابئين هادوا، وقيل إن ~~معنى نعم، وما بعدها مرفوع بالابتداء، وروي عن بعضهم أنه قرأ «والصابئون» ~~بالهمز، واتصال هذه PageV02P219 # الآية بالتي قبلها هو أن قيل لهم ليس الحق في نفسه على ما تزعمون من أنكم ~~أبناء الله وأحباؤه، بل لستم على شيء مستقيم حتى تؤمنوا وتقيموا الكتب ~~المنزلة، ثم استأنف الإخبار عن الحق في نفسه بأنه من آمن في كل العالم فهو ~~الفائز الذي لا خوف عليه. # قوله عز وجل: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل الآية، استئناف خبر بفعل ~~أوائلهم وما نقضوا من العهود واجترحوا من الجرائم، أي إن العصا من العصية، ~~وهؤلاء يا محمد من أولئك فليس قبيح فعلهم ببدع، وكلما ظرف والعالم فيه ms1052 ~~كذبوا ويقتلون.. وقوله تعالى: بما لا تهوى أنفسهم يقتضي أن هواهم كان غير ~~الحق وهو ظاهر هوى النفس متى أطلق، فمتى قيد بالخير ساغ ذلك، ومنه قول عمر ~~رضي الله عنه في قصة أسارى بدر: فهوى رسول الله ما قال أبو بكر ولم يهو ما ~~قلت أنا، وقوله تعالى: # فريقا كذبوا معناه كذبوه فقط، يريد الفريق من الرسل ولم يقتلوه، وفريقا ~~من الرسل كذبوه وقتلوه، فاكتفى بذكر القتل إذ هو يستغرق التكذيب. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 71 الى 72] # وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون (71) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك ~~بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) # المعنى في هذه الآية وظن هؤلاء الكفرة والعصاة من بني إسرائيل أن لا يكون ~~من الله ابتلاء لهم وأخذ في الدنيا وتمحيص فلجوا في شهواتهم وعموا فيها إذ ~~لم يبصروا الحق شبهوا بالصم، ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حبك ~~الشيء يعمي ويصم» وقوله تعالى: ثم تاب الله عليهم قالت جماعة من المفسرين: ~~هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول ورد ملكهم وحالهم، ثم ~~عموا وصموا بعد ذلك حتى أخرجوا الخرجة الثانية ولم ينجبروا أبدا وقالت ~~جماعة ثم تاب الله عليهم ببعث عيسى عليه السلام إليهم، وقالت جماعة: توبته ~~تعالى عليهم بعث محمد عليه السلام وخص بهذا المعنى كثيرا منهم لأن منهم ~~قليلا آمن، ثم توعدهم بقوله تعالى: والله بصير بما يعملون وقرأ ابن كثير ~~ونافع وعاصم وابن عامر «ألا تكون» بنصب النون، وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي «أن لا تكون» برفع النون، ولم يختلفوا في رفع فتنة لأن «كان» هنا ~~هي التامة، فوجه قراءة النصب أن تكون «أن» هي الخفيفة الناصبة، ووجه قراءة ~~الرفع أن تكون المخففة من الثقيلة، وحسن ms1053 دخولها لأن «لا» قد وطأت أن يليها ~~الفعل وقامت مقام الضمير المحذوف عوضا منه، ولا بد في مثل هذا من عوض، مثل ~~قولك علمت أن قد يقوم زيد، وقوله عز وجل علم أن سيكون منكم مرضى [المزمل: ~~20] وقولك علمت أن سوف يقوم زيد وأن لا تكون فتنة، وقوله تعالى وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى [النجم: 39] حسن فيه أن لا يكون عوض لأن ليس بفعل حقيقي ~~والأفعال ثلاثة ضروب ضرب يجري مجرى تيقنت نحو علمت ودريت فهذا الضرب تليه ~~«أن» الثقيلة PageV02P220 # التي تناسبه في الثبوت وحصول الوقوع، وضرب في الضد من ذلك نحو طمعت ورجوت ~~وخفت هو مصرح بأن لم يقع، فهذا الضرب تليه «أن» الخفيفة إذ هي تناسبه، ~~كقوله تعالى، والذي أطمع أن يغفر لي [الشعراء: 82] وتخافون أن يتخطفكم ~~الناس [الأنفال: 26] فإن خفتم ألا يقيما حدود الله [البقرة: 229] وفخشينا ~~أن يرهقهما طغيانا [الكهف: 80] أشفقتم أن تقدموا [المجادلة: 13] ونحو هذا، ~~وضرب ثالث ينجذب إلى الأول مرة وإلى الثاني أحيانا نحو ظننت وحسبت وزعمت ~~فيجري مجرى أرجو وأطمع، من حيث الظن والزعم والمحسبة أمور غير ثابتة ولا ~~مستقرة، وقد تنزل منزلة العلم من حيث تستعمل استعماله، كقوله تعالى: الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم [البقرة: 46] وقوله إني ظننت أني ملاق حسابيه ~~[الحاقة: 20] وقرأ جمهور الناس «عموا وصموا» بفتح العين والصاد، وقرأ ابن ~~وثاب والنخعي «عموا وصموا» بضم العين والميم مخففة وبضم الصاد وهذا هو على ~~أن تجرى مجرى زكم الرجل وأزكمه الله وحم الرجل وأحمه الله، ولا يقال زكمه ~~الله ولا حمه الله، فكذلك يجيء هذا عمى الرجل وأعماه غيره، وصم وأصمه غيره، ~~ولا يقال عميته ولا صممته، وقوله تعالى: ثم تاب الله عليهم أي رجع بهم إلى ~~الطاعة والحق، ومن فصاحة اللفظ استناد هذا الفعل الشريف إلى الله تعالى، ~~واستناد العمى والصمم اللذين هما عبارة عن الضلال إليهم، وقوله تعالى كثير ~~يرتفع من إحدى ثلاث جهات، إما على البدل من الواو في قوله: عموا وصموا وإما ~~على جمع الفعل وإن تقدم ms1054 على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وإما على أن يكون ~~كثير خبر ابتداء مضمر. # ثم أخبر تعالى إخبارا مؤكدا بلام القسم عن كفر القائلين: إن الله هو ~~المسيح ابن مريم وهذا قول اليعقوبية من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول ~~المسيح لهم وتبليغه كيف كان؟ فقال: وقال المسيح يا بني إسرائيل الآية، وهذه ~~المعاني قول المسيح بألفاظ لغته، وهي بعينها موجودة في تبليغ محمد صلى الله ~~عليه وسلم في قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48- 116] إلى غير ~~ذلك من الآيات، وأخبرهم عيسى عليه السلام أن الله تعالى هو ربه وربهم فضلوا ~~هم وكفروا بسبب ما رأوا على يديه من الآيات، و «المأوى» هو المحل الذي ~~يسكنه المرء ويرجع إليه، وقوله تعالى وما للظالمين من أنصار يحتمل أن يكون ~~من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويحتمل أن يكون إخبارا مستأنفا ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم القول في تفسير لفظة المسيح في سورة آل ~~عمران. # قوله تعالى: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 73 الى 75] # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم ~~انظر أنى يؤفكون (75) # هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليث ~~وهي فيما يقال الملكية وهم PageV02P221 # فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما ~~الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عددا ومن حيث ~~جعلوا لعيسى عليه السلام حكما إلهيا، وقوله تعالى: ثالث ثلاثة لا يجوز فيه ~~إلا الإضافة وخفض ثلاثة لأن المعنى أحد ثلاثة فإن قلت زيد ثالث اثنين أو ~~رابع ثلاثة جاز لك أن تضيف كما تقدم وجاز أن لا تضيف وتنصب ثلاثة على ms1055 معنى ~~زيد يربع ثلاثة، وقوله تعالى وما من إله إلا إله واحد خبر صادع بالحق، وهو ~~الخالق المبتدع المتصف بالصفات العلى تعالى عما يقول المبطلون، ثم توعد ~~تبارك وتعالى هؤلاء القائلين هذه العظيمة بمس العذاب، وذلك وعيد بعذاب ~~الدنيا من القتل والسبي وبعذاب الآخرة بعد لا يفلت منه أحد منهم. # ثم رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة، ثم وصف نفسه ~~بالغفران والرحمة استجلابا للتائبين وتأنيسا لهم ليكونوا على ثقة من ~~الانتفاع بتوبتهم. # ثم أخبر تعالى عن حقيقة أمر المسيح وأنه رسول بشر كالرسل المتقدمة قبله، ~~وخلت معناه مضت وتقدمت في الخلاء من الأرض، وقرأ حطان بن عبد الله الرقاشي ~~«قد خلت من قبله رسل» بتنكير الرسل، وكذلك قرأ وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل [آل عمران: 144] ، وقد مضى القول على وجه هذه القراءة هناك، ~~وقوله تعالى: وأمه صديقة صفة ببناء مبالغة من الصدق، ويحتمل أن يكون من ~~التصديق وبه سمي أبو بكر رضي الله عنه لتصديقه، وهذه الصفة لمريم تدفع قول ~~من قال هي نبية، وقد يوجد في صحيح الحديث قصص قوم كلمتهم ملائكة في غير ما ~~فن كقصة الثلاثة الأقرع والأعمى والأبرص وغيرهم، ولا تكون هنالك نبوة، ~~فكذلك أمر مريم، وقوله تعالى: كانا يأكلان الطعام تنبيه على نقص البشرية ~~وعلى حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها الألوهية، وذكر مكي والمهدي ~~وغيرهما أنها عبارة عن الاحتياج إلى الغائط وهذا قول بشع ولا ضرورة تدفع ~~إليه حتى يقصد هذا المعنى بالذكر، وإنما هي عبارة عن الاحتياج إلى التغذي ~~ولا محالة أن الناظر إذا تأمل بذهنه لواحق التغذي وجد ذلك وغيره، ثم أمر ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم وفي الضمن أمته بالنظر في ضلال هؤلاء القوم ~~وبعدهم عن سنن الحق، وأن الآيات تبين لهم وتبرز في غاية الوضوح، ثم هم بعد ~~ذلك يصرفون أي تصرفهم دواعيهم ويزيلهم تكسلهم عن الحق، وكيف في هذه الآية ~~ليست سؤالا عن حال لكنها عبارة عن حال شأنها ms1056 أن يسأل عنها بكيف، وهذا ~~كقولك: كن كيف شئت فأنت صديق، وأنى معناها من أي جهة، قال سيبويه معناها ~~كيف ومن أين، ويؤفكون معناه: يصرفون، ومنه قوله عز وجل: يؤفك عنه من أفك ~~[الذاريات: 9] والأرض المأفوكة التي صرفت عن أن ينالها المطر، والمطر في ~~الحقيقة هو المصروف، ولكن قيل أرض مأفوكة لما كانت مأفوكة عنها. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 78] # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) لعن الذين ~~كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون (78) PageV02P222 # أمر الله تعالى نبيه أن يوقفهم على عبادتهم شخصا من البشر لا يملك أن ~~يضرهم ولا أن ينفعهم، ومن دون ودون فلان وما جاء من هذه اللفظة فإنما تضاف ~~إلى من ليس في النازلة التي فيها القول، وتفسيرها بغير أمر غير مطرد، و ~~«الضر» بفتح الضاد المصدر، و «الضر» بضمها الاسم وهو عدم الخير، والسميع ~~هنا إشارة إلى تحصيل أقوالهم والعليم بنياتهم، وقال بعض المفسرين: هاتان ~~الصفتان منبهتان على قصور البشر، أي والله تعالى هو السميع العليم بالإطلاق ~~لا عيسى ولا غيره، وهم مقرون أن عيسى قد كان مدة لا يسمع ولا يعلم، وقال ~~نحوه مكي. # ثم أمر تعالى نبيه محمدا أن ينهاهم عن الغلو في دينهم، والغلو تجاوز ~~الحد، غلا السهم إذا تجاوز الغرض المقصود واستوفى سومه من الاطراد، وتلك ~~المسافة هي غلوته، وكما كان قوله لا تغلوا بمعنى لا تقولوا ولا تلتزموا نصب ~~غير وليس معنى هذه الآية جنبوا من دينكم الذي أنتم عليه الغلو، وإنما معناه ~~في دينكم الذي ينبغي أن يكون دينكم، لأن كل إنسان فهو مطلوب بالدين الحق ~~وحري أن يتبعه ويلتزمه، وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى، ~~والقوم الذين نهي النصارى ms1057 عن اتباع أهوائهم بنو إسرائيل، ومعنى الآية لا ~~تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم، فالمعنى لا تتبعوا طرائقهم، ~~والذي دعا إلى هذا التأويل أن النصارى في غلوهم ليسوا على هوى بني إسرائيل ~~هم بالضد في الأقوال وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك ~~لمن تلومه على عوج، هذه طريقة فلان، تمثله بآخر قد اعوج نوعا آخر من ~~الاعوجاج وإن اختلفت نوازله، ووصف تعالى اليهود بأنهم ضلوا قديما وأضلوا ~~كثيرا من أتباعهم، ثم أكد الأمر بتكرار قوله تعالى: وضلوا عن سواء السبيل ~~وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى يا أهل الكتاب من النصارى لا تتبعوا ~~أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلوا من قبل، أي ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، ~~وأضلوا كثيرا من المنافقين وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق. # وقوله تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل الآية. قد تقرر في غير موضع ~~من القرآن ما جرى في مدة موسى من كفر بعضهم وعتوهم، وكذلك أمرهم مع محمد ~~عليه السلام كان مشاهدا في وقت نزول القرآن، فخصت هذه الآية داود وعيسى ~~إعلاما بأنهم لعنوا في الكتب الأربعة وأنهم قد لعنوا على لسان غير موسى ~~ومحمد عليهما السلام، وقال ابن عباس رحمه الله: لعنوا بكل لسان لعنوا على ~~عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإنجيل ~~وعلى عهد محمد في القرآن، وروى ابن جريج أنه اقترن بلعنتهم على لسان داود ~~أن مسخوا خنازير، وذلك أن داود عليه السلام مر على نفر وهم في بيت فقال من ~~في البيت؟ قالوا: خنازير على معنى الانحجاب، قال: اللهم اجعلهم خنازير، ~~فكانوا خنازير، ثم دعا عيسى على من افترى عليه على أن يكونوا قردة فكانوا ~~قردة، وقال مجاهد وقتادة: بل مسخوا في زمن داود قردة وفي زمن عيسى خنازير، ~~وحكى الزجاج نحوه. PageV02P223 # قال القاضي أبو محمد: وذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية، وإنما تعطي ~~ألفاظ الآية أنهم لعنهم الله وأبعدهم من رحمته وأعلم بذلك ms1058 العباد المؤمنون ~~على لسان داود النبي في زمنه وعلى لسان عيسى في زمنه، وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: لعن على لسان داود أصحاب السبت، وعلى لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة، ~~وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى لعنتهم وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 79 الى 81] # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ترى كثيرا ~~منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) # ذم الله تعالى هذه الفرقة الملعونة بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~أي إنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي وإن نهى منهم ناه فعن غير جد، بل كانوا لا ~~يمتنع الممسك منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته وخلطته، وروى ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى ~~أخاه على ذنب نهاه عنه تعزيرا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن ~~يكون خليطه وأكيله، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم ~~على لسان نبيهم داود وعيسى، قال ابن مسعود: # وكان رسول الله متكئا فجلس، وقال: لا والله حتى تأخذوا على يدي الظالم ~~فتأطروه على الحق أطرا. # قال القاضي أبو محمد: والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ~~ونهى بمعروف وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء ~~من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه وأن لا يخالط ذا المنكر، وقال حذاق ~~أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليما من المعصية، بل ينهى العصاة ~~بعضهم بعضا، وقال بعض الأصوليين فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى ~~بعضهم بعضا. واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية، لأن قوله يتناهون وفعلوه ~~يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي. وقوله تعالى: لبئس ما ~~كانوا يفعلون اللام لام قسم، وجعل الزجاج ms1059 ما مصدرية وقال: التقدير لبئس ~~شيئا فعلهم. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقال غيره ما نكرة موصوفة، التقدير: ~~لبئس الشيء الذي كانوا يفعلون فعلا. # وقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ترى كثيرا يحتمل أن يكون رؤية قلب ~~وعلى هذا فيحتمل أن يريد من الأسلاف المذكورين، أي ترى الآن إذا خبرناك، ~~ويحتمل أن يريد من معاصري محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان يرى ذلك من ~~أمورهم ودلائل حالهم، ويحتمل أن تكون الرؤية رؤية عين فلا يريد إلا معاصري ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أي قدمته PageV02P224 # للآخرة واجترحته، ثم فسر ذلك قوله تعالى: أن سخط الله عليهم ف أن سخط في ~~موضع رفع بدل من ما، ويحتمل أن يكون التقدير هو أن سخط الله عليهم، وقال ~~الزجاج: «أن» في موضع نصب ب أن سخط الله عليهم. # وقوله تعالى: والنبي إن كان المراد الأسلاف فالنبي داود وعيسى، وإن كان ~~المراد معاصري محمد فالنبي محمد عليه السلام، والذين كفروا هم عبدة ~~الأوثان، وخص الكثير منهم بالفسق إذ فيهم قليل قد آمن. # وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: ترى كثيرا منهم كلام منقطع من ذكر ~~بني إسرائيل وأنه يعني به المنافقين، وقال مجاهد رحمه الله: ولو كانوا ~~يؤمنون آية يعني بها المنافقين. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 83] # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) # اللام في قوله لتجدن لام الابتداء، وقال الزجاج هي لام قسم، ودخلت هذه ~~النون الثقيلة لتفصل بين الحال والاستقبال. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله وهكذا هو الأمر ~~حتى الآن، وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ودربوا العتو ms1060 ~~والمعاصي ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لجت ~~عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة ~~الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كفر وعروشهم ثل، ~~وبين أنهم ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة، ~~والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، ~~فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم، ويعظمون من أهل ~~الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا ~~حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم ~~صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ~~ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل أن النبي صلى الله عليه وسلم سر حين ~~غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد عليه السلام أن يستمر ظهور ~~الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب ~~العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم ~~الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال ~~إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو PageV02P225 # الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم ~~أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من ~~اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى: ~~الذين قالوا إنا نصارى إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم، وقوله ~~تعالى: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع ~~إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هذي، فهم يميلون إلى أهل العبادة ~~والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، ~~بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور ms1061 الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون ~~بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد، ويقال «قس» بفتح القاف وبكسرها وقسيس وهو ~~اسم أعجمي عرب، والقس في كلام العرب النميمة وليس من هذا، وأما الرهبان ~~فجمع راهب. وهذه تسمية عربية والرهب الخوف، ومن الشواهد على أن الرهبان جمع ~~قول الشاعر جرير: # رهبان مدين لو رأوك تنزلوا ... والعصم من شغف العقول الفادر # وقد قيل الرهبان اسم مفرد والدليل عليه قول الشاعر: # لو عاينت رهبان دير في القلل ... تحدر الرهبان يمشي ونزل # قال القاضي أبو محمد: ويروى و «يزل» بالياء من الزلل، وهذا الرواية أبلغ ~~في معنى غلبة هذه المرأة على ذهن هذا الراهب، ووصف الله تعالى النصارى ~~بأنهم لا يستكبرون وهذا بين موجود فيهم حتى الآن، واليهودي متى وجد غرورا ~~طغى وتكبر وإنما أذلهم الله وأضرعتهم الحمى وداسهم كلكل الشريعة ودين ~~الإسلام أعلاه الله، وذكر سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس أن هذه الآية نزلت ~~بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروه ويعرفوا ~~حاله، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن وآمنوا ورجعوا إلى ~~النجاشي فآمن، ولم يزل مؤمنا حتى مات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وروي أن نعش النجاشي كشف للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان يراه من موضعه بالمدينة وجاء الخبر بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم ~~الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وذكر السدي: أنهم كانوا اثني ~~عشر سبعة قسيسين وخمسة رهبان. وقال أبو صالح: كانوا سبعة وستين رجلا، وقال ~~سعيد بن جبير: كانوا سبعين عليهم ثياب الصوف وكلهم صاحب صومعة اختارهم ~~النجاشي الخير بالخير، وذكر السدي: أن النجاشي خرج مهاجرا فمات في الطريق. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لم يذكره أحد من العلماء بالسيرة، وقال ~~قتادة: نزلت هذه الآيات في قوم كانوا مؤمنين ثم آمنوا بمحمد عليه السلام. # قال القاضي أبو محمد: وفرق الطبري بين هذين القولين وهما واحد، وروى ~~سلمان الفارسي عن النبي ms1062 صلى الله عليه وسلم ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا. # وقوله تعالى: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم الآية الضمير في ~~سمعوا ظاهره العموم PageV02P226 # ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذ هم عرفوا ~~الحق وقالوا آمنا، وليس كل النصارى يفعل ذلك، وصدر الآية في قرب المودة عام ~~فيها ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصا فيمن آمن لأن من آمن فهو من الذين ~~آمنوا وليس يقال فيه قالوا إنا نصارى ولا يقال في مؤمنين: ذلك بأن منهم ~~قسيسين ولا يقال إنهم أقرب مودة، بل من آمن فهو أهل مودة محضة، فإنما وقع ~~التخصيص من قوله تعالى: وإذا سمعوا وجاء الضمير عاما إذ قد تحمد الجماعة ~~بفعل واحد منها، وفي هذا استدعاء للنصارى ولطف من الله تعالى بهم، ولقد ~~يوجد فيض الدموع غالبا فيهم وإن لم يؤمنوا، وروي أن وفدا من نجران قدم على ~~أبي بكر الصديق في شيء من أمورهم فأمر من يقرأ القرآن بحضرتهم فبكوا بكاء ~~شديدا فقال أبو بكر: هكذا كنا ولكن قست القلوب، وروي أن راهبا من رهبان ~~ديارات الشام نظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى عبادتهم وجدهم ~~في قتال عدوهم فعجب من حالهم، وبكى، وقال: ما كان الذين نشروا بالمناشير ~~على دين عيسى بأصبر من هؤلاء ولا أجد في دينهم. # قال القاضي أبو محمد: فالقوم الذين وصفوا بأنهم عرفوا الحق هم الذين ~~بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه ~~قرأ عليهم القرآن وهو المراد بقوله تعالى: ما أنزل إلى الرسول فاضت أعينهم ~~بالدمع من خشية الله ورقت القلوب. والرؤية رؤية العين، وتفيض حال من ~~الأعين، ويقولون حال أيضا وآمنا معناه صدقنا أن هذا رسولك والمسموع كتابك ~~والشاهدون محمد وأمته، قاله ابن عباس وابن جريج وغيرهما، وقال الطبري: لو ~~قال قائل معنى ذلك مع الشاهدين بتوحيدك من جميع العالم من تقدم ومن تأخر ~~لكان ذلك صوابا. # قال القاضي أبو محمد: هذا معنى قول ms1063 الطبري وهو كلام صحيح، وكان ابن عباس ~~رضي الله عنه خصص أمة محمد عليه السلام لقول الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا [البقرة: 143] . # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 84 الى 87] # وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم (86) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) # قولهم وما لنا توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار بأن قال لهم ~~آمنتم وعجلتم. # فقالوا وأي شيء يصدنا عن الإيمان وقد لاح الصواب وجاء الحق المنير وما ~~لنا ابتداء وخبر، ولا نؤمن في موضع الحال، ولكنها حال هي المقصد وفيها ~~الفائدة: كما تقول جاء زيد راكبا وأنت قد سئلت هل جاء ماشيا أو راكبا. وفي ~~مصحف ابن مسعود «وما لنا لا نؤمن بالله وما أنزل إلينا ربنا» . ونطمع ~~تقديره ونحن نطمع. فالواو عاطفة جملة على الجملة لا عاطفة فعل على فعل و ~~«القوم الصالحون» محمد وأصحابه، قاله ابن زيد وغيره من المفسرين. PageV02P227 # ثم ذكر الله تعالى ما أثابهم به من النعيم على إيمانهم وإحسانهم. # ثم ذكر حال الكافرين المكذبين وأنهم قرناء الجحيم، والمعنى قد علم من غير ~~ما آية من كتاب الله أنه اقتران لازم دائم أبدي. # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية ~~قال أبو مالك وعكرمة وإبراهيم النخعي وأبو قلابة وقتادة والسدي وعبد الله ~~بن عباس رضي الله عنه وغيرهم: إنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بلغت منهم المواعظ وخوف الله إلى أن حرم بعضهم النساء ~~وبعضهم النوم بالليل والطيب وهم بعضهم بالاختصاء وكان منهم علي بن أبي طالب ~~وعثمان بن مظعون، قال عكرمة: ومنهم ابن مسعود والمقداد وسالم مولى أبي ~~حذيفة، وقال قتادة رفضوا النساء واللحم ms1064 وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، وقال ~~ابن عباس أخذوا الشفار ليقطعوا مذاكرهم، وطول السدي في قصة الحولاء امرأة ~~عثمان بن مظعون مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وإخبارها بأنه لم يلم ~~بها، فلما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحالهم قال: «أما أنا فأقوم ~~وأنام وأصوم وأفطر وآتي النساء وأنال الطيب، فمن رغب عن سنتي فليس مني» قال ~~الطبري: وكان فيما يتلى من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل سواء السبيل، ~~وقال ابن زيد: سبب هذه الآية أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف فانقلب ابن ~~رواحة وضيفه لم يعش فقال لزوجه ما عشيته؟ قالت: كان الطعام قليلا فانتظرتك، ~~فقال: حبست ضيفي من أجلي، طعامك علي حرام إن ذقته، فقالت هي: وهو علي حرام ~~إن ذقته وإن لم تذقه، وقال الضيف وهو علي حرام إن ذقته إن لم تذوقوه، فلما ~~رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك كلوا باسم الله فأكلوا جميعا. ثم غدا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له رسول الله أحسنت ونزلت ~~هذه الآية وأسند الطبري إلى ابن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني ~~شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: و «الطيبات» في هذه الآية المستلذات ~~بدليل إضافتها إلى ما أحل وبقرينة ما ذكر من سبب الآية، واختلف المتأولون ~~في معنى قوله ولا تعتدوا فقال السدي وعكرمة وغيرهما. وهو نهي عن هذه الأمور ~~المذكورة من تحريم ما أحل الله وشرع ما لم يأذن به، فقوله ولا تعتدوا تأكيد ~~لقوله لا تحرموا وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى ولا تعتدوا فتحلوا ما حرم ~~الله، فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين كأنه لا تشددوا فتحرموا حلالا ولا ~~تترخصوا فتحلوا حراما وقد تقدم القول في معنى لا يحب المعتدين غير مرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 88 الى 89] ms1065 # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) ~~لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) PageV02P228 # كلوا في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب. ونحو ~~ذلك، وخص الأكل بالذكر لأنه عظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان، والرزق ~~عند أهل السنة ما صح الانتفاع به، وقالت المعتزلة: الرزق كل ما صح تملكه ~~والحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه. ويرد عليهم بأنه يلزمهم أن آكل الحرام ~~ليس بمرزوق من الله تعالى وقد خرج بعض النبلاء أن الحرام رزق من قوله تعالى ~~كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور [سبأ: 15] قال فذكر ~~المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام ورد أبو المعالي في الإرشاد ~~على المعتزلة مشيرا إلى أن الرزق ما تملك يلزمهم أن ما ملك فهو الرزق، وملك ~~الله تعالى الأشياء لا يصح أن يقال فيه إنه رزق له. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي ألزم غير لازم، فتأمله، وباقي الآية بين. # وقد تقدم القول في سورة البقرة في نظير قوله تعالى لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم وقوله تعالى: بما عقدتم معناه شددتم، وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو «عقدتم» مشددة القاف، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة ~~والكسائي «عقدتم» خفيفة القاف، وقرأ ابن عامر «عاقدتم» بألف على وزن ~~فاعلتم، قال أبو علي من شدد القاف احتمل أمرين أحدهما أن يكون لتكثير الفعل ~~لأنه خاطب جماعة والآخر يكون عقد مثل ضعف لا يراد به التكثير كما أن ضاعف ~~لا يراد به فعل من اثنين. ومن قرأ «عقدتم» فخفف القاف جاز أن يراد به ~~الكثير من الفعل والقليل، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد، وقال الحطيئة: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج ms1066 وشدوا فوقه الكربا # ومن قرأ «عاقدتم» فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، ~~والآخر أن يراد به فاعلت الذي يقتضي فاعلين كأن المعنى يؤاخذكم بما عاقدتم ~~عليه الإيمان، ويعدى عاقد ب «على» لما هو في معنى عاهد، قال الله تعالى: ~~ومن أوفى بما عاهد عليه الله [الفتح: 10] وهذا كما عديت ناديتم إلى الصلاة ~~[المائدة: 58] ب «إلى» وبابها أن تقول ناديت زيدا وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن [مريم: 52] لكن لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا كقوله تعالى ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله [فصلت: 33] عديت نادى ب «إلى» ، ثم يتسع في قوله ~~تعالى «عاقدتم» عليه الإيمان فيحذف الجار، ويصل الفعل إلى المفعول، ثم يحذف ~~من الصلة الضمير الذي يعود على الموصول، وتقديره يؤاخذكم بما عقدتموه ~~الأيمان. كما حذف من قوله تعالى فاصدع بما تؤمر [الحجر: 94] والأيمان جمع ~~يمين وهي الألية سميت يمينا لما كان عرفهم أن يصفقوا بأيمان بعضهم على بعض ~~عند الألية. وقوله تعالى: # فكفارته معناه فالشيء الساتر على إثم الحنث في اليمين إطعام، والضمير على ~~الصناعة النحوية عائد على ما، ويحتمل ما في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، ~~وتحتمل أن تكون مصدرية وهو عائد مع المعنى الذي ذكرناه على إثم الحنث، ولم ~~يجر له ذكر صحيح لكن المعنى يقتضيه وإطعام عشرة مساكين معناه إشباعهم مرة، ~~قال الحسن بن أبي الحسن إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم ~~مكوكا مكوكا، وحكم هؤلاء أن لا يتكرر واحد منهم في كفارة يمين واحدة، وسواء ~~أطعموا أفرادا أو جماعة PageV02P229 # في حين واحد ولا يجزىء في شيء من ذلك ذمي وإن أطعم صبي فيعطى حظ كبير، ~~ولا يجوز أن يطعم عبد ولا ذو رحم تلزم نفقته، فإن كان ممن لا تلزم المكفر ~~نفقته فقد قال مالك لا يعجبني أن يطعمه، ولكن إن فعل وكان فقيرا أجزأه، ولا ~~يجوز أن يطعم منها غني، وإن أطعم جهلا بغناه ففي المدونة وغير كتاب أنه لا ~~يجزىء وفي الأسدية أنه يجزىء واختلف الناس ms1067 في معنى قوله من أوسط فرأى مالك ~~رحمه الله وجماعة معه هذا التوسط في القدر، ورأى ذلك جماعة في الصنف، ~~والوجه أن يعم بلفظ الوسط القدر والصنف. # فرأى مالك أن يطعم المسكين بالمدينة مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك رطل وثلث من دقيق، وهذا لضيق المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أن ~~يتوسع ولذلك استحسن الغداء والعشاء. وأفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف وأشهب بمد ~~وثلث، قال ابن المواز: ومد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار في الغداء والعشاء، ~~قال ابن حبيب: ولا يجزىء الخبز قفارا ولكن بأدام زيت أو لبن أو لحم أو ~~نحوه، وفي شرح ابن مزين أن الخبز القفار يجزىء، ورأى من يقول إن التوسط ~~إنما هو في الصنف أن يكون الرجل المكفر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد ~~وينحط عن الأعلى ويكفر بالوسط من ذلك، ومذهب المدونة أن يراعي المكفر عيش ~~البلد، وفي كتاب ابن المواز أن المراعى عيشه في أهله الخاص به، وكأن الآية ~~على التأويل الأول معناها من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم في الجملة ~~من مدينة أو صقع، وعلى التأويل الثاني معناها من أوسط ما يطعم شخص أهله. ~~وقرأ الجمهور «أهليكم» وهو جمع أهل على السلامة وقرأ جعفر بن محمد «من أوسط ~~ما تطعمون أهاليكم» ، وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح «أهال» بمنزلة ليال، كأن ~~واحدها أهلاة وليلاة، والعرب تقول أهل وأهلة ومنه قول الشاعر: # وأهلة ود قد تبريت ودهم # ويقال ليلة وليلاة وأنشد ابن الأعرابي: # في كل ما يوم وكل ليلاه ... حتى يقول من رآه إذ رآه # يا ويحه من جمل ما أشقاه # وقرأ الجمهور «أو كسوتهم» بكسر الكاف يراد به كسوة الثياب وقرأ سعيد بن ~~المسيب وأبو عبد الرحمن وإبراهيم النخعي «أو كسوتهم» بضم الكاف، وقرأ سعيد ~~بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني «أو كأسوتهم» من الأسوة قال أبو الفتح ~~كأنه قال أو بما يكفي مثلهم فهو على حذف المضاف بتقدير أو ككفاية أسوتهم، ~~قال وإن شئت جعلت ms1068 الأسوة هي الكفاية فلم تحتج إلى حذف مضاف. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، والقراءة مخالفة لخط المصحف، ومعناها ~~على خلاف ما تأول أهل العلم من أن الحانث في اليمين بالله مخير في الإطعام ~~أو الكسوة أو العتق، والعلماء على أن العتق أفضل ذلك ثم الكسوة ثم الإطعام ~~وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر، ورب مدة ومسغبة يكون فيها الإطعام ~~أفضل من العتق لكن ذلك شاذ وغير معهود والحكم للأغلب، واختلف العلماء في حد ~~الكسوة فراعى على قوم نفس اللفظ فإذا كان الحانث المكفر كاسيا والمسكين ~~مكسوا حصل الإجزاء، وهذه رتبة PageV02P230 # تتحصل بثوب واحد أي ثوب كان بعد إجماع الناس أن القلنسوة بانفرادها لا ~~تجزىء في كفارة اليمين، قال مجاهد: # يجزىء في كفارة اليمين ثوب واحد فما زاد، وقال الحسن: الكسوة ثوب لكل ~~مسكين وقاله طاوس، وقال منصور: الكسوة ثوب قميص أو رداء أو إزار قاله أبو ~~جعفر وعطاء وابن عباس، وقال قد تجزىء العباءة في الكفارة وكذلك الشملة، ~~وقال الحسن بن أبي الحسن: تجزىء العمامة في كفارة اليمين، وقال مجاهد: # يجزىء كل شيء إلا التبان، وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: نعم الثوب ~~التبان، أسنده الطبري وقال الحكم بن عتيبة: تجزىء عمامة يلف بها رأسه وراعى ~~قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم لا يجزىء الثوب الواحد إلا ~~إذا كان جامعا مما قد يتزيى به كالكساء والملحفة، قال إبراهيم النخعي: ~~يجزىء الثوب الجامع وليس القميص والدرع والخمار ثوبا جامعا. # قال القاضي أبو محمد: قد يكون القميص الكامل جامعا وزيا، وقال بعضهم: ~~الكسوة في الكفارة إزار وقميص ورداء قاله ابن عمر رضي الله عنه، وروي عن ~~الحسن وابن سيرين وأبي موسى الأشعري أن الكسوة في الكفارة ثوبان لكل مسكين، ~~وعلق مالك رحمه الله الحكم بما يجزىء في الصلاة، وهذا أحسن نظر، فقال: ~~يجزىء في الرجل ثوب واحد، وقال ابن حبيب يكسى قميصا أو إزارا يبلغ أن يلتف ~~به مشتملا، وكلام ابن حبيب تفسير، قال مالك: تكسى المرأة ms1069 درعا وخمارا، وقال ~~ابن القاسم في العتبية: وإن كسا صغير الإناث فدرع وخمار كالكبيرة، والكفارة ~~واحدة لا ينقص منها لصغير، قال عنه ابن المواز ولا تعجبني كسوة المراضع ~~بحال، فأما من أمر بالصلاة فيكسوه قميصا ويجزئه، قال ابن المواز من رأيه: ~~بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجزىء، قال أشهب، تعطى الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ~~ثوب رجل ويجزىء وقاله ابن الماجشون، وقوله أو تحرير رقبة التحرير الإخراج ~~من الرق، ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها، فمنه قوله تعالى ~~عن أم مريم: إني نذرت لك ما في بطني محررا [آل عمران: 35] أي من شغوب ~~الدنيا، ومن ذلك قول الفرزدق: # ابني غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال # أي حررتكم من الهجاء، وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي فيه يكون ~~الغل والتوثق غالبا من الحيوان، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها، ~~واختلف الناس في صفة المعتق في الكفارة كيف ينبغي أن يكون، فقالت جماعة من ~~العلماء: هذه رقبة مطلقة لم تقيد بأيمان فيجوز في كفارة اليمين عتق الكافر، ~~وهذا مذهب الطبري وجماعة من العلماء، وقالت فرقة كل مطلق في القرآن من هذا ~~فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ فلا يجزىء في شيء من ~~الكفارات كافر، وهذا قول مالك رحمه الله وجماعة معه، وقال مالك رحمه الله: ~~لا يجزي أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وقال ابن شهاب وجماعة، وفي الأعور قولان ~~في المذهب، وكذلك في الأصم وفي الخصي، وفي العلماء من رأى أن جميع هذا ~~يجزىء وفرق النخعي فجوز عتق من يعمل أشغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل ~~كالأعمى والمقعد والأشل اليدين، قال مالك رحمه الله: والأعجمي عندي يجزىء ~~من قصر النفقة وغيره أحب إلي، قال سحنون يريد بعد أن يجيب إلى الإسلام، فإن ~~كان الأعجمي لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس ~~والصغير من الحربيين الكتابيين فقال ابن القاسم يجزىء عتقه وإن لم يسلم ~~وقال أشهب لا PageV02P231 # يجزىء حتى ms1070 يسلم، ولا يجزىء عند مالك من فيه شعبة حرية كالمدبر وأم الولد ~~ونحوه. # وقوله تعالى فمن لم يجد معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام ~~أو الكسوة أو عتق الرقبة واختلف العلماء في حد هذا العادم الوجد حتى يصح له ~~الصيام، فقال الشافعي رحمه الله وجماعة من العلماء إذا كان المكفر لا يملك ~~إلا قوته وقوت عياله يومه وليلته فله أن يصوم، فإن كان عنده زائدا على ذلك ~~ما يطعم عشرة مساكين لزمه الإطعام، وهذا أيضا هو مذهب مالك وأصحابه قال ~~مالك في المدونة: لا يجزئه سيام وهو يقدر على أحد الوجوه الثلاثة، وروي عن ~~ابن القاسم أن من تفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم، وقال ابن المواز: ولا ~~يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في البلد لا يعطف عليه فيه، وقال ~~ابن القاسم في كتاب ابن مزين: إن كان لحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن ~~يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه، وقال سعيد بن جبير: إن لم يكن ~~له إلا ثلاثة دراهم أطعم وقال قتادة: إذا لم يكن له إلا قدر ما يكفر به ~~صام، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا كان له درهمان أطعم، قال الطبري: وقال ~~آخرون: جائز لمن لم تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد، وقال ~~آخرون: # جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم، ~~وقرأ أبي بن كعب فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وكذلك عبد الله بن مسعود ~~وإبراهيم النخعي، وقال بذلك جماعة من العلماء منهم مجاهد وغيره، وقال مالك ~~رحمه الله وغيره: إن تابع فحسن وإن فرق أجزأ، وقوله تعالى: ذلك كفارة ~~أيمانكم إشارة إلى ما ذكر من الأشياء الثلاثة وقوله إذا حلفتم معناه ثم ~~أردتم الحنث أو وقعتم فيه وباقي الآية وصاة وتوقيف على النعمة والإيمان. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 92] # يا أيها الذين آمنوا ms1071 إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما ~~على رسولنا البلاغ المبين (92) # الخطاب للمؤمنين جميعا، لأن هذه الأشياء شهوات وعادات قد تلبس بها في ~~الجاهلية وغلبت على النفوس فكان بقي منها في نفوس كثير من المؤمنين، فأما ~~الخمر فكانت لم تحرم بعد، وأما الميسر ففيه قمار ولذة للفارغ من النفوس ~~ونفع أيضا بوجه ما، وأما الأنصاب وهي حجارة يذكون عندها لفضل يعتقدونه ~~فيها، وقيل هي الأصنام المعبودة كانوا يذبحون لها وعندها في الجاهلية. فإن ~~كانت المرادة في هذه الآية الحجارة التي يذبح عندها فقط فذلك لأنه كان في ~~نفس ضعفة المؤمنين شيء من تعظيم تلك الحجارة، وهذا كما قالت امرأة الطفيل ~~بن عمرو الدوسي لزوجها: أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئا؟ # وذو الشرى صنم لدوس، وإن كانت المرادة في هذه الآية الأصنام فإنما قرنت ~~بهذه الأمور ليبين النقص في هذه إذ تقرن بالأصنام، ولا يتأول أنه بقي في ~~نفس مؤمن شيء من تعظيم الأصنام والتلبس بها حتى يقال له PageV02P232 # اجتنبه، وأما الأزلام فهي الثلاثة التي كان أكثر الناس يتخذونها. في ~~أحدها «لا» وفي الآخر «نعم» ، والآخر «غفل» ، وهي التي حبسها سراقة بن جعشم ~~حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الهجرة، فكانوا يعظمونها، وبقي ~~منها في بعض النفوس شيء ومن هذا القبيل هو الزجر بالطير وأخذ الفأل منها في ~~الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم، وقد يقال لسهام الميسر أزلام، والزلم ~~السهم وكان من الأزلام أيضا ما يكون عند الكهان وكان منها سهام عند الأصنام ~~وهي التي ضرب بها على عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان عند قريش في الكعبة أزلام فيها أحكام ذكرها ابن إسحاق وغيره، ~~فأخبر الله تعالى أن هذه الأشياء رجس، قال ابن زيد: الرجس ms1072 الشر. # قال القاضي أبو محمد: كل مكروه ذميم، وقد يقال للعذاب، وقال ابن عباس في ~~هذه الآية رجس سخط، وقد يقال للنتن وللعذرة والأقذار رجس، والرجز العذاب لا ~~غير، والركس العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين، وأمر الله تعالى باجتناب ~~هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر في قوله فاجتنبوه نصوص الأحاديث وإجماع ~~الأمة، فحصل الاجتناب في رتبة التحريم، فبهذا حرمت الخمر بظاهر القرآن ونص ~~الحديث وإجماع الأمة، وقد تقدم تفسير لفظة الخمر ومعناها. وتفسير الميسر في ~~سورة البقرة، وتقدم تفسير الأنصاب والاستقسام بالأزلام في صدر هذه السورة، ~~واختلف الناس في سبب نزول هذه الآيات، فقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن ~~الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل بالناس من ~~أجلها ودعا إلى الله في تحريمها، وقال: اللهم بين لنا فيها بيانا شافيا، ~~فنزلت هذه الآيات، فقال عمر انتهينا، انتهينا وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص ~~عن أبيه سعد قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا الخمر حتى ~~انتشينا فتفاخرت الأنصار وقريش فقال كل فريق: نحن خير منكم، فأخذ رجل من ~~الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف، قال سعد ففي ~~نزلت الآية إلى آخرها، وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من ~~الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا فلما صحوا جعل كل واحد منهم يرى الأثر ~~بوجهه ولحيته وجسده، فيقول هذا فعل فلان بي، فحدث بينهم في ذلك ضغائن، ~~فنزلت هذه الآيات في ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وأمر الخمر إنما كان بتدريج ونوازل كثيرة، منها قصة ~~حمزة حين جب الأسنمة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وهل أنتم إلا عبيد ~~لأبي، ومنها قراءة علي بن أبي طالب في صلاة المغرب «قل يا أيها الكافرون ~~أعبد ما تعبدون» فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~[النساء: 43] الآية، ثم لم تزل النوازل تحزب الناس بسببها حتى نزلت هذه ~~الآية، فحرمت بالمدينة وخمر العنب فيها قليل، ms1073 إنما كانت خمرهم من خمسة ~~أشياء من العسل ومن التمر ومن الزبيب ومن الحنطة ومن الشعير، والأمة مجمعة ~~على تحريم القليل والكثير من خمر العنب التي لم تمسها نار ولا خالطها شيء، ~~وأكثر الأمة على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، ولأبي حنيفة وبعض فقهاء ~~الكوفة إباحة ما لا يسكر مما يسكر كثيره من غير خمر العنب، وهو مذهب مردود، ~~وقد خرج قوم تحريم الخمر من وصفها برجس، وقد وصف تعالى في آية أخرى الميتة ~~والدم المسفوح ولحم الخنزير بأنها رجس، فيجيء من ذلك أن كل رجس حرام. PageV02P233 # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، والاجتناب أن يجعل الشيء جانبا أو ~~ناحية. # ثم أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، ~~وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على ~~الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزينا فقيرا فتحدث من ذلك ضغائن ~~وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم ~~متباغضين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ~~ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» ، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى ~~الدين ويجاهد العدو، والبغضاء تنقض عرى الدين وتهدم عماد الحماية، وكذلك ~~أيضا يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها ~~بشهوات، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك، وفي قوله تعالى: ~~فهل أنتم منتهون وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى انتهوا. # ولما كان في الكلام معنى انتهوا حسن أن يعطف عليه وأطيعوا وكرر أطيعوا في ~~ذكر الرسول تأكيدا، ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب ~~الآخرة أي إنما على الرسول أن يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما ~~يعصى أو يطاع. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 93 الى 94] # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين ms1074 (93) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم (94) # سبب هذه الآية فيما قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك: أنه لما ~~نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله، كيف بمن مات منا وهو ~~يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول؟ فنزلت هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت ~~وما كان الله ليضيع إيمانكم [البقرة: 143] ولما كان أمر القبلة خطيرا ~~ومعلما من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر ~~في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، ~~فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ~~ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة ~~لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و «الجناح» الإثم ~~والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب ~~للعاصي وطعموا معناه ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب، وقد يستعار للنوم ~~وغيره وحقيقته في حاسة الذوق، والتكرار في قوله اتقوا يقتضي في كل واحدة ~~زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم، وذهب بعض المفسرين ~~إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال PageV02P234 # قوم: الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل ~~الصالحات، والرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة، والرتبة ~~الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في ~~الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان، وقال قوم الرتبة الأولى لماضي ~~الزمن، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال، وقال قوم: الاتقاء الأول هو في ~~الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليست هذه الآية وقفا على من عمل ~~الصالحات كلها، واتقى كل التقوى. بل ms1075 هو لكل مؤمن وإن كان عاصيا أحيانا إذا ~~كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل ~~للصالحات متق في غالب أمره محسن، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم ~~يحرم عليه، وقد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله ~~عنه، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى ~~المدينة وشهد بدرا وعمر، وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة، ولاه ~~عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد عبد القيس قدم على عمر ~~بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر: ومن يشهد معك؟ فقال: # أبو هريرة، فجاء أبو هريرة فقال له عمر بم تشهد؟ قال لم أره يشرب ولكن ~~رأيته سكران يقيء، فقال له عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى ~~قدامة أن يقدم عليه، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله، فقال ~~له عمر: أخصم أنت أم شهيد، قال: بل شهيد: قال: قد أديت شهادتك، فصمت ~~الجارود ثم غدا على عمر، فقال أقم على قدامة كتاب الله، فقال له عمر: ما ~~أراك إلا خصما وما شهد معك إلا رجل واحد، قال الجارود: إني أنشدك الله، قال ~~عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود: ما هذا والله يا عمر بالحق أن ~~يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني، فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل ~~إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ~~ينشدها الله، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة إني حادك، فقال: ~~لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني، قال عمر لم؟ قال: لأن الله تعالى ~~يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح الآية، فقال له عمر: أخطأت ~~التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر وكان مريضا ~~فقال له قوم من الصحابة لا نرى أن ms1076 تجلده ما دام مريضا، فأصبح يوما وقد عزم ~~على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى ذلك ما دام ~~وجعا، فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إلي من أن ألقاه وهو ~~في عنقي، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه ~~قدامة مغاضبا له، فلما كان عمر بالسقيا نام ثم استيقظ فقال: عجلوا علي ~~بقدامة، فقد أتاني آت في النوم فقال: # سالم قدامة فإنه أخوك، فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبى ~~فلما جاء كلمه عمر واستغفر له فاصطلحا، قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد ~~من أهل بدر في الخمر غيره. # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد أي ~~ليختبركم ليرى طاعتكم من معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد، وكان الصيد أحد ~~معايش العرب العاربة، وشائعا عند الجميع منهم مستعما جدا، فابتلاهم الله ~~فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في PageV02P235 # السبت، ومن تحتمل أن تكون للتبعيض، فالمعنى من صيد البر دون البحر، ذهب ~~إليه الطبري وغيره، ويحتمل أن يكون التبعيض في حالة الحرمة إذ قد يزول ~~الإحرام ويفارق الحرم، فصيد بعض هذه الأحوال بعض الصيد على العموم، ويجوز ~~أن تكون لبيان الجنس، قال الزجاج وهذا كما تقول لأمتحننك بشيء من الورق، ~~وكما قال تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان [الحج: 30] وقوله بشيء يقتضي ~~تبعيضا ما وقد قال كثير من الفقهاء إن الباء في قوله تعالى: وامسحوا برؤسكم ~~[المائدة: 6] أعطت تبعيضا ما، وقرأ ابن وثاب والنخعي «يناله» بالياء منقوطة ~~من تحت، وقال مجاهد الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، ~~والرماح تنال كبار الصيد. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم ~~المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما ~~عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح ms1077 به الصيد ~~وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير ~~بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا، وقوله تعالى ليعلم ~~معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري ~~«ليعلم الله» بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده، وبالغيب قال الطبري ~~معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه، والظاهر أن المعنى ~~بالغيب من الناس أي في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، ~~وقد خفي له لو صاد، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد هذا النهي الذي يأتي وهو ~~الذي أراد بقوله ليبلونكم وأشار إليه قوله ذلك والعذاب الأليم هو عذاب ~~الآخرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 95] # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) # الخطاب لجميع المؤمنين، وهذا النهي هو الابتلاء الذي أعلم به قوله قبل ~~ليبلونكم [المائدة: 94] والصيد مصدر عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان ~~المصيد، ولفظ الصيد هنا عام ومعناه الخصوص فيما عدا الحيوان الذي أباح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قتله في الحرم، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «خمس فواسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب ~~العقور» ووقف مع ظاهر هذا الحديث سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن راهويه فلم يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ما ذكر، وقاس مالك رحمه ~~الله على الكلب العقور كل ما كلب على الناس وعقرهم ورآه داخلا في اللفظ ~~فقال للمحرم أن يقتل الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية مبتدئا ~~بها، فأما الهر والثعلب والضبع فلا يقتلها المحرم وإن قتلها فدى، وقال ~~أصحاب الرأي إن بدأ السبع ms1078 المحرم فله أن يقتله، وإن ابتدأه المحرم فعليه ~~قيمته، وقال مجاهد والنخعي لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا PageV02P236 # عليه، وقال ابن عمر ما حل بك من السباع فحل به، وأما فراخ السبع الصغار ~~قبل أن تفرس فقال مالك في المدونة لا ينبغي للمحرم قتلها، قال أشهب في كتاب ~~محمد: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضا أشهب وابن القاسم لا جزاء عليه، ~~وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر المحرمين بقتل الحيات، وأجمع ~~الناس على إباحة قتلها، وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور لأنه ~~في حكم العقرب، وقال مالك: يطعم قاتله شيئا، وكذلك قال مالك فيمن قتل ~~البرغوث والذباب والنمل ونحوه، وقال أصحاب الرأي لا شيء على قاتل هذه كلها، ~~وأما سباع الطير فقال مالك لا يقتلها المحرم وإن فعل فدى، وقال ابن القاسم ~~في كتاب محمد: وأحب إلي أن لا يقتل الغراب والحدأة حتى يؤذياه، ولكن إن فعل ~~فلا شيء عليه. # قال القاضي أبو محمد: وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلاء ~~وما عدا ما ذكرناه فهو مما نهى الله عن قتله في الحرمة بالبلد أو الحال، ~~وفرض الجزاء على من قتله وحرم جمع حرام وهو الذي يدخل في الحرام أو في ~~الإحرام، وحرام، يقال للذكر والأنثى والاثنين والجميع، واختلف العلماء في ~~معنى قوله متعمدا فقال مجاهد وابن جريج والحسن وابن زيد: معناه متعمدا ~~لقتله ناسيا لإحرامه، فهذا هو الذي يكفر وكذلك الخطأ المحض يكفر وأما إن ~~قتله متعمدا ذاكرا لإحرامه فهذا أجل وأعظم من أن يكفر. قال مجاهد: قد حل ~~ولا رخصة له، وقاله ابن جريج، وحكى المهدوي وغيره أنه بطل حجه، وقال ابن ~~زيد: هذا يوكل إلى نقمة الله، وقال جماعة من أهل العلم منهم ابن عباس ومالك ~~وعطاء وسعيد ابن جبير والزهري وطاوس وغيرهم، المتعمد هو القاصد للقتل ~~الذاكر لإحرامه، وهو يكفر وكذلك الناسي والقاتل خطأ يكفران. # قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في قتله خطأ أنهما ms1079 يكفران، ~~وقال بعض الناس لا يلزم القاتل خطأ كفارة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وابن عامر «فجزاء مثل ما» بإضافة الجزاء إلى مثل وخفض مثل، وقرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم «فجزاء» بالرفع «مثل» بالرفع أيضا فأما القراءة الأولى ~~ومعناها فعليه جزاء مثل ما قتل أي قضاؤه وغرمه، ودخلت لفظة «مثل» هنا كما ~~تقول أنا أكرم مثلك وأنت تقصد بقولك أنا أكرمك، ونظير هذا قوله تعالى: أومن ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~[الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله تعالى: فجزاء مثل أن يكون المعنى فعليه ~~أن يجزي مثل ما، ثم وقعت الإضافة إلى المثل الذي يجزي به اتساعا، وأما ~~القراءة الثانية فمعناها فالواجب عليه أو فاللازم له جزاء مثل ما و «مثل» ~~على هذه القراءة صفة لجزاء، أي فجزاء مماثل، وقوله تعالى: من النعم صفة ~~لجزاء على القراءتين كلتيهما، وقرأ عبد الله بن مسعود «فجزاؤه مثل ما» ~~بإظهار هاء يحتمل أن تعود على الصيد أو على الصائد القاتل، وقرأ أبو عبد ~~الرحمن «فجزاء» بالرفع والتنوين «مثل ما» بالنصب، وقال أبو الفتح «مثل» ~~منصوبة بنفس الجزاء أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل، واختلف العلماء في هذه ~~المماثلة كيف تكون؟! فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان ~~المقتول في الخلقة وعظم المرأى فيجعلون ذلك من النعم جزاءه، قال الضحاك بن ~~مزاحم والسدي وجماعة من الفقهاء: في النعامة PageV02P237 # وحمار الوحش ونحوه بدنة، وفي الوعل والإبل ونحوه بقرة، وفي الظبي ونحوه ~~كبش، وفي الأرنب ونحوه ثنية من الغنم، وفي اليربوع حمل صغير، وما كان من ~~جرادة ونحوها ففيها قبضة طعام، وما كان من طير فيقوم ثمنها طعاما فإن شاء ~~تصدق به وإن شاء صام لكل صاع يوما، وإن أصاب بيض نعام فإنه يحمل الفحل على ~~عدد ما أصاب من بكارة الإبل فما نتج منها أهداه إلى البيت وما فسد منها فلا ~~شيء عليه فيه. # قال القاضي أبو ms1080 محمد: حكم عمر على قبيصة بن جابر في الظبي بشاة، وحكم هو ~~وعبد الرحمن بن عوف، قال قبيصة: فقلت يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من أن ~~تدعو من يحكم معك، قال: فضربني بالدرة حتى سابقته عدوا. ثم قال: أقتلت ~~الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى؟ وهذه القصة في الموطأ بغير هذه الألفاظ. ~~وكذلك روي أنها نزلت بصاحب لقبيصة، وقبيصة هو راويها والله أعلم. وأما ~~الأرنب واليربوع ونحوها فالحكم فيه عند مالك أن يقوم طعاما، فإن شاء تصدق ~~به وإن شاء صام بدل كل مد يوما، وكذلك عنده الصيام في كفارة الجزاء إنما هو ~~كله يوم بدل مد، وعند قوم صاع، وعند قوم بدل مدين، وفي حمام الحرم عند مالك ~~شاة في الحمامة، وفي الحمام غيره حكومة وليس كحمام الحرم، وأما بيض النعام ~~وسائر الطير ففي البيضة عند مالك عشر ثمن أمه، قال ابن القاسم: وسواء كان ~~فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ صارخا بعد الكسر فإن استهل ففيه ~~الجزاء كاملا كجزاء كبير ذلك الطير. قال ابن المواز: بحكومة عدلين، وقال ~~ابن وهب: إن كان في بيضة النعامة فما دونها فرخ فعشر ثمن أمه، وإن لم يكن ~~فصيام يوم أو مد لكل مسكين، وذهبت فرقة من أهل العلم منهم النخعي وغيره إلى ~~أن المماثلة إنما هي في القيمة، يقوم الصيد المقتول ثم يشترى بقيمته من ~~النعم ثم يهدى، ورد الطبري وغيره على هذا القول، والنعم لفظ يقع على الإبل ~~والبقر والغنم إذا اجتمع هذه الأصناف، فإذا انفرد كل صنف لم يقل «نعم» إلا ~~للإبل وحدها، وقرأ الحسن «من النعم» بسكون العين وهي لغة، والجزاء إنما يجب ~~بقتل الصيد لا بنفس أخذه بحكم لفظ الآية، وذلك في المدونة ظاهر من مسألة ~~الذي اصطاد طائرا فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، قال لا جزاء عليه، ~~وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين عدلين عالمين بحكم النازلة وبالتقدير ~~فيها، وحكم عمر وعبد الرحمن بن عوف وأمر أبا جرير البجلي ms1081 أن يأتي رجلين من ~~العدول ليحكما عليه في عنز من الظباء أصابها قال: # فأتيت عبد الرحمن وسعدا فحكما علي تيسا أعفر، ودعا ابن عمر ابن صفوان ~~ليحكم معه في جزاء، وعلى هذا جمهور الناس وفقهاء الأمصار، وقال ابن وهب ~~رحمه الله في العتبية: من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد كما خيره ~~الله في أن يخرج هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما. ~~فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن ~~يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي. فما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام، ثم ~~خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوما. # وكذلك قال مالك في المدونة: إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم وإن كان لما ~~أصاب نظير من النعم فإنه يقوم صيده طعاما لا دراهم، قال: وإن قوموه دراهم ~~واشتري بها طعام لرجوت أن يكون واسعا، والأول أصوب، فإن شاء أطعمه وإلا صام ~~مكانه لكل مد يوما، وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من ~~أصحابنا إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال كم من ~~الطعام يشبع هذا PageV02P238 # العدد، فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن أحتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من ~~الطعام قليلة فبهذا النظر يكثر الطعام، ومن أهل العلم من يرى أن لا يتجاوز ~~في صيام الجزاء شهران، قالوا: لأنها أعلى الكفارات بالصيام، وقوله تعالى: ~~هديا بالغ الكعبة يقتضي هذا اللفظ أن يشخص بهذا الهدي حتى يبلغ، وذكرت ~~الكعبة لأنها أم الحرم ورأس الحرمة، والحرم كله منحر لهذا الهدي فما وقف به ~~بعرفة من هذا الجزاء فينحر بمنى، وما لم يوقف به فينحر بمكة وفي سائر بقاع ~~الحرم، بشرط أن يدخل من الحل لا بد أن يجمع فيه بين حل وحرم حتى يكون بالغا ~~الكعبة، وقرأ عبد الرحمن الأعرج ms1082 «هديا بالغ الكعبة» بكسر الدال وتشديد ~~الياء، وهديا نصب على الحال من الضمير في به، وقيل على المصدر، وبالغ نكرة ~~في الحقيقة لم تزل الإضافة عنه الشياع، فتقديره بالغا الكعبة حذف تنويه ~~تخفيفا، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي «أو كفارة» منونا ~~«طعام مساكين» برفع طعام وإضافته إلى جمع المساكين، وقرأ نافع وابن عامر ~~برفع الكفارة دون تنوين وخفض الطعام على الإضافة ومساكين بالجمع، قال أبو ~~علي: إعراب طعام في قراءة من رفعه أنه عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة، ولم ~~يضف الكفارة لأنها ليست للطعام إنما هي لقتل الصيد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام كله مبني على أن الكفارة هي الطعام وفي ~~هذا نظر، لأن الكفارة هي تغطية الذنب بإعطاء الطعام، فالكفارة غير الطعام ~~لكنها به، فيتجه في رفع الطعام البدل المحض، ويتجه قراءة من أضاف الكفارة ~~إلى الطعام على أنها إضافة تخصيص، إذ كفارة هذا القتل قد تكون كفارة هدي أو ~~كفارة طعام أو كفارة صيام، وقرأ الأعرج وعيسى بن عمر «أو كفارة» بالرفع ~~والتنوين «طعام» بالرفع دون تنوين «مسكين» على الإفراد وهو اسم الجنس، وقال ~~مالك رحمه الله وجماعة من العلماء: القاتل مخير في الرتب الثلاثة وإن كان ~~غنيا، وهذا عندهم مقتضى أو، وقال ابن عباس وجماعة لا ينتقل المكفر من الهدي ~~إلى الطعام إلا إذا لم يجد هديا، وكذلك لا يصوم إلا إذا لم يجد ما يطعم، ~~وقاله إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، قالوا: والمعنى أو كفارة طعام ~~إن لم يجد الهدي. ومالك رحمه الله وجماعة معه يرى أن المقوم إنما هو الصيد ~~المقتول بالطعام كما تقدم، وقال العراقيون إنما يقوم الجزاء طعاما، فمن قتل ~~ظبيا قوم الظبي عند مالك وقوم عدله من الكباش أو غير ذلك عند أبي حنيفة ~~وغيره، وحكى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إذا أصاب المحرم ~~الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد ~~قوم الجزاء دراهم ms1083 ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوما قال: ~~وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعاما فإنما يجد جزاء، ~~وأسنده أيضا عن السدي. # قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا القول بظاهر لفظ الآية فإنه ينافره، ~~والهدي لا يكون إلا في الحرم كما ذكرنا قبل. # واختلف الناس في الطعام فقال جماعة من العلماء: الإطعام والصيام حيث شاء ~~المكفر من البلاد، PageV02P239 # وقال عطاء بن أبي رباح وغيره «الهدي والإطعام بمكة والصوم حيث شئت» وقوله ~~تعالى: أو عدل ذلك صياما قرأ الجمهور بفتح العين ومعناه: نظير الشيء ~~بالموازنة والمقدار المعنوي، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري: «أو ~~عدل» بكسر العين، قال أبو عمرو الداني ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقال بعض الناس «العدل» بالفتح قدر الشيء من غير جنسه، وعدله ~~بالكسر قدره من جنسه، نسبها مكي إلى الكسائي وهو وهم والصحيح عن الكسائي: ~~أنهما لغتان في المثل، وهذه المنسوبة عبارة معترضة وإنما مقصد قائلها أن ~~«العدل» بالكسر قدر الشيء موازنة على الحقيقة كعدلي البعير، وعدله قدره من ~~شيء آخر موازنة معنوية، كما يقال في ثمن فرس هذا عدله من الذهب، ولا يتجه ~~هنا كسر العين فيما حفظت، والإشارة بذلك في قوله عدل ذلك يحتمل أن تكون إلى ~~الطعام، وعلى هذا انبنى قول من قال من الفقهاء الأيام التي تصام هي على عدد ~~الأمداد أو الأصوع أو أنصافها حسب الخلاف الذي قد ذكرته في ذلك. ويحتم أن ~~تكون الإشارة ب ذلك إلى الصيد المقتول، وعلى هذا انبنى قول من قال من ~~العلماء: # الصوم في قتل الصيد إنما هو على قدر المقتول، وقال ابن عباس رضي الله عنه ~~إن قتل المحرم ظبيا فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلا فعليه بقرة، فإن لم يجد فإطعام ~~عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه ~~بدنة، فإن ms1084 لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما. # قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم لابن عباس رضي الله عنه قول غير هذا آنفا ~~حكاهما عنه الطبري مسندين، ولا ينكر أن يكون له في هيئة التكفير قولان، ~~وقال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: أو عدل ذلك صياما قال يصوم ثلاثة ~~أيام إلى عشرة. # وقوله تعالى: ليذوق وبال أمره الذوق هنا مستعار كما قال تعالى: ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم [الدخان: 49] وكما قال فأذاقها الله لباس الجوع [النحل: ~~112] وكما قال أبو سفيان: ذق عقق وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة السان، وهي ~~في هذا كله مستعارة فيما بوشر بالنفس، والوبال سوء العاقبة، والمرعى الوبيل ~~هو الذي يتأذى به بعد أكله، وعبر بأمره عن جميع حاله من قتل وتكفير وحكم ~~عليه ومضي ماله أو تعبه بالصيام، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: عفا ~~الله عما سلف فقال عطاء بن أبي رباح وجماعة معه: معناه عفا الله عما سلف في ~~جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرمة ومن عاد الآن في الإسلام فإن كان ~~مستحيلا فينتقم الله منه في الآخرة ويكفر في ظاهر الحكم، وإن كان عاصيا ~~فالنقمة هي في إلزام الكفارة فقط، قالوا وكلما عاد المحرم فهو مكفر. # قال القاضي أبو محمد: ويخاف المتورعون أن تبقى النقمة مع التكفير، وهذا ~~هو قول الفقهاء مالك ونظائره وأصحابه رحمهم الله، وقال ابن عباس رضي الله ~~عنه: المحرم إذا قتل مرارا ناسيا لإحرامه فإنه يكفر في كل مرة، فأما ~~المتعمد العالم بإحرامه فإنه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، ~~فإن عاد ثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله، ~~وقال بهذا القول شريح القاضي وإبراهيم النخعي ومجاهد، وقال سعيد بن جبير: ~~رخص في قتل الصيد مرة فمن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه. PageV02P240 # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول منه رضي الله عنه وعظ بالآية، وهو مع ~~ذلك يرى أن يحكم عليه في العودة ms1085 ويكفر لكنه خشي مع ذلك بقاء النقمة، وقال ~~ابن زيد: معنى الآية عفا الله عما سلف لكم أيها المؤمنون من قتل الصيد قبل ~~هذا النهي والتحريم، قال وأما من عاد فقتل الصيد وهو عالم بالحرمة متعمد ~~للقتل فهذا لا يحكم عليه، وهو موكول إلى نقمة الله، ومعنى قوله متعمدا في ~~صدر الآية أي متعمدا للقتل ناسيا للحرمة. # قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم ذكر هذا الفصل، قال الطبري: وقال قوم: هذه ~~الآية مخصوصة في شخص بعينه وأسند إلى زيد بن المعلى أن رجلا أصاب صيدا وهو ~~محرم فتجوز له عنه ثم عاد فأرسل الله عليه نارا فأحرقته، فذلك قوله تعالى: ~~ومن عاد فينتقم الله منه وقوله تعالى: والله عزيز ذو انتقام تنبيه على ~~صفتين تقتضي خوف من له بصيرة، ومن خاف ازدجر، ومن هذا المعنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 96 الى 98] # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97) اعلموا أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم (98) # هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو ~~للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضا يراد به الصيد، وأضيف إلى البحر لما كان ~~منه بسبب، والبحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا، وكل نهر كبير بحر، واختلف ~~الناس في معنى قوله وطعامه قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة كثيرة ~~من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو ما قذف به وما طفا عليه لأن ذلك طعام لا ~~صيد، وسأل رجل ابن عمر عن حيتان طرحها البحر فنهاه عنها ثم قرأ المصحف فقال ~~لنافع الحقه فمره بأكلها فإنها طعام البحر، وهذا التأويل ينظر إلى ms1086 قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وقال ابن عباس وسعيد ~~بن جبير وإبراهيم النخعي وجماعة: «طعامه» كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنائع ~~تدخله فترده طعاما، وإنما الصيد الغريض، وقال قوم طعامه ملحه الذي ينعقد من ~~مائه وسائر ما فيه من نبات ونحوه. وكره قوم خنزير الماء، وقال مالك رحمه ~~الله: أنتم تقولون خنزير، ومذهبه إباحته، وقول أبي بكر وعمر هو أرجح ~~الأقوال، وهو مذهب مالك، وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الحارث و «طعمه» بضم ~~الطاء وسكون العين دون ألف ومتاعا نصب على المصدر والمعنى متعكم به متاعا ~~تنتفعون به وتأتدمون، ولكم يريد حاضري البحر ومدنه، وللسيارة المسافرين، ~~وقال مجاهد أهل القرى هم المخاطبون، والسيارة أهل الأمصار. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة ~~من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار. PageV02P241 # واختلف العلماء في مقتضى قوله وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فتلقاه ~~بعضهم على العموم من جميع جهاته، فقالوا إن المحرم لا يحل له أن يصيد ولا ~~أن يأمر بصيد ولا أن يأكل صيدا صيد من أجله ولا من غير أجله، ولحم الصيد ~~بأي وجه كان حرام على المحرم، وروي أن عثمان حج وحج معه علي بن أبي طالب ~~فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكل علي، فقال عثمان: والله ~~ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما، ~~وروي أن عثمان استعمل على العروض أبا سفيان بن الحارث فصاد يعاقيب فجعلها ~~في حظيرة فمر به عثمان بن عفان فطبخهن وقدمهن إليه، وجاء علي بن أبي طالب ~~فنهاهم عن الأكل، وذكر نحو ما تقدم قال: ثم لما كانوا بمكة أتي عثمان فقيل ~~له هل لك في علي؟ أهدي له تصفيف حمار فهو يأكل منه، فأرسل إليه عثمان فسأله ~~عن أكله التصفيف وقال له: أما أنت فتأكل وأما نحن فتنهانا فقال له علي: إنه ~~صيد ms1087 عام أول، وأنا حلال، فليس علي بأكله بأس، وصيد ذلك، يعني اليعاقيب وأنا ~~محرم وذبحن وأنا حرام، وروي مثل قول علي عن ابن عباس وابن عمر وطاوس وسعيد ~~بن جبير، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بأسا للمحرم أن يأكل لحم ~~الصيد الذي صاده الحلال لحلال مثله ولنفسه، وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة ~~فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب فقال له لو أفتيت بغير هذا لأوجعت ~~رأسك بهذه الدرة، وسأل أبو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة فقال له، كان ~~عمر يأكله، قال: قلت فأنت؟ قال كان عمر خيرا مني، روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنه أنه قال: ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال، وما صيد أو ذبح وأنت ~~حرام فهو عليك حرام. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مثل قول علي بن أبي طالب، وروى عطاء عن كعب ~~قال أقبلت في ناس محرمين فوجدنا لحم حمار وحشي فسألوني عن أكله فأفتيتهم ~~بأكله، فقدمنا على عمر فأخبروه بذلك، فقال، قد أمرته عليكم حتى ترجعوا، ~~وقال بمثل قول عمر بن الخطاب عثمان بن عفان رضي الله عنهما والزبير بن ~~العوام وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الحمار الذي صاده ~~أبو قتادة وهو حلال والنبي محرم، قال الطبري وقال آخرون: # إنما حرم على المحرم أن يصيد، فأما أن يشتري الصيد من مالك له فيذبحه ~~فيأكله فذلك غير محرم ثم ذكر أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، اشترى قطا وهو ~~بالعرج فأكله فعاب ذلك عليه الناس، ومالك رحمه الله يجيز للمحرم أن يأكل ما ~~صاده الحلال وذبحه إذا كان لم يصده من أجل المحرم، فإن صيد من أجله فلا ~~يأكله، وكذلك قال الشافعي، ثم اختلفا إن أكل، فقال مالك: عليه الجزاء وقال ~~الشافعي لا جزاء عليه، وقرأ ابن عباس و «حرم» بفتح الحاء والراء مشددة ~~«صيد» بنصب الدال «ما دمتم حرما» بفتح الحاء، المعنى وحرم الله عليكم، ~~وحرما يقع للجميع والواحد ms1088 كرضى وما أشبهه، والمعنى ما دمتم محرمين، فهي ~~بالمعنى كقراءة الجماعة بضم الحاء والراء، ولا يختلف في أن ما لا زوال له ~~من الماء أنه صيد بحر، وفيما لا زوال له من البر أنه صيد بر، واختلف فيما ~~يكون في أحدهما وقد يعيش ويحيا في الآخر فقال مالك رحمه الله وأبو مجلز ~~وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد ~~البر إن قتله المحرم وداه: وذكر أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف ~~والسرطان. PageV02P242 # قال القاضي أبو محمد: ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة ~~من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في المدونة، فإنه قال ~~الضفادع من صيد البحر، وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه ~~راعى أكثر عيش الحيوان، سئل عن ابن الماء أصيد بر أم صيد بحر؟ # فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه. # قال القاضي أبو محمد: والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل ~~الحب، وقوله تعالى: # واتقوا الله تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم. # ثم ذكر تعالى بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير، ولما بان في هذه ~~الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة وأنها بيت الله وعنصر ~~هذه الفضائل، ذكر تعالى في قوله تعالى: جعل الله الآية ما سنه في الناس ~~وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن الكعبة قوام و ~~«الهدي» قوام و «القلائد» قوام أي أمر يقوم للناس بالتأمين وحل الحرب كما ~~يفعل الملوك الذين هم قوام العالم، فلما كانت تلك الأمة لا ملك لها جعل ~~الله هذه الأشياء كالملك لها، وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما ~~شرعه وارتضاه، ويدل على مقدار هذه الأمور في نفوسهم أن النبي عليه السلام ~~لما بعثت إليه قريش زمن الحديبية الحليس، فرآه النبي، قال: هذا رجل يعظم ~~الحرمة فالقوه بالبدن مشعرة، فلما رآها الحليس عظم ذلك عليه، ms1089 وقال: ما ~~ينبغي أن يصد هؤلاء ورجع عن رسالتهم، وجعل في هذه الآية بمعنى صير، والكعبة ~~بيت مكة، وسمي كعبة لتربيعه، قال أهل اللغة كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة، ~~ومنه قول الأسود بن يعفر: # أهل الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذي الكعبات من سنداد # قالوا كانت فيه بيوت مربعة وفي كتاب سير ابن إسحاق أنه كان في خثعم بيت ~~يسمونه كعبة اليمانية، وقال قوم: سميت كعبة لنتوئها ونشوزها على الأرض، ~~ومنه كعب ثدي الجارية، ومنه كعب القدم ومنه كعوب القناة، وقياما معناه أمر ~~يقوم للناس بالأمنة والمنافع كما الملك قوام الرعية وقيامهم، يقال ذلك ~~بالياء كالصيام ونحوه وذلك لخفة الياء فتستعمل أشياء من ذوات الواو بها، ~~وقد يستعمل القوام على الأصل، قال الراجز: # قوام دنيا وقوام دين # وذهب بعض المتأولين إلى أن معنى قوله تعالى قياما للناس أي موضع وجوب ~~قيام بالمناسك والتعبدات وضبط النفوس في الشهر الحرام، ومع الهدي والقلائد، ~~وقرأ ابن عامر وحده «قيما» دون ألف، وهذا إما على أنه مصدر كالشبع ونحوه، ~~وأعل فلم يجر مجرى عوض وحول من حيث أعل فعله، وقد تعل الجموع لاعتلال ~~الآحاد، فأحرى أن تعل المصادر لاعتلال أفعالها، ويحتمل «قيما» أن تحذف ~~الألف وهي مرادة، وحكم هذا أن يجيء في شعر وغير سعة، وقرأ الجحدري «قيما» ~~بفتح القاف وشد الياء المكسورة والشهر هنا اسم جنس والمراد الأشهر الثلاثة ~~بإجماع من العرب، وشهر مضر وهو رجب الأصم، سمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه ~~صوت الحديد، وسموه منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه أسنة الرماح، وهو ~~شهر قريش، وله يقول عوف بن الأحوص: PageV02P243 # وشهر بني أمية والهدايا ... إذا سيقت مدرجها الدماء # وسماه النبي عليه السلام شهر الله، أي شهر آل الله، وكان يقال لأهل الحرم ~~آل الله، ويحتمل أن يسمى شهر الله لأن الله سنه وشدده إذ كان كثير من العرب ~~لا يراه، وأما الهدي فكان أمانا لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت ~~لحرب وأما القلائد فكذلك كان الرجل إذا ms1090 خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر ~~أو غيره شيئا فكان ذلك أمانا له، وكان الأمر في نفوسهم عظيما مكنه الله حتى ~~كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئا خوفا من الله، وكذلك إذا انصرفوا ~~تقلدوا من شجر الحرم، وقوله تعالى: للناس لفظ عام، وقال بعض المفسرين أراد ~~العرب. # قال القاضي أبو محمد: ولا وجه لهذا التخصيص، وقال سعيد بن جبير جعل الله ~~هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا يخافون نارا، ثم شدد ذلك بالإسلام، ~~وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى أن جعل هذه الأمور قياما، والمعنى فعل ذلك ~~لتعلموا أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم ~~أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم، وقوله تعالى: ~~بكل شيء عليم عام عموما تاما في الجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال عز وجل ~~وما تسقط من ورقة إلا يعلمها [الأنعام: 59] ، والقول بغير هذا إلحاد في ~~الدين وكفر، ثم خوف تعالى عباده ورجاهم بقوله اعلموا أن الله الآية، وهكذا ~~هو الأمر في نفسه حري أن يكون العبد خائفا عاملا بحسب الخوف متقيا متأنسا ~~بحسب الرجاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 99 الى 102] # ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~لعلكم تفلحون (100) يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور ~~حليم (101) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) # قوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ إخبار للمؤمنين فلا يتصور أن يقال ~~هي آية موادعة منسوخة بآيات القتال، بل هذه حال من آمن وشهد شهادة الحق. ~~فإنه إذ قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول في جهته أكثر من ~~التبليغ والله تعالى بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره، وهو المجازي بحسب ~~ذلك ثوابا أو عقابا، ms1091 والبلاغ مصدر من بلغ يبلغ، والآية معناها الوعيد ~~للمؤمنين إن انحرفوا ولم يمتثلوا ما بلغ إليهم وقوله قل لا يستوي الآية لفظ ~~عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ~~ونحوها، ف الخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة، والطيب ~~ولو قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى: والبلد الطيب ~~يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا [الأعراف: 58] والخبث هو ~~الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح والطيب وهي بخلاف ذلك، وهكذا ~~هو الخبث في الإنسان، وقد يراد بلفظة خبيث في الإنسان PageV02P244 # فساد نسبه، فهذا لفظ يلزم قائله على هذا القصد الحد، وقوله تعالى فاتقوا ~~الله يا أولي الألباب تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعمل، وخص أولي ~~الألباب بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذي لا ينبغي لهم ~~إهمالها مع البهائم وإدراكهم وكأن الإشارة بهذه الألباب إلى لب التجربة ~~الذي يزيد على لب التكليف بالحنكة والفطنة المستنبطة والنظر البعيد. # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء الآية، اختلف ~~الرواة في سببها فقالت فرقة منهم أنس بن مالك وغيره: نزلت بسبب سؤال عبد ~~الله بن حذافة السهمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر ~~مغضبا، فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام رجل فقال أين ~~أنا؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في النار فقام عبد الله بن حذافة ~~السهمي وكان يطعن في نسبه، فقال من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي الحديث مما لم يذكر الطبري فقام ~~آخر فقال من أبي؟ # فقال أبوك سالم مولى أبي شيبة، فقام عمر بن الخطاب فجثا على ركبتيه وقال ~~رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ومحمد نبيا نعوذ بالله من الفتن، وبكى ~~الناس من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية بسبب هذه ~~الأسئلة. # قال القاضي أبو محمد: ms1092 وصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر مغضبا ~~إنما كان بسبب سؤالات الاعراب والجهال والمنافقين، فكان منهم من يقول أين ~~ناقتي؟ وآخر يقول ما الذي ألقى في سفري هذا؟ ونحو هذا مما هو جهالة أو ~~استخفاف وتعنيت، وقال علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أمامة الباهلي وابن ~~عباس، في لفظهم اختلاف، والمعنى واحد. خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الناس فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج وقرأ عليهم ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا [آل عمران: 97] قال علي: # فقالوا يا رسول الله: أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا، قال: لا ولو قلت نعم، ~~لوجبت، وقال أبو هريرة: فقال عكاشة بن محصن وقال مرة فقال محصن الأسدي، ~~وقال غيره فقام رجل من بني أسد، وقال بعضهم فقام أعرابي فقال يا رسول الله، ~~أفي كل عام؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من السائل؟ # فقيل فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «لو قلت نعم لوجبت ولو ~~وجبت لم تطيقوه، ولو تركتموه، لهلكتم» فنزلت هذه الآية بسبب ذلك، ويقوي هذا ~~حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي عليه السلام قال: # «إن أعظم المسلمين على المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل ~~مسألته» وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت الآية بسبب قوم سألوا عن البحيرة ~~والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية، وقاله سعيد بن جبير. # قال القاضي أبو محمد: وروي أنه لما بين الله تعالى في هذه الآيات أمر ~~الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها إذ هي أمور نافعة ~~قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام، ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن ~~سائر أحكام الجاهلية ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع ~~سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين ~~لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام PageV02P245 # كعمرو بن لحي وغيره، وفي عمرو بن لحي ms1093 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~رأيته يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر ~~الله تعالى عن ذلك بهذه الآية وأشياء اسم جمع لشيء أصله عند الخليل وسيبويه ~~شيئا مثل فعال قلبت إلى لفعاء لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم أشياء ~~وزنها أفعال وهو جمع شيء وترك الصرف فيه سماع، وقال الكسائي: لم ينصرف ~~أشياء لشبه آخرها بآخر حمراء، ولكثرة استعمالها، والعرب تقول أشياوات كما ~~تقول حمراوات، ويلزم على هذا أن لا ينصرف أسماء لأنهم يقولون أسماوات، وقال ~~الأخفش: أشياء أصلها أشياء على وزن أفعلاء، استثقلت اجتماع الهمزتين فأبدلت ~~الأولى ياء لانكسار ما قبلها ثم حذفت الياء استخفافا، ويلزم على هذا أن ~~يكون واحد الأشياء شيئا مثل هين وأهوناء، وقرأ جمهور الناس «إن تبد» بضم ~~التاء وفتح الدال وبناء الفعل للمفعول، وقرأ مجاهد «إن تبد» بفتح التاء وضم ~~الدال على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الشعبي «إن يبد لكم» بالياء من أسفل ~~مفتوحة والدال مضمومة «يسؤكم» بالياء من أسفل، أي يبده الله لكم. # وقوله تعالى وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم قال ابن عباس: ~~معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي ~~يلزمكم وإما لخبر يسوء. كما قيل للذي قال أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن ~~بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأبدى؟. # قال القاضي أبو محمد: فالضمير في قوله عنها عائد على نوعها لا على الأولى ~~التي نهى عن السؤال عنها، وقال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه: إن الله فرض ~~فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا ~~من غير نسيان عن أشياء فلا تبحثوا عنها، وكان عبيد بن عمير يقول: # إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوا وما حرم فاجتنبوا وترك بين ms1094 ذلك أشياء ~~لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه، ثم يتلو هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله تعالى: وإن تسئلوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم ~~عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في ~~النار، وقوله تعالى: عفا الله عنها تركها ولم يعرف بها، وهذه اللفظة التي ~~هي عفا، تؤيد أن الأشياء التي هي في تكليفات الشرع، وينظر إلى ذلك قول ~~النبي عليه السلام إن الله قد عفا لكم عن صدقة الخيل، وغفور حليم صفتان ~~تناسب العفو وترك المباحثة والسماحة في الأمور. # وقرأ عامة الناس «قد سألها» بفتح السين. وقرأ إبراهيم النخعي «قد سألها» ~~بكسر السين، والمراد بهذه القراءة الإمالة، وذلك على لغة من قال سلت تسأل، ~~وحكي عن العرب هما يتساولان، فهذا يعطي هذه اللغة هي من الواو لا من الهمزة ~~فالإمالة إنما أريدت وساغ ذلك لانكسار ما قبل اللام في سلت كما جاءت ~~الإمالة في خاف لمجيء الكسرة في خاء خفت، ومعنى الآية أن هذه السؤالات التي ~~هي تعنيتات PageV02P246 # وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألتها قبلكم الأمم ثم كفروا بها قال ~~الطبري كقوم صالح في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة. قال ~~السدي: كسؤال قريش أن يجعل الله لهم الصفا ذهبا. # قال القاضي أبو محمد: وإنما يتجه في قريش مثالا سؤالهم آية، فلما شق لهم ~~القمر كفروا، وهذا المعنى إنما يقال لمن سأل النبي عليه السلام أين ناقتي؟ ~~وكما قال له الأعرابي ما في بطن ناقتي هذه؟ فأما من سأله عن الحج أفي كل ~~عام هو؟ فلا يفسر قوله قد سألها قوم الآية بهذه الأمثلة بل بأن الأمم قديما ~~طلبت التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف بما كلفت. # قوله تعالى: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 103 الى 105] # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله ms1095 الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم ~~لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ~~(105) # لما سأل قوم عن هذه الأحكام التي كانت في الجاهلية هل تلحق بحكم الله في ~~تعظيم الكعبة والحرم. أخبر تعالى في هذه الآية أنه لم يجعل شيئا منها ولا ~~سنه لعباده. المعنى ولكن الكفار فعلوا ذلك إذ أكابرهم ورؤساؤهم كعمرو بن ~~لحي وغيره يفترون على الله الكذب ويقولون هذه قربة إلى الله وأمر يرضيه، ~~وأكثرهم يعني الأتباع لا يعقلون بل يتبعون هذه الأمور تقليدا وضلالا بغير ~~حجة وجعل في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى خلق الله. لأن الله تعالى خلق ~~هذه الأشياء كلها. ولا هي بمعنى صير لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى ~~ما سن ولا شرع فتعدت تعدي هذه التي بمعناه إلى مفعول واحد و «البحيرة» ~~فعيلة بمعنى مفعولة. وبحر شق، كانوا إذا أنتجت الناقة عشرة بطون شقوا أذنها ~~بنصفين طولا فهي مبحورة وتركت ترعى وترد الماء ولا ينتفع منها بشيء ويحرم ~~لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرجال، وقال ابن عباس كانوا يفعلون ذلك ~~بها إذا أنتجت خمسة بطون، وقال مسروق إذا ولدت خمسا أو سبعا شقوا أذنها. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر مما يروى في هذا أن العرب كانت تختلف في ~~المبلغ الذي تبحر عنده آذان النوق، فلكل سنة، وهي كلها ضلال، قال ابن سيده ~~ويقال «البحيرة» هي التي خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة. # قال القاضي أبو محمد: أرى أن البحيرة تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه ~~الغزيرات بالبحر، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل: # فيه من الأخرج المرتاع قرقرة ... هدر الزيامي وسط الهجمة البحر PageV02P247 # فإنما يريد النوق العظام وإن لم تكن مشققة الآذان. وروى الشعبي عن أبي ~~الأحوص عن أبيه قال دخلت على النبي صلى ms1096 الله عليه وسلم فقال لي أرأيت إبلك ~~ألست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتقطع آذانها، فتقول هذه بحر، ~~وتقطع جلودها فتقول هذه صرم فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال نعم قال: فإن ما ~~آتاك الله لك حل. وساعد الله أشد، وموسى الله أحد، والسائبة هي الناقة التي ~~تسيب للآلهة، والناقة أيضا إذا تابعت اثنتي عشرة إناثا ليس فيهن ذكر سيبت، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي: يا أكثم رأيت ~~عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت أشبه به منك، قال ~~أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا إنك مؤمن وإنه كافر، هو أول من ~~غير دين إسماعيل عليه السلام ونصب الأوثان وسيب السوائب، وكانت السوائب ~~أيضا في العرب كالقربة عند المريض يبرأ منه، والقدوم من السفر، وإذا نزل ~~بأحدهم أمر يشكر الله عليه تقرب بأن يسيب ناقة فلا ينتفع منها بلبن ولا ظهر ~~ولا غيره، يرون ذلك كعتق بني آدم، ذكره السدي وغيره، وكانت العرب تعتقد أن ~~من عرض لهذه النوق فأخذها أو انتفع منها بشيء فإنه تلحقه عقوبة من الله، و ~~«الوصيلة» قال أكثر الناس: # إن «الوصيلة» في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان ~~آخرها جذيا ذبحوه لبيت الآلهة وإن كانت عناقا استحيوها وإن كان جذي وعناق ~~استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح، وعلى أن ~~الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن أكثر الناس، وروي عن سعيد بن المسيب أن ~~الوصيلة من الإبل كانت الناقة إذا ابتكرت بأنثى ثم ثنت بأخرى قالوا وصلت ~~أنثيين، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو يذبحونها. شك الطبري في إحدى ~~اللفظتين. وأما «الحامي» فإنه الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشرين وقيل ~~إذا ولد من صلبه عشر، وقيل إذا ولد ولده قالوا حمي ظهره فسيبوه لم يركب ولا ~~سخر في شيء، وقال علقمة لمن سأله في هذه الأشياء ما تريد إلى شيء كان من ~~عمل أهل ms1097 الجاهلية وقد ذهب؟ # وقال نحوه ابن زيد. # قال القاضي أبو محمد: وجملة ما يظهر من هذه الأمور أن الله تعالى قد جعل ~~هذه الأنعام رفقا لعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، فكان أهل ~~الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع ويذهبون نعمة الله فيها ويزيلون المصلحة ~~التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف، فإن ~~المالك الذي له أن يهب ويتصدق له أن يصرف المنفعة في أي طريق من البر، ولم ~~يسد الطريق إليها جملة كما فعل بالبحيرة والسائبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ~~لا تجوز الأحباس والأوقاف، وقاسوا على البحيرة والسائبة، والفرق بين، ولو ~~عمد رجل إلى ضيعة له فقال هذه تكون حبسا لا يجتنى ثمرها ولا يزرع أرضها ولا ~~ينتفع منها بنفع لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة، وأما الحبس البين ~~طريقه واستمرار الانتفاع به فليس من هذا، وحسبك بأن النبي عليه السلام قال ~~لعمر بن الخطاب في مال له: اجعله حبسا لا يباع أصله، وحبس أصحاب النبي عليه ~~السلام وقوله تعالى ولكن الذين كفروا الآية، وقد تقدم أن المفترين هم ~~المبتدعون، وأن الذين لا يعقلون هم الأتباع، وكذلك نص الشعبي وغيره وهو ~~الذي تعطيه الآية، وقال محمد بن أبي موسى: الذين كفروا وافتروا هم أهل ~~الكتاب، والذين لا يعقلون هم أهل الأوثان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها ~~وارتبط بها من المعنى PageV02P248 # وعما تأخر أيضا من قوله وإذا قيل لهم والأول من التأويلين أرجح. # والضمير في قوله قيل لهم عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء وتعالوا ~~نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده، وإلى ما أنزل الله يعني ~~القرآن الذي فيه التحريم الصحيح، وحسبنا معناه كفانا وقوله أولو كان آباؤهم ~~ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى ~~والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده نعم ولو ~~كانوا كذلك. # قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ms1098 إذا ~~اهتديتم اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فقال أبو أمية الشعباني سألت أبا ~~ثعلبة الخشني عن هذه الآية، فقال لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال، ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيت ~~دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر ~~عوامهم فإن وراءكم أياما أجر العامل فيها كأجر خمسين منك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه لأنه مستوف ~~للصلاح صادر عن النبي عليه السلام، ويظهر من كلام أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ولا ~~نهي عن منكر، فصعد المنبر فقال أيها الناس لا تغتروا بقول الله عليكم ~~أنفسكم فيقول أحدكم علي نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ~~ليستعملن عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب، وروي عن ابن مسعود أنه قال: ~~ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم ~~أنفسكم، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام ~~فلم تأمر ولم تنه؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ليبلغ ~~الشاهد الغائب، ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه ~~الحق لم يقبل. # قال القاضي أبو محمد: وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف ~~متعين متى رجي القبول أو رجي رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المرء ضررا ~~يلحقه في خاصيته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق ~~طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده، وقال ~~سعيد بن جبير معنى هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فالتزموا ~~شرعكم بما فيه من جهاد وأمر بمعروف وغيره، ولا يضركم ضلال أهل الكتاب إذا ~~اهتديتم، وقال ابن زيد: معنى الآية: # يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة ms1099 وسيبوا السوائب ~~عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ولا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، ~~قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت ~~فنزلت الآية بسبب ذلك. # قال القاضي أبو محمد: ولم يقل أحد فيما علمت أنها آية موادعة للكفار ~~وكذلك ينبغي أن لا يعارض لها شيء مما أمر الله به في غير ما آية من القيام ~~بالقسط والأمر بالمعروف، قال المهدوي: وقد قيل هي منسوخة بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف ولا يعلم قائله، وقال بعض الناس نزلت ~~بسبب ارتداد بعض PageV02P249 # المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين لا يضركم ضلالهم، ~~وقرأ جمهور الناس «لا يضركم» بضم الضاد وشد الراء المضمومة، وقرأ الحسن بن ~~أبي الحسن «لا يضركم» بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم «لا يضرك» بكسر ~~الضاد وهي كلها لغات بمعنى ضر يضر وضار يضور ويضير، وقوله تعالى: إلى الله ~~مرجعكم جميعا الآية، تذكير بالحشر وما بعده، وذلك مسل عن أمور الدنيا ~~ومكروهها ومحبوبها، وروي عن بعض الصالحين أنه قال: ما من يوم إلا يجيء ~~الشيطان فيقول: ما تأكل وما تلبس وأين تسكن؟ فأقول له آكل الموت وألبس ~~الكفن وأسكن القبر. # قال القاضي أبو محمد: فمن فكر في مرجعه إلى الله تعالى فهذه حاله. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 107] # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر ~~على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن ~~الظالمين (107) # قال مكي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ~~ما في ms1100 القرآن إعرابا ومعنى وحكما. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك بين ~~من كتابه رحمه الله وبه نستعين، لا نعلم خلافا أن سبب هذه الآية أن تميما ~~الداري وعدي بن بداء، كانا نصرانيين سافرا إلى المدينة يريدان الشام ~~لتجارتهما، قال الواقدي: وهما أخوان وقدم المدينة أيضا ابن أبي مارية مولى ~~عمرو بن العاص يريد الشام تاجرا فخرجوا رفاقة فمرض ابن أبي مارية في ~~الطريق، قال الواقدي فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى إلى تميم وعدي أن ~~يؤديا رحله، فأتيا بعد مدة المدينة برحله فدفعاه، ووجد أولياؤه من بني سهم ~~وصيته مكتوبة، ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها فقالا ما ندري، هذا ~~الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية ~~الأولى فاستحلفهما رسول الله بعد العصر، فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من ~~متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بالذهب، فقيل لمن وجد عنده من أين صار لكم ~~هذا الإناء؟ فقالوا: ابتعناه من تميم الداري وعدي بن بداء، فارتفع في الأمر ~~إلى النبي عليه السلام فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا، قال الواقدي: فحلف عبد الله بن عمرو ~~بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، واستحقا، وروى ابن عباس عن تميم الداري أنه ~~قال: برىء الناس من هذه الآيات غيري وغير عدي بن بداء، وذكر القصة، إلا أنه ~~قال وكان معه جام فضة يريد به الملك، فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف وقسمنا ~~ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم PageV02P250 # رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم ~~الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وحلف عمرو بن العاص ورجل آخر معه، ونزعت من عدي خمسمائة. # قال القاضي أبو محمد: تختلف ألفاظ هذه القصة في الدواوين وما ذكرته هو ~~عمود الأمر، ولم يصح لعدي صحبة فيما علمت ولا ms1101 ثبت إسلامه، وقد صنفه في ~~الصحابة بعض المتأخرين، وضعف أمره، ولا وجه عندي لذكره في الصحابة. # وأما معنى الآية من أولها الى آخرها، فهو أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن ~~حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في ~~سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد فليشهد شاهدين ممن ~~حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة ~~أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة الله، وحكم ~~بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم، ~~حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما، هذا ~~معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد ~~بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وابن ~~عباس وغيرهم، يقولون معنى قوله، منكم من المؤمنين، ومعنى، من غيركم من ~~الكفار، قال بعضهم وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة وكانوا ~~يسافرون في التجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة، واختلفت ~~هذه الجماعة المذكورة، فمذهب أبي موسى الأشعري وشريح وغيرهما أن الآية ~~محكمة، وأسند الطبري إلى الشعبي أن رجلا حضرته المنية بدقوقا ولم يجد أحدا ~~من المؤمنين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة ~~فأتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته، فقال أبو موسى الأشعري هذا ~~أمر لم يكن بعد الذي كان في مدة النبي عليه السلام ثم أحلفهما بعد صلاة ~~العصر وأمضى شهادتهما، وأسند الطبري عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة ~~النصراني واليهودي على مسلم إلا في الوصية، ولا تجوز أيضا في الوصية إلا ~~إذا كانوا في سفر، ومذهب جماعة ممن ذكر، أنها منسوخة بقوله تعالى وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] وبما استند إليه إجماع جمهور الناس على أن شهادة ~~الكافر لا تجوز. # وتأول الآية جماعة من أهل العلم ms1102 على غير هذا كله، قال الحسن بن أبي الحسن ~~وقوله تعالى: # منكم يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله أو آخران من غيركم يريد من غير ~~القرابة والعشيرة، وقال بهذا عكرمة مولى ابن عباس وابن شهاب، قالوا أمر ~~الله بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم ألحن بحال الوصية وأدرى بصورة العدل ~~فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم تحضر قرابة أشهد أجنبيان، فإذا شهدا فإن لم ~~يقر ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب أنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو ~~نقصا حلفا بعد صلاة العصر ومضت شهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على تبديل منهما ~~واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين. # وقال بعض الناس الآية منسوخة، ولا يحلف شاهد، ويذكر هذا عن مالك بن أنس ~~والشافعي وكافة PageV02P251 # الفقهاء، وذكر الطبري رحمه الله أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو ~~بحسب التداعي، وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إن ارتيب وإذا ارتيب ~~فقد ترتبت عليهما دعوى فلتزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في ~~خيانة منهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما استحقا إثما نظر، فإن كان الأمر ~~بينا غرما دون يمين وليين، وإن كان بشاهد واحد أو بدلا بل تقتضي خيانتهما ~~أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم وحلف المدعيان مع ما قام ~~لهما من شاهد أو دليل. # قال القاضي أبو محمد: فهذا هو الاختلاف في معنى الآية وصورة حكمهما، ~~ولنرجع الآن إلى الإعراب والكلام على لفظة لفظة من الآية، ولنقصد القول ~~المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطا شديدا، وذكر ذلك والرد ~~عليه يطول، وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع، والله ~~المستعان، قوله شهادة بينكم قال قوم الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقال ~~الطبري: الشهادة بمعنى اليمين وليست بالتي تؤدى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والصواب أنها الشهادة التي تحفظ ~~لتؤدى، ورفعهما بالابتداء والخبر في قوله اثنان قال أبو علي: التقدير شهادة ~~بينكم في وصاياكم شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم ms1103 المضاف إليه مقامه، وقدره ~~غيره أولا كأنه قال مقيم شهادة بينكم اثنان، وأضيفت الشهادة إلى «بين» ~~اتساعا في الظرف بأن يعامل معاملة الأسماء، كما قال تعالى: لقد تقطع بينكم ~~[الأنعام: 94] وقرأ الأعرج والشعبي والحسن «شهادة» بالتنوين «بينكم» ~~بالنصب، وإعراب هذه القراءة على نحو إعراب قراة السبعة وروي عن الأعرج وأبي ~~حيوة «شهادة» بالنصب والتنوين «بينكم» نصب، قال أبو الفتح: التقدير ليقم ~~شهادة بينكم اثنان، وقوله تعالى: إذا حضر أحدكم الموت معناه إذا قرب ~~الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت، وهذا كقوله تعالى: فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله [النحل: 98] وكقوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن [الطلاق: ~~1] وهذا كثير، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة، وهذا على أن تجعل إذا ~~بمنزلة حين لا تحتاج إلى جواب، ولك أن تجعل إذا في هذه الآية المحتاجة إلى ~~الجواب، لكن استغني عن جوابها بما تقدم في قوله شهادة بينكم إذ المعنى إذا ~~حضر أحدكم الموت فينبغي أن يشهد، وقوله حين الوصية ظرف زمان، والعامل فيه ~~حضر، وإن شئت جعلته بدلا من إذا، قال أبو علي: # ولك أن تعلقه ب الموت لا يجوز أن تعمل فيه شهادة لأنها إذا عملت في ظرف ~~من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، وقوله ذوا عدل صفة لقوله اثنان، ومنكم ~~صفة أيضا بعد صفة، وقوله تعالى: # من غيركم صفة لآخران، وضربتم في الأرض معناه سافرتم للتجارة، تقول ضربت ~~في الأرض أي سافرت للتجارة، وضربت الأرض ذهبت فيها لقضاء حاجة الإنسان، ~~وهذا السفر كان الذي يمكن أن يعدم المؤمن مؤمنين، فلذلك خص بالذكر لأن سفر ~~الجهاد لا يكاد يعدم فيه مؤمنين، قال أبو علي: قوله تحبسونهما صفة ل آخران ~~واعترض بين الموصوف والصفة بقوله: إن أنتم إلى الموت، وأفاد الاعتراض أن ~~العدول إلى آخران من غير الملة والقرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما ~~يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه، واستغني عن جواب إن لما تقدم من قوله ~~أو آخران من غيركم وقال PageV02P252 # جمهور العلماء الصلاة هنا ms1104 صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس، وقد ذكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيمن حلف على سلعته وأمر باللعان فيه، وقال ابن ~~عباس: إنما هي بعد صلاة الذميين، وأما العصر فلا حرمة لها عندهما، والفاء ~~في قوله فيقسمان عاطفة جملة على جملة لأن المعنى تم في قوله من بعد الصلاة ~~قال أبو علي: وإن شئت لم تقدر الفاء عاطفة جملة على جملة، ولكن تجعله جزاء ~~كقول ذي الرمة: # وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يجم فيغرق # تقديره عندهم إذا حسر بدا، فكذلك إذا حبستموهما أقسما وقوله إن ارتبتم ~~شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا ~~يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل ~~شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى ~~الآية منسوخة ترتب في الخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون ~~بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا ~~بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي فيكون التحليف عنده ~~بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة، والضمير في قول الحالفين ~~لا نشتري به ثمنا عائد على القسم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، قال ~~أبو علي: # يعود على تحريف الشهادة، وقوله لا نشتري جواب ما يقتضيه قوله: فيقسمان ~~بالله، لأن القسم ونحوه يتلقى بما تتلقى به الأيمان، وتقديره به ثمنا، أي ~~ذا ثمن لأن الثمن لا يشترى. # وكذلك قوله تعالى: اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا [التوبة: 9] معناه ذا ~~ثمن، ولا يجوز أن يكون نشتري في هذه الآية بمعنى نبيع لأن المعنى يبطله وإن ~~كان ذلك موجودا في اللغة في غير هذا الموضع، وخص «ذو القربى» بالذكر لأن ~~العرف ميل النفس إلى قرابتهم واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يستسهل، وقوله ~~تعالى: ولا نكتم شهادة الله أضاف شهادة إليه تعالى من حيث هو الآمر ~~بإقامتها الناهي ms1105 عن كتمانها، وقرأ الحسن والشعبي «ولا نكتم» بجزم الميم، ~~وقرأ علي بن أبي طالب ونعيم بن مسيسرة والشعبي بخلاف عنه «شهادة» بالتنوين ~~«الله» نصب ب نكتم، كأن الكلام ولا نكتم الله شهادة قال الزهري ويحتمل أن ~~يكون المعنى «ولا نكتم شهادة والله» ثم حذفت الواو ونصب الفعل إيجازا، وروى ~~يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش «شهادة» بالتنوين الله بقطع الألف دون مد ~~وخفض الهاء، ورويت أيضا عن الشعبي وغيره أنه كان يقف على الهاء من الشهادة ~~بالسكون، ثم يقطع الألف المكتوبة من غير مد كما تقدم، وروي عنه أنه كان ~~يقرأ «الله» بمد ألف الاستفهام في الوجهين أعني بسكون الهاء من الشهادة ~~وتحريكها منوتنة منصوبة، ورويت هذه التي هي تنوين الشهادة ومد ألف ~~الاستفهام بعد عن علي بن أبي طالب، قال أبو الفتح: أما تسكين هاء شهادة ~~والوقف عليها واستئناف القسم فوجه حسن لأن استئناف القسم في أول الكلام ~~أوقر له وأشد هيبة أن يدرج في عرض القول، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد ~~الله بن حبيب والحسن البصري فيما ذكر أبو عمرو الداني «شهادة» بالنصب ~~والتنوين «آلله» بالمد في همزة الاستفهام التي هي عوض من حرف القسم «آنا» ~~بمد ألف الاستفهام أيضا دخلت لتوقيف وتقرير لنفوس المقسمين أو لمن خاطبوه ~~وقرأ ابن محيصن «لملآثمين» بالإدغام. PageV02P253 # وقوله تعالى: فإن عثر استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه اتفاقا وبعد ~~«إن» لم يرج ولم يقصد، وهذا كما يقال على الخبير سقطت، ووقعت على كذا، قال ~~أبو علي: والإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأخذه إثم، فسمي آثما كما ~~سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة، قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي ~~هذا المأخوذ باسم المصدر. # قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر هنا أن الإثم على بابه وهو الحكم اللاحق ~~لهما والنسبة التي يتحصلان فيها بعد مواقعتهما لتحريف الشهادة أو لأخذ ما ~~ليس لهما أو نحو ذلك، واستحقا معناه استوجباه من الله وكانا أهلا له فهذا ~~استحقاق ms1106 على بابه، إنه استيجاب حقيقة، ولو كان الإثم الشيء المأخوذ لم يقل ~~فيه «استحقا» لأنهما ظلما وخانا فيه، فإنما استحقا منزلة السوء وحكم ~~العصيان، وذلك هو الإثم، وقوله تعالى: فآخران أي فإذا عثر على فسادهما ~~فالأوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت ~~واستحق عليهم حظهم أو ظهورهم أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات، وقرأ ~~ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي «استحق» مضمومة التاء. والأوليان على ~~التثنية لأولى وروى قرة عن ابن كثير «استحق» بفتح التاء «الأوليان» على ~~التثنية وكذلك روى حفص عن عاصم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر «استحق» ~~بضم التاء «الأولين» على جمع أول، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «استحق» بفتح ~~التاء «الأولان» على تثنية أول، وقرأ ابن سيرين «الأولين» على تثنية أول، ~~ونصبهما على تقدير الأولين، فالأولين في الرتبة والقربى، قال أبو علي في ~~قراءة ابن كثير ومن معه لا يخلو ارتفاع الأوليان من أن يكون على الابتداء ~~وقد أخر فكأنه في التقدير و «الأوليان» بأمر الميت آخران يقومان، فيجيء ~~الكلام كقولهم تميمي أنا، أو يكون خبر ابتداء محذوف كأنه فآخران يقومان ~~مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان، أو يكون ~~مسندا إليه استحق، وأجاز أبو الحسن فيه شيئا آخر، وهو أن يكون «الأوليان» ~~صفة ل «آخران» ، لأنه لما وصف خصص فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له. # قال القاضي أبو محمد: ثم قال أبو علي بعد كلامه هذا: فأما ما يسند إليه ~~«استحق» فلا يخلو من أن يكون الأنصباء أو الوصية، أو الإثم. وسمي المأخوذ ~~إثما كما يقال لما يؤخذ من المظلوم مظلمة. ولذلك جاز أن يستند إليه استحق. ~~ثم قال بعد كلام: فإن قلت هل يجوز أن يسند استحق إلى الأوليان. فالقول إن ~~ذلك لا يجوز لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئا منها. وأما الأوليان ~~بالميت فلا يجوز أن يستحقا فيسند استحق إليهما. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام نظر. ويجوز عندي ms1107 أن يسند استحق إلى ~~الأوليان. # وذلك أن أبا علي حمل لفظة الاستحقاق على أنه حقيقي فلم يجوزه إلا حيث يصح ~~الاستحقاق الحقيقي في النازلة، وإنما يستحق حقيقة النصيب ونحوه. ولفظة ~~الاستحقاق في الآية إنما هي استعارة وليست بمعنى استحقا إثما فإن الاستحقاق ~~هنا حقيقة وفي قوله استحق مستعار، لأنه لا وجه لهذا الاستحقاق إلا الغلبة ~~على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو لأهل دينه. فاستحق هنا ~~كما تقول لظالم يظلمك هذا قد استحق علي مالي أو منزلي بظلمه فتشبهه ~~بالمستحق حقيقة. إذ قد تسور تسوره وتملك تملكه. # وكذلك يقال فلان قد استحق ومنه شغل كذا إذا كان ذلك الأمر قد غلبه على ~~أوقاته، وهكذا هي استحق في PageV02P254 # الآية على كل حال وإن أسندت إلى الأنصباء ونحوه لأن قوله استحق صلة ل ~~الذين والذين واقع على الصنف المناقض للشاهدين الجائرين فالشاهدان ما ~~استحقا قط في هذه النازلة شيئا حقيقة استحقاق، وإنما تسورا تسور المستحق ~~فلنا أن نقدر الأوليان ابتداء وقد أخر. فيسند استحق على هذا إلى المال أو ~~النصيب ونحوه على جهة الاستعارة. وكذلك إذا كان الأوليان خبر ابتداء وكذلك ~~على البدل من الضمير في يقومان وعلى الصفة على مذهب أبي الحسن. ولنا أن ~~نقدر الكلام بمعنى من الجماعة التي غابت وكان حقهما والمبتغى أن يحضر ~~وليها، فلما غابت وانفرد هذا الموصي استحقت هذه الحال وهذان الشاهدان من ~~غير أهل الدين الولاية وأمر الأوليين على هذه الجماعة، ثم بني الفعل ~~للمفعول على هذا المعنى إيجازا ويقوي هذا الغرض أن تعدي الفعل ب «على» لما ~~كان باقتدار وحمل هيئته على الحال. ولا يقال استحق منه أو فيه إلا في ~~الاستحقاق الحقيقي على وجهه، وأما استحق عليه فيقال في الحمل والغلبة ~~والاستحقاق المستعار والضمير في عليهم عائد على كل حال في هذه القراءة على ~~الجماعة التي تناقض شاهدي الزور الآثمين، ويحتمل أن يعود على الصنف الذين ~~منهم شاهد الزور على ما نبينه الآن إن شاء الله في غير هذه القراءة. # وأما ms1108 رواية قرة عن ابن كثير «استحق» بفتح التاء فيحتمل أن يكون الأوليان ~~ابتداء أو خبر ابتداء، ويكون المعنى في الجمع أو القبيل الذي استحق القضية ~~على هذا الصنف الشاهد بالزور، الضمير في عليهم عائد على صنف شاهدي الزور. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي هذا التأويل تحويل وتحليق وصنعة ~~في الذين، وعليه ينبني كلام أبي علي في كتاب الحجة، ويحتمل أن يكون المعنى ~~من الذين استحق عليهم القيام، والصواب من التأويلين أن الضمير في عليهم ~~عائد على الذين، والأوليان رفع ب استحق وذلك متخرج على ثلاثة معان. أحدها ~~أن يكون المراد من الذين استحق عليهم ما لهم وتركتهم شاهدا الزور. فسمى ~~شاهدي الزور أوليين من حيث جعلتهما الحال الأولى كذلك، أي صيرهم عدم الناس ~~أولى بهذا الميت وتركته فجارا فيها، والمعنى الثاني أن يكون المراد من ~~الجماعة الذين حق عليهم أن يكون منهم الأوليان، فاستحق بمعنى حق ووجب، كما ~~تقول هذا بناء قد استحق بمعنى حق كعجب واستعجب ونحوه، والمعنى الثالث أن ~~يجعل استحق بمعنى سعى واستوجب، فكأن الكلام فآخران من القوم الذين حضر ~~أوليان منهم فاستحقا عليهم حقهم، أي استحقا لهم وسعيا فيه واستوجباه ~~بأيمانهما وقرباهما، ونحو هذا المعنى الذي يعطيه التعدي ب «على» قول ~~الشاعر: # اسعى على حي بني ملك ... كل امرئ في شأنه ساع # وكذلك في الحديث: «كنت أرعى عليهم الغنم» في بعض طرق حديث الثلاثة الذين ~~ذكر أحدهم بره بأبويه حين انحطت عليهم الصخرة، وأما قراءة حمزة فمعناها من ~~القوم الذين استحق عليهم أمرهم أي غلبوا عليه، ثم وصفهم بأنهم أولون أي في ~~الذكر في هذه الآية، وذلك في قوله اثنان ذوا عدل منكم ثم بعد ذلك قال أو ~~آخران من غيركم وقوله تعالى: فيقسمان بالله يعني الآخرين اللذين يقومان ~~مقام شاهدي التحريف، وقولهما لشهادتنا أحق من شهادتهما أي لما أخبرنا نحن ~~به وذكرناه من نص القضية أحق مما ذكراه أولا، وحرفا فيه، وما اعتدينا نحن ~~في قولنا هذا ولا زدنا على الحد، وقولهما ms1109 إنا إذا لمن PageV02P255 # الظالمين # في صيغة الاستعظام والاستقباح للظلم، والظلم وضع الشيء في غير موضعه. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 108 الى 109] # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) يوم يجمع ~~الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (109) # الإشارة ب ذلك هي إلى جميع ما حد الله قبل من حبس الشاهدين من بعد الصلاة ~~لليمين، ثم إن عثر على جورهما ردت اليمين وغرما. فذلك كله يقرب اعتدال هذا ~~الصنف فيما عسى أن ينزل من النوازل، لأنهم يخافون التحليف المغلظ بعقب ~~الصلاة ثم يخافون الفضيحة ورد اليمين، هذا قول ابن عباس رحمه الله، ويظهر ~~من كلام السدي أن الإشارة ب ذلك إنما هي إلى الحبس من بعد الصلاة فقط، ثم ~~يجيء قوله تعالى: أو يخافوا أن ترد أيمان بإزاء فإن عثر [المائدة: 107] ~~الآية، وجمع الضمير في يأتوا ويخافوا إذ المراد صنف ونوع من الناس، وأو في ~~هذه الآية على تأويل السدي بمنزلة قولك تجيئني يا زيد أو تسخطني كأنك تريد ~~وإلا أسخطتني فكذلك معنى الآية. ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها وإلا ~~خافوا رد الأيمان. وأما على مذهب ابن عباس فالمعنى ذلك الحكم كله أقرب إلى ~~أن يأتوا وأقرب إلى أن يخافوا، وقوله تعالى: على وجهها معناه على جهتها ~~القويمة التي لم تبدل ولا حرفت، ثم أمر تعالى بالتقوى التي هي الاعتصام ~~بالله وبالسمع لهذه الأمور المنجية، وأخبر أنه لا يهدي القوم الفاسقين، من ~~حيث هم فاسقون، وإلا فهو تعالى يهديهم إذا تابوا، ويحتمل أن يكون لفظ ~~الفاسقين عاما والمراد الخصوص فيمن لا يتوب. # وقوله تعالى: ويوم يجمع الله الرسل ذهب قوم من المفسرين إلى أن العامل في ~~يوم ما تقدم من قوله لا يهدي، وذلك ضعيف، ورصف الآية وبراعتها، إنما هو أن ~~يكون هذا الكلام مستأنفا، والعامل مقدر إما اذكروا وإما تذكروا وإما احذروا ~~ونحو هذا مما ms1110 حسن اختصاره لعلم السامع، والإشارة بهذا اليوم إلى يوم ~~القيامة، وخص الرسل بالذكر لأنهم قادة الخلق، وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق ~~وهم المكلمون أولا وماذا أجبتم معناه ماذا أجابت به الأمم من إيمان أو كفر ~~وطاعة أو عصيان، وهذا السؤال للأنبياء الرسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم ~~ويبتدأ حسابهم على الواضح المستبين لكل مفطور، واختلف الناس في معنى قولهم ~~عليهم السلام لا علم لنا فقال الطبري ذهلوا عن الجواب لهول المطلع، وذكر عن ~~الحسن أنه قال: لا علم لنا من هول ذلك اليوم. وعن السدي أنه قال: نزلوا ~~منزلا ذهلت فيه العقول فقالوا لا علم لنا. ثم نزلوا منزلا آخر شهدوا على ~~قومهم، وعن مجاهد أنه قال: يفزعون فيقولون لا علم لنا. # قال القاضي أبو محمد: وضعف بعض الناس هذا المنزع بقوله تعالى: لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر [الأنبياء: 103] والأنبياء في أشد أهوال يوم القيامة وحالة ~~جواز الصراط يقولون سلم سلم وحالهم أعظم وفضل الله عليهم أكثر من أن تذهل ~~عقولهم حتى يقولوا ما ليس بحق في نفسه، وقال ابن عباس رضي الله PageV02P256 # عنه: معنى الآية لا علم لنا إلا علما أنت أعلم به منا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، كأن المعنى لا علم لنا يكفي وينتهي إلى ~~الغاية، وقال ابن جريج: معنى ماذا أجبتم؟ ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا؟ ~~فلذلك قالوا لا علم لنا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى حسن في نفسه، ويؤيده قوله تعالى: إنك أنت ~~علام الغيوب لكن لفظة أجبتم لا تساعد قول ابن جريج إلا على كره، وقول ابن ~~عباس أصوب هذه المناحي لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى ورد الأمر إليه، ~~إذ قوله ماذا أجبتم لا علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، ~~وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من ~~أمتهم والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال. فرأوا التسليم له ~~والخضوع لعلمه المحيط وقرأ أبو حيوة «ماذا أجبتم» بفتح الهمزة. # قوله ms1111 عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : آية 110] # إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح ~~القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) # يحتمل أن يكون العامل في إذ فعلا مضمرا تقديره اذكر يا محمد إذ جئتهم ~~بالبينات وقال هنا بمعنى يقول، لأن ظاهر هذا القول أنه في القيامة تقدمة ~~لقوله أنت قلت للناس، وذلك كله أحكام لتوبيخ الذين يتحصلون كافرين بالله في ~~ادعائهم ألوهية عيسى، ويحتمل أن تكون إذ بدلا من قوله يوم يجمع الله ~~[المائدة: 109] ونعمة الله على عيسى هي بالنبوءة وسائر ما ذكر وما علم مما ~~لا يحصى، وعددت عليه النعمة على أن أمه إذ هي نعمة صائرة إليه وبسببه كانت، ~~وقرأ جمهور الناس «أيدتك» بتشديد الياء، وقرأ مجاهد وابن محيصن «آيدتك» على ~~وزن فاعلتك ويظهر أن الأصل في القراءتين «أيدتك» على وزن أفعلتك، ثم اختلف ~~الإعلال، والمعنى فيهما قويتك من الأيد، وقال عبد المطلب: # الحمد لله الأعز الأكرم ... أيدنا يوم زحوف الأشرم # و «روح القدس» هو جبريل عليه السلام، وقوله في المهد حال كأنه قال صغيرا ~~وكهلا حال أيضا معطوفة على الأول. ومثله قوله تعالى: دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قائما [يونس: 12] والكهولة من الأربعين إلى الخمسين. وقيل هي من ثلاثة ~~وثلاثين، والكتاب في هذه الآية: مصدر كتب يكتب أي علمتك الخط. ويحتمل أن ~~يريد اسم جنس في صحف إبراهيم وغير ذلك. ثم خص بعد ذلك التوراة والإنجيل ~~بالذكر تشريفا، والحكمة: هي الفهم والإدراك في أمور الشرع. وقد وهب الله ~~الأنبياء منها ما PageV02P257 # هم به مختصون معصومون لا ينطقون عن هوى. قوله تعالى: وإذ في هذه الآية ~~حيث ما تكررت فهي عطف على الأولى التي عملت فيها نعمتي، وتخلق معناه: ms1112 تقدر ~~وتهيىء تقديره مستويا، ومنه قول الشاعر: # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري # أي يهيىء ويقدر ليعمل ويكمل ثم لا يفعل. ومنه قول الآخر: # من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله # وكان عيسى عليه السلام يصور من الطين أمثال الخفافيش ثم ينفخ فيها أمام ~~الناس فتحيا وتطير بإذن الله. وقد تقدم هذا القصص في آل عمران. وقرأ جمهور ~~الناس «كهيئة» بالهمز، وهو مصدر من قولهم هاء الشيء يهاء إذا ثبت واستقر ~~على أمر حسن، قال اللحياني: ويقال «يهيء» وقرأ الزهري «كهية» بتشديد الياء ~~من غير همز وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «كهيئة الطائر» . والإذن في هذه الآية ~~كيف تكرر معناه التمكين مع العلم بما يصنع وما يقصد من دعاء الناس إلى ~~الإيمان. وقوله تعالى: فتنفخ فيها هو النفخ المعروف من البشر وإن جعل الله ~~الأمر هكذا ليظهر تلبس عيسى بالمعجزة وصدورها عنه. وهذا كطرح موسى العصا. ~~وكإيراد محمد عليه السلام القرآن. وهذا أحد شروط المعجزات. وقوله فيها ~~بضمير مؤنث مع مجيء ذلك في آل عمران فأنفخ فيه [آل عمران: 49] بضمير مذكر ~~موضع قد اضطرب المفسرون فيه. # قال مكي: هو في آل عمران عائد على الطائر وفي المائدة عائد على الهيئة، ~~قال ويصح عكس هذا، قال غيره الضمير المذكر عائد على الطين. # قال القاضي أبو محمد: ولا يصح عود هذا الضمير لا على الطير ولا على الطين ~~ولا على الهيئة لأن الطين والطائر الذي يجيء على الطين على هيئة لا نفخ فيه ~~البتة، وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة بجسده وهي المذكورة في الآية، وكذلك ~~الطين المذكور في الآية إنما هو الطين العام ولا نفخ في ذلك. وإنما النفخ ~~في الصور المخصوصة منه التي رتبتها يد عيسى عليه السلام، فالوجه أن يقال في ~~عود الضمير المؤنث إنه عائد على ما تقتضيه الآية ضرورة، وذلك أن قوله وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير يقتضي صورا أو أجساما أو أشكالا، وكذلك الضمير ~~المذكر يعود على المخلوق ms1113 الذي يقتضيه تخلق، ولك أن تعيده على ما تدل عليه ~~الكاف في معنى المثل لأن المعنى وإذ تخلق من الطين مثل هيئة، ولك أن تعيد ~~الضمير على الكاف نفسه فيمن يجوز أن يكون اسما في غير الشعر، وتكون الكاف ~~في موضع نصب صفة للمصدر المراد تقديره وإذ تخلق خلقا من الطين كهيئة الطير ~~وقرأ عبد الله بن عباس كهيئة الطير فتنفخها فيكون وقرأ الجمهور «فتكون» ~~بالتاء من فوق وقرأ عيسى بن عمر فيها «فيكون» بالياء من تحت، وقرأ نافع ~~وحده «فتكون طائرا» ، وقرأ الباقون «طيرا» بغير ألف والقراءتان مستفيضتان ~~في الناس. # فالطير جمع طائر كتاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب. والطائر اسم مفرد ~~والمعنى على قراءة نافع فتكون كل قطعة من تلك المخلوقات طائرا قال أبو علي: ~~ولو قال قائل إن الطائر قد يكون جمعا كالجامل والباقر فيكون على هذا معنى ~~القراءتين واحدا لكان قياسا، ويقوي ذلك ما حكاه أبو الحسن PageV02P258 # من قولهم طائرة فيكون من باب شعيرة وشعير، وتمرة وتمر وقد تقدم القول في ~~الأكمه والأبرص وفي قصص إحيائه الموتى في آل عمران، وتخرج الموتى معناه من ~~قبورهم، وكف بني إسرائيل عنه عليه السلام هو رفعه حين أحاطوا به في البيت ~~مع الحواريين ومن أول ما منعه الله منهم هو الكف إلى تلك النازلة الآخرة ~~فهنالك ظهر عظم الكف و «البينات» هي معجزاته وإنجيله وجميع ما جاء به، وقرأ ~~ابن كثير وعاصم هنا وفي هود والصف «إلا سحر» بغير ألف، وقرأ حمزة والكسائي ~~في المواضع الأربعة «ساحر» بألف فمن قرأ سحرا جعل الإشارة إلى البينات ~~والحديث وما جاء به، ومن قرأ ساحرا جعل الإشارة إلى الشخص إذ هو ذو سحر ~~عندهم وهذا مطرد في القرآن كله حيثما ورد هذا الخلاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 111 الى 113] # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء قال ms1114 اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن ~~نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) # قوله تعالى: وإذ أوحيت هو من جملة تعديد النعمة على عيسى وأوحيت في هذا ~~الموضع إما أن يكون وحي إلهام أو وحي أمر كما قال الشاعر: # أوحى لها القرار فاستقرت وبالجملة فهو إلقاء معنى في خفاء أوصله تعالى ~~إلى نفوسهم كيف شاء والرسول في هذه الآية عيسى عليه السلام وقول الحواريين ~~واشهد يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله تعالى ويحتمل أن يكون لعيسى عليه ~~السلام، وقد تقدم تفسير لفظة الحواريين في آل عمران. # وقوله تعالى: إذ قال الحواريون.. الآية اعتراض أثناء وصف حال قول الله ~~لعيسى يوم القيامة، مضمن الاعتراض إخبار محمد عليه السلام وأمته بنازلة ~~الحواريين في المائدة. إذ هي مثال نافع لكل أمة مع نبيها يقتدى بمحاسنه ~~ويزدجر عما ينقد منه من طلب الآيات ونحوه، وقرأ جمهور الناس «هل يستطيع ~~ربك» بالياء ورفع الباء من ربك. وهي قراءة السبعة حاشا الكسائي، وهذا ليس ~~لأنهم شكوا في قدرة الله على هذا الأمر كامنة بمعنى هل يفعل تعالى هذا وهل ~~تقع منه إجابة إليه؟ وهذا كما قال لعبد الله بن زيد هل تستطيع أن تريني كيف ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فالمعنى هل يخف عليك وهل تفعله؟ # أما أن في اللفظة بشاعة بسببها قال عيسى اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ~~وبسببها مال فريق من الصحابة وغيرهم إلى غير هذه القراءة فقرأ علي بن أبي ~~طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير «هل تستطيع ربك» بالتاء ~~ونصب الباء من ربك. المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك؟ قالت عائشة رضي الله ~~عنها: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك. # قال القاضي أبو محمد: نزهتهم عائشة عن بشاعة اللفظ وإلا فليس يلزمهم منه ~~جهل بالله تعالى على PageV02P259 # ما قد تبين آنفا. وبمثل هذه القراءة قرأ الكسائي وزاد أنه أدغم اللام في ~~التاء. قال أبو ms1115 علي: وذلك حسن، وأن في قوله أن ينزل على هذه القراءة متعلقة ~~بالمصدر المحذوف الذي هو سؤال. وأن مفعول به إذ هو في حكم المذكور في اللفظ ~~وإن كان محذوفا منه إذ لا يتم المعنى إلا به. # قال القاضي أبو محمد: وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير سؤال على أن يكون ~~المعنى هل يستطيع أن ينزل ربك بدعائك أو بأثرتك عنده ونحوه هذا، فيردك ~~المعنى ولا بد إلى مقدر يدل عليه ما ذكر من اللفظ، و «المائدة» فاعلة من ~~ماد إذا تحرك، هذا قول الزجاج أو من ماد إذا ماد وأطعم كما قال رؤبة: # تهدى رؤوس المترفين الأنداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد # أي الذي يستطعم ويمتاد منه، وقول عيسى عليه السلام اتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين تقرير لهم كما تقول افعل كذا وكذا إن كنت رجلا، ولا خلاف احفظه في ~~أن الحواريين كانوا مؤمنين، وهذا هو ظاهر الآية، وقال قوم قال الحواريون ~~هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي ~~الموتى ويظهر من قوله عليه السلام اتقوا الله إنكار لقولهم ذلك، وذلك على ~~قراءة من قرأ «يستطيع» بالياء من أسفل متوجه على أمرين: أحدهما: بشاعة ~~اللفظ، والآخر إنكار طلب الآيات والتعرض إلى سخط الله بها والنبوات ليست ~~مبنية على أن تتعنت وأما على القراءة الأخرى فلم ينكر عليهم إلا الاقتراح ~~وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر من آياته. # فلما خاطبهم عليه السلام بهذه المقالة صرحوا بالمذاهب التي حملتهم على ~~طلب المائدة، فقالوا: # نريد أن نأكل منها فنشرف في العالم. # قال القاضي أبو محمد: لأن هذا الأكل ليس الغرض منه شبع البطن. وتطمئن ~~قلوبنا معناه يسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة لأمر نازل من السماء بأعيننا ~~ونعلم علم الضرورة والمشاهدة أن قد صدقتنا فلا تعترضنا الشبه التي تعرض في ~~علم الاستدلال. # قال القاضي أبو محمد: وبهذا يترجح قول من قال كان هذا قبل علمهم بآياته. ~~ويدل أيضا على ذلك أن وحي الله إليهم أن آمنوا إنما كان في ms1116 صدر الأمر وعند ~~ذلك قالوا هذه المقالة ثم آمنوا ورأوا الآيات واستمروا وصبروا. وهلك من كفر ~~وقرأ سعيد بن جبير و «يعلم» بالياء مضمومة على ما لم يسم فاعله، وقولهم ~~ونكون عليها من الشاهدين معناه من الشاهدين بهذه الآية الناقلين لها إلى ~~غيرنا الداعين إلى هذا الشرع بسببها. # قال القاضي أبو محمد: وروي أن الذي نحا بهم هذا المنحى من الاقتراح هو أن ~~عيسى عليه السلام قال لهم مرة هل لكم في صيام ثلاثين يوما لله، ثم إن ~~سألتموه حاجة قضاها؟ فلما صاموها قالوا: يا معلم الخير إن حق من عمل عملا ~~أن يطعم، فهل يستطيع ربك؟ فأرادوا أن تكون المائدة عند ذلك الصوم. # قوله عز وجل: PageV02P260 ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 114 الى 115] # قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال الله إني ~~منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين (115) # ذكر الله تعالى عن عيسى أنه أجابهم إلى دعاء الله في أمر المائدة. فروي ~~أنه لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويبكي ويدعو. واللهم عند سيبويه أصلها ~~يا الله فجعلت الميمان بدلا من ياء وربنا منادى آخر، ولا يكون صفة لأن ~~اللهم يجري مجرى الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير، وقرأ الجمهور «تكون ~~لنا» على الصفة للمائدة. وقرأ ابن مسعود والأعمش «تكن لنا» على جواب أنزل ~~والعيد: # المجتمع واليوم المشهود، وعرفه أن يقال فيما يستدير بالسنة أو بالشهر ~~والجمعة ونحوه. وهو من عاد يعود. # فأصله الواو ولكن لزمته الياء من أجل كسرة العين، وقرأ جمهور الناس ~~«لأولنا وآخرنا» وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري: «لأولنا وأخرنا» . ~~واختلف المتأولون في معنى ذلك، فقال السدي وقتادة وابن جريج وسفيان: لأولنا ~~معناه لأول الأمة ثم لمن بعدهم حتى لآخرها يتخذون ذلك اليوم عيدا. وروي عن ~~ابن عباس أن المعنى يكون مجتمعا لجميعنا أولنا وآخرنا، قال: وأكل من ~~المائدة ms1117 حين وضعت أول الناس كما أكل آخرهم. # قال القاضي أبو محمد: فالعيد على هذا لا يراد به المستدير، وقوله وآية ~~منك أي علامة على صدقي وتشريفي. فأجاب الله دعوة عيسى وقال إني منزلها ~~عليكم ثم شرط عليهم شرطه المتعارف في الأمم أنه من كفر بعد آية الاقتراح ~~عذب أشد عذاب، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم «إني منزلها» بفتح النون وشد ~~الزاي، وقرأ الباقون «منزلها» بسكون النون، والقراءتان متجهتان نزل وأنزل ~~بمعنى واحد، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف، «قال الله إني سأنزلها عليكم» ، ~~واختلف الناس في نزول المائدة، فقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد: إنهم لما ~~سمعوا الشرط في تعذيب من كفر استعفوها فلم تنزل. قال مجاهد فهو مثل ضربه ~~الله تعالى للناس لئلا يسألوا هذه الآيات، وقال جمهور المفسرين: نزلت ~~المائدة، ثم اختلفت الروايات في كيفية ذلك، فروى الشعبي عن أبي عبد الرحمن ~~السلمي، قال: نزلت المائدة خبزا وسمكا، وقال عطية: المائدة سمكة فيها طعم ~~كل طعام، قال ابن عباس نزل خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أين ما نزلوا إذا ~~شاؤوا، وقاله وهب بن منبه، قال إسحاق بن عبد الله: نزلت المائدة عليها سبعة ~~أرغفة وسبعة أحوات، قال: فسرق منها بعضهم فرفعت، وقال عمار بن ياسر: سألوا ~~عيسى عليه السلام مائدة يكون عليها طعام لا ينفد، فقيل لهم: فإنها مقيمة ~~لكم وما لم تخبئوا أو تخونوا، فإن فعلتم عذبتم قال فما مضى يوم حتى خبؤوا ~~وخانوا فمسخوا قردة وخنازير، وقال ابن عباس في المائدة أيضا، كان طعام ينزل ~~عليهم حيث ما نزلوا، وقال عمار بن ياسر: نزلت المائدة عليها ثمار من ثمار ~~الجنة، وقال ميسرة: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها ~~الأيدي بكل طعام إلا اللحم. # قال القاضي أبو محمد: وكثر الناس في قصص هذه المائدة بما رأيت اختصاره ~~لعدم سنده وقال قوم: # لا يصح أن لا تنزل المائدة لأن الله تعالى أخبر أنه منزلها. PageV02P261 # قال القاضي أبو محمد: وهذ غير لازم لأن الخبر مقرون بشرط يتضمنه ms1118 قوله فمن ~~يكفر بعد منكم، وسائغ ما قال الحسن، أما أن الجمهور على أنها نزلت وكفرت ~~جماعة منهم فمسخهم الله خنازير قاله قتادة وغيره. وقال عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنه: أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون ~~وآل فرعون، ويذكر أن شمعون رأس الحواريين قال لعيسى حين رأى طعام المائدة، ~~يا روح الله أمن طعام الدنيا هو أم من طعام الآخرة؟ قال عيسى عليه السلام: ~~ألم ينهكم الله عن هذه السؤالات، هذا طعام ليس من طعام الدنيا ولا من طعام ~~الآخرة. بل هو بالقدرة الغالبة، قال الله له كن فكان، وروي أنه كان على ~~المائدة بقول سوى الثوم والكراث والبصل، وقيل كان عليها زيتون وتمر وحب ~~رمان. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 116 الى 117] # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم ~~إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) # اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول. فقال السدي وغيره: لما رفع الله ~~عيسى إليه قالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى ~~حينئذ عن قولهم فقال سبحانك الآية. # قال القاضي أبو محمد: فتجيء قال على هذا متمكنة في المضي، ويجيء قوله ~~آخرا وإن تغفر لهم [المائدة: 118] أي بالتوبة من الكفر، لأن هذا ما قاله ~~عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس وقتادة وجمهور الناس: ~~هذا القول من الله إنما هو في يوم القيامة، يقول الله له على رؤوس الخلائق، ~~فيرى الكفار تبريه منهم، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل. # قال القاضي أبو محمد: وقال على هذا التأويل ms1119 بمعنى يقول. ونزل الماضي موضع ~~المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته، وقوله آخرا وإن تغفر لهم [المائدة: ~~118] معناه إن عذبت العالم كله فبحقك وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل ~~لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي ~~عنهم مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب، وليس المعنى أنه لا بد من أن ~~تفعل أحد هذين الأمرين. بل قال هذا القول مع علمه بأن الله لا يغفر أن يشرك ~~به. وفائدة هذا التوقيف على قول من قال إنه في يوم القيامة ظهور الذنب على ~~الكفرة في عبادة عيسى وهو توقيف له يتقرر منه بيان ضلال الضالين. # وسبحانك معناه تنزيها لك عن أن يقال هذا وينطق به، وقوله ما يكون لي أن ~~أقول ... الآية. بقي يعضده دليل العقل، فهذا ممتنع عقلا أن يكون لبشر محدث ~~أن يدعي الألوهية وقد تجيء هذه الصيغة فيما لا ينبغي ولا يحسن مع إمكانه، ~~ومنه قول الصديق رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال إن كنت قلته فقد علمته فوفق الله عيسى ~~عليه السلام لهذه الحجة PageV02P262 # البالغة، وقوله تعلم ما في نفسي بإحاطة الله به، وخص النفس بالذكر لأنها ~~مظنة الكتم والانطواء على المعلومات، والمعنى: أن الله يعلم ما في نفس عيسى ~~ويعلم كل هذه الآية على قول من قال: إن توقيف عيسى عليه السلام كان إثر ~~رفعه مستقيمة المعنى. لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا وهو ~~لا يدري على ما يوافون. وهي على قول من قال إن التوقيف هو يوم القيامة ~~بمعنى أن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت ~~لا أمره مما عسى أن يكون في نفسه، وقوله ولا أعلم ما في نفسك معناه ولا ~~أعلم ما عندك من المعلومات وما أحطت به. وذكر النفس هنا مقابلة لفظية في ~~اللسان العربي يقتضيها الإيجاز، وهذا ms1120 ينظر من طرف خفي إلى قوله ومكروا ومكر ~~الله [آل عمران: 54] الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] ، فتسمية العقوبة باسم ~~الذنب إنما قاد إليها طلب المقابلة اللفظية إذ هي من فصيح الكلام وبارع ~~العبارة، ثم أقر عليه السلام لله تعالى بأنه علام الغيوب، المعنى ولا علم ~~لي أنا بغيب فكيف تكون لي الألوهية. # ثم أخبر عما صنع في الدنيا وقال في تبليغه وهو أنه لم يتعد أمر الله في ~~أن أمرهم بعبادته وأقر بربوبيته، وأن في قوله أن اعبدوا الله مفسرة لا موضع ~~لها من الإعراب. ويصح أن تكون بدلا من ما. # ويصح أن تكون في موضع خفض على تقدير بأن اعبدوا الله، ويصح أن تكون بدلا ~~من الضمير في به ثم أخبر عليه السلام أنه كان شهيدا ما دام فيهم في الدنيا، ~~فما ظرفية. وقوله فلما توفيتني قبضتني إليك بالرفع والتصيير في السماء. ~~والرقيب: الحافظ المراعي. # قوله عز وجل: ### || [سورة المائدة (5) : الآيات 118 الى 120] # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) قال ~~الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # اعتراض عليك. وإن تغفر لهم أي لو غفرت بتوبة كما غفرت لغيرهم فإنك أنت ~~العزيز في قدرتك، الحكيم في أفعالك. لا تعارض على حال. فكأنه قال إن يكن لك ~~في الناس معذبون فهم عبادك. وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله. ~~وهذا هو عندي القول الأرجح. ويتقوى ما بعده. # وذلك أن عيسى عليه السلام لما قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما ~~يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه ~~يقول هذا أمر قد فرغ منه. وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص، فقال ~~تبارك وتعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن ~~بالله تعالى وكل ms1121 ما كان اتقى فهو أدخل في العبارة، ثم جاءت هذه العبارة ~~مشيرة إلى عيسى في حاله تلك وصدقه فيما قال. فحصل له بذلك في الموقف شرف ~~عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه، وذكر تعالى ما أعد لهم برحمته وطوله إلى ~~قوله ذلك الفوز العظيم وقرأ نافع وحده «هذا يوم» بنصب يوم، وقرأ الباقون ~~«يوم» بالرفع على خبر المبتدأ الذي هو هذا ويوم مضاف إلى ينفع، والمبتدأ ~~والخبر في PageV02P263 # موضع نصب بأنه مفعول القول. إذ القول يعمل في الجمل، وأما قراءة نافع ~~فتحتمل وجهين، أحدهما أن يكون «يوم» ظرفا للقول كأن التقدير قال الله هذا ~~القصص أو الخبر يوم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي معنى يزيل رصف الآية وبهاء اللفظ، ~~والمعنى الثاني أن يكون ما بعد قال حكاية عما قبلها ومن قوله لعيسى إشارة ~~إليه، وخبر هذا محذوف إيجازا، كأن التقدير قال الله: # هذا المقتص يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين. # قال القاضي أبو محمد: والخطاب على هذا لمحمد عليه السلام وأمته، وهذا ~~أشبه من الذي قبله، والبارع المتوجه قراءة الجماعة، قال أبو علي، ولا يجوز ~~أن تكون «يوم» في موضع رفع على قراءة نافع لأن هذا الفعل الذي أضيف إليه ~~معرب، وإنما يكتسي البناء من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه مبنيا نحو من ~~عذاب يومئذ، ولا يشبه قول الشاعر. # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع # لأن الماضي الذي في البيت مبني والمضارع الذي في الآية معرب وقرأ الحسن ~~بن العباس الشامي: # «هذا يوم» بالرفع والتنوين، وقوله تعالى: لله ملك السماوات ... الآية، ~~يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. وعلى الوجهين ففيه عضد ما قال عيسى، إن ~~تعذب الناس فإنهم عبادك على ما تقدم من تأويل الجمهور. # كمل تفسير سورة المائدة والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل PageV02P264 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما ~~كثيرا ms1122 ### | سورة الأنعام # قيل هي كلها مكية، وقال ابن عباس: نزلت بمكة ليلا جملة إلا ست آيات، وهي ~~قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم [الأنعام 151] وقوله: وما قدروا الله حق ~~قدره [الأنعام: 91] وقوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي [الأنعام: 93] وقوله: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم [الأنعام: 93] وقوله: والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك [الأنعام: 114] وقوله: والذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه [الأنعام: 20] . # وقال الكلبي: الأنعام كلها مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة في فنحاص ~~اليهودي، وهي قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى [الأنعام 91] مع ما يرتبط ~~بهذه الآية، وذلك أن فنحاصا قال ما أنزل الله على بشر من شيء، وقال ابن ~~عباس: نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون ألف ملك لهم زجل يجارون بالتسبيح ~~وقال كعب فاتحة التوراة فاتحة الأنعام الحمد لله إلى يعدلون، وخاتمة ~~التوراة خاتمة هود، وما ربك بغافل عما تعملون [هود: 123] وقيل خاتمتها وقل ~~الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له إلى تكبيرا [الإسراء: 111] وقال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الأنعام من نجائب القرآن، وقال علي بن أبي ~~طالب: من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى في رضى ربه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم ~~تمترون (2) # هذا تصريح بأن الله تعالى هو الذي يستحق الحمد بأجمعه. لأن الألف واللام ~~في الحمد لاستغراق الجنس، فهو تعالى له الأوصاف السنية والعلم والقدرة ~~والإحاطة والأنعام، فهو أهل للمحامد على ضروبها وله الحمد الذي يستغرق ~~الشكر المختص بأنه على النعم، ولما ورد هذا الإخبار تبعه ذكر بعض أوصافه ~~الموجبة للحمد، وهي الخلق «للسماوات والأرض» قوام الناس وأرزاقهم، والأرض ~~هاهنا للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها، والبادي من هذا الترتيب أن ~~السماء خلقت من ms1123 قبل الأرض، وقد حكاه الطبري عن قتادة، وليس كذلك لأن الواو ~~لا ترتب المعاني، والذي ينبني من مجموع آي القرآن أن الله تعالى خلق الأرض ~~ولم يدحها ثم استوى إلى السماء فخلقها ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل هاهنا ~~بمعنى خلق لا PageV02P265 # يجوز غير ذلك، وتأمل لم خصت السماوات والأرض ب خلق والظلمات والنور ب ~~جعل؟ وقال الطبري جعل هذه هي التي تتصرف في طرق الكلام كما تقول جعلت كذا ~~فكأنه قال وجعل إظلامها وإنارتها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير جيد، لأن جعل إذا كانت على هذا النحو فلا ~~بد أن يرتبط معها فعل آخر كما يرتبط في أفعال المقاربة كقولك كاد زيد يموت، ~~«جعل» زيد يجيء ويذهب، وأما إذا لم تربط معها فعل فلا يصح أن تكون تلك التي ~~ذكر الطبري، وقال السدي وقتادة والجمهور من المفسرين: # الظلمات الليل والنور النهار، وقالت فرقة: الظلمات الكفر والنور الإيمان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير جيد لأنه إخراج لفظ بين في اللغة عن ظاهره ~~الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برىء القرآن منه، ~~والنور أيضا هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه. # وقوله تعالى: ثم دالة على قبح فعل الذين كفروا لأن المعنى أن خلقه ~~«السموات والأرض» وغيرهما قد تقرر، وآياته قد سطعت، وأنعامه بذلك قد تبين ~~ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت ~~إليك ثم تشتمني، أي بعد مهلة من وقوع هذا كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه ~~بالواو لم يلزم التوبيخ كلزومه ب ثم، الذين كفروا في هذا الموضع هم كل من ~~عبد شيئا سوى الله قال قتادة: هم أهل الشرك صراحية، ومن خصص من المفسرين في ~~ذلك بعضا دون بعض فلم يصب إلا أن السابق من حال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الإشارة إلى عبدة الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضا يشير ~~إلى المانوية ويقال الماننية العابدين للنور القائلين إن الخير من فعل ~~النور ms1124 والشر من فعل الظلام، وقول ابن أبزى إن المراد أهل الكتاب بعيد، ~~ويعدلون معناه يسوون ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله، والمنوية مجوس، ~~وورد في مصنف أبي داود حديث وهو القدرية مجوس هذه الأمة ومعناه الإغلاظ ~~عليهم والذم لهم في تشبيههم بالمجوس وموضع الشبه هو أن المجوس تقول الأفعال ~~خيرها خلق النور وشرها خلق الظلمة فجعلوا خالقا غير الله، والقدرية تقول ~~الإنسان يخلق أفعاله فجعلوا خالقا غير الله تعالى عن قولهم، وذهب أبو ~~المعالي إلى التشبيه بالمجوس إنما هو قول القدرية: إن الخير من الله وإن ~~الشر منه ولا يريده. وإنما قلنا في الحديث إنه تغليظ لأنه قد صرح أنهم من ~~الأمة ولو جعلهم مجوسا حقيقة لم يضفهم إلى الأمة، وهذا كله ان لو صح الحديث ~~والله الموفق. # وقوله تعالى: # هو الذي خلقكم من طين الآية قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم.. المعنى ~~خلق آدم من طين والبشر من آدم فلذلك قال: خلقكم من طين وحكى المهدوي عن ~~فرقة أنها قالت بل المعنى أن النطفة التي يخلق منها الإنسان أصلها من طين ~~ثم يقلبها الله نطفة، وذكره مكي والزهراوي، والقول الأول أليق بالشريعة لأن ~~القول الثاني إنما يترتب على قول من يقول بأن الطين يرجع بعد التولد ~~والاستحالات الكثيرة نطفة، وذلك مردود عند الأصوليين، واختلف المفسرون في ~~هذين الأجلين، فقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة والضحاك، أجلا أجل الإنسان ~~من لدن ولادته إلى موته، والأجل المسمى عنده من وقت موته PageV02P266 # إلى حشره، ووصفه بمسمى عنده لأنه استأثر بعلم وقت القيامة، وقال ابن ~~عباس: أجلا، الدنيا، أجل مسمى الآخرة، وقال مجاهد: أجلا، الآخرة، وأجل ~~مسمى، الدنيا بعكس الذي قبله، وقال ابن عباس أيضا: أجلا، وفاة الإنسان ~~بالنوم، وأجل مسمى وفاته بالموت وقال ابن زيد، الأجل الأول هو في وقت أخذ ~~الميثاق على بني آدم حين استخرجهم من ظهر آدم، وبقي «أجل» واحد مسمى في هذه ~~الحياة الدنيا، وحكى المهدوي عن فرقة أجلا، ما عرف الناس من آجال الأهلة ~~والسنين والكوائن، وأجل مسمى قيام ms1125 الساعة، وحكي أيضا عن فرقة أجلا ما ~~عرفناه من أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وأجل مسمى الآخرة. # قال القاضي أبو محمد: رضي الله عنه. وينبغي أن تتأمل لفظة قضى في هذه ~~الآية فإنها تحتمل معنيين، فإن جعلت بمعنى قدر وكتب ورجعت إلى سابق علمه ~~وقدره فيقول إن ذلك ولا بد قبل خلقه آدم من طين، وتخرج ثم من معهودها في ~~ترتيب زمني وقوع القصتين ويبقى لها ترتيب زمني الإخبار عنه، كأنه قال: # أخبركم أنه خلقكم من طين ثم أخبركم أنه قضى أجلا، وإن جعلت قضى بمعنى ~~أوجد وأظهر ويرجع ذلك إلى صفة فعل فيصح أن يكون خلق آدم من طين قبل إظهار ~~هذا الأجل وإبدائه وتكون ثم على بابها في ترتيب زمني وقوع القضيتين، ~~وتمترون معناه تشكون، والمرية الشك، وقوله: ثم أنتم على نحو قوله: # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون في التوبيخ على سوء الفعل بعد مهلة من وضوح ~~الحجج. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 3 الى 5] # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) ~~وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا بالحق ~~لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) # قاعدة الكلام في هذه الآية أن حلول الله تعالى في الأماكن مستحيل وكذلك ~~مماسته للأجرام أو محاداته لها أو تحيز لا في جهة لامتناع جواز التقرب عليه ~~تبارك وتعالى، فإذا تقرر هذا فبين أن قوله تعالى: # وهو الله في السماوات وفي الأرض ليس على حد قولنا زيد في الدار بل هو على ~~وجه من التأويل آخر، قالت فرقة ذلك على تقدير صفة محذوفة من اللفظ ثابتة في ~~المعنى، كأنه قال وهو الله المعبود في السماوات وفي الأرض، وعبر بعضهم بأن ~~قدر هو الله المدبر للأمر في «السماوات وفي الأرض» ، وقال الزجاج في متعلقة ~~بما تضمنه اسم الله تعالى من المعاني كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في ~~المشرق والمغرب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ms1126 عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازا لفصاحة ~~اللفظ وجزالة المعنى، وإيضاحه أنه أراد أن يدل على خلقه وإيثار قدرته ~~وإحاطته واستيلائه ونحو هذه الصفات فجمع هذه كلها في قوله: # وهو الله أي الذي له هذه كلها «في السماوات وفي الأرض» كأنه وهو الخالق ~~الرازق المحيي المحيط «في السماوات وفي الأرض» كما تقول زيد السلطان في ~~الشام والعراق، فلو قصدت ذات زيد لقلت PageV02P267 # محالا، وإذا كان مقصد قوله زيد الآمر الناهي المبرم الذي يعزل ويولي في ~~الشام والعراق فأقمت السلطان مقام هذه كان فصيحا صحيحا، فكذلك في الآية ~~أقام لفظة الله مقام تلك الصفات المذكورة، وقالت فرقة وهو الله ابتداء ~~وخبرتم الكلام عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله في السماوات بمفعول يعلم، كأنه ~~قال «وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض» فلا يجوز مع هذا ~~التعليق أن يكون هو ضمير أمر وشأن لأنه يرفع الله بالابتداء، ويعلم في موضع ~~الخبر، وقد فرق في السماوات وفي الأرض بين الابتداء والخبر وهو ظرف غريب من ~~الجملة، ويلزم قائلي هذه المقالة أن تكون المخاطبة في الكاف في قوله: # سركم وجهركم لجميع المخلوقين الإنس والملائكة، لأن الإنس لا سر ولا جهر ~~لهم في السماء، فترتيب الكلام على هذا القول وهو الله يعلم يا جميع ~~المخلوقين «سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض» ، وقالت فرقة وهو ضمير ~~الأمر والشأن و «الله في السماوات» ابتداء وخبرتم الكلام عنده، ثم ابتدأ ~~كأنه قال «ويعلم في الأرض سركم وجهركم» ، وهذا القول إذ قد تخلص من لزوم ~~المخاطبة الملائكة فهو مخلص من شبهة الكون في السماء بتقدير حذف المعبود أو ~~المدبر على ما تقدم، وقوله تعالى: يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون خبر في ~~ضمنه تحذير وزجر، وتكسبون لفظ عام لجميع الاعتقادات والأفعال والأقوال. # وقوله تعالى: # وما تأتيهم الآية، ما نافية ومن الأولى هي الزائدة التي تدخل على الأجناس ~~بعد النفي، فكأنها تستغرق الجنس، ومن الثانية للتبعيض، والآية العلامة ~~والدلالة والحجة، وقد تقدم القول في وزنها في صدر الكتاب، وتضمنت هذه ms1127 الآية ~~مذمة هؤلاء الذين يعدلون بالله سواه بأنهم يعرضون عن كل آية ترد عليهم، ثم ~~اقتضت الفاء في قوله فقد أن إعراضهم عن الآيات قد أعقب أن كذبوا بالحق وهو ~~محمد عليه السلام وما جاء به، ثم توعدهم بأن يأتيهم عقاب استهزائهم، وما ~~بمعنى الذي، ويصح أن تكون مصدرية، وفي الكلام حذف مضاف تقديره يأتيهم مضمن ~~أنباء القرآن الذي كانوا به يستهزئون، وإن جعلت ما مصدرية فالتقدير يأتيهم ~~نبأ كونهم مستهزئين، أي عقاب يخبرون أنه على ذلك الاستهزاء، وهذه العقوبات ~~التي توعدوا بها تعم عقوبات الدنيا كبدر وغيرها وعقوبات الآخرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 6] # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) # هذا حض على العبرة، والرؤية هنا رؤية القلب، وكم في موضع نصب ب أهلكنا، ~~والقرن والأمة المقترنة في مدة من الزمان، ومنه قوله عليه السلام: خير ~~الناس قرني الحديث، واختلف الناس في مدة القرن كم هي؟ فالأكثر على أنها ~~مائة سنة، ويرجح ذلك الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر ~~الأرض أحد» قال ابن عمر: PageV02P268 # يريد أنها تحرم ذلك القرن، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لعبد الله بن بشير: تعيش قرنا فعاش مائة سنة، وقيل: القرن ثمانون سنة، وقيل ~~سبعون وقيل ستون، وتمسك هؤلاء بالمعترك وحكى النقاش أربعين وذكر الزهراوي ~~في ذلك أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى النقاش أيضا ثلاثين، وحكى ~~عشرين، وحكى ثمانية عشر وهذا كله ضعيف، وهذه طبقات وليست بقرون إنما القرن ~~أن يكون وفاة الأشياخ ثم ولادة الأطفال، ويظهر ذلك من قوله تعالى: ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين وإلى مراعاة الطبقات وانقراض الناس بها أشار ~~ابن الماجشون في الواضحة في تجويز شهادة السماع في ms1128 تقادم خمسة عشر عاما ~~فصاعدا، وقيل القرن الزمن نفسه، وهو على حذف مضاف تقديره من أهل قرن، ~~والضمير في مكناهم عائد على القرن، والمخاطبة في لكم هي للمؤمنين ولجميع ~~المعاصرين لهم من سائر الناس، فكأنه قال: ما لم نمكن يا أهل العصر لكم، ~~فهذا أبين ما فيه، ويحتمل أن يقدر في الآية معنى القول لهؤلاء الكفرة، كأنه ~~قال يا محمد قل لهم: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض، ~~ما لم نمكن لكم وإذا أخبرت أنك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال فلك في ~~فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها فتجيء بلفظ المخاطبة، ولك ~~أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة السماء المطر ومنه قول ~~الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # ومدرارا بناء تكثير كمذكار ومئناث، ومعناه يدر عليهم بحسب المنفعة، لأن ~~الآية إنما سياقها تعديد النعم وإلا فظاهرها يحتمل النعمة ويحتمل الإهلاك ~~وتحتمل الآية أن تراد السماء المعروفة على تقدير وأرسلنا مطر السماء لأن ~~مدرارا لا يوصف به إلا المطر، وقوله تعالى: فأهلكناهم معناه فعصوا وكفروا ~~فأهلكناهم، وأنشأنا اخترعنا وخلقنا، وجمع آخرين حملا على معنى القرن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 7 الى 9] # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم ~~لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) # لما أخبر عنهم عز وجل بأنهم كذبوا بكل ما جاءهم من آية تبع ذلك إخبار فيه ~~مبالغة مضمنه أنه لو جاءهم أشنع مما جاء لكذبوا أيضا، والمعنى لو نزلنا ~~بمرأى منهم عليك كتابا أي كلاما مكتوبا في قرطاس أي في صحيفة، ويقال ~~«قرطاس» بضم القاف فلمسوه بأيديهم يريد أنهم بالغوا في ميزه وتقليبه ليرتفع ~~كل ارتياب لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم وقالوا هذا سحر مبين، ويشبه أن سبب ~~هذه الآية اقتراح عبد ms1129 الله بن أبي أمية وتعنته إذ قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، لا أؤمن لك حتى تصعد إلى السماء ثم تنزل بكتاب فيه من رب العزة إلى ~~عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا كنت أصدقك، ثم ~~أسلم بعد ذلك عبد الله وقتل شهيدا في الطائف، وقوله تعالى: وقالوا لولا PageV02P269 # أنزل عليه ملك # الآية حكاية عمن تشطط من العرب بأن طلب أن ينزل ملك يصدق محمدا في نبوءته ~~ويعلم عن الله عز وجل أنه حق، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر وقال مجاهد: # معناه لقامت القيامة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا ضعيف، وقال قتادة والسدي وابن ~~عباس رضي الله عنه: # في الكلام حذف تقديره ولو «أنزلنا ملكا فكذبوا به لقضي الأمر» بعذابهم ~~ولم ينظروا حسبما سلف في كل أمة اقترحت بآية وكذبت بعد أن ظهرت إليها، وهذا ~~قول حسن، وقالت فرقة لقضي الأمر أي لماتوا من هول رؤية الملك في صورته، ~~ويؤيد هذا التأويل ما بعده من قوله: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا فإن أهل ~~التأويل مجمعون أن ذلك لأنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته، ~~فالأولى في قوله لقضي الأمر أي لماتوا من هول رؤيته، ينظرون معناه يؤخرون، ~~والنظرة التأخير، وقوله عز وجل: ولو جعلناه الآية المعنى أنا لو جعلناه ~~ملكا لجعلناه ولا بد في خلق رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في ~~صورته، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. # قال القاضي أبو محمد: ومما يؤيد هذا المعنى الحديث الوارد عن الرجلين ~~اللذين صعدا على الجبل يوم بدر ليريا ما يكون في حرب النبي عليه السلام ~~للمشركين، فسمعا حس الملائكة وقائلا يقول في السماء، أقدم حيزوم فمات ~~أحدهما لهول ذلك، فكيف برؤية ملك في خلقته، ولا يعارض هذا برؤية النبي عليه ~~السلام لجبريل وغيره في صورهم، لأن النبي عليه السلام أعطي قوة غير هذه ~~كلها صلى الله عليه وسلم، وللبسنا أي لخلطنا عليهم ما ms1130 يخلطون به على أنفسهم ~~وعلى ضعفتهم، أي لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به، ~~وذلك لا يحسن، ويحتمل الكلام مقصدا آخر، أي «للبسنا» نحن عليهم كما ~~«يلبسون» هم على ضعفتهم فكنا ننهاهم عن التلبيس ونفعله بهم، ويقال: لبس ~~الرجل الأمر يلبسه لبسا إذا خلطه، وقرأ ابن محيصن: «ولبسنا» بفتح اللام وشد ~~الباء، وذكر بعض الناس في هذه الآية: أنها نزلت في أهل الكتاب، وسياق ~~الكلام ومعانيه يقتضي أنها في كفار العرب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 10 الى 11] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) # قرىء «ولقد» بضم الدال مراعاة للضمة بعد الساكن الذي بعد الدال، وقرىء ~~بكسر الدال على عرف الالتقاء، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالأسوة ~~في الرسل وتقوية لنفسه على محاجة المشركين وإخبار يتضمن وعيد مكذبيه ~~والمستهزئين، و «حاق» معناه نزل وأحاط، وهي مخصوصة في الشر، يقال حاق يحيق ~~حيقا ومنه قول الشاعر: # فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم ... وحاق بهم من بأس ضبة حائق # وقال قوم: أصل حاق حق فبدلت القاف الواحدة كما بدلت النون في تظننت. PageV02P270 # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وما في قوله: ما كانوا يصح أن تكون مع ~~الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: استهزاؤهم، وهذه كناية عن العقوبة كما تهدد ~~إنسانا فتقول سيلحقك عملك، المعنى عاقبته، وسخروا معناه استهزؤوا. # وقوله تعالى: # قل سيروا الآية، حض على الاعتبار بآثار من مضى ممن فعل فعلهم، وقال كان ~~ولم يقل كانت لأن تأنيث العاقبة ليس بحقيقي، وهي بمعنى الآخر والمآل، ومعنى ~~الآية سيروا وتلقوا ممن سار لأن العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس ~~العين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 12 الى 13] # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ms1131 ما سكن ~~في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) # قال بعض أهل التأويل: في الكلام حذف تقديره: قل لمن ما في السماوات ~~والأرض؟ فإذا تحيروا ولم يجيبوا، قل لله، وقالت فرقة: المعنى أنه أمر بهذا ~~السؤال فكأنهم لما لم يجيبوا ولا تيقنوا سألوا فقيل له: قل لله، والصحيح أن ~~الله عز وجل أمر محمدا عليه السلام بقطعهم بهذه الحجة الساطعة والبرهان ~~القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد، ليعتقد هذا المعتقد الذي ~~بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه، وجاء ذلك بلفظ استفهام وتقرير في قوله: ~~لمن ما في السماوات والأرض والوجه في المحاجة إذا سأل الإنسان خصمه، بأمر ~~لا يدافعه الخصم فيه، أن يسبقه بعد التقرير إليه مبادرة إلى الحجة، كما ~~تقول لمن تريد غلبته بآية تحتج بها عليه، كيف قال الله في كذا؟ ثم تسبقه ~~أنت إلى الآية فتنصها عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: يا ~~أيها الكافرون العادلون بربهم لمن ما في السماوات والأرض؟ ثم سبقهم فقال: ~~لله، أي لا مدافعة في هذا عندكم ولا عند أحد، ثم ابتدأ يخبر عنه تعالى: كتب ~~على نفسه الرحمة معناه قضاها وأنفذها. وفي هذا المعنى أحاديث عن النبي عليه ~~السلام تتضمن كتب الرحمة، ومعلوم من غير ما موضع من الشريعة أن ذلك ~~للمؤمنين في الآخرة ولجميع الناس في الدنيا، منها أن الله تعالى خلق مائة ~~رحمة فوضع منها واحدة في الأرض فيها تتعاطف البهائم وترفع الفرس رجلها لئلا ~~تطأ ولدها. وبها تتعاطف الطير والحيتان، وعنده تسع وتسعون رحمة، فإذا كان ~~يوم القيامة صير تلك الرحمة مع التسعة والتسعين وبثها في عباده. # قال القاضي أبو محمد: فما أشقى من لم تسعه هذه الرحمات تغمدنا الله بفضل ~~منه، ومنها حديث آخر أن الله عز وجل كتب عنده كتابا فهو عنده فوق العرش أن ~~رحمتي سبقت غضبي، ويروى: نالت غضبي، ومعناه سبقت، وأنشد عليه ثابت بن قاسم: PageV02P271 # أبني كليب إن عمي اللذا ... نالا الملوك وفككا الأغلالا # ويتضمن هذا الإخبار عن ms1132 الله تعالى بأنه كتب الرحمة تأنيس الكفار ونفي ~~يأسهم من رحمة الله إذا تابوا، وأن باب توبتهم مفتوح، قال الزجاج: الرحمة ~~هنا إمهال الكفار وتعميرهم ليتوبوا، وحكى المهدوي: أن جماعة من النحويين ~~قالت: إن ليجمعنكم هو تفسير الرحمة تقديره: أن يجمعكم فيكون ليجمعنكم في ~~موضع نصب على البدل من الرحمة، وهو مثل قوله: ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين [يوسف: 35] المعنى: أن يسجنوه. # قال القاضي أبو محمد: يلزم على هذا القول أن تدخل النون الثقيلة في ~~الإيجاب، وهو مردود، وإنما تدخل في الأمر والنهي وباختصاص الواجب في القسم، ~~وقالت فرقة وهو الأظهر: إن اللام لام قسم والكلام مستأنف، ويتخرج ذلك في ~~ليسجننه، وقالت فرقة إلى بمعنى في وقيل على بابها غاية وهو الأرجح، ولا ريب ~~فيه لا شك فيه، أي هو في نفسه وذاته لا ريب فيه، وقوله تعالى: الذين خسروا ~~أنفسهم الآية قيل إن الذين منادى. # قال القاضي أبو محمد: وهو فاسد لأن حرف النداء لا يسقط مع المبهمات، ~~وقيل: هو نعت المكذبين الذين تقدم ذكرهم، وقيل: هو بدل من الضمير في ~~ليجمعنكم، قال المبرد: ذلك لا يجوز كما لا يجوز مررت بك زيد. # قال القاضي أبو محمد: وقوله في الآية ليجمعنكم مخالف لهذا المثال لأن ~~الفائدة في البدل مترقبة من الثاني وإذا قلت مررت بك زيد فلا فائدة في ~~الثاني، وقوله: ليجمعنكم يصلح لمخاطبة الناس كافة فيفيدنا إبدال الذين من ~~الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب هنا، وخصوا على جهة الوعيد، ويتضح فيها ~~الوعيد إذا جعلنا اللام للقسم وهو القول الصحيح، ويجيء هذا بدل البعض من ~~الكل، وقال الزجاج الذين رفع بالابتداء وخبره فهم لا يؤمنون، وهذا قول حسن، ~~والفاء في قوله: فهم جواب على القول بأن الذين رفع بالابتداء لأن معنى ~~الشرط حاصل تقديره، من خسر نفسه فهو لا يؤمن، وعلى القول بأن الذين بدل من ~~الضمير هي عاطفة جملة على جملة، وخسروا معناه غبنوا أنفسهم بأن وجب عليها ~~عذاب الله وسخطه، ومنه ms1133 قول الشاعر [الأعشى] : [السريع] # لا يأخذ الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر # وقوله تعالى: وله ما سكن الآية وله عطف على قوله لله واللام للملك، وما ~~بمعنى الذي، وسكن هي من السكنى ونحوه أي ما ثبت وتقرر، قاله السدي وغيره ~~وقالت فرقة: هو من السكون، وقال بعضهم: لأن الساكن من الأشياء أكثر من ~~المتحرك إلى غير هذا من القول الذي هو تخليط، والمقصد في الآية عموم كل شيء ~~وذلك لا يترتب إلا أن يكون سكن بمعنى استقر وثبت وإلا فالمتحرك من الأشياء ~~المخلوقات أكثر من السواكن، ألا ترى إلى الفلك والشمس والقمر والنجوم ~~السابحة والملائكة وأنواع الحيوان والليل والنهار حاصران للزمان وهو السميع ~~العليم هاتان صفتان تليقان بنمط الآية من قبل أن ما ذكر قبل من الأقوال ~~الردية عن الكفرة العادلين هو سميع لهم عليم بمواقعها مجاز عليها، ففي ~~الضمير وعيد. PageV02P272 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 14 الى 16] # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) # قال الطبري وغيره: أمر أن يقول هذه المقالة للكفرة الذين دعوه إلى عبادة ~~أوثانهم، فتجيء الآية على هذا جوابا لكلامهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يحتاج إلى سند في أن هذا نزل جوابا ~~وإلا فظاهر الآية لا يتضمنه، والفصيح هو أنه لما قرر معهم أن الله تعالى له ~~ما في السماوات والأرض [الأنعام: 12] وله ما سكن في الليل والنهار ~~[الأنعام: 13] وأنه سميع عليم أمر أن يقول لهم على جهة التوبيخ والتوقيف ~~أغير هذا الذي هذه صفاته أتخذ وليا بمعنى أن هذا خطأ لو فعلته بين. وتعطي ~~قوة الكلام أن من فعله من سائر الناس بين الخطأ، وأتخذ عامل في قوله أغير ~~وفي قوله: وليا تقدم أحد المفعولين، والولي لفظ عام لمعبود وغير ذلك من ~~الأسباب الواصلة ms1134 بين العبد وربه، ثم أخذ في صفات الله تعالى فقال: فاطر ~~بخفض الراء نعت لله تعالى، وفطر معناه ابتدع وخلق وأنشأ وفطر أيضا في ~~اللغة: شق، ومنه هل ترى من فطور [الملك: 3] أي من شقوق، ومن هذا انفطار ~~السماء، وفي هذه الجهة يتمكن قولهم فطر ناب البعير إذا خرج لأنه يشق اللثة، ~~وقال ابن عباس ما كنت أعرف معنى فاطر السماوات حتى اختصم إلي أعرابيان في ~~بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي اخترعتها وأنشأتها. # قال القاضي أبو محمد: فحمله ابن عباس على هذه الجهة، ويصح حمله، على ~~الجهة الأخرى أنه شق الأرض والبئر حين احتفرها، وقرأ ابن أبي عبلة: «فاطر» ~~برفع الراء على خبر ابتداء مضمر أو على الابتداء يطعم ولا يطعم المقصود به ~~يرزق ولا يرزق، وخص الإطعام من أنواع الرزق لمس الحاجة إليه وشهرته ~~واختصاصه بالإنسان، وقرأ يمان العماني وابن أبي عبلة «يطعم» بضم الياء وكسر ~~العين في الثاني مثل الأول يعني الوثن أنه لا يطعم وقرأ مجاهد وسعيد بن ~~جبير والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه في ~~الثاني «ولا يطعم» بفتح الياء على مستقبل طعم فهي صفة تتضمن التبرية أي لا ~~يأكل ولا يشبه المخلوقين، وقوله تعالى: قل إني أمرت إلى عظيم قال المفسرون: ~~المعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة، ولا يتضمن الكلام إلا ذلك، ~~قال طائفة: في الكلام حذف تقديره: وقيل لي ولا تكونن من الممترين. # قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا أنه عليه السلام أمر فقيل له كن أول من ~~أسلم ولا تكونن من المشركين فلما أمر في الآية أن يقول ما أمر به جاء بعض ~~ذلك على المعنى وبعضه باللفظ بعينه ولفظة عصيت عامة في أنواع المعاصي، ~~ولكنها هاهنا إنما تشير إلى الشرك الذي نهي عنه، واليوم العظيم هو يوم ~~القيامة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «من يصرف عنه» بضم ~~الياء وفتح الراء، والمفعول PageV02P273 # الذي أسند إليه الفعل هو الضمير ms1135 العائد على العذاب فهو مقدر، وقرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم أيضا: «من يصرف عنه» فيسند الفعل إلى الضمير العائد إلى ربي ~~ويعمل في ضمير العذاب المذكور آنفا لكنه مفعول محذوف وحكي أنه ظهر في قراءة ~~عبد الله وهي «من يصرفه عنه يومئذ» ، وفي قراءة أبي بن كعب «من يصرفه الله ~~عنه» وقيل: إنها من يصرف الله عنه، قال أبو علي وحذف هذا الضمير لا يحسن ~~كما يحسن حذف الضمير من الصلة كقوله عز وجل: أهذا الذي بعث الله رسولا ~~[الفرقان: 41] وكقوله: وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 59] معناه بعثه ~~واصطفاهم فحسن هذا للطول كما علله سيبويه، ولا يحسن هذا لعدم الصلة، قال ~~بعض الناس القراءة بفتح الياء «من يصرف» أحسن لأنه يناسب فقد رحمه وكان ~~الأولى على القراءة الأخرى «فقد رحم» ليتناسب الفعلان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا توجيه لفظي تعلقه خفيف، وأما بالمعنى ~~فالقراءتان واحد، ورجح قوم قراءة ضم الياء لأنها أقل إضمارا، وأشار أبو علي ~~إلى تحسين القراءة بفتح الياء بما ذكرناه، وأما مكي بن أبي طالب رحمه الله ~~فتخبط في كتاب الهداية في ترجيح القراءة بفتح الياء، ومثل في احتجاجه ~~بأمثلة فاسدة والله ولي التوفيق، ورحم عامل في الضمير المتصل وهو ضمير من ~~ومستند إلى الضمير العائد إلى ربي، وقوله: وذلك إشارة إلى صرف العذاب وإلى ~~الرحمة، والفوز والنجاة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 17 الى 18] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) # يمسسك معناه يصبك وينلك، وحقيقة المس هي بتلافي جسمين فكأن الإنسان والضر ~~يتماسان، و «الضر» بضم الضاد سوء الحال في الجسم وغيره، «والضر» بفتح الضاد ~~ضد النفع، وناب الضر في هذه الآية مناب الشر وإن كان الشر أعم منه فقابل ~~الخير، وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكلف والصنعة فإن باب التكلف ~~وترصيع الكلام أن يكون الشيء مقترنا بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص ~~موافقة أو ms1136 مضادة، فمن ذلك قوله تعالى: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك ~~لا تظمؤا فيها ولا تضحى [طه: 118، 119] فجعل الجوع مع العري وبابه أن يكون ~~مع الظمأ ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # وهذا كثير، قال السدي «الضر» هاهنا المرض والخير العافية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال ومعنى الآية الإخبار عن أن الأشياء كلها ~~بيد الله إن ضر فلا كاشف لضره غيره وإن أصاب بخير فكذلك أيضا لا راد له ولا ~~مانع منه، هذا تقرير الكلام، ولكن وضع بدل هذا المقدر لفظا أعم منه يستوعبه ~~وغيره، وهو قوله: على كل شيء قدير ودل ظاهر الكلام على المقدر فيه، PageV02P274 # وقوله: على كل شيء قدير عموم أي على كل شيء جائز أن يوصف الله تعالى ~~بالقدرة عليه، وقوله تعالى: وهو القاهر الآية، أي وهو عز وجل المستولي ~~المقتدر، وفوق نصب على الظرف لا في المكان بل في المعنى الذي تضمنه لفظ ~~القاهر، كما تقول زيد فوق عمرو في المنزلة، وحقيقة فوق في الأماكن، وهي في ~~المعاني مستعارة شبه بها من هو رافع رتبة في معنى ما، لما كانت في الأماكن ~~تنبىء حقيقة عن الأرفع وحكى المهدوي: أنها بتقدير الحال، كأنه قال: وهو ~~القاهر غالبا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يسلم من الاعتراض أيضا والأول عندي أصوب: و ~~«العباد» بمعنى العبيد وهما جمعان للعبد أما أنا نجد ورود لفظة العباد في ~~القرآن وغيره في مواضع تفخيم أو ترفيع أو كرامة، وورود لفظة العبيد في ~~تحقير أو استضعاف أو قصد ذم، ألا ترى قول امرئ القيس: [السريع] # قولا لدودان عبيد العصا # ولا يستقيم أن يقال هنا عباد العصا وكذلك الذين سموا العباد لا يستقيم أن ~~يقال لهم العبيد لأنهم أفخم من ذلك، وكذلك قول حمزة رضي الله عنه وهل أنتم ~~إلا عبيد لأبي، لا يستقيم فيه عباد، والحكيم بمعنى المحكم، والخبير ms1137 دالة ~~على مبالغة العلم، وهما وصفان مناسبان لنمط الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 19] # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) # أي استفهام، وهي معربة مع إبهامها، وإنما كان ذلك لأنها تلتزم الإضافة ~~ولأنها تتضمن علم جزء من المستفهم عنه غير معين، لأنك إذا قلت أي الرجلين ~~جاءنا فقد كنت تعلم أن أحدهما جاء غير معين فأخرجها هذان الوجهان عن غمرة ~~الإبهام فأعربت، وتتضمن هذه الآية أن الله عز وجل يقال عليه شيء كما يقال ~~عليه موجود، ولكن ليس كمثله تبارك وتعالى شيء، وشهادة نصب على التمييز ويصح ~~على المفعول بأن يحمل أكبر على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهذه ~~الآية مثل قوله تعالى قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله [الأنعام: 12] ~~في أن استفهم على جهة التوقيف والتقدير ثم بادر إلى الجواب إذ لا تتصور فيه ~~مدافعة، وهذا كما تقول لمن تخاصمه وتتظلم منه من أقدر من في البلد ثم تبادر ~~وتقول السلطان فهو يحول بيننا، ونحو هذا من الأمثلة، فتقدير الآية أنه قال ~~لهم أي شيء أكبر شهادة الله أكبر شهادة، فهو شهيد بيني وبينكم، ف الله رفع ~~بالابتداء وخبره مضمر يدل عليه ظاهر الكلام كما قدرناه، وشهيد خبر ابتداء ~~مضمر. # وقال مجاهد المعنى أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام: قل لهم: أي شيء ~~أكبر شهادة؟ وقل لهم: # الله شهيد بيني وبينكم لما عيوا عن الجواب، ف شهيد على هذا التأويل خبر ~~لله وليس في هذا التأويل مبادرة من السائل إلى الجواب المراد بقوله: شهيد، ~~بيني وبينكم أي في تبليغي، وقرأت فرقة: «وأوحى إلي PageV02P275 # هذا القرآن» على الفعل الماضي ونصب القرآن وفي «أوحى» ضمير عائد على الله ~~تعالى من قوله قل الله، وقرأت فرقة «وأوحي» على بناء الفعل للمفعول ~~«القرآن» رفعا، لأنذركم معناه لأخوفكم به ms1138 العقاب والآخرة، ومن عطف على ~~الكاف والميم في قوله: لأنذركم وبلغ معناه على قول الجمهور بلاغ القرآن، أي ~~لأنذركم وأنذر من بلغه، ففي بلغ ضمير محذوف لأنه في صلة من، فحذف لطول ~~الكلام، وقالت فرقة ومن بلغ الحكم، ففي بلغ على هذا التأويل ضمير مقدر راجع ~~إلى من، وروي في معنى التأويل الأول أحاديث، منها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية، فإنه من بلغ آية من كتاب الله ~~تعالى فقد بلغه أمر الله تعالى أخذه أو تركه» ، ونحو هذا من الأحاديث كقوله ~~«من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره» ، وقرأت فرقة «أأينكم» بزيادة ألف بين ~~الهمزة الأولى والثانية المسهلة عاملة بعد التسهيل العاملة قبل التسهيل ~~وقرأت فرقة «أينكم» بهمزتين الثانية مسهلة دون ألف بينهما، وقرأت فرقة ~~«أإنكم» استثقلت اجتماع الهمزتين فزادت ألفا بين الهمزتين، وقرأت فرقة ~~«أنكم» بالإيجاب دون تقدير وهذه الآية مقصدها التوبيخ وتسفيه الرأي. وأخرى ~~صفة لآلهة وصفة جمع ما لا يعقل تجري في الإفراد مجرى الواحدة المؤنثة ~~كقوله: مآرب أخرى [طه: 18] وكذلك مخاطبته جمع ما لا يعقل كقوله: يا جبال ~~أوبي معه ونحو هذا، ولما كانت هذه الآلهة حجارة وعيدانا أجريت هذا المجرى ~~ثم أمره الله تعالى أن يعلن بالتبري من شهادتهم. والإعلان بالتوحيد لله عز ~~وجل والتبري من إشراكهم، وإنني إيجاب ألحقت فيه النون التي تلحق الفعل ~~لتبقى حركته عند اتصال الضمير به في قولك ضربني ونحوه، وظاهر الآية أنها في ~~عبدة الأصنام وذكر الطبري أنه قد ورد من وجه لم يثبت صحته أنها نزلت في قوم ~~من اليهود، وأسند إلى ابن عباس قال: جاء النحام بن زيد وفردم بن كعب وبحري ~~بن عمرو، فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره؟ فقال لهم: لا إله إلا ~~الله بذلك أمرت، فنزلت الآية فيهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 20 الى 21] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن ms1139 افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح الظالمون (21) # الذين رفع بالابتداء وخبره يعرفونه والكتاب معناه التوراة والإنجيل وهو ~~لفظ مفرد يدل على الجنس، والضمير في يعرفونه عائد في بعض الأقوال على ~~التوحيد لقرب قوله: قل إنما هو إله واحد [الأنعام: 19] وهذا استشهاد في ذلك ~~على كفرة قريش والعرب بأهل الكتاب، والذين خسروا على هذا التأويل منقطع ~~مرفوع بالابتداء وليس من صفة الذين الأولى، لأنه لا يصح أن يستشهد بأهل ~~الكتاب ويذمون في آية واحدة. # قال القاضي أبو محمد: وقد يصح ذلك لاختلاف ما استشهد فيه بهم وما ذموا ~~فيه، وأن الذم والاستشهاد ليس من جهة واحدة، وقال قتادة والسدي وابن جريج: ~~الضمير عائد في يعرفونه على محمد PageV02P276 # عليه السلام ورسالته، وذلك على ما في قوله: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم ~~[الأنعام: 19] فكأنه قال وأهل الكتاب يعرفون ذلك من إنذاري والوحي إلي، ~~وتأول هذا التأويل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يدل على ذلك قوله لعبد الله ~~بن سلام إن الله أنزل على نبيه بمكة أنكم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم فكيف ~~هذه المعرفة فقال عبد الله بن سلام نعم أعرفه الصفة التي وصفه الله في ~~التوراة فلا أشك فيه، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه. # قال القاضي أبو محمد: وتأول ابن سلام رضي الله عنه المعرفة بالابن تحقق ~~صحة نسبه، وغرض الآية إنما هو الوقوف على صورته فلا يخطىء الأب فيها، وقالت ~~فرقة: الضمير من يعرفونه عائد على القرآن المذكور قبل. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن تعيد الضمير على هذه كلها دون اختصاص، كأنه ~~وصف أشياء كثيرة، ثم قال: أهل الكتاب يعرفونه أي ما قلنا وما قصصنا وقوله ~~تعالى: الذين خسروا الآية، يصح أن يكون الذين نعتا تابعا ل الذين قبله، ~~والفاء من قوله فهم عاطفة جملة على جملة، وهذا يحسن على تأويل من رأى في ~~الآية قبلها أن أهل الكتاب متوعدون مذمومون لا مستشهد بهم، ويصح أن يكون ~~الذين رفعا بالابتداء على استئناف الكلام، وخبره ms1140 فهم لا يؤمنون والفاء على ~~هذا جواب، وخسروا معناه غبنوها، وقد تقدم، وروي أن كل عبد له منزل في الجنة ~~ومنزل في النار، فالمؤمنون ينزلون منازل أهل الكفر في الجنة والكافرون ~~ينزلون منازل أهل الجنة في النار فهاهنا هي الخسارة بينة والربح الآخرين، ~~وقوله تعالى: ومن أظلم الآية من استفهام مضمنه التوقيف والتقرير، أي لا أحد ~~أظلم ممن افترى، وافترى معناه اختلق، والمكذب بالآيات مفتري كذب، ولكنهما ~~منحيان من الكفر، فلذلك نصا مفسرين، و «الآيات» العلامات والمعجزات ونحو ~~ذلك، ثم أوجب إنه لا يفلح الظالمون والفلاح بلوغ الأمل والإرادة والنجاح، ~~ومنه قول عبيد: [الرجز] # أفلح بما شئت فقد تبلغ بالض ... ضعف وقد يخدع الأريب # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 22 الى 24] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ~~(22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) # قالت فرقة: لا يفلح الظالمون [الأنعام: 21] كلام تام معناه لا يفلحون ~~جملة، ثم استأنف فقال: واذكر يوم نحشرهم، وقال الطبري المعنى لا يفلح ~~الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم عطفا على الظرف المقدر والكلام متصل، ~~وقرأت طائفة «نحشرهم» و «نقول» بالنون، وقرأ حميد ويعقوب فيهما بالياء، ~~وقرأ عاصم هنا وفي يونس قبل الثلاثين «نحشرهم ونقول» بالنون، وقرأ في باقي ~~القرآن بالياء، وقرأ أبو هريرة «نحشرهم» بكسر الشين فيجيء الفعل على هذا ~~حشر يحشر ويحشر، وأضاف الشركاء إليهم لأنه PageV02P277 # لا شركة لهم في الحقيقة بين الأصنام وبين شيء وإنما وقع عليها اسم الشريك ~~بمجرد تسمية الكفرة فأضيفت إليهم لهذه النسبة وتزعمون معناه تدعون أنهم ~~لله، والزعم القول الأميل إلى الباطل والكذب في أكثر كلامهم، وقد يقال زعم ~~بمعنى ذكر دون ميل إلى الكذب، وعلى هذا الحد يقول سيبويه زعم الخليل ولكن ~~ذلك إنما يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله، وقوله تعالى: ~~ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا الآية قرأ ابن كثير ms1141 في رواية شبل عنه وعاصم ~~في رواية حفص وابن عامر «تكن فتنتهم» برفع الفتنة وإلا أن قالوا في موضع ~~نصب على الخبر التقدير إلا قولهم، وهذا مستقيم لأنه أنث العلامة في الفعل ~~حين أسنده إلى مؤنث وهي الفتنة، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي ~~بكر وابن كثير أيضا «تكن فتنتهم» بنصب الفتنة، واسم كان أن قالوا، وفي هذه ~~القراءة تأنيث أن قالوا وساغ ذلك من حيث كان الفتنة في المعنى، قال أبو علي ~~وهذا كقوله تعالى: فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] فأنث الأمثال لما كانت ~~الحسنات بالمعنى وقرأ حمزة والكسائي «يكن» بالياء «فتنتهم» بالنصب واسم كان ~~إلا أن قالوا وهذا مستقيم لأنه ذكر علامة الفعل حين أسنده إلى مذكر، قال ~~الزهراوي وقرأت فرقة «يكن فتنتهم» برفع الفتنة، وفي هذه القراءة إسناد فعل ~~مذكر العلامة إلى مؤنث، وجاء ذلك بالمعنى لأن الفتنة بمعنى الاختبار أو ~~المودة في الشيء والإعجاب وقرأ أبي بن وكيع وابن مسعود والأعمش «وما كان ~~فتنتهم» ، وقرأ طلحة بن مصرف، «ثم كان فتنتهم» والفتنة في كلام العرب لفظة ~~مشتركة تقال بمعنى حب الشيء والإعجاب به كما تقول فتنت بكذا، وتحتمل الآية ~~هنا هذا المعنى أي لم يكن حبهم للأصنام وإعجابهم بها واتباعهم لها لما ~~سئلوا عنها ووقفوا على عجزها إلا التبري منها والإنكار لها، وهذا توبيخ لهم ~~كما تقول لرجل كان يدعي مودة آخر ثم انحرف عنه وعاداه يا فلان لم تكن مودتك ~~لفلان إلا أن شتمته وعاديته، ويقال الفتنة في كلام العرب بمعنى الاختبار، ~~كما قال عز وجل لموسى عليه السلام: وفتناك فتونا [طه: 40] ، وكقوله تعالى: ~~ولقد فتنا سليمان وألقينا [ص: 34] وتحتمل الآية هاهنا هذا المعنى لأن ~~سؤالهم عن الشركاء وتوقيفهم اختبار، فالمعنى ثم لم يكن اختبارنا لهم إذ لم ~~يفد ولا أثمر، إلا إنكارهم الإشراك، وتجيء الفتنة في اللغة على معان غير ~~هذين لا مدخل لها في الآية ومن قال إن أصل الفتنة الاختبار من فتنت الذهب ~~في النار ثم يستعار بعد ذلك في غيره ms1142 فقد أخطأ لأن الاسم لا يحكم عليه بمعنى ~~الاستعارة حتى يقطع باستحالة حقيقته في الموضع الذي استعير له كقول ذي ~~الرمة: [الطويل] ولف الثريا في ملاءته الفجر ونحوه، والفتنة لا يستحيل أن ~~تكون حقيقة في كل موضع قيلت عليه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ~~وابن عامر والله «ربنا» خفض على النعت لاسم الله، وقرأ حمزة والكسائي ~~«ربنا» نصب على النداء. ويجوز فيه تقدير المدح، وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين ~~«والله ربنا» برفع الاسمين وهذا على تقدير تقديم وتأخير كأنهم قالوا ما كنا ~~مشركين والله ربنا، وما كنا مشركين معناه جحود إشراكهم في الدنيا، فروي ~~أنهم إذا رأوا إخراج من في النار من أهل الإيمان ضجوا فيوقفون ويقال لهم ~~أين شركاؤكم فينكرون طماعية منهم أن يفعل بهم ما فعل بأهل الإيمان. وأتى ~~رجل ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: والله ربنا ما كنا مشركين وفي أخرى ولا ~~يكتمون الله حديثا [النساء: 42] PageV02P278 # فقال ابن عباس لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا # مؤمن قالوا تعالوا فلنجحد، وقالوا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم ~~وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثا. # قال القاضي أبو محمد: وعبد بعض المفسرين عن الفتنة هنا بأن قالوا ~~معذرتهم، قاله قتادة، وقال آخرون كلامهم قاله الضحاك، وقيل غير هذا مما هو ~~كله في ضمن ما ذكرناه، وقوله تعالى انظر كيف كذبوا الآية، الخطاب لمحمد ~~عليه السلام والنظر نظر القلب، وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هي حكاية يوم ~~القيامة فلا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال ~~الماضي تحقيقا ما في الفعل وإثباتا له، وهذا مهيع في اللغة، ومنه قول ~~الربيع بن ضبع الفزاري: [المنسرح] # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا # يريد أن ينفر وضل عنهم معناه ذهب افتراؤهم في الدنيا وكذبهم بادعائهم لله ~~تبارك وتعالى الشركاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 25] # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل ms1143 آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) # الضمير في قوله ومنهم عائد على الكفار الذين تضمنهم قبل قوله يوم نحشرهم ~~جميعا [الأنعام: 22] وأفرد يستمع وهو فعل جماعة حملا على لفظ من وأكنة جمع ~~كنان وهو الغطاء الجامع، ومنه كنانة السهام والكن، ومنه قوله تعالى: بيض ~~مكنون [الصافات: 49] ومنه قول الشاعر: # [الطويل] # إذا ما انتضوها في الوغى من أكنة ... حسبت بروق الغيث هاجت غيومها # وفعال وأفعلة مهيع في كلامهم وأن يفقهوه نصب على المفعول من أجله أي ~~كراهية أن يفهموه، وقيل المعنى أن لا يفقهوه، ويلزم هذا القول إضمار حرف ~~النفي، ويفقهوه معناه يفهموه، ويقال فقه الرجل بكسر القاف إذا فهم الشيء ~~وفقه بضمها: إذا صار فقيها له ملكة، وفقه إذا غلب في الفقه غيره، والوقر: ~~الثقل في السمع، يقال وقرت أذنه ووقرت بكسر القاف وفتحها، ومنه قول الشاعر: ~~[الرمل] # وكلام سيء قد وقرت ... أذني وما بي من صمم # وقد سمع أذن موقورة فالفعل على هذا وقرت، وقرأ طلحة بن مصرف: «وقرا» بكسر ~~الواو كأنه ذهب إلى أن آذانهم وقرت بالصمم كما توقر الدابة من الحمل وهي ~~قراءة شاذة، وهذا عبارة عما جعل الله في نفوس هؤلاء القوم من الغلط والبعد ~~عن قبول الخير لا أنهم لم يكونوا سامعين لأقواله، وقوله تعالى: وإن يروا كل ~~آية الآية، الرؤية هنا الرؤية العين يريد كانشقاق القمر وشبهه. # قال القاضي أبو محمد: ومقصد هذه الآية أنهم في أعجز درجة وحاولوا رد الحق ~~بالدعوى المجردة PageV02P279 # والواو في قوله وجعلنا واو الحال والباب أن يصرح معها بقد، وقد تجيء ~~أحيانا مقدرة، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال ومن هؤلاء الكفرة من يستمعك وهو من ~~الغباوة في حد قلبه في كنان وأذنه صماء وهو يرى الآيات فلا يؤمن بها لكنه ~~مع بلوغه الغاية من هذه القصور إذا جاء للمجادلة قابل بدعوى مجردة. ~~والمجادلة المقابلة في الاحتجاج مأخوذ من الجدل، وهذا في قولهم إشارة إلى ~~القرآن، والأساطير جمع أسطار كأقوال ms1144 وأقاويل ونحوه، وأسطار جمع سطر وسطر، ~~وقيل الأساطير جمع أسطارة وهي النزهات، وقيل جمع أسطورة كأعجوبة وأضحوكة، ~~وقيل هو اسم جمع لا واحد من لفظه كعبابيد وشماميط والمعنى أخبار الأولين ~~وقصصهم وأحاديثهم التي تسطر وتحكى ولا تحقق كالتواريخ وإنما شبهها الكفار ~~بأحاديث النضر بن الحارث وأبي عبد الله بن أبي أمية عن رستم والسندباد، ~~ومجادلة الكفار كانت مرادتهم نور الله بأفواههم المبطلة، وقد ذكر الطبري عن ~~ابن عباس أنه مثل من ذلك قولهم: إنكم أيها المتبعون محمدا تأكلون ما قتلتم ~~بذبحكم ولا تأكلون ما قتل الله، ونحو هذا من التخليط الذي لا تتركب منه ~~حجة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا جدال في حكم، والذي في الآية إنما هو جدال في ~~مدافعة القرآن، فلا تتفسر الآية عندي بأمر الذبح. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 26 الى 27] # وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) ولو ترى ~~إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين (27) # الضمير في قوله: وهم عائد على المذكورين قبل، والضمير في عنه قال قتادة ~~ومجاهد يعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله أن يفهموه وقال ابن عباس وابن ~~الحنفية والضحاك هو عائد على محمد عليه السلام والمعنى أنهم ينهون غيرهم ~~ويبعدون هم بأنفسهم و «النأي» البعد، وإن يهلكون معناه ما يهلكون إلا ~~أنفسهم بالكفر الذي يدخلهم جهنم، وقال ابن عباس أيضا والقاسم وحبيب بن أبي ~~ثابت وعطاء بن دينار المراد بقوله وهم ينهون عنه أبو طالب ومن كان معه على ~~حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدوام في الكفر، والمعنى وهم ~~ينهون عنه من يريد إذايته وينأون عنه بإيمانهم واتباعهم فهم يفعلون الشيء ~~وخلافه، ويقلق على هذا القول رد قوله وهم على جماعة الكفار المتقدم ذكرها، ~~لأن جميعهم لم يكن ينهى عن إذاية النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: ويتخرج ذلك ويحسن على أن تقدر القصد ذكر ما ينعى ~~على فريق ms1145 فريق من الجماعة التي هي كلها مجمعة على الكفر، فخرجت العبارة عن ~~فريق من الجماعة بلفظ يعم الجماعة، لأن التوبيخ على هذه الصورة أغلظ عليهم، ~~كما تقول إذا شنعت على جماعة فيها زناة وسرقة وشربة خمر هؤلاء يزنون ~~ويسرقون ويشربون الخمر وحقيقة كلامك أن بعضهم يفعل هذا وبعضهم يفعل هذا، ~~فكأنه قال: من هؤلاء الكفرة من يستمع وهم ينهون عن إذايته ولا يؤمنون به، ~~أي: منهم من يفعل ذلك، وما يشعرون معناه: ما يعلمون علم حس، وهو مأخوذ من ~~الشعار الذي يلي بدن الإنسان، والشعار مأخوذ من الشعر، PageV02P280 # ونفي الشعور مذمة بالغة إذ البهائم تشعر وتحس، فإذا قلت لا يشعر فقد نفيت ~~عنه العلم النفي العام الذي يقتضي أنه لا يعلم ولا المحسوسات. # قال القاضي أبو محمد: وقرأ الحسن «وينون عنه» ألقيت حركة الهمزة على ~~النون على التسهيل القياسي، وقوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار الآية ~~المخاطبة فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجواب لو محذوف، تقديره في آخر هذه ~~الآية لرأيت هولا أو مشقات أو نحو هذا، وحذف جوابها في مثل هذا أبلغ لأن ~~المخاطب يترك مع غاية تخيله، ووقعت إذ في موضع إذا التي هي لما يستقبل وجاز ~~ذلك لأن الأمر المتيقن وقوعه يعبر عنه كما يعبر عن الماضي الوقوع، ووقفوا ~~معناه: حبسوا، ولفظ هذا الفعل متعديا وغير متعد سواء، تقول: وقفت أنا ووقفت ~~غيري، وقال الزهراوي: وقد فرق بينهما بالمصدر ففي المتعدي وقفته وقفا وفي ~~غير المتعدي وقفت وقوفا، قال أبو عمرو بن العلاء: لم أسمع في شيء من كلام ~~العرب أوقفت فلانا إلا أني لو لقيت رجلا واقفا فقلت له ما أوقفك هاهنا لكان ~~عندي حسنا، ويحتمل قوله: # وقفوا على النار أن يكون دخلوها، فكان وقوفهم عليها أي فيها، قاله ~~الطبري، ويحتمل أن يكون أشرفوا عليها وعاينوها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: «ولا نكذب» و «نكون» بالرفع في ~~كلها، وذلك على نية الاستئناف والقطع في قوله «ولا ms1146 نكذب ونكون» أي يا ليتنا ~~نرد ونحن على كل حال لا نكذب ونكون، فأخبروا أنفسهم بهذا ولهذا الإخبار صح ~~تكذيبهم بعد هذا، ورجح هذا سيبويه ومثله بقولك دعني ولا أعود أي وأنا لا ~~أعود على كل حال، ويخرج ذلك على قول آخر وهو أن يكون «ولا نكذب ونكون» ~~داخلا في التمني على حد ما دخلت فيه نرد، كأنهم قالوا: يا ليتنا نرد وليتنا ~~لا نكذب وليتنا نكون، ويعترض هذا التأويل بأن من تمنى شيئا لا يقال إنه ~~كاذب وإنما يكذب من أخبر. # قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يكون قوله وإنهم ~~لكاذبون [الأنعام: 28] حكاية عن حالهم في الدنيا كلاما مقطوعا مما قبله ~~وبوجه آخر وهو أن المتمني إذا كانت سجيته وطريقته مخالفة لما تمنى بعيدة ~~منه يصح أن يقال له كذبت على تجوز، وذلك أن من تمنى شيئا فتمنيه يتضمن ~~إخبارا أن تلك الأمنية تصلح له ويصلح لها فيقع التكذيب في ذلك الإخبار الذي ~~يتضمنه التمني، ومثال ذلك أن يقول رجل شرير ليتني أحج وأجاهد وأقوم الليل ~~فجائز أن يقال لهذا على تجوز كذبت أي أنت لا تصلح لهذا ولا يصلح لك، وروي ~~عن أبي عمرو: أنه أدغم باء «نكذب في الباء التي بعدها، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~وعاصم في رواية حفص «ولا نكذب ونكون» بنصب الفعلين، وذلك كما تنصب الفاء في ~~جواب التمني، فالواو في ذلك والفاء بمنزلة، وهذا تقدير ذكر مصدر الفعل ~~الأول كأنهم قالوا يا ليتنا كان لنا رد وعدم تكذيب وكون من المؤمنين، وقرأ ~~ابن عامر في رواية هشام بن عمار عن أصحابه عن ابن عامر «ولا نكذب» بالرفع ~~«ونكون» بالنصب، ويتوجه ذلك على ما تقدم في مصحف عبد الله بن مسعود «يا ~~ليتنا نرد فلا نكذب بآيات ربنا ونكون» بالفاء، وفي قراءة أبي بن كعب «يا ~~ليتنا نرد فلا نكذب بآيات ربنا أبدا ونكون» ، وحكى أبو عمرو أن في قراءة ~~أبي «بآيات ربنا ونحن نكون» ، وقوله نرد في هذه الأقوال كلها معناه: ms1147 إلى ~~الدنيا، وحكى الطبري تأويلا آخر وهو يا ليتنا نرد إلى الآخرة أي نبعث ونوقف ~~على النار التي وقفنا عليها مكذبين ليت ذلك ونحن في حالة لا نكذب ونكون، ~~فالمعنى يا ليتنا PageV02P281 # نوقف هذا الوقوف غير مكذبين بآيات ربنا كائنين من المؤمنين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يضعف من غير وجه ويبطله قوله تعالى: ~~ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28] ولا يصح أيضا التكذيب في هذا ~~التمني لأنه تمني ما قد مضى. وإنما يصح التكذيب الذي ذكرناه قبل هذا على ~~تجوز في تمني المستقبلات. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 28 الى 30] # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (30) # الضمير في لهم عائد على من ذكر في قوله: وقفوا وفقالوا [الأنعام: 27] ~~وهذا الكلام يتضمن أنهم كانوا يخفون شيئا ما في الدنيا فظهر لهم يوم ~~القيامة أو ظهر لهم وباله وعاقبته، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~وحكى الزهراوي عن فرقة أنها قالت: الآية في المنافقين لأنهم كانوا «يخفون» ~~الكفر فبدا لهم وباله يوم القيامة. # قال القاضي أبو محمد: وتقلق العبارة على هذا التأويل لأنه قال وقفوا يريد ~~جماعة كفار ثم قال بدا لهم يريد المنافقين من أولئك الكفار، والكلام لا ~~يعطي هذا إلا على تحامل، قال الزهراوي: وقيل إن الكفار كانوا إذا وعظهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر به أتباعهم ~~فظهر لهم ذلك يوم القيامة. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه ~~والتعظيم لما شقوا به، فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من ~~معاص وغير ذلك، فكيف الظن على هذا بما كانوا يعلنون من كفر ونحوه، وينظر ~~إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن ms1148 يوم القيامة يوم تبلى السرائر ~~[الطارق: 9] ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأقواله، وذلك أنهم كانوا «يخفون» ذلك في الدنيا بأن يحقروه ~~عند من يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا الناس على الطرق فيقولون لهم هو ~~ساحر هو يفرق بين الأقارب، يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله، فمعنى هذه ~~الآية على هذا، بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب ~~من كفر الذي كانوا يخفونه في الدنيا، ويكون الإخفاء على ما وصفناه، وقال ~~الزجاج المعنى ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة «يخفون» من البعث. # قال القاضي أبو محمد: فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد، وحكى المهدوي عن ~~الحسن نحو هذا، وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي والأعمش «ولو ردوا» بكسر الراء ~~على نقل حركة الدال من رددوا إليها، وقوله: ولو ردوا لعادوا إخبار عن أمر ~~لا يكون كيف كان يوجد، وهذا النوع مما استأثر الله بعلمه، فإن PageV02P282 # أعلم بشيء منه علم وإلا لم يتكلم فيه، وقوله تعالى: وإنهم لكاذبون إما أن ~~يكون متصلا بالكلام ويكون التكذيب في إخبارهم على معنى أن الأمر في نفسه ~~بخلاف ما قصدوا لأنهم قصدوا الكذب، أو يكون التكذيب في التمني على التجوز ~~الذي ذكرناه، وإما أن يكون منقطعا إخبارا مستأنفا عما هم عليه في وقت ~~مخاطبة النبي عليه السلام، والأول أصوب وقوله تعالى: وقالوا إن هي إلا ~~حياتنا الآية، هذا على تأويل الجمهور ابتداء كلام وإخبار عنهم بهذه ~~المقالة، ويحسن مع هذا أن يكون قوله قبل وإنهم لكاذبون مستأنفا مقطوعا خبرا ~~عن حالهم في الدنيا التي من قولهم فيها إن هي إلا حياتنا الدنيا وغير ذلك، ~~وإن نافية، ومعنى الآية التكذيب بالحشر والعودة إلى الله، وقال ابن زيد ~~قوله وقالوا معطوف على قوله لعادوا أي لعادوا لما نهوا عنه من الكفر وقالوا ~~إن هي إلا حياتنا الدنيا. # قال القاضي أبو محمد: وتوقيف الله لهم في الآية بعدها على البعث والإشارة ~~إليه في قوله: أليس هذا ms1149 بالحق يرد على هذا التأويل وقوله تعالى: ولو ترى إذ ~~وقفوا الآية، بمعنى ولو ترى إذ وقفوا كما تقدم آنفا من حذف جواب لو وقوله: ~~على ربهم معناه على حكمه وأمره، ففي الكلام ولا بد حذف مضاف، وقوله: هذا ~~إشارة إلى البعث الذي كذبوا به في الدنيا، وبلى هي التي تقتضي الإقرار بما ~~استفهم عنه منفيا ولا تقتضي نفيه وجحده ونعم تصلح للإقرار به، كما ورد ذلك ~~في قول الأنصار للنبي عليه السلام حين عاتبهم في الحظيرة عقب غزوة حنين ~~وتصلح أيضا نعم لجحده، فلذلك لا تستعمل وأما قول الزجاج وغيره: إنها إنما ~~تقتضي جحده وأنهم لو قالوا نعم عند قوله: ألست بربكم لكفروا فقول خطأ والله ~~المستعان، وقولهم: بلى وربك إيمان، ولكنه حين لا ينفع، وقوله: فذوقوا ~~استعارة بليغة، والمعنى باشروه مباشرة الذائق إذ هي من أشد المباشرات. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 31] # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ~~(31) # هذا استئناف إخبار عن خسارة المكذبين يتضمن تعظيم المصاب الذي حل بهم، ~~وتستعمل الخسارة في مثل هذا لأنه من أخذ الكفر واتبعه فكأنه قد أعطى ~~الإيمان واطرحه، فأشبهت صفقة أخذ وإعطاء والإشارة بهذه الآية إلى الذين ~~قالوا إنما هي حياتنا الدنيا، وقوله: بلقاء الله معناه: بالرجوع إليه وإلى ~~أحكامه وقدرته، كما تقول لقي فلان أعماله أي لقي عواقبها ومآلها، والساعة ~~يوم القيامة، وأدخل عليها تعريف العهد دون تقدم ذكرها لشهرتها واستقرارها ~~في النفوس وذيعان ذكرها، وأيضا فقد تضمنها قوله تعالى: بلقاء الله وبغتة ~~معناه فجأة، تقول بغتني الأمر أي فجأني ومنه قول الشاعر: # ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة ... وأفظع شيء حين يفجأك البغت # ونصبها على المصدر في موضع الحال كما تقول: قتلته صبرا، ولا يجيز سيبويه ~~القياس عليه ولا تقول جاء فلان سرعة ونحوه، ونداء الحسرة على تعظيم الأمر ~~وتشنيعه، قال سيبويه وكأن الذي ينادي الحسرة أو PageV02P283 # العجب ms1150 أو السرور أو الويل يقول: اقربي أو احضري فهذا وقتك وزمنك، وفي ذلك ~~تعظيم للأمر على نفس المتكلم وعلى سامعه إن كان ثم سامع، وهذا التعظيم على ~~النفس والسامع هو المقصود أيضا بنداء الجمادات كقولك يا دار ويا ربع، وفي ~~نداء ما لا يعقل كقولهم يا جمل، ونحو هذا، وفرطنا معناه قصرنا مع القدرة ~~على ترك التقصير، وهذه حقيقة التفريط، والضمير في قوله فيها عائد على ~~الساعة أي في التقدمة لها، وهذا قول الحسن، وقال الطبري يعود على الصفقة ~~التي يتضمنها ذكر الخسارة في أول الآية، ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا ~~إذ المعنى يقتضيها، وتجيء الظرفية أمكن بمنزلة زيد في الدار، وعوده على ~~الساعة إنما معناه في أمورها والاستعداد لها، بمنزلة زيد في العلم مشتغل. # وقوله تعالى: # وهم يحملون أوزارهم الآية، الواو واو الحال، والأوزار جمع وزر بكسر الواو ~~وهو الثقل من الذنوب، تقول منه وزر يزر إذا حمل، قال الله تعالى: ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164] وتقول وزر الرجل فهو موزور، قال أبو عبيد ~~والعامة مازور، وأما إذا اقترن ذلك بما جوز فإن العرب تقول مأزور، وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لنساء لقيهن مقبلات من المقابر: ارجعن ~~مأزورات غير مأجورات قال أبو علي وغيره فهذا للإتباع اللفظي، والوزر هنا ~~تجوز وتشبيه بثقل الأحمال، وقوى التشبيه بأن جعله على الظهور إذ هو في ~~العادة موضع حمل الأثقال، ومن قال إنه من الوزر وهو الجبل الذي يلجأ إليه ~~ومنه الوزير وهو المعين فهي مقالة غير بينة، وقال الطبري وغيره هذا على جهة ~~الحقيقة ورووا في ذلك خبرا أن المؤمن يلقاه عمله في أحسن صورة وأفوحها ~~فيسلم عليه ويقول له طال ما ركبتك في الدنيا وأجهدتك فاركبني اليوم، قال ~~فيحمله تمثال العمل، وأن الكافر يلقاه عمله في أقبح صورة وأنتنها فيشتمه ~~ويقول أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا بشهواتك فأنا أركبك اليوم، ~~قال فيحمل تمثال عمله وأوزاره على ظهره، وقوله تعالى: ألا ساء ما يزرون ms1151 ~~إخبار عن سوء ما يأثمون مضمن التعظيم لذلك والإشادة به، وهذا كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم ألا فليبلغ الشاهد الغائب، وقوله ألا هل بلغت، فإنما ~~أراد الإشادة والتشهير وهذا كله يتضمنه ألا، وأما ساء ما يزرون فهو خبر ~~مجرد كقول الشاعر: [البسيط] # رضيت خطة خسف غير طائلة ... فساء هذا رضى يا قيس غيلانا # وساء فعل ماض وما فاعلة به كما تقول ساءني أمر كذا، ويحتمل أن تجري ساء ~~هنا مجرى بئس، ويقدر لها ما يقدر ل «بئس» إذ قد جاء في كتاب الله ساء مثلا ~~القوم [الأعراف: 177] . # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 32 الى 33] # وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون (33) # هذا ابتداء خبر عن حال الدنيا، والمعنى: أنها إذا كانت فانية منقضية لا ~~طائل لها أشبهت اللعب واللهو الذي لا طائل له إذا تقضى، وقرأ السنة من ~~القراء «وللدار» بلامين والآخرة نعت للدار، وقرأ ابن PageV02P284 # عامر وحده «ولدار» بلام واحدة، وكذلك وقع في مصاحف الشام بإضافة الدار ~~إلى الآخرة، وهذا نحو مسجد الجامع أي مسجد اليوم الجامع، فكذلك هذا ولدار ~~الحياة الآخرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ~~«يعقلون» على إرادة الغائب، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: «تعقلون» ~~على إرادة المخاطبين، وكذلك في الأعراف وفي آخر يوسف، ووافقهم أبو بكر في ~~آخر يوسف فأما أفلا يعقلون في يس [الآية: 68] فقرأه نافع وابن ذكوان: بتاء ~~والباقون بياء، وهذه الآية تتضمن الرد على قولهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا ~~[الأنعام: 29] وهو المقصود بها، ويصح أن يكون قوله: أفلا تعقلون على معنى ~~فقل لهم يا محمد إذ الحال على هذه الصفة أفلا تعقلون. # وقوله تعالى: # قد نعلم الآية، قد الملازم للفعل حرف يجيء مع التوقع إما عند المتكلم ~~وإما عند السامع أو مقدرا عنده فإذا كان الفعل خالصا للاستقبال كان التوقع ~~من ms1152 المتكلم، كقولك قد يقوم زيد وقد ينزل المطر في شهر كذا إذا كان الفعل ~~ماضيا أو فعل حال بمعنى المضي مثل آيتنا هذه، فإن التوقع ليس من المتكلم بل ~~المتكلم موجب ما أخبر به، وإنما كان التوقع عند السامع فيخبره المتكلم بأحد ~~المتوقعين، ونعلم تتضمن إذا كانت من الله تعالى استمرار العلم وقدمه، فهي ~~تعم المضي والحال والاستقبال، ودخلت «إن» للمبالغة في التأكيد، وقرأ نافع ~~وحده «ليحزنك» من أحزن، وقرأ الباقون «ليحزنك» من حزن الرجل، وقرأ أبو رجاء ~~«ليحزنك» بكسر اللام والزاي وجزم النون، وقرأ الأعمش أنه بفتح الهمزة ~~«يحزنك» بغير لام، قال أبو علي الفارسي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي ~~يحزن حزنا وحزنا وحزنته أنا، وحكي عن الخليل أن قولهم حزنته ليس هو تغيير ~~حزن على نحو دخل وأدخلته، ولكنه بمعنى جعلت فيه حزنا كما تقول كحلته ~~ودهنته، قال الخليل ولو أردت تغيير حزن لقلت أحزنته، وحكى أبو زيد الأنصاري ~~في كتاب خباة العرب أحزنت الرجل، قال أبو علي وحزنت الرجل أكثر استعمالا ~~عندهم من أحزنته، فمن قرأ «ليحزنك» بضم الياء فهو على القياس في التغيير، ~~ومن قرأ «ليحزنك» بفتح الياء وضم الزاي فهو على كثرة الاستعمال، والذي ~~يقولون لفظ يعم جميع أقوالهم التي تتضمن الرد على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والدفع في صدر نبوته، كقول بعضهم إنه كذاب، مفتر، ساحر، وقول بعضهم إنه ~~مجنون مسحور، وقول بعضهم به رئي من الجن ونحو هذا وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~وأبو عمرو وعاصم وحمزة لا يكذبونك بتشديد الدال وفتح الكاف، وقرأها ابن ~~عباس وردها على قارئ عليه «يكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه ~~الأمين، وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف وتخفيف الذال، وقرأها علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، واختلف المتأولون في ~~معناهما فقالت فرقة: هما بمعنى واحد كما تقول: # سقيت وأسقيت وقللت وأقللت وكثرت وأكثرت، وحكى الكسائي أن العرب تقول كذبت ~~الرجل إذا نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما ms1153 جاء به دون أن ~~تنسبه إليه، وتقول العرب أيضا أكذبت الرجل إذا وجدته كذابا كما تقول أحمدته ~~إذا وجدته محمودا، فالمعنى على قراءة من قرأ «يكذبونك» بتشديد الذال أي لا ~~تحزن «فإنهم لا يكذبونك» تكذيبا يضرك إذ لست بكاذب في حقيقتك، فتكذيبهم كلا ~~تكذيب، ويحتمل أن يريد: «فإنهم لا يكذبونك» على جهة الإخبار عنهم أنهم لا ~~يكذبون وأنهم يعلمون PageV02P285 # صدقه ونبوته ولكنهم يجحدون عنادا منهم وظلما، والآية على هذا لا تتناول ~~جميع الكفار بل تخص الطائفة التي حكى عنها أنها كانت تقول: إنا لنعلم أن ~~محمدا صادق ولكن إذا آمنا به فضلتنا بنو هاشم بالنبوة فنحن لا نؤمن به ~~أبدا، رويت هذه المقالة عن أبي جهل ومن جرى مجراه، وحكى النقاش أن الآية ~~نزلت في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، فإنه كان يكذب في العلانية ~~ويصدق في السر ويقول نخاف أن تتخطفنا العرب ونحن أكلة رأس والمعنى على ~~قراءة من قرأ «يكذبونك» بتخفيف الذال يحتمل ما ذكرناه أولا في «يكذبونك» أي ~~لا يجدونك كاذبا في حقيقتك ويحتمل هذين الوجهين اللذين ذكرت في «يكذبونك» ~~بشد الذال، وآيات الله علاماته وشواهد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويجحدون حقيقته في كلام العرب الإنكار بعد معرفة وهو ضد الإقرار، ومعناه ~~على تأويل من رأى الآية في المعاندين مترتب على حقيقته وهو قول قتادة ~~والسدي وغيرهما، وعلى قول من رأى أن الآية في الكفار قاطبة دون تخصيص أهل ~~العناد يكون في اللفظة تجوز وذلك أنهم لما أنكروا نبوته وراموا تكذيبه ~~بالدعوى التي لا تعضدها حجة عبر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار وهو الجحد ~~تغليظا عليهم وتقبيحا لفعلهم، إذ معجزاته وآياته نيرة يلزم كل مفطور أن ~~يعلمها ويقربها. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وجميع ما في هذه التأويلات من نفي ~~التكذيب إنما هو عن اعتقادهم، وأما أقوال جميعهم فمكذبة، إما له وإما للذي ~~جاء به. # قال القاضي أبو محمد: وكفر العناد جائز الوقوع بمقتضى النظر وظواهر ~~القرآن تعطيه، كقوله: # وجحدوا ms1154 بها واستيقنتها أنفسهم [النمل: 14] وغيرها، وذهب بعض المتكلمين ~~إلى المنع من جوازه، وذهبوا إلى أن المعرفة تقتضي الإيمان والجحد يقتضي ~~الكفر، ولا سبيل إلى اجتماعهما، وتأولوا ظواهر القرآن فقالوا في قوله ~~تعالى: وجحدوا بها [النمل: 14] إنها في أحكام التوراة التي بدلوها كآية ~~الرجم وغيرها. # قال القاضي أبو محمد: ودفع ما يتصور العقل ويعقل من جواز كفر العناد على ~~هذه الطريقة صعب أما أن كفر العناد من العارف بالله وبالنبوة بعيد لأنه لا ~~داعية إلى كفر العناد إلا الحسد ومن عرف الله والنبوة وأن محمدا يجيئه ملك ~~من السماء فلا سبيل إلى بقاء الحسد مع ذلك، أما أنه جائز فقد رأى أبو جهل ~~على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فحلا عظيما من الإبل قد هم بأبي جهل ~~ولكنه كفر مع ذلك، وأسند الطبري أن جبريل عليه السلام وجد النبي عليه ~~السلام حزينا فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقال: «إنهم لا يكذبونك» بل يعلمون ~~أنك صادق ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، والذي عندي في كفر حيي بن أخطب ~~ومن جرى مجراه أنهم كانوا يرون صفات النبي صلى الله عليه وسلم ويعرفونها أو ~~أكثرها ثم يرون من آياته زائدا على ما عندهم فيتعلقون في مغالطة أنفسهم بكل ~~شبهة بأضعف سبب، وتتخالج ظنونهم فيقولون مرة هو ذلك ومرة عساه ليسه، ثم ~~ينضاف إلى هذا حسدهم وفقدهم الرياسة، فيتزايد ويتمكن إعراضهم وكفرهم وهم ~~على هذا، وإن عرفوا أشياء وعاندوا فيها فقد قطعوا في ذلك بأنفسهم عن الوصول ~~إلى غاية المعرفة وبقوا في ظلمة الجهل فهم جاهلون بأشياء معاندون في أشياء ~~غيرها وأنا أستبعد العناد مع المعرفة التامة. PageV02P286 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 34 الى 35] # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) وإن كان كبر عليك إعراضهم ~~فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ms1155 الجاهلين (35) # هذه الآية تضمنت عرض الأسوة التي ينبغي الاقتداء بها على محمد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وترجيته أن يأتيه مثل ما أتاهم من النصر إذا امتثل ما ~~امتثلوه من الصبر، قال الضحاك وابن جريج: # عزى الله بهذه الآية نبيه، وروي عن ابن عامر أنه قرأ «وأذوا» بغير واو ~~بعد الهمزة، ثم قوى ذلك الرجاء بقوله: ولا مبدل لكلمات الله أي لا راد ~~لأمره وكلماته السابقات بما يكون ولا مكذب لما أخبر به، فكأن المعنى فاصبر ~~كما صبروا وانتظر ما يأتي وثق بهذا الإخبار فإنه لا مبدل له، فالقصد هنا ~~هذا الخبر وجاء اللفظ عاما جميع كلمات الله السابقات، وأما كلام الله عز ~~وجل في التوراة والإنجيل فمذهب ابن عباس أنه لا مبدل لها وإنما حرفها ~~اليهود بالتأويل لا ببدل حروف وألفاظ، وجوز كثير من العلماء أن يكونوا ~~بدلوا الألفاظ لأنهم استحفظوها وهو الأظهر، وأما القرآن فإن الله تعالى ~~تضمن حفظه فلا يجوز فيه التبديل، قال الله تعالى: وإنا له لحافظون [الحجر: ~~9] وقال في أولئك بما استحفظوا من كتاب الله [المائدة: 44] وقوله تعالى: ~~ولقد جاءك من نبإ المرسلين أي فيما أنزلناه وقصصناه عليك ما يقضي هذا الذي ~~أخبرناك به، وفاعل جاءك مضمر على ما ذهب إليه الطبري والرماني، تقديره ولقد ~~جاءك نبأ أو أنباء. # قال القاضي أبو محمد: والثواب عندي في المعنى أن يقدر جلاء أو بيان، وقال ~~أبو علي الفارسي: # قوله من نبإ المرسلين، في موضع رفع ب «جاء» ، ودخل حرف الجر على الفاعل، ~~وهذا على مذهب الأخفش في تجويزه دخول من في الواجب، ووجه قول الرماني أن من ~~لا تزاد في الواجب، وقوله تعالى: وإن كان كبر عليك إعراضهم الآية، آية فيها ~~إلزام الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أن لا ~~وجه إلا الصبر والمضي لأمر الله تعالى، والمعنى إن كنت تعظم تكذيبهم وكفرهم ~~على نفسك وتلتزم الحزن عليه فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق الأرض أو ~~على ارتقاء سلم ms1156 في السماء فدونك وشأنك به، أي إنك لا تقدر على شيء من هذا، ~~ولا بد لك من التزام الصبر واحتمال المشقة ومعارضتهم بالآيات التي نصبها ~~الله تعالى للناظرين المتأملين، إذ هو لا إله إلا هو لم يرد أن يجمعهم على ~~الهدى، وإنما أراد أن ينصب من الآيات ما يهتدي بالنظر فيه قوم ويضل آخرون، ~~إذ خلقهم على الفطرة وهدى السبيل وسبقت رحمته غضبه، وله ذلك كله بحق ملكه ~~فلا تكونن من الجاهلين في أن تأسف وتحزن على أمر أراده الله وأمضاه وعلم ~~المصلحة فيه. PageV02P287 # قال القاضي أبو محمد: وهذا أسلوب معنى الآية، واسم كان يصح أن يكون الأمر ~~والشأن وكبر عليك إعراضهم خبرها، ويصح أن يكون إعراضهم هو اسم كان ويقدر في ~~كبر ضمير وتكون كبر في موضع الخبر، والأول من الوجهين أقيس، والنفق السرب ~~في الأرض ومنه نافقاء اليربوع، والسلم الشيء الذي يصعد عليه ويرتقى، ويمكن ~~أن يشتق اسمه من السلامة لأنه سببها وجمعه سلاليم، ومنه قول الشاعر [ابن ~~مقبل] : [البسيط] # لا يحزن المرء أحجاء البلاد ولا ... تبنى له في السماوات السلاليم # وفتأتيهم بآية أي بعلامة، ويريد إما في فعلك ذلك أي تكون الآية نفس دخولك ~~في الأرض أو ارتقائك في السماء، وإما أن «تأتيهم بالآية» من إحدى الجهتين، ~~وحذف جواب الشرط قبل في قوله فإن استطعت إيجاز لفهم السامع به، تقديره ~~فافعل أو فدونك كما تقدم، ولجمعهم يحتمل إما بأن يخلقهم مؤمنين، وإما بأن ~~يكسبهم الإيمان بعد كفرهم بأن يشرح صدورهم، والهدى الإرشاد، وهذه الآية ترد ~~على القدرية المفوضة الذين يقولون إن القدرة لا تقتضي أن يؤمن الكافر وإن ~~ما يأتيه الإنسان من جميع أفعاله لا خلق لله فيه تعالى عن قولهم، ومن ~~الجاهلين يحتمل في أن لا يعلم أن الله لو شاء الله لجمعهم ويحتمل في أن ~~تهتم بوجود كفرهم الذي قدره وأراده، وتذهب به لنفسك إلى ما لم يقدر الله ~~به، يظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تكونن من ~~الجاهلين ms1157 وبين قوله لنوح عليه السلام إني أعظك أن تكون من الجاهلين [هود: ~~46] وقد تقرر أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، قال مكي والمهدي: ~~والخطاب بقوله فلا تكونن من الجاهلين للنبي عليه السلام والمراد به أمته، ~~وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: وقر نوح لسنه وشيبته، وقال قوم: جاء ~~الحمل أشد على محمد صلى الله عليه وسلم لقربه من الله تعالى ومكانته عنده ~~كما يحمل العاقب على قريبه أكثر من حمله على الأجانب. # قال القاضي أبو محمد: والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجىء بحسب ~~النبيين وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما وبين ~~أن الأمر الذي نهى عنه محمد صلى الله عليه وسلم أكبر قدرا وأخطر مواقعة من ~~الأمر الذي واقعه نوح صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 36 الى 38] # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) ~~وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) # هذا من النمط المتقدم في التسلية أي لا تحفل بمن أعرض فإنما يستجيب لداعي ~~الإيمان الذين يقيمون الآيات ويتلقون البراهين بالقبول، فعبر عن ذلك كله ب ~~يسمعون إذ هو طريق العلم بالنبوة والآيات PageV02P288 # المعجزة، وهذه لفظة تستعملها الصوفية إذا بلغت الموعظة من أحد مبلغا ~~شافيا قالوا سمع، ثم قال تعالى: والموتى يريد الكفار، فعبر، عنهم بضد ما ~~عبر عن المؤمنين وبالصفة التي تشبه حالهم في العمى عن نور الله تعالى ~~والصمم عن وعي كلماته، قاله مجاهد وقتادة والحسن، ويبعثهم الله يحتمل ~~معنيين قال الحسن معناه «يبعثهم الله» بأن يؤمنوا حين يوقفهم. # قال القاضي أبو محمد: فتجيء الاستعارة في هذا التأويل، في الوجهين في ~~تسميتهم موتى وفي تسمية إيمانهم وهدايتهم بعثا، والواو على هذا مشركة في ms1158 ~~العامل عطفت الموتى على الذين، ويبعثهم الله في موضع الحال، وكأن معنى ~~الآية إنما يستجيب الذين يرشدون حين يسمعون فيؤمنون والكفار حين يرشدهم ~~الله بمشيئته، فلا تتأسف أنت ولا تستعجل ما لم يقدر، وقرأ الحسن «ثم إليه ~~يرجعون» فتناسبت الآية، وقال مجاهد وقتادة: والموتى يريد الكفار، أي هم ~~بمثابة الموتى حين لا يرون هدى ولا يسمعون فيعون، ويبعثهم الله أي: يحشرهم ~~يوم القيامة ثم إليه أي إلى سطوته وعقابه يرجعون، وقرأت هذه الطائفة يرجعون ~~بياء والواو على هذا عاطفة جملة كلام على جملة، والموتى مبتدأ ويبعثهم الله ~~خبره، فكأن معنى الآية إنما يستجيب الذين يسمعون فيعون والكفار سيبعثهم ~~الله ويردهم إلى عقابه، فالآية على هذا متضمنة الوعيد للكفار، والعائد على ~~الذين هو الضمير في يسمعون، والضمير في قالوا عائد على الكفار، ولولا تحضيض ~~بمعنى هلا، قال الشاعر [جرير] : [الطويل] # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # ومعنى الآية هلا أنزل على محمد بيان واضح لا يقع معه توقف من أحد كملك ~~يشهد له أو أكثر أو غير ذلك من تشططهم المحفوظ في هذا، فأمر عليه السلام ~~بالرد عليهم بأن الله عز وجل له القدرة على إنزال تلك الآية، ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون أنها لو نزلت ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب، ويحتمل ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون أن الله تعالى إنما جعل المصلحة في آيات معرضة للنظر والتأمل ليهتدي ~~قوم ويضل آخرون، وقوله تعالى: وما من دابة الآية، المعنى في هذه الآية ~~التنبيه على آيات الله الموجودة في أنواع مخلوقاته، أي قل لهم إن الله قادر ~~على أن ينزل آية إلا أنكم لا تعلمون وجه الحكمة في أن لا ينزل آية مجهزة ~~وإنما يحيل على الآيات المنصوبة لمن فكر واعتبر كالدواب والطير التي قد ~~حصرت جميع الحيوان، وهي أمم أي جماعات مماثلة للناس في الخلق والرزق ~~والحياة والموت والحشر، ويحتمل أن يريد بالمماثلة أنها في كونها أمما لا ~~غير كما تريد بقولك مررت برجل مثلك أي في رجل، ويصح في ms1159 غير ذلك من الأوصاف ~~إلا أن الفائدة في هذه الآية، إنما تقع بأن تكون المماثلة في أوصاف غير ~~كونها أمما، قال الطبري وغيره: # والمماثلة في أنها يهتبل بأعمالها وتحاسب ويقتص لبعضها من بعض على ما روي ~~في الأحاديث، أي: فإذا كان يفعل هذا بالبهائم فأنتم أحرى إذ أنتم مكلفون ~~عقلاء وروى أبو ذر أنه انتطحت عنزان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أتعلمون فيم انتطحتا؟ قلنا لا: قال: فإن الله يعلم وسيقضي بينهما، وقد قال ~~مكي في المماثلة في أنها تعرف الله تعالى وتعبده، وهذا قول خلف ودابة وزنها ~~فاعلة وهي صفة وضعت موضع الاسم كما قالوا الأعرج والأبرق، وأزيل منه معنى ~~الصفة وليست بالصفة الغالبة في قولنا العباس PageV02P289 # والحارث لأن معنى الصفة باق في الصفة الغالبة، وقرأت طائفة «ولا طائر» ~~عطفا على اللفظ وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «ولا طائر» بالرفع عطفا على ~~المعنى، وقرأت فرقة «ولا طير» وهو جمع «طائر» وقوله: بجناحيه تأكيد وبيان ~~وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة فقد يقال «طائر» السعد والنحس. # وقوله تعالى: # ألزمناه طائره في عنقه أي عمله، ويقال: «طار لفلان طائر» كذا أي سهمه في ~~المقتسمات، فقوله تعالى بجناحيه إخراج للطائر عن هذا كله، وقرأ علقمة وابن ~~هرمز «فرطنا في الكتاب» بتخفيف الراء والمعنى واحد، وقال النقاش معنى ~~«فرطنا» مخففة أخرنا كما قالوا فرط الله عنك المرض أي أزاله، والأول أصوب، ~~والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على ترك التقصير والكتاب القرآن وهو ~~الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات، وقيل اللوح المحفوظ، ومن شيء على ~~هذا القول عام في جميع الأشياء، وعلى القول بأنه قرآن خاص في الأشياء التي ~~فيها منافع للمخاطبين وطرائق هدايتهم، ويحشرون قالت فرقة حشر البهائم ~~موتها، وقالت فرقة حشرها بعثها، واحتجوا بالأحاديث المضمنة أن الله تعالى ~~يقتص للجماء من القرناء، إنما هي كناية عن العدل وليست بحقيقة فهو قول ~~مردود ينحو إلى القول بالرموز ونحوها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 39 الى 41] # والذين كذبوا ms1160 بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء وتنسون ما تشركون (41) # كأنه قال وما من دابة ولا طائر ولا شيء إلا فيه آية منصوبة على وحدانية ~~الله تعالى، ولكن الذين كذبوا صم وبكم لا يتلقون ذلك ولا يقبلونه، وظاهر ~~الآية أنها تعم كل مكذب، وقال النقاش نزلت في بني عبد الدار. # قال القاضي أبو محمد: ثم انسحبت على سواهم، ثم بين أن ذلك حكم من الله عز ~~وجل بمشيئته في خلقه فقال مبتدئا الكلام من يشأ الله يضلله شرط وجوابه، ~~وقوله: في الظلمات ينوب عن «عمي» ، وفي الظلمات أهول عبارة وأفصح وأوقع في ~~النفس، والصراط الطريق الواضح. # وقوله تعالى: قل أرأيتكم الآية، ابتداء احتجاج على الكفار الجاعلين لله ~~شركاء، والمعنى أرأيتم إذا خفتم عذاب الله أو خفتم هلاكا أو خفتم الساعة ~~أتدعون أصنامكم وتلجئون إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها ~~آلهة؟ بل تدعون الله الخالق الرزاق فيكشف ما خفتموه إن شاء وتنسون أصنامكم ~~أي تتركونهم، فعبر عن الترك بأعظم وجوهه الذي هو مع الترك ذهول وإغفال، ~~فكيف يجعل إلها من هذه حاله في الشدائد والأزمات؟ وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو ~~عمرو وابن عامر وحمزة «أرأيتكم» بألف مهموزة على الأصل، لأن الهمزة عين ~~الفعل، وقرأ نافع بتخفيف الهمزة بين على عرف التخفيف وقياسه، وروي عنه أنه PageV02P290 # قرأها بألف ساكنة وحذف الهمزة، وهذا تخفيف على غير قياس، والكاف في ~~أرأيتك زيدا و «أرأيتكم» ليست باسم وإنما هي مجردة للخطاب كما هي في ذلك، ~~وأبصرك زيدا ونحوه، ويدل على ذلك أن رأيت بمعنى العلم، إنما تدخل على ~~الابتداء والخبر، فالأول من مفعوليها هو الثاني بعينه، والكاف في أرأيتك ~~زيدا ليست المفعول الثاني كقوله تعالى: أرأيتك هذا الذي كرمت علي [الإسراء: ~~62] فإذا لم تكن اسما صح أنها مجردة للخطاب ms1161 وإذا تجردت للخطاب صح أن التاء ~~ليست للخطاب كما هي في أنت لأن علامتي خطاب لا تجتمعان على كلمة كما لا ~~تجتمع علامتا تأنيث ولا علامتا استفهام فلما تجردت التاء من الخطاب وبقيت ~~علامة الفاعل فقط استغني عن إظهار تغيير الجمع فيها والتأنيث لظهور ذلك في ~~الكاف وبقيت التاء على حد واحد في الإفراد والتثنية والجمع والتأنيث وروي ~~عن بعض بني كلاب أنه قال: أتعلمك كان أحد أشعر من ذي الرمة، فهذه الكاف صلة ~~في الخطاب وأتاكم عذاب الله معناه أتاكم خوفه وأماراته وأوائله مثل الجدب ~~والبأساء والأمراض ونحوها التي يخاف منها الهلاك، ويدعو إلى هذا التأويل ~~أنا لو قدرنا إتيان العذاب وحلوله لم يترتب أن يقول بعد ذلك فيكشف ما تدعون ~~لأن ما قد صح حلوله ومضى على البشر لا يصح كشفه، ويحتمل أن يراد ب الساعة ~~في هذه الآية موت الإنسان، وقوله تعالى: بل إياه تدعون الآية، المعنى بل لا ~~ملجأ لكم إلا الله، وأصنامكم مطرحة منسية، وما بمعنى الذي تدعون إليه من ~~أجله، ويصح أن تكون ما ظرفية، ويصح أن تكون مصدرية على حذف في الكلام، قال ~~الزجاج هو مثل وسئل القرية [يوسف: 82] والضمير في إليه يحتمل أن يعود إلى ~~الله تعالى بتقدير فيكشف ما تدعون إليه، وإن شاء استثناء لأن المحنة إذا ~~أظلت عليهم فدعوا إليه في كشفها وصرفها فهو لا إله إلا هو كاشف إن شاء ~~ومصيب إن شاء لا يجب عليه شيء، وتقدم معنى تنسون وإياه اسم مضمر أجري مجرى ~~المظهرات في أنه يضاف أبدا، وقيل هو مبهم وليس بالقوي لأن الأسماء المبهمة ~~مضمنة الإشارة إلى حاضر نحو ذاك وتلك وهؤلاء، و «ايا» ليس فيه معنى ~~الإشارة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 42 الى 45] # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ~~(42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا ms1162 بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) # في الكلام حذف يدل عليه الظاهر تقديره فكذبوا فأخذناهم، ومعناه لازمناهم ~~وتابعناهم الشيء بعد الشيء، «البأساء» المصائب في الأموال، والضراء في ~~الأبدان، هذا قول الأكثر، وقيل قد يوضع كل واحد بدل الآخر، ويؤدب الله ~~تعالى عباده بالبأساء والضراء، ومن هنالك أدب العباد نفوسهم بالبأساء في ~~تفريق المال، والضراء في الحمل على البدن في جوع وعري، والترجي في «لعل» في ~~هذا الموضع إنما هو على معتقد البشر أي لو رأى أحد ذلك لرجا تضرعهم بسببه، ~~والتضرع التذلل والاستكانة، وفي المثل PageV02P291 # أن الحمى أضرعتني لك، ومعنى الآية توعد الكفار وضرب المثل لهم، و «لولا» ~~تحضيض، وهي التي تلي الفعل بمعنى هلا، وهذا على جهة المعاتبة لمذنب غائب ~~وإظهار سوء فعله مع تحسر ما عليه، والمعنى إذ جاءهم أوائل البأس وعلاماته ~~وهو تردد البأساء والضراء، وقست معناه صلبت وهي عبارة عن الكفر ونسب ~~التزيين إلى الشيطان وقد قال تعالى في آية أخرى كذلك زينا لكل أمة عملهم ~~[الأنعام: 108] لأن تسبب الشيطان ووسوسته تجلب حسن الفكر في قلوبهم، وذلك ~~المجلوب الله يخلقه، فإن نسب إلى الله تعالى فبأنه خالقه وإلى الشيطان ~~فبأنه مسببه. # وقوله تعالى: # فلما نسوا الآية، عبر عن الترك بالنسيان إذا بلغ وجوه الترك الذي يكون ~~معه نسيان وزوال المتروك عن الذهن، وقرأ ابن عامر فيما روي عنه «فتحنا» ~~بتشديد التاء، وكل شيء معناه مما كان سد عليهم بالبأساء والضراء من النعم ~~الدنياوية، فهو عموم معناه خصوص، وفرحوا معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا ~~أن ذلك لا يبيد وأنه دال على رضى الله عنهم، وهو استدراج من الله تعالى، ~~وقد روي عن بعض العلماء أنه قال: رحم الله عبدا تدبر هذه الآية حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وقال محمد بن النضر الحارثي: أمهل القوم ~~عشرين سنة، وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم ~~الله يعطي العباد ما يشاؤون على ms1163 معاصيهم فذلك استدراج ثم تلا فلما نسوا ~~الآية كلها، وفأخذناهم في هذا الموضع معناه استأصلناهم وسطونا بهم، وبغتة ~~معناه فجأة، والعامل فيه أخذناهم، وهو مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه عند ~~سيبويه، و «المبلس» الحزين الباهت اليائس من الخير الذي لا يحير جوابا لشدة ~~ما نزل به من سوء الحال، وقوله تعالى: فقطع دابر القوم الآية، «الدابر» آخر ~~الأمر الذي يدبره أي يأتي من خلفه، ومنه قول الشاعر [أمية بن أبي الصلت] ~~[البسيط] # فأهلكوا بعذاب حص دابرهم ... فما استطاعوا له دفعا ولا انتصروا # وقول الآخر: [الطويل] # وقد زعمت عليا بغيض ولفها ... بأني وحيد قد تقطع دابري # وهذه كناية عن استئصال «شأفتهم» ومحو آثارهم كأنهم وردوا العذاب حتى ورد ~~آخرهم الذي دبرهم وقرأ عكرمة «فقطع» بفتح القاف والطاء «دابر» بالنصب، وحسن ~~الحمد عقب هذه الآية لجمال الأفعال المتقدمة في أن أرسل الرسل وتلطف في ~~الأخذ بالبأساء والضراء ليتضرع إليه فيرحم وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر ~~الظلمة، وذلك حسن في نفسه ونعمة على المؤمنين فحسن الحمد يعقب هذه الأفعال، ~~وبحمد الله ينبغي أن يختم كل فعل وكل مقالة لا رب غيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 46 الى 49] # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) وما نرسل المرسلين ~~إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين ~~كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) PageV02P292 # هذا ابتداء احتجاج على الكفار، وأخذ الله معناه أذهبه وانتزعه بقدرته، ~~ووحد السمع لأنه مصدر مفرد يدل على جمع، والضمير في به عائد على المأخوذ، ~~وقيل على السمع، وقيل على الهدى الذي يتضمنه المعنى، وقرأ الأعرج وغيره «به ~~انظر» بضم الهاء، ورواها المسيبي وأبو وجزة عن نافع، ويصدفون معناه يعرضون ~~وينفرون، ومنه قول الشاعر: [البسيط] # إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه ms1164 ... وهن عن كل سوء يتقى صدقا # قال النقاش: في الآية دليل على تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا، ثم ~~احتج لذلك بقوله: # إنما يستجيب الذين يسمعون [الأنعام: 36] وبغير ذلك، والاستفهام في قوله: ~~من إله معناه التوقيف، أي ليس ثمة إله سواه فما بال تعلقكم بالأصنام ~~وتمسككم بها وهي لا تدفع ضررا ولا تأتي بخير، وتصريف الآيات هو نصب العبر ~~ومجيء آيات القرآن بالإنذار والاعذار والبشارة ونحوه وقوله تعالى: قل ~~أرأيتكم الآية، وعيد وتهديد، وبغتة معناه لا يتقدم عندكم منها علم وجهرة ~~معناه: تبدو لكم مخايله ومباديه ثم تتوالى حتى تنزل، قال الحسن بن أبي ~~الحسن: بغتة ليلا وجهرة نهارا، قال مجاهد: بغتة فجأة آمنين وجهرة وهم ~~ينظرون، وقرأ ابن محيصن «هل يهلك» على بناء الفعل للفاعل، والمعنى هل ~~تهلكون ألا أنتم لأن الظلم قد تبين في حيزكم، وهل ظاهرها الاستفهام ومعناها ~~التسوية المضمنة للنفي ولا تكون التسوية بها إلا في النفي، وتكون بالألف في ~~نفي وفي إيجاب، وقوله تعالى: وما نرسل المرسلين الآية، المعنى إنما نرسل ~~الأنبياء المخصوصين بالرسالة ليبشروا بإنعامنا ورحمتنا لمن آمن وينذروا ~~بعذابنا وعقابنا من كذب وكفر، ولسنا نرسلهم ليقترح عليهم الآيات ويتابعوا ~~شذوذ كل متعسف متعمق، ثم وعد من سلك طريق البشارة فآمن وأصلح في امتثال ~~الطاعات، وأوعد الذين سلكوا طريق النذارة فكذب بآيات الله، وفسق أي خرج عن ~~الحد في كفرانه وعصيانه، وقال ابن زيد: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب، ~~ذكره عنه الطبري مسندا ويمسهم أي يباشرهم ويلصق بهم، وقرأ الحسن والأعمش ~~العذاب بما # بإدغام الباء في الباء، ورويت عن أبي عمرو، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش ~~«يفسقون» بكسر السين وهي لغة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 50 الى 51] # قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) وأنذر ~~به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ms1165 لعلهم ~~يتقون (51) # هذا من الرد على القائلين لولا أنزل عليه آية والطالبين أن ينزل ملك أو ~~تكون له جنة أو أكثر أو نحو PageV02P293 # هذا، والمعنى: لست بهذه الصفات فيلزمني أن أجيبكم باقتراحاتكم، وقوله لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب يحتمل معنيين أظهرهما أن يريد أنه ~~بشر لا شيء عنده من خزائن الله ولا من قدرته ولا يعلم شيئا مما غيب عنه، ~~والآخر أنه ليس بإله فكأنه قال لا أقول لكم إني أتصف بأوصاف إله في أن عندي ~~خزائنه وأني أعلم الغيب، وهذا هو قول الطبري وتعطي قوة اللفظ في هذه الآية ~~الملك أفضل من البشر، وليس ذلك بلازم من هذا الموضع، وإنما الذي يلزم منه ~~أن الملك أعظم موقعا في نفوسهم وأقرب إلى الله، والتفضيل يعطيه المعنى عطاء ~~خفيا وهو ظاهر من آيات أخر، وهي مسألة خلاف، وما يوحى يريد القرآن وسائر ما ~~يأتي به الملك، أي وفي ذلك عبر وآية لمن تأمل ونظر، وقوله تعالى قل هل ~~يستوي الآية، أي قل لهم إنه لا يستوي الناظر المفكر في الآيات أو المعرض ~~الكافر المهمل للنظر، فالأعمى والبصير مثالان للمؤمن والكافر، أي ففكروا ~~أنتم وانظروا وجاء الأمر بالفكرة في عبارة العرض والتحضيض وأنذر عطف على ~~قل، والنبي عليه السلام مأمور بإنذار جميع الخلائق، وإنما وقع التحضيض هنا ~~بحسب المعنى الذي قصد، وذلك أن فيما تقدم من الآيات نوعا من اليائس في ~~الأغلب عن هؤلاء الكفرة الذين قد قال فيهم أيضا أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون [البقرة: 6، يس: 10] فكأنه قيل له هنا: قل لهؤلاء الكفرة المعرضين ~~كذا ودعهم ورأيهم لأنفسهم وأنذر بالقرآن هؤلاء الآخرين الذين هم مظنة ~~الإيمان وأهل للانتفاع، ولم يرد أنه لا ينذر سواهم، بل الإنذار العام ثابت ~~مستقر، والضمير في به عائد على ما يوحى «ويخافون» على بابها في الخوف أي ~~الذين يخافون ما تحققوه من أن يحشروا ويستعدون لذلك، ورب متحقق لشيء مخوف ~~وهو لقلة النظر والحزم لا يخافه ولا يستعد له. # قال القاضي ms1166 أبو محمد: وقال الطبري: وقيل يخافون هنا بمعنى يعلمون، وهذا ~~غير لازم وقوله الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم يعم بنفس اللفظ كل مؤمن ~~بالبعث من مسلم ويهودي ونصراني، وقوله ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع يحتمل ~~معنيين فإن جعلناه داخلا في الخوف في موضع نصب على الحال أي يخافون أن ~~يحشروا في حال من لا ولي له ولا شفيع، فهي مختصة بالمؤمنين المسلمين ولأن ~~اليهود والنصارى يزعمون أن لهم شفعاء وأنهم أبناء الله ونحو هذا من ~~الأباطيل، وإن جعلنا قوله: # ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع إخبارا من الله تعالى عن صفة الحال يومئذ ~~فهي عامة للمسلمين وأهل الكتاب ولعلهم يتقون ترج على حسب ما يرى البشر ~~ويعطيه نظرهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 52 الى 53] # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين (53) # المراد ب الذين ضعفة المؤمنين في ذلك الوقت في أمور الدنيا بلال وعمار ~~وابن أم عبد ومرثد الغنوي وخباب وصهيب وصبيح وذو الشمالين والمقداد ونحوهم ~~وسبب الآية أن الكفار قال بعضهم للنبي PageV02P294 # صلى الله عليه وسلم: نحن لشرفنا وأقدارنا لا يمكننا أن نختلط بهؤلاء، فلو ~~طردتهم لاتبعناك وجالسناك، ورد في ذلك حديث عن ابن مسعود، وقيل: إنما قال ~~هذه المقالة أبو طالب على جهة النصح للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: لو ~~أزلت هؤلاء لاتبعك أشراف قومك وروي أن ملأ قريش اجتمعوا إلى أبي طالب في ~~ذلك، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فصوب هذا الرأي من أبي طالب ~~عمر بن الخطاب وغيره من المؤمنين فنزلت الآية، وقال ابن عباس: إن بعض ~~الكفار إنما طلب أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول في الصلاة، ويكونون هم ~~موضعهم، ويؤمنون إذا طرد هؤلاء من الصف الأول فنزلت الآية، أسند الطبري إلى ms1167 ~~خباب بن الأرت أن الأقرع بن حابس ومن شابهه من أشراف العرب قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم اجعل لنا منك مجلسا، لا يخالطنا فيه العبيد والحلفاء، واكتب ~~لنا كتابا، فهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فنزلت هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بعيد في نزول الآية، لأن الآية مكية ~~وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم ~~ولكنه إن كان وقع فبعد نزول الآية بمدة اللهم إلا تكون الآية مدنية، قال ~~خباب رضي الله عنه: ثم نزلت وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ~~[الأنعام: 54] الآية فكنا نأتي فيقول لنا: سلام عليكم ونقعد معه، فإذا أراد ~~يقوم قام وتركنا، فأنزل الله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم [الكهف: 28] ~~الآية فكان يقعد معنا، فإذا بلغ الوقت الذي يقوم فيه قمنا وتركناه حتى يقوم ~~ويدعون ربهم بالغداة والعشي قال الحسن بن أبي الحسن المراد به صلاة مكة ~~التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشيا وقيل: بل قوله: بالغداة والعشي عبارة ~~عن استمرار الفعل وأن الزمن معمور به، كما تقول: الحمد لله بكرة وأصيلا، ~~فإنما تريد الحمد لله في كل وقت والمراد على هذا التأويل قيل، هو الصلوات ~~الخمس، قاله ابن عباس وإبراهيم، وقيل الدعاء وذكر الله واللفظة على وجهها ~~وقال بعض القصاص: إنه الاجتماع إليهم غدوة وعشيا فأنكر ذلك ابن المسيب وعبد ~~الرحمن بن أبي عمرة وغيرهما وقالوا: إنما الآية في الصلوات في الجماعة، ~~وقيل: قراءة القرآن وتعلمه قاله أبو جعفر ذكره الطبري، وقيل العبادة قاله ~~الضحاك: وقرأ أبو عبد الرحمن ومالك بن دينار والحسن ونصر بن عاصم وابن عامر ~~«بالغدوة والعشي» ، وروي عن أبي عبد الرحمن «بالغدو» بغير هاء، وقرأ ابن ~~أبي عبلة «بالغدوات والعشيات» بألف فيهما على الجمع، وغدوة: معرفة لأنها ~~جعلت علما لوقت من ذلك اليوم بعينه وجاز إدخال الألف واللام عليها كما حكى ~~أبو زيد لقيته فينة غير مصروف والفينة بعد الفينة فألحقوا لام المعرفة ما ~~استعمل ms1168 معرفة، وحملا على ما حكاه الخليل أنه يقال: لقيته اليوم غدوة منونا، ~~ولأن فيها مع تعيين اليوم، إمكان تقدير معنى الشياع، ذكره أبو علي الفارسي ~~ووجهه في هذا الموضع معناه جهة التزلق إليه كما تقول خرج فلان في وجه كذا ~~أي في مقصد وجهة وما عليك من حسابهم من شيء معناه لم تكلف شيئا غير دعائهم ~~فتقدم أنت وتؤخر ويظهر يكون الضمير في حسابهم وعليهم للكفار الذين أرادوا ~~طرد المؤمنين، أي ما عليك منهم آمنوا ولا كفروا فتطرد هؤلاء رعيا لذلك، ~~والضمير في «تطردهم» عائد على الضعفة من المؤمنين، ويؤيد هذا التأويل أن ما ~~بعد الفاء أبدا سبب ما قبلها، وذلك لا يبين إذا كانت الضمائر كلها ~~للمؤمنين، وحكى الطبري أن الحساب هنا إنما هو في رزق الدنيا، أي لا ترزقهم ~~ولا يرزقونك. PageV02P295 # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا تجيء الضمائر كلها للمؤمنين، وذكره ~~المهدوي، وذكر عن الحسن أنه من حساب عملهم كما قال الجمهور، ومن الأولى ~~للتبعيض والثانية زائدة مؤكدة، وقوله: # فتطردهم جواب النفي في قوله: ما عليك وقوله: فتكون جواب النهي في قوله: ~~ما عليك وقوله: فتكون جواب النهي في قوله: ولا تطرد ومن الظالمين، معناه ~~يضعون الشيء غير مواضعه وقوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض الآية فتنا ~~معناه في هذه الآية: ابتلينا، فابتلاء المؤمنين بالمشركين هو ما يلقون منهم ~~من الأذى، وابتلاء المشركين بالمؤمنين هو أن يرى الرجل الشريف من المشركين ~~قوما لا شرف لهم قد عظمهم هذا الدين وجعل لهم عند نبيه قدرا ومنزلة، ~~والإشارة بذلك إلى ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة وليقولوا معناه ليصير ~~بحكم القدر أمرهم إلى أن يقولوا، فهي لام الصيرورة كما قال تعالى: فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8] أي ليصير مثاله أن يكون لهم عدوا ~~وقول المشركين على هذا التأويل أهؤلاء من الله عليهم من بيننا هو على جهة ~~الاستخفاف والهزء ويحتمل الكلام معنى آخر وهو أن تكون اللام في ليقولوا على ~~بابها في لام كي وتكون ms1169 المقالة منهم استفهاما لأنفسهم ومباحثة لها وتكون ~~سبب إيمان من سبق إيمانه منهم، فمعنى الآية على هذا التأويل وكذلك ابتلينا ~~أشراف الكفار بضعفاء المؤمنين ليتعجبوا في نفوسهم من ذلك ويكون سبب نظر لمن ~~هدي. # قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أسبق والثاني يتخرج، ومن على كلا ~~التأويلين إنما هي على معتقد المؤمنين، أي هؤلاء من الله عليهم بزعمهم أن ~~دينهم منة، وقوله أليس الله بأعلم بالشاكرين أي يا أيها المستخفون أو ~~المتعجبون على التأويل الآخر ليس الأمر أمر استخفاف ولا تعجب، فالله أعلم ~~بمن يشكر نعمته والمواضع التي ينبغي أن يوضع فيها فجاء إعلامهم بذلك في لفظ ~~التقدير إذ ذلك بين لا تمكنهم فيه معاندة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 54 الى 55] # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) ~~وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) # قال جمهور المفسرين: الذين يراد بهم القوم الذين كان عرض طردهم فنهى الله ~~عز وجل عن طردهم، وشفع ذلك بأن أمر بأن يسلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليهم ويؤنسهم، وقال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد الذين يراد بهم القوم من ~~المؤمنين الذين صوبوا رأي أبي طالب في طرد الضعفة فأمر الله نبيه أن يسلم ~~عليهم ويعلمهم أن الله يغفر لهم مع توبتهم من ذلك السوء وغيره، وأسند ~~الطبري عن ماهان أنه قال نزلت الآية في قوم من المؤمنين استفتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذنوب سلفت منهم فنزلت الآية بسببهم. # قال القاضي أبو محمد: وهي على هذا تعم جميع المؤمنين دون أن تشير إلى ~~فرقة، وقال الفضيل بن PageV02P296 # عياض: قال قوم للنبي صلى الله عليه وسلم إنا قد أصبنا ذنوبا فاستغفر لنا ~~فأعرض عنهم فنزلت الآية، وقوله بآياتنا يعم آيات القرآن وأيضا علامات ~~النبوة كلها، وسلام عليكم ابتداء والتقدير: سلام ثابت أو أوجب عليكم، ~~والمعنى: أمنة لكم من عذاب الله في ms1170 الدنيا والآخرة، وقيل المعنى أن الله ~~يسلم عليكم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى لا يقتضيه لفظ الآية حكاه المهدوي، ولفظه ~~لفظ الخبر وهو في معنى الدعاء، وهذا من المواضع التي جاز فيها الابتداء ~~بالنكرة إذ قد تخصصت، وكتب بمعنى أوجب، والله تعالى لا يجب عليه شيء عقلا ~~إلا إذا أعلمنا أنه قد حتم بشيء ما فذلك الشيء واجب، وفي: أين هذا الكتاب ~~اختلاف؟ قيل في اللوح المحفوظ، وقيل في كتاب غيره لقوله عليه السلام في ~~صحيح البخاري: # إن الله تعالى كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وقرأ ~~عاصم وابن عامر: «أنه» بفتح الهمزة في الأولى والثانية، ف «أنه» الأولى بدل ~~من الرحمة و «أنه» الثانية خبر ابتداء مضمر تقديره: # فأمره أنه غفور رحيم، هذا مذهب سيبويه وقال أبو حاتم «فإنه» ابتداء ولا ~~يجوز هذا عند سيبويه، وقال النحاس: هي عطف على الأولى وتكرير لها لطول ~~الكلام، قال أبو علي. ذلك لا يجوز لأن من لا يخلو أن تكون موصولة بمعنى ~~الذي فتحتاج إلى خبر أو تكون شرطية فتحتاج إلى جواب، وإذا جعلنا «فأنه» ~~تكريرا للأولى عطفا عليها بقي المبتدأ بلا خبر أو الشرط بلا جواب، قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «إنه» بكسر الهمزة في الأولى والثانية، وهذا ~~على جهة التفسير للرحمة في الأولى والقطع فيها، وفي الثانية إما في موضع ~~الخبر أو موضع جواب الشرط وحكم ما بعد الفاء إنما هو الابتداء، وقرأ نافع ~~بفتح الأولى وكسر الثانية، وهذا على أن أبدل من الرحمة واستأنف بعد الفاء، ~~وقرأت فرقة بكسر الأولى وفتح الثانية حكاه الزهراوي عن الأعرج وأظنه وهما، ~~لأن سيبويه حكاه عن الأعرج مثل قراءة نافع، وقال أبو عمرو الداني: قراءة ~~الأعرج ضد قراءة نافع، و «الجهالة» في هذا الموضع تعم التي تضاد العلم ~~والتي تشبه بها، وذلك أن المتعمد لفعل الشيء الذي قد نهي عنه تشمل معصيته ~~تلك جهالة، إذ قد فعل ما يفعله الذي لم يتقدم له علم، قال مجاهد: ms1171 من ~~الجهالة أن لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته أن يركب الأمر، ومن هذا الذي ~~لا يضاد العلم قول النبي عليه السلام في استعاذته «أو أجهل أو يجهل علي» ، ~~ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم] : [الوافر] # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # والجهالة المشبهة ليست بعذر في الشرع جملة والجهالة الحقيقية يعذر بها في ~~بعض ما يخف من الذنوب ولا يعذر بها في كبيرة، و «التوبة» الرجوع، وصحتها ~~مشروطة باستدامة الإصلاح بعدها في الشيء الذي تيب منه، والإشارة بقوله ~~وكذلك إلى ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين وبيان فساد منزع العارضين ~~لذلك، وتفصيل الآيات تبيينها وشرحها وإظهارها، واللام في قوله ولتستبين ~~متعلقة بفعل مضمر تقديره ولتستبين سبيل المجرمين فصلناها، وقرأ نافع: ~~«ولتستبين» بالتاء أي النبي صلى الله عليه وسلم، «سبيل» بالنصب حكاه مكي في ~~المشكل له، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: «ولتستبين ~~سبيل المجرمين» برفع السبيل وتأنيثها، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة ~~والكسائي PageV02P297 # «وليستبين سبيل» برفع السبيل وتذكيرها، وعرب الحجاز تؤنث السبيل، وتميم ~~وأهل نجد يذكرونها، وخص سبيل المجرمين لأنهم الذين أثاروا ما تقدم من ~~الأقوال وهم أهم في هذا الموضع لأنها آيات رد عليهم، وأيضا فتبيين سبيلهم ~~يتضمن بيان سبيل المؤمنين، وتأول ابن زيد أن قوله المجرمين يعني به الآمرون ~~بطرد الضعفة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 56 الى 58] # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما ~~تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قل لو أن ~~عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) # أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يجاهرهم بالتبري مما هم فيه وأن أعبد ~~هو بتأويل المصدر التقدير عن عبادة، ثم حذف الجار فتسلط الفعل ثم وضع أن ~~أعبد ms1172 موضع المصدر، وعبر عن الأصنام ب الذين على زعم الكفار حين أنزلوها ~~منزلة من يعقل، وتدعون معناه تعبدون، ويحتمل أن يريد تدعون في أموركم وذلك ~~من معنى العبادة واعتقادها آلهة وقرأ جمهور الناس «قد ضللت» بفتح اللام، ~~قرأ يحيى بن وثاب وأبو عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف: «ضللت» بكسرها، ~~وهما لغتان وإذا في هذا الموضع متوسطة وما بعدها معتمد على ما قبلها فهي ~~غير عاملة إلا أنها تتضمن معنى الشرط فهي بتقدير إن فعلت ذلك ف أهواءكم جمع ~~هوى وهو الإرادة المحبة في المرديات من الأمور هذا غالب استعمال الهوى وقد ~~تقدم، وقوله تعالى: قل إني على بينة من ربي الآية، هذه الآية تماد في إيضاح ~~مباينته لهم، والمعنى قل إني على أمر بين فحذف الموصوف ثم دخلت هاء ~~المبالغة كقوله عز وجل: بل الإنسان على نفسه بصيرة # [القيامة: 14] ويصح أن تكون الهاء في بينة مجردة للتأنيث، ويكون بمعنى ~~البيان، كما قال ويحيى من حي عن بينة [الأنفال: 42] والمراد بالآية أني ~~أيها المكذبون في اعتقادي ويقيني وما حصل في نفسي من العلم على بينة من ربي ~~وكذبتم به الضمير في به عائد على بين في تقدير هاء المبالغة أو على البيان ~~التي هي بينة بمعناه في التأويل الآخر، أو على الرب، وقيل على القرآن وهو ~~وإن لم يتقدم له ذكر جلي فإنه بعض البيان الذي منه حصل الاعتقاد واليقين ~~للنبي عليه السلام، فيصح عود الضمير عليه. # قال القاضي أبو محمد: وللنبي عليه السلام أمور أخر غير القرآن وقع له ~~العلم أيضا من جهتها كتكليم الحجارة له ورؤيته للملك قبل الوحي وغير ذلك، ~~وقال بعض المفسرين الضمير في به عائد على ما والمراد بها الآيات المقترحة ~~على ما قال بعض المفسرين، وقيل المراد بها العذاب، وهذا يترجح بوجهين: ~~أحدهما من جهة المعنى وذلك أن قوله وكذبتم به يتضمن أنكم واقعتم ما ~~تستوجبون به العذاب إلا أنه ليس عندي، والآخر من جهة اللفظ وهو الاستعجال ~~الذي لم يأت في القرآن استعجالهم ms1173 إلا PageV02P298 # العذاب لأن اقتراحهم بالآيات لم يكن باستعجال، وقوله: إن الحكم إلا لله ~~أي القضاء والإنفاذ يقص الحق أي يخبر به، والمعنى يقص القصص الحق، وهذه ~~قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عباس، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن ~~عامر «يقضي الحق» أي ينفذه، وترجع هذه القراءة بقوله الفاصلين لأن الفصل ~~مناسب للقضاء، وقد جاء أيضا الفصل والتفصيل مع القصص، وفي مصحف عبد الله بن ~~مسعود «وهو أسرع الفاصلين» ، قال أبو عمرو الداني: وقرأ عبد الله وأبي ~~ويحيى ابن وثاب وإبراهيم النخعي وطلحة والأعمش «يقضي بالحق» بزيادة باء ~~الجر، وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير «يقضي الحق وهو خير الفاصلين» ، وقوله ~~تعالى: قل لو أن عندي الآية، المعنى لو كان عندي الآيات المقترحة أو العذاب ~~على التأويل الآخر لقضي الأمر أي لوقع الانفصال، وتم التنازع لظهور الآية ~~المقترحة أو لنزل العذاب بحسب التأويلين، وحكى الزهراوي: أن المعنى لقامت ~~القيامة، ورواه النقاش عن عكرمة، وقال بعض الناس: معنى لقضي الأمر أي لذبح ~~الموت. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف جدا لأن قائله سمع هذا ~~المعنى في قوله تعالى: وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر [مريم: 39] وذبح ~~الموت هنا لائق فنقله إلى هذا الموضع دون شبه، وأسند الطبري هذا القول إلى ~~ابن جريج غير مقيد بهذه السورة، والظن بابن جريج أنه إنما فسر الذي في يوم ~~الحسرة والله أعلم بالظالمين # يتضمن الوعيد والتهديد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 59 الى 60] # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~(59) وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى ~~أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) # مفاتح جمع مفتح وهذه استعارة عبارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في ~~الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان، ولو كان جمع مفتاح لقال ms1174 مفاتيح، ~~ويظهر أيضا أن مفاتح جمع مفتح بفتح الميم أي مواضع تفتح عن المغيبات، ويؤيد ~~هذا قول السدي وغيره مفاتح الغيب خزائن الغيب، فأما مفتح بالكسر فهو بمعنى ~~مفتاح، وقال الزهراوي: ومفتح أفصح، وقال ابن عباس وغيره، الإشارة ب مفاتح ~~الغيب هي إلى الخمسة التي في آخر لقمان، إن الله عنده علم الساعة [لقمان: ~~34] الآية، لأنها تعم جميع الأشياء التي لم توجد بعد، ثم قوي البيان بقوله ~~ويعلم ما في البر والبحر تنبيها على أعظم المخلوقات المجاورة للبشر وقوله ~~من ورقة على حقيقته في ورق النباتات، ومن زائدة وإلا يعلمها يريد على ~~الإطلاق وقبل السقوط ومعه وبعده، ولا حبة في ظلمات الأرض يريد في أشد حال ~~التغيب، وهذا كله وإن كان داخلا في قوله وعنده مفاتح الغيب عند من رآها في ~~الخمس وغيرها ففيه البيان PageV02P299 # والإيضاح والتنبيه على مواضع العبر، أي إذا كانت هذه المحقورات معلومة ~~فغيرها من الجلائل أحرى، ولا رطب ولا يابس عطف على اللفظ وقرأ الحسن وعبد ~~الله بن أبي إسحاق «ولا رطب ولا يابس» بالرفع عطفا على الموضع في ورقة، لأن ~~التقدير وما تسقط ورقة وإلا في كتاب مبين قيل يعني كتابا على الحقيقة، ووجه ~~الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحفظة، وذلك أنه روي أن الحفظة يرفعون ما ~~كتبوه ويعارضونه بهذا الكتاب المشار إليه ليتحققوا صحة ما كتبوه، وقيل: ~~المراد بقوله: إلا في كتاب علم الله عز وجل المحيط بكل شيء، وحكى النقاش عن ~~جعفر بن محمد قولا: أن «الورقة» يراد بها السقط من أولاد بني آدم، و ~~«الحبة» يراد بها الذي ليس يسقط، و «الرطب» يراد به الحي، و «اليابس» يراد ~~به الميت، وهذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد رضي ~~الله عنه، ولا ينبغي أن يلتفت إليه، وقوله تعالى: وهو الذي يتوفاكم بالليل ~~ويعلم الآية، فيها إيضاح الآيات المنصوبة للنظر، وفيها ضرب مثل للبعث من ~~القبور، أن هذا أيضا إماتة وبعث على نحو ما، والتوفي هو استيفاء عدد، قال ms1175 ~~الشاعر [منظور الوبري] : [الرجز] # إن بني الأدرم ليسوا من أحد ... ولا توفاهم قريش في العدد # وصارت اللفظة عرفا في الموت، وهي في النوم على بعض التجوز، وجرحتم معناه ~~كسبتم، ومنه جوارح الصيد أي كواسبه، ومنه جوارح البدن لأنها كواسب النفس، ~~ويحتمل أن يكون جرحتم هنا من الجرح كأن الذنب جرح في الدين، والعرب تقول ~~جرح اللسان كجرح اليد، وروي عن ابن مسعود أو سلمان شك ابن دينار، أنه قال: ~~إن هذه الذنوب جراحات فمنها شوى ومنها مقتلة، ألا وإن الشرك بالله مقتلة، ~~ويبعثكم يريد الإيقاظ، ففي فيه عائد على النهار قاله مجاهد، وقتادة والسدي، ~~وذكر النوم مع الليل واليقظة مع النهار بحسب الأغلب وإن كان النوم يقع ~~بالنهار واليقظة بالليل فنادر، ويحتمل أن يعود الضمير على التوفي أي يوقظكم ~~في التوفي أي في خلاله وتضاعيفه قاله عبد الله بن كثير، وقيل يعود على ~~الليل وهذا قلق في اللفظ وهو في المعنى نحو من الذي قبله، وقرأ طلحة بن ~~مصرف وأبو رجاء «ليقضي أجلا مسمى» ، والمراد بالأجل آجال بني آدم، ثم إليه ~~مرجعكم يريد بالبعث والنشور ثم ينبئكم أي يعلمكم إعلام توقيف ومحاسبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 61 الى 62] # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو ~~أسرع الحاسبين (62) # القاهر إن أخذ صفة فعل أي مظهر القهر بالصواعق والرياح والعذاب فيصح أن ~~يجعل فوق ظرفية للجهة لأن هذه الأشياء إنما تعاهدها العباد من فوقهم، وإن ~~أخذ القاهر صفة ذات بمعنى القدرة والاستيلاء ف فوق لا يجوز أن تكون للجهة، ~~وإنما هي لعلو القدر والشأن على حد ما تقول: # الياقوت فوق الحديد، ويرسل عليكم معناه يبثهم فيكم، وحفظة جمع حافظ مثل ~~كاتب وكتبة، PageV02P300 # والمراد بذلك الملائكة الموكلون بكتب الأعمال، وروي أنهم الملائكة الذين ~~قال فيهم النبي عليه السلام «تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» ~~وقاله السدي وقتادة، وقال بعض المفسرين ms1176 حفظة يحفظون الإنسان من كل شيء حتى ~~يأتي أجله، والأول أظهر، وكلهم غير حمزة قرأ «توفيه رسلنا» على تأنيث لفظ ~~الجمع. كقوله عز وجل: ولقد كذبت رسل من قبلك [الأنعام: 34] وقرأ حمزة ~~«توفاه رسلنا» ، وحجته أن التأنيث غير حقيقي، وظاهر الفعل أنه ماض كقوله ~~تعالى: وقال نسوة [يوسف: 30] ويحتمل أن يكون بمعنى تتوفاه فتكون العلامة ~~مؤنثة، وأمال حمزة من حيث خط المصحف بغير ألف فكأنها إنما كتبت على ~~الإمالة، وقرأ الأعمش «يتوفيه رسلنا» بزيادة ياء في أوله والتذكير، وقوله ~~تعالى: رسلنا يريد به على ما ذكر ابن عباس وجميع أهل التأويل ملائكة ~~مقترنين بملك الموت يعاونونه ويأتمرون له، وقرأ جمهور الناس «لا يفرطون» ~~بالتشديد، وقرأ الأعرج «يفرطون» بالتخفيف، ومعناه يجاوزون الحد مما أمروا ~~به، قال أبو الفتح: فكما أن المعنى في قراءة العامة لا يقصرون فكذلك هو في ~~هذه لا يزيدون على أمروا به، ورجح اللفظ في قوله ردوا من الخطاب إلى ~~الغيبة، والضمير في ردوا عائد على المتقدم ذكرهم، ويظهر أن يعود على العباد ~~فهو إعلام برد الكل، وجاءت المخاطبة بالكاف في قوله عليكم تقريبا للموعظة ~~من نفوس السامعين، ومولاهم لفظ عام لأنواع الولاية التي تكون بين الله وبين ~~عبيده من الرزق والنصرة والمحاسبة والملك وغير ذلك، وقوله الحق نعت ل ~~مولاهم، ومعناه الذي ليس بباطل ولا مجاز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والأعمش ~~«الحق» بالنصب، وهو على المدح، ويصح على المصدر، ألا له الحكم ابتداء كلام ~~مضمنه التنبيه وهز نفس السامع، «الحكم» تعريفه للجنس أي جميع أنواع ~~التصرفات في العباد وأسرع الحاسبين متوجه على أن الله عز وجل حسابه لعبيده ~~صادر عن علمه بهم فلا يحتاج في ذلك إلى إعداد ولا تكلف سبحانه لا رب غيره، ~~وقيل لعلي بن أبي طالب كيف يحاسب الله العباد في حال واحدة؟ قال: كما ~~يرزقهم في حال واحدة في الدنيا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 63 الى 64] # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من ms1177 هذه ~~لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ~~(64) # هذا تماد في توبيخ العادلين بالله الأوثان، وتوقيفهم على سوء الفعل في ~~عبادتهم الأصنام وتركهم الذي ينجي من المهلكات ويلجأ إليه في الشدائد، ومن ~~استفهام رفع بالابتداء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «من ينجيكم قل الله ~~ينجيكم» بتشديد الجيم وفتح النون، وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر عنه ~~وحميد بن قيس ويعقوب «ينجيكم» فيها بتخفيف الجيم وسكون النون، وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد في الأولى والتخفيف في الثانية ~~فجمعوا بين التعدية بالألف والتعدية بالتضعيف كما جاء ذلك في قوله تعالى: ~~فمهل الكافرين أمهلهم رويدا [الطارق: 17] وظلمات البر والبحر يراد به ~~شدائدهما، فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد بظلمة حقيقية وما كان بغير ~~ظلمة، والعرب تقول عام PageV02P301 # أسود ويوم مظلم ويوم ذو كواكب ونحو هذا يريدون به الشدة، قال قتادة: ~~المعنى من كرب البر والبحر، وقاله الزجاج وتدعونه في موضع الحال وتضرعا نصب ~~على المصدر والعامل فيه تدعونه، والتضرع صفة بادية على الإنسان، وخفية ~~معناه الاختفاء والسر، فكأن نسق القول: تدعونه جهرا وسرا هذه العبارة بمعان ~~زائدة، وقرأ الجميع غير عاصم: «وخفية» بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي ~~بكر «وخفية» بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: «وخيفة» من الخوف وقرأ الحجازيون ~~وأهل الشام: «أنجيتنا» ، وقرأ الكوفيون «أنجانا» على ذكر الغائب، وأمال ~~حمزة والكسائي الجيم، ومن الشاكرين أي على الحقيقة، والشكر على الحقيقة ~~يتضمن الإيمان، وحكى الطبري في قوله ظلمات أنه ضلال الطرق في الظلمات ونحوه ~~المهدوي أنه ظلام الليل والغيم والبحر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو لفظ عام ~~لأنواع الشدائد في المعنى، وخص لفظ «الظلمات» بالذكر لما تقرر في النفوس من ~~هول الظلمة، وقوله تعالى: قل الله ينجيكم الآية: سبق في المجادلة إلى ~~الجواب، إذ لا محيد عنه، ومن كل كرب لفظ عام أيضا ليتضح العموم الذي في ~~الظلمات، ويصح أن يتأول من قوله ms1178 ومن كل كرب تخصيص الظلمات قبل، ونص عليها ~~لهولها، وعطف في هذا الموضع ب ثم للمهلة التي تبين قبح فعلهم، أي ثم بعد ~~معرفتكم بهذا كله وتحققكم به أنتم تشركون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 65 الى 67] # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) ~~وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ~~(67) # هذا إخبار يتضمن الوعيد، والأظهر من نسق الآيات أن هذا الخطاب للكفار ~~الذين تقدم ذكرهم وهو مذهب الطبري، وقال أبي بن كعب وأبو العالية وجماعة ~~معهما: هي للمؤمنين وهم المراد، قال أبي بن كعب: هي أربع خلال وكلهن عذاب ~~وكلهن واقع قبل يوم القيامة فمضت اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بخمس وعشرين سنة، ثم لبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض، واثنتان واقعتان لا ~~محالة الخسف والرجم، وقال الحسن بن أبي الحسن: بعضها للكفار وبعضها ~~للمؤمنين بعث العذاب من فوق وتحت للكفار وسائرها للمؤمنين، وهذا الاختلاف ~~إنما هو بحسب ما يظهر من أن الآية تتناول معانيها المشركين والمؤمنين، وروي ~~من حديث جابر وخالد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال أعوذ بوجهك فلما نزلت أو من تحت أرجلكم قال: ~~أعوذ بوجهك فلما نزلت أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال هذه أهون أو ~~هذه أيسر، فاحتج بهذا من قال إنها نزلت في المؤمنين، وقال الطبري: وغير ~~ممتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تعوذ لأمته من هذه الأشياء التي ~~توعد بها الكفار، وهون الثالثة لأنها بالمعنى هي التي دعا بها فمنع حسب ~~حديث PageV02P302 # الموطأ وغيره، وقد قال ابن مسعود: إنها أسوأ الثلاث، وهذا عندي على جهة ~~الإغلاظ في الموعظة، والحق أنها أيسرها كما قال عليه السلام، ومن فوقكم ومن ~~تحت أرجلكم لفظ عام للمنطبقين على الإنسان ms1179 وقال السدي عن أبي مالك من فوقكم ~~الرجم أو من تحت أرجلكم الخسف وقاله سعيد بن جبير ومجاهد، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنه: من فوقكم ولاة الجور أو من تحت أرجلكم سفلة السوء وخدمة ~~السوء. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه كلها أمثلة لا أنها هي المقصود، ~~إذ هذه وغيرها من القحوط والغرق وغير ذلك داخل في عموم اللفظ ويلبسكم على ~~قراءة الستة معناه يخلطكم شيعا فرقا يتشيع بعضها لبعض، واللبس الخلط، وقال ~~المفسرون هو افتراق الأهواء والقتال بين الأمة، وقرأ أبو عبد الله المدني ~~«يلبسكم» بضم الياء من ألبس فهو على هذه استعارة من اللباس، فالمعنى أو ~~يلبسكم الفتنة شيعا وشيعا منصوب على الحال وقد قال الشاعر [النابغة الجعدي] ~~: [المتقارب] # لبست أناسا فأفنيتهم # فهذه عبارة عن الخلطة والمقاساة، والبأس القتل وما أشبهه من المكاره، ~~ويذيق استعارة إذ هي من أجل حواس الاختبار، وهي استعارة مستعملة في كثير من ~~كلام العرب وفي القرآن، وقرأ الأعمش «ونذيق» بنون الجماعة، وهي نون العظمة ~~في جهة الله عز وجل، وتقول أذقت فلانا العلقم تريد كراهية شيء صنعته به ~~ونحو هذا، وفي قوله تعالى انظر كيف نصرف الآية، استرجاع لهم وإن كان لفظها ~~لفظ تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم فمضمنها أن هذه الآيات والدلائل إنما ~~هي لاستصرافهم عن طريق غيهم، و «الفقه» الفهم، والضمير في به عائد على ~~القرآن الذي فيه جاء تصريف الآيات، قاله السدي وهذا هو الظاهر، وقيل يعود ~~على النبي عليه السلام وهذا بعيد لقرب مخاطبته بعد ذلك بالكاف في قوله: # قومك ويحتمل أن يعود الضمير على الوعيد الذي تضمنته الآية ونحا إليه ~~الطبري، وقرأ ابن أبي عبلة «وكذبت قومك» بزيادة تاء، وبوكيل معناه بمدفوع ~~إلى أخذكم بالإيمان والهدى، والوكيل بمعنى الحفيظ، وهذا كان قبل نزول ~~الجهاد والأمر بالقتال ثم نسخ، وقيل لا نسخ في هذا إذ هو خبر. # قال القاضي أبو محمد: والنسخ فيه متوجه لأن اللازم من اللفظ لست الآن، ~~وليس فيه أنه لا يكون ms1180 في المسأنف وقوله: لكل نبإ مستقر أي غاية يعرف عندها ~~صدقه من كذبه، وسوف تعلمون تهديد محض ووعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 68 الى 69] # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) وما على ~~الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) # لفظ هذا الخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، واختلف في معناه ~~فقيل إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه. PageV02P303 # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح، لأن علة النهي وهي سماع الخوض في ~~آيات الله تسلهم وإياه وقيل: بل بالمعنى أيضا إنما أريد به النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحده، لأن قيامه عن المشركين كان يشق عليهم وفراقه لهم على ~~معارضته وإن لم يكن المؤمنون عندهم كذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~ينابذهم بالقيام عنهم إذا استهزؤوا وخاضوا ليتأدبوا بذلك ويدعوا الخوض ~~والاستهزاء، وهذا التأويل يتركب على كلام ابن جرير يرحمه الله، والخوض أصله ~~في الماء ثم يستعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيها بغمرات ~~الماء، وإما شرط وتلزمها النون الثقيلة في الأغلب، وقد لا تلزم كما قال: # إما يصبك عدو في مناوأة # إلى غير ذلك من الأمثلة، وقرأ ابن عامر وحده «ينسنك» بتشديد السين وفتح ~~النون والمعنى واحد، إلا أن التشديد أكثر مبالغة، والذكرى والذكر واحد في ~~المعنى وإنما هو تأنيث لفظي، ووصفهم هنا ب الظالمين متمكن لأنهم وضعوا ~~الشيء في غير موضعه، وفأعرض في هذه الآية بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض ~~وأكمل وجوهه، ويدل على ذلك فلا تقعد. # وقوله تعالى: # وما على الذين يتقون من حسابهم الآية، المراد ب الذين هم المؤمنون. ~~والضمير في حسابهم عائد على الذين يخوضون ومن قال إن المؤمنين داخلون في ~~قوله: فأعرض قال إن النبي عليه السلام داخل في هذا القصد ب الذين يتقون، ~~والمعنى عندهم على ما روي أن المؤمنين قالوا لما نزلت فلا تقعد معهم ms1181 قالوا: ~~إذا كنا لا نضرب المشركين ولا نسمع أقوالهم فما يمكننا طواف ولا قضاء عبادة ~~في الحرم فنزلت لذلك وما على الذين يتقون. # قال القاضي أبو محمد: فالإباحة في هذا هي في القدر الذي يحتاج إليه من ~~التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها، وقال بعض من يقول إن النبي عليه ~~السلام داخل في الذين يتقون وإن المؤمنين داخلون في الخطاب الأول أن هذه ~~الآية الأخيرة ليست إباحة بوجه، وإنما معناها لا تقعدوا معهم ولا تقربوهم ~~حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأن عليكم شيئا من ~~حسابهم وإنما هو ذكرى لكم، ويحتمل المعنى أن يكون لهم لعلهم إذا جانبتموهم ~~يتقون بالإمساك عن الاستهزاء، وأما من قال إن الخطاب الأول هو مجرد للنبي ~~صلى الله عليه وسلم لثقل مفارقته مغضبا على الكفار فإنه قال في هذه الآية ~~الثانية إنها مختصة بالمؤمنين، ومعناها الإباحة، فكأنه قال فلا تقعد معهم ~~يا محمد وأما المؤمنون فلا شيء عليهم من حسابهم فإن قعدوا فليذكروهم لعلهم ~~يتقون الله في ترك ما هم فيه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشار إليه النقاش ولم يوضحه، وفيه عندي ~~نظر، وقال قائل هذه المقالة: إن هذه الإباحة للمؤمنين نسخت بآية النساء ~~قوله تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره [النساء: 140] وكذلك ~~أيضا من قال أولا إلا أن الإباحة كانت بحسب العبادات يقول إن هذه الآية ~~التي في النساء ناسخة لذلك إذ هي مدنية، والإشارة بقوله: وقد نزل [النساء: ~~140] إليها بنفسها فتأمله، وإلا فيجب أن يكون الناسخ PageV02P304 # غيرها، وذكرى على هذا القول يحتمل أن يكون ذكروهم ذكرى، ويحتمل ولكن ~~أعرضوا متى أعرضتم في غير وقت العبادة ذكرى، وذكرى على كل قول يحتمل أن ~~تكون في موضع نصب بإضمار فعل أو رفع بإضمار مبتدأ، وينبغي للمؤمن أن يمتثل ~~حكم هذه الآية مع الملحدين وأهل الجدال والخوض فيه، وحكى الطبري عن أبي ~~جعفر أنه قال ms1182 لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 70] # وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) # هذا أمر بالمشاركة وكان ذلك بحسب قلة أتباع الإسلام حينئذ، قال قتادة: ثم ~~نسخ ذلك وما جرى مجراه بالقتال، وقال مجاهد: الآية إنما هي للتهديد والوعيد ~~فهي كقوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا [المدثر: 11] وليس فيها نسخ لأنها ~~متضمنة خبرا وهو التهديد، وقوله: لعبا ولهوا يريد إذ يعتقدون أن لا بعث فهم ~~يتصرفون بشهواتهم تصرف اللاعب اللاهي، وغرتهم الحياة الدنيا أي خدعتهم من ~~الغرور وهو الإطماع بما لا يتحصل فاغتروا بنعم الله ورزقه وإمهاله وطمعهم ~~ذلك فيما لا يتحصل من رحمته. # قال القاضي أبو محمد: ويتخرج في غرتهم هنا وجه آخر من الغرور بفتح الغين ~~أي ملأت أفواههم وأشبعتهم، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # ولما التقينا بالحنية غرني ... بمعروفه حتى خرجت أفوق # ومنه غر الطائر فرخه، ولا يتجه هذا المعنى في تفسير «غر» في كل موضع ~~وأضاف الدين إليهم على معنى أنهم جعلوا اللعب واللهو دينا، ويحتمل أن يكون ~~المعنى اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعبا ولهوا، والضمير في به عائد ~~على الدين، وقيل: على القرآن، وأن تبسل في موضع المفعول أي لئلا تبسل أو ~~كراهية أن تبسل، ومعناه تسلم، قال الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تحبس وترتهن، ~~وقال ابن عباس: تفضي وقال الكلبي وابن زيد: تجزى، وهذه كلها متقاربة ~~بالمعنى، ومنه قول الشنفري: [الطويل] # هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر # وقال بعض الناس هو مأخوذ من البسل أي من الحرام كما قال الشاعر [ضمرة ~~النهشاني] : [الكامل] # بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، ونفس تدل على ms1183 الجنس، ومعنى الآية وذكر ~~بالقرآن والدين وادع إليه لئلا تبسل نفس التارك للإيمان بما كسبت من الكفر ~~وآثرته من رفض الإسلام، وقوله تعالى: ليس PageV02P305 # لها من دون الله # في موضع الحال، ومن لابتداء الغاية ويجوز أن تكون زائدة ودون ظرف مكان ~~وهي لفظة تقال باشتراك، وهي في هذه الآية الدالة على زوال من أضيفت إليه من ~~نازلة القول كما في المثل: # وأمر دون عبيدة الودم والولي والشفيع هما طريقا الحماية والغوث في جميع ~~الأمور وإن تعدل كل عدل أي وإن تعط كل فدية، وإن عظمت فتجعلها عدلا لها لا ~~يقبل منها، وحكى الطبري عن قائل ان المعنى وإن تعدل من العدل المضاد للجور، ~~ورد عليه وضعفه بالإجماع على أن توبة الكافر مقبولة. # قال القاضي أبو محمد: ولا يلزم هذا الرد لأن الأمر إنما هو يوم القيامة ~~ولا تقبل فيه توبة ولا عمل، والقول نص لأبي عبيدة، و «العدل» في اللغة ~~مماثل الشيء من غير جنسه، وقبل: العدل بالكسر المثل والعدل بالفتح القيمة، ~~وأولئك إشارة إلى الجنس المدلول عليه بقوله تبسل نفس، وأبسلوا معناه أسلموا ~~بما اجترحوه من الكفر، و «الحميم» الماء الحار، ومنه الحمام والحمة ومنه ~~قول أبي ذؤيب: [الكامل] # إلا الحميم فإنه يتبصع # «وأليم» فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 71] # قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) # المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أن ندعو من دون الله، والدعاء يعم ~~العبادة وغيرها لأن من جعل شيئا موضع دعائه فإياه يعبد وعليه يتكل ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا يعني الأصنام، إذ هي جمادات حجارة وخشب ونحوه، وضرر ~~الأصنام في الدين لا يفهمه الكفار فلذلك قال: ولا يضرنا إنما الضرر الذي ~~يفهمونه من نزول المكاره الدنياوية، ونرد على أعقابنا تشبيه، وذلك أن ~~المردود ms1184 على العقب هو أن يكون الإنسان يمشي قدما وهي المشية الجيدة فيرد ~~يمشي القهقرى، وهي المشية الدنية فاستعمل المثل بها فيمن رجع من خير إلى شر ~~ووقعت في هذه الآية في تمثيل الراجع من الهدى إلى عبادة الأصنام، وهدانا ~~بمعنى أرشدنا، قال الطبري وغيره الرد على العقب يستعمل فيمن أمل أمرا فخاب ~~أمله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول قلق وقوله تعالى: كالذي استهوته الشياطين ~~الآية الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف تقديره ردا كرد الذي واستهوته ~~استفعلته بمعنى استدعت هواه وأمالته، قال أبو عبيدة: ويحتمل هويه وهو جده ~~وركوب رأسه في النزوع إليهم، والهوى من هوى يهوي يستعمل في السقوط من علو ~~إلى أسفل، ومنه قول الشاعر: # هوى أبني من دار أشرف ... فزلت رجله ويده PageV02P306 # وهذا المعنى لا مدخل له في هذه الآية إلا أن تتأول اللفظة بمعنى ألقته ~~الشياطين في هوة، وقد ذهب إليه أبو علي وقال: هو بمعنى أهوى كما أن استزل ~~بمعنى أزل. # قال القاضي أبو محمد: والتحرير: أن العرب تقول: هوى وأهواه غيره واستهواه ~~بمعنى طلب منه أن يهوي هو أو طلب منه أن يهوي شيئا، وبيستعمل الهوى أيضا في ~~ركوب الرأس في النزوع إلى الشيء ومنه قوله تعالى: فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم [إبراهيم: 37] ، ومنه قول شاعر الجن: [السريع] # تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن كأنجاسها # وهذا المعنى هو الذي يليق بالآية، وقرأ الجمهور من الناس «استهوته ~~الشياطين» وقرأ الحسن «استهوته الشياطون» . وقال بعض الناس: هو لحن، وليس ~~كذلك بل هو شاذ قبيح وإنما هو محمول على قولهم، سنون وأرضون إلا أن هذه في ~~جمع مسلم وشياطون في جمع مكسر فهذا موضع الشذوذ، وقرأ حمزة «استهواه ~~الشياطين» وأمال استهواه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والأعمش وطلحة ~~«استهويه الشيطان» بالياء وإفراد الشيطان، وذكر الكسائي أنها كذلك في مصحف ~~ابن مسعود، وقوله: في الأرض يحكم بأن استهوته إنما هو بمعنى استدعت هويه ~~الذي هو الجد في النزوع وحيران في موضع الحال، ومؤنثه ms1185 حيرى فهو لا ينصرف في ~~معرفة ولا نكرة، ومعناه ضالا متحيرا وهو حال من الضمير في استهوته والعامل ~~فيه استهوته، ويجوز أن يكون من الذي والعامل فيه المقدر بعد الكاف، وقوله ~~استهوته يقتضي أنه كان على طريق فاستدعته. # قال القاضي أبو محمد: فسياق هذا المثل كأنه قال أيصلح أن يكون بعد الهدى ~~نعبد الأصنام فيكون ذلك منا ارتدادا على العقب فيكون كرجل على طريق واضح ~~فاستهوته عنه الشياطين فخرج عنه إلى دعوتهم فبقي حائرا وقوله: له أصحاب ~~يحتمل أن يريد له أصحاب على الطريق الذي خرج منه فيشبه بالأصحاب على هذا ~~المؤمنون الذين يدعون من ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويل مجاهد وابن ~~عباس ويحتمل أن يريد له أصحاب أي من الشياطين الدعاة أولا يدعونه إلى الهدى ~~بزعمهم وإنما يوهمونه فيشبه بالأصحاب على هذا الكفرة الذين يثبتون من ارتد ~~عن الإسلام على ارتداده، وروي هذا التأويل عن ابن عباس أيضا، وائتنا من ~~الإتيان بمعنى المجيء، وفي مصحف عبد الله «إلى الهدى بينا» وهذه تؤيد تأويل ~~من تأول الهدى حقيقة إخبار من الله، وحكى مكي وغيره أن المراد ب «الذي» في ~~هذه الآية عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وب «الأصحاب» أبوه وأمه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن في الصحيح أن عائشة رضي الله عنها ~~لما سمعت قول قائل: إن قوله تعالى: والذي قال لوالديه أف لكما [الأحقاف: ~~17] نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قالت: كذبوا والله ما نزل فينا من ~~القرآن شيء إلا براءتي. # قال القاضي أبو محمد: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الفقيه الإمام ~~أبا عبد الله المعروف بالنحوي المجاور بمكة يقول: من نازع أحدا من الملحدة ~~فإنما ينبغي أن يرد عليه وينازعه بالقرآن والحديث فيكون كمن يدعو إلى الهدى ~~بقوله: ائتنا، ومن ينازعهم بالجدل ويحلق عليهم به فكأنه بعد PageV02P307 # عن الطريق الواضح أكثر ليرد هذا الزائغ فهو يخاف عليه أن يضل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا انتزاع حسن جدا، وقوله تعالى: قل ms1186 إن هدى الله ~~الآية، من قال إن «الأصحاب» هم من الشياطين المستهزئين وتأول إلى الهدى ~~بزعمهم قال: إن قوله: قل إن هدى الله هو الهدى رد عليهم في زعمهم فليس ما ~~زعموه صحيحا وليس بهدى بل هو نفسه كفر وضلال، وإنما الهدى هدى الله وهو ~~الإيمان، ومن قال: إن «الأصحاب» هم على الطريق المدعو إليها وإن المؤمنين ~~الداعين للمرتدين شبهوا بهم وإن الهدى هو هدى على حقيقته يجيء على قوله: قل ~~إن هدى الله بمعنى أن دعاء الأصحاب وإن كان إلى هدى فليس بنفس دعائهم تقع ~~الهداية وإنما يهتدي بذلك الدعاء من هداه الله تعالى بهداه، وأمرنا لنسلم ~~اللام لام كي ومعها أن مقدرة ويقدر مفعول ل أمرنا مضمر تقديره وأمرنا ~~بالإخلاص أو بالإيمان ونحو هذا، فتقدير الجملة كلها وأمرنا بالإخلاص لأن ~~نسلم، ومذهب سيبويه في هذه أن لنسلم هو موضع المفعول وأن قولك: أمرت لأقوم ~~وأمرت أن أقوم يجريان سواء ومثله قول الشاعر: [الطويل] # أردت لأنسى ذكرها # إلى غير ذلك من الأمثلة، «ونسلم» يعم الدين والاستسلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 72 الى 73] # وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # وأن أقيموا يتجه أن يكون بتأويل وإقامة فهو عطف على المفعول المقدر في ~~أمرنا [الأنعام: 71] ، وقيل بل هو معطوف على قوله لنسلم [الأنعام: 71] ~~تقديره لأن نسلم وأن أقيموا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول الزجاج واللفظ يمانعه وذلك أن قوله «لأن ~~نسلم» معرب، وقوله أن أقيموا مبني وعطف المبني على المعرب لا يجوز لأن ~~العطف يقتضي التشريك في العامل اللهم إلا أن تجعل العطف في «أن» وحدها وذلك ~~قلق وإنما يتخرج على أن يقدر قوله وأن أقيموا بمعنى لنقيم ثم خرجت بلفظ ~~الأمر لما في ذلك من جزالة اللفظ فجاز العطف على أن يلغى حكم اللفظ ويعول ~~على المعنى، ويشبه هذا من ms1187 جهة «ما» ما حكاه يونس عن العرب: أدخلوا الأول ~~فالأول بالنصب، وقال الزجاج أيضا: يحتمل أن يكون وأن أقيموا معطوفا على ~~ائتنا [الأنعام: 71] . # قال القاضي أبو محمد: وفيه بعد، والضمير في قوله واتقوه عائد على رب ~~العالمين وهو ابتداء وما بعده وهو لفظ خبر يتضمن التنبيه والتخويف، وقوله ~~تعالى: وهو الذي خلق الآية، خلق ابتدع وأخرج من العدم إلى الوجود، وبالحق، ~~أي لم يخلقها باطلا بغير معنى بل لمعان مفيدة ولحقائق بينة منها ما يحسه ~~البشر من الاستدلال بها على الصانع ونزول الأرزاق وغير ذلك، وقيل المعنى ~~بأن حق له PageV02P308 # أن يفعل ذلك، وقيل بالحق معناه بكلامه في قوله للمخلوقات كن وفي قوله: ~~ائتيا طوعا أو كرها [فصلت: 11] . # قال القاضي أبو محمد: وتحرير القول أن المخلوقات إنما إيجادها بالقدرة لا ~~بالكلام، واقتران «كن» بحالة إيجاد المخلوق فائدته إظهار العزة والعظمة ~~ونفوذ الأوامر وإعلان القصد، ومثال ذلك في الشاهد أن يضرب إنسان شيئا ~~فيكسره ويقول في حال الكسر بلسانه: انكسر فإن ذلك إنفاذ عزم وإظهار قصد، ~~ولله المثل الأعلى، لا تشبيه ولا حرف ولا صوت ولا تغير، أمره واحدة كلمح ~~البصر فكأن معنى الآية على هذا القول وهو الذي خلق السماوات والأرض بقوله ~~كن المقترنة بالقدرة التي بها يقع إيجاد المخلوق بعد عدمه، فعبر عن ذلك ~~بالحق، ويوم يقول نصب على الظرف وهو معلق بمعمول فعل مضمر، تقديره: واذكر ~~الخلق والإعادة يوم، وتحتمل الآية مع هذا أن يكون معناها: واذكر الإعادة ~~يوم يقول الله للأجساد كن معادة، ثم يحتمل أن يتم الكلام هنا ثم يبدأ ~~بإخبار أن يكون قوله الحق الذي كان في الدنيا إخبارا بالإعادة، ويحتمل أن ~~يكون تمام الكلام في قوله فيكون ويكون قوله الحق ابتداء وخبر أو على ~~الاحتمال الذي قبل ف قوله فاعل، قال الزجاج قوله ويوم معطوف على الضمير من ~~قوله واتقوه فالتقدير هنا على هذا القول واتقوا العقاب أو الأهوال والشدائد ~~يوم، وقيل: إن الكلام معطوف على قوله خلق السماوات والتقدير على هذا: وهو ~~الذي ms1188 خلق السماوات والأرض والمعادات إلى الحشر يوم، ولا يجوز أن تعمل هذه ~~الأفعال لا تقديرك اذكر ولا اتقوا ولا خلق في يوم لأن أسماء الزمان إذا ~~بنيت مع الأفعال فلا يجوز أن تنصب إلا على الظرف، ولا يجوز أن يتعلق يوم ~~بقوله: قوله الحق لأن المصدر لا يعمل فيما تقدمه، وقد أطلق قوم أن العامل ~~اذكر أو خلق، ويحتمل أن يريد ب «يقول» معنى المضي كأنه قال: وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق يوم يقول بمعنى قال لها «كن» ، ف يوم ظرف معطوف على ~~موضع قوله الحق إذ هو في موضع نصب، ويجيء تمام الكلام في قوله فيكون، ويجيء ~~قوله الحق ابتداء وخبرا ويحتمل أن يتم الكلام في كن، ويبتدأ فيكون قوله ~~الحق وتكون «يكون» تامة بمعنى يظهر، والحق صفة للقول، وقوله فاعل، وقرأ ~~الحسن: «قوله» بضم القاف، وله الملك ابتداء وخبر يوم ينفخ في الصور «يوم» ~~بدل من الأولى على أن «يقول» مستقبل لا على تقدير مضيه، وقيل: بل متعلق بما ~~تضمن الملك من معنى الفعل أو بتقدير ثابت أو مستقر يوم، وفي الصور قال أبو ~~عبيدة هو جمع صورة فالمعنى يوم تعاد العوالم، وقال الجمهور هو الصور القرن ~~الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ينفخ فيه للصعق ثم للبعث، ورجحه ~~الطبري بقول النبي عليه السلام: إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينظر ~~متى يؤمر فينفخ، وقرأ الحسن «في الصور» بفتح الواو وهذه تؤيد التأويل الأول ~~وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض عالم رفع بإضمار مبتدأ وقيل نعت ل الذي وقرأ ~~الحسن والأعمش «عالم» بالخفض على النعت للضمير الذي في له، أو على البدل ~~منه من قوله له الملك، وقد رويت عن عاصم، وقيل ارتفع «عالم» بفعل مضمر من ~~لفظ الفعل المبني للمفعول تقديره ينفخ فيه عالم على ما أنشد سيبويه: ~~[الطويل] # ليبك يزيد ضارع لخصومة ... وآخر ممن طوحته الطوائح # التقدير يبكيه ضارع، وحكى الطبري هذا التأويل الذي يشبه ليبك يزيد عن ابن ~~عباس ونظيرها من ms1189 PageV02P309 # القرآن قراءة من قرأ زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام ~~137] بضم الزاي ورفع الشركاء وروي عن عبد الوارث عن أبي عمرو «يوم ننفخ في ~~الصور» بنون العظمة، والغيب والشهادة معناه ما غاب عنا وما حضر، وهذا يعم ~~جميع الموجودات. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 75] # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ~~(75) # العامل في إذ فعل مضمر تقديره: واذكر أو قص، قال الطبري: نبه الله تعالى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم على الاقتداء بإبراهيم في محاجته قومه إذ كانوا ~~أهل أصنام وكان قوم محمد أهل أصنام. # قال القاضي أبو محمد: وليس يلزم هذا من لفظ الآية، أما أن جميع ما يجيء ~~من مثل هذا عرضة للاقتداء، وقرأ السبعة وجمهور الناس: «آزر» بفتح الهمزة ~~التي قبل الألف وفتح الزاي والراء. قال السدي وابن إسحاق وسعيد بن عبد ~~العزيز: هو اسم أبي إبراهيم. # قال القاضي أبو محمد: وقد ثبت أن اسمه تارح فله على هذا القول اسمان ~~كيعقوب وإسرائيل، وهو في الإعراب على هذا بدل من الأب المضاف في موضع خفض ~~وهو اسم علم، وقال مجاهد بل هو اسم صنم وهو في موضع نصب بفعل مضمر تقديره: ~~أتتخذ أصناما. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ضعف، وقال بعضهم بل هو صفة ومعناه هو ~~المعوج المخطئ. # قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن «آزر» إذا كان صفة فهو نكرة ولا ~~يجوز أن تنعت المعرفة بالنكرة ويوجه ذلك على تحامل بأن يقال أريدت فيه ~~الألف واللام وإن لم يلفظها، وإلى هذا أشار الزجاج لأنه قدر ذلك فقال لأبيه ~~المخطئ، وبأن يقال إن ذلك مقطوع منصوب بفعل تقديره اذن المعوج أو المخطئ، ~~والا تبقى فيه الصفة بهذه الحال. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل نصبه على الحال كأنه قال: وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه وهو في حال عوج وخطأ، وقرأ أبي بن كعب وابن ms1190 عباس والحسن ~~ومجاهد وغيرهم بضم الراء على النداء، ويصح مع هذا أن يكون آزر اسم أبي ~~إبراهيم، ويصح أن يكون بمعنى المعوج والمخطئ، وقال الضحاك: آزر بمعنى شيء، ~~ولا يصح مع هذه القراءة أن يكون آزر صفة، وفي مصحف أبي «يا آزر» بثبوت حرف ~~النداء «اتخذت أصناما» بالفعل الماضي، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه أيضا: ~~«أزرا تتخذ» بألف الاستفهام وفتح الهمزة من آزر وسكون الزاي ونصب الراء ~~وتنوينها وإسقاط ألف الاستفهام من «اتخذ» ، ومعنى هذه القراءة عضدا وقوة ~~ومظاهرة على الله تعالى تتخذ، وهو من نحو قوله تعالى: اشدد به أزري [طه: ~~31] وقرأ أبو إسماعيل رجل من أهل الشام بكسر الهمزة من هذا الترتيب ذكرها ~~أبو الفتح، ومعناها: أنها مبدلة من واو كوسادة وإسادة فكأنه قال: أوزرا ~~ومأثما تتخذ أصناما، ونصبه على هذا بفعل PageV02P310 # مضمر، ورويت أيضا عن ابن عباس، وقرأ الأعمش: «إزرا تتخذ» بكسر الهمزة ~~وسكون الزاي دون ألف توقيف، وأصناما آلهة مفعولان، وذكر: أن «آزر» أبا ~~إبراهيم كان نجارا محسنا ومهندسا وكان نمرود يتعلق بالهندسة والنجوم فحظي ~~عنده آزر لذلك، وكان على خطة عمل الأصنام تعمل بأمره وتدبيره ويطبع هو في ~~الصنم بختم معلوم عنده، وحينئذ يعبد ذلك الصنم، فلما نشأ إبراهيم ابنه على ~~الصفة التي تأتي بعد كان أبوه يكلفه بيعها، فكان إبراهيم ينادي عليها: من ~~يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ ويستخف بها ويجعلها في الماء منكوسة، ويقول ~~اشربي، فلما شهر أمره بذلك وأخذ في الدعاء إلى الله تعالى قال لأبيه هذه ~~المقالة، وأراك في هذا الموضع يشترك فيها البصر والقلب لأنها رؤية قلب ~~ومعرفته وهي متركبة على رؤية بصر، ومبين بمعنى واضح ظاهر، وهو من أبان ~~الشيء، إذا ظهر ليس بالفعل المتعدي المنقول من بان يبين. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون المنقول، ويكون المفعول مقدرا تقديره: ~~في ضلال مبين كفركم، وقيل كان آزر رجلا من أهل كوثا من سواد الكوفة، قال ~~النقاش وبها ولد إبراهيم عليه السلام، وقيل كان من أهل حران، وقوله ms1191 تعالى: ~~وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض الآية المتقدمة تقضي بهداية ~~إبراهيم عليه السلام والإشارة هنا بذلك هي إلى تلك الهداية أي وكما هديناه ~~إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر أريناه ملكوت، ونري لفظها الاستقبال ~~ومعناها المضي، وحكى المهدوي: أن المعنى وكما هديناك يا محمد فكذلك نري ~~إبراهيم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد إذ اللفظ لا يعطيه، ونري هنا متعدية إلى ~~مفعولين لا غير فهي إما من رؤية البصر وإما من أرى التي هي بمعنى عرف ولو ~~كانت من أرى بمعنى أعلم وجعلنا أعلم منقولة من علم التي تتعدى إلى مفعولين ~~لوجب أن تتعدى أرى إلى ثلاثة مفاعيل، وليس كذلك ولا يصح أن يقال: # إن الثالث محذوف لأنه لا يجوز حذفه إذ هو الخبر في الجملة التي يدخل ~~عليها علمت في هذا الموضع، وإنما هي من علم بمعنى عرف، ثم نقلت بالهمزة ~~فتعدت إلى مفعولين ثم جعلت «أرى» بمنزلتها في هذه الحال، وهذه الرؤية قيل ~~رؤية البصر، وروي في ذلك أن الله عز وجل فرج لإبراهيم السماوات والأرضين ~~حتى رأى ببصره الملكوت الأعلى والملكوت الأسفل فإن صح هذا المنقول ففيه ~~تخصيص لإبراهيم عليه السلام بما لم يدركه غيره، قبله ولا بعده، وهذا هو قول ~~مجاهد قال: تفرجت له السماوات والأرضون فرأى مكانه في الجنة وبه قال سعيد ~~بن جبير وسلمان الفارسي، وقيل: هي رؤية بصر في ظاهر الملكوت وقع له معها من ~~الاعتبار ورؤية القلب ما لم يقع لأحد من أهل زمنه الذين بعث إليهم، قاله ~~ابن عباس وغيره، ففي هذا تخصيص ما على جهة التقييد بأهل زمنه، وقيل هي رؤية ~~قلب رأى بها ملكوت السماوات والأرض بفكرته ونظره، وذلك ولا بد متركب على ما ~~تقدم من رؤيته ببصره وإدراكه في الجملة بحواسه. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان الأخيران يناسبان الآية، لأن الغاية ~~التي نصبت له إنما هي أن يؤمن ويكون من جملة موقنين كثرة، والإشارة لا ~~محالة إلى من قبله من الأنبياء والمؤمنين وبعده، واليقين يقع له ms1192 ولغيره ~~بالرؤية في ظاهر الملكوت والاستدلال به على الصانع والخالق لا إله إلا هو، ~~وملكوت بناء مبالغة كجبروت ورهبوت ورحموت، وقال عكرمة هو ملكوتي باليونانية ~~أو بالنبطية، وقرأ «ملكوث» بالثاء مثلثة وقرأ أبو السمال «ملكوت» بإسكان ~~اللام وهي لغة، وملكوت بمعنى الملك، والعرب تقول لفلان ملكوت PageV02P311 # اليمن أي ملكه، واللام في ليكون متعلقة بفعل مؤخر تقديره وليكون من ~~الموقنين أريناه، والموقن: # العالم بالشيء علما لا يمكن أن يطرأ له فيك شك، وقال الضحاك ومجاهد أيضا ~~إن الإشارة هاهنا «بملكوت السماوات» هي إلى الكواكب والقمر والشمس، وهذا ~~راجع وداخل فيما قدمناه من أنها رؤية بصر في ظاهر الملكوت، وروي عن ابن ~~عباس في تفسير وليكون من الموقنين قال جلى له الأمور سرها وعلانيتها فلم ~~يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله تعالى ~~إنك لا تستطيع هذا، فرده لا يرى أعمالهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 76 الى 77] # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ~~(76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين (77) # هذه الفاء في قوله فلما رابطة جملة ما بعدها وهي ترجح أن المراد بالملكوت ~~هو هذا التفصيل الذي في هذه الآية، و «جن الليل» : ستر وغطى بظلامه، ويقال ~~الجن، والأول أكثر، ويشبه أن يكون الجن والمجن والجنة والجنن وهو القبر ~~مشتقة من جن إذا ستر، ولفظ هذه القصة يحتمل أن تكون وقعت له في حال صباه ~~وقبل بلوغه كما ذهب إليه ابن عباس. فإنه قال: رأى كوكبا فعبده، وقاله ناس ~~كثير إن النازلة قبل البلوغ والتكليف، ويحتمل أن تكون وقعت له بعد بلوغه ~~وكونه مكلفا، وحكى الطبري هذا عن فرقة وقالت إنه استفهم على جهة التوقيف ~~بغير ألف، قال وهذا كقول الشاعر: [الطويل] # رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # يريد أهم هم وكما قال الآخر: [الطويل] # لعمرك ما ms1193 أدري وإن كنت داريا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر # يريد أشعيث. # قال القاضي أبو محمد: والبيت الأول لا حجة فيه عندي وقد حكي أن نمرود ~~جبار ذلك الزمن رأى منجموه أن مولودا يولد في سنة كذا في عمله، يكون خراب ~~الملك على يديه فجعل يتبع الحبالى ويوكل بهن حراسا فمن وضعت أنثى تركت ومن ~~وضعت ذكرا حمل إلى الملك فذبحه، وأن أم إبراهيم حملت وكانت شابة قوية فسترت ~~حملها فلما قربت ولادتها بعثت تارخ أبا إبراهيم إلى سفر وتحيلت لمضيه إليه ~~ثم خرجت هي إلى غار فولدت فيه إبراهيم وتركته في الغار وقد هيأت عليه، ~~وكانت تفتقده فتجده يغتذي بأن يمص أصابعه فيخرج له منها عسل وسمن ونحوها، ~~وحكي بل كان يغذيه ملك وحكي بل كانت تأتيه بألبان النساء اللاتي ذبح ~~أبناؤهن، فشب إبراهيم أضعاف ما يشب غيره، والملك في خلال ذلك يحس بولادته ~~ويشدد في طلبه فمكث في الغار عشرة أعوام وقيل خمس عشرة سنة، وأنه نظر أول ~~ما عقل من الغار فرأى الكوكب وجرت قصة الآية. PageV02P312 # قال القاضي أبو محمد: وجلبت هذه القصص بغاية الاختصار في اللفظ وقصدت ~~استيفاء المعاني التي تخص الآية ويضعف عندي أن تكون هذه القصة في الغار ~~لقوله في آخرها إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78] وهي ألفاظ تقتضي محاجة ~~وردا على قوم، وحاله في الغار بعيدة عن مثل هذا اللهم إلا أن يتأول في ذلك ~~أنه قالها بينه وبين نفسه، أي قال في نفسه معنى العبارة عنه: يا قوم إني ~~بريء مما تشركون، وهذا كما قال الشاعر: [الرجز] # ثم انثنى وقال في التفكير ... إن الحياة اليوم في الكرور # قال القاضي أبو محمد: ومع هذا فالمخاطبة تبعده، ولو قال يا قوم إني بريء ~~من الإشراك لصح هذا التأويل وقوي، فإن قلنا بأنه وقعت له القصة في الغار في ~~حال الصبوة وعدم التكليف على ما ذهب إليه بعض المفسرين ويحتمله اللفظ فذلك ~~ينقسم على وجهين: إما أن يجعل قوله هذا ربي تصميما واعتقادا وهذا ms1194 باطل لأن ~~التصميم لم يقع من الأنبياء صلوات الله عليهم وإما أن يجعله تعريضا للنظر ~~والاستدلال كأنه قال هذا المنير البهي ربي إن عضدت ذلك الدلائل ويجيء ~~إبراهيم عليه السلام كما قال الله تعالى لمحمد عليه السلام: ووجدك ضالا ~~فهدى [الضحى: 6] أي مهمل المعتقد، وإن قلنا بأن القصة وقعت له في حال كفره ~~وهو مكلف فلا يجوز أن يقول هذا ربي مصمما ولا معرضا للنظر، لأنها رتبة جهل ~~أو شك وهو عليه السلام منزه معصوم من ذلك كله، فلم يبق إلا أن يقولها على ~~جهة التقرير لقومه والتوبيخ لهم وإقامة الحجة عليهم في عبادة الأصنام، كأنه ~~قال لهم: أهذا المنير ربي؟ أو هذا ربي وهو يريد على زعمكم؟ كما قال الله ~~تعالى: أين شركائي [النحل: 27، القصص: 62- 74، فصلت: 47] فإنما المعنى على ~~زعمكم، ثم عرض إبراهيم عليهم من حركته وأفوله أمارة الحدوث، وأنه لا يصلح ~~أن يكون ربا ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك ثم في الشمس كذلك، فكأنه يقول: ~~فإذا بان في هذه المنيرات الرفيعة أنها لا تصلح للربوبية فأصنامكم التي هي ~~خشب وحجارة أحرى أن يبين ذلك فيها، ويعضد عندي هذا التأويل قوله: إني بريء ~~مما تشركون [الأنعام: 78] ومثل لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ~~ونظر في الأفلاك، وهذا الأمر كله إنما وقع في ليلة واحدة والكوكب وهو ~~الزهرة، في قول قتادة وقال السدي وهو المشتري جانحا للغروب، فلما أفل بزغ ~~القمر وهو أول طلوعه فسرى الليل أجمع فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها ~~لانتشار الصباح وخفي نوره ودنا أيضا من مغربه فسمي ذلك أفولا لقربه من ~~الأفول التام على تجوز في التسمية، ثم بزغت الشمس على ذلك، وهذا الترتيب ~~يستقيم في الليلة الخامسة عشرة من الشهر إلى ليلة عشرين، وليس يترتب في ~~ليلة واحدة كما أجمع أهل التفسير إلا في هذه الليالي، وبذلك التجوز في أفول ~~القمر، وأفل في كلام العرب معناه غاب، يقال: أين أفلت عنا يا فلان، وقيل ~~معناه ذهب. # قال القاضي أبو ms1195 محمد: وهذا خلاف في عبارة فقط، وقال ذو الرمة: [الطويل] # مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدوالك # وقال الآفلين فجمع بالياء والنون لما قصد الأرباب ونحو ذلك وعلى هذا يخرج ~~قوله في الشمس PageV02P313 # هذا ربي فذكر الإشارة إليها لما قصد ربه وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية ~~حفص: «رأى» بفتح الراء والهمزة، وقرأ نافع بين الفتح والكسر، وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما، وقرأ أبو عمرو بن العلاء، ~~بفتح الراء وكسر الهمزة، وقوله تعالى: فلما رأى القمر بازغا الآية، البزوغ ~~في هذه الأنوار: أول الطلوع، وقد تقدم القول فيما تدعو إليه ألفاظ الآية ~~وكون هذا الترتيب في ليلة واحدة من التجوز في أفول القمر لأن أفوله لو ~~قدرناه مغيبه في المغرب لكان ذلك بعد بزوغ الشمس وجميع ما قلناه يعطيه ~~الاعتبار ويهدني يرشدني وهذا اللفظ يؤيد قول من قال: النازلة في حال الصغر، ~~و «القوم الضالون» عبدة المخلوقات، كالأصنام وغيرها وإن كان الضلال أعم من ~~هذا فهذا هو المقصود في هذا الموضع. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 78 الى 80] # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني ~~بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ~~ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) # لما قصد قصد ربه قال هذا فذكر أي هذا المرئي أو المنير ونحو هذا، فلما ~~أفلت الشمس لم يبق شيء يمثل لهم به، فظهرت حجته وقوي بذلك على منابذتهم ~~والتبري من إشراكهم، وقوله: إني بريء مما تشركون يؤيد قول من قال: النازلة ~~في حال الكبر والتكليف: ووجهت وجهي أي أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني ~~وغير ذلك مما يعمه المعنى المعبر عنه ب وجهي، وفطر معناه: ابتدع في أجرام، ~~وحنيفا معناه مستقيما، والحنف الميل في كلام العرب، وأصله في ms1196 الأشخاص وهو ~~في المعاني مستعار، فالمعوج في الأجرام أحنف على الحقيقة أي مائل والمستقيم ~~فيها أحنف على تجوز كأنه مال عن كل جهة إلى القوام وحاجه فاعله من الحجة، ~~قال أتراجعوني في الحجة في توحيد الله، وقرأت فرقة «أتحاجونني» بإظهار ~~النونين وهو الأصل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ~~«أتحاجوني» بإدغام النون الأولى في الثانية، وقرأ نافع وابن عامر ~~«أتحاجوني» بحذف النون الواحدة فقيل: # هي الثانية وقيل هي الأولى، ويدل على ذلك أنها بقيت مكسورة، قال أبو علي ~~الفارسي: لا يجوز أن تحذف الأولى لأنها للإعراب وإنما حذفت الثانية التي هي ~~توطئة لياء المتكلم كما حذفت في «ليتي» وفي قول الشاعر: [الوافر] يسوء ~~الفاليات إذا فليني وكسرت بعد ذلك الأولى الباقية لمجاورتها للياء و «قد ~~هداني» أي أرشدني إلى معرفته وتوحيده، وأمال الكسائي «هدان» ، والإمالة في ~~ذلك حسنة وإذا جازت الإمالة في غزا ودعا وهما من ذوات الواو فهي PageV02P314 # في «هدان» التي هي من ذوات الياء أجوز وأحسن، وحكي أن الكفار قالوا ~~لإبراهيم عليه السلام خف أن تصيبك آلهتنا ببرص أو داء لإذايتك لها وتنقصك، ~~فقال لهم لست أخاف الذي تشركون به، لأنه لا قدرة له ولا غناء عنده وما في ~~هذا الموضع بمعنى الذي، والضمير في به يحتمل أن يعود على الله عز وجل فيكون ~~على هذا في قوله تشركون ضمير عائد على ما تقدير الكلام ولا أخاف الأصنام ~~التي تشركونها بالله في الربوبية، ويحتمل أن يعود الضمير على ما فلا يحتاج ~~إلى غيره، كأن التقدير ما تشركون بسببه، وقوله تعالى: إلا أن يشاء ربي شيئا ~~استثناء ليس من الأول وشيئا منصوب ب يشاء، ولما كانت قوة الكلام أنه لا ~~يخاف ضرا استثنى مشيئة ربه تعالى في أن يريده بضر، وعلما نصب على التمييز ~~وهو مصدر بمعنى الفاعل، كما تقول العرب: تصبب زيد عرقا، المعنى تصبب عرق ~~زيد فكذلك المعنى هنا وسع علم ربي كل شيء أفلا تتذكرون توقيف وتنبيه وإظهار ~~لموضع التقصير منهم. # قوله عز وجل: ms1197 ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 81 الى 83] # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) # هذه الآية إلى تعلمون هي كلها من قول إبراهيم عليه السلام لقومه، وهي ~~حجته القاطعة لهم، المعنى: وكيف أخاف الأصنام التي لا خطب لها وهي حجارة ~~وخشب إذا أنا نبذتها ولم أعظمها، ولا تخافون أنتم الله عز وجل وقد أشركتم ~~به في الربوبية أشياء لم ينزل بها عليكم حجة، و «السلطان» : # الحجة، ثم استفهم على جهة التقرير فأي الفريقين أحق بالأمن أي من لم يشرك ~~بالقادر العالم أحق أن يأمن وقوله تعالى: الذين آمنوا الآية، الذين رفع ~~بالابتداء، ويلبسوا معناه يخلطوا، و «الظلم» في هذه الآية الشرك تظاهرت ~~بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من الصحابة أنه لما ~~نزلت هذه الآية أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم ~~يظلم نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك كما قال لقمان: إن ~~الشرك لظلم عظيم وروي أن عمر بن الخطاب قرأ في المصحف فلما أتى عليها عظمت ~~عليه، فلبس رداءه ومر إلى أبي بن كعب، فقال: يا أبا المنذر وسأله عنها، ~~فقال له إنه الشرك يا أمير المؤمنين فسري عن عمر، وجرى لزيد بن صوحان مع ~~سلمان نحو مما جرى لعمر مع أبي بن كعب رضي الله عنهم، وقرأ مجاهد، «ولم ~~يلبسوا إيمانهم بشرك» وقرأ عكرمة «يلبسوا» بضم الياء، والأمن رفع بالابتداء ~~وخبره في المجرور والجملة خبر أولئك، وهم مهتدون أي راشدون، وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: المراد بهذه الآية إبراهيم خاصة، وقال عكرمة: نزلت ~~في مهاجري أصحاب محمد عليه السلام خاصة، وقالت فرقة: هي من قول إبراهيم ~~لقومه فهي من الحجة التي أوتيها، وقال ms1198 ابن جريج هي من قول قوم إبراهيم ~~ويجيء هذا من الحجة أيضا أن أقروا بالحق وهم قد ظلموا في PageV02P315 # الإشراك، وقال ابن إسحاق وابن زيد وغيرهما: بل ذلك قول من الله عز وجل ~~ابتداء حكم فصل عام لوقت محاجة إبراهيم وغيره ولكل مؤمن تقدم أو تأخر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية ~~ويحسن رصفها، وهو خبر من الله تعالى وتلك إشارة إلى هذه الحجة المتقدمة وهي ~~رفع بالابتداء وحجتنا خبره وآتيناها في موضع الحال، ويجوز أن تكون حجتنا ~~بدلا من تلك وآتيناها خبر «تلك» «وإبراهيم» مفعول ب «آتيناها» ، والضمير ~~مفعول أيضا ب آتيناها مقدم وعلى متعلقة بقوله حجتنا وفي ذلك فصل كثير، ~~ويجوز أن تتعلق على ب «آتيناها» على المعنى إذ أظهرناها لإبراهيم على قومه ~~ونحو هذا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «نرفع درجات من نشاء» ~~بإضافة الدرجات إلى من، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «نرفع درجات من نشاء» . # قال القاضي أبو محمد: وهما مأخذان من الكلام، والمعنى المقصود بهما واحد، ~~ودرجات على قراءة من نون نصب على الظرف، وحكيم عليم صفتان تليق بهذا الموضع ~~إذ هو موضع مشيئة واختيار فيحتاج ذلك إلى العلم والإحكام، والدرجات أصلها ~~في الأجسام ثم تستعمل في المراتب والمنازل المعنوية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 86] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين (86) # ووهبنا عطف على آتيناها [الأنعام: 83] وإسحاق ابنه من سارة، ويعقوب هو ~~ابن إسحاق، وكلا ونوحا منصوبان على المفعول مقدمان على الفعل، وقوله: من ~~قبل لقومه صلى الله عليه وسلم، وقوله: ومن ذريته المعنى وهدينا من ذريته، ~~والضمير في ذريته قال الزجاج جائز أن يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكر ~~«لوط» عليه السلام وهو ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه ms1199 وقيل ابن أخته ~~ويتخرج عند من يرى الخال أبا وقيل: يعود الضمير على نوح وهذا هو الجيد، ~~وداود يقال هو ابن إيشى وسليمان ابنه، وأيوب هو فيما يقال أيوب بن رازح بن ~~عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، ويوسف هو ابن يعقوب بن إسحاق، وموسى وهارون هما ~~ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، ونصب داود يحتمل أن يكون ب ~~وهبنا ويحتمل أن يكون ب هدينا وهذه الأسماء كلها فيها العجمة والتعريف، فهي ~~غير مصروفة، وموسى عند سيبويه وزنه مفعل فعلى هذا يتصرف في النكرة، وقيل ~~وزنه فعلى، فعلى هذا لا يتصرف في معرفة ولا نكرة، وكذلك نجزي المحسنين وعد ~~من الله عز وجل لمن أحسن في PageV02P316 # عمله وترغيب في الإحسان، وزكريا فيما يقال هو ابن آذر بن بركنا، وعيسى ~~ابن مريم بنت عمران بن ياشهم بن أمون بن حزينا، وإلياس هو ابن نسي بن فنحاص ~~بن العيزان بن هارون بن عمران، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال إدريس هو ~~الياس ورد ذلك الطبري وغيره بأن إدريس هو جد نوح تظاهرت بذلك الروايات، ~~«وزكرياء» قرأته طائفة بالمد وقرأته طائفة بالقصر «زكريا» ، وقرأ ابن عامر ~~باختلاف عنه، والحسن وقتادة بتسهيل الهمزة من الياس، وفي هذه الآية أن عيسى ~~عليه السلام من ذرية نوح أو إبراهيم بحسب الاختلاف في عود الضمير من ذريته، ~~وهو ابن ابنته، وبهذا يستدل في الأحباس على أن ولد البنت من الذرية، ~~وإسماعيل هو أكبر ولدي إبراهيم عليه السلام وهو من هاجر واليسع قال زيد بن ~~أسلم وهو يوشع بن نون، وقال غيره: هو أليسع بن أخطوب بن العجوز، وقرأ جمهور ~~الناس «وأليسع» وقرأ حمزة والكسائي «والليسع» كأن الألف واللام دخلت على ~~فيعل، قال أبو علي الفارسي: فالألف واللام في «اليسع» زائدة لا تؤثر معنى ~~تعريف لأنها ليست للعهد كالرجل والغلام ولا للجنس كالإنسان والبهائم ولا ~~صفة غالبة كالعباس والحارث لأن ذلك يلزم عليه أن يكون «اليسع» فعلا، وحينئذ ~~يجري صفة. وإذا كان فعلا ms1200 وجب أن يلزمه الفاعل ووجب أن يحكى إذ هي جملة ولو ~~كان كذلك لم يجز لحاق اللام له إذ اللام لا تدخل على الفعل فلم يبق إلا أن ~~تكون الألف واللام زائدة كما هي زائدة في قولهم الخمسة العشر درهما، وفي ~~قول الشاعر: [الرجز] # يا ليت أم العمر كانت صاحبي # بالعين غير منقوطة، وفي قوله: [الطويل] # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله # قال وأما الليسع فالألف واللام فيه بمنزلتها في الحارث والعباس لأنه من ~~أبنية الصفات لكنها بمنزلة «اليسع» في أنه خارج عما عليه الأسماء الأعجمية ~~إذ لم يجىء فيها شيء هو على هذا الوزن كما لم يجىء منها شيء فيه لام تعريف ~~فهما من الأسماء الأعجمية إلا أنهما مخالفان للأسماء فيما ذكر. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وأما اليزيد فإنه لما سمي به أزيل منه ~~معنى الفعل وأفردت فيه الاسمية فحصل علما وزيدت فيه الألف واللام لا ~~لتعريف، وقال الطبري دخلت الألف واللام اتباعا للفظ الوليد، ويونس هو ابن ~~متى ويقال يونس ويونس ويونس وكذلك يوسف ويوسف ويوسف وبكسر النون من يونس ~~والسين من يوسف قرأ الحسن وابن مصرف وابن وثاب وعيسى بن عمر والأعمش في ~~جميع القرآن والعالمين معناه عالمي زمانهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 87 الى 90] # ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ~~ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) PageV02P317 # والمعنى وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات، ف من للتبعيض ~~والمراد من آمن منهم نبيا كان أو غير نبي، ويدخل عيسى عليه السلام في ضمير ~~قوله: ومن آبائهم، ولهذا قال محمد بن كعب الخال أب والخالة أم، واجتبيناهم ~~معناه تخيرناهم وأرشدناهم وضممناهم إلى خاصتنا وأرشدناهم إلى ms1201 الإيمان ~~والفوز برضى الله تعالى. قال مجاهد معناه أخلصناهم، و «الذرية» الأبناء ~~وينطلق على جميع البشر ذرية لأنهم أبناء، وقال قوم: إن الذرية تقع على ~~الآباء لقوله تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك [يس: 41] يراد به ~~نوع البشر وقوله تعالى: ذلك هدى الله يهدي به الآية، ذلك إشارة إلى النعمة ~~في قوله: واجتبيناهم وإضافة الهدى إلى الله إضافة ملك، ولحبط معناه تلف ~~وذهب لسوء غلب عليه، وأولئك إشارة إلى من تقدم ذكره والكتاب يراد به المصحف ~~والتوراة والإنجيل والزبور، والحكم يراد به اللب والفطنة والفقه في دين ~~الله، وهؤلاء إشارة إلى كفار قريش المعادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإلى كل كفار في ذلك العصر، قاله قتادة وابن عباس والسدي وغيرهم، وقوما ~~يراد به مؤمنو أهل المدينة، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم، ~~فالآية على هذا التأويل وإن كان القصد في نزولها هذين الصنفين فهي تعم ~~الكفرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال قتادة أيضا والحسن بن أبي الحسن ~~المراد ب «القوم» من تقدم ذكره من الأنبياء والمؤمنين، وقال أبو رجاء: ~~المراد الملائكة، والباء في به متعلقة بقوله: بكافرين والباء في قوله ~~بكافرين زائدة للتأكيد وقوله تعالى: # أولئك الذين هدى الله الآية، الظاهر في الإشارة، ب أولئك أنها إلى ~~المذكورين قبل من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين المهديين ومعنى الاقتداء ~~اتباع الأثر في القول والفعل والسيرة، وإنما يصح اقتداؤه بجميعهم في العقود ~~والإيمان والتوحيد الذي ليس بينهم فيه اختلاف وأما أعمال الشرائع فمختلفة، ~~وقد قال عز وجل: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48] ويحتمل أن تكون الإشارة ب ~~أولئك إلى قوله قوما. # قال القاضي أبو محمد: وذلك يترتب على بعض التأويلات في المراد بالقوم ~~ويقلق بعضها، قال القاضي ابن الباقلاني: واختلف الناس هل كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل مبعثه متعبدا بشرع من كان قبله، فقالت طائفة كان ~~متعبدا، واختلف بشرع من؟ فقالت فرقة بشرع إبراهيم، وفرقة بشرع موسى، وفرقة ~~بشرع عيسى، وقالت طائفة بالوقف ms1202 في ذلك، وقالت طائفة لم يكن متعبدا بشرع من ~~كان قبله وهو الذي يترجح. # قال القاضي أبو محمد: ولا يحمل كلام القاضي على أنه لم يكن متعبدا بشرع ~~من كان قبله في توحيد ولا معتقد لأنا نجد شرعنا ينبىء أن الكفار الذين ~~كانوا قبل النبي عليه السلام كأبويه وغيرهما في النار ولا يدخل الله تعالى ~~أحدا النار إلا بترك ما كلف، وذلك في قوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث PageV02P318 # رسولا # [الإسراء: 15] وغير ذلك وقاعدة المتكلمين أن العقل لا يوجب ولا يكلف ~~وإنما يوجب الشرع، فالوجه في هذا أن يقال إن آدم عليه السلام فمن بعده دعا ~~إلى توحيد الله دعاء عاما واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي البالغ ~~أن يبحث على الشرع الآمر بتوحيد الله تعالى وينظر في الأدلة المنصوبة على ~~ذلك بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن ولا يعبد غير الله، فمن فرضناه لم ~~يجد سبيلا إلى العلم بشرع آمر بتوحيد الله وهو مع ذلك لم يكفر ولا عبد صنما ~~بل تخلى فأولئك أهل الفترات الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة وهم ~~بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث فعبد صنما وكفر فهذا ~~تارك للواجب عليه مستوجب العقاب بالنار، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~المبعث ومن كان معه من الناس وقبله مخاطبون على ألسنة الأنبياء قبل بتوحيد ~~الله عز وجل، وغير مخاطبين بفروع شرائعهم إذ هي مختلفة وإذ لم يدعهم إليها ~~نبي، وأما بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فهل هو وأمته مخاطبون بشرع من ~~تقدم فقالت فرقة لسنا مخاطبين بشيء من ذلك وقالت فرقة نحن مخاطبون بشرع من ~~قبلنا. # قال القاضي أبو محمد: ومن قال من هذه الطائفة إن محمدا عليه السلام وأمته ~~مخاطبون بكل شرائع من تقدم على الإطلاق فقد أحال لأن أحكام الشرائع تأتي ~~مختلفة، وإنما يتحدق قول من قال منها إنا متعبدون بما صح نقله من شرائع من ~~قبلنا ولم تختلف فيه الشرائع وبالآخر مما اختلفت فيه لأنه ms1203 الناسخ المتقدم ~~ويرتبط في صحة نقل ذلك إلى ما وقع في القرآن في حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حكاية أحكام سالفة كقوله تعالى: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به [ص: ~~44] وكقوله: أقم الصلاة لذكري [طه: 14] وكحكاية تزويج شعيب ابنته بموسى ~~عليهما السلام، وكحديث النبي عليه السلام في قضية سليمان بين المرأتين في ~~الولد ونحو ذلك، ولا يقتضي قولهم أكثر من جواز أن يتعبد بذلك وأما وجوب أن ~~تعبد فغير لازم، ولا يتعلق عندي أشبه في ذلك من أن يقال النبي عليه السلام ~~شرع لأمته أن يصلي الناس صلاته إذا ذكرها، ثم مثل في ذلك لا على طريق ~~التعليل بقوله عز وجل لموسى وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] فننقل نحن هذا إلى ~~غير ذلك من النوازل ونقول إنه كما شرع عندنا المثال في نسيان الصلاة كذلك ~~نشرع هذه الأمثلة كلها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قياس ضعيف، ولو ذكر النبي عليه السلام قوله ~~تعالى: وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] على جهة التعليل لكانت الحجة به قوية، ~~ولا يصح أن يقال يصح عندنا نقل ما في الشرائع من جهة من أسلم منهم كعبد ~~الله بن سلام وغيره صحة ننقلها، وكذلك ما شرعه الحواريون لا سبيل إلى صحة ~~شرع عيسى عليه السلام له، وقرأ ابن كثير وأهل مكة ونافع وأبو عمرو وأهل ~~المدينة وعاصم «اقتده» بهاء السكت ثابتة في الوقف والوصل، وقرأ حمزة ~~والكسائي «اقتد» قال بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف، وهذا هو ~~القياس، وهي تشبه ألف الوصل في أنها تقطع في الابتداء وتوصل غير مبتدأ بها، ~~فكذلك هذه تثبت في الوقف وتحذف في الوصل، وقرأ ابن عامر «اقتده» بكسر الهاء ~~دون بلوغ الياء، قال ابن مجاهد وهذا غلط لأنها هاء وقف لا تعرب على حال، ~~قال أبو علي ووجه ذلك أن تكون ضمير المصدر كأنه قال اقتد الاقتداء، وقرأ ~~ابن ذكوان على هذه «اقتده» بإشباع الياء بعد الهاء، وقالت فرقة إن كسر ~~الهاء إنما هو في هاء السكت كما قد ms1204 تسكن هاء الضمير أحيانا. PageV02P319 # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، ولا تجوز عليه القراءة بإشباع الياء، ~~وقوله تعالى: قل لا أسئلكم الآية، المعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفرة ~~المعاندين لا أسألكم على دعائي إياكم بالقرآن إلى عبادة الله وتوحيده ~~أستكثر بها وأختص بدنياها، إن القرآن إلا موعظة، وذكرى ودعاء لجميع ~~العالمين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 91] # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون (91) # الضمير في قدروا وقالوا قيل يراد به العرب قاله مجاهد وغيره، وقيل يراد ~~به بنو إسرائيل، قاله ابن عباس، وقيل رجل مخصوص منهم يقال له مالك بن الصيف ~~قاله سعيد بن جبير، وقيل في فنحاص قاله السدي، قدروا هو من توفية القدر ~~والمنزلة فهي عامة يدخل تحتها من لم يعرف ومن لم يعظم وغير ذلك، غير أن ~~تعليله بقولهم ما أنزل الله يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ ~~أحالوا عليه بعثه الرسل وحق نصب على المصدر، ومن قال إن المراد كفار العرب ~~فيجيء الاحتجاج عليهم بقوله: # من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى احتجاجا بأمر مشهور منقول بكافة قوم لم ~~تكن العرب مكذبة لهم، ومن قال إن المراد بني إسرائيل فيجيء الاحتجاج عليهم ~~مستقيما لأنهم يلتزمون صحة نزول الكتاب على موسى عليه السلام، وروي أن مالك ~~بن الصيف كان سمينا فجاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بزعمه فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنشدك الله ألست تقرأ فيما أنزل على موسى أن ~~الله يبغض الحبر السمين» فغضب وقال والله ما أنزل الله على بشر من شيء ~~والآية على قول من قال نزلت في قول بني إسرائيل تلزم أن تكون مدنية، وكذلك ~~حكى النقاش أنها مدنية، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وغيرهما «وما قدروا» ms1205 ~~بتشديد الدال «الله حق قدره» بفتح الدال، وقرأ الجمهور في الأول بالتخفيف ~~وفي الثاني بإسكانه. # وقوله تعالى: # قل من أنزل الكتاب الآية، أمره الله تعالى أن يستفهم على جهة التقرير على ~~موضع الحجة، والمراد ب الكتاب التوراة، ونورا وهدى اسمان في موضع الحال ~~بمعنى نيرا وهاديا، فإن جعلناه حالا من الكتاب فالعامل فيه أنزل، وإن ~~جعلناه حالا من الضمير في به فالعامل فيه جاء، وقرأ جمهور الناس «تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون» بالتاء من فوق في الأفعال الثلاثة، فمن رأى أن ~~الاحتجاج على بني إسرائيل استقامت له هذه القراءة وتناسقت مع قوله: وعلمتم ~~ما لم تعلموا ومن رأى أن الاحتجاج إنما هو على كفار العرب فيضطر في هذه ~~القراءة إذ لا يمكن دفعها إلى أن يقول إنه خرج من مخاطبة قريش في استفهامهم ~~وتقريرهم إلى مخاطبة بني إسرائيل بتوبيخهم وتوبيخ أفعالهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مع بعده أسهل من دفع القراءة، فكأنه على هذا ~~التأويل قال لقريش من PageV02P320 # أنزل الكتاب على موسى، ثم اعترض على بني إسرائيل فقال لهم خلال الكلام ~~تجعلونه أنتم يا بني إسرائيل قراطيس، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يجعلونه ~~قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا» بالياء في الأفعال الثلاثة، فمن رأى الاحتجاج ~~على قريش رآه إخبارا من الله عز وجل بما فعلته اليهود في الكتاب، ويحتمل أن ~~يكون الإخبار بذلك لقريش أو للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وما أخبر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن فأمته متلقية ذلك، وقراطيس جمع قرطاس ~~أي بطائق وأوراقا والمعنى يجعلونه ذا قراطيس من حيث يكتب فيها، وتوبيخهم ~~بالإبداء والإخفاء هو على إخفائهم آيات محمد عليه السلام والإخبار بنبوته ~~وجميع ما عليهم فيه حجة وقوله: وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قال ~~مجاهد وغيره هي مخاطبة للعرب، فالمعنى على هذا قصد ذكر منة الله عليهم بذلك ~~أي علمتم يا معشر العرب من الهدايات والتحيد والإرشاد إلى الحق ما لم ~~تكونوا عالمين به ولا آباؤكم. # قال القاضي أبو محمد: وقوله: ms1206 وعلمتم ما لم تعلموا يصلح على هذا المعنى ~~لمخاطبة من انتفع بالتعليم ومن لم ينتفع به، ويصح الامتنان بتعليم الصنفين، ~~وليس من شرط من علم أن يعلم ولا بد، اما أن التعليم الكامل هو الذي يقع معه ~~التعلم، وقالت فرقة بل هي مخاطبة لبني إسرائيل، والمعنى على هذا يترتب على ~~وجهين، أحدهما أن يقصد به الامتنان عليهم وعلى آبائهم بأن علموا من دين ~~الله وهداياته ما لم يكونوا عالمين به، لأن آباء المخاطبين من بني إسرائيل ~~كانوا علموا أيضا وعلم بعضهم، وليس ذلك في آباء العرب، والوجه الآخر أن ~~يكون المقصود منهم أي وعلمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه بعد التعليم ولا ~~انتفعتم به لإعراضكم وضلالكم ثم أمره تعالى بالمبادرة إلى موضع الحجة أي ~~قل: الله هو الذي أنزل الكتاب على موسى ويحتمل أن يكون المعنى فإن جهلوا أو ~~تحيروا أو سألوا أو نحو هذا فقل الله ثم أمره بترك من كفر وأعرض، وهذه آية ~~منسوخة بآية القتال إن تأولت موادعة، وقد يحتمل أن لا يدخلها نسخ إذا جعلت ~~تتضمن تهديدا ووعيدا مجردا من موادعة، و «الخوض» الذهاب فيما لا تسبر ~~حقائقه، وأصله في الماء ثم يستعمل في المعاني المشكلة الملتبسة، ويلعبون في ~~موضع الحال. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 92] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) # قوله هذا إشارة إلى القرآن، ومبارك صفة له، ومصدق كذلك، وحذف التنوين من ~~مصدق للإضافة وهي إضافة غير محضة لم يتعرف بها مصدق ولذلك ساغ أن يكون وصفا ~~لنكرة، والذي في موضع المفعول، والعامل فيه مصدر، ولا يصلح أن يكون مصدق مع ~~حذف التنوين منه يتسلط على الذي، ويقدر حذف التنوين للالتقاء وإنما جاء ذلك ~~شاذا في الشعر في قوله: [المتقارب] # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا PageV02P321 # ولا يقاس عليه، وبين يديه هي حال التوراة والإنجيل لأن ما تقدم فهو بين ~~يدي ما تأخر، ms1207 وقالت فرقة الذي بين يديه القيامة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا غير صحيح لأن القرآن هو بين يدي ~~القيامة، وقرأ الجمهور «ولتنذر أم القرى» أي أنت يا محمد، وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم «ولينذر» أي القرآن بمواعظه وأوامره، واللام في لتنذر متعلقة بفعل ~~متأخر تقديره ولتنذر أم القرى أو من حولها أنزلناه، وأم القرى مكة سميت ~~بذلك لوجوه أربعة، منها أنها منشأ الدين والشرع ومنها ما روي أن الأرض منها ~~دحية ومنها أنها وسط الأرض وكالنقطة للقرى، ومنها ما لحق عن الشرع من أنها ~~قبلة كل قرية فهي لهذا كله أم وسائر القرى بنات، وتقدير الآية لتنذر أهل أم ~~القرى، ومن حولها يريد أهل سائر الأرض، وحولها ظرف العامل فيه فعل مضمر ~~تقديره ومن استقر حولها، ثم ابتدأ تبارك وتعالى بمدح وصفهم وأخبر عنهم أنهم ~~يؤمنون بالآخرة والبعث والنشور، ويؤمنون بالقرآن ويصدقون بحقيقته، ثم قوى ~~عز وجل مدحهم بأنهم «يحافظون على صلاتهم» التي هي قاعدة العبادات وأم ~~الطاعات، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو بكر عن عاصم «صلواتهم» بالجمع، ومن ~~قرأ بالإفراد فإنه مفرد يدل على الجميع وإذا انضافت الصلاة إلى ضمير لم ~~تكتب إلا بالألف ولا تكتب في المصحف بواو إلا إذا لم تنضف إلى ضمير. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 93] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) # هذه ألفاظ عامة فكل من واقع شيئا مما يدخل تحت هذه الألفاظ فهو داخل في ~~الظلم الذي قد عظمه الله تعالى بقوله: ومن أظلم أي لا أحد أظلم وقال قتادة ~~وغيره: المراد بهذه الآيات مسيلمة والأسود العنسي، وذكروا رؤية النبي عليه ~~السلام للسوارين وقال السدي: المراد بها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ms1208 ~~الغامدي وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وكان أخا عثمان بن عفان ~~من الرضاعة فلما نزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة ~~في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: 14] فقال عبد الله بن ~~سعد من تلقاء نفسه فتبارك الله أحسن الخالقين [المؤمنون: 23] فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اكتبها فهكذا أنزلت، فتوهم عبد الله ولحق بمكة ~~مرتدا وقال أنا أنزل مثل ما أنزل الله، وروي عنه أيضا أن النبي عليه السلام ~~ربما أملى عليه «والله غفور رحيم» فبدلها هو «والله سميع عليم» فقال النبي ~~عليه السلام: ذلك سواء ونحو هذا، وقال عكرمة: أولها في مسيلمة والآخر في ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وذكر الزهراوي والمهدوي أن الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن بقوله والزارعات زرعا والخابزات خبزا إلى ~~غير ذلك من السخافات. PageV02P322 # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فخصص المتأولون في هذه الآيات ذكر قوم ~~قد يمكن أن كانوا أسباب نزولها ثم هي إلى يوم القيامة تتناول من تعرض شيئا ~~من معانيها كطليحة الأسدي والمختار بن أبي عبيد وسواهما وقرأ الجمهور ~~«سأنزل مثل ما أنزل» بتخفيف وقرأ أبو حيوة «سأنزل» بفتح النون وتشديد ~~الزاي. # قوله عز وجل: ولو ترى إذ الظالمون الآية، جواب لو محذوف تقديره لرأيت ~~عجبا أو هولا ونحو هذا وحذف هذا الجواب أبلغ من نصه لأن السامع إذا لم ينص ~~له الجواب يترك مع غاية تخيله والظالمون لفظ عام لمن واقع ما تقدم ذكره ~~وغير ذلك من أنواع الظلم الذي هو كفر و «الغمرات» جمع غمرة وهي المصيبة ~~المبهمة المذهلة، وهي مشبهة بغمرة الماء، ومنه قول الشاعر [بشر بن أبي ~~خازم] : # [الوافر] # ولا ينجي من الغمرات إلا ... براكاء القتال أو الفرار # والملائكة ملائكة قبض الروح، وباسطوا أيديهم كناية عن مدها بالمكروه كما ~~قال تعالى حكاية عن ابني آدم: لئن ms1209 بسطت إلي يدك لتقتلني [المائدة: 28] . # وهذا المكروه هو لا محالة أوائل عذاب وأماراته، قال ابن عباس: يضربون ~~وجوههم وأدبارهم، وأما البسط لمجرد قبض النفس فإنه يشترك فيه الصالحون ~~والكفرة، وقيل إن المراد بسط الأيدي في جهنم، والغمرات كذلك لكنهم لا يقضى ~~عليهم فيموتوا، وقوله: أخرجوا أنفسكم حكاية لما تقوله الملائكة، والتقدير ~~يقولون أخرجوا أنفسكم، ويحتمل قول الملائكة ذلك أن يريدوا فأخرجوا أنفسكم ~~من هذه المصائب والمحن وخلصوها إن كان ما زعمتموه حقا في الدنيا، وفي ذلك ~~توبيخ وتوقيف على سالف فعلهم القبيح، قال الحسن: هذا التوبيخ على هذا الوجه ~~هو في جهنم، ويحتمل أن يكون ذلك على معنى الزجر والإهانة كما يقول الرجل ~~لمن يقهره بنفسه على أمر ما أفعل كذا، لذلك الأمر الذي هو يتناوله بنفسه ~~منه على جهة الإهانة وإدخال الرعب عليه. # وقوله تعالى: اليوم تجزون عذاب الهون الآية، هذه حكاية عن قول الملائكة ~~للكفرة عند قبض أرواحهم، والهون الهوان ومنه قول ذي الأصبع: [البسيط] # إليك عني فما ألمى براعية ... ترعى المخاض ولا أفضى على الهون # وقرأ عبد الله بن مسعود وعكرمة «عذاب الهوان» بالألف. # وقوله تعالى: تقولون على الله غير الحق لفظ جامع لكل نوع من الكفر ولكنه ~~يظهر منه ومن قوله وكنتم عن آياته تستكبرون الإنحاء على من قرب ذكره من ~~هؤلاء الذين ادعوا الوحي وأن ينزلوا مثل ما أنزل الله، فإنها أفعال بين ~~فيها «قول غير الحق على الله» وبين فيها الاستكبار. # قوله عز وجل: PageV02P323 ### || [سورة الأنعام (6) : آية 94] # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) # هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض أرواحهم، فإما عند خروجها من الأجساد ~~وإما يوم القيامة كل ذلك محتمل، وفرادى معناه فردا فردا، والألف في آخره ~~ألف تأنيث ومنه قول الشاعر [ابن مقبل] : # ترى النعرات الزرق تحت لبانه ... فرادى ومثنى أصعقتها صواهله # وقرأ أبو حيوة «فرادى» منونا على ms1210 وزن فعال وهي لغة تميم، وفرادى قيل هو ~~جمع فرد بفتح الراء، وقيل جمع فرد بإسكان الراء والمقصد في الآية توقيف ~~الكفار على انفرادهم وقلة النصير واحتياجهم إلى الله عز وجل بفقد الخول ~~والشفعاء، فيكون قوله: كما خلقناكم أول مرة تشبيها بالانفراد الأول في وقت ~~الخلقة، ويتوجه معنى آخر وهو أن يتضمن قوله: كما خلقناكم زيادة معان على ~~الانفراد كأنه قال ولقد جئتمونا فرادى وبأحوال كذا، والإشارة على هذا بقوله ~~كما هي إلى ما قاله النبي عليه السلام في صفة من يحشر أنهم يحشرون حفاة ~~عراة غرلا، وخولناكم معناه أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت ~~زهير: # [الطويل] : # هنالك إن يستخولوا المال يخولوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا # وراء ظهوركم إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجودا. # وقوله تعالى: وما نرى معكم شفعاءكم الآية، توقيف على الخطأ في عبادة ~~الأصنام وتعظيمها، قال الطبري: وروي أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث ~~لأنه قال سوف تشفع له اللات والعزى. # قال القاضي أبو محمد: ومن كان من العرب يعتقد أنها تشفع وتقرب إلى الله ~~زلفى ويرى شركتها بهذا الوجه فمخاطبته بالآية متمكن وهكذا كان الأكثر، ومن ~~كان منهم لا يقر بإله غيرها فليس هو في هذه الآية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وعاصم وابن عامر، وحمزة «بينكم» بالرفع، وقرأ نافع والكساء «بينكم» بالنصب ~~أما الرفع فعلى وجوه، أولاها أنه الظرف استعمل اسما وأسند إليه الفعل كما ~~قد استعملوه، اسما في قوله تعالى: من بيننا وبينك حجاب [فصلت: 5] وكقولهم ~~فيما حكى سيبويه أحمر بن بين العينين، ورجح هذا القول أبو علي الفارسي، ~~والوجه الآخر أن بعض المفسرين منهم الزهراوي والمهدوي وأبو الفتح وسواهم ~~حكوا أن «البين» في اللغة يقال على الافتراق وعلى الوصل فكأنه قال لقد تقطع ~~وصلكم. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا عندي اعتراض لأن ذلك لم يرو مسموعا عن ~~العرب وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل في العين «والبين» ~~الوصل. # لقوله عز وجل: لقد تقطع ms1211 بينكم فعلل سوق اللفظة بالآية، والآية معرضة لغير ~~ذلك، أما إن أبا الفتح قوى أن «البين» الوصل وقال: «وقد أتقن ذلك بعض ~~المحدثين بقوله: قد أنصف البين من البين» . # والوجه الثالث من وجوه الرفع أن يكون «البين» على أصله في الفرقة من بان ~~يبين إذا بعد، ويكون في قوله: # تقطع تجوز على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة تقطعت الفجاج بين ~~كذا وكذا عبارة عن بعد PageV02P324 # ذلك، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك «بالبين» ~~الذي هو الفرقة، وأما وجه قراءة النصب فأن يكون ظرفا ويكون الفعل مستندا ~~إلى شيء محذوف وتقديره لقد تقطع الاتصال أو الارتباط بينكم أو نحو هذا. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس: ~~مجاهد والسدي وغيرهما، وجه آخر يراه أبو الحسن الأخفش وهو أن يكون الفعل ~~مسندا إلى الظرف ويبقى الظرف على حال نصبه وهو في النية مرفوع، ومثل هذا ~~عنده قوله: وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك [الجن: 11] وقرأ ابن مسعود ~~ومجاهد والأعمش «تقطع ما بينكم» بزيادة ما وضل معناه تلف وذهب، وما كنتم ~~تزعمون يريد دعواهم أنها تشفع وتشارك الله في الألوهية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 95 الى 96] # إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ~~ذلك تقدير العزيز العليم (96) # هذا ابتداء تنبيه على العبرة والنظر، ويتصل المعنى بما قبله لأن القصد أن ~~الله لا هذه الأصنام، وقال مجاهد وأبو مالك هذه إشارة إلى الشق الذي في حبة ~~البر ونواة التمر. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والعبرة على هذا القول مخصوصة في بعض ~~الحب وبعض النوى، وليس لذلك وجه، وقال الضحاك وقتادة والسدي وغيرهما هذه ~~إشارة إلى فعل الله في أن يشق جميع الحب عن جميع النبات الذي يكون منه ويشق ~~النوى عن جميع الأشجار الكائنة عنه. # قال القاضي أبو ms1212 محمد رضي الله عنه: وهذا هو الظاهر الذي يعطي العبرة ~~التامة، فسبحان الخلاق العليم، وقال الضحاك: فالق بمعنى خالق، وقال السدي ~~وأبو مالك: يخرج الحي من الميت إشارة إلى إخراج النبات الأخضر والشجر ~~الأخضر من الحب اليابس والنوى اليابس، فكأنه جعل الخضرة والنضارة حياة ~~واليبس موتا ومخرج الميت من الحي إشارة إلى إخراج اليابس من النبات والشجر، ~~وقال ابن عباس وغيره، بل ذلك كله إشارة إلى إخراج الإنسان الحي من النطفة ~~الميتة وإخراج النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك سائر الحيوان والطير ~~من البيض والحوت وجميع الحيوان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أرجح وإنما تعلق قائلو القول الأول ~~بتناسب تأويلهم مع قوله: # فالق الحب والنوى وهما على هذا التأويل الراجح معنيان متباينان فيهما ~~معتبر، وقال الحسن: المعنى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ~~وقوله: ذلكم الله ابتداء وخبر متضمن التنبيه، فأنى تؤفكون أي تصرفون وتصدون ~~وفالق الإصباح أي شاقه ومظهره، والفلق الصبح، وقرأ الجمهور «فالق الإصباح» ~~بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وعيسى بن عمر وأبو رجاء «فالق ~~الأصباح» بفتح الهمزة جمع صبح، وقرأت فرقة «فالق الإصباح» بحذف التنوين ~~«فالق» لالتقاء الساكنين، ونصب PageV02P325 # «الإصباح» ب «فالق» كأنه أراد «فالق الإصباح» بتنوين القاف، وهذه قراءة ~~شاذة، وإنما جوز سيبويه مثل هذا في الشعر وأنشد عليها: [المتقارب] # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا # وحكى النحاس عن المبرد جواز ذلك في الكلام، وقرأ أبو حيوة وإبراهيم ~~النخعي ويحيى بن وثاب «فلق الإصباح» بفعل ماض، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر «وجاعل الليل» وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «وجعل الليل» ، ~~وهذا لما كان «فالق» بمعنى الماضي فكأن اللفظ «فلق الإصباح» وجعل، ويؤيد ~~ذلك نصب الشمس والقمر، وقرأ الجمهور «سكنا» وروي عن يعقوب «ساكنا» قال أبو ~~عمرو الداني ولا يصح ذلك عنه، ونصبه بفعل مضمر إذا قرأنا «وجاعل» لأنه ~~بمعنى المضي، وتقدير الفعل المضمر وجاعل الليل يجعله سكنا، وهذا مثل قولك ~~هذا معطي زيد أمس درهما، والذي حكاه أبو ms1213 علي في هذا أن ينتصب بما في الكلام ~~من معنى معطي. وقرأ أبو حيوة «والشمس والقمر» بالخفض عطفا على لفظ «الليل» ~~وحسبانا جمع حساب كشهبان في جمع شهاب، أي تجري بحساب، هذا قول ابن عباس ~~والسدي وقتادة ومجاهد، وقال مجاهد في صحيح البخاري المراد حسبان كحسبان إلى ~~حي وهو الدولاب والعود الذي عليه دورانه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 97 الى 98] # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون (97) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد ~~فصلنا الآيات لقوم يفقهون (98) # هذه المخاطبة تعم المؤمنين والكافرين، فالحجة بها على الكافرين قائمة ~~والعبرة بها للمؤمنين ممكنة متعرضة، وجعل هنا بمعنى خلق لدخولها على مفعول ~~واحد، وقد يمكن أن تكون بمعنى صير ويقدر المفعول الثاني في لتهتدوا لأنه ~~يقدر وهو الذي جعل لكم النجوم هداية، وفي ظلمات هي هاهنا على حقيقتها في ~~ظلمة الليل بقرينة النجوم التي لا تكون إلا بالليل، ويصح أن تكون «الظلمات» ~~هاهنا الشدائد في المواضع التي يتفق أن يهتدى فيها الشمس، وذكر الله تعالى ~~النجوم في ثلاث منافع وهي قوله: # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح [الملك: 5] وقوله: وجعلناها رجوما ~~للشياطين [الملك: 5] وقوله: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات ~~البر والبحر فالواجب أن يعتقد أن ما عدا هذه الوجوه من قول أهل التأثير ~~باطل واختلاق على الله وكفر به، وفصلنا معناه بينا وقسمنا والآيات الدلائل ~~ولقوم يعلمون تخصيص لهم بالذكر وتنبيه منهم لتحصلهم الآية المفصلة ~~المنصوبة، وغيرهم تمر عليهم الآيات وهم معرضون عنها، وقوله: وهو الذي ~~أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع الآية، الإنشاء فعل الشيء، ومن نفس ~~واحدة يريد آدم عليه السلام، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ~~«فمستقر» بفتح القاف على أنه موضع استقرار، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~«فمستقر» بكسر القاف على أنه اسم فاعل، وأجمعوا على فتح الدال من «مستودع» ~~بأن يقدر موضع PageV02P326 # استيداع، وأن يقدر أيضا مفعولا ولا يصح ذلك ms1214 في مستقر لأن استقر لا يتعدى ~~فيبنى منه مفعول أما أنه روى هارون الأعور عن أبي عمرو «ومستودع» بكسر ~~الدال، فمن قرأ «فمستقر ومستودع» على أنها موضع استقرار وموضع استيداع ~~علقها بمجرور تقديره فلكم مستقر ومستودع، ومن قرأ «فمستقر ومستودع» على اسم ~~الفاعل في «مستقر» واسم المفعول في «مستودع» علقها بمجرور تقديره فمنكم ~~مستقر ومستودع واضطرب المتأولون في معنى هذا الاستقرار والاستيداع، فقال ~~الجمهور مستقر في الرحم ومستودع في ظهور الآباء حتى يقضي الله بخروجهم، ~~وقال ابن عون: مشيت إلى منزل إبراهيم النخعي وهو مريض فقالوا قد توفي ~~فأخبرني بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله عن «مستقر ومستودع» فقال: ~~مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وقال الحسن بن أبي الحسن: مستقر في ~~القبور ومستودع في الدنيا، وقال ابن عباس: المستقر الأرض والمستودع عند ~~الرحم، وقال ابن جبير: المستودع في الصلب والمستقر في الآخرة والذي يقتضيه ~~النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه وليس بمستقر فيه استقرارا مطلقا ~~لأنه ينتقل لا محالة ثم ينتقل إلى الرحم ثم ينتقل إلى القبر ثم ينتقل إلى ~~المحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو النار فيستقر في أحدهما استقرارا مطلقا، وليس ~~فيها مستودع لأنه لا نقلة له بعد وهو في كل رتبة متوسطة بين هذين الظرفين ~~«مستقر» بالإضافة إلى التي قبلها و «مستودع» بالإضافة إلى التي بعدها لأن ~~لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ولا بد، ويفقهون معناه يفهمون وقد تقدم تفسير ~~مثل هذا آنفا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 99] # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) # السماء في هذا الموضع السحاب، وكل ما أظلك فهو سماء، وماء أصله موه تحركت ~~الواو وانفتح ما قبلها فجاء ماه فبدلت الهاء بالهمزة لأن الألف والهاء ~~ضعيفان مهموسان، وقوله: ms1215 نبات كل شيء قال بعض المفسرين أي مما ينبت، وحسن ~~إطلاق العموم في كل شيء لأن ذكر النبات قبله قد قيد المقصد وقال الطبري ~~والمراد ب كل شيء ما ينمو من جميع الحيوانات والنبات والمعادن وغير ذلك، ~~لأن ذلك كله يتغذى وينمو بنزول الماء من السماء، والضمير في منه يعود على ~~النبات، وفي الثاني يعود على الخضر، وخضرا بمعنى أخضر، ومنه قوله عليه ~~السلام: «الدنيا خضرة حلوة» بمعنى خضراء. # قال القاضي أبو محمد: وكأن «خضرا» إنما يأتي أبدا لمعنى النضارة وليس ~~للون فيه مدخل، وأخضر إنما تمكنه في اللون، وهو في النضارة تجوز، وقوله: ~~حبا متراكبا يعم جميع السنابل وما شاكلها كالصنوبر، والرمان وغيرها من جميع ~~النبات، وقوله تعالى: ومن النخل تقديره ونخرج من النخل ومن طلعها قنوان ~~ابتداء خبره مقدم، والجملة في موضع المفعول بنخرج، و «الطلع» أول ما يخرج ~~من النخلة في أكمامه، وقنوان جمع قنو وهو العذق بكسر العين وهي الكباسة، ~~والعرجون عوده الذي ينتظم التمر، PageV02P327 # قرأ الأعرج «قنوان» بفتح القاف، وقال أبو الفتح ينبغي أن يكون اسما للجمع ~~غير مكسر لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع قال المهدوي وروي عن الأعرج ضم ~~القاف، وكذلك أنه جمع «قنو» بضم القاف، قال الفراء وهي لغة قيس وأهل ~~الحجاز، والكسر أشهر في العرب، وقنو يثنى قنوان منصرفة النون، ودانية معناه ~~قريبة من المتناول، قاله ابن عباس والبراء بن عازب والضحاك وقيل قريبة ~~بعضها من بعض، وقرأ الجمهور «وجنات» بنصب جنات عطفا على قوله نبات، وقرأ ~~الأعمش ومحمد بن أبي ليلى ورويت عن أبي بكر عن عاصم «وجنات» بالرفع على ~~تقدير ولكم جنات أو نحو هذا، وقال الطبري وهو عطف على قنوان. # قال القاضي أبو محمد: وقوله ضعيف والزيتون والرمان بالنصب إجماعا عطفا ~~على قوله: # حبا، ومشتبها وغير متشابه قال قتادة: معناه تتشابه في اللون وتتباين في ~~الثمر، وقال الطبري: جائز أن تتشابه في الثمر وتتباين في الطعم، ويحتمل أن ~~يريد تتشابه في الطعم وتتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة ms1216 بالاعتبار في ~~أنواع الثمرات، وقوله تعالى: انظروا وهو نظر بصر يترتب عليه فكرة قلب، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم «إلى ثمره» بفتح الثاء والميم ~~وهو جمع ثمرة كبقرة وبقر وشجرة وشجر، وقرأ يحيى بن وثاب ومجاهد «ثمره» بضم ~~الثاء والميم قالا وهي أصناف المال. # قال القاضي أبو محمد: كأن المعنى انظروا إلى الأموال التي تتحصل منه، وهي ~~قراءة حمزة والكسائي، قال أبو علي والأحسن فيه أن يكون جمع ثمره كخشبة وخشب ~~وأكمة وأكم، ومنه قول الشاعر: # [الطويل] # ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # نظيره في المعتل لابة ولوب وناقة ونوق وساحة وسوح. # ويجوز أن يكون جمع جمع فتقول ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر، وقرأت فرقة ~~«إلى ثمره» بضم الثاء وإسكان الميم كأنها ذهبت إلى طلب الخفة في تسكين ~~الميم، والثمر في اللغة جنى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر ثمارا فتجوز، ~~وقرأ جمهور الناس و «ينعه» بفتح الياء وهو مصدر ينع يينع إذا نضج، يقال ينع ~~وأينع، وبالنضج فسر ابن عباس هذه الآية، ومنه قول الحجاج «إني لأرى رؤوسا ~~قد أينعت» ، ويستعمل ينع بمعنى استقل واخضر ناضرا، ومنه قول الشاعر: ~~[المديد] # في قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا # وقيل في ينعه إنه جمع يانع مثل في تاجر وتجر وراكب وركب ذكره الطبري، ~~وقرأ ابن محيصن وقتادة والضحاك «وينعه» بضم الياء أي نضجه، وقرأ ابن أبي ~~عبلة واليماني. «ويانعه» ، وقوله إن في ذلكم لآيات إيجاب تنبيه وتذكير ~~وتقدم تفسير مثله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 100 الى 102] # وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ~~خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) PageV02P328 # جعلوا بمعنى صيروا، والجن مفعول وشركاء مفعول ثان مقدم، ويصح أن يكون ~~قوله شركاء مفعولا أولا ولله في ms1217 موضع المفعول الثاني والجن بدل من قوله ~~شركاء، وهذه الآية مشيرة إلى العادلين بالله والقائلين إن الجن تعلم الغيب ~~العابدين للجن، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجن الأودية في ~~أسفارها ونحو هذا، أما الذين «خرقوا البنين» فاليهود في ذكر عزير والنصارى ~~في ذكر المسيح، وأما ذاكرو البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات الله، ~~فكأن الضمير في جعلوا وخرقوا لجميع الكفار إذ فعل بعضهم هذا، وبنحو هذا فسر ~~السدي وابن زيد، وقرأ شعيب بن أبي حمزة «شركاء الجن» بخفض النون، وقرأ يزيد ~~بن قطيب وأبو حيوة «الجن والجن» بالخفض والرفع على تقديرهم الجن، وقرأ ~~الجمهور «وخلقهم» بفتح اللام على معنى وهو خلقهم، وفي مصحف عبد الله بن ~~مسعود «وهو خلقهم» يحتمل العودة على الجاعلين ويحتملها على المجعولين، وقرأ ~~يحيى بن يعمر «وخلقهم» بسكون اللام عطفا على الجن أي جعلوا خلقهم الذي ~~ينحتونه أصناما شركاء بالله، وقرأ السبعة سوى نافع «وخرقوا» بتخفيف للراء ~~وهو بمعنى اختلفوا وافتروا وقرأ نافع «وخرقوا» بتشديد الراء على المبالغة، ~~وقرأ ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما «وحرفوا» من التحريف كذا قال أبو ~~الفتح، قال أبو عمرو الداني قرأ ابن عباس «حرفوا» خفيفة الراء، وابن عمر ~~«حرفوا» مشددة الراء، وقوله بغير علم نص على قبح تقحمهم المجهلة وافترائهم ~~الباطل على عمى، سبحانه أي تنزه عن وصفهم الفاسد المستحيل عليه تبارك ~~وتعالى وبديع بمعنى: مبدع ومخترع وخالق، فهو بناء اسم فاعل كما جاء: سميع ~~بمعنى مسمع وأنى بمعنى كيف ومن أين، فهي استفهام في معنى التوقيف والتقرير، ~~وقرأ جمهور الناس «ولم تكن» بالتاء على تأنيث علامة الفعل، وقرأ إبراهيم ~~النخعي: بالياء على تذكيرها وتذكير كان وأخواتها مع تأنيث اسمها أسهل من ~~ذلك في سائر الأفعال، فقولك: كان في الدار هند أسوغ من قام في الدار هند، ~~وحسن القراءة الفصل بالظرف الذي هو الخبر ويتجه في القراءة المذكورة أن ~~يكون في تكن ضمير اسم الله تعالى، وتكون الجملة التي هي له صاحبة خبر كان، ~~ويتجه أن يكون ms1218 في «يكن» ضمير أمر وشأن وتكون الجملة بعد تفسيرا له وخبرا، ~~وهذه الآية رد على الكفار بقياس الغائب على الشاهد، وقوله وخلق كل شيء لفظ ~~عام لكل ما يجوز أن يدخل تحته ولا يجوز أن يدخل تحته صفات الله تعالى ~~وكلامه، فليس هو عموما مخصصا على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصص هو أن ~~يتناول العموم شيئا ثم يخرجه التخصيص، وهذا لم يتناول قط هذه التي ذكرناها، ~~وإنما هذا بمنزلة قول الإنسان: قتلت كل فارس وأفحمت كل خصم فلم يدخل القائل ~~قط في هذا العموم الظاهر من لفظه، وأما قوله وهو بكل شيء عليم فهذا عموم ~~على الإطلاق ولأن الله عز وجل يعلم كل شيء لا رب غيره ولا معبود سواه، ولما ~~تقررت الحجج وبانت الوحدانية جاء قوله تعالى: ذلكم الله ربكم الآية تتضمن ~~تقريرا وحكما إخلاصا أمرا بالعبادة وإعلاما بأنه حفيظ رقيب على كل فعل وقول ~~وفي هذا الإعلام تخويف وتحذير. PageV02P329 # قوله تعالى: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 103 الى 105] # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) قد جاءكم ~~بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) ~~وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) # أجمع أهل السنة على أن الله تعالى يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون وقاله ~~ابن وهب عن مالك بن أنس، والوجه أن يبين جواز ذلك عقلا ثم يستند إلى ورود ~~السمع بوقوع ذلك الجائز، واختصار تبيين ذلك يعتبر بعلمنا بالله عز وجل، فمن ~~حيث جاز أن نعلمه لا في مكان ولا متحيز ولا مقابل ولم يتعلق علمنا بأكثر من ~~الوجود، جاز أن نراه غير مقابل ولا محاذى ولا مكيفا ولا محدودا، وكان ~~الإمام أبو عبد الله النحوي يقول: مسألة العلم حلقت لحى المعتزلة ثم ورد ~~الشرع بذلك وهو قوله عز وجل: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: ~~22] وتعدية النظر يأتي إنما هو في كلام العرب لمعنى الرؤية لا لمعنى ~~الانتظار على ما ذهبت إليه المعتزلة، وذكر هذا ms1219 المذهب لمالك فقال: فأين هم ~~عن قوله تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] . # قال القاضي أبو محمد: فقال بدليل الخطاب ذكره النقاش ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فيما صح عنه وتواتر وكثر نقله: إنكم ترون ربكم يوم القيامة ~~كما ترون القمر ليلة البدر ونحوه من الأحاديث على اختلاف ترتيب ألفاظها، ~~وذهبت المعتزلة إلى المنع من جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة واستحال ذلك ~~بآراء مجردة، وتمسكوا بقوله تعالى: لا تدركه الأبصار وانفصل أهل السنة عن ~~تمسكهم بأن الآية مخصوصة في الدنيا، ورؤية الآخرة ثابتة بأخبارها، وانفصال ~~آخر، وهو أن يفرق بين معنى الإدراك ومعنى الرؤية، ونقول إنه عز وجل تراه ~~الأبصار ولا تدركه، وذلك الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى أعماقه ~~وحوزه من جميع جهاته، وذلك كله محال في أوصاف الله عز وجل، والرؤية لا ~~تفتقر إلى أن يحيط الرائي بالمرئي ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتب ~~العكس في قوله وهو يدرك الأبصار ويحسن معناه، ونحو هذا روي عن ابن عباس ~~وقتادة وعطية العوفي، فرقوا بين الرؤية والإدراك، وأما الطبري رحمه الله ~~ففرق بين الرؤية والإدراك واحتج بقول بني إسرائيل إنا لمدركون فقال إنهم ~~رأوهم ولم يدركوهم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا كله خطأ لأن هذا الإدراك ليس ~~بإدراك البصر بل هو مستعار منه أو باشتراك، وقال بعضهم إن المؤمنين يرون ~~الله تعالى بحاسة سادسة تخلق يوم القيامة، وتبقى هذه الآية في منع الإدراك ~~بالأبصار عامة سليمة، قال: وقال بعضهم: إن هذه الآية مخصوصة في الكافرين، ~~أي إنه لا تدركه أبصارهم لأنهم محجوبون عنه. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الأقوال كلها ضعيفة ودعا ولا ~~تستند إلى قرآن ولا حديث، واللطيف المتلطف في خلقه واختراعه وإتقانه، ~~وبخلقه وعباده والخبير المختبر لباطن أمورهم PageV02P330 # وظاهرها، و «البصائر» جمع بصيرة وهي ما يتفق عن تحصيل العقل للأشياء ~~المنظور فيها، بالاعتبار، فكأنه قال قد جاءكم في القرآن والآيات طرائق ~~إبصار الحق والمعينة عليه، والبصيرة للقلب ms1220 مستعارة من إبصار العين، ~~والبصيرة أيضا هي المعتقد المحصل في قول الشاعر [الأسعر الجعفي] : [الكامل] # راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي # وقال بعض الناس في هذا البيت البصيرة طريقة الدم، والشاعر إنما يصف جماعة ~~مشوا به في طلب دم ففتروا فجعلوا الأمر وراء ظهورهم، وقوله تعالى: فمن أبصر ~~ومن عمي عبارة مستعارة فيمن اهتدى ومن ضل، وقوله وما أنا عليكم بحفيظ كان ~~في أول الأمر وقبل ظهور الإسلام ثم بعد ذلك كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حفيظا على العالم آخذا لهم بالإسلام والسيف، وقوله تعالى: وكذلك نصرف ~~الآيات وليقولوا درست الآية، الكاف في قوله وكذلك في موضع نصب ب نصرف أي ~~ومثل ما بينا البصائر وغير ذلك نصرف الآيات أي نرددها ونوضحها وقرأت طائفة ~~«وليقولوا درست» بسكون اللام على جهة الأمر ويتضمن التوبيخ والوعيد. وقرأ ~~الجمهور «وليقولوا» بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة ~~كقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8] إلى ذلك، وقرأ ~~نافع وعاصم وحمزة والكسائي «درست» أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما ~~تجيبنا به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «دارست» أي أنت يا محمد دارست غيرك في ~~هذه الأشياء أي قارأته وناظرته، وهذا إشارة منهم إلى سلمان وغيره من ~~الأعاجم واليهود، وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة «درست» بإسناد الفعل ~~إلى الآيات كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم ~~وامحت، قال أبو علي واللام في ليقولوا على هذه القراءة بمعنى لئلا يقولوا ~~أي صرفت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه الأساطير قديمة قد بليت وتكررت على ~~الأسماع، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة، وقرأت فرقة «دارست» كأنهم ~~أرادوا دراستك يا محمد أي الجماعة المشار إليها قبل من سلمان واليهود ~~وغيرهم، وقرأت فرقة «درست» بضم الراء وكأنها في معنى درست أي بليت، وقرأ ~~قتادة «درست» بضم الدال وكسر الراء وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه ورويت عن ~~الحسن، قال أبو الفتح ms1221 في «درست» ضمير الآيات، ويحتمل أن يراد عفيت وتنوسيت، ~~وقرأ أبي بن كعب «درس» وهي في مصحف عبد الله، قال المهدوي وفي بعض مصاحف ~~عبد الله أيضا «درس» ، ورويت عن الحسن، وقرأت فرقة «درس» بتشديد الراء على ~~المبالغة في درس، وهذه الثلاثة الأخيرة مخالفة لخط المصحف، واللام في قوله ~~وليقولوا وفي قوله ولنبينه متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها، وقرأ أبي بن ~~كعب وابن مسعود «ولتبينه» بالتاء على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقرأه فرقة «وليبينه» بياء أي الله تعالى، وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا ~~مضمرة بعد أن المقدرة في قوله وليقولوا فتقدير الكلام عندهم وأن لا يقولوا ~~كما أضمروها في قوله يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] . # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا ~~في موضع من المواضع. PageV02P331 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 106 الى 108] # اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء ~~الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل ~~أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) # هذان أمران للنبي صلى الله عليه وسلم مضمنهما الاقتصار على اتباع الوحي ~~وموادعة الكفار. وذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ الإعراض عنهم بالقتال ~~والسوق إلى الدين طوعا أو كرها، وقوله تعالى: ولو شاء الله ما أشركوا في ~~ظاهرها رد على المعتزلة القائلين إنه ليس عند الله لطف يؤمن به الكافر وإن ~~الكافر والإنسان في الجملة يخلق أفعاله، وهي متضمنة أن إشراكهم وغيره وقف ~~على مشيئة الله عز وجل، وقوله تعالى: وما جعلناك عليهم حفيظا كان في أول ~~الإسلام، وكذلك وما أنت عليهم بوكيل وقوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من ~~دون الله الآية، مخاطبة للمؤمنين والنبي عليه السلام، وقال ابن عباس وسببها ~~أن كفار قريش قالوا لأبي طالب إما أن ينتهي محمد ms1222 وأصحابه عن سب آلهتنا ~~والغض منها وإما نسب إلهه ونهجوه فنزلت الآية، وحكمها على كل حال باق في ~~الأمة، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله ~~عليه وسلم والله عز وجل فلا يحل للمسلم أن يسب دينهم ولا صلبانهم ولا يتعرض ~~ما يؤدي إلى ذلك أو نحوه، وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب الذين وذلك على ~~معتقد الكفرة فيها، وفي هذه الآية ضرب من الموادعة. # وقرأ جمهور الناس «عدوا» بفتح العين وسكون الدال نصب على المصدر، وقرأ ~~الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء وقتادة ويعقوب وسلام وعبد الله بن زيد «عدوا» ~~بضم العين والدال وتشديد الواو، وهذا أيضا نصب على المصدر وهو من الاعتداء، ~~وقرأ بعض الكوفيين «عدوا» بفتح العين وضم الدال نصب على الحال أي في حال ~~عداوة لله، وهو لفظ مفرد يدل على الجمع، وقوله بغير علم بيان لمعنى ~~الاعتداء المتقدم، وقوله تعالى: كذلك زينا لكل أمة إشارة إلى ما زين الله ~~لهؤلاء عبدة الأصنام من التمسك بأصنامهم والذنب عنها وتزيين الله عمل الأمم ~~هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير والشر والاتباع لطرقه، ~~وتزيين الشيطان هو بما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء، وقوله ثم ~~إلى ربهم مرجعهم فينبئهم يتضمن وعدا جميلا للمحسنين ووعيدا ثقيلا للمسيئين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 109 الى 110] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) PageV02P332 # الضمير في قوله وأقسموا عائد على المشركين المتقدم ذكرهم، وجهد نصب على ~~المصدر والعامل فيه أقسموا على مذهب سيبويه لأنه في معناه، وعلى مذهب أبي ~~العباس المبرد فعل من لفظة، واللام في قوله لئن لام موطئة للقسم مؤذنة به، ~~وأما اللام المتلقية للقسم فهي قوله ليؤمنن وآية يريد علامة، وحكي أن ~~الكفار لما نزلت إن نشأ ننزل عليهم من ms1223 السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ~~[الشعراء: 4] أقسموا حينئذ أنها إن نزلت آمنوا فنزلت هذه الآية. # وحكي أنهم اقترحوا أن يعود الصفا ذهبا وأقسموا فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو في ذلك فجاءه جبريل فقال له إن شئت أصبح ذهبا فإن لم يؤمنوا ~~هلكوا عن آخرهم معاجلة كما فعل بالأمم إذا لم تؤمن بالآيات المقترحة، وإن ~~شئت أخروا حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل حتى يتوب ~~تائبهم ونزلت هذه الآية، وقرأ ابن مصرف «ليؤمنن» بفتح الميم والنون وبالنون ~~الخفيفة، ثم قال تعالى قل لهم يا محمد على جهة الرد والتخطية إنما الآيات ~~بيد الله وعنده، ليست عندي فتقترح علي، ثم قال وما يشعركم فاختلف المتأولون ~~فمن المخاطب بقوله وما يشعركم ومن المستفهم ب «ما» التي يعود عليها الضمير ~~الفاعل في «يشعركم» ، فقال مجاهد وابن زيد: المخاطب بذلك الكفار، وقال ~~الفراء وغيره، المخاطب بها المؤمنون، وما يشعركم معناه وما يعلمكم وما ~~يدريكم، وقرأ قوم «يشعركم» بسكون الراء، وهي على التخفيف، ويحسنها أن ~~الخروج من كسرة إلى ضمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية دواد ~~الايادي «إنها» بكسر الألف على القطع واستئناف الإخبار، فمن قرأ «تؤمنون» ~~بالتاء وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبة أولا وآخرا للكفار، ~~ومن قرأ «يؤمنون» بالياء وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي ~~فيحتمل أن يخاطب أولا وآخرا المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله وما يشعركم ~~الكفار ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، ومفعول يشعركم الثاني محذوف ~~ويختلف تقديره بحسب كل تأويل، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي ~~وابن عامر «أنها» بفتح الألف، فمنهم من جعلها «أن» التي تدخل على الجمل ~~وتأتي بعد الأفعال كعلمت وظننت وأعمل فيها يشعركم، والتزم بعضهم «أن لا» ~~زائدة في قوله لا يؤمنون وأن معنى الكلام وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون ~~أو تؤمنون فزيدت لا كما زيدت في قوله وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون [الأنبياء: 95] لأن المعنى وحرام ms1224 على قرية مهلكة رجوعهم، وكما جاءت ~~في قول الشاعر: [الطويل] # أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله # قال الزجاج أراد «أبى جوده البخل» ، كما جاءت زائدة في قول الشاعر: # أفمنك لا برق كان وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب # ودعا إلى التزام هذا حفظ المعنى لأنها لو لم تكن زائدة لعاد الكلام عذرا ~~للكفار وفسد المراد بالآية، وضعف الزجاج وغيره زيادة لا وقال هذا غلط، ~~ومنهم من جعل «أنها» بمعنى لعلها وحكاها سيبويه عن الخليل وهو تأويل لا ~~يحتاج معه إلى تقدير زيادة لا، وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب: ~~وما أدراكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، ومن هذا المعنى قول الشاعر [أبو ~~النجم] : [الرجز] PageV02P333 # قلت لشيبان ادن من لقائه ... أنى تغذى القوم من شوائه # فهذه كلها بمعنى لعل وضعف أبو علي هذا بأن التوقع الذي فيه لا يناسب ~~الآية بعد التي حكمت بأنهم لا يؤمنون، وترجح عنده في الآية أن تكون «أن» ~~على بابها وأن يكون المعنى قل إنما الآيات عند الله لأنها إذا جاءت «لا ~~يؤمنون» ، فهو لا يأتي بها لإصرارهم على كفرهم، وتكون الآية نظير قوله ~~تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [الإسراء: 59] أي ~~بالآيات المقترحة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويترتب على هذا التأويل أن تكون «ما» ~~نافية، ذكر ذلك أبو علي فتأمل وترجح عنده أيضا أن تكون لا زائدة، وبسط ~~شواهده في ذلك، وحكى بعض المفسرين أن في آخر الآية حذفا يستغنى به عن زيادة ~~لا، وعن تأويلها بمعنى لعل وتقديره عندهم أنها إذا جاءت «لا يؤمنون» أو ~~يؤمنون. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف لا يعضده لفظ الآية ولا ~~يقتضيه وتحتمل الآية أن يكون المعنى يتضمن الإخبار أنهم لا يؤمنون، وقيل ~~لهم وما يشعركم بهذه الحقيقة أي لا سبيل إلى شعوركم بها وهي حق في نفسها ~~وهم لا يؤمنون أن لو جاءت، وما استفهام على ms1225 هذا التأويل، وفي مصحف ابن ~~مسعود «وما يشعركم إذا جاءتهم يؤمنون» بسقوط أنها، وقوله تعالى: ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا المعنى على ما قالت فرقة ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم في النار وفي لهيبها في الآخرة لما لم يؤمنوا في الدنيا ثم استأنف ~~على هذا ونذرهم في الدنيا في طغيانهم يعمهون. # وقالت فرقة إنما المراد بالتقليب التحويل عن الحق والهدى، والترك في ~~الضلالة والكفر، ومعنى الآية أن هؤلاء الذين أقسموا أنهم يؤمنون إن جاءت ~~آية نحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم أن لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لو يؤمنوا ~~أول مرة بما دعوا إليه من عبادة الله، فأخبر الله تعالى على هذا التأويل ~~بصورة فعله بهم، وقرأ أبو رجاء «يذرهم» بالياء ورويت عن عاصم، وقرأ إبراهيم ~~النخعي «ويقلب ويذرهم» بالياء فيهما كناية عن الله تبارك وتعالى وقرأ أيضا ~~فيما روى عنه مغيرة «وتقلب» بفتح التاء واللام بمعنى وتنقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم بالرفع فيهما، «ويذرهم» بالياء وجزم الراء، وقالت فرقة قوله كما ~~في هذه الآية إنما هي بمعنى المجازاة أي لما لم يؤمنوا أول مرة نجازيهم بأن ~~نقلب أفئدتهم عن الهدى ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال ونحن نقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم جزاء لما لم يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من الشرع، والضمير في ~~«به» يحتمل أن يعود على الله عز وجل أو على القرآن أو على النبي عليه ~~السلام، ونذرهم معناه نتركهم، وقرأ الأعمش والهمداني «ويذرهم» بالياء وجزم ~~الراء على وجه التخفيف، والطغيان: التخبط في الشر والإفراط فيما يتناوله ~~المرء، والعمى التردد والحيرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 111 الى 112] # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو ~~شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) PageV02P334 # أخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه من إنزال ~~الملائكة وإحياء ms1226 سلفهم حسبما كان من اقتراح بعضهم أن يحشر قصي وغيره، فيخبر ~~بصدق محمد أو يجمع عليهم كل شيء يعقل أن يحشر عليهم، ما آمنوا إلا بالمشيئة ~~واللطف الذي يخلقه ويخترعه في نفس من شاء لا رب غيره، وهذا يتضمن الرد على ~~المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان، وقال ابن جريج: ~~نزلت هذه الآية في المستهزئين. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: لا يثبت إلا بسند، وقرأ نافع وابن ~~عامر وغيرهما «قبلا» بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ~~ابن عباس، وغيره ونصبه على الحال، وقال المبرد: المعنى ناحية كما تقول له ~~قبل فلان دين. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فنصبه على هذا هو على الظرف، وقرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم «قبلا» بضم القاف والباء، وكذلك قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو هنا وقرأ العذاب قبلا [الكهف: 55] مكسورة القاف واختلف في معناه ~~فقال عبد الله بن زيد ومجاهد وابن زيد: «قبل» جمع قبيل أي صنفا صنفا ونوعا ~~نوعا كما يجمع قضيب على قضب وغيره، وقال الفراء والزجاج هو جمع قبيل وهو ~~الكفيل «وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء» بصدق محمد وذكره الفارسي وضعفه، وقال ~~بعضهم قبل الضم بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر، ومنه ~~قوله تعالى: قد من قبل [يوسف: 26] ومنه قراءة ابن عمر لقبل عدتهن [الطلاق: ~~1] أي لاستقبالها ومواجهتها في الزمن وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة ~~«قبلا» بضم القاف وسكون الباء، وذلك على جهة التخفيف. # وقرأ طلحة بن مصرف «قبلا» بفتح القاف وإسكان الباء، وقرأ أبي والأعمش ~~«قبيلا» بفتح القاف وكسر الباء وزيادة ياء، والنصب في هذا كله على الحال، ~~وقوله عز وجل: ولكن أكثرهم يجهلون الضمير عائد إلى الكفار المتقدم ذكرهم، ~~والمعنى يجهلون أن الآية تقتضي إيمانهم ولا بد، فيقتضي اللفظ أن الأقل لا ~~يجهل فكان فيهم من يعتقد أن الآية لو جاءت «لم يؤمن إلا أن يشاء الله» له ~~ذلك، وقوله تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي الآية، تتضمن ms1227 تسلية النبي عليه السلام وعرض القدوة ~~عليه، أي إن هذا الذي امتحنت به يا محمد من الأعداء قد امتحن به غيرك من ~~الأنبياء ليبتلي الله أولي العزم منهم، وعدوا مفرد في معنى الجمع، ونصبه ~~على المفعول الأول ل جعلنا والمفعول الثاني في قوله لكل نبي، وشياطين بدل ~~من قوله عدوا، ويصح أن يكون المفعول الأول شياطين والثاني عدوا، وقوله ~~شياطين الإنس والجن يريد به المتمردين من النوعين الذين هم من شيم السوء ~~كالشياطين، وهذا قول جماعة من المفسرين ويؤيده حديث أبي ذر أنه صلى يوما ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعوذ يا أبا ذر من شياطين الجن ~~والإنس» ، قال وإن من الإنس لشياطين؟ قال: نعم. قال السدي وعكرمة: المراد ~~بالشياطين الموكلون بالإنس والشياطين الموكلون بمؤمني الجن، وزعما أن للجن ~~شياطين موكلين بغوايتهم PageV02P335 # وأنهم يوحون إلى شياطين الإنس بالشر والوسوسة يتعلمها بعضهم من بعض، ~~قالا: ولا شياطين من الإنس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر، ويوحي ~~معناه يلقيه في اختفاء فهو كالمناجاة والسرار، وزخرف القول معناه محسنه ~~ومزينه بالأباطيل، قاله عكرمة ومجاهد، و «الزخرفة» أكثر ذلك إنما يستعمل في ~~الشر والباطل، وغرورا نصب على المصدر ومعناه أنهم يغرون به المضللين ~~ويوهمون لهم أنهم على شيء والأمر بخلاف، والضمير في قوله فعلوه عائد على ~~اعتقادهم العداوة، ويحتمل على الوحي الذي تضمنته يوحي. وقوله فذرهم وما ~~يفترون لفظ يتضمن الأمر بالموادعة منسوخ بآيات القتال، قال قتادة كل ذر في ~~كتاب الله فهو منسوخ بالقتال ويفترون معناه يختلفون ويشتقون، وهو من الفرقة ~~تشبيها بفري الأديم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 113 الى 114] # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون (113) أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ~~(114) # ولتصغى إليه معناه لتميل يقال صغى يصغى وأصلها يصغي بكسر الغين لكن رده ~~حرف الحلق ms1228 إلى الفتح ويقال صغى يصغو وأصغى يصغي وصغى يصغى وأفئدة جمع فؤاد ~~و «يقترفون» معناه يواقعون ويجترحون، وهي مستعملة أكثر ذلك في الشر والذنوب ~~ونحوه، والقراء على كسر اللام في الثلاثة الأفعال على أنها لام كي، فإما أن ~~تكون معطوفة على غرورا [الأنعام: 112] ، وإما أن تكون متعلقة بفعل مؤخر ~~تقديره فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة قاله الزجاج، ولا يحتمل أن ~~تكون هذه اللامات على هذه القراءة لام الأمر وضمنها الوعيد، وتبقى في ~~«لتصغى» على نحو ما جاء من ذلك في قول الشاعر: # ألم يأتيك إلخ # # إلى غير ذلك مما قد قرىء به. قال أبو الفتح قرأها الحسن بالتسكين في ~~الثلاثة وهي لام كي وهي معطوفة على قوله غرورا [الأنعام: 112] التقدير لأجل ~~الغرور «ولتصغى» وإسكان هذه اللام شاذ في الاستعمال قوي في القياس. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن تحمل قراءة الحسن بسكون اللامات الثلاثة ~~على أنها لام الأمر المضمن الوعيد والتهديد، والخط على هذه القراءة «ولتصغ» ~~ذكر أبو عمرو الداني أن تسكينه في اللامات الثلاثة وكذلك قال أبو الفتح ~~وذكر أن الحسن إنما يسكن اللامين الثانية والثالثة. # قال القاضي أبو محمد: وذلك يخالفه خط المصحف في «ولتصغى» . # قال القاضي أبو محمد: ويتحصل أن يسكن اللام في ولتصغى على ما ذكرناه في ~~قراءة الجماعة، PageV02P336 # قال أبو عمرو: وقراءة الحسن إنما هي «لتصغي» بكسر الغين، وقراءة إبراهيم ~~النخعي «لتصغي» بضم التاء وكسر الغين من أصغى يصغي، وكذلك قرأ الجراح بن ~~عبد الله، وقوله تعالى: أفغير نصب ب أبتغي، وحكما نصب على البيان، ~~والتمييز، ومفصلا معناه مزال الإشكال قد فصلت آياته، وإن كان معناها يعم في ~~أن الله لا يبتغى سواه حكما في كل شيء وفي كل قضية فإنا نحتاج في وصف ~~الكلام واتساق المعاني أن ننظر إلى قضية فيما تقدم تكون سببا إلى قوله ~~أفغير الله أبتغي حكما فهي والله أعلم حكمه عليهم بأنهم لا يؤمنون ولو بعث ~~إليهم كل الآيات. وحكمه بأن جعل الأنبياء أعداء من الجن والإنس، ms1229 وحكما أبلغ ~~من حاكم إذ هي صيغة للعدل من الحكام والحاكم جار على الفعل فقد يقال ~~للجائر، وحكما نصب على البيان أو الحال، وبهذه الآية خاصمت الخوارج عليا ~~رضي الله عنه في تكفيره بالتحكيم، ولا حجة لها لأن الله تعالى حكم في الصيد ~~وبين الزوجين فتحكيم المؤمنين من حكمه تعالى. # وقوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق. # يتضمن الإشهاد بمؤمنيهم والطعن والتنبيه على مشركيهم وحسدتهم، وقرأ ابن ~~عامر وحفص عن عاصم «منزل» بالتشديد، والباقون بالتخفيف، «والكتاب» أولا هو ~~القرآن، وثانيا اسم جنس التوراة والإنجيل والزبور والصحف، ووصفه أهل الكتاب ~~بالعلم عموم بمعنى الخصوص وإنما يريد علماءهم وأحبارهم، وقوله فلا تكونن من ~~الممترين تثبيت ومبالغة وطعن على الممترين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 115 الى 117] # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) وإن ~~تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) # تمت في هذا الموضع بمعنى استمرت وصحت في الأزل صدقا وعدلا، وليس بتمام من ~~نقص، ومثله ما وقع في كتاب السيرة من قولهم وتم حمزة على إسلامه في الحديث ~~مع أبي جهل، و «الكلمات» ما نزل على عباده، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~«كلمة» بالإفراد هنا وفي يونس في الموضعين وفي حم المؤمن. وقرأ نافع وابن ~~عامر جميع ذلك «كلمات» بالجمع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا فقط «كلمات» ~~بالجمع، وذهب الطبري إلى أنه القرآن كما يقال كلمة فلان في قصيدة الشعر ~~والخطبة البليغة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي بعيد معترض، وإنما القصد العبارة عن نفوذ ~~قوله تعالى: # صدقا فيما تضمنه من خبر وعدلا فيما تضمنه من حكم، وهما مصدران في موضع ~~الحال، قال الطبري نصبا على التمييز وهذا غير صواب، ولا مبدل لكلماته معناه ~~في معانيها بأن يبين أحد أن خبره بخلاف ما أخبر به أو يبين أن أمره ms1230 لا ~~ينفذ، والمثال من هذا أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام فإن رجعك الله ~~إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج [التوبة 83] إلى الخالفين، فقال المنافقون ~~بعد ذلك للنبي عليه PageV02P337 # السلام وللمؤمنين ذرونا نتبعكم فقال الله لنبيه: يريدون أن يبدلوا كلام ~~الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل [الفتح: 15] أو في قوله فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا [التوبة: 83] لأن مضمنه الخبر بأن لا يباح لهم خروج، وأما ~~الألفاظ فقد بدلتها بنو إسرائيل وغيرتها، هذا مذهب جماعة من العلماء، وروي ~~عن ابن عباس أنهم إنما بدلوا بالتأويل والأول أرجح، وفي حرف أبي بن كعب، ~~«لا مبدل لكلمات الله» ، وقوله تعالى: وإن تطع أكثر من في الأرض الآية، ~~المعنى فامض يا محمد لما أمرت به وانفذ لرسالتك فإنك إن تطع أكثر من في ~~الأرض يضلوك وذكر أكثر لأن أهل الأرض حينئذ كان أكثرهم كافرين ولم يكن ~~المؤمنون إلا قلة، وقال ابن عباس: الأرض هنا الدنيا، وحكي أن سبب هذه الآية ~~أن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر الذبائح وقالوا: ~~تأكل ما تقتل وتترك ما قتل الله؟، فنزلت الآية، ووصفهم عز وجل بأنهم يقتدون ~~بظنونهم ويتبعون تخرصهم، والخرص الحزر والظن وقرأ جمهور الناس «يضل» بفتح ~~الياء. # وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يضل» بضم الياء، ورواه أحمد بن أبي شريح عن ~~الكسائي، ومن في قوله من يضل في موضع نصب بفعل مضمر تقديره يعلم من، وقيل ~~في موضع رفع كأنه قال أي يضل عن سبيله ذكره أبو الفتح وضعفه أبو علي وقيل ~~في موضع خفض بإضمار باء الجر كأنه قال: بمن يضل عن سبيله، وهذا ضعيف، قال ~~أبو الفتح هذا هو المراد فحذفت باء الجر ووصل أعلم بنفسه، قال ولا يجوز أن ~~يكون أعلم مضافا إلى من لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، وهذه الآية خبر ~~في ضمنه وعيد للضالين ووعد للمهتدين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 118 الى 119] # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم ms1231 بآياته مؤمنين (118) وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) # القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب وغيرها وعن الميتة وأنواعها، فجاءت ~~العبارة أمرا بما يضاد ما قصد النهي عنه، ولا قصد في الآية إلى ما نسي فيه ~~المؤمن التسمية أو تعمدها بالترك، وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر اسم الله ~~على الشراب والطعام والذبح وكل مطعوم وقوله إن كنتم بآياته مؤمنين أي إن ~~كنتم بأحكامه وأوامره آخذين، فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها ~~والانقياد لها، وقوله تعالى: وما لكم ألا تأكلوا الآية، ما استفهام يتضمن ~~التقرير، وتقدير هذا الكلام أي شيء لكم في أن لا تأكلوا، ف «أن» في موضع ~~خفض بتقدير حرف الجر، ويصح أن تكون في موضع نصب على أن لا يقدر حرف جر ~~ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله ما لكم # تقديره ما يجعلكم وقد فصل لكم ما حرم أي قد بين لكم الحرام من الحلال ~~وأزيل عنكم اللبس والشك. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «وقد فصل لكم ما حرم عليكم» على بناء ~~الفعل للمفعول في PageV02P338 # الفعلين وقرأ نافع وحفص عن عاصم «وقد فصل لكم ما حرم عليكم» على بناء ~~الفعل للفاعل في الفعلين، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي «وقد فصل» ~~على بناء الفعل إلى المفعول، وقرأ عطية العوفي «وقد فصل» على بناء الفعل ~~للفاعل وفتح الصاد وتخفيفها، «ما حرم» على بناء الفعل للمفعول، والمعنى قد ~~فصل الحرام من الحلال وانتزعه بالنبيين، وما في قوله إلا ما اضطررتم يريد ~~بها من جميع ما حرم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نصب بالاستثناء والاستثناء ~~منقطع، وقوله تعالى وإن كثيرا يريد الكفرة المحادين المجادلين في المطاعم ~~بما ذكرناه من قولهم: تأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما ذبح الله، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو «ليضلون» بفتح الياء على معنى إسناد الضلال إليهم ms1232 في هذه ~~السورة وفي يونس ربنا ليضلوا [الآية: 88] وفي سورة إبراهيم أندادا ليضلوا ~~[الآية: 30] وفي الحج ثاني عطفه ليضل [الآية: 9] وفي لقمان ليضل عن سبيل ~~الله بغير علم [الآية: 6] وفي الزمر أندادا ليضل [الزمر: 8] . # وقرأ نافع وابن عامر كذلك في هذه وفي يونس وفي الأربعة التي بعد هذه ~~يضمان الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، وهذه أبلغ في ذمهم لأن كل ~~مضل ضال وليس كل ضال مضلا، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي في المواضع الستة ~~«ليضلون» بضم الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، ثم بين عز وجل في ~~ضلالهم أنه على أقبح الوجوه وأنه بالهوى لا بالنظر والتأمل، وبغير علم ~~معناه في غير نظر فإن لمن يضل بنظر ما بعض عذر لا ينفع في أنه اجتهد، ثم ~~توعدهم تعالى بقوله: إن ربك هو أعلم بالمعتدين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 120] # وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ~~(120) # هذا نهي عام من طرفيه لأن الإثم يعم الأحكام والنسب اللاحقة للعصاة عن ~~جميع المعاصي، والظاهر والباطن يستوفيان جميع المعاصي، وقد ذهب المتأونون ~~إلى أن الآية من ذلك في مخصص، فقال السدي: ظاهره الزنا الشهير الذي كانت ~~العرب تفعله، وباطنه اتخاذ الأخدان، وقال سعيد بن جبير: الظاهر ما نص الله ~~على تحريمه من النساء بقوله حرمت عليكم أمهاتكم [النساء: 23] ، وقوله ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم [النساء: 22] ، والباطن الزنا، وقال ابن زيد: الظاهر ~~التعري والباطن الزنا. # قال القاضي أبو محمد: يريد التعري الذي كانت العرب تفعله في طوافها، قال ~~قوم: الظاهر الأعمال والباطن المعتقد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن لأنه عاد ثم توعد تعالى كسبة الإثم ~~بالمجازاة على ما اكتسبوه من ذلك وتحملوا ثقله، و «الاقتراف» الاكتساب. # قوله عز وجل: PageV02P339 ### || [سورة الأنعام (6) : آية 121] # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) # المقصد بهذه الآية النهي عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين تتركون ms1233 ما ~~قتل الله، والنهي أيضا عما ذبح للأنصاب، ومع ذلك فلفظها يعم ما تركت ~~التسمية عليه من ذبح الإسلام، وبهذا العموم تعلق محمد بن سيرين وعبد الله ~~بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن يزيد الخطمي ~~والشعبي وغيرهم فيما تركت التسمية عليه نسيانا أو عمدا لم يؤكل، وقالت ~~طائفة عظيمة من أهل العلم: # يؤكل ما ذبح ولم يسم عليه نسيانا، ولا يؤكل ما لم يسم عليه عمدا، وهذا ~~قول الجمهور، وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي ~~تركت التسمية عليها عمدا أو نسيانا، وعن ربيعة أيضا قال عبد الوهاب: ~~التسمية سنة فإذا تركها الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه، ~~وإذا تركها عمدا فقال مالك لا تؤكل، فحمل بعض أصحابه قوله لا تؤكل على ~~التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة، وقال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية ~~عمدا إلا أن يكون مستخفا، وقال نحوه الطبري، وذبائح أهل الكتاب عند جمهور ~~العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه من حيث لهم دين وتشرع، وقال قوم نسخ ~~من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب، قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن، والضمير ~~في إنه من قوله: وإنه لفسق عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل في قوله ولا ~~تأكلوا ويحتمل أن يعود على ترك الذكر الذي يتضمنه قوله لم يذكر، والفسق ~~الخروج عن الطاعة، هذا عرفه في الشرع، وقوله تعالى: وإن الشياطين الآية، ~~قال عكرمة عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس، وذلك أنهم ~~كانوا يوالون قريشا على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فخاطبوهم منبهين ~~على الحجة التي ذكرناها في أمر الذبح من قولهم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ~~ما قتل الله، فذلك من مخاطبتهم هو الوحي الذي عنى، و «الأولياء» قريش، و ~~«المجادلة» هي تلك الحجة، وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير: بل الشياطين ~~الجن واللفظة على وجهها وكفرة الجن أولياء الكفرة قريش، ووحيهم إليهم كان ~~بالوسوسة حتى ألهموهم ms1234 لتلك الحجة أو على ألسنة الكهان، وقال أبو زميل: كنت ~~عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إن إسحاق يعني المختار زعم أنه أوحي إليه ~~الليلة. فقال ابن عباس صدق، فنفرت فقال ابن عباس: وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ثم نهى الله عز وجل عن طاعتهم بلفظ يتضمن الوعيد وعرض أصعب مثال ~~في أن يشبه المؤمن بمشرك، وحكى الطبري عن ابن عباس قولا: إن الذين جادلوا ~~بتلك الحجة هم قوم من اليهود. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن اليهود لا تأكل الميتة، أما أن ذلك ~~يتجه منهم على جهة المغالطة كأنهم يحتجون عن العرب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 122 الى 123] # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) وكذلك ~~جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما ~~يشعرون (123) PageV02P340 # تقدم في هذه الآية السالفة ذكر قوم مؤمنين أمروا بترك الإثم وباطنه وغير ~~ذلك، وذكر قوم كافرين يضلون بأهوائهم وغير ذلك، فمثل الله عز وجل في ~~الطائفتين بأن شبه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا، هذا معنى قول ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما، وشبه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يترددون ~~فيها ولا يمكنهم الخروج منها ليبين عز وجل الفرق بين الطائفتين والبون بين ~~المنزلتين. # وقرأ جمهور الناس «أو من» بفتح الواو فهي ألف استفهام دخلت على واو عطف ~~جملة على جملة، ومن بمعنى الذي، وقرأ طلحة بن مصرف: «أفمن» بالفاء، والمعنى ~~قريب من معنى الواو، والفاء في قوله فأحييناه عاطفة، ونورا أمكن ما يعنى به ~~الإيمان ويمشي به يراد به جميع التصرف في الأفعال والأقوال، قال أبو علي: ~~ويحتمل أن يراد النور الذي يؤتاه المؤمنون يوم القيامة، وفي الناس متعلق ب ~~يمشي، ويصح أن يتعلق ب كان ميتا وقوله تعالى: كمن مثله بمنزلة كمن هو، ~~والكاف في قوله كذلك زين متعلقة بمحذوف يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره وكما ms1235 ~~أحيينا المؤمنين وجعلنا لهم نورا كذلك زين للكافرين، ويحتمل أن يتعلق بقوله ~~كمن مثله أي كهذه الحال هو التزيين، وقرأ نافع وحده «ميتا» بكسر الياء ~~وشدها، وقرأ الباقون «ميتا» بسكون الياء، قال أبو علي: التخفيف كالتشديد، ~~والياء المحذوفة هي الثانية المنقلبة عن واو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، ~~وقالت طائفة إن هذه الألفاظ التي مثل بها وإن كانت تعم كل مؤمن وكل كافر ~~فإنما نزلت في مخصوصين، فقال الضحاك: المؤمن الذي كان ميتا فأحيي عمر بن ~~الخطاب، وحكى المهدوي عن بعضهم أنه حمزة بن عبد المطلب، وقال عكرمة: # عمار بن ياسر، وقال الزجاج: جاء في التفسير أنه يعني به النبي عليه ~~السلام. # قال القاضي أبو محمد: واتفقوا على أن الذي في الظلمات أبو جهل بن هشام، ~~إلى حاله وحال أمثاله هي الإشارة والتشبيه بقوله وكذلك جعلنا في كل قرية ~~وهذه الآية تتضمن إنذارا بفساد حال الكفرة المتقدم ذكرهم، لأنه مقتضى حال ~~من تقدمهم من نظرائهم، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في المستهزئين. # قال القاضي أبو محمد: يعني أن التمثيل لهم، وجعلنا في هذه الآية بمعنى ~~صيرنا، فهي تتعدى إلى مفعولين الأول مجرميها والثاني أكابر وفي الكلام على ~~هذا تقديم وتأخير تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، وقدم الأهم ~~إذ لعلة كبرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعول الأول أكابر ومجرميها مضاف ~~والمفعول الثاني قوله في كل قرية وليمكروا نصب بلام الصيرورة، والأكابر جمع ~~أكبر كما الأفاضل جمع أفضل، ويقال أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة، ومنه قول ~~الشاعر [الأعشى] : [الكامل] # إن الأحامرة الثلاثة أتلفت ... مالي وكنت بهن قدما مولعا # يريد الخمر واللحم والزعفران، و «المكر» التخيل بالباطل والخديعة ~~ونحوهما، وقوله وما يمكرون إلا بأنفسهم يريد لرجوع وبال ذلك عليهم، وما ~~يشعرون أي ما يعلمون، وهي لفظة مأخوذة من الشعار وهو الشيء الذي يلي البدن، ~~فكأن الذي لا يشعر نفي عنه أن يعلم علم حس، وفي ذلك مبالغة في PageV02P341 # صفة جهله، إذ البهائم تعلم علوم الحس وأما هذه الآية فإنما نفي ms1236 فيها ~~الشعور في نازلة مخصوصة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 124 الى 125] # وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون (124) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين ~~لا يؤمنون (125) # هذه الآية آية ذم للكفار وتوعد لهم، يقول وإذا جاءتهم علامة ودليل على ~~صحة الشرع تشططوا وتسحبوا وقالوا إنما يقلق لنا البحر إنما يحيي لنا الموتى ~~ونحو ذلك، فرد الله عز وجل عليهم بقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالته أي فيمن ~~اصطفاه وانتخبه لا فيمن كفر وجعل يتشطط على الله، قال الزجاج: # قال بعضهم: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل المبعث مطاعين في ~~قومهم، وأعلم معلق العمل، والعامل في حيث فعل تقديره: يعلم حيث، ثم توعد ~~تعالى بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند الله صغار وذلة، ~~وعند الله متعلقة ب سيصيب، ويصح أن تتعلق ب صغار لأنه مصدر، قال الزجاج: ~~التقدير صغار ثابت عند الله، قال أبو علي: وهو متعلق ب صغار دون تقدير ثابت ~~ولا شيء غيره، وقوله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ~~الآية، «من» أداة شرط، ويشرح جواب الشرط، والآية نص في أن الله عز وجل يريد ~~هدى المؤمن وضلال الكافر، وهذا عند جميع أهل السنة بالإرادة القديمة التي ~~هي صفة ذاته تبارك وتعالى، و «الهدى» في هذه الآية هو خلق الإيمان في القلب ~~واختراعه، و «شرح الصدر» هو تسهيل الإيمان وتحبيبه وإعداد القلب لقبوله ~~وتحصيله، والهدى لفظة مشتركة تأتي بمعنى الدعاء كقوله عز وجل: وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] وتأتي بمعنى إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان ~~والطرق والأعمال المفضية إليها، كقوله تعالى: فلن يضل أعمالهم سيهديهم ~~ويصلح بالهم [محمد: 5] وغير ذلك، إلا أنها في هذه الآية وفي ms1237 قوله من يهد ~~الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون [الأعراف: 178] ، وفي قوله ~~إنك لا تهدي من أحببت [القصص: 56] ونحوها لا يتجه حملها إلا على خلق ~~الإيمان واختراعه، إذ الوجوه من الهدى تدفعها قرائن الكلام مما قبل وبعد، ~~وقوله يشرح صدره ألفاظ مستعارة هاهنا إذ الشرح التوسعة والبسط في الأجسام ~~وإذا كان الجرم مشروحا موسعا كان معدا ليحل فيه، فشبه توطئة القلب وتنويره ~~وإعداده للقبول بالشرح والتوسيع، وشبه قبوله وتحصيله للإيمان بالحلول في ~~الجرم المشروح، و «الصدر» عبارة عن القلب وهو المقصود، إذ الإيمان من ~~خصاله، وكذلك الإسلام عبارة عن الإيمان إذ الإسلام أعم منه، وإنما المقصود ~~هنا الإيمان فقط بدليل قرينة الشرح والهدى، ولكنه عبر بالإسلام إذ هو أعم ~~وأدنى الهدى حب الأعمال وامتثال العبادات، وفي يشرح ضمير عائد على الهدى، ~~قال: وعوده على الله عز وجل أبين. PageV02P342 # قال القاضي أبو محمد: والقول بأن الضمير عائد على المهدي قول يتركب عليه ~~مذهب القدرية في خلق الأفعال وينبغي أن يعتقد ضعفه وأن الضمير إنما هو عائد ~~على اسم الله عز وجل فإن هذا يعضده اللفظ والمعنى، وروي عن النبي عليه ~~السلام أنه لما نزلت هذه الآية، «قالوا يا رسول الله، كيف يشرح الصدر؟ # قال: إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح، قالوا وهل لذلك ~~علامة يا رسول الله؟ قال: نعم: # الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل ~~الفوت» . والقول في قوله ومن يرد أن يضله كالقول في قوله فمن يرد الله أن ~~يهديه، وقوله يجعل صدره ضيقا حرجا ألفاظ مستعارة تضاد شرح الصدر للإسلام ~~ويجعل في هذا الموضع تكون بمعنى يحكم له بهذا الحكم، كما تقول هذا يجعل ~~البصرة مصرا أي يحكم لها بحكمها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى يقرب من صير، وحكاه أبو علي الفارسي، ~~وقال أيضا يصح أن يكون «جعل» بمعنى سمى، كما قال تعالى وجعلوا الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف: 19] أي سموهم، قال وهذه الآية تحتمل ~~هذا ms1238 المعنى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الوجه يضعف في هذه الآية، وقرأ جمهور الناس ~~والسبعة سوى ابن كثير «ضيقا» بكسر الياء وتشديدها، وقرأ ابن كثير «ضيقا» ~~بسكون الياء وكذلك قرأ في الفرقان، قال أبو علي وهما بمنزلة الميت والميت، ~~قال الطبري وبمنزلة الهين واللين والهين واللين، قال ويصح أن يكون الضيق ~~مصدرا من قولك ضاق والأمر يضيق ضيقا وضيقا، وحكي عن الكسائي أنه قال الضيق ~~بشد الضاد وكسرها في الأجرام والمعاش، والضيق بفتح الضاد: في الأمور ~~والمعاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي «حرجا» بفتح ~~الراء وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر «حرجا» بكسرها، قال أبو علي فمن ~~فتح الراء كان وصفا بالمصدر كما تقول رجل قمن بكذا وحرى بكذا ودنف، ومن كسر ~~الراء فهو كدنف وقمن وفرق، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأها يوما ~~بفتح الراء فقرأها له بعض الصحابة بكسر الراء، فقال: ابغوني رجلا من كنانة ~~وليكن راعيا من بني مدلج، فلما جاءه قال له: يا فتى ما الحرجة عندكم، قال: ~~الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية. # قال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير، وقوله تعالى: كأنما ~~يصعد في السماء أي كأن هذا الضيق الصدر يحاول الصعود في السماء حتى حاول ~~الإيمان أو فكر فيه ويجد صعوبته عليه كصعوبة الصعود في السماء، قال بهذا ~~التأويل ابن جريج وعطاء الخراساني والسدي، وقال ابن جبير: المعنى لا يجد ~~مسلكا إلا صعدا من شدة التضايق، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة ~~والكسائي «يصعد» بإدغام التاء من يتصعد في الصاد، وقرأ عاصم في رواية أبي ~~بكر «يصاعد» بإدغام التاء من يتصاعد في السماء، وقرأ ابن كثير وحده «يصعد» ~~، وقرأ ابن مسعود والأعمش وابن مصرف «يتصعد» بزيادة تاء، وفي السماء يريد ~~من سفل إلى علو في الهواء، قال أبو علي: ولم يرد السماء المظلة بعينها، ~~وإنما هو كما قال سيبويه والقيدود: الطويل في غير سماء، يريد في ms1239 غير ارتفاع ~~صعدا قال ومن هذا قوله عز وجل: قد نرى تقلب وجهك في السماء [البقرة: 144] ~~أي في وجهة الجو. PageV02P343 # قال القاضي أبو محمد: وهذا على غير من تأول تقلب الوجه أنه الدعاء إلى ~~الله عز وجل في الهداية إلى قبلة فإن مع الدعاء يستقيم أن يقلب وجهه في ~~السماء المظلة حسب عادة الداعين إذ قد ألفوا مجيء النعم والآلاء من تلك ~~الجهة، وتحتمل الآية أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كؤود كأنه يصعد بها ~~الهواء، ويصعد معناه يعلو، ويصعد معناه يتكلف من ذلك ما يشق عليه. ومنه قول ~~عمر بن الخطاب: # «ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح» ، إلى غير ذلك من الشواهد، ~~«ويصاعد» في المعنى مثل «يصعد» ، وقوله تعالى: كذلك يجعل الله الرجس أي ~~وكما كان هذا كله من الهدى والضلال بإرادة الله عز وجل ومشيئته كذلك يجعل ~~الله الرجس، قال أهل اللغة الرجس يأتي بمعنى العذاب ويأتي بمعنى النجس، ~~وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: الرجس كل ما لا خير فيه وقال بعض الكوفيين: ~~الرجس والنجس لغتان بمعنى، «ويجعل» في هذا الموضع يحسن أن تكون بمعنى يلقي ~~كما تقول جعلت متاعك بعضه على بعض، وكما قال عز وجل ويجعل الخبيث بعضه على ~~بعض [الأنفال: 37] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى في جعل حكاه أبو علي الفارسي، ويحسن أن ~~تكون يجعل في هذه الآية بمعنى يصير ويكون المفعول الثاني في ضمن على الذين ~~لا يؤمنون، كأنه قال قرين الذين أو لزيم الذين ونحو ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 126 الى 127] # وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) لهم دار السلام ~~عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) # هذا إشارة إلى القرآن والشرع الذي جاء به محمد عليه السلام، قاله ابن ~~عباس، و «الصراط» الطريق، وإضافة الصراط إلى الرب على جهة أنه من عنده ~~وبأمره ومستقيما حال مؤكدة وليست كالحال في قولك جاء زيد راكبا بل هذه ~~المؤكدة تتضمن المعنى المقصود وفصلنا معناه بينا ms1240 وأوضحنا، وقوله لقوم ~~يذكرون أي للمؤمنين الذين يعدون أنفسهم للنظر ويسلكون طريق الاهتداء، ~~والضمير في قوله لهم عائد على القوم المتذكرين والسلام يتجه فيه معنيان، ~~أحدهما أن السلام اسم من أسماء الله عز وجل فأضاف «الدار» إليه هي ملكه ~~وخلقه، والثاني أنه المصدر بمعنى السلامة، كما تقول السلام عليك، وكقوله عز ~~وجل تحيتهم فيها سلام [يونس: 10] يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليهم أي ولي ~~الانعام عليهم، وبما كانوا يعملون أي مسبب ما كانوا يقدمون من الخير ~~ويفعلون من الطاعة والبر. # قوله عز وجل: PageV02P344 ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 128 الى 129] # ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) # يوم نصب بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويحتمل أن يكون العامل وليهم ~~[الأنعام: 127] والعطف على موضع قوله بما كانوا [الأنعام: 127] ، والضمير ~~في يحشرهم عائد على الطائفتين الذين يجعل الله الرجس عليهم وهم جميع الكفار ~~جنا وإنسا، والذين لهم دار السلام جنا، وإنسا، ويدل على ذلك التأكيد العام ~~بقوله جميعا. # وقرأ حفص عن عاصم «يحشرهم» بالياء، وقرأ الباقون بالنون وكل متجه، ثم ذكر ~~عز وجل ما يقال للجن الكفرة، وفي الكلام فعل مضمر يدل عليه ظاهر الكلام ~~تقديره نقول يا معشر الجن، وقوله قد استكثرتم معناه فرطتم، ومن الإنس يريد ~~في إضلالهم وإغوائهم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال الكفار من الإنس ~~وهم أولياء الجن الموبخين على جهة الاعتذار عن الجن ربنا استمتع بعضنا ببعض ~~أي انتفع. # قال القاضي أبو محمد: وذلك في وجوه كثيرة، حكى الطبري وغيره أن الإنس ~~كانت تستعيذ بالجن في الأودية ومواضع الخوف وكانت الجن تتعظم على الإنس ~~وتسودها كما يفعل الربي بالكاهن والمجير بالمستجير إذ كان العربي إذا نزل ~~واديا ينادي يا رب الوادي إني أستجير بك هذه الليلة ثم يرى أن سلامته ms1241 إنما ~~هي بحفظ جني ذلك الوادي فهذا استمتاع بعضهم ببعض. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال في الاستمتاع ولو تتبع لبينت له وجوه أخر ~~كلها دنياوية، وبلوغ الأجل المؤجل قال السدي هو الموت الذي انتهى الكل منهم ~~إليه، وقيل هو الحشر، وقيل هو الغاية التي انتهى جميعهم إليها من ~~الاستمتاع، كأنهم أشاروا إلى أن ذلك بقدرك وقضائك إذ لكل كتاب أجل، وقرأ ~~الحسن «وبلغنا أجلنا» بكسر اللام مشددة، وقوله تعالى: قال النار مثواكم ~~الآية، إخبار من الله عز وجل عما يقول لهم يوم القيامة إثر كلامهم المتقدم، ~~وجاء الفعل بلفظ الماضي وهو في الحقيقة مستقبل لصحة وقوعه، وهذا كثير في ~~القرآن وفصيح الكلام ومثواكم أي موضع ثوابكم كمقامكم الذي هو موضع الإقامة، ~~هذا قول الزجاج وغيره، قال أبو علي في الإغفال: المثوى عندي مصدر لا موضع ~~وذلك لعمله في الحال التي هي خالدين والموضع ليس فيه معنى فعل فيكون عاملا، ~~والتقدير النار ذات ثوابكم، والاستثناء في قوله إلا ما شاء الله قالت فرقة ~~ما بمعنى من، فالمراد إلا من شاء ممن آمن في الدنيا بعد أن آمن من هؤلاء ~~الكفرة. # قال القاضي أبو محمد: ولما كان هؤلاء صنفا ساغت في العبارة عنهم ما، وقال ~~الفراء إلا بمعنى سوى، والمراد سوى ما يشاء من زيادة في العذاب، ونحا إليه ~~الزجاج، وقال الطبري: إن المستثنى هي المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم ~~النار. # قال القاضي أبو محمد: وساغ هذا من حيث العبارة بقوله النار مثواكم لا تخص ~~بصيغتها مستقبل الزمان دون غيره، وقال الطبري عن ابن عباس انه كان يتناول ~~في هذا الاستثناء أنه مبلغ حال هؤلاء في علم PageV02P345 # الله ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله ~~في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارا. # قال القاضي أبو محمد: والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار ولا يصح هذا ~~عن ابن عباس رضي الله عنه. # قال القاضي أبو محمد: ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون ms1242 مخاطبة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمته، وليس مما يقال يوم القيامة، والمستثنى هو من كان ~~من الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله كأنه لما أخبرهم أنه قال للكفار: النار ~~مثواكم استثنى لهم من يمكن أن يؤمن ممن يرونه يومئذ كافرا، وتقع ما على صفة ~~من يعقل، ويؤيد هذا التأويل اتصال قوله إن ربك حكيم عليم أي بمن يمكن أن ~~يؤمن منهم، وحكيم عليم صفتان مناسبتان لهذه الآية، لأن تخلد هؤلاء الكفرة ~~في النار فعل صادر عن حكم وعلم بمواقع الأشياء، وقوله تعالى: وكذلك نولي ~~قال قتادة نولي معناه نجعل بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل ما تقدم من ذكر الجن والإنس «واستمتاع ~~بعضهم ببعض» ، وقال قتادة أيضا: معنى نولي نتبع بعضهم بعضا في دخول النار، ~~أي نجعل بعضهم يلي بعضا، وقال ابن زيد معناه نسلط بعض الظالمين على بعض ~~ونجعلهم أولياء النقمة منهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل لا تؤيده ألفاظ الآية المتقدمة، أما ~~أنه حفظ في استعمال الصحابة والتابعين من ذلك ما روي أن عبد الله بن الزبير ~~لما بلغه أن عبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد الأشدق صعد المنبر فقال ~~إن فم الذبان قتل لطيم الشيطان وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 130 الى 132] # يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون (131) ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) # قوله تعالى: امعشر الجن والإنس # داخل في القول يوم الحشر، والضمير في نكم # قال ابن جريج وغيره عمم بظاهرة الطائفتين والمراد الواحدة تجوزا، وهذا ~~موجود في كلام العرب، ومنه قوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ~~[الرحمن: 22] وذلك إنما يخرج من الأجاج، وقال الضحاك الضمير عائد على ~~الطائفتين وفي ms1243 الجن رسل منهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال ابن عباس الضمير عائد على ~~الطائفتين ولكن رسل PageV02P346 # الجن هم رسل الإنس، فهم رسل الله بواسطة إذ هم رسل رسله، وهم النذر، ~~وقصون # من القصص، وقرأ عبد الرحمن الأعرج «ألم تكن تأتيكم» بالتاء على تأنيث لفظ ~~«الرسل» ، وقولهم: هدنا # إقرار منهم بالكفر واعتراف أي شهدنا على أنفسنا بالتقصير، وقوله غرتهم ~~الحياة الدنيا # التفاتة فصيحة تضمنت أن كفرهم كان بأذم الوجوه لهم وهو الاغترار الذي لا ~~يواقعه عاقل، ويحتمل رتهم # أن يكون بمعنى أشبعتهم وأطعمتهم بحلوائها كما يقال غر الطائر فرخه وقوله ~~شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين # تظهر بينه وبين ما في القرآن من الآيات التي تقتضي إنكار المشركين ~~الإشراك مناقضة، والجمع بينهما هو إما بأنها طوائف، وإما طائفة واحدة في ~~مواطن شتى، وإما أن يريد بقوله هاهنا: شهدوا على أنفسهم # ، شهادة الأيدي والأرجل والجلود بعد إنكارهم بالألسنة. # قال القاضي أبو محمد: واللفظ هاهنا يبعد من هذا، وقوله تعالى: ذلك أن لم ~~يكن الآية، ذلك يصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره ~~ذلك الأمر، ويصح أن يكون في موضع نصب بتقدير فعلنا وأن مفعول من أجله ~~والقرى المدن، والمراد أهل القرى، وبظلم يتوجه فيه معنيان، أحدهما أن الله ~~عز وجل لم يكن ليهلك المدن دون نذارة، فيكون ظلما لهم إذا لم ينذرهم، والله ~~ليس بظلام للعبيد، والآخر أن الله عز وجل لم يهلك أهل القرى بظلم إذ ظلموا ~~دون أن ينذرهم، وهذا هو البين القوي. وذكر الطبري رحمه الله التأويلين، ~~وقوله تعالى: ولكل درجات الآية إخبار من الله عز وجل أن المؤمنين في الآخرة ~~على درجات من التفاضل بحسب أعمالهم وتفضل الله عليهم، والمشركين أيضا على ~~درجات من العذاب. # قال القاضي أبو محمد: ولكن كل مؤمن قد رضي بما أعطي غاية الرضى، وقرأت ~~الجماعة سوى ابن عامر «يعملون» على لفظ كل، وقرأ ابن عامر وحده «تعملون» ~~على المخاطبة بالتاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 133 ms1244 الى 135] # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) قل يا ~~قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه ~~لا يفلح الظالمون (135) # الغني صفة ذات لله عز وجل لأنه تبارك وتعالى لا يفتقر إلى شيء من جهة من ~~الجهات، ثم تليت هذه الصفة بقوله ذو الرحمة فأردف الاستغناء بالتفضل وهذا ~~أجمل تناسق، ثم عقب بهذه الألفاظ المضمنة الوعيد المحذرة من بطش الله عز ~~وجل في التعجيل بذلك وأما مع المهلة ومرور الجديدين، فكذلك عادة الله في ~~الخلق، وأما «الاستخلاف» فكما أوجد الله تعالى هذا العالم الآدمي بالنشأة ~~من ذرية قوم متقدمين أصلهم آدم عليه السلام، وقرأت الجماعة «ذرية» بضم ~~الذال وشد الراء المكسورة، وقرأ PageV02P347 # زيد بن ثابت بكسر الذال وكذلك في سورة آل عمران وحكى أبو حاتم عن أبان بن ~~عثمان أنه قرأ «ذرية» بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة، وحكى عنه أبو ~~الزناد أنه قرأ على المنبر «ذرية» بفتح الذال وسكون الراء على وزن فعلة، ~~قال فسألته فقال أقرأنيها زيد بن ثابت، ومن في قوله من ذرية للتبعيض وذهب ~~الطبري إلى أنها بمعنى قولك أخذت من ثوبي دينارا بمعنى عنه وعوضه وتوعدون ~~مأخوذ من الوعيد بقرينة وما أنتم بمعجزين والإشارة إلى هذا الوعيد المتقدم ~~خصوصا. وأما أن يكون العموم مطلقا فذلك يتضمن إنفاذ الوعيد، والعقائد ترد ~~ذلك، وبمعجزين معناه بناجين هربا أي يعجزون طالبهم. # ثم أمر الله عز وجل نبيه عليه السلام أن يتوعدهم بقوله اعملوا أي فسترون ~~عاقبة عملكم الفاسد، وصيغة افعل هاهنا بمعنى الوعيد والتهديد، وعلى مكانتكم ~~معناه على حالكم وطريقتكم، وقرأ أبو بكر عن عاصم «على مكاناتكم» بجمع ~~المكانة في كل القرآن، وقرأ الجميع بالإفراد في كل القرآن، ومن يتوجه أن ~~يكون بمعنى الذي، فتكون في موضع نصب ب تعلمون، ويتوجه أن يكون استفهاما في ~~موضع رفع بالابتداء والخبر في قوله تكون له، وعاقبة ms1245 الدار أي مآل الآخرة، ~~ويحتمل أن يراد مآل الدنيا بالنصر والظهور ففي الآية إعلام بغيب، ثم جزم ~~الحكم ب إنه لا يفلح الظالمون أي ينجح سعيهم، وقرأ حمزة والكسائي من «يكون ~~له عاقبة» بالياء هاهنا وفي القصص على تذكير معنى العاقبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 136] # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) # الضمير في جعلوا عائد على كفار العرب العادلين بربهم الأوثان الذين تقدم ~~الرد عليهم من أول السورة، وذرأ معناه خلق وأنشأ وبث في الأرض، يقال ذرأ ~~الله الخلق يذرؤهم ذرءا وذروءا أي خلقهم، وقوله وجعلوا من كذا وكذا نصيبا ~~يتضمن بقاء نصيب آخر ليس بداخل في حكم الأول، فبينه بقوله: # فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، ثم اعترضهم أثناء القول بأن ذلك ~~زعم وتقول، والزعم في كثير كلام العرب أقرب إلى غير اليقين والحق، يقال ~~«زعم» بفتح الزاي وبه قرأت الجماعة، «وزعم» بضمها، وقرأ الكسائي وحده في ~~هذه الآية «زعم» بكسر الزاي، ولا أحفظ أحدا قرأ به والحرث في هذه الآية ~~يريد به الزرع والأشجار وما يكون من الأرض، وقوله لشركائنا يريد به الأصنام ~~والأوثان، وسموهم شركاء على معتقدهم فيهم أنهم بساهمونهم في الخير والشر ~~ويكسبونهم ذلك، وسبب نزول هذه الآية أن العرب كانت تجعل من غلاتها وزرعها ~~وثمارها ومن أنعامها جزءا تسميه لله وجزءا تسميه لأصنامها، وكانت عادتها ~~التحفي والاهتبال بنصيب الأصنام أكثر منها بنصيب الله إذ كانوا يعتقدون أن ~~الأصنام بها فقر وليس ذلك بالله فكانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت ~~من الذي لله إلى الذي لشركائهم أقروه، وإذا حملت من الذي لشركائهم إلى الله ~~ردوه، وإذا تفجر من سقي ما جعلوا لله في نصيب شركائهم تركوه، وإن بالعكس ~~سدوه، PageV02P348 # وإذا لم يصيبوا في نصيب شركائهم شيئا قالوا لا بد للآلهة من نفقة فيجعلون ~~نصيب الله تعالى في ms1246 ذلك. # قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم أنهم كانوا يفعلون هذا ~~ونحوه من الفعل وكذلك في الأنعام وكانوا إذا أصابتهم السنة أكلوا نصيب الله ~~وتحاموا نصيب شركائهم، وقوله تعالى: فما كان لشركائهم الآية قال جمهور ~~المتأولين إن المراد بقوله فلا يصل وقوله يصل ما قدمنا ذكره من حمايتهم ~~نصيب آلهتهم في هبوب الريح وغير ذلك، وقال ابن زيد إنما ذلك في أنهم كانوا ~~إذا ذبحوا لله ذكروا آلهتهم على ذلك الذبح وإذا ذبحوا لآلهتهم لم يذكروا ~~الله، فكأنه قال «فلا يصل» إلى ذكر الله وقال فهو «يصل» إلى ذكر شركائهم، ~~وما في موضع رفع كأنه قال ساء الذي يحكمون، ولا يتجه عندي أن يجري هنا ساء ~~مجرى نعم وبئس لأن المفسر هنا مضمر ولا بد من إظهاره باتفاق من النحاة، ~~وإنما اتجه أن تجري مجرى بئس في قوله ساء مثلا القوم [الأعراف: 177] . لأن ~~المفسر ظاهر في الكلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 137] # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) # «الكثير» في هذه الآية يراد به من كان يئد من مشركي العرب، و «الشركاء» ~~هاهنا الشياطين الآمرون بذلك المزينون له والحاملون عليه أيضا من بني آدم ~~الناقلين له عصرا بعد عصر إذ كلهم مشتركون في قبح هذا الفعل وتباعته في ~~الآخرة، ومقصد هذه الآية الذم للوأد والإنحاء على فعلته، واختلفت القراءة ~~فقرأت الجماعة سوى ابن عامر «وكذلك زين» بفتح الزاي «قتل» بالنصب «أولادهم» ~~بكسر الدال «شركاؤهم» ، وهذه أبين قراءة، وحكى سيبويه أنه قرأت فرقة «وكذلك ~~زين» بضم الزاي «قتل أولادهم» بكسر الدال «شركاؤهم» بالرفع. # قال القاضي أبو محمد: وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي والحسن وأبي عبد ~~الملك قاضي الجند صاحب ابن عامر، كأنه قال: زينه شركاؤهم قال سيبويه: وهذا ~~كما قال الشاعر: [الطويل] # ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما يطيح الطوائح # كأنه قال يبكيه ضارع لخصومة، وأجاز قطرب أن يكون الشركاء في هذه ms1247 القراءة ~~ارتفعوا بالقتل كأن المصدر أضيف إلى المفعول، ثم ذكر بعده الفاعل كأنه قال ~~إن قتل أولادهم شركاؤهم كما تقول حبب إلي ركوب الفرس زيد أي أن ركب الفرس ~~زيد. # قال القاضي أبو محمد: والفصيح إذا أضيف مصدر إلى مفعول أن لا يذكر ~~الفاعل، وأيضا فالجمهور في هذه الآية على أن الشركاء مزينون لا قاتلون، ~~والتوجيه الذي ذكر سيبويه هو الصحيح، ومنه قوله عز وجل على قراءة من قرأ ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال [النور: 36] بفتح الباء المشددة أي «يسبح ~~رجال» ، وقرأ ابن عامر «وكذلك زين» بضم الزاي «قتل» بالرفع «أولادهم» بنصب ~~الدال «شركائهم» بخفض PageV02P349 # الشركاء، وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب، وذلك أنه أضاف القتل إلى ~~الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ورؤساء ~~العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في الشعر كقوله [أبو حية ~~النميري] : [الوافر] # كما خط بكف يوما ... يهودي يقارب أو يزيل # فكيف بالمفعول في أفصح الكلام؟ ولكن وجهها على ضعفها أنها وردت شاذة في ~~بيت أنشده أبو الحسن الأخفش وهو: [مجزوء الكامل] # فزججته بمزجة ... زج القلوص أبي مزادة # وفي بيت الطرماح وهو قوله: [الطويل] # يطفن بحوزي المرابع لم يرع ... بواديه من قرع القسي الكنائن # والشركاء على هذه القراءة هم الذين يتأولون وأد بنات الغير فهم القاتلون، ~~والصحيح من المعنى أنهم المزينون لا القاتلون، وذلك مضمن قراءة الجماعة. # وقرأ بعض أهل الشام ورويت عن ابن عامر «زين» بكسر الزاي وسكون الياء على ~~الرتبة المتقدمة من الفصل بالمفعول، وحكى الزهراوي أنه قرأت فرقة من أهل ~~الشام «وكذلك زين» بضم الزاي «قتل» بالرفع «أولادهم» بكسر الدال «شركائهم» ~~بالخفض والشركاء على هذه القراءة هم الأولاد الموءودون لأنهم شركاء في ~~النسب والمواريث، وكأن وصفهم بأنهم شركاء يتضمن حرمة لهم وفيها بيان لفساد ~~الفعل إذ هو قتل من له حرمة. وليردوهم معناه ليهلكوهم من الردى، وليلبسوا ~~معناه ليخلطوا، والجماعة على كسر الباء، وقرأ إبراهيم النخعي «وليلبسوا» ~~بفتح الباء، قال أبو الفتح: هي استعارة من ms1248 اللباس عبارة عن شدة المخالطة، ~~وهذان الفعلان يؤيدان أول قراءة في ترتيبنا في قوله وكذلك زين. وقوله ~~تعالى: ولو شاء الله ما فعلوه يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة الله عز وجل، ~~وفيها رد على من قال بأن المرء يخلق أفعاله، وقوله تعالى: فذرهم وعيد محض، ~~ويفترون معناه يختلقون من الكذب في تشرعهم بذلك واعتقادهم أنها مباحات لهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 138] # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) # هذه الآية تتضمن تعديد ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذبا ~~منهم على الله وافتراء عليه، فوصف تعالى أنهم عمدوا إلى بعض أنعامهم وهي ~~الإبل والبقر والغنم أو الإبل بانفرادها، وما غيرها إذا انفرد فلا يقال له ~~أنعام، وإلى بعض زروعهم وثمارهم، وسمي ذلك «حرثا» إذ عن الحرث يكون، وقالوا ~~هذه حجر أي حرام، وقرأ جمهور الناس «حجر» بكسر الحاء وسكون الجيم، وقرأ ~~قتادة والحسن والأعرج PageV02P350 # «حجر» بضم الحاء وسكون الجيم، وقرأ ابن عباس وأبي وابن مسعود وابن الزبير ~~والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار «حرج» بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم ~~وسكونها، فالأولى والثانية بمعنى التحجير وهو المنع والتحريم، والأخيرة من ~~الحرج وهو التضييق والتحريم، وكانت هذه الأنعام على ما قال ابن زيد محللة ~~للرجال محرمة على النساء، وقيل كانت وقفا لمطعم سدنة بيوت الأصنام وخدمتها، ~~حكاه المهدوي، فذلك المراد بقوله من نشاء وقوله بزعمهم أي بتقولهم الذي هو ~~أقرب إلى الباطل منه إلى الحق، و «زعمهم» هنا هو في قولهم «حجر» وتحريمهم ~~بذلك ما لم يحرم الله تعالى، وقرأ ابن أبي عبلة «بزعمهم» بفتح الزاي ~~والعين، وكذلك في الذي تقدم، وأنعام حرمت ظهورها كانت للعرب سنن، إذا فعلت ~~الناقة كذا من جودة النسل والمواصلة بين الإناث ونحوه حرم ظهورها فلم تركب ~~وإذا فعل الفحل كذا وكذا حرم فعدد الله ذلك على جهة الرد عليهم إذ شرعوا ~~ذلك ms1249 برأيهم وكذبهم، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها قيل كانت لهم سنة في ~~أنعام ما أن لا يحج عليها فكانت تركب في كل وجه إلا في الحج، فذلك قوله ~~وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها هذا قول جماعة من المفسرين. # ويروى ذلك عن أبي وائل، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائح يريد أنهم جعلوا ~~لآلهتهم منها نصيبا لا يذكرون الله على ذبحها، وقوله افتراء مصدر نصب على ~~المفعول من أجله أو على إضمار فعل تقديره يفترون ذلك، وسيجزيهم وعيد ~~بمجازاة الآخرة، والضمير في عليه عائد على اسم الله، ويفترون أي يكذبون ~~ويختلفون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 139] # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ~~ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) # هذه الآية تتضمن تعديد مذاهبهم الفاسدة، وكانت سنتهم في بعض الأنعام أن ~~يحرموا ما ولدت على نسائهم ويخصصونه لذكورهم، والهاء في خالصة قيل هي ~~للمبالغة كما هي في رواية وغيرها، وهذا كما تقول فلان خالصتي وإن كان باب ~~هاء المبالغة أن يلحق بناء مبالغة كعلامة ونسابة وبصيرة ونحوه، وقيل هي ~~لتأنيث الأنعام إذ ما في بطونها أنعام أيضا، وقيل هي على تأنيث لفظ ما لأن ~~ما واقعة في هذا الموضع موقع قولك جماعة وجملة، وقرأ جمهور القراء والناس ~~«خالصة» بالرفع، وقرأ عبد الله بن مسعود وابن جبير وابن أبي عبلة والأعمش ~~«خالص» دون هاء ورفع هاتين القراءتين على خبر الابتداء. # وقرأ ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين «خالصة» بالنصب، وقرأ ~~سعيد بن جبير فيما ذكر أبو الفتح «خالصا» ، ونصب هاتين القراءتين على أن ~~الحال من الضمير الذي في قوله في بطون، وذلك أن تقدير الكلام: وقالوا ما ~~استقر هو في بطون هذه الأنعام فحذف الفعل وحمل المجرور الضمير، والحال من ~~الضمير والعامل فيها معنى الاستقرار، قال أبو الفتح ويصح أن يكون حالا من ~~ما على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها، وقرأ ابن ~~عباس ms1250 أيضا وأبو حيوة والزهري «خالصه» PageV02P351 # بإضافة «خالص» إلى ضمير يعود على ما، ومعناه ما خلص وخرج حيا، والخبر على ~~قراءة من نصب «خالصة» في قوله لذكورنا والمعنى المراد بما في قوله ما في ~~بطون قال السدي: هي الأجنة، وقال ابن عباس وقتادة والشعبي: هو اللبن، قال ~~الطبري واللفظ يعمهما، وقوله ومحرم يدل على أن الهاء في خالصة للمبالغة، ~~ولو كانت لتأنيث لقال ومحرمة، وأزواجنا يريد به جماعة النساء التي هي معدة ~~أن تكون أزواجا، قال مجاهد، وحكى الطبري عن ابن زيد أن المراد ب أزواجنا ~~البنات. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يبعد تحليقه على المعنى، وقوله وإن يكن ميتة ~~كان من سنتهم أن ما خرج من الأجنة ميتا من تلك الأنعام الموقوفة فهو حلال ~~للرجال والنساء جميعا وكذلك ما مات من الأنعام الموقوفة نفسها، وقرأ ابن ~~كثير «وإن يكن» بالياء «ميتة» بالرفع فلم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان ~~تأنيث الفاعل المسند إليه غير حقيقي، والمعنى وإن وقع ميتة أو حدث ميتة، ~~وقرأ ابن عامر «وإن تكن» بالتاء «ميتة» بالرفع فألحق الفعل علامة التأنيث ~~لما كان الفاعل في اللفظ مؤنثا، وأسند الفعل إلى الميتة كما فعل ابن كثير، ~~وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه «تكن» بالتاء «ميتة» بالنصب فأنث وإن كان ~~المتقدم مذكرا لأنه حمله على المعنى. # قال القاضي أبو محمد: فالتقدير وإن تكن النسمة أو نحوها ميتة، وقرأ نافع ~~وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص «يكن» بالياء «ميتة» بالنصب، ~~فذكروا الفعل لأنهم أسندوه إلى ضمير ما تقدم من قوله ما في بطون هذه ~~الأنعام وهو مذكر، وانتصبت الميتة على الخبر، قال أبو عمرو بن العلاء ويقوي ~~هذه القراءة قوله فهم فيه ولم يقل فيها، وقرأ يزيد بن القعقاع «وإن تكن ~~ميتة» بالتشديد، وقرأ عبد الله بن مسعود «فهم فيه سواء» ، ثم أعقب تعالى ~~بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات إلى الله تعالى وشرعوه من الباطل ~~والإفك إنه حكيم أي في عذابهم على ذلك عليم بقليل ms1251 ما تقولوه من ذلك وكثيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 140 الى 141] # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ~~كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~(141) # هذا لفظ يتضمن التشنيع بقبح فعلهم والتعجب من سوء حالهم في وأدهم البنات ~~وحجرهم الأنعام والحرث، قال عكرمة: وكان الوأد في ربيعة ومضر. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وكان جمهور العرب لا يفعله، ثم إن ~~فاعليه كان منهم من يفعله خوف العيلة والإقتار وكان منهم من يفعله غيرة ~~مخافة السباء وقرأ ابن عامر وابن كثير: «قتلوا» بتشديد PageV02P352 # التاء على المبالغة وقرأ الباقون: «قتلوا» بتخفيفها وما رزقهم الله: هي ~~تلك الأنعام والغلات التي توقف بغير شرع ولا مثوبة في معاد بل بالافتراء ~~على الله والكذب وقد ضلوا إخبارا عنهم بالحيرة وهو من التعجيب بمنزلة قوله ~~قد خسر، وما كانوا يريد في هذه الفعلة ويحتمل أن يريد: وما كانوا قبل ~~ضلالهم بهذه الفعلة مهتدين ولكنهم زادوا بهذه الفعلة ضلالا وقوله تعالى: ~~وهو الذي أنشأ جنات معروشات الآية هذا تنبيه على مواضع الاعتبار وأنشأ ~~معناه خلق واخترع و «الجنة» : مأخوذة من جن إذا ستر، ومعروشات قال ابن ~~عباس: ذلك في ثمر العنب، ومنها ما عرش وسمك ومنها ما لم يعرش وقال السدي ~~«المعروشات» ما عرش كهيئة الكرم، وغيره البساتين وقيل: المعروش هو ما ~~يعترشه بنو آدم من أنواع الشجر وغير المعروش ما يحدث في الجبال والصحراء ~~ونحو ذلك وقيل: المعروش ما خلق بحائط وغير المعروش ما لم يخلق، ومختلفا: ~~نصب على الحال على تقدير حصول الاختلاف في ثمرها لأنها حين الإنشاء لا ثمرة ~~فيها فهي حال مقدرة تجيء بعد الإنشاء، ومتشابها يريد في المنظر، وغير ~~متشابه في المطعم قاله ابن جريج وغيره وقوله كلوا من ثمره ms1252 نفس الإباحة وهو ~~مضمن الإشارة إلى النعمة بذلك، ويقرأ «من ثمره» بضم الثاء وقد تقدم، وآتوا ~~حقه يوم حصاده فقالت طائفة من أهل العلم: هي في الزكاة المفروضة منهم ابن ~~عباس وأنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب ~~وقتادة ومحمد بن الحنفية والضحاك وزيد بن أسلم وابنه، وقاله مالك بن أنس. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول معترض بأن السورة مكية وهذه ~~الآية على قول الجمهور غير مستثناة، وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها ~~إنها نزلت بالمدينة، ومعترض أيضا بأنه لا زكاة فيما ذكر من الرمان وجميع ما ~~هو في معناه، وقال ابن الحنفية أيضا وعطاء ومجاهد وغيرهم من أهل العلم: # بل قوله وآتوا حقه ندب إلى إعطاء حقوق من المال غير الزكاة، والسنة أن ~~يعطي الرجل من زرعه عند الحصاد وعند الذرو وعند تكديسه في البيدر، فإذا صفا ~~وكال أخرج من ذلك الزكاة، وقال الربيع بن أنس حقه إباحة لقط السنبل، وقالت ~~طائفة كان هذا حكم صدقات المسلمين حتى نزلت الزكاة المفروضة فنسختها. # وروي هذا عن ابن عباس وابن الحنفية وإبراهيم والحسن، وقال السدي في هذه ~~السورة مكية نسختها الزكاة فقال له سفيان عمن قال عن العلماء. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والنسخ غير مترتب في هذه الآية، لأن ~~هذه الآية وآية الزكاة لا تتعارض بل تنبني هذه على الندب وتلك على الفرض، ~~وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي «حصاده» ، وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن ~~عامر «حصاده» بفتح الحاء وهما لغتان في المصدر، وقوله تعالى: ولا تسرفوا ~~الآية، من قال إن الآية في الزكاة المفروضة جعل هذا النهي عن الإسراف إما ~~للناس عن التمنع عن أدائها لأن ذلك إسراف من الفعل وقاله سعيد بن المسيب، ~~وإما للولاة عن التشطط على الناس والإذاية لهم فذلك إسراف من الفعل، وقاله ~~ابن زيد، ومن جعل الآية على جهة الندب إلى حقوق غير الزكاة ترتب له النهي ~~عن الإسراف في ms1253 تلك الحقوق لما في ذلك من الإجحاف بالمال وإضاعته. PageV02P353 # وروي أن الآية نزلت بسبب لأن ثابت بن قيس بن شماس حصد غلة له فقال والله ~~لا جاءني اليوم أحد إلا أطعمته فأمسى وليس عنده ثمرة، فنزلت هذه الآية، ~~وقال أبو العالية كانوا يعطون شيئا عند الحصاد ثم تباروا وأسرفوا فنزلت ~~الآية، ومن قال إنها منسوخة ترتب له النهي في وقت حكم الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 142 الى 143] # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ~~آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين (143) # حمولة عطف على جنات معروشات [الأنعام: 141] التقدير وأنشأنا من الأنعام ~~حمولة، والحمولة ما تحمل الأثقال من الإبل والبقر عند من عادته أن يحمل ~~عليها والهاء في حمولة للمبالغة، وقال الطبري هو اسم جمع لا واحد من لفظه، ~~و «الفرش» ما لا يحمل ثقلا كالغنم وصغار البقر والإبل، هذا هو المروي عن ~~ابن مسعود وابن عباس والحسن وغيرهم، يقال له الفرش والفريش، وذهب بعض الناس ~~إلى أن تسميته فرشا إنما هي لوطاءته وأنه مما يمتهن ويتوطأ ويتمكن من ~~التصرف فيه إذ قرب جسمه من الأرض. # وروي عن ابن عباس أنه قال: «الحمولة» الإبل والخيل والبغال والحمير، ذكره ~~الطبري. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا منه تفسير لنفس اللفظة لا من حيث ~~هي في هذه الآية، ولا تدخل في الآية لغير الأنعام وإنما خصت بالذكر من جهة ~~ما شرعت فيها العرب، وقوله مما رزقكم نص إباحة وإزالة ما سنه الكفار من ~~البحيرة والسائبة وغير ذلك، ثم تابع النهي عن تلك السنن الآفكة بقوله ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان وهي جمع خطوة أي لا تمشوا في طرقه المضلة، وقد تقدم ~~في سورة البقرة اختلاف القراء في «خطوات» ، ومن شاذها قراءة علي رضي الله ~~عنه والأعرج وعمرو بن عبيد «خطؤات» بضم الخاء والطاء وبالهمزة، ms1254 قال أبو ~~الفتح وذلك جمع خطأة من الخطأ ومن الشاذ قراءة أبي السمال «خطوات» بالواو ~~دون همزة وهو جمع خطوة وهي ذرع ما بين قدمي الماشي، ثم علل النهي عن ذلك ~~بتقرير عداوة الشيطان لابن آدم، وقوله تعالى ثمانية اختلف في نصبها فقال ~~الأخفش علي بن سليمان بفعل مضمر تقديره كلوا لحم ثمانية أزواج فحذف الفعل ~~والمضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل نصب على البدل من ما في قوله كلوا ~~مما رزقكم الله، وقيل نصبت على الحال، وقيل نصبت على البدل من قوله حمولة ~~وفرشا، وهذا أصوب الأقوال وأجراها مع معنى الآية، وقال الكسائي نصبها أنشأ ~~[الأنعام: 141] والزوج الذكر والزوج الأنثى كل واحد منهما زوج صاحبه، وهي ~~أربعة أنواع فتجيء ثمانية أزواج، والضأن جمع ضائنة وضائن، وقرأ طلحة بن ~~مصرف وعيسى بن عمر والحسن من «الضأن» بفتح الهمزة، وقرأ نافع وعاصم وحمزة ~~والكسائي «ومن المعز» بسكون العين وهو جمع ماعز وماعزة، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وابن عامر «ومن المعز» بفتح العين فضأن ومعز كراكب وركب وتاجر وتجر ~~وضان ومعز كخادم PageV02P354 # وخدم ونحوه، وقرأ أبان بن عثمان «من الضأن اثنان» على الابتداء والخبر ~~المقدم، ويقال في جمع ماعز معز ومعز ومعيز وأمعوز وقوله تعالى: قل آلذكرين ~~هذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله، أي لا بد أن يكون حرم ~~الذكرين فيلزمكم تحريم جميع الذكور أو الأنثيين فيلزمكم تحريم جميع الإناث، ~~أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فيلزمكم تحريم الجميع وأنتم لم تلتزموا ~~شيئا مما يوجبه هذا التقسيم، وفي هذه السؤالات تقرير وتوبيخ ثم اتبع ~~تقريرهم وتوبيخهم بقوله نبئوني أخبروني بعلم أي من جهة نبوءة أو كتاب من ~~كتب الله إن كنتم صادقين وإن شرط وجوابه في نبئوني، وجاز تقديم جواب هذا ~~الشرط لما كانت إن لا يظهر لها عمل في الماضي، ولو كانت ظاهرة العمل لما ~~جاز تقدم الجواب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 144] # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ms1255 اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) # القول في هذه الآية في المعنى وترتيب التقسيم كالقول المتقدم في قوله من ~~الضأن اثنين ومن المعز اثنين [الأنعام: 143] وكأنه قال أنتم الذين تدعون أن ~~الله حرم خصائص من هذه الأنعام لا يخلو تحريمه من أن يكون في آلذكرين أو ~~فيما اشتملت عليه أرحام الأنثيين لكنه لم يحرم لا هذا ولا هذا فلم يبق إلا ~~أنه لم يقع تحريم. # وقوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا الآية استفهام على جهة ~~التوبيخ، إذ لم يبق لهم الادعاء المحال والتقول أنهم شاهدوا وصية الله لهم ~~بهذا، وشهداء جمع شهيد، ثم تضمن قوله تعالى: فمن أظلم ذكر حال مفتري الكذب ~~على الله وتقرير إفراط ظلمه، وقال السدي: كان الذين سيبوا وبحروا يقولون: ~~الله أمرنا بهذا ثم بين تعالى سوء مقصدهم بالافتراء لأنه لو افترى أحد فرية ~~على الله لغير معنى لكان ظلما عظيما فكيف إذا قصد بهما إضلال أمة. وقد ~~يحتمل أن تكون اللام في ليضل لام صيرورة، ثم جزم الحكم لا رب غيره بأنه لا ~~يهدي القوم الظالمين، أي لا يرشدهم، وهذا عموم في الظاهر وقد تبين تخصيصه ~~مما يقتضيه الشرع أن الله يهدي ظلمة كثيرة بالتوبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 145] # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) # هذا أمر من الله عز وجل بأن يشرع للناس جميعا ويبين عن الله ما أوحي ~~إليه، وهذه الآية نزلت بمكة PageV02P355 # ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة ~~المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم ms1256 الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق ~~بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة ~~كانت زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تحريم الخمر بوحي غير منجز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات ~~في التحريم ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة بحسب ~~اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينة ~~التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع عليه الكل منهم ولم يضطرب فيه ألفاظ ~~الأحاديث وأمضاه الناس على إذلاله وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية ~~من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر وما اقترنت ~~به قرينة ألفاظ الحديث واختلفت الأمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه ~~السلام «كل ذي ناب من السباع حرام» . # وقد روي عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع ثم اختلف الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر ~~أن يجمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهية ونحوها، وما اقترنت به ~~قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة ~~الحاضرين ذلك لأنها لم تخمس، وتأول بعضهم أن ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، ~~وتأول بعضهم التحريم المحض وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها فجائز ~~لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية ~~أو نحوها. # وروي عن ابن عامر أنه قرأ «فيما أوحى إلي» بفتح الهمزة والحاء وقرأ جمهور ~~الناس يطعمه وقرأ أبو جعفر محمد بن علي «يطعمه» بتشديد الطاء وكسر العين، ~~وقرأ محمد بن الحنفية وعائشة وأصحاب عبد الله «طعمه» بفعل ماض، وقرأ نافع ~~والكسائي وأبو عمر وعاصم «إلا أن يكون» بالياء على تقدير إلا أن يكون ~~المطعوم، وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو أيضا «إلا أن تكون» ms1257 بالتاء من فوق ~~«ميتة» على تقدير إلا أن تكون المطعومة، وقرأ ابن عامر وحده وذكرها مكي عن ~~أبي جعفر «إلا أن تكون» بالتاء «ميتة» بالرفع على أن تجعل «تكون» بمعنى ~~تقع، ويحتاج على هذه القراءة أن يعطف أو دما على موضع «أن تكون» ، لأنها في ~~موضع نصب بالاستثناء، والمسفوح الجاري الذي يسيل وجعل الله هذا فرقا بين ~~القليل والكثير، والمنسفح، السائل من الدم ونحوه، ومنه قول الشاعر وهو ~~طرفة: # إذا ما عاده منا نساء ... سفحن الدمع من بعد الرنين # وقول امرئ القيس: وإن شفائي عبرة إن سفحتها. # فالدم المختلط باللحم والدم الخارج من مرق اللحم وما شاكل هذا حلال والدم ~~غير المسفوح هو هذا وهو معفو عنه، وقيل لأبي مجلز في القدر تعلوها الحمرة ~~من الدم قال: إنما حرم الله المسفوح، وقالت نحوه عائشة وغيرها وعليه إجماع ~~العلماء. PageV02P356 # وقيل: الدم حرام لأنه إذا زايل فقد انسفخ، و «الرجس» النتن والحرام، يوصف ~~بذلك الأجرام والمعاني كما قال عليه السلام: دعوها فإنها منتنة الحديث، ~~فكذلك قيل في الأزلام والخمر رجس، والرجس أيضا العذاب لغة بمعنى الرجز، ~~وقوله أو فسقا يريد ذبائحهم التي يختصون بها أصنامهم، وقوله تعالى: # فمن اضطر الآية، أباح الله فيها مع الضرورة ركوب المحظور دون بغي. # واختلف الناس فيم ذا فقالت فرقة دون أن يبغي الإنسان في أكله فيأكل فوق ~~ما يقيم رمقه وينتهي إلى حد الشبع وفوقه، وقالت فرقة: بل دون أن يبغي في أن ~~يكون سفره في قطع طريق أو قتل نفس أو يكون تصرفه في معصية فإن ذلك لا رخصة ~~له، وأما من لم يكن بهذه الأحوال فاضطر فله أن يشبع ويتزود، وهذا مشهور قول ~~مالك بن أنس رحمه الله، وقال بالأول الذي هو الاقتصار على سد الرمق عبد ~~المالك بن حبيب رحمه الله، وقوله فإن ربك غفور رحيم إباحة تعطيها قوة للفظ. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 146] # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما ms1258 أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) # لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعقب ذلك ~~بذكر ما حرم على اليهود لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم إن الله لم يحرم ~~علينا شيئا وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه، وقد تقدم ~~القول في سورة البقرة في هادوا ومعنى تسميتهم يهودا، وكل ذي ظفر يراد به ~~الإبل والنعام والإوز ونحوه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر، ~~وقال أبو زيد: # المراد الإبل خاصة وهذا ضعيف التخصيص، وذكر النقاش عن ثعلب أن كل ما لا ~~يصيد فهو ذو ظفر وما يصيد فهو ذو مخلب. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا غير مطرد لأن الأسد ذو ظفر، وقرأ ~~جمهور الناس «ظفر» بضم الظاء والفاء، وقرأ الحسن والأعرج «ظفر» بسكون ~~الفاء، وقرأ أبو السمال قعنب «ظفر» بكسر الظاء وسكون الفاء. # وأخبرنا الله عز وجل في هذه الآية بتحريم الشحوم على بني إسرائيل وهي ~~الثروب وشحم الكلى وما كان شحما خالصا خارجا عن الاستثناء الذي في الآية. # واختلف العلماء في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائح اليهود فحكى ابن ~~المنذر في الأشراف عن مالك وغيره منع أكل الشحم من ذبائح اليهود وهو ظاهر ~~المدونة. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على القول في قوله عز وجل: وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم [المائدة: 5] بأنه المطعوم من ذبائحهم وأما ما ~~لا يحل لهم فلا تقع عليه ذكاة بل هو PageV02P357 # كالدم في ذبائح المسلمين، وعلى هذا القول يجيء قول مالك رحمه الله في ~~المدونة فيما ذبحه اليهودي مما لا يحل لهم كالجمل والأرنب أنه لا يؤكل. # وروي عن مالك رحمه الله كراهية الشحم من ذبائح أهل الكتاب دون تحريم ~~وأباح بعض الناس الشحم من ذبائح أهل الكتاب وذبحهم ما هو عليهم حرام إذا ~~أمرهم بذلك مستنيبا أو نحوه. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا ms1259 على أن يجعل قوله وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم [المائدة: 5] يراد به الذبائح فمتى وقع الذبح على صفته ~~وقعت الإباحة، وهذا قول ضعيف لأنه جرد لفظة وطعام من معنى أن تكون مطعوما ~~لأهل الكتاب وخلصها لمعنى الذبح وذلك حرج لا يتوجه، وأما الطريق فحرمه قوم ~~وكرهه قوم وأباحه قوم وخففه مالك في المدونة ثم رجع إلى منعه، وقال ابن ~~حبيب ما كان محرما عليهم وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم، وما ~~لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم، وقوله إلا ~~ما حملت ظهورهما يريد ما اختلط باللحم في الظهر والأجناب ونحوه، قال السدي ~~وأبو صالح: الأليات مما حملت ظهورهما أو الحوايا قال هو جمع حوية على وزن ~~فعلية، فوزن «حوايا» على هذا فعائل كسفينة وسفائن، وقيل هو جمع حاوية على ~~وزن فاعلة، فحوايا على هذا فواعل كضاربة وضوارب وقيل جمع حاوياء، فوزنها ~~على هذا أيضا فواعل كقاصعاء وقواصع وأما «الحوايا» على الوزن الأول فأصلها ~~حوايي فقلب الياء الأخيرة ألفا فانفتحت لذلك الهمزة ثم بدلت ياء، وأما على ~~الوزنين الأخيرين فأصل «حوايا» حواوي وبدلت الواو الثانية همزة، والحوية ما ~~تحوى في البطن واستدار وهي المصارين والحشوة ونحوهما، وقال مجاهد وقتادة ~~وابن عباس والسدي وابن زيد: «الحوايا» المباعر وقال بعضهم: هي المرابط التي ~~تكون فيها الأمعاء وهي بنات اللبن، وقوله أو ما اختلط بعظم يريد في سائر ~~الشخص، والحوايا معطوف على ما في قوله إلا ما حملت فهي في موضع نصب عطفا ~~على المنصوب بالاستثناء، وقال الكسائي الحوايا معطوف على الظهور، كأنه قال ~~«إلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا» ، وقال بعض الناس الحوايا معطوف على ~~الشحوم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وعلى هذا تدخل الحوايا في التحريم، ~~وهذا قول لا يعضده اللفظ ولا المعنى بل يدفعانه، وقوله تعالى: ذلك جزيناهم ~~ببغيهم، ذلك في موضع رفع وجزيناهم ببغيهم يقتضي أن هذا التحريم إنما كان ~~عقوبة لهم على ذنوبهم وبغيهم واستعصائهم على ms1260 الأنبياء، وقوله وإنا لصادقون ~~إخبار يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم ما حرم الله علينا شيئا وإنما اقتدينا ~~بإسرائيل فيما حرم على نفسه ويتضمن إدحاض قولهم ورده عليهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 147 الى 148] # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) ~~سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) PageV02P358 # يريد فإن كذبوك فيما أخبرت به أن الله حرمه عليهم وقالوا لم يحرم الله ~~علينا شيئا وإنما حرمنا ما حرم إسرائيل على نفسه، قال السدي وهذه كانت ~~مقالتهم فقل يا محمد على جهة التعجب من حالهم والتعظيم لفريتهم في تكذيبهم ~~لك مع علمهم بحقيقة ما قلت، ربكم ذو رحمة واسعة، إذ لا يعاجلكم بالعقوبة مع ~~شدة جرمكم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا كما تقول عند رؤية معصية أو أمر ~~مبغي ما أحلم الله، وأنت تريد لإمهاله على مثل ذلك في قوله ربكم ذو رحمة ~~واسعة قوة وصفهم بغاية الاجترام وشدة الطغيان، ثم أعقب هذه المقالة بوعيد ~~في قوله ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين فكأنه قال: ولا تغتروا أيضا بسعة ~~رحمته فإن له بأسا لا يرد عن المجرمين إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه ~~الآية وما جانسها من آيات مكة مرتفع حكمه بالقتال، وأخبر الله عز وجل نبيه ~~عليه السلام: أن المشركين سيحتجون لصواب ما هم عليه من شركهم وتدينهم ~~بتحريم تلك الأشياء بإمهال الله تعالى وتقريره حالهم وأنه لو شاء غير ذلك ~~لما تركهم على تلك الحال. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وبين أن المشركين لا حجة لهم فيما ~~ذكروه لأنا نحن نقول: إن الله عز وجل لو شاء ما أشركوا ولكنه عز وجل شاء ~~إشراكهم وأقدرهم على اكتساب الإشراك والمعاصي ومحبته والاشتغال به ثم علق ~~العقاب ms1261 والثواب على تلك الأشياء والاكتسابات، وهو الذي يقتضيه ظواهر القرآن ~~في قوله جزاء بما كانوا يكسبون [التوبة: 82- 95] ونحو ذلك، ويلزمهم على ~~احتجاجهم أن تكون كل طريقة وكل نحلة صوابا، إذ كلها لو شاء الله لم تكن. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقال بعض المفسرين: إنما هذه المقالة ~~من المشركين على جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف، وتعلقت المعتزلة بهذه الآية ~~فقالت: إن الله قد ذم لهم هذه المقالة وإنما ذمها لأن كفرهم ليس بمشيئة ~~الله تعالى بل هو خلق لهم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليس الأمر على ما قالوا، وإنما ذم ~~الله تعالى ظن المشركين أن ما شاء الله لا يقع عليه عقاب وأما أنه ذم ~~قولهم: لولا المشيئة لم نكفر فلا، ثم قال كذلك كذب الذين من قبلهم وفي ~~الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام، كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا وليس ~~في ذلك حجة لهم، ولا شيء يقتضي تكذيبك ولكن كذلك كذب الذين من قبلهم بنحو ~~هذه الشبهة من ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم، وفي قوله حتى ~~ذاقوا بأسنا وعيد بين، وليس في الآية رد منصوص على قولهم: لو شاء الله ما ~~أشركنا، وإنما ترك الرد عليهم مقدرا في الكلام لوضوحه وبيانه، وقوله ولا ~~آباؤنا معطوف على الضمير المرفوع في أشركنا والعطف على الضمير المرفوع لا ~~يرده قياس، بخلاف المظنون، لكن سيبويه قد قبح العطف على الضمير المرفوع، ~~ووجه قبحه أنه لما بني الفعل صار PageV02P359 # كحرف من الفعل فقبح العطف عليه لشبهه بالحرف، وكذلك كقولك: قمت وزيد، لأن ~~تأكيده فيه يبين معنى الاسمية، ويذهب عنه شبه الحرف، وحسن عند سيبويه العطف ~~في قوله ما أشركنا ولا آباؤنا لما طال الكلام، ب لا، فكان معنى الاسمية ~~اتضح واقتضت- لا ما يعطف بعدها وقوله تعالى: قل هل عندكم من علم الآية: ~~المعنى قل يا محمد للكفرة: هل عندكم من علم من قبل الله تعالى فتبينوه حتى ~~تقوم به الحجة، ومن في قوله من علم ms1262 زائدة مؤكدة وجاءت زيادتها لأن ~~الاستفهام داخل في غير الواجب، إن تتبعون إلا الظن أي لا شيء عندكم إلا ~~الظن وهو أكذب الحديث. # وقرأ جمهور الناس: «تتبعون» على المخاطبة، وقرأ النخعي وإبراهيم وابن ~~وثاب: «إن يتبعوا» بالياء حكاية عنهم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله وإن أنتم ~~وتخرصون معناه: تقدرون وتظنون وترجمون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 149 الى 150] # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم شهداءكم الذين ~~يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين ~~كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) # ثم أعقب تعالى أمره نبيه صلى الله عليه وسلم بتوقيف المشركين على موضع ~~عجزهم بأمره إياه بأن يقول مبينا مفصحا فلله الحجة البالغة يريد البالغة ~~غاية المقصد في الأمر الذي يحتج فيه، ثم أعلم بأنه لو شاء لهدى العالم ~~بأسره. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الآية ترد على المعتزلة في قولهم ~~إن الهداية والإيمان إنما هي من العبد لا من الله، فإن قالوا معنى لهداكم ~~لاضطركم إلى الهدى فسد ذلك بمعتقدهم أن الإيمان الذي يريد الله من عباده ~~ويثيب عليه ليس الذي يضطر إليه العبد، وإنما هو عندهم الذي يقع من العبد ~~وحده، وهلم معناها هات، وهي حينئذ متعدية، وقد تكون بمعنى أقبل، فهي حينئذ ~~لا تتعدى، وبعض العرب يجعلها اسما للفعل كرويدك، فيخاطب بها الواحد والجميع ~~والمذكر والمؤنث على حد واحد، وبعض العرب يجعلها فعلا فيركب عليها الضمائر ~~فيقول هلم يا زيد وهلموا أيها الناس وهلمي يا هند ونحو هذا، وذكر اللغتين ~~أبو علي في الإغفال، وقال أبو عبيدة اللغة الأولى لأهل العالية واللغة ~~الثانية لأهل نجد، وقال سيبويه والخليل: أصلها هالم، وقال بعضهم: أصلها ~~هالمم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين فجاء هلمم فحذف من قال أصلها هالم ~~وأدغم من قال أصلها هلمم على غير قياس، ومعنى هذه الآية قل هاتوا شهداءكم ~~على تحريم الله ما ms1263 زعمتم أنه حرمه، ثم قال الله تعالى لنبيه عليه السلام ~~فإن شهدوا أي فإن افترى لهم أحدا وزور شهادة أو خبرا عن نبوة ونحو ذلك ~~فتجنب أنت ذلك ولا تشهد معهم. PageV02P360 # وفي قوله فلا تشهد معهم قوة وصف شهادتهم بنهاية الزور، ولا تتبع أهواء ~~يريد لا تنحط في شهوات الكفرة وتوافقهم على محابهم والذين لا يؤمنون عطف ~~نعت على نعت، كما تقول جاءني زيد الكريم والعاقل، هذا مذهب عظم الناس، وقال ~~النقاش: نزلت في الدهرية من الزنادقة. وهم بربهم يعدلون أندادا يسوونهم به، ~~وإن كانت في الزنادقة فعدلهم غير هذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 151] # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون (151) # هذا أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوا جميع الخلق ~~إلى سماع تلاوة ما حرم الله بشرع الإسلام المبعوث به إلى الأسود والأحمر، ~~وتعالوا معناه أقبلوا، وأصله من العلو فكأن الدعاء لما كان أمرا من الداعي ~~استعمل فيه ترفيع المدعو، وتعالى هو مطاوع عالى، إذ تفاعل هو مطاوع فاعل. # وأتل معناه اسردوا نص من التلاوة التي يصح هي اتباع بعض الحروف بعضا، وما ~~نصب بقوله أتل وهي بمعنى الذي، وقال الزجاج أن يكون قوله أتل معلقا عن ~~العمل وما نصب ب حرم. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قلق وأن في قوله «أن لا تشركوا» ~~يصح أن تكون في موضع رفع الابتداء التقدير، الأمر أن أو ذلك أن، ويصح أن ~~تكون في موضع نصب على البدل من ما قاله مكي وغيره. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والمعنى يبطله فتأمله، ويصح أن يكون ~~مفعولا من أجله التقدير إرادة أن لا تشركوا به شيئا، إلا أن هذا التأويل ~~يخرج أن لا تشركوا من المتلو ms1264 ويجعله سببا لتلاوة المحرمات، وتشركوا يصح أن ~~يكون منصوبا بأن، ويتوجه أن يكون مجزوما بالنهي وهو الصحيح في المعنى ~~المقصود، وأن قد توصل بما نصبته، وقد توصل بالفعل المجزوم بالأمر والنهي، ~~وشيئا عام يراد به كل معبود من دون الله، وإحسانا نصب على المصدر وناصبه ~~فعل مضمر من لفظه تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا والمحرمات تنفك من هذه ~~المذكورات بالمعنى وهي الإشراك والعقوق وقرب الفواحش وقتل النفس وقال كعب ~~الأحبار: هذه الآيات مفتتح التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الآية، وقال ابن عباس هذه الآيات هي المحكمات ~~التي ذكرها الله في سورة آل عمران اجتمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قط في ~~ملة، وقد قيل إنها العشر الكلمات المنزلة على موسى، وإن اعترض من قال إن ~~تشركوا منصوب بأن بعطف المجزومات عليه فذلك موجود في كلام العرب، وأنشد ~~الطبري حجة لذلك: [الرجز] . PageV02P361 # حج وأوصى بسليمى الأعبدا ... أن لا ترى ولا تكلم أحدا # ولا يزل شرابها مبردا وقوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم الآية نهي عن عادة ~~العرب في وأد البنات، والولد يعم الذكر والأنثى من البنين، و «الإملاق» ~~الفقر وعدم المال، قاله ابن عباس وغيره، يقال أملق الرجل إذا افتقر. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويشبه أن يكون معناه أملق أي لم يبق ~~له إلا الملق كما قالوا أترب إذا لم يبق له إلا التراب وأرمل إذا لم يبق له ~~إلا الرمل، والملق الحجارة السود واحدته ملقة، وذكر منذر بن سعيد أن ~~الإملاق الإنفاق، ويقال أملق ماله بمعنى أنفقه، وذكر أن عليا قال لامرأة ~~أملقي من مالك ما شئت وذكر النقاش عن محمد بن نعيم الترمذي أنه السرف في ~~الإنفاق، وحكى أيضا النقاش عن مؤرج أنه قال: الإملاق الجوع بلغة لخم. # وقوله تعالى: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن نهي عام عن جميع ~~أنواع الفواحش وهي المعاصي، و «ظهر وبطن» حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له ~~من الأشياء، وذهب بعض ms1265 المفسرين إلى أن القصد بهذه الآية أشياء مخصصات، فقال ~~السدي وابن عباس: ما ظهر هو زنا الحوانيت الشهير، وما بطن هو متخذات ~~الأخدان، وكانوا يستقبحون الشهير وحده فحرم الله الجميع، وقال مجاهد ما ظهر ~~هو نكاح حلائل الآباء ونحو ذلك، وما بطن هو الزنا إلى غير هذا من تخصيص لا ~~تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة، وقوله تعالى: ولا تقتلوا الآية متضمنة ~~تحريم قتل النفس المسلمة والمعاهدة، ومعنى الآية إلا بالحق الذي يوجب قتلها ~~وقد بينته الشريعة وهو الكفر بالله وقتل النفس والزنا بعد الإحصان والحرابة ~~وما تشعب من هذه، وذلكم إشارة إلى هذه المحرمات، و «الوصية» الأمر المؤكد ~~المقرر ومنه قول الشاعر: [الطويل] # أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبي الإله حين أوصى وأشهدا # وقوله لعلكم ترج بالإضافة إلينا أي من سمع هذه الوصية ترجى وقوع أثر ~~العقل بعدها والميز بالمنافع والمضار في الدين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 152] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) # هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى ما ~~يحسن وهو التثمير والسعي في نمائه، قال مجاهد: بالتي هي أحسن # التجارة فيه ممن كان من الناظرين له مال يعيش به، فالأحسن إذا ثمر مال ~~يتيم أن لا يأخذ منه نفقة ولا أجرة ولا غيرها من كان من الناظرين لا مال له ~~ولا يتفق له PageV02P362 # نظر إلا بأن ينفق على نفسه من ربح نظره وإلا دعته الضرورة إلى ترك مال ~~اليتيم دون نظر فالأحسن أن ينظر ويأكل بالمعروف، قاله ابن زيد، و «الأشد» ~~جمع شد وجمع شدة، وهو هنا الحزم والنظر في الأمور وحسن التصرف فيها. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليس هذا بالأشد المقرون ببلوغ ~~الأربعين، بل هذا يكون مع صغر السن في ناس كثير وتلك ms1266 الأشد هي التجارب ~~والعقل المحنك، ولكن قد خلطهما المفسرون، وقال ربيعة والشعبي ومالك فيما ~~روي عنه وأبو حنيفة، «بلوغ الأشد» البلوغ مع أن لا يثبت سفه، وقال السدي: # «الأشد» ثلاثون سنة، وقالت فرقة ثلاثة وثلاثون سنة، وحكى الزجاج عن فرقة ~~ثمانية عشرة سنة، وضعفه ورجح البلوغ مع الرشد وحكى النقاش أن «الأشد» هنا ~~من خمسة عشر إلى ثلاثين، والفقه ما رجح الزجاج، وهو قول مالك رحمه الله ~~الرشد وزوال السفه مع البلوغ. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا أصح الأقوال وأليقها بهذا ~~الموضع، وقوله تعالى: # وأوفوا الكيل والميزان # الآية أمر بالاعتدال في الأخذ والإعطاء، و «القسط» العدل، وقوله لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها # يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرز ~~لا أنه مطالب بغاية العدل في نفس الشيء المتصرف فيه، قال الطبري: لما كان ~~الذي يعطي ناقصا يتكلف في ذلك مشقة والذي يعطي زائدا يتكلف أيضا مثل ذلك، ~~رفع الله عز وجل الأمر بالمعادلة حتى يتكلف واحد منهما مشقة، وقوله وإذا ~~قلتم فاعدلوا # يتضمن الشهادات والأحكام والتوسط بين الناس وغير ذلك، أي ولو كان ميل ~~الحق على قراباتكم، وقوله: وبعهد الله # يحتمل أن يراد جميع ما عهده الله إلى عباده، ويحتمل أن يراد به جميع ذلك ~~مع جميع ما انعقد بين إنسانين وأضاف ذلك العهد إلى الله من حيث قد أمر ~~بحفظه والوفاء به، وقوله لعلكم # ترج بحسبنا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تذكرون» بتشديد الذال والكاف جميعا ~~وكذلك «يذكرون» و «يذكر الإنسان» وما جرى من ذلك مشددا كله، وقرأ نافع ~~وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر كل ذلك بالتشديد إلا قوله أولا يذكر ~~الإنسان [مريم: 67] فإنهم خففوها، وروى أبان وحفص عن عاصم «تذكرون» خفيفة ~~الذال في كل القرآن. # وقرأ حمزة والكسائي «تذكرون» بتخفيف الذال إذا كان الفعل بالتاء، وإذا ~~كان بالياء قرأه بالتشديد، وقرأ حمزة وحده في سورة الفرقان لمن أراد أن ~~يذكر [الآية: 62] بسكون الذال وتخفيف الكاف، وقرأ ms1267 ذلك الكسائي بتشديدهما ~~وفتحهما. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 153] # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون (153) # الإشارة هي إلى الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بجملته، وقال ~~الطبري: الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدمت من قوله قل تعالوا أتل ~~[الأنعام: 151] قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو PageV02P363 # عمرو «وأن هذا» بفتح الهمزة وتشديد النون «صراطي» ساكن الياء، وقرأ حمزة ~~والكسائي «وإن» بكسر الألف وتشديد النون، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق وابن ~~عامر من السبعة «وأن» بفتح الهمزة وسكون النون «صراطي» مفتوح الياء، فأما ~~من فتح الألف فالمعنى عنده كأنه قال ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، أي ~~اتبعوه لكونه كذا وتكون الواو على هذا إنما عطفت جملة على جملة، ويصح غير ~~هذا أن يعطف على «ان لا تشركوا» وكأن المحرم من هذا اتباع السبل والتنكيب ~~عن الصراط الأقوم، ومن قرأ بتخفيف النون عطف على قوله «أن لا تشركوا» ومذهب ~~سيبويه أنها المخففة من الثقيلة، وأن التقدير وأنه هذا صراطي، ومن قرأ بكسر ~~الألف وتشديد النون فكأنه استأنف الكلام وقطعه من الأول، وفي مصحف ابن ~~مسعود «وهذا صراطي» بحذف أن، وقال ابن مسعود إن الله جعل طريقا صراطا ~~مستقيما طرفه محمد عليه السلام وشرعه ونهايته الجنة، وتتشعب منه طرق فمن ~~سلك الجادة نجا ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار وقال أيضا خط لنا ~~الرسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، فقال: هذا سبيل الله، ثم خط عن ~~يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطا فقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليها، ثم قرأ هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الآية تعلم أهل الأهواء والبدع ~~والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه ~~كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد وتقدم القول في ذلكم وصاكم، وفي قوله ~~لعلكم ومن حيث كانت المحرمات ms1268 الأول لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله جاءت ~~العبارة لعلكم تعقلون، والمحرمات الأخر شهوات وقد يقع فيها من العقلاء من ~~لم يتذكر، وركوب الجادة الكاملة يتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة التقوى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 154] # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) # ثم في هذه الآية إنما مهلتها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلى الله ~~عليه وسلم كأنه قال ثم مما قضيناه أنا آتينا موسى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن ~~موسى عليه السلام متقدم بالزمان على محمد صلى الله عليه وسلم وتلاوته ما ~~حرم الله، والكتاب التوراة، وتماما نصب على المصدر، وقوله على الذي أحسن ~~مختلف في معناه فقالت فرقة الذي بمعنى الذين، وأحسن فعل ماض صلة «الذين» ، ~~وكأن الكلام وآتينا موسى الكتاب تفضلا على المحسنين من أهل ملته وإتماما ~~للنعمة عندهم، هذا تأويل مجاهد، وفي مصحف عبد الله «تماما على الذين ~~أحسنوا» ، فهذا يؤيد ذلك التأويل، وقالت فرقة الذي غير موصولة، والمعنى ~~تماما على ما أحسن هو من عبادة ربه والاضطلاع بأمور نبوته، يريد موسى عليه ~~السلام، هذا تأويل الربيع وقتادة، وقالت فرقة: المعنى تماما أي تفضلا ~~وإكمالا على الذي أحسن الله فيه إلى عباده من النبوءات والنعم وغير ذلك، ف ~~الذي أيضا في هذا التأويل غير موصولة، وهذا تأويل ابن زيد. # وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق «تماما على الذي أحسن» بضم النون، ~~فجعلها صفة تفضيل PageV02P364 # ورفعها على خبر ابتداء مضمر تقديره «على الذي هو أحسن» وضعف أبو الفتح ~~هذه القراءة لقبح حذف المبتدأ العائد، وقال بعض نحويي الكوفة يصح أن يكون ~~أحسن صفة ل الذي من حيث قارب المعرفة إذ لا تدخله الألف واللام كما تقول ~~العرب مررت بالذي خير منك ولا يجوز فالذي عالم، وخطأ الزجاج هذا القول ~~الكوفي، وتفصيلا يريد بيانا وتقسيما ولعلهم ترج بالإضافة إلى البشر، وبلقاء ~~ربهم أي بالبعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء صلوات الله ms1269 عليهم، إذ ~~لا تلزمه العقول بذواتها وإنما ثبت بالسمع مع تجويز العقل له. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 155 الى 157] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) ~~أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم ~~وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) # هذا إشارة إلى القرآن، ومبارك وصف بما فيه من التوسعات وإزالة أحكام ~~الجاهلية وتحريماتها وجمع كلمة العرب وصلة أيدي متبعيه وفتح الله على ~~المؤمنين به ومعناه منمي خيره مكثر، و «البركة» الزيادة والنمو، وفاتبعوه ~~دعاء إلى الدين، واتقوا الأظهر فيه أنه أمر بالتقوى العامة في جميع الأشياء ~~بقرينة قوله لعلكم ترحمون وأن من قوله أن تقولوا في موضع نصب، والعامل فيه ~~أنزلناه والتقدير وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن، وهذا أصح الأقوال وأضبطها ~~للمعنى المقصود، وقيل العامل في أن قوله واتقوا فكأنه قال واتقوا أن ~~تقولوا، وهذا تأويل يتخرج على معنى واتقوا أن تقولوا كذا، لأنه لا حجة لكم ~~فيه، ولكن يعرض فيه قلق لقوله أثناء ذلك لعلكم ترحمون وفي التأويل الأول ~~يتسق نظم الآية، و «الطائفتان» اليهود والنصارى بإجماع من المتأولين ~~والدراسة القراءة والتعلم بها، وأن في قوله وإن كنا مخففة من الثقيلة، ~~واللام في قوله لغافلين لام توكيد، هذا مذهب البصريين وحكى سيبويه عن بعض ~~العرب أنهم يخففونها ويبقونها على عملها، ومنه قراءة بعض أهل المدينة وإن ~~كلا وأما المشهور فإنها إذا خففت ترجع حرف ابتداء لا تعمل، وأما على مذهب ~~الكوفيين ف أن في هذه الآية بمعنى ما النافية، واللام بمعنى إلا، فكأنه قال ~~وما كنا عن دراستهم إلا غافلين. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: معنى هذه الآية إزالة الحجة عن أيدي ~~قريش وسائر العرب بأنهم لم يكن لهم كتاب، فكأنه قال: وهذا القرآن يا معشر ~~العرب أنزل ms1270 حجة عليكم لئلا تقولوا إنما أنزلت التوراة والإنجيل بغير لساننا ~~على غيرنا، ونحن لم نعرف ذلك، فهذا كتاب بلسانكم ومع رجل منكم، وقوله ~~تعالى: أو تقولوا جملة معطوفة على الجملة الأولى، وهي في غرضها من الاحتجاج ~~على الكفار وقطع تعلقهم في الآخرة بأن الكتب إنما أنزلت على غيرهم وأنهم ~~غافلون عن الدراسة والنظر في الشرع وأنهم لو نزل عليهم كتاب لكانوا أسرع ~~إلى الهدى من الناس كلهم، فقيل لهم: قد جاءكم بيان من الله وهدى PageV02P365 # ورحمة، ولما تقرر أن البينة قد جاءت والحجة قد قامت حسن بعد ذلك أن يقع ~~التقرير بقوله فمن أظلم ممن كذب بهذه الآيات البينات، وصدف معناه حاد وراغ ~~وأعرض، وقرأ يحيى بن وثاب وابن أبي عبلة «كذب» بتخفيف الذال، والجمهور ~~«كذب» بتشديد الذال، وسنجزي الذين وعيد، وقرأت فرقة «يصدفون» بكسر الدال ~~وقرأت فرقة «يصدفون» بضم الدال. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : آية 158] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) # الضمير في ينظرون هو للطائفة التي قيل لها قبل فقد جاءكم بينة من ربكم ~~وهم العادلون بربهم من العرب الذين مضت أكثر آيات السورة في جدالهم، ~~وينظرون معناه ينتظرون، والملائكة هنا يراد بها ملائكة الموت الذين يصحبون ~~عزرائيل المخصوص بقبض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابن جريج. # ويحتمل أن يريد الملائكة الذين يتصرفون في قيام الساعة، وقرأ حمزة ~~والكسائي «إلا أن يأتيهم» بالياء، وقرأ الباقون «تأتيهم» بالتاء من فوق، ~~وقوله أو يأتي ربك قال الطبري: لموقف الحساب يوم القيامة، وأسند ذلك إلى ~~قتادة وجماعة من المتأولين، ويحكي الزجاج أن المراد بقوله أو يأتي ربك أي ~~العذاب الذي يسلطه الله في الدنيا على من يشاء من عباده كالصيحات والرجفات ~~والخسف ونحوه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام على كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف ~~تقديره أمر ربك أو ms1271 بطش ربك أو حساب ربك وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة ~~مستحيل في حق الله تعالى. ألا ترى أن الله تعالى يقول فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا [الحشر: 2] فهذا إتيان قد وقع وهو على المجاز وحذف المضاف، ~~وقوله: # أو يأتي بعض آيات ربك أما ظاهر اللفظ لو وقفنا معه فيقتضي أنه توعدهم ~~بالشهير الفظيع من أشراط الساعة دون أن يخص من ذلك شرطا يريد بذلك الإبهام ~~الذي يترك السامع مع أقوى تخيله، لكن لما قال بعد ذلك يوم يأتي بعض آيات ~~ربك لا ينفع نفسا إيمانها وبينت الآثار الصحاح في البخاري ومسلم أن الآية ~~التي معها هذا الشرط هي طلوع الشمس من المغرب، قوى أن الإشارة بقوله أو ~~يأتي بعض آيات ربك إنما هي إلى طلوع الشمس من مغربها، وقال بهذا التأويل ~~مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، ويقوي أيضا أن تكون الإشارة إلى غرغرة الإنسان ~~عند الموت أو ما يكون في مثابتها لمن لم يغرغر. # ففي الحديث أن توبة العبد تقبل ما لم يغرغر، وهذا إجماع لأن من غرغر ~~وعاين فهو في عداد الموتى، وكون المرء في هذه الحالة من آيات الله تعالى، ~~وهذا على من يرى الملائكة المتصرفين في قيام الساعة. # قال القاضي أبو محمد: فمقصد هذه الآية تهديد الكافرين بأحوال لا يخلون ~~منها كأنه قال: هل ينظرون مع إقامتهم على الكفر إلا الموت الذي لهم بعده ~~أشد العذاب، والأخذات المعهودة لله عز وجل، أو الآيات التي ترفع التوبة ~~وتعلم بقرب القيامة. PageV02P366 # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يريد بقوله: أو يأتي بعض آيات ربك جميع ما ~~يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله: يوم يأتي بعض آيات ربك ~~الآية التي ترفع التوبة معها، وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من ~~مغربها، وقرأ زهير الفرقبي «يوم يأتي» بالرفع وهو على الابتداء والخبر في ~~الجملة التي هي «لا ينفع» بتاء، وأنث الإيمان لما أضيف إلى مؤنث. أو لما ~~نزل منزلة التوبة، وقال جمهور أهل التأويل كما تقدم الآية ms1272 التي لا تنفع ~~التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها، هي طلوع الشمس من المغرب. # وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث، إما طلوع الشمس من مغربها، وإما خروج ~~الدابة، وإما خروج يأجوج ومأجوج. # قال أبو محمد: وهذا فيه نظر لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس. # وروي في هذا الحديث أن الشمس تجري كل يوم حتى تسجد تحت العرش وتستأذن ~~فيؤذن لها في طلوع المشرق، وحتى إذا أراد الله عز وجل سد باب التوبة أمرها ~~بالطلوع من مغربها، قال ابن مسعود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فتطلع هي والقمر كالبعيرين القرينين، ويقوي النظر أيضا أن الغرغرة هي الآية ~~التي ترفع معها التوبة، وقوله أو كسبت في إيمانها خيرا يريد جميع أعمال ~~البر فرضها ونفلها، وهذا الفصل هو للعصاة المؤمنين كما قوله لم تكن آمنت من ~~قبل هو للكفار، والآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين، وقرأ أبو هريرة «أو ~~كسبت في إيمانها صالحا» ، وقوله تعالى: قل انتظروا الآية تتضمن الوعيد أي ~~فسترون من يحق كلامه ويتضح ما أخبر به. # قوله تعالى: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 159 الى 160] # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون (160) # قال ابن عباس والصحاب وقتادة: المراد اليهود والنصارى أي فرقوا دين ~~إبراهيم الحنيفية، وأضيف الدين إليهم من حيث كان ينبغي أن يلتزموه، إذ هو ~~دين الله الذي ألزمه العباد، فهو دين جميع الناس بهذا الوجه ووصفهم ~~«بالشيع» إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حض لأمة محمد على ~~الائتلاف وقلة الاختلاف، وقال أبو الأحوص وأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم: الآية في أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة محمد، أي ~~فرقوا دين الإسلام، وقرأ علي بن أبي طالب وحمزة والكسائي «فارقوا» . ومعناه ~~تركوا، ثم بين قوله وكانوا شيعا أنهم فرقوه أيضا، ms1273 والشيع جمع شيعة وهي ~~الفرقة على مقصد ما يتشايعون عليه، وقوله لست منهم في شيء أي لا تشفع لهم ~~ولا لهم بك تعلق، وهذا على الإطلاق في الكفار وعلى جهة المبالغة في العصاة ~~والمتنطعين في الشرع، ولأنهم لهم حظ من تفريق الدين، وقوله إنما أمرهم إلى ~~الله إلى آخر الآية وعيد محض، والقرينة المتقدمة تقتضي أن أمرهم إلى الله ~~فيه وعيد، كما أن القرينة في قوله فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ~~وأمره إلى الله PageV02P367 # [البقرة: 275] تعطي أن في ذلك الأمر رجاء كأنه قال وأمره في إقبال وإلى ~~خير، وقرأ النخعي والأعمش وأبو صالح «فرقوا» بتخفيف الراء وقال السدي هذه ~~آية لم يؤمر فيها بقتال وهي منسوخة بالقتال. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كلام غير متقن فإن الآية خبر لا يدخله نسخ ~~ولكنها تضمنت بالمعنى أمرا بموادعة فيشبه أن يقال إن النسخ وقع في ذلك ~~المعنى الذي تقرر في آيات أخر. وقوله تعالى: من جاء بالحسنة الآية. قال أبو ~~سعيد الخدري وعبد الله بن عمر: هذه الآية نزلت في الأعراب الذين آمنوا بعد ~~الهجرة فضاعف الله حسناتهم للحسنة عشر. وكان المهاجرون قد ضوعف لهم الحسنة ~~سبعمائة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل يحتاج إلى سند يقطع العذر، وقالت فرقة: ~~هذه الآية لجميع الأمة، أي إن الله يضاعف الحسنة بعشرة ثم بعد هذا المضمون ~~قد يزيد ما يشاء، وقد يزيد أيضا على بعض الأعمال كنفقة الجهاد، وقال ابن ~~مسعود ومجاهد والقاسم بن أبي بزة وغيرهم: «الحسنة» لا إله إلا الله ~~«والسيئة» الكفر. # قال القاضي أبو محمد: وهذه هي الغاية من الطرفين، وقالت فرقة: ذلك لفظ ~~عام في جميع الحسنات والسيئات، وهذا هو الظاهر. وأنث لفظ «العشر» لأن ~~الأمثال هاهنا بالمعنى حسنات، ويحتمل أن الأمثال أنث لما أضيفت إلى مؤنث، ~~وهو الضمير كما قال الشاعر: [الطويل] # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # فأنث وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعيسى بن عمر والأعمش ويعقوب «فله عشر» ~~بالتنوين ms1274 «أمثالها» بالرفع. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الأعمال ست موجبة وموجبة ~~ومضعفة ومضعفة ومثل ومثل. فلا إله إلا الله توجب الجنة. والشرك يوجب النار. ~~ونفقة الجهاد تضعف سبعمائة ضعف، والنفقة على الأهل حسنتها بعشرة، والسيئة ~~جزاؤها مثلها، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وقوله تعالى: ~~لا يظلمون أي لا يوضع في جزائهم شيء في غير موضعه، وتقدير الآية من جاء ~~بالحسنة فله ثواب عشر أمثالها، والمماثلة بين الحسنة والثواب مترتبة إذا ~~تدبرت، وقال الطبري قوله من جاء بالحسنة الآية، يريد من الذين فرقوا دينهم ~~أي من جاء مؤمنا فله الجنة. # قال القاضي أبو محمد: والقصد بالآية إلى العموم في جميع العالم أليق ~~باللفظ. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 161 الى 163] # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) # هذا أمر من الله عز وجل نبيه عليه السلام بالإعلان بشريعته والانتباه من ~~سواها من أضاليلهم، PageV02P368 # ووصف الشريعة بما هي عليه من الحسن والفضل والاستقامة، وهداني معناه ~~أرشدني بخلق الهدى في قلبي. والرب المالك، ولفظه مصدر من قولك ربه يربه، ~~وإنما هو مثل عدل ورضى في أنه مصدر وصف به وأصله ذو الرب ثم حذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل الرب. و «الصراط» الطريق. # ودينا منصوب ب هداني المقدر الذي يدل عليه هداني الأول، وهذا الضمير إنما ~~يصل وحده دون أن يحتاج إلى إضمار إلى. إذ هدى يصل بنفسه إلى مفعوله الثاني ~~وبحرف الجر، فهو فعل متردد. # وقيل نصب دينا فعل مضمر تقديره عرفني دينا. وقيل تقديره فاتبعوا دينا أو ~~فالزموا دينا، وقيل نصب على البدل من صراط على الموضع، أن تقديره هداني ربي ~~صراطا مستقيما، وقيما نعت للدين، ومعناه مستقيما معتدلا. وقرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو «قيما» بفتح القاف وكسر الياء وشدها. وأصله قيوم عللت ms1275 ~~كتعليل سيد وميت، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «قيما» بكسر القاف ~~وفتح الياء على وزن فعل، وكأن الأصل أن يجيء فيه قوما كعوض وحول إلا أنه شذ ~~كشذوذ قولهم جياد في جمع جواد وثيرة في جمع ثور، وملة بدل من الدين، والملة ~~الشريعة وحنيفا نصب على الحال من إبراهيم، والحنف في كلام العرب الميل فقد ~~يكون الميل إلى فساد كحنف الرجل. # وكقوله فمن خاف من موص جنفا [البقرة: 182] على قراءة من قرأ بالحاء غير ~~المنقوطة ونحو ذلك. وقد يكون الحنف إلى الصلاح كقوله عليه السلام: ~~«الحنيفية السمحة» ، و «الدين الحنيف» ونحوه، وقال ابن قتيبة: الحنف ~~الاستقامة وإنما سمي الأحنف في الرجل على جهة التفاؤل له. وما كان من ~~المشركين نفي للنقيصة عنه صلى الله عليه وسلم، وقوله قل إن صلاتي الآية، ~~أمر من الله عز وجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته وطاعته من ذبيحة وغيرها ~~وتصرفه مدة حياته وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عز وجل ~~وإرادة وجهه وطلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ~~ما يلزم المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز ~~وجل، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أن صلاته ونسكه وحياته وموته بيد الله عز ~~وجل، يصرفه في جميع ذلك كيف شاء، وأنه قد هداه من ذلك إلى صراط مستقيم، ~~ويكون قوله بذلك أمرت على هذا التأويل راجعا إلى قوله لا شريك له فقط أو ~~راجعا إلى القول الأول وعلى التأويل الأول يرجع على جميع ما ذكر من صلاة ~~وغيرها، أي أمرت بأن أقصد وجه الله عز وجل في ذلك وأن التزم العمل، وقرأ ~~جمهور الناس: «ونسكي» بضم السين، وقرأ أبو حيوة والحسن بإسكان السين، وقالت ~~فرقة «النسك» في هذه الآية الذبائح. # قال القاضي أبو محمد: ويحسن تخصيص الذبيحة بالذكر في هذه الآية أنها ~~نازلة قد تقدم ذكرها والجدل فيها في السورة، وقالت فرقة: «النسك» في هذه ~~الآية جميع أعمال الطاعات من قولك ms1276 نسك فلان فهو ناسك إذا تعبد، وقرأ السبعة ~~سوى نافع و «محياي ومماتي» بفتح الياء من «محياي» وسكونها من «مماتي» ، ~~وقرأ نافع وحده و «محياي» بسكون الياء من «محياي» ، قال أبو علي الفارسي ~~وهي شاذة في القياس لأنها جمعت بين ساكنين، وشاذة في الاستعمال ووجهها أنه ~~قد سمع من العرب التقت حلقتا البطان ولفلان ثلثا المال، وروى أبو خليد عن ~~نافع و «محياي» بكسر الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والجحدري و «محيي» ، ~~وهذه لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب: PageV02P369 # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتصرعوا ولكل جنب مصرع # وقرأ عيسى بن عمر «صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي» بفتح الياء فيهن وروي ذلك ~~عن عاصم. وقوله تعالى: وأنا أول المسلمين أي من هذه الأمة، وقال النقاش من ~~أهل مكة. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى واحد بل الأول أعم وأحسن وقرأت فرقة «وأنا» ~~بإشباع الألف وجمهور القراء على القراءة «وأنا» دون إشباع، وهذا كله في ~~الوصل. # قال القاضي أبو محمد: وترك الإشباع أحسن لأنها ألف وقف فإذا اتصل الكلام ~~استغنى عنها لا سيما إذا وليتها همزة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنعام (6) : الآيات 164 الى 165] # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ~~ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) # حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع يا ~~محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل تباعة ~~تتوقعها في دنياك وآخرتك، فنزلت هذه الآية، وهي استفهام يقتضي التقرير ~~والتوقيف والتوبيخ، وأبغي معناه أطلب، فكأنه قال: أفيحسن عندكم أن أطلب ~~إلها غير الله الذي هو رب كل شيء؟ وما ذكرتم من كفالتكم لا يتم لأن الأمر ~~ليس كما تظنونه، وإنما كسب كل نفس من الشر والإثم عليها وحدها ولا ms1277 تزر أي ~~لا تحمل وازرة أي حاملة حمل أخرى وثقلها، والوزر أصله الثقل، ثم استعمل في ~~الإثم لأنه ينقض الظهر تجوزا واستعارة، يقال منه: وزر الرجل يزر فهو وازر ~~ووزر يوزر فهو موزور، وقوله ثم إلى ربكم مرجعكم تهديد ووعيد فينبئكم أي ~~فيعلمكم أن العقاب على الاعوجاج تبيين لموضع لحق، وقوله بما كنتم فيه ~~تختلفون يريد على ما حكى بعض المتأولين من أمري في قول بعضكم هو ساحر ~~وبعضكم هو شاعر. وبعضكم افتراه، وبعضكم اكتتبه ونحو هذا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يحسن في هذا الموضع وإن كان اللفظ يعم ~~جميع أنواع الاختلافات من الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، وخلائف جمع ~~خليفة أي يخلف بعضكم بعضا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يتصور في جميع الأمم وسائر أصناف الناس، لأن ~~من أتى خليفة لمن مضى ولكنه يحسن في أمة محمد عليه السلام أن يسمى أهلها ~~بجملتهم خلائف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم وعليهم قيام ~~الساعة. # وروى الحسن بن أبي الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: توفون سبعين ~~أمة أنتم خيرها PageV02P370 # وأكرمها على الله، ويروى أنتم آخرها وأكرمها على الله: وقوله ورفع بعضكم ~~فوق بعض درجات لفظ عام في المال والقوة والجاه وجودة النفوس والأذهان وغير ~~ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر الله تعالى الخلق فيرى المحسن من المسيء، ولما ~~أخبر عز وجل بهذا ففسح للناس ميدان العمل وحضهم على الاستباق إلى الخير ~~توعد ووعد تخويفا منه وترجية، فقال إن ربك سريع العقاب وسرعة عقابه إما ~~بأخذاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحسن أن يوصف عقاب الآخرة ب سريع ~~لما كان متحققا مضمون الإتيان والوقوع، فكل آت يحكم عليه بالقرب ويوصف به ~~وإنه لغفور رحيم ترجية لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب الله كثير ~~اقتران الوعيد بالوعد لطفا من الله تعالى بعباده. PageV02P371 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما ### | سورة الأعراف # وهي مكية كلها قاله الضحاك وغيره، ms1278 وقال مقاتل هي مكية إلا قوله وسئلهم عن ~~القرية التي كانت حاضرة البحر [الأعراف: 163] إلى قوله: من ظهورهم ذريتهم ~~[الأعراف: 172] فإن هذه الآيات مدنية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون (3) # تقدم القول في تفسير الحروف المقطعة التي في أوائل السور وذكر اختلاف ~~المتأولين فيها، ويختص هذا الموضع زائدا على تلك الأقوال بما قاله السدي: ~~إن المص هجاء اسم الله هو المصور، وبقول زيد بن علي إن معناه أنا الله ~~الفاصل. # وقوله تعالى: كتاب أنزل إليك الآية، قال الفراء وغيره كتاب رفع على الخبر ~~للحروف، كأنه قال هذه الحروف كتاب أنزل إليك، ورد الزجاج على هذا القول بما ~~لا طائل فيه، وقال غيره: كتاب رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذا كتاب ~~وأنزل إليك في موضع الصفة ل كتاب، ثم نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبرم ~~أو يستصحب من هذا الكتاب أو بسبب من أسبابه حرجا، ولفظ النهي هو للحرج ~~ومعناه للنبي عليه السلام، وأصل الحرج الضيق، ومنه الحرجة الشجر الملتف ~~الذي قد تضايق، و «الحرج» هاهنا يعم الشك والخوف والهم وكل ما يضيق الصدر، ~~وبحسب سبب الحرج يفسر الحرج هاهنا، وتفسيره بالشك قلق، والضمير في منه عائد ~~على الكتاب أي بسبب من أسبابه، و «من» هاهنا لابتداء الغاية، وقيل يعود على ~~التبليغ الذي يتضمنه معنى الآية، وقيل على الابتداء. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص كله لا وجه له إذ اللفظ يعم الجهات ~~التي هي من سبب الكتاب ولأجله وذلك يستغرق التبليغ والإنذار وتعرض المشركين ~~وتكذيب المكذبين وغير ذلك. # وقوله تعالى: فلا يكن في صدرك حرج منه اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال ~~بعض الناس إن فيه تقديما وتأخيرا، وقوله لتنذر اللام متعلقة ب أنزل. وقوله ~~وذكرى معناه تذكرة وإرشاد، وذكرى في موضع ms1279 رفع عطفا على قوله كتاب. فالتقدير ~~هذه الحروف كتاب وذكرى، وقيل رفعه على جهة العطف على صفة الكتاب فالتقدير ~~هذه الحروف كتاب منزل إليك وذكرى، فهي عطف على منزل PageV02P372 # داخلة في صفة الكتاب، وقيل ذكرى في موضع نصب بفعل مضمر تقديره لتنذر به ~~وتذكر ذكرى للمؤمنين، وقيل نصبها على المصدر وقيل ذكرى في موضع خفض عطفا ~~على قوله لتنذر أي لإنذارك وذكرى. # وقوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم الآية، قال الطبري وحكاه: ~~التقدير قل اتبعوا، فحذف القول لدلالة الإنذار المتقدم الذكر عليه، وقالت ~~فرقة قوله اتبعوا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن يكون أمرا لجميع الناس أي اتبعوا ملة ~~الإسلام والقرآن، وقرأ الجحدري «ابتغوا ما أنزل» ، من الابتغاء، وقرأ مجاهد ~~«ولا تبتغوا» من الابتغاء أيضا، وقوله أولياء، يريد كل ما عبد واتبع من دون ~~الله كالأصنام والأحبار والكهان والنار والكواكب وغير ذلك، والضمير في قوله ~~من دونه راجع على ربكم، هذا أظهر وجوهه وأبينها، وقيل يعود على قوله اتبعوا ~~ما، وقيل يعود على الكتاب المتقدم الذكر، وقليلا نعت لمصدر نصب بفعل مضمر، ~~وقال مكي هو منصوب بالفعل الذي بعده، قال الفارسي وما في قوله ما تذكرون ~~موصولة بالفعل وهي مصدرية، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية ~~أبي بكر «تذكرون» بتشديد الذال والكاف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية ~~حفص «تذكرون» بتخفيف الذال وتشديد الكاف، وقرأ ابن عامر «يتذكرون» بالياء ~~كناية عن غيب، وروي عنه أنه قرأ «تتذكرون» بتاءين على مخاطبة حاضرين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 4 الى 7] # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) فما كان ~~دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) فلنسئلن الذين أرسل ~~إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) # كم في موضع رفع بالابتداء والخبر أهلكناها، ويصح أن يكون الخبر في قوله ~~فجاءها وأهلكناها صفة، ويصح أن تكون في موضع نصب بفعل ms1280 مقدر بعدها تقديره ~~وكم أهلكنا من قرية أهلكناها، وقدر الفعل بعدها- وهي خبرية- تشبيها لها ~~بالاستفهامية في أن لها في كل حال صدر الكلام، وقالت فرقة المراد وكم من ~~أهل قرية وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقام المضاف، وقالت فرقة إنما عبر ~~بالقرية لأنها أعظم في العقوبة إذا هلك البشر وقريتهم، وقد بين في آخر ~~الآية بقوله أو هم أن البشر داخلون في الهلاك، فالآية على هذا التأويل ~~تتضمن هلاك القرية وأهلها جميعا، وعلى التأويل الأول تتضمن هلاك الأهل ولا ~~معنى لذكر القرية، والمراد بالآية التكثير، وقرأ ابن أبي عبلة: «وكم من ~~قرية أهلكناهم فجاءهم بأسنا» . وقوله فجاءها يقتضي ظاهره أن المجيء بعد ~~الإهلاك، وذلك مستحيل فلم يبق إلا أن يعدل على ظاهر هذا التعقيب فقيل الفاء ~~قد تجيء بمنزلة الواو ولا تعطى رتبة. PageV02P373 # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وقيل عبر عن إرادة الإهلاك بالإهلاك، قال ~~مكي في المشكل: # مثل قوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ [النحل: 98] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتج به في تأويل من قال الفاء في هذه الآية ~~لتعقيب القول، وقيل المعنى «أهلكناها» بالخذلان وقلة التوفيق فجاءها بأسنا ~~بعد ذلك، وقال الفراء وحكاه الطبري أن الإهلاك هو مجيء البأس ومجيء البأس ~~هو الإهلاك فلما تلازما لم يبال أيهما قدم في الرتبة، وقيل إن الفاء لترتيب ~~القول فقط فكأنه أخبر عن قرى كثيرة أنه أهلكها ثم قال فكان من أمرها مجيء ~~البأس. # وبياتا نصب على المصدر في موضع الحال، وقائلون من القائلة، وإنما خص وقتي ~~الدعة والسكون لأن مجيء العذاب فيهما أفظع وأهول لما فيه من البغت والفجأة، ~~وأو في هذا الموضع كما تقول: الناس في فلان صنفان حامد أو ذام، فكأنه قال ~~جاءهم بأسنا فرقتين بائتين أو قائلين، وهذا هو الذي يسمى اللف، وهو إجمال ~~في اللفظ يفرقه ذهن المخاطب دون كلفة، والبأس: العذاب، وقيل: المراد أو وهم ~~قائلون فكره اجتماع حرفي العطف فحذفت الواو وهذا تكلف لأن معنى اللف باق. # وقوله تعالى: فما كان دعواهم الآية، تبين ms1281 في هذه الآية غاية البيان أن ~~المراد في الآية قبلها أهل القرى، والدعوى في كلام العرب لمعنيين، أحدهما ~~الدعاء قال الخليل: تقول اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين ومنه قول عز ~~وجل: فما زالت تلك دعواهم [الأنبياء: 15] . # ومنه قول الشاعر [الطويل] # وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي ... بدعواك من مذل بها فيهون # والثاني الادعاء، فقال الطبري: هي في هذا الموضع يعني الدعاء. # قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يكون أيضا بمعنى الادعاء، لأن من ناله ~~مكروه أو حزبه حادث فمن شأنه أن يدعو كما ذهب إليه المفسرون في فعل هؤلاء ~~المذكورين في هذه الآية، ومن شأنه أيضا أن يدعي معاذير وأشياء تحسن حاله ~~وتقيم حجته في زعمه، فيتجه أن يكون هؤلاء بحال من يدعي معاذير ونحوها، ~~فأخبر الله عنهم أنهم لم تكن لهم دعوى ثم استثنى من غير الأول، كأنه قال لم ~~يكن دعاء أو ادعاء إلا الإقرار والاعتراف، أي هذا كان بدل الدعاء أو ~~الادعاء، وتحتمل الآية أن يكون المعنى فما آلت دعواهم التي كانت في حال ~~كفرهم إلا إلى اعتراف، ونحو من الآية قول الشاعر: [الفرزدق] # وقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم # واعترافهم وقولهم إنا كنا ظالمين هو في المدة بين ظهور العذاب إلى إتيانه ~~على أنفسهم، وفي ذلك مهلة بحسب نوع العذاب تتسع لهذه المقالة وغيرها، وروى ~~ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» ~~. وفسر عبد الملك بن ميسرة هذا الحديث بهذه الآية. ودعواهم خبر كان، واسمها ~~إلا أن قالوا وقيل بالعكس. # وقوله تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم الآية وعيد من الله عز وجل لجميع ~~العالم، أخبر أنه PageV02P374 # يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم ويسأل النبيين عما ~~بلغوا. # قال القاضي أبو محمد: وقد نفي السؤال في آيات وذلك هو سؤال الاستفهام ~~الحقيقي وقد أثبت في آيات كهذه الآية وهذا هو سؤال التقرير، فإن الله قد ~~أحاط علما بكل ذلك قبل السؤال فأما ms1282 الأنبياء والمؤمنون فيعقبهم جوابهم رحمة ~~وكرامة، وأما الكفار ومن نفذ عليه الوعيد من العصاة فيعقبهم جوابهم عذابا ~~وتوبيخا، فمن أنكر منهم قص عليه بعلم، وقرأ ابن مسعود وابن عباس «فلنسألن ~~الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا ولنسألن المرسلين» . # وقوله تعالى: فلنقصن أي فلنسردن عليهم أعمالهم قصة قصة، بعلم أي بحقيقة ~~ويقين، قال ابن عباس: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. # قال القاضي أبو محمد: يشبه أن يكون الكلام هنا استعارة إذ كل شيء فيه ~~مقيد، وما كنا غائبين أي ما كنا من لا يعلم جميع تصرفاتهم كالغائب عن الشيء ~~الذي لا يعرف له حالا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 8 الى 9] # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # الوزن مصدر وزن يزن، ورفعه بالابتداء والحق خبره، ويومئذ ظرف منتصب ب ~~الوزن ويصح أن يكون يومئذ خبر الابتداء، والحق نعت ل الوزن والتقدير الوزن ~~الحق ثابت أو ظاهر يومئذ، ويومئذ إشارة إلى يوم القيامة والفصل بين ~~الخلائق، واختلف الناس في معنى الوزن والموازين فقالت فرقة: إن الله عز وجل ~~أراد أن يعلم عباده أن الحساب والنظر يوم القيامة هو في غاية التحرير ~~ونهاية العدل فمثل لهم في ذلك بالوزن والميزان إذ لا يعرف البشر أمرا أكثر ~~تحريرا منه، فاستعير للعدل وتحرير النظر لفظة الوزن والميزان كما استعار ~~ذلك أبو طالب في قوله: # بميزان قسط لا يخس شعيرة ... له حاكم من نفسه غير عائل # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أصح من الأول من جهات، أولها أن ظواهر ~~كتاب الله عز وجل تقتضيه وحديث الرسول عليه السلام ينطق به، من ذلك: قوله ~~لبعض الصحابة وقد قال له يا رسول الله أين أجدك في القيامة؟ فقال «اطلبني ~~عند الحوض فإن لم تجدني فعند الميزان» ، ولو لم يكن الميزان مرئيا محسوسا ~~لما أحاله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطلب عنده، وجهة أخرى أن ~~النظر في الميزان ms1283 والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه ~~ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فلم نخرج من حقيقة اللفظ إلى مجازه دون ~~علة؟ وجهة ثالثة وهي أن القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف ~~إلا سمعا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن ~~الميزان والصراط والجنة والنار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير ~~الظاهر. PageV02P375 # وروي هذا القول عن مجاهد والضحاك وغيره، وكذلك استعير على قولهم الثقل ~~والخفة لكثرة الحسنات وقلتها، وقال جمهور الأمة: إن الله عز وجل أراد أن ~~يعرض لعباده يوم القيامة تحرير النظر وغاية العدل بأمر قد عرفوه في الدنيا ~~وعهدته أفهامهم، فميزان القيامة له عمود وكفتان على هيئة موازين الدنيا، ~~قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه ~~السلام، وقالوا: هذا الذي اقتضاه لفظ القرآن ولم يرده نظر. # قال القاضي أبو محمد: فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على ~~حقائقها، وأما «الثقل» و «الخفة» فإن الآثار تظاهرت بأن صحائف الحسنات ~~والسيئات توضع في كفتي الميزان فيحدث الله في الجهة التي يريد ثقلا وخفة ~~على نحو إحداثه ذلك في جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت نزول الوحي ~~عليه، ففي الصحيح من حديث زيد بن ثابت أنه قال: كنت أكتب حتى نزلت غير أولي ~~الضرر [النساء: # 95] وفخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى كادت أن ترض فخذي، ~~وفي الحديث أنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت به عجزا عن حمله لثقل ~~الحادث فيه، ولا بد لنا أن نعلم أن الثقل الحادث مع الحسنات إنما يتعلق ~~بجسم، إذ العرض لا يقوم بالعرض، فجائز أن يحدث الثقل في الصحائف وهو أقربها ~~إلى الظن، وجائز أن يحدث في ذلك من الأجسام المجاورة لتلك الحال، وإلى ~~حدوثه في الصحائف ذهب أبو المعالي، ورويت في خبر الميزان آثار عن صحابة ~~وتابعين في هيئته وطوله وأحواله لم تصح ms1284 بالإسناد، فلم نر للإطالة بها وجها، ~~وقال الحسن فيما روي عنه: بلغني أن لكل أحد يوم القيامة ميزانا على حدة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود الناس على خلافه، وإنما لكل أحد وزن ~~يختص به والميزان واحد، وروي عن مجاهد في قوله ثقلت موازينه أن «الموازين» ~~الحسنات نفسها. # قال القاضي أبو محمد: وجمع لفظ «الموازين» إذ في الميزان موزونات كثيرة ~~فكأنه أراد التنبيه عليها بجمعه لفظ الميزان. والمفلحون في اللغة المدركون ~~لبغيتهم الناجحون في طلبهم ومنه قول عبيد: # [الرجز] # أفلح بما شئت فقد يبلغ بالض ... ضعف وقد يخدع الأريب # فأما قول الشاعر: [المنسرح] # والمسي والصبح لا فلاح معه # فقد قيل إنه بمعنى البقاء. # قال القاضي أبو محمد: والبقاء بلوغ بغية فالمعنيان متقاربان، ووزن الله ~~تعالى أعمال العباد مع علمه بدقائق الأشياء وجلائلها نظير كتبه أعمالهم في ~~صحائفهم واستنساخه ذلك ونظير استنطاقه جوارحهم بالشهادة عليهم إقامة للحجة ~~وإيضاحا، فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ~~ولا بد، فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح ~~لهم حكم الفلاح ثم PageV02P376 # تدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة؟ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم ~~دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل ~~الحسنات فيدخلون الجنة، وأيضا فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه ~~شقاء على جهة التأديب. # وقوله تعالى: ومن خفت موازينه الآية، المعنى من خفت كفة حسناته فشالت، ~~وخسروا أنفسهم أي بالهلاك والخلود في النار وتلك غاية الخسارة، وقوله: بما ~~كانوا أي جزاء بذلك كما تقول أكرمتك بما أكرمتني، و «ما» في هذا الموضع ~~مصدرية، و «الآيات» هنا البراهين والأوامر والنواهي ويظلمون أي يضعونها في ~~غير مواضعها بالكفر والتكذيب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 10 الى 11] # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن ~~من الساجدين (11) # الخطاب لجميع ms1285 الناس، والمراد أن النوع بجملته ممكن في الأرض، و «المعايش» ~~جمع معيشة وهي لفظة تعم المأكول الذي يعاش به والتحرف الذي يؤدي إليه، وقرأ ~~الجمهور «معايش» بكسر الياء دون همز، وقرأ الأعرج وغيره «معائش» بالهمز ~~كمدائن وسفائن، ورواه خارجة عن نافع، وروي عن ورش «معايش» بإسكان الياء، ~~فمن قرأ «معايش» بتصحيح الياء فهو الأصوب لأنها جمع معيشة وزنها مفعلة، ~~ويحتمل أن تكون مفعلة بضم العين قالهما سيبويه، وقال الفراء مفعلة بفتح ~~العين فالياء في معيشة أصلية وأعلت معيشة لموافقتها الفعل الذي هو يعيش في ~~الياء أي في المتحرك والساكن، وصححت «معايش» في جمع التكسير لزوال الموافقة ~~المذكورة في اللفظ ولأن التكسير معنى لا يكون في الفعل إنما تختص به ~~الأسماء، ومن قرأ «معايش» فعلى التخفيف من «معايش» ، ومن قرأ «معائش» ~~فأعلها فذلك غلط، وأما توجيهه فعلى تشبيه الأصل بالزائد لأن معيشة تشبه في ~~اللفظ صحيفة فكما يقال صحائف قيل «معائش» ، وإنما همزت ياء صحائف ونظائرها ~~مما الياء فيه زائدة لأنها لا أصل لها في الحركة وإنما وزنها فعلية ساكنة، ~~فلما اضطر إلى تحريكها في الجمع بدلت بأجلد منها. # وقليلا نصب ب تشكرون، ويحتمل أن تكون ما زائدة، ويحتمل أن تكون مع الفعل ~~بتأويل المصدر، قليلا نعت لمصدر محذوف تقديره شكرا قليلا شكركم، أو شكرا ~~قليلا تشكرون. # وقوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم الآية، هذه الآية معناها التنبيه ~~على موضع العبرة والتعجيب من غريب الصنعة وإسداء النعمة، فبدأ بالخلق الذي ~~هو الإيجاد بعد العدم ثم بالتصوير في هذه البنية المخصوصة للبشر، وإلا فلم ~~يعر المخلوق قط من صورة، واضطراب الناس في ترتيب هذه الآية لأن ظاهرها ~~يقتضي أن الخلق والتصوير لبني آدم قبل القول للملائكة أن يسجدوا، وقد صححت ~~الشريعة أن الأمر لم يكن كذلك، فقالت فرقة: المراد بقوله: ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم آدم بنفسه وإن كان الخطاب لبنيه، وذلك لما كان سبب وجود بنيه بما ~~فعل فيه صح مع تجوز أن يقال إنه فعل في بنيه، وقال PageV02P377 # مجاهد: المعنى ولقد ms1286 خلقناكم ثم صورناكم في صلب آدم وفي وقت استخراج ذرية ~~آدم من ظهره أمثال الذر في صورة البشر. # قال القاضي أبو محمد: ويترتب في هذين القولين أن تكون ثم على بابها في ~~الترتيب والمهلة، وقال عكرمة والأعمش: المراد خلقناكم في ظهور الآباء ~~وصورناكم في بطون الأمهات. وقال ابن عباس والربيع بن أنس: أما خلقناكم فآدم ~~وأما صورناكم فذريته في بطون الأمهات، وقاله قتادة والضحاك. # وقال معمر بن راشد من بعض أهل العلم: بل ذلك كله في بطون الأمهات، من خلق ~~وتصوير. # قال القاضي أبو محمد: وقالت هذه الفرقة إن ثم لترتيب الأخبار بهذه الجمل ~~لا لترتيب الجمل في أنفسها. وقال الأخفش ثم في هذه الآية بمعنى الواو، ورد ~~عليه نحويو البصرة. # و «ملائكة» وزنه إما مفاعلة وإما معافلة بحسب الاشتقاق الذي قد مضى ذكره ~~في سورة البقرة، وهنالك ذكرنا هيئة السجود والمراد به ومعنى إبليس وكيف كان ~~قبل المعصية، وأما قوله في هذه الآية إلا إبليس فقال الزجاج هو استثناء ليس ~~من الأول ولكن إبليس أمر بالسجود بدليل قوله تعالى: ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك [الأعراف: 12] وقال غير الزجاج: الاستثناء من الأول لأنا لو جعلناه ~~منقطعا على قول من قال إن إبليس لم يكن من الملائكة لوجب أن إبليس لم يؤمر ~~بالسجود، إلا أن يقول قائل هذه المقالة إن أمر إبليس كان بوجه آخر غير ~~قوله: اسجدوا وذلك بين الضعف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «للملائكة اسجدوا» ~~بضم الهاء وهي قراءة ضعيفة. ووجهها أنه حذف همزة اسجدوا وألقى حركتها عن ~~الهاء، وذلك لا يتجه لأنها همزة محذوفة مع جر الهاء بحركة، أي شيء يلغى ~~والإلغاء إنما يكون في الوصل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 12 الى 16] # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ~~(13) قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما ms1287 ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) # ما استفهام والمقصود به التوبيخ والتقريع، ولا في قوله «أن لا» قيل هي ~~زائدة، والمعنى ما منعك أن تسجد وهي ك «لا» في قول الشاعر: [الطويل] # أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله # وهذا على أحد الأقوال في هذا البيت فقيل «لا» فيه زائدة. وقال الزجاج: ~~مفعولة والبخل بدل منها، وحكى الطبري عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء: أن ~~الرواية فيه لا البخل بخفض اللام لأن «لا» قد تتضمن جودا إذا قالها من أمر ~~بمنع الحقوق والبخل عن الواجبات. ومن الأبيات التي جاءت لا فيها زائدة قول ~~الشاعر: [الكامل] # افعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب PageV02P378 # وقيل في الآية ليست لا زائدة، وإنما المعنى ما منعك فأحوجك أن تسجد، ~~وقيل: لما كان ما منعك بمعنى من أمرك ومن قال لك حسن أن يقول بعدها ألا ~~تسجد. # قال القاضي أبو محمد: وجملة هذا الغرض أن يقدر في الكلام فعل يحسن حمل ~~النفي عليه، كأنه قال ما أحوجك أو حملك أو اضطرك، وجواب إبليس اللعين ليس ~~عما سئل عنه ولكنه جاء بكلام يتضمن الجواب والحجة عليه، فكأنه قال: منعني ~~فضلي إذ أنا خير منه حين خلقتني من نار وخلقته من طين. وروي عن ابن عباس ~~أنه قال: لا أسجد وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا، يقول إن النار أقوى ~~من الطين وظن إبليس أن النار أفضل من الطين وليس كذلك بل هي في درجة واحدة ~~من حيث هي جماد مخلوق، فلما ظن إبليس أن صعود النار وخفتها يقتضي فضلا على ~~سكون الطين وبلادته قاس أن ما خلق منها أفضل مما خلق من الطين فأخطأ قياسه ~~وذهب عليه أن الروح الذي نفخ في آدم ليس من طين، قال الطبري ذهب عليه ما في ~~النار من الطيش والخفة والاضطراب، وفي الطين من الوقار والأناة والحمل ~~والتثبت. # قال القاضي أبو محمد: وفي كلام الطبري نظر، وروي عن الحسن وابن سيرين ms1288 ~~أنهما قالا: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. # قال القاضي أبو محمد: قال الطبري يعنيان الخطأ ولا دليل من لفظهما عليه ~~ولا يتأول عليهما إنكار القياس، وإنما خرج كلامهما نهيا عما كان في زمنهما ~~من مقاييس الخوارج وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجادة. # وقوله تعالى: فاهبط منها الآية، أمر من الله عز وجل لإبليس بالهبوط في ~~وقت عصيانه في السجود، فيظهر من هذا أنه إنما أهبط أولا وأخرج من الجنة ~~وصار في السماء، لأن الأخبار تظاهرت أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجنة ثم ~~أمر آخرا بالهبوط من السماء مع آدم وحواء والحية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بحسب ألفاظ القصة والله أعلم. وقوله: فما ~~يكون لك معناه فما يصح لك ولا يتم، وليس يقتضي هذا اللفظ أن التكبر له في ~~غيرها على ما ذهب إليه بعض المعترضين، تضمنت الآية أن الله أخبر إبليس أن ~~الكبرياء لا يتم له ولا يصح في الجنة مع نهيه له ولغيره عن الكبرياء في كل ~~موضع وأما لو أخذنا فما يكون على معنى فما يحسن وما يجمل كما تقول للرجل ما ~~كان لك أن لا تصل قرابتك لغير معنى الإغلاظ على إبليس. وقوله: إنك من ~~الصاغرين حكم عليه بضد المعصية التي عصى بها وهي الكبرياء فعوقب بالحمل ~~عليه بخلاف شهوته وأمله، والصغار الذل قاله السدي. # ثم سأل إبليس ربه أن يؤخره إلى يوم البعث طمع أن لا يموت، إذ علم أن ~~الموت ينقطع بعد البعث ومعنى أنظرني أخرني فأعطاه الله النظرة إلى يوم ~~الوقت المعلوم، فقال أكثر الناس الوقت المعلوم هو النفخة الأولى في الصور ~~التي يصعق لها من في السماوات ومن في الأرض من المخلوقين، وقالت فرقة بل ~~أحاله على وقت معلوم عنده عز وجل يريد به يوم موت إبليس وحضور أجله دون أن ~~يعين له ذلك، وإنما تركه في عماء الجهل به ليغمه ذلك ما عاش. PageV02P379 # قال القاضي أبو محمد: وقال بعض أهل هذه المقالة: إن إبليس ms1289 قتلته الملائكة ~~يوم بدر ورووا في ذلك أثرا ضعيفا. # قال القاضي أبو محمد: والأول من هذه الأقوال أصح وأشهر في الشرع، ومعنى ~~من المنظرين من الطائفة التي تأخرت أعمارها كثيرا حتى جاءت آجالها على ~~اختلاف أوقاتها، فقد عم تلك الفرقة إنظار وإن لم يكونوا أحياء مدة الدهر. # وقوله: فبما يحتمل أن يريد به القسم كما تقول فبالله لأفعلن، ويحتمل أن ~~يريد به معنى المجازاة كما تقول فبإكرامك يا زيد لأكرمنك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أليق المعاني بالقصة، ويحتمل أن يريد فمع ~~إغوائك لي ومع ما أنا عليه من سوء الحال لأتجلدن ولأقعدن، ولا يعرض لمعنى ~~المجازاة ويحتمل أن يريد بقوله فبما الاستفهام عن السبب في إغوائه، ثم قطع ~~ذلك وابتدأ الإخبار عن قعوده لهم، وبهذا فسر الطبري أثناء لفظه وأغويتني ~~قال الجمهور معناه أضللتني من الغي. وعلى هذا المعنى قال محمد بن كعب ~~القرظي فيما حكى الطبري: قاتل الله القدرية لإبليس أعلم بالله منهم، يريد ~~في أنه علم أن الله يهدي ويضل، وقال الحسن أغويتني لعنتني. وقيل معناه ~~خيبتني. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله تفسير بأشياء لزمت إغواءه، وقالت فرقة ~~أغويتني معناه أهلكتني، حكى ذلك الطبري، وقال: هو من قولك غوى الفصيل يغوي ~~غوى إذا انقطع عنه اللبن فمات. وأنشد: # [الطويل] # معطفة الأثناء ليس فصيلها ... برازئها درا ولا ميت غوى # قال: وقد حكي عن بعض طيىء: أصبح فلان غاويا أي مريضا، وقوله: لأقعدن لهم ~~صراطك يريد على صراطك وفي صراطك وحذف كما يفعل في الظروف، ونحوه قول ~~الشاعر: [ساعدة بن جؤية] . # لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب # وقال مجاهد: صراطك المستقيم يريد به الحق. وقال عون بن عبد الله: يريد ~~طريق مكة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تخصيص ضعيف وإنما المعنى لأتعرضن لهم في طريق ~~شرعك وعبادتك ومنهج النجاة فلأصدنهم عنه. ومنه قوله عليه السلام: «إن ~~الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، نهاه عن الإسلام وقال تترك دين آبائك فعصاه ~~فأسلم فنهاه عن الهجرة وقال ms1290 تدع أهلك وبلدك فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجهاد ~~وقال تقتل وتترك ولدك فعصاه فجاهد فله الجنة» الحديث. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 17 الى 18] # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين (17) قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم ~~منكم أجمعين (18) # هذا توكيد من إبليس في أنه يجد في إغواء بني آدم، وهذا لم يكن حتى علم ~~إبليس أن الله يجعل في PageV02P380 # الأرض خليفة وعلم أنه آدم وإلا فلا طريق له إلى علم أنسال آدم من ألفاظ ~~هذه الآيات. # قال القاضي أبو محمد: ومقصد هذه الآية أن إبليس أخبر عن نفسه أنه يأتي ~~إضلال بني آدم من كل جهة وعلى كل طريق يفسد عليه ما أمكنه من معتقده وينسيه ~~صالح أعمال الآخرة ويغريه بقبيح أعمال الدنيا، فعبر ذلك بألفاظ تقتضي ~~الإحاطة بهم، وفي اللفظ تجوز، وهذا قول جماعة من المفسرين. وقال ابن عباس ~~فيما روي عنه: أراد بقوله من بين أيديهم الآخرة ومن خلفهم الدنيا وعن ~~أيمانهم الحق، وعن شمائلهم الباطل. وقال ابن عباس أيضا فيما روي عنه: من ~~بين أيديهم هي الدنيا ومن خلفهم هي الآخرة وعن أيمانهم الحسنات وعن شمائلهم ~~السيئات. وقال مجاهد: من «بين أيديهم وعن أيمانهم» : معناه حيث يبصرون «ومن ~~خلفهم وعن شمائلهم» حيث لا يبصرون. # وقوله: ولا تجد أكثرهم شاكرين خبر أن سعايته تفعل ذلك ظنا منه وتوهما في ~~خلقة آدم حين رأى خلقته من أشياء مختلفة فعلم أنه ستكون لهم شيم تقتضي ~~طاعته كالغل والحسد والشهوات ونحو ذلك، قال ابن عباس وقتادة: إلا أن إبليس ~~لم يقبل أنه يأتي بني آدم من فوقهم ولا جعل الله له سبيلا إلى أن يحول ~~بينهم وبين رحمة الله وعفوه ومنه، وما ظنه إبليس صدقه الله عز وجل. ومنه ~~قوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين [سبأ: 20] ~~فجعل أكثر العالم كفرة، ويبينه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: ~~«يقول الله تعالى ms1291 يوم القيامة: يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: يا رب وما ~~بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وواحد إلى الجنة» . ونحوه ~~مما يخص أمة محمد عليه السلام: «ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في ~~الثور الأسود» . # قال القاضي أبو محمد: وقوله كالشعرة يحتمل أن يريد شعرة واحدة وهو بعيد ~~لأن تناسب الحديث الأول يرده، ويحتمل أن يريد الشعرة التي هي للجنس، والقصد ~~أن يشبههم بثور أسود قد أنبتت في خلال سواده شعرة بيضاء، ويحتمل أن يريد ~~اللمعة من الشعر الأبيض، وهذا فيه بعد، وشاكرين معناه مؤمنين لأن ابن آدم ~~لا يشكر نعمة الله إلا بأن يؤمن، قاله ابن عباس وغيره. # وقوله تعالى: قال اخرج منها الضمير في منها عائد على الجنة ومذؤما معناه ~~معيبا يقال ذأمه إذا عابه ومنه الذأم وهو العيب. وفي المثل: «لن تعدم ~~لحسناء ذاما» ، أي عيبا، وسهلت فيه الهمزة، ومنه قول قيل حمير: أردت أن ~~تذيمه فمدهته يريد فمدحته، وحكى الطبري أنه يروى هذا البيت: [الطويل] # صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها # قال القاضي أبو محمد: والرواية المشهورة ألومها. ومن الشاهد في اللفظ قول ~~الكميت: [الخفيف] # وهم الأقربون من كل خير ... وهم الأبعدون من كل ذام # ومن الشاهد في مدحور قول الشاعر: [الوافر] # ودحرت بني الحصيب إلى قديد ... وقد كانوا ذوي أشر وفخر # وقرأ الزهري وأبو جعفر والأعمش في هذه الآية «مذوما» على التسهيل، ~~ومدحورا معناه مقصيا PageV02P381 # مبعدا. وقرأت فرقة «لمن تبعك» بفتح اللام وهي على هذه لام القسم المخرجة ~~الكلام من الشك إلى القسم، وقرأ عاصم الجحدري والأعمش «لمن تبعك» بكسر ~~اللام، والمعنى لأجل من تبعك لأملأن جهنم منكم أجمعين فأدخله في الوعيد ~~معهم بحكم هذه الكاف في منكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : آية 19] # ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين (19) # إذا أمر الإنسان بشيء هو متلبس به فإنما المقصد بذلك أن يستمر على حاله ~~ويتمادى ms1292 في هيئته. # وقوله تعالى لآدم اسكن هو من هذا الباب، وأكد الضمير الذي في قوله اسكن ~~بقوله أنت وحينئذ جاز العطف عليه وهو ضمير لا يجوز إظهاره ولا يترتب، ~~والعطف على الضمير الملفوظ به لا يجوز إلا بعد تأكيده كقولك قمت أنت وزيد ~~لأن الضمير بمنزلة حرف من الفعل، وهذا الضمير الذي في اسكن أضعف من الملفوظ ~~به فأحرى أن لا يصح العطف عليه إلا بعد التأكيد. # وقوله: فكلا هو من أكل فأصله أكلا فحذفت فاء الفعل لاجتماع المثلين ~~واستغني عن الأخرى لما تحرك ما بعدها، وحسن أيضا حذف فاء الفعل لأنهم ~~استثقلوا الحركة على حرف علة، وهذا باب كل فعل أوله همزة ووزنه فعل كأخذ ~~وأمر ونحوه وكان القياس أن لا يحذف فاء الفعل ولكن ورد استعمالهم هكذا، ~~ويقال قرب يقرب، وهذه الشجرة الظاهر أنه أشار إلى شخص شجرة واحدة من نوع ~~وأرادها. # ويحتمل أن يشير إلى شجرة معينة وهو يريد النوع بجملته، وعبر باسم الواحدة ~~كما تقول أصاب الناس الدينار والدرهم وأنت تريد النوع. # قال القاضي أبو محمد: وعلى الاحتمالين فآدم عليه السلام إنما قصد في وقت ~~معصية فعل ما نهي عنه قاله جمهور المتأولين، وبذلك أغواه إبليس لعنه الله ~~بقوله إنك لم تنه إلا لئلا تخلد أو تكون ملكا، فيبطل بهذا قول من قال إن ~~آدم إنما أخطأ متأولا بأن ظن النهي متعلقا بشخص شجرة فأكل من النوع فلم ~~يعذر بالخطأ. # قال القاضي أبو محمد: وذلك أن هذا القائل إنما يفرض آدم معتقدا أن النهي ~~إنما تعلق بشجرة معينة فكيف يقال له مع هذا الاعتقاد إنك لم تنه إلا لئلا ~~تخلد ثم يقصد هو طلب الخلود في ارتكاب غير ما نهي عنه؟ ولا فرق بين أكله ما ~~يعتقد أنه لم ينه عنه وبين أكله سائر المباحات له. # قال القاضي أبو محمد: والهاء الأخيرة في هذه بدل من الياء في هذي أبدلت ~~في الوقف ثم ثبتت في الوصل هاء حملا على الوقف، وليس في الكلام هاء تأنيث ~~قبلها ms1293 كسرة إلا «هذه» وقرأ ابن محيصن «هذي الشجرة» على الأصل، وقوله: ~~فتكونا نصب في جواب النهي. # قال القاضي أبو محمد: وتعلق الناس بهذه الآية في مسألة الحظر والإباحة، ~~وذلك أن مسألة الحظر والإباحة تكلم الناس فيها على ضربين فأما الفقهاء ~~فدعاهم إلى الكلام فيها أنه تنزل نوازل لا توجد منصوصة في كتاب الله عز وجل ~~ولا في سنة نبيه ولا في إجماع. ويعتم وجه استقرائها من أحد هذه الثلاثة PageV02P382 # وقياسها على ما فيها، فيرجع الناظر بعد ذلك ينظر على أي جهة يحملها من ~~الإجازة والمنع، فقال بعضهم إذا نزل مثل هذا فنحمله على الحظر ونأخذ فيه ~~بالشدة ونستبرىء لأنفسنا، إذ الله عز وجل قد بين لنا في كتابه جميع ما يجب ~~بيانه، وأحل ما أراد تحليله، ولم يترك ذكر هذه النازلة إلا عن قصد ~~فاجترامنا نحن عليها لا تقتضيه الشريعة، وقال بعضهم بل نحملها على الإباحة ~~لأن الله عز وجل قد أكمل لنا ديننا وحرم علينا ما شاء تحريمه، ولم يهمل ~~النص على نازلة إلا وقد تركها في جملة المباح، وبعيد أن يريد في شيء ~~التحريم ولا يذكره لنا ويدعنا في عمى الجهالة به، فإنما نحملها على الإباحة ~~حتى يطرأ الحظر، وقال بعضهم بل نحمل ذلك على الوقف أبدا ولا نحكم فيه بحظر ~~ولا إباحة بل نطلب فيه النظر والقياس أبدا، وذلك أنا نجد الله عز وجل يقول ~~في كتابه حرم عليكم في مواضع، ويقول أحل لكم في مواضع. # فدل ذلك على أن كل نازلة تحتاج إلى شرع وأمر، إما مخصوصا بها وإما مشتملا ~~عليها وعلى غيرها، ولو كانت الأشياء على الحظر لما قال في شيء حرم عليكم ~~ولو كانت على الإباحة لما قال في شيء أحل لكم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أبين الأقوال ولم يتعرض الفقهاء في هذه ~~المسألة إلى النظر في تحسين العقل وتقبيحه، وإنما تمسكوا في أقوالهم هذه ~~بأسباب الشريعة وذهبوا إلى انتزاع مذاهبهم منها، وأما الضرب الثاني من كلام ~~الناس في الحظر والإباحة فإن المعتزلة ms1294 ومن قال بقولهم إن العقل يحسن ويقبح ~~نظروا في المسألة من هذه الجهة فقالوا نفرض زمنا لا شرع فيه أو رجلا نشأ في ~~برية ولم يحس قط بشرع ولا بأمر ولا بنهي أو نقدر آدم عليه السلام وقت ~~إهباطه إلى الأرض قد ترك وعقله قبل أن يؤمر وينهى كيف كانت الأشياء عليه أو ~~كيف يقتضي العقل في الزمن والرجل المفروضين، فقال بعضهم الذي يحسن في العقل ~~أن تكون محظورة كلها حتى يرد الإذن باستباحتها، وذلك أن استباحتها تعد على ~~ملك الغير وإذا قبح ذلك في الشاهد فهو في حق الله أعظم حرمة، وذهب بعض هذه ~~الفرقة إلى استثناء التنفس والحركة من هذا الحظر وقالوا إن هذه لا يمكن ~~غيرها. # قال القاضي أبو محمد: ويمكن أن يقدر الاضطرار إليها إباحة لها، وقال ~~بعضهم: بل يحسن في العقل أن تكون مباحة إذ التحكم في ملك الغير بوجه لا ضرر ~~عليه فيه كالاستظلال بالجدران ونحوه مباح، فإذا كان هذا في الشاهد جائزا ~~فهو في عظم قدر الله تعالى ووجوده أجوز، إذ لا ضرر في تصرفنا نحن في ملكه، ~~ويتعلق بحقه شيء من ذلك، وقال أهل الحق والسنة في هذا النحو من النظر، بل ~~الأمر في نفسه على الوقف ولا يوجب العقل تحسينا ولا تقبيحا بمجرده يدان به، ~~ولا يتجه حكم الحسن والقبيح إلا بالشرع، وقال بعضهم: والعقل لم يخل قط من ~~شرع، فلا معنى للخوض في هذه المسألة ولا لفرض ما لا يقع، وذهبوا إلى ~~الاحتجاج بأن آدم عليه السلام قد توجهت عليه الأوامر والنواهي في الجنة، ~~بقوله تعالى له حين جرى الروح في جسده فعطس: قل الحمد لله يا آدم، وبقوله: ~~اسكن وكل ولا تقرب ونحو هذا، وقال القاضي ابن الباقلاني في التقريب ~~والإرشاد: إن الفقهاء الذين قالوا بالحظر والإباحة لم يقصدوا الكون مع ~~المعتزلة في غوايتهم، ولكنهم رأوا لهم كلاما ملفقا مموها فاستحسنوه دون أن ~~يشعروا بما يؤول إليه من الفساد في القول بتحسين العقل وتقبيحه. # قال القاضي أبو محمد: وفي ms1295 هذا الكلام حمل على فقهاء الشرع واستقصار لهم، ~~والصواب أن لا PageV02P383 # يظن بهم هذا الخلل وإنما التمسوا على نوازلهم تعليق حكم الحظر والإباحة ~~من الشرع وهم مع ذلك لا يحمل عليهم أنهم يدفعون الحق في أن العقل لا يحسن ~~ولا يقبح دون الشرع، وقد تقدم في سورة البقرة ذكر الاختلاف في الشجرة ~~وتعيينها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 20 الى 21] # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) ~~وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) # «الوسوسة» الحديث في اختفاء همسا وسرارا من الصوت، والوسواس صوت الحلي ~~فشبه الهمس به، وسمي إلقاء الشيطان في نفس ابن آدم وسوسة إذ هي أبلغ السرار ~~وأخفاه، هذا حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم فممكن أن تكون وسوسة ~~بمجاورة خفية أو بإلقاء في نفس، ومن ذلك قول رؤية: # [الرجز] # وسوس يدعو جاهرا رب الفلق # فهذه عبارة عن كلام خفي، والشيطان يراد به إبليس نفسه، واختلف نقلة القصص ~~في صورة وسوسته فروي أنه كان يدخل إلى الجنة في فم الحية مستخفيا بزعمه ~~فيتمكن من الوسوسة، وروي أن آدم وحواء كانا يخرجان خارج الجنة فيتمكن إبليس ~~منهما، وروي أن الله أقدره على الإلقاء في أنفسهما فأغواهما وهو في الأرض. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف يرده لفظ القرآن، واللام في قوله ~~ليبدي هي على قول كثير من المؤلفين لام الصيرورة والعاقبة، وهذا بحسب آدم ~~وحواء وبحسب إبليس في هذه العقوبة المخصوصة لأنه لم يكن له علم بها ~~فيقصدها. # قال القاضي أبو محمد: ويمكن أن تكون لام كي على بابها بحسب قصد إبليس إلى ~~حط مرتبتهما وإلقائهما في العقوبة غير مخصصة، وما ووري معناه ما ستر، من ~~قولك وارى يواري إذ ستر، وظاهر هذا اللفظ أنها مفاعلة من واحد، ويمكن أن ~~تقدر من اثنين لأن الشيء الذي يوارى هو أيضا من جهة، وقرأ ابن وثاب «ما ~~وري» بواو واحدة، ms1296 وقال قوم: إن هذه اللفظة في هذه الآية مأخوذة من وراء. # قال القاضي أبو محمد: وهو قول يوهنه التصريف، و «السوأة» : الفرج والدبر، ~~ويشبه أن يسمى بذلك لأن منظره يسوء، وقرأ الحسن ومجاهد من «سوتهما» ~~بالإفراد وتسهيل الهمزة وشد الواو، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح ~~والحسن والزهري: «من سواتهما» بتسهيل الهمزة وتشديد الواو وحكاها سيبويه ~~لغة، قال أبو الفتح: ووجهها حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الواو، فيقولون ~~سوة ومنهم من يشدد الواو، وقالت طائفة إن هذه العبارة إنما قصد بها أنهما ~~كشفت لهما معانيهما وما يسوءهما ولم يقصد بها العورة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول كان اللفظ يحتمله إلا أن ذكر خصف الورق ~~يرده إلا أن يقدر PageV02P384 # الضمير في عليهما [الآية: 22] عائدا على بدنيهما إذ تمزقت عنهما ثياب ~~الجنة، فيصح القول المذكور. # وقوله تعالى: وقال ما نهاكما الآية هذا القول الذي حكي عن إبليس يدخله من ~~هذا التأويل ما دخل الوسوسة، فممكن أن يقول هذا مخاطبة وحوارا، وممكن أن ~~يقولها إلقاء في النفس ووحيا وإلا أن تقديره عند سيبويه والبصريين إلا ~~كراهية أن، وتقديره عند الكوفيين «إلا أن لا» على إضمار لا. # قال القاضي أبو محمد: ويرجح قول البصريين أن إضمار الأسماء أحسن من إضمار ~~الحروف، وقرأ جمهور الناس «ملكين» بفتح اللام وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبي ~~كثير والضحاك «ملكين» بكسر اللام، ويؤيد هذه القراءة قوله في آية أخرى وملك ~~لا يبلى [طه: 120] . # قال القاضي أبو محمد: وقال بعض الناس: يخرج من هذه الألفاظ أن الملائكة ~~أفضل من البشر وهي مسألة اختلف الناس فيها وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة ~~والفضل بيد الله، وقال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يريد ~~ملكين في أن لا تكون لهما شهوة في طعام، وقاسمهما أي حلف لهما بالله وهي ~~مفاعلة إذ قبول المحلوف له وإقباله على معنى اليمين كالقسم وتقريره وإن كان ~~بادي الرأي يعطي أنها من واحد، ومثله قول الهذلي: # وقاسمها بالله جهدا ms1297 لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها # وروي في القصص أن آدم قال في جملة اعتذاره: ما ظننت يا رب أن أحدا يحلف ~~حانثا، فقال بعض العلماء خدع الشيطان آدم بالله عز وجل فانخدع، ونحن من ~~خدعنا بالله عز وجل انخدعنا له، وروي نحوه عن قتادة، واللام في قوله لكما ~~متعلقة بالناصحين، فقال بعض الناس مكي وغيره: ذلك على أن تكون الألف واللام ~~لتعريف الجنس لا بمعنى الذي، لأنها إذا كانت بمعنى الذي كان قوله لكما ~~داخلا في الصلة فلا يجوز تقديمه، وأظن أن أبا علي الفارسي خرج جواز تقديمه ~~وهي بمعنى الذي، والظاهر أنه إن جعلت بمعنى الذي كانت اللام في قوله لكما ~~متعلقة بمحذوف تقديره إني ناصح لكما من الناصحين، وقال أبو العالية في بعض ~~القراءة «وقاسمهما بالله» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 22 الى 23] # فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ~~لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين (23) # فدلاهما بغرور يريد فغرهما بقوله وخدعهما بمكره. # قال القاضي أبو محمد: ويشبه عندي أن يكون هذا استعارة من الرجل يدلي آخر ~~من هوة بحبل قد أرم أو بسبب ضعيف يغتر به فإذا تدلى به وتورك عليه انقطع به ~~فهلك، فيشبه الذي يغر بالكلام حتى يصدقه PageV02P385 # فيقع في مصيبة بالذي يدلى في هوة بسبب ضعيف، وعلق حكم العقوبة بالذوق إذ ~~هو أول الأكل وبه يرتكب النهي، وفي آية أخرى فأكلا منها [طه: 121] . # وقوله تعالى: # بدت قيل تخرقت عنهما ثياب الجنة وملابسها وتطايرت تبريا منهما، وقال وهب ~~بن منبه كان عليهما نور يستر عورة كل واحد منهما فانقشع بالمعصية ذلك ~~النور، وقال ابن عباس وقتادة: كان عليهما ظفر كاس فلما عصيا تقلص عنهما ~~فبدت سوءاتهما وبقي منه على الأصابع قدر ما يتذكران به المعصية فيجددان ~~الندم، وطفقا معناه أخذا وجعلا وهو فعل لا ms1298 يختص بوقت كبات وظل. # ويخصفان معناه يلصقانها ويضمان بعضها إلى بعض، والمخصف الإشفى، وضم الورق ~~بعضه إلى بعض أشبه بالخرز منه بالخياطة، وقرأ جمهور الناس «يخصفان» من خصف، ~~وقرأ عبد الله بن بريدة «يخصفان» من خصف بشد الصاد وقرأ الزهري «يخصفان» من ~~أخصف، وقرأ الحسن فيما روى عنه محبوب: «يخصفان» بفتح الياء والخاء وكسر ~~الصاد وشدها، ورويت عن ابن بريدة وعن يعقوب، وأصلها يختصفان كما تقول سمعت ~~الحديث واستمعته فأدغمت التاء في الصاد ونقلت حركتها إلى الخاء، وكذلك ~~الأصل في القراءة بكسر الخاء بعد هذه، لكن لما سكنت التاء وأدغمت في الصاد ~~اجتمع ساكنان فكسرت الخاء على عرف التقاء ساكنين، وقرأ الحسن والأعرج ~~ومجاهد «يخصفان» بفتح الياء وكسر الخاء وكسر الصاد وشدها وقد تقدم تعليلها، ~~قال ابن عباس: إن الورق الذي خصف منه ورق التين، وروى أبي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أن آدم عليه السلام كان يمشي في الجنة كأنه نخلة سحوق، ~~فلما واقع المعصية وبدت له حاله فر على وجهه فأخذت شجرة بشعر رأسه يقال ~~إنها الزيتونة فقال لها: أرسليني فقالت ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه أمني ~~تفر يا آدم؟ قال لا يا رب، ولكن أستحييك، قال أما كان لك فيما منحتك من ~~الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال بلى يا رب، ولكن وعزتك ما ظننت أن أحدا ~~يحلف بك كاذبا، قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا. # وقوله تعالى: # وناداهما الآية، قال الجمهور إن هذا النداء نداء وحي بواسطة، ويؤيد ذلك ~~أنا نتلقى من الشرع ان موسى عليه السلام هو الذي خصص بين العالم بالكلام، ~~وأيضا ففي حديث الشفاعة أن بني آدم المؤمنين، يقولون لموسى يوم القيامة أنت ~~خصك الله بكلامه واصطفاك برسالته اذهب فاشفع للناس، وهذا ظاهره أنه مخصص، ~~وقالت فرقة بل هو نداء تكليم. # قال القاضي أبو محمد: وحجة هذا المذهب أنه وقع في أول ورقة من تاريخ ابن ~~أبي خيثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ms1299 آدم فقال نبي مكلم، ~~وأيضا فإن موسى خصص بين البشر الساكنين في الأرض وأما آدم إذ كان في الجنة ~~فكان في غير رتبة سكان الأرض، فليس في تكليمه ما يفسد تخصيص موسى عليه ~~السلام، ويؤيد أنه نداء وحي اشتراك حواء فيه، ولم يرو قط أن الله عز وجل ~~كلم حواء، ويتأول قوله عليه السلام «نبي مكلم» أنه بمعنى موصل إليه كلام ~~الله تعالى، وقوله عز وجل ألم أنهكما سؤال PageV02P386 # تقرير يتضمن التوبيخ، وقوله تلكما يؤيد بحسب ظاهر اللفظ أنه إنما أشار ~~إلى شخص شجرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين إشارة إلى الآية التي في ~~سورة طه في قوله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى [طه: 117] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو العهد الذي نسيه آدم على مذهب من يجعل ~~النسيان على بابه، وقرأ أبي بن كعب «ألم تنهيا عن تلكما الشجرة وقيل لكما» ~~، وقولهما ربنا ظلمنا أنفسنا اعتراف من آدم وحواء عليهما السلام وطلب ~~للتوبة والستر والتغمد بالرحمة، فطلب آدم هذا وطلب إبليس النظرة ولم يطلب ~~التوبة فوكل إلى رأيه، قال الضحاك هذه الآية هي الكلمات التي تلقى آدم من ~~ربه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 24 الى 26] # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال ~~فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم ~~يذكرون (26) # المخاطبة بقوله: اهبطوا قال أبو صالح والسدي والطبري وغيرهم: هي لآدم ~~وحواء وإبليس والحية، وقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته وإبليس وذريته. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لعدمهم في ذلك الوقت، فإن قيل خاطبهم ~~وأمرهم بشرط الوجود فذلك يبعد في هذه النازلة لأن الأمر بشرط الوجود إنما ~~يصح إذا ترتب على المأمور بعد وجوده وصح معناه عليه كالصلاة والصوم ونحو ~~ذلك، وأما هنا فإن معنى الهبوط لا يتصور في بني آدم بعد وجودهم ولا يتعلق ~~بهم من الأمر به ms1300 شيء، وأما قوله في آية أخرى اهبطا [طه: 123] فهي مخاطبة ~~لآدم وإبليس بدليل بيانه العداوة بينهما، وعدو فرد بمعنى الجمع، تقول قوم ~~عدو وقوم صديق. ومنه قول الشاعر: # لعمري لئن كنتم على النأي والغنى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق # وعداوة الحياة معروفة، وروى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما ~~سالمناهن منذ حاربناهن» ، وقال عبد الله بن عمر: «من تركهن فليس منا» ، ~~وقالت عائشة «من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين» . # قال القاضي أبو محمد: وإنما يعرض في أمرهن حديث الفتى في غزوة الخندق، ~~وقول النبي عليه السلام: إن جنا بالمدينة قد أسلموا فمن رأى من هذه الحيات ~~شيئا في بيته فليحرج عليه ثلاثا فإن رآه بعد ذلك فليقتله فإنما هو كافر. # وقوله تعالى، مستقر لفظ عام لزمن الحياة ولزمن الإقامة في القبور، وبزمن ~~الحياة فسر أبو العالية وقال: هي كقوله الذي جعل لكم الأرض فراشا [البقرة: ~~22] وبالإقامة في القبور فسر ابن عباس واللفظ يعمهما فهي كقوله: ألم نجعل ~~الأرض كفاتا أحياء وأمواتا [المرسلات: 25] وأما «المتاع» فهو بحسب PageV02P387 # شخص شخص، في زمن الحياة اللهم إلا أن يقدر سكنى القبر متاعا بوجه ما، و ~~«المتاع» التمتع والنيل من الفوائد، وإلى حين هو بحسب الجملة قيام الساعة، ~~وبحسب مفرد بلوغ الأجل والموت، والحين في كلام العرب الوقت غير معين. # وروي أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة، وتمناها بمنى، وعرف ~~حقيقة أمرها بعرفة، ولقيها بجمع وأهبط إبليس بميسان وقيل بالبصرة وقيل بمصر ~~فباض فيها وفرخ، قال ابن عمر وبسط إبليس فيها عبقريه، وذكر صالح مولى ~~التؤمة قال في بعض الكتب لما أهبط إبليس قال رب أين مسكني؟ قال مسكنك ~~الحمام ومجلسك الأسواق ولهوك المزامير وطعامك ما لم يذكر عليه اسمي وشرابك ~~المسكر، ورسلك الشهوات وحبائلك النساء. وأهبطت الحية بأصبهان. # وروي أنها كانت ذات قوائم كالبعير فعوقبت بأن ردت تنساب على بطنها، وروي ~~أن آدم لما أهبط إلى شقاء الدنيا علم صنعة الحديد ثم علم ms1301 الحرث فحرث وسقى ~~وحصد وذرا وطحن وعجن وخبز وطبخ وأكل فلم يبلغ إلى ذلك حتى بلغ من الجهد ما ~~شاء الله، وروي أن حواء قيل لها يا حواء كما دميت الشجرة فأنت تدمين في كل ~~شهر وأنت لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها، قال فرنت عند ذلك فقيل لها ~~الرنة عليك وعلى ولدك. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذه القصة من الأنباء كثير اختصرتها إذ لا ~~يقتضيها اللفظ. # وقوله تعالى: فيها تحيون الآية، حكم من الله عز وجل أمضاه وجعله حتما في ~~رقاب العباد يحيون في الأرض ويموتون فيها ويبعثون منها إلى الحشر أحياء كما ~~أنشأ أول خلق يعيده، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو «تخرجون» بضم ~~التاء وفتح الراء هنا، وفي الروم وكذلك تخرجون ومن آياته [الآية: 19] وكذلك ~~حيث تكرر إلا في الروم إذا أنتم تخرجون [الآية: 25] وفي سأل سائل يوم ~~يخرجون [الآية: 43] فإن هذين بفتح التاء والياء وضم الراء، ولم يختلف الناس ~~فيهما، وقرأ حمزة والكسائي في الأعراف ومنها تخرجون [الآية: 25] بفتح التاء ~~وضم الراء وفتح ابن عامر التاء في الأعراف وضمها في الباقي. # وقوله تعالى: يا بني آدم الآية، هذا خطاب لجميع الأمم وقت النبي عليه ~~السلام والسبب والمراد قريش ومن كان من العرب يتعرى في طوافه بالبيت، ذكر ~~النقاش ثقيفا وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج وعامرا والحارث ابني عبد ~~مناف فإنها كانت عادتهم رجالا ونساء، وذلك غاية العار والعصيان، قال مجاهد ~~ففيهم نزلت هذه الأربع الآيات، وقوله: أنزلنا يحتمل أن يريد التدريج أي لما ~~أنزلنا المطر فكان عنه جميع ما يلبس، قال عن اللباس أنزلنا، وهذا نحو قول ~~الشاعر يصف مطرا. # أقبل في المستن من سحابه ... اسنمة الآبال في ربابه # أي بالمال ويحتمل أن يريد خلقنا فجاءت العبارة ب أنزلنا كقوله وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس [الحديد: 25] وقوله: وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ~~[الزمر: 6] وأيضا فخلق الله عز وجل وأفعاله إنما هي من علو في القدر ~~والمنزلة، ولباسا عام في جميع ms1302 ما يلبس، ويواري يستر، وفي حرف PageV02P388 # أبي «سوءاتكم وزينة ولبس التقوى» ، وفي مصحف ابن مسعود «ولباس التقوى خير ~~ذلكم» ، ويروى عنه ذلك، وسقطت «ذلك» الأولى، وقرأ سكن النحوي «ولبوس ~~التقوى» بالواو مرفوعة السين، وقرأ الجمهور من الناس «وريشا» وقرأ الحسن ~~وزر بن حبيش وعاصم فيما روى عنه أبو عمرو أيضا، وابن عباس وأبو عبد الرحمن ~~ومجاهد وأبو رجاء وزيد بن علي وعلي بن الحسين وقتادة «ورياشا» ، قال أبو ~~الفتح: وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو حاتم: رواها عنه عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه، وهما عبارتان عن سعة الرزق ورفاهية العيش ووجود ~~الملبس والتمتع، وفسره قوم بالأثاث، وفسره ابن عباس بالمال، وكذلك قال ~~السدي والضحاك، وقال ابن زيد «الريش» الجمال، وقيل «الرياش» جمع ريش كبير ~~وبئار وذيب وذياب ولصب ولصاب وشعب وشعاب وقيل الرياش مصدر من أراشه الله ~~يريشه إذا أنعم عليه، والريش مصدر أيضا من ذلك وفي الحديث «رجل راشه الله ~~مالا» . # قال القاضي أبو محمد: ويشبه ان هذا كله من معنى ريش الطائر وريش السهم إذ ~~هو لباسه وسترته وعونه على النفوذ، وراش الله مأخوذ من ذلك، ألا ترى أنها ~~تقرن ببرى ومن ذلك قول الشاعر: [لعمير بن حباب] # فرشني بخير طال ما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري # وقرأ نافع وابن عامر والكسائي «ولباس» بالنصب عطفا على ما تقدم، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة «ولباس» بالرفع فقيل هو خبر ابتداء مضمر تقديره ~~وهو لباس، وقيل هو مبتدأ وذلك مبتدأ آخر وخير خبر ذلك، والجملة خبر الأول، ~~وقيل هو مبتدأ وخير خبره وذلك بدل أو عطف بيان أو صفة، وهذا أنبل الأقوال ~~ذكره أبو علي في الحجة. # وقوله: ذلك من آيات الله إشارة إلى جميع ما أنزل من اللباس والريش، وحكى ~~النقاش أن الإشارة إلى لباس التقوى أي هو في العبد آية علامة وأمارة من ~~الله أنه قد رضي عنه ورحمه، ولعلهم ترج بحسبهم ومبلغهم من المعرفة وقال ابن ~~جريج لباس ms1303 التقوى الإيمان، وقال معبد الجهني: هو الحياء، وقال ابن عباس هو ~~العمل الصالح، وقال أيضا، هو السمت الحسن في الوجه، وقاله عثمان بن عفان ~~على المنبر، وقال عروة بن الزبير هو خشية الله، وقال ابن زيد هو ستر ~~العورة، وقيل لباس التقوى الصوف وكل ما فيه تواضع لله عز وجل، وقال الحسن: ~~هو الورع والسمت والحسن في الدنيا، وقال ابن عباس لباس التقوى العفة، وقال ~~زيد بن علي لباس التقوى السلاح وآلة الجهاد. # قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها مثل وهي من لباس التقوى. # قال القاضي أبو محمد: وتتصور الصفة التي حكاها أبو علي في قوله: ذلك لأن ~~الأسماء توصف بمعنى الإشارة كما تقول جاءني زيد هذا كأنك قلت جاءني زيد ~~المشار إليه فعلى هذا الحد توصف الأسماء بالمبهمات، وأما قوله فيه عطف بيان ~~وبدل فهما واحد في اللفظ إنما الفرق بينهما في المعنى والمقصد، وذلك أنك ~~تريد في البدل كأنك أزلت الأول وأعملت العامل في الثاني على نية تكرار ~~العامل، وتريد في عطف البيان كأنك أبقيت الأول ثم ثنيته بعينه في ذكر ~~الثاني وإنما يبين الفرق بين البدل وعطف البيان في PageV02P389 # مسألة النداء إذا قلت يا عبد الله زيد فالبدل في هذه المسألة هو على هذا ~~الحد برفع زيد لأنك تقدر إزالة عبد الله وإضافة «يا» إلى زيد ولو عطفت عطف ~~البيان لقلت يا عبد الله زيد لأنك أردت بيانه ولم تقدر إزالة الأول وينشد ~~هذا البيت: [الرجز] # اني وأسطار سطرن سطرا ... لقائل يا نصر نصرا نصرا # ويا نصر الأول على عطف البيان والثاني على البدل. # وقوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 27 الى 28] # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون (28) # هذه ms1304 المخاطبة لجميع العالم والمقصود بها في ذلك الوقت من كان يطوف من ~~العرب بالبيت عراة، فقيل كان ذلك من عادة قريش، وقال قتادة والضحاك: كان ~~ذلك من عادة قبيلة من اليمن، وقيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس وهم قريش ~~ومن والاها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح لأن قريشا لما سنوا بعد عام الفيل ~~سننا عظموا بها حرمتهم كانت هذه من ذلك، فكان العربي إما أن يعيره أحد من ~~الحمس ثوبا فيطوف فيه، وإما أن يطوف في ثيابه ثم يلقيها، وتمادى الأمر حتى ~~صار عند العرب قربة فكانت العرب تقول نطوف عراة كما خرجنا من بطون أمهاتنا ~~ولا نطوف في ثياب قد تدنسنا فيها بالذنوب، ومن طاف في ثيابه فكانت سنتهم ~~كما ذكرنا أن يرمي تلك الثياب ولا يتتفع بها وتسمى تلك الثياب اللقى، ومنه ~~قول الشاعر: # كفى حزنا كري عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم # وكانت المرأة تطوف عريانة حتى كانت إحداهن تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله # فنهى الله عز وجل عن جميع ذلك ونودي بمكة في سنة تسع لا يحج بعد العام ~~مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، و «الفتنة» في هذه الآية الاستهواء والغلبة ~~على النفس، وظاهر قوله: لا يفتننكم نهي الشيطان، والمعنى نهيهم أنفسهم عن ~~الاستماع له والطاعة لأمره كما قالوا لا أرينك هاهنا، فظاهر اللفظ نهي ~~المتكلم نفسه، ومعناه نهي الآخر عن الإقامة بحيث يراه، وأضاف الإخراج في ~~هذه الآية الى إبليس وذلك تجوز بسبب أنه كان ساعيا في ذلك ومسببا له، ويقال ~~أب وللأم أبة، وعلى هذا قيل أبوان، وينزع في موضع الحال من الضمير في أخرج، ~~وتقدم الخلاف في «اللباس» من قول من قال الأظفار ومن قال النور PageV02P390 # ومن قال ثياب الجنة، وقال مجاهد هي استعارة وإنما أراد لبسة التقى ~~المنزلة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقوله: إنه يراكم الآية، زيادة في ~~التحذير وإعلام أن الله عز وجل قد مكن الشيطان من ابن آدم ms1305 في هذا القدر ~~وبحسب ذلك يجب أن يكون التحذر بطاعة الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: والشيطان موجود قد قررته الشريعة وهو جسم، وقبيله ~~يريد نوعه وصنفه وذريته. # وحيث مبنية على الضم، ومن العرب من يبنيها على الفتح، وذلك لأنها تدل على ~~موضع بعينه، قال الزجاج: ما بعدها صلة لها وليست بمضافة إليه، قال أبو علي: ~~هذا غير مستقيم وليست حيث بموصولة إذ ليس ثم عائد كما في الموصولات، وهي ~~مضافة إلى ما بعدها. # ثم أخبر عز وجل أنه صير «الشياطين أولياء» أي صحابة ومداخلين إلى الكفرة ~~الذين لا إيمان لهم، وذكر الزهراوي أن جعل هنا بمعنى وصف. # قال القاضي أبو محمد: وهي نزعة اعتزالية. # وقوله وإذا فعلوا وما بعده داخل في صفة الذين لا يؤمنون ليقع التوبيخ ~~بصفة قوم جعلوا مثالا للموبخين إذا شبه فعلهم فعل الممثل بهم، ويصح أن تكون ~~هذه الآية مقطوعة من التي قبلها ابتداء إخبار عن كفار العرب، و «الفاحشة» ~~في هذه الآية وإن كان اللفظ عاما هي كشف العورة عند الطواف فقد روي عن ~~الزهري أنه قال: إن في ذلك نزلت هذه الآية، وقاله ابن عباس ومجاهد، وكان ~~قول بعض الكفار إن الله أمر بهذه السنن التي لنا وشرعها، فرد الله عليهم ~~بقوله قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ثم وبخهم على كذبهم ووقفهم على قولهم ما ~~لا علم لهم به ولا رواية لهم فيه بل هو دعوى واختلاق. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 29 الى 30] # قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا ~~الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # تضمن قوله قل أمر ربي بالقسط أقسطوا ولذلك عطف عليه قوله وأقيموا حملا ~~على المعنى، و «القسط» العدل والحق، واختلف المتأولون في قوله وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد فقيل أراد إلى الكعبة قاله مجاهد والسدي والمقصد على ~~هذا شرع القبلة والأمر بالتزامها، وقيل أراد ms1306 الأمر بإحضار النية لله في كل ~~صلاة والقصد نحوه كما تقول وجهت وجهي لله قاله الربيع. # قال القاضي أبو محمد: فلا يؤخذ الوجه على أنه الجارحة بل هو المقصد ~~والمنزع، وقيل: المراد بهذا اللفظ إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض، أي ~~حيث ما كنتم فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة PageV02P391 # إقامة وجهوكم فيه لله عز وجل، قال قوم: سببها أن قوما كانوا لا يصلون إلا ~~في مساجدهم في قبلتهم، فإذا حضرت الصلاة في غير ذلك من المساجد لم يصلوا ~~فيها، وقوله مخلصين حال من الضمير في وادعوه، والدين مفعول ب مخلصين. # قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وابن عباس ومجاهد: المراد بقوله: كما ~~بدأكم تعودون الإعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت ~~فالوقف على هذا التأويل تعودون، وفريقا نصب ب هدى، والثاني منصوب بفعل ~~تقديره: وعذب فريقا أو أضل «فريقا حق عليهم» ، وقال ابن عباس أيضا وأبو ~~العالية ومحمد بن كعب ومجاهد أيضا وسعيد بن جبير والسدي وجابر بن عبد الله ~~وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم: المراد بقوله كما بدأكم تعودون ~~الإعلام بأن أهل الشقاء والكفر في الدنيا الذين كتب عليهم هم أهل الشقاء في ~~الآخرة وأهل السعادة والإيمان الذين كتب لهم في الدنيا هم أهلها في الآخرة ~~لا يتبدل من الأمور التي أحكمها ودبرها وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل ~~في قوله تعودون غير حسن، وفريقا على هذا التأويل نصب على الحال والثاني عطف ~~على الأول، وفي قراءة أبي بن كعب «تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة» ، والضمير في إنهم عائد على الفريق الذين حق عليهم الضلالة، ~~وأولياء معناه: أنصارا وأصحابا وإخوانا، ويحسبون معناه يظنون يقال: حسبت ~~أحسب حسبانا وحسبا ومحسبة، قال الطبري: # وهذه الآية دليل على خطأ قول من زعم أن الله تعالى لا يعذب أحدا على ~~معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب، ~~وقرأ العباس بن الفضل وسهل بن شعيب وعيسى بن ms1307 عمر «أنهم اتخذوا» بفتح الألف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 31 الى 32] # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون (32) # هذا خطاب عام لجميع العالم وأمروا بهذه الأشياء بسبب عصيان حاضري ذلك ~~الوقت من مشركي العرب فيها، والزينة هاهنا الثياب الساترة قاله مجاهد ~~والسدي، وقال طاوس: الشملة من الزينة. # قال القاضي أبو محمد: ويدخل فيها ما كان من الطيب للجمعة والسواك وبدل ~~الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء، وعند ~~كل مسجد عند كل موضع سجود فهي إشارة إلى الصلوات وستر العورة فيها هذا هو ~~مهم الأمر، ويدخل مع الصلاة مواطن الخير كلها، ومع ستر العورة ما ذكرناه من ~~الطيب للجمعة وغير ذلك، وذكر مكي حديثا أن معنى خذوا زينتكم صلوا في ~~النعال، وما أحسبه يصح. # وقوله تعالى: وكلوا واشربوا نهي عما كانوا التزموه من تحريم اللحم والودك ~~في أيام الموسم، PageV02P392 # قاله السدي وابن زيد، وتدخل مع ذلك أيضا البحيرة والسائبة ونحو ذلك، وقد ~~نص على ذلك قتادة وقال إن البحيرة وما جانسها هي المراد بقوله تعالى: ~~والطيبات من الرزق، وقوله تعالى: ولا تسرفوا معناه ولا تفرطوا، قال أهل ~~التأويل: يريد ولا تسرفوا بأن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرم الله عز وجل، ~~قال ابن عباس: ليس في الحلال سرف إنما السرف في ارتكاب المعاصي. # قال القاضي أبو محمد: يريد في الحلال القصد، واللفظ يقتضي النهي عن السرف ~~مطلقا فمن تلبس بفعل حرام فتأول تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي ~~عليه، ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن ~~أفرط حتى دخل الضرر حصل أيضا من المسرفين وتوجه النهي عليه، مثل ذلك أن ~~يفرط الإنسان في شراء ثياب ونحوها ويستنفد في ذلك جل ms1308 ماله أو يعطي ماله ~~أجمع ويكابد بعياله الفقر بعد ذلك ونحوه، فالله عز وجل لا يحب شيئا من هذا، ~~وقد نهت الشريعة عنه، ولذلك وقف النبي عليه السلام بالموصي عند الثلث، وقال ~~بعض العلماء: لو حط الناس إلى الربع لقول النبي عليه السلام «والثلث كثير» ~~، وقد قال ابن عباس في هذه الآية، أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو ~~مخيلة. # وأمر الله عز وجل نبيه عليه السلام أن يسألهم عمن حرم ما أحل الله على ~~جهة التوبيخ والتقرير وليس يقتضي هذا السؤال جوابا، وإنما المراد منه ~~التوقيف على سوء الفعل، وذكر بعض الناس أن السؤال والجواب جاء في هذه الآية ~~من جهة واحدة وتخيل قوله: قل هي للذين آمنوا جوابا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نظر فاسد ليس ذلك بجواب السؤال ولا يقتضي هذا ~~النوع من الأسئلة جوابا، وزينة الله هي ما حسنته الشريعة وقررته. وزينة ~~الدنيا هي كل ما اقتضته الشهوة وطلب العلو في الأرض كالمال والبنين وهي ~~الزينة التي فضل الشرع عليها. وقوله: والطيبات قال الجمهور يريد المحللات. ~~وقال الشافعي وغيره يريد المستلذات. # قال القاضي أبو محمد: إلا أن ذلك ولا بد يشترط فيه أن يكون من الحلال، ~~وإنما قاد الشافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوزغ وغيرها فإنه يقول هي ~~من الخبائث محرمة. # وقوله تعالى: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. # قرأ نافع وحده «خالصة» بالرفع والباقون «خالصة» بالنصب، والآية تتأول على ~~معنيين أحدهما أن يخبر أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم ~~القيامة للمؤمنين في الدنيا، وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون، ~~فقوله في الحياة الدنيا متعلق ب آمنوا. وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. ~~فإنه قال قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ينتفعون بها في الدنيا ولا ~~يتبعهم إثمها، وقوله «خالصة» بالرفع خبر هي، وللذين تبيين للخلوص، ويصح أن ~~يكون خالصة خبرا بعد خبر، ويوم القيامة يريد به وقت الحساب، وقرأ قتادة ~~والكسائي «قل هي ms1309 لمن آمن في الحياة الدنيا» ، والمعنى الثاني هو أن يخبر أن ~~هذه الطيبات الموجودات هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا وإن كانت أيضا ~~لغيرهم معهم وهي يوم القيامة خالصة لهم أي لا يشركهم أحد في استعمالها في ~~الآخرة، وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن جريج وابن ~~زيد، فقوله: في الحياة الدنيا على هذا PageV02P393 # التأويل متعلق بالمحذوف المقدر في قوله للذين آمنوا كأنه قال هي خالصة أو ~~ثابتة في الحياة الدنيا للذين آمنوا، و «خالصة» بالرفع خبر بعد خبر، أو خبر ~~ابتداء مقدر تقديره: وهي خالصة يوم القيامة، ويوم القيامة يراد به استمرار ~~الكون في الجنة، وأما من نصب «خالصة» فعلى الحال من الذكر الذي في قوله ~~للذين آمنوا، التقدير هي ثابتة أو مستقرة للذين آمنوا في حال خلوص لهم، ~~والعامل فيها ما في اللام من معنى الفعل في قوله للذين. وقال أبو علي في ~~الحجة: ويصح أن يتعلق قوله: في الحياة الدنيا بقوله حرم ولا يصح أن يتعلق ب ~~زينة لأنها مصدر قد وصف، ويصح أن يتعلق بقوله أخرج لعباده ويجوز ذلك وإن ~~فصل بين الصلة والموصول بقوله: قل هي للذين آمنوا لأن ذلك كلام يشد القصة ~~وليس بأجنبي منها جدا كما جاء في قوله: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة ~~بمثلها وترهقهم ذلة [يونس: 27] فقوله وترهقهم ذلة معطوف على كسبوا داخل في ~~الصلة، والتعلق ب أخرج هو قول الأخفش ويصح أن يتعلق بقوله: والطيبات. ويصح ~~أن يتعلق بقوله: من الرزق ويصح أن يتعلق بقوله آمنوا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الأخير هو أصح الأقوال على هذا التأويل الأول ~~فيما رتبناه هنا. وأما على التأويل الآخر فيضعف معنى الآية هذه المتعلقات ~~التي ذكر أبو علي وإنما يظهر أن يتعلق بالمحذوف المقدر في قوله للذين ~~آمنوا. وقوله تعالى: كذلك تقدير الكلام أي كما فصلنا هذه الأشياء المتقدمة ~~الذكر فكذلك وعلى تلك الصورة نفصل الآيات أي نبين الأمارات والعلامات ~~والهدايات لقوم لهم علم ينتفعون به، ونفصل معناه نقسم ونبين لأن ms1310 بيان ~~الأمور المشبهات إنما هو في تقسيمها بالفصول. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 33 الى 36] # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~(33) ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يا ~~بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (36) # لما تقدم إنكار ما حرمه الكفار بآرائهم، أتبعه ذكر ما حرم الله عز وجل ~~وتقديره، والفواحش ما فحش وشنع وأصله من القبح في المنظر، ومنه قول امرئ ~~القيس: [الطويل] # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل # ثم استعمل فيما ساء من الخلق وألفاظ الحرج والرفث، ومنه الحديث ليس بفاحش ~~في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله لسلمة بن سلامة بن وقش «أفحشت ~~على الرجل» في حديث السير، ومنه قول الحزين في كثير عزة: [الطويل] # قصير القميص فاحش عند بيته PageV02P394 # وكذلك استعمل فيما شنع وقبح في النفوس. والقبح والحسن في المعاني إنما ~~يتلقى من جهة الشرع، والفاحش كذلك، فقوله هنا الفواحش إنما هي إشارة إلى ما ~~نص الشرع على تحريمه في مواضع أخر، فكل ما حرمه الشرع فهو فاحش وإن كان ~~العقل لا ينكره كلباس الحرير والذهب للرجال ونحوه، وقوله: ما ظهر منها وما ~~بطن يجمع النوع كله لأنه تقسيم لا يخرج عنه شيء، وهو لفظ عام في جميع ~~الفواحش وذهب مجاهد إلى تخصيص ذلك بأن قال ما ظهر الطواف عريانا، والبواطن ~~الزنى، وقيل غير هذا مما يأتي على طريق المثال، وما بدل من الفواحش وهو بدل ~~بعض من كل، ومجموع القسمين يأتي بدل الشيء من الشيء وهو هو، والإثم أيضا: ~~لفظه عام لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول ~~الجمهور، وقال بعض الناس: هي الخمر واحتج على ms1311 ذلك بقول الشاعر: [الوافر] # شربت الإثم حتى طار عقلي # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود لأن هذه السورة مكية ولم تعن ~~الشريعة لتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها ~~يوم أحد وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم، وأيضا فبيت الشعر يقال إنه مصنوع ~~مختلق، وإن صح فهو على حذف مضاف، وكأن ظاهر القرآن على هذا القول أن تحريم ~~الخمر من قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [البقرة: ~~219] وهو في هذه الآية قد حرم، فيأتي من هذا أن الخمر إثم والإثم محرم ~~فالخمر محرمة. # قال القاضي أبو محمد: ولكن لا يصح هذا لأن قوله فيهما إثم لفظ محتمل أن ~~يراد به أنه يلحق الخمر من فساد العقل والافتراء وقتل النفس وغير ذلك آثام ~~فكأنه قال في الخمر هذه الآثام أي هي بسببها ومعها وهذه الأشياء محرمة لا ~~محالة، وخرجت الخمر من التحريم على هذا ولم يترتب القياس الذي ذهب إليه ~~قائل ما ذكرناه، ويعضد هذا أنا وجدنا الصحابة يشربون الخمر بعد نزول قوله ~~قل فيهما إثم وفي بعض الأحاديث فتركها قوم للإثم الذي فيها وشربها قوم ~~للمنافع، وإنما حرمت الخمر بظواهر القرآن ونصوص الأحاديث وإجماع الأمة. # والبغي: التعدي وتجاوز الحد، كان الإنسان مبتديا بذلك أو منتصرا فإذا ~~جاوز الحد في الانتصار فهو باغ، وقوله: بغير الحق زيادة بيان وليس يتصور ~~بغي بحق لأن ما كان بحق فلا يسمى بغيا، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا المراد بها الأصنام والأوثان وكل ما عبد من دون الله. و «السلطان» ~~البرهان والحجة، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون من أنه حرم البحيرة ~~والسائبة ونحوه. # وقوله تعالى: ولكل أمة أجل الآية، يتضمن الوعيد والتهديد. والمعنى ولكل ~~أمة أي فرقة وجماعة، وهي لفظة تستعمل في الكثير من الناس، أجل مؤقت لمجيء ~~العذاب إذا كفروا وخالفوا أمر ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك قاله الطبري ~~وغيره، وقرأ الحسن «فإذا جاء آجالهم» بالجمع. وهي قراءة ابن سيرين، قال ms1312 أبو ~~الفتح هذا هو الأظهر لأن لكل إنسان أجلا فأما الإفراد فلأنه جنس وإضافته ~~إلى الجماعة حسنت الإفراد، ومثله قول الشاعر: [الرجز] # في حلقكم عظم وقد شجينا PageV02P395 # وقوله: ساعة لفظ عين به الجزء القليل من الزمن، والمراد جميع أجزائه أي ~~لا يستأخرون ساعة ولا أقل منها ولا أكثر، وهذا نحو قوله تعالى: إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة [النساء: 40] فإنما هي عبارة يقام الجزء فيها مقام الكل. # قال القاضي أبو محمد: وكأنه يظهر بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ويؤخركم ~~إلى أجل مسمى [إبراهيم: 10، نوح: 4] تعارض لأن تلك تقتضي الوعد بتأخير إن ~~آمنوا والوعيد بمعاجلة إن كفروا. # قال القاضي أبو محمد: والحق مذهب أهل السنة أن كل أحد إنما هو بأجل واحد ~~لا يتأخر عنه ولا يتقدم. وقوم نوح كان منهم من سبق في علم الله تعالى أنه ~~يكفر فيعاجل، وذلك هو أجله المحتوم، ومنه من يؤمن فيتأخر إلى أجله المحتوم ~~وغيب عن نوح تعيين الطائفتين فندب الكل إلى طريق النجاة وهو يعلم أن ~~الطائفة إنما تعاجل أو تؤخر بأجلها، فكأنه يقول: فإن آمنتم علمنا أنكم ممن ~~قضى الله له بالإيمان والأجل المؤخر، وإن كفرتم علمنا أنكم ممن قضي له ~~بالأجل المعجل والكفر. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا الحد هو دعاء محمد عليه السلام العالم إلى ~~طريق الجنة، وقد علم أن منهم من يكفر فيدخل النار، وكذلك هو أمر الأسير ~~يقال له إما أن تؤمن فتترك وإلا قتلت. # وقوله تعالى: يا بني آدم الآية، الخطاب في هذه الآية لجميع العالم. و ~~«إن» الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة. ولذلك جاز دخول النون الثقيلة على ~~الفعل، وإذا لم تكن «ما» لم يجز دخول النون الثقيلة. وقرأ أبي بن كعب ~~والأعرج «تأتينكم» على لفظ الرسل. «وجاء يقصون» على المعنى. وكأنه هذا ~~الخطاب لجميع الأمم قديمها وحديثها هو متمكن لهم ومتحصل منه لحاضري محمد ~~عليه السلام أن هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه. ويأتينكم مستقبل وضع ~~موضع ماض ليفهم أن الإتيان باق ms1313 وقت الخطاب لتقوى الإشارة بصحة النبوة إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا على مراعاة وقت نزول الآية، وأسند الطبري ~~إلى أبي سيار السلمي قال إن الله تعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال يا بني ~~آدم إما يأتينكم رسل منكم الآية، قال ثم نظر إلى الرسل فقال يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاتقون [المؤمنون: 52] ثم بثهم. # قال القاضي أبو محمد: ولا محالة أن هذه المخاطبة في الأزل وقيل المراد ~~بالرسل محمد عليه السلام. # قال القاضي أبو محمد: من حيث لا نبي بعده، فكأن المخاطبين هم المراد ببني ~~آدم لا غير، إذ غيرهم لم ينله الخطاب، ذكره النقاش. ويقصون معناه يسردون ~~ويوردون. و «الآيات» لفظ جامع لآيات الكتب المنزلة وللعلامات التي تقترن ~~بالأنبياء، وقوله: فمن اتقى وأصلح يصح أن تكون «من» شرطية وجوابه فلا خوف ~~عليهم وهذه الجملة هي في جواب الشرط الأول الذي هو إما يأتينكم. ويصح أن ~~تكون «من» في قوله فمن اتقى موصولة، وكأنه قصد بالكلام تقسيم الناس فجعل ~~القسم الأول فمن اتقى. والقسم الثاني والذين كذبوا بآياتنا. وجاء هذا ~~التقسيم بجملته جوابا للشرط في قوله إما PageV02P396 # يأتينكم # . فكأنه قال إن أتتكم رسل فالمتقون لا خوف عليهم، والمكذبون أصحاب النار، ~~أي هذا هو الثمرة وفائدة الرسالة: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~[الأنعام: 144، الأعراف: 37، يونس: 17، الكهف: 15] أي ليس ثم نفع للمفتري ~~ولا غرض دنياوي. فالآية تبرية للنبي صلى الله عليه وسلم، من الافتراء، ~~وتوبيخ للمفترين من الكفار. ولا في قوله فلا خوف بمعنى ليس، وقرأ ابن محيصن ~~«لا خوف» دون تنوين، ووجهه إما أن يحذف التنوين لكثرة الاستعمال وإما حملا ~~على حذفه مع «لا» . وهي تبرية ناصبة تشبه حالة الرفع في البناء بحالة ~~النصب، وقيل: إن المراد فلا الخوف، ثم حذفت الألف واللام وبقيت الفاء على ~~حالها لتدل على المحذوف، ونفي الخوف والحزن يعم جميع أنواع مكاره النفس ~~وأنكادها، ويشبه أن يكون ms1314 الخوف لما يستقبل من الأمور والحزن لما مضى منها. # والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا هذه حالتان تعم جميع من يصد عن رسالة ~~الرسول إما أن يكذب بحسب اعتقاده وإما أن يستكبر فكذب وإن كان غير مصمم في ~~اعتقاده على التكذيب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الكفر عنادا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : آية 37] # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37) # هذه آية وعيد واستفهام على جهة التقرير، أي لا أحد أظلم منه، وافترى ~~معناه اختلق، وهذه وإن كانت متصلة بما قبلها أي كيف يجعلون الرسل مفترين ~~ولا أحد أظلم ممن افترى ولا حظ للرسل إلا أن يرحم من اهتدى ويعذب من كفر، ~~فهي أيضا مشيرة بالمعنى إلى كل مفترق إلى من تقدم ذكره من الذين قالوا ~~والله أمرنا بها وقوله: أو كذب بآياته إشارة إلى جميع الكفرة، وقوله: من ~~الكتاب قال الحسن والسدي وأبو صالح معناه من المقرر في اللوح المحفوظ، ~~فالكتاب عبارة عن اللوح المحفوظ، وقد تقرر في الشرع أن حظهم فيه العذاب ~~والسخط، وقال ابن عباس وابن جبير ومجاهد: قوله: من الكتاب يريد من الشقاء ~~والسعادة التي كتبت له وعليه. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا القول الحديث المشهور الذي يتضمن أن ~~الملك يأتي إذا خلق الجنين في الرحم فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، وقال ~~ابن عباس أيضا ومجاهد وقتادة والضحاك، الكتاب يراد به الذي تكتبه الملائكة ~~من أعمال الخليقة من خير وشر فينال هؤلاء نصيبهم من ذلك وهو الكفر ~~والمعاصي، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد والضحاك من الكتاب يراد به من القرآن، ~~وحظهم فيه أن وجوههم تسود يوم القيامة، وقال الربيع بن أنس ومحمد بن كعب ~~وابن زيد المعنى بالنصيب ما سبق لهم في أم الكتاب من رزق وعمر وخير وشر في ~~الدنيا، ورجح الطبري هذا ms1315 واحتج له بقوله بعد ذلك حتى إذا جاءتهم رسلنا أي ~~عند انقضاء ذلك فكان معنى الآية على هذا التأويل أولئك يتمتعون ويتصرفون من ~~الدنيا PageV02P397 # بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءتهم رسلنا لموتهم، وهذا تأويل جماعة في مجيء ~~الرسل للتوفي، وعلى هذا يترتب ترجيح الطبري الذي تقدم، وقالت فرقة رسلنا ~~يريد بهم ملائكة العذاب يوم القيامة، ويتوفونهم معناه يستوفونهم عددا في ~~السوق إلى جهنم. # قال القاضي أبو محمد: ويترتب هذا التأويل مع التأويلات المتقدمة في قوله: ~~نصيبهم من الكتاب لأن «النصيب» على تلك التأويلات إنما ينالهم في الآخرة، ~~وقد قضى مجيء رسل الموت، وقوله حكاية عن الرسل أين ما كنتم تدعون استفهام ~~تقرير وتوبيخ وتوقيف على خزي وهو إشارة إلى الأصنام والأوثان وكل ما عبد من ~~دون الله. وتدعون معناه تعبدون وتؤملون، وقولهم ضلوا معناه هلكوا وتلفوا ~~وفقدوا. ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله: وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين وهذه الآية وما شاكلها تعارض في الظاهر قوله تعالى حكاية عنهم والله ~~ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: 23] واجتماعهما إما أن يكون في طوائف مختلفة ~~أو في أوقات مختلفة يقولون في حال كذا وحال كذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 38 الى 39] # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ~~(39) # هذه حكاية ما يقول الله لهم يوم القيامة بوساطة ملائكة العذاب وعبر عن ~~يقول. ب قال لتحقق وقوع ذلك وصدق القصة، وهذا كثير، وقوله: في أمم متعلق ب ~~ادخلوا، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره كائنين أو ثابتين في أمم، فيكون في ~~موضع الحال من الضمير في ادخلوا وقيل في بمعنى مع. وقيل هي على بابها وهو ~~أصوب، وقوله قد خلت صفة ل أمم. ms1316 وقوله: في النار يصح تعلقه ب ادخلوا ويصح أن ~~يتعلق ب أمم أي في أمم ثابتة أو مستقرة، ويصح تعلقه بالذكر الذي في خلت. ~~ومعنى قد خلت على هذا التعلق أي قد تقدمت ومضى عليها الزمن وعرفها فيما ~~تطاول من الآباد، وقد تستعمل وإن لم يطل الوقت إذ أصلها فيمن مات من الناس ~~أي صاروا إلى خلاء من الأرض، وعلى التعليقين الأولين لقوله في النار فإنما ~~خلت حكاية عن حال الدنيا أي ادخلوا في النار في جملة الأمم السالفة لكم في ~~الدنيا الكافرة، وقدم ذكر الجن لأنهم أعرق في الكفر، وإبليس أصل الضلال ~~والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجن في النار، والذي يقتضيه النظر أن ~~مؤمنيهم في الجنة لأنهم عقلاء مكلفون مبعوث إليهم آمنوا وصدقوا، وقد بوب ~~البخاري رحمه الله- باب في ذكر الجن وثوابهم وعقابهم- وذكر عبد الجليل أن ~~مؤمني الجن يكونون ترابا كالبهائم، وذكر في ذلك حديثا مجهولا وما أراه يصح، ~~والله أعلم. # والأخوة في هذه الآية أخوة الملة والشريعة. قال السدي: يتلاعن آخرها ~~وأولها، واداركوا معناه PageV02P398 # تلاحقوا ووزنه تفاعلوا أصله تداركوا أدغم فجلبت ألف الوصل، وقرأ أبو عمرو ~~«اداركوا» بقطع ألف الوصل، قال أبو الفتح: هذا مشكل ولا يسوغ أن يقطعها ~~ارتجالا فذلك إنما يجيء شاذا في ضرورة الشعر في الاسم أيضا لكنه وقف مثل ~~وقفة المستذكر ثم ابتدأ فقطع، وقرأ مجاهد بقطع الألف وسكون الدال «أدركوا» ~~بفتح الراء وبحذف الألف بعد الدال بمعنى أدرك بعضهم بعضا، وقرأ حميد ~~«أدركوا» بضم الهمزة وكسر الراء أي أدخلوا في إدراكها. وقال مكي في قراءة ~~مجاهد إنها «اداركوا» بشد الدال المفتوحة وفتح الراء، قال: وأصله إذ تركوا ~~وزنها افتعلوا، وقرأ ابن مسعود والأعمش «تداركوا» ورويت عن أبي عمرو، وقرأ ~~الجمهور «حتى إذ اداركوا» بحذف ألف «إذا» لالتقاء الساكنين. # وقوله تعالى: قالت أخراهم لأولاهم معناه قالت الأمة الأخيرة التي وجدت ~~ضلالات مقررة وسننا كاذبة مستعملة للأولى التي شرعت ذلك وافترت على الله ~~وسلكت سبيل الضلال ابتداء، ربنا هؤلاء طرقوا طرق الضلال ms1317 وسببوا ضلالنا ~~فآتهم عذابا مضاعفا أي ثانيا زائدا على عذابنا إذ هم كافرون ومسببون كفرنا، ~~وتقول ضاعفت كذا إذا جعلته مثل الأول، واللام في قوله لأولاهم كأنها لام ~~سبب إذ القول إنما هو للرب، ثم قال عز وجل مخبرا لهم لكل ضعف أي العذاب ~~مشدد على الأول والآخر ولكن لا تعلمون أي المقادير وصور التضعيف، وهذا رد ~~لكلام هؤلاء، إذ ليس لهم كرامة فيظهر إسعافهم. # وأما المعنى الذي دعوا فيه فظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه حاصل ~~وأن كل من سن كفرا أو معصية فعليه كفل من جهة كل من عمل بذلك بعده، ومنه ~~حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما من داع دعا إلى ~~ضلالة إلا كان عليه وزره ووزر من اتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، ~~الحديث، ذكره الليث بن سعد من آخر الجزء الرابع من حديثه، وذكره مالك في ~~الموطأ غير مسند موصل، ومنه قوله «ما تقتل نسمة ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل منها» ، أما أن هؤلاء عينوا في دعائهم الضعف وقد يكون الكفل أقل ~~أو أكثر، وعن ابن مسعود أن «الضعف» هاهنا الأفاعي والحيات، وقرأ جميع ~~السبعة غير عاصم في رواية أبي بكر «ولكن لا تعلمون» بالتاء ويحتمل ذلك أن ~~يكون مخاطبة لهذه الأمة الأخيرة متصلة بقوله لهم لكل ضعف ويحتمل أن يكون ~~مخاطبة لمحمد. # وأمته، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر «ولكن لا يعلمون» ، وروى حفص عن ~~عاصم مثل قراءة الجماعة، وهذه مخاطبة لأمة محمد وإخبار عن الأمة الأخيرة ~~التي طلبت أن يشدد العذاب على أولاها، ويحتمل أن يكون خبرا عن الطائفتين ~~حملا على لفظة «كل» ، أي لا يعلم أحد منهم قدر ما أعد لهم من عذاب الله. # وقوله عز وجل: وقالت أولاهم لأخراهم الآية، المعنى وقالت الأمة الأولى ~~المبتدعة للأمة الأخيرة المتبعة أنتم لا فضل لكم علينا ولم تزدجروا حين ~~جاءتكم النذر والرسل، بل دمتم في كفركم وتركتم النظر واستوت حالنا ms1318 وحالكم ~~فذوقوا العذاب باجترامكم، هذا قول السدي وأبي مجلز وغيرهما، فقوله فذوقوا ~~على هذا من كلام الأمة المتقدمة للأمة المتأخرة، وقيل قوله فذوقوا هو من ~~كلام الله عز وجل لجميعهم، وقال مجاهد ومعنى قوله من فضل أي «من» التخفيف. PageV02P399 # قال القاضي أبو محمد: معناه أنه لما قال الله لكل ضعف قال الأولون ~~للآخرين لم تبلغوا أملا في أن يكون عذابكم أخف من عذابنا ولا فضلتم ~~بالإسعاف والنص عليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 40 الى 42] # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) لهم من ~~جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) # هذه الآية عامة في جميع الكفرة قديمهم وحديثهم، وقرأ ابن كثير وعاصم وابن ~~عامر «لا تفتح» بضم التاء الأولى وتشديد الثانية، وقرأ أبو عمرو «تفتح» بضم ~~التاء وسكون الفاء وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة والكسائي «يفتح» بالياء من ~~أسفل وتخفيف التاء، وقرأ أبو حيوة وأبو إبراهيم «يفتح» بالياء وفتح الفاء ~~وشد التاء، ومعنى الآية لا يرتفع لهم عمل ولا روح ولا دعاء، فهي عامة في ~~نفي ما يوجب للمؤمنين بالله تعالى، قاله ابن عباس وغيره، وذكر الطبري في ~~كيفية قبض روح المؤمن والكافر آثارا اختصرتها إذ ليست بلازمة في الآية، ~~وللين أسانيدها أيضا، ثم نفى الله عز وجل عنهم دخول الجنة وعلق كونه بكون ~~محال لا يكون، وهو أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة حيث يدخل الخيط، والجمل كما ~~عهد وال سم كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين: «الجمل» ، واحد الجمال، وقال ~~الحسن هو الجمل الذي يقوم بالمديد ومرة لما أكثروا عليه قال هو الأشتر وهو ~~الجمل بالفارسية، ومرة قال هو الجمل ولد الناقة وقاله ابن مسعود. # قال القاضي أبو محمد: وهذه عبارة تدل على حرج السائل لارتياب السائلين لا ~~شك باللفظة من أجل القراءات المختلفة، وذكر الطبري ms1319 عن مجاهد عن ابن مسعود ~~أنه كان يقرأ: «حتى يلج الجمل الأصفر» ، وقرأ أبو السمال «الجمل» بسكون ~~الميم وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن جبير والشعبي ومالك بن الشخير وأبو ~~رجاء: «الجمل» بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة، وقرأ سالم الأفطس ~~وابن خير وابن عامر أيضا: «الجمل» بتخفيف الميم من الجمل وقالوا هو حبل ~~السفن، وروى الكسائي أن الذي روى تثقيل الميم عن ابن عباس كان أعجميا فشدد ~~الميم لعجمته. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لكثرة أصحاب ابن عباس على القراءة ~~المذكورة وقرأ سعيد بن جبير فيما روي عنه: «الجمل» بضم الجيم وسكون الميم، ~~وقرأ ابن عباس أيضا: «الجمل» بضم الجيم والميم، و «السم» : الثقب من الإبرة ~~وغيرها يقال سم وسم بفتح السين وكسرها وضمها، وقرأ الجمهور بفتح السين، ~~وقرأ ابن سيرين بضمها، وقرأ أبو حيوة بضمها وبكسرها، وروي عنه الوجهان، ~~والخياط والمخيط الإبرة، وقرأ ابن مسعود: «في سم المخيط» بكسر الميم وسكون ~~الخاء وفتح الياء، وقرأ طلحة «في سم المخيط» بفتح الميم، وكذلك أبى على هذه ~~الصفة وبمثل هذا الحتم وغيره يجزى الكفرة وأهل الجرائم على الله تعالى. PageV02P400 # وقوله تعالى: لهم من جهنم مهاد الآية، المعنى أن جهنم فراش لهم ومسكن ~~ومضجع يتمهدونه وهي لهم غواش جمع غاشية وهي ما يغشى الإنسان أي يغطيه ~~ويستره من جهة فوق، قال الضحاك «المهاد» الفراش، و «الغواشي» اللحف ودخل ~~التنوين في غواش عند سيبويه لنقصانه عن بناء مفاعل فلما زال البناء المانع ~~من الصرف بأن حذفت الياء حذفا لا للالتقاء بل كما حذفت من قوله والليل إذا ~~يسر [الفجر: 4] وذلك ما كنا نبغ [الكهف: 64] ومن قول الشاعر: [زهير] # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفر # زال الامتناع، وهذا كقولهم ذلذل بالتنوين وهم يريدون: الذلاذل لما زال ~~البناء، قال الزجاج: # والتنوين في غواش عند سيبويه عوض من الياء المنقوصة ورد أبو علي أن يكون ~~هذا هو مذهب سيبويه، ويجوز الوقوف ب «يا» وبغير «يا» والاختيار بغير «يا» ms1320 . # وقوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية، هذه آية وعد مخبرة أن ~~جميع المؤمنين هم أصحاب الجنة ولهم الخلد فيها، ثم اعترض أثناء القول بعقب ~~الصفة، التي شرطها في المؤمنين باعتراض يخفف الشرط ويرجى في رحمة الله ~~ويعلم أن دينه يسر وهذه الآية نص في أن الشريعة لا يتقرر من تكاليفها شيء ~~لا يطاق، وقد تقدم القول في جواز تكليف ما لا يطاق وفي وقوعه بمغن عن ~~الإعادة، و «الوسع» معناه الطاقة وهو القدر الذي يتسع له قدر البشر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : آية 43] # ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) # هذا إخبار من الله عز وجل أنه ينقي قلوب ساكني الجنة من الغل والحقد، ~~وذلك أن صاحب الغل متعذب به ولا عذاب في الجنة، وورد في الحديث «الغل على ~~باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين» . # قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا الحديث إذا حمل على حقيقته، أن الله عز ~~وجل يخلق جوهرا يجعله حيث يرى كمبارك الإبل، لأن الغل عرض لا يقوم بنفسه، ~~وإن قيل إن هذه استعارة وعبر عن سقوطه عن نفوسهم فهذه الألفاظ على جهة ~~التمثيل كما تقول فلان إذا دخل على الأمير ترك نخوته بالباب ملقاة فله وجه، ~~والأول أصوب وأجرى مع الشرع في أشياء كثيرة، مثل قوله يؤتى بالموت يوم ~~القيامة كأنه كبش فيذبح وغير ذلك، وروى الحسن عن علي بن أبي طالب قال: فينا ~~والله أهل بدر نزلت ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ~~[الحجر: 47] وروي عنه أيضا أنه قال: فينا والله نزلت ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل، وذكر قتادة: أن عليا قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة ~~والزبير من الذين قال الله فيهم ونزعنا ما في صدورهم من غل. PageV02P401 # قال القاضي أبو ms1321 محمد: وهذا هو المعنى الصحيح، فإن الآية عامة في أهل ~~الجنة، و «الغل» الحقد والإحنة الخفية في النفس وجمعه غلال ومنه الغلول أخذ ~~في خفاء ومنه الانغلال في الشيء، ومنه المغل بالأمانة، ومنه قول علقمة بن ~~عبدة: # سلاءة كعصا الهندي غل لها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم # وقوله: من تحتهم الأنهار بين لأن ما كان لاطئا بالأرض فهو تحت ما كان ~~منتصبا آخذا في سماء، وهدانا بمعى أرشدنا، والإشارة بهذا تتجه أن تكون إلى ~~الإيمان والأعمال الصالحة المؤدية إلى دخول الجنة، ويحتمل أن تكون إلى ~~الجنة نفسها، أي أرشدنا إلى طرقها ولكل واحد من الوجهين أمثلة في القرآن، ~~وقرأ ابن عامر وحده «ما كنا لنهتدي» بسقوط الواو من قوله: وما كنا، وكذلك ~~هي في مصاحف أهل الشام، قال أبو علي: وجه سقوط الواو أن الكلام متصل مرتبط ~~بما قبله، ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى وعاينوا ~~إنجاز المواعيد قالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالحق فقضوا بأن ذلك حق قضاه من ~~يحس وكانوا في الدنيا يقضون بأن ذلك حق قضاه من يستدل ونودوا أي قيل لهم ~~بصياح، وهذا النداء من قبل الله عز وجل، وأن يحتمل أن تكون مفسرة لمعنى ~~النداء بمعنى أي، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وفيها ضمير مستتر تقديره ~~أنه تلكم الجنة، ونحو هذا قول الأعشى: [البسيط] # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل # تقديره أنه هالك، ومنه قول الآخر: [الوافر] # أكاشره ويعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص # وتلكم الجنة ابتداء وصفه وأورثتموها الخبر وتلكم إشارة فيها غيبة فإما ~~لأنهم كانوا وعدوا بها في الدنيا فالإشارة إلى تلك، أي تلكم هذه الجنة، ~~وحذفت هذه، وإما قبل أن يدخلوها وإما بعد الدخول وهم مجتمعون في موضع منها، ~~فكل غائب عن منزله، وقوله: بما كنتم تعملون لا على طريق وجوب ذلك على الله، ~~لكن بقرينة رحمته وتغمده، والأعمال أمارة من الله وطريق إلى قوة الرجاء، ~~ودخول الجنة ms1322 إنما هو بمجرد رحمة الله تعالى، والقسم فيها على قدر العمل، و ~~«أورثتم» مشيرة إلى الأقسام، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر ~~«أورثتموها» وكذلك الزخرف، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي» أورتموها» بإدغام ~~الثاء في التاء وكذلك في الزخرف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 45] # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) # هذا إخبار من الله عز وجل عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ~~ماضية وهذا حسن فيما PageV02P402 # يحقق وقوعه، وهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في ~~الكرب وهو بأن يشرفوا عليهم ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار، وقرأ جمهور ~~الناس «نعم» بفتح العين، وقرأ الكسائي «نعم» بكسر العين ورويت عن عمر بن ~~الخطاب وعن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها ابن وثاب والأعمش قال الأخفش ~~هما لغتان، ولم يحك سيبويه الكسر، وقال: «نعم» عدة وتصديق أي مرة هذا ومرة ~~هذا، وفي كتاب أبي حاتم عن الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كنت أسمع ~~أشياخ قريش يقولون: إلا «نعم» بكسر العين ثم فقدتها بعده، وفيه عن قتادة عن ~~رجل من خثعم قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت تزعم أنك نبي:؟ قال: ~~«نعم» بكسر العين، وفيه عن أبي عثمان النهدي قال: سأل عمر عن شيء فقالوا ~~نعم، فقال عمر: النعم الإبل والشاء، قولوا «نعم» بكسر العين. قال أبو حاتم: ~~وهذه اللغة لا تعرف اليوم بالحرمين، وقوله فأذن مؤذن بينهم الآية قال أبو ~~علي الفارسي والطبري وغيرهما: «أذن مؤذن» بمعنى أعلم معلم، قال سيبويه: ~~أذنت إعلام بتصويت، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل ونافع وأبو عمرو وعاصم ~~«أن» لعنة الله» بتخفيف «أن» من الثقيلة ورفع اللعنة. # وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير في رواية البزي وشبل «أن لعنة» ms1323 ~~بتثقيل «أن» ونصب اللعنة، وكلهم قرأ التي في النور أن لعنة الله [النور: 7] ~~وأن غضب الله [النور: 9] بتشديد النون غير نافع فإنه قرأهما «أن لعنة الله ~~وأن غضب» مخففتين، وروى عصمة عن الأعمش «مؤذن بينهم إن» بكسر الألف على ~~إضمار قال. # قال القاضي أبو محمد: لما كان الأذان قولا، و «الظالمون» في هذه الآية: ~~الكافرون، ثم ابتدأ صفتهم بأفعالهم في الدنيا ليكون علامة أن أهل هذه الصفة ~~هم المراد يوم القيامة بقوله أن لعنة الله على الظالمين ويصدون معناه ~~يعرضون، و «السبيل» الطريق والمنهج ويذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر، ويبغونها ~~معناه: يطلبونها أو يطلبون لها، فإن قدرت يطلبونها ف عوجا نصب على الحال، ~~ويصح أن يكون من الضمير العائد على السبيل أي معوجه، ويصح أن يكون من ضمير ~~الجماعة في يبغونها أي معوجين، وإن قدرت يبغونها يطلبون لها وهو ظاهر تأويل ~~الطبري رحمه الله ف عوجا مفعول بيبغون، والعوج بكسر العين في الأمور ~~والمعاني، والعوج بفتح العين في الأجرام والمتنصبات. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 46 الى 48] # وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب ~~النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف ~~رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) # الضمير في قوله وبينهما عائد على الجنة والنار، ويحتمل على الجمعين إذ ~~يتضمنهما قوله تعالى: ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار [الأعراف: 44] ، و ~~«الحجاب» : هو السور الذي ذكره عز PageV02P403 # وجل في قوله: فضرب بينهم بسور له باب [الحديد: 13] قاله ابن عباس، وقال ~~مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، وقال ابن عباس أيضا هو تل بين الجنة ~~والنار، وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~أحدا جبل يحبنا ونحبه، وإنه يقوم يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحتبس ~~عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة» ، وذكر حديثا ~~آخر عن ms1324 صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدا على ركن ~~من أركان الجنة» والأعراف جمع عرف وهو المرتفع من الأرض. # ومنه قول الشاعر: [الرجز] # كل كناز لحمه نياف ... كالجمل الموفي على الأعراف # ومنه قول الشماخ: [الطويل] # فظلت بأعراف تعالى كأنها ... رماح نحاها وجهة الريح راكز # ومنه عرف الفرس وعرف الديك لعلوهما، وقال السدي سمي الأعراف أعرافا لأن ~~أصحابه يعرفون الناس. # قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة وإنما المراد على أعراف ذلك الحجاب ~~أعاليه، وقوله: # رجال قال أبو مجلز لاحق بن حميد: هم الملائكة، ولفظة رجال مستعارة لهم ~~لما كانوا في تماثيل رجال قال: وهم ذكور ليسوا بإناث. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد سمى الله رجالا في الجن، ~~وقال الجمهور: هم رجال من البشر، ثم اختلفوا فقال مجاهد: هم قوم صالحون ~~فقهاء علماء، وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس ~~بأعمالهم وهم كل أمة، وقاله الزجاج وقال قوم: هم أنبياء، وقال المهدوي: هم ~~الشهداء، وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة ~~لآبائهم، وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعادل ~~عقوقهم واستشهادهم، وقال ابن مسعود والشعبي وحذيفة بن اليمان وابن عباس ~~وابن جبير والضحاك: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. # قال القاضي أبو محمد: وقع في مسند خيثمة بن سليمان في آخر الجزء الخامس ~~عشر حديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على ~~سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل ~~النار» ، قيل يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال «أولئك أصحاب ~~الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون» ، وقال حذيفة بن اليمان أيضا: هم قوم أبطأت ~~بهم صغارهم إلى آخر الناس. # قال القاضي أبو محمد: واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السور أو على ~~مواضع مرتفعة عن الفريقين ms1325 حيث شاء الله تعالى رجالا من أهل الجنة، يتأخر ~~دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين. PageV02P404 # ويعرفون كلا بسيماهم أي بعلامتهم وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، ~~وسوادها وقبحها في أهل النار إلى غير ذلك في حيز هؤلاء وحيز هؤلاء، والسيما ~~العلامة وهو من وسم، وفيه قلب، يقال سيما مقصور وسيماء ممدود وسيمياء بكسر ~~الميم وزيادة ياء فوزنها فعلا مع كونها من وسم، وقيل هي من سوم إذا علم ~~فوزنها على هذا فعلا، ونداؤهم أصحاب الجنة يحتمل أن يكون وأصحاب الجنة لم ~~يدخلوها بعد فيكون أيضا قوله لم يدخلوها وهم يطمعون محتملا أن يعنى به أهل ~~الجنة وهو تأويل أبي مجلز إذ جعل أصحاب الأعراف ملائكة، ومحتملا أن يعنى به ~~أهل الأعراف، ويحتمل أن يكون نداؤهم أهل الجنة بالسلام وهم قد دخلوها، فلا ~~يحتمل حينئذ قوله: لم يدخلوها وهم يطمعون إلا أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ~~السدي وقتادة وابن مسعود والحسن، وقال: والله ما جعل الله ذلك الطمع في ~~قلوبهم إلا لخير أراده بهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الأظهر الأليق ولا نظر لأحد مع قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقوله: وهم يطمعون هي جملة مقطوعة، أخبر أنهم لم ~~يدخلوها وهم طامعون بدخولها فكأن الجملة حال من الضمير في نادوا، وقرأ أبو ~~رقيش النحوي «لم يدخلوها وهم طامعون» ، وقرأ إياد بن لقيط «وهم ساخطون» ، ~~وذكر بعض الناس قولا وهو أن يقدر قوله وهم يطمعون في موضع الحال من ضمير ~~الجماعة في يدخلوها، ويكون المعنى لم يدخلوها في حال طمع بها بل كانوا في ~~حال يأس وخوف لكنهم عمهم عفو الله عز وجل، وقال ابن مسعود: إنما طمع أصحاب ~~الأعراف لأن النور الذي كان في أيديهم لم يطفأ حين يطفأ كل ما بأيدي ~~المنافقين. # والضمير في قوله أبصارهم عائد على أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب ~~الجنة وإذا نظروا إلى النار وأهلها دعوا الله في التخليص منها، قاله ابن ~~عباس وجماعة من العلماء، وقال أبو مجلز ms1326 الضمير لأهل الجنة وهم لم يدخلوها ~~بعد، وقوله: صرفت معطية ما هنالك من هول المطلع، وقوله: # رجالا يريد من أهل النار، ويحتمل أن يكون هذا النداء وأهل النار في ~~النار، فتكون معرفتهم بعلامات معرفة بأنهم أولئك الذين عرفوا في الدنيا، ~~ويحتمل أن يكون هذا النداء وهم يحملون إلى النار، فتكون السيما التي عرفوا ~~بها أنهم أهل النار تسويد الوجوه وتشويه الخلق، وقال أبو مجلز الملائكة ~~تنادي رجالا في النار، وقال غيره بل الآدميون ينادون أهل النار، وقيل: إن ~~ما في قوله: ما أغنى استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ، وقيل ما نافية والأول ~~أصوب، وجمعكم لفظ يعم جموع الأجناد والخول وجمع المال لأن المراد بالرجال ~~أنهم جبارون ملوك يقررون يوم القيامة على معنى الإهانة والخزي، وما ~~الثانية: # مصدرية، وقرأت فرقة «تستكثرون» بالثاء مثلثة من الكثرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 49 الى 52] # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء ~~أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم ~~هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون (52) PageV02P405 # قال أبو مجلز: أهل الأعراف هم الملائكة وهم القائلون أهؤلاء إشارة إلى ~~أهل الجنة. # قال القاضي أبو محمد: وكذلك يجيء قول من قال أهل الأعراف أنبياء وشهداء، ~~وقال غيره: أهل الأعراف بشر مذنبون، وقوله: أهؤلاء من كلام ملك بأمر الله ~~عز وجل إشارة إلى أهل الأعراف ومخاطبة لأهل النار، وهذا قول ابن عباس، وقال ~~النقاش: لما وبخوهم بقولهم ما أغنى عنكم جمعكم [الأعراف: 48] ، أقسم أهل ~~النار أن أهل الأعراف داخلون النار معهم فنادتهم الملائكة أهؤلاء، ثم نادت ~~أصحاب الأعراف ادخلوا الجنة، وقال بعض المتأولين: الإشارة بهؤلاء إلى أهل ~~الجنة، والمخاطبون هم أهل الأعراف والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى ~~أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين ms1327 حلفتم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا ~~الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف ~~والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم ~~أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن ~~القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف، وقرأ الحسن وابن هرمز «أدخلوا الجنة» ~~بفتح الألف وكسر الخاء معنى أدخلوا أنفسكم، أو على أن تكون مخاطبة للملائكة ~~ثم ترجع المخاطبة بعد إلى البشر في عليكم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس «دخلوا ~~الجنة» على الإخبار بفعل ماض، وقرأ طلحة بن مصرف وابن وثاب والنخعي «أدخلوا ~~الجنة» خبر مبني للمفعول. # قال القاضي أبو محمد: وترتيب كل قراءة من هذه على الأقوال في المخاطب ~~والمخاطب بقوله تعالى: أهؤلاء ممكن بأيسر تناول فاختصرته إيجازا، وكذلك ما ~~في الآية من الرجوع من مخاطبة فريق إلى مخاطبة غيره، وقوله تعالى: لا خوف ~~عليكم ولا أنتم تحزنون معناه: لا تخافون ما يأتي ولا تحزنون على ما فات، ~~وذكر الطبري من طريق حذيفة أن أهل الأعراف يرغبون في الشفاعة فيأتون آدم ~~فيدفعهم إلى نوح ثم يتدافعهم الأنبياء عليهم السلام حتى يأتوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فيشفع لهم فيشفع فيدخلون الجنة فيلقون في نهر الحياة ~~فيبيضون ويسمون مساكين الجنة، قال سالم مولى أبي حذيفة: # ليت أني من أهل الأعراف. # وقوله تعالى: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة الآية، لفظة النداء تتضمن أن ~~أهل النار وقع لهم علم بأن أهل الجنة يسمعون نداءهم، وجائز أن يكون ذلك وهم ~~يرونهم بإدراك يجعله الله لهم على بعد السفل من العلو، وجائز أن يكون ذلك ~~وبينهم السور والحجاب المتقدم الذكر، وروي أن ذلك النداء هو عند إطلاع أهل ~~الجنة عليهم، وأن في قوله: أن أفيضوا مفسرة بمعنى أي، وفاض الماء إذا سال ~~وانماع وأفاضه غيره، وقوله: أو مما رزقكم الله إشارة إلى الطعام قاله ~~السدي، فيقول لهم أهل الجنة إن الله حرم ms1328 طعام الجنة وشرابها على الكافرين. # قال القاضي أبو محمد: والأشنع على الكافرين في هذه المقالة أن يكون بعضهم ~~يرى بعضا فإنه أخزى وأنكى للنفس، وإجابة أهل الجنة بهذا الحكم هو عن أمر ~~الله تعالى، وذكر الزهراوي: أنه روي عن PageV02P406 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل الصدقة بالماء» ، يعني عند ~~الحاجة إليه إذ هو ألذ مشروب وأنعشها للنفس، واستسقى الشعبي عند مصعب فقال ~~له أي الأشربة تحب؟ فقال أهونها موجودا وأعزها مفقودا، فقال له مصعب: يا ~~غلام هات الماء. # وقوله تعالى: الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا الآية، أضيف «الدين» إليهم ~~من حيث قولهم أن يلتزموه إذ هو دين الله من حيث أمر به، ودين جميع الناس من ~~حيث أمروا به، وغرتهم الحياة الدنيا يحتمل أن يكون من كلام أهل الجنة، ~~ويكون ابتداء كلام الله من قوله: فاليوم، ويحتمل أن يكون الكلام من أوله من ~~كلام الله عز وجل، ومعنى قوله: اتخذوا دينهم لهوا أي بالإعراض والاستهزاء ~~لمن يدعوهم إلى الإسلام، وغرتهم الحياة الدنيا أي خدعتهم بزخرفها واعتقادهم ~~أنها الغاية القصوى، ويحتمل أن يكون اللفظ من الغر وهو ملء الفم أي أشبعتهم ~~وأبطرتهم، وأما قوله فاليوم ننساهم فهو من إخبار الله عز وجل عما يفعل بهم، ~~والنسيان في هذه الآية هو بمعنى الترك، أي نتركهم في العذاب كما تركوا ~~النظر للقاء هذا اليوم، قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين، قال قتادة نسوا ~~من الخير ولم ينسوا من الشر، وإن قدر النسيان بمعنى الذهول من الكفرة فهو ~~في جهة ذكر الله تسمية العقوبة باسم الذنب، وقوله: # وما كانوا عطف على «ما» من قوله: كما نسوا ويحتمل أن تقدر ما الثانية ~~زائدة ويكون قوله: # «وكانوا» عطفا على قوله نسوا. # وقوله تعالى: ولقد جئناهم بكتاب الآية، ذكر الاعذار إليهم إثر ذكر ما ~~يفعل بهم واللام في قوله: # لقد لام قسم والضمير في جئناهم لمن تقدم ذكره، وقال يحيى بن سلام تم ~~الكلام في يجحدون وهذا الضمير لمكذبي محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء ms1329 كلام ~~آخر، والمراد بالكتاب القرآن العزيز. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون اسم جنس في جميع الكتب المنزلة على ~~تأويل من يرى الضمير في جئناهم لمن تقدم ذكره، وقرأ جمهور الناس «فصلناه» ~~من تفصيل الآيات وتبيينها، وقرأ ابن محيصن «فضلناه» بضاد منقوطة، وعلى علم ~~معناه: عن بصيرة واستحقاق لذلك، وقوله: هدى ورحمة مصدران في موضع الحال. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 53 الى 54] # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه ~~حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين (54) # ينظرون معناه ينتظرون، و «التأويل» في هذا الموضع بمعنى المآل والعاقبة، ~~قاله قتادة ومجاهد PageV02P407 # وغيرهما، وقال ابن عباس: تأويله مآله يوم القيامة، وقال السدي: ذلك في ~~الدنيا وقعة بدر وغيرها ويوم القيامة أيضا، والمراد هل ينتظر هؤلاء الكفار ~~إلا مآل الحال في هذا الدين وما دعوا إليه وما صدوهم عنه وهم يعتقدون مآله ~~جميلا لهم؟ فأخبر الله عز وجل أن مآله يوم يأتي يقع معه ندمهم، ويقولون ~~تأسفا على ما فاتهم من الإيمان لقد صدقت الرسل وجاءوا بالحق، فالتأويل على ~~هذا مأخوذ من آل يؤول، وقال الخطابي: أولت الشيء رددته إلى أوله فاللفظة ~~مأخوذة من الأول، حكاه النقاش. # قال القاضي أبو محمد: وقد قيل أولت معناه طلبت أول الوجوه والمعاني ونسوه ~~في الآية يحسن أن يكون النسيان من أول الآية بمعنى الترك ويقرون بالحق ~~ويستفهمون عن وجوه الخلاص في وقت لا مستعتب لهم فيه، وقرأت فرقة: «أو نرد» ~~برفع الفعل على تقدير أو هل نرد وبنصب «فنعمل» في جواب هذا الاستفهام ~~الأخير، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «أو نرد فنعمل» بالرفع فيهما على عطف ms1330 ~~«فنعمل» ، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة «أو نرد فنعمل» ونصب نرد في هذه ~~القراءة إما على العطف على قوله: فيشفعوا، وإما بما حكاه الفراء من أن «أو ~~تكون» بمعنى حتى كنحو قول امرئ القيس: # أو نموت فنعذرا ويجيء المعنى، أن الشفاعة تكون في أن يردوا ثم أخبر تعالى ~~عن خسارتهم أنفسهم واضمحلال افترائهم على الله وكذبهم في جعل الأصنام آلهة. # وقوله تعالى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام الآية، ~~خطاب عام يقتضي التوحيد والحجة عليه بدلائله، والرب أصله في اللغة المصلح ~~من رب يرب وهو يجمع في جهة ذكر الله تعالى المالك والسيد وغير ذلك من ~~استعمالات العرب، ولا يقال الرب معرفا إلا لله، وإنما يقال في البشر ~~بإضافة، وروى بكار بن الشقير «إن ربكم الله» بنصب الهاء، وقوله في ستة أيام ~~حكى الطبري عن مجاهد أن اليوم كألف سنة، وهذا كله والساعة اليسيرة سواء في ~~قدرة الله تعالى، وأما وجه الحكمة في ذلك فمما انفرد الله عز وجل بعلمه ~~كسائر أحوال الشرائع، وما ذهب إليه من أراد أن يوجه هذا كالمهدوي وغيره ~~تخرص، وجاء في التفسير وفي الأحاديث أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد وكملت ~~المخلوقات يوم الجمعة، ثم بقي دون خلق يوم السبت، ومن ذلك اختارته اليهود ~~لراحتها، وعلى هذا توالت تفاسير الطبري وغيره، ولليهود لعنهم الله تعالى في ~~هذا كلام سوء تعالى الله عما يصفون. # ووقع حديث في كتاب مسلم بن الحجاج في كتاب الدلائل لثابت السرقسطي، أن ~~الله تعالى خلق التربة يوم السبت وذكره مكي في الهداية، وقوله تعالى: استوى ~~على العرش معناه عند أبي المعالي وغيره من حذاق المتكلمين بالملك والسلطان، ~~وخص العرش بالذكر تشريفا له إذ هو أعظم المخلوقات، وقال سفيان الثوري: فعل ~~فعلا في العرش سماه استواء. # قال القاضي أبو محمد: والعرش مخلوق معين جسم ما، هذا الذي قررته الشريعة، ~~وبلغني عن أبي الفضيل بن النحوي أنه قال: العرش مصدر عرش يعرش عرشا، ~~والمراد بقوله استوى على العرش ms1331 هذا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خروج كثير عن ما فهم من العرش في غير ما حديث ~~عن النبي صلى PageV02P408 # الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «يغشي» من ~~أغشى، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي «يغشي» بالتشديد من غشى، ~~وهما طريقان في تعدية «غشي» إلى مفعول ثان، وقرأ حميد «يغشى» بفتح الياء ~~والشين ونصب «الليل» ورفع «النهار» ، كذا قال أبو الفتح وقال أبو عمرو ~~الداني برفع «الليل» قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت وحثيثا معناه ~~سريعا، ويطلبه حثيثا حال من الليل بحسب اللفظ على قراءة الجماعة، ومن ~~النهار بحسب المعنى، وأما على قراءة حميد فمن النهار في الوجهين، ويحتمل أن ~~يكون حالا منهما، ومثله قوله تعالى: فأتت به قومها تحمله [مريم: 27] فيصح ~~أن يكون تحمله حالا منها، وأن يكون حالا منه وأن يكون حالا منهما. ومسخرات ~~في موضع الحال، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة و «الشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات» بالرفع في جميعها، ونصب الباقون هذه الحروف كلها، وقرأ أبان بن ~~تغلب و «الشمس والقمر» بالنصب، و «النجوم مسخرات» بالرفع. # وألا استفتاح كلام فاستفتح بها في هذا الموضع هذا الخبر الصادق المرشد. # قال القاضي أبو محمد: وأخذ المفسرون الخلق بمعنى المخلوقات. أي هي له ~~كلها وملكه واختراعه، وأخذوا الأمر مصدرا من أمر يأمر، وعلى هذا قال النقاش ~~وغيره: إن الآية ترد على القائلين بخلق القرآن لأنه فرق فيها بين المخلوقات ~~وبين الكلام إذ الأمر كلامه عز وجل. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تؤخذ لفظة الخلق على المصدر من خلق يخلق ~~خلقا أي له هذه الصفة إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم، ويؤخذ الأمر على أنه ~~واحد الأمور إلا أنه يدل على الجنس فيكون بمنزلة قوله وإليه يرجع الأمر كله ~~[هود: 123] وبمنزلة قوله وإلى الله ترجع الأمور [البقرة: # 210] فإذا أخذت اللفظتان هكذا خرجتا عن مسألة الكلام. # قال القاضي أبو محمد: ولما تقدم في الآية خلق وبأمره تأكد في آخره أن له ~~الخلق ms1332 والأمر المصدرين حسب تقدمهما، وكيف ما تأولت الآية فالجميع لله، ~~وأسند الطبري إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من زعم أن الله تعالى ~~جعل لأحد من العباد شيئا من الأمر فقد كفر بما أنزل الله لقوله تعالى: ألا ~~له الخلق والأمر» ، قال النقاش: ذكر الله الإنسان في القرآن في ثمانية عشر ~~موضعا في جميعها أنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ليس في واحد ~~منها إشارة إلى أنه مخلوق، وقال الشعبي الخلق عبارة عن الدنيا والأمر عبارة ~~عن الآخرة، وتبارك معناه عظم وتعالى وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا الله ~~تعالى، وتبارك لا يتصرف في كلام العرب، لا يقال منه يتبارك، وهذا منصوص ~~عليه لأهل اللسان. # قال القاضي أبو محمد: وعلة ذلك أن تبارك لما لم يوصف بها غير الله تعالى ~~لم تقتض مستقبلا إذ الله قد تبارك في الأزل، وقد غلط بها أبو علي القالي ~~فقيل له كيف المستقبل من تبارك فقال يتبارك فوقف على أن العرب، لم تقله، و ~~«الرب» السيد المصلح، والعالمين جمع عالم. PageV02P409 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 55 الى 56] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) # هذا أمر بالدعاء وتعبد به، ثم قرر عز وجل بالأمر به صفات تحسن معه، ~~وقوله: تضرعا معناه بخشوع واستكانة، والتضرع لفظة تقتضي الجهر لأن التضرع ~~إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، وخفية يريد في النفس ~~خاصة، وقد أثنى الله عز وجل على ذلك في قوله إذ نادى ربه نداء خفيا [مريم: ~~3] ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير الذكر الخفي، والشريعة ~~مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر، وتأول بعض ~~العلماء «التضرع والخفية» في معنى السر جميعا، فكأن التضرع فعل للقلب، ذكر ~~هذا المعنى الحسن بن أبي الحسن، وقال: لقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض ~~عمل يقدرون ms1333 أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في ~~الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله ~~تعالى يقول ادعوا ربكم تضرعا وخفية وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال إذ نادى ~~ربه نداء خفيا [مريم: 3] وقال الزجاج ادعوا ربكم معناه اعبدوا ربكم تضرعا ~~وخفية أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلوب، وقرأ جميع السبعة «وخفية» بضم ~~الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام و «خفية» بكسرها وهما ~~لغتان، وقد قيل إن «خفية» بكسر الخاء بمعنى الخوف والرهبة، ويظهر ذلك من ~~كلام أبي علي. # وقرأت فرقة «وخيفة» من الخوف، أي ادعوه باستكانة وخوف ذكرها ابن سيده في ~~المحكم ولم ينسبها، وقال أبو حاتم قرأها الأعمش فيما زعموا، وقوله: إنه لا ~~يحب المعتدين يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما، فإلى هذا هي الإشارة، ~~والاعتداء في الدعاء على وجوه، منها الجهر الكثير والصياح كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقوم- وقد رفعوا أصواتهم بالتكبير-: «أيها الناس ~~أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» ومنها أن يدعو الإنسان في ~~أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ونحو هذا من التشطط، ومنها أن يدعو ~~طالبا معصية وغير ذلك، وفي هذه الأسئلة كفاية، وقرأ ابن أبي عبلة «إن الله ~~لا يحب المعتدين» ، والمعتدي هو مجاوز الحد ومرتكب الحظر، وقد يتفاضل بحسب ~~ما اعتدى فيه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون أقوام ~~يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول: # اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما ~~قرب إليها من قول وعمل» . # وقوله تعالى: ولا تفسدوا في الأرض الآية، ألفاظ عامة تتضمن كل إفساد قل ~~أو كثر بعد إصلاح، قل أو كثر، والقصد بالنهي هو على العموم وتخصيص شيء دون ~~شيء في هذا تحكم إلا أن يقال على وجهة المثال، قال الضحاك: معناه لا تغوروا ~~الماء المعين ولا تقطعوا ms1334 الشجر المثمر ضرارا، وقد ورد قطع الدينار والدرهم ~~من الفساد في الأرض، وقد قيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض، وقال بعض ~~الناس: المراد ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها الله ببعثة الرسل وتقرير ~~الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وقائل هذه المقالة قصد إلى ~~أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر. PageV02P410 # وقوله تعالى: وادعوه خوفا وطمعا أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتحزن ~~وتأميل لله عز وجل حتى يكون الرجاء والخوف كالجناحين للطائر يحملانه في ~~طريق استقامة وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، وقد قال كثير من العلماء ينبغي ~~أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء، وقد رأى كثير ~~من العلماء أن يكون الخوف أغلب على المرء بكثير، وهذا كله احتياط ومنه تمني ~~الحسن البصري أن يكون الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة، وتمنى سالم مولى ~~أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف لأن مذهبه أنهم مذنبون، ثم أنس قوله ~~تعالى: إن رحمت الله قريب من المحسنين فإنها آية وعد فيها تقييد بقوله من ~~المحسنين. # واختلف الناس في وجه حذف التاء من قريب في صفة الرحمة على أقوال، منها ~~أنه على جهة النسب أي ذات قرب، ومنها أنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جرت ~~مجرى كف خضيب ولحية دهين، ومنها أنها بمعنى مذكر فذكر الوصف لذلك. # واختلف أهل هذا القول في تقدير المذكر الذي هي بدل منه فقالت فرقة ~~الغفران والعفو، وقالت فرقة المطر، وقيل غير ذلك، وقال الفراء: لفظة القرب ~~إذا استعملت في النسب والقرابة فهي مع المؤنث بتاء ولا بد، وإذا استعملت في ~~قرب المسافة. # قال القاضي أبو محمد: أو الزمن- فقد تجيء مع المؤنث بتاء وقد تجيء بغير ~~تاء، وهذا منه، ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] # عشية لا عفراء منك قريبة ... فتدنو ولا عفراء منك بعيد # فجمع في هذا البيت بين الوجهين. # قال القاضي أبو محمد: هذا قول الفراء في كتابه، وقد مر في بعض كتب ~~المفسرين مقيدا ورد ms1335 الزجاج على هذا القول، وقال أبو عبيدة قريب في الآية ~~ليس بصفة للرحمة وإنما هو ظرف لها وموضع، فيجيء هكذا في المؤنث والاثنين ~~والجميع وكذلك بعيد، فإذا جعلوها صفة بمعنى مقربة قالوا قريبة وقريبتان ~~وقريبات. # وذكر الطبري أن قوله قريب إنما يراد به مقاربة الأرواح للأجساد أي عند ~~ذلك تنالهم الرحمة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58] # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) # هذه آية اعتبار واستدلال، وقرأ نافع وأبو عمرو «الرياح» بالجمع «نشرا» ~~بضم النون والشين، قال أبو PageV02P411 # حاتم: وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن وأبي رجاء، واختلف عنهم الأعرج، ~~وأبي جعفر ونافع وأبي عمرو وعيسى بن عمر وأبي يحيى وأبي نوفل الأعرابيين، ~~وقرأ ابن كثير «الريح» واحدة «نشرا» بضمها أيضا، وقرأ ابن عامر «الرياح» ~~جمعا «نشرا» بضم النون وسكون الشين، قال أبو حاتم: ورويت عن الحسن وأبي عبد ~~الرحمن وأبي رجاء وقتادة وأبي عمرو، وقرأ حمزة والكسائي، «الريح» واحدة، ~~«نشرا» بفتح النون وسكون الشين، قال أبو حاتم وهي قراءة ابن مسعود وابن ~~عباس وزر بن حبيش وابن وثاب وإبراهيم وطلحة والأعمش ومسروق بن الأجدع، وقرأ ~~ابن جني قراءة مسروق «نشرا» بفتح النون والشين، وقرأ عاصم «الرياح» جماعة ~~«بشرا» بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه «بشرا» بضم الباء والشين، ~~وقرأ بها ابن عباس والسلمي وابن أبي عبلة. وقرأ محمد بن السميفع وأبو قطيب ~~«بشرى» على وزن فعلى بضم الباء، ورويت عن أبي يحيى وأبي نوفل، وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي «بشرا» بفتح الباء وسكون الشين، قال الزهراوي: ورويت هذه عن ~~عاصم. # ومن جمع الريح في هذه الآية فهو أسعد، وذلك أن الرياح حيث وقعت في القرآن ~~فهي مقترنة بالرحمة كقوله ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ms1336 [الروم: 45] ~~وقوله وأرسلنا الرياح لواقح [الحجر: 22] وقوله الله الذي يرسل الرياح فتثير ~~سحابا [الروم: 48] وأكثر ذكر الريح مفردة، إنما هو بقرينة عذاب، كقوله وفي ~~عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم [الذاريات: 41] وقوله وأما عاد فأهلكوا ~~بريح صرصر عاتية [الحاقة: 6] وقوله بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب ~~أليم تدمر كل شيء بأمر ربها [الأحقاف: 24] نحا هذا المنحى يحيى بن يعمر ~~وأبو عمرو بن العلاء وعاصم، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا هبت الريح يقول «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» . # قال القاضي أبو محمد: والمعنى في هذا كله بين، وذلك أن ريح السقيا والمطر ~~أنها هي منتشرة لينة تجيء من هاهنا وتتفرق فيحسن من حيث هي منفصلة الأجزاء ~~متغايرة المهب يسيرا أن يقال لها رياح، وتوصف بالكثرة ريح الصر والعذاب، ~~عاصفة صرصر جسد واحد شديدة المر مهلكة بقوتها وبما تحمله أحيانا من الصر ~~المحرق، فيحسن من حيث هي شديدة الاتصال أن تسمى ريحا مفردة، وكذلك أفردت ~~الريح في قوله تعالى: وجرين بهم بريح طيبة [يونس: 22] من حيث جري السفن ~~إنما جرت بريح متصلة كأنها شيء واحد فأفردت لذلك ووصفت بالطيب إزالة ~~الاشتراك بينها وبين الريح المكروهة، وكذلك ريح سليمان عليه السلام إنما ~~كانت تجري بأمره أو تعصف في حقوله وهي متصلة، وبعد فمن قرأ في هذه الآية ~~الريح بالإفراد فإنما يريد به اسم الجنس، وأيضا فتقييدها ب «نشر» يزيل ~~الاشتراك. # والإرسال في الريح هو بمعنى والإجراء والإطلاق والإسالة ومنه الحديث ~~فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، والريح تجمع ~~في القليل أرواح وفي الكثير رياح لأن العين من الريح واو انقلبت في الواحد ~~ياء للكسر الذي قبلها، وكذلك في الجمع الكثير، وصحت في القليل لأنه لا شيء ~~فيه يوجب الإعلال، وأما «نشرا» بضم النون والشين فيحتمل أن يكون جمع ناشر ~~على النسب أي ذات نشر من الطي أو نشور من الحياة، ويحتمل «نشرا» أن يكون ~~جمع نشور بفتح النون وضم ms1337 الشين كرسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر، ويحتمل ~~«نشرا» أن يكون كالمفعول بمعنى منشور PageV02P412 # كركوب بمعنى مركوب، ويحتمل أن يكون من أبنية اسم الفاعل لأنها تنشر ~~الحساب، وأما مثال الأول في قولنا ناشر ونشر فشاهد وشهد ونازل ونزل، كما ~~قال الشاعر: # أو تنزلون فإنا معشر نزل وقاتل وقتل ومنه قول الأعشى: [البسيط] إنا ~~لمثلكم يا قومنا قتل وأما من قرأ «نشرا» بضم النون وسكون الشين فإنما خفف ~~الشين من قوله نشرا وأما من قرأ «نشرا» بفتح النون وسكون الشين فهو مصدر في ~~موضع الحال من الريح، ويحتمل في المعنى أن يراد به من النشر الذي هو خلاف ~~الطي كل بقاء الريح دون هبوب طي، ويحتمل أن يكون من أن النشر الذي هو ~~الإحياء كما قال الأعشى: [السريع] يا عجبا للميت الناشر وأما من قرأ «نشرا» ~~بفتح النون والشين وهي قراءة شاذة فهو اسم وهو على النسب، قال أبو الفتح أي ~~ذوات نشر، والنشر أن تنتشر الغنم بالليل فترعى، فشبه السحاب، في انتشاره ~~وعمومه بذلك، وأما «بشرا» بضم الباء والشين فجمع بشير كنذير ونذر، و «بشرا» ~~بسكون الشين مخفف منه و «بشرا» بفتح الباء وسكون الشين مصدر و «بشرى» مصدر ~~أيضا في موضع الحال. و «الرحمة» في هذه الآية المطر، وبين يدي أي أمام ~~رحمته وقدامها وهي هنا استعارة وهي حقيقة فيما بين يدي الإنسان من الأجرام. # وأقلت معناه: رفعت من الأرض واستقلت بها، ومنه القلة وكأن المقل يرد ما ~~رفع قليلا إذا قدر عليه، وثقالا معناه من الماء، والعرب تصف السحاب بالثقل ~~والدلح، ومنه قول قيس بن الخطيم: # [المتقارب] # بأحسن منها ولا مزنة ... دلوح تكشف أدجانها # والريح تسوق السحاب من ورائها فهو سوق حقيقة، والضمير في سقناه عائد على ~~السحاب، واستند الفعل إلى ضمير اسم الله تعالى من حيث هو إنعام، وصفة البلد ~~بالموت استعارة بسبب سعته وجدوبته وتصويح نباته، وقرأ أبو عمرو وعاصم ~~والأعمش: «لبلد ميت» بسكون الياء وشدها الباقون، والضمير في قوله: فأنزلنا ~~به يحتمل أن يعود على ms1338 الحساب أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن ~~يعود على الماء وهو أظهرها، وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن الله تعالى ~~يرسل الرياح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين طرق السماء والأرض حيث يلتقيان ~~فتخرجه من ثم ثم تنشره فتبسطه في السماء ثم تفتح أبواب السماء فيسيل الماء ~~على السحاب ثم تمطر السحاب بعد ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التفصيل لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله تبارك وتعالى كذلك نخرج الموتى يحتمل مقصدين أحدهما أن يراد كهذه ~~القدرة العظيمة في إنزال الماء وإخراج الثمرات به من الأرض المجدبة هي ~~القدرة على إحياء الموتى من الأجداث وهذه مثال لها، ويحتمل أن PageV02P413 # يراد أن هكذا يصنع بالأموات من نزول المطر عليهم حتى يحيوا به فيكون ~~الكلام خبرا لا مثلا، وهذا التأويل إنما يستند إلى الحديث الذي ذكره الطبري ~~عن أبي هريرة أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى مطر عليهم مطر من ماء ~~تحت العرش يقال له ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع، فإذا ~~كملت أجسادهم نفخ فيهم الروح، ثم تلقى عليهم نومة فينامون فإذا نفخ في ~~الصور الثانية قاموا وهم يجدون طعم النوم، فيقولون يا ويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا، فيناديهم المنادي هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. # وقوله تعالى: والبلد الطيب يخرج نباته آية متممة للمعنى الأول في الآية ~~قبلها معرفة بعادة الله تعالى في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مثالا ~~لقلب المؤمن وقلب الكافر فذلك كله مرتب، لكن ألفاظ الآية لا تقتضي أن ~~المثال قصد بذلك والتمثيل بذلك حكاه الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والسدي، وقال النحاس: هو مثال للفهيم وللبليد، والطيب: هو الجيد التراب ~~الكريم الأرض، وخص بإذن ربه مدحا وتشريفا، وهذا كما تقول لمن تغض منه، أنت ~~كما شاء الله فهي عبارة تعطي مبالغة في مدح أو ذم ومن هذا قوله تعالى: فله ~~ما سلف وأمره إلى الله [البقرة: 275] على بعض التأويلات، والخبيث هو السباخ ~~ونحوها من ms1339 رديء الأرض، وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر «يخرج ~~نباته» بضم الياء وكسر الراء ونصب التاء، و «النكد» العسير القليل، ومنه ~~قول الشاعر: [المنسرح] # لا تنجز الوعد إن وعدت وإن ... أعطيت أعطيت تافها نكدا # ونكد الرجل إذا سأل إلحافا وأخجل ومنه قول الشاعر: [السريع] # وأعط ما أعطيته طيبا ... لا خير في المنكود والناكد # وقرأ جمهور الناس وجميع السبعة «نكدا» بفتح النون وكسر الكاف، وقرأ طلحة ~~بن مصرف «نكدا» بتخفيف الكاف وفتح النون، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «نكدا» ~~بفتح النون والكاف، وقال الزجاج: وهي قراءة أهل المدينة كذلك نصرف الآيات ~~أي هكذا نبين الأمور، ويشكرون معناه يؤمنون ويثنون بآلاء الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 62] # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال ~~مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) # اللام لام القسم، قال الطبري أقسم الله تعالى أنه أرسل نوحا، وقالت فرقة ~~من المفسرين: سمي نوحا لأنه كان ينوح على نفسه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، قال سيبويه: نوح ولوط وهود أسماء أعجمية ~~إلا أنها حقيقة PageV02P414 # فلذلك صرفت، وهذه نذارة من نوح لقومه دعاهم إلى عبادة الله وحده ورفض ~~آلهتهم المسماة ودا وسواعا ويغوث ويعوق وغيرها مما لم يشتهر، وقرأ الكسائي ~~وحده «غيره» بالكسر من الراء على النعت ل إله، وهي قراءة يحيى بن وثاب ~~والأعمش وأبي جعفر، وقرأ الباقون «غيره» بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي «هل من ~~خالق غير الله» خفضا، وقرأ الباقون: «غير الله» رفعا والرفع في قراءة ~~الجماعة هنا على البدل من قوله من إله لأن موضع قوله: من إله رفع، وهو الذي ~~رجح الفارسي، ويجوز أن يكون نعتا على الموضع لأن التقرير ما لكم إله غيره، ~~أو يقدر «غير» ب «إلا» ms1340 فيعرب بإعراب ما يقع بعد «إلا» ، وقرأ عيسى بن عمر ~~«غيره» بنصب الراء على الاستثناء، قال أبو حاتم: وذلك ضعيف من أجل النفي ~~المتقدم، وقوله عذاب يحتمل أن يريد به عذاب الدنيا ويحتمل أن يريد به عذاب ~~الآخرة. # والملأ الجماعة الشريفة، قال الطبري: لا امرأة فيهم، وحكاه النقاش عن ~~ثعلب في الملأ والرهط والنفر والقوم، وقيل هم مأخوذون من أنهم يملؤون النفس ~~والعين، ويحتمل أن يكون من أنهم إذا تمالؤوا على أمرتم، وقال سلمة بن سلامة ~~بن وقش الأنصاري عند قفول رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر إنما ~~قتلنا عجائز صلعا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك الملأ من قريش ~~لو حضرت أفعالهم لاحتقرت فعلك» . والملأ صفة غالبة وجمعه أملاء وليس من باب ~~رهط وإن كانا اسمين للجمع لأن رهط لا واحد له من لفظه، و «ملأ» يوجد من ~~لفظه مالىء قال أحمد بن يحيى: المالئ الرجل الجليل الذي يملأ العين بجهرته ~~فيجيء كعازب وخادم ورائح فإن أسماء جموعها عرب وخدم وروح، وإن كانت اللفظة ~~من تمالأ القوم على كذا فهي مفارقة باب رهط ومنه قول علي رضي الله عنه: ما ~~قتلت عثمان ولا مالأت في دمه، وقال ابن عباس «الملؤ» بواو وكذلك هي في ~~مصاحف الشام، وقولهم لنراك يحتمل أن يجعل من رؤية البصر، ويحتمل من رؤية ~~القلب وهو الأظهر وفي ضلال أي في إتلاف وجهالة بما تسلك. # وقوله لهم جوابا عن هذا ليس بي ضلالة مبالغة في حسن الأدب والإعراض عن ~~الجفاء منهم وتناول رفيق وسعة صدر حسبما يقتضيه خلق النبوة، وقوله: ولكني ~~رسول تعرض لمن يريد النظر والبحث والتأمل في المعجزة. # قال القاضي أبو محمد: ونقدر ولا بد أن نوحا عليه السلام وكل نبي مبعوث ~~إلى الخلق كانت له معجزة تخرق العادة فمنهم من عرفنا بمعجزته ومنهم من لم ~~نعرف. # وقرأ السبعة سوى أبي عمرو «أبلغكم» بشد اللام وفتح الباء، بسكون الباء ~~وتخفيف اللام، وقوله صلى الله عليه وسلم وأعلم من الله ms1341 ما لا تعلمون وإن ~~كان لفظا عاما في كل ما علمه فالمقصود منه هنا المعلومات المخوفات عليهم لا ~~سيما وهم لم يسمعوا قط بأمة عذبت فاللفظ مضمن الوعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 63 الى 64] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) PageV02P415 # هذه ألف استفهام دخلت على الواو العاطفة، والاستفهام هنا بمعنى التقرير ~~والتوبيخ، وعجبهم الذي وقع إنما كان على جهة الاستبعاد والاستمحال، هذا هو ~~الظاهر من قصتهم، وقوله: على قيل هي بمعنى مع، وقيل هو على حذف مضاف تقديره ~~على لسان رجل منكم. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المجيء بنفسه في هذا الموضع يصل ب ~~على إذ كل ما يأتي من الله تعالى فله حكم النزول فكأن جاءكم معناه نزل فحسن ~~معه أن يقال على رجل واللام في لينذركم لام كي. وقوله ولعلكم ترج بحسب حال ~~نوح ومعتقده لأن هذا الخبر إنما هو من تلقاء نوح عليه السلام. # وقوله: فكذبوه الآية، أخبر الله عنهم أنهم بعد تلطفه بهم كذبوه فأنجاه ~~الله والمؤمنين به في السفينة وهي الفلك، والفلك لفظ واحد للجمع والمفرد، ~~وليس على حد جنب ونحوه، لكن فلك للواحد كسر على فلك للجميع فضمة الفاء في ~~الواحد ليست هي في الجمع وفعل بناء تكسير مثل أسد وأسد، ويدل على ذلك قولهم ~~في التثنية فلكان، وفي التفسير: أن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون ~~رجلا، وقيل ثمانون. وقيل عشرة، فهم أولاده يافث وسام وحام، وفي كثير من كتب ~~الحديث للترمذي وغيره: أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام، وقال ~~الزهري في كتاب النقاش: وفي القرآن ذرية من حملنا مع نوح [الإسراء: 3] . # قال القاضي أبو محمد: فيحتمل أن يكون سائر العشرة أو الأربعين حسب الخلاف ~~حفدة لنوح ومن ذريته فتجتمع الآية والحديث، ويحتمل أن من كان في السفينة ~~غير بنيه لم ينسل، وقد ms1342 روي ذلك، وإلا لكان بين الحديث والآية تعارض، وقوله: ~~كذبوا بآياتنا يقتضي أن نوحا عليه السلام كانت له آيات ومعجزات، وقوله: ~~عمين وزنه فعلين وهو جمع عم وزنه فعل، ويريد عمى البصائر، وروي عن ابن عباس ~~أن نوحا بعث ابن أربعين سنة، قال ابن الكلبي: بعد آدم بثمانمائة سنة، وجاء ~~بتحريم البنات والأخوات والأمهات والخالات والعمات، وقال وهب بن منبه بعث ~~نوح وهو ابن أربعمائة سنة، وقيل بعث ابن ثلاثمائة سنة، وقيل ابن خمسين سنة، ~~وروي أنه عمر بعد الغرق ستين سنة، وروي أن الطوفان كان سنة ألف وستمائة من ~~عمره صلى الله عليه وسلم، وأتى في حديث الشفاعة وغيره: أن نوحا أول نبي بعث ~~إلى الناس، وأتى أيضا أن إدريس قبل نوح ومن آبائه وذلك يجتمع بأن تكون بعثة ~~نوح مشتهرة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان، فالمراد أنه ~~أول نبي بعث على هذه الصفة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 68] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك ~~من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) PageV02P416 # عاد اسم الحي، وأخاهم نصب ب أرسلنا [الأعراف: 59] فهو معطوف على نوح، ~~وهذه أيضا نذارة من هود عليه السلام لقومه، وتقدم الخلاف في قراءة غيره ~~وقوله أفلا تتقون استعطاف إلى التقى والإيمان. # وقوله تعالى: قال الملأ الآية، تقدم القول في مثل هذه المقالة آنفا، و ~~«السفاهة» مصدر عبر به عن الحال المهلهلة الرقيقة التي لا ثبات لها ولا ~~جودة، والسفه، في الثوب خفة نسجه، ومنه قول الشاعر: # [الطويل] [ذي الرمة] # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # وقولهم: لنظنك هو ظن على بابه لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون وتخرص. # وتقدم الخلاف في قراءة أبلغكم وقوله: أمين يحتمل أن يريد: على الوحي ~~والذكر النازل ms1343 من قبل الله عز وجل، ويحتمل أن يريد: أنه أمين عليهم وعلى ~~غيبهم وعلى إرادة الخير بهم، والعرب تقول: # فلان لفلان ناصح الجيب أمين الغيب، ويحتمل أن يريد به أمين من الأمن أي ~~جهتي ذات أمن من الكذب والغش. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 69 الى 70] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ~~(69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين (70) # قد تقدم القول في مثل أوعجبتم و «الذكر» لفظ عام للمواعظ والأوامر ~~والنواهي، وقوله تعالى: # واذكروا الآية، تعديد للنعم عليهم، وخلفاء جمع خليف كظريف وظرفاء، وخليفة ~~جمع خلائف، والعرب تقول خليفة وخليف، وأنشد أبو علي: # فإن يزل زائل يوجد خليفته ... وما خليف أبي وهب بموجود # قال السدي وابن إسحاق: والمعنى جعلكم سكان الأرض بعد قوم نوح، وقوله: ~~وزادكم في الخلق بصطة أي في الخلقة، والبصطة الكمال في الطول والعرض، وقيل ~~زادكم على أهل عصركم، قال الطبري: المعنى زادكم على قوم نوح وقاله قتادة. PageV02P417 # قال القاضي أبو محمد: واللفظ يقتضي أن الزيادة هي على جميع العالم، وهو ~~الذي يقتضي ما يذكر عنهم، وروي أن طول الرجل منهم كان مائة ذراع وطول ~~أقصرهم ستون ونحو هذا. و «الآلاء» : جمع «إلا» على مثال معى، وأنشد الزجاج: ~~[للأعشى] # أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إلا # وقيل واحد الآلاء «ألا» على مثال قفى، وقيل واحدها «إلى» على مثال حسى ~~وهي النعمة والمنة، وتفلحون: معناه تدركون البغية والآمال، قال الطبري وعاد ~~هؤلاء فيما حدث ابن إسحاق من ولد عاد بن إرم ابن عوص بن سام بن نوح، وكانت ~~مساكنهم الشحر من أرض اليمن وما والى حضرموت إلى عمان، وقال السدي وكانوا ~~بالأحقاف وهي الرمال، وكانت بلادهم أخصب بلاد فردها الله صحارى، وقال علي ~~بن أبي طالب: إن قبر هود عليه السلام ms1344 هنالك في كثيب أحمر يخالطه مدرة ذات ~~أراك وسدر، وكانوا قد فشوا في جميع الأرض وملكوا كثيرا بقوتهم وعددهم ~~وظلموا الناس و، كانوا ثلاث عشرة قبيلة وكانوا أصحاب أوثان منها ما يسمى ~~صداء ومنها صمودا ومنها الهنا فبعث الله إليهم هودا من أفضلهم وأوسطهم نسبا ~~فدعاهم إلى توحيد الله وإلى ترك الظلم. # قال ابن إسحاق: لم يأمرهم فيما يذكر بغير ذلك فكذبوه وعتوا واستمر ذلك ~~منهم إلى أن أراد الله إنفاذ أمره أمسك عنهم المطر ثلاث سنين، فشقوا بذلك ~~وكان الناس في ذلك الزمان إذا أهمهم أمر فزعوا إلى المسجد الحرام بمكة ~~فدعوا الله فيه تعظيما له مؤمنهم وكافرهم، وأهل مكة يومئذ العماليق وسيدهم ~~رجل يسمى معاوية بن بكر، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وفدا إلى مكة ~~يستسقون الله لهم، فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال وعثيل بن ضد بن عاد ~~الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير، وكان هذا مؤمنا يكتم إيمانه وجلهمة بن ~~الخبيري في سبعين رجلا من قومهم، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر ~~وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم فأنزلهم وأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ~~وتغنيهم الجرادتان قينتا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم وقد بعثتهم عاد ~~للغوث أشفق على عاد وكان ابن أختهم كلهدة بن الخبير أخت جلهمة، وقال هلك ~~أخوالي وشق عليه أن يأمر أضيافه بالانصراف عند فشكا ذلك إلى قينة فقالت له ~~اصنع شعرا نغني به عسى أن ننبههم فقال: [الوافر] # ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يصحبنا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما # وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عياما # وإن الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما # وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما # فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما # فغنت به الجرادتان فلما سمعه القوم قال بعضهم يا قوم إنما بعثكم قومكم ~~لما حل بهم فادخلوا هذا ms1345 PageV02P418 # الحرم وادعوا لعل الله يغيثهم فخرجوا لذلك فقال لهم مرثد بن سعد إنكم ~~والله ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم به سقيتم، وأظهر ~~إيمانه يومئذ فخالفه الوفد، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر احبسا عنا ~~مرثدا ولا يدخل معنا الحرم، فإنه قد اتبع هودا ومضوا إلى مكة فاستسقى قيل ~~بن عنز، وقال يا إلهنا إن كان هود صالحا فاسقنا فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله ~~سحائب ثلاثا بيضاء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب يا قيل اختر لنفسك ~~وقومك من هذا السحاب، فقال قيل قد اخترت السوداء فإنها أكثرها ماء، فنودي ~~اخترت رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا، لا والدا ولا ولدا، إلا جعلتهم ~~همدا، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم ~~من واد لهم يقال له المغيث، فلما رأوها قالوا هذا عارض ممطرنا، حتى عرفت ~~أنها ريح امرأة من عاد يقال لها مهد، فصاحت وصعقت فلما أفاقت قيل لها ما ~~رأيت؟ قالت رأيت ريحا كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم ~~ثمانية أيام حسوما وسبع ليال، والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا ~~هلك، فاعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه من الريح إلا ما ~~يلتذ به. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قصص وقع في تفسير مطولا، وفيه اختلاف فاقتضبت ~~عيون ذلك بحسب الإيجاز وفي خبرهم أن الريح كانت تدمغهم بالحجارة وترفع ~~الظعينة عليها المرأة، حتى تلقيها في البحر، وفي خبرهم أن أقوياءهم كان ~~أحدهم يسد بنفسه مهب الريح حتى تغلبه فتلقيه في البحر، فيقوم آخر مكانه حتى ~~هلك الجميع، وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضبعا ربت أولادها في حجاج عين رجل ~~منهم وفي خبرهم، أن الله بعث لما هلكت عاد طيرا وقيل أسدا فنقلت جيفهم حتى ~~طرحتها في البحر، فذلك قوله فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم [الأحقاف: 25] في ~~بعض ما روي من شأنهم: أن الريح لم تبعث قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها تمت ~~على ms1346 الخزنة فغلبتهم فذلك قوله: فأهلكوا بريح صرصر عاتية [الحاقة: 6] وروي ~~أن هودا لما هلكت عاد نزل بمن آمن معه إلى مكة فكانوا بها حتى ماتوا، فالله ~~علم أي ذلك كان. # وقوله تعالى: قالوا أجئتنا الآية، ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا ~~أصنامهم ويفردوا العبادة لله مع إقرارهم بالإله الخالق المبدع، ويحتمل أن ~~يكونوا منكرين لله ويكون قولهم لنعبد الله وحده أي على قولك يا هود، ~~والتأويل الأول أظهر فيهم وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية الله ~~تعالى من الكفرة إلا من أفرطت غباوته كإربد بن ربيعة، وإلا من ادعاها لنفسه ~~كفرعون ونمرود، وقوله: فأتنا تصميم على التكذيب واحتقار لأمر النبوءة ~~واستعجال للعقوبة، وتمكن قولهم: تعدنا لما كان هذا الوعد مصرحا به في الشر ~~ولو كان ذكر الوعد مطلقا لم يجىء إلا في خبر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 71 الى 73] # قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) ~~فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا ~~مؤمنين (72) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) PageV02P419 # أعلمهم بأن القضاء قد نفذ وحل عليهم الرجس وهو السخط والعذاب يقال «رجس ~~ورجز» بمعنى واحد، قاله أبو عمرو بن العلاء، وقال الشاعر: [الطويل] # إذا سنة كانت بنجد محيطة ... فكان عليهم رجسها وعذابها # وقد يأتي الرجس أيضا بمعنى النتن والقذر، ويقال في الرجيع رجس وركس، وهذا ~~الرجس هو المستعار للمحرمات، أي ينبغي أن يجتنب كما يجتنب النتن، ونحوه في ~~المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خبر جهجاه الغفاري وسنان بن وبرة ~~الأنصاري حين دعوا بدعوى الجاهلية: «دعوها فإنها منتنة» . # وقوله: أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم إنما يريد أنهم ~~يخاصمونه في ms1347 أن تسمى آلهة، فالجدل إنما وقع في التسميات لا في المسميات، ~~لكنه ورد في القرآن ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم [يوسف: 40] ~~فهنا لا يريد إلا ذوات الأصنام، فالاسم إنما يراد به المسمى نفسه. # قال القاضي أبو محمد: ومن رأى أن الجدل في هذه الآية إنما وقع في أنفس ~~الأصنام وعبادتها تأول هذا التأويل، والاسم يرد في كلام العرب بمعنى ~~التسمية وهذا بابه الذي استعمله به النحويون، وقد يراد به المسمى ويدل عليه ~~ما قاربه من القول، من ذلك قوله تعالى: سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] ~~وقوله تبارك اسم ربك [الرحمن: 78] على أن هذا يتأول، ومنه قول لبيد: ~~[الطويل] إلى الحول ثم اسم السلام عليكما على تأويلات في البيت، وقد مضت ~~المسألة في صدر الكتاب والسلطان: البرهان وقوله فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين الآية وعيد وتهديد. # والضمير في قوله «أنجيناه» عائد على «هود» أي أخرجه الله سالما ناجيا مع ~~من اتبعه من المؤمنين برحمة الله وفضله، وخرج هود ومن آمن معه حتى نزلوا ~~مكة فأقاموا بها حتى ماتوا وقطعنا دابر استعارة تستعمل فيمن يستأصل ~~بالهلاك، و «الدابر» الذي يدبر القوم ويأتي خلفهم: فإذا انتهى القطع ~~والاستئصال إلى ذلك فلم يبق أحد وقوله كذبوا بآياتنا دال على المعجزة وإن ~~لم تتعين لها. # وقوله تعالى: وإلى ثمود الآية، هو «ثمود» بن غاثن بن أرم بن سام بن نوح ~~أخو جديس بن غاثن، وقرأ يحيى بن وثاب «وإلى ثمود» بكسر الدال وتنوينه في ~~جميع القرآن، وصرفه على اسم الحي وترك صرفه على اسم القبيلة، قاله الزجاج، ~~وقال الله تعالى: ألا إن ثمود كفروا ربهم فالمعنى: # وأرسلنا «إلى ثمود أخاهم» فهو عطف على نوح، والأخوة هنا أخوة القرابة، ~~وقال الزجاج يحتمل أن تكون أخوة الآدمية، وسمى أخاهم لما بعث إليهم وهم قوم ~~عرب و «هود وصالح» عربيان، وكذلك إسماعيل PageV02P420 # وشعيب، كذا قال النقاش، وفي أمر إسماعيل عليه السلام نظر، وصالح عليه ~~السلام هو صالح بن عبيد بن عارم بن أرم بن سام ms1348 بن نوح كذا ذكر مكي، وقال ~~وهب بعثه الله حين راهق الحلم، ولما هلك قومه ارتحل بمن معه إلى مكة، ~~فأقاموا بها، حتى ماتوا فقبورهم بين دار الندوة والحجر، وقوله بينة صفة حذف ~~الموصوف وأقيمت مقامه، قال سيبويه وذلك قبيح في النكرة أن تحذف وتقام صفتها ~~مقامها، لكن إذا كانت الصفة كثيرة الاستعمال مشتهرة وهي المقصود في الأخبار ~~والأمم زال القبح، كما تقول جاءني عبد لبني فلان وأنت تريد جاءني رجل عبد ~~لأن عبدا صفة فكذلك قوله هنا بينة، المعنى آية أو حجة أو موعظة «بينة» ، ~~وقال بعض الناس إن «صالحا» جاء بالناقة من تلقاء نفسه، وقالت فرقة وهي ~~الجمهور: بل كانت مقترحة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أليق بما ورد في الآثار من أمرهم، وروي أن ~~بعضهم قال «يا صالح» إن كنت صادقا فادع ربك يخرج لنا من هذه الهضبة وفي بعض ~~الروايات من هذه الصخرة لصخرة بالحجر يقال لها الكاثبة ناقة عشراء قال فدعا ~~الله فتمخضت تلك الهضبة وتنفضت وانشقت عن ناقة عظيمة، وروي: أنها كانت ~~حاملا فولدت سقبها المشهور، وروي أنه خرج معها فصيلها من الصخرة، وروي: أن ~~جملا من جمال ثمود ضربها فولدت فصيلها المشهور، وقيل ناقة الله تشريفا لها ~~وتخصيصا، وهي إضافة خلق إلى خالق، وقال الزجاج: وقيل إنها ناقة من سائر ~~النوق وجعل الله لها شربا يوما ولهم شرب يوم، وكانت الآية في شربها وحلبها. # قال القاضي أبو محمد: وحكى النقاش عن الحسن أنه قال: هي ناقة اعترضها من ~~إبلهم ولم تكن تحلب والذي عليه الناس أقوى وأصح من هذا، قال المفسرون: ~~وكانت حلفا عظيما تأتي إلى الماء بين جبلين فيزحمانها من العظم وقاسمت ثمود ~~في الماء يوما بيوم فكانت ترد يومها فتستوفي ماء بئر همشريا ويحلبونها ما ~~شاؤوا من لبن ثم تمكث يوما وترد بعد ذلك غيا، فاستمر ذلك ما شاء الله حتى ~~أماتها ثمود وقالوا ما نصنع باللبن، الماء أحب إلينا منه، وكان سبب الملل ~~فيما روي أنها كانت تصيف في بطن ms1349 الوادي وادي الحجر وتستوفي ظاهره فكانت ~~مواشيهم تفر منها فتصيف في ظهر الوادي للقيظ، وتستوفي باطنه للزمهرير وفسدت ~~لذلك، فتمالؤوا على قتل الناقة فقال لهم «صالح» مرة إن هذا الشهر يولد فيه ~~مولود يكون هلاككم على يديه، فولد لعشرة نفر أولاد فذبح التسعة أولادهم، ~~وبقي العاشر وهو سالف أبو قدار، فنشأ قدار أحمر أزرق فكان التسعة إذا رأوه ~~قالوا لو عاش بنونا كانوا مثل هذا، فاحفظهم إن قتلوا أولادهم بكلام صالح. # فأجمعوا على قتله، فخرجوا وكمنوا في غار ليبيتوه منه وتقاسموا لنبيتنه ~~وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله، فسقط الغار عليهم فماتوا فهم ~~الرهط التسعة الذين ذكر الله تعالى في كتابه هم قدار بن سالف، ومصرع بن ~~مهرج ضما إلى أنفسهما سبعة نفر وعزموا على عقر الناقة، وروي أن السبب في ~~ذلك أن امرأتين من ثمود من أعداء «صالح» جعلتا لقدار ومصرع أنفسهما ~~وأموالهما على أن يعقرا الناقة وكانتا من أهل الجمال، وقيل إن قدارا شرب ~~الخمر مع قوم فطلبوا ماء يمزجون به الخمر فلم يجدوه لشرب الناقة، فعزموا ~~على عقرها حينئذ فخرجوا وجلسوا على طريقها وكمن لها قدار خلف صخرة، فلما ~~دنت منه PageV02P421 # رماها بالحربة ثم سقطت فنحرها، ثم اتبعوا الفصيل فهرب منهم حتى علا ربوة ~~ورغا ثلاث مرات واستغاث فلحقوه وعقروه، وفي بعض الروايات أنهم وجدوا الفصيل ~~على رابية من الأرض فأرادوه فارتفعت به حتى لحقت به في السماء فلم يقدروا ~~عليه، فرغا الفصيل مستغيثا بالله تعالى فأوحى الله إلى «صالح» أن مرهم ~~فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، وحكى النقاش عن الحسن أنه قال إن الله ~~تعالى أنطق الفصيل فنادى أين أمي؟ فقال لهم «صالح» إن العذاب واقع بكم في ~~الرابع من عقر الناقة، وروي: أنه عقرت يوم الأربعاء وقال لهم «صالح» تحمر ~~وجوهم غدا وتصفر في الثاني وتسود في الثالث وينزل العذاب في الرابع يوم ~~الأحد، فلما ظهرت العلامة التي قال لهم أيقنوا واستعدوا ولطخوا أبدانهم ~~بالمن، وحفروا القبور وتحنطوا فأخذتهم الصيحة وخرج صالح ومن ms1350 معه حتى نزل ~~رملة فلسطين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القصص اقتضبته من كثير أورده الطبري رحمه الله ~~رغبة الإيجاز، وقال أبو موسى الأشعري: أتيت بلاد ثمود فذرعت صدر الناقة ~~فوجدته ستين ذراعا. # قال القاضي أبو محمد: وبلاد ثمود هي بين الشام والمدينة، وهي التي مر بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غزوة تبوك فقال لا تدخلوا ~~مساكين الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ~~ثم اعتجر بعمامته وأسرع السير صلى الله عليه وسلم وروي أن المسافة التي ~~أهلكت الصيحة أهلها هي ثمانية عشر ميلا، وهي بلاد الحجر ومراتعها الجناب ~~وحسمي إلى وادي القرى وما حوله، وقيل في قدار إنه ولد زنا من رجل يقال له ~~ظيبان وولد على فراش سالف فنسب إليه ذكره قتادة وغيره، وذكر الطبري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر فقال أتعرفون ما هذا قالوا: لا، قال هذا ~~قبر أبي رغال الذي هو أبو ثقيف كان من ثمود فأصاب قومه البلاء وهو بالحرم ~~فسلم فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابهم فدفن هنا وجعل معه غصن من ذهب قال ~~فابتدر القوم بأسيافهم فحفروا حتى أخرجوا الغصن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الخبر يريد ما في السير من أن أبا رغال هو ~~دليل الفيل وحبيسه إلى مكة والله أعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 74 الى 76] # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~(74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) # بوأكم معناه مكنكم، وهي مستعملة في المكان وظروفه، تقول تبوأ فلان منزلا ~~حسنا، ومنه قوله PageV02P422 # تعالى تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال [آل عمران: 121] وقال الأعشى: [الطويل] # فما بوأ الرحمان بيتك منزلا ... بشرقي ms1351 أجياد الصفا والمحرم # و «القصور» : جمع قصر وهي الدور التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصة ~~بخلاف بيوت العمود وقصرت عن الناس قصرا تاما، و «النحت» النجر والقشر في ~~الشيء الصلب كالحجر والعود ونحوه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «تنحتون» بفتح ~~الحاء، وقرأ جمهور الناس: بكسرها وبالتاء من فوق، وقرأ ابن مصرف: بالياء من ~~أسفل وكسر الحاء، وقرأ أبو مالك بالياء من أسفل وفتح الحاء، وكانوا ~~«ينحتون» الجبال لطول أعمارهم، وتعثوا معناه تفسدوا يقال: عثا يعثي وعثا ~~يعثو وعثى يعثى كنسى ينسى وعليها لفظ الآية، وقرأ الأعمش «تعثوا» بكسر ~~التاء ومفسدين: حال. # وتقدم القول في الملأ، وقرأ ابن عامر وحده في هذا الموضع «وقال الملأ» ~~بواو عطف وهي محذوفة عند الجميع، والذين استكبروا هم الأشراف والعظماء ~~الكفرة، واستكبروا يحتمل أن يكون معناه طلبوا هيئة لنفوسهم من الكبر، أو ~~يكون بمعنى كبروا كبرهم المال والجاه وأعظمهم فيكون على هذا كبر و «استكبر» ~~بمعنى كعجب واستعجب، والأول هو باب استفعل كاستوقد واسترفد، والذين ~~استضعفوا هم العامة والأغفال في الدنيا وهم أتباع الرسل، وقولهم أتعلمون ~~استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصرامة ~~في دين الله فحملت الأنفة الإشراف على مناقضة المؤمنين في مقالتهم واستمروا ~~على كفرهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 77 الى 79] # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت ~~من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم ~~وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) # قوله تعالى: فعقروا يقتضي بتشريكهم أجمعين في الضمير أن عقر الناقة كان ~~على تمالؤ منهم وإصفاق وكذلك: روي أن قدارا لم يعقرها حتى كان يستشير ~~الرجال والنساء والصبيان، فلما أجمعوا تعاطى فعقر، وعتوا معناه خشوا وصلبوا ~~ولم يذعنوا للأمر والشرع وصمموا على تكذيبه واستعجلوا النقمة بقولهم ائتنا ~~بما تعدنا وحسن الوعد في هذا الموضع لما تقيد بأنه عذاب، قال أبو حاتم قرأ ~~عيسى وعاصم أيتنا بهمز وإشباع ضم، وقرأ ms1352 بتخفيف الهمزة كأنها ياء في اللفظ ~~أبو عمرو والأعمش. # والرجفة ما تؤثره الصيحة أو الطامة التي يرجف بها الإنسان وهو أن يتزعزع ~~ويتحرك ويضطرب ويرتعد. ومنه قول خديجة فرجع بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يرجف فؤاده، ومنه قول الأخطل: # [البسيط] : # أما تريني حناني الشيب من كبر ... كالنسر أرجف والإنسان ممدود PageV02P423 # ومنه «إرجاف» النفوس لكريه الأخبار أي تحريكها، وروي أن صيحة ثمود كان ~~فيها من صوت كل شيء هائل الصوت، وكانت مفرطة شقت قلوبهم فجثوا على صدورهم ~~والجاثم اللاطئ بالأرض على صدره مع قبض ساقيه كما يرقد الأرنب والطير، فإن ~~جثومها على وجهها، ومنه قول جرير: [الوافر] . # عرفت المنتأى وعرفت منها ... مطايا القدر كالحدأ الجثوم # وقال بعض المفسرين معناه حمما محترقين كالرماد الجاثم. # قال القاضي أبو محمد: وحيث وجد الرماد الجاثم في شعر فإنما هو مستعار ~~لهيئة الرماد قبل هموده وتفرقه، وذهب صاحب هذا القول إلى أن الصيحة اقترن ~~بها صواعق محرقة. # وأخبر الله عز وجل بفعل «صالح» في توليه عنهم وقت «عقرهم» الناقة وقولهم ~~ائتنا بما تعدنا وذلك قبل نزول العذاب وكذلك روي أنه عليه السلام خرج من ~~بين أظهرهم قبل نزول العذاب وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، وأما لفظ الآية ~~فيحتمل أن خاطبهم وهم موتى على جهة التفجع عليهم وذكر حالهم أو غير ذلك كما ~~خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، قال الطبري: وقيل لم تهلك ~~أمة ونبيها معها، وروي أنه ارتحل بمن معه حتى جاء مكة فأقام بها حتى مات، ~~ولفظة التولي تقتضي اليأس من خيرهم واليقين في إهلاكهم. وقوله: لا تحبون ~~الناصحين عبارة عن تغليبهم الشهوات على الرأي، إذ كلام الناصح صعب مضاد ~~لشهوة نفس الذي ينصح، ولذلك تقول العرب أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84] # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) ~~إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) وما كان ~~جواب ms1353 قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) فأنجيناه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان ~~عاقبة المجرمين (84) # «لوط» عليه السلام بعثه الله إلى أمة تسمى سدوم وروي أنه ابن أخي إبراهيم ~~عليه السلام، ونصبه إما أرسلنا المتقدم في الأنبياء وإما بفعل مضمر تقديره ~~واذكر لوطا واستفهامه لهم هو على جهة التوقيف والتوبيخ والتشنيع، والفاحشة ~~هنا إتيان الرجال في الأدبار، وروي أنه لم تكن هذه المعصية في أمم قبلهم. # قال القاضي أبو محمد: وإن كان لفظ الآية يقتضي هذا فقد كانت الآية تحتمل ~~أن يراد بها ما سبقكم أحد إلى لزومها وتشهيرها وروي أنهم إن كانوا يأتي ~~بعضهم بعضا، وروي أنهم إنما كانوا «يأتون» الغرباء قاله الحسن البصري، قال ~~عمرو بن دينار ما زنا ذكر على ذكر قبل قوم «لوط» ، وحكى النقاش: أن إبليس ~~كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه، وقال بعض العلماء عامل اللواط كالزاني، ~~وقال مالك رحمه الله PageV02P424 # وغيره: يرجم أحصن أو لم يحصن، وحرق أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلا ~~يسمى الفجأة حين عمل عمل قوم «لوط» . # وقرأ نافع والكسائي وحفص عن عاصم «أنكم» على الخبر كأنه فسر الفاحشة وقرأ ~~ابن كثير أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة: «أإنكم» باستفهام آخر، ~~وهذا لأن الأول استفهام عن أمر مجمل والثاني عن مفسر، إلا أن حمزة وعاصما ~~قرءا بهمزتين، ولم يهمز أبو عمرو وابن كثير إلا واحدة وشهوة: # نصب على المصدر من قولك شهيت الشيء شهاه، والمعنى تدعون الغرض المقصود ~~بالوطء وهو ابتغاء ما كتب الله من الولد وتنفردون بالشهوة فقط، وقوله: بل ~~أنتم إضراب عن الإخبار عنهم أو تقريرهم على المعصية وترك لذلك إلى الحكم ~~عليهم بأنهم قوم قد تجاوزوا الحد وارتكبوا الحظر، والإسراف الزيادة ~~المفسدة. # وقرأ الجمهور «جواب» بالنصب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «جواب» بالرفع، ولم ~~تكن مراجعة قومه باحتجاج منهم ولا بمدافعة عقلية وإنما كانت بكفر وصرامة ~~وخذلان بحت في قولهم أخرجوهم وتعليلهم الإخراج ms1354 بتطهير المخرجين، والضمير ~~عائد على «لوط» وأهله وإن كان لم يجر لهم ذكر فإن المعنى يقتضيهم، وروي أنه ~~لم يكن معه غير ابنتيه وعلى هذا عني في الضمير هو وابنتاه، ويتطهرون معناه ~~يتنزهون عن حالنا وعادتنا، قال مجاهد معناه يتطهرون عن أدبار الرجال ~~والنساء، قال قتادة: عابوهم بغير عيب وذموهم بغير ذم، والخلاف في أهله ~~حسبما تقدم. # واستثنى الله امرأة «لوط» عليه السلام من الناجين وأخبر أنها هلكت، ~~والغابر الباقي هذا المشهور في اللغة، ومنه غير الحيض كما قال أبو كبير ~~الهذلي: [الكامل] # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد من ضعة وداء مغيل # وغبر اللبن في الضرع بقيته، فقال بعض المفسرين: كانت من الغابرين في ~~العذاب والعقاب أي مع الباقين ممن لم ينج، وقال أبو عبيدة معمر: ذكرها الله ~~بأنها كانت ممن أسن وبقي من عصره إلى عصر غيره فكانت غابرة إلى أن هلكت مع ~~قومها. # قال القاضي أبو محمد: فكأن قوله: إلا امرأته اكتفى به في أنها لم تنج ثم ~~ابتدأ وصفها بعد ذلك بصفة لا تتعلق بها النجاة ولا الهلكة، والأول أظهر، ~~وقد يجيء الغابر بمعنى الماضي، وكذلك حكى أهل اللغة غير بمعنى بقي وبمعنى ~~مضى، وأما قول الأعشى: [السريع] # عض بما أبقى المواسي له ... من أمه في الزمن الغابر # فالظاهر أنه أراد الماضي وذلك بالنسبة إلى وقت الهجاء، ويحتمل أن يريد في ~~الزمن الباقي وذلك بالنسبة إلى الحين هو غابر بعد الإبقاء، ويحتمل أن يعلق ~~في الزمن بعض فيكون الباقي على الإطلاق والأول أظهر. # وقوله تعالى: وأمطرنا عليهم الآية، نص على إمطار وتظاهرت الآيات في غير ~~هذه السورة أنه PageV02P425 # بحجارة، وروي أن الله عز وجل بعث جبريل فاقتلعها بجناحه وهي ست مدن، وقيل ~~خمس، وقيل أربع، فرفعها حتى سمع أهل السماء نهاق الحمير وصراخ الديكة ثم ~~عكسها ورد أعلاها أسفلها وأرسلها إلى الأرض. وتبعتهم الحجارة مع هذا فأهلكت ~~من كان منهم في سفر أو خارجا عن البقع المرفوعة، وقالت امرأة لوط حين سمعت ~~الرجة: ووا قوماه والتفتت ms1355 فأصابتها صخرة فقتلتها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 86] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا ~~بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ ~~كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) # قيل في مدين إنه اسم بلد وقطر، وقيل اسم قبيلة، وقيل هم من ولد «مدين» بن ~~إبراهيم الخليل، وروي أن لوط عليه السلام هو جد شعيب لأمه، وقال مكي كان ~~زوج بنت لوط، ومن رأى مدين اسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي، ومن رآه ~~اسما للقبيلة أو الأرض فهو أحرى ألا يصرف، وقوله: أخاهم منصوب بقوله أرسلنا ~~[الأعراف: 59] في أول القصص، وهذا يؤيد أن لوطا [الأعراف: 80] به انتصب، ~~وأن اللفظ مستمر، وهذه الأخوة في القرابة، وقد تقدم القول في غيره وغيره، ~~والبينة إشارة إلى معجزته وإن كنا نحن لم ينص لنا عليها، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن: «قد جاءتكم آية من ربكم» مكان بينة وقوله: فأوفوا الكيل أمر لهم ~~بالاستقامة في الإعطاء وهو بالمعنى في الأخذ والإعطاء، وكانت هذه المعصية ~~قد فشت فيهم في ذلك الزمن وفحشت مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه وتبخسوا ~~معناه تظلموا. ومنه قولهم: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة خادعة، وأشياءهم ~~يريد أموالهم وأمتعتهم مما يكال أو يوزن، وقوله: # ولا تفسدوا لفظ عام دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام والمفسرون ~~نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح، ~~وقوله: ذلكم خير لكم أي نافع عند الله مكسب فوزه ورضوانه بشرط الإيمان ~~والتوحيد وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان. # وقوله: ولا تقعدوا بكل صراط الآية، قال السدي هذا نهي عن العشارين ~~والمتقبلين ونحوه من أخذ أموال الناس بالباطل، والصراط: الطريق وذلك أنهم ~~كانوا يكثرون من هذا لأنه من ms1356 قبيل: خسهم ونقصهم الكيل والوزن، وقال أبو ~~هريرة رضي الله عنه، هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم روي ~~في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وما تقدم قبل من النهي في شأن المال في الموازين ~~والأكيال والنحس يؤيد PageV02P426 # هذين القولين ويشبههما، وفي هذا كله توعد للناس إن لم يتركوا أموالهم ~~وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي أيضا، قوله: ولا تقعدوا نهي لهم عما ~~كانوا يفعلونه من رد الناس عن شعيب، وذلك أنهم كانوا يقعدون على الطرقات ~~المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون إنه كذاب ~~فلا تذهب إليه على نحو ما كانت قريش تفعله مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وما بعد هذا من ألفاظ الآية يشبه هذا القول، وقوله ~~تعالى: وتصدون عن سبيل الله من آمن الآية المعنى وتفتنون من آمن وتصدونه عن ~~طريق الهدى وسبيل الله المفضية إلى رحمته، والضمير في به يحتمل: أن يعود ~~على اسم الله وأن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطرق للرد عن ~~شعيب، وأن يعود على السبيل في لغة من يذكر «السبيل» ، وتقدم القول في مثل ~~قوله: # وتبغونها عوجا في صدر السورة، وقال أبو عبيدة والزجاج كسر العين في ~~المعاني وفتحها في الأجرام، ثم عدد عليهم نعم الله تعالى وأنه كثرهم بعد ~~قلة عدد، وقيل: أغناهم بعد فقر، فالمعنى على هذا: إذ كنتم قليلا قدركم، ثم ~~حذرهم ومثل لهم بمن امتحن من الأمم السابقة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 87 الى 89] # وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو ~~كنا كارهين (88) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا ~~الله منها وما يكون لنا ms1357 أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل ~~شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفاتحين (89) # المعنى: وإن كنتم يا قوم قد اختلفتم علي وشعبتم بكفركم أمري فآمنت طائفة ~~وكفرت طائفة فاصبروا أيها الكفرة حتى يأتي حكم الله بيني وبينكم، وفي قوله: ~~فاصبروا قوة التهديد والوعيد، هذا ظاهر الكلام وأن المخاطبة بجميع الآية ~~للكفار، وحكى منذر بن سعيد عن ابن عباس أن الخطاب بقوله: # فاصبروا للمؤمنين على معنى الوعد لهم، وقاله مقاتل بن حيان، قال النقاش ~~وقال مقاتل بن سليمان المعنى «فاصبروا» يا معشر الكفار. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول الجماعة. # وتقدم القول في معنى الملأ ومعنى الاستكبار، وقولهم: لنخرجنك يا شعيب ~~تهديد بالنفي، والقرية المدينة الجامعة للناس لأنها تقرت أي اجتمعت، وقولهم ~~أو لتعودن في ملتنا معناه أو لتصيرن، وعاد: تجيء في كلام العرب على وجهين. ~~أحدهما عاد الشيء إلى حال قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذه الجهة لا تتعدى ~~فإن عديت فبحرف، ومنه قول الشاعر: [السريع] # إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضرة PageV02P427 # ومنه قول الآخر: [الطويل] # ألا ليت أيام الشباب جديد ... وعصرا تولى يا بثين يعود # ومنه قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا [الأنعام: 28] ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب # والوجه الثاني أن تكون بمعنى صار وعاملة عملها ولا تتضمن أن الحال قد ~~كانت متقدمة. ومن هذه قول الشاعر: [البسيط] # تلك المكارم لاقعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # ومنه قول الآخر: [الرجز] وعاد رأسي كالثغامة ومنه قوله تعالى: حتى عاد ~~كالعرجون القديم [يس: 39] على أن هذه محتملة، فقوله في الآية أو لتعودن ~~وشعيب عليه السلام لم يكن قط كافرا يقتضي أنها بمعنى صار، وأما في جهة ~~المؤمنين بعد كفرهم فيترتب المعنى الآخر ويخرج عنه «شعيب» إلا أن يريدوا ~~عودته إلى حال سكوته قبل أن يبعث، وقوله أولو كنا كارهين توقيف منه لهم ms1358 على ~~شنعة المعصية وطلب أن يقروا بألسنتهم بإكراه المؤمنين بالله على الإخراج ~~ظلما وغشما. # والظاهر في قوله: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم أنه خبر منه ~~أي لقد كنا نواقع عظيما ونفتري على الله الكذب في الرجوع إلى الكفر، ويحتمل ~~أن يكون على جهة القسم الذي هو في صيغة الدعاء، مثل قول الشاعر: بقيت وفري. # وكما تقول «افتريت على الله» إن كلمت فلانا، وافترينا معناه شققنا بالقول ~~واختلفنا. ومنه قول عائشة: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد ~~أعظم على الله الفرية، ونجاة «شعيب» من ملتهم كانت منذ أول أمره، ونجاة من ~~آمن معه كانت بعد مواقعة الكفر، وقوله: إلا أن يشاء الله يحتمل أن يريد إلا ~~أن يسبق علينا من الله في ذلك سابق وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد. # قال القاضي أبو محمد: والمؤمنون هم المجوزون لذلك وشعيب قد عصمته النبوة، ~~وهذا أظهر ما يحتمل القول، ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد الله ~~به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات، فلما قال لهم: إنا لا نعود في ~~ملتكم ثم خشي أن يتعبد الله بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ملحد بذلك ويقول: ~~هذه عودة إلى ملتنا استثنى مشيئة الله تعالى فيما يمكن أن يتعبد به ويحتمل ~~أن يريد بذلك معنى الاستبعاد كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب وحتى ~~يلج الجمل في سم الخياط، وقد علم امتناع ذلك فهو إحالة على مستحيل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أن ~~الكفر والإيمان ليسا PageV02P428 # بمشيئة من الله تعالى فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه ~~المفسرون ولم يشعروا بما فيه، وقيل: إن هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدب. # قال القاضي أبو محمد: ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ولو ~~كان في الكلام إن شاء الله قوى هذا التأويل، وقوله: وسع ربنا كل شيء علما ~~معناه: وسع علم ربنا كل شيء كما تقول: ms1359 تصبب زيد عرقا أي تصبب عرق زيد، ووسع ~~بمعنى أحاط، وقوله: افتح معناه أحكم والفاتح والفتاح القاضي بلغة حمير، ~~وقيل بلغة مراد، وقال بعضهم: [الوافر] # ألا أبلغ بني عصم رسولا ... فإني عن فتاحتكم غني # وقال الحسن بن أبي الحسن: إن كل نبي أراد الله هلاك قومه أمره بالدعاء ~~عليهم ثم استجاب له فأهلكهم، وقال ابن عباس ما كنت أعرف معنى هذه اللفظة ~~حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك، وقوله على الله ~~توكلنا استسلام لله وتمسك بلفظه وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: إلا أن ~~يشاء الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 90 الى 93] # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) # هذه المقالة قالها الملأ لتباعهم وسائر الناس الذي يقلدونهم، والرجفة ~~الزلزلة الشديدة التي ينال معها الإنسان اهتزاز وارتعاد واضطراب. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت ب الرجفة وفرقة ~~بالظلة ويحتمل أن الظلة والرجفة كانتا في حين واحد، وروي أن الله تعالى بعث ~~شعيبا إلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل واحدة وكانوا ~~مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه المقاولة ~~المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم المدة فتح الله عليهم بابا من أبواب جهنم ~~فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فيها ريح طيبة ~~فوجدوا برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما اجتمعوا تحت الظلة وهي ~~تلك السحابة انطبقت عليهم فأهلكتهم، قال الطبري: # فبلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء قال لما رآها: ~~[البسيط] # يا قوم إن شعيبا مرسل فذروا ... عنكم سميرا وعمران بن شداد # إني أرى غيمة يا قوم قد طلعت ... تدعو بصوت ms1360 على ضمانة الواد # وإنه لن تروا فيها ضحاء غد ... إلا الرقيم يمشي بين انجاد PageV02P429 # وسمير وعمران كاهناهم والرقيم كلبهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا ذكر «شعيبا» قال: ذلك خطيب الأنبياء لقوله لقومه: وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت وإليه أنيب. [هود: 88] . # قال القاضي أبو محمد: يريد لحسن مراجعته وجميل تلطفه. وحكى الطبري عن أبي ~~عبد الله البجلي أنه قال: أبو جاد وهو زوحطي وكلمن وصعفض وقرست أسماء ملوك ~~مدين، وكان الملك يوم الظلة كلمن، فقالت أخته ترثيه: [مجزوء الرمل] # كلمن قد هد ركني ... هلكه وسط المحلة # سيد القوم اتساه ... حتف نار وسط ظله # جعلت نار عليهم ... دارهم كالمضمحله # قال القاضي أبو محمد: وهذه حكاية مظنون بها والله علم، وقد تقدم معنى ~~جاثمين. # وقوله: كأن لم يغنوا فيها لفظ فيه للإخبار عن قوة هلاكهم ونزول النقمة ~~بهم والتنبيه على العبرة بهم، ونحو هذا قول الشاعر: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # ويغنوا معناه يقيموا ويسكنوا. # قال القاضي أبو محمد: وغنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي ~~مقترنة بتنعم وعيش مرض، هذا الذي استقريت من الأشعار التي ذكرت العرب فيها ~~هذه اللفظة فمن ذلك قول الشاعر: # [الوافر] # وقد نغنى بها ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخذالا # ومنه قول الآخر: [الرمل] # ولقد يغنى بها جيرانك المس ... تمسكو منكم بعهد ووصال # أنشده الطبري، ومنه قول الآخر: [الطويل] ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ~~ومنه قول مهلهل: [الخفيف] # غنيت دارنا تهامة في الدهر ... وفيها بنو معد حلوا # ويشبه أن تكون اللفظة من الاستغناء، وأما قوله: كأن لم تغن بالأمس ففيه ~~هذا المعنى لأن المراد كأن لم تكن ناعمة نضرة مستقلة، ولا توجد فيما علمت ~~إلا مقترنة بهذا المعنى وأما قول الشاعر: [الطويل] # غنينا زمانا بالتصعلك والغنا ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر # فمعناه استغنينا بذلك ورضيناه مع أن هذه اللفظة ليست مقترنة بمكان. PageV02P430 # وقوله: يا ms1361 قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي إلى آخر الآية كلام يقتضي أن شعيبا ~~عليه السلام وجد في نفسه لما رأى هلاك قومه حزنا وإشفاقا إذ كان أمله فيهم ~~غير ذلك، فلما وجد ذلك طلب أن يثير في نفسه سبب التسلي عنهم والقسوة عليهم ~~فجعل يعدد معاصيهم وإعراضهم الذي استوجبوا به أن لا يتأسف عليهم، فذكر أنه ~~بلغ الرسالة ونصح، والمعنى فأعرضوا وكذبوا، ثم قال لنفسه لما نظرت في هذا ~~وفكرت فيه فكيف آسى على هؤلاء الكفرة، ويحتمل أن يقول هذه المقالة على نحو ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر، وقال مكي: وسار شعيب بمن معه ~~حتى سكن مكة إلى أن ماتوا بها، وآسى: # أحزن، وقرأ ابن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش: «إيسى» بكسر الهمزة وهي لغة ~~كما يقال أخال وأيمن، قال عبد الله ابن عمر لا أخاله، وقال ابنه عبد الله ~~بن عبد الله بن عمر في كتاب الحج لا أيمن وجميع ذلك في البخاري، وهذه اللغة ~~تطرد في العلامات الثلاث، همزة التكلم ونون الجماعة وتاء المخاطبة، ولا ~~يجوز ذلك في ياء الغائب كذا قال سيبويه، وأما قولهم من وجل ييجل فلعله من ~~غير هذا الباب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 96] # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا ~~الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا ~~يكسبون (96) # هذه الآية خبر من الله عز وجل أنه ما بعث نبيا في مدينة وهي «القرية» إلا ~~أخذ أهلها المكذبين له بالبأساء وهي المصائب في الأموال والهموم وعوارض ~~الزمن، والضراء وهي المصائب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود ~~وكثير من أهل اللغة، وحكي عن السدي ما يقتضي أن اللفظتين تتداخل فتقال كل ~~واحدة على المعنيين، ولعلهم ترج بحسب اعتقاد البشر وظنونهم، يضرعون أي ms1362 ~~ينقادون إلى الإيمان، وهكذا قولهم الحمى أضرعتني لك. # ثم قال تعالى أنه بعد إنفاذ الحكم في الأولين بدل للخلق مكان السيئة وهي ~~«البأساء» و «الضراء» الحسنة وهي «السراء» والنعمة، وهذا بحسب ما عند ~~الناس، وإلا فقد يجيء الأمر كما قال الشاعر: # [البسيط] # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما يصح مع النظر إلى الدار الآخرة والجزاء ~~فيها، والنعمة المطلقة هي التي لا عقوبة فيها: والبلوى المطلقة هي التي لا ~~ثواب عليها، وحتى عفوا معناه: حتى كثروا يقال عفا النبات والريش «يعفو» إذا ~~كثر نباته، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [الوافر] # ولكنها يعض السيف منها ... بأسوق عافيات الشحم كوم PageV02P431 # وعليه قوله صلى الله عليه وسلم «أحفوا الشوارب واعفوا اللحى» وعفا أيضا ~~في اللغة بمعنى درس وبلى فقال بعض الناس هي من الألفاظ التي تستعمل للضدين، ~~وأما قول زهير: # على آثار من ذهب العفاء فيحتمل ثلاثة معان الدعاء بالدرس، والإخبار به، ~~والدعاء بالنمو والنبات، كما يقال جادته الديم وسقته العهاد ولما بدل الله ~~حالهم بالخير لطفا بهم فنموا رأى الخلق بعد ذلك للكفر الذي هم فيه أن إصابة ~~الضراء والسراء إنما هي بالاتفاق، وليست بقصد كما يخبر النبي، واعتقدوا أن ~~ما أصابهم من ذلك إنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم فجعلوه مثالا، أي قد ~~أصاب هذا آباءنا فلا ينبغي لنا أن ننكره، فأخبر الله تعالى أنه أخذ هذه ~~الطوائف التي هذا معتقدها، وقوله بغتة أي فجأة وأخذة أسف وبطشا للشقاء ~~السابق لهم في قديم علمه، والسراء السرور والحبرة، وهم لا يشعرون معناه وهم ~~مكذبون بالعذاب لا يتحسسون لشيء منه ولا يستشعرونه باستذلال وغيره. # وقوله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا الآية المعنى في هذه الآية ~~أنهم لو كانوا ممن سبق في علم الله أن يكتسبوا الإيمان والطاعات ويتصفوا ~~بالتقى لتبع ذلك من فضل الله ورحمته وإنعامه ما ذكر من بركات المطر والنبات ~~ولكنهم لما كانوا ممن سبق كفرهم وتكذيبهم تبع ذلك ms1363 أخذ الله لهم بسوء ما ~~اجترموه، وكل مقدور، والثواب والعقاب متعلق بكسب البشر، وبسببه استندت ~~الأفعال إليهم في قوله: آمنوا واتقوا وفي كذبوا وقرأ الستة من القراء ~~السبعة «لفتحنا» بخفيف التاء وهي قراءة الناس، وقرأ ابن عامر وحده وعيسى ~~الثقفي وأبو عبد الرحمن: «لفتحنا» بتشديد التاء، وفتح البركات إنزالها على ~~الناس ومنه قوله تعالى: ما يفتح الله للناس من رحمة [فاطر: 2] ومنه قالت ~~الصوفية: الفتوح والبركات النمو والزيادات، ومن السماء لجهة المطر والريح ~~والشمس، ومن الأرض لجهة الإنبات والحفظ لما ينبت، هذا هو الذي يدركه نظر ~~البشر ولله خدام غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 97 الى 100] # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن أهل القرى ~~أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون (99) أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو ~~نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) # هذه الآية تتضمن وعيدا للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية قال: ومن يؤمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما ~~نزل بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأس: العذاب، وبياتا نصب على ~~الظرف أي وقت مبيتهم بالليل، ويحتمل أن يكون هذا في موضع الحال. PageV02P432 # وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر أوأمن بسكون الواو وإظهار الهمزتين، وقرأ ~~ورش عن نافع «أوامن» بفتح الواو وإلقاء حركة الهمزة الثانية عليها، وهذه ~~القراءة في معنى الأولى ولكن سهلت، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي، ~~«أو أمن» بفتح الواو وإظهار الهمزتين ومعنى هذه القراءة: أنه دخل ألف ~~الاستفهام على حرف العطف، ومعنى القراءة الأولى: أنه عطف با والتي هي لأحد ~~الشيئين، المعنى: أفأمنوا هذا أو هذا كما تقول: أجاء زيد أو عمرو وليست هذه ~~أو التي هي للإضراب عن الأول كما تقول: أنا أقوم أو أجلس وأنت تقصد الإضراب ~~عن القيام والإثبات ms1364 للجلوس وتقريره، وقولنا التي هي لأحد الشيئين يعم ~~الإباحة والتخيير كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين أو قولك: جالس الحسن أو ~~جالس ابن سيرين، وقوله يلعبون يريد في غاية الغفلة والإعراض. # ومكر الله هي إضافة مخلوق إلى الخالق كما تقول: ناقة الله وبيت الله، ~~والمراد فعل يعاقب به مكرة الكفار، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة الذنب فإن ~~العرب تسمي العقوبة على أي وجه كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، ~~وهذا نص في قوله ومكروا ومكر الله، وهذا الموضع أيضا كان كفرهم بعد الرسالة ~~وظهور دعوة الله مكر وخديعة واستخفاف، وقيل عومل في مثل هذا وغيره اللفظ ~~دون المعنى في مثل قوله الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] و «أن الله لا يمل ~~حتى تملوا» وغير ذلك. # وقوله أولم يهد للذين يرثون الأرض الآية، هذه ألف تقرير دخلت على واو ~~العطف، و «يهدي» معناه يبين والهدى الصباح وأنشدوا على ذلك: # حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة ... يسبحن في الآل غلفا أو يصلينا # ويحتمل أن يكون المبين الله تعالى ويحتمل أن يكون المبين قوله أن لو نشاء ~~أي علمهم بذلك وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: و «يهدي» معناه يتبين، وهذه ~~أيضا آية وعيد، أي ألم يظهر لوارث الأرض بعد أولئك الذين تقدم ذكرهم وما حل ~~بهم أنا نقدر لو شئنا أن نصيبهم إصابة إهلاك بسبب معاصيهم كما فعل بمن تقدم ~~وكنا نطبع: أي نختم، ونختم عليها بالشقاوة، وفي هذه العبارة ذكر القوم ~~الذين قصد ذكرهم وتعديد النعمة عليهم فيما «ورثوا» والوعظ بحال من سلف من ~~المهلكين، ونطبع عطف على المعاصي إذ المراد به الاستقبال، ويحتمل أن يكون ~~ونطبع منقطعا إخبارا عن وقوع الطبع لا أنه متوعد به ويبقى التوعد بالإهلال ~~الذي هو بعذاب كالصيحة والغرق ونحوه، وقرأ أبو عمرو: ونطبع على بإدغام ~~العين في العين وإشمام الضم، ذكره أبو حاتم. # وقوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 101 الى 102] # تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا ms1365 بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) # تلك ابتداء، والقرى قال قوم هو نعت والخبر نقص ويؤيد هذا أن القصد إنما ~~الإخبار بالقصص. PageV02P433 # قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن القرى هي خبر الابتداء، وفي ذلك ~~معنى التعظيم لها ولمهلكها، وهذا كما قيل في ذلك الكتاب [البقرة: 2] أنه ~~ابتداء وخبر، وكما قال صلى الله عليه وسلم «أولئك الملأ» ، وكقول أبي الصلت ~~تلك المكارم وهذا كثير، وكأن في اللفظ معنى التحسر على القرى المذكورة، ~~والمعنى: نقص عليك من أنباء الماضين لتتبين العبر وتعلم المثلات التي ~~أوقعها الله بالماضين ثم ابتدأ الخبر عن جميعهم بقوله ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام يحتمل أربعة وجوه من التأويل، أحدها أن ~~يريد أن الرسول جاء لكل فريق منهم فكذبوه لأول أمره ثم استبانت حجته وظهرت ~~الآيات الدالة على صدقه مع استمرار دعوته فلجوا هم في كفرهم ولم يؤمنوا بما ~~تبين به تكذيبهم من قبل، وكأنه وصفهم على هذا التأويل باللجاج في الكفر ~~والصرامة عليه ويؤيد هذا قوله كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ويحتمل في ~~هذا الوجه أن يكون المعنى فما كانوا ليؤمنوا أي ما كانوا ليوفقهم الله إلى ~~الإيمان بسبب أنهم كذبوا قبل فكان تكذيبهم سببا لأن يمنعوا الإيمان بعد، ~~والثاني من الوجوه أن يريد فما كان آخرهم في الزمن والعصر ليهتدي ويؤمن بما ~~كذب به أولهم في الزمن والعصر، بل كفر كلهم ومشى بعضهم عن سنن بعض في ~~الكفر. # قال القاضي أبو محمد: أشار إلى هذا القول النقاش، فكأن الضمير في قوله ~~كانوا يختص بالآخرين، والضمير في قوله كذبوا يختص بالقدماء منهم، والثالث ~~من الوجوه يحتمل أن يريد فما كان هؤلاء المذكورون بأجمعهم لو ردوا إلى ~~الدنيا ومكنوا من العودة ليؤمنوا بما كذبوا في حال حياتهم ودعاء الرسول ~~لهم، قاله مجاهد وقرنه بقوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ms1366 ~~[الأنعام: 28] وهذه أيضا صفة بليغة في اللجاج والثبوت على الكفر، بل هي ~~غاية في ذلك، والرابع من الوجوه أنه يحتمل أن يريد وصفهم بأنهم لم يكونوا ~~ليؤمنوا بما قد سبق في علم الله تعالى أنهم مكذبون به، فجعل سابق القدر ~~عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت ~~مجيء الرسل، وذكر هذا التأويل المفسرون وقرنوه بأن الله عز وجل حتم عليهم ~~التكذيب وقت أخذ الميثاق، وهو قول أبي بن كعب. # وقوله تعالى: وما وجدنا لأكثرهم من عهد الآية، أخبر تعالى أنه لم يجد ~~لأكثرهم ثبوتا على العهد الذي أخذه على ذرية آدم وقت استخراجهم من ظهره، ~~قاله أبو العالية عن أبي بن كعب، ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن أنهم لم ~~يصرفوا عقولهم في الآيات المنصوبة ولا شكروا نعم الله ولا قادتهم معجزات ~~الأنبياء، لأن هذه الأمور عهد في رقاب العقلاء كالعهود ينبغي أن يوفى بها، ~~وأيضا فمن لدن آدم تقرر العهد الذي هو بمعنى الوصية وبه فسر الحسن هذه ~~الآية فيجيء المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزام عهد وقبول وصاة، ذكره ~~المهدوي، ومن في هذه الآية زائدة، إلا أنها تعطي استغراق جنس العهد ولا ~~تجيء هذه إلا بعد النفي، وإن هي المخففة من الثقيلة عند سيبويه، واللام في ~~قوله لفاسقين للفرق بين إن المخففة وغيرها، وإن عند الفراء هي بمعنى ما ~~واللام بمعنى إلا والتقدير عنده وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين. # قوله عز وجل: PageV02P434 ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 108] # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ~~(104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل ~~معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ~~(106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) # الضمير في قوله من بعدهم عائد على الأنبياء المتقدم ms1367 ذكرهم وعلى أممهم، و ~~«الآيات» في هذه الآية عام في التسع وغيرها، وقوله فظلموا بها المعنى ~~فظلموا أنفسهم فيها وبسببها وظلموا أيضا مظهرها، ومتبعي مظهرها وقيل لما ~~نزلت ظلموا منزلة كفروا وجحدوا عديت بالباء كما قال: [الفرزدق] # قد قتل الله زيادا عني # فأنزل قتل منزلة صرف، ثم حذر الله من عاقبة المفسدين الظالمين وجعلهم ~~مثالا يتوعد به كفرة عصر النبي صلى الله عليه وسلم. # وفرعون اسم كل ملك لمصر في ذلك الزمان فخاطبه موسى بأعظم أسمائه وأحبها ~~إليه إذ كان من الفراعنة كالنمارذة في يونان وقيصر في الروم وكسرى في فارس ~~والنجاشي في الحبشة، وروي أن موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، وروي أن اسم فرعون موسى عليه السلام الوليد ~~بن مصعب، وقيل هو فرعون يوسف وأنه عمر نيفا وأربعمائة سنة. # قال القاضي أبو محمد: ومن قال إن يوسف المبعوث الذي أشار إليه موسى في ~~قوله ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات [غافر: 34] هو غير يوسف الصديق فليس ~~يحتاج إلى نظر، ومن قال إنه يوسف الصديق فيعارضه ما يظهر من قصة يوسف، وذلك ~~أنه ملك مصر بعد عزيزها، فكيف يستقيم أن يعيش عزيزها إلى مدة موسى، فينفصل ~~أن العزيز ليس بفرعون الملك إنما كان حاجبا له. # وقرأ نافع وحده على بإضافة «على» إليه، وقرأ الباقون «على» سكون الياء، ~~قال الفارسي: معنى هذه القراءة أن «على» وضعت موضع الباء، كأنه قال حقيق ~~بأن لا أقول على الله الحق كما وضعت الباء موضع «على» في قوله ولا تقعدوا ~~بكل صراط [الأعراف: 86] فيتوصل إلى المعنى بهذه، وبهذه وكما تجيء «على» ~~أيضا بمعنى عن، ومنه قول الشاعر في صفة قوسه: # أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وإصبع # قال القاضي أبو محمد: وحقيق على هذا معناه جدير وخليق، وقال الطبري: قال ~~قوم: حقيق معناه حريص فلذلك وصلت ب على، وفي هذا القول بعد، وقال قوم: حقيق ~~صفة لرسول تم عندها الكلام، وعلى خبر مقدم ms1368 وأن لا أقول ابتداء تقدم خبره، ~~وإعراب أن على قراءة من سكن الياء خفض، وعلى قراءة من فتحها مشددة رفع، ~~وقال الكسائي في قراءة عبد الله «حقيق بأن لا أقول» ، وقال أبو PageV02P435 # عمرو في قراءة عبد الله: «حقيق أن أقول» وبه قرأ الأعمش، وهذه المخاطبة ~~إذا تأملت غاية في التلطف ونهاية في القول اللين الذي أمر عليه السلام به. # وقوله قد جئتكم ببينة من ربكم الآية، البينة هنا إشارة إلى جميع آياته ~~وهي على المعجزة هنا أدل، وهذا من موسى عرض نبوته ومن فرعون استدعاء خرق ~~العادة الدال على الصدق. # وظاهر الآية وغيرها أن موسى عليه السلام لم تنبن شريعته إلا على بني ~~إسرائيل فقط، ولم يدع فرعون وقومه إلا إلى إرسال بني إسرائيل، وذكره لعله ~~يخشى أو يزكى ويوحد كما يذكر كل كافر، إذ كل نبي داع إلى التوحيد وإن لم ~~يكن آخذا به ومقاتلا عليه، وأما إن دعاه إلى أن يؤمن ويلتزم جميع الشرع فلم ~~يرد هذا نصا، والأمر محتمل، وبالجملة فيظهر فرق ما بين بني إسرائيل وبين ~~فرعون والقبط، ألا ترى أن بقية القبط وهم الأكثر لم يرجع إليهم موسى أبدا ~~ولا عارضهم وكان القبط مثل عبدة البقر وغيرهم وإنما احتاج إلى محاورة فرعون ~~لتملكه على بني إسرائيل. # وقوله تعالى: فألقى عصاه الآية، روي أن موسى عليه السلام قلق به ~~وبمحاورته فرعون فقال لأعوانه خذوه فألقى موسى العصا فصارت ثعبانا وهمت ~~بفرعون فهرب منها، وقال السدي: إنه أحدث وقال يا موسى كفه عني فكفه، وقال ~~نحوه سعيد بن جبير. # و «إذا» ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد من حيث كانت خبرا عن جثة، ~~والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرف زمان في كل موضع، ويقال: إن الثعبان وضع ~~أسفل لحييه في الأرض وأعلاها في شرفات القصر، والثعبان الحية الذكر، وهو ~~أهول وأجرأ، قاله الضحاك، وقال قتادة صارت حية أشعر ذكرا، وقال ابن عباس: ~~غرزت ذنبها في الأرض ورفعت صدرها إلى فرعون، وقوله مبين معناه لا تخييل فيه ms1369 ~~بل هو بين أنه حقيقة، وهو من أبان بمعنى بان أو من بان بمعنى سلب عن ~~أجزائه، وقوله ونزع يده # ، معناه من جيبه أو كمه حسب الخلاف في ذلك، وقوله فإذا هي بيضاء قال ~~مجاهد كاللبن أو أشد بياضا، وروي أنها كانت تظهر منيرة شفافة كالشمس تأتلق، ~~وكان موسى عليه السلام ذا دم أحمر إلى السواد، ثم كان يرد يده فترجع إلى ~~لون بدنه. # قال القاضي أبو محمد: وهاتان الآيتان عرضهما موسى عليه السلام للمعارضة ~~ودعا إلى الله بهما، وخرق العادة بهما وتحدى الناس إلى الدين بهما، فإذا ~~جعلنا التحدي الدعاء إلى الدين مطلقا فبهما تحدى، وإذا جعلنا التحدي الدعاء ~~بعد العجز عن معارضة المعجزة وظهور ذلك فتنفرد حينئذ العصا بذلك لأن ~~المعارضة والعجز فيها وقعا. # قال القاضي أبو محمد: ويقال التحدي هو الدعاء إلى الإتيان بمثل المعجزة، ~~فهذا نحو ثالث وعليه يكون تحدي موسى بالآيتين جميعا لأن الظاهر من أمره أنه ~~عرضهما للنظر معا وإن كان لم ينص على الدعاء إلى الإتيان بمثلها، وروي عن ~~فرقد السبخي أن فم الحية كان ينفتح أربعين ذراعا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 109 الى 116] # قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) يأتوك ~~بكل ساحر عليم (112) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين (113) # قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن ~~نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ~~وجاؤ بسحر عظيم (116) PageV02P436 # الساحر كان عندهم في ذلك الزمن أعلى المراتب وأعظم الرجال، ولكن وصفهم ~~موسى بذلك مع مدافعتهم له عن النبوة ذم عظيم وحط، وذلك قصدوا إذ لم يمكنهم ~~أكثر، وقولهم يريد أن يخرجكم من أرضكم يعنون بأنه يحكم فيكم بنقل رعيتكم في ~~بني إسرائيل فيفضي ذلك إلى خراب دياركم إذا ذهب الخدمة والعمرة، وأيضا فلا ~~محالة أنهم خافوا أن يقاتلهم وجالت ظنونهم ms1370 كل مجال، وقال النقاش: كانوا ~~يأخذون من بني إسرائيل خرجا كالجزية فرأوا أن ملكهم يذهب بزوال ذلك، وقوله ~~فماذا تأمرون الظاهر أنه من كلام الملأ بعضهم إلى بعض، وقيل هو من كلام ~~فرعون لهم، وروى كردم عن نافع «تأمرون» بكسر النون، وكذلك في الشعراء و ~~«في» استفهام و «ذا» بمعنى الذي فهما ابتداء وخبر، وفي تأمرون ضمير عائد ~~على الذي تقديره تأمرون به ويجوز أن تجعل فماذا بمنزلة اسم واحد في موضع ~~نصب ب تأمرون ولا يضمر فيه على هذا، قال الطبري: والسحر مأخوذ من سحر المطر ~~الأرض إذا جادها حتى يقلب نباتها ويقلعه من أصوله فهو يسحرها سحرا والأرض ~~مسحورة. # قال القاضي أبو محمد: وإنما سحر المطر الطين إذا أفسده حتى لا يمكن فيه ~~عمل، والسحر الآخذة التي تأخذ العين حتى ترى الأمر غير ما هو، وربما سحر ~~الذهن، ومنه قول ذي الرمة: [الوافر] # وساحرة السراب من الموامي ... يرقص في نواشزها الأروم # أراد أنه يخيل نفسه ماء للعيون. # ثم أشار الملأ على فرعون بأن يؤخر موسى وهارون ويدع النظر في أمرهما ~~ويجمع السحرة من كل مكان حتى تكون غلبة موسى بحجة واضحة معلومة بينة، وقرأ ~~ابن كثير «أرجئهو» بواو بعد الهاء المضمومة وبالهمز قبل الهاء، وقرأ أبو ~~عمرو «أرجئه» بالهمز، دون واو بعدها وقرأ نافع وحده في رواية قالون: «أرجه» ~~بكسر الهاء، ويحتمل أن يكون المعنى: أخره فسهل الهمزة، ويحتمل من الرجا ~~بمعنى أطعمه ورجه قاله المبرد، وقرأ ورش عن نافع: «أرجهي» بياء بعد كسرة ~~الهاء، وقرأ ابن عامر: «أرجئه» بكسر الهاء وبهمزة قبلها، قال الفارسي وهذا ~~غلط وقرأ عاصم والكسائي «أرجه» بضم الهاء دون همز، وروى أبان عن عاصم: # «أرجه» بسكون الهاء وهي لغة تقف على هاء الكناية إذا تحرك ما قبلها، ومنه ~~قول الشاعر: [منظور بن حبة الأسدي] # أنحى علي الدهر رجلا ويدا ... يقسم لا أصلح إلا أفسدا # فيصلح اليوم ويفسد غدا. PageV02P437 # وقال الآخر: # لما رأى أن لا دعة ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقق فاضطجع # وحكى ms1371 النقاش أنه لم يكن يجالس فرعون ولد غية وإنما كانوا أشرافا ولذلك ~~أشاروا بالإرجاء ولم يشيروا بالقتل وقالوا: إن قتلته دخلت على الناس شبهة ~~ولكن اغلبه بالحجة، والمدائن جمع مدينة وزنها فعيلة من مدن أو مفعلة من دان ~~يدين وعلى هذا يهمز مدائن أو لا يهمز، وحاشرين معناه جامعين، قال المفسرون: ~~وهم الشرط، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «بكل ساحر» ، ~~وقرأ حمزة والكسائي: «بكل سحار» على بناء المبالغة وكذلك في سورة يونس، ~~وأجمعوا على «سحار» في سورة الشعراء، وقال قتادة: معنى الإرجاء الذي أشاروا ~~إليه السجن والحبس. # وقوله تعالى: وجاء السحرة الآية، هنا محذوفات يقتضيها ظاهر الكلام وهي ~~أنه بعث إلى السحرة وأمرهم بالمجيء، وقال ابن عباس أنه بعث غلمانا فعلموا ~~بالفرما وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حفص «أن لنا لأجرا» على جهة ~~الخبر، وقرأوا في الشعراء إن لنا ممدودة مفتوحة الألف غير عاصم فإنه لا ~~يمدها، قال أبو علي ويجوز أن تكون على جهة الاستفهام وحذف ألفها، وقد قيل ~~ذلك في قوله أن عبدت بني إسرائيل [الشعراء: 22] ومنه قول الشاعر: [حضرمي بن ~~عامر] . # أفرح أن أرزأ الكرام وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي هنا وفي الشعراء ~~«آإن» بألف الاستفهام قبل «إن» ، وقرأت فرقة «أئن» دون مد، وقرأ أبو عمرو ~~هنا وفي الشعراء «أئن» ، والأجر هنا الاجرة فاقترحوها إن غلبوا فأنعم فرعون ~~لهم بها وزادهم المنزلة والجاه، ومعناه المقربين مني، وروي أن السحرة الذين ~~جاءوا إلى فرعون كانوا خمسة عشر ألفا قاله ابن إسحاق، وقال ابن جريج كانوا ~~تسعمائة، وذكر النقاش أنهم كانوا اثنين وسبعين رجلا، وقال عكرمة: كانوا ~~سبعين ألفا قال محمد بن المنكدر كانوا ثمانين ألفا، وقال السدي مائتي ألف ~~ونيفا. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال ليس لها سند يوقف عنده، وقال كعب ~~الأحبار: اثني عشر ألفا، وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل مع كل رجل ~~حبل وعصا، وقال أبو ثمامة: كانوا سبعة عشر ألفا. # وقوله تعالى: قالوا يا موسى ms1372 إما أن تلقي الآية، أن في قوله إما أن في ~~موضع نصب أي إما أن تفعل الإلقاء، ويحتمل أن تكون في موضع رفع أي إما هو ~~الإلقاء، وخير السحرة موسى في أن يتقدم في الإلقاء أو يتأخر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا فعل المدل الواثق بنفسه، والظاهر أن التقدم في ~~التخيلات والمخارق والحج، لأن بدليتهما تمضي بالنفس، فليظهر الله أمر نبوة ~~موسى قوى نفسه ويقينه ووثق بالحق فأعطاهم التقدم فنشطوا وسروا حتى أظهر ~~الله الحق وأبطل سعيهم. # وقوله تعالى: سحروا أعين الناس نص في أن لهم فعلا ما زائدا على ما ~~يحدثونه من التزيق PageV02P438 # والآثار في العصا وسائر الأجسام التي يصرفون فيها صناعتهم واسترهبوهم ~~بمعنى أرهبوهم أي فزعوهم فكأن فعلهم اقتضى واستدعى الرهبة من الناس، ووصف ~~الله سحرهم بالعظم، ومعنى ذلك من كثرته، وروي أنهم جلبوا ثلاثمائة وستين ~~بعيرا موقرة بالحبال والعصي فلما ألقوها تحركت وملأت الوادي يركب بعضها ~~بعضا، فاستهول الناس ذلك واسترهبوهم، قال الزجاج: قيل إنهم جعلوا فيها ~~الزئبق فكانت لا تستقر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 117 الى 124] # وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق ~~وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي ~~السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) # رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر ~~مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) # أن في موضع نصب ب أوحينا أي بأن ألق، ويحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي فلا ~~يكون لها موضع من الإعراب، وروي أن موسى لما كان يوم الجمع خرج متكئا على ~~عصاه ويده في يد أخيه وقد صف له السحرة في عدد عظيم حسبما ذكر، فلما ألقوا ~~واسترهبوا أوحى الله إليه، فألقى فإذا هي ثعبان مبين، فعظم حتى كان كالجبل، ~~وقيل إنه طال حتى جاز النيل، وقيل كان الجمع بالإسكندرية وطال حتى جاز ~~مدينة البحيرة، وقيل كان الجمع بمصر ms1373 وإنه طال حتى جاز بذنبه بحر القلزم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد من الصواب مفرط الإغراق لا ينبغي أن ~~يلتفت إليه، وروي أن السحرة لما ألقوا وألقى موسى عصاه جعلوا يرقون وجعلت ~~حبالهم وعصيهم تعظم وجعلت عصى موسى تعظم حتى سدت الأفق وابتلعت الكل ورجعت ~~بعد ذلك عصا فعندها آمن السحرة، وروي أن عصا موسى كانت عصا آدم عليها ~~السلام وكانت من الجنة، وقيل كانت من العين الذي في وسط ورق الريحان، وقيل ~~كانت غصنا من الخبيز أو قيل كانت لها شعبتان وقيل كانت عصا الأنبياء مختزنة ~~عند شعيب فلما استرعى موسى قال له اذهب فخذ عصا فذهب إلى البيت فطارت هذه ~~إلى يده فأمره شعيب بردها وأخذ غيرها ففعل فطارت هي إلى يده فأخبر بذلك ~~شعيبا وتركها له، وقال ابن عباس: إن ملكا من الملائكة دفع العصا إلى موسى ~~في طريق مدين، وتلقف معناه تبتلع وتزدرد، وما يأفكون معناه: ما صوروا فيه ~~إفكهم وكذبهم، وقرأ جمهور الناس «تلقف» ، وقرأ عاصم في رواية حفص «تلقف» ~~بسكون اللام وفتح القاف، وقرأ ابن كثير في بعض ما روي عنه «هي تلقف» بتشديد ~~التاء على إدغام التاء من تتلقف، وهذه القراءة لا تترتب إلا في الوصول، ~~وأما في الابتداء في الفعل فلا يمكن، وقرأ سعيد بن جبير «تلقم» بالميم أي ~~تبتلع كاللقمة، وروي أن الثعبان استوفى تلك الحبال والعصي أكلا وأعدمها ~~الله عز وجل، ومد موسى يده إلى فمه فعاد عصا كما كان، فعلم السحرة حينئذ أن ~~ذلك ليس من عند البشر فخروا سجدا مؤمنين بالله ورسوله. PageV02P439 # وقوله تعالى: فوقع الحق الآية، «وقع» معناه نزل ووجد، والحق يريد به سطوع ~~البرهان وظهور الإعجاز واستمر التحدي إلى الدين على جميع العالم، وما كانوا ~~يعملون لفظ يعم سحر السحرة وسعي فرعون وشيعته. # والضمير في قوله فغلبوا عائد على «جميعهم» من سحرة وسعي فرعون وشيعته، ~~وفي قوله وانقلبوا صاغرين إن قدرنا انقلاب الجمع قبل إيمان السحرة فهم في ~~الضمير وإن قدرناه بعد إيمانهم فليسوا ms1374 في الضمير ولا لحقهم صغار يصفهم الله ~~به لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم. # وقوله تعالى: وألقي السحرة ساجدين الآيات، لما رأى السحرة من عظيم القدرة ~~وما تيقنوا به نبوة موسى آمنوا بقلوبهم وانضاف إلى ذلك الاستهوال ~~والاستعظام والفزع من قدرة الله تعالى فخروا سجدا لله تعالى متطارحين ~~وآمنوا نطقا بألسنتهم، وتبينهم الرب بذكر موسى وهارون زوال عن ربوبية فرعون ~~وما كان يتوهم فيه الجهال من أنه رب الناس، وهارون أخو موسى أسن منه بثلاث ~~سنين، وقول فرعون قبل أن آذن لكم دليل على وهن أمره لأنه إنما جعل ذنبهم ~~مفارقة الإذن ولم يجعله نفس الإيمان إلا بشرط، وقرأ عاصم في رواية حفص عنه ~~في كل القرآن «آمنتم» على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «آمنتم» ~~بهمزة ومدة على الاستفهام وكذلك في طه والشعراء، وقرأ حمزة والكسائي في ~~الثلاثة المواضيع «أآمنتم» بهمزتين الثانية ممدودة، ورواها الأعمش عن أبي ~~بكر عن عاصم، وقرأ ابن كثير في رواية أبي الأخريط عنه «وآمنتم» وهي على ألف ~~الاستفهام إلا أنه سهلها واوا فأجرى المنفصل مجرى المتصل في قولهم تودة في ~~تؤدة، وقرأ قنبل عن القواس «وآمنتم» وهي على القراءة بالهمزتين «اآمنتم» ~~إلا أنه سهل ألف الاستفهام واوا وترك ألف أفعلتم على ما هي عليه، والضمير ~~في به يحتلم أن يعود على اسم الله تعالى، ويحتمل أن يعود على موسى عليه ~~السلام، وعنفهم فرعون على الإيمان قبل إذنه ثم ألزمهم أن هذا كان على اتفاق ~~منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس وابن مسعود: أن موسى اجتمع مع رئيس السحرة ~~واسمه شمعون فقال له موسى: أرأيت إن غلبتكم أتؤمنون بي فقال له نعم، فعلم ~~بذلك فرعون، فلذلك قال إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ثم قال للسحرة ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم الآية، فرجع فرعون في مقالته هذه إلى الخذلان والغشم ~~وعادة ملوك السوء إذا غولبوا، وقرأ حميد المكي وابن محصن ومجاهد «لأقطعن» ~~بفتح الهمزة والطاء وإسكان القاف، «ولأصلبن» بفتح الهمزة وإسكان الصاد وضم ~~اللام، وروي ms1375 بكسرها، ومن خلاف معناه يمنى ويسرى. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر من هذه الآيات أن فرعون توعد وليس في ~~القرآن نص على أنه أنفذ ذلك وأوقعه، ولكنه روي أنه صلب بعضهم وقطع، قال ابن ~~عباس: فرعون أول من صلب وقطع من خلاف، وقال ابن عباس وغيره فيهم: أصبحوا ~~سحرة وأمسوا شهداء، وأما التوعد فلجميعهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 125 الى 127] # قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا ~~لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) وقال الملأ من قوم ~~فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) PageV02P440 # هذا تسليم من مؤمني السحرة، واتكال على الله، وثقة بما عنده. # وقرأ جمهور الناس «تنقم» بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسم وابن ~~أبي عبلة والحسن بن أبي الحسن «تنقم» بفتحها وهما لغتان، قال أبو حاتم: ~~الوجه في القراءة كسر القاف، وكل العلماء أنشد بيت ابن الرقيات: ما نقموا ~~من بني أمية، بفتح القاف ومعناه وما تعد علينا ذنبا وتؤاخذنا به؟ وقولهم ~~أفرغ علينا صبرا معناه عمنا كما يعم الماء من أفرغ عليه، وهي هنا مستعارة، ~~وقال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل، وحكى ~~النقاش عن مقاتل أنه قال: مكث موسى بمصر بعد إيمان السحرة عاما أو نحوه ~~يريهم الآيات. # وقول ملأ فرعون أتذر موسى وقومه مقالة تتضمن إغراء فرعون بموسى وقومه ~~وتحريضه على قتلهم أو تغيير ما بهم حتى لا يكون لهم خروج عن دين فرعون، ~~ومعنى أتذر موسى: أتترك، وقرأ جمهور الناس «ويذرك» بفتح الراء، ونصبه على ~~معنيين: أحدهما أن يقدر «وأن يذرك» فهي واو الصرف فكأنهم قالوا أتذره، وأن ~~يذرك أي أتتركه وتركك، والمعنى الآخر أن يعطف على قوله ليفسدوا وقرأ نعيم ~~بن ميسرة والحسن بخلاف عنه «ويذرك» بالرفع عطفا على قولهم أتذر، وقرأ ~~الأشهب العقيلي «ويذرك» بإسكان الراء وهذا على التحقيق من يذرك، وقرأ أنس ms1376 ~~بن مالك «وينذرك» بالنون ورفع الفعل على معنى توعد منهم أو على معنى إخبار ~~أن الأمر يؤول إلى هذا، وقرأ أبي بن كعب وعبد الله «في الأرض» وقد تركوك أن ~~يعبدوك وآلهتك» ، قال أبو حاتم وقرأ الأعمش «وقد تركك وآلهتك» ، وقرأ ~~السبعة وجمهور من العلماء «وآلهتك» على الجمع. # قال القاضي أبو محمد: وهذا على ما روي أن فرعون كان في زمنه للناس آلهة ~~من بقر وأصنام وغير ذلك، وكان فرعون قد شرع ذلك وجعل نفسه الإله الأعلى، ~~فقوله على هذا أنا ربكم الأعلى، إنما هو بمناسبة بينه وبين سواه من ~~المعبودات. # وقيل: إن فرعون كان يعبد حجرا كان يعلقه في صدره كياقوتة أو نحوها، قال ~~الحسن: كان لفرعون حنانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد لها، وقال سليمان ~~التيمي: بلغني أنه كان يعبد البقر، ذكره أبو حاتم وقرأ ابن عباس وعلي بن ~~أبي طالب وابن مسعود وأنس بن مالك وجماعة وغيرهم، وآلهتك أي وعبادتك ~~والتذلل لك، وزعمت هذه الفرقة: أن فرعون لم يبح عبادة شيء سواه وأنه في ~~قوله: الأعلى إنما أراد: # الأعظم والأكبر دون مناسبة، قال ابن عباس: كان فرعون يعبد ولا يعبد، وقرأ ~~ابن كثير «سنقتل» بالتخفيف و «يقتلون» بالتشديد وخففهما جميعا نافع وقرأ ~~أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: «يقتلون» و «سنقتل» بالتشديد على ~~المبالغة، والمعنى سنستمر على ما كنا عليه من تعذيبهم وقطعهم. # وقوله تعالى: وإنا فوقهم قاهرون يريد في المنزلة والتمكن من الدنيا، ~~وقاهرون يقتضي تحقير أمرهم أي هم أقل من أن يهتم بهم. PageV02P441 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 128 الى 130] # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من ~~عباده والعاقبة للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ~~(129) ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) # لما قال فرعون سنقتل أبناءهم وتوعدهم قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل ~~يثبتهم ويعدهم ms1377 عند الله استعينوا بالله واصبروا وظاهر هذا الكلام كله وعد ~~بغيب فكأن قوته تقتضي أنه من عند الله وليس في اللفظ شيء من ذلك والأرض أرض ~~الدنيا وهو الأظهر، وقيل المراد هنا أرض الجنة، وأما في الثانية فأرض ~~الدنيا لا غير، وقرأت فرقة «يورثها» بفتح الراء، وقرأ السبعة «يورثها» ~~ساكنة الواو خفيفة الراء مكسورة، وروى حفص عن عاصم وهي قراءة الحسن ~~«يورثها» بتشديد الراء على المبالغة، والصبر في هذه الآية يعم الانتظار ~~الذي هو عبادة والصبر في المناجزات. # وقولهم: من قبل أن تأتينا يعنون به الذبح الذي كان فالمدة التي كان فرعون ~~يتخوف فيها أن يولد المولود الذي يخرب ملكه، والذي من بعد مجيئه يعنون به ~~وعيد فرعون وسائر ما كان خلال تلك المدة من الإخافة لهم، وقال السدي وابن ~~عباس رضي الله عنه: إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة حين اتبعهم فرعون ~~واضطرهم إلى البحر فضاقت صدورهم ورأوا بحرا أمامهم وعدوا كثيفا وراءهم ~~فقالوا هذه المقالة. # قال القاضي أبو محمد: وبالجملة هو كلام يجري مع المعهود من بني إسرائيل ~~من اضطرابهم على أنبيائهم وقلة يقينهم وصبرهم على الدين واستعطاف موسى لهم ~~بقوله: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض يدل على أنه ~~يستدعي نفوسا نافرة، ويقوي هذا الظن في بني إسرائيل سلوكهم هذه السبيل في ~~غير قصة، وحكى النقاش أنهم قالوا ذلك بمصر حين كلفهم فرعون من العمل ما لا ~~يطيقون، وروي أنه كان يكلفهم عمل الطوب ويمنعهم التبن ليشق عليهم عمله، ~~وقوله تعالى: فينظر كيف تعملون تنبيه وحض على الاستقامة، وإن قدر هذا الوعد ~~أنه من عند الله فيتخرج عليه قول الحسن بن أبي الحسن: عسى من الله واجبة، ~~وقد استخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان، وقد فتحوا بيت المقدس مع يوشع. # وقوله: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين الآية خبر أنه أخذ آل فرعون في تلك ~~المدة التي كان موسى يدعوهم فيها بالسنين وهو الجدوب والقحوط، وهذه سيرة ~~الله في الأمم، وكذلك فعل بقريش ms1378 والسنة في كلام العرب: القحط ومنه قول ليلى ~~والناس مسنتون، وسنة وعضة وما جرى مجراها من الأسماء المنقوصة تجمع بالواو ~~والنون ليس على جهة جمع السلامة لكن على جهة العوض مما نقص، وكذلك أرض ~~توهموا فيها نقص هاء التأنيث لأنه كان حقها أن تكون أرضة، وأما حرة وأحرون ~~فلأن التضعيف أبدا PageV02P442 # يعتل فتوهموه مثل النقص، وكسر السين من سنون وسنين وزيادة الألف في أحرين ~~دليل على أنه ليس بجمع سلامة. # وقوله تعالى: ونقص من الثمرات روي أن النخلة كانت لا تحمل إلا ثمرة ~~واحدة، وقال نحوه رجاء بن حيوة، وأراد الله عز وجل أن ينيبوا ويزدجروا عما ~~هم عليه من الكفر، إذ أحوال الشدة ترق القلوب وترغب فيما عند الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 131 الى 133] # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) وقالوا مهما تأتنا ~~به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ~~(133) # كان القصد في إصابتهم بالقحط والنقص في الثمرات أن ينيبوا ويرجعوا فإذا ~~بهم قد ضلوا وجعلوها تشاؤما بموسى فكانوا إذا اتفق لهم اتفاق حسن في غلات ~~ونحوها قالوا هذا لنا وبسببنا وعلى الحقيقة لنا، وإذا نالهم ضر قالوا هذا ~~بسبب موسى وشؤمه، قاله مجاهد وغيره، وقرأ جمهور الناس بالياء وشد الطاء ~~والياء الأخيرة «يطيروا» ، وقرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف بالتاء وتخفيف ~~الطاء «تطيروا» ، وقرأ مجاهد «تشاءموا بموسى» بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم. # وقوله تعالى: ألا إنما طائرهم معناه حظهم ونصيبهم، قاله ابن عباس وهو ~~مأخوذ من زجر الطير فسمي ما عند الله من القدر للإنسان طائرا لما كان ~~الإنسان يعتقد أن كل ما يصيبه إنما هو بحسب ما يراه في الطائر، فهي لفظة ~~مستعارة، وقرأ جمهور الناس «طائرهم» ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «طيرهم» . ~~وقال أكثرهم وجميعهم لا يعلم إما لأن القليل ms1379 علم كالرجل المؤمن وآسية امرأة ~~فرعون وإما أن يراد الجميع وتجوز في العبارة لأجل الإمكان، ويحتمل أن يكون ~~الضمير في قوله طائرهم لجميع العالم ويجيء تخصيص الأكثر على ظاهره، ويحتمل ~~أن يريد ولكن أكثرهم ليس قريبا أن يعلم لانغمارهم في الجهل، وعلى هذا فيهم ~~قليل معد لأن يعلم لو وفقه الله. # ومهما أصلها عند الخليل «ما ما» فبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبويه: هي ~~«مه ما» خلطتا وهي حرف واحد، وقال غيره: معناه «مه وما» جزاء ذكره الزجاج، ~~وهذه الآية تتضمن طغيانهم وعتوهم وقطعهم على أنفسهم بالكفر البحت. # وقوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان الآية، قال الأخفش الطوفان جمع ~~طوفانة وهذه عقوبات وأنواع من العذاب بعثها الله عليهم ليزدجروا وينيبوا، ~~والطوفان مصدر من قولك طاف يطوف فهو عام في كل شيء يطوف إلا أن استعمال ~~العرب له كثر في الماء والمطر الشديد، ومنه قول الشاعر: [الرمل] PageV02P443 # غير الجدة من عرفانه ... خرق الريح وطوفان المطر # ومنه قول أبي النجم: [الرجز] # ومد طوفان فبث مددا ... شهرا شآبيب وشهرا بردا # وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الطوفان في هذه الآية المطر الشديد ~~أصابهم وتوالى عليهم حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم، وقيل طم فيض النيل عليهم ~~وروي في كيفيته قصص كثير، وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~الطوفان المراد في هذه الآية هو الموت، وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه هو ~~مصدر معمى عني به شيء أطافه الله بهم، والجراد معروف، قال الأخفش هو جمع ~~جرادة للمذكر والمؤنث فإن أردت الفصل قلت رأيت جرادة ذكرا، وروي: أن الله ~~عز وجل لما والى عليهم المطر غرقت أرضهم وامتنعوا الزراعة قالوا يا موسى ~~ادع في كشف هذا عنا ونحن نؤمن، فدعا فدفعه الله عنهم فأنبتت الأرض إنباتا ~~حسنا فطغوا وقالوا ما نود أنا لم نمطر وما هذا الإحسان من الله إلينا، فبعث ~~الله حينئذ الجراد فأكل جميع ما أنبتت الأرض، وروى ابن وهب عن مالك أنه روي ~~أنه أكل أبوابهم وأكل الحديد ms1380 والمسامير وضيق عليهم غاية التضييق وترك الله ~~من نباتهم ما يقوم به الرمق فقالوا لموسى ادع في كشف الجراد ونحن نؤمن، ~~فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم ورأوا أن ما أقام رمقهم قد كفاهم، فبعث الله ~~عليهم القمل وهي الدبى صغار الجراد الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة، وقيل هو الحمثان وهو صغار القردان وقيل هو البراغيث وقال ابن عباس ~~القمل السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل القمل الزرع إنه حيوان صغير جدا ~~أسود وإنه بأرض مصر حتى الآن، قال حبيب بن أبي ثابت: القمل الجعلان، وقرأ ~~الحسن «القمل» بفتح القاف وسكون الميم فهي على هذا بينة القمل المعروف، ~~وروي أن موسى مشى بعصاه إلى كثيب أهيل فضربه فانتشر كله قملا في مصر، ثم ~~إنهم قالوا ادع في كشف هذا فدعا ورجعوا إلى طغيانهم وكفرهم، وبعث الله ~~عليهم الضفادع فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم وإذا هم الرجل أن يتكلم وثب ~~الضفدع في فمه، قال ابن جبير: كان الرجل يجلس إلى دفنه في الضفادع، وقال ~~ابن عباس: كانت الضفادع برية فلما أرسلت على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت ~~تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء. # فقالوا ادع في كشف هذا فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم وعتوهم فبعث الله ~~عليهم الدم فرجع ماؤهم الذي يستقونه ويحصل عندهم دما، فروي أن الرجل منهم ~~كان يستقي من البئر فإذا ارتفع إليه الدلو عاد دما، وروي أنه كان يستقي ~~القبطي والإسرائيلي بإناء واحد فإذا خرج الماء كان الذي يلي القبطي دما ~~والذي يلي الإسرائيلي ماء إلى نحو هذا وشبهه من العذاب بالدم المنقلب عن ~~الماء، هذا قول جماعة المتأولين، وقال زيد بن أسلم: إنما سلط الله عليهم ~~الرعاف فهذا معنى قوله والدم. # وقوله تعالى: آيات مفصلات التفصيل أصله في الأجرام إزالة الاتصال، فهو ~~تفريق شيئين، فإذا استعمل في المعاني فيراد أنه فرق بينها وأزيل اشتراكها ~~وإشكالها، فيجيء من ذلك بيانها وقالت فرقة من المفسرين: مفصلات يراد به ms1381 ~~مفرقات بالزمن، والمعنى أنه كان العذاب يرتفع ثم يبقون مدة شهر، PageV02P444 # وقيل ثمانية أيام ثم يرد الآخر، فالمراد أن هذه الأنواع من العذاب لم ~~تجىء جملة ولا متصلة، ثم وصفهم الله عز وجل بالاستكبار عن الآيات والإيمان، ~~وأنهم كان لهم اجترام على الله تعالى وعلى عباده. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 134 الى 136] # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) # الرجز العذاب، والظاهر من الآية أن المراد بالرجز هاهنا العذاب المتقدم ~~الذكر من الطوفان والجراد وغيره، وقال قوم من المفسرين: الإشارة هنا بالرجز ~~إنما هي إلى طاعون أنزله فيهم مات منهم في ليلة واحدة سبعون ألف قبطي، وروي ~~في ذلك أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل بأن يذبحوا كبشا ويضمخوا ~~أبوابهم بالدم ليكون ذلك فرقا بينهم وبين القبط في نزول العذاب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وهذه الأخبار وما شاكلها إنما تؤخذ من ~~كتب بني إسرائيل فلذلك ضعفت، وقولهم: بما عهد يريدون بذمامك وماتتك إليه ~~فهي تعم جميع الوسائل بين الله وبين موسى من طاعة من موسى ونعمة من الله ~~تبارك وتعالى، ويحتمل أن يكون ذلك منهم على جهة القسم على موسى، ويحتمل أن ~~يكون المعنى ادع لنا ربك ماتا إليه بما عهد إليك، ويحتمل إن كان شعر أن بين ~~الله تعالى وبين موسى في أمرهم عهد ما أن تكون الإشارة إليه، والأول أعم ~~وألزم، والآخر يحتاج إلى رواية، وقولهم: لئن كشفت أي بدعائك لنؤمنن ولنرسلن ~~قسم وجوابه، وهذا عهد من فرعون وملئه الذين إليهم الحل والعقد، ولهم ضمير ~~الجمع في قوله لنؤمنن، وألفاظ هذه الآية تعطي الفرق بين القبط وبين بني ~~إسرائيل في رسالة موسى، لأنه لو كان إيمانهم به على أحد إيمان بني إسرائيل ~~لما أرسلوا ms1382 بني إسرائيل ولا فارقوا دينهم، بل كانوا يشاركون فيه بني ~~إسرائيل، وروي أنه لما انكشف العذاب قال فرعون لموسى اذهب ببني إسرائيل حيث ~~شئت فخالفه بعض ملئه فرجع فنكث. # وأخبر الله عز وجل أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا عهدهم الذي أعطوه موسى. ~~وإذا هاهنا للمفاجأة، وإلى متعلقة ب كشفنا و «الأجل» يراد به غاية كل واحد ~~منهم بما يخصه من الهلاك والموت. وهذا اللازم من اللفظ كما تقول أخذت كذا ~~إلى وقت وأنت لا تريد وقتا بعينه، وقال يحيى بن سلام «الأجل» هنا الغرق. # قال القاضي أبو محمد: وإنما هذا القول لأنه رأى جمهور هذه الطائفة قد ~~اتفق أن هلكت غرقا فاعتقد أن الإشارة هنا بالأجل إنما هي إلى الغرق، وهذا ~~ليس بلازم لأنه لا بد أنه مات منهم قبل الغرق عالم وهم ممن أخر وكشف عنهم ~~العذاب إلى أجل بلغه، ودخل في هذه الآية فأين الغرق من هؤلاء؟ وأين هو PageV02P445 # ممن بقي بمصر ولم يغرق؟ وذكر بعض الناس أن معنى الكلام فلما كشفنا عنهم ~~الرجز المؤجل إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون، ومحصول هذا التأويل أن ~~العذاب كان مؤجلا، والمعنى الأول أفصح لأنه تضمن توعدا ما وقرأ أبو البرهسم ~~وأبو حيوة: «ينكثون» بكسر الكاف، والنكث نقض ما أبرم، ويستعمل في الأجسام ~~وفي المعاني، وقرأ ابن محيصن ومجاهد وابن جبير «الرجز» بضم الراء في جميع ~~القرآن، قال أبو حاتم: إلا أن ابن محيصن كسر حرفين «رجز الشيطان» «والرجز ~~فاهجر» . # قال القاضي أبو محمد: رآهما بمعنى آخر بمثابة الرجز والنتن الذي يجب ~~التطهر منه. واليم البحر، ومنه قول ذي الرمة: # ذوية ودجا ليل كأنهما ... يم تراطن في حافاته الروم # والباء في قوله: بأنهم باء التسبيب، ووصف الكفار بالغفلة وهم قد كذبوا ~~وردوا في صدر الآيات من حيث غفلوا عما تتضمنه الآيات من الهدى والنجاة فعن ~~ذلك غفلوا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 137 الى 138] # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ms1383 ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون (138) # قوله: الذين كانوا يستضعفون كناية عن بني إسرائيل لاستعباد فرعون لهم ~~وغلبته عليهم، وقوله: # مشارق الأرض ومغاربها قال الحسن وقتادة وغيرهما: يريد أرض الشام، وقال ~~أبو جعفر النحاس: وقيل يراد أرض مصر وهو قول الحسن في كتاب النقاش، وقالت ~~فرقة: يريد الأرض كلها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يتجه إما على المجاز لأنه ملكهم بلادا كثيرة، ~~وإما على الحقيقة في أنه ملك ذريتهم وهو سليمان بن داود ولكن الذي يليق ~~بمعنى الآية وروي فيها هو أنه ملك أبناء المستضعفين بأعيانهم مشارق الأرض ~~ومغاربها لا سيما بوصفه الأرض بأنها التي بارك فيها ولا يتصف بهذه الصفة ~~وينفرد بها أكثر من غيرها إلا أرض الشام لما بها من الماء والشجر والنعم ~~والفوائد، وحكى الطبري عن قائل لم يسمه وذكر الزهراوي أنه الفراء: أن مشارق ~~الأرض ومغاربها نصب على الظرف أي يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وأن ~~قوله: التي باركنا فيها معمول ل أورثنا، وضعفه الطبري، وكذلك هو قول غير ~~متجه، والتي في موضع خفض نعت ل الأرض، ويجوز أن يكون في موضع نصب نعت ~~لمشارق ومغارب، وقوله: وتمت كلمت ربك الحسنى أي ما سبق لهم في علمه وكلامه ~~في الأزل من النجاة من عدوهم والظهور عليه، قاله مجاهد، وقال المهدوي: وهي ~~قوله ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض [القصص: 5] وقيل هي قوله: ~~عسى ربكم أن يهلك عدوكم PageV02P446 # [الأعراف: 129] ، وروي عن أبي عمرو «كلمات» ويعرشون قال ابن عباس ومجاهد ~~معناه يبنون وعرش البيت سقفه والعرش البناء والتنضيد، وقال الحسن هي في ~~الكروم وما أشبهها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم بكسر الراء، وقرأ الباقون: ابن عامر وعاصم فيما روي عنه والحسن وأبو ~~رجاء ومجاهد بضمها، وكذلك ms1384 في سورة النحل وهما لغتان، وقرأ ابن أبي عبلة ~~«يعرشون ويعكفون» بضم الياء فيهما وفتحة العين مشددة الراء والكاف ~~مكسورتين. # قال القاضي أبو محمد: ورأيت للحسن البصري أنه احتج بقوله تعالى: وتمت ~~كلمت ربك إلى آخر الآية، على أنه لا ينبغي أن يخرج على ملوك السوء وإنما ~~ينبغي أن يصبر عليهم، فإن الله تعالى يدمرهم، ورأيت لغيره أنه قال: إذا ~~قابل الناس البلاء بمثله وكلهم الله إليه، وإذا قابلوه بالصبر وانتظار ~~الفرج أتى الله بالفرج، وروي هذا القول أيضا عن الحسن. # وقرأ جمهور الناس «وجاوزنا» وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «وجوزنا» ذكره أبو ~~حاتم والمهدوي، والمعنى قطعناه بهم وجزعناه وهذه الآية ابتداء خبر عنهم، ~~قال النقاش: جاوزوا البحر يوم عاشوراء، وأعطي موسى التوراة يوم النحر ~~القابل بين الأمرين أحد عشر شهرا، وروي أن قطعهم كان من ضفة البحر إلى ضفة ~~المناوحة الأولى وروي أنه قطع من الضفة إلى موضع آخر منها. # قال القاضي أبو محمد: فإما أن يكون ذلك بوحي من الله وأمر لينفذ أمره في ~~فرعون وقومه وهذا هو الظاهر، وإما بحسب اجتهاد موسى في التخلص بأن يكون بين ~~وضعين أوعار وحايلات، ووقع في كتاب النقاش أنه نيل مصر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ لا تساعده رواية ولا يحتمله لفظ إلا على ~~تحامل، وإنما هو بحر القلزم و «القوم» المشار إليهم في الآية العرب، قيل هم ~~الكنعانيون، وقال قتادة وقال أبو عمران الجوني: هم قوم من لخم وجذام، ~~والقوم في كلام العرب الرجال خاصة، ومنه قول زهير: # ولا أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء # ومنه قوله عز وجل: لا يسخر قوم من قوم.. ولا نساء من نساء [الحجرات: 11] ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «يعكفون» بضم الكاف، وقرأ ~~حمزة والكسائي وأبو عمرو في رواية عبد الوارث عنه «يعكفون» بكسرها وهما ~~لغتان والعكوف: الملازمة بالشخص لأمر ما والإكباب عليه، ومنه الاعتكاف في ~~المساجد ومنه قول الراجز: [الرجز] # عكف النبيط يلعبون الفنزجا # و «الأصنام» ms1385 في هذه الآية قيل كانت بقرا على الحقيقة، وقال ابن جريج: ~~كانت تماثيل بقر من حجارة وعيدان ونحوه وذلك كان أول فتنة العجل. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها ~~كما لهم آلهة أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم فأرادوا أن يكون ~~ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به PageV02P447 # إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنما نفرده بالعبادة ~~ونكفر بربك، فعرفهم موسى أن هذا جهل منهم إذ سألوا أمرا حراما فيه الإشراك ~~في العبادة ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل، ~~وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي صلى الله عليه وسلم في قول ~~أبي واقد الليثي له في غزوة حنين إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة: اجعل ~~لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض ~~المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه، فأراد أبو واقد ~~وغيره أن يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، فرأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره وقال: ~~«الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ~~لتتبعن سنن من قبلكم» . # قال القاضي أبو محمد: ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادا، وقال بعض الناس ~~كان ذلك من بني إسرائيل كفرا ولفظة الإله تقتضي ذلك، وهذا محتمل، وما ذكرته ~~أولا أصح عندي والله تعالى أعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 139 الى 141] # إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله ~~أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) وإذ أنجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم (141) # أعلمهم موسى عن الله عز وجل بفساد حال أولئك القوم ليزول ما استحسنوه من ~~حالهم فقال إن هؤلاء إشارة إلى أولئك القوم ms1386 متبر أي مهلك مدمر ردي العاقبة، ~~قاله السدي وابن زيد، والتبار الهلاك وسوى العقبى وإناء متبر أي مكسور ~~وكسارته تبر ومنه تبر الذهب لأنه كسارة، وقوله: ما هم فيه لفظ يعم جميع ~~حالهم وباطل معناه فاسد ذاهب مضمحل. # وقوله تعالى: قال أغير الله الآية، أمر الله موسى عليه السلام أن يوقفهم ~~ويقررهم على هذه المقالة، ويحتمل أن يكون القول من تلقائه عليه السلام، ~~أبغيكم معناه: أطلب لكم، من بغيت الشيء إذا طلبته، وغير منصوبة بفعل مضمر ~~هذا هو الظاهر، ويحتمل أن ينتصب على الحال كأن تقدير الكلام: قال أبغيكم ~~إلها غير الله فهي في مكان الصفة فلما قدمت نصبت على الحال، والعالمين لفظ ~~عام يراد به تخصيص عالم زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل منهم ~~بإجماع، ولقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] اللهم إلا ~~أن يراد بالفضل كثرة الأنبياء منهم فإنهم فضلوا في ذلك على العالمين ~~بالإطلاق. # ثم عدد عليهم في هذه الآية النعم التي يجب من أجلها أن لا يكفروا به ولا ~~يرغبوا عبادة غيره، وقرأت فرقة «نجيناكم» ، وقرأ جمهور الناس: «أنجيناكم» ~~وقد تقدم، وروي عن ابن عباس «وإذ أنجاكم» أي أنجاكم الله وكذلك هي في مصاحف ~~أهل الشام، ويسومونكم معناه يحملونكم ويكلفونكم، تقول PageV02P448 # سامه خطة خسف، ونحو هذا، ومساومة البيع ينظر إلى هذا وأن كل واحد من ~~المتساومين يكلف صاحبه إرادته، ثم فسر سوء العذاب بقوله: يقتلون ويستحيون، ~~وبلاء في هذا الموضع معناه اختبار وامتحان، وقوله: ذلكم إشارة إلى سوء ~~العذاب، ويحتمل أن يشير به إلى التنجية فكأنه قال وفي تنجيتكم امتحان لكم ~~واختبار هل يكون منكم وفاء بحسب النعمة. # قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أظهر، وقالت فرقة: هذه الآية خاطب ~~بها موسى من حضره من بني إسرائيل، وقال الطبري: بل خوطب بهذه الآية من كان ~~على عهد محمد صلى الله عليه وسلم تقريعا لهم بما فعل بأوائلهم وبما جازوا ~~به. # قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر وأبين. # قوله عز وجل: ms1387 ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 142 الى 143] # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال ~~موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) ولما ~~جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر ~~إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر ~~موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) # قرأ أبو عمرو وأبي بن كعب وأبو رجاء وأبو جعفر وشيبة «ووعدنا» وقد تقدم ~~في البقرة، وأخبر الله تعالى موسى عليه السلام أن يتهيأ لمناجاته ثلاثين ~~ليلة ثم زاده في الأجل بعد ذلك عشر ليال، فذكر أن «موسى» عليه السلام أعلم ~~بني إسرائيل بمغيبه «ثلاثين ليلة» فلما زاده العشر في حال مغيبه دون أن ~~تعلم بنو إسرائيل ذلك وجست نفوسهم للزيادة على ما أخبرهم به، فقال لهم ~~السامري: إن «موسى» قد هلك وليس براجع وأضلهم بالعجل فاتبعوه، قاله كله ابن ~~جريج، وقيل: بل أخبرهم بمغيبه أربعين وكذلك أعلمه الله تعالى وهو المراد ~~بهذه الآية، قاله الحسن، وهو مثل قوله فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة [البقرة: 196] وأنهم عدوا الأيام والليالي فلما تم ~~«أربعون» من الدهر قالوا قد أخلف «موسى» فضلوا، قال مجاهد إن «الثلاثين» هي ~~شهر ذي القعدة وإن «العشر» هي «عشر» ذي الحجة، وقاله ابن عباس ومسروق. # وروي أن «الثلاثين» إنما وعد بأن يصومها ويتهيأ فيها للمناجاة ويستعد وأن ~~مدة المناجاة هي «العشر» ، وقيل بل مدة المناجاة «الأربعون» ، وإقبال ~~«موسى» على الأمر والتزامه يحسن لفظ المواعدة، وحيث ورد أن المواعدة أربعون ~~ليلة فذلك إخبار بجملة الأمر وهو في هذه الآية إخبار بتفصيله كيف وقع، ~~وأربعين في هذه الآية وما بعدها في موضع الحال، ويصح أن تكون أربعين ظرفا ~~من حيث هي عدد أزمنة، وفي مصحف أبي بن كعب «وتممناها» بغير ألف وتشديد ~~الميم، وذكر الزجاج عن بعضهم قال: لما صام ثلاثين يوما أنكر خلوف ms1388 فمه ~~فاستاك بعود خروب فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة PageV02P449 # المسك فأفسدته بالسواك فزيدت عليه عشر ليال، وثلاثين نصب على تقدير ~~أجلناه «ثلاثين» وليست منتصبة على الظرف لأن المواعدة لم تقع في «الثلاثين» ~~، ثم ردد الأمر بقوله فتم ميقات ربه أربعين ليلة قيل ليبين أن «العشر» لم ~~تكن ساعات وبالجملة فتأكيد وإيضاح. # وقوله تعالى: وقال موسى لأخيه ... الآية، المعنى: وقال موسى حين أراد ~~المضي للمناجاة والمغيب فيها، واخلفني معناه كن خليفتي وهذا استخلاف في ~~حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته لا يقتضي أنه متماد بعد وفاة ~~فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية في قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استخلف عليا بقوله أنت مني كهارون من «موسى» وقال موسى اخلفني فيترتب على ~~هذا أن عليا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه يحل هذا ~~القياس. وأمره في هذه الآية بالإصلاح ثم من الطرق الأخر في أن لا يتبع سبيل ~~مفسد، قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه. # ثم أخبر الله تعالى عن «موسى» عليه السلام أنه لما جاء إلى الموضع الذي ~~حد له وفي الوقت الذي عين له وكلمه ربه قال تمنيا منه أي رب أرني أنظر إليك ~~وقرأ الجمهور: أرني بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير أرني بسكون الراء، ~~والمعنى في قوله كلمه أي خلق له إدراكا سمع به الكلام القائم بالذات القديم ~~الذي هو صفة ذات، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أدنى الله تعالى «موسى» حتى ~~سمع صريف الأقلام في اللوح، وكلام الله عز وجل لا يشبه شيئا من الكلام الذي ~~للمخلوقين ولا في جهة من الجهات وكما هو موجود لا كالموجودات، ومعلوم لا ~~كالمعلومات، كذلك كلامه لا يشبه الكلام الذي فيه علامات الحدوث، والواو ~~عاطفة كلمه على جاء، ويحتمل أن تكون واو الحال والأول أبين، وقال وهب بن ~~منبه كلم الله «موسى» في ألف مقام كان يرى نور على وجهه ثلاثة أيام إثر ms1389 كل ~~مقام، وما قرب «موسى» النساء منذ «كلمه» الله تعالى، وجواب لما في قوله ~~قال، والمعنى أنه لما «كلمه» وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية ~~وتشوق إلى ذلك، فسأل ربه أن يريه نفسه، قاله السدي وأبو بكر الهذلي، وقال ~~الربيع: قربناه نجيا حتى سمع صريف الأقلام، ورؤية الله عز وجل عند الأشعرية ~~وأهل السنة جائزة عقلا، لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته، قالوا لأن الرؤية ~~للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر من الوجود، إلا أن الشريعة قررت رؤية ~~الله تعالى في الآخرة نصا ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر من الشرع، فموسى ~~عليه السلام لم يسأل ربه محالا وإنما سأل جائزا. # وقوله تعالى: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل الآية ليس بجواب من سأل ~~محالا، وقد قال تعالى لنوح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين [هود: 46] فلو سأل «موسى» محالا لكان في الكلام زجر ما وتبيين، ~~وقوله عز وجل: لن تراني نص من الله تعالى على منعه الرؤية في الدنيا، ولن ~~تنفي الفعل المستقبل ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه ~~«موسى» أبدا ولا في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى بالحديث المتواتر ان أهل ~~الإيمان يرون الله تعالى يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرى برؤيته، وقال ~~مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال لموسى لن تراني ولكن سأتجلى للجبل الذي هو ~~أقوى منك وأشد فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي فستمكنك أنت رؤيتي. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا إنما جعل الله له الجبل مثالا وقالت فرقة: ~~إنما المعنى سأتبدى لك PageV02P450 # على الجبل فإن استقر لعظمتي فسوف تراني، وروي في كيفية وقوف «موسى» ~~وانتظاره الرؤية قصص طويل اختصرته لبعده وكثرة مواضع الاعتراض فيه. # قوله عز وجل: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ... # قال المتأولون المتكلمون كالقاضي ابن الباقلاني وغيره: إن الله عز وجل ~~خلق للجبل حياة وحسا وإدراكا يرى به، ثم تجلى له أي ظهر وبدا ms1390 سلطانه فاندك ~~الجبل لشدة المطلع، فلما رأى موسى ما بالجبل صعق، وهذا المعنى هو المروي عن ~~ابن عباس، وأسند الطبري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قرأ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال: فوضع الإبهام قريبا ~~من خنصره قال فساخ الجبل، فقال حميد لثابت: تقول هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب ~~صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقوله أنس، وأكتمه ~~أنا؟ وقالت فرقة: المعنى فلما تجلى الله للجبل بقدرته وسلطانه اندك الجبل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يتمسك به المعتزلة تمسكا شديدا لقولهم ~~إن رؤية الله عز وجل غير جائزة، وقائله من أهل السنة إنما يقوله مع اعتقاده ~~جواز الرؤية ولكنه يقول إنه أليق بألفاظ الآية من أن تحمل الآية أن الجبل ~~خلق له إدراك وحياة، وقال الزجاج: من قال إن التقدير فلما تجلى أمر ربه فقد ~~أخطأ ولا يعرف أهل اللغة ذلك، ورد أبو علي في الإغفال عليه، والدك الانسحاق ~~والتفتت، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن ~~وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر «دكا» ، ~~وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم «دكاء» على وزن ~~حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضا دكاء تشبيها ~~بالناقة، فروي أنه ذهب الجبل بجملته، وقيل ذهب أعلاه وبقي أكثره، وروي أن ~~الجبل تفتت وانسحق حتى صار غبارا تذروه الرياح، وقال سفيان: روي أنه ساخ في ~~الأرض وأفضى إلى البحر الذي تحت الأرضين، قال ابن الكلبي فهو يهوي فيه إلى ~~يوم القيامة، وروي أنه انكسر ست فرق فوقعت منه ثلاث بمكة ثبير وغار ثور ~~وحراء، وثلاث بالمدينة أحد وورقان ورضوى، قاله النقاش، وقال أبو بكر ~~الهذلي: ساخ في الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، وصعقا معناه مغشيا عليه ~~كحال من تصيبه الصعقة وهي الصيحة المفرطة، قال الخليل: وهي الوقع الشديد من ~~صوت الرعد قاله ms1391 ابن زيد وجماعة من المفسرين، وقال قتادة: كان موتا، قال ~~الزجاج: وهو ضعيف، ولفظة أفاق تقتضي غير هذا، وقوله سبحانك أي تنزيها لك ~~كذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله تبت إليك معناه من أن أسألك ~~الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها. PageV02P451 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدة هول ما ~~اطلع ولم يعن به التوبة من شيء معين ولكنه لفظ يصلح لذلك المقام. # قال القاضي أبو محمد: والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال ~~المحال كما زعمت المعتزلة، وقرأ نافع وأنا بإثبات الألف في الإدراج، قال ~~الزهراوي والأولى حذفها في الإدراج وإثباتها لغة شاذة خارجة عن القياس، ~~وقوله أول إما أن يريد من قومه بني إسرائيل، وهو قول ابن عباس ومجاهد أو من ~~أهل زمانه ان كان الكفر قد طبق الآفاق وإما أن يريد أول المؤمنين بأنك لا ~~ترى في الدنيا، قاله أبو العالية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 144 الى 145] # قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين (144) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ~~فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) # ثم ان الله تعالى قرر موسى على آلائه عنده على جهة الإخبار وقنعه بها ~~وأمره بالشكر عليها وكأنه قال ولا تتعدها إلى غيرها، و «اصطفى» أصله اصتفى ~~وهو افتعل من صفا يصفو انقلبت التاء طاء لمكان الصاد، ومعناه تخيرتك ~~وخصصتك، ولا تستعمل إلا في الخير والمنن، لا يقال اصطفاه لشر، وقوله على ~~الناس عام والمراد الخصوص فيمن شارك موسى في الإرسال، فإن الأنبياء كلهم ~~المرسلين مشاركون له بما هم رسل، والظاهر من الشريعة أن موسى مخصص بالكلام ~~وإن كان قد روي في تكليم الله غيره أشياء بما يشاء من أعظمها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن آدم فقال هو نبي مكلم. # قال القاضي أبو محمد: إلا أن ذلك قد ms1392 تأول بأنه كان في الجنة فيتحفظ على ~~هذا تخصيص موسى، ويصح أن يكون قوله على الناس عموما مطلقا في مجموع ~~الدرجتين الرسالة والكلام. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ~~«برسالاتي» على الجمع إذ الذي أرسل به ضروب، وقرأ ابن كثير ونافع «برسالتي» ~~على الإفراد الذي يراد به الجمع وتحل الرسالة هاهنا محل المصدر الذي هو ~~الإرسال، وقرأ جمهور الناس و «بكلامي» ، وقرأ أبو رجاء «برسالتي وبكلمتي» ، ~~وقرأ الأعمش «برسالاتي وبكلمي» ، وحكى عنه المهدوي «وتكليمي» على وزن ~~تفعيلي، وقوله فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين تأديب وتقنيع وحمل على جادة ~~السلامة ومثال لكل أحد في حاله، فإن جميع النعم من عنده بمقدار وكل الأمور ~~بمرأى من الله ومسمع. # وقوله تعالى: وكتبنا له في الألواح الآية، الضمير في له عائد على موسى ~~عليه السلام، والألف واللام في الألواح عوض من الضمير الذي يقدر وصله بين ~~الألواح وموسى عليه السلام، تقديره في ألواحه، وهذا كقوله تعالى: فإن الجنة ~~هي المأوى [النازعات: 41] مأواه وقيل: كانت الألواح اثنين، وقيل سبعة، وقال ~~مجاهد وابن عباس: كانت الألواح من زمرد، وقال ابن جبير من ياقوت أحمر، وقال ~~أبو العالية أيضا من برد، وقال الحسن من خشب، وقوله من كل شيء لفظه عموم ~~والمراد به كل شيء ينفع في معنى الشرع ويحتاج إليه في المصلحة، وقوله لكل ~~شيء مثله، قال ابن جبير: ما أمروا به ونهوا عنه، وقاله مجاهد: وقال السدي: ~~الحلال والحرام. وقوله بقوة معناه بجد وصبر عليها واحتمال لمؤنها قاله ابن ~~عباس والسدي، وقال الربيع بن أنس بقوة هنا بطاعة، وقال ابن عباس أمر موسى ~~أن يأخذه بأشد مما أمر به قومه، و «خذ» أصله أؤخذ حذفت الهمزة التي هي فاء ~~الفعل على غير قياس فاستغني عن الأول، وقوله PageV02P452 # بأحسنها يحتمل معنيين أحدهما التفضيل كأنه قال: إذا اعترض فيها مباحان ~~فيأخذون الأحسن منهما كالعفو والقصاص، والصبر والانتصار. # قال القاضي أبو محمد: هذا على القول إن أفعل في التفضيل لا يقال إلا لما ~~لهما اشتراك ms1393 في المفضل فيه وأما على القول الآخر فقد يراد بالأحسن المأمور ~~به بالإضافة للمنهي عنه لأنه أحسن منه، وكذلك الناسخ بالإضافة إلى المنسوخ ~~ونحو هذا، وذهب إلى هذا المعنى الطبري. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل أنه تدخل فيه الفرائض وهي لا ~~تدخل في التأويل الأول، وقد يمكن أن يتصور اشتراك في حسن من المأمور به ~~والمنهي عنه ولو بحسب الملاذ وشهوات النفس الأمارة، والمعنى الآخر الذي ~~يحتمله قوله: بأحسنها أن يريد بأحسن وصف الشريعة بجملتها، فكأنه قال: قد ~~جعلنا لكم شريعة هي أحسن كما تقول: الله أكبر دون مقايسة ثم قال: فمرهم ~~يأخذوا بأحسنها الذي شرعناه لهم، وفي هذا التأويل اعتراضات، وقرأ جمهور ~~الناس «سأوريكم» ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «سأوريكم» قال أبو الفتح ظاهر ~~هذه القراءة مردود وهو أبو سعيد المأثور فصاحته فوجهها أن المراد أريكم ثم ~~أشبعت ضمة الهمزة ومطلت حتى نشأت عنها واو، ويحسن احتمال الواو في هذا ~~الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ فمكن الصوت فيه. # وقرأ قسامة بن زهير «سأورثكم» قاله أبو حاتم، ونسبها المهدوي إلى ابن ~~عباس، وثبتت الواو في خط المصحف فلذلك أشكل هذا الاختلاف مع أنا لا نتأول ~~إلا أنها مرويات فأما من قرأها «سأوريكم» فالمعنى عنده سأعرض عليكم وأجعلكم ~~تخشون لتعتبروا حال دار الفاسقين، والرؤية هنا رؤية العين إلا أن المعنى ~~يتضمن الوعد للمؤمنين والوعيد للفاسقين ويدل على أنها رؤية العين تعدى ~~فعلها وقد عدي بالهمزة إلى مفعولين، ولو كان من رؤية القلب لتعدى بالهمزة ~~إلى ثلاثة مفاعيل، ولو قال قائل: المفعول الثالث يتضمنه المعنى فهو مقدر أي ~~مدمرة أو خربة مسعرة على قول من قال: هي جهنم، قيل له: ولا يجوز حذف هذا ~~المفعول والاقتصار دونه أنها داخلة على الابتداء والخبر ولو جوز لكان على ~~قبح في اللسان لا يليق بكتاب الله عز وجل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه ومقاتل وقتادة في كتاب النقاش دار الفاسقين # مصر والمراد آل فرعون، وقال قتادة أيضا: «دار الفاسقين» الشام ms1394 والمراد ~~العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، وقال مجاهد والحسن: «دار الفاسقين» جهنم ~~والمراد الكفرة بموسى عامة، وقال النقاش عن الكلبي: دار الفاسقين دور ثمود ~~وعاد والأمم الخالية: أي سنقصها عليكم فترونها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 146 الى 147] # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) PageV02P453 # المعنى سأمنع وأصد، وقال سفيان بن عيينة: الآيات هنا كل كتاب منزل. # قال القاضي أبو محمد: فالمعنى عن فهمها وتصديقها، وقال ابن جريج: الآيات ~~العلامات المنصوبة الدالة على الوحدانية. # قال القاضي أبو محمد: فالمعنى عن النظر فيها والتفكير والاستدلال بها، ~~واللفظ يعم الوجهين، والمتكبرون بغير حق في الأرض هم الكفرة، والمعنى في ~~هذه الآية سأجعل الصرف عن الآيات عقوبة للمتكبرين على تكبرهم، وقوله وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتم من الله عز وجل على الطائفة التي قدر ألا ~~يؤمنوا، وقراءة الجمهور: «يروا» بفتح الياء قرأها ابن كثير وعاصم ونافع ~~وأبو جعفر وشيبة وشبل وابن وثاب وطلحة بن مصرف وسائر السبعة، وقرأها مضمومة ~~الياء مالك بن دينار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ~~«الرشد» ، وقرأ ابن عامر في بعض ما روي عنه وأبو البرهسم «الرشد» بضم الراء ~~والشين وقرأ حمزة والكسائي على أن «الرشد» بضم الراء وسكون الشين و «الرشد» ~~بفتحهما بمعنى واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: «الرشد» بضم الراء: الصلاح ~~في النظر و «الرشد» بفتحهما الدين، وأما قراءة ابن عامر بضمهما فأتبعت ~~الضمة الضمة، وقرأ ابن أبي عبلة «لا يتخذوها وتتخذوها» على تأنيث «السبيل» ~~، والسبيل تؤنث وتذكر، وقوله ذلك إشارة إلى الصرف أي صرفنا إياهم وعقوبتنا ~~لهم هي بكفرهم وتكذيبهم وغفلتهم عن النظر في الآيات والوقوف عند الحجج، ~~ويحتمل أن يكون ذلك خبر ابتداء تقديره: ms1395 الأمر ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع ~~نصب بفعل تقديره فعلنا ذلك. # وقوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة الآية، هذه الآية مؤكدة ~~للتي قبلها وسوقها في جملة المكذب به، ولقاء الآخرة لفظ يتضمن تهديدا أي ~~هنالك يفتضح لهم حالهم، وحبطت معناه سقطت وفسدت وأصل الحبط فيما تقدم صلاحه ~~ولكنه قد يستعمل في الذي كان أول مرة فاسدا إذ مئال العاملين واحد، وقوله ~~هل يجزون استفهام بمعنى التقرير أي يستوجبون بسوء فعلهم إلا عقوبة، وساغ أن ~~يستعمل حبطت هنا إذ كانت أعمالهم في معتقداتهم جارية في طريق صلاح فكأن ~~الحبط فيها إنما هو بحسب معتقداتهم وأما بحسب ما هي عليه في أنفسها ففاسدة ~~منذ أول أمرها، ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم إن مما ينبت ~~الربيع ما يقتل حبطا أو يلم أي فسادا لكثرة الأكل بعد الصلاح الذي كان ~~أولا، وقرأ ابن عباس وأبو السمال «حبطت» بفتح الباء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 148 الى 149] # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط في أيديهم ~~ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ~~(149) # اتخذ أصله ايتخذ وزنه افتعل من تخذ هذا قول أبي علي الفارسي، والضمير في ~~بعده عائد PageV02P454 # على موسى أي بعد مضيه إلى المناجاة وأضاف الحلي إلى بني إسرائيل وإن كان ~~مستعارا من القبط إذ كانوا قد تملكوه إما بأن نفلوه كما روي وحكى يحيى بن ~~سلام عن الحسن أنه قال: استعار بنو إسرائيل حلي القبط ليوم الزينة فلما أمر ~~موسى أن يسري بهم ليلا تعذر عليهم رد العواري، وأيضا فخشوا أن يفتضح سرهم، ~~ثم إن الله نفلهم إياه، ويحتمل أن يضاف الحلي إلى بني إسرائيل من حيث تصرفت ~~أيديهم فيه بعد غزو آل فرعون، ويروى أن السامري واسمه موسى بن ظفر وينسب ~~إلى قرية تسمى سامرة قال لهارون حين ذهب موسى ms1396 إلى المناجاة: يا هارون إن ~~بني إسرائيل قد بددوا الحلي الذي استعير من القبط وتصرفوا فيه وأنفقوا منه، ~~فلو جمعته حتى يرى موسى فيه رأيه، قال: فجمعه هارون فلما اجتمع قال ~~للسامري: أنت أولى الناس بأن يختزن عندك، فأخذه السامري وكان صائغا فصاغ ~~منه صورة عجل وهو ولد البقرة جسدا أي جثة وجمادا وقيل كان جسدا بلا رأس ~~وهذا تعلق بأن الجسد في اللغة ما عدا الرأس وقيل إن الله جعل له لحما ودما. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد ~~تكذب ذلك، و «الخوار» صوت البقر، ويروى أن هذا العجل إنما خار مرة واحدة، ~~وذلك بحيلة صناعية من السامري أو بسحر تركب له من قبضه القبضة من أثر ~~الرسول، أو بأن الله أخار العجل لفتن بني إسرائيل، وقرأت فرقة له «جوار» ~~بالجيم وهو الصياح قال أبو حاتم وشدة الصوت، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم ~~وابن عامر وأبو عمرو والحسن وأبو جعفر وشيبة «من حليهم» بضم الحاء وكسر ~~اللام، وهو جمع حلي على مثال ثدي، وثدي، وأصله حلوي قلبت الواو ياء وأدغمت ~~فجاء حلي فكسرت اللام لتناسب الياء، وقرأ حمزة والكسائي «من حليهم» بكسر ~~الحاء على ما قدمنا من التعليل، قال أبو حاتم إلا أنهم كسروا الحاء اتباعا ~~لكسرة اللام، قال أبو علي وقوى التغيير الذي دخل على الجمع على هذا التغيير ~~الأخير، قال ومما يؤكد كسر الفاء في هذا النحو من الجمع قولهم قسي، قال أبو ~~حاتم وقرأ هكذا يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش وأصحاب عبد الله، وقرأ يعقوب ~~الحضرمي «من حليهم» بفتح الحاء وسكون اللام، فإما أن يكون مفردا يراد به ~~الجميع وإما أن يكون جمع حلية كتمرة وتمر ومعنى الحلي ما يتجمل به من حجارة ~~وذهب وفضة، ثم بين الله تعالى سوء فطرهم وقرر فساد اعتقادهم بقوله ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم الآية، وذلك أن الصامت الجماد لا يتصف بالإلهية والذي لا ~~يرشد إلى خير ولا يكشف غما كذلك، والضمير في ms1397 اتخذوه عائد على العجل، وقوله ~~وكانوا إخبار لنا عن جميع أحوالهم ماضيا وحالا ومستقبلا، ويحتمل أن تكون ~~الواو واو حال، وقد مر في البقرة سبب اتخاذ العجل وبسط تلك الحال بما أغنى ~~عن إعادته هاهنا. # وقرأ جمهور الناس بكسر القاف وضم السين «سقط في أيديهم» وقرأت فرقة «سقط» ~~بفتح السين والقاف حكاه الزجاج، وقرأ ابن أبي عبلة «أسقط» وهي لغة حكاها ~~الطبري بالهمزة المضمومة وسين ساكنة، والعرب تقول لمن كان ساعيا لوجه أو ~~طالبا غاية ما، فعرضه ما غلبه وصده عن وجهته وأوقفه موقف العجز عن بغيته ~~وتيقن أنه قد عجز: سقط في يد فلان، وقال أبو عبيدة: يقال لمن قدم على أمر ~~وعجز عنه سقط في يده. # قال القاضي أبو محمد: والندم عندي عرض يعرض صاحب هذه الحال وقد لا يعرضه ~~فليس الندم PageV02P455 # بأصل في هذا أما أن أكثر أصحاب هذه الحال يصحبهم الندم وكذلك صحب بني ~~إسرائيل المذكورين في الآية والوجه الذي يصل بين هذه الألفاظ وبين المعنى ~~الذي ذكرناه هو أن السعي أو الصرف أو الدفاع سقط في يد المشار إليه فصار في ~~يده لا يجاوزها ولا يكون له خارجها تأثير وقال الزجاج: المعنى أن الندم سقط ~~في أيديهم ويحتمل أن الخسران والخيبة سقط في أيديهم. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا كله يلزم أن يكون «سقط» يتعدى فإن «سقط» ~~يتضمن مفعولا وهو هاهنا المصدر الذي هو الإسقاط كما يقال ذهب بزيد وفي هذا ~~عندي نظر، وأما قراءة من قرأ «سقط» على بناء الفعل للفاعل أو «أسقط» على ~~التعدية بالهمزة فبين في الاستغناء عن التعدي ويحتمل أن يقال سقط في يديه ~~على معنى التشبيه بالأسير الذي تكتف يداه فكأن صاحب هذه الحال يستأسر ويقع ~~ظهور الغلبة عليه في يده، أو كأن المراد سقط بالغلب والقهر في يده، وحدثت ~~عن أبي مروان بن سراج أنه كان يقول: قول العرب سقط في يديه مما أعياني ~~معناه، وقال الجرجاني: هذا مما دثر استعماله مثلما دثر استعمال قوله تعالى: ~~فضربنا على ms1398 آذانهم [الكهف: 11] . # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام ضعف والسقاط في كلام العرب كثرة ~~الخطأ والندم عليه ومنه قول سويد بن أبي كاهل: [الرمل] # كيف يرجون سقاطي بعد ما ... لفع الرأس مشيب وصلع # وقول بني إسرائيل لئن لم يرحمنا ربنا إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره ~~عليهم ورؤيتهم أنهم قد خرجوا عن الدين ووقعوا في الكفر، وقرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة بن نصاح ~~ومجاهد وغيرهم «قالوا لئن لم يرحمنا ربنا» بالياء في يرحمنا وإسناد الفعل ~~إلى الرب تعالى، «ويغفر» بالياء، وقرأ حمزة والكسائي والشعبي وابن وثاب ~~والجحدري وطلحة بن مصرف والأعمش وأيوب «ترحمنا ربنا» بالتاء في «ترحمنا» ~~ونصب لفظة ربنا على جهة النداء «وتغفر» بالتاء، من فوق، وفي مصحف أبي ~~«قالوا ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : آية 150] # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم ~~أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين (150) # يريد رجع من المناجاة، ويروى: أنه لما قرب من محلة بني إسرائيل سمع ~~أصواتهم فقال: هذه أصوات قوم لاهين، فلما تحقق عكوفهم على عبادة العجل ~~داخله الغضب والأسف وألقى الألواح، قاله ابن إسحاق، وقال الطبري: أخبره ~~الله تعالى قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل فلذلك رجع وهو غاضب، و «الأسف» ~~قد يكون بمعنى الغضب الشديد، وأكثر ما يكون بمعنى الحزن والمعنيان مترتبان ~~هاهنا، و «ما» PageV02P456 # المتصلة ب «بئس» مصدرية، هذا قول الكسائي، وفيها اختلاف قد تقدم في ~~البقرة، أي بئس خلافتكم لي من بعدي، ويقال: خلفه بخير أو بشر إذا فعله بمن ~~ترك من بعده، ويقال عجل فلان الأمر إذا سبق فيه، فقوله: أعجلتم معناه: ~~أسابقتم قضاء ربكم واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر به، وقوله تعالى: # وألقى الألواح الآية، قال سعيد بن جبير عن ms1399 ابن عباس: كان سبب إلقائه ~~الألواح غضبه على قومه في عبادتهم العجل وغضبه على أخيه في إهمال أمرهم، ~~وقال قتادة إن صح عنه: بل كان ذلك لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فرغب أن يكون ذلك لأمته فلما علم أنه لغيرها غضب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول رديء لا ينبغي أن يوصف موسى عليه السلام ~~به والأول هو الصحيح، وبالجملة فكان في خلق موسى عليه السلام ضيق وذلك ~~مستقر في غير موضع، وروي أنها كانت لوحان وجمع إذ التثنية جمع، وروي أنها ~~كانت وقر سبعين بعيرا يقرأ منها الجزء في سنة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف مفرط، وقاله الربيع بن أنس، وقال ابن ~~عباس: إن موسى لما ألقاها تكسرت فرفع أكثرها الذي فيه تفصيل كل شيء وبقي ~~الذي في نسخته الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ بعد ذلك، وقد تقدم القول من أي ~~شيء كانت الألواح، وأخذه برأس أخيه ولحيته من الخلق المذكور، هذا ظاهر ~~اللفظ، وروي أن ذلك إنما كان ليساره فخشي هارون أن يتوهم الناظر إليهما أنه ~~لغضب فلذلك نهاه ورغب إليه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والأول هو الصحيح لقوله رقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي # [طه: 94] وقوله: ابن أم # استلطاف برحم الأم إذ هو ألصق القرابات، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وحفص عن عاصم «ابن أم» بفتح الميم، فقال الكوفيون أصله ابن أماه فحذفت ~~تخفيفا، وقال سيبويه هما اسمان بنيا على الفتح كاسم واحد كخمسة عشر ونحوها، ~~وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي «ابن أم» بكسر الميم، ~~فكأن الأصل ابن أمي فحذفت الياء إما على حد حذفهم من: لا أبال ولا أدر ~~تخفيفا، وإما كأنهم جعلوا الأول والآخر اسما واحدا ثم أضافوا كقولك يا أحد ~~عشر أقبلوا، قاله سيبويه، وهذا أقيس من الحذف تخفيفا، ثم أضافوا إلى ياء ~~المتكلم، ثم حذفت الياء من أمي على لغة من يقول يا غلام فيحذفها من ~~المنادى، ms1400 ولو لم يقدر جعل الأول والآخر اسما واحدا لما صح حذفها لأن الأم ~~ليست بمناداة، واستضعفوني: معناه اعتقدوا أني ضعيف، وقوله: كادوا معناه ~~قاربوا ولم يفعلوا، وقرأ جمهور الناس «فلا تشمت بي الأعداء» بضم التاء وكسر ~~الميم ونصب الأعداء، وقرأ مجاهد فيما حكاه أبو حاتم «فلا تشمت بي» بفتح ~~التاء من فوق والميم ورفع «الأعداء» أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت ~~بي، وقرأ حميد بن قيس «تشمت» بتاء مفتوحة وميم مكسورة ورفع «الأعداء» حكاها ~~أبو حاتم، وقرأ مجاهد أيضا فيما حكاه أبو الفتح «فلا تشمت بي الأعداء» بفتح ~~التاء من فوق والميم ونصب الأعداء، هذا على أن يعدى شمت يشمت، وقد روي ذلك، ~~قال أبو الفتح: فلا تشمت بي أنت يا رب، وجاز هذا كما قال تعالى: يستهزئ بهم ~~[البقرة: 15] ونحو ذلك، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء كأنه ~~قال: لا تشمت بي الأعداء كقراءة الجماعة. PageV02P457 # قال القاضي أبو محمد: وفي كلام أبي الفتح هذا تكلف، وحكى المهدوي عن ابن ~~محيصن: # «تشمت» بفتح التاء وكسر الميم، «الأعداء» بالنصب، والشماتة: فرحة العدو ~~بمصاب عدوه، وقوله: ولا تجعلني مع القوم الظالمين يريد عبدة العجل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 151 الى 153] # قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم (153) # استغفر موسى من فعله مع أخيه ومن عجلته في إلقاء الألواح واستغفر لأخيه ~~من فعله في الصبر لبني إسرائيل، ويمكن بأن الاستغفار كان لغير هذا مما لا ~~نعلمه والله أعلم. # وقوله: إن الذين اتخذوا العجل الآية، مخاطبة من الله لموسى عليه السلام ~~لقوله: سينالهم ووقع ذلك النيل في عهد موسى عليه السلام، و «الغضب والذلة» ~~هو أمرهم بقتل أنفسهم هذا هو الظاهر، وقال بعض المفسرين: الذلة الجزية، ~~ووجه هذا القول أن الغضب والذلة بقيت ms1401 في عقب هؤلاء المقصودين بها أولا وكأن ~~المراد سينال أعقابهم، وقال ابن جريج: الإشارة في قوله الذين إلى من مات من ~~عبدة العجل قبل التوبة بقتل النفس وإلى من فر فلم يكن حاضرا وقت القتل. # قال القاضي أبو محمد: والغضب على هذا والذلة هو عذاب الآخرة، والغضب من ~~الله عز وجل إن أخذ بمعنى الإرادة فهو صفة ذات، وإن أخذ بمعنى العقوبة ~~وإحلال النقمة فهو صفة فعل، وقوله: # وكذلك نجزي المفترين المراد أولا أولئك الذين افتروا على الله في عبادة ~~العجل وتكون قوة اللفظ تعم كل مفتر إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان بن ~~عيينة وأبو قلابة وغيرهما: كل صاحب بدعة أو فرية ذليل، واستدلوا بالآية. # وقوله تعالى: والذين عملوا السيئات الآية، تضمنت هذه الآية الوعد بأن ~~الله عز وجل يغفر للتائبين، والإشارة إلى من تاب من بني إسرائيل، وفي الآية ~~ترتيب الإيمان بعد التوبة، والمعنى في ذلك أنه أراد وآمنوا أن التوبة نافعة ~~لهم منجية فتمسكوا بها فهذا إيمان خاص بعد الإيمان على الإطلاق، ويحتمل أن ~~يريد بقوله: وآمنوا أي وعملوا عمل المؤمنين حتى وافوا على ذلك، ويحتمل أن ~~يريد التأكيد فذكر التوبة والإيمان إذ هما متلازمان، إلا أن التوبة على هذا ~~تكون من كفر ولا بد فيجيء «تابوا وآمنوا» بمعنى واحد، وهذا لا يترتب في ~~توبة المعاصي فإن الإيمان متقدم لتلك ولا بد وهو وتوبة الكفر متلازمان، ~~وقوله: # إن ربك إيجاب ووعد مرج. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله: «تابوا وآمنوا» أن يكون لم تقصد رتبة ~~الفعلين على عرف الواو في أنها لا توجب رتبة ويكون وآمنوا بمعنى وهم مؤمنون ~~قبل وبعد، فكأنه قال ومن صفتهم أن آمنوا. PageV02P458 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 154 الى 155] # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون (154) واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ~~رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا ~~فتنتك تضل ms1402 بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين (155) # معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام لما سكن غضبه أخذ الألواح التي كان ~~ألقى، وقد تقدم ما روي أنه رفع أكثرها أو ذهب في التكسر، وقوله: سكت لفظة ~~مستعارة شبه خمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم وهو سكوته، قال يونس بن حبيب: ~~تقول العرب سال الوادي يومين ثم سكت، وقال الزجاج وغيره: # مصدر قولك سكت الغضب، سكت، ومصدر قولك سكت الرجل سكوت، وهذا يقتضي أنه ~~فعل على حدة وليس من سكوت الناس، وقيل إن في المعنى قلبا، والمراد ولما سكت ~~موسى عن الغضب فهو من باب أدخلت فمي في الحجر وأدخلت القلنسوة في رأسي، وفي ~~هذا أيضا استعارة، إذ الغضب ليس يتكلم فيوصف بالسكوت، وقرأ معاوية بن قرة: ~~«ولما سكن» ، وفي مصحف حفصة «ولما سكت» ، وفي مصحف ابن مسعود «ولما صبر عن ~~موسى الغضب» ، قال النقاش: وفي مصحف أبي: «ولما اشتق عن موسى الغضب» ، ~~وقوله: وفي نسختها معناه وفيما ينسخ منها ويقرأ، واللام في قوله لربهم ~~يحتمل وجوها، مذهب المبرد أنها تتعلق بمصدر كأنه قال الذين رهبتهم لربهم، ~~ويحتمل أنه لما تقدم المفعول ضعف الفعل فقوي على التعدي باللام، ويحتمل أن ~~يكون المعنى: هم لأجل طاعة ربهم وخوف ربهم يرهبون العقاب والوعيد ونحو هذا. # وقوله تعالى: واختار موسى قومه الآية، معنى هذه الآية أن موسى عليه ~~السلام اختار من قومه هذه العدة ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء ~~ليكون منه ومنهم اعتذار إلى الله عز وجل من خطأ بني إسرائيل في عبادة العجل ~~وطلب لكمال العفو عمن بقي منهم، وروي عن علي بن أبي طالب أن اختيارهم إنما ~~كان بسبب قول بني إسرائيل أن موسى قتل هارون حين ذهب معه ولم يرجع، فاختار ~~هؤلاء ليذهبوا فيكلمهم هارون بأنه مات بأجله، وقوله: لميقاتنا يؤيد القول ~~الأول وينافر هذا القول لأنها تقتضي أن ذلك كان عن توقيت من الله عز وجل ~~وعدة في الوقت الموضع، وتقدير الكلام: ms1403 واختار موسى من قومه، فلما انحذف ~~الخافض تعدى الفعل فنصب، وهذا كثير في كلام العرب. # واختلف العلماء في سبب الرجفة التي حلت بهم، فقيل كانت عقوبة لهم على ~~سكوتهم وإغضائهم على عبادة العجل، وقيل: كانت على عبادتهم العجل بأنفسهم ~~وخفي ذلك عن موسى في وقت الاختيار حتى أعلمه الله، قاله السدي، وقيل: كانت ~~عقوبة لهم لأنهم لما دنوا وعلموا أن موسى يسمع كلام الله قالوا له: أرنا ~~ربك فأخذتهم الرجفة، وقيل كانت عقوبة لتشططهم في الدعاء بأن قالوا اللهم ~~أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطيه أحدا بعدنا، فأخذتهم الرجفة، وقيل: ~~إنما أخذتهم لما سمعوا كلام هارون وهو PageV02P459 # ميت، وذلك أن موسى وهارون ذهبا إلى التعبد أو نحوه فمات هارون فدفنه موسى ~~وجاء فقالت له بنو إسرائيل: أين هارون؟ فقال: مات، فقالوا بل أنت قتلته ~~لأنك حسدتنا على حسن خلقه وعشرته، فاختار السبعين ليمضوا معه حتى يروا ~~برهان ما قال لهم، فلما وصلوا قال له موسى يا هارون أقتلت أم مت؟ فناداه من ~~القبر بل مت فأخذت القوم الرجفة. # قال القاضي أبو محمد: وروي أنهم ماتوا في رجفتهم هذه، ويحتمل أن كانت ~~كالإغماء ونحوه، والرجفة الاهتزاز والتقلقل للهول العظيم، فلما رأى موسى ~~ذلك أسف عليهم وعلم أن أمر بني إسرائيل سيتشعب عليه إذا لم يأت بالقوم فجعل ~~يستعطف ربه أي رب لو أهلكتهم قبل هذه الحال وإياي لكان أحق علي، وهذا وقت ~~هلاكهم فيه مفسد على مؤذلي، ثم استفهم على جهة الرغبة والتضرع والتذلل، ~~ويحتمل قوله: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أن يريد وقت إغضائهم على ~~عبادة العجل أي وقت عبادتهم على القول بذلك وفي نفسه هو وقت قتله القبطي، ~~أي فأنت قد سترت وعفوت حينئذ فكيف الآن إذ رجوعي دونهم فساد لبني إسرائيل، ~~فمنحى الكلام على هذا محض استعطاف، وعلى التأويل الأول منحاه الإدلاء ~~بالحجة في صيغة استعطاف، وإذا قلنا إن سبب «الرجفة» كان عبادة العجل كان ~~الضمير في قوله: # أتهلكنا له وللسبعين، والسفهاء إشارة إلى ms1404 العبدة من بني إسرائيل، وكذلك ~~إذا كان سببها قول بني إسرائيل له قتلت هارون، وإذا كان سبب الرجفة طلبهم ~~الرؤية وتشططهم في الدعاء أو عبادتهم بأنفسهم العجل فالضمير في قوله: ~~أتهلكنا يريد به نفسه وبني إسرائيل، أي بالتفرق والكفر والعصيان يكون ~~هلاكهم، ويكون قوله: السفهاء إشارة إلى السبعين، وروي أن السبعين لم يكن ~~فيهم من زاد على الأربعين ولا من قصر عن العشرين، وروي عن علي بن أبي طالب ~~أنهم أحيوا وجعلوا أنبياء كلهم، وقالت فرقة: إن موسى عليه السلام لما أعلمه ~~الله عز وجل أن السبعين عبدوا العجل تعجب وقال: إن هي إلا فتنتك تضل بها من ~~تشاء أي الأمور بيدك تفعل ما تريد، وقيل: إن الله تعالى لما أعلم موسى ~~بعبادة بني إسرائيل العجل وبصفته قال موسى: أي رب ومن أخاره؟ قال أنا، قال ~~موسى: فأنت أضللتهم إن هي إلا فتنتك ويحتمل أن يشير بها إلى قولهم: أرنا ~~الله إذ كانت فتنة من الله أوجبت الرجفة، وفي هذه الآية رد على المعتزلة، ~~وفاغفر معناه استر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : آية 156] # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) # اكتب معناه أثبت واقض، والكتب مستعمل في ما يخلد، وحسنة لفظ عام في كل ما ~~يحسن في الدنيا من عافية وغنى وطاعة لله تعالى وغير ذلك وحسنة الآخرة الجنة ~~لا حسنة دونها ولا مرمى وراءها، وهدنا بضم الهاء معناه تبنا، وقرأ أبو وجزة ~~«هدنا» بكسر الهاء ومعناه حركنا أنفسنا وجذبناها لطاعتك، وهو PageV02P460 # مأخوذ من هاد يهيد إذا حرك، وقوله تعالى: قال عذابي أصيب به من أشاء ~~الآية، قال الله عز وجل: إن الرجفة التي أنزلت بالقوم هي عذابي أصيب به من ~~شئت ثم أخبر عن رحمته، ويحتمل وهو الأظهر أن الكلام قصد الخبر عن عذابه وعن ~~رحمته من أول ما ابتدأ، ويندرج أمر أصحاب الرجفة في ms1405 عموم قوله عند عذابي ~~أصيب به من أشاء وقرأ الحسن وطاوس وعمرو بن فائد «من أساء» من الإساءة أي ~~من عمل غير صالح، وللمعتزلة بهذه القراءة تعلق من وجهين: أحدهما إنفاذ ~~الوعيد، والآخر خلق المرء أفعاله وأن أساء لا فعل فيه لله، وهذان التعلقان ~~فيهما احتمال ينفصل عنه كما ينفصل عن سائر الظواهر إلا أن القراءة أطنبوا ~~في التحفظ من هذه القراءة، وقال أبو عمرو الداني: لا تصح هذه القراءة عن ~~الحسن وطاوس، وعمرو بن فائد رجل سوء، وذكر أبو حاتم أن سفيان بن عيينة ~~قرأها مرة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقبري وصاح به وأسمعه فقال ~~سفيان: لم أدر ولم أفطن لما يقول أهل البدع وهذا إفراط من المقربين وحملهم ~~على ذلك شحهم على الدين وظنهم أن الانفصال عن تعلق المعتزلة متعذر. # ثم وصف الله تعالى رحمته بأنها وسعت كل شيء فقال بعض العلماء: هو عموم في ~~الرحمة وخصوص في قوله كل شيء والمراد من قد سبق في علم الله أن يرحمه دون ~~من سواهم، وقال بعضهم: # هو عموم في رحمة الدنيا لأن الكافر والمؤمن والحيوان كله متقلب في رحمة ~~الله الدنياوية، وقالت فرقة: # قوله: ورحمتي يراد به التوبة وهي خاصة على هذا في الرحمة وفي الأشياء لأن ~~المراد من قد تقع منه التوبة، وقال نوف البكالي: إن إبليس لما سمع قول الله ~~تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء طمع في رحمة الله فلما سمع فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة يئس إبليس وبقيت اليهود والنصارى، فلما تمادت الصفة تبين أن ~~المراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويئس اليهود والنصارى من الآية، وقال ~~نحوه قتادة، وقوله: فسأكتبها أي أقدرها وأقضيها، وقال نوف البكالي: إن موسى ~~عليه السلام قال يا رب جعلت وفادتي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال نوف ~~البكالي: فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم، وقوله: يتقون في ~~هذه الآية قالت فرقة: معناه يتقون الشرك، وقالت فرقة: يتقون المعاصي. # قال القاضي أبو محمد: ومن قال: الشرك ms1406 لا غير خرج إلى قول المرجئة، ويرد ~~عليه من الآية شرط الأعمال بقوله: ويؤتون الزكاة، ومن قال المعاصي ولا بد ~~خرج إلى قول المعتزلة، والصواب بأن تكون اللفظة عامة ولكن ليس بأن نقول ولا ~~بد من اتقاء المعاصي بل بأن نقول مع أن مواقع المعاصي في مشيئة الله تعالى، ~~ومعنى: يتقون يجعلون بينهم وبين المتقى وقاية وحجابا، فذكر الله تعالى ~~الرتبة العالية ليتسابق السامعون إليها، وقوله: ويؤتون الزكاة الظاهر من ~~قوله يؤتون أنها الزكاة المختصة بالمال وخصها هنا بالذكر تشريفا لها وجعلها ~~مثالا لجميع الطاعات، وقال ابن عباس فيما روي عنه: ويؤتون الأعمال التي ~~يزكون بها أنفسهم. # قوله عز وجل: PageV02P461 ### || [سورة الأعراف (7) : آية 157] # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) # هذه الألفاظ أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله ~~فسأكتبها للذين يتقون [الأعراف: 156] وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما، ويتبعون معناه في شرعه ودينه، ~~والرسول والنبي اسمان لمعنيين فإن الرسول، أخص من النبي هذا في الآدميين ~~لاشتراك الملك في لفظة الرسول، والنبي مأخوذ من النبأ، وقيل لما كان طريقا ~~إلى رحمة الله تعالى وسببا شبه بالنبيء الذي هو الطريق، وأنشدوا: # لأصبح رتما دقاق الحصى ... مكان النبيء من الكاثب # وأصله الهمز ولكنه خفف كذا قال سيبويه وذلك كتخفيفهم خابية وهي من خبأ، ~~واستعمل تخفيفه حتى قد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تنبروا ~~اسمي، وقدم الرسول اهتماما بمعنى الرسالة عند المخاطبين بالقرآن وإلا فمعنى ~~النبوءة هو المتقدم وكذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء بن ~~عازب حين قال آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «وبنبيك الذي أرسلت» ليترتب ms1407 الكلام كما ترتب ~~الأمر في نفسه، لأنه نبىء ثم أرسل، وأيضا في العبارة المردودة تكرار ~~الرسالة وهو معنى واحد، و «الأمي» بضم الهمزة قيل نسب إلى أم القرى وهي ~~مكة. # قال القاضي أبو محمد: واللفظة على هذا مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وغير مضمنة معنى عدم الكتابة، وقيل هو منسوب لعدمه الكتابة والحساب إلى ~~الأم، أي هو على حال الصدر عن الأم في عدم الكتابة، وقالت فرقة هو منسوب ~~إلى الأمة، وهذا أيضا مضمن عدم الكتابة لأن الأمة بجملتها غير كاتبة حتى ~~تحدث فيها الكتابة كسائر الصنائع، وقرأ بعض القراء فيما ذكر أبو حاتم ~~«الأمي» بفتح الهمزة وهو منسوب إلى الأم وهو القصد، أي لأن هذا النبي مقصد ~~للناس وموضع أم يؤمونه بأفعالهم وتشرعهم، قال ابن جني: # وتحتمل هذه القراءة أن يريد الأمي فغير تغيير النسب. # والضمير في قوله: يجدونه لبني إسرائيل والهاء منه لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد صفته ونعته. # وروي أن الله عز وجل قال لموسى قل لبني إسرائيل أجعل لكم الأرض مسجدا ~~وطهورا وأجعل السكينة معكم في بيوتكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهر ~~قلوبكم، فأخبر موسى بني إسرائيل فقالوا: إنما نريد أن نصلي في الكنائس وأن ~~تكون السكينة كما كانت في التابوت وأن لا نقرأ التوراة إلا نظرا، فقيل لهم ~~فنكتبها للذين يتقون يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي عن عبد الله ~~بن عمر، وفي البخاري أو غيره أن في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~«يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ~~ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي PageV02P462 # بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن ~~يقولوا لا إله إلا الله فنقيم به قلوبا غلفا وآذانا صما وأعينا عميا» . وفي ~~البخاري «فنفتح به عيونا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا» . ونص كعب الأحبار ~~نحو هذه الألفاظ إلا أنه قال «قلوبا غلفا وآذانا صموما» ، قال ms1408 الطبري وهي ~~لغة حميرية وقد رويت «غلوفيا وصموميا» . # قال القاضي أبو محمد: وأظن هذا وهما وعجمة. # وقوله تعالى: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر يحتمل أن يريد ابتداء ~~وصف الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يجعله متعلقا ب يجدونه ~~في موضع الحال على تجوز، أي يجدونه في التوراة أمرا بشرط وجوده فالمعنى ~~الأول لا يقتضي أنهم علموا من التوراة أنه يأمرهم وينهاهم ويحل ويحرم، ~~والمعنى الثاني يقتضي ذلك فالمعنى الثاني على هذا ذم لهم، ونحا إلى هذا أبو ~~إسحاق الزجاج، وقال أبو علي الفارسي في الأغفال يأمرهم عندي تفسير لما كتب ~~من ذكره كما أن قوله تعالى خلقه من تراب [آل عمران: 59] تفسير للمثل، ولا ~~يجوز أن يكون حالا من الضمير في يجدونه لأن الضمير للذكر والاسم، والذكر ~~والاسم لا يأمران. # قال القاضي أبو محمد: وما قدمته من التجوز وشرط الوجود يقرب ما منع منه ~~أبو علي، وانظر، وبالمعروف ما عرف الشرع، وكل معروف من جهة المروءة فهو ~~معروف بالشرع، فقد قال صلى الله عليه وسلم «بعثت لأتمم محاسن الأخلاق» ~~والمنكر مقابله. # والطيبات قال فيها بعض المفسرين إنها إشارة إلى البحيرة ونحوها، ومذهب ~~مالك رحمه الله أنها المحللات فكأنه وصفها بالطيب إذ هي لفظة تتضمن مدحا ~~وتشريفا، وبحسب هذا يقول في الخبائث إنها المحرمات وكذلك قال ابن عباس ~~«الخبائث» هي لحم الخنزير والربا وغيره، وعلى هذا حلل مالك المتقذرات ~~كالحيات والخنافس والعقارب ونحوها، ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي ~~من جهة الطعم إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها لأن عمومها بهذا الوجه من ~~الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير بل يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى ~~«الخبائث» لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات فيحرم العقارب ~~والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى، والناس على هذين القولين إلا أن في ~~تعيين الخبائث اختلافا ليس هذا موضع تقصيه. # وقوله تعالى: ويضع عنهم إصرهم الآية، يضع كأن قياسه أن يكون «يضع» بكسر ~~الضاد لكن رده حرف الحلق إلى فتح الضاد، ms1409 قال أبو حاتم وأدغم أبو عمرو «ويضع ~~عنهم» العين في العين وأشمها الرفع وأشبعها أبو جعفر وشيبة ونافع، وطلحة ~~ويذهب عنهم إصرهم، و «الإصر» الثقل وبه فسر هنا قتادة وابن جبير ومجاهد، و ~~«الإصر» أيضا العهد وبه فسر ابن عباس والضحاك والحسن وغيرهم، وقد جمعت هذه ~~الآية المعنيين فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ~~ثقال فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال، وحكى ~~أبو حاتم عن ابن جبير، قال: «الإصر» شدة العبادة. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والناس «إصرهم» وقرأ ~~ابن عامر وحده وأيوب PageV02P463 # السختياني ويعلى بن حكيم وأبو سراج الهذلي وأبو جعفر «آصارهم» بالجمع لما ~~كانت الأعمال كثيرة كانت أثقالها متغايرة، ومن وحد الإصر فإنما هو مفرد اسم ~~جنس يراد به الجمع، قال أبو حاتم: في كتاب بعض العلماء «أصرهم» واحد مفتوح ~~الهمزة عن نافع وعيسى والزيات وذلك غلط، وذكرها مكي عن أبي بكر عن عاصم ~~وقال: هي لغة. # والأغلال التي كانت عليهم عبارة مستعارة أيضا لتلك الأثقال كقطع الجلد من ~~أثر البول، وأن لا دية ولا بد من قتل للقاتل، وترك الأشغال يوم السبت، فإنه ~~روي أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه، هذا قول ~~جمهور المفسرين، وهذا مثل قولك طوق فلان كذا إذا ألزمه، ومنه قول الشاعر: ~~[مجزوء الكامل] # اذهب بها اذهب بها ... طوقتها طوق الحمامه # أي لزمك عارها ومن هذا المعنى قول الهذلي: # فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # وعاد الفتى كالكهل ليس بقابل ... سوى الحق شيئا فاستراح العواذل # يريد أوامر الإسلام ولوازم الإيمان الذي قيد الفتك كما قال صلى الله عليه ~~وسلم، وقال ابن زيد: إنما المراد هنا ب الأغلال قول الله عز وجل في اليهود ~~غلت أيديهم [المائدة: 64] فمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم زالت عنه ~~الدعوة وتغليلها. # ثم أخبر تعالى عن حال المؤمنين فقال: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ms1410 وقرأ ~~الجحدري وسليمان التيمي وقتادة وعيسى «عزروه» بالتخفيف، وجمهور الناس على ~~التشديد في الزاي، ومعناه في القراءتين وقروه، والتعزير والنصر مشاهدة خاصة ~~للصحابة، واتباع النور يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنور ~~كناية عن جملة الشرع، وقوله: معه فيه حذف مضاف والتقدير مع بعثه أو نبوته ~~أو نحو هذا، وشبه الشرع والهدى بالنور إذ القلوب تستضيء به كما يستضيء ~~البصر بالنور، والمفلحون معناه الفائزون ببغيتهم، وهذا يعم معاني الفلاح ~~فإن من بقي فقد فاز ببغيته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 158 الى 160] # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض ~~لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون (159) وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ~~مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) # هذا أمر من الله عز وجل لنبيه بإشهار الدعوة والحض على الدخول في الشرع، ~~وذلك أنه لما رجا PageV02P464 # الأمة المتبعة للنبي الأمي التي كتب لهم رحمته عقب ذلك بدعاء الناس إلى ~~الاتباع الذي معه تحصل تلك المنازل وهذه الآية خاصة لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم بين الرسل، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة وإلى ~~الجن، قاله الحسن، وتقتضيه الأحاديث، وكل نبي إنما بعث إلى فرقة دون ~~العموم، ثم إنه لما أعلن بالرسالة من عند الله أردف بصفة الله التي تقتضي ~~الإذعان له وهي أنه ملك السموات والأرض بالخلق والإبداع والإحياء والإماتة ~~لا إله إلا هو ولا معبود سواه. # وقوله تعالى: فآمنوا بالله ورسوله الآية، هو الحض على اتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقوله: الذي يؤمن يريد الذي يصدق بالله وكلماته والكلمات ~~هنا الآيات المنزلة من عنده كالتوراة ms1411 والإنجيل، وقرأ جمهور الناس «كلماته» ~~بالجمع، وقرأ عيسى بن عمر «كلمته» بالإفراد الذي يراد به الجمع، وقرأ ~~الأعمش «الذي يؤمن بالله وآياته» بدل «كلماته» ، وقال مجاهد والسدي: المراد ~~ب «كلماته» أو «كلمته» عيسى بن مريم، وقوله تعالى: لعلكم تهتدون أي على ~~طمعكم وبحسب ما ترونه، وقوله: # واتبعوه لفظ عام يدخل تحته جميع إلزامات الشريعة جعلنا الله من متبعيه ~~على ما يلزم بمنه ورحمته. # وقوله: ومن قوم موسى الآية، يهدون معناه يرشدون أنفسهم، وهذا الكلام ~~يحتمل أن يريد به وصف المؤمنين المتقين من بني إسرائيل على عهد موسى وما ~~والاه من الزمن، فأخبر أنه كان في بني إسرائيل على عتوهم وخلافهم من اهتدى ~~واتقى وعدل، ويحتمل أن يريد الجماعة التي آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~بني إسرائيل على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، ويحتمل ما روي من أن بني ~~إسرائيل لما تقطعوا مرت أمة منهم واعتزلت ودخلت تحت الأرض فمشت في سرب تحت ~~الأرض سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين، فهم هنالك خلف واد من شهد يقيمون ~~الشرع ويهدون بالحق، قاله السدي وابن جريج، وروي بعضه عن ابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حديث بعيد، وقرأ بعض من الناس «وقطعناهم» بشد ~~الطاء، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة «وقطعناهم» بتخفيف الطاء، ورواها أبان ~~عن عاصم، ومعناه فرقناهم من القطع، وقرأ جمهور الناس «عشرة» بسكون الشين، ~~وهي لغة الحجاز وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وطلحة بن سليمان بخلاف «عشرة» ~~بفتح الشين، وقرأت هذه الجماعة أيضا وطلحة بن مصرف وأبو حيوة «عشرة» بكسر ~~الشين وهي لغة تميم، وقال أبو حاتم والعجب أن تميما يخففون ما كان من هذا ~~الوزن أي أهل الحجاز يشبعون وتناقضوا في هذا الحرف، وقوله: أسباطا بدل من ~~اثنتي. والتمييز الذي بين العدد محذوف مقدر اثنتي عشرة فرقة أو قطعة ~~أسباطا، وإما أن يزول عن التمييز ويقدر وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة ثم أبدل ~~أسباطا، والأول أحسن وأبين، ولا يجوز أن يكون أسباطا تمييزا لأن التمييز لا ~~يكون ms1412 إلا مفردا نكرة، وأيضا فالسبط مذكر وهو قد عد مؤنثا على أن هذه العلة ~~لو انفردت لمنعت إذ السبط بمعنى الأمة، قال الطبري: وقال بعض الكوفيين لما ~~كان السبط بمعنى الأمة غلب التأنيث وهو مثل قول الشاعر: [الطويل] # فإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر # قال القاضي أبو محمد: وأغفل هذا الكوفي جمع الأسباط، وإن ما ذهب إليه ~~إنما كان يجوز لو كان PageV02P465 # الكلام اثنتي عشرة سبطا والسبط في ولد إسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل، ~~وقد قال الزجاج وغيره: إن السبط من السبط وهو شجر. # قال القاضي أبو محمد: وإنما الأظهر فيه عبراني عرب. # قوله عز وجل: # وأوحينا إلى موسى إذ # # قد تقدم في سورة البقرة أمر الحجر والاستسقاء وأين كان وأمر التظليل ~~وإنزال المن والسلوى، وذكرنا ذلك بما يغني عن إعادته هاهنا. # وفانبجست معناه انفجرت إلا أن الانبجاس أخف من الانفجار، وقرأ الأعمش ~~وعيسى الهمداني كلوا من طيبات ما رزقناكم بتوحيد الضمير. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 161 الى 163] # وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم ~~قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون ~~(162) وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) # المعنى واذكر «إذ قيل لهم» ، والمراد من سلف من بني إسرائيل، وذلك أنهم ~~لما خرجوا من التيه قيل لهم اسكنوا هذه القرية و «القرية» في كلام العرب ~~المدينة مجتمع المنازل، والإشارة هنا إلى بيت المقدس، قاله الطبري. وقيل ~~إلى أريحا، وحيث شئتم أي هي ونعمها لكم مباحة، وقرأ السبعة والحسن وأبو ~~رجاء ومجاهد وغيرهم «حطة» بالرفع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «حطة» بالنصب، ~~الرفع على خبر ابتداء تقديره طلبنا حطة، والنصب على المصدر أي حط ذنوبنا ~~حطة، وهذا على أن يكلفوا ms1413 قول لفظة معناها حطة، وقد قال قوم كلفوا قولا حسنا ~~مضمنه الإيمان وشكر الله ليكون حطة لذنوبهم، فالكلام على PageV02P466 # هذا كقولك قل خيرا.. وتوفية هذا مذكور في سورة البقرة. # وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي «نغفر» بالنون «لكم خطيئاتكم» بالتاء ~~مهموز على الجمع، وقرأ أبو عمرو «نغفر» بالنون «لكم خطاياكم» نحو قضاياكم ~~وهي قراءة الحسن والأعمش، وقرأ نافع «تغفر» بتاء مضمومة «لكم خطيئاتكم» ~~بالهمز وضم التاء على الجمع، ورواها محبوب عن أبي عمرو، وقرأ ابن عامر ~~«تغفر» بتاء مضمومة «لكم خطيئتكم» واحدة مهموزة مرفوعة، قال أبو حاتم: ~~وقرأها الأعرج وفرقة «تغفر» بالتاء وفتحها على معنى أن الحطة تغفر إذ هي ~~سبب الغفران، و «بدل» معناه غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه، وأبدل إذا ذهب ~~به وجاء بلفظ آخر والإشارة بالقول إلى قول بني إسرائيل حبة في شعرة أو حنطة ~~في شعيرة، و «الرجز» الذي أرسل عليهم طاعون يقال مات منه في يوم سبعون ~~ألفا، وتقدم أيضا استيعاب تفسير هذه الآية. # وقوله تعالى: وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الآية، قال بعض ~~المتأولين: إن اليهود المعارضين لمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا إن بني ~~إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولا معاندة لما أمروا به فنزلت هذه الآية موبخة ~~لهم ومقررة ما كان من فعل أهل هذه القرية، فسؤالهم إنما كان على جهة ~~التوبيخ، والقرية هنا مدين قاله ابن عباس، وقيل أيلة، قاله ابن عباس وعبد ~~الله بن كثير وعكرمة والسدي والثوري، وقال قتادة هي مقنا بالقاف ساكنة، ~~وقال ابن زيد هي مقناة ساحل مدين، ويقال فيها مغنى بالغين مفتوحة ونون ~~مشددة، وقيل هي طبرية قاله الزهري، وحاضرة يحتمل أن يريد معنى الحضور أي ~~البحر فيها حاضر، ويحتمل أن يريد معنى الحضارة على جهة التعظيم لها أي هي ~~الحاضرة في مدن البحر، وإذ يعدون معناه يخالفون الشرع من عدا يعدو، وقرأ ~~شهر بن حوشب وأبو نهيك «يعدون» ، قال أبو الفتح أراد يعتدون فأسكن التاء ~~ليدغمها في الدال ونقل فتحها إلى العين ms1414 فصار «يعدون» بفتح العين وشد الدال ~~المضمومة، والاعتداء منهم في السبت هو نفس العمل والاشتغال كان صيدا أو ~~غيره إلا أنه كان في هذه النازلة بالصيد وكان الله عز وجل ابتلاهم في أمر ~~الحوت بأن يغيب عنهم سائر الجمعة فإذا كان يوم السبت جاءهم في الماء شارعا ~~أي مقبلا إليهم مصطفا كما تقول أشرعت الرماح إذا مدت مصطفة، وهذا يمكن أن ~~يقع من الحوت بإرسال من الله كإرسال السحاب أو بوحي وإلهام كالوحي إلى ~~النحل أو بإشعار في ذلك اليوم على نحو ما يشعر الله الدواب يوم الجمعة بأمر ~~الساعة حسبما يقتضيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # «ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة حتى تطلع الشمس فرقا من الساعة» ، ~~ويحتمل أن يكون ذلك من الحوت شعورا بالسلامة في ذلك اليوم على نحو شعور ~~حمام الحرم بالسلامة. # قال رواة هذا القصص: فيقرب الحوت ويكثر حتى يمكن أخذه باليد فإذا كان ~~ليلة الأحد غاب بجملته وقيل غابت كثرته ولم يبق منه إلا القليل الذي يتعب ~~صيده، قاله قتادة ففتنهم ذلك وأضر بهم فتطرقوا إلى المعصية بأن حفروا حفرا ~~يخرج إليها ماء البحر على أخدود فإذا جاء الحوت يوم السبت وحصل في الحفرة ~~ألقوا في الأخدود حجرا فمنعوه الخروج إلى البحر فإذا كان الأحد أخذوه فكان ~~هذا أول التطرق. # وروى أشهب عن مالك قال: زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطا ويصنع ~~فيه وهقة وألقاها في PageV02P467 # ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد مضروب، وتركه كذلك إلى الأحد، ~~ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى كثر صيد الحوت ومشي به في ~~الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده وقالوا ذهبت حرمة السبت فقامت فرقة من بني ~~إسرائيل ونهت وجاهرت بالنهي واعتزلت، والعامل في قوله: ويوم لا يسبتون ~~قوله: لا تأتيهم وهو ظرف مقدم، وقرأ عمر بن عبد العزيز «حيتانهم يوم ~~أسباتهم» ، وقرأ نافع وأبو عمرو والحسن وأبو جعفر والناس «يسبتون» بكسر ~~الباء، وقرأ عيسى بن عمر وعاصم بخلاف ms1415 «يسبتون» بضمها، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن وعاصم بخلاف «يسبتون» من أسبت إذا دخل في السبت، ومعنى قوله: كذلك ~~الإشارة إلى أمر الحوت وفتنتهم به، هذا على من وقف على تأتيهم ومن وقف على ~~كذلك فالإشارة إلى كثرة الحيتان شرعا، أي فما أتى منها فهو قليل، ونبلوهم ~~أي نمتحنهم لفسقهم وعصيانهم. # قال القاضي أبو محمد: وفي قصص هذه الآية رواية وتطويل اختصرته واقتصرت ~~منه على ما لا تفهم ألفاظ الآية إلا به. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 164 الى 166] # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ~~(165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166) # قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، فرقة عصت وصادت، ~~وفرقة نهت وجاهرت وتكلمت واعتزلت، وفرقة اعتزلت ولم تعص ولم تنه، وإن هذه ~~الفرقة لما رأت مجاهرة الناهية وطغيان العاصية وعتوها قالت للناهية لم ~~تعظون قوما يريدون العاصية الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن وما عهد من ~~فعل الله حينئذ بالأمم العاصية، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله، ثم ~~اختلف بعد هذا فقالت فرقة إن الطائفة التي لم تعص ولم تنه هلكت مع العاصية ~~عقوبة على ترك النهي، قاله ابن عباس، وقال أيضا: ما أدري ما فعل بهم، وقالت ~~فرقة بل نجت مع الناهية لأنها لم تعص ولا رضيت قاله عكرمة والحسن وغيرهما، ~~وقال ابن الكلبي فيما أسند عنه الطبري إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين، ~~فرقة عصت وجاهرت وفرقة نهت وغيرت واعتزلت، وقالت للعاصية إن الله يهلكهم ~~ويعذبهم، فقالت أمة من العاصين للناهين على جهة الاستهزاء لم تعظون قوما قد ~~علمتم أن الله مهلكهم أو معذبهم. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصوب، وتؤيده الضمائر في قوله: إلى ~~ربكم ولعلهم فهذه المخاطبة تقتضي مخاطبا ومخاطبا ومكنيا ms1416 عنه، وقرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي «معذرة» بالرفع، أي موعظتنا، ~~معذرة أي إقامة عذر، وقرأ عاصم في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر PageV02P468 # وطلحة بن مصرف «معذرة» بالنصب أي وعظنا معذرة، قال أبو علي حجتها أن ~~سيبويه قال: لو قال رجل لرجل معذرة إلى الله وإليك من كذا لنصب. # قال القاضي أبو محمد: الرجل القائل في هذا المثال معتذر عن نفسه وليس ~~كذلك الناهون من بني إسرائيل فتأمل، ومعنى مهلكهم في الدنيا أو معذبهم في ~~الآخرة، وقوله: لعلهم يتقون يقتضي الترجي المحض، لأنه من قول آدميين. # والضمير في قوله: نسوا للمنهيين وهو ترك سمي نسيانا مبالغة إذ أقوى منازل ~~الترك أن ينسى المتروك. وما في قوله: ما ذكروا به معنى الذي، ويحتمل أن ~~يراد به الذكر نفسه، ويحتمل أن يراد به ما كان فيه الذكر، والسوء لفظ عام ~~في جميع المعاصي إلا أن الذي يختص هنا بحسب قصص الآية صيد الحوت، والذين ~~ظلموا هم العاصون، وقوله: بعذاب بئيس معناه مؤلم موجع شديد، وقرأ نافع وأهل ~~المدينة أبو جعفر وشيبة وغيرهما «بيس» بكسر الباء وسكون الياء وكسر السين ~~وتنوينها، وهذا على أنه فعل سمي به كقوله صلى الله عليه وسلم «أنهاكم عن ~~قيل وقال» . وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بيس» كما تقول بيس الرجل وضعفها أبو ~~حاتم، قال أبو عمرو: وروي عن الحسن «بئس» بهمزة بين الباء والسين، وقرأ ~~نافع فيما يروي عنه خارجة «بيس» بفتح الباء وسكون الياء وكسر السين منونة، ~~وروى مالك بن دينار عن نصر بن عاصم «بيس» بفتح الباء والياء منونة على مثل ~~جمل وجيل، وقرأ أبو عبد الرحمن المقري «بئس» بفتح الباء وهمزة مكسورة وسين ~~منونة على وزن فعل، ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات: # [المديد] # ليتني ألقى رقية في ... خلوة من غير ما بئس # قال أبو عمرو الداني هي قراءة نصر بن عاصم وطلحة بن مصرف، وروي عن نصر ~~«بيس» بباء مكسورة من غيرهم، قال الزهراوي وروي عن ms1417 الأعمش «بئس» الباء ~~مفتوحة والهمزة مكسورة مشددة والسين مكسورة منونة، وقرأ فرقة «بئس» كالتي ~~قبل إلا فتح السين، ذكرها أبو عمرو الداني عما حكى يعقوب، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع في رواية أبي قرة عنه وعاصم في رواية حفص ~~عنه «بئيس» بياء بعد الهمزة المكسورة والسين المنونة على وزن فعيل، وهذا ~~وصف بالمصدر كقولهم عذير الحي والنذير والنكير، ونحو ذلك، وهي قراءة الأعرج ~~ومجاهد وأهل الحجاز وأبي عبد الرحمن ونصر بن عاصم والأعمش وهي التي رجح أبو ~~حاتم، ومنه قول ذي الأصبع العدواني: [مجزوء الكامل] # حنقا علي ولا أرى ... لي منهما نشرا بئيسا # وقرى أهل مكة «بئيس» كالأول إلا كسر الباء على وزن فعيل قال أبو حاتم: ~~هما لغتان، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه «بيئس» بفتح الباء وسكون الياء ~~وفتح الهمزة على وزن فيعل ومعناه شديد، ومنه قول امرئ القيس بن عابس ~~الكندي: [الرجز] # كلاهما كان رييسا بيئسا ... يضرب في يوم الهياج القونسا PageV02P469 # فهي صفة كضيغم وحيدر، وهي قراءة الأعمش، وقرأ عيسى بن عمر والأعمش بخلاف ~~عنه «بيئس» كالتي قبل إلا كسر الهمزة على وزن فيعل، وهذا شاذ لأنه لا يوجد ~~فيعل في الصحيح وإنما يوجد في المعتل مثل سيد وميت، وقال الزهراوي: روى نصر ~~عن عاصم «بيس» على مثال ميت وهذا على أنه من البوس لا أصل له في الهمز، قال ~~أبو حاتم زعم عصمة أن الحسن والأعمش قرءا «بئيس» الباء مكسورة والهمزة ~~ساكنة والياء مفتوحة على مثال خديم، وضعفها أبو حاتم، وقرأ ابن عامر من ~~السبعة «بئس» بكسر الباء وسكون الهمزة وتنوين السين المكسورة وقرأت فرقة ~~«بأس» بفتح الباء وسكون الألف، وقرأ أبو رجاء «بائس» على وزن فاعل، وقرأ ~~فرقة «بيس» بفتح الباء والياء والسين على وزن فعل، وقرأ مالك بن دينار ~~«بأس» بفتح الباء والسين وسكون الهمزة على وزن فعل غير مصروف، وقرأ فرقة ~~«بأس» مصروفا، وحكى أبو حاتم «بيس» قال أبو الفتح هي قراءة نصر بن عاصم، ~~وحكى الزهراوي عن ابن ms1418 كثير وأهل مكة «بيس» بكسر الباء ويهمز همزا خفيفا. # قال القاضي أبو محمد: ولم يبين هل الهمزة مكسورة أو ساكنة، وقوله: بما ~~كانوا يفسقون أي لأجل ذلك وعقوبة عليه، و «العتو» الاستعصاء وقلة الطواعية، ~~وقوله: قلنا لهم يحتمل أن يكون قولا بلفظ من ملك أسمعهم ذلك فكان أذهب في ~~الإغراب والهوان والإصغار، ويحتمل أن يكون عبارة عن المقدرة المكونة لهم ~~قردة، وخاسئين مبعدين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد ~~«اخسأ» ، وكما يقال للكلب اخسأ، ف خاسئين خبر بعد خبر، هذا اختيار أبي ~~الفتح، وضعف الصفة، وكذلك هو، لأن القصد ليس التشبيه بقردة مبعدات. # قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن يكون خاسئين حالا من الضمير في كونوا، ~~والصفة أيضا متوجهة مع ضعفها، وروي أن الشباب منهم مسخوا قردة والرجال ~~الكبار مسخوا خنازير، وروي أن مسخهم كان بعد المعصية في صيد الحوت بعامين ~~وقال ابن الكلبي إن إهلاكهم كان في زمن داود، وروي أن الناهين قسموا ~~المدينة بينهم وبين العاصين بجدار، فلما أصبحوا ليلة أهلك العاصون لم يفتح ~~مدينة العاصين حتى ارتفع النهار فاستراب الناهون لذلك فطلع أحد الناس على ~~السور فرآهم ممسوخين قردة تتوا؟ ب، فصاح، فدخلوا عليهم يعرف الرجل قرابته ~~ويعرف القرد أيضا كذلك قرابته، وينضمون إلى قرابتهم فيتحسرون، قال الزجاج: ~~وقال قوم: يجوز أن تكون هذه القردة من نسلهم. # قال القاضي أبو محمد: وتعلق هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمة ~~من الأمم فقدت وما أراها إلا الفأر إذا قرب لها لبن لم تشرب، وبقوله صلى ~~الله عليه وسلم في الضب، وقصص هذا الأمر أكثر من هذا لكن اختصرته واقتصرت ~~على عيونه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 167 الى 168] # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك ~~لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (168) PageV02P470 # بنية تأذن هي التي تقتضي التكسب من أذن أي ms1419 علم ومكن وآذن أي أعلم مثل كرم ~~وأكرم وتكرم إلا أن تعلم وما جرى مجرى هذا الفعل إذا كان مسندا إلى اسم ~~الله عز وجل لم يلحقه معنى التكسب الذي يلحق المحدثين، فإنما يترتب بمعنى ~~علم صفة لا بتكسب بل هي قائمة بالذات وإلى هذا المعنى ينحو الشاعر بقوله: # تعلم أبيت اللعن # لأنه لم يأمره بالتعلم الذي يقتضي جهالة وإنما أراد أن يوقفه على قوة ~~علمه، ومنه قول زهير: # تعلم إن شر الناس حي ... ينادي في شعارهم يسار # فمعنى هذه الآية وإذ علم الله ليبعثن عليهم، ويقتضي قوة الكلام أن ذلك ~~العلم منه مقترن بإنفاذ وإمضاء، كما تقول في أمر قد عزمت عليه غاية العزم ~~علم الله لأفعلن كذا، نحا إليه أبو علي الفارسي، وقال الطبري وغيره تأذن ~~معناه أعلم وهو قلق من جهة التصريف إذ نسبة تأذن إلى الفاعل غير نسبة أعلم، ~~وتبين ذلك من التعدي وغيره، وقال مجاهد: تأذن معناه قال، وروي عنه أن معناه ~~أمر، وقالت فرقة: # معنى تأذن تألى. # قال القاضي أبو محمد: وقادهم إلى هذا القول دخول اللام في الجواب، وأما ~~اللفظة فبعيدة عن هذا، والضمير في عليهم لمن بقي من بني إسرائيل لا للضمير ~~في «لهم» . وقوله: من يسومهم قال سعيد بن جبير هي إشارة إلى العذاب، وقال ~~ابن عباس هي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. # قال القاضي أبو محمد: والصحيح أنها عامة في كل من حال اليهود معه هذه ~~الحال، ويسومهم معناه يكلفهم ويحملهم، وسوء العذاب الظاهر منه الجزية ~~والإذلال، وقد حتم الله عليهم هذا وحط ملكهم فليس في الأرض راية ليهودي، ~~وقال ابن المسيب فيستحب أن تتعب اليهود في الجزية، ولقد حدثت أن طائفة من ~~الروم أملقت في صقعها فباعت اليهود المجاورة لهم الساكنة معهم وتملكوهم، ثم ~~حسن في آخر هذه الآية لتضمنها الإيقاع بهم والوعيد أن ينبه على سرعة عقاب ~~الله ويخوف بذلك تخويفا عاما لجميع الناس ثم رجى ذلك لطفا منه تبارك ~~وتعالى. # وقطعناهم معناه فرقناه في الأرض، ms1420 قال الطبري عن جماعة من المفسرين: ما في ~~الأرض بقعة إلا وفيها معشر من اليهود، والظاهر في المشار إليهم في هذه ~~الآية أنهم الذين بعد سليمان وقت زوال ملكهم، والظاهر أنه قبل مدة عيسى ~~عليه السلام لأنه لم يكن فيهم صالح بعد كفرهم بعيسى صلى الله عليه وسلم، ~~وفي التواريخ في هذا الفصل روايات مضطربة، والصالحون ودون ذلك ألفاظ محتملة ~~أن يدعها صلاح الإيمان ف دون بمعنى غير يراد بها الكفرة، وإن أريد بالصلاح ~~العبادة والخير وتوابع الإيمان ف دون ذلك يحتمل أن يكون في مؤمنين، ~~وبلوناهم معناه امتحناهم، وبالحسنات الصحة والرخاء ونحو هذا مما هو بحسب ~~رأي ابن آدم ونظره، والسيئات مقابلات هذه، وقوله: لعلهم أي PageV02P471 # بحسب رأيكم لو شاهدتم ذلك، والمعنى لعلهم يرجعون إلى الطاعة ويتوبون من ~~المعصية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 169 الى 170] # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ~~(169) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ~~(170) # خلف معناه حدث خلفهم وبعدهم خلف بإسكان اللام يستعمل في الأشهر في الذم ~~ومنه قول لبيد: [الكامل] # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # وقد يستعمل في المدح ومنه قول حسان: [الطويل] # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # والخلف بفتح اللام يستعمل في الأشهر في المدح، قال أبو عبيدة والزجاج: ~~وقد يستعمل في الذم أيضا ومنه قول الشاعر: # الا ذلك الخلف الأعور وقال مجاهد: المراد ب «الخلف» هاهنا النصارى وضعفه ~~الطبري وقرأ جمهور الناس ورثوا الكتاب وقرأ الحسن بن أبي الحسن البصري ~~«ورثوا الكتاب» بضم الواو وشد الراء، وقوله: يأخذون عرض هذا الأدنى إشارة ~~إلى الرشا والمكاسب الخبيثة و «العرض» ما يعرض ويعن ولا يثبت، و «الأدنى» ~~إشارة إلى عيش الدنيا، وقوله: ويقولون سيغفر ms1421 لنا ذم لهم باغترارهم وقولهم: ~~سيغفر مع علمهم بما في كتاب الله من الوعيد على المعاصي وإصرارهم عليهم ~~وأنهم إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها فهؤلاء عجزة كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، فهؤلاء قطعوا بالمغفرة وهم ~~مصرون وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم. # وقوله تعالى: ألم يؤخذ عليهم الآية، تشديد في لزوم قول الحق على الله في ~~الشرع والأحكام بين الناس وأن لا تميل الرشا بالحكام إلى الباطل، والكتاب ~~يريد به التوراة وميثاقها الشدائد التي فيها في هذا المعنى، وقوله: أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق يمكن أن يريد بذلك قولهم الباطل في حكومة مما يقع ~~بين أيديهم، ويمكن أن يريد قولهم سيغفر لنا وهم قد علموا الحق في نهي الله ~~عن ذلك، وقرأ جمهور الناس: «يقولوا» بياء من تحت وقرأ الجحدري: «تقولوا» ~~بتاء من فوق وقوله: ودرسوا معطوف على قوله: ألم يؤخذ الآية بمعنى المضي، ~~يقدر: أليس قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه PageV02P472 # وبهذين الفعلين تقوم الحجة عليهم في قولهم الباطل، وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي، «وادارسوا» ما فيه وقال الطبري وغيره، قوله: ودرسوا معطوف على ~~قوله: ورثوا الكتاب. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر لبعد المعطوف عليه لأنه قوله: ودرسوا ~~يزول منه معنى إقامة الحجة بالتقدير الذي في قوله: ألم ثم وعظ وذكر تبارك ~~وتعالى بقوله: والدار الآخرة خير للذين يتقون وقرأ جمهور الناس: «أفلا ~~تعقلون» بالتاء من فوق وقرأ أبو عمرو وأهل مكة: «يعقلون» بالياء من أسفل. # وقوله: والذين عطف على قوله: للذين يتقون وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص وأبو عمرو والناس: «يمسكون» بفتح الميم وشد ~~السين وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو العالية وعاصم وحده في رواية ~~أبي بكر. «يمسكون» بسكون الميم وتخفيف السين، وكلهم خفف ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر [الممتحنة: 10] إلا أبا عمرو فإنه قرأ: «ولا تمسكوا» بفتح الميم ~~وشد السين، وقرأ الأعمش «والذين استمسكوا» وفي ms1422 حرف أبي «والذين مسكوا» يقال ~~أمسك ومسك وهما لغتان بمعنى واحد، قال كعب بن زهير: [البسيط] # فما تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما تمسك الماء الغرابيل # أما أن شد السين يجري مع التعدي بالباء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 171 الى 172] # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين (172) # نتقنا معناه اقتلعنا ورفعنا فكأن النتق اقتلاع الشيء، تقول العرب: نتقت ~~الزبدة من فم القربة، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # ونتقوا أحلامنا الأثاقلا # والناتق الرحم التي تقلع الولد من الرجل، ومنه قول النابغة: # لم يحرموا حسن الغداء وأمهم ... دحقت عليك بناتق مذكار # وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بتزويج الأبكار ~~فإنهن أنتق أرحاما وأطيب أفواها» الحديث. وقد جاء في القرآن بدل هذه اللفظة ~~في هذه القصة بعينها رفعنا لكن نتقنا، وفوقهم أعطت الرفع بزيادة قرينة هي ~~أن الجبل اقتلعته الملائكة وأمر الله إياه، وروي أن موسى عليه السلام لما ~~جاءهم بالتوراة فقال عن الله تعالى هذا كتاب الله أتقبلونه بما فيه؟ فإن ~~فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم، قالوا: انشر علينا ~~ما فيها فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة PageV02P473 # قبلناها، قال: اقبلوها بما فيها قالوا: لا، فراجعهم موسى فراجعوا ثلاثا ~~فأوحى الله عز وجل إلى الجبل فانقلع وارتفع فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى صلى ~~الله عليه وسلم ألا ترون ما يقول ربي؟: لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها ~~لأرمينكم بهذا الجبل، قال الحسن البصري: فلما رأوا إلى الجبل خر كل واحد ~~منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا أن يسقط ~~عليه فلذلك ليس في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر يقولون هذه ~~السجدة التي رفعت بها عنا ms1423 العقوبة، و «الظلة» ما أظل ومنه في ظلل من الغمام ~~[البقرة: 210] ومنه عذاب يوم الظلة [الشعراء: 189] ومنه قول أسيد بن حضير ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: قرأت البارحة «فغشي الدار مثل الظلة فيها أمثال ~~المصابيح» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك السكينة تنزلت للقرآن فإن ~~قيل فإذا كان الجبل ظلة فما معنى: كأنه؟ فالجواب أن البشر إنما اعتادوا هذه ~~الأجرام الأرضية ظللا إذا كانت على عمد، فلما كان الجبل على غير عمد قيل ~~كأنه ظلة أي كأنه على عمد، وظنوا قال المفسرون: معناه أيقنوا. # قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك بل هو موضع غلبة الظن مع بقاء ~~الرجاء، وكيف يوقنون بوقوعه وموسى عليه السلام يقول: إن الرمي به إنما هو ~~بشرط أن لا يقبلوا التوراة والظن إنما يقع ويستعمل في اليقين متى كان ذلك ~~المتيقن لم يخرج إلى الحواس، وقد يبين هذا فيما سلف من هذا الكتب ثم قيل ~~لهم في وقت ارتفاع الجبل: خذوا ما آتيناكم بقوة فأخذوها والتزموا جميع ما ~~تضمنته من شدة ورخاء فما وفوا، وقرأ جمهور الناس: واذكروا وقرأ الأعمش فيما ~~حكى أبو الفتح عنه: «واذكروا ولعلكم» على ترجيهم وهذا تشدد في حفظها ~~والتهمم بأمرها. # وقوله تعالى: وإذ أخذ ربك الآية، التقدير واذكر إذ أخذ وقوله: من ظهورهم ~~قال النحاة: هو بدل اشتمال من قوله: من بني آدم، وألفاظ هذه الآية تقتضي أن ~~الأخذ إنما كان من بني آدم من ظهورهم وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظة ~~وتواترت الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن عباس وغيرهما أن الله عز وجل لما ~~خلق آدم وفي بعض الروايات لما أهبط آدم إلى الأرض في دهناء من أرض السند ~~قاله ابن عباس، وفي بعضها أن ذلك بنعمان وهي عرفة وما يليها قاله أيضا ابن ~~عباس وغيره، مسح على ظهره وفي بعض الروايات بيمينه وفي بعض الروايات ضرب ~~منكبه فاستخرج ms1424 منها أي من المسحة أو الضربة نسم بنيه ففي بعض الروايات ~~كالذر وفي بعضها كالخردل وقال محمد بن كعب: إنها الأرواح جعلت لها مثالات، ~~وروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخذوا من ظهره ~~كما يؤخذ بالمشط من الرأس وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان وأخذ عليهم ~~العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره فأقروا بذلك والتزموه وأعلمهم أنه سيبعث ~~الرسل إليهم مذكرة وداعية، فشهد بعضهم على بعض، قال أبي بن كعب وأشهد عليهم ~~السماوات السبع فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد ~~في ذلك اليوم والمقام، وقال السدي أعطى الكفار العهد يومئذ كارهين على وجه ~~التقية. # قال القاضي أبو محمد: هذه نخيلة مجموع الروايات المطولة، وكأن ألفاظ هذه ~~الأحاديث لا تلتئم PageV02P474 # مع ألفاظ الآية، وقد أكثر الناس في روم الجمع بينهما فقال قوم: إن الآية ~~مشيرة إلى هذا التناسل الذي في الدنيا، وأخذ بمعنى أوجد على المعهود وأن ~~الإشهاد هو عند بلوغ المكلف وهو قد أعطي الفهم ونصبت له هذه الصنعة الدالة ~~على الصانع، ونحا إلى هذا المعنى الزجاج، وهو معنى تحتمله الألفاظ لكن يرد ~~عليه تفسير عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما الآية بالحديث المذكور، ~~وروايتهما ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وطول الجرجاني في هذه المسألة ومدار كلامه على أن المسح وإخراج الذرية من ~~أظهر آدم حسب الحديث، وقيل في الآية أخذ من ظهورهم إذ الإخراج من ظهر آدم ~~الذي هو الأصل إخراج من ظهور بنيه الذين هم الفرع إذ الفرع والأصل شيء ~~واحد، إلى كلام كثير لا يثبت للنقد، وقال غيره: إن جميع ما في الحديث من ~~مسح بيمينه وضرب منكبه ونحو هذا إنما هي عبارة عن إيجاد ذلك النسم منه، و ~~«اليمين» عبارة عن القدرة أو يكون الماسح ملكا بأمر الله عز وجل فتضمن ~~الحديث صدر القصة وإيجاد النسم من آدم، وهذه زيادة على ما في الآية، ثم ~~تضمنت الآية ما ms1425 جرى بعد هذا من أخذ العهد، والنسم حضور موجودون هي تحتمل ~~معنيين أحدهما أن يكون أخذ عاملا في عهد أو ميثاق تقدره بعد قوله ذريتهم ~~ويكون قوله من ظهورهم لبيان جنس النبوة إذ المراد من الجميع التناسل ويشركه ~~في لفظة بني آدم بنوه لصلبه وبنوه بالحنان والشفقة ويكون قوله: من ذريتهم ~~بدلا من بني آدم، والمعنى الآخر أنه لما كانت كل نسمة هنالك لها نسبة إلى ~~التي هي من ظهرها كأن تعيين تلك النسبة أخذ من الظهر إذ ستخرج منه فهي ~~المستأنف فالمعنى وإذ عينوا بهذه النسبة وعرفوا بها فذلك أخذ ما وأخذ على ~~هذا عامل في ذريتهم وليس بمعنى مسح وأوجد بل قد تقدم إيجادهم كما تقدم ~~الحديث المذكور، فالحديث يزيد معنى على الآية وهو ذكر آدم وأول إيجاد النسم ~~كيف كان. # وقال الطرطوشي إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه ~~الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وهو قد نسيه إلى غير هذا مما ليس ~~بتفسير ولا من طريقه. # وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر: «ذرياتهم» جمع جمع وقرأ ابن كثير وعاصم ~~وحمزة والكسائي: # «ذريتهم» والإفراد هنا جمع وقد تقدم القول على لفظ الذرية في سورة آل ~~عمران. # وروي في قصص هذه الآية: أن الأنبياء عليهم السلام كانوا بين تلك النسم ~~أمثال السرج وأن آدم عليه السلام رأى داود فأعجبه فقال: من هذا؟ فقيل: نبي ~~من ذريتك فقال: كم عمره؟ فقيل ستون سنة، فقال زيدوه من عمري أربعين سنة ~~فزيدت قال: وكان عمر آدم ألفا فلما أكمل تسعمائة وستين جاء ملك الموت فقال ~~له آدم بقي لي أربعون سنة فرجع ملك الموت إلى ربه فأخبره فقال له قل له إنك ~~أعطيتها لابنك داود فتوفي عليه السلام بعد أن خاصم في الأربعين، قال الضحاك ~~بن مزاحم: من مات صغيرا فهو على العهد الأول ومن بلغ فقد أخذه العهد الثاني ~~يعني الذي في هذه الحياة المعقولة الآن، وحكى الزجاج عن قوم أنهم قالوا إن ~~هذه ms1426 الآية عبارة عن أن كل نسمة إذا ولدت وبلغت فنظرها في الأدلة المنصوبة ~~عهد عليها في أن تؤمن وتعرف الله، وقد تقدم ذكر هذا القول وهو قول ضعيف ~~منكب عن الأحاديث المأثورة مطرح لها. PageV02P475 # وقوله: شهدنا يحتمل أن يكون من قول بعض النسم لبعض أي شهدنا عليكم لئلا ~~تقولوا يوم القيامة غفلنا عن معرفة الله والإيمان به فتكون مقالة من هؤلاء ~~لهؤلاء، ذكره الطبري، وعلى هذا لا يحسن الوقف على قوله: بلى ويحتمل أن يكون ~~قوله شهدنا من قول الملائكة فيحسن الوقف على قوله بلى، قال السدي: المعنى ~~قال الله وملائكته شهدنا، ورواه عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقرأ السبعة غير أبي عمرو: «أن تقولوا» على مخاطبة حاضرين، وقرأ أبو ~~عمرو وحده، «أن يقولوا» على الحكاية عن غائبين وهي قراءة ابن عباس وابن ~~جبير وابن محيصن والقراءتان تتفسر بحسب المعنيين المذكورين، وأن في موضع ~~نصب على تقدير مخافة أن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 173 الى 175] # أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) # قال القاضي أبو محمد: المعنى في هذه الآيات أن الكفرة لو لم يؤخذ عليهم ~~عهد ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمنه العهد من توحيد الله وعبادته لكانت لهم ~~حجتان، إحداهما كنا غافلين، والأخرى كنا تباعا لأسلافنا فكيف نهلك، والذنب ~~إنما هو لمن طرق لنا وأضلنا فوقعت شهادة بعضهم على بعض أو شهادة الملائكة ~~عليهم لتنقطع لهم هذه الحجج، والاختلاف في «يقولوا» أو «تقولوا» بحسب ~~الأول. # وقوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات تقديره وكما فعلنا هذه الأمور وأنفذنا ~~هذه المقادير فكذلك نفصل الآيات ونبينها لمن عاصرك وبعثت إليه، لعلهم على ~~ترجيهم وترجيكم وبحسب نظر البشر، يرجعون إلى طاعة الله ويدخلون في توحيده ~~وعبادته، وقرأت فرقة «يفصل» بالياء. # وقوله تعالى: واتل عليهم الآية، اتل معناه قص واسرد، ms1427 والضمير في عليهم ~~عائد على حاضري محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار وغيرهم، واختلف ~~المتأولون في الذي أوتي الآيات، فقال عبد الله بن مسعود وغيره: هو رجل من ~~بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين داعيا إلى الله تعالى وإلى ~~الشريعة وعلمه من آيات الله ما يمكن أن يدعو به وإليه، فلما وصل رشاه الملك ~~وأعطاه على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه، ففعل وفتن الملك به ~~الناس وأضلهم، وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين الجبارين اسمه بلعم، ~~وقيل بلعام بن عابر، وقيل ابن آبر، وقيل غير هذا مما ذكره تطويل، وكان في ~~جملة الجبارين الذين غزاهم موسى عليه السلام، فلما قرب منهم موسى لجؤوا إلى ~~بلعام وكان صالحا مستجاب الدعوة، وقيل كان عنده علم من صحف إبراهيم ونحوها، ~~وقال مجاهد كان رشح للنبوءة وأعطيها فرشاه قومه على أن يسكت ففعل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود لا يصح عن مجاهد، ومن أعطي النبوءة ~~فقد أعطي العصمة PageV02P476 # ولا بد، ثبت هذا بالشرع، وقد نص معنى ما قلته أبو المعالي في كتاب ~~الشامل، وقيل كان يعلم اسم الله الأعظم، قاله ابن عباس أيضا، وهذا الخلاف ~~في المراد بقوله: آياتنا، فقال له قومه ادع الله تعالى على موسى وعسكره، ~~فقال لهم وكيف أدعوا على نبي مرسل، فما زالوا به حتى فتنوه فخرج حتى أشرف ~~على جبل يرى منه عسكر موسى، وكان قد قال لقومه لا أفعل حتى أستأمر ربي ففعل ~~فنهي عن ذلك، فقال لهم قد نهيت، فما زالوا به قال أستأمر ربي ثانية ففعل ~~فسكت عنه فأخبرهم فقالوا له إن الله لم يدع نهيك إلا وقد أراد ذلك، فخرج، ~~فلما أشرف على العسكر جعل يدعو على موسى فتحول لسانه بالدعاء لموسى والدعاء ~~على قومه، فقالوا له ما تقول؟ فقال إني لا أملك إلا هذا وعلم أنه قد أخطأ، ~~فروي أنه خرج لسانه على صدره، فقال لقومه إني قد هلكت ولكن لم تبق لكم إلا ms1428 ~~الحيلة فأخرجوا النساء إلى عسكر موسى على جهة التجرد وغيره ومروهن ألا ~~تمتنع امرأة من رجل فإنهم إذا زنوا هلكوا، ففعلوا فخرج النساء فزنى بهن ~~رجال بني إسرائيل، وجاء فنحاص بن العيزار بن هارون، فانتظم برمحه امرأة ~~ورجلا من بني إسرائيل، ورفعهما على أعلى الرمح فوقع في بني إسرائيل الطاعون ~~فمات منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا، ثم ذكر المعتز عن أبيه أن موسى عليه ~~السلام قتل بعد ذلك الرجل المنسلخ من آيات الله، قال المهدوي: روي أنه دعا ~~على موسى أن لا يدخل مدينة الجبارين فأجيب، ودعا عليه موسى صلى الله عليه ~~وسلم أن ينسى اسم الله الأعظم فأجيب قال الزجاج: وقيل إن الإشارة إلى ~~منافقي أهل الكتاب. # قال القاضي أبو محمد: وصواب هذا أن يقال إلى كفار أهل الكتاب لأنه لم يكن ~~منهم منافق إنما كانوا مجاهرين، وفي هذه القصة روايات كثيرة اختصرتها لتعذر ~~صحتها واقتصرت منها على ما يخص ألفاظ الآية، وقالت فرقة: المشار إليه في ~~الآية رجل كان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات فترك أن يدعو بها في مصالح ~~العباد فدعا بواحدة أن ترجع امرأته أجمل النساء، فكان ذلك، فلما رأت نفسها ~~كذلك أبغضته واحتقرته فدعا عليها ثانية فمسخت كلبة، فشفع لها بنوها عنده ~~فانصرفت إلى حالها فذهبت الدعوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي المشار ~~إليه في الآية أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علما، وروي أنه جاء يريد ~~الإسلام فوصل إلى بدر بعد الوقعة بيوم أو نحوه فقال من قتل هؤلاء؟ فقيل ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: لا حاجة لي بدين من قتل هؤلاء، فارتد ورجع، ~~وقال: الآن حلت لي الخمر، وكان قد حرمها على نفسه، فمر حتى لحق بقوم من ~~ملوك حمير فنادمهم حتى مات، وفانسلخ عبارة عن البراءة منها والانفصال ~~والبعد كالسلخ من الثياب، والجلد وفأتبعه صيره تابعا كذا قال الطبري إما ~~لضلالة رسمها له وإما لنفسه، وقرأ الجمهور «فأتبعه» بقطع الألف وسكون ~~التاء، وهي راجحة لأنها تتضمن أنه ms1429 لحقه وصار معه، وكذلك فأتبعه شهاب ~~[الحجر: 18] وفأتبعهم فرعون [يونس: 90] وقرأ الحسن فيما روى عنه هارون ~~«فاتبعه» بصلة الألف وشد التاء وكذلك طلحة بن مصرف بخلاف، وكذلك الخلاف عن ~~الحسن على معنى لازمه «اتبعه» بالإغواء حتى أغواه، ومن الغاوين أي من ~~الضالين. # قوله عز وجل: PageV02P477 ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 176 الى 180] # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم ~~كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ~~(178) ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم ~~أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) # يقول الله عز وجل: ولو شئنا لرفعناه قالت فرقة معناه لأخذناه كما تقول ~~رفع الظالم إذا هلك، والضمير في: بها عائد على المعصية في الانسلاخ وابتدأ ~~وصف حاله بقوله تعالى: ولكنه أخلد إلى الأرض فهي عبارة عن إمهاله وإملاء ~~الله له، وقال ابن أبي نجيح لرفعناه معناه لتوفيناه قبل أن يقع في المعصية ~~ورفعناه عنها، والضمير على هذا عائد على الآيات، ثم ابتدأ وصف حاله، وقال ~~ابن عباس وجماعة معه معنى لرفعناه أي لشرفنا ذكره ورفعنا منزلته لدينا بهذه ~~الآيات التي آتيناه، ولكنه أخلد إلى الأرض فالكلام متصل، ذكر فيه السبب ~~الذي من أجله لم يرفع ولم يشرف كما فعل بغيره، فمن أوتي هذا، وأخلد معناه ~~لازم وتقاعس وثبت، والمخلد الذي يثبت شبابه فلا يغشاه الشيب ومنه الخلد، ~~ومنه قول زهير: [الكامل] . # لمن الديار غشيتها بالفدفد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد # وقوله: إلى الأرض يحتمل أن يرد إلى شهواتنا ولذاتها وما فيها من الملاذ، ~~قاله السدي وغيره، ويحتمل أن يريد بها العبارة عن الأسفل والأخس كما ms1430 يقال ~~فلان في الحضيض، ويتأيد ذلك من جهة المعنى المعقول وذلك أن الأرض وما ارتكز ~~فيها هي الدنيا وكل ما عليها فان، من أخلد إليه فقد حرم حظ الآخرة الباقية، ~~وقوله: فمثله كمثل الكلب قال السدي وغيره: إن هذا الرجل عوقب في الدنيا ~~بأنه يلهث كما يلهث الكلب فشبه به صورة وهيئة، وقال الجمهور إنما شبه به في ~~أنه كان ضالا قبل أن يؤتى الآيات ثم أوتيها فكان أيضا ضالا لم تنفعه، فهو ~~كالكلب في أنه لا يفارق اللهث في حال حمل المشقة عليه وتركه دون حمل عليه، ~~وتحرير المعنى فالشيء الذي تتصوره النفوس من حاله هو كالذي تتصور من حال ~~الكلب، وبهذا التقدير يحسن دخول الكاف على «مثل» ، واللهث تنفس بسرعة وتحرك ~~أعضاء الفم معه وامتداد اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك مع الحر والتعب، وهو في ~~الفرس ضبح، وخلقة الكلب أنه يلهث على كل حال، وذكر الطبري أن معنى إن تحمل ~~عليه أي تطرده وحكاه عن مجاهد وابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: وذلك داخل في جملة المشقة التي ذكرنا، وقوله: ذلك ~~مثل القوم أي هذا المثل يا محمد مثل هؤلاء القوم الذين كانوا ضالين قبل أن ~~تأتيهم بالهدى والرسالة ثم جئتهم بذلك فبقوا على ضلالتهم ولم ينتفعوا بذلك. ~~فمثلهم كمثل الكلب، وقوله: فاقصص القصص أي اسرد ما يعلمون أنه من الغيوب ~~التي لا يعلمها إلا أهل الكتب الماضية ولست منهم لعلهم يتفكرون في ذلك ~~فيؤمنون. # وقوله: ساء مثلا قال الزجاج: التقدير ساء مثلا مثل القوم، لأن الذي بعد ~~«بئس» و «نعم» إنما PageV02P478 # يتفسر من نوعه، كما تقول بئس رجلا زيد، ولما انحذف مثل أقيم القوم مقامه، ~~والرفع في ذلك بالابتداء، والخبر فيما تقدم، وقرأ الجحدري «ساء مثل القوم، ~~ورفع مثل على هذه القراءة ب ساء، ولا تجري ساء مجرى «بئس» إلا إذا كان ما ~~بعدها منصوبا، قال أبو عمرو الداني: قرأ الجحدري «مثل» بكسر الميم ورفع ~~اللام، وقرأ الأعمش «مثل» بفتح الميم والثاء ورفع اللام. # قال القاضي أبو ms1431 محمد: وهذا خلاف ما ذكر أبو حاتم فإنه قال: قرأ الجحدري ~~والأعمش «ساء مثل» بالرفع. # وختمت هذه الآيات التي تضمنت ضلال أقوام والقول فيه بأن ذلك كله من عند ~~الله، الهداية منه وبخلقه واختراعه وكذلك الإضلال، وفي الآية تعجب من حال ~~المذكورين، ومن أضل فقد حتم عليه بالخسران، والثواب والعقاب متعلق بكسب ابن ~~آدم. # وقوله تعالى: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس خبر من الله تعالى ~~أنه خلق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا، وفي ضمنه وعيد للكفار، و «ذرأ» ~~معناه خلق وأوجد مع بث ونشر، وقالت فرقة اللام في قوله: لجهنم هي لام ~~العاقبة أي ليكون أمرهم ومئالهم لجهنم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بصحيح ولام العاقبة إنما يتصور إذا كان ~~فعل الفاعل لم يقصد به ما يصير الأمر إليه، وهذه اللام مثل التي في قول ~~الشاعر: # يا أم فرو كفي اللوم واعترفي ... فكل والدة للموت تلد # وأما هنا فالفعل قصد به ما يصير الأمر إليه من سكناهم جهنم، وحكى الطبري ~~عن سعيد بن جبير أنه قال أولاد الزنا مما ذرأ الله لجهنم ثم أسند فيه حديثا ~~من طريق عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله كثيرا وإن كان ~~ليس بنص في أن الكفار أكثر من المؤمنين فهو ناظر إلى ذلك في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم «قال الله لآدم أخرج بعث النار فأخرج من كل ألف تسعة وتسعين ~~وتسعمائة» . # وصفت هذه الصنيفة الكافرة المعرضة عن النظر في آيات الله بأن قلوبهم لا ~~تفقه، والفقه الفهم، وأعينهم لا تبصر، وآذانهم لا تسمع، وليس الغرض من ذلك ~~نفي هذه الإدراكات عن حواسهم جملة وإنما الغرض نفيها في جهة ما كما تقول: ~~فلان أصم عن الخنا. # ومنه قول مسكين الدارمي: [الكامل أحذ مضمر] PageV02P479 # أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الستر # وأصم عما كان بينهما ... عمدا وما بالسمع من وقر # ومنه قول الآخر: [الوافر] # وعوراء الكلام صممت عنها ... ولو أني أشاء بها سميع # وبادرة ms1432 وزعت النفس عنها ... وقد بقيت من الغضب الضلوع # ومنه قول الآخر في وصاة من يدخل إلى دار ملك: [مخلع البسيط] # وادخل إذا ما دخلت أعمى ... واخرج إذا ما خرجت أخرس # فكأن هؤلاء القوم لما لم ينفعهم النظر بالقلب ولا بالعين ولا ما سمعوه من ~~الآيات والمواعظ استوجبوا الوصف بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون ~~وفسر مجاهد هذا بأن قال: لهم قلوب لا يفقهون بها شيئا من أمر الآخرة وأعين ~~لا يبصرون بها الهدى وآذان لا يسمعون بها الحق، وأولئك إشارة إلى من تقدم ~~ذكره من الكفرة وشبههم بالأنعام في أن الأنعام لا تفقه قلوبهم الأشياء ولا ~~تعقل المقاييس، وكذلك ما تبصره لا يتحصل لها كما يجب، فكذلك هؤلاء ما ~~يبصرونه ويسمعونه لا يتحصل لهم منه علم على ما هو به حين أبصر وسمع، ثم حكم ~~عليهم بأنهم أضل، لأن الأنعام تلك هي بنيتها وخلقتها لا تقصر في شيء ولا ~~لها سبيل إلى غير ذلك، وهؤلاء معدون للفهم وقد خلقت لهم قوى يصرفونها ~~وأعطوا طرقا في النظر فهم بغفلتهم وإعراضهم يلحقون أنفسهم بالأنعام فهم أضل ~~على هذا، ثم بين بقوله: أولئك هم الغافلون الطريق الذي به صاروا أضل من ~~الأنعام وهو الغفلة والتقصير. # وقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى الآيات، السبب في هذه الآية على ما ~~روي، أن أبا جهل سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيذكر الله ~~في قراءته ومرة يقرأ فيذكر الرحمن ونحو هذا فقال: محمد يزعم أن الإله واحد ~~وهو إنما يعبد آلهة كثيرة فنزلت هذه والأسماء هنا بمعنى التسميات إجماعا من ~~المتأولين لا يمكن غيره، والحسنى: مصدر وصف به، ويجوز أن تقدر الحسنى فعلى ~~مؤنثه أحسن، فأفرد وصف جميع ما لا يعقل كما قال مآرب أخرى [طه: 18] وكما ~~قال يا جبال أوبي معه [سبأ: 10] وهذا كثير، وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين ~~الشرع لإطلاقها، والنص عليها، وانضاف إلى ذلك أيضا أنها إنما تضمنت معاني ~~حسانا شريفة. # واختلف الناس في الاسم الذي يقتضي مدحا خالصا ولا ms1433 يتعلق به شبهة ولا ~~اشتراك، إلا أنه لم ير منصوصا هل يطلق ويسمى الله به؟ فنص ابن الباقلاني ~~على جواز ذلك ونص أبو الحسن الأشعري على منع ذلك، والفقهاء والجمهور على ~~المنع، وهو الصواب أن لا يسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة ووقفت ~~عليه أيضا، فإن هذه الشريطة التي في جواز إطلاقه من أن تكون مدحا خالصا لا ~~شبهة فيه ولا اشتراك أمر لا يحسنه إلا الأقل من أهل العلوم فإذا أبيح ذلك ~~تسور عليه من يظن بنفسه الإحسان وهو لا يحسن فأدخل في أسماء الله ما لا ~~يجوز إجماعا، واختلف أيضا في الأفعال التي في القرآن مثل قوله: الله PageV02P480 # يستهزئ بهم # [البقرة: 15] ومكر الله [آل عمران: 54] ونحو ذلك هل يطلق منها اسم ~~الفاعل؟ # فقالت فرقة: لا يطلق ذلك بوجه، وجوزت فرقة أن يقال ذلك مقيدا بسببه ~~فيقال: الله مستهزىء بالكافرين وماكر بالذين يمكرون بالدين، وأما إطلاق ذلك ~~دون تقييد فممنوع إجماعا، والقول الأول أقوى ولا ضرورة تدفع إلى القول ~~الثاني لأن صيغة الفعل الواردة في كتاب الله تغني، ومن أسماء الله تعالى ما ~~ورد في القرآن ومنها ما ورد في الحديث وتواتر، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد ~~عليه، وقد ورد في الترمذي حديث عن أبي هريرة ونص فيه تسعة وتسعين اسما، وفي ~~بعضها شذوذ وذلك الحديث ليس بالمتواتر وإنما المتواتر منه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل ~~الجنة» ، ومعنى أحصاها عدها وحفظها وتضمن ذلك الإيمان بها والتعظيم لها ~~والرغبة فيها والعبرة في معانيها، وهذا حديث البخاري، والمتحصل منه أن لله ~~تعالى هذه الأسماء مباحا إطلاقها وورد في بعض دعاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم «يا حنان يا منان» ولم يقع هذان الاسمان في تسمية الترمذي. # وقوله: فادعوه بها إباحة بإطلاقها، وقوله تعالى: وذروا الذين قال ابن ~~زيد: معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم، فالآية على هذا منسوخة ~~بالقتال، وقيل معناه الوعيد كقوله تعالى: ذرني ms1434 ومن خلقت وحيدا [المدثر: 11] ~~وقوله: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا [الحجر: 3] ويقال ألحد ولحد بمعنى جار ومال ~~وانحرف، وألحد أشهر، ومنه قول الشاعر: [الرجز] ليس الإمام بالشحيح الملحد ~~قال أبو علي: ولا يكاد يسمع لأحد وفي القرآن ومن يرد فيه بإلحاد [الحج: 25] ~~ومنه لحد القبر المائل إلى أحد شقيه، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع وعاصم ~~وابن عامر «يلحدون» بضم الياء وكسر الحاء، وكذلك في النحل والسجدة، وقرأ ~~حمزة الأحرف الثلاثة «يلحدون» بفتح الياء والحاء، وكذلك ابن وثاب وطلحة ~~وعيسى والأعمش، ومعنى الإلحاد في أسماء الله عز وجل أن يسموا اللات نظيرا ~~إلى اسم الله تعالى قاله ابن عباس، والعزى نظيرا إلى العزيز، قاله مجاهد، ~~ويسمون الله ربا ويسمون أوثانهم أربابا ونحو هذا، وقوله: سيجزون ما كانوا ~~يعملون وعيد محض بعذاب الآخرة، وذهب الكسائي إلى الفرق بين ألحد ولحد وزعم ~~أن ألحد بمعنى مال وانحرف ولحد بمعنى ركن وانضوى، قال الطبري: وكان الكسائي ~~يقرأ جميع ما في القرآن بضم الياء وكسر الحاء إلا التي في النحل فإنه كان ~~يقرؤها بفتح الياء والحاء ويزعم أنها بمعنى الركون وكذلك ذكر عنه أبو علي. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 181 الى 185] # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) أولم ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي ~~حديث بعده يؤمنون (185) PageV02P481 # هذه آية تتضمن الخبر عن قوم مخالفين لمن تقدم ذكرهم في أنهم أهل إيمان ~~واستقامة وهداية، وظاهر لفظ هذه الآية يقتضي كل مؤمن كان من لدن آدم عليه ~~السلام إلى قيام الساعة، قال النحاس: فلا تخلو الدنيا في وقت من الأوقات من ~~داع يدعو إلى الحق. # قال القاضي أبو محمد: سواء بعد صوته أو كان خاملا، وروي عن كثير من ~~المفسرين أنها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ms1435 وروي في ذلك حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية لكم، وقد تقدم مثلها لقوم موسى. # وقوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا الآية وعيد، والإشارة إلى الكفار ~~وسنستدرجهم معناه سنسوقهم شيئا بعد شيء ودرجة بعد درجة بالنعم عليهم ~~والإمهال لهم حتى يغتروا ويظنوا أنهم لا ينالهم عقاب، وقوله: من حيث لا ~~يعلمون معناه من حيث لا يعلمون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبة من الله على ~~التكذيب بالآيات، لما حتم عليهم بالعذاب أملى لهم ليزدادوا إثما وقرأ ابن ~~وثاب والنخعي «سيستدرجهم» بالياء. # وقوله: أملي معناه أؤخر ملاءة من الدهر أي مدة وفيها ثلاث لغات فتح الميم ~~وضمها وكسرها، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر «أن كيدي» على معنى لأجل أن ~~كيدي، وقرأ جمهور الناس وسائر السبعة «إن كيدي» على القطع والاستئناف، ~~ومتين معناه قوي، قال الشاعر: [الطويل] # لإل علينا واجب لا نضيعه ... متين قواه غير منتكث الحبل # وروى ابن إسحاق في هذا البيت أمين قواه، وهو من المتن الذي يحمل عليه ~~لقوته، ومنه قول الشاعر وهو امرؤ القيس: [المتقارب] # لها متنتان حظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر # وهما جنبتا الظهر، ومنه قول الآخر: # عدلي عدول اليأس وافتج يبتلى ... أفانين من الهوب شد مماتن # ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] # ويخدي على صم صلاب ملاطس ... شديدات عقد لينات متان # ومنه الحديث في غزوة بني المصطلق فمتن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالناس أي سار بهم سيرا شديدا لينقطع الحديث بقول ابن أبي بن سلول لئن ~~رجعنا إلى المدينة. # وقوله: أولم يتفكروا ما بصاحبهم الآية، تقرير يقارنه توبيخ للكفار، ~~والوقف على قوله أولم يتفكروا ثم ابتدأ القول بنفي ما ذكروه فقال: ما ~~بصاحبهم من جنة أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، PageV02P482 # ويحتمل أن يكون المعنى أو لم يتفكروا أنه ما بصاحبهم من جنة، وسبب نزول ~~هذه الآية فيما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد ليلا على الصفا ~~فجعل يدعو قبائل قريش، يا بني فلان، يا بني فلان يحذرهم ms1436 ويدعوهم إلى الله ~~فقال بعض الكفار حين أصبحوا هذا مجنون بات يصوت حتى الصباح فنفى الله عز ~~وجل ما قالوه من ذلك في هذا الموطن المذكور وفي غيره، فإن الجنون بعض ما ~~رموه به حتى أظهر الله نوره، ثم أخبر أنه نذير أي محذر من العذاب، ولفظ ~~النذارة إذا جاء مطلقا فإنما هو في الشر، وقد يستعمل في الخير مقيدا به، ~~ويظهر من رصف الآية أنها باعثة لهم على الفكرة في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه ليس به جنة كما أحالهم بعد هذه الآية على النظر ثم بين المنظور ~~فيه كذلك أحال هنا على الفكرة ثم بين المتفكر فيه. # وقوله تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ~~الآية، هذا أيضا توبيخ للكفار وتقرير، والنظر هنا بالقلب عبرة وفكرا، ~~وملكوت بناء عظمة ومبالغة، وقوله: وما خلق الله من شيء لفظ يعم جميع ما ~~ينظر فيه ويستدل به من الصنعة الدالة على الصانع ومن نفس الإنس وحواسه ~~ومواضع رزقه، و «الشيء» واقع على الموجودات وقوله: وأن عسى عطف على قوله: ~~في ملكوت وأن الثانية في موضع رفع ب عسى، والمعنى توقيفهم على أن لم يقع ~~لهم نظر في شيء من هذا ولا في أنه قربت آجالهم فماتوا ففات أوان الاستدراك ~~ووجب عليهم المحذور، ثم وقفهم بأي حديث أو أمر يقع إيمانهم وتصديقهم إذا لم ~~يقع بأمر فيه نجاتهم ودخولهم الجنة، ونحو هذا المعنى قول الشاعر: # [الطويل] # وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل # والضمير في قوله: بعده يراد به القرآن، وقيل المراد به محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقصته وأمره أجمع، وقيل هو عائد على الأجل بعد الأجل إذ لا عمل ~~بعد الموت. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 186 الى 187] # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) يسئلونك عن ~~الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في ~~السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك ms1437 كأنك حفي عنها قل إنما علمها ~~عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) # هذا شرط وجواب مضمنه اليأس منهم والمقت لهم لأن المراد أن هذا قد نزل بهم ~~وأنهم مثال لهذا، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والحسن وأبو جعفر والأعرج ~~وشيبة وأبو عبد الرحمن وقتادة «ونذرهم» بالنون ورفع الراء وكذلك عاصم في ~~رواية أبي بكر، وروى عنه حفص و «يذرهم» بالياء والرفع، وقرأها أهل مكة وهذا ~~على إضمار مبتدأ ونحن نذرهم أو على قطع الفعل واستئناف القول، وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم بالياء والجزم، وقرأها كذلك طلحة بن ~~مصرف والأعمش «ويذرهم» بالياء وبالجزم عطفا PageV02P483 # على موضع الفاء وما بعدها من قوله فلا هادي له لأنه موضع جزم، ومثله قول ~~أبي داود: [الوافر] # فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم واستدرج بويا # ومنه قول الآخر: [الكامل] # أنى سلكت فإنني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد # قال أبو علي ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى: لولا أخرتني إلى أجل ~~قريب فأصدق وأكن من الصالحين [المنافقون: 10] لأنك لو لم تلحق الفاء لقلت ~~أصدق، وروى خارجة عن نافع «ونذرهم» بالنون والجزم. و «الطغيان» الإفراط في ~~الشيء وكأنه مستعمل في غير الصلاح، و «العمه» الحيرة. # وقوله تعالى: يسئلونك عن الساعة الآية، قال قتادة بن دعامة المراد ~~يسألونك كفار قريش، وذلك أن قريشا قالت يا محمد إنا قرابتك فأخبرنا بوقت ~~الساعة، قال ابن عباس: المراد بالآية اليهود، وذلك أن جبل بن أبي قشير ~~وسمويل بن زيد قالا له إن كنت نبيا فأخبرنا بوقت الساعة فإنا نعرفها فإن ~~صدقت آمنا بك، والساعة القيامة موت كل شيء كان حينئذ حيا وبعث الجميع، هو ~~كله يقع عليه اسم الساعة واسم القيامة، وأيان معناه متى وهو سؤال عن زمان ~~ولتضمنها الوقت بنيت، وقرأ جمهور الناس «أيان» بفتح الهمزة، وقرأ السلمي ~~«إيان» بكسر الهمزة، ويشبه أن يكون أصلها أي آن وهي مبنية على الفتح، وقال ~~الشاعر: [الرجز] # أيان يقضي حاجتي أيانا ... أما ترى لفعلها إبانا # قال أبو ms1438 الفتح وزن «أيان» بفتح الهمزة فعلان وبكسرها فعلان، والنون فيهما ~~زائدة، ومرساها رفع بالابتداء والخبر، أيان ومذهب المبرد أن مرساها مرتفع ~~بإضمار فعل ومعناه مثبتها ومنتهاها، مأخوذة من أرسى يرسي، ثم أمر الله عز ~~وجل بالرد إليه والتسليم لعلمه، ويجليها معناه يظهرها والجلاء البينة ~~الشهود وهو مراد زهير بقوله: [الوافر] . # يمين أو نفار أو جلاء وقوله: ثقلت في السماوات والأرض قال السدي ومعمر عن ~~بعض أهل التأويل: معناه ثقل أن تعلم ويوقف على حقيقة وقتها، قال الحسن بن ~~أبي الحسن معناه ثقلت هيئتها والفزع منها على أهل السماوات والأرض، كما ~~تقول خيف العدو في بلد كذا وكذا، وقال قتادة وابن جريج: معناه ثقلت على ~~السماوات والأرض أنفسها لتفطر السماوات وتبدل الأرض ونسف الجبال، ثم أخبر ~~تعالى خبرا يدخل فيه الكل أنها لا تأتي إلا بغتة أي فجأة دون أن يتقدم منها ~~علم بوقتها عند أحد من الناس، وبغتة مصدر في موضع الحال. # وقوله تعالى: يسئلونك كأنك حفي عنها الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: ~~المعنى يسألونك عنها كأنك حفي أي متحف ومهتبل، وهذا ينحو إلى ما قالت قريش ~~إنا قرابتك فأخبرنا، وقال مجاهد أيضا والضحاك وابن زيد: معناه كأنك حفي في ~~المسألة عنها والاشتغال بها حتى حصلت علمها، وقرأ ابن عباس PageV02P484 # فيما ذكر أبو حاتم «كأنك حفي بها» ، لأن حفي معناه مهتبل مجتهد في السؤال ~~مبالغ في الإقبال على ما يسأل عنه، وقد يجيء حفي وصفا للسؤال ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # فلما التقينا بين السيف بيننا ... لسائلة عنا حفي سؤالها # ومن المعنى الأول الذي يجيء فيه حفي وصفا للسائل قول الآخر: [الطويل] # سؤال حفي عن أخيه كأنه ... بذكرته وسنان أو متواسن # ثم أمره ثانية بأن يسلم العلم تأكيدا للأمر وتهمما به إذ هو من الغيوب ~~الخمسة التي في قوله عز وجل: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث [لقمان: ~~34] ، وقيل العلم الأول علم قيامها والثاني علم كنهها وحالها، وقوله: ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون قال الطبري: معناه لا يعلمون أن ms1439 هذا الأمر لا يعلمه ~~إلا الله بل يظن أكثرهم أنه مما يعلم البشر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 188 الى 189] # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ~~هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت ~~حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من ~~الشاكرين (189) # هذا أمر في أن يبالغ في الاستسلام ويتجرد من المشاركة في قدرة الله وغيبه ~~وأن يصف نفسه لهؤلاء السائلين بصفة من كان بها فهو حري أن لا يعلم غيبا ولا ~~يدعيه، فأخبر أنه لا يملك من منافع نفسه ومضارها إلا ما سنى الله له وشاء ~~ويسر، وهذا الاستثناء منقطع، وأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لعمل بحسب ما ~~يأتي ولاستعد لكل شيء استعداد من يعلم قدر ما يستعد له، وهذا لفظ عام في كل ~~شيء، وقد خصص الناس هذا فقال ابن جريج ومجاهد: «لو كنت أعلم أجلي لاستكثرت ~~من العمل الصالح» . وقالت فرقة: أوقات النصر لتوخيتها، وحكى مكي عن ابن ~~عباس أن معنى لو كنت أعلم السنة المجدبة لأعددت لها من المخصبة. # قال القاضي أبو محمد: وألفاظ الآية تعم هذا وغيره، وقوله: وما مسني يحتمل ~~وجهين وبكليهما قيل، أحدهما أن ما معطوفة على قوله: لاستكثرت أي ولما مسني ~~السوء، والثاني أن يكون الكلام مقطوعا تم في قوله: لاستكثرت من الخير ~~وابتدأ يخبر بنفي السوء عنه وهو الجنون الذي رموه به، قال مؤرج السدوسي: ~~السوء الجنون بلغة هذيل، ثم أخبر بجملة ما هو عليه من النذارة والبشارة، ~~ولقوم يؤمنون يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد أنه نذير وبشير لقوم يطلب منهم ~~الإيمان ويدعون إليه، وهؤلاء الناس أجمع، والثاني أن يخبر أنه نذير ويتم ~~الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشير للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه. PageV02P485 # وقوله تعالى: هو الذي خلقكم من ms1440 نفس واحدة الآية، قال جمهور المفسرين: ~~المراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام، بقوله: وجعل منها زوجها حواء وقوله ~~منها يريد ما تقدم ذكره من أن آدم نام فاستخرجت قصرى أضلاعه وخلقت منها ~~حواء، وقوله: ليسكن إليها أي ليأنس ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة، ثم ~~ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطها، فقال: فلما تغشاها أي غشيها وهي ~~كناية عن الجماع، و «الحمل الخفيف» هو المني الذي تحمله المرأة في فرجها، ~~وقرأ جمهور الناس «حملا» بفتح الحاء، وقرأ حماد بن سلمة عن ابن كثير «حملا» ~~بكسر الحاء، وقوله: فمرت به أي استمرت به، قال أيوب: سألت الحسن عن قوله: ~~فمرت به فقال: لو كنت امرأ عربيا لعرفت ما هي إنما المعنى فاستمرت به. # قال القاضي أبو محمد: وقدره قوم على القلب كأن المراد فاستمر بها كما ~~تقول أدخلت القلنسوة في رأسي، وقرأ يحيى بن يعمر وابن عباس فيما ذكر النقاش ~~«فمرت به» بتخفيف الراء، ومعناه فشكت فيما أصابها هل هو حمل أو مرض ونحو ~~هذا، وقرأ ابن عباس «فاستمرت به» ، وقرأ ابن مسعود «فاستمرت بحملها» ، وقرأ ~~عبد الله بن عمرو بن العاصي «فمارت به» معناه أي جاءت به وذهبت وتصرفت، كما ~~تقول مارت الريح مورا، وأثقلت دخلت في الثقل كما تقول: أصبح وأمسى أي صارت ~~ذات ثقل كما تقول أتمر الرجل وألبن إذا صار ذا تمر ولبن، والضمير في دعوا ~~على آدم وحواء. # وروي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو، وهذا يقوي ~~قراءة من قرأ «فمرت به» بتخفيف الراء، فجزعت لذلك فوجد إبليس إليها السبيل، ~~فقال لها ما يدريك ما في جوفك ولعله خنزير أو حية أو بهيمة في الجملة وما ~~يدريك من أين يخرج أينشق له بطنك فتموتين أو على فمك أو أنفك؟ ولكن إن ~~أطعتني وسميته عبد الحارث. # قال القاضي أبو محمد: والحارث اسم إبليس، فسأخلصه لك وأجعله بشرا مثلك، ~~وإن أنت لم تفعلي قتلته لك، قال فأخبرت حواء ms1441 آدم فقال لها ذلك صاحبنا الذي ~~أغوانا في الجنة، لا نطيعه، فلما ولدت سمياه عبد الله، فمات الغلام، ويروى ~~أن الله سلط إبليس على قتله فحملت بآخر ففعل بها مثل ذلك فحملت بالثالث ~~فلما ولدته أطاعا إبليس فسمياه عبد الحارث حرصا على حياته، فهذا هو الشرك ~~الذي جعلا لله أي في التسمية فقط. # وصالحا قال الحسن معناه غلاما، قال ابن عباس: وهو الأظهر بشرا سويا ~~سليما، ونصبه على المفعول الثاني وفي المشكل لمكي أنه نعت لمصدر أي أتيا ~~صالحا، وقال قوم إن المعنى في هذه الآية التبيين عن حال الكافرين فعدد ~~النعم التي تعم الكافرين وغيرهم من الناس، ثم قرر ذلك بفعل المشركين السيء ~~فقامت عليهم الحجة ووجب العقاب، وذلك أنه قال مخاطبا لجميع الناس هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها يريد آدم وحواء أي واستمرت حالكم واحدا ~~كذلك، فهذه نعمة تخص كل أحد بجزء منها، ثم جاء قوله: فلما تغشاها إلى آخر ~~الآية وصفا لحال الناس واحدا واحدا أي هكذا يفعلون فإذا آتاهم الله الولد ~~صالحا سليما كما أراده، صرفاه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين PageV02P486 # الذي قامت الحجة فيه باقترانه مع النعمة العامة، وقال الحسن بن أبي الحسن ~~فيما حكى عنه الطبري: # معنى هذه الآية: هو الذي خلقكم من نفس واحدة إشارة إلى الروح الذي ينفخ ~~في كل أحد. # قال القاضي أبو محمد: أي خلقكم من جنس واحد وجعل الإناث منه، ثم جاء ~~قوله: فلما تغشاها إلى آخر الآية وصفا لحال الناس واحدا واحدا على ما تقدم ~~من الترتيب في القول الذي قبله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 190 الى 193] # فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ~~(190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا ~~أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صامتون (193) # يقال إن الآية المتقدمة هي في آدم وحواء وإن الضمير في قوله آتاهما عائد ms1442 ~~عليهما، قال إن الشرك الذي جعلاه هو في الطاعة، أي أطاعا إبليس في التسمية ~~بعبد الحارث كما كانا في غير ذلك مطيعين لله، وأسند الطبري في ذلك حديثا من ~~طريق سمرة بن جندب، ويحتمل أن يكون الشرك في أن جعلا عبوديته بالاسم لغيره، ~~وقال الطبري والسدي في قوله تعالى: فتعالى الله عما يشركون إنه كلام منفصل ~~ليس من الأول، وإن خبر آدم وحواء تم في قوله فلما آتاهما، وإن هذا كلام ~~يراد به مشركو العرب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم لا يساعده اللفظ، ويتجه أن يقال تعالى ~~الله عن ذلك اليسير المتوهم من الشرك في عبودية الاسم، ويبقى الكلام في جهة ~~أبوينا آدم وحواء عليهما السلام، وجاء الضمير في يشركون ضمير جمع لأن إبليس ~~مدبر معهما تسمية الولد عبد الحارث، ومن قال إن الآية المتقدمة إنما الغرض ~~منها تعديد النعمة في الأزواج وفي تسهيل النسل والولادة ثم ذكر سوء فعل ~~المشركين بعقب ذلك، قال في الآية الأخيرة إنها على ذلك الأسلوب وإن قوله ~~فتعالى الله عما يشركون المراد بالضمير فيه المشركين، والمعنى في هذه الآية ~~فلما آتى الله هذين الانسانين صالحا أي سليما دهبا به إلى الكفر وجعلا لله ~~فيه شركا وأخرجاه عن الفطرة، ولفظة الشرك تقتضي نصيبين، فالمعنى: وجعلا لله ~~فيه ذا شرك لأن إبليس أو أصنام المشركين هي المجعولة، والأصل أن الكل لله ~~تعالى وبهذا حل الزجاج اعتراض من قال ينبغي أن يكون الكلام «جعلا لغيره ~~شركا» وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر «شركا» بكسر الشين وسكون الراء على ~~المصدر، وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد وعاصم وأبان بن ~~تغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم «شركاء» على ~~الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير وقلقه على قول من يقول: إن الآية ~~الأولى في آدم وحواء، وفي مصحف أبي ابن كعب «فلما آتاهما صالحا أشركا فيه» ~~، وذكر الطبري في قصص حواء وآدم وإبليس في التسمية بعبد الحارث وفي صورة ms1443 ~~مخاطبتهم أشياء طويلة لا يقتضي الاختصار ذكرها. # وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وعاصم «عما يشركون أيشركون» بالياء ~~من تحت فيهما، PageV02P487 # وقرأ أبو عبد الرحمن «عما تشركون» بالتاء من فوق «أتشركون ما لا يخلق» ~~الآية، وروى بعض من قال إن الآيات في آدم وحواء أن إبليس جاء إلى آدم وقد ~~مات له ولد اسمه عبد الله فقال: إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس، ~~فولد له ولد فسماه كذلك وإياه عنى بقوله أيشركون ما لا يخلق شيئا، وهم ~~يخلقون على هذا عائد على آدم وحواء والابن المسمى عبد شمس، ومن قال بالقول ~~الآخر قال إن هذه في مشركي الكفار الذين يشركون الأصنام في العبادة وإياها ~~أراد بقوله ما لا يخلق، وعبر عنها بهم كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها ~~وبحسب أسمائها، ويخلقون معناه ينحتون ويصنعون، ويحتمل على قراءة «يشركون» ~~بالياء من تحت أن يكون المعنى وهؤلاء المشركون يخلقون، أي فكان قولهم أن ~~يعتبروا بأنهم مخلوقون فيجعلون إلههم خالقهم لا من لا يخلق شيئا. # قوله تعالى: ولا يستطيعون الآية، هذه تخرج على تأويل من قال إن المراد ~~آدم وحواء والشمس على ما تقدم، ولكن بقلق وتعسف من المتأول في المعنى، ~~وإنما تتسق هذه الآيات ويروق نظمها ويتناصر معناها على التأويل الآخر، ~~والمعنى ولا ينصرون أنفسهم من أمر الله وإرادته، ومن لا يدفع عن نفسه فأحرى ~~أن لا يدفع عن غيره. # وقوله تعالى: وإن تدعوهم إلى الهدى الآية، من قال إن الآيات في آدم عليه ~~السلام قال إن هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته مستأنفة في أمر ~~الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهم الهاء والميم من تدعوهم، ~~ومن قال بالقول الآخر قال إن هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة من قرأ ~~«يشركون» بالياء من تحت، وللكفار فقط على من قرأ بالتاء من فوق على جهة ~~التوقيف، أي إن هذه حال الأصنام معكم إن دعوتموهم لم يجيبوكم إذ ليس لهم ~~حواس ولا إدراكات، وقرأ نافع وحده ms1444 «لا يتبعوكم» بسكون التاء وفتح الباء ~~وقرأ الباقون «لا يتبعوكم» بشد التاء المفتوحة وكسر الباء والمعنى واحد، ~~وفي قوله تعالى: أدعوتموهم أم أنتم عطف الاسم على الفعل، إذ التقدير أم ~~صمتم ومثل هذا قول الشاعر: [الطويل] # سواء عليك الفقر أم بت ليلة ... بأهل القباب من نمير بت عامر # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 194 الى 196] # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ~~(195) إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) # قرأ جمهور الناس «إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم» بتثقيل «إن» ~~ورفع «عباد» وهي مخاطبة للكفار في تحقير شأن أصنامهم عندهم أي إن هذه ~~الأصنام مخلوقة محدثة، إذ هي أجسام وأجرام PageV02P488 # فهي متعبدة أي متملكة، وقال مقاتل، إن المراد بهذه الآية طائفة من العرب ~~من خزاعة كانت تعبد الملائكة فأعلمهم الله أنهم عباد أمثالهم لا آلهة، وقرأ ~~سعيد بن جبير «إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم» بتخفيف النون من ~~«إن» على أن تكون بمعنى ما وبنصب قوله «عبادا وأمثالكم» ، والمعنى بهذه ~~القراءة تحقير شأن الأصنام ونفي مماثلتهم للبشر، بل هم أقل وأحقر إذ هي ~~جمادات لا تفهم ولا تعقل، وسيبويه يرى أن «إن» إذا كانت بمعنى «ما» فإنها ~~تضعف عن رتبة «ما» فيبقى الخبر مرفوعا وتكون هي داخلة على الابتداء والخبر ~~لا ينصبه، فكان الوجه عنده في هذه القراءة «إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم» وأبو العباس المبرد يجيز أن تعمل عمل «ما» في نصب الخبر، ~~وزعم الكسائي أن «إن» بمعنى «ما» لا تجيء إلا وبعدها إلا كقوله تعالى: إن ~~الكافرون إلا في غرور [الملك: 2] ثم بين تعالى الحجة بقوله فادعوهم أي ~~فاختبروا فإن لم يستجيبوا فهم كما وصفنا، وقوله تعالى: ألهم أرجل الآية، ~~الغرض من هذه الآية، ms1445 ألهم حواس الحي وأوصافه؟ فإذا قالوا لا، حكموا بأنها ~~جمادات فجاءت هذه التفصيلات لذلك المجمل الذي أريد التقرير عليه فإذا وقع ~~الإقرار بتفصيلات القضية لزم الإقرار بعمومها وكان بيانها أقوى ولم تبق بها ~~استرابة، قال الزهراوي: المعنى أنتم أفضل منهم بهذه الجوارح النافعة فكيف ~~تعبدونهم؟ # قال القاضي أبو محمد: و «تتقون» بهذا التأويل قراءة سعيد بن جبير، إذ ~~تقتضي أن الأوثان ليست عبادا كالبشر، وقوله في الآية أم إضراب لكل واحدة عن ~~الجملة المتقدمة لها، وليست «أم» المعادلة للألف في قوله أعندك زيد أم ~~عمرو؟ لأن المعادلة إنما هي في السؤال عن شيئين أحدهما حاصل، فإذا وقع ~~التقدير على شيئين كلاهما منفي ف «أم» إضراب عن الجملة الأولى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي فرق معنوي، وأما من جهة اللفظ والصناعة ~~النحوية فهي هي، وقرأ نافع والحسن والأعرج «يبطشون» بكسر الطاء وقرأ نافع ~~أيضا وأبو جعفر وشيبة «يبطشون» بضمها، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يعجزهم بقوله قل ادعوا شركاءكم أي استنجدوهم إلى إضراري وكيدي ~~ولا تؤخروني، المعنى فإن كانوا آلهة فسيظهر فعلهم، وسماهم شركاءهم من حيث ~~لهم نسبة إليهم بتسميتهم إياهم آلهة وشركاء لله، وقرأ أبو عمرو ونافع ~~«كيدوني» بإثبات الياء في الوصل، وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة ~~والكسائي «كيدون» بحذف الياء في الوصل والوقف، قال أبو علي: إذا أشبه ~~الكلام المنفصل أو كان منفصلا أشبه القافية وهم يحذفون الياء في القافية ~~كثيرا قد التزموا ذلك، كما قال الأعشى: [المتقارب] # فهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين # وقد حذفوا الياء التي هي لام الأمر كما قال الأعشى: [الرمل] # يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل # وقوله فلا تنظرون أي لا تؤخرون، ومنه قوله تعالى: فنظرة إلى ميسرة ~~[البقرة: 280] ، وقوله تعالى: إن وليي الله الآية، أحالهم على الاستنجاد ~~بآلهتهم في ضره وأراهم أن الله هو القادر على كل شيء لا تلك، عقب ذلك ~~بالإسناد إلى الله والتوكل عليه بأنه وليه وناصره، ms1446 وقرأ جمهور الناس ~~والقراءة «إن PageV02P489 # وليي الله» بياء مكسورة مشددة وأخرى مفتوحة، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه ~~«إن ولي الله» بياء واحدة مشددة ورفع الله، قال أبو علي لا تخلو هذه ~~القراءة من أن تدغم الياء التي هي لام الفعل في ياء الإضافة أو تحذف الياء ~~التي هي لام الفعل وتدغم ياء فعيل في ياء الإضافة، ولا يجوز أن تدغم الياء ~~التي هي لام الفعل في ياء الإضافة لأنه إذا فعل ذلك انفك الإدغام الأول، ~~فليس إلا أنه حذف لام الفعل وأدغم ياء فعيل في ياء الإضافة، وقرأ ابن مسعود ~~«الذي نزل الكتاب بالحق وهو يتولى الصالحين» ، وقرأ الجحدري فيما ذكر أبو ~~عمرو الداني «أن ولي إله» على الإضافة وفسر ذلك بأن المراد جبريل صلى الله ~~عليه وسلم، ذكر القراءة غير منسوبة أبو حاتم وضعفها وإن كانت ألفاظ هذه ~~الآية تلائم هذا المعنى وتصلح له، فإن ما قبلها وما بعدها يدافع ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 197 الى 200] # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ~~فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) # الضمير في قوله من دونه عائد على اسم الله تعالى وهذا الضمير مصرح بما ~~ذكرناه من ضعف قراءة من قرأ «إن ولي الله» أنه جبريل صلى الله عليه وسلم، ~~وهذه الآية أيضا بيان لحال تلك الأصنام وفسادها وعجزها عن نصرة أنفسها فضلا ~~عن غيرها. # وقوله تعالى: وإن تدعوهم الآية، قالت فرقة: المخاطبة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته، والهاء والميم في قوله تدعوهم للكفار ووصفهم بأنهم لا يسمعون ~~ولا يبصرون إذ لم يتحصل لهم عن النظر والاستماع فائدة ولا حلوا منه بطائل، ~~قاله السدي ومجاهد، وقال الطبري: المراد بالضمير المذكور الأصنام، ووصفهم ~~بالنظر كناية عن المحاذاة والمقابلة وما فيها من تخييل النظر كما تقول دار ~~فلان تنظر إلى دار ms1447 فلان، ومعنى الآية على هذا تبين جمودية الأصنام وصغر ~~شأنها، وذهب بعض المعتزلة إلى الاحتجاج بهذه الآية على أن العباد ينظرون ~~إلى ربهم ولا يرونه، ولا حجة لهم في الآية لأن النظر في الأصنام مجاز محض. # قال القاضي أبو محمد: وإنما تكرر القول في هذا وترددت الآيات فيه لأن أمر ~~الأصنام وتعظيمها كان متمكنا من نفوس العرب في ذلك الزمن ومستوليا على ~~عقولها فأوعب القول في ذلك لطفا من الله تعالى بهم. # وقوله تعالى: خذ العفو الآية، وصية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم تعم جميع أمته وأخذ بجميع مكارم الأخلاق، وقال الجمهور في قوله خذ ~~العفو إن معناه اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عفوا ~~دون تكلف، فالعفو هنا الفضل والصفو الذي تهيأ دون تحرج، قاله عبد PageV02P490 # الله بن الزبير في مصنف البخاري، وقاله مجاهد وعروة، ومنه قول حاتم ~~الطائي: [الطويل] # خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هذه الآية، في الأموال، وقيل هي فرض ~~الزكاة أمر بها صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما سهل من أموال الناس، وعفا أي ~~فضل وزاد من قولهم عفا النبات والشعر أي كثر، ثم نزلت الزكاة وحدودها فنسخت ~~هذه الآية، وذكر مكي عن مجاهد أن خذ العفو معناه خذ الزكاة المفروضة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا شاذ، وقوله وأمر بالعرف معناه بكل ما عرفته ~~النفوس مما لا ترده الشريعة، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لجبريل: ما هذا العرف الذي أمر به، قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فرجع إلى ~~ربه فسأله ثم جاءه فقال له: يا محمد هو أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو ~~عمن ظلمك. # قال القاضي أبو محمد: فهذا نصب غايات والمراد فما دون هذا من فعل الخير. ~~وقرأ عيسى الثقفي فيما ذكر أبو حاتم «بالعرف» بضم الراء والعرف والعرف ~~بمعنى المعروف، وقوله وأعرض عن الجاهلين حكم مترتب محكم مستمر ms1448 في الناس ما ~~بقوا، هذا قول الجمهور من العلماء، وقال ابن زيد في قوله خذ العفو- إلى- ~~الجاهلين إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مداراة لكفار قريش ثم نسخ ~~ذلك بآية السيف. # قال القاضي أبو محمد: وحديث الحر بن قيس حين أدخل عمه عيينة بن حصن على ~~عمر دليل على أنها محكمة مستمرة، لأن الحر احتج بها على عمر فقررها ووقف ~~عندها. # وقوله تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ وصية من الله تعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم تعم أمته رجلا رجلا، والنزغ حركة فيها فساد، وقلما تستعمل ~~إلا في فعل الشيطان لأن حركاته مسرعة مفسدة، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح، لا ينزغ الشيطان في الغضب وتحسين ~~المعاصي واكتساب الغوائل وغير ذلك» ، وفي مصنف الترمذي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: إن للملك لمة وإن للشيطان لمة. # قال القاضي أبو محمد: وعن هاتين اللمتين هي الخواطر من الخير والشر، ~~فالأخذ بالواجب هذه الآية يصلح مع الاستعاذة ويصلح أيضا مع ما يقول فيه ~~الكفار من الأقاويل فيغضبه الشيطان لذلك، وعليم كذلك وبهذه الآية تعلق ابن ~~القاسم في قوله: إن الاستعاذة عند القراءة أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 201 الى 203] # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) ~~وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا ~~لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون (203) PageV02P491 # اتقوا هنا عامة في اتقاء الشرك واتقاء المعاصي بدليل أن اللفظة إنما جاءت ~~في مدح لهم، فلا وجه لقصرها على اتقاء الشرك وحده، وأيضا فالمتقي العائذ قد ~~يمسه طائف من الشيطان إذ ليست العصمة إلا للأنبياء عليهم السلام وقرأ نافع ~~وعاصم وابن عامر وحمزة «طائف» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي «طيف» ، ~~وقرأ سعيد بن جبير «طيف» ، واللفظة إما من طاف ms1449 يطوف وإما من طاف يطوف وإما ~~من طاف يطيف بفتح الياء، وهي ثابتة عن العرب، وأنشد أبو عبيدة في ذلك: # أنى الم بك الخيال يطيف ... ومطافه لك ذكرة وشغوف # ف «طائف» اسم فاعل كقائل من قال يقول وكبائع من باع يبيع و «طيف» اسم ~~فاعل أيضا كميت من مات يموت أو كبيع ولين من باع يبيع ولان يلين و «طيف» ~~يكون مخففا أيضا من طيف كميت من ميت، وإذا قدرنا اللفظة من طاف يطيف فطيف ~~مصدر، وإلى هذا مال أبو علي الفارسي وجعل الطائف كالخاطر والطيف كالخطرة، ~~وقال الكسائي: الطيف اللمم والطائف ما طاف حول الإنسان. # قال القاضي أبو محمد: وكيف هذا وقد قال الأعشى: [الطويل] # وتصبح عن غب السرى وكانما ... ألم بها من طائف الجن أولق # ومعنى الآية: إذا مسهم غضب وزين الشيطان معه ما لا ينبغي، وقوله تذكروا ~~إشارة إلى الاستعاذة المأمور بها قبل، وإلى ما لله عز وجل من الأوامر ~~والنواهي في النازلة التي يقع تعرض الشيطان فيها، وقرأ ابن الزبير «من ~~الشيطان تأملوا فإذا هم» ، وفي مصحف أبي بن كعب «إذا طاف من الشيطان طائف ~~تأملوا» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الغضب جند من جند الجن، أما ~~ترون حمرة العين وانتفاخ العروق؟ فإذا كان ذلك فالأرض الأرض، وقوله مبصرون ~~من البصيرة أي فإذا هم قد تبينوا الحق ومالوا إليه. # وقوله تعالى: وإخوانهم يمدونهم في الغي الآية، في هذه الضمائر احتمالات، ~~قال الزجاج: # هذه الآية متصلة في المعنى بقوله: ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ~~ينصرون [الأعراف: 192] . # قال القاضي أبو محمد: في هذا نظر، وقال الجمهور: إن الآية مقدرة موضعها ~~إلا أن الضمير في قوله وإخوانهم عائد على الشياطين والضمير في قوله يمدونهم ~~عائد على الكفار وهم المراد بالإخوان، والشيطان في الآية قبل هذه للجنس ~~فلذلك عاد عليهم هاهنا ضمير جميع فالتقدير على هذا التأويل وإخوان للشياطين ~~يمدونهم الشياطين في الغي، وقال قتادة إن الضميرين في الهاء والميم للكفار. # قال القاضي أبو محمد: فتجيء الآية ms1450 على هذه معادلة للتي قبلها أي إن ~~المتقين حالهم كذا وكذا وهؤلاء الكفار يمدهم إخوانهم من الشياطين ثم لا ~~يقصرون، وقوله في الغي يحتمل أن يتعلق بقوله يمدونهم وعليه يترتب التأويل ~~الذي ذكرنا أولا عن الجمهور، ويحتمل أن يتعلق بالإخوان فعلى هذا PageV02P492 # يحتمل أن يعود الضميران جميعا على الكفار كما ذكرناه عن قتادة ويحتمل أن ~~يعودا جميعا على الشياطين ويكون المعنى وإخوان الشياطين في الغي بخلاف ~~الأخوة في الله يمدون الشياطين أي بطاعتهم لهم وقبولهم منهم، ولا يترتب هذا ~~التأويل على أن يتعلق في الغي بالإمداد لأن الإنس لا يغوون الشياطين، ~~والمراد بهذه الآية وصف حالة الكفار مع الشياطين كما وصف حالة المتقين معهم ~~قبل، وقرأ جميع السبعة غير نافع «يمدونهم» من مددت، وقرأ نافع وحده ~~«يمدونهم» بضم الياء من أمددت، فقال أبو عبيدة وغيره: # مد الشيء إذا كانت الزيادة من جنسه وأمده شيء آخر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير مطرد، وقال الجمهور هما بمعنى واحد إلا أن ~~المستعمل في المحبوب أمد فمنه قوله تعالى: أنما نمدهم به من مال وبنين ~~[المؤمنون: 55] وقوله وأمددناهم بفاكهة [الطور: 22] وقوله أتمدونن بمال ~~[النمل: 36] والمستعمل في المكروه مد فمنه قوله تعالى: ويمدهم في طغيانهم ~~[البقرة: 15] ومد الشيطان للكفرة في الغي هو التزيين لهم والإغواء ~~المتتابع: فمن قرأ في هذه الآية «يمدونهم» بضم الميم فهو على المنهاج ~~المستعمل، ومن قرأ «يمدونهم» فهو مقيد بقوله في الغي كما يجوز أن تقيد ~~البشارة فتقول بشرته بشر، وقرأ الجحدري «يمادونهم» ، وقوله ثم لا يقصرون ~~عائد على الجمع أي هؤلاء لا يقصرون في الطاعة للشياطين والكفر بالله عز ~~وجل، وقرأ جمهور الناس «يقصرون» من أقصر، وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر ~~«يقصرون» من قصر. # وقوله وإذا لم تأتهم بآية سببها فيما روي أن الوحي كان يتأخر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أحيانا، فكان الكفار يقولون هلا اجتبيتها، ومعنى اللفظة ~~في كلام العرب تخيرتها واصطفيتها، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد ~~وغيرهم: المراد بهذه اللفظة هلا ms1451 اخترتها واختلقتها من قبلك ومن عند نفسك. ~~والمعنى إذ كلامك كله كذلك على ما كانت قريش تزعمه، وقال ابن عباس أيضا ~~والضحاك: # المراد هلا تلقيتها من الله وتخيرتها عليه، إذ تزعم أنك نبي وأن منزلتك ~~عنده منزلة الرسالة، فأمره الله عز وجل أن يجيب بالتسليم لله تعالى وأن ~~الأمر في الوحي إليه ينزله متى شاء لا معقب لحكمه في ذلك فقال قل إنما أتبع ~~ما يوحى إلي من ربي ثم أشار بقوله هذا إلى القرآن، ثم وصفه بأنه بصائر أي ~~علامات هدى وأنوار تضيء القلوب، وقالت فرقة: المعنى هذا ذو بصائر، ويصح ~~الكلام دون أن يقدر حذف مضاف لأن المشار إليه بهذا إنما هو سور وآيات وحكم، ~~وجازت الإشارة إليه بهذا من حيث اسمه مذكر، وجاز وصفه ب بصائر من حيث هو ~~سور وآيات، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون أي لهؤلاء خاصة، قال الطبري: # وأما من لا يؤمن فهو عليه عمى عقوبة من الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعراف (7) : الآيات 204 الى 206] # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) واذكر ربك في ~~نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ~~(205) إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) PageV02P493 # ذكر الطبري وغيره أن سبب هذه الآية هو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا بمكة يتكلمون في المكتوبة بحوائجهم ويصيحون عند آيات الرحمة ~~والعذاب ويقول أحدهم إذا أتاهم صليتم؟ # وكم بقي؟ فيخبرونه ونحو هذا، فنزلت الآية أمرا لهم بالاستماع والإنصات في ~~الصلاة، وأما قول من قال إنها في الخطبة فضعيف، لأن الآية مكية، والخطبة لم ~~تكن إلا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وكذلك ما ذكر الزهراوي ~~أنها نزلت بسبب فتى من الأنصار كان يقرأ في الصلاة والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ، فأما الاستماع والإنصات عن الكلام في الصلاة فإجماع، وأما ~~الإمساك والإنصات عن القراءة فقالت فرقة: يمسك المأموم عن القراءة جملة قرأ ~~الإمام جهرا أو ms1452 سرا، وقالت فرقة: يقرأ المأموم إذا أسر الإمام ويمسك إذا ~~جهر، وقالت فرقة: يسمك المأموم في جهر الإمام عن قراءة السورة ويقرأ فاتحة ~~الكتاب. # قال القاضي أبو محمد: ومع هذا القول أحاديث صحاح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فهذه الآية واجبة الحكم في الصلاة أن ينصت عن الحديث وما عدا القراءة ~~واجبة الحكم أيضا في الخطبة من السنة، لا من هذه الآية، ويجب من الآية ~~الإنصات إذا قرأ الخطيب القرآن أثناء الخطبة وحكم هذه الآية في غير الصلاة ~~على الندب أعني في نفس الإنصات والاستماع إذا سمع الإنسان قراءة كتاب الله ~~عز وجل، وأما ما تتضمنه الألفاظ وتعطيه من توقير القرآن وتعظيمه فواجب في ~~كل حالة، والإنصات السكوت، ولعلكم على ترجي البشر. # قال القاضي أبو محمد: ولم نستوعب اختلاف العلماء في القراءة خلف الإمام، ~~إذ ألفاظ الآية لا تعرض لذلك، لكن لما عن ذلك في ذكر السبب ذكرنا منه نبذة، ~~وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أنه قال في قوله عز وجل وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا قال الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما ~~يجهر به الإمام من الصلاة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول جمع فيه ما أوجبته هذه الآية وغيرها من ~~السنة في الإنصات، قال الزجاج: ويجوز أن يكون فاستمعوا له وأنصتوا اعملوا ~~بما فيه ولا تجاوزوه. # وقوله تعالى: واذكر ربك في نفسك الآية، مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~تعم جميع أمته وهو أمر من الله عز وجل بذكره وتسبيحه وتقديسه والثناء عليه ~~بمحامده، والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس ولا يراعى إلا بحركة ~~اللسان، ويدل على ذلك من هذه الآية قوله: ودون الجهر من القول. # فهذه مرتبة السر والمخافتة باللفظ، وتضرعا معناه تذللا وخضوعا، وخيفة ~~أصلها خوفة بدلت الواو ياء لأجل الكسرة التي تقدمتها، وقوله بالغدو والآصال ~~معناه دأبا وفي كل يوم وفي أطراف النهار، وقالت فرقة هذه الآية كانت في ~~صلاة المسلمين قبل فرض الصلوات الخمس، وقال قتادة: «الغدو» ms1453 صلاة الصبح ~~والآصال صلاة العصر، والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل وهو العشي وقيل ~~الآصال جمع أصيل دون توسط كإيمان جمع يمين و «آصال» أيضا جمع أصاييل فهو ~~جمع جمع الجمع، وقرأ أبو مجلز PageV02P494 # «والإيصال» مصدر كالإصباح والإمساء، ومعناه إذا دخلت في الأصيل وفي ~~الطبري قال أبو وائل لغلامه هل آصلنا بعد؟ ولا تكن من الغافلين تنبيه، ولما ~~قال الله عز وجل ولا تكن من الغافلين جعل بعد ذلك مثالا من اجتهاد الملائكة ~~ليبعث على الجد في طاعة الله عز وجل، وقوله الذين يريد الملائكة، وقوله عند ~~إنما يريد في المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان، فهم بذلك ~~عنده، ثم وصف تعالى حالهم من تواضعهم وإدمانهم للعبادة والتسبيح والسجود، ~~وفي الحديث: أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم ~~أو راكع أو ساجد وهذا موضع سجدة، قال النخعي في كتاب النقاش: إن شئت ركعت ~~وإن شئت سجدت. PageV02P495 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما ~~كثيرا ### | سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة الأنفال على بركة الله. # هي مدنية كلها كذا قال أكثر الناس، وقال مقاتل هي مدنية غير آية واحدة ~~وهي قوله تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا [الآية: 30] الآية كلها وهذه ~~الآية نزلت في قصة وقعت بمكة ويمكن أن تنزل الآية في ذلك بالمدينة، ولا ~~خلاف في هذه السورة أنها نزلت في يوم بدر وأمر غنائمه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) # النفل والنفل والنافلة في كلام العرب الزيادة على الواجب، وسميت الغنيمة ~~نفلا لأنها زيادة على القيام بالجهاد وحماية الدين والدعاء إلى الله عز ~~وجل، ومنه قول لبيد: [الرمل] # إن تقوى ربنا خير نفل # أي خير غنيمة، وقول عنترة: # إنا إذا احمر الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال # والسؤال في ms1454 كلام العرب يجيء لاقتضاء معنى في نفس المسئول، وقد يجيء ~~لاقتضاء مال أو نحوه، والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم ~~«الأنفال» فهو من الضرب الأول، وقالت فرقة إنما سألوه الأنفال نفسها أن ~~يعطيهم إياها، واحتجوا في ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ~~وعلي بن الحسين وأبي جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن ~~مصرف وعكرمة والضحاك وعطاء «يسألونك الأنفال» ، وقالوا في قراءة من قرأ عن ~~أنها بمعنى «من» ، فهذا الضرب الثاني من السؤال واختلف الناس في المراد ب ~~الأنفال في هذه الآية، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وعطاء ~~وابن زيد هي الغنائم مجملة، قالوا وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر وهو أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة أقامت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش PageV02P496 # الذي صنع له وحمته وآنسته، وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما ~~انكشفوا، وفرقة اتبعوا العدو فقتلوا وأسروا. # وقال ابن عباس في كتاب الطبري: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرض ~~الناس قبل ذلك فقال: من قتل قتيلا أو أسر أسيرا فله كذا وله كذا، فسارع ~~الشبان وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كل ~~فرقة الفضل لنفسها، وقالت نحن أولى بالمغنم، وساءت أخلاقهم في ذلك، فنزلت ~~الآية بأن الغنائم لله وللرسول فكفوا، فقسمه حينئذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على السواء، وأسند الطبري وغيره عن أبي أمامة الباهلي، قال: سألت ~~عبادة بن الصامت عن «الأنفال» فقال فينا أهل بدر نزلت حين اختلفنا وساءت ~~أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقسمه عليه السلام عن بواء. # قال القاضي أبو محمد: يريد عن سواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وصلاح ذات البين، مما جرى أيضا يوم بدر فقيل إنه سبب ما ~~أسنده ms1455 الطبري عن سعد بن أبي وقاص، قال: # لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاصي وأخذت سيفه وكان يسمى ~~ذا الكثيفة فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: ~~هذا السيف قد شفى الله به من المشركين فأعطنيه، فقال: ليس هذا لي ولا لك، ~~فاطرحه في القبض فطرحته فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ ~~سلبي، قال فما جاوزت إلا قريبا حتى نزلت عليه سورة الأنفال، فقال: اذهب فخذ ~~سيفك فإنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فهو لك. # قال القاضي أبو محمد: وفي بعض طرق هذا الحديث، قال سعد: فقلت لما قال لي ~~ضعه في القبض إني أخاف أن تعطيه من لم يبل بلائي، قال: فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، خلفي، قال فقلت أخاف أن يكون نزل في شيء، فقال: إن السيف ~~قد صار لي فأعطانيه ونزلت يسئلونك عن الأنفال وأسند الطبري أيضا عن أبي ~~أسيد مالك بن ربيعة قال: أصبت سيف ابن عائد يوم بدر، وكان يسمى المرزبان، ~~فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردوا ما في أيديهم من النفل ~~أقبلت به، فألقيته في النفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع ~~شيئا يسأله، فرآه الأرقم المخزومي فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأعطاه إياه. # قال القاضي أبو محمد: فيجيء من مجموع هذه الآثار أن نفوس أهل بدر تنافرت ~~ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة، لا سيما من أبلى، فأنزل ~~الله عز وجل الآية، فرضي المسلمون وسلموا، فأصلح الله ذات بينهم ورد عليهم ~~غنائمهم، وقال بعض أهل هذا التأويل عكرمة ومجاهد: كان هذا الحكم من الله ~~لرفع الشغب، ثم نسخ بقوله واعلموا أنما غنمتم من شيء [الأنفال: 41] وقال ~~ابن زيد: لم يقع في الآية نسخ، وإنما أخبر أن الغنائم لله من حيث هي ملكه ~~ورزقه وللرسول من حيث هو مبين بها أحكام ms1456 الله والصادع بها ليقع التسليم ~~فيها من الناس، وحكم القسمة نازل خلال ذلك، ولا شك في أن الغنائم وغيرها ~~والدنيا بأسرها هي لله وللرسول. PageV02P497 # قال القاضي أبو محمد: وقال ابن عباس أيضا الأنفال في الآية ما يعطيه ~~الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، وهذا أيضا يحسن مع الآية ومع ما ~~ذكرناه من آثار يوم بدر. وقال علي بن صالح بن جني والحسن فيما حكى المهدوي: ~~الأنفال في الآية ما تجيء به السرايا خاصة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول بعيد عن الآية غير ملتئم مع الأسباب ~~المذكورة، بل يجيء خارجا عن يوم بدر، وقال مجاهد: الأنفال في الآية الخمس، ~~قال المهاجرون: لم يخرج منا هذا الخمس، فقال الله تعالى هو لله وللرسول، ~~وهذا أيضا قول قليل التناسب مع الآية، وقال ابن عباس وعطاء أيضا: الأنفال ~~في الآية ما شد من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس والغائر والعبد ~~الآبق هو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء، وقال ابن عباس أيضا: ~~الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ~~ورسوله. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان لا تخرج بهما الآية عن الأسباب التي ~~رويت في يوم بدر ولا تختص الآية بيوم بدر على هذا، وكأن هاتين المقالتين ~~إنما هي فيما ناله الجيش دون قتال وبعد تمام الحرب وارتفاع الخوف، وأولى ~~هذه الأقوال وأوضحها القول الأول الذي تظاهرت الروايات بأسبابه وناسبه ~~الوقت الذي نزلت الآية فيه، وحكى النقاش عن الشعبي أنه قال: الأنفال ~~الأسارى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما هو على جهة المثال فيعني كل ما يغنم، ~~ويحسن في تفسير هذه الآية أن نذكر شيئا من اختلاف العلماء في تنفيل الإمام ~~لمن رآه من أهل النجدة والغناء وما يجوز من ذلك وما يمتنع وما لهم في السلب ~~من الاختلاف، فقالت فرقة لا نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ~~الجمهور: النفل باق إلى يوم القيامة، ينفل إمام الجيش ما رآه ms1457 لمن رآه لكن ~~بحسب الاجتهاد والمصلحة للمسلمين ليحض الناس على النجدة وينشطهم إلى مكافحة ~~العدو والاجتهاد في الحرب، ثم اختلفوا فقال ابن القاسم عن مالك في المدونة: ~~إنما ينفل الإمام من الخمس لا من جملة الغنيمة، وينفل في أول المغنم وفي ~~آخره بحسب اجتهاده، وقالت فرقة: إنما ينفل الإمام قبل القتال، وأما إذا ~~جمعت الغنائم فلا نفل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما يكون على هذا القول بأن يقول من قتل ~~قتيلا فله كذا وكذا، أو يقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا، وقال ~~الشافعي وابن حنبل: لا نفل إلا بعد الغنيمة قبل التخميس، وقال إبراهيم ~~النخعي: ينفل الإمام متى شاء قبل التخميس، وقال أنس بن مالك ورجاء بن حيوة ~~ومكحول والقاسم وجماعة منهم الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعدي بن عدي: لا نفل إلا ~~بعد إخراج الخمس ثم ينفل الإمام من أربعة الأخماس ثم يقسم الباقي بين ~~الناس: وقال ابن المسيب: إنما ينفل الإمام من خمس الخمس، وقال مالك رحمه ~~الله لا يجوز أن يقول الأمير من هدم كذا من الحصن فله كذا ومن بلغ إلى كذا ~~فله كذا، ولا أحب لأحد أن يسفك دما على مثل هذا، قال سحنون: فإن نزل ذلك ~~لزمه فإنه مبايعة. # وقال مالك رحمه الله: لا يجوز أن يقول الإمام لسرية: ما أخذتم فلكم ثلثه، ~~قال سحنون: يريد ابتداء، فإن نزل مضى ولهم أنصباؤهم في الباقي، وقال سحنون: ~~إذا قال الإمام لسرية: ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه، فهذا لا يجوز فإن نزل ~~رددته لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى، ويستحب على مذهب مالك إن PageV02P498 # نفل الإمام أن ينفل ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف، وقد منع بعض العلماء ~~أن ينفل الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا أو نحو هذا، وقال بعضهم: النفل جائز ~~من كل شيء، وأما السلب فقال مالك رحمه الله: الأسلاب من المغنم تقسم على ~~جميع الجيش إلا أن يشرط الإمام وقاله غيره، وقال الليث والأوزاعي والشافعي ~~وأحمد وأبو ثور ms1458 وأبو عبيد وابن المنذر: السلب حق للقاتل بحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد وابن المنذر: قال الإمام أولم ~~يقله، وقال مالك: إذا قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه فذلك لازم، ولكنه ~~على قدر اجتهاد الإمام وبسبب الأحوال والضيقات واستصراخ الأنجاد، وقال ~~الشافعي وابن حنبل: تخرج الأسلاب من الغنيمة ثم تخمس بعد ذلك وتعطى الأسلاب ~~للقتلة، وقال إسحاق بن راهويه: # إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل وإن كان كثيرا خمس، وفعله عمر بن الخطاب ~~مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله فكانت قيمة منطقته وسواريه ~~ثلاثين ألفا، فخمس ذلك، وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~حديث عوف بن مالك في مصنف أبي داود، وقال مكحول: السلب مغنم وفيه الخمس، ~~وروي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال القاضي أبو محمد: يريد يخمس على القاتل وحده، وقال جمهور الفقهاء لا ~~يعطى القاتل السلب إلا أن يقيم البينة على قتله قال أكثرهم: ويجزىء شاهد ~~واحد بحكم حديث أبي قتادة، وقال الأوزاعي يعطاه بمجرد دعواه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال الشافعي: لا يعطى القاتل إلا إذا ~~كان قتيله مقبلا مشيحا مبارزا، وأما من قتل منهزما فلا، وقال أبو ثور وابن ~~المنذر صاحب الأشراف: للقاتل السلب منهزما كان القتيل أو غير منهزم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح لحديث سلمة بن الأكوع في اتباعه ربيئة ~~الكفار في غزوة حنين وأخذه بخطام بعيره وقتله إياه وهو هارب فأعطاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سلبه، وقال ابن حنبل: لا يكون السلب للقاتل إلا في ~~المبارزة فقط، واختلفوا في السلب، فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا ~~أحفظ فيه خلافا أنه من السلب، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه، وقال أحمد بن ~~حنبل في الفرس: ليس من السلب، وكذلك إن كان في هميانه أو منطقته دنانير أو ~~جوهر أو نحو هذا مما يعده فلا أحفظ خلافا أنه ليس من السلب، واختلف ms1459 فيما ~~يتزين به للحرب ويهول فيها كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة ~~بالذهب والأحجار، فقال الأوزاعي ذلك كله من السلب، وقالت: فرقة: ليس من ~~السلب، وهذا مروي عن سحنون رحمه الله إلا المنطقة فإنها عنده من السلب، قال ~~ابن حبيب في الواضحة: والسوارين من السلب، ويرجح الشافعي هل هذه كلها من ~~السلب أو لا؟ # قال القاضي أبو محمد: وإذا قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه فقتل ذمي ~~قتيلا فالمشهور أن لا شيء له وعلى قول أشهب يرضخ أهل الذمة من الغنيمة يلزم ~~أن يعطى السلب، وإن قتل الإمام بيده بعد هذه المقالة قتيلا فله سلبه. # قال القاضي أبو محمد: وأما الصفي فكان خالصا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقوله عز وجل: PageV02P499 # فاتقوا الله معناها في الكلام، اجعل بينك وبين المحذور وقاية، وقوله ~~وأصلحوا ذات بينكم تصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ومالت النفوس إلى التشاح، ~~وذات في هذا الموضع يراد بها نفس الشيء وحقيقته، والذي يفهم من بينكم هو ~~معنى يعم جميع الوصل والالتحامات والمودات وذات ذلك هي المأمور بإصلاحها أي ~~نفسه وعينه، فحض الله عز وجل على إصلاح تلك الأجزاء فإذا صلحت تلك حصل ~~إصلاح ما يعمها وهو البين الذي لهم، وقد تستعمل لفظة الذات على أنها لزيمة ~~ما تضاف إليه وإن لم تكن عينه ونفسه، وذلك في قوله: عليم بذات الصدور ~~[الأنفال: 43] وذات الشوكة [الأنفال: 7] فإنها هاهنا مؤنثة قولهم: الذئب ~~مغبوط بذي بطنه، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه إنما هو ذو بطن بنت ~~خارجة، ويحتمل ذات البين أن تكون هذه، وقد تقال الذات أيضا بمعنى آخر وإن ~~كان يقرب من هذا، وهو قولهم فعلت كذا ذات يوم، ومنه قول الشاعر: [البسيط] . # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... ذات العشاء ولا تسري أفاعيها # وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: ذات بينكم الحال التي لبينكم كما ذات ~~العشاء الساعة التي فيها العشاء. # قال القاضي أبو محمد: ورجحه الطبري وهو قول بين الانتقاض، وقال الزجاج ~~البين هاهنا الوصل، ومثله ms1460 قوله عز وجل: لقد تقطع بينكم [الأنعام: 94] . # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا كله نظر، وقوله وأطيعوا الله ورسوله لفظ ~~عام وسببه الأمر بالوقوف عند ما ينفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الغنائم، وقوله: إن كنتم مؤمنين أي كاملي الإيمان كما تقول لرجل إن كنت ~~رجلا فافعل كذا أي إن كنت كامل الرجولة وجواب الشرط في قوله المتقدم ~~وأطيعوا هذا عند سيبويه، ومذهب أبي العباس أن الجواب محذوف متأخر يدل عليه ~~المتقدم تقديره إن كنتم مؤمنين أطيعوا، ومذهبه في هذا أن لا يتقدم الجواب ~~الشرط. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 2 الى 4] # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) # إنما لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، فإذا ~~دخل في قصة وساعد معناها على الانحصار صح ذلك وترتب كقوله أنما إلهكم إله ~~واحد [الأنبياء: 108، فصلت: 6] وغير ذلك من الأمثلة، وإذا كانت القصة لا ~~تتأتى للانحصار بقيت «إنما» للمبالغة والتأكيد فقط، كقوله عليه السلام ~~«إنما الربا في النسيئة» ، وكقوله «إنما الشجاع عنترة» ، وأما من قال ~~«إنما» ، هي لبيان الموصوف فهي عبارة فاترة إذ بيان الموصوف يكون في مجرد ~~الإخبار دون «إنما» ، وقوله هاهنا إنما PageV02P500 # المؤمنون # ظاهرها أنها للمبالغة والتأكيد فقط أي الكاملون، وجلت معناه فزعت ورقت ~~وخافت وبهذه المعاني فسرت العلماء، وقرأ ابن مسعود «فرقت» ، وقرأ أبي بن ~~كعب «فزعت» ، يقال وجل يوجل ويأجل وييجل وهي شاذة وييجل بكسر الياء الأولى ~~ووجه هذه أنهم لما أبدلوا الواو ياء لم يكن لذلك وجه قياس، فكسروا الياء ~~الأولى ليجيء بدل الواو ياء لعلة، حكى هذه اللغات الأربع سيبويه رحمه الله، ~~وتليت معناه سردت وقرئت، والآيات هنا القرآن المتلو، وزيادة الإيمان على ~~وجوه كلها خارج عن نفس التصديق، منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من ~~أحكام الله ms1461 في القرآن فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه فآمن به، ~~زاد إيمانا إلى سائر ما قد آمن به، إذ لكل حكم تصديق خاص، وهذا يترتب فيمن ~~بلغه ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القيامة، وتترتب زيادة الإيمان ~~بزيادة الدلائل، ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص وتترتب بزيادة ~~الأعمال البرة على قول من يرى لفظة الإيمان واقعة على التصديق والطاعات. # وهؤلاء يقولون يزيد وينقص، وقوله وعلى ربهم يتوكلون عبارة جامعة لمصالح ~~الدنيا والآخرة إذا اعتبرت وعمل بحسبها في أن يمتثل الإنسان ما أمر به ~~ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعد ما تكفل له به من نصر أو رزق ~~أو غيره، وهذه أوصاف جميلة وصف الله بها فضلاء المؤمنين فجعلها غاية للأمة ~~يستبق إليها الأفاضل، ثم أتبع ذلك وعدهم ووسمهم بإقامة الصلاة ومدحهم بها ~~حضا على ذلك، وقوله ومما رزقناهم ينفقون قال جماعة من المفسرين: هي الزكاة. # قال القاضي أبو محمد: وإنما حملهم على ذلك اقتران الكلام بإقامة الصلاة ~~وإلا فهو لفظ عام في الزكاة ونوافل الخير وصلاة المستحقين، ولفظ ابن عباس ~~في هذا المعنى محتمل، وقوله «أولئك هم المؤمنين حقا» يريد كل المؤمنين، ~~وحقا مصدر مؤكد كذا نص عليه سيبويه، وهو المصدر غير المتنقل، والعامل فيه ~~أحق ذلك حقا. وقوله درجات ظاهره، وهو قول الجمهور، أن المراد مراتب الجنة ~~ومنازلها ودرجتها على قدر أعمالهم، وحكى الطبري عن مجاهد أنها درجات أعمال ~~الدنيا، وقوله ورزق كريم يريد به مآكل الجنة ومشاربها، وكريم صفة تقتضي رفع ~~المذام كقولك ثوب كريم وحسب كريم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 7] # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) # اختلف الناس في الشيء الذي تتعلق به الكاف ms1462 من قوله كما حسبما نبين من ~~الأقوال التي أنا ذاكرها بعد بحول الله، والذي يلتئم به المعنى ويحسن سرد ~~الألفاظ قولان، وأنا أبدأ بهما، قال الفراء: # التقدير امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك، هذا ~~نص قوله في هداية مكي PageV02P501 # رحمه الله، والعبارة بقوله: امض لأمرك ونفل من شئت غير محررة، وتحرير هذا ~~المعنى عندي أن يقال إن هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته ~~بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا ~~فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة، ~~فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم هاهنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه ~~لله وللرسول دونهم هو بمثابة إخراجه نبيه صلى الله عليه وسلم من بيته، ثم ~~كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله ~~يجادلونك كلاما مستأنفا يراد به الكفار، أي يجادلونك في شريعة الإسلام من ~~بعد ما تبين الحق فيها، كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي ذكرت من أن يجادلونك في الكفار منصوص ~~والقول الثاني قال مجاهد والكسائي وغيرهما: المعنى في هذه الآية كما أخرجك ~~ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ~~ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما ~~يريدون هم. # قال القاضي أبو محمد: والتقدير على هذا التأويل يجادلونك في الحق مجادلة ~~ككراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك، فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة ~~الكراهية وكذلك وقع التشبيه في المعنى، وقائل هذه المقالة يقول إن ~~المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول إن المجادلين هم ~~المشركون، فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن رصف اللفظ وقال ~~الأخفش: الكاف نعت ل حقا [الأنفال: 4] ، والتقدير هم المؤمنون حقا كما ms1463 ~~أخرجك. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى على هذا التأويل كما تراه لا يتناسق وقيل ~~الكاف في موضع رفع والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله كأنه ابتداء وخبر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى وضعه هذا المفسر وليس من ألفاظ الآية ~~في ورد ولا صدر، وقال أبو عبيدة: هو قسم أي لهم درجات ومغفرة ورزق كريم كما ~~أخرجك بتقدير والذي أخرجك، فالكاف في معنى الواو و «ما» بمعنى الذي، وقال ~~الزجاج: الكاف في موضع نصب والتقدير الأنفال ثابتة لك ثباتا كما أخرجك ربك، ~~وقيل: الكاف في موضع رفع والتقدير لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم هذا ~~وعد حق كما أخرجك، وقيل المعنى: وأصلحوا ذات بينكم ذلك خير لكم كما أخرجك، ~~والكاف نعت لخبر ابتداء محذوف، وقيل التقدير: قل الأنفال لله والرسول كما ~~أخرجك، وهذا نحو أول قول ذكرته، وقال عكرمة: التقدير وأطيعوا الله ورسوله ~~إن كنتم مؤمنين كما أخرجك ربك أي الطاعة خير لكم كما كان إخراجك خيرا لكم، ~~وقوله: من بيتك يريد من المدينة يثرب، قاله جمهور المفسرين وقال ابن بكير: # المعنى كما أخرجك من مكة وقت الهجرة، وقرأ عبد الله بن مسعود: «في الحق ~~بعد ما بين» بضم الباء من غير تاء، والضمير في قوله يجادلونك، قيل: هو ~~للمؤمنين وقيل: للمشركين، فمن قال للمؤمنين جعل الحق قتال مشركي قريش، ومن ~~قال للمشركين جعل الحق شريعة الإسلام، وقوله إلى الموت PageV02P502 # أي في سوقهم على أن المجادلين المؤمنون في دعائهم إلى الشرع على أنهم ~~المجادلين المؤمنون في دعائهم إلى الشرع على أنهم المشركون، وقوله وهم ~~ينظرون حال تزيد في فزع السوق وتقتضي شدة حاله. # وقوله تعالى: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم الآية، في هذه ~~الآية قصص حسن أنا أختصره إذ هو مستوعب في كتاب سيرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لابن هشام، واختصاره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ~~وقيل أوحي إليه أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام بالعير التي فيها ms1464 ~~تجارة قريش وأموالها، قال لأصحابه إن عير قريش قد عنت لكم فاخرجوا إليها ~~لعل الله أن ينفلكموها، قال فانبعث من معه من خف، وثقل قوم وكرهوا الخروج ~~وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلوي على من تعذر ولا ينتظر من غاب ~~ظهره، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه بين مهاجري وأنصاري، وقد ظن ~~الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حربا فلم يكثر ~~استعدادهم، وكان أبو سفيان في خلال ذلك يستقصي ويحذر، فلما بلغه خروج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستنفر أهلها، ~~ففعل ضمضم، فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خروجهم، أوحى الله إليه وحيا غير متلو يعده إحدى الطائفتين، ~~فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فسروا وودوا أن تكون لهم ~~العير التي لا قتال معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخذ طريق الساحل وأبعد وفات ولم يبق إلا لقاء أهل مكة، وأشار بعض ~~الكفار على بعض بالانصراف وقالوا عيرنا قد نجت فلننصرف، فحرش أبو جهل ولج ~~حتى كان أمر الوقعة، وقال بعض المؤمنين: نحن لم نخرج لقتال ولم نستعد له، ~~فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو بواد يسمى ذفران، وقال ~~أشيروا علي أيها الناس، فقام أبو بكر فتكلم فأحسن وحرض على لقاء العدو، ~~فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فقام عمر بمثل ذلك، فأعاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فتكلم المقداد الكندي فقال: لا ~~نقول لك يا رسول الله اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول ~~إنا معكما مقاتلون. والله لو أردت بنا برك الغماد. # قال القاضي أبو محمد: وهي مدينة الحبشة لقاتلنا معك من دونها، فسر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بكلامه ودعا له بخير، ثم قال أشيروا علي أيها ~~الناس فكلمه سعد ms1465 بن معاذ وقيل سعد بن عبادة. # قال القاضي أبو محمد: ويمكن أنهما جميعا تكلما في ذلك اليوم، فقال يا ~~رسول الله كأنك تريدنا معشر الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل، ~~فقال إنا آمنا بك واتبعناك فامض لأمر الله، فو الله لو خضت بنا هذا البحر ~~لخضناه معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: امضوا على بركة الله فكأني ~~أنظر إلى مصارع القوم، فالتقوا وكانت وقعة بدر، وقرأ مسلمة بن محارب «وإذ ~~يعدكم» بجزم الدال، قال أبو الفتح ذلك لتوالي الحركات، وقرأ ابن محيصن «وإذ ~~يعدكم الله احدى الطائفتين» بوصل الألف من إحدى وصلة الهاء بالحاء، والشوكة ~~عبارة عن السلاح والحدة، ومنه قول الأعور: [الرجز] # إن العرفج قد أدبى # وقرأ أبو عمرو فيما حكى أبو حاتم الشوكة تكون بإدغام التاء في التاء، ~~ومعنى الآية وتودون العير PageV02P503 # وتأبون قتال الكفار، وقوله ويريد الله الآية، المعنى ويريد الله أن يظهر ~~الإسلام ويعلي دعوة الشرع، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم «بكلمته» ~~على الإفراد الذي يراد به الجمع، والمعنى في قوله بكلماته إما أن يريد ~~بأوامره وأمره للملائكة والنصر لجميع ما يظهر الإسلام أن يكون، وإما أن ~~يريد بكلماته التي سبقت في الأزل والمعنى قريب، و «الدابر» الذي يدبر القوم ~~أي يأتي في آخرهم، فإذا قطع فقد أتى على آخرهم بشرط أن يبدأ الإهلاك من ~~أولهم، وهي عبارة في كل من أ؟ ى الهلاك عليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 8 الى 10] # ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) إذ تستغيثون ربكم فاستجاب ~~لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن ~~به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) # ليحق الحق أي ليظهر ما يجب إظهاره وهو الإسلام ويبطل الباطل أي الكفر، ~~ولو كره أي وكراهتهم واقعة فهي جملة في موضع الحال، وقوله: إذ تستغيثون ~~ربكم الآية، إذ متعلقة بفعل، تقديره واذكر إذ وهو الفعل الأول الذي عمل في ~~قوله ms1466 وإذ يعدكم [الأنفال الآية: 7] وقال الطبري: هي متعلقة ب ليحق.. ويبطل. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يعمل فيها يعدكم [الأنفال: 7] فإن الوعد ~~كان في وقت الاستغاثة، وقرأ أبو عمرو بإدغام الذال في التاء واستحسنها أبو ~~حاتم، وتستغيثون معناه تطلبون، وليس يبين من ألفاظ هذه الآية أن المؤمنين ~~علموا قبل القتال بكون الملائكة معهم، فإن استجاب يمكن أن يقع في غيبه ~~تعالى، وقد روي أنهم علموا ذلك قبل القتال، ومعنى التأنيس وتقوية القلوب ~~يقتضي ذلك، وقرأ جمهور الناس «أني» بفتح الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما ~~روي عنه وعيسى بن عمر بخلاف عنه «إني» بكسر الألف أي قال إني، وممدكم، أي ~~مكثركم ومقويكم من أمددت. وقرأ جمهور الناس «بألف» وقرأ عاصم الجحدري ~~«بأألف» على مثل فلس وأفلس فهي جمع ألف، والإشارة بها إلى الآلاف المذكورة ~~في آل عمران، وقرأ عاصم الجحدري أيضا «بآلاف» ومردفين معناه متبعين، ويحتمل ~~أن يراد المردفين المؤمنين أي أردفوا بالملائكة ف مردفين على هذا حال من ~~الضمير في قوله ممدكم ويحتمل أن يراد به الملائكة أي أردف بعضهم ببعض، وهذه ~~القراءة بفتح الدال وهي قراءة نافع وجماعة من أهل المدينة وغيرهم، وقرأ ~~سائر السبعة غير نافع «مردفين» بكسر الدال وهي قراءة الحسن ومجاهد والمعنى ~~فيها تابع بعضهم بعضا، وروي عن ابن عباس خلف كل ملك ملك، وهذا معنى التتابع ~~يقال ردف وأردف إذا أتبع وجاء بعد الشيء، ويحتمل أن يراد مردفين المؤمنين. # ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضا، ومن قال «مردفين» بمعنى أن كل ملك ~~أردف ملكا وراءه فقول ضعيف لم يأت بمقتضاه رواية، وقرأ رجل من أهل مكة رواه ~~عنه الخليل «مردفين» بفتح الراء وكسر الدال وشدها. PageV02P504 # وروي عن الخليل أنها بضم الراء كالتي قبلها وفي غير ذلك، وقرأ بعض الناس ~~بكسر الراء مثلهما في غير ذلك، حكى ذلك أبو عمرو عن سيبويه، وحكاه أبو حاتم ~~قال: كأنه أراد مرتدفين فأدغم وأتبع الحركة، ويحسن مع هذه القراءة كسر ~~الميم ولا أحفظه قراءة، وأنشد الطبري ms1467 شاهدا على أن أردف بمعنى جاء تابعا ~~قول الشاعر [خزيمة بن مالك] : [الوافر] # إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا # والثريا تطلع قبل الجوزاء وروي في الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر، ~~واختلف في غيره من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: لم تقاتل يوم ~~بدر وإنما وقفت وحضرت وهذا ضعيف، وحكى الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه قال: نزل جبريل في ألف ملك على ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيها أبو بكر ونزل ميكائيل في ألف ملك في المسيرة وأنا فيها، وقال ابن ~~عباس: كانا في خمسمائة خمسمائة، وقال الزجاج: قال بعضهم: إن الملائكة خمسة ~~آلاف، وقال بعضهم: تسعة آلاف، وفي هذا المعنى أحاديث هي مستوعبة في كتاب ~~السير، وقوله تعالى: وما جعله الله الآية، الضمير في جعله عائد على الوعد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى، وقال ~~الزجاج: الضمير عائد على المدد، ويحتمل أن يعود على الإمداد، وهذا يحسن مع ~~قول من يقول إن الملائكة لم تقاتل وإنما أنست بحضورها مع المسلمين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف ترده الأحاديث الواردة بقتال ~~الملائكة وما رأى من ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن مسعود وغيره، ~~ويحتمل أن يعود على الإرداف وهو قول الطبري، وهذا أيضا يجري مجرى القول ~~الذي قبله ويحتمل أن يعود على «الألف» وهذا أيضا كذلك، لأن البشرى بالشيء ~~إنما هي ما لم يقع بعد، و «البشرى» مصدر من بشرت، والطمأنينة السكون ~~والاستقرار وقوله وما النصر إلا من عند الله توقيف على أن الأمر كله لله ~~وأن تكسب المرء لا يغني إذا لم يساعده القدر وإن كان مطلوبا بالجد كما ظاهر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وهذه القصة كلها من قصة الكفار ~~وغلبة المؤمنين لهم تليق بها من صفات الله عز وجل العزة والحكمة إذا تؤمل ~~ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 11 الى 12] # إذ يغشيكم ms1468 النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) # العامل في إذ هو العامل الذي عمل في قوله وإذ يعدكم [الأنفال: 7] بتقدير ~~تكراره لأن PageV02P505 # الاشتراك في العامل الأول نفسه لا يكون إلا بحرف عطف، وإنما القصد أن ~~تعدد نعمة الله تعالى على المؤمنين في يوم بدر فقال: واذكروا إذ فعلنا كذا ~~وقال الطبري: العامل في إذ قوله ولتطمئن [الأنفال: 10] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا مع احتماله فيه ضعف، ولو جعل العامل في إذ ~~شيئا قريبا مما قبلها لكان الأولى في ذلك أن يعمل في إذ حكيم [الأنفال: 10] ~~لأن إلقاء النعاس عليهم وجعله أمنة حكمة من الله عز وجل، وقرأ نافع ~~«يغشيكم» بضم الياء وسكون الغين وهي قراءة الأعرج وأبي حفص وابن نصاح، وقرأ ~~عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي «يغشيكم» بفتح الغين وشد الشين المكسورة وهي ~~قراءة عروة بن الزبير وأبي رجاء والحسن وعكرمة وغيرهم، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو «يغشاكم» بفتح الياء وألف بعد الشين وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وأهل ~~مكة «النعاس» بالرفع، وحجة من قرأ «يغشاكم» إجماعهم في آية أحد على يغشى ~~طائفة منكم [آل عمران: 154] ، وحجة من قرأ «يغشيكم» أن يجيء الكلام متسقا ~~مع ينزل، ومعنى يغشيكم يغطيكم به ويفرغه عليكم، وهذه استعارة والنعاس أخف ~~النوم وهو الذي قد يصيب الإنسان وهو واقف أو ماش، وينص على ذلك قصص هذه ~~الآية أنهم إنما كان بهم خفق في الرؤوس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~«إذا نعس أحدكم في صلاته» الحديث، وينص على ذلك قول الشاعر [ابن الرقاع] : ~~[الكامل] # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # وقوله أمنة مصدر من أمن الرجل يأمن أمنا وأمنة وأمانا، والهاء فيها ~~لتأنيث المصدر كما هي في المساءة والمشقة، وقرأ ابن محيصن «أمنة» بسكون ~~الميم وروي ms1469 عن عبد الله بن مسعود أنه قال: النعاس عند حضور القتال علامة ~~أمن من العدو وهو من الله، وهو في الصلاة من الشيطان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما طريقه الوحي فهو لا محالة إنما يسنده، ~~وقوله وينزل عليكم من السماء ماء تعديد أيضا لهذه النعمة في المطر، فقال ~~بعض المفسرين وحكاه الطبري عن ابن عباس وغيره، وقاله الزجاج: إن الكفار يوم ~~بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم ~~فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا كذلك، فقال بعضهم في نفوسهم- بإلقاء ~~الشيطان إليهم- نزعم أنا أولياء الله وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحالنا هذه والمشركون على الماء، فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة ~~من رمضان حتى سالت الأودية فشرب الناس وتطهروا وسقوا الظهر. # وتدمثت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام ~~المسلمين وقت القتال وكانت قبل المطر تسوخ فيها الأرجل فلما نزل الطش تلبدت ~~قالوا: فهذا معنى قوله ليطهركم به أي من الجنابة، ويذهب عنكم رجز الشيطان ~~أي عذابه لكم بوساوسه المتقدمة الذكر، والرجز العذاب، وقرأ أبو العالية ~~«رجس» بالسين أي وساوسه التي تمقت وتتقذر، وقرأ ابن محيصن «رجز» بضم الراء، ~~وقرأ عيسى بن عمر «ويذهب» بجزم الباء، وليربط على قلوبكم أي بتنشيطها ~~وإزالة الكسل عنها وتشجيعها على العدو ومنه قولهم: رابط الجأش أي ثابت ~~النفس عند جأشها في الحرب ويثبت به الأقدام أي في الرملة الدهسة التي كان ~~المشي فيها صعبا. PageV02P506 # قال القاضي أبو محمد: والصحيح من القول وهو الذي في سيرة ابن إسحاق ~~وغيرها أن المؤمنين سبقوا إلى الماء ببدر، وفي هذا كلام حباب بن المنذر ~~الأنصاري حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أول ماء، فقال له حباب: ~~أبوحي يا رسول الله هو المنزل فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو عندك ~~الرأي والمكيدة؟ الحديث المستوعب في السيرة. # قال القاضي أبو محمد: ولكن نزول المطر كان قبل وصولهم إلى الماء وذلك أن ~~القوم من ms1470 المؤمنين لحقتهم في سفرهم الجنابات وعدموا الماء قريب بدر فصلوا ~~كذلك فوقع في نفوسهم من ذلك، ووسوس الشيطان لهم في ذلك مع تخويفه لهم من ~~كثرة العدو وقتلهم، وهذا قبل الترائي بالأعين، وأيضا فكانت بينهم وبين ماء ~~بدر مسافة طويلة من رمل دهس لين تسوخ فيه الأرجل وكانوا يتوقعون أن يسبقهم ~~الكفار إلى ماء بدر فتحرضوا هم أن يسبقوهم إليه فأنزل الله تلك المطرة ~~فسالت الأودية فاغتسلوا وطهرهم الله فذهب رجز الشيطان وتدمت الطريق وتلبدت ~~تلك الرملة فسهل المشي فيها وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى الماء، ووقع في ~~السير أن ما أصاب المشركين من ذلك المطر بعينه صعب عليهم طريقهم، فسر ~~المؤمنون وتبينوا من جعل الله بهم ذلك قصد المعونة لهم، فطابت نفوسهم ~~واجتمعت وتشجعت، فذلك الربط على قلوبهم وتثبيت الأقدام منهم على الرملة ~~اللينة فأمكنهم لحاق الماء قبل المشركين. # قال القاضي أبو محمد: هذا أحد ما يحتمله قوله ويثبت به الأقدام والضمير ~~في به على هذا الاحتمال عائد على الماء، ويحتمل أن يعود الضمير في به على ~~ربط القلوب فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب، ~~وبين أن الرابط الجأش تثبت قدمه عند مكافحة الهول. # قال القاضي أبو محمد: ونزول الماء كان في الزمن قبل تغشية النعاس ولم ~~يترتب ذلك في الآية إذ القصد فيها تعديد النعم فقط، وحكى أبو الفتح أن ~~الشعبي قرأ «وينزل عليكم من السماء ما» ساكنة الألف ليطهركم به قال: وهي ~~بمعنى الذي. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وقرأ ابن المسيب «ليطهركم به» بسكون ~~الطاء، وقوله تعالى: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة الآية، العامل في إذ العامل الأول على ما تقدم ~~فيما قبلها، ولو قدرناه قريبا لكان قوله ويثبت على تأويل عود الضمير على ~~الربط، وأما على عوده على الماء فيقلق أن تعمل ويثبت في إذ ووحي الله إلى ~~الملائكة إما بإلهام أو بإرسال بعض إلى بعض، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف عنه ~~«إني معكم» بكسر الألف على استئناف إيجاب القصة، ms1471 وقرأ جمهور الناس «أني» ~~بفتح الألف على أنها معمولة ل يوحي، ووجه الكسر أن الوحي في معنى القول، ~~وقوله فثبتوا يحتمل أن يكون بالقتال معهم على ما روي. # ويحتمل بالحضور في حيزهم والتأنيس لهم بذلك، ويحتمل أن يريد: فثبوتهم ~~بأقوال مؤنسة مقوية للقلب، وروي في ذلك أن بعض الملائكة كان في صورة ~~الآدميين فكان أحدهم يقول للذي يليه من المؤمنين: لقد بلغني أن الكفار ~~قالوا لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن، ويقول آخر: ما أرى الغلبة والظفر ~~إلا لنا. ويقول آخر: أقدم يا فلان، ونحو هذا من الأقوال المثبتة. PageV02P507 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أيضا أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه ~~الملك في قلب الإنسان بلمته من توهم الظفر واحتقار الكفار ويجري عليه من ~~خواطر تشجيعه ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب وإن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان التثبيت ~~ولكنه أشبه بهذا إذ هي من جنس واحد. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل يجيء قوله سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب مخاطبة للملائكة، ثم يجيء قوله تعالى: فاضربوا فوق الأعناق ~~لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر عن صورة الحال كما تقول إذا وصفت حربا لمن ~~تخاطبه لقينا القوم وهزمناهم فاضرب بسيفك حيث شئت واقتل وخذ أسيرك، أي هذه ~~كانت صفة الحال. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون سألقي إلى آخر الآية خبرا يخاطب به ~~المؤمنين عما يفعله في الكفار في المستقبل كما فعله في الماضي، ثم أمرهم ~~بضرب الرقاب والبنان تشجيعا لهم وحضا على نصرة الدين، وقرأ الأعرج «الرعب» ~~بضم العين والناس على تسكينها، واختلف الناس في قوله فوق الأعناق، فقال ~~الأخفش فوق زيادة، وحكاه الطبري عن عطية أن المعنى فاضربوا الأعناق وقال ~~غيره بمعنى على، وقال عكرمة مولى ابن عباس: هي على بابها وأراد الرؤوس إذ ~~هي فوق الأعناق، وقال المبرد: وفي هذا إباحة ضرب الكافر في الوجه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل أنبلها، ويحتمل عندي ms1472 أن يريد بقوله ~~فوق الأعناق وصف أبلغ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فوق عظم ~~العنق ودون عظم الرأس في المفصل، وينظر إلى هذا المعنى قول دريد بن الصمة ~~السلمي حين قال له خذ سيفي وارفع به عن العظم واخفض عن الدماغ فهكذا كنت ~~أضرب أعناق الأبطال، ومثله قول الشاعر: [الوافر] . # جعلت السيف بين الجيد منه ... وبين أسيل خديه عذارا # فيجيء على هذا فوق الأعناق متمكنا، وقال ابن قتيبة فوق في هذه الآية ~~بمعنى دون، وهذا خطأ بين، وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى: ما بعوضة ~~فما فوقها [البقرة: 26] أي فما دونها. # قال القاضي أبو محمد: وليست فوق هنا بمعنى دون وإنما المراد فما فوقها في ~~القلة والصغر فأشبه المعنى دون وال بنان قالت فرقة: هي المفاصل حيث كانت من ~~الأعضاء، فالمعنى على هذا واضربوا منهم في كل موضع، وقالت فرقة: البنان ~~الأصابع، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا التأويل وإن كان الضرب في كل موضع ~~مباحا فإنما قصد أبلغ المواضع لأن المقاتل إذا قطع بنانه استأسر ولم ينتفع ~~بشيء من أعضائه في مكافحة وقتال. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 13 الى 16] # ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~(13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير (16) PageV02P508 # هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلون فيه بالمعنى ~~والضمير في أنهم # عائد على الذين كفروا، واقوا # معناه خالفوا ونابذوا وقطعوا، وهو مأخوذ من الشق وهو القطع والفصل بين ~~شيئين، وهذه مفاعلة فكأن الله لما شرع شرعا وأمر بأوامر وكذبوا هم وصدوا ~~تباعد ما بينهم وانفصل وانشق، مأخوذ من هذا لأنه مع شقه الآخر تباعدا ~~وانفصلا وعبر المفسرون عن قوله اقوا # أي صاروا في شق غير شقه. # قال القاضي أبو محمد: ms1473 وهذا وإن كان معناه صحيحا فتحرير الاشتقاق إنما هو ~~ما ذكرناه، والمثال الأول إنما هو الشق بفتح الشين، وأجمعوا على الإظهار في ~~شاقق # اتباعا لخط المصحف، وقوله إن الله شديد العقاب # جواب الشرط تضمن وعيدا وتهديدا، وقوله تعالى: ذلكم فذوقوه المخاطبة ~~للكفار، أي ذلكم الضرب والقتل وما أوقع الله بهم يوم بدر، فكأنه قال الأمر ~~ذلكم فذوقوه وكذا فسره سيبويه، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ذلكم في موضع نصب ~~كقوله زيدا فاضربه، وقرأ جمهور الناس «وأن» بفتح الألف، فإما على تقدير ~~وحتم أن. فيقدر على ابتداء محذوف يكون «أن» خبره، وإما على تقدير واعلموا ~~أن، فهي على هذا في موضع نصب، وروى سليمان عن الحسن بن أبي الحسن و «إن» ~~على القطع والاستئناف، وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين ~~كفروا زحفا الآية، زحفا يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي يزحف بعضهم ~~إلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الألية ثم سمي كل ماش إلى آخر في الحرب ~~رويدا زاحفا، إذ في مشيته من التماهل والتباطؤ ما في مشي الزاحف، ومن الزحف ~~الذي هو الاندفاع قولهم لنار العرفج وما جرى مجراه في سرعة الاتقاد نار ~~الزحفتين ومن التباطؤ في المشي قول الشاعر: [البسيط] # كأنهن بأيدي القوم في كبد ... طير تكشف عن جون مزاحيف # ومنه قول الفرزدق: [البسيط] # على عمائمنا تلقى وأرجلنا ... على مزاحيف تزجى مخها رير # ومنه قول الآخر [الأعشى] : [الطويل] # لمن الظعائن سيرهن تزحف # ومن التزحف بمعنى التدافع قول الهذلي: [الوافر] # كان مزاحف الحيات فيه ... قبيل الصبح آثار السياط PageV02P509 # وأمر الله عز وجل في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا ~~الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين ~~فئة هي ضعف المؤمنة من المشركين فالفرض أن لا يفروا أمامهم، فالفرار هناك ~~كبيرة موبقة بظاهر القرآن والحديث وإجماع الأكثر من الأمة، والذي يراعى ~~العدد حسب ما في كتاب الله عز وجل: وهذا قول جمهور الأمة، وقالت فرقة منهم ~~ابن الماجشون في الواضحة: ms1474 يراعى أيضا الضعف والقوة والعدة فيجوز على قولهم ~~أن تفر مائة فارس إذا علموا أن عند المشركين من العدة والنجدة والبسالة ضعف ~~ما عندهم، وأمام أقل أو أكثر بحسب ذلك وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار ~~مائة إلا أمام ما زاد على مائتين والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة ~~الفصاحة، لأنها بشعة على الفار ذامة له، وقرأ الجمهور «دبره» بضم الباء، ~~وقرأ الحسن بن أبي الحسن «دبره» بسكون الباء، واختلف المتأولون في المشار ~~إليه بقوله يومئذ فقالت فرقة الإشارة إلى يوم بدر وما وليه، وفي ذلك اليوم ~~وقع الوعيد بالغضب على من فر، ونسخ بعد ذلك حكم الآية بآية الضعف، وبقي ~~الفرار من الزحف ليس بكبيرة وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال ~~فيهم يوم حنين: ثم وليتم مدبرين [التوبة: 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. # قال القاضي أبو محمد: وقال الجمهور من الأمة: الإشارة ب يومئذ إلى يوم ~~اللقاء الذي يتضمنه قوله إذا لقيتم وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط ~~الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، وأما يوم أحد ~~فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا لكون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيهم وفرارهم عنه، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف أمام ~~الكثرة، ويحتمل أن عفو الله عمن فر يوم أحد كان عفوا عن كبيرة، ومتحرفا ~~لقتال يراد به الذي يرى أن فعله ذلك أنكى للعدو وأعود عليه بالشر ونصبه على ~~الحال، وكذلك نصب متحيز، وأما الاستثناء فهو من المولين الذين يتضمنهم من، ~~وقال قوم: الاستثناء هو من أنواع التولي. # قال القاضي أبو محمد: ولو كان ذلك لوجب أن يكون إلا تحرفا وتحيزا، والفئة ~~هاهنا الجماعة من الناس الحاضرة للحرب، هذا على قول الجمهور في أن الفرار ~~من الزحف كبيرة، وأما على القول الآخر فتكون الفئة المدينة والإمام وجماعة ~~المسلمين حيث كانوا، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وأنه قال: أنا ~~فئتكم ms1475 أيها المسلمون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا منه على جهة الحيطة على المؤمنين إذ كانوا في ~~ذلك الزمن يثبتون لأضعافهم مرارا، وفي مسند ابن أبي شيبة من طريق عبد الله ~~بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجماعة فرت في سرية من سراياه: ~~«أنا فئة المسلمين» حين قدموا عليه، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا السبع الموبقات» وعدد ~~فيها الفرار من الزحف، وباء بمعنى نهض متحملا للثقل المذكور في الكلام غضبا ~~كان أو نحوه، والغضب من صفات الله عز وجل إذا أخذ بمعنى الإرادة فهي صفة ~~ذات، وإذا أخذ بمعنى إظهار أفعال الغاضب على العبد فهي صفة فعل، وهذا ~~المعنى أشبه بهذه الآية، والمأوى الموضع الذي يأوي إليه الإنسان. PageV02P510 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 17 الى 18] # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) ذلكم وأن الله موهن كيد ~~الكافرين (18) # هذه مخاطبة للمؤمنين أعلم الله بها أن القتلة من المؤمنين ليس هم مستبدين ~~بالقتل، لأن القتل بالإقدار عليه، والخلق والاختراع في جميع حالات القاتل ~~إنما هي لله تعالى ليس للقاتل فيها شيء، وإنما يشاركه بتكسبه وقصده، وهذه ~~الألفاظ ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم، وسبب هذه الآية فيما ~~روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد ~~منهم ما فعل، فقال قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت ~~الآية، وقوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى يراد به ما كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فعله يومئذ، وذلك أنه أخذ قبضات من حصى وتراب، فرمى بها في ~~وجوه القوم وتلقاهم ثلاث مرات فانهزموا عند آخر رمية، ويروى أنه قال يوم ~~بدر: شاهت الوجوه، وهذه الفعلة أيضا كانت يوم حنين بلا خلاف، وروي أن ~~التراب الذي رمى ms1476 به لم يبق كافر إلا دخل في عينيه منه شيء، وروي أنه رمى ~~بثلاثة أحجار فكانت الهزيمة مع الحجر الثالث. # قال القاضي أبو محمد: فيحتمل قوله تعالى: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~ما قلناه في قوله فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وذلك منصوص في الطبري وغيره، ~~وهو خارج في كلام العرب على معنى وما رميت الرمي الكافي إذ رميت، ونحوه قول ~~العباس بن مرداس: [المتقارب] فلم أعط شيئا ولم أمنع أي لن أعط شيئا مرضيا ~~ويحتمل أن يريد، وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت حصياتك، ولكن الله رماه ~~وهذا أيضا منصوص في المهدوي وغيره، ويحتمل أن يريد وما أغنيت إذ رميت ~~حصياتك ولكن الله رمى أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول في الدعاء: رمى الله ~~لك، أي أعانك وصنع لك. # وحكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز وقرأت فرقة «ولكن الله رمى» بتشديد ~~النون، وفرقة «ولكن الله» بتخفيفها ورفع الهاء من «الله» ، وليبلي أي ~~ليصيبهم ببلاء حسن، فظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة والظفر ~~والعزة، وقيل أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلا، منهم ~~عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ومهجع مولى عمر، ومعاذ وعمرو ابنا عفراء، ~~وغيرهم، إن الله سميع لاستغاثتكم، عليم بوجه الحكمة في جميع أفعاله لا إله ~~إلا هو، وحكى الطبري: أن المراد بقوله وما رميت إذ رميت رمي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الحربة على أبي بن خلف يوم أحد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآية نزلت عقب بدر، وعلى هذا القول ~~تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها وذلك بعيد، وحكي أيضا أن المراد السهم ~~الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر فصار في الهوي حتى ~~أصاب ابن أبي الحقيق فقتله وهو على فراشه، وهذا فاسد، وخيبر فتحها أبعد من ~~أحد بكثير، والصحيح في قتل ابن أبي الحقيق غير هذا، فهذان القولان ضعيفان ~~لما PageV02P511 # ذكرناه، وقوله ذلكم إشارة إلى ما تقدم من ms1477 قتل الله ورميه إياهم، وموضع ~~ذلكم من الإعراب رفع، قال سيبويه: التقدير الأمر ذلكم، وقال بعض النحويين: ~~يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير فعل ذلكم وأن معطوف على ذلكم، ويحتمل أن ~~يكون خبر ابتداء مقدر تقديره وحتم وسابق وثابت ونحو هذا، وقرأت فرقة «وإن» ~~بكسر الهمزة على القطع والاستئناف. وموهن معناه مضعف مبطل، يقال وهن الشيء ~~مثل وعد يعد، ويقال وهن مثل ولي يلي، وقرىء فما وهنوا لما أصابهم [آل ~~عمران: 146] بكسر الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ~~«موهن كيد» من أوهن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «موهن كيد» من وهن، ~~وقرأ حفص عن عاصم «موهن كيد» بكسر الدال والإضافة، وذكر الزجاج أن فيها ~~أربعة أوجه فذكر هذه القراءات الثلاث، وزاد «موهن كيد» بتشديد الهاء ~~والإضافة إلا أنه لم ينص أنها قراءة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 19 الى 21] # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) # قال بعض المتأولين: هذه الآية مخاطبة للمؤمنين الحاضرين يوم بدر، قال ~~الله لهم: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وهو الحكم بينكم وبين الكافرين فقد ~~جاءكم، وقد حكم الله لكم، وإن تنتهوا عما فعلتم من الكلام في أمر الغنائم ~~وما شجر بينكم فيها وعن تفاخركم بأفعالكم من قتل وغيره فهو خير لكم وإن ~~تعودوا لهذه الأفعال نعد لتوبيخكم، ثم أعلمهم أن الفئة وهي الجماعة لا تغني ~~وإن كثرت إلا بنصر الله تعالى ومعونته، ثم أنسهم بقوله وإيجابه، أنه مع ~~المؤمنين، وقال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة للكفار أهل مكة، وذلك أنه ~~روي أن أبا جهل كان يدعو أبدا في محافل قريش، ويقول اللهم أقطعنا للرحم ~~وآتانا بما لا يعرف فأهلكه واجعله المغلوب، يريد محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وإياهم، وروي ms1478 أن قريشا لما عزموا على الخروج إلى حماية العير تعلقوا بأستار ~~الكعبة واستفتحوا، وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أحب ~~الفئتين إليك وأظهر خير الدينين عندك، اللهم أقطعنا للرحم فاحنه الغداة، ~~ونحو هذا فقال لهم الله: إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم أي كما ترونه عليكم لا ~~لكم. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا توبيخ، ثم قال لهم وإن تنتهوا عن كفركم ~~وغيكم فهو خير لكم ثم أخبرهم أنهم إن عادوا للاستفتاح عاد بمثل الوقعة يوم ~~بدر عليهم، ثم أعلمهم أن فئتهم لا تغني شيئا وإن كانت كثيرة، ثم أعلمهم أنه ~~مع المؤمنين. # وقالت فرقة من المتأولين: قوله وإن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، هي مخاطبة ~~للمؤمنين، وسائر الآية مخاطبة للمشركين، كأنه قال وأنتم الكفار إن تنتهوا ~~فهو خير لكم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي PageV02P512 # بكر وأبي عمرو وحمزة والكسائي «وإن الله» بكسر الهمزة على القطع، وقرأ ~~نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص «وأن» بفتح الألف، فإما أن يكون في موضع ~~رفع على خبر ابتداء محذوف، وإما في موضع نصب بإضمار فعل وما ذكره الطبري من ~~أن التقدير لكثرتها ولأن الله مع المؤمنين محتمل المعنى، وفي قراءة ابن ~~مسعود: «ولو كثرت والله مع المؤمنين» . وهذا يقوي قراءة من كسر الألف، من ~~«إن» وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله الآية، الخطاب ~~للمؤمنين المصدقين، جدد عليهم الأمر بطاعة الله والرسول ونهوا عن التولي ~~عنه، وهذا قول الجمهور، ويكون هذا متناصرا مع قول من يقول: إن الخطاب بقوله ~~وإن تنتهوا هو للمؤمنين، فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه، وأما على قول ~~من يقول إن المخاطبة ب إن تنتهوا هي للكفار فيرى أن هذه الآية إنما نزلت ~~بسبب اختلافهم في النفل ومجادلتهم في الحق وكراهيتهم خروج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتفاخرهم بقتل الكفار والنكاية فيهم، وقالت فرقة: الخطاب ~~بهذه الآية إنما هو للمنافقين والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. # قال القاضي أبو ms1479 محمد: وهذا وإن كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا لأجل أن ~~الله وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان، والإيمان التصديق، والمنافقون لا ~~يتصفون من التصديق بشيء، وقيل إن الخطاب لبني إسرائيل، وهذا أجنبي من ~~الآية، وتولوا أصله تتولوا لأن تفعل دخلت عليه تاء المخاطب بالفعل المستقبل ~~فحذفت الواحدة، والمحذوفة هي تاء تفعل، والباقية هي تاء العلامة، لأن ~~الحاجة إليها هنا أمس ليبقى الفعل مستقبلا، وقوله وأنتم تسمعون يريد دعاءه ~~لكم بالقرآن والمواعظ والآيات، وقوله كالذين قالوا يريد الكفار، فإما من ~~قريش لقولهم سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا [الأنفال: 8] وإما الكفار على ~~الإطلاق الذين يقولون سمعنا القرآن وعلمنا أنه سحر أو شعر وأساطير بحسب ~~اختلافهم، ثم أخبر الله عنهم خبرا نفى به أنهم سمعوا أي فهموا ووعوا، لأنه ~~لا خلاف أنهم كانوا يسمعون التلاوة بآذانهم ولكن صدورهم مطبقة لم يشرحها ~~الله عز وجل لتلقي معاني القرآن والإيمان به. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 22 الى 24] # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) # المقصود بهذه الآية أن يبين أن هذه الصنيفة العاتية من الكفار هي شر ~~الناس عند الله عز وجل، وأنها أخس المنازل لديه، وعبر ب الدواب ليتأكد ذمهم ~~وليفضل عليهم الكلب العقور والخنزير ونحوهما من السبع، والخمس الفواسق ~~وغيرها، والدواب كل ما دب فهو جميع الحيوان بجملته، وقوله الصم البكم عبارة ~~عما في قلوبهم وقلة انشراح صدورهم وإدراك عقولهم، فلذلك وصفهم بالصم والبكم ~~وسلب العقل، وروي أن هذه الآية نزلت في طائفة من بني عبد الدار وظاهرها ~~العموم فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بهذه الأوصاف، ثم أخبر تعالى بأن عدم سمعهم ~~وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من PageV02P513 # قضائه عليهم فخرج ذلك في عبارة بليغة في ذمهم في ms1480 قوله ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم والمراد لأسمعهم إسماع تفهيم وهدى، ثم ابتدأ عز وجل الخبر ~~عنهم بما هم عليه من حتمه عليهم بالكفر فقال ولو أسمعهم أي ولو أفهمهم ~~لتولوا بحكم القضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى، وحكى ~~الطبري عن فرقة أنها قالت: المعني بهذه الآية المنافقون، وضعفه الطبري ~~وكذلك هو ضعيف. # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول الآية، هذا ~~الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، واستجيبوا بمعنى أجيبوا، ولكن عرف ~~الكلام أن يتعدى استجاب بلام ويتعدى أجاب دوم لام، وقد يجيء تعدي استجاب ~~بغير لام والشاهد قول الشاعر: [الطويل] # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقوله لما يحييكم قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة وما تضمنه القرآن من ~~أوامر ونواه، وهذا إحياء مستعار لأنه من موت الكفر والجهل، وقيل الإسلام ~~وهذا نحو الأول ويضعف من جهة أن من آمن لا يقال له ادخل في الإسلام، وقيل ~~لما يحييكم معناه للحرب وجهاد العدو وهو يحيي بالعزة والغلبة والظفر، فسمي ~~ذلك حياة كما تقول حييت حال فلان إذا ارتفعت، ويحيي أيضا كما يحيي الإسلام ~~والطاعة وغير ذلك بأنه يؤدي إلى الحياة الدائمة في الآخرة، وقال النقاش: ~~المراد إذا دعاكم للشهادة. # قال القاضي أبو محمد: فهذه صلة حياة الدنيا بحياة الآخرة، وقوله واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه يحتمل وجوها، ومنها أنه لما أمرهم بالاستجابة ~~في الطاعة حضهم على المبادرة والاستعجال فقال: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه بالموت والقبض أي فبادروا ~~بالطاعات، ويلتئم مع هذا التأويل قوله وأنه إليه تحشرون، أي فبادروا ~~الطاعات وتزودوها ليوم الحشر، ومنها أن يقصد بقوله واعلموا أن الله يحول ~~بين المرء وقلبه إعلامهم أن قدرة الله وإحاطته وعلمه والجة بين المرء وقلبه ~~حاصلة هناك حائلة بينه وبين قلبه. # قال القاضي أبو محمد: فكأن هذا المعنى يحض على المراقبة والخوف لله ~~المطلع على الضمائر، ويشبه على هذا التأويل هذا المعنى قوله تعالى: ونحن ms1481 ~~أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] ، حكي هذا التأويل عن قتادة، ويحتمل أن ~~يريد تخويفهم إن لم يمتثلوا الطاعات ويستجيبوا لله وللرسول بما حل بالكفار ~~الذين أرادهم بقوله ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، لأن حتمه عليهم بأنهم لو ~~سمعوا وفهموا لم ينتفعوا يقتضي أنه قد كان حال بينهم وبين قلوبهم، فكأنه ~~قال للمؤمنين في هذه الأخرى استجيبوا لله وللرسول ولا تأمنوا إن تفعلوا أن ~~ينزل بكم ما نزل بالكفار من الحول بينهم وبين قلوبهم، فنبه على ما جرى على ~~الكفار بأبلغ عبارة وأعلقها بالنفس، ومنها أن يكون المعنى ترجية لهم بأن ~~الله يبدل الخوف الذي في قلوبهم من كثرة العدو فيجعله جرأة وقوة وبضد ذلك ~~الكفار فإن الله هو مقلب القلوب كما كان قسم النبي صلى الله عليه وسلم، قال ~~بعض الناس ومنه لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا حول على معصية ولا قوة على ~~طاعة إلا بالله، وقال المفسرون في ذلك أقوالا هي أجنبية من ألفاظ الآية ~~حكاها الطبري، منها أن الله يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان ~~ونحو هذا، وقرأ ابن أبي إسحاق «بين المرء» بكسر الميم ذكره أبو PageV02P514 # حاتم، قال أبو الفتح: وقرأ الحسن والزبيدي «بين المر» بفتح الميم وشد ~~الراء المكسورة، وتحشرون أي تبعثون يوم القيامة، وروي عن طريق مالك بن أنس ~~والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبي بن كعب وهو في الصلاة ~~فلم يجب وأسرع في بقية صلاته، فلما جاءه قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أما سمعت فيما يوحى إلي يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم فقال أبي: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني أبدا إلا ~~أجبتك، الحديث بطوله واختلاف ألفاظه، وفي البخاري ومسلم أن ذلك وقع مع أبي ~~سعيد بن المعلى، وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 25 الى 26] # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ms1482 خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(25) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ~~فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) # هذه الآية تحتمل تأويلات، أسبقها إلى النفس أن يريد الله أن يحذر جميع ~~المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، ~~وهذا التأويل تأول فيها الزبير بن العوام رضي الله عنه، فإنه قال يوم الجمل ~~وما علمت أنا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب بها ~~ذلك الوقت، وكذلك تأول الحسن البصري، فإنه قال: هذه الآية في علي وعمار ~~وطلحة والزبير، وكذلك تأول ابن عباس، فإنه قال: أمر الله المؤمنين في هذه ~~الآية أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، وبينه القتبي فيما ذكر ~~مكي عنه بيانا شافيا. # قال القاضي أبو محمد: فيجيء قوله لا تصيبن على هذا التأويل صفة ل فتنة، ~~فكان الواجب إذا قدرنا ذلك أن يكون اللفظ لا تصيب وتلطف لدخول النون ~~الثقيلة في الخبر عن الفتنة فقال الزجاج: زعم بعض النحويين أن الكلام جزاء ~~فيه طرق من النهي، قال ومثله قوله تعالى: ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~[النمل: 18] فالمعنى أن تدخلوا لا يحطمنكم فكذلك هذا إن تتقوا لا تصيبن، ~~وقال قوم: هو خبر بمعنى الجزاء فلذلك أمكن دخول النون، وقال المهدوي: وقيل ~~هو جواب قسم مقدر تقديره واتقوا فتنة لا تصيبن، ودخلت النون مع لا حملا على ~~دخولها مع اللام فقط. # قال القاضي أبو محمد: وهذا في القول تكره، لأن جواب القسم إذا دخلته «لا» ~~أو كان منفيا في الجملة لم تدخل النون، وإذا كان موجبا دخلته اللام والنون ~~الشديدة كقوله والله لا يقوم زيد والله ليقومن زيد، هذا هو قانون الباب ~~ولكن معنى هذه الآية يستقيم مع التكره الذي ذكرناه والتأويل الآخر في الآية ~~هو أن يكون قوله واتقوا فتنة خطابا عاما لجميع المؤمنين مستقلا بنفسه تم ~~الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة ms1483 خاصة ~~وأخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول. PageV02P515 # والعرب تفعل هذا كما قالوا لا أرينك هاهنا يريدون لا تقم هاهنا فتقع مني ~~رؤيتك، ولم يريدوا نهي الإنسان الرائي نفسه، فكذلك المراد في الآية لا يقع ~~من ظلمتكم ظلم فتقع من الفتنة إصابتهم، نحا إليه، الزجاج، وهو قول أبي ~~العباس المبرد وحكاه النقاش عن الفراء، ونهي الظلمة هاهنا بلفظ مخاطبة ~~الجمع كما تقول لقوم لا يفعل سفهاءكم كذا وكذا وأنت إنما تريد نهي السفهاء ~~فقط، وخاصة نعت لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة، فهي نصب على الحال لما ~~انحذف المصدر من الضمير في تصيبن وهذا الفعل هو العامل، ويحتمل أن تكون ~~خاصة حالا من الضمير في ظلموا ولا يحتاج إلى تقدير مصدر محذوف والأول أمكن ~~في المعنى، وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو جعفر محمد بن علي ~~والربيع بن أنس وأبو العالية وابن جماز «لتصيبن» باللام على جواب قسم، ~~والمعنى على هذا وعيد الظلمة فقط، قال أبو الفتح: يحتمل أن يراد بهذه ~~القراءة «لا تصيبن» فحذف الألف من «لا» تخفيفا واكتفاء بالحركة كما قالوا ~~أم والله ويحتمل أن يراد بقراءة الجماعة، «لا تصيبن» فمطلت حركة اللام ~~فحدثت عنها ألف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تنطع في التحميل وحكى النقاش هذه القراءة عن ~~الزبير بن العوام، وهذا خلاف لما حكى الطبري وغيره من تأويل الزبير رضي ~~الله عنه في الآية، وحكى النقاش عن ابن مسعود أنه قرأ «واتقوا فتنة أن ~~تصيب» وقوله واعلموا أن الله شديد العقاب وعيد يلتئم مع تأويل الزبير ~~والحسن التئاما حسنا ويلتئم مع سائر التأويلات بوجوه مختلفة. # وروي عن علي بن سليمان الأخفش أن قوله لا تصيبن هي على معنى الدعاء ذكره ~~الزهراوي وقوله تعالى: واذكروا إذ أنتم قليل الآية، هذه آية تتضمن تعديد ~~نعم الله على المؤمنين، وإذ ظرف لمعمول واذكروا، تقديره واذكروا حالكم ~~الكائنة أو الثابتة إذ أنتم قليل، ولا يجوز أن تكون إذ ظرفا للذكر وإنما ~~يعمل الذكر في إذ لو ms1484 قدرناها مفعولة، واختلف الناس في الحال المشار إليها ~~بهذه الآية، فقالت فرقة هي الأكثر: هي حال مكة في وقت بداءة الإسلام، ~~والناس الذين يخاف «تخطفهم» كفار مكة، و «المأوى» على هذا التأويل المدينة ~~والأنصار، و «التأييد بالنصر» وقعة بدر وما أنجز معها في وقتها، والطيبات ~~الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالت فرقة: الحال المشار إليها هي ~~حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر، والناس الذين يخاف ~~تخطفهم على هذا عسكر مكة وسائر القبائل المجاورة، فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يتخوف من بعضهم، والمأوى على هذا والتأييد بالنصر هو الإمداد ~~بالملائكة والتغليب على العدو، والطيبات الغنيمة. # قال القاضي أبو محمد: وهذان قولان يناسبان وقت نزول الآية لأنها نزلت عقب ~~بدر، وقال وهب بن منبه وقتادة: الحال المشار إليها هي حال العرب قاطبة، ~~فإنها كانت أعرى الناس أجساما وأجوعهم بطونا وأقلهم حالا ونعما، والناس ~~الذين يخاف «تخطفهم» على هذا التأويل فارس والروم، و «المأوى» على هذا هو ~~النبوءة والشريعة، و «التأييد بالنصر» هو فتح البلاد وغلبة الملوك، ~~والطيبات هي نعم المآكل والمشارب والملابس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يرده أن العرب كانت في وقت نزول هذه ~~الآية كافرة إلا القليل، PageV02P516 # ولم تترتب الأحوال التي ذكر هذا المتأول، وإنما كان يمكن أن يخاطب العرب ~~في هذه الآية في آخر زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن تمثل أحد بهذه ~~الآية لحالة العرب فتمثله صحيح، وأما أن تكون حالة العرب هي سبب الآية ~~فبعيد لما ذكرناه، وقوله لعلكم تشكرون ترج بحسب البشر متعلق بقوله واذكروا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 27 الى 30] # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون (27) واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ~~(28) يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك ms1485 أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30) # هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخيانات كلها ~~قليلها وكثيرها، قال الزهراوي: والمعنى لا تخونوا بغلول الغنائم، وقال ~~الزهراوي وعبد الله بن أبي قتادة: سبب نزولها أمر أبي حبابة، وذلك أنه أشار ~~لبني قريظة حين سفر إليهم إلى حلقه يريد بذلك إعلامهم أنه ليس عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح، أي فلا تنزلوا، ثم ندم وربط نفسه ~~بسارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه، الحديث المشهور، وحكى الطبري ~~أنه أقام سبعة أيام لا يذوق شيئا حتى تيب عليه، وحكي أنه كان لأبي لبابة ~~عندهم مال وأولاد فلذلك نزلت واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة # ، وقال عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله: سببها أن رجلا من ~~المنافقين كتب إلى أبي سفيان بن حرب بخبر من أخبار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت الآية، فقوله: يا أيها الذين آمنوا معناه أظهروا الإيمان، ~~ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقا أن لا يفعلوا فعل ذلك المنافق، وحكى الطبري ~~عن المغيرة بن شعبة أنه قال: أنزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه. # قال القاضي أبو محمد: يشبه أن تمثل بالآية في قتل عثمان رحمه الله، فقد ~~كانت خيانة لله وللرسول والأمانات، والخيانة التنقص للشيء باختفاء وهي ~~مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ أمر ما، مالا كان أو سرا ~~أو غير ذلك، والخيانة لله تعالى هي في تنقص أوامره في سر. وخيانة الرسول ~~تنقص ما استحفظ، وخيانات الأمانات هي تنقصها وإسقاطها، والأمانة حال ~~للإنسان يؤمن بها على ما استحفظ، فقد اؤتمن على دينه وعبادته وحقوق الغير، ~~وقيل المعنى وتخونوا ذوي أماناتكم، وأظن الفارسي أبا علي حكاه، وأنتم ~~تعلمون، يريد أن ذلك لا يضر منه إلا ما كان عن تعمد، وقوله فتنة # يريد محنة واختبارا وابتلاء ليرى كيف العمل في جميع ذلك، وقوله وأن الله ~~عنده أجر عظيم # يريد فوز الآخرة فلا تدعوا ms1486 حظكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإن ~~المدخور للآخرة أعظم قدرا من مكاسب الدنيا. # وقوله تعالى: وتخونوا قال الطبري: يحتمل أن يكون داخلا في النهي كأنه ~~قال: لا تخونوا الله PageV02P517 # والرسول ولا تخونوا أماناتكم فمكانه على هذا جزم، ويحتمل أن يكون المعنى ~~لا تخونوا الله والرسول فذلك خيانة لأماناتكم فموضعه على هذا نصب على تقدير ~~وأن تخونوا أماناتكم، قال الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فيما روي عنه أيضا «وتخونوا أمانتكم» على ~~إفراد الأمانة، وقوله: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله الآية، وعد للمؤمنين بشرط الاتقاء ~~والطاعة له، ويجعل لكم فرقانا معناه فرقا بين حقكم وباطل من ينازعكم أي ~~بالنصرة والتأييد عليهم، و «الفرقان» مصدر من فرق بين الشيئين إذا حال ~~بينهما أو خالف حكمهما، ومنه قوله يوم الفرقان [الأنفال: 41] وعبر قتادة ~~وبعض المفسرين عن الفرقان هاهنا بالنجاة، وقال السدي ومجاهد معناه مخرجا ~~ونحو هذا مما يعمه ما ذكرناه، وقد يوجد للعرب استعمال الفرقان كما ذكر ~~المفسرون فمن ذلك قول مزرد بن ضرار: [الخفيف] # بادر الأفق أن يغيب فلما ... أظلم الليل لم يجد فرقانا # وقال الآخر: [الرجز] # ما لك من طول الأسى فرقان ... بعد قطين رحلوا وبانوا # وقال الآخر: [الطويل] # وكيف أرجي الخلد والموت طالبي ... ومالي من كأس المنية فرقان # وقوله تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية، يشبه أن يكون قوله وإذ ~~معطوفا على قوله إذ أنتم قليل [الأنفال: 26] ، وهذا تذكير بحال مكة وضيقها ~~مع الكفرة وجميل صنع الله تعالى في جمعها، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام، ~~وهذا كله على أن الآية مدنية كسائر السورة وهذا هو الصواب، وحكى الطبري عن ~~عكرمة ومجاهد أن هذه الآية مكية، وحكي عن ابن زيد أنها نزلت عقب كفاية الله ~~رسوله المستهزئين بما أحله بكل واحد منهم، الحديث المشهور، ويحتمل عندي قول ~~عكرمة ومجاهد هذه مكية أن أشارا إلى القصة لا إلى الآية، والمكر المخاتلة ~~والتداهي، تقول: فلان يمكر بفلان ms1487 إذا كان يستدرجه ويسوقه إلى هوة وهو يظهر ~~جميلا وتسترا بما يريد، ويقال أصل المكر الفتل، قاله ابن فورك فكأن الماكر ~~بالإنسان يفاتله حتى يوقعه، ومن المكر الذي هو الفتل قولهم للجارية ~~المعتدلة اللحم: ممكورة، فمكر قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم كان تدبيرهم ~~ما يسوءه وسعيهم في فساد حاله وإطفاء نوره، وتدبير قريش على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذه الخصال الثلاث لم يزل قديما من لدن ظهوره لكن إعلانهم ~~لا يسمى مكرا وما استسروا به هو المكر، وقد ذكر الطبري بسند أن أبا طالب ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد ماذا يدبر فيك قومك، قال: يريدون أن ~~أقتل أو أسجن أو أخرج، قال أبو طالب من أعلمك هذا؟ # قال: ربي، قال: إن ربك لرب صدق فاستوص به خيرا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: بل هو يا عم يستوصي بي خيرا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا المكر الذي ذكره الله في هذه الآية هو بإجماع ~~من المفسرين إشارة إلى PageV02P518 # اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن ~~إسحاق في سيره، الحديث بطوله، وهو الذي كان خروج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من مكة بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب، ففي القصة أن ~~أبا جهل قال: الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قويا جلدا فيجتمعون ثم ~~يأخذ كل واحد منهم سيفا ويأتون محمدا في مضجعه فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا ~~يقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها، فيأخذون العقل ونستريح منه، فقال ~~النجدي: صدق الفتى، هذا الرأي لا أرى غيره. فافترقوا على ذلك فأخبر الله ~~بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في الخروج إلى المدينة فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ليلته، وقال لعلي بن أبي طالب التف في بردي ~~الحضرمي واضطجع في مضجعي فإنه لا يضرك شيء، ففعل علي وجاء فتيان قريش ~~فجعلوا يرصدون الشخص وينتظرون ms1488 قيامه فيثورون به، فلما قام رأوا عليا فقالوا ~~له أين صاحبك؟ قال: لا أدري. وفي السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج عليهم وهم في طريقه فطمس الله عيونهم عنه، وجعل على رأس كل واحد منهم ~~ترابا ومضى لوجهه فجاءهم رجل فقال ما تنتظرون، قالوا محمدا، قال إني رأيته ~~الآن جائيا من ناحيتكم وهو لا محالة وضع التراب على رؤوسكم، فمد كل واحد ~~يده إلى رأسه، وجاؤوا إلى مضجع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوا عليا ~~فركبوا وراءه حينئذ كل صعب وذلول وهو بالغار، ومعنى ليثبتوك ليسجنوك فتثبت، ~~قاله السدي وعطاء وابن أبي كثير، وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ليوثقوك، ~~وقال الطبري وقال آخرون المعنى ليسحروك. # وقرأ يحيى بن وثاب فيما ذكر أبو عمرو الداني «ليثبتوك» وهذه أيضا تعدية ~~بالتضعيف، وحكى النقاش عن يحيى بن وثاب أنه قرأ «ليبيتوك» من البيات، وهذا ~~أخذ مع القتل فيضعف من هذه الجهة، وقال أبو حاتم معنى ليثبتوك أي بالجراحة، ~~كما يقال أثبتته الجراحة، وحكاه النقاش عن أهل اللغة ولم يسم أحدا، وقوله ~~تعالى: ويمكر الله معناه يفعل أفعالا منها تعذيب لهم وعقوبة ومنها ما هو ~~إبطال لمكرهم ورد له ودفع في صدره حتى لا ينجع، فسمى ذلك كله باسم الذنب ~~الذي جاء ذلك من أجله، ولا يحسن في هذا المعنى إلا هذا وأما أن ينضاف المكر ~~إلى الله عز وجل على ما يفهم في اللغة فغير جائز أن يقال، وقد ذكر ابن فورك ~~في هذا ما يقرب من هذا الذي ضعفناه، وإنما قولنا ويمكر الله كما تقول في ~~رجل شتم الأمير فقتله الأمير هذا هو الشتم فتسمى العقوبة باسم الذنب، وقوله ~~خير الماكرين أي أقدرهم وأعزهم جانبا. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذه الجهة أعني القدرة والعزة يقع التفضيل لأن ~~مكرة الكفار لهم قدرة ما، فوقع التفضيل لمشاركتهم بها، وأما من جهة الصلاح ~~الذي فيما يعلمه الله تعالى فلا مشاركة للكفار بصلاح، فيتعذر التفضيل على ~~مذهب سيبويه والبصريين إلا على ما ms1489 قد بيناه في ألفاظ العموم مثل خير واجب ~~ونحو هذا إذ لا يخلو من اشتراك ولو على معتقد من فرقة أو من واحد. # قوله عز وجل: PageV02P519 ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 31 الى 32] # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) # الضمير في عليهم عائد على الكفار، و «الآيات» هنا آيات القرآن خاصة ~~بقرينة قوله تتلى، وقد سمعنا يريد وقد سمعنا هذا المتلو لو نشاء لقلنا مثله ~~وقد سمعنا نظيره على ما روي أن النضر سمع أحاديث أهل الحيرة من العباد فلو ~~نشاء لقلنا مثله من القصص والأنباء فإن هذه إنما هي أساطير من قد تقدم، أي ~~قصصهم المكتوبة المسطورة، وأساطير جمع أسطورة، ويحتمل أن يكون جمع أسطار ~~ولا يكون جمع أسطر كما قال الطبري، لأنه كان يجيء أساطر دون ياء، هذا هو ~~قانون الباب، وقد شذ منه شيء كصيرف قالوا في جمعه صياريف، والذي تواترت به ~~الروايات عن ابن جريج والسدي وابن جبير الذي قال هذه المقالة هو النضر بن ~~الحارث، وذلك أنه كان كثير السفر إلى فارس والحيرة، فكان قد سمع من قصص ~~الرهبان والأناجيل، وسمع من أخبار رستم وإسبنديار، فلما سمع القرآن ورأى ~~فيه من أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان النضر من ~~مردة قريش النائلين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت فيه آيات من ~~كتاب الله، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا بالصفراء منصرفه من ~~بدر في موضع يقال له الأثيل وكان أسره المقداد، فلما أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بضرب عنقه قال المقداد: أسيري يا رسول الله، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما قد علمتم، ثم أعاد ~~المقداد مقالته حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أغن المقداد ms1490 ~~من فضلك» ، فقال المقداد: هذا الذي أردت، فضرب عنق النضر، وحكى الطبري عن ~~سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر صبرا ثلاثة نفر، ~~المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم عظيم في خبر المطعم، فقد كان مات قبل يوم ~~بدر، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان المطعم حيا وكلمني في ~~هؤلاء النتنى لتركتهم له يعني أسرى بدر، وقوله وإذ قالوا اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك الآية، روي عن مجاهد وابن جبير وعطاء والسدي أن قائل هذه ~~المقالة هو النضر بن الحارث الذي تقدم ذكره، وفيه نزلت هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وترتب أن يقول النضر بن الحارث مقالة وينسبها ~~القرآن إلى جميعهم، لأن النضر كان فيهم موسوما بالنبل والفهم مسكونا إلى ~~قوله، فكان إذا قال قولا قاله منهم كثير واتبعوه عليه حسبما يفعله الناس ~~أبدا بعلمائهم وفقهائهم، والمشار إليه بهذا هو القرآن وشرع محمد صلى الله ~~عليه وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحسد، وذلك أنهم استبعدوا أن ~~يكرم الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة، وعميت بصائرهم عن ~~الهدى، وصمموا على أن هذا ليس بحق، فقالوا هذه المقالة كما يقول الإنسان ~~لأمر قد تحقق بزعمه إنه لم يكن، إن كان كذا وكذا ففعل الله بي وصنع، وحكى ~~ابن فورك أن هذه المقالة خرجت مخرج العناد مع علمهم بأنه حق، وكذلك ألزم ~~بعض أهل اليمن معاوية بن أبي سفيان القصة المشهورة في باب الأجوبة، وحكاه ~~الطبري عن محمد بن قيس ويزيد بن رومان. PageV02P520 # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد التأويل ولا يقول هذا على جهة العناد ~~عاقل، ويجوز في العربية رفع الحق على أنه خبر هو والجملة خبر كان، قال ~~الزجاج: ولا أعلم أحدا قرأ بهذا الجائز وقراءة الناس إنما هي بنصب «الحق» ~~على أن يكون خبر «كان» ويكون هو فصلا، فهو حينئذ اسم وفيه ms1491 معنى الإعلام بأن ~~الذي بعده خبر ليس بصفة. وفأمطر إنما يستعمل في المكروه ومطر في الرحمة كذا ~~قال أبو عبيدة. # قال القاضي أبو محمد: ويعارض هذه قوله هذا عارض ممطرنا [الأحقاف: 24] ~~لأنهم ظنوها سحابة رحمة، وقولهم من السماء مبالغة وإغراق وهذان النوعان ~~اللذان اقترحوهما هما السالفان في الأمم عافانا الله وعفا عنا ولا أضلنا ~~بمنه ويمنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 33 الى 34] # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) ~~وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن ~~أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) # قالت فرقة: نزلت هذه الآية كلها بمكة، وقالت فرقة: نزلت كلها بعد وقعة ~~بدر حكاية عما مضى، وقال ابن أبزى: نزل قوله وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم بمكة إثر قولهم أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: 32] ونزل قوله وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة في ~~طريقه إلى المدينة، وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، ونزل قوله وما لهم إلى ~~آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب عليهم. # قال القاضي أبو محمد: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم، أن الله عز وجل لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، فما ~~كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم، قال: أراه عن أبي زيد سمعت ~~من العرب من يقول «ما كان ليعذبهم» بفتح اللام وهي لغة غير معروفة ولا ~~مستعملة في القرآن، واختلفوا في معنى قوله وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون فقال ابن عباس وابن أبزى وأبو مالك والضحاك ما مقتضاه: إن الضمير ~~في قوله معذبهم يعود على كفار مكة والضمير في قوله وهم عائد على المؤمنين ~~الذين بقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أي وما كان الله ليعذب ~~الكفار والمؤمنون بينهم يستغفرون. # قال القاضي أبو محمد: ويدفع في صدر هذا القول أن المؤمنين الذين رد ms1492 ~~الضمير عليهم لم يجر لهم ذكر، وقال ابن عباس أيضا ما مقتضاه: أن يقال ~~الضميران عائدان على الكفار، وذلك أنهم كانوا يقولون في دعائهم غفرانك، ~~ويقولون لبيك لا شريك لك، ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار، فجعله الله أمنة ~~من عذاب الدنيا، وعلى هذا تركب قول أبي موسى الأشعري وابن عباس إن الله جعل ~~من عذاب الدنيا أمنتين، كون PageV02P521 # الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي ~~الاستغفار إلى يوم القيامة، وقال قتادة: الضمير للكفار، وقوله وهم ~~يستغفرون، جملة في موضع الحال أن لو كانت، فالمعنى وما كان الله معذبهم وهم ~~بحال توبة واستغفار من كفرهم لو وقع ذلك منهم، واختاره الطبري، ثم حسن ~~الزجر والتوقيف بعد هذا بقوله وما لهم ألا يعذبهم الله وقال الزجاج ما ~~معناه، إن الضمير في قوله وهم عائد على الكفار. # والمراد به من سبق له في علم الله أن يسلم ويستغفر، فالمعنى: وما كان ~~الله ليعذب الكفار وفيهم من يستغفر ويؤمن في ثاني حال، وحكاه الطبري عن ابن ~~عباس. # وقال مجاهد في كتاب الزهراوي: المراد بقوله وهم يستغفرون ذرية المشركين ~~يومئذ الذين سبق لهم في علم الله أن يكونوا مؤمنين، فالمعنى: وما كان الله ~~ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون، فنسب الاستغفار إليهم، إذ ذريتهم منهم، ~~وذكره مكي ولم ينسبه، وفي الطبري عن فرقة أن معنى يستغفرون يصلون، وعن أخرى ~~يسلمون ونحو هذا من الأقوال التي تتقارب مع قول قتادة، وقوله عز وجل: وما ~~لهم ألا يعذبهم الله توعد بعذاب الدنيا، فتقديره وما يعلمهم أو يدريهم ونحو ~~هذا من الأفعال التي توجب أن تكون «أن» في موضع نصب، وقال الطبري: تقديره ~~وما يمنعهم من أن يعذبوا، والظاهر في قوله وما أنها استفهام على جهة ~~التقرير والتوبيخ والسؤال، وهذا أفصح في القول وأقطع لهم في الحجة، ويصح أن ~~تكون ما نافية ويكون القول إخبارا، أي وليس لهم ألا يعذبوا وهم يصدون، ~~وقوله وهم يصدون على التأويلين جملة في موضع الحال، ويصدون في هذا الموضع ms1493 ~~معناه يمنعون غيرهم، فهو متعد كما قال الشاعر: [الوافر] # صددت الكأس عنا أم عمرو # وقد تجيء صد عير متعد كما أنشد أبو علي: [البسيط] # صدت خليدة عنا ما تكلمنا # والضمير في قوله أولياؤه عائد على الله عز وجل من قوله يعذبهم الله، أو ~~على المسجد الحرام، كل ذلك جيد، روي الأخير عن الحسن، والضمير الآخر تابع ~~للأول، وقوله ولكن أكثرهم لا يعلمون معناه لا يعلمون أنهم ليسوا بأوليائه ~~بل يظنون أنهم أولياؤه، وقوله أكثرهم ونحن نجد كلهم بهذه الصفة، لفظ خارج ~~إما على أن تقول إنه لفظ خصوص أريد به العموم وهذا كثير في كلام العرب، ~~ومنه حكى سيبويه من قولهم: قل من يقول ذلك، وهم يريدون لا يقوله أحد. # وإما أن يقول: إنه أراد بقوله أكثرهم أن يعلم ويشعر أن بينهم وفي خلالهم ~~قوما قد جنحوا إلى الإيمان ووقع لهم علم وإن كان ظاهرهم الكفر فاستثارهم من ~~الجميع بقوله أكثرهم وكذلك كانت حال مكة وأهلها، فقد كان فيهم العباس وأم ~~الفضل وغيرها، وحكى الطبري عن عكرمة قال الحسن بن أبي الحسن: إن قوله وما ~~لهم ألا يعذبهم الله، ناسخ لقوله وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. PageV02P522 # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، لأنه خبر لا يدخله نسخ. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : آية 35] # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(35) # قرأ الجمهور «وما كان صلاتهم» بالرفع «عند البيت إلا مكاء» بالنصب ~~«وتصدية» كذلك، وروي عن عاصم أنه قرأ: «صلاتهم» بالنصب «إلا مكاء وتصدية» ~~بالرفع، ورويت عن سليمان الأعمش بخلاف عنه فيما حكى أبو حاتم، وذكر أبو علي ~~عن الأعمش أنه قال في قراءة عاصم: أفإن لحن عاصم تلحن أنت؟ # قال أبو الفتح: وقد روي الحرف كذلك عن أبان بن تغلب، قال قوم: وهذه ~~القراءة خطأ لأنه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة، قال أبو حاتم: فإن قيل إن ~~المكاء والتصدية اسم جنس واسم الجنس معرفا ومنكرا واحد في التعريف، قيل إن ~~استعماله ms1494 هكذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، كما قال حسان: [الوافر] . # كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء # ولا يقاس على ذلك، فأما أبو الفتح فوجه هذه القراءة بما ذكرناه من تعريف ~~اسم الجنس وبعد ذلك يرجح قراءة الناس قال أبو علي الفارسي: وإنما ذهب من ~~ذهب إلى هذه القراءة لما رأى الفعل أن الصلاة مؤنثة ورأى المسند إليها ليس ~~فيه علامة تأنيث فأراد تعليقه بمذكر وهو المكاء، وأخطأ في ذلك، فإن العرب ~~تعلق الفعل لا علامة فيه بالمؤنث، ومنه قوله تعالى: وأخذ الذين ظلموا ~~الصيحة [هود: 67] وقوله فانظر كيف كان عاقبة مكرهم [النمل: 51] وكيف كان ~~عاقبة المفسدين [الأعراف: 86- 103، النمل: 14] ونحو هذا مما أسند فيه الفعل ~~دون علامة إلى المؤنث، والمكاء على وزن الفعال الصفير قاله ابن عباس ~~والجمهور، فقد يكون بالفم وقد يكون بالأصابع والكف في الفم، قال مجاهد وأبو ~~سلمة بن عبد الرحمن، وقد يشارك الأنف يقال مكا يمكو إذا صفر، ومنه قول ~~عنترة: [الكامل] # وخليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم # ومنه قول الشاعر: # فكأنما يمكو بأعصم عاقل يصف رجلا فر به حيوان ومنه قول الطرماح: [الكامل] # فنحا لأولاها بطعنة محفظ ... تمكو جوانبها من الإنهار # ومكت است الدابة إذا صفرت يقال ولا تمكو إلا است مكشوفة ومن هذا قيل ~~للاست مكوة قال أبو علي: فالهمزة في مكاء منقلبة عن واو. # قال القاضي أبو محمد: ومن هذا قيل للطائر المكاء لأنه يمكو أي يصفر في ~~تغريده، ووزنه فعال بشد PageV02P523 # العين كخطاف، والأصوات في الأكثر تجيء على فعال بتخفيف العين كالبكاء ~~والصراخ والدعاء والجؤار والنباح ونحوه، وروي عن قتادة أن المكاء صوت ~~الأيدي وذلك ضعيف، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ «إلا مكا» بالقصر، و «التصدية» ~~عبر عنها أكثر الناس بأنها التصفيق، وقتادة بأنه الضجيج والصياح، وسعيد بن ~~جبير بأنها الصد والمنع، ومن قال التصفيق قال: إنما كان للمنع عن ذكر الله ~~ومعارضة لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن، و «التصدية» يمكن أن ~~تكون ms1495 من صدى يصدى إذا صوت والصدى الصوت، ومنه قول الطرماح يصف الأروية: ~~[الطويل] # لها كلما ريعت صداة وركدة ... بمصران أعلى ابني شمام البوائن # فيلتئم على هذا الاشتقاق قول من قال: هو التصفيق، وقول من قال الضجيج، ~~ولا يلتئم عليه قول من قال هو الصد والمنع إلا أن يجعل التصويت إنما يقصد ~~به المنع، ففسر اللفظ بالمقصود لا بما يخصه من معناه، ويمكن أن تكون ~~«التصدية» من صد يصد استعمل الفعل مضعفا للمبالغة والتكثير لا ليعدى فقيل ~~صدد، وذلك أن الفعل الذي يتعدى إذا ضعف فإنما يضعف للتكثير، إذ التعدي حاصل ~~قبل التضعيف، وذلك نحو قوله وغلقت الأبواب [يوسف: 23] والذي يضعف ليعدى هو ~~كقولهم علم وغرم فإذا قلنا في صد صدد ففعل في الصحيح يجيء مصدره في الأكثر ~~على تفعيل وفي الأقل على تفعلة مثل كمل تكميلا وتكملة وغير ذلك، بخلاف ~~المعتل فإنه يجيء في الأكثر على تفعلة مثل عزى وتعزية وفي الشاذ على تفعيل، ~~مثل قول الشاعر: [الرجز] بات ينزي دلوه تنزيا وإذا كان فعل في الصحيح يتسق ~~فيه المثلان رفض فيه تفعلة مثل قولنا تصدية وصير إلى تفعيل لتحول الياء بين ~~المثلين كتخفيف وتشديد، فلما سلكوا مصدر صدد المسلك المرفوض أصلح ذلك بأن ~~إبدال أحد المثلين ياء كبدلهم في تظننت ونحوه، فجاء «تصدية» ، فعلى هذا ~~الاشتقاق يلتئم قول من قال التصدية الصد عن البيت والمنع، ويمكن أن تكون ~~التصدية من صد يصد بكسر الصاد في المستقبل إذا ضج، ويبدل أيضا على هذا أحد ~~المثلين، ومنه قوله تعالى: إذا قومك منه يصدون [الزخرف: 57] بكسر الصاد، ~~ذكره النحاس، وذهب أكثر المفسرين إلى أن «المكاء والتصدية» إنما أحدثها ~~الكفار عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقطع عليه وعلى المؤمنين ~~قراءتهم وصلاتهم ويخلط عليهم، فكان المصلي إذا قام يقرأ من المؤمنين اكتنفه ~~من الكفار عن يمينه وشماله من يمكو ويصدي حتى تختلط عليه قراءته، فلما نفى ~~الله تعالى ولايتهم للبيت أمكن أن يعترض معترض بأن يقول، وكيف لا نكون ~~أولياءه ونحن ms1496 نسكنه ونصلي عنده؟ فقطع الله هذا الاعتراض بأن قال وما كان ~~صلاتهم إلا المكاء والتصدية، وهذا كما يقول رجل أنا أفعل الخير فيقال له ما ~~فعلك الخير إلا أن تشرب الخمر وتقتل، أي هذه عادتك وغايتك. # قال القاضي أبو محمد: والذي مر بي من أمر العرب في غير ما ديوان أن ~~المكاء والتصدية كان من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به ~~والتشرع، ورأيت عن بعض أقوياء العرب أنه كان يمكو على الصفا فيسمع من جبل ~~حراء، وبينهما أربعة أميال، وعلى هذا يستقيم تعييرهم وتنقصهم بأن شرعهم PageV02P524 # وصلاتهم وعبادتهم لم تكن رهبة ولا رغبة، إنما كانت مكاء وتصدية من نوع ~~اللعب، ولكنهم كانوا يتزيدون فيها وقت النبي صلى الله عليه وسلم ليشغلوه ~~وأمته عن القراءة والصلاة، وقوله فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون إشارة إلى ~~عذابهم ببدر بالسيف قاله ابن جريج والحسن والضحاك، فيلزم من هذا أن هذه ~~الآية الأخيرة نزلت بعد بدر ولا بد. # قال القاضي أبو محمد: والأشبه أن الكل نزل بعد بدر حكاية عما مضى والله ~~ولي التوفيق برحمته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : آية 36] # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) # قال بعض الرواة منهم ابن أبزى وابن جبير والسدي ومجاهد: سبب نزول هذه ~~الآية أن أبا سفيان أنفق في غزوة أحد على الأحابيش وغيرهم أربعين أوقية من ~~الذهب أو نحو هذا، وأن الآية نزلت في ذلك، وقال ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن ~~حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ~~إنه لما قتل من قتل ببدر اجتمع أبناؤهم وقرابتهم وقالوا لمن خلص ماله في ~~العير: إن محمدا قد نال منا ما ترون، ولكن أعينونا بهذا المال الذي كان سبب ~~الواقعة، فلعلنا أن ننال منه ثأرا، ففعلوا فنزلت الآية في ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وعلى القولين فإنما أنفق المال في غزوة ms1497 أحد، فأخبر ~~الله تعالى في هذه الآية خبرا لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين ~~أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ~~ثم أخبر خبرا يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا ~~تتم لهم إرادة ويذهب المال باطلا، والحسرة التلهف على الفائت، ويحتمل أن ~~تكون الحسرة في يوم القيامة، والأول أظهر وإن كانت حسرة القيامة راتبة ~~عليهم، ثم أخبر أنهم يغلبون بعد ذلك، بأن تكون الدائرة عليهم، وهذا من ~~إخبار القرآن بالغيوب لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر، قال ~~ابن سلام: بين الله عز وجل أنهم يغلبون قبل أن يقاتلوا بسنة، حكاه ~~الزهراوي، ثم أخبر تعالى عن الكافرين أنهم يجمعون إلى جهنم، والحشر جمع ~~الناس والبهائم إلى غير ذلك مما يجمع ويحضر، ومنه قوله وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا [الأنعام: 111] ومنه في التفسير: أن السلوى طائر كانت الجنوب تحشره ~~على بني إسرائيل، والقوم الذين جلبهم أبو سفيان وأنفق المال عليهم هم ~~الأحابيش من كنانة، ولهم يقول كعب بن مالك: [الطويل] # وجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع # ثلاثة آلاف ونحن قصية ... ثلاث مئين إن كثرن وأربع # وقال الضحاك وغيره: إن هذه الآية نزلت في نفقة المشركين الخارجين إلى بدر ~~الذين كانوا يذبحون يوما عشرا ويوما تسعا من الإبل، وحكى نحو هذا النقاش. PageV02P525 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 37 الى 40] # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين (38) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا ~~فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) # قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر «ليميز» بفتح الياء وكسر ~~الميم، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة بن نصاح ms1498 وشبل وأبي عبد الرحمن ~~والحسن وعكرمة ومالك بن دينار، تقول مزت الشيء، والعرب تقول مزته فلم يتميز ~~لي، حكاه يعقوب وفي شاذ القراءة وانمازوا اليوم، وأنشد أبو زيد: [البسيط] # لما ثنى الله عني شر عدوته ... وانمزت لا منشئا ذعرا ولا وجلا # وهو مطاوع ماز، وقرأ حمزة والكسائي «ليميز» بضم الياء وفتح الميم وشد ~~الياء، وهي قراءة قتادة وطلحة بن مصرف والأعمش والحسن أيضا وعيسى البصري، ~~تقول ميزت أميز إذا فرقت بين شيئين فصاعدا، وفي القرآن تميز من الغيظ ~~[الملك: 8] فهو مطاوع ميز ومعناه تتفصل، وقال ابن عباس رضي الله عنه ~~والسدي، المعني ب الخبيث الكفار وب الطيب المؤمنون. # قال القاضي أبو محمد: واللام على هذا التأويل من قوله ليميز متعلقة ب ~~يحشرون [الأنفال: 36] ، والمعنى أن الله يحشر الكافرين إلى جهنم ليميز ~~الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعا فيلقيهم في جهنم، ثم أخبر ~~عنهم أنهم هم الخاسرون أي الذين خابت سعايتهم وتبت أيديهم وصاروا إلى ~~النار، وقال ابن سلام والزجاج: # المعني ب الخبيث المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، والطيب ~~هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله. # قال القاضي أبو محمد: واللام على هذا التأويل من قوله ليميز متعلقة ب ~~يغلبون [الأنفال: 36] ، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ~~ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل ~~الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى على هذا التأويل ويجعل الخبيث بعضه ~~على بعض إلى قوله في جهنم مترتب على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم ~~يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار، وحكى الزهراوي عن الحسن أن الكفار يعذبون ~~بذلك المال، فهي كقوله فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم [التوبة: 35] ~~وقاله الزجاج: وعلى التأويلين فقوله ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا إنما هي عبارة عن جمع ذلك وضمه وتأليف أشتاته وتكاثفه بالاجتماع، ~~وفيركمه في كلام العرب يكثفه، ومنه ms1499 PageV02P526 # سحاب مركوم وركام، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] زع بالزمام وجوز الليل ~~مركوم وقوله ويجعل الخبيث بمعنى يلقي، قاله أبو علي، أولئك هم الخاسرون على ~~هذا التأويل يراد المنافقون من الكفار، ولفظة الخسارة تليق بهم من جهة ~~المال وبغير ذلك من الجهات، وقوله قل للذين كفروا الآية، أمر من الله عز ~~وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى الذي تضمنه ألفاظ ~~قوله إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وسواء قاله النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذه العبارة أو غيرها، ولو كان الكلام كما ذكر الكسائي أنه في مصحف ابن ~~مسعود «قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لكم» لما تأدت الرسالة إلا بتلك ~~الألفاظ بعينها، هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ، وقوله إن ينتهوا يريد به عن ~~الكفر ولا بد، والحامل على ذلك جواب الشرط ب يغفر لهم ما قد سلف، ومغفرة ما ~~قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر، وقوله إن يعودوا يريد به إلى القتال ~~لأن لفظة عاد يعود إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان ~~الإنسان عليها ثم تنقل عنها. # ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال، ~~ولا يصح أن يتأول وإن يعودوا إلى الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه وإنما قلنا في ~~عاد إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر ~~بمنزلة صار، وذلك كما تقول عاد زيد ملكا تريد صار، ومنه قول أبي الصلت: # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شبيبا بماء فعادا بعد أبوالا # وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل، لكنها مقيدة ~~بخبرها لا يجوز الاقتصار دونه، فحكمها حكم صار، وقوله فقد مضت سنت الأولين ~~عبارة بجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب ~~الله حين صد في وجه نبيه وبمن هلك في يوم بدر بسيف الإسلام والشرع، والمعنى ~~فقد رأيتم وسمعتم عن الأمم ما حل. # قال ms1500 القاضي أبو محمد: والتخويف عليهم بقصة بدر أشد إذ هي القريبة منهم ~~والمعاينة عندهم وعليها نص ابن إسحاق والسدي، وقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة الآية، أمر من الله عز وجل فرض به على المؤمنين أن يقاتلوا ~~الكفار، و «الفتنة» قال ابن عباس وغيره معناها الشرك، وقال ابن إسحاق: ~~معناها حتى لا يفتن أحد عن دينه كما كانت قريش تفعل بمكة بمن أسلم كبلال ~~وغيره، وهو مقتضى قول عروة بن الزبير في جوابه لعبد الملك بن مروان حين ~~سأله عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا، وقوله ويكون ~~الدين كله لله أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره، وقال قتادة حتى ~~تستوسق كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذه المعاني تتلازم كلها، وقال الحسن: حتى لا يكون ~~بلاء، وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة الباغية، على سائر ما ~~ذكرناه من الأقوال يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء قول عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنه أما نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت وأصحابك ~~فتريدون أن نقاتل حتى تكون فتنة. PageV02P527 # قال القاضي أبو محمد: فمذهب عمر أن «الفتنة» الشرك في هذه الآية وهو ~~الظاهر، وفسر هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله» ، ومن قال المعنى حتى لا يكون شرك فالآية عنده ~~يريد بها الخصوص فيمن لا يقبل منه جزية، قال ابن سلام: وهي في مشركي العرب، ~~ثم قال الله تعالى: فإن انتهوا أي عن الكفر فإن الله بصير بعملهم مجاز ~~عليه، عنده ثوابه وجميل المعاوضة عليه وقرأ يعقوب بن إسحاق وسلام بن سليمان ~~«بما تعملون» بالتاء أي في قتالكم وجدكم وجلادكم عن دينه. # وقوله تعالى: وإن تولوا الآية، معادل لقوله فإن انتهوا، والمعنى فإن ~~انتهوا عن الكفر فالله مجازيهم أو مجازيكم ms1501 على قراءة «تعملون» ، وإن تولوا ~~ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ينصركم عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظفر، أي ~~فجدوا، و «المولى» هاهنا الموالي والمعين، والمولى في اللغة على معان هذا ~~هو الذي يليق بهذا الموضع منها، والمولى الذي هو السيد المقترن بالعبد يعم ~~المؤمنين والمشركين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : آية 41] # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) # موضع «أن» الثانية رفع، التقدير «فحكمه أن» ، فهي في موضع خبر الابتداء، ~~والغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي من ذلك قول الشاعر [امرؤ ~~القيس] : [الوافر] # وقد طفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب # وقال آخر: [البسيط] # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرهن: «له غنمه وعليه حرمه» ~~وقوله: «الصيام في الشتاء هو الغنيمة الباردة» فالشيء الذي يناله المسلمون ~~من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب غنيمة، ولزم هذا الاسم هذا المعنى ~~حتى صار عرفا له، والفيء مأخوذ من فاء إذا رجع وهو كل ما دخل على المسلمين ~~من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرض وجزية الجماجم وخمس الغنيمة ونحو هذا. # قال القاضي أبو محمد: والزكوات أيضا مال على حدته، أحكامه منفردة دون ~~أحكام هذين، قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب: الغنيمة ما أخذ عنوة والفيء ~~ما أخذ صلحا، وهذا قريب مما بيناه، وقال قتادة: الفيء والغنيمة شيء واحد ~~فيهما الخمس، وهذه الآية التي في الأنفال ناسخة لقوله في سورة الحشر وما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى [الآية: 7] وذلك أن تلك كانت الحكم أولا، ~~ثم أعطى الله أهلها الخمس فقط وجعل الأربعة الأخماس في المقاتلين. PageV02P528 # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف نص العلماء على ضعفه وأن لا وجه له ~~من جهات، منها أن هذه السورة نزلت قبل سورة الحشر ms1502 هذه ببدر، وتلك في بني ~~النضير وقرى عرينة، ولأن الآيتين متفقتان وحكم الخمس وحكم تلك الآية واحد ~~لأنها نزلت في بني النضير حين جلوا وهربوا وأهل فدك حين دعوا إلى صلح ونال ~~المسلمون ما لهم دون إيجاف، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أن في الفيء الخمس، ~~وأنه كان في قرى عرينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أربعة أخماسها ~~كان للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعها حيث شاء. # وقال أبو عبيدة: هذه الآية ناسخة لقوله في أول السورة قل الأنفال لله ~~والرسول [الأنفال: 1] ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر ~~فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر في قول علي بن أبي طالب في البخاري كانت لي ~~شارق من نصيبي من المغنم ببدر وشارق أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الخمس حينئذ أن غنيمة بدر خمست فإن كان ذلك فسد قول أبي عبيدة، ويحتمل ~~أن يكون الخمس الذي ذكره علي بن أبي طالب من إحدى الغزوات التي كانت بين ~~بدر وأحد، فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة السويق وغزوة ذي أمر وغزوة نجران ~~ولم يحفظ فيها قتال ولكن يمكن أن غنمت غنائم والله أعلم. # وقوله في هذه الآية من شيء ظاهره عام ومعناه الخصوص، فأما الناض والمتاع ~~والأطفال والنساء وما لا يؤكل لحمه من الحيوان ويصح تملكه فليس للإمام في ~~جميع ذلك ما كثر منه وما قل كالخايط والمخيط إلا أن يأخذ الخمس ويقسم ~~الباقي في أهل الجيش، وأما الأرض فقال فيها مالك: يقسمها الإمام إن رأى ذلك ~~صوابا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، ولا يقسمها إن أداه اجتهاده ~~إلى ذلك كما فعل عمر بأرض مصر سواد الكوفة. # قال القاضي أبو محمد: لأن فعل عمر ليس بمخالف لفعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إذ ليست النازلة واحدة بحسب قرائن الوقتين وحاجة الصحابة وقلتهم، ~~وهذا كله انعكس في زمان عمر، وأما الرجال ومن شارف ms1503 البلوغ من الصبيان ~~فالإمام عند مالك وجمهور العلماء مخير فيهم على خمسة أوجه، منها القتل وهو ~~مستحسن في أهل الشجاعة والنكاية، ومنها الفداء وهو مستحسن في ذي المنصب ~~الذي ليس بشجاع ولا يخاف منه رأي ولا مكيدة لانتفاع المسلمين بالمال الذي ~~يؤخذ منه، ومنها المن وهو مستحسن فيمن يرجى أن يحنو على أسرى المسلمين ونحو ~~ذلك من القرائن، ومنها الاسترقاق، ومنها ضرب الجزية والترك في الذمة، وأما ~~الطعام والغنم ونحوهما مما يؤكل فهو مباح في بلد العدو يأكله الناس فما بقي ~~كان في المغنم. # قال القاضي أبو محمد: وأما أربعة أخماس ما غنم فيقسمه الإمام على الجيش، ~~ولا يختص بهذه الآية ذكر القسمة فأنا أختصره هنا، وأما الخمس فاختلف ~~العلماء فيه، فقال مالك رحمه الله: الرأي فيه للإمام يلحقه ببيت الفيء ~~ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه، كما يعطي ~~منه اليتامى والمساكين وغيرهم، وإنما ذكر من ذكر على وجه التنبيه عليهم ~~لأنهم من أهم من يدفع إليه، قال الزجاج محتجا لمالك: PageV02P529 # قال الله تعالى: يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل [البقرة: 215] . # وللإمام بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك، وقالت فرقة: كان ~~الخميس يقسم على ستة أقسام، قسم لله وهو مردود على فقراء المسلمين أو على ~~بيت الله، وقسم للنبي صلى الله عليه وسلم، وقسم لقرابته، وقسم لسائر من ~~سمي، حكى القول منذر بن سعيد ورد عليه، قال أبو العالية الرياحي: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم، يقبض من خمس الغنيمة قبضة فيجعلها للكعبة فذلك لله، ثم ~~يقسم الباقي على خمسة، قسم له وقسم لسائر من سمي، وقال الحسن بن محمد وابن ~~عباس وإبراهيم النخعي وقتادة والشافعي: قوله فأن لله خمسه استفتاح كلام كما ~~يقول الرجل لعبده قد أعتقك الله وأعتقتك على جهة التبرك وتفخيم الأمر، ~~والدنيا كلها لله، وقسم الله وقسم الرسول واحد، وكان الرسول عليه الصلاة ~~والسلام يقسم الخمس على ms1504 خمسة أقسام كما تقدم، وقال ابن عباس أيضا فيما روى ~~عنه الطبري، الخمس مقسوم على أربعة أقسام، وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~لقرابته وليس لله ولا للرسول شيء، وقالت فرقة: قسم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، بعد موته مردود على أهل الخمس القرابة وغيرها، وقالت فرقة: هو مردود ~~على الجيش أصحاب الأربعة الأخماس، وقال علي بن أبي طالب: يلي الإمام منهم ~~سهم الله ورسوله، وقالت فرقة: هو موقوف لشراء العدد وللكراء في سبيل الله، ~~وقال إبراهيم النخعي وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر فيه، وقال أصحاب الرأي: ~~الخمس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مقسوم ثلاثة أقسام، قسم لليتامى، وقسم ~~للمساكين وقسم لابن السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يورث، فسقط ~~سهمه وسهم ذوي القربى، وحجتهم فيه منع أبي بكر وعمر وعثمان لذوي القربى. # قال القاضي أبو محمد: ولم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم بأن قريشا قربى، ~~وقيل لم يكن في مدة أبي بكر مغنم، وقال الشافعي: يعطى أهل الخمس منه ولا بد ~~ويفضل الإمام أهل الحاجة ولكن لا يحرم صنفا منهم حرمانا تاما، وقول مالك ~~رحمه الله: إن للإمام أن يعطي الأحوج وإن حرم الغير. # قال القاضي أبو محمد: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصا من ~~الغنيمة بثلاثة أشياء كان له خمس الخمس، وكان له سهم في سائر الأربعة ~~الأخماس، وكان له صفي يأخذه قبل القسمة، دابة أو سيف، أو جارية ولا صفي ~~لأحد بعده بإجماع إلا ما قال أبو ثور من أن الصفي باق للإمام، وهو قول ~~معدود في شواذ الأقوال، وذوو القربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال علي بن الحسين وعبد الله بن الحسن وعبد الله بن عباس: هم بنو هاشم ~~فقط، فقال مجاهد: كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة فجعل ~~لهم خمس الخمس، قال ابن عباس: ولكن أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها ~~قربى، وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب ms1505 فقط، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعثمان بن عفان وجبير بن مطعم في وقت قسمة سهم ذوي القربى من ~~خيبر على بني هاشم وبني المطلب «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ما ~~فارقونا في جاهلية ولا في الإسلام» . # قال القاضي أبو محمد: كانوا مع بني هاشم في الشعب وقالت فرقة: قريش كلها ~~قربى، وروي عن PageV02P530 # علي بن الحسين وعبد الله بن محمد بن علي أنهما قالا: الآية كلها في قريش، ~~والمراد يتامى قريش ومساكينها، وقالت فرقة: سهم القرابة بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم موقوف على قرابته، وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز إلى بني ~~هاشم وبني المطلب فقط، وقالت فرقة: هو لقرابة الإمام القائم بالأمر، وقال ~~قتادة: # كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيا، فلما ~~توفي جعل لولي الأمر بعده، وقاله الحسن بن أبي الحسن البصري، وحكى الطبري ~~أيضا عن الحسن أنه قال: اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال قوم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم للخليفة، وقال ~~قوم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ~~قوم: سهم القرابة لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في ~~الخيل والعدة، فكان على ذلك مدة أبي بكر رضي الله عنه، قال غير الحسن وعمر ~~واليتامى الذين فقدوا آباءهم من الصبيان، واليتم في بني آدم من قبل الآباء ~~وفي البهائم من قبل الأمهات، والمساكين الذين لا شيء لهم وهو مأخوذ من ~~السكون وقلة الحراك، وابن السبيل الرجل المجتاز الذي قد احتاج في سفر، ~~وسواء كان غنيا في بلده أو فقيرا فإنه ابن السبيل يسمى بذلك إما لأن السبيل ~~تبرزه فكأنها تلده، وإما لملازمة السبيل كما قالوا ابن ماء وأخو سفر، ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ابن زنى» وقد تقدم هذا. # قال القاضي أبو محمد: وقد اقتضبت فقه هذه الآية حسب الاختصار والله ~~المستعان. ms1506 # قال القاضي أبو محمد: وما في قوله أنما غنمتم بمعنى الذي، وفي قوله غنمتم ~~ضمير يعود عليها، وحكي عن الفراء أنه جوز أن تكون «ما» شرطية بتقدير أنه ~~ما، وحذف هذا الضمير لا يجوز عند سيبويه إلا في الشعر، ومنه: # إن من يدخل الكنيسة يوما وقرأ الجمهور «فأن لله» بفتح الهمزة، وقرأ ~~الجعفي عن أبي بكر عن عاصم وحسين عن أبي عمرو «فإن» بكسر الهمزة، وقرأ ~~الحسن «خمسه» بسكون الميم، وقوله تعالى: إن كنتم آمنتم بالله الآية، قال ~~الزجاج عن فرقة: المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم، «فإن» متعلقة بهذا ~~الوعد، وقال أيضا عن فرقة: # إنها متعلقة بقوله واعلموا أنما غنمتم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح، لأن قوله واعلموا يتضمن بانقياد ~~وتسليم لأمر الله في الغنائم فعلق «أن» بقوله واعلموا على هذا المعنى أي إن ~~كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة ~~الغنيمة، وقوله وما أنزلنا عطف على قوله بالله والمشار إليه ب ما هو النصر ~~والظهور الذي أنزله الله يوم بدر على نبيه وأصحابه، أي إن كنتم مؤمنين ~~بالله وبهذه الآيات والعظائم الباهرة التي أنزلت يوم بدر، ويحتمل أن تكون ~~الإشارة إلى قرآن نزل يوم بدر أو في قصة يوم بدر على تكره في هذا التأويل ~~الأخير. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المعنى واعلموا أنما غنمتم يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان فإن خمسه لكذا وكذا إن كنتم آمنتم، أي فانقادوا ~~لذلك وسلموا وهذا تأويل حسن في المعنى، PageV02P531 # ويعترض فيه الفصل بين الظرف وما تعلق به بهذه الجملة الكثيرة من الكلام، ~~ويوم الفرقان معناه يوم الفرق بين الحق والباطل بإعزاز الإسلام وإذلال ~~الشرك، والفرقان مصدر من فرق يفرق، والجمعان يريد جمع المسلمين وجمع ~~الكفار، وهو يوم الوقعة التي قتل فيها صناديد قريش ببدر، ولا خلاف في ذلك، ~~وعليه نص ابن عباس ومجاهد ومقسم والحسن بن علي وقتادة وغيرهم. وكانت يوم ~~الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من ms1507 الهجرة هذا قول جمهور ~~الناس. # وقال أبو صالح: لتسع عشرة، وشك في ذلك عروة بن الزبير، وقال لتسع عشرة أو ~~لسبع عشرة، والصحيح ما عليه الجمهور، وقوله عز وجل: والله على كل شيء قدير، ~~يعضد أن قوله وما أنزلنا على عبدنا يراد به النصر والظفر، أي الآيات ~~والعظائم من غلبة القليل الكثير، وذلك بقدرة الله تعالى الذي هو على كل شيء ~~قدير. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : آية 42] # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) # العامل في إذ قوله التقى وبالعدوة شفير الوادي وحرفه الذي يتعذر المشي ~~فيه بمنزلة رحا البير لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوز ~~الوادي أي منعته، ومنه قول الشاعر: # عدتني عن زيارتك العوادي ... وحالت دونها حرب زبون # ولأنها ما عدا الوادي أي جاوزه، وتسمى الضفة والفضاء المساير للوادي عدوة ~~للمجاورة، وهذه هي العدوة التي في الآية، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة ~~والكسائي «بالعدوة» بضم العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «بالعدوة» بكسر ~~العين، وهما لغتان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة وعمرو «بالعدوة» بفتح ~~العين، ويمكن أن تكون تسمية بالمصدر، قال أبو الفتح: الذي في هذا أنها لغة ~~ثالثة كقولهم في اللبن رغوة ورغوة ورغوة، وروى الكسائي: كلمته بحضرة فلان ~~وحضرته إلى سائر نظائر، ذكر أبو الفتح كثيرا منها، وقوله الدنيا والقصوى ~~إنما بالإضافة إلى المدينة، وفي حرف ابن مسعود «إذ أنتم بالعدوة العليا وهم ~~بالعدوة السفلى» ، ووادي بدر آخذ بين الشرق والقبلة منحرف إلى البحر الذي ~~هو قريب من ذلك الصقع، والمدينة من الوادي من موضع الوقعة منه في الشرق ~~وبينهما مرحلتان، حدثني أبي أنه رأى هذه المواضع على ما وصفت وقال ابن ~~عباس: بدر بين مكة والمدينة، والدنيا من الدنو، والقصوى من القصو، وهو ~~البعد، وكان القياس أن تكون القصيا لكنه ms1508 من الشاذ، وقال الخليل في العين: ~~شذت لفظتان وهما القصوى والفتوى، وكان القياس فيهما بالياء كالدنيا ~~والعليا، والركب بإجماع من المفسرين غير أبي سفيان، ولا يقال ركب إلا لركاب ~~الإبل وهو من أسماء الجمع، وقد يجمع راكب عليه كصاحب وصحب وتاجر وتجر، ولا ~~يقال ركب لما كثر جدا من الجموع. PageV02P532 # وقال القتبي: الركب العشرة ونحوها، وهذا غير جيد لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قد قال «والثلاثة ركب» الحديث وقوله أسفل في موضع خفض تقديره في مكان ~~أسفل كذا قال سيبويه، قال أبو حاتم: نصب «أسفل» على الظرف ويجوز «الركب ~~أسفل» على معنى وموضع الركب أسفل أو الركب مستقرا أسفل. # قال القاضي أبو محمد: وكان الركب ومدبر أمره أبو سفيان بن حرب قد نكب عن ~~بدر حين نذر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ سيف البحر فهو أسفل بالإضافة ~~إلى أعلى الوادي من حيث يأتي، وقال مجاهد في كتاب الطبري: أقبل أبو سفيان ~~وأصحابه من الشام تجارا لم يشعروا بأصحاب بدر ولم يشعر أصحاب محمد بكفار ~~قريش ولا كفار قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى التقوا على ماء ~~بدر من يسقي لهم كلهم، فاقتتلوا فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~فأسروهم. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تعقب، وكان من هذه الفرق شعور يبين من ~~الوقوف على القصة بكمالها، وقوله ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد قال ~~الطبري وغيره: لو تواعدتم على الاجتماع ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لخالفتم ولم ~~تجتمعوا معهم، وقال المهدوي: المعنى أي لاختلفتم بالقواطع والعوارض القاطعة ~~بين الناس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نيل واضح، وإيضاحه أن المقصد من الآية نعمة ~~الله وقدرته في قصة بدر وتيسيره ما يسر من ذلك، فالمعنى إذ هيأ الله لكم ~~هذه الجمال ولو تواعدتم لها لاختلفتم إلا مع تيسير الذي تمم ذلك، وهذا كما ~~تقول لصاحبك في أمر سناه الله دون تعب كثير: ولو بنينا على هذا وسعينا فيه ~~لم يتم هكذا، ثم بين تعالى أن ذلك إنما كان ms1509 بلطف الله عز وجل ليقضي الله ~~أمرا أي لينفذ ويظهر أمرا قد قدره في الأول مفعولا لكم بشرط وجودكم في وقت ~~وجودكم، وذلك كله معدوم عنده، وقوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة الآية، قال الطبري: المعنى ليقتل من قتل من كفار ~~قريش وغيرهم ببيان من الله وإعذار بالرسالة، ويحيى أيضا ويعيش من عاش عن ~~بيان منه أيضا وإعذار لا حجة لأحد عليه، فالهلاك والحياة على هذا التأويل ~~حقيقتان، وقال ابن إسحاق وغيره: معنى ليهلك أي ليكفر، ويحيى أي ليؤمن، ~~فالحياة والهلاك على هذا مستعارتان، والمعنى أن الله تعالى جعل قصة بدر ~~عبرة وآية ليؤمن من آمن عن وضوح وبيان ويكفر أيضا من كفر عن مثل ذلك، وقرأ ~~الناس «ليهلك» بكسر اللام الثانية وقرأ الأعمش «ليهلك» بفتح اللام، ورواها ~~عصمة عن أبي بكر عن عاصم، و «البينة» صفة أي عن قضية بينة، واللام الأولى ~~في قوله ليهلك رد على اللام في قوله ليقضي. # وقرأ ابن كثير في رواية قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية حفص «من حي» بياء واحدة مشددة، وقرأ نافع وابن كثير في رواية ~~البزي وعاصم في رواية أبي بكر «من حيي» بإظهار الياءين وكسر الأولى وفتح ~~الثانية، قال من قرأ «حي» فلأن الياء قد لزمتها الحركة فصار الفعل بلزوم ~~الحركة لها مشبها بالصحيح مثل عض وشم ونحوه، ألا ترى أن حذف الياء من جوار ~~في الجر والرفع لا يطرد في حال النصب إذا قلت رأيت جواري لمشابهتها بالحركة ~~سائر الحروف الصحاح، ومنه قوله كلا إذا بلغت PageV02P533 # التراقي # [القيامة: 26] ، وعلى نحو «حي» جاء قول الشاعر: [مجزوء الكامل] # عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه # ومنه قول لبيد: [الرمل] # سألتني جارتي عن أمتي ... وإذا ما عي ذو اللب سأل # وقول المتلمس: [الطويل] # فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس # ويروى جن ذبابه، قال أبو علي وغيره: هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء ~~مستقبلية فالإدغام في ماضيه جائز، ألا ترى أن قوله تعالى: على ms1510 أن يحيي ~~الموتى [الأحقاف: 33، القيامة: 40] لا يجوز الإدغام فيه لأن حركة النصب غير ~~لازمة، ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم، ولا يلتفت إلى ما أنشد ~~بعضهم لأنه بيت مجهول: [الكامل] # وكأنها بين النساء سبيكة ... تمشي بسدة بيتها فتعي # قال أبو علي وأما قراءة من قرأ «حيي» ، فبين ولم يدغم، فإن سيبويه قال: ~~أخبرنا بهذه اللغة يونس، قال وسمعنا بعض العرب يقول أحيياء قال أبو حاتم: ~~القراءة إظهار الياءين والإدغام حسن فاقرأ كيف تعلمت فإن اللغتين مشهورتان ~~في كلام العرب، والخط فيه ياء واحدة. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذه اللفظة استوعب أبو علي القول فيما تصرف من ~~«حيي» كالحي الذي هو مصدر منه وغيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 43 الى 44] # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور (44) # المهدوي إذ نصب بتقدير واذكر. # قال القاضي أبو محمد: أو بدل من إذ المتقدمة وهو أحسن، وتظاهرت الروايات ~~أن هذه الآية نزلت في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى فيها ~~عدد الكفار قليلا فأخبر بذلك أصحابه فقويت نفوسهم وحرضوا على اللقاء، فهذا ~~معنى قوله في منامك أي في نومك قاله مجاهد وغيره. # وروي عن الحسن أن معنى قوله في منامك أي في عينك إذ هي موضع النوم، وعلى ~~هذا التأويل تكون الرواية في اليقظة. PageV02P534 # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول ضعيف، وعليه فسر النقاش وذكره عن ~~المازني، والضمير على التأويلين من قوله يريكهم عائد على الكفار من أهل ~~مكة، ومما يضعف ما روي عن الحسن أن معنى هذه الآية يتكرر في التي بعدها، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب في الثانية أيضا، وقد تظاهرت الرواية ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم، انتبه وقال لأصحابه أبشروا فلقد نظرت إلى ~~مصارع القوم، ونحو ms1511 هذا، وقد كان علم أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف، فكيف ~~يراهم ببصره بخلاف ما علم، والظاهر أنه رآهم في نومه قليلا قدرهم وحالهم ~~وبأسهم مهزومين مصروعين، ويحتمل أنه رآهم قليلا عددهم، فكان تأويل رؤياه ~~انهزامهم، فالقلة والكثرة على الظاهر مستعارة في غير العدد، كما قالوا: ~~المرء كثير بأخيه، إلى غير ذلك من الأمثلة، والفشل الخور عن الأمر، إما بعد ~~التلبس وإما بعد العزم على التلبس ولتنازعتم أي لتخالفتم وفي الأمر يريد في ~~اللقاء والحرب وسلم لفظ يعم كل متخوف اتصل بالأمر أو عرض في وجهه فسلم الله ~~من ذلك كله، وعبر بعض الناس أن قال «سلم لكم أمركم» ونحو هذا مما يندرج ~~فيما ذكرناه، وقوله إنه عليم بذات الصدور أي بإيمانكم وكفركم مجاز بحسب ~~ذلك، وقرأ الجمهور من الناس «ولكن الله سلم» بشد النون ونصب المكتوبة وقرأت ~~فرقة «ولكن الله» برفع المكتوبة، وقوله وإذ يريكموهم إذ التقيتم الآية، وإذ ~~عطف على الأولى، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإجماع، وهي الرؤية التي كانت ~~حين التقوا ووقعت العين على العين، والمعنى أن الله تعالى لما أراد من ~~إنفاذ قضائه في نصرة الإسلام وإظهاره قلل كل طائفة في عيون الأخرى، فوقع ~~الخلل في التخمين والحزر الذي يستعمله الناس في هذا التجسد كل طائفة على ~~الأخرى وتتسبب أسباب الحرب، وروي في هذا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لقد ~~قلت ذلك اليوم لرجل إلى جنبي أتظنهم سبعين؟ قال بل هم مائة، قال فلما ~~هزمناهم أسرنا منهم رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال ألفا. # قال القاضي أبو محمد: ويرد على هذا المعنى في التقليل ما روي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين سأل عما ينحرون كل يوم، فأخبر أنهم يوما عشرا ~~ويوما تسعا، قال هم ما بين التسعمائة إلى الألف، فإما أن عبد الله ومن جرى ~~مجراه لم يعلم بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن نفرض التقليل ~~الذي في الآية تقليل القدر والمهابة والمنزلة من النجدة، وتقدم في مثل ms1512 قوله ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا، والأمر المفعول المذكور في الآيتين هو للقصة ~~بأجمعها، وذهب بعض الناس إلى أنهما لمعنيين من معاني القصة والعموم أولى، ~~وقوله وإلى الله ترجع الأمور تنبيه على أن الحول بأجمعه لله وأن كل أمر فله ~~وإليه، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش «ترجع» بفتح التاء وكسر الجيم، قال ~~أبو حاتم: وهي قراءة عامة الناس، وقرأ الأعرج وابن كثير وأبو عمرو ونافع ~~وغيرهم «ترجع» بضم التاء وفتح الجيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 47] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ~~إن الله مع الصابرين (46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء ~~الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) PageV02P535 # هذا أمر بما فيه داعية النصر وسبب العز، وهي وصية من الله متوجهة بحسب ~~التقييد التي في آية الضعف، ويجري مع معنى الآية قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا» ~~. # قال القاضي أبو محمد: وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في ولاية الإمارة ~~والقضاء لا يطلب ولا يتمنى، فإن ابتلي صبر على إقامة الحق، و «الفئة» ~~الجماعة أصلها فئوة وهي من فأوت أي جمعت، ثم أمر الله تعالى بإكثار ذكره ~~هنالك إذ هو عصمة المستنجد ووزر المستعين، قال قتادة: افترض الله ذكره عند ~~أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ذكر خفي لأن رفع الأصوات في موطن القتال رديء ~~مكروه إذا كان إلغاطا، فأما إن كان من الجمع عند الحملة فحسن فات في عضد ~~العدو، وقال قيس بن عباد: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون ~~الصوت عند ثلاث: عند قراءة القرآن وعند الجنازة والقتال، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اطلبوا إجابة الدعاء عند القتال وإقامة الصلاة ونزول ~~الغيث، وقال ابن عباس يكره التلثم عند القتال. # قال القاضي أبو محمد: ولهذا ms1513 والله أعلم يتسنن المرابطون بطرحه عند القتال ~~على ضنانتهم به وتفلحون تنالون بغيتكم وتبلغون آمالكم، وهذا مثل قول لبيد: ~~[الرجز] # أفلح بما شئت فقد يبلغ بالض ... ضعف وقد يخدع الأريب # وقوله وأطيعوا الله ورسوله الآية استمرار على الوصية لهم والأخذ على ~~أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم، وفتفشلوا نصب بالفاء في جواب ~~النهي، قال أبو حاتم في كتاب عن إبراهيم «فتفشلوا» بكسر الشين وهذا غير ~~معروف وقرأ جمهور الناس «وتذهب» بالتاء من فوق ونصب الباء، وقرأ هبيرة عن ~~حفص عن عاصم «وتذهب ريحكم» بالتاء وجزم الباء، وقرأ عيسى بن عمر «ويذهب» ~~بالياء من تحت وبجزم يذهب، وقرأ أبو حيوة «ويذهب» بالياء من تحت ونصب ~~الباء، ورواها أبان وعصمة عن عاصم، والجمهور على أن الريح هنا مستعارة ~~والمراد بها النصر والقوة كما تقول: الريح لفلان إذا كان غالبا في أمر، ومن ~~هذا المعنى قول الشاعر وهو عبيد بن الأبرص: [البسيط] # كما حميناك يوم العنف من شطب ... والفضل للقوم من ريح ومن عدد # وقال مجاهد: «الريح» النصر والقوة، وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم حين نازعوه يوم أحد، وقال زيد بن علي وتذهب ريحكم معناه الرعب من قلوب ~~عدوكم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن بشرط أن يعلم العدو بالتنازع، وإذا لم ~~يعلم فالذاهب قوة PageV02P536 # المتنازعين فينهزمون، وقال شاعر الأنصار: [البسيط] # قد عودتهم ظباهم أن تكون لهم ... ريح القتال وأسلاب الذين لقوا # ومن استعارة الريح قول الآخر: [الوافر] # إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل عاصفة سكون # وهذا كثير مستعمل، وقال ابن زيد وغيره: الريح على بابها، وروي أن النصر ~~لم يكن قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه الكفار، واستند بعضهم في هذه المقالة ~~إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا» . وقال الحكم وتذهب ريحكم يعني ~~الصبا إذ بها نصر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما كان في غزوة الخندق خاصة، وقوله واصبروا ~~إلى آخر الآية، تتميم في الوصية وعدة مؤنسة، وقوله ms1514 تعالى: ولا تكونوا ~~كالذين خرجوا من ديارهم الآية، آية تتضمن الطعن على المشار إليهم وهم كفار ~~قريش، وخرج ذلك على طريق النهي عن سلوك سبيلهم، والإشارة هي إلى كفار قريش ~~بإجماع، و «البطر» الأشر وغمط النعمة والشغل بالمرح فيها عن شكرها، و ~~«الرياء» المباهاة والتصنع بما يراه غيرك، وهو فعال من راءى يرائي سهلت ~~همزته، وروي أن أبا سفيان لما أحس أنه قد تجاوز بعيره الخوف من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأصحابه بعث إلى قريش فقال: «إن الله قد سلم عيركم التي ~~خرجتم إلى نصرتها فارجعوا سالمين قد بلغتم مرادكم» ، فأتى رأي الجماعة على ~~ذلك، فقال أبو جهل: والله لا نفعل حتى نأتي بدرا، وكانت بدر سوقا من أسواق ~~العرب لها يوم موسم، فننحر عليها الإبل ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان ~~ويسمع بنا العرب ويهابنا الناس. # قال القاضي أبو محمد: فهذا معنى قوله تعالى: ورئاء الناس، ولهذا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن قريشا أقبلت بفخرها وخيلائها تحادك ~~وتكذب رسولك، اللهم فاحنها الغداة» ، وقال محمد بن كعب القرظي: خرجت قريش ~~بالقيان والدفوف، وقوله ويصدون عن سبيل الله، أي غيرهم. # قال القاضي أبو محمد: لأنهم أحرى بذلك من أن يقتصر صدهم على أنفسهم، ~~وقوله والله بما يعملون محيط آية تتضمن الوعيد والتهديد لمن بقي من الكفار ~~ونفوذ القدر فيمن مضى بالقتل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 48 الى 49] # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) إذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) # التقدير واذكروا إذ، والضمير في لهم عائد على الكفار، والشيطان إبليس ~~نفسه، وحكى PageV02P537 # المهدوي وغيره أن التزيين في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو بالوسوسة ~~والمحادثة في النفوس. # قال القاضي أبو محمد: ms1515 ويضعف هذا القول أن قوله وإني جار لكم ليس مما يلقى ~~بالوسوسة، وقال الجمهور في ذلك بما روي وتظاهر أن إبليس جاء كفار قريش ففي ~~السير لابن هشام أنه جاءهم بمكة، وفي غيرها أنه جاءهم وهم في طريقهم إلى ~~بدر، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة لحروب كانت بينهم، فجاءهم إبليس في ~~صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو سيد من ساداتهم، فقال لهم «إني جار لكم» ~~ولن تخافوا من قومي وهم لكم أعوان على مقصدكم ولن يغلبكم أحد، فسروا عند ~~ذلك ومضوا لطيتهم وقال لهم أنتم تقاتلون عن دين الآباء ولن تعدموا نصرا. # فروي أنه لما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما رأى ~~الملائكة نكص فقال له الحارث أتفر يا سراقة فلم يلو عليه، ويروى أنه قال له ~~ما تضمنت الآية. # وروي أن عمرو بن وهب أو الحارث بن هشام قال له أين يا سراقة؟ فلم يلو ~~ومثل عدو الله فذهب ووقعت الهزيمة، فتحدث أن سراقة فر بالناس، فبلغ ذلك ~~سراقة بن مالك، فأتى مكة فقال لهم: والله ما علمت بشيء من أمركم حتى بلغتني ~~هزيمتكم ولا رأيتكم ولا كنت معكم، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: جاء ~~إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة رجل من بني مدلج، فقال ~~لا غالب لكم اليوم الآية، واليوم ظرف، والعامل فيه معنى نفي الغلبة، ويحتمل ~~أن يكون العامل متعلق لكم وممتنع أن يعمل غالب لأنه كان يلزم أن يكون لا ~~غالبا، وقوله إني جار لكم معناه فأنتم في ذمتي وحماي، وتراءت تفاعلت من ~~الرؤية أي رأى هؤلاء هؤلاء، وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر «ترأت» مقصورة، وحكى ~~أبو حاتم عن الأعمش أنه أمال والراء مرققة ثم رجع عن ذلك، وقوله نكص على ~~عقبيه معناه رجع من حيث جاء، وأصل النكوص في اللغة الرجوع القهقرى، وقال ~~زهير: # هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا # كذا أنشد الطبري، وفي ms1516 رواية الأصمعي إذا ما استلأموا وبذلك فسر الطبري ~~هذه الآية، وفي ذلك بعد، وإنما رجوعه في هذه الآية مشبه بالنكوص الحقيقي، ~~وقال اللغويون: النكوص، الإحجام عن الشيء، يقال أراد أمرا ثم نكص عنه، وقال ~~تأبط شرا: [البسيط] # ليس النكوص على الأدبار مكرمة ... إن المكارم إقدام على الأسل # قال القاضي أبو محمد: فليس هنا قهقرى بل هو فرار، وقال مؤرج: نكص هي رجع ~~بلغة سليم. # قال القاضي أبو محمد: وقوله على عقبيه يبين أنه إنما أراد الانهزام ~~والرجوع في ضد إقباله، وقوله إني بريء منكم هو خذلانه لهم وانفصاله عنهم، ~~وقوله إني أرى ما لا ترون يريد الملائكة وهو الخبيث إنما شرط أن لا غالب من ~~الناس فلما رأى الملائكة وخرق العادة خاف وفر، وفي الموطإ وغيره أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ريء الشيطان في يوم أقل ولا أحقر ولا ~~أصغر منه في يوم عرفة، لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر» ، قيل ~~وما رأى يا رسول الله؟ قال: «رأى الملائكة يزعمها جبريل» . PageV02P538 # وقال الحسن: رأى إبليس جبريل يقود فرسه بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهو معتجر ببردة وفي يده اللجام، وقوله إني أخاف الله قيل إن هذه ~~معذرة منه كاذبة ولم تلحقه قط مخافة، قاله قتادة وابن الكلبي، وقال الزجاج ~~وغيره: بل خاف مما رأى من الأمر وهوله وأنه يومه الذي أنظر إليه، ويقوي هذا ~~أنه رأى خرق العادة ونزول الملائكة للحرب، وحكى الطبري بسنده أنه لما انهزم ~~المشركون يوم بدر حين رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضة من التراب ~~وجوه الكفار أقبل جبريل صلى الله عليه وسلم إلى إبليس، فلما رآه إبليس ~~وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبرا، فقال له الرجل أي ~~سراقة تزعم أنك لنا جار؟ فقال إني أرى ما لا ترون الآية، ثم ذهب، وقوله ~~تعالى: إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض الآية، العامل في إذ زين أو ~~نكص ms1517 لأن ذلك الموقف كان ظرفا لهذه الأمور كلها، وقال المفسرون إن هؤلاء ~~الموصوفين بالنفاق ومرض القلوب إنما هم من أهل عسكر الكفار لما أشرفوا على ~~المسلمين ورأوا قلتهم وقلة عددهم، قالوا مشيرين إلى المسلمين غر هؤلاء ~~دينهم أي اغتروا فأدخلوا نفوسهم فيما لا طاقة لهم به. # قال القاضي أبو محمد: والنفاق أخص من مرض القلب لأن مرض القلب مطلق على ~~الكافر وعلى من اعترضته شبهة وعلى من بينهما، وكني بالقلوب عن الاعتقادات ~~إذ القلوب محلها، وروي في نحو هذا التأويل عن الشعبي أن قوما ممن كان ~~الإسلام داخل قلوبهم خرجوا مع المشركين إلى بدر، منهم من أكره ومنهم من ~~داجى وداهن، فلما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم ارتابوا واعتقدوا أنهم ~~مغلوبون، فقالوا غر هؤلاء دينهم، قال مجاهد: منهم قيس بن الوليد بن المغيرة ~~وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن أمية ~~بن خلف، والعاصي بن أمية. # قال القاضي أبو محمد: ولم يذكر أحد ممن شهد بدرا بنفاق إلا ما ظهر بعد ~~ذلك من معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، فإنه القائل يوم أحد لو كان لنا ~~من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا [آل عمران: 154] وقد يحتمل أن يكون منافقو ~~المدينة لما وصلهم خروج قريش في قوة عظيمة قالوا عن المسلمين هذه المقالة، ~~فأخبر الله بها نبيه في هذه الآية، ثم أخبر الله عز وجل بأن من توكل على ~~الله واستند إليه، فإن عزة الله تعالى وحكمته كفيلة بنصره وشد أعضاده، ~~وخرجت العبارة عن هذا المعنى بأوجز لفظ وأبلغه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 50 الى 52] # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق (50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) كدأب ~~آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله ~~قوي شديد العقاب (52) # هذه الآية تتضمن التعجيب مما حل بالكفار يوم بدر، قاله مجاهد وغيره، وفي ~~ذلك وعيد لمن ms1518 بقي PageV02P539 # منهم، وحذف جواب، لو إبهام بليغ، وقرأ جمهور السبعة والناس «يتوفى» ~~بالياء فعل فيه علامة التذكير إلى مؤنث في اللفظ، وساغ ذلك أن التأنيث غير ~~حقيقي، وارتفعت الملائكة ب يتوفى، وقال بعض من قرأ هذه القراءة إن المعنى ~~إذ يتوفى الله الذين كفروا والملائكة رفع بالابتداء، ويضربون خبره والجملة ~~في موضع الحال. # قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا التأويل سقوط واو الحال فإنها في الأغلب ~~تلزم مثل هذا، وقرأ ابن عامر من السبعة والأعرج «تتوفى» بالتاء على الإسناد ~~إلى لفظ «الملائكة» ، ويضربون في موضع الحال، وقوله وأدبارهم قال جمهور ~~المفسرين يريد أستاههم، ولكن الله كريم كنى، وقال ابن عباس أراد ظهورهم وما ~~أدبر منهم، ومعنى هذا أن الملائكة كانت تلحقهم في حال الإدبار فتضرب ~~أدبارهم، فأما في حال الإقبال فبين تمكن ضرب الوجوه، وروى الحسن أن رجلا ~~قال: يا رسول الله رأيت في ظهر أبي جهل مثل الشراك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ذلك ضرب الملائكة» ، وعبر بجمع الملائكة، وملك الموت واحد ~~إذ له على ذلك أعوان من الملائكة، وقوله وذوقوا عذاب الحريق قيل كانوا ~~يقولون للكفار حينئذ هذا اللفظ فحذف يقولون اختصار، وقيل معناه وحالهم يوم ~~القيامة أن يقال لهم هذا، والحريق فعيل من الحرق، وقوله تعالى: ذلك بما ~~قدمت أيديكم يحتمل أن يكون من قول الملائكة في وقت توفيتهم لهم على الصورة ~~المذكورة، ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا تقريعا من الله عز وجل للكافرين ~~حيهم وميتهم، وأن يصح أن تكون في موضع رفع على تقدير والحكم أن، ويصح أن ~~تكون في موضع خفض عطفا على ما في قوله بما قدمت، وقال مكي والزهراوي: ويصح ~~أن تكون في موضع نصب بإسقاط الباء تقديره «وبأن» ، فلما حذفت الباء حصلت في ~~موضع نصب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير متجه ولا بين إلا أن تنصب بإضمار فعل، ~~وقوله كدأب آل فرعون الآية، الدأب: العادة في كلام العرب، ومنه قول امرئ ~~القيس: [الطويل] # كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها ms1519 أم الرباب بمأسل # ويروى كدينك، ومنه قول خراش بن زهير العامري: # فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت ... هوازن وارفضت سليم وعامر # وهو مأخوذ من دأب على العمل إذا لزمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لصاحب الجمل الذي هش إليه وأقبل نحوه وقد ذل ودمعت عيناه: إنه شكا ~~إلي أنك تجيعه وتدئبه فكأن العادة دؤوب ما، وقال جابر بن زيد وعامر الشعبي ~~ومجاهد وعطاء: المعنى كسنن آل فرعون، ويحتمل أن يراد كعادة آل فرعون ~~وغيرهم، فتكون عادة الأمم بجملتها لا على انفراد أمة، إذ آل فرعون لم ~~يكفروا وأهلكوا مرارا بل لكل أمة مرة واحدة، ويحتمل أن يكون المراد كعادة ~~الله فيهم، فأضاف العادة إليهم إذ لهم نسبة إليها يضاف المصدر إلى الفاعل ~~وإلى المفعول، والكاف من قوله كدأب يجوز أن يتعلق بقوله وذوقوا وفيه بعد، ~~والكاف على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن تتعلق بقوله قدمت ~~أيديكم وموضعها أيضا على هذا نصب كما تقدم، ويجوز أن يكون معنى الكلام ~~الأمر مثل دأب آل فرعون فتكون الكاف في PageV02P540 # موضع خبر الابتداء، وقوله فأخذهم معناه أهلكهم وأتى عليهم بقرينة قوله ~~بذنوبهم ثم ابتدأ الإخبار بقوة الله تعالى وشدة عقابه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 53 الى 56] # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن ~~الله سميع عليم (53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) إن شر الدواب ~~عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم ~~في كل مرة وهم لا يتقون (56) # ذلك في موضع رفع على خبر الابتداء تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، ويحتمل ~~أن يكون التقدير وجب ذلك، والباء باء السبب، وقوله لم يك مغيرا جزم ب لم ~~وجزمه بحذف النون، والأصل يكون فإذا دخلت لم جاء لم يكن، ثم قالوا «لم يك ~~مغيرا» كأنهم قصدوا التخفيف فتوهموا دخول «لم» على يكن ms1520 فحذفت النون للجزم، ~~وحسن ذلك فيها لمشابهتها حروف اللين التي تحذف للجزم كما قالوا لم أبال، ثم ~~قالوا لم أبل فتوهموا دخول لم على أبال؟ ومعنى هذه الآية الإخبار بأن الله ~~عز وجل إذا أنعم على قوم نعمة فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغيرها وتكديرها ~~حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم التي تراد وتحسن منهم، فإذا فعلوا ذلك ~~وتلبسوا بالتكسب للمعاصي أو الكفر الذي يوجب عقابهم غير الله نعمته عليهم ~~بنقمته منهم، ومثال هذا نعمة الله على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فكفروا ما كان يجب أن يكونوا عليه، فغير الله تلك النعمة بأن نقلها إلى ~~غيرهم من الأنصار وأحل بهم عقوبته. # وقوله وأن عطف على الأولى، وسميع عليم أي لكل وبكل ما يقع من الناس في ~~تغيير ما بأنفسهم لا يخفى عليه من ذلك سر ولا جهر، وقوله كدأب آل فرعون ~~الآية، الكاف من كدأب في هذه الآية متعلقة بقوله حتى يغيروا، وهذا التكرير ~~هو لمعنى ليس للأول، إذ الأول دأب في أن هلكوا لما كفروا، وهذا الثاني دأب ~~في أن لم تغير نعمتهم حتى غيروا ما بأنفسهم، وقد ذكرنا متعلقات الكاف في ~~الآية الأولى، والإشارة بقوله الذين من قبلهم إلى قوم هود وصالح ونوح وشعيب ~~وغيرهم، وقوله تعالى: # إن شر الدواب إلى يتقون المعنى المقصود تفضيل الدواب الذميمة كالخنزير ~~والكلب العقور على الكافرين الذين حتم عليهم بأنهم لا يؤمنون، وهذا الذي ~~يقتضيه اللفظ، وأما الكافر الذي يؤمن فيما يستأنفه من عمره فليس بشر ~~الدواب، وقوله الذين عاهدت منهم يحتمل أن يريد أن الموصوف ب شر الدواب هم ~~الذين لا يؤمنون المعاهدون من الكفار فكانوا شر الدواب على هذا بثلاثة ~~أوصاف: الكفر والموافاة عليه والمعاهدة مع النقض، والذين على هذا بدل البعض ~~من الكل، ويحتمل أن يريد بقوله الذين عاهدت الذين الأولى، فتكون بدل الشيء ~~من الشيء وهما لعين واحدة، والمعنى على هذا الذين عاهدت فرقة أو طائفة ~~منهم، ثم ابتدأ يصف حال المعاهدين بقوله: ثم ينقضون ms1521 عهدهم في كل مرة، PageV02P541 # والمعاهدة في هذه الآية المسالمة وترك الحرب، وأجمع المتأولون أن الآية ~~نزلت في بني قريظة، وهي بعد تعم كل من اتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة، ~~ومن قال إن المراد ب الدواب الناس فقول لا يستوفي المذمة، ولا مرية في أن ~~الدواب تعم الناس وسائر الحيوان، وفي تعميم اللفظة في هذه الآية استيفاء ~~المذمة، وقوله في كل مرة يقتضي أن الغدر قد كان وقع منهم وتكرر ذلك، وحديث ~~قريظة هو أنهم عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ألا يحاربوه ولا ~~يعينوا عليه عدوا من غيرهم، فلما اجتمعت الأحزاب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة غلب على ظن بني قريظة أن النبي صلى الله عليه وسلم، مغلوب ~~ومستأصل، وخدع حيي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة ~~وعهدهم، فغدروا ووالوا قريشا وأمدوهم بالسلاح والأدراع، فلما انجلت تلك ~~الحال عن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره الله بالخروج إليهم وحربهم ~~فاستنزلوا، وضربت أعناقهم بحكم سعد بن معاذ، واستيعاب القصة في سيرة ابن ~~هشام، وإنما اقتضبت منها ما يخص تفسير الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 57 الى 59] # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن ~~من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا يحسبن ~~الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) # دخلت النون مع «إما» تأكيدا ولتفرق بينها وبين إما التي هي حرف انفصال في ~~قولك جاءني إما زيد وإما عمرو «وتثقفهم» معناه وتحصلهم في ثقافك أو تلقاهم ~~بحال ضعف تقدر عليهم فيها وتغلبهم، وهذا لازم من اللفظ لقوله في الحرب، ~~وقيل ثقف أخذ بسرعة ومن ذلك قولهم: رجل ثقف لقف، وقال بعض الناس معناه ~~تصادفنهم إلى نحو هذا من الأقوال التي لا ترتبط في المعنى، وذلك أن المصادف ~~يغلب فيمكن التشريد به، وقد لا يغلب، والثقاف في اللغة ما تشد به القناة ~~ونحوها، ومنه قول الشاعر: [البسيط] # إن قناتي لنبع ما ms1522 يؤيسها ... عض الثقاف ولا دهن ولا نار # وقال آخر: [البسيط] # تدعو قعينا وقد عض الحديد بها ... عض الثقاف على صم الأنابيب # وقوله فشرد معناه طرد وخوف وأبعده عن مثل فعلهم، والشريد المبعد عن وطن ~~أو نحوه، والمعنى بفعل تفعله بهم من قتل أو نحوه يكون تخويفا لمن خلفهم أي ~~لمن يأتي بعدهم بمثل ما أتوا به، وسواء كان معاصرا لهم أم لا، وما تقدم ~~الشيء فهو بين يديه وما تأخر عنه فهو خلفه، فمعنى الآية فإن أسرت هؤلاء ~~الناقضين في حربك لهم فافعل بهم من النقمة ما يكون تشريدا لمن يأتي خلفهم ~~في مثل طريقتهم، والضمير في لعلهم عائد على الفرقة المشردة، وقال ابن عباس: ~~المعنى نكل بهم من خلفهم، وقالت فرقة «شرد بهم» معناه سمع بهم، حكاه ~~الزهراوي عن أبي عبيدة، والمعنى متقارب لأن PageV02P542 # التسميع بهم في ضمن ما فسرناه أولا، وفي مصحف عبد الله «فشرذ» بالذال ~~منقوطة، وهي قراءة الأعمش ولم يحفظ شرذ في لغة العرب ولا وجه لها إلا أن ~~تكون الذال المنقوطة تبدل من الدال كما قالوا لحم خراديل وخراذيل، وقرأ أبو ~~حيوة وحكاها المهدوي عن الأعمش بخلاف عنه: «من خلفهم» بكسر الميم من قوله ~~من وخفض الفاء من قوله خلفهم والترجي في قوله لعلهم بحسب البشر، ويذكرون ~~معناه يتعظون. # وقوله تعالى: وإما تخافن الآية قال أكثر المؤلفين في التفسير: إن هذه ~~الآية هي من بني قريظة، وحكاه الطبري عن مجاهد، والذي يظهر من ألفاظ القرآن ~~أن أمر بني قريظة قد انقضى عند قوله فشرد بهم من خلفهم ثم ابتدأ تبارك ~~وتعالى في هذه الآية بأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة إلى ~~سالف الدهر، وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته فترتب فيهم هذه ~~الآية وإنما كانت خيانتهم ظاهرة مشتهرة، فهذه الآية هي عندي فيمن يستقبل ~~حاله من سائر الناس غير بني قريظة، وخوف الخيانة بأن تبدو جنادع الشر من ~~قبل المعاهدين وتتصل عنهم أقوال وتتحسس من تلقائهم مبادئ الغدر، ms1523 فتلك ~~المبادئ معلومة والخيانة التي هي غايتهم مخوفة لا متيقنة، وحينئذ ينبذ ~~إليهم على سواء، فإن التزموا السلم على ما يجب وإلا حوربوا، وبنو قريظة ~~نبذوا العهد مرتين، وقال يحيى بن سلام: تخاف في هذه الآية بمعنى تعلم. # قال القاضي أبو محمد: وليس كذلك، وقوله خيانة يقتضي حصول عهد لأن من ليس ~~بينك وبينه عهد فليست محاربته لك خيانة، فأمر الله تعالى نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إذا أحس من أهل عهد ما ذكرنا، وخاف خيانتهم أن يلقي إليهم ~~عهدهم، وهو النبذ ومفعول قوله فانبذ محذوف تقديره إليهم عهدهم. # قال القاضي أبو محمد: وتقتضي قوة هذا اللفظ الحض على حربهم ومناجزتهم إن ~~لم يستقيموا، وقوله على سواء قيل معناه حتى يكون الأمر في بيانه والعلم به ~~على سواء منك ومنهم، فتكونون فيه أي في استشعار الحرب سواء، وقيل معنى قوله ~~على سواء أي على معدلة أي فذلك هو العدل والاستواء في الحق، قال المهدوي: ~~معناه جهرا لا سرا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الأول، وقال الوليد بن مسلم: على سواء ~~معناه على مهل كما قال تعالى: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر [التوبة: 2] . # قال القاضي أبو محمد: واللغة تأبى هذا القول، وذكر الفراء أن المعنى انبذ ~~إليهم على اعتدال وسواء من الأمر أي بين لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ~~ولا تفجأ بحرب، بل افعل بهم مثلما فعلوا بك. # قال القاضي أبو محمد: يعني موازنة ومقايسة، وقوله تعالى: إن الله لا يحب ~~الخائنين يحتمل أن يكون طعنا على الخائنين من الذين عاهدهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويحتمل أن يريد فانبذ إليهم على سواء حتى تبعد عن الخيانة، فإن ~~الله لا يحب الخائنين فيكون النبذ على هذا التأويل لأجل أن الله لا يحب PageV02P543 # الخائنين، والسواء في كلام العرب قد يكون بمعنى العدل والمعدلة، ومنه ~~قوله تعالى: إلى كلمة سواء بيننا وبينكم [آل عمران: 64] ومنه قول الراجز: ~~[الرجز] # فاضرب ms1524 وجوه الغدر الأعداء ... حتى يجيبوك إلى السواء # وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله تعالى: في سواء الجحيم [الصافات: 55] ~~ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل] # يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد # وقوله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون قرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي «ولا تحسبن» بالتاء مخاطبة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وبكسر السين غير عاصم فإنه فتحها، والذين كفروا مفعول أول، ~~وسبقوا مفعول ثان، والمعنى فأتوا بأنفسهم وأنجوها «إنهم لا يعجزون» بكسر ~~ألف «إن» على القطع والابتداء، ويعجزون معناه مفلتون ويعجزون طالبهم، فهو ~~معدى عجز بالهمزة تقول عجز زيد وأعجزه غيره وعجزه أيضا، قال سويد: [الوافر] # وأعجزنا أبو ليلى طفيل ... صحيح الجلد من أثر السلاح # وروي أن الآية نزلت فيمن أفلت من الكفار في حرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، كقريش في بدر وغيرهم، فالمعنى لا تظنهم ناجين بل هم مدركون، وقيل ~~معناه لا يعجزون في الدنيا، وقيل المراد في الآخرة، قال أبو حاتم وقرأ ~~مجاهد وابن كثير وشبل «ولا تحسبن» بكسر التاء، وقرأ الأعرج وعاصم وخالد بن ~~الياس «تحسبن» بفتح التاء من فوق وبفتح السين، وقرأ الأعمش «ولا يحسب» بفتح ~~السين والياء من تحت وحذف النون، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو عبد الرحمن ~~وابن محيصن وعيسى «ولا يحسبن» بياء من تحت وسين مكسورة ونون مشددة، وقرأ ~~حفص عن عاصم وابن عامر وحمزة «ولا يحسبن» بالياء على الكناية عن غائب وبفتح ~~السين، فإما أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون ~~التقدير ولا يحسبن أحد، ويكون قوله الذين كفروا مفعولا أولا وسبقوا مفعولا ~~ثانيا، وإما أن يكون الذين كفروا هم الفاعلون، ويكون المفعول الأول مضمرا ~~وسبقوا مفعول ثان، وتقدير هذا الوجه ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، ~~وإما أن يكون الذين كفروا هو الفاعل وتضمر «أن» فيكون التقدير ولا يحسبن ~~الذين كفروا أن سبقوا، وتسد أن سبقوا مسد المفعولين، قال الفارسي: ويكون ~~هذا كما تأوله ms1525 سيبويه في قوله عز وجل قال أفغير الله تأمروني أعبد [الزمر: ~~64] التقدير أن أعبد. # قال القاضي أبو محمد: ونحوه قول الشاعر: [الطويل] # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # قال أبو علي: وقد حذفت «أن» وهي مع صلتها في موضع الفاعل، وأنشد أحمد بن ~~يحيى في ذلك: # [الطويل] # وما راعنا إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قينا يفش بكير PageV02P544 # وقرأ ابن عامر وحده من السبعة «أنهم لا يعجزون» بفتح الألف من «أنهم» ، ~~ووجهه أن يقدر بمعنى لأنهم لا يعجزون أي لا تحسبن عليهم النجاة لأنهم لا ~~ينجون، وقرأ الجمهور «يعجزون» بسكون العين، وقرأ بعض الناس فيما ذكر أبو ~~حاتم «يعجزون» بفتح العين وشد الجيم، وقرأ ابن محيصن «يعجزون» بكسر النون ~~ومنحاها يعجزوني بإلحاق الضمير، قال الزجاج: الاختيار فتح النون ويجوز ~~كسرها على المعنى أنهم لا يعجزونني، وتحذف النون الأولى لاجتماع النونين، ~~كما قال الشاعر: [الوافر] # تراه كالثغام يعل مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني # قال القاضي أبو محمد: البيت لعمرو بن معد يكرب وقال أبو الحسن الأخفش في ~~قول متمم بن نويرة: [الكامل] # ولقد علمت ولا محالة أنني ... للحادثات فهل تريني أجزع # هذا يجوز على الاضطرار، فقال قوم حذف النون الأولى وحذفها لا يجوز لأنها ~~موضع الإعراب، وقال أبو العباس المبرد: أرى فيما كان مثل هذا حذف الثانية، ~~وهكذا كان يقول في بيت عمرو بن معديكرب، وفي مصحف عبد الله «ولا يحسب الذين ~~كفروا أنهم سبقوا أنهم لا يعجزون» ، قال أبو عمرو الداني بالياء من تحت ~~وبغير نون في يحسب. # قال القاضي أبو محمد: وذكرها الطبري بنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 60 الى 61] # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ~~إنه هو السميع العليم (61) # المخاطبة في هذه الآية لجميع المؤمنين، والضمير في قوله لهم عائد على ~~الذين ms1526 ينبذ إليهم العهد، أو على الذين لا يعجزون على تأويل من تأول ذلك في ~~الدنيا، ويحتمل أن يعيده على جميع الكفار المأمور بحربهم في ذلك الوقت ثم ~~استمرت الآية في الأمة عامة، إذ الأمر قد توجه بحرب جميع الكفار وقال عكرمة ~~مولى ابن عباس: «القوة» ذكور الخيل و «الرباط» إناثها، وهذا قول ضعيف، ~~وقالت فرقة: # القوة الرمي واحتجت بحديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» ثلاثا، ~~وقال السدي: القوة السلاح، وذهب الطبري إلى عموم اللفظة، وذكر عن مجاهد أنه ~~رئي يتجهز وعنده جوالق فقال: هذا من القوة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، والخيل والمركوب في الجملة ~~والمحمول عليه من الحيوان والسلاح كله والملابس الباهية والآلات والنفقات ~~كلها داخلة في القوة، وأمر المسلمون بإعداد ما PageV02P545 # استطاعوا من ذلك، ولما كانت الخيل هي أصل الحروب وأوزارها والتي عقد ~~الخير في نواصيها وهي أقوى القوة وحصون الفرسان خصها الله بالذكر تشريفا ~~على نحو قوله من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] ~~وعلى نحو قوله فاكهة ونخل ورمان [الرحمن: 68] وهذا كثير، ونحوه قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، هذا في البخاري ~~وغيره، وقال في صحيح مسلم «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» ، فذكرت ~~التراب على جهة التحفي به إذ هو أعظم أجزاء الأرض مع دخوله في عموم الحديث ~~الآخر، ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحرب وأنكاه في العدو ~~وأقربه تناولا للأرواح خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر والتنبيه ~~عليها، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى يدخل ~~بالسهم الواحد الثلاثة من المسلمين الجنة، صانعه والذي يحتسب في صنعته ~~والذي يرمي به» وقال عمرو بن عنبسة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله أصاب العدو أو أخطأ فهو كعتق رقبة» وقال ms1527 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن ~~تركبوا» . ورباط الخيل جمع ربط ككلب وكلاب، ولا يكثر ربطها إلا وهي كثيرة، ~~ويجوز أن يكون الرباط مصدرا من ربط كصاح صياحا ونحوه لأن مصادر الثلاثي غير ~~المزيد لا تنقاس، وإن جعلناه مصدرا من رابط فكأن ارتباط الخيل واتخاذها ~~يفعله كل واحد لفعل آخر له فترابط المؤمنون بعضهم بعضا. فإذا ربط كل واحد ~~منهم فرسا لأجل صاحبه فقد حصل بينهم رباط، وذلك الذي حض في الآية عليه، وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: «من ارتبط فرسا في سبيل الله فهو كالباسط يده ~~بالصدقة لا يقبضها» ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقرأ الحسن وعمرو بن ~~دينار وأبو حيوة «ومن ربط» بضم الراء والباء وهو جمع رباط ككتاب وكتب، كذا ~~نصه المفسرون وفي جمعه وهو مصدر غير مختلف نظر وترهبون معناه تفزعون ~~وتخوفون، والرهبة الخوف، قال طفيل الغنوي: [البسيط] # ويل أم حي دفعتم في نحورهم ... بني كلاب غداة الرعب والرهب # ومنه راهب النصارى، يقال رهب إذا خاف، ف ترهبون معدى بالهمزة، وقرأ الحسن ~~ويعقوب «ترهبون» بفتح الراء وشد الهاء معدى بالتضعيف، ورويت عن أبي عمرو بن ~~العلاء، قال أبو حاتم: وزعم عمرو أن الحسن قرأ «يرهبون» بالياء من تحت ~~وخففها، فهو على هذا المعدى بالتضعيف، وقرأ ابن عباس وعكرمة «تخزون به عدو ~~الله» . # قال القاضي أبو محمد: ذكرها الطبري تفسيرا لا قراءة، وأثبتها أبو عمرو ~~الداني قراءة، وقوله عدو الله وعدوكم ذكر الصفتين وإن كانت متقاربة إذ هي ~~متغايرة المنحى، وبذكرهما يتقوى الذم وتتضح وجوه بغضنا لهم، وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي «عدوا لله» بتنوين عدو وبلام في المكتوبة، والمراد بهاتين ~~الصفتين من قرب وصاقب من الكفار وكانت عداوته متحركة بعد، ويجوز أن يراد ~~بها جميع الكفار ويبين هذا من اختلافهم في قوله وآخرين من دونهم الآية، قال ~~مجاهد الإشارة بقوله وآخرين إلى قريظة، وقال السدي: إلى أهل فارس، وقال ابن ~~زيد: الإشارة إلى المنافقين، وقالت فرقة: الإشارة ms1528 إلى الجن، وقالت فرقة: هم ~~كل عدو للمسلمين غير الفرقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرد بهم ~~من خلفهم. PageV02P546 # قال القاضي أبو محمد: وهذا الخلاف إنما ينبغي أن يترتب على ما يتوجه من ~~المعنى في قوله لا تعلمونهم فإذا حملنا قوله لا تعلمونهم على عمومه ونفينا ~~علم المؤمنين بهذه الفرقة المشار إليها جملة واحدة وكان العلم بمعنى ~~المعرفة لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد لم يثبت من الخلاف في قوله آخرين إلا ~~قول من قال الإشارة إلى المنافقين وقول من قال: الإشارة إلى الجن، وإذا ~~جعلنا قوله لا تعلمونهم محاربين أو نحو هذا مما تفيد به نفي العلم عنهم ~~حسنت الأقوال، وكان العلم متعديا إلى مفعولين. # قال القاضي أبو محمد: هذا الوجه أشبه عندي، ورجح الطبري أن الإشارة إلى ~~الجن وأسند في ذلك ما روي من أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشيطان لا يدخل ~~دارا فيها فرس الجهاد ونحو هذا، وفيه على احتماله نظر، وكان الأهم في هذه ~~الآيات أن يبرز معناها في كل ما يقوي المسلمين على عدوهم من الإنس وهم ~~المحاربون والذين يدافعون على الكفر ورهبتهم من المسلمين هي النافعة ~~للإسلام وأهله، ورهبة الجن وفزعهم لا غناء له في ظهور الإسلام، بل هو تابع ~~لظهور الإسلام وهو أجنبي جدا والأولى أن يتأول المسلمين إذا ظهروا وعزوا ~~هابهم من جاورهم من العدو المحارب لهم، فإذا اتصلت حالهم تلك بمن بعد من ~~الكفار داخلته الهيبة وإن لم يقصد المسلمون إرهابهم فأولئك هم الآخرون، ~~ويحسن أن يقدر قوله لا تعلمونهم بمعنى لا تعلمونهم فازعين راهبين ولا تظنون ~~ذلك بهم، والله تعالى يعلمهم بتلك الحالة، ويحسن أيضا أن تكون الإشارة إلى ~~المنافقين على جهة الطعن عليهم والتنبيه على سوء حالهم وليستريب بنفسه كل ~~من يعلم منها نفاقا إذا سمع الآية، ولفزعهم ورهبتهم غناء كثير في ظهور ~~الإسلام وعلوه، وقوله من دونهم بمنزلة قولك دون أن يكون هؤلاء ف «دون» في ~~كلام العرب و «من دون» يقتضي عدم المذكور ms1529 بعدها من النازلة التي هي فيها ~~القول، ومنه المثل: # وأمر دون عبيدة الوذم تفضل تعالى بعدة المؤمنين على إنفاقهم في سبيل الله ~~بأن النفقة لا بد أن توفى أي تجازى ويثاب عليها، ولزوم هذا هو في الآخرة، ~~وقد يمكن أن يجازي الله تعالى بعض المؤمنين في الدنيا مجازاة مضافة إلى ~~مجازاة الآخرة، وقوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها الآية، الضمير في ~~جنحوا هو للذين نبذ إليهم على سواء، وجنح الرجل إلى الأمر إذا مال إليه ~~وأعطى يده فيه، ومنه قيل للأضلاع جوانح لأنها مالت على الحشوة وللخباء جناح ~~وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير وقال ذو الرمة: # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنح # وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض ومنه قول النابغة: [الطويل] ~~. # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # أي موائل. وقال لبيد: [الوافر] # جنوح الهالكي على يديه ... مكبا يجتلي نقب النصال # وقرأ جمهور الناس «للسلم» بفتح السين وشدها وقرأ عاصم في رواية بكر ~~«للسلم» بكسرها وشدها PageV02P547 # وهما لغتان في المسالمة، ويقال أيضا «السلم» بفتح السين واللام ولا ~~أحفظها قراءة، وقرأ جمهور الناس «فاجنح» بفتح النون وهي لغة تميم، وقرأ ~~الأشهب العقيلي «فاجنح» وهي لغة قيس بضم النون، قال أبو الفتح وهذه القراءة ~~هي القياس، لأن فعل إذا كان غير متعد فمستقبله يفعل بضم العين أقيس قعد ~~يقعد أقيس من جلس يجلس، وعاد الضمير في لها مؤنثا إذ السلم بمعنى المسالمة ~~والهدنة، وقيل السلم مؤنثة كالحرب ذكره النحاس، وقال أبو حاتم يذكر السلم، ~~وقال قتادة والحسن بن أبي الحسن وعكرمة وابن زيد: # هذه الآية منسوخة بآيات القتال في براءة. # قال القاضي أبو محمد: وقد يحتمل ألا يترتب نسخها بها بأن يعنى بهذه من ~~تجوز مصالحته وتبقى تلك في براءة في عبدة الأوثان وإلى هذا ذهب الطبري وما ~~قالته الجماعة صحيح أيضا إذا كان الجنوح إلى سلم العرب مستقرا في صدر ~~الإسلام فنسخت ذلك آية براءة ونبذت إليهم ms1530 عهودهم، وروي عن ابن عباس أنها ~~منسوخة بقوله تعالى: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون [آل عمران: ~~139] الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد من أن يقوله ابن عباس رضي الله عنه، ~~لأن الآيتين مبينتان، وقوله وتوكل على الله أمر في ضمنه وعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 62 الى 64] # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين (64) # الضمير في قوله وإن يريدوا عائد على الكفار الذين قيل فيهم، وإن جنحوا ~~[الأنفال: 61] وقوله وإن يريدوا أن يخدعوك يريد بأن يظهروا له السلم ~~ويبطنوا الغدر والخيانة، أي فاجنح وما عليك من نياتهم الفاسدة، فإن حسبك ~~الله أي كافيك ومعطيك نصرة وإظهارا، وهذا وعد محض، وأيدك معناه قواك، ~~وبالمؤمنين يريد بالأنصار بقرينة قوله وألف بين قلوبهم الآية، وهذه إشارة ~~إلى العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في حروب بعاث فألف الله تعالى ~~قلوبهم على الإسلام وردهم متحابين في الله، وعددت هذه النعمة تأنيسا لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، أي كما لطف بك ربك أولا فكذلك يفعل آخرا، وقال ابن ~~مسعود: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله إذا تراءى المتحابان فتصافحا ~~وتضاحكا تحاتت خطاياهما، فقال له عبدة بن أبي لبابة إن هذا ليسير، فقال له ~~لا تقل ذلك فإن الله يقول لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله تمثل حسن بالآية لا أن الآية نزلت في ذلك ~~بل تظاهرت أقوال المفسرين أنها في الأوس والخزرج كما ذكرنا، ولو ذهب إلى ~~عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار وجعل التأليف ما كان من جميعهم من ~~التحاب حتى تكون ألفة الأوس والخزرج جزءا من ذلك لساغ ذلك، PageV02P548 # وكل تألف في الله فتابع لذلك التألف ms1531 الكائن في صدر الإسلام، وقد روى سهل ~~بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «المؤمن مألفة لا خير فيمن ~~لا يألف ولا يؤلف» . # قال القاضي أبو محمد: والتشابه هو سبب الألفة فمن كان من أهل الخير ألف ~~أشباهه وألفوه، وقوله تعالى: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين قال النقاش: نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، ~~وحكي عن ابن عباس أنها نزلت في الأوس والخزرج خاصة، قال ويقال إنها نزلت ~~حين أسلم عمر وكمل المسلمون أربعين، قاله ابن عمر وأنس، فهي على هذا مكية، ~~وحسبك في كلام العرب وشرعك بمعنى كافيك ويكفيك، والمحسب الكافي، وقالت ~~فرقة: معنى هذه الآية يكفيك الله ويكفيك من اتبعك من المؤمنين، ف من في هذا ~~التأويل رفع عطفا على اسم الله عز وجل، وقال عامر الشعبي وابن زيد: معنى ~~الآية حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، ف من في هذا التأويل في موضع ~~نصب عطفا على موضع الكاف، لأن موضعها نصب على المعنى ليكفيك التي سدت حسبك ~~مسدها، ويصح أن تكون من في موضع خفض بتقدير محذوف كأنه قال وحسب وهذا كقول ~~الشاعر: [المتقارب] # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا # التقدير وكل نار، وهذا الوجه من حذف المضاف مكروه بابه ضرورة الشعر، ~~ويروى البيت ونارا، ومن نحو هذا قول الشاعر: [الطويل] # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند # يروى «الضحاك» مرفوعا والضحاك منصوبا والضحاك مخفوضا فالرفع عطف على قوله ~~سيف بنية التأخير كما قال الشاعر: # عليك ورحمة الله السلام # ويكون «الضحاك» على هذا محسبا للمخاطب، والنصب عطفا على موضع الكاف من ~~قوله «حسبك» والمهند على هذا محسب للمخاطب، والضحاك على تقدير محذوف كأنه ~~قال فحسبك الضحاك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 65 الى 66] # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ms1532 ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) # قوله حرض معناه حثهم وحضهم، قال النقاش وقرئت «حرص» بالصاد غير منقوطة ~~والمعنى متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست ~~منها في شيء، وقالت فرقة من PageV02P549 # المفسرين: المعنى حرض على القتال حتى يبين لك فيمن تركه أنه حرض. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول غير ملتئم ولا لازم من اللفظ، ونحا إليه ~~الزجاج، والقتال مفترض على المؤمنين بغير هذه الآية، وإنما تضمنت هذه الآية ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بتحريضهم على أمر قد وجب عليهم من غير هذا ~~الموضع، وقوله إن يكن إلى آخر الآية في لفظ خبر ضمنه وعد بشرط لأن قوله إن ~~يكن منكم عشرون صابرون بمنزلة أن يقال إن يصبر منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه ~~الأمر بالصبر وكسرت العين من «عشرون» لأن نسبة عشرين من عشرة نسبة اثنين من ~~واحد فكما جاء أول اثنين مكسورا كسرت العين من عشرين ثم اطرد في جموع أجزاء ~~العشرة، فالمفتوح كأربعة وخمسة وسبعة فتح أول جمعه، والمكسور كستة وتسعة ~~كسر أول جمعه، هذا قول سيبويه، وذهب غيره إلى أن عشرين جمع عشر الإبل وهو ~~وردها للتسع، فلما كان في عشرة وعشرة عشر وعشر ويومان من الثالث جمع ذلك ~~على عشرين، كما قال امرؤ القيس: # ثلاثون شهرا في ثلاثة أحوال ... لما كان في الثلاثين حول # وحول وبعض الثالث وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن ~~ثبوت الواحد للعشرة كان فرضا من الله عز وجل على المؤمنين ثم لما شق ذلك ~~عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو النسخ لأنه رفع حكم مستقر بحكم آخر شرعي، ~~وفي ضمنه التخفيف، إذ هذا من نسخ الأثقل بالأخف، وذهب بعض الناس إلى أن ~~ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندب المؤمنين إليه، ثم حط ذلك حين ms1533 ثقل ~~عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين، وروي أيضا هذا عن ابن عباس، قال كثير من ~~المفسرين: وهذا تخفيف لا نسخ إذ لم يستقر لفرض العشرة حكم شرعي، قال مكي: # وإنما هو كتخفيف الفطر في السفر وهو لو صام لم يأثم وأجزأه. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولا يمتنع كون المنسوخ مباحا من أن ~~يقال نسخ، واعتبر ذلك في صدقة النجوي، وهذه الآية التخفيف فيها نسخ للثبوت ~~للعشرة، وسواء كان الثبوت للعشرة فرضا أو ندبا هو حكم شرعي على كل حال، وقد ~~ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده ~~فجائز أن يقال له نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره، وذكر في ذلك خلافا. # قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر في ذلك أن النسخ إنما يقال حينئذ على ~~الحكم الأول مقيدا لا بإطلاق واعتبر ذلك في نسخ الصلاة إلى بيت المقدس، ~~وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «إن يكن منكم مائة» في الموضعين بياء على تذكير ~~العلامة، ورواها خارجة عن نافع. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب المعنى لأن الكائن في تلك المائة إنما هم ~~رجال فذلك في الحمل على المعنى كقوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها [الأنعام: 160] إذ أمثالها حسنات، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ~~«إن تكن منكم مائة» في الموضعين على تأنيث العلامة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب اللفظ والمقصد كأنه أراد إن تكن فرقة ~~عددها مائة وقرأ أبو PageV02P550 # عمرو بالياء في صدر الآية وبالتاء في آخرها، ذهب في الأولى إلى مراعاة ~~يغلبوا وفي الثانية إلى مراعاة صابرة قال أبو حاتم: وقرأ «إن تكن» بالتاء ~~من فوق منكم «عشرون صابرون» الأعرج وجعلها كلها على «ت» . # قال القاضي أبو محمد: إلا قوله وإن يكن منكم ألف فإنه لا خلاف في الياء ~~من تحت، قوله لا يفقهون معناه لا يفهمون مراشدهم ولا مقصد قتالهم لا يريدون ~~به إلا الغلبة الدنياوية، فهم يخافون إذا صبر لهم، ومن يقاتل ليغلب أو ms1534 ~~يستشهد فيصير إلى الجنة أثبت قدما لا محالة، وروى المفضل عن عاصم «وعلم» ~~بضم العين وكسر اللام على البناء للمفعول، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وابن عامر والكسائي وابن عمرو والحسن والأعرج وابن القعقاع وقتادة وابن أبي ~~إسحاق «ضعفا» بضم الضاد وسكون العين، وقرأ عاصم وحمزة وشيبة وطلحة «ضعفا» ~~بفتح الضاد وسكون العين، وكذلك اختلافهم في سورة الروم، وقرأ عيسى بن عمر ~~«ضعفا» بضم الضاد والعين وذكره النقاش، وهي مصادر بمعنى واحد، قال أبو ~~حاتم: من ضم الضاد جاز له ضم العين وهي لغة، وحكى سيبويه الضعف والضعف ~~لغتان بمنزلة الفقر والفقر، حكى الزهراوي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ~~ضم الضاد لغة أهل الحجاز وفتحها لغة تميم ولا فرق بينهما في المعنى، وقال ~~الثعالبي في كتاب فقه اللغة له: الضعف بفتح الضاد في العقل والرأي، والضعف ~~بضمها في الجسم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ترده القراءة وذكره أبو غالب بن التياني ~~غير منسوب، وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع أيضا «ضعفاء» بالجمع كظريف وظرفاء، ~~وحكاها النقاش عن ابن عباس، وقوله والله مع الصابرين لفظ خبر في ضمنه وعد ~~وحض على الصبر، ويلحظ منه وعيد لمن لم يصبر بأنه يغلب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 69] # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~(69) # هذه الآية تتضمن عندي معاتبة من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، والمعنى ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون ~~للنبي أسرى قبل الإثخان، ولهم هو الإخبار ولذلك استمر الخطاب ب تريدون، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ولا أراد قط ~~عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، وجاء ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms1535 في الآية مشيرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العتب حين لم ينه عن ~~ذلك حين رآه من العريش، وأنكره سعد بن معاذ ولكنه صلى الله عليه وسلم شغله ~~بغت الأمر وظهور النصر فترك النهي عن الاستبقاء ولذلك بكى هو وأبو بكر حين ~~نزلت هذه الآية، ومر كثير من المفسرين على أن هذا التوبيخ إنما كان بسبب ~~إشارة من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما جمع أسرى بدر استشار فيهم أصحابه، فقال أبو ~~بكر الصديق يا رسول الله هم قرابتك ولعل الله أن يهديهم بعد إلى PageV02P551 # الإسلام ففادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم، وقال عمر بن الخطاب ~~لا يا رسول الله بل نضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر، وقال عبد الله بن رواحة ~~بل نجعلهم في واد كثير الحطب ثم نضرمه عليهم نارا، وقد كان سعد بن معاذ قال ~~وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وقد رأى الأسر لقد كان ~~الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقول أبي بكر ومال إليه، فنزلت هذه الآية مخبرة أن الأولى والأهيب على ~~سائر الكفار كان قتل أسرى بدر، قال ابن عباس نزلت هذه الآية والمسلمون ~~قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزل في الأسر فإما منا بعد وإما فداء ~~[محمد: 47] وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تكلم ~~أصحابه في الأسرى بما ذكر دخل ولم يجبهم ثم خرج، فقال: إن الله تعالى يلين ~~قلوب رجال ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر ~~مثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: ~~36] ومثل عيسى قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم [المائدة: 118] ومثلك يا عمر مثل نوح قال: رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا [نوح: 26] ومثل موسى قال: ربنا اطمس ms1536 على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم [يونس: 88] ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أنتم اليوم فلا يفلتن منهم رجل إلا بفدية أو ضرب عنق، وفي ~~هذا الحديث قال عمر: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم ~~يهو ما قلت. # قال القاضي أبو محمد: وهذه حجة على ذكر الهوى في الصلاح، وقرأت فرقة «ما ~~كان للنبي» معرفا، وقرأ جمهور الناس «لنبي» ، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وحده ~~«أن تكون» على التأنيث العلامة مراعاة للفظ الأسرى، وقرأ باقي السبعة ~~وجمهور الناس «أن يكون» بتذكير العلامة مراعاة لمعنى الأسرى، وقرأ جمهور ~~الناس والسبعة «أسرى» ، وقرأ بعض الناس «أسارى» ورواها المفضل عن عاصم، وهي ~~قراءة أبي جعفر، والقياس والباب أن يجمع أسير على أسرى، وكذلك كل فعيل ~~بمعنى مفعول وشبه به فعيل وإن لم يكن بمعنى مفعول كمريض ومرضى، إذا كانت ~~أيضا أشياء سبيل الإنسان أن يجبر عليها وتأتيه غلبة، فهو فيها بمنزلة ~~المفعول، وأما جمعه على أسارى فشبيه بكسالى في جمع كسلان وجمع أيضا كسلان ~~على كسلى تشبيها بأسرى في جمع أسير، قاله سيبويه: وهما شاذان، وقال الزجاج: ~~أسارى جمع أسرى فهو جمع الجمع، وقرأ جمهور الناس «يثخن» بسكون الثاء، وقرأ ~~أبو جعفر ويحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب «يثخن» بفتح الثاء وشد الخاء، ومعناه ~~في الوجهين يبالغ في القتل، والإثخان إنما يكون في القتل والجارحة وما كان ~~منها، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال تريدون عرض ~~الدنيا أي مالها الذي يعن ويعرض، والمراد ما أخذ من الأسرى من الأموال، ~~والله يريد الآخرة أي عمل الآخرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ~~وقرأ ابن جماز «الآخرة» بالخفض على تقدير المضاف، وينظر ذلك لقول الشاعر: ~~[المتقارب] # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا # على تقدير وكل نار، وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال للناس: إن شئتم PageV02P552 # أخذتم فداء الأسرى ويقتل منكم في ms1537 الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم قتلوا ~~وسلمتم، فقالوا نأخذ المال ويستشهد منا سبعون، وذكر عبد بن حميد بسنده أن ~~جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا. # قال القاضي أبو محمد: وعلى الروايتين فالأمر في هذا التخيير من عند الله ~~فإنه إعلام بغيب، وإذا خيروا فكيف يقع التوبيخ بعد بقوله تعالى: لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم والذي أقول في هذا إن العتب لأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله ما كان لنبي إلى قوله عظيم إنما هو على استبقاء الرجال وقت ~~الهزيمة رغبة في أخذ المال منهم وجميع العتب إذا نظر فإنما هو للناس، وهناك ~~كان عمر يقتل ويحض على القتل ولا يرى الاستبقاء، وحينئذ قال سعد بن معاذ: ~~الإثخان أحب إلي من استبقاء الرجال، وبذلك جعلهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ناجيين من عذاب أن لو نزل، ومما يدل على حرص بعضهم على المال قول ~~المقداد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط: ~~أسيري يا رسول الله، وقول مصعب أين عمير للذي يأسر أخاه شد يدك عليه فإن له ~~أما موسرة إلى غير ذلك من قصصهم، فلما تحصل الأسرى وسيقوا إلى المدينة ~~وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة والمن في أبي عزة ~~وغيره، وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله تعالى فاستشار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حينئذ، فمر عمر رضي الله عنه على أول رأيه في القتل، ~~ورأى أبو بكر رضي الله عنه المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء، ومال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر، وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير، ~~فلم ينزل على شيء من هذا عتب، وذكر المفسرون أن الآية نزلت بسبب هذه ~~المشورة والآراء، وذلك معترض بما ذكرته، وكذلك ذكروا في هذه الآيات تحليل ~~المغانم لهذه الأمة ولا أقول ذلك، لأن حكم الله تعالى بتحليل المغنم لهذه ~~الأمة قد كان تقدم قبل بدر ms1538 وذلك في السرية التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي ~~وإنما المبتدع في بدر استبقاء الرجال لأجل المال، والذي من الله به فيها ~~إلحاق فدية الكافر بالمغانم التي قد تقدم تحليلها، ووجه ما قال المفسرون أن ~~الناس خيروا في أمرين، أحدهما غير جيد على جهة الاختبار لهم، فاختاروا ~~المفضول فوقع العتب، ولم يكن تخييرا في مستويين، وهذا كما أتي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بإناءين فاختار الفاضل، وعزيز حكيم صفتان ~~من قبل الآية لأن بالعزة والحكمة يتم مراده على الكمال والتوفية، وقال أبو ~~عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عند ما يؤخذون، والأسارى هم ~~الموثقون ربطا. # قال القاضي أبو محمد: وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب، وقد ذكره أيضا ~~أبو الحسن الأخفش، وقال: العرب لا تعرف هذا وكلاهما عندهم سواء، وقوله ~~تعالى: لولا كتاب من الله سبق الآية، قالت فرقة: الكتاب السابق هو القرآن، ~~والمعنى لولا الكتاب الذي سبق فآمنتم به وصدقتم لمسكم العذاب لأخذكم هذه ~~المفاداة، وقال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن أيضا وابن زيد: الكتاب السابق ~~هو مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم أو تأخر، وقال الحسن وابن عباس ~~وأبو هريرة وغيرهم: الكتاب هو ما كان الله قضاه في الأزل من إحلال الغنائم ~~والفداء لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وكانت في سائر الأمم محرمة، وقالت ~~فرقة: الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب معينا، وقالت فرقة: ~~الكتاب هو PageV02P553 # أن الله عز وجل قضى أن لا يعاقب أحدا بذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف ~~تعارضه مواضع من الشريعة، وذكر الطبري عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن ~~أبي طالب أن الكتاب السابق هو أن لا يعذب أحدا بذنب إلا بعد النهي عنه ولم ~~يكونوا نهوا بعد، وقالت فرقة: الكتاب السابق هو ما قضاه الله من محو ~~الصغائر باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ ~~وأنه يعمها، ونكب عن تخصيص معنى دون معنى، واللام ms1539 في لمسكم جواب لولا، ~~وكتاب رفع بالابتداء والخبر محذوف، وهكذا حال الاسم الذي بعد لولا، وتقديره ~~عند سيبويه لولا كتاب سابق من الله تدارككم، وما من قوله فيما يراد بها إما ~~الأسرى وإما الفداء، وهي موصولة، وفي أخذتم ضمير عائد عليها، ويحتمل أن ~~تكون مصدرية فلا تحتاج إلى العائد، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: لو نزل في هذا الأمر عذاب لنجا منه عمر بن الخطاب، وفي حديث آخر وسعد ~~بن معاذ، وذلك أن رأيهما كان أن يقتل الأسرى، وقوله تعالى: فكلوا مما غنمتم ~~الآية، نص على إباحة المال الذي أخذ من الأسرى وإلحاق له بالغنيمة التي كان ~~تقدم تحليلها، قوله حلالا طيبا حال في قوله، ويصح أن يكونا من الضمير الذي ~~في غنمتم ويحتمل أن يكون حلالا مفعولا ب «كلوا» ، واتقوا الله معناه في ~~التشرع حسب إرادة البشر وشهوته في نازلة، أخرى، وجاء قوله واتقوا الله ~~اعتراضا فصيحا في أثناء الكلام، لأن قوله إن الله غفور رحيم هو متصل ~~بالمعنى بقوله فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 70 الى 71] # يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا خيانتك ~~فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) # روي أن الأسرى ببدر أعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لهم ميل ~~إلى الإسلام وأنهم يؤملونه وأنهم إن فدوا ورجعوا إلى قومهم التزموا جلبهم ~~إلى الإسلام وسعوا في ذلك ونحو هذا الغرض، ففي ذلك نزلت هذه الآية، وقال ~~ابن عباس الأسرى في هذه الآية عباس وأصحابه، قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم آمنا بما جئت به ونشهد إنك لرسول الله لننصحن لك على قومنا فنزلت هذه ~~الآية، وقرأ جمهور الناس: «من الأسرى» وقرأ أبو عمرو وحده من السبعة «من ~~الأسارى» وهي قراءة أبي جعفر وقتادة ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق، واختلف ms1540 ~~عن الحسن بن أبي الحسن وعن الجحدري وقرأ ابن محيصن «من لسرى» بالإدغام، ~~ومعنى الكلام إن كان هذا عن جد منكم وعلم الله من نفوسكم الخير والإسلام ~~سيجبر عليكم أفضل مما أعطيتم فدية وسيغفر لكم جميع ما اجترحتموه، وقرأ ~~الأعمش «يثيبكم خيرا» ، وقرأ جمهور الناس «أخذ» بضم الهمزة وكسر الخاء، ~~وقرأ شيبة بن نصاح وأبو حيوة «أخذ» بفتحها، وروي أن أسرى بدر افتدوا ~~بأربعين أوقية أربعين أوقية إلا العباس فإنه افتدي بمائة أوقية. # قال القاضي أبو محمد: والأوقية أربعون درهما، وقال قتادة فادوهم بأربعة ~~آلاف أربعة آلاف، وقال PageV02P554 # عبيدة السلماني كان فداء أسرى بدر مائة أوقية، والأوقية أربعون درهما، ~~ومن الدنانير ستة دنانير، وروي أن العباس بن عبد المطلب قال: في وفي أصحابي ~~نزلت هذه الآية، وقال حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال ~~البحرين ما قدر أن يقل، هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو أن يغفر الله لي ~~وأسند الطبري أيضا إلى العباس أنه قال في نزلت حين أعلمت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني ~~قبل المفاداة فأبى وقال ذلك فيء فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر ~~بمالي، وروي عن العباس أنه قال: ما أود أن هذه الآية لم تنزل ولي الدنيا ~~بأجمعها، وذلك أن الله قد آتاني مما أخذ مني وأنا أرجو أن يغفر لي، وقوله ~~تعالى: وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله الآية، قول أمر أن يقوله للأسرى ~~ويورد معناه عليهم، والمعنى إن أخلصوا فعل بهم كذا وإن أبطنوا خيانة ما ~~رغبوا أن يؤتمنوا عليه من العهد فلا يسرهم ذلك ولا يسكنوا إليه، فإن الله ~~بالمرصاد لهم الذي خانوه قبل بكفرهم وتركهم النظر في آياته وهو قد بينها ~~لهم إدراكا يحصلونها به فصار كعهد متقرر، فجعل جزاؤهم على خيانتهم إياه أن ~~مكن منهم المؤمنين وجعلهم أسرى في أيديهم، وقوله عليم حكيم صفتان مناسبتان، ~~أي عليم بما يبطنونه من إخلاص أو خيانة حكيم ms1541 فيما يجازيهم به. # قال القاضي أبو محمد: وأما تفسير هذه الآية بقصة عبد الله بن أبي سرح ~~فينبغي أن يحرر، فإن جلبت قصة عبد الله بن أبي سرح على أنها مثال كما يمكن ~~أن تجلب أمثلة في عصرنا من ذلك فحسن، وإن جلبت على أن الآية نزلت في ذلك ~~فخطأ، لأن ابن أبي سرح إنما تبين أمره في يوم فتح مكة، وهذه الآية نزلت ~~عقيب بدر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : آية 72] # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) # مقصد هذه الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين ~~الذين لم يهاجروا، والكفار والمهاجرين بعد الحديبية، وذكر نسب بعضهم من ~~بعض، فقدم أولا ذكر المهاجرين وهم أصل الإسلام، وانظر تقديم عمر لهم في ~~الاستشارة و «هاجر» معناه أهله وقرابته وهجروه، وجاهدوا معناه أجهدوا ~~أنفسهم في حرب من أجهد نفسه في حربهم، والذين آووا ونصروا هم الأنصار وآوى ~~معناه هيأ مأوى وهو الملجأ والحرز، فحكم الله على هاتين الطائفتين بأن ~~بعضهم أولياء بعض، فقال كثير من المفسرين هذه الموالاة هي المؤازرة ~~والمعاونة واتصال الأيدي، وعليه فسر الطبري الآية، وهذا الذي قالوا لازم من ~~دلالة اللفظ، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وكثير منهم إن هذه الموالاة هي ~~في الميراث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، ~~وكانت بين الأنصار أخوة النسب وكانت أيضا بين PageV02P555 # بعض المهاجرين فكان المهاجري إذا مات ولم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ~~ورثه أخوه الأنصاري، وإن كان له ولي مسلم لم يهاجر، وكان المسلم الذي لم ~~يهاجر لا ولاية بينه وبين قريبه المهاجري لا يرثه، قال ابن زيد: واستمر ~~أمرهم كذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بعد ذلك لما لم تكن هجرة. # قال القاضي أبو محمد: ms1542 فذهبت هذه الفرقة إلى أن هذا هو مقصد الآية، ومن ~~ذهب إلى أنها في التآزر والتعاون فإنما يحمل نفي الله تعالى ولايتهم عن ~~المسلمين على أنها صفة الحال لا أن الله حكم بأن لا ولاية بين المهاجرين ~~وبينهم جملة، وذلك أن حالهم إذا كانوا متباعدي الأقطار تقتضي أن بعضهم إن ~~حزبه حازب لا يجد الآخر ولا ينتفع به فعلى هذه الجهة نفي الولاية، وعلى ~~التأويلين ففي الآية حض للأعراب على الهجرة، قاله الحسن بن أبي الحسن، ومن ~~رأى الولاية في الموارثة فهو حكم من الله ينفي الولاية في الموارثة، قالوا: ~~ونسخ ذلك قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض [الأنفال: 75] ، وقرأ ~~جمهور السبعة والناس «ولايتهم» بفتح الواو والولاية أيضا بالفتح، وقرأ ~~الكسائي «ولايتهم» بفتح الواو والولاية بكسر الواو، وقرأ الأعمش وابن وثاب ~~«ولايتهم» والولاية بكسر الواو وهي قراءة حمزة، قال أبو علي والفتح أجود ~~لأنها في الدين، قال أبو الحسن الأخفش والكسر فيها لغة وليست بذلك ولحن ~~الأصمعي والأعمش وأخطأ عليه لأنها إذا كانت لغة فلم يلحن. # قال القاضي أبو محمد: لا سيما ولا يظن به إلا أنه رواها، قال أبو عبيدة: ~~الولاية بالكسر هي من وليت الأمر إليه فهي في السلطان، والولاية هي من ~~المولى، يقال مولى بين الولاية بفتح الواو، وقوله وإن استنصروكم يعني إن ~~استدعى هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا نصركم على قوم من الكفرة فواجب ~~عليكم نصرهم إلا إن استنصروكم على قوم كفار قد عاهدتموهم أنتم وواثقتموهم ~~على ترك الحرب فلا تنصروهم عليهم لأن ذلك عذر ونقض للميثاق وترك لحفظ العهد ~~والوفاء به، والقراءة «فعليكم النصر» برفع الراء، ويجوز «فعليكم النصر» على ~~الإغراء، ولا أحفظه قراءة، وقرأ جمهور الناس «والله بما تعملون» على مخاطبة ~~المؤمنين، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والأعرج «بما يعملون» بالياء على ذكر ~~الغائب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنفال (8) : الآيات 73 الى 75] # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~(73) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ms1543 آووا ونصروا أولئك ~~هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن ~~الله بكل شيء عليم (75) # هذا حكم بأن الكفار ولايتهم واحدة، وذلك بجمع الموارثة والمعاونة ~~والنصرة، وهذه العبارة ترغيب وإقامة للنفوس، كما تقول لمن تريد أن يستطلع: ~~عدوك مجتهد، أي فاجتهد أنت، وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن قتادة أنه ~~قال: أبى الله أن يقبل إيمان من آمن ولم يهاجر، وذلك في صدر الإسلام، PageV02P556 # وذلك أيضا مذكور مستوعب في تفسير قوله عز وجل: إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا [النساء: 97] ~~. # والذي يظهر من الشرع أن حكم المؤمن التارك للهجرة مع علمه بوجوبها حكم ~~العاصي لا حكم الكافر، وقوله تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~[النساء: 97] إنما هي فيمن قتل مع الكفار، وفيهم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنا بريء من مسلم أقام بين المشركين لا تراءى نارهما الحديث على ~~اختلاف ألفاظه وقول قتادة إنما هو فيمن كان يقوم متربصا يقول من غلب كنت ~~معه، وكذلك ذكر في كتاب الطبري والكشي، والضمير في قوله إلا تفعلوه قيل هو ~~عائد على الموارثة والتزامها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا تقع الفتنة عنه إلا عن بعد وبوساطة كثيرة، ~~وقيل هو عائد على المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وهذا تقع الفتنة عنه ~~عن قرب فهو آكد من الأول، ويظهر أيضا عوده على حفظ العهد والميثاق الذي ~~يتضمنه إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق [الأنفال: 72] وهذا إن لم يفعل فهي ~~الفتنة نفسها، ويظهر أن يعود الضمير على النصر للمسلمين المستنصرين في ~~الدين، ويجوز أن يعود الضمير مجملا على جميع ما ذكر، والفتنة المحنة بالحرب ~~وما أنجز معها من الغارات والجلاء والأسر، و «الفساد الكبير» ظهور الشرك، ~~وقرأ جمهور الناس «كبير» بالباء المنقوطة واحدة، وقرأ ms1544 أبو موسى الحجازي عن ~~الكسائي بالثاء منقوطة مثلثة وروى أبو حاتم المدني أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قرأ «وفساد عريض» ، وقرأت فرقة «والذين كفروا بعضهم أولى ببعض» ، ~~وقوله تعالى: والذين آمنوا وهاجروا الآية، آية تضمنت تخصيص المهاجرين ~~والأنصار وتشريفهم بهذا الوصف العظيم، وحقا نصب على المصدر المؤكد لما ~~قبله، ووصف الرزق بالكريم معناه أنه لا يستحيل نجوا، والمراد به طعام ~~الجنة، كما ذكر الطبري وغيره ولازم اللفظ نفي المذمات عنه، وما ذكروه فهو ~~في ضمن ذلك، وقوله من بعد يريد به من بعد الحديبية وبيعة الرضوان، وذلك أن ~~الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهجرة ~~الثانية، لأن الحرب وضعت أوزارها نحو عامين، ثم كان فتح مكة وبه قال صلى ~~الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح، وقال الطبري: المعنى من بعد ما بينت لكم ~~حكم الولاية. # قال القاضي أبو محمد: فكان الحاجز بين الهجرتين نزول الآية، فأخبر الله ~~تعالى في هذه الآية بأنهم من الأولين في المؤازرة وسائر أحكام الإسلام، ~~وقوله تعالى: وجاهدوا معكم لفظ يقتضي أنهم تبع لا صدر، وقوله فأولئك منكم ~~كذلك، ونحوه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مولى القوم منهم وابن أخت ~~القوم منهم» ، وقوله وأولوا الأرحام إلى آخر السورة، قال من تقدم ذكره هي ~~في المواريث وهي ناسخة للحكم المتقدم ذكره من أن يرث المهاجري الأنصاري، ~~ووجب بهذه الآية الأخيرة أن يرث الرجل قريبه وإن لم يكن مهاجرا معه، وقالت ~~فرقة منها مالك بن أنس رحمه الله: إن الآية ليست في المواريث، وهذا فرار عن ~~توريث الخال والعمة ونحو ذلك، وقالت فرقة: هي في المواريث إلا أنها نسخت ~~بآية المواريث المبينة، وقوله في كتاب الله، معناه القرآن أي ذلك مثبت في ~~كتاب الله، وقيل المعنى في كتاب الله السابق في اللوح المحفوظ، وعليم صفة ~~مناسبة لنفوذ هذه الأحكام، كمل تفسير سورة الأنفال. PageV02P557 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التوبة # تفسير سورة براءة: هذه السورة مدنية إلا ms1545 آيتين: لقد جاءكم رسول [التوبة: ~~128] إلى آخرها، وتسمى سورة التوبة # ، فاله حذيفة وغيره، وتسمى الفاضحة قاله ابن عباس، وتسمى الحافرة لأنها ~~حفرت عن قلوب المنافقين، قال ابن عباس مازال ينزل ومنهم ومنهم حتى ظن أنه ~~لا يبقى أحد، وقال حذيفة: هي سورة العذاب، قال ابن عمر كنا ندعوها ~~المفشفشة، قال الحارث بن يزيد: كانت تدعى المبعثرة ويقال لها المثيرة، ~~ويقال لها البحوث، وقال أبو مالك الغفاري: أول آية نزلت من براءة انفروا ~~خفافا وثقالا [التوبة: 41] وقال سعيد بن جبير: كانت براءة مثل سورة البقرة ~~في الطول، واختلف لم سقط سطر بسم الله الرحمن الرحيم من أولها، فقال عثمان ~~بن عفان أشبهت معانيها معاني الأنفال وكانت تدعى القرينتين في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بسم الله الرحمن ~~الرحيم ووضعتها في السبع الطول، وقال علي بن أبي طالب لابن عباس رضي الله ~~عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم أمان وبشارة، وبراءة نزلت بالسيف ونبذ ~~العهود فلذلك لم تبدأ بالأمان. # قال القاضي أبو محمد: ويعزى هذا القول للمبرد وهو لعلي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه، وهذا كما يبدأ المخاطب الغاضب أما بعد، دون تقريظ ولا استفتاح ~~بتبجيل، وروي أن كتبة المصحف في مدة عثمان اختلفوا في الأنفال وبراءة، هل ~~هي سورة واحدة أو هما سورتان؟ فتركوا فصلا بينهما مراعاة لقول من قال هما ~~سورتان ولم يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم مراعاة لقول من قال منهم هما ~~واحدة فرضي جميعهم بذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول يضعفه النظر أن يختلف في كتاب الله ~~هكذا، وروي عن أبي بن كعب أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمرنا بوضع بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة، ولم يأمرنا في هذا ~~بشيء فلذلك لم نضعه نحن، وروي عن مالك أنه قال: بلغنا أنها كانت نحو سورة ~~البقرة ثم نسخ ورفع كثير منها وفيه البسملة، فلم يروا بعد أن يضعوه في غير ~~موضعه، وسورة براءة من ms1546 آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى ~~عمران بن جدير أن أعرابيا سمع سورة براءة فقال أظن هذه من آخر ما أنزل الله ~~على رسوله، فقيل له لم تقول ذلك؟ فقال أرى أشياء تنقص وعهودا تنبذ. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 3] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) وأذان ~~من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ~~فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم (3) PageV03P003 # براءة رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الآيات براءة، ويصح أن ترتفع ~~بالابتداء والخبر في قوله: إلى الذين وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة ~~فتعرفت تعريفا ما، وجاز الإخبار عنها، وقرأ عيسى بن عمر «براءة» بالنصب على ~~تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء، وبراءة معناها تخلص وتبرؤ من ~~العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض، تقول برئت إليك من كذا، ~~فبرىء الله تعالى ورسوله بهذه الآية إلى الكفار من تلك العهود التي كانت ~~ونقضها الكفار، وقرأ أهل نجران «من الله» بكسر النون من «من» ، وهذه الآية ~~حكم من الله عز وجل بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم أو تحسس من جهتهم نقض، ~~ولما كان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لازما لأمته حسن أن يقول عاهدتم ~~قال ابن إسحاق وغيره من العلماء: كانت العرب قد وافقها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عهدا عاما على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو ذلك من ~~الموادعات، فنقض ذلك بهذه الآية وأجل لجميعهم أربعة أشهر، فمن كان له مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة الأشهر بلغ به ~~تمامها، ومن كان أمده أكثر من أربعة أشهر أتم له عهده، ms1547 إلا إن كان ممن تحسس ~~منه نقض فإنه قصر على أربعة أشهر، ومن لم يكن له عهد خاص فرضت له الأربعة ~~الأشهر «يسيح فيها» في الأرض أي يذهب مسرحا آمنا كالسيح من الماء وهو ~~الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد: [السريع] # لو خفت هذا منك ما نلتني ... حتى نرى خيلا أمامي تسيح # وهذا ينبىء عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشعر من الكفار نقضا ~~وتربصا به إلا من الطائفة المستثناة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ~~الأشهر الأربعة شوال وحينئذ نزلت الآية، وانقضاؤها عند انسلاخ الأشهر الحرم ~~وهو انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوما فكان أجل من له عهد أربعة ~~أشهر من يوم نزول الآية، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان. # قال القاضي أبو محمد: اعترض هذا بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ويحتمل ~~أن البراءة قد كانت سمعت من أول شوال، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج ~~الأكبر، وقال السدي وغيره: بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع ~~الآخر، وهي الحرم استعير لها الاسم بهذه الحرمة والأمن الخاص الذي رسمه ~~الله وألزمه فيها، وهي أجل الجميع ممن له عهد وتحسس منه نقض وممن لا عهد ~~له، وقال الضحاك وغيره من العلماء: كان من العرب من لا عهد بينه وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جملة، وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم ~~النقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا، فقوله فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر هو أجل ضربه لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه، وأول هذا ~~الأجل PageV03P004 # يوم الأذان وآخره انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر، وقوله فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين، هو حكم مباين للأول حكم به في المشركين ~~الذين لا عهد لهم البتة، فجاء أجل تأمينهم خمسين يوما أولها يوم الأذان ~~وآخرها انقضاء المحرم، وقوله إلى الذين عاهدتم، يريد به الذين لهم عهد ولم ~~ينقضوا ولا تحسس منهم نقض، ms1548 وهم فيما روي بنو ضمرة من كنانة عاهد لهم المخش ~~بن خويلد وكان تبقى من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر: وحكى الطبري عن فرقة ~~أنها قالت: إنما أجل الله أربعة أشهر من كان عهده ينصرم عند انقضائها أو ~~قبله، والمعنى فقل لهم يا محمد سيحوا، وأما من كان له عهد يتمادى بعد ~~الأربعة الأشهر فهم الذين أمر الله لهم بالوفاء، وقوله واعلموا أنكم غير ~~معجزي الله، معناه واعلموا أنكم لا تفلتون الله ولا تعجزونه هربا من عقابه، ~~ثم أعلمهم بحكمه بخزي الكافرين، وذلك حتم إما في الدنيا وإما في الآخرة. ~~وقوله تعالى: وأذان من الله ورسوله إلى الناس الآية، وأذان معناه إعلام ~~وإشهار، والناس هاهنا عام في جميع الخلق، ويوم منصوب على الظرف والعامل فيه ~~أذان وإن كان قد وصف فإن رائحة الفعل باقية، وهي عاملة في الظروف، وقيل لا ~~يجوز ذلك إذ قد وصف المصدر فزالت عنه قوة الفعل، ويصح أن يعمل فيه فعل مضمر ~~تقتضيه الألفاظ، وقيل العامل فيه صفة الأذان وقيل العامل فيه مخزي. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، ويوم الحج الأكبر قال عمر وابن عمر وابن ~~المسيب وغيرهم: هو يوم عرفة، وقال به علي، وروي عنه أيضا أنه يوم النحر، ~~وروي ذلك عن أبي هريرة وجماعة غيرهم، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال منذر بن سعيد وغيره: كان الناس يوم عرفة مفترقين إذ كانت الحمس ~~تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى، فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر ~~أي من الأصغر الذي هم فيه مفترقون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا زال في حجة أبي بكر لأنه لم يقف أحد ~~بالمزدلفة، وقد ذكر المهدوي أن الحمس ومن اتبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة ~~أبي بكر، والذي تظاهرت به الأحاديث في هذا المعنى أن عليا رضي الله عنه أذن ~~بتلك الآية يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر، ثم رأى أنه لم يعلم الناس بالإسماع ~~فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر ms1549 من يعينه ~~بالأذان بها كأبي هريرة وغيره، وتتبعوا بها أيضا أسواق العرب كذي المجاز ~~وغيره، فمن هنا يترجح قول سفيان إن يوم في هذه الآية بمعنى أيام، بسبب ذلك ~~قالت طائفة يوم الحج الأكبر عرفة حيث وقع أول الأذان وقالت طائفة أخرى: هو ~~يوم النحر حيث وقع إكمال الأذان، واحتجوا أيضا بأنه من فاته الوقوف يوم ~~عرفة فإنه يجزيه الوقوف ليلة النحر، فليس يوم عرفة على هذا يوم الحج ~~الأكبر. # قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذا، وقال سفيان بن عيينة: المراد أيام ~~الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل يريد جميع أيامه، وقال مجاهد يوم ~~الحج الأكبر أيام منى كلها، ومجامع المشركين حيث كانوا بذي المجاز وعكاظ ~~حين نودي فيهم ألا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كما قال عثمان لعمر حين عرض عليه زواج حفصة: ~~إني قد رأيت ألا PageV03P005 # أتزوج يومي هذا، وكما ذكر سيبويه: تقول لرجل: ما شغلك اليوم؟ وأنت تريد ~~في أيامك هذه، واختلف لم وصف بالأكبر؟ فقال الحسن بن أبي الحسن وعبد الله ~~بن الحارث بن نوفل لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون وصادف أيضا عيد ~~اليهود والنصارى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف أن يصفه الله في كتابه بالكبر لهذا، وقال ~~الحسن أيضا: إنما سمي أكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول الذي يشبه نظر الحسن، وبيانه أن ذلك ~~اليوم كان المفتتح بالحق وإمارة الإسلام بتقديم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونبذت فيه العهود وعز فيه الدين وذل الشرك، ولم يكن ذلك في عام ثمان ~~حين ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج عتاب بن أسيد كان أمر العرب على ~~أوله، فكل حج بعد حج أبي بكر فمتركب عليه فحقه لهذا أن يسمى أكبر، وقال ~~عطاء بن أبي رباح وغيره: الحج أكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهي العمرة، ~~وقال الشعبي: بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنها ms1550 الحج الأصغر، وقال مجاهد: ~~الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وهذا ليس من هذه الآية في شيء، وقد ~~تقدم ما ذكره منذر بن سعيد، ويتجه أن يوصف بالأكبر على جهة المدح لا بإضافة ~~إلى أصغر معين، بل يكون المعنى الأكبر من سائر الأيام فتأمله، واختصار ما ~~تحتاج إليه هذه الآية على ما ذكر مجاهد وغيره من صورة تلك الحال، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة سنة ثمان، فاستعمل عليها عتاب بن أسيد ~~وقضى أمر حنين والطائف وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خرج إلى تبوك، ثم ~~انصرف من تبوك في رمضان سنة تسع فأراد الحج ثم نظر في أن المشركين يحجون في ~~تلك السنة ويطوفون عراة فقال لا أريد أن أرى ذلك، فأمر أبا بكر على الحج ~~بالناس وأنفذه، ثم أتبعه علي بن أبي طالب على ناقته العضباء، وأمره أن يؤذن ~~في الناس بأربعة أشياء، وهي: # لا يحج بعد العام مشرك، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وفي بعض الروايات ~~ولا يدخل الجنة كافر، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، وفي بعض الروايات، ومن كان بينه وبين ~~رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها، فإذا انقضت ف أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله. # قال القاضي أبو محمد: وأقول: إنهم كانوا ينادون بهذا كله، فهذا للذين لهم ~~عهد وتحسس منهم نقضه، والإبقاء إلى المدة لمن لم يخبر منه نقض، وذكر الطبري ~~أن العرب قالت يومئذ: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، ~~فلام بعضهم بعضا وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ # فأسلموا كلهم ولم يسح أحد. # قال القاضي أبو محمد: وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد أمر عليا أن يقرأ على الناس الأربعين آية صدر ~~سورة براءة وقيل ثلاثين، وقيل عشرين، وفي بعض الروايات عشر آيات، وفي بعضها ~~تسع آيات، ذكرها النقاش، ms1551 وقال سليمان بن موسى الشامي ثمان وعشرون آية، فلحق ~~علي أبا بكر في الطريق فقال له أبو بكر أمير أو مأمور، فقال بل مأمور فنهضا ~~حتى بلغا PageV03P006 # الموسم، فلما خطب أبو بكر بعرفة: قال: قم يا علي، فأد رسالة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقام علي ففعل، قال ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم ~~يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر، وقرأ جمهور الناس ~~«أن الله بريء» بفتح الألف على تقدير بأن الله، وقرأ الحسن والأعرج: «إن ~~الله» بكسر الألف على القطع، إذ الأذان في معنى القول، وقرأ جمهور الناس ~~«ورسوله» بالرفع على الابتداء وحذف الخبر «ورسوله بريء منهم» ، هذا هو عند ~~شيخنا الفقيه الأستاذ أبي الحسن بن الباذش رحمه الله معنى العطف على ~~الموضع، أي تؤنس بالجملة الأولى التي هي من ابتداء وخبر فعطفت عليها هذه ~~الجملة، وقيل هو معطوف على موضع المكتوبة قبل دخول «أن» التي لا تغير معنى ~~الابتداء بل تؤكده وإذ قد قرئت بالكسر لأنه لا يعطف على موضع «أن» بالفتح، ~~وانظره فإنه مختلف في جوازه، لأن حكم «أن» رفع حكم الابتداء إلا في هذا ~~الموضع وما أشبهه، وهذا قول أبي العباس وأبي علي رحمهما الله، ومذهب ~~الأستاذ على مقتضى كلام سيبويه أن لا موضع لما دخلت عليه «أن» إذ هو معرب ~~قد ظهر فيه عمل العامل ولأنه لا فرق بين «أن» وبين ليت ولعل، والإجماع أن ~~لا موضع لما دخلت عليه هذه وقيل عطف على الضمير المرفوع الذي في «بريء» ، ~~وحسن ذلك أن المجرور قام مقام التوكيد، كما قامت «لا» في قوله تعالى: ما ~~أشركنا ولا آباؤنا [الأنعام: 148] وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر «رسوله» ~~بالنصب عطفا على لفظ المكتوبة، وبهذه الآية امتحن معاوية أبا الأسود حتى ~~وضع النحو إذ جعل قارئا يقرأ بخفض «ورسوله» ، والمعنى في هذه الآية بريء من ~~عهودهم وأديانهم براءة عامة تقتضي المحارجة وإعمال السيف، وقوله فإن تبتم ~~أي عن الكفر ووعدهم مع شرط التوبة ms1552 وتوعدهم مع شرط التولي، وجاز أن تدخل ~~البشارة في المكروه لما جاء مصرحا به مرفوع الاشكال. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 4 الى 5] # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ~~فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) # هذا هو الاستثناء الذي تقدم ذكره في المشركين الذين بقي من عهدهم تسعة ~~أشهر وكانوا قد وفوا بالعهد على ما يجب، وقال قتادة: هم قريش الذين عوهدوا ~~زمن الحديبية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود بإسلام قريش في الفتح قبل الأذان بهذا ~~كله، وقال ابن عباس: # قوله إلى مدتهم إلى الأربعة الأشهر التي في الآية، وقرأ الجمهور ~~«ينقصوكم» بالصاد غير منقوطة، وقرأ عطاء بن يسار وعكرمة وابن السميفع ~~«ينقضوكم» بالضاد من النقض وهي متمكنة مع العهد ولكنها قلقة في تعديها إلى ~~الضمير، ويحسن ذلك أن النقض نقض وفاء وحق للمعاهد، وكذلك تعدى «أتموا» ب ~~«إلى» لما PageV03P007 # كان العهد في معنى ما يؤدى ويبرأ به وكأنهم يقتضون العهد، ويظاهروا معناه ~~يعاونوا، والضمير المعين، وأصله من الظهر كان هذا يسند ظهره إلى الآخر ~~والآخر كذلك وقوله إن الله يحب المتقين تنبيه على أن الوفاء بالعهد من ~~التقوى، وقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم الآية، الانسلاخ خروج الشيء ~~عن الشيء المتلبس به كانسلاخ الشاة عن الجلد والرجل عن الثياب، ومنه قوله ~~تعالى: نسلخ منه النهار [يس: 37] فشبه انصرام الأشهر أسمائها وأحكامها من ~~الزمن بذلك، وقد تقدم القول فيمن جعل له انقضاء الأشهر الحرم أجلا وما ~~المعنى ب الأشهر الحرم بما أغنى عن إعادته، وقوله فاقتلوا المشركين، أمر ~~بقتال المشركين فخرج الأمر بذلك بلفظ اقتلوا على جهة التشجيع وتقوية النفس، ~~أي هكذا يكون أمركم معهم، وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو مهادنة ~~وما جرى مجرى ذلك وهي على ما ms1553 ذكر مائة آية وأربع عشرة آية، وقال الضحاك ~~والسدي وعطاء: هذه الآية منسوخة بقوله فإما منا بعد وإما فداء [محمد: 47] ~~وقالوا لا يجوز قتل أسير البتة صبرا إما أن يمن عليه وإما أن يفادى، وقال ~~قتادة ومجاهد وغيرهما: قوله فإما منا بعد وإما فداء [محمد: 47] منسوخ بهذه ~~الآية، وقالوا لا يجوز المن على أسير ولا مفاداته، ولا شيء إلا القتل، وقال ~~ابن زيد: هما محكمتان. # قال القاضي أبو محمد: ولم يفسر أكثر من هذا، وقوله هو الصواب، والآيتان ~~لا يشبه معنى واحدة، معنى الأخرى، وذلك أن هذه الآية قوله فاقتلوا المشركين ~~وخذوهم واحصروهم أفعال إنما تمتثل مع المحارب المرسل المناضل، وليس للأسير ~~فيها ذكر ولا حكم وإذا أخذ الكافر خرج عن درجات هذه الآية وانتقل إلى حكم ~~الآية الأخرى، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير، فقول ابن زيد هو ~~الصواب، وقوله خذوهم معناه الأسر، وقوله كل مرصد معناه في مواضع الغرة حيث ~~يرصدون، وقال النابغة: [الطويل] # أعاذل إن الجهل من لذة الفتى ... وإن المنايا للنفوس بمرصد # ونصب كل على الظرف، وهو اختيار الزجاج، أو بإسقاط الخافض التقدير في كل ~~مرصد، أو على كل مرصد، وحكى سيبوية ضرب الظهر والبطن، وقوله تعالى: فإن ~~تابوا يريد من الكفر فهي متضمنة الإيمان، ثم قرن بها إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة تنبيها على مكان الصلاة والزكاة من الشرع، وقوله فخلوا سبيلهم ~~تأمين، وقال أنس بن مالك: هذا هو دين الله الذي جاءت به الرسل وهو من آخر ~~ما نزل قبل اختلاف الأهواء، وفيه قال النبيء صلى الله عليه وسلم: «من فارق ~~الدنيا مخلصا لله تعالى مطيعا له لقي الله وهو عنه راض» ، ثم وعد بالمغفرة ~~في صيغة الخبر عن أوصافه تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 6 الى 7] # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا ms1554 لكم فاستقيموا لهم إن ~~الله يحب المتقين (7) # أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بعد الأمر بقتال المشركين ~~بأن يكون متى طلب PageV03P008 # مشرك عهدا يأمن به يسمع القرآن ويرى حال الإسلام أن يعطيه ذلك، وهي ~~الإجارة وهو من الجوار، ثم أمر بتبليغه المأمن إذا لم يرض الإسلام ولم يهد ~~إليه، قال الحسن: هي محكمة سنة إلى يوم القيامة، وقال مجاهد وقال الضحاك ~~والسدي: هذا منسوخ بقوله فاقتلوا المشركين [التوبة: 5] ، وقال غيرهما: هذه ~~الآية إنما كان حكمها مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلا، وقوله ~~سبحانه: حتى يسمع كلام الله يعني القرآن وهي إضافة صفة إلى موصوف لا إضافة ~~خلق إلى خالق، والمعنى ويفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فذكر السماع بالأذان ~~إذ هو الطريق إلى الفهم وقد يجيء السماع في كلام العرب مستعملا بمعنى الفهم ~~كما تقول لمن خاطبته فلم يقبل منك أنت لم تسمع قولي تريد لم تفهمه، وذلك في ~~كتاب الله تعالى في عدة مواضع، وأحد في هذه الآية مرتفع بفعل يفسره قوله ~~استجارك ويضعف فيه الابتداء لولاية الفعل، لأن قوله تعالى: ذلك إشارة إلى ~~هذا اللطف في الإجارة والإسماع وتبليغ المأمن ولا يعلمون نفي علمهم ~~بمراشدهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى كيف يكون للمشركين ~~عهد عند الله. # الآية لفظ استفهام وهو على جهة التعجب والاستبعاد، أي على أي وجه يكون ~~للمشركين عهد وهم قد نقضوا وجاهروا بالتعدي ثم استثنى من عموم المشركين ~~القوم الذين عوهدوا عند المسجد الحرام أي في ناحيته وجهته، وقال ابن عباس ~~فيما روي عنه: المعني بهذا قريش، وقال السدي: المعني بنو خزيمة بن الديل، ~~وقال ابن إسحاق: هي قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة التي ~~كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فلم يكن نقض إلا قريش ~~وبنو الديل من بني بكر فأمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض، وقال ~~قوم: المعني خزاعة قاله مجاهد وهو مردود بإسلام خزاعة عام الفتح، ms1555 وقال بعض ~~من قال إنهم قريش إن هذه الآية نزلت فلم يستقيموا بل نقضوا فنزل تأجيلهم ~~أربعة أشهر بعد ذلك، وحكى الطبري هذا القول عن ابن زيد وهو ضعيف متناقض، ~~لأن قريشا وقت الأذان بالأربعة الأشهر لم يكن منهم إلا مسلم، وذلك بعد فتح ~~مكة بسنة وكذلك خزاعة، قاله الطبري وغيره، وقوله إن الله يحب المتقين يريد ~~به الموفين بالعهد من المؤمنين، فلذلك جاء بلفظ مغترق الوفاء بالعهد متضمن ~~الإيمان. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 8 الى 10] # كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله ~~إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم ~~المعتدون (10) # بعد كيف في هذه الآية فعل مقدر ولا بد، يدل عليه ما تقدم، فيحسن أن يقدر ~~كيف يكون لهم عهد ونحوه قول الشاعر: [الطويل] # وخير تماني إنما الموت في القرى ... فكيف وهاتا هضبة وكثيب # وفي كيف هنا تأكيد للاستبعاد الذي في الأولى، ولا يرقبوا معناه لا يراعوا ~~ولا يحافظوا وأصل PageV03P009 # الارتقاب بالبصر، ومنه الرقيب في الميسر وغيره، ثم قيل لكل من حافظ على ~~شيء وراعاه راقبه وارتقبه، وقرأ جمهور الناس «إلا» وقرأ عكرمة مولى ابن ~~عباس بياء بعد الهمزة خفيفة اللام «إيلا» ، وقرأت فرقة «ألا» بفتح الهمزة، ~~فأما من قرأ «إلا» فيجوز أن يراد به الله عز وجل قاله مجاهد وأبو مجلز، وهو ~~اسمه بالسريانية، ومن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع كلام ~~مسيلمة فقال هذا كلام لم يخرج من إل، ويجوز أن يراد به العهد والعرب تقول ~~للعهد والخلق والجوار ونحو هذه المعاني إلا، ومنه قول أبي جهل: # [الطويل] # لإل علينا واجب لا نضيعه ... متين فواه غير منتكث الحبل # ويجوز أن يراد به القرابة، فإن القرابة في لغة العرب يقال له إل، ومنه ~~قول ابن مقبل: [الرمل] # أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإل وأعراق الرحم # أنشده أبو ms1556 عبيدة على القرابة، وظاهره أنه في العهود، ومنه قول حسان: ~~[الوافر] # لعمرك أن إلك في قريش ... كإل السقب من رال النعام # وأما من قرأ «ألا» بفتح الهمزة فهو مصدر من فعل للإل الذي هو العهد، ومن ~~قرأ «إيلا» فيجوز أن يراد به الله عز وجل، فإنه يقال أل وأيل، وفي البخاري ~~قال جبر، وميك، وسراف: عبد بالسريانية، وأيل الله عز وجل، ويجوز أن يريد ~~إلا المتقدم فأبدل من أحد المثلين ياء كما فعلوا ذلك في قولهم أما وأيما، ~~ومنه قول سعد بن قرط يهجو أمه: [البسيط] # يا ليت أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنة أيما إلى نار # ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحي وأما بالعشي فيخصر # وقال آخر: [الرجز] # لا تفسدوا آبا لكم ... أيما لنا أيما لكم # قال أبو الفتح ويجوز أن يكون مأخوذا من آل يؤول إذا ساس. # قال القاضي أبو محمد: كما قال عمر بن الخطاب: قد ألنا وإيل علينا فكان ~~المعنى على هذا لا يرقبون فيكم سياسة ولا مداراة ولا ذمة، وقلبت الواو ياء ~~لسكونها والكسرة قبلها، و «الذمة» أيضا بمعنى المتات والحلف والجوار، ونحوه ~~قول الأصمعي الذمة كل ما يجب أن يحفظ ويحمى، ومن رأى الإل أنه العهد جعلها ~~لفظتين مختلفتين لمعنى واحد أو متقارب، ومن رأى الإل لغير ذلك فهما لفظان ~~لمعنيين، وتأبى قلوبهم معناه تأبى أن تذعن لما يقولونه بالألسنة، وأبى يأبى ~~شاذ لا يحفظ فعل يفعل بفتح العين في الماضي والمستقبل، وقد حكي ركن يركن، ~~وقوله وأكثرهم يريد به الكل أو يريد استثناء من قضى له بالإيمان كل ذلك ~~محتمل، وقوله تعالى: اشتروا بآيات الله الآية اللازم من ألفاظ هذه الآية أن ~~هذه PageV03P010 # الطائفة الكافرة الموصوفة بما تقدم لما تركت آيات الله ودينه وآثرت الكفر ~~وحالها في بلادها كل ذلك كالشراء والبيع، لما كان ترك قد مكنوا منه وأخذ ~~لما يمكن نبذه، وهذه نزعة مالك رحمه الله في منع اختيار المشتري فيما تختلف ~~آحاد جنسه ms1557 ولا يجوز التفاضل فيه، وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة وقوله ~~فصدوا عن سبيله يريد صدوا أنفسهم وغيرهم، ثم حكم عليهم بأن عملهم سيء، وساء ~~في هذه الآية إذ لم يذكر مفعولها يحتمل أن تكون مضمنة كبئس، فأما إذا قلت ~~ساءني فعل زيد فليس تضمين بوجه، وإن قدرت في هذه الآية مفعولا زال التضمين، ~~وروي أن أبا سفيان بن حرب جمع بعض العرب على طعام وندبهم إلى وجه من وجوه ~~النقض فأجابوا إلى ذلك فنزلت الآية، وقال بعض الناس: هذه في اليهود. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول وإن كانت ألفاظ هذه الآية تقتضيه فما ~~قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به، وقوله تعالى: لا ~~يرقبون الآية، وصف لهذه الطائفة المشترية يضعف ما ذهب إليه من قال إن قوله ~~اشتروا بآيات الله هو في اليهود، وقوله تعالى: في مؤمن إعلام بأن عداوتهم ~~إنما هي بحسب الإيمان فقط، وقوله أولا فيكم كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك ~~للإحن التي وقعت فزال هذا الاحتمال بقوله في مؤمن، ثم وصفهم تعالى ~~بالاعتداء والبداءة بالنقض للعهود والتعمق في الباطل. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 11 الى 12] # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (11) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) # تابوا رجعوا عن حالهم، والتوبة منهم تتضمن الإيمان، ثم قرن تعالى ~~بإيمانهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء ~~أهل القبلة، وقال ابن زيد: قرن الله الصلاة بالزكاة ولم يرض بإحداهما دون ~~الأخرى. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا مر أبو بكر رضي الله عنه وقت الردة، و ~~«الأخوة في الدين» هي أخوة الإسلام وجمع الأخ منها إخوان وجمعه من النسب ~~إخوة قاله بعض اللغويين، وقد قيل إن الأخ من النسب يجمع على إخوان أيضا ~~وذلك ظاهر من قوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ms1558 بيوتكم أو بيوت ~~آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم [النور: 61] ويبين ~~ذلك قوله تعالى في آخر الآية أو صديقكم [النور: 61] وكذلك قوله في هذه ~~السورة قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم [التوبة: 24] ، فأما ~~الأخ من التواد ففي كتاب الله إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] ، وقال أبو ~~هريرة في البخاري كان إخوتي من المهاجرين يشغلهم صفق بالأسواق فيصح من هذا ~~كله أن الأخ يجمع إخوة وإخوانا سواء كان من نسب أو مودة، وتفصيل الآية ~~بيانها وإيضاحها، وقوله تعالى: وإن نكثوا أيمانهم الآية النكث النقض وأصله ~~في كل ما قبل ثم حل، فهي في الأيمان والعهود مستعارة، وقوله PageV03P011 # وطعنوا في دينكم أي بالاستنقاص والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك، وهذه ~~استعارة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة: إن تطعنوا في ~~إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، الحديث. # قال القاضي أبو محمد: ويليق هنا ذكر شيء من طعن الذمي في الدين فالمشهور ~~من مذهب مالك رحمه أنه: إذا فعل شيئا من ذلك مثل تكذيب الشريعة وسب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ونحوه قتل، وقيل إذا كفر وأعلن بما هو معهود من معتقده ~~وكفره أدب على الإعلان وترك، وإذا كفر بما ليس من معهود كفره كالسب ونحوه ~~قتل، وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يستتاب، واختلف إذا سب الذمي النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم أسلم تقية القتل فالمشهور من المذهب أن يترك، وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم «الإسلام يجب ما قبله» ، وفي العتبية أنه يقتل ولا يكون ~~أحسن حالا من المسلم، وقوله تعالى فقاتلوا أئمة الكفر أي رؤوسهم وأعيانهم ~~الذين يقودون الناس إليه، وقال قتادة: المراد بهذا أبو جهل بن هشام وعتبة ~~بن ربيعة وغيرهما. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إن لم يتأول أنه ذكرهم على جهة المثال ضعيف ~~لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير، وروي عن حذيفة أنه قال: لم يجىء هؤلاء بعد. # قال القاضي أبو محمد: يريد أن ينقرضوا فهم ms1559 يحيون أبدا ويقتلون، وأصوب ما ~~في هذا أن يقال إنه لا يعنى بها معين، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين ~~بالعهود من الكفرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال كفار العرب ~~ومحاربي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الإشارة إليهم أولا بقوله ~~أئمة الكفر وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة إذ الذي يتولى قتال النبي والدفع في ~~صدر شريعته هو إمام كل من يكفر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل ~~جيل من الكفار أئمة خاصة بجيل جيل، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «أيمة» ~~بهمزة واحدة وبعدها ياء مكسورة، وقد روي عن نافع مد الهمزة، وروى عنه ابن ~~أبي أويس «أأمة» بهمزتين وأصلها «أأمة» وزنها أفعلة جمع إمام كعماد وأعمدة، ~~نقلت حركة الميم إلى الهمزة التي هي فاء الفعل وأدغمت الميم الأخرى وقلبت ~~الهمزة ياء لانكسارها ولاجتماع همزتين من كلمة واحدة، وقرأ عاصم وابن عامر ~~وحمزة والكسائي «أأمة» والتعليل واحد، إلا أنهم لم يقلبوا الهمزة ياء، وقرأ ~~المسيبي عن نافع «آئمة» بهمزة ممدودة، وقرأ هشام عن أبي عامر بمدة بين ~~الهمزتين، وقرأ الناس الجم الغفير لا «أيمان لهم» على جمع يمين، وليس ~~المراد نفي الأيمان جملة، وإنما المعنى لا أيمان لهم يوفى بها ويبر، وهذا ~~المعنى يشبه الآية، وقرأ الحسن وعطاء وابن عامر وحده من السبعة «لا إيمان ~~لهم» ، وهذا يحتمل وجهين أحدهما لا تصديق، قال أبو علي وهذا غير قوي لأنه ~~تكرير وذلك أنه وصف أئمة الكفر بأنهم «لا إيمان لهم» فالوجه في كسر الألف ~~أنه مصدر من آمنه إيمانا، ومنه قوله تعالى: آمنهم من خوف [قريش: 4] فالمعنى ~~أنهم لا يؤمنون كما يؤمن أهل الذمة الكتابيون، إذ المشركون لم يكن لهم إلا ~~الإسلام أو السيف، قال أبو حاتم فسر الحسن قراءته لا إسلام لهم. # قال القاضي أبو محمد: والتكرير الذي فر أبو علي منه متجه لأنه بيان المهم ~~الذي يوجب قتلهم لا إسلام لهم. PageV03P012 # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 13 الى 15] # ألا ms1560 تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ~~ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) # قوله ألا تقاتلون عرض وتحضيض، وقوله وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول ~~مرة، قال الحسن بن أبي الحسن: المراد من المدينة، وهذا مستقيم كغزوة أحد ~~والأحزاب وغيرهما، وقال السدي: # المراد من مكة فهذا على أن يكون المعنى هموا وفعلوا، أو على أن يقال هموا ~~بإخراجه بأيديهم فلم يصلوا إلى ذلك بل خرج بأمر الله عز وجل، وهذا يجري مع ~~إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث قوله: [الطويل] # وردني إلى الله من ... طردته كل مطرد # ولا ينسب الإخراج إليهم إلا إذا كان الكلام في طريق تذنيبهم كما قال ~~تعالى: وإخراج أهله منه أكبر عند الله [البقرة: 127] وقوله: من قريتك التي ~~أخرجتك [محمد: 13] والأول هو على أن ما فعلوا به من أسباب الإخراج هو ~~الإخراج، وقوله أول مرة قيل يراد أفعالهم بمكة بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وبالمؤمنين، وقال مجاهد: يراد به ما بدأت به قريش من معونة بني بكر حلفائهم ~~على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا بدء النقض، وقال ~~الطبري: يعني فعلهم يوم بدر، وقوله أتخشونهم استفهام على معنى التقرير ~~والتوبيخ، وقوله فالله مرتفع بالابتداء وأحق خبره، وأن تخشوه بدل من اسم ~~الله بدل اشتمال أو في موضع نصب على إسقاط خافض تقديره بأن تخشوه، ويجوز أن ~~يكون «الله» ابتداء وأحق ابتداء ثان وأن تخشوه خبر الثاني والجملة خبر ~~الأول، وقوله إن كنتم مؤمنين كما تقول افعل كذا إن كنت رجلا أي رجلا كاملا، ~~فهذا معناه إن كنتم مؤمنين كاملي الإيمان، لأن إيمانهم قد كان استقر، وقوله ~~قاتلوهم يعذبهم الله الآية، قررت الآيات قبلها أفعال الكفرة ثم حضض على ~~القتال مقترنا بذنوبهم لتنبعث الحمية مع ذلك، ثم جزم الأمر بقتالهم ms1561 في هذه ~~الآية مقترنا بوعد وكيد يتضمن النصرة عليهم والظفر بهم، وقوله يعذبهم معناه ~~بالقتل والأسر وذلك كله عذاب، ويخزهم معناه يذلهم على ذنوبهم يقال خزي ~~الرجل يخزى خزيا إذا ذل من حيث وقع في عار، وأخزاه غيره وخزي خزاية إذا ~~استحيا، وأما قوله ويشف صدور قوم مؤمنين فإن الكلام يحتمل أن يريد جماعة ~~المؤمنين لأن كل ما يهد من الكفر هو شفاء من هم صدور المؤمنين، ويحتمل أن ~~يريد تخصيص قوم من المؤمنين، وروي أنهم خزاعة قاله مجاهد والسدي ووجه ~~تخصيصهم أنهم الذين نقض فيهم العهد ونالتهم الحرب وكان يومئذ في خزاعة ~~مؤمنون كثير، ويقتضي ذلك قول الخزاعي عن المستنصر بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم: [الرجز] ثمت أسلمنا فلم تنزع يدا PageV03P013 # وفي آخر الرجز: # وقتلونا ركعا وسجدا وقرأ جمهور الناس «ويذهب غيظ قلوبهم» على إسناد الفعل ~~إلى الله عز وجل، وقرأت فرقة «ويذهب غيظ قلوبهم» على إسناد الفعل إلى ~~الغيظ، وقرأ جمهور الناس «يتوب» بالرفع على القطع مما قبله، والمعنى أن ~~الآية استأنفت الخبر بأنه قد يتوب على بعض هؤلاء الكفرة الذين أمر بقتالهم، ~~قال أبو الفتح: # وهذا أمر موجود سواء قوتلوا أو لم يقاتلوا، فلا وجه لإدخال التوبة في ~~جواب الشرط الذي في قاتلوهم على قراءة النصب، وإنما الوجه الرفع على ~~الاستئناف والقطع، وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وعمرو بن عبيد ~~وأبو عمرو فيما روي عنه «ويتوب» بالنصب على تقدير وأن يتوب، ويتوجه ذلك ~~عندي إذا ذهبت إلى أن التوبة إنما يراد بها هنا أن قتل الكافرين والجهاد في ~~سبيل الله هو توبة لكم أيها المؤمنون وكمال لإيمانكم، فتدخل التوبة على هذا ~~في شرط القتال، وعليم حكيم صفتان نسبتهما إلى الآية واضحة. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 16 الى 17] # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ms1562 أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) # أم في هذه الآية ليست المعادلة، وإنما هي المتوسطة في الكلام، وهي عند ~~سيبويه التي تتضمن إضرابا عن اللفظ لا عن معناه، واستفهاما فهي تسد مسد بل ~~وألف الاستفهام، وهي التي في قولهم: «إنها لإبل أم شاء» التقدير بل أهي ~~شاء، وقوله أن تتركوا يسد عند سيبويه مسد مفعولي «حسب» ، وقال المبرد: «أن» ~~وما بعدها مفعول أول والثاني محذوف. # قال القاضي أبو محمد: كان تقديره مهملين أو سدى ونحو ذلك، وقوله ولما هي ~~دخلت على لم وفيها مبالغة، ومعنى الآية أظننتم أن تتركوا دون اختبار ~~وامتحان؟ ف لما في هذه الآية بمنزلة قول الشاعر [الفرزدق] : [الطويل] # بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت # قال القاضي أبو محمد: والمراد بقوله ولما يعلم لما يعلم ذلك موجودا كما ~~علمه أزلا بشرط الوجود ولما يظهر فعلكم واكتسابكم الذي يقع عليه الثواب ~~والعقاب ففي العبارة تجوز وإلا فحتم أنه قد علم الله في الأزل الذين وصفهم ~~بهذه الصفة مشروطا وجودهم، وليس يحدث له علم تبارك وتعالى عن ذلك، ووليجة ~~معناه بطانة ودخيلة، وقال عبادة بن صفوان الغنوي: [الطويل] # ولائجهم في كل مبدى ومحضر ... إلى كل من يرجى ومن يتخوف PageV03P014 # وهو مأخوذ من الولوج، فالمعنى أمرا باطنا مما ينكره الحق، وهذه الآية ~~مخاطبة للمؤمنين معناها أنه لا بد من اختبارهم فهي كقوله أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم [البقرة: 214] وكقوله الم ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [العنكبوت: 1- 2] وفي ~~هذه الآية طعن على المنافقين الذين اتخذوا الولائج لا سيما عند ما فرض ~~القتال، وقرأ جمهور الناس «والله خبير بما تعملون» بالتاء على المخاطبة، ~~وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رويس وسلام بالياء على الحكاية عن الغائب، ~~وقوله تعالى ما كان للمشركين الآية، معناه ما كان للمشركين بحق الواجب أن ~~يعمروا، وهذا هو الذي نفى الله عز وجل وإلا فقد عمروا مساجده قديما وحديثا ~~وتغلبا وظلما، ms1563 وقرأ حماد بن أبي سلمة عن ابن كثير والجحدري «مسجد الله» ~~بالإفراد في الموضعين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والأعرج ~~وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وقتادة وغيرهم «مساجد» بالجمع في الموضعين، وقرأ ~~ابن كثير أيضا وأبو عمرو «مسجد» بالإفراد في هذا الموضع الأول و «مساجد» ~~بالجمع في الثاني، كأنه ذكر أولا فيه النازلة ذلك الوقت، ثم عمت المساجد ~~ثانيا في الحكم الثابت ما بقيت الدنيا، ولفظ الجمع يقتضي عموم المساجد ~~كلها، ويحتمل أن يراد به المسجد الحرام في الموضعين وحده على أن يقدر كل ~~موضع سجود فيه مسجدا ثم يجمع، ولفظ الإفراد في الموضعين يقتضي خصوص المسجد ~~الحرام وحده، ويحتمل أن يراد به الجنس فيعم المساجد كلها ولا يمنع من ذلك ~~إضافته كما ذهب إليه من لا بصر له، وقال أبو علي الثاني في هذه القراءة ~~يراد به الأول وسائر المساجد كلها حكمها حكم المسجد الحرام، وقوله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر إشارة إلى حالهم إذ أقوالهم وأفعالهم تقتضي الإقرار ~~بالكفر والتحلي به، وقيل الإشارة إلى قولهم في التلبية إلا شريك هو لك ونحو ~~ذلك، وحكى الطبري عن السدي أنه قال: الإشارة إلى أن النصراني كان يقول أنا ~~نصراني واليهودي كذلك والوثني يقول أنا مشرك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لم يحفظ، ثم حكم الله تعالى عليهم بأن أعمالهم ~~حبطت أي بطلت ولا أحفظها تستعمل إلا في السعي والعمل، ويشبه أن يكون من ~~الحبط وهو داء قاتل يأخذ السائمة إذا رعت وبيلا وهو الذي في قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» الحديث. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 18 الى 19] # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) # المعنى في ms1564 هذه الآية إنما يعمر مساجد الله بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه ~~الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد، وقد قال بعض السلف إذا ~~رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به PageV03P015 # الظن، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم ~~الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا عليه بالإيمان» وقد تقدم القول في قراءة مسجد، ~~وقوله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة يتضمن الإيمان بالرسول إذ لا ~~يتلقى ذلك إلا منه، وقوله ولم يخش إلا الله حذفت الألف من «يخشى» للجزم، ~~قال سيبويه: واعلم أن الأخير إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم لئلا يكون ~~الجزم بمنزلة الرفع، ويريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، وهذه المرتبة ~~العدل بين الناس، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية ~~وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه، و «عسى» من الله واجبة حيثما ~~وقعت في القرآن، ولم يرج الله بالاهتداء إلا من حصل في هذه المرتبة العظيمة ~~من العدالة، ففي هذا حض بليغ على التقوى، وقرأ الجمهور «أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام» وقرأ ابن الزبير وأبو حمزة ومحمد بن علي وأبو جعفر ~~القاري «أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام» ، وقرأها كذلك ابن جبير ~~إلا أنه نصب «المسجد» على إرادة التنوين في «عمرة» وقرأ الضحاك وأبو وجزة ~~وأبو جعفر القاري «سقاية الحاج» بضم السين «وعمرة» ، فأما من قرأ «سقاية ~~وعمارة» ففي الكلام عنده محذوف إما في أوله وإما في آخره فإما أن يقدر ~~«أجعلتم أهل سقاية» وإما أن يقدر كفعل من آمن بالله. وأما من قرأ «سقاة» و ~~«عمرة» فنمط قراءته مستو، وأما قراءة الضحاك فجمع ساق إلا أنه ضم أوله كما ~~قالوا عرف وعراف وظئر وظؤار، وكان قياسه أن يقال سقاء وإن أنث كما أنث من ~~الجموع حجارة وغيره. فكان القياس سقية من أول مرة على التأنيث قاله ابن ~~جني، وسقاية الحاج كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها، سقية من أول مرة ~~على التأنيث قاله ابن جني، ms1565 وسقاية الحاج كانت في بني هاشم وكان العباس ~~يتولاها، قال الحسن: ولما نزلت هذه الآية قال العباس: ما أراني إلا أترك ~~السقاية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقيموا عليها فإنها لكم خير، ~~وعمارة المسجد قيل هي حفظه من الظلم فيه ويقال هجرا، وكان ذلك إلى العباس، ~~وقيل هي السدانة خدمة البيت خاصة، وكانت في بني عبد الدار وكان يتولاها ~~عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزيز بن عبد ~~الدار، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة المذكور هذان هما اللذان دفع إليهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه ~~العباس وعلي رضي الله عنهما، وقال صلى الله عليه وسلم لعثمان وشيبة: «يوم ~~وفاء وبر خذوها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم» . # قال القاضي أبو محمد: يعني السدانة واختلف الناس في سبب نزول هذه الآية ~~فقيل إن كفار قريش قالوا لليهود إنا نسقي الحجيج ونعمر البيت، أفنحن أفضل ~~أم محمد صلى الله عليه وسلم ودينه؟ فقالت لهم أحبار اليهود بل أنتم، فنزلت ~~الآية في ذلك، وقيل إن الكفار افتخروا بهذه الأشياء فنزلت الآية في ذلك، ~~وأسند الطبري إلى النعمان بن بشير أنه قال: كنت عند منبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال أحدهم ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ~~ساقي الحاج، وقال الآخر إلا أن أكون خادم البيت وعامره، وقال الثالث إلا أن ~~أكون مجاهدا في سبيل الله، فسمعهم عمر بن الخطاب فقال: اسكتوا حتى أدخل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأستفتيه فدخل عليه فاستفتاه فنزلت الآية في ذلك، ~~وقال ابن عباس والضحاك: # إن المسلمين عيروا أسرى بدر بالكفر فقال العباس بل نحن سقاة الحاج وعمرة ~~البيت فنزلت الآية في ذلك، وقال مجاهد: أمروا بالهجرة فقال العباس أنا أسقي ~~الحاج وقال عثمان بن طلحة أنا حاجب للكعبة فلا نهاجر PageV03P016 # فنزلت أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله حتى يأتي الله بأمره، وقال ms1566 مجاهد وهذا ~~كله قبل فتح مكة، وقال محمد بن كعب: إن العباس وعليا وعثمان بن طلحة ~~تفاخروا فقال العباس أنا ساقي الحاج وقال عثمان أنا عامر البيت ولو شئت بت ~~فيه وقال علي أنا صاحب جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي آمنت ~~وهاجرت قديما، فنزلت الآية في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 20 الى 23] # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) # لما حكم الله تعالى في الآية المتقدمة بأن الصنفين لا يستوون بين ذلك في ~~هذه الآية الأخيرة وأوضحه، فعدد الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس، ~~وحكم أن أهل هذه الخصال أعظم درجة عند الله من جميع الخلق، ثم حكم لهم ~~بالفوز برحمته ورضوانه، والفوز بلوغ البغية إما في نيل رغبته أو نجاة من ~~مهلكة، وينظر إلى معنى هذه الآية الحديث الذي جاء «دعوا لي أصحابي فلو أن ~~أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . # قال القاضي أبو محمد: لأن أصحاب هذه الخصال على سيوفهم انبنى الإسلام وهم ~~ردوا الناس إلى الشرع، وقوله تعالى: يبشرهم ربهم الآية، هذه آية وعد، ~~وقراءة الناس «يبشرهم» بضم الياء وكسر الشين المشددة، وقرأ الأعمش وطلحة بن ~~مصرف وحميد بن هلال «يبشرهم» بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين خفيفة، ~~وأسند الطبري إلى جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل أعطيتكم أفضل من هذا، ~~فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ قال: # رضواني» ، وفي البخاري في كتاب السنة منه «فلا أسخط عليكم أبدا» ، وقرأ ~~الجمهور «ورضوان» بكسر الراء، وقرأ عاصم وعمرو «ورضوان» بضم الراء وقرأ ~~الأعمش ms1567 بضم الراء والضاد جميعا، قال أبو حاتم لا يجوز هذا وقوله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم الآية، ظاهر هذه المخاطبة أنها لجميع ~~المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة، وروت فرقة أن هذه الآية ~~إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فالمخاطبة على هذا هي ~~للمؤمنين الذين كانوا في مكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا بأن لا يوالوا ~~الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر، ولم يذكر الأبناء في ~~هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع للآباء و «إخوان» في هذه ~~الآية جمع أخ النسب، وكذلك هو في قوله تعالى: أو بيوت إخوانكم [النور: 61] ~~وقرأ عيسى بن عمر «أن استحبوا» بفتح الألف من «أن» وقرأ الجمهور «إن» بكسر ~~الألف على الشرط، واستحبوا متضمنة معنى فضلوا PageV03P017 # وآثروا ولذلك تعدت ب «على» ، ثم حكم الله عز وجل بأن من والاهم واتبعهم ~~في أغراضهم فإنه ظالم أي واضع للشيء غير موضعه، وهذا ظلم المعصية لا ظلم ~~الكفر. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 24] # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) # هذه الآية تقوي مذهب من رأى أن هذه والتي قبلها إنما مقصودها الحض على ~~الهجرة، وفي ضمن قوله: فتربصوا وعيد بين، وقوله: بأمره قال الحسن: الإشارة ~~إلى عذاب أو عقوبة من الله، وقال مجاهد: الإشارة إلى فتح مكة، والمعنى فإذا ~~جاء الله بأمره فلم تسلبوا ما يكون لكم أجرا ومكانة في الإسلام. # قال القاضي أبو محمد: وذكر الأبناء في الآية لما جلبت ذكرهم المحبة، ~~والأبناء صدر في المحبة وليسوا كذلك في أن تتبع آراؤهم كما في الآية ~~المتقدمة، وقرأ جمهور الناس «وعشيرتكم» ، وقرأ عاصم وحده بخلاف عنه وأبو ~~رجاء وأبو عبد الرحمن وعصمة «وعشيراتكم» ، وحسن هذا الجمع إذ لكل أحد عشيرة ~~تختص به، ويحسن الإفراد ms1568 أن أبا الحسن الأخفش قال إنما تجمع العرب عشائر ولا ~~تكاد تقول عشيرات، واقترفتموها معناه اكتسبتموها، وأصل الاقتراف والمقارفة ~~مقاربة الشيء، وتجارة تخشون كسادها بين في أنواع المال، وقال ابن المبارك: ~~الإشارة إلى البنات اللواتي لا يتزوجن لا يوجد لهن خاطب، ومساكن جمع مسكن ~~بفتح الكاف مفعل من السكنى، وما كان من هذا معتل الفاء فإنما يأتي على مفعل ~~بكسر العين كموعد وموطن، والمساكن القصور والدور، وأحب خبر كان، وكان ~~الحجاج بن يوسف يقرؤها «أحب» بالرفع وله في ذلك خبر مع يحيى بن يعمر سأله ~~الحجاج هل تسمعني الجن قال نعم في هذا الحرف، وذكر له رفع أحب فنفاه. # قال القاضي أبو محمد: وذلك خارج في العربية على أن يضمر في كان الأمر ~~والشأن ولم يقرأ بذلك، وقوله والله لا يهدي القوم الفاسقين عموم لفظ يراد ~~به الخصوص فيمن يوافى على فسقه، أو عموم مطلق على أنه لا هداية من حيث ~~الفسق. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 25 الى 27] # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء ~~الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) PageV03P018 # هذه مخاطبة لجميع المؤمنين يعد الله نعمه عليهم، ومواطن جمع موطن بكسر ~~الطاء، والموطن موضع الإقامة أو الحلول لأنه أول الإقامة، و «المواطن» ~~المشار إليها بدر والخندق والنضير وقريظة، ولم يصرف مواطن لأنه جمع ونهاية ~~جمع، ويوم عطف على موضع قوله في مواطن أو على لفظة بتقدير وفي يوم، فانحذف ~~حرف الخفض، وحنين واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز وصرف حين أريد به ~~الموضع والمكان، ولو أريد به البقعة لم يصرف كما قال الشاعر [حسان رضي الله ~~عنه] : # [الكامل] # نصروا نبيهم وشدوا أزره ... بحنين يوم تواكل الأبطال # وقوله إذ أعجبتكم كثرتكم روي أن رسول الله ms1569 صلى الله عليه وسلم، قال حين ~~رأى حملته اثني عشر ألفا قال: لن نغلب اليوم من قلة، وروي أن رجلا من ~~أصحابه قالها فأراد الله إظهار العجز فظهر حين فر الناس، ثم عطف القدر ~~بنصره، وقوله وضاقت عليكم الأرض بما رحبت أي بقدر ما هي رحبة واسعة لشدة ~~الحال وصعوبتها، ف «ما» مصدرية، وقوله ثم وليتم مدبرين يريد فرار الناس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: واختصار هذه القصة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لما فتح مكة وكان في عشرة آلاف من أصحابه وانضاف إليه ألفان من ~~الطلقاء فصار في اثني عشر ألفا سمع بذلك كفار العرب فشق عليهم فجمعت له ~~هوازن وألفافها وعليهم مالك بن عوف النصري وثقيف وعليهم عبد ياليل بن عمرو ~~وانضاف إليهم أخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفا فخرج إليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى اجتمعوا بحنين، فلما تصاف الناس حمل المشركون من ~~مجاني الوادي، فانهزم المسلمون، قال قتادة: # ويقال إن الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة شهباء، وقال أبو عبد الرحمن ~~الفهري: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، يومئذ وكان على فرس قد اكتنفه ~~العباس عمه وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وبين يديه أيمن بن ~~أم أيمن، وثم قتل رحمه الله، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة ~~الحال نزل عن بغلته إلى الأرض، قاله البراء بن عازب، واستنصر الله عز وجل ~~فأخذ قبضة من تراب وحصى فرمى بها وجوه الكفار، وقال: شاهت الوجوه، وقال عبد ~~الرحمن: تطاول من فرسه فأخذ قبضة التراب ونزلت الملائكة لنصره ونادى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا للأنصار، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~العباس أن ينادي أين أصحاب الشجرة أين أصحاب سورة البقرة، فرجع الناس عنقا ~~واحدا وانهزم المشركون، قال يعلى بن عطاء: # فحدثني أبناؤهم عن آبائهم ms1570 قالوا لم يبق منا أحد إلا دخل في عينيه من ذلك ~~التراب، واستيعاب هذه القصة في كتاب السير. PageV03P019 # وظاهر كلام النحاس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في أربعة عشر ~~ألفا، وهذا غلط، ومدبرين نصب على الحال المؤكدة كقوله: وهو الحق مصدقا ~~[البقرة: 91] والمؤكدة هي التي يدل ما قبلها عليها كدلالة التولي على ~~الأدبار، وقوله تعالى: ثم أنزل الله سكينته الآية، ثم هاهنا على بابها من ~~الترتيب، و «السكينة» النصر الذي سكنت إليه ومعه النفوس والحال، والإشارة ~~بالمؤمنين إلى الأنصار على ما روي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نادى في ذلك اليوم يا معشر الأنصار، فانصرفوا وهم ردوا الهزيمة، و «الجنود» ~~الملائكة، و «الرعب» قال أبو حاجز يزيد بن عامر: كان في أجوافنا مثل ضربة ~~الحجر في الطست من الرعب، «وعذاب الذين كفروا» هو القتل الذي استحر فيهم ~~والأسر الذي تمكن في ذراريهم، وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج الناس ~~بالعيال والذراري ليقاتلوا عليها، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة، وقال لمالك ~~بن عوف راعي ضأن وهل يرد المنهزم شيء؟ وفي ذلك اليوم قتل دريد بن الصمة ~~القتلة المشهورة، قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي، ويقال ابن الدغنة ~~وقوله ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء إعلام بأن من أسلم وتاب من ~~الكفار الذين نجوا ذلك اليوم فإنهم مقبولون مسلمون موعودون بالغفران ~~والرحمة. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 28] # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم (28) # قال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: صفة المشرك بالنجس إنما كانت لأنه جنب ~~إذ غسله من الجنابة ليس بغسل، وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي ~~كنجاسة الخمر، قال الحسن البصري: من صافح مشركا فليتوضأ. # قال القاضي أبو محمد: فمن قال بسبب الجنابة أوجب الغسل على من يسلم من ~~المشركين، ومن ms1571 قال بالقول الآخر لم يوجب الغسل، والمذهب كله على القول ~~بإيجاب الغسل إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: # ليس بواجب، وقرأ أبو حيوة «نجس» بكسر النون وسكون الجيم، ونص الله تعالى ~~في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام، فقاس مالك رحمه الله غيره ~~جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم على المشركين، وقاس سائر المساجد على ~~المسجد الحرام، ومنع من دخول الجميع في جميع المساجد وكذلك كتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: في بيوت ~~أذن الله أن ترفع [النور: 36] ، وقال الشافعي هي عامة في الكفار خاصة في ~~المسجد الحرام، فأباح دخول اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد، ومن ~~حجته حديث ربط ثمامة بن أثال، وقال أبو حنيفة هي خاصة في عبدة الأوثان وفي ~~المسجد الحرام، فأباح دخول اليهود والنصارى في المسجد الحرام وغيره، ودخول ~~عبدة الأوثان في سائر المساجد، وقال عطاء: وصف المسجد بالحرام ومنع القرب ~~يقتضي منعهم من جميع الحرم. PageV03P020 # قال القاضي أبو محمد: وقوة قوله فلا يقربوا يقتضي أمر المسلمين بمنعهم، ~~وقال جابر بن عبد الله وقتادة: لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون ~~صاحب جزية أو عبدا لمسلم، وعبدة الأوثان مشركون بإجماع، واختلف في أهل ~~الكتاب، فمذهب عبد الله بن عمر وغيره أنهم مشركون، وقال جمهور أهل العلم ~~ليسوا بمشركين، وفائدة هذا الخلاف تتبين في فقه مناكحهم وذبائحهم وغير ذلك، ~~وقوله بعد عامهم هذا يريد بعد عام تسع من الهجرة وهو عام حج أبو بكر بالناس ~~وأذن علي بسورة براءة، وأما قوله وإن خفتم عيلة قال عمرو بن فائد: المعنى ~~وإذ خفتم. # قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة والمعنى بارع بإن، وكان المسلمون لما منع ~~المشركون من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات قذف الشيطان في ~~نفوسهم الخوف من الفقر وقالوا من أين نعيش؟ # فوعدهم الله بأن يغنيهم من فضله، قال الضحاك: ففتح عليهم باب أخذ الجزية ~~من أهل الذمة، بقوله قاتلوا الذين لا يؤمنون [التوبة: ms1572 29] إلى قوله وهم ~~صاغرون [التوبة: 29] ، وقال عكرمة: أغناهم بإدرار المطر عليهم. # قال القاضي أبو محمد: وأسلمت العرب فتمادى حجهم وتجرهم وأغنى الله من ~~فضله بالجهاد والظهور على الأمم، و «العيلة» الفقر، يقال: عال الرجل يعيل ~~عيلة إذا افتقر، قال الشاعر: [أحيحة] # وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل # وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود، «عايلة» وهو مصدر كالقايلة من قال ~~يقيل، وكالعاقبة والعافية، ويحتمل أن تكون نعتا لمحذوف تقديره حالا عائلة، ~~وحكى الطبري أنه يقال عال يعول إذا افتقر. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 29] # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) # هذه الأشياء تضمنت قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى حتى يقتلوا أو ~~يؤدوا الجزية، قال مجاهد: وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزو الروم ومشى نحو تبوك، ومن جعل أهل الكتاب مشركين فهذه الآية ~~عنده ناسخة بما فيها من أخذ الجزية لقوله تعالى: فاقتلوا المشركين [التوبة: ~~5] ونفى عنهم الإيمان بالله واليوم الآخر من حيث تركوا شرع الإسلام الذي ~~يجب عليهم الدخول فيه، فصار جميع ما لهم في البعث وفي الله عز وجل من ~~تخيلات واعتقادات لا معنى لها، إذ تلقوها من غير طريقها، وأيضا فلم تكن ~~اعتقاداتهم مستقيمة لأنهم تشعبوا وقالوا: عزير ابن الله والله ثالث ثلاثة ~~وغير ذلك، ولهم أيضا في البعث آراء كشراء منازل الجنة من الرهبان، وقول ~~اليهود في النار نكون فيها أياما بعد ونحو ذلك، وأما قوله لا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله فبين، ونص على مخالفتهم لمحمد PageV03P021 # صلى الله عليه وسلم، وأما قوله ولا يدينون فمعناه ولا يطيعون ويمتثلون، ~~ومنه قول عائشة: ما عقلت أبوي إلا وهما يدينان الدين، والدين في اللغة لفظة ~~مشتركة وهي هاهنا الشريعة، وهي مثل قوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] ، وأما قوله ms1573 من الذين أوتوا ~~الكتاب فنص في بني إسرائيل وفي الروم وأجمع الناس في ذلك، وأما المجوس فقال ~~ابن المنذر: لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم. # قال القاضي أبو محمد: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب، فقال كثير من العلماء معنى ذلك في أخذ الجزية منهم، ~~وليسوا أهل الكتاب، فعلى هذا لم يتعد التشبيه إلى ذبائحهم ومناكحهم، وهذا ~~هو الذي ذكره ابن حبيب في الواضحة، وقال بعض العلماء: معناه سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب إذ هم أهل كتاب، فعلى هذا يتجه التشبيه في ذبائحهم وغيرها، ~~والأول هو قول مالك وجمهور أصحابه، وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه ~~زرادشت، وأما مجوس العرب فقال ابن وهب: لا تقبل منهم جزية ولا بد من القتال ~~أو الإسلام، وقال سحنون وابن القاسم وأشهب: تؤخذ الجزية من مجوس العرب ~~والأمم كلها، وأما عبدة الأوثان من العرب فلم يستثن الله فيهم جزية ولا بقي ~~منهم على الأرض بشر، قال ابن حبيب وإنما لهم القتال أو الإسلام وهو قول ابن ~~حنيفة. # قال القاضي أبو محمد: ويوجد لابن القاسم أن الجزية تؤخذ منهم، وذلك أيضا ~~في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص، وأما أهل الكتاب من العرب فذهب ~~مالك رحمه الله إلى أن الجزية تؤخذ منهم، وأشار إلى المنع من ذلك أبو ~~حنيفة، وأما السامرة والصابئون فالجمهور على أنهم من اليهود والنصارى تؤخذ ~~منهم الجزية وتؤكل ذبائحهم، وقالت فرقة لا تؤكل ذبائحهم، وعلى هذا لا تؤخذ ~~الجزية منهم، ومنع بعضهم الذبيحة مع إباحة أخذ الجزية منهم، وأما عبدة ~~الأوثان والنيران وغير ذلك فجمهور العلماء على قبول الجزية منهم، وهو قول ~~مالك في المدونة، وقال الشافعي وأبو ثور: لا تؤخذ الجزية إلا من اليهود ~~والنصارى والمجوس فقط ومذهب مالك رحمه الله أن الجزية لا تؤخذ إلا من ~~الرجال البالغين الأحرار العقلاء، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، ولا تضرب ~~على الصبيان والنساء والمجانين ولا تضرب على رهبان ms1574 الديارات والصوامع ~~المنقطعين، قال مالك في الواضحة: وأما إن كانت قد ضربت عليهم ثم انقطعوا ~~بعد ذلك فلا تسقط عنهم، وأما رهبان الكنائس فتضرب عليهم، واختلف في الشيخ ~~الفاني، ومن راعى أن علتها الإذلال أمضاها في الجميع وقال النقاش: العقوبات ~~الشرعية تكون في الأموال والأبدان فالجزية من عقوبات الأموال، وأما قدرها ~~فذهب رحمه الله وكثير من أهل العلم على ما فرضه عمر رضي الله عنه وذلك ~~أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الفضة، وفرض ... «1» رضي ~~الله عنه ضيافة وأرزاقا وكسوة، قال مالك في الواضحة ويحط ذلك عنهم اليوم ~~لما «2» عليهم من اللوازم، فهذا أحد ما ذكر عن عمر وبه أخذ مالك، قال سفيان ~~الثوري رويت عن ... «3» عمر ضرائب مختلفة. # قال القاضي أبو محمد: وأظن ذلك بحسب اجتهاده رضي الله عنه في يسرهم ~~وعسرهم، وقال PageV03P022 # الشافعي وغيره: قدر الجزية دينار على الرأس، ودليل ذلك أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معاذا بذلك وأخذه جزية اليمن كذلك أو قيمته معافر وهي ثياب، ~~وقال كثير من أهل العلم ليس لذلك في الشرع حد محدود وإنما ذلك إلى اجتهاد ~~الإمام في كل وقت وبحسب قوم قوم، وهذا كله في العنوة، وأما الصلح فهو ما ~~صولحوا عليه من قليل أو كثير، واختلف في المذهب في العبد الذي يعتقه الذمي ~~أو المسلم هل يلزمه جزية أم لا؟ وقال ابن القاسم لا ينقص أحد من أربعة ~~دنانير كان فقيرا أو غنيا، وقال أصبغ: يحط الفقير بقدر ما يرى من حاله، ~~وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ من الفقير شيء والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي ~~إذا كافى عن ما أسدي إليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي ~~كالقعدة والجلسة. ومن هذا المعنى قول الشاعر: [الكامل] # يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى # وقوله تعالى: عن يد يحتمل تأويلات، منها أن يريد سوق الذمي لها بيده لا ~~مع رسول ليكون في ذلك إذلال له، ومنها أن يريد عن ms1575 نعمة منكم قبلهم في ~~قبولها منهم وتمينهم، واليد في اللغة النعمة والصنع الجميل، ومنها أن يريد ~~عن قوة منكم عليهم وقهر لا تبقى لهم معه راية ولا معقل، و «اليد» في كلام ~~العرب القوة، يقال: فلان ذو يد ويقال ليس لي بكذا وكذا يد أي قوة، ومنها أن ~~يريد أن ينقدوها ولا يؤخروا بها كما تقول بعته يدا بيد، ومنها أن يريد عن ~~استسلام منهم وانقياد على نحو قولهم ألقى فلان بيده إذا عجز واستسلم، وقوله ~~وهم صاغرون لفظ يعم وجوها لا تنحصر لكثرتها ذكر منها عن عكرمة أن يكون ~~قابضها جالسا والدافع من أهل الذمة قائم، وهذا ونحوه داع إلى صغارهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 30] # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) # الذي كثر في كتب أهل العلم أن فرقة من اليهود تقول هذه المقالة، وروي أنه ~~لم يقلها إلا فنحاص، وقال ابن عباس: قالها أربعة من أحبارهم، سلام بن مشكم ~~ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف وقال النقاش: لم يبق يهودي ~~يقولها بل انقرضوا. # قال القاضي أبو محمد: فإذا قالها واحد فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة ~~المقالة لأجل نباهة القائل فيهم، وأقوال النبهاء أبدا مشهورة في الناس يحتج ~~بها، فمن هنا صح أن تقول الجماعة قول نبيها، وقرأ عاصم والكسائي «عزير ابن ~~الله» بتنوين عزير، والمعنى أن ابنا على هذا خبر ابتداء عن عزير، وهذا هو ~~أصح المذاهب لأن هذا هو المعنى المنعي عليهم، وعزير ونحوه ينصرف عجميا كان ~~أو عربيا، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «عزير ابن الله» دون ~~تنوين عزير، فقال بعضهم «ابن» خبر عن «عزير» وإنما حذف التنوين من عزير ~~لاجتماع الساكنين ونحوه قراءة من قرأ أحد الله الصمد [الإخلاص: 1- 2] قال ~~أبو علي وهو كثير في الشعر، وأنشد الطبري في ذلك: [الرجز] PageV03P023 # لتجدني بالأمير برا ... وبالقناة مدعسا مكرا # إذا عطيف السلمي ms1576 برا قال القاضي أبو محمد: فالألف على هذه القراءة ~~والتأويل ثابتة في «ابن» وقال بعضهم «ابن» صفة ل «عزير» كما تقول زيد بن ~~عمرو وجعلت الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد وحذف التنوين إذا جاء الساكنان ~~كأنهما التقيا من كلمة واحدة، والمعنى عزير ابن الله معبودنا وإلهنا أو ~~المعنى معبودنا أو إلهنا عزير ابن الله. # قال القاضي أبو محمد: وقياس هذه القراءة والتأويل أن يحذف الألف من «ابن» ~~لكنها تثبت في خط المصحف، فيترجح من هذا كله أن قراءة التنوين في «عزير» ~~أقواها، وحكى الطبري وغيره أن بني إسرائيل أصابتهم فتن وبلاء وقيل مرض ~~وأذهب الله عنهم التوراة في ذلك ونسوها، وكان علماؤهم قد دفنوها أول ما ~~أحسوا بذلك البلاء، فلما طالت المدة فقدت التوراة جملة فحفظها الله عزيرا ~~كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل إن الله قد حفظني التوراة فجعلوا يدرسونها ~~من عنده، ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي مساوية لما كان عزير يدرس، ~~فضلوا عند ذلك وقالوا إن هذا لن يتهيأ لعزير إلا وهو ابن الله، وظاهر قول ~~النصارى المسيح ابن الله أنها بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة، ~~وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما، وهذا أشنع في الكفر، قال أبو ~~المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وأنه ابن الإله. # قال القاضي أبو محمد: ويقال إن بعضهم يعتقدها بنوة حنو ورحمة، وهذا ~~المعنى أيضا لا يحل أن تطلق البنوة عليه، وهو كفر لمكان الإشكال الذي يدخل ~~من جهة التناسل وكذلك كفرت اليهود في قولهم عزير ابن الله وقولهم نحن أبناء ~~الله، وإنما توجد في كلام العرب استعارة البنوة عبارة عن نسب وملازمات تكون ~~بين الأشياء إذا لم يشكل الأمر وكان أمر النسل لاستحالة من ذلك قول عبد ~~الملك بن مروان: وقد زبنتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي أمنا يريد ~~للملازمة ومن ذلك قول حريث بن مخفض: # [الطويل] # بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... وآباؤهم أبناء صدق فأنجبوا # ومن ذلك ابن نعش وابن ماء وابن السبيل ونحو ms1577 ذلك ومنه قول الشاعر: ~~[الكامل] والأرض تحملنا وكانت أمنا ومنه أحد التأويلات في قوله صلى الله ~~عليه وسلم «لا يدخل الجنة ابن زنى» أي ملازمه والتأويل الآخر أن لا يدخلها ~~مشكل الأمر والتأويلان في قول النصارى المسيح ابن الله كما تقدم من الصفة ~~والخبر إلا أن شغب التنوين ارتفع هاهنا، وعزير نبي من أنبياء بني إسرائيل، ~~وقوله بأفواههم يتضمن معنيين: # أحدهما إلزامهم المقالة والتأكيد في ذلك كما قال يكتبون الكتاب بأيديهم ~~[البقرة: 79] ، وكقوله ولا طائر يطير بجناحيه [الأنعام: 38] ، والمعنى ~~الثاني في قوله بأفواههم أي هو ساذج لا حجة عليه ولا برهان غاية بيانه أن ~~يقال بالأفواه قولا مجردا نفس دعوى، ويضاهؤن قراءة الجماعة ومعناه يحاكون PageV03P024 # ويبارون ويماثلون، وقرأ عاصم وحده من السبعة وطلحة بن مصرف «يضاهئون» ~~بالهمز على أنه من ضاهأ وهي لغة ثقيف بمعنى ضاهى. # قال القاضي أبو محمد: ومن قال إن هذا مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء وهي ~~التي لا تحيض وقيل التي لا ثدي لها سميت بذلك لشبهها بالرجال فقوله خطأ ~~قاله أبو علي: لأن الهمزة في ضاهأ أصلية وفي ضهياء زائدة كحمراء، وإن كان ~~الضمير في يضاهؤن لليهود والنصارى جميعا فالإشارة بقوله الذين كفروا من قبل ~~هي إما لمشركي العرب إذ قالوا الملائكة بنات الله وهم أول كافر وهو قول ~~الضحاك: وإما لاسم سالفة قبلهما، وإما للصدر الأول من كفرة اليهود ~~والنصارى، ويكون يضاهؤن لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان الضمير ~~في يضاهؤن للنصارى فقط كانت الإشارة ب الذين كفروا من قبل إلى اليهود، وعلى ~~هذا فسر الطبري وحكاه الزهراوي عن قتادة، وقوله قاتلهم الله دعاء عليهم عام ~~لأنواع الشر، ومعلوم أن من قاتله الله فهو المغلوب المقتول، وحكى الطبري عن ~~ابن عباس أن المعنى لعنهم الله، وأنى يؤفكون مقصده أنى توجهوا أو أنى ذهبوا ~~وبدل مكان هذا الفعل المقصود فعل سوء يحق لهم، وذلك فصيح في الكلام كما ~~تقول لعن الله الكافر أنى هلك كأنك تحتم عليه بهلاك وكأنه حتم عليهم في هذه ms1578 ~~الآية بأنهم يؤفكون، ومعناه يحرمون ويصرفون عن الخير، والأرض المأفوكة التي ~~لم يصبها مطر، قال أبو عبيدة يؤفكون معناه يحدون. # قال القاضي أبو محمد: يريد من قولك رجل محدود أي محروم لا يصيب خيرا، ~~وكأنه من الإفك الذي هو الكذب، فكأن المأفوك هو الذي تكذبه أراجيه فلا يلقى ~~خيرا. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: # أنى يؤفكون ابتداء تقرير، أي بأي سبب ومن أي جهة يصرفون عن الحق بعد ما ~~تبين لهم، و «قاتل» في هذه الآية بمعنى قتل وهي مفاعلة من واحد وهذا كله ~~بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 31 الى 33] # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون أن ~~يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) # واحد «الأحبار» حبر بكسر الحاء، ويقال حبر بفتح الحاء والأول أفصح، ومنه ~~مداد الحبر، والحبر بالفتح: العالم، وقال يونس بن حبيب: لم أسمعه إلا بكسر ~~الحاء، وقال الفراء: سمعت فتح الحاء وكسرها في العالم، وقال ابن السكيت ~~الحبر: بالكسر المداد والحبر بالفتح العالم، و «الرهبان» جمع راهب وهو ~~الخائف من الرهبة، وسماهم أربابا وهم لا يعبدوهم لكن من حيث تلقوا الحلال ~~والحرام من جهتهم، PageV03P025 # وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة الله عز وجل ونحو هذا قال ابن عباس وحذيفة ~~بن اليمان وأبو العالية، وحكى الطبري أن عدي بن حاتم قال: جئت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الصليب من ~~عنقك، فسمعته يقرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فقلت يا ~~رسول الله وكيف ولم نعبدهم؟ فقال أليس تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا ~~قلت نعم. قال فذاك، والمسيح عطف على الأحبار والرهبان، وسبحانه نصب على ~~المصدر والعامل فيه فعل من المعنى لأنه ليس ms1579 من لفظ سبحان فعل، والتقدير ~~أنزهه تنزيها، فمعنى سبحانه تنزيها له، واحتج من يقول إن أهل الكتاب مشركون ~~بقوله تعالى عما يشركون، والغير يقول إن اتخاذ هؤلاء الأرباب ضرب ما من ~~الإشراك وقد يقال في المرائي إنه أشرك وفي ذلك آثار، وقوله تعالى: يريدون ~~أن يطفؤا نور الله الآية، نور الله في هذه الآية هداه الصادر عن القرآن ~~والشرع المثبت في قلوب الناس فمن حيث سماه نورا سمي محاولة إفساده والصد في ~~وجهه إطفاء، وقالت فرقة: النور القرآن. # قال القاضي أبو محمد: ولا معنى لتخصيص شيء مما يدخل تحت المقصود بالنور، ~~وقوله بأفواههم عبارة عن قلة حيلتهم وضعفها، أخبر عنهم أنهم يحاولون مقاومة ~~أمر جسيم بسعي ضعيف فكان الإطفاء بنفخ الأفواه، ويحتمل أن يراد بأقوال لا ~~برهان عليها فهي لا تجاوز الأفواه إلى فهم سامع، وقوله ويأبى إيجاب يقع ~~بعده أحيانا إلا وذلك لوقوعه هو موقع الفعل المنفي، لأن التقدير ولا يريد ~~الله إلا أن يتم نوره وقال الفراء: هو إيجاب فيه طرف من النفي، ورد الزجاج ~~على هذه العبارة وبيانه ما قلناه، وقوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق الآية، رسوله يراد به محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله بالهدى يعم ~~القرآن وجميع الشرع، وقوله ودين الحق إشارة إلى الإسلام والملة بجمعها وهي ~~الحنيفية، وقوله ليظهره قال أبو هريرة وأبو جعفر محمد بن علي وجابر بن عبد ~~الله ما معناه: # إن الضمير عائد على الدين وإظهاره عند نزول عيسى ابن مريم وكون الأديان ~~كلها راجعة إلى دين الإسلام فذلك إظهاره. # قال القاضي أبو محمد: فكأن هذه الفرقة رأت الإظهار على أتم وجوهه أي حتى ~~لا يبقى معه دين آخر، وقالت فرقة ليظهره على الدين أي ليجعله أعلاها ~~وأظهرها وإن كان معه غيره كان دونه. # قال القاضي أبو محمد: فهذا لا يحتاج إلى نزول عيسى بل كان هذا في صدر ~~الأمة وهو حتى الآن إن شاء الله وقالت فرقة: الضمير عائد على الرسول، ومعنى ~~ليظهره ليطلعه ويعلمه الشرائع ms1580 كلها والحلال والحرام. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل وإن كان صحيحا جائزا فالآخر أبرع منه ~~وأليق بنظام الآية وأحرى مع كراهية المشركين، وخص المشركون هنا بالذكر لما ~~كانت كراهية مختصة بظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم فذكره العظم والأول ~~ممن كره ذلك وصد فيه، وذكر الكافرون في الآية قبل لأنها كراهية إتمام نور ~~الله في قديم الدهر وفي باقية فعم الكفر من لدن خلق الدنيا إلى انقراضها إذ ~~قد وقعت الكراهية والإتمام مرارا كثيرة. PageV03P026 # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 34 الى 35] # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) # المراد بهذه الآية بيان نقائص المذكورين، ونهي المؤمنين عن تلك النقائص ~~مترتب ضمن ذلك، واللام في ليأكلون لام التأكيد، وصورة هذا الأكل هي بأنهم ~~يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما ~~يوهمونهم أي النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله، وهم خلال ذلك يحتجنون ~~تلك الأموال كالذي ذكره سلمان في كتاب السير عن الراهب الذي استخرج كنزه، ~~وقيل كانوا يأخذون منهم من غلاتهم وأموالهم ضرائب باسم حماية الدين والقيام ~~بالشرع، وقيل كانوا يرتشون في الأحكام، ونحو ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: بالباطل، يعم هذا كله، وقوله يصدون، ~~الأشبه هنا أن يكون معدى أي يصدون غيرهم وهذا الترجيح إنما هو لنباهة ~~منازلهم في قومهم و «صد» يستعمل واقفا ومتجاوزا، ومنه قول الشاعر [عمرو بن ~~كلثوم] : [الوافر] # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا # وسبيل الله الإسلام وشريعة محمد عليه السلام، ويحتمل أن يريد ويصدون عن ~~سبيل الله في أكلهم الأموال بالباطل، والأول أرجح، وقوله والذين ابتداء ~~وخبره فبشرهم، ويجوز أن يكون والذين معطوفا على الضمير في قوله يأكلون على ~~نظر ms1581 في ذلك، لأن الضمير لم يؤكد، وأسند أبو حاتم إلى علباء بن أحمد أنه ~~قال: لما أمر عثمان بكتب المصحف أراد أن ينقص الواو في قوله والذين يكنزون ~~فأبي ذلك أبي بن كعب وقال لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي فألحقها. # قال القاضي أبو محمد: وعلى إرادة عثمان يجري قول معاوية، إن الآية في أهل ~~الكتاب وخالفه أبو ذر فقال: بل هي فينا، فشكاه إلى عثمان فاستدعاه من الشام ~~ثم خرج إلى الربذة، والذي يظهر من الألفاظ أنه لما ذكر نقص الأحبار ~~والرهبان الآكلين المال بالباطل ذكر بعد ذلك بقول عامر نقص الكافرين ~~المانعين حق المال، وقرأ طلحة بن مصرف «الذين يكنزون» بغير واو، ويكنزون ~~معناه يجمعون ويحفظون في الأوعية، ومنه قول المنخل الهذلي: [البسيط] # لا در دري إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتي وعندي البر مكنوز # أي محفوظ في أوعيته، وليس من شروط الكنز الدفن لكن كثر في حفظة المال أن ~~يدفنوه حتى تورق PageV03P027 # في المدفون اسم الكنز، ومن اللفظة قولهم رجل مكتنز الخلق أي مجتمع، ومنه ~~قول الراجز: [الرجز] # على شديد لحمه كناز ... بات ينزيني على أوفاز # والتوعد في الكنز إنما وقع على منع الحقوق منه، ولذلك قال كثير من ~~العلماء: الكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته وإن كان على وجه الأرض، وأما ~~المدفون إذا خرجت زكاته فليس بكنز كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«كل ما أديت زكاته فليس بكنز» ، وهذه الألفاظ مشهورة عن ابن عمر وروي هذا ~~القول عن عكرمة والشعبي والسدي ومالك وجمهور أهل العلم، وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة وما زاد عليها فهو كنز ~~وإن أديت زكاته. وقال أبو ذر وجماعة معه: ما فضل من مال الرجل عن حاجة نفسه ~~فهو كنز، وهذان القولان يقتضيان أن الذم في حبس المال لا في منع زكاته فقط، ~~ولكن قال عمر بن عبد العزيز: هي منسوخة بقوله خذ من أموالهم صدقة [التوبة: ~~103] فأتى فرض الزكاة على ms1582 هذا كله. # قال القاضي أبو محمد: كان مضمن الآية لا تجمعوا مالا فتعذبوا فنسخه ~~التقرير الذي في قوله خذ من أموالهم [التوبة: 103] . والضمير في قوله ~~ينفقونها يجوز أن يعود على الأموال والكنوز التي يتضمنها المعنى، ويجوز أن ~~يعود على الذهب والفضة هما أنواع، وقيل عاد على الفضة واكتفي بضمير الواحد ~~عن ضمير الآخر إذا فهمه المعنى وهذا نحو قول الشاعر [قيس بن الخطيم] : ~~[المنسرح] # نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف # ونحن قول حسان: [الخفيف] # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا # وسيبويه يكره هذا في الكلام، وقد شبه كثير من المفسرين هذه الآية بقوله ~~تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها [الجمعة: 11] وهي لا تشبهها، ~~لأن «أو» قد فصلت التجارة عن اللهو وحسنت عود الضمير على أحدهما دون الآخر، ~~والذهب تؤنث وتذكر والتأنيث أشهر، وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالوا قد ذم الله كسب الذهب والفضة، فلو علمنا أي المال خير حتى نكسبه، ~~فقال عمر: أنا أسأل لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسأله، فقال ~~«لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة تعين المؤمن على دينه» . وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لما نزلت الآية «تبا للذهب تبا للفضة» ، فحينئذ أشفق ~~أصحابه وقالوا ما تقدم، والفاء في قوله فبشرهم، جواب كما في قوله والذين من ~~معنى الشرط، وجاءت البشارة مع العذاب لما وقع التصريح بالعذاب وذلك أن ~~البشارة تقيد بالخير والشر فإذا أطلقت لم تحمل إلا على الخير فقط، وقيل بل ~~هي أبدا للخير فمتى قيدت بشر فإنما المعنى أقم لهم مقام البشارة عذابا ~~أليما، وهذا نحو قول الشاعر [عمرو بن معديكرب] : [الوافر] # وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع # وقوله تعالى يوم يحمى عليها الآية: يوم ظرف والعامل فيه أليم وقرأ جمهور ~~الناس PageV03P028 # «يحمى» بالياء بمعنى يحمى الوقود، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «تحمى» بالتاء ~~من فوق بمعنى تحمى النار والضمير في ms1583 عليها عائد على الكنوز أو الأموال ~~حسبما تقدم، وقرأ قوم «جباهم» بالإدغام وأشموها الضم حكاه أبو حاتم، ووردت ~~أحاديث كثيرة في معنى هذه الآية من الوعيد لكنها مفسرة في منع الزكاة فقط ~~لا في كسب المال الحلال وحفظه، ويؤيد ذلك حال أصحابه وأموالهم رضي الله ~~عنهم، فمن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك بعده كنزا لم يؤد ~~زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع» الحديث. وأسند الطبري قال كان نعل ~~سيف أبي هريرة من فضة فنهاه أبو ذر، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها، وأسند إلى أبي أمامة الباهلي قال: ~~مات رجل من أهل الصفة فوجد في برده دينار فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كية ثم مات آخر فوجد له ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كيتان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إما لأنهما كانا يعيشان من الصدقات وعندهما ~~التبر وإما لأن هذا كان في صدر الإسلام، ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه، ~~ولو كان ضبط المال ممنوعا لكان حقه أن يخرج كله لا زكاته فقط، وليس في ~~الأمة من يلزم هذا، وقوله هذا ما كنزتم إشارة إلى المال الذي كوي به، ~~ويحتمل أن تكون إلى الفعل النازل بهم، أي هذا جزاء ما كنزتم، وقال ابن ~~مسعود: والله لا يمس دينار دينارا بل يمد الجلد حتى يكوى بكل دينار وبكل ~~درهم، وقال الأحنف بن قيس: دخلت مسجد المدينة وإذا رجل خشن الهيئة رثها ~~يطوف في الحلق وهو يقول: بشر أصحاب الكنوز بكي في جباهم وجنوبهم وظهورهم، ~~ثم انطلق يتذمر وهو يقول وما عسى تصنع في قريش. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 36] # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) # هذه الآية والتي بعدها ms1584 تتضمن ما كانت العرب شرعته في جاهليتها من تحريم ~~شهور الحل وتحليل شهور الحرمة، وإذا نص ما كانت العرب تفعله تبين معنى ~~الآيات فالذي تظاهرت به الروايات وينفك عن مجموع ما ذكر الناس، أن العرب ~~كانت لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وإعمال سلاحها فكانوا إذا توالت عليهم ~~حركة ذي القعدة وذي الحجة والمحرم صعب عليهم وأملقوا، وكان بنو فقيم من ~~كنانة أهل دين في العرب وتمسك بشرع إبراهيم عليه السلام، فانتدب منهم ~~القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم فنسأ الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك ابنه ~~عباد بن حذيفة، ثم خلف ابنه قلع بن عباد، ثم خلفه ابنه أمية بن قلع، ثم ~~خلفه ابنه عوف بن أمية، ثم خلفه ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وعليه قام ~~الإسلام، وذكر الطبري وغيره أن الأمر كان في عدوان قبل بني مالك بن كنانة، ~~وكانت صورة فعلهم أن العرب كانت إذا فرغت من حجها جاء إليه من شاء منهم ~~مجتمعين، فقالوا أنسئنا شهرا أي أخر عنا حرمة المحرم فاجعلها في صفر، فيحل ~~لهم PageV03P029 # المحرم فيغيرون فيه ويعيشون ثم يلتزمون حرمة صفر ليوافقوا عدة الأشهر ~~الأربعة، قال مجاهد: ويسمون ذلك الصفر المحرم، ثم يسمون، ربيعا، ربيعا ~~الأول صفرا وربيعا الآخر ربيعا الأول، وهكذا في سائر الشهور يستقبلون سنتهم ~~من المحرم الموضوع لهم فيسقط على هذا حكم المحرم الذي حال لهم، وتجيء السنة ~~من ثلاثة عشر شهرا أولها المحرم المحلل ثم المحرم الذي هو في الحقيقة صفر، ~~ثم استقبال السنة كما ذكرنا، ففي هذا قال الله عز وجل إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا أي ليست ثلاثة عشر شهرا، قال الطبري حدثني ابن وكيع عن ~~عمران بن عيينة عن حصين عن أبي مالك قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر ~~شهرا، قال مجاهد: ثم كانوا يحجون في كل شهر عامين ولاء، وبعد ذلك يندلون ~~فيحجون عامين ولاء، ثم كذلك حتى كانت حجة أبي بكر في ذي القعدة حقيقة، وهم ~~يسمونه ذا الحجة، ثم ms1585 حج رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة ~~حقيقة، فذلك قوله إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ~~السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر ~~الذي بين جمادى وشعبان وفي حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~خطب في حجة الوداع فساق الحديث فقال فيه: أولهن رجب مضر الذي بين جمادى ~~وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. # قال القاضي أبو محمد: ويجيء في أكثر الكتب أنهم كانوا يجعلون حرمة المحرم ~~في صفر ويسكت عن تمام القصة، والذي ذكرناه هو بيانها، وأما كون المحرم أول ~~السنة العربية وكان حقه إذ التاريخ من الهجرة أن يكون أول السنة في ربيع ~~الأول فإن ذلك فيما يرون لأن عمر بن الخطاب دون ديوان المسلمين وجعل تاريخه ~~المحرم إذ قبله انقضاء الموسم والحج فكان الحج خاتمة للسنة، واعتد بعام ~~الهجرة وإن كان قد نقص من أوله شيء، ولما كانت سنة العرب هلالية بدىء العام ~~من أول شهر ولم يكن في الثاني عشر من ربيع الذي هو يوم دخول النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة، ولا كان عند تمام الحج لأنه في كسر شهر، وأما الأربعة ~~الحرم فهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ومعنى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم «ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» قصد التفريق بينه وبين ما كانت ~~تفعله قبائل ربيعة بأسرها، فإنها كانت تجعل رجبها رمضان وتحرمه ابتداعا ~~منها، وكانت قريش ومن تابعها في ذلك من قبائل مضر على الحق، فقر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك ونسبه إلى مضر إذ كان حكمه وتحريمه إنما كان من قبل ~~قريش، وفي المفضليات لبعض شعراء الجاهلي [عوف بن الأحوص العامري] : ~~[الوافر] وشهر بني أمية والهدايا البيت قال الأصمعي: يريد رجبا، وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع «اثنا عشر شهرا» بسكون العين وذلك تخفيف لتوالي الحركات، ~~وكذلك قرأ أحد عشر وتسعة عشر وقوله في كتاب الله ms1586 أي فيما كتبه وأثبته في ~~اللوح المحفوظ أو غيره، فهي صفة فعل مثل خلقه ورزقه وليست بمعنى قضائه ~~وتقديره لأن تلك هي قبل خلق السموات والأرض، و «الكتاب» الذي هو المصدر هو ~~العامل في يوم، وفي قوله في كتاب الله متعلقة بمستقرة أو ثابتة ونحوه، ~~ويقلق أن يكون الكتاب القرآن في هذا الموضع، وتأمل، ولا يتعلق في بعده ~~للتفرقة بين الصلة والموصول بخبر «أن» ، وقوله منها أربعة حرم نص على تفضيل ~~هذه PageV03P030 # الأربعة وتشريفها، قال قتادة: اصطفى الله من الملائكة والبشر رسلا ومن ~~الشهور المحرم ورمضان، ومن البقع المساجد، ومن الأيام الجمعة، ومن الليالي ~~ليلة القدر، ومن الكلام ذكره فينبغي أن يعظم ما عظم الله، وقوله ذلك الدين ~~القيم، قالت فرقة: معناه الحساب المستقيم، وقال ابن عباس فيما حكى المهدوي: ~~معناه القضاء المستقيم. # قال القاضي أبو محمد: والأصوب عندي أن يكون الدين هاهنا على أشهر وجوهه، ~~أي ذلك الشرع والطاعة لله، القيم أي القائم المستقيم، وهو من قام يقوم ~~بمنزلة سيد من ساد يسود أصله قيوم، وقوله فلا تظلموا فيهن أنفسكم الضمير ~~عائد على ال اثنا عشر شهرا، أي لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمن كله، ~~وقال قتادة الضمير عائد على الأربعة الأشهر، ونهي عن الظلم فيها تشريفا لها ~~بالتخصيص والذكر وإن كان منهيا عنه في كل الزمن، وزعم النحاة أن العرب تكني ~~عما دون العشرة من الشهور، فيهن وعما فوق العشرة فيها، وروي عن الكسائي أنه ~~قال إني لأتعجب من فعل العرب هذا، وكذلك يقولون فيما دون العشرة من الليالي ~~خلون وفيما فوقها خلت وقال الحسن معنى فيهن أي بسببهن ومن جراهن في أن ~~تحلوا حرامها وتبدلوه بما لا حرمة له، وحكى المهدوي أنه قيل «لا تظلموا ~~فيهن أنفسكم بالقتل» . ثم نسخ بفرض القتال في كل زمن، قال سعيد بن المسيب ~~في كتاب الطبري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحرم القتال في الأشهر ~~الحرم بما أنزل الله في ذلك حتى نزلت براءة. # قال القاضي أبو محمد: وقوله ms1587 وقاتلوا المشركين معناه فيهن فأحرى في غيرهن، ~~وقوله كافة معناه جميعا وهو مصدر في موضع الحال، قال الطبري: كالعاقبة ~~والعافية فهو على هذا كما تقول خاصة وعامة، ويظهر أيضا أنه من كف يكف أي ~~جماعة تكف من عارضها وكذلك نقل الكافة أي تكف من خالفها، فاللفظة على هذا ~~اسم فاعل، وقال بعض الناس: معناه يكف بعضهم بعضا عن التخلف، وما قدمناه أعم ~~وأحسن، وقال بعض الناس: كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان ثم نسخ ~~ذلك بعد وجعل فرض كفاية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي قالوه لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أنه ألزم الأمة جميعا النفر، وإنما معنى الآية الحض على قتالهم ~~والتحزب عليهم وجمع الكلمة، ثم قيدها بقوله كما يقاتلونكم فبحسب قتالهم ~~واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم، وأما الجهاد الذي ينتدب إليه فإنما ~~هو فرض على الكفاية إذا قام به بعض الأمة سقط عن الغير، وقوله واعلموا أن ~~الله مع المتقين خبر في ضمنه أمر بالتقوى ووعد عليها بالنصر والتأييد. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 37] # إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ~~والله لا يهدي القوم الكافرين (37) # النسيء على وزن فعيل مصدر بمعنى التأخير، تقول العرب أنسأ الله في أجلك ~~ونسأ في أجلك. PageV03P031 # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره النساء في الأجل والسعة في ~~الرزق فليصل رحمه» . وقرأ جمهور الناس والسبعة «النسيء» كما تقدم، وقرأ ابن ~~كثير فيما روي عنه وقوم معه في الشاذ «النسي» بشد الياء، وقرأ فيما روى عنه ~~جعفر بن محمد والزهري «النسيء» ، وقرأ أيضا فيما روي عنه «النسء» على وزن ~~النسع وقرأت فرقة «النسي» . فأما «النسيء» بالمد والهمز فقال أبو علي هو ~~مصدر مثل النذير والنكير وعذير الحي ولا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول ~~لأنه يكون المعنى إنما المؤخر زيادة والمؤخر الشهر ولا ms1588 يكون الشهر زيادة في ~~الكفر. # قال القاضي أبو محمد: وقال أبو حاتم هو فعيل بمعنى مفعول، وينفصل عن ~~إلزام أبي علي بأن يقدر مضاف كان المعنى إنما إنساء النسيء، وقال الطبري هو ~~من معنى الزيادة أي زيادتهم في الأشهر، وقال أبو وائل كان النسيء رجلا من ~~بني كنانة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وأما «النسي» فهو الأول بعينه خففت ~~الهمزة وقيل قلبت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء، وأما «النسء» هو مصدر ~~من نسأ إذا أخر، وأما «النسي» فقيل تخفيف همزة النسيء وذلك على غير قياس، ~~وقال الطبري هو مصدر من نسي ينسى إذا ترك. # قال القاضي أبو محمد: والنسيء هو فعل العرب في تأخيرهم الحرمة، وقوله ~~زيادة في الكفر أي جار في كفرهم بالله وخلاف منهم للحق فالكفر متكثر بهذا ~~الفعل الذي هو باطل في نفسه. # قال القاضي أبو محمد: ومما وجد في أشعارها من هذا المعنى قول بعضهم: ~~[الوافر] ومنا منسىء الشهر القلمس وقال الآخر: [الكامل] # نسؤوا الشهور بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعز لم يتحول # ومنه قول جذل الطعان: [الوافر] # وقد علمت معد أن قومي ... كرام الناس أن لهم كراما # فأي الناس فاتونا بوتر ... وأي الناس لم تعلك لجاما # ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «يضل» بفتح الياء وكسر ~~الضاد، وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون «يضل» بضم ~~الياء وكسر الضاد فإما على معنى يضل الله وإما على معنى يضل به الذين كفروا ~~أتباعهم، ف الذين في التأويل الأول في موضع نصب، وفي الثاني في موضع رفع، ~~وقرأ عاصم أيضا وحمزة والكسائي وابن مسعود فيما روي عنه «يضل» بضم الياء ~~وفتح الضاد على المفعول الذي لم يسم فاعله، ويؤيد ذلك قوله تعالى: زين ~~للتناسب في اللفظ، وقرأ أبو رجاء «يضل» من ضل يضل على وزن فعل بكسر العين ~~يفعل بفتحها وهي لغتان يقال ضل يضل وضل يضل والوزن الذي ذكرناه يفرق ~~بينهما، ms1589 وكذلك يروى قول النبي صلى الله عليه وسلم، «حتى يضل الرجل إن PageV03P032 # يدركم صلى» بفتح الضاد وكسرها، وقوله يحلونه عاما ويحرمونه عاما معناه ~~عاما من الأعوام وليس يريد أن تلك مداولة في الشهر بعينه عام حلال وعام ~~حرام. # قال القاضي أبو محمد: وقد تأول بعض الناس القصة أنهم كانوا إذا شق عليهم ~~توالي الأشهر الحرم أحل لهم المحرم وحرم عليهم صفر بدلا منه ثم مشت الشهور ~~مستقيمة على أسمائها المعهودة فإذا كان من قابل حرم المحرم على حقه وأحل ~~صفر، ومشت الشهور مستقيمة، ورأت هذه الطائفة أن هذه كانت حالة القوم. # قال القاضي أبو محمد: والذي قدمناه قبل أليق بألفاظ الآيات، وقد بينه ~~مجاهد وأبو مالك، وهو مقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم، «إن الزمان قد ~~استدار» مع أن هذا الأمر كله قد تقضى والله أعلم. # أي ذلك كان، وقوله ليواطؤا معناه ليوافقوا والمواطأة الموافقة تواطأ ~~الرجلان على كذا إذا اتفقا عليه، ومعنى ليواطئوا عدة ما حرم الله ليحفظوا ~~في كل عام أربعة أشهر في العدد. # قال القاضي أبو محمد: فأزالوا الفضيلة التي خص الله بها الأشهر الحرم ~~وحدها بمثابة أن يفطر أحد رمضان ويصوم شهرا من السنة بغير مرض أو سفر، ~~وقوله زين يحتمل هذا التزيين أن يضاف إلى الله عز وجل والمراد به خلقه ~~لكفرهم وإقرارهم عليه وتحبيبه لهم، ويحتمل أن يضاف إلى مغويهم ومضلهم من ~~الإنس والجن، ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم ولا يرشدهم، وهو عموم معناه ~~الخصوص في الموافين أو عموم مطلق لكن لا هدية من حيث هم كفار. # قال القاضي أبو محمد: وذكر أبو علي البغدادي في أمر «النسيء» أنه كان إذا ~~صدر الناس من منى قام رجل يقال له نعيم بن ثعلبة فيقول أنا الذي لا أعاب ~~ولا يرد لي قضاء فيقولون أنسئنا شهرا أي أخر عنا حرمة المحرم فاجعلها في ~~صفر. # قال القاضي أبو محمد: واسم نعيم لم يعرف في هذا وما أرى ذلك إلا كما حكى ~~النقاش من بني فقيم ms1590 كانوا يسمون القلامس واحدهم قلمس وكانوا يفتون العرب في ~~الموسم، يقوم كبيرهم في الحجر ويقوم آخر عند الباب ويقوم آخر عند الركن ~~فيفتون. # قال القاضي أبو محمد: فهم على هذا عدة، منهم نعيم وصفوان ومنهم ذرية ~~القلمس حذيفة وغيرهم. # قال القاضي أبو محمد: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «لا عدوى ولا ~~هامة ولا صفر» ، فقال بعض الناس: إنه يريد بقوله لا صفر هذا النسيء، وقيل ~~غير ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 38 الى 39] # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه ~~شيئا والله على كل شيء قدير (39) PageV03P033 # هذه الآية هي بلا اختلاف نازلة عتابا على تخلف من تخلف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام غزا ~~فيها الروم في عشرين ألفا بين راكب وراجل، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال ~~من المؤمنين كثير ومنافقون فالعتاب في هذه الآية هو للقبائل وللمؤمنين ~~الذين كانوا بالمدينة، وخص الثلاثة كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن ~~أمية بذلك التذنيب الشديد بحسب مكانهم من الصحبة إذ هم من أهل بدر وممن ~~يقتدى بهم، وكان تخلفهم لغير علة حسب ما يأتي، وقوله ما لكم استفهام بمعنى ~~التقرير والتوبيخ، وقوله قيل يريد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن صرفه ~~الفعل لا يسمى فاعله يقتضي إغلاظا ومخاشنة ما، و «النفر» هو التنقل بسرعة ~~من مكان إلى مكان لأمر يحدث، يقال في ابن آدم نفر إلى الأمر ينفر نفيرا ~~ونفرا، ويقال في الدابة نفرت تنفر بضم الفاء نفورا، وقوله اثاقلتم أصله ~~تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فاحتيج إلى ألف الوصل كما قال فادارأتم وكما ~~تقول ازين، وكما قال الشاعر [الكسائي] : [البسيط] # تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا ... عذب المذاق إذا ms1591 ما اتابع القبل # وقرأ الأعمش فيما حكى المهدوي وغيره «تثاقلتم» على الأصل، وذكرها أبو ~~حاتم «تتثاقلتم» بتاءين ثم ثاء مثلثة، وقال هي خطأ أو غلط، وصوب «تثاقلتم» ~~بتاء واحدة وثاء مثلثة أن لو قرىء بها، وقوله اثاقلتم إلى الأرض عبارة عن ~~تخلفهم ونكولهم وتركهم الغزو لسكنى ديارهم والتزام نخلهم وظلالهم، وهو نحو ~~من أخلد إلى الأرض، وقوله: أرضيتم تقرير يقول أرضيتم نزر الدنيا على خطير ~~الآخرة وحظها الأسعد، ثم أخبر فقال إن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل ~~نزر، فتعطي قوة الكلام التعجب من ضلال من يرضى النزر بدل الكثير الباقي، ~~وقوله إلا تنفروا الآية، إلا تنفروا يعذبكم شرط وجواب، وقوله يعذبكم لفظ ~~عام يدخل تحته أنواع عذاب الدنيا والآخرة، والتهديد بعمومه أشد تخويفا، ~~وقالت فرقة يريد يعذبكم بإمساك المطر عنكم، وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت فأمسك الله ~~عنها المطر وعذبها به، و «أليم» بمعنى مؤلم بمنزلة قول عمرو بن معديكرب: ~~[الوافر] أمن ريحانة الداعي السميع وقوله ويستبدل قوما غيركم توعد بأن يبدل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوما لا يقعدون عند استنفاره إياهم، والضمير ~~في قوله ولا تضروه شيئا عائد على الله عز وجل أي لا ينقص ذلك من عزه وعز ~~دينه، ويحتمل أن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم وهو أليق، والله على كل ~~شيء قدير أي على كل شيء مقدور وتبديلهم منه ليس بمحال ممتنع. PageV03P034 # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 40] # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم (40) # هذا أيضا شرط وجواب والجواب في الفاء من قوله فقد وفيما بعدها، قال ~~النقاش: هذه أول آية نزلت من سورة براءة، ومعنى الآية أنكم إن تركتم نصره ~~فالله متكفل به، ms1592 إذ فقد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو، فنصره ~~إياه اليوم أحرى منه حينئذ، وقوله إذ أخرجه الذين كفروا يريد فعلوا من ~~الأفاعيل ما أدى إلى خروجه، وأسند الإخراج إليهم إذ المقصود تذنيبهم، ولما ~~كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله: من طردت كل مطرد. لم يقرره ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والإشارة إلى خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من مكة إلى المدينة وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان ينتظر أمر الله عز وجل في الهجرة من مكة، وكان أبو بكر ~~حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج من مكة فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «اصبر فلعل الله أن يسهل في الصحبة» ، فلما أذن الله لرسوله في ~~الخروج تجهز من دار أبي بكر وخرجا فبقيا في الغار الذي في جبل ثور في غربي ~~مكة ثلاث ليال، وخرج المشركون في أثرهم حتى انتهوا إلى الغار فطمس عليهم ~~الأثر، وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم لقدمه لرآنا، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما ظنك باثنين الله ثالثهما. # ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار، ويروى أن الحمامة عششت عند باب ~~الغار، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يجعل ثماما ~~في باب الغار فتخيله المشركون نابتا وصرفهم الله عنه، ووقع في الدلائل في ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نبتت على باب الغار راءة أمرها الله ~~بذلك في الحين، قال الأصمعي: جمعها راء وهي نبات من السهل. # وروي أن أبا بكر لما دخل الغار خرق رداءه فسد به كواء الغار لئلا يكون ~~فيها حيوان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي أنه بقيت واحدة فسدها برجله فوقى الله تعالى، وكان يروح عليهما ~~باللبن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وقوله ثاني اثنين معناه أحد اثنين، ~~وهذا كثالث ثلاثة ورابع أربعة فإذا اختلف ms1593 اللفظ فقلت رابع ثلاثة فالمعنى ~~صير الثلاثة بنفسه أربعة، وقرأ جمهور الناس «ثاني اثنين» بنصب الياء من ~~«ثاني» . قال أبو حاتم: لا يعرف غير هذا وقرأت فرقة «ثاني اثنين» بسكون ~~الياء من ثاني، قال أبو الفتح: حكاها أبو عمرو بن العلاء، ووجهه أنه سكن ~~الياء تشبيها لها بالألف. PageV03P035 # قال القاضي أبو محمد: فهذه كقراءة ما بقي من الربا وكقول جرير: [البسيط] # هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف # و «صاحبه» أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وروي أن أبا بكر الصديق قال يوما ~~وهو على المنبر: أيكم يحفظ سورة التوبة، فقال رجل أنا، فقال اقرأ فقرأ، ~~فلما انتهى إلى قوله إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا بكى وقال أنا ~~والله صاحبه، وقال الليث: ما صحب الأنبياء مثل أبي بكر الصديق، وقال سفيان ~~بن عيينة: خرج أبو بكر بهذه الآية من المعاتبة التي في قوله: إلا تنصروه. # قال القاضي أبو محمد: أقول بل خرج منها كل من شاهد غزوة تبوك ولم يتخلف، ~~وإنما المعاتبة لمن تخلف فقط، أما إن هذه الآية منوهة بأبي بكر حاكمة بقدمه ~~وسابقته في الإسلام رضي الله عنه، وقوله: # إن الله معنا يريد به النصر والإنجاء واللطف، وقوله تعالى: فأنزل الله ~~سكينته عليه الآية، قال حبيب بن أبي ثابت: الضمير في عليه عائد على أبي بكر ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل ساكن النفس ثقة بالله عز وجل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول من لم ير السكينة إلا سكون النفس والجأش، ~~وقال جمهور الناس: # الضمير عائد على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أقوى، و «السكينة» عندي ~~إنما هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحياطة لهم والخصائص التي لا تصلح ~~إلا لهم، كقوله تعالى: فيه سكينة من ربكم [البقرة: 248] ويحتمل أن يكون ~~قوله فأنزل الله سكينته إلى آخر الآية يراد به ما صنعه الله لنبيه إلى وقت ~~تبوك من الظهور والفتوح لا أن تكون هذه الآية ms1594 تختص بقصة الغار والنجاة إلى ~~المدينة، فعلى هذا تكون «الجنود» الملائكة النازلين ببدر وحنين، ومن رأى أن ~~الآية مختصة بتلك القصة قال «الجنود» ملائكة بشروه بالنجاة وبأن الكفار لا ~~ينجح لهم سعي، وفي مصحف حفصة «فأنزل الله سكينته عليهما وأيدهما» ، وقرأ ~~مجاهد «وأأيده» بألفين، والجمهور «وأيده» بشد الياء، وقوله: وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى يريد بإدحارها ودحضها وإذلالها، وكلمة الله هي العليا ~~قيل يريد لا إله إلا الله، وقيل الشرع بأسره، وقرأ جمهور الناس «وكلمة» ~~بالرفع على الابتداء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويعقوب «وكلمة» بالنصب على ~~تقدير وجعل كلمة، قال الأعمش: ورأيت في مصحف أنس بن مالك المنسوب إلى أبي ~~بن كعب «وجعل كلمته هي العليا» . # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 41 الى 42] # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت ~~عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله ~~يعلم إنهم لكاذبون (42) # هذا أمر من الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالنفر إلى الغزو ~~فقال بعض الناس هذا أمر PageV03P036 # عام لجميع المؤمنين تعين به الفرض على الأعيان في تلك المدة، ثم نسخه ~~الله عز وجل، بقوله: وما كان المؤمنون لينفروا كافة [التوبة: 122] ، روي ~~ذلك عن الحسن وعكرمة، وقال جل الناس: بل هذا حض والأمر في نفسه موقوف على ~~فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان، وأما قوله خفافا وثقالا ~~فنصب على الحال من الضمير في قوله انفروا، ومعنى الخفة والثقل هنا مستعار ~~لمن يمكنه السفر بسهولة ومن يمكنه بصعوبة، وأما من لا يمكنه كالعمي ونحوهم ~~فخارج عن هذا. # وروي أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعلي أن ~~أنفر؟ فقال له نعم، حتى نزلت ليس على الأعمى حرج [النور: 61] ، وذكر الناس ~~من معاني الخفة والثقل أشياء لا وجه لتخصيص بعضها دون بعض، بل هي وجوه ~~متفقة، فقيل «الخفيف» الغني ms1595 «والثقيل» الفقير: قاله مجاهد، وقيل الخفيف ~~الشاب والثقيل الشيخ قاله الحسن وجماعة، وقيل الخفيف النشيط والثقيل ~~الكاسل، قاله ابن عباس وقتادة، وقيل المشغول ومن لا شغل له قاله الحكم بن ~~عيينة وزيد بن علي، وقيل الذي له ضيعة هو الثقيل ومن لا ضيعة له هو الخفيف ~~قاله ابن زيد: وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل حكاه النقاش، وقيل ~~الرجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف قاله الأوزاعي. # قال القاضي أبو محمد: وهذان الوجهان الآخران ينعكسان وقد قيل ذلك ولكنه ~~بحسب وطأتهم على العدو فالشجاع هو الثقيل وكذلك الفارس والجبان هو الخفيف ~~وكذلك الراجل وكذلك ينعكس الفقير والغني فيكون الغني هو الثقيل بمعنى صاحب ~~الشغل ومعنى هذا أن الناس أمروا جملة. # وهذه الأقوال إنما هي على معنى المثال في الثقل والخفة، وقال أبو طلحة: ~~ما أسمع الله عذرا أحدا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات. # وقال أبو أيوب: ما أجدني أبدا إلا ثقيلا أو خفيفا، وروي أن بعض الناس رأى ~~في غزوات الشام رجلا سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم إن الله ~~قد عذرك، فقال يا ابن أخي إنا قد أمرنا بالنفر خفافا وثقالا، وأسند الطبري ~~عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص وهو على تابوت صراف وقد فضل على التابوت من ~~سمنه وهو يتجهز للغزو فقال له لقد عذرك الله، فقال أتت علينا سورة البعوث ~~انفروا خفافا وثقالا، وروي سورة البحوث، وقوله تعالى: بأموالكم وأنفسكم وصف ~~لأكمل ما يكون من الجهاد وأنفسه عند الله تعالى: فحض على كمال الأوصاف، ~~وقدمت الأموال في الذكر إذ هي أول مصرف وقت التجهيز فرتب الأمر كما هو في ~~نفسه، ثم أخبر أن ذلك لهم خير للفوز برضى الله وغلبة العدو ووراثة الأرض، ~~وفي قوله: إن كنتم تعلمون تنبيه وهز للنفوس، وقوله: لو كان عرضا قريبا ~~الآية، ظاهر هذه الآية وما يحفظ من قصة تبوك أن الله لما أمر رسوله بغزو ~~الروم نذب الناس وكان ذلك في شدة من الحر وطيب من ms1596 الثمار والظلال، فنفر ~~المؤمنون، واعتذر منهم لا محالة فريق لا سيما من القبائل المجاورة للمدينة، ~~ويدل على ذلك قوله في أول هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل ~~لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض [التوبة: 38] ، لأن هذا الخطاب ~~ليس للمنافقين خاصة بل هو عام، واعتذر المنافقون بأعذار كاذبة، وكانوا ~~بسبيل كسل مفرط وقصد للتخلف وكانت أعذار المؤمنين خفيفة ولكنهم PageV03P037 # تركوا الأولى من التحامل، فنزل ما سلف من الآيات في عتاب المؤمنين، ثم ~~ابتدأ من هذه الآية ذكر المنافقين وكشف ضمائرهم، فيقول لو كان هذا الغزو ~~لعرض أي لمال وغنيمة تنال قريبا بسفر قاصد يسير لبادروا إليه، لا لوجه الله ~~ولا لظهور كلمته، ولكن بعدت عليهم الشقة في غزو الروم أي المسافة الطويلة، ~~وذكر أبو عبيدة أن أعرابيا قدم البصرة وكان قد حمل حمالة فعجز عنها، وكان ~~معه ابن له يسمى الأحوص فبادر الأحوص أباه بالقول، فقال إنا من تعلمون ~~وابنا سبيل وجئنا من شقة ونطلب في حق وتنطوننا ويجزيكم الله فتهيأ أبوه ~~ليخطب فقال له يا إياك إني قد كفيتك. # قال القاضي أبو محمد: يا تنبيه وإياك نهي، وقرأ عيسى ابن عمر «الشقة» ~~بكسر الشين، وقرأ الأعرج «بعدت» بكسر العين، وحكى أبو حاتم أنها لغة بني ~~تميم في اللفظتين، وقوله: سيحلفون بالله يريد المنافقين، وهذا إخبار بغيب، ~~وقوله يهلكون أنفسهم يريد عند تخلفهم مجاهرة وكفرهم، فكأنهم يوجبون على ~~أنفسهم الحتم بعذاب الله. # ثم أخبر أن الله الذي هو أعدل الشاهدين يعلم كذبهم وأنهم كانوا يستطيعون ~~الخروج ولكنهم تركوه كفرا ونفاقا، وهذا كله في الجملة لا بتعيين شخص ولو ~~عين لقتل بالشرع، وقرأ الأعمش على جهة التشبيه بواو ضمير الجماعة «لو ~~استطعنا» بضم الواو، ذكره ابن جني، ومثله بقوله تعالى: لقد ابتغوا الفتنة ~~[التوبة: 48] فتمنوا الموت [البقرة: 94] واشتروا الضلالة [البقرة 16- 175] ~~. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 43 الى 44] # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) ~~لا يستأذنك الذين يؤمنون ms1597 بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) # هذه الآية في صنف مبالغ في النفاق واستأذنوا دون اعتذار، منهم عبد الله ~~بن أبي والجد بن قيس ورفاعة بن التابوت ومن اتبعهم فقال بعضهم إيذن لي ولا ~~تفتني وقال بعضهم إيذن لنا في الإقامة فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم استيفاء منه صلى الله عليه وسلم، وأخذا بالأسهل من الأمور وتوكلا على ~~الله، وقال مجاهد إن بعضهم قال نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإلا قعدنا ~~فنزلت الآية في ذلك. # وقالت فرقة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن لهم دون أن يؤمر بذلك ~~فعفي عنه ما يلحق من هذا، وقدم له ذكر العفو قبل العتاب إكراما له صلى الله ~~عليه وسلم، وقال عمرو بن ميمون الأودي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر فيهما بشيء. # هذه، وأمر أسارى بدر، فعاتبه الله فيهما، وقالت فرقة بل قوله في هذه ~~الآية عفا الله عنك استفتاح كلام، كما تقول أصلحك الله وأعزك الله، ولم يكن ~~منه صلى الله عليه وسلم، ذنب يعفى عنه لأن صورة الاستنفار قبول الإعذار ~~مصروفة إلى اجتهاده، وأما قوله لم أذنت فهي على معنى التقرير، وقوله الذين PageV03P038 # صدقوا # يريد استئذانك وأنك لو لم تأذن لهم خرجوا معك وقوله وتعلم الكاذبين يريد ~~في أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدك وهم كذبة قد عزموا على ~~العصيان أذنت لهم أو لم تأذن، وقال الطبري معناه حتى تعلم الصادقين في أن ~~لهم عذرا والكاذبين في أن لا عذر لهم. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل يختلط المتعذرون وقد قدمنا أن ~~فيهم مؤمنين كالمستأذنين وهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر والأول أصوب ~~والله أعلم. # وأدخل الطبري أيضا في تفسير هذه الآية عن قتادة أن هذه الآية نزلت بعدها ~~الآية الأخرى في سورة النور فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ~~[الآية: 62] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا غلط لأن ms1598 آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في ~~غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض ~~شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات، فأباح الله له أن يأذن فتباينت الآيتان في ~~الوقت والمعنى، وقوله لا يستأذنك الآية، نفي عن المؤمنين أن يستأذنوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، في التخلف دون عذر كما فعل الصنف المذكور من ~~المنافقين، وقوله أن يجاهدوا يحتمل أن تكون أن في موضع نصب على معنى لا ~~يستأذنون في التخلف كراهية أن يجاهدوا، قال سيبويه ويحتمل أن تكون في موضع ~~خفض. # قال القاضي أبو محمد: على معنى لا يحتاجون إلى أن يستأذنوا في أن يجاهدوا ~~بل يمضون قدما، أي فهم أحرى ألا يستأذنوا في التخلف، ثم أخبر بعلمه تعالى ~~بالمتقين وفي ذلك تعيير للمنافقين وطعن عليهم بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 45 الى 47] # إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم ~~بالظالمين (47) # هذه الآية تنص على أن المسأذنين إنما هم مخلصون للنفاق، وارتابت قلوبهم ~~معناه شكت، والريب نحو الشك، ويترددون أي يتحيرون لا يتجه لهم هدى، ومن هذه ~~الآية نزع أهل الكلام في حد الشك أنه تردد بين أمرين، والصواب في حده أنه ~~توقف بين أمرين، والتردد في الآية إنما هو في ريب هؤلاء المنافقين إذ كانوا ~~تخطر لهم صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا، وأنه غير صحيح أحيانا، ~~ولم يكونوا شاكين طالبين للحق لأنه كان يتضح لهم لو طلبوه، بل كانوا ~~مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كالشاة الحائرة بين الغنمين، وأيضا ~~فبين الشك والريب فرق ما، وحقيقة الريب إنما هو الأمر يستريب به PageV03P039 # الناظر فيخلط عليه عقيدته فربما أدى إلى شك وحيرة وربما أدى إلى علم ms1599 ما ~~في النازلة التي هو فيها، ألا ترى أن قول الهذلي: # كأني أريته بريب لا يتجه أن يفسر بشك قال الطبري: وكان جماعة من أهل ~~العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرنا في سورة النور، ~~وأسند عن الحسن وعكرمة أنهما قالا في قول لا يستأذنك الذين يؤمنون [التوبة: ~~44] إلى قوله فهم في ريبهم يترددون نسختها الآية التي في النور،، إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله [الآية: 62] إلى إن الله غفور رحيم ~~[النور: 62] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا غلط وقد تقدم ذكره، وقوله تعالى: ولو أرادوا ~~الخروج الآية، حجة على المنافقين، أي ولو أرادوا الخروج بنياتهم لنظروا في ~~ذلك واستعدوا له قبل كونه، و «العدة» ما يعد للأمر ويروى له من الأشياء، ~~وقرأ جمهور الناس «عدة» بضم العين وتاء تأنيث، وقرأ محمد بن عبد الملك بن ~~مروان وابنه معاوية بن محمد «عده» بضم العين وهاء إضمار يريد «عدته» فحذفت ~~تاء التأنيث لما أضاف، كما قال «وأقام الصلاة» يريد وإقامة الصلاة، هذا قول ~~الفراء، وضعفه أبو الفتح وقال إنما حدف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير عوضا ~~منها، وقال أبو حاتم: هو جمع عدة على عد، كبرة وكبر ودرة ودر، والوجه فيه ~~عدد ولكن لا يوافق خط المصحف، وقرأ عاصم فيما روى عنه أبان وزر بن حبيش ~~«عده» بكسر العين وهاء إضمار وهو عندي اسم لما يعد كالريح والقتل لأن العدو ~~سمي قتلا إذ حقه أن يقتل هذا في معتقد العرب حين سمته، وانبعاثهم نفوذهم ~~لهذه الغزوة، و «التثبيط» التكسيل وكسر العزم، وقوله وقيل، يحتمل أن يكون ~~حكاية عن الله تعالى أي قال الله في سابق قضائه اقعدوا مع القاعدين، ويحتمل ~~أن يكون حكاية عنهم أي كانت هذه مقالة بعضهم لبعض إما لفظا وإما معنى، فحكي ~~في هذه الألفاظ التي تقتضي لهم مذمة إذ القاعدون النساء والأطفال، ويحتمل ~~أن يكون عبارة عن إذن محمد صلى الله عليه وسلم، لهم في القعود، أي لما كره ~~الله خروجهم يسر أن قلت لهم اقعدوا ms1600 مع القاعدين، والقعود هنا عبارة عن ~~التخلف والتراخي كما هو في قول الشاعر: # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وليس للهيئة في هذا كله مدخل، وكراهية الله ~~انبعاثهم رفق بالمؤمنين وقوله تعالى: لو خرجوا فيكم الآية، خبر بأنهم لو ~~خرجوا لكان خروجهم مضرة، وقوله إلا خبالا استثناء من غير الأول، وهذا قول ~~من قدر أنه لم يكن في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبال، فيزيد ~~المنافقون فيه، فكأن المعنى ما زادوكم قوة ولا شدة لكن خبالا، ويحتمل أن ~~يكون الاستثناء غير منقطع وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ~~غزوة تبوك كان فيه منافقون كثير ولهم لا محالة خبال، فلو خرج هؤلاء لا ~~لتأموا مع الخارجين فزاد الخبال، والخبال الفساد في الأشياء المؤتلفة ~~الملتحمة كالمودات وبعض الأجرام، ومنه قول الشاعر: [الكامل] # يا بني لبينى لستما بيد ... إلا يدا مخبولة العضد PageV03P040 # وقرأ ابن أبي عبلة «ما زادكم» بغير واو، وقرأ جمهور الناس لأوضعوا ومعناه ~~لأسرعوا السير، وخلالكم معناه فيما بينكم من هنا إلى هنا يسد الموضع الخلة ~~بين الرجلين، والإيضاع سرعة السير، وقال الزجاج خلالكم معناه فيما يخل بكم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وماذا يقول في قوله: فجاسوا خلال الديار ~~[الإسراء: 5] وقرأ مجاهد فيما حكى النقاش عنه، «ولأوفضوا» وهو أيضا بمعنى ~~الإسراع ومنه قوله تعالى: إلى نصب يوفضون [المعارج: 43] ، وحكي عن الزبير ~~أنه قرأ «ولأرفضوا» قال أبو الفتح: هذه من رفض البعير إذا أسرع في مشية ~~رقصا ورقصانا، ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل] رقص القلوص براكب مستعجل ~~ووقعت «ولا أوضعوا» بألف بعد «لا» في المصحف، وكذلك وقعت في قوله أو ~~لأذبحنه [النمل: 21] ، قيل وذلك لخشونة هجاء الأولين قال الزجاج: وإنما ~~وقعوا في ذلك لأن الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة تكتب ألفا. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تمطل حركة اللام فيحدث بين اللام والهمزة ~~التي من أوضع، وقوله: يبغونكم الفتنة أي يطلبون لكم الفتنة، وقوله وفيكم ~~سماعون، قال سفيان بن عيينة والحسن ومجاهد ms1601 وابن زيد معناه جواسيس يستمعون ~~الأخبار وينقلونها إليهم، ورجحه الطبري، قال النقاش: بناء المبالغة يضعف ~~هذا القول، وقال جمهور المفسرين معناه وفيكم مطيعون سامعون لهم، وقوله: ~~والله عليم بالظالمين توعد لهم ولمن كان من المؤمنين على هذا الصفة. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 48 الى 51] # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله ~~لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) # في هذه الآية تحقير شأنهم، وذلك أنه أخبر أنهم قد لما سعوا على الإسلام ~~فأبطل الله سعيهم، ومعنى قوله: من قبل ما كان من حالهم من وقت هجرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ورجوعهم عنه في أحد وغيرها، ومعنى وقلبوا لك ~~الأمور دبروها ظهرا لبطن ونظروا في نواحيها وأقسامها وسعوا بكل حيلة، وقرأ ~~مسلمة بن محارب «وقلبوا لك» بالتخفيف في اللام، وأمر الله الإسلام ودعوته، ~~وقوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لي نزلت في الجد بن قيس، وذكر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لما أمر PageV03P041 # بالغزو إلى بلاد الروم حرض الناس فقال للجد بن قيس هل لك العام في جلاد ~~بني الأصفر، وقال له وللناس: اغزوا تغنموا بنات الأصفر، فقال له الجد بن ~~قيس: ائذن لي في التخلف ولا تفتني بذكر بنات الأصفر، فقد علم قومي أني لا ~~أتمالك عن النساء إذا رأيتهن، ذكر ابن إسحاق ونحو هذا من القول الذي فيه ~~فتور كثير وتخلف في الاعتذار، وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر، فقال الجد ائذن ولا تفتنا ~~بالنساء، وهذا منزع الأول إذا نظر، وهو أشبه بالنفاق والمحادة، وقال ابن ~~عباس إن الجد قال: ولكني أعينك بمالي، وتأول بعض الناس ms1602 قوله ولا تفتني أي ~~لا تصعب علي حتى أحتاج إلى مواقعة معصيتك ومخالفتك، فسهل أنت علي ودعني غير ~~مجلح، وهذا تأويل حسن واقف مع اللفظ، لكن تظاهر ما روي من ذكر بنات الأصفر، ~~وذلك معترض في هذا التأويل، وقرأ عيسى بن عمر «ولا تفتني» بضم التاء الأولى ~~قال أبو حاتم هي لغة بني تميم، والأصفر هو الروم بن عيصو بن إسحاق بن ~~إبراهيم الخليل عليهما السلام وكان أصفر اللون فيقال للروم بنو الأصفر، ومن ~~ذلك قول أبي سفيان: أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر، ومنه ~~قول الشاعر [عدي بن زيد العبادي] : # [الخفيف] # وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... وم لم يبق منهم مذكور # وذكر النقاش والمهدوي أن الأصفر رجل من الحبشة وقع ببلاد الروم فتزوج ~~وأنسل بنات لهن جمال وهذا ضعيف، وقوله: ألا في الفتنة سقطوا أي في الذي ~~أظهروا الفرار منه بما تبين لك وللمؤمنين من نفاقهم وصح عندكم من كفرهم ~~وفسد مما بينكم وبينهم، وسقطوا عبارة منبئة عن تمكن وقوعهم ومنه على الخبير ~~سقطت، ثم قال وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، وهذا توعد شديد لهم أي هي مآلهم ~~ومصيرهم كيف ما تقلبوا في الدنيا فإليها يرجعون فهي محيطة بهذا الوجه، ~~وقوله تعالى: إن تصبك حسنة الآية، أخبر تعالى عن معتقدهم وما هم عليه، و ~~«الحسنة» هنا بحسب الغزوة هي الغنيمة والظفر، و «المصيبة» الهزم والخيبة، ~~واللفظ عام بعد ذلك في كل محبوب ومكروه، ومعنى قوله: قد أخذنا أمرنا من ~~قبل، أي حزمنا نحن في تخلفنا ونظرنا لأنفسنا، وقوله تعالى: قل لن يصيبنا ~~الآية، أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يرد على ~~المنافقين ويفسد عليهم فرحهم بأن يعلمهم أن الشيء الذي يعتقدونه مصيبة ليس ~~كما اعتقدوه، بل الجميع مما قد كتبه الله عز وجل للمؤمنين، فإما أن يكون ~~ظفرا وسرورا في الدنيا وإما أن يكون ذخرا للآخرة، وقرأ طلحة بن مصرف «قل هل ~~يصيبنا» ، ذكره أبو حاتم، وعند ابن جني ms1603 وقرأ طلحة بن مصرف وأعين قاضي الري ~~«قل لن يصيبنا» بشد الياء التي بعد الصاد وكسرها كذا ذكر أبو الفتح وشرح ~~ذلك وهو وهم، والله أعلم. # قال أبو حاتم: قال عمرو بن شفيق سمعت أعين قاضي الري يقرأ «قل لن يصيبنا» ~~النون مشددة، قال أبو حاتم: ولا يجوز ذلك لأن النون لا تدخل مع لن، ولو ~~كانت لطلحة بن مصرف لجازت لأنها مع «هل» ، قال الله عز وجل هل يذهبن كيده ~~ما يغيظ [الحج: 15] وقوله: كتب الله يحتمل أن يريد ما قضى وقدر. PageV03P042 # ويحتمل أن يريد ما كتب الله لنا في قرآننا علينا من أنا إما أن نظفر ~~بعدونا وإما أن نستشهد فندخل الجنة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الاحتمال يرجع إلى الأول وقد ذكرهما الزجاج، ~~وقوله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون، معناه مع سعيهم وجدهم إذ لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، وهذا قول أكثر العلماء وهو الصحيح، والذي فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، مدة عمره ومنه مظاهرته بين درعين، وتخبط الناس في معنى ~~التوكل في الرزق فالأشهر والأصح أن الرجل الذي يمكنه التحرف الحلال المحض ~~الذي لا تدخله كراهية ينبغي له أن يمتثل منه ما يصونه ويحمله كالاحتطاب ~~ونحوه، وقد قرن الله تعالى الرزق بالتسبب، ومنه وهزي إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا جنيا [مريم: 25] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الطير: «تغدو خماصا» الحديث. # ومنه قوله: «قيدها وتوكل» ، وذهب بعض الناس إلى أن الرجل القوي الجلد إذا ~~بلغ من التوكل إلى أن يدخل غارا أو بيتا يجهل أمره فيه ويبقى في ذكر الله ~~متوكلا يقول إن كان بقي لي رزق فسيأتي الله به وإن كان رزقي قد تم مت إذ ~~ذلك حسن بالغ عند قوم، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه كان في الحرم رجل ~~ملازم، يخرج من جيبه المرة بعد المرة بطاقة ينظر فيها ثم يصرفها ويبقى على ~~حاله حتى مات في ذلك الموضع، فقرأت البطاقة فإذا فيها مكتوب واصبر لحكم ربك ~~فإنك ms1604 بأعيننا [الطور: 48] . # قال القاضي أبو محمد: وهذه الطريقة لا يراها جل أهل العلم بل ينبغي أن ~~يسعى الرجل لقدر القوت سعيا جميلا لا يواقع فيه شبهة، فإن تعذر عليه جميع ~~ذلك وخرج إلى حد الاضطرار فحينئذ إن تسامح في السؤال وأكل الميتة وما أمكنه ~~من ذلك فهو له مباح، وإن صبر وتحتسب نفسه كان في أعلى رتبة عند قوم، ومن ~~الناس من يرى أن فرضا عليه إبقاء رمقه وأما من يختار الإلقاء باليد- والسعي ~~ممكن- فما كان هذا قط من خلق الرسول ولا الصحابة ولا العلماء، والله سبحانه ~~الموفق للصواب، ومن حجج من يقول بالتوكل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله «يدخل الجنة سبعون ألفا من أمتي بلا حساب وهم الذين لا يرقون ولا ~~يسترقون ولا يكتوون ولا يتطببون وعلى ربهم يتوكلون» ، وفي هذا الحديث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعكاشة بن محصن أن يكون منهم، فقيل ذلك ~~لأنه عرف منه أنه معد لذلك، وقال للآخر سبقك بها عكاشة وردت الدعوة، فقيل: ~~ذلك لأنه كان منافقا، وقيل بل عرف منه أنه لا يصح لهذه الدرجة من التوكل. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 52 الى 53] # قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها ~~لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) # فالمعنى في هذه الآية الرد على المنافقين في معتقدهم في المؤمنين، وإزالة ~~ظنهم أن المؤمنين تنزل PageV03P043 # بهم مصائب، والإعلام بأنها حسنى كيف تصرفت، وتربصون معناه تنتظرون و ~~«الحسنيان» الشهادة والظفر، وقرأ ابن محيصن: «إلا احدى الحسنيين» بوصل ألف ~~إحدى. # قال القاضي أبو محمد: وهذه لغة ليست بالقياس وهذا مثل قول الشاعر: ~~[الكامل] يا أبا المغيرة رب أمر معضل وقول الآخر: [الكامل] إن لم أقاتل ~~فالبسيني برقعا وقوله بعذاب من عنده، يريد الموت بأخذات الأسف، ويحتمل أن ~~يكون توعدا بعذاب الآخرة، وقوله أو بأيدينا، يريد القتل وقيل بعذاب ms1605 من عنده ~~يريد أنواع المصائب والقوارع وقوله: فتربصوا إنا معكم متربصون وعيد وتهديد، ~~وقوله: قل أنفقوا طوعا أو كرها سببها: أن الجد بن قيس حين قال: ائذن لي ولا ~~تفتني [التوبة: 49] قال إني أعينك بمال فنزلت هذه الآية فيه وهي عامة بعده، ~~والطوع والكره يعمان كل إنفاق، وقرأ ابن وثاب والأعمش «وكرها» بضم الكاف. # قال القاضي أبو محمد: ويتصل هاهنا ذكر أفعال الكافر إذا كانت برا كصلة ~~القرابة وجبر الكسير وإغاثة المظلوم هل ينتفع بها أم لا، فاختصار القول في ~~ذلك أن في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن ثواب الكافر ~~على أفعاله البرة هو في الطعمة يطعمها» ونحو ذلك، فهذا مقنع لا يحتاج معه ~~إلى نظر وأما ما ينتفع بها في الآخرة فلا، دليل ذلك أن عائشة أم المؤمنين ~~قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله: أرأيت عبد الله بن جدعان ~~أينفعه ما كان يطعم ويصنع من خير فقال: «لا إنه لم يقل يوما، رب اغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين» ، ودليل آخر في قول عمر رضي الله عنه لابنه: ذاك العاصي ~~بن وائل لا جزاه الله خيرا وكان هذا القول بعد موت العاصي، الحديث بطوله، ~~ودليل ثالث في حديث حكيم بن حزام على أحد التأويلين: أعني في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أسلمت على ما سلف لك من خير، ولا حجة في أمر أبي طالب كونه ~~في ضحضاح من نار لأن ذلك إنما هو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأنه ~~وجده في غمرة من النار فأخرجه، ولو فرضنا أن ذلك بأعماله لم يحتج إلى ~~شفاعة، وأما أفعال الكافر القبيحة فإنها تزيد في عذابه وبذلك هو تفاضلهم في ~~عذاب جهنم، وقوله: أنفقوا أمر في ضمنه جزاء وهذا مستمر في كل أمر معه جواب ~~فالتقدير: إن تنفقوا لم يتقبل منكم، وأما إذا عري الأمر من جواب فليس يصحبه ~~تضمن الشرط. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 54 الى 56] # وما منعهم أن ms1606 تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) PageV03P044 # يحتمل أن يكون معنى الآية: وما منعهم الله من أن تقبل إلا لأجل أنهم ~~كفروا بالله، ف أن الأولى على هذا في موضع خفض نصبها الفعل حين زال الخافض، ~~و «أن» الثانية، في موضع نصب مفعول من أجله، ويحتمل أن يكون التقدير: وما ~~منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم، فالأولى على هذا في موضع نصب، ~~ويحتمل أن يكون المعنى: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم، فالثانية في ~~موضع رفع فاعلة، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: «أن تقبل منهم ~~نفقاتهم» ، وقرأ حمزة والكسائي ونافع فيما روي عنه: «أن يقبل منهم نفقاتهم» ~~بالياء وقرأ الأعرج بخلاف عنه: «أن تقبل منهم نفقتهم» بالتاء من فوق وإفراد ~~النفقة، وقرأ الأعمش، «أن يقبل منهم صدقاتهم» ، وقرأت فرقة: «أن نقبل منهم ~~نفقتهم» بالنون ونصب النفقة، وكسالى جمع كسلان، وكسلان إذا كانت مؤنثته ~~كسلى لا ينصرف بوجه وإن كانت مؤنثته كسلانة فهو ينصرف في النكرة ثم أخبر ~~عنهم تعالى أنهم «لا ينفقون دومة إلا على كراهية» إذ لا يقصدون بها وجه ~~الله ولا محبة المؤمنين، فلم يبق إلا فقد المال وهو من مكارههم لا محالة، ~~وقوله تعالى: فلا تعجبك أموالهم الآية، حقر هذا اللفظ شأن المنافقين وعلل ~~إعطاء الله لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها، واختلف في وجه ~~التعذيب فقال قتادة: في الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى «فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة» ، ~~وقال الحسن: الوجه في التعذيب أنه بما ألزمهم فيها من أداء الزكاة والنفقة ~~في سبيل الله. # قال القاضي أبو محمد: فالضمير في قوله بها عائد في هذا القول على ~~«الأموال» فقط، وقال ابن زيد وغيره: «التعذيب» هو ms1607 بمصائب الدنيا ورزاياها ~~هي لهم عذاب إذ لا يؤجرون عليها، وهذا القول وإن كان يستغرق قول الحسن فإن ~~قول الحسن يتقوى تخصيصه بأن تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم بسائر ~~الرزايا وذلك لاقتران الذلة والغلبة بأوامر الشريعة لهم قوله: وتزهق ~~أنفسهم، يحتمل أن يريد ويموتون على الكفر، ويحتمل أن يريد «وتزهق أنفسهم» ~~من شدة التعذيب الذي ينالهم، وقوله وهم كافرون جملة في موضع الحال على ~~التأويل الأول، وليس يلزم ذلك على التأويل الثاني، وقوله ويحلفون الآية، ~~أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون أنهم من المؤمنين في الدين ~~والشريعة ثم أخبر تعالى عنهم على الجملة لا على التعيين أنهم ليسوا من ~~المؤمنين، وإنما هم يفزعون منهم فيظهرون الإيمان وهم يبطنون النفاق، و ~~«الفرق» ، الخوف، والفروقة الجبان وفي المثل وفرق خير من حبين. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 57 الى 59] # لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ~~(58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله ~~من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) PageV03P045 # «الملجأ» من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم، وقرأ جمهور الناس «أو مغارات» بفتح ~~الميم، وقرأ سعيد بن عبد الرحمن بن عوف «أو مغارات» بضم الميم وهي الغيران ~~في أعراض الجبال ففتح الميم من غار الشيء إذا دخل كما تقول غارت العين إذا ~~دخلت في الحجاج، وضم الميم من أغار الشيء غيره إذا أدخله، فهذا وجه من ~~اشتقاق اللفظة، وقيل إن العرب تقول: غار الرجل وأغار بمعنى واحد أي دخل، ~~قال الزجاج: إذا دخل الغور فيحتمل أن تكون اللفظة أيضا من هذا. # قال القاضي أبو محمد: ويصح في قراءة ضم الميم أن تكون من قولهم حبل مغار ~~أي مفتول ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبروم، فيجيء التأويل على هذا: ~~لو يجدون عصرة أو أمورا مرتبطة مشددة تعصمهم منكم أو مدخلا لولوا إليه، ~~وقرأ جمهور ms1608 الناس «أو مدخلا» أصله مفتعل وهو بناء تأكيد ومبالغة ومعناه ~~السرب والنفق في الأرض، وبما ذكرناه في الملجأ والمغارات، «والمدخل» فسر ~~ابن عباس رضي الله عنه، وقال الزجاج «المدخل» معناه قوما يدخلونهم في ~~جملتهم وقرأ مسلمة بن محارب والحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير ~~بخلاف عنه «أو مدخلا» فهذا من دخل وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش «أو ~~مدخلا» بتشديدهما وقرأ أبي بن كعب «مندخلا» قال أبو الفتح هذا كقول الشاعر ~~[الكميت] : # [البسيط] ولا يدي في حميت السمن تندخل قال القاضي أبو محمد: وقال أبو ~~حاتم: قراءة أبي بن كعب «متدخلا» بتاء مفتوحة، وروي عن الأعمش وعيسى ~~«مدخلا» بضم الميم فهو من أدخل، وقرأ الناس «لولوا» وقرأ جد أبي عبيدة بن ~~قرمل «لوالوا» من الموالاة، وأنكرها سعيد بن مسلم وقال: أظن لوالوا بمعنى ~~للجؤوا، وقرأ جمهور الناس، «يجمحون» معناه يسرعون مصممين غير منثنين، ومنه ~~قول مهلهل: [البسيط] # لقد جمحت جماحا في دمائهم ... حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا # وقرأ أنس بن مالك «يجمزون» ومعناه يهربون، ومنه قولهم في حديث الرجم: ~~فلما إذ لقته الحجارة جمزة، وقوله تعالى: ومنهم من يلمزك الآية، الضمير في ~~قوله ومنهم عائد على المنافقين، وأسند الطبري إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: ~~جاء ابن ذي الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما فقال: ~~اعدل يا محمد الحديث المشهور بطوله، وفيه قال أبو سعيد: فنزلت في ذلك ومنهم ~~من يلمزك في الصدقات، وروى داود بن أبي عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتي بصدقة فقسمها ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة منافق، وكذلك روي من غير ما طريق أن ~~الآية نزلت بسبب كلام PageV03P046 # المنافقين إذ لم يعطوا بحسب شطط آمالهم، ويلمزك معناه يعيبك ويأخذ منك في ~~الغيبة ومنه قول الشاعر: [البسيط] # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وأن أغيب فأنت الهامز اللمزة # ومنه قول رؤبة: [الرجز] في ظل عصري باطلي ولمزي والهمز أيضا ms1609 في نحو ذلك ~~ومنه قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: 1] وقيل لبعض العرب: أتهمز ~~الفأرة فقال: إنها تهمزها الهرة قال أبو علي: فجعل الأكل همزا، وهذه ~~استعارة كما استعار حسان بن ثابت الغرث في قوله: [الطويل] وتصبح غرثى من ~~لحوم الغوافل تركيبا على استعارة الأكل في الغيبة. # قال القاضي أبو محمد: ولم يجعل الأعرابي الهمز الأكل، وإنما أراد ضربها ~~إياها بالناب والظفر، وقرأ جمهور الناس «يلمزك» بكسر الميم، وقرأ ابن كثير ~~فيما روى عنه حماد بن سلمة «يلمزك» بضم الميم، وهي قراءة أهل مكة وقراءة ~~الحسن وأبي رجاء وغيرهم، وقرأ الأعمش «يلمزك» ، وروى أيضا حماد بن سلمة عن ~~ابن كثير «يلامزك» ، وهي مفاعلة من واحد لأنه فعل لم يقع من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقوله ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله الآية، وصف للحال ~~التي ينبغي أن يكون عليها المستقيمون، يقول تعالى: ولو أن هؤلاء المنافقين ~~رضوا قسمة الله الرزق لهم وما أعطاهم على يدي رسوله ورجوا أنفسهم فضل الله ~~ورسوله وأقروا بالرغبة إلى الله لكان خيرا لهم وأفضل مما هم فيه، وحذف ~~الجواب من الآية لدلالة ظاهر الكلام عليه، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : آية 60] # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(60) # إنما في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف الصدقات على الثمانية الأصناف، وإنما ~~اختلف في صورة القسمة فقال مالك وغيره: ذلك على قدر اجتهاد الإمام وبحسب ~~أهل الحاجة، وقال الشافعي: هي ثمانية أقسام على ثمانية أصناف لا يخل بواحد ~~منها إلا أن المؤلفة انقطعوا. # قال القاضي أبو محمد: ويقول صاحب هذا القول: إنه لا يجزىء المتصدق ~~والقاسم من كل صنف أقل من ثلاثة، وأما الفقير والمسكين فقال الأصمعي وغيره: ~~الفقير أبلغ فاقة وقال غيرهم: المسكين أبلغ فاقة. PageV03P047 # قال القاضي أبو محمد: ولا طريق إلى هذا الاختلاف ولا إلى الترجيح إلا ~~النظر في شواهد القرآن والنظر ms1610 في كلام العرب وأشعارها، فمن حجة الأولين قول ~~الله عز وجل أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر [الكهف: 79] واعترض ~~هذا الشاهد بوجوه منها، أن يكون سماهم «مساكين» بالإضافة إلى الغاصب وإن ~~كانوا أغنياء على جهة الشفقة كما تقول في جماعة تظلم مساكين لا حيلة لهم ~~وربما كانوا مياسير ومنها: أنه قرىء «لمساكين» بشد السين بمعنى: دباغين ~~يعملون المسوك قاله النقاش وغيره ومنها: # أن تكون إضافتها إليهم ليست بإضافة ملك بل كانوا عاملين بها فهي كما ~~تقول: سرج الفرس، ومن حجة الآخرين قول الراعي: [البسيط] # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # وقد اعترض هذا الشاهد بأنه إنما سماه فقيرا بعد أن صار لا حلوبة له، ~~وإنما ذكر الحلوبة بأنها كانت، وهذا اعتراض يرده معنى القصيدة ومقصد الشاعر ~~بأنه إنما يصف سعاية أتت على مال الحي بأجمعه، فقال: أما الفقير فاستؤصل ~~ماله فكيف بالغني مع هذه الحال، وذهب من يقول إن المسكين أبلغ فاقة إلى أنه ~~مشتق من السكون، وأن الفقير مشتق من فقار الظهر كأنه أصيب فقارة فيه لا ~~محالة حركة، وذهب من يقول إن الفقير أبلغ فاقة: إلى أنه مشتق من فقرت البئر ~~إذا نزعت جميع ما فيها، وأن المسكين من السكن. # قال القاضي أبو محمد: ومع هذا الاختلاف فإنهما صنفان يعمهما الإقلال ~~والفاقة، فينبغي أن يبحث على الوجه الذي من أجله جعلهما الله اثنين، ~~والمعنى فيهما واحد، وقد اضطرب الناس في هذا، فقال الضحاك بن مزاحم: ~~«الفقراء» هم من المهاجرين والمساكين من لم يهاجر، وقال النخعي نحوه، قال ~~سفيان: يعني لا يعطى فقراء الأعراب منها شيئا. # قال القاضي أبو محمد: «والمسكين السائل» يعطى في المدينة وغيرها، وهذا ~~القول هو حكاية الحال وقت نزول الآية، وأما منذ زالت الهجرة فاستوى الناس، ~~وتعطى الزكاة لكل متصف بفقر، وقال عكرمة: # «الفقراء» من المسلمين، والمساكين من أهل الذمة، ولا تقولوا لفقراء ~~المسلمين مساكين، وقال الشافعي في كتاب ابن المنذر: «الفقير» من لا مال له ~~ولا حرفة سائلا ms1611 كان أو متعففا، «والمسكين» الذي له حرفة أو مال ولكن لا ~~يغنيه ذلك سائلا كان أو غير سائل، وقال قتادة بن دعامة: الفقير الزمن ~~المحتاج، والمسكين الصحيح المحتاج، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري ~~وابن زيد وجابر بن زيد ومحمد بن مسلمة: # «المساكين» الذين يسعون ويسألون، و «الفقراء» هم الذين يتصاونون، وهذا ~~القول الأخير إذا لخص وحرر أحسن ما يقال في هذا، وتحريره: أن الفقير هو ~~الذي لا مال له إلا أنه لم يذل ولا بذل وجهه، وذلك إما لتعفف مفرط وإما ~~لبلغة تكون له كالحلوبة وما أشبهها، والمسكين هو الذي يقترن بفقره تذلل ~~وخضوع وسؤال، فهذه هي المسكنة، فعلى هذا كل مسكين فقير وليس كل فقير ~~مسكينا، ويقوي هذا أن الله تعالى قد وصف بني إسرائيل بالمسكنة وقرنها ~~بالذلة مع غناهم، وإذا تأملت ما قلناه بان أنهما صنفان موجودان في ~~المسلمين، ويقوي هذا قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف [البقرة: 273] وقيل ~~لأعرابي: أفقير أنت؟ فقال: إني والله مسكين، PageV03P048 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده ~~اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له ~~فيتصدق عليه، اقرأوا إن شئتم لا يسئلون الناس إلحافا [البقرة: 273] ، فدل ~~هذا الحديث على أن المسكين في اللغة هو الطواف، وجرى تنبيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث على المتصاون مجرى تقديم «الفقراء» في الآية لمعنى ~~الاهتمام إذ هم بحيث إن لم يتهمم بهم هلكوا، والمسكين يلح ويذكر بنفسه، ~~وأما العامل فهو الرجل الذي يستنيبه الإمام في السعي على الناس وجمع ~~صدقاتهم، وكل من يصرف من عون لا يستغنى عنه فهو من العاملين لأنه يحشر ~~الناس على السعي، وقال الضحاك: للعاملين ثمن ما عملوا على قسمة القرآن، ~~وقال الجمهور: لهم قدر تعبهم ومؤنتهم قاله مالك والشافعي في كتاب ابن ~~المنذر، فإن تجاوز ذلك ثمن الصدقة فاختلف، فقيل يتم لهم ذلك من سائر ms1612 ~~الأنصباء وقيل، بل يتم لهم ذلك من خمس الغنيمة، واختلف إذا عمل في الصدقات ~~هاشمي فقيل: يعطى منها عمالته وقيل: بل يعطاها الخمس، ولا يجوز للعامل قبول ~~الهدية والمصانعة ممن يسعى عليه وذلك إن فعله رد في بيت المال كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بابن اللتبية حين استعمله على الصدقة فقال، هذا ~~لكم وهذا أهدي لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا قعدت في بيت أبيك ~~وأمك حتى تعلم ما يهدى لك» وأخذ الجميع منه. # قال القاضي أبو محمد: وتأمل عمالة الساعي هل يأخذها قبل العمل أو بعده، ~~وهل هي إجازة أو هي جعل وهل العمل معلوم أو هو يتتبع وإنما يعرف قدره بعد ~~الفراغ، وأما المؤلفة قلوبهم فكانوا صنفين، مسلمين وكافرين مساترين، قال ~~يحيى بن أبي كثير، كان منهم أبو سفيان بن حرب بن أمية والحارث بن هشام ~~وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وأبو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب وعيينة والأقرع ومالك بن عوف والعباس بن مرداس والعلاء بن جارية ~~الثقفي. # قال القاضي أبو محمد: وأكثر هؤلاء من الطلقاء الذين ظاهر أمرهم يوم الفتح ~~الكفر، ثم بقوا مظهرين الإسلام حتى وثقه الاستئلاف في أكثرهم واستئلافهم ~~إنما كان لتجلب إلى الإسلام منفعة أو تدفع عنه مضرة، وقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه والحسن والشعبي وجماعة من أهل العلم: انقطع هذا الصنف بعزة ~~الإسلام وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك رحمه الله، قال عبد الوهاب: إن احتيج ~~إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. # قال القاضي أبو محمد: وقول عمر عندي إنما هو لمعنيين، فإنه قال لأبي ~~سفيان حين أراد أخذ عطائه القديم: إنما تأخذ كرجل من المسلمين فإن الله قد ~~أغنى عنك وعن ضربائك، يريد في الاستئلاف، وأما أن ينكر عمر الاستئلاف جملة ~~وفي ثغور الإسلام فبعيد، وقال كثير من أهل العلم: المؤلفة قلوبهم موجودون ~~إلى يوم القيامة. # قال القاضي أبو محمد: وإذا تأملت الثغور وجد فيها الحاجة إلى الاستئلاف، ~~وقال الزهري: ms1613 # المؤلفة من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنيا. # قال القاضي أبو محمد: يريد لتبسط نفسه ويحبب دين الإسلام إليه، وأما ~~الرقاب فقال ابن عباس PageV03P049 # والحسن ومالك وغيره: هو ابتداء العتق وعون المكاتب بما يأتي على حريته، ~~واختلف هل يعان بها المكاتب في أثناء نجومه بالمنع والإباحة، واختلف على ~~القول بإباحة ذلك إن عجز فقيل يرد ذلك من عند السيد، وقيل يمضى لأنه كان ~~يوم دفعه بوجه مترتب، وقال الشافعي: معنى وفي الرقاب في المكاتبين ولا ~~يبتدأ منها عتق عبد، وقاله الليث وإبراهيم النخعي وابن جبير، وذلك أن هذه ~~الأصناف إنما تعطى لمنفعة المسلمين أو لحاجة في أنفسها، والعبد ليس له ~~واحدة من هاتين العلتين، والمكاتب قد صار من ذوي الحاجة وقال الزهري: سهم ~~الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين ونصف يعتق منه رقاب مسلمون ممن صلى، قال ابن ~~حبيب: ويفدى منه أسارى المسلمين ومنع ذلك غيره، وأما «الغارم» فهو الرجل ~~يركبه دين في غير معصية ولا سفه، قال العلماء: فهذا يؤدى عنه وإن كانت له ~~عروض تقيم رمقه وتكفي عياله، وكذلك الرجل يتحمل بحمالة في ديارات أو إصلاح ~~بين القبائل ونحو هذا، وهو أحد الخمسة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أو غاز في سبيل الله ~~أو رجل تحمل بحمالة أو من أهديت له أو من اشتراها بماله» . # قال القاضي أبو محمد: وقد سقط المؤلفة من هذا الحديث، ولا يؤدى من الصدقة ~~دين ميت ولا يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله، وإنما ~~«الغارم» من عليه دين يسجن فيه، وقد قيل في مذهبنا وغيره: يؤدى دين الميت ~~من الصدقات قاله أبو ثور، وأما في سبيل الله فهو المجاهد يجوز أن يأخذ من ~~الصدقة لينفقها في غزوه وإن كان غنيا قال ابن حبيب: ولا يعطى منها الحاج ~~إلا أن يكون فقيرا فيعطى لفقره، وقال ابن عباس وابن عمر وأحمد وإسحاق: يعطى ~~منها الحاج وإن كان غنيا، والحج ms1614 سبيل الله، ولا يعطى منها في بناء مسجد ولا ~~قنطرة ولا شراء مصحف ونحو هذا، وأما ابن السبيل فهو الرجل في السفر والغربة ~~يعدم فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنيا في بلده، وسمي المسافر ابن السبيل ~~لملازمته السبيل كما يقال للطائر: ابن ماء لملازمته له ومنه عندي قولهم: ~~ابن جلا وقد قيل فيه غير هذا ومنه قولهم: # بنو الحرب وبنو المجد ولا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة، قال ابن ~~الماجشون ومطرف وأصبغ وابن حبيب: ولا من التطوع ولا يعطى مواليهم لأن مولى ~~القوم منهم، وقال ابن القاسم: يعطى بنو هاشم من صدقة التطوع ويعطى مواليهم ~~من الصدقتين، ومن سأل من الصدقة وقال إنه فقير، فقالت فرقة يعطى دون أن ~~يكلف بينة على فقره بخلاف حقوق الآدميين يدعي معها الفقر فإنه يكلف البينة ~~لأنها حقوق الناس يؤخذ لها بالأحوط، وأيضا فالناس إذا تعلقت بهم حقوق آدمي ~~محمولون على الغنى حتى يثبت العدم ويظهر ذلك من قوله تعالى وإن كان ذو عسرة ~~[البقرة: 280] أي ان وقع فيعطي هذا أن الأصل الغنى فإن وقع ذو عسرة فنظرة، ~~وقالت فرقة: الرجل الصحيح الذي لا يعلم فقره لا يعطى إلا أن يعلم فقره، ~~وأما إن ادعى أنه غارم أو مكاتب أو ابن سبيل أو في سبيل الله أو نحو ذلك ~~مما لم يعلم منه فلا يعطى إلا ببينة قولا واحدا، وقد قيل في الغارم: تباع ~~عروضه وجميع ما يملك ثم يعطى بالفقر، ويعطي الرجل قرابته الفقراء وهم أحق ~~من غيرهم فإن كان قريبه غائبا في موضع تقصر إليه الصلاة فجاره الفقير أولى، ~~وإن كان في غيبة لا تقصر إليه الصلاة فقيل هو أولى من الجار الفقير، وقيل ~~الجار أولى ويعطي الرجل قرابته الذين لا تلزمه نفقتهم، وتعطي المرأة زوجها، ~~وقال بعض الناس ما لم ينفق ذلك عليها، ويعطي الرجل زوجته إذا كانت من ~~الغارمين، واختلف PageV03P050 # في ولاء الذي يعتق من الصدقة، فقال مالك: ولاؤه لجماعة المسلمين وقال أبو ~~عبيد: ولاؤه للمعتق وقال عبيد ms1615 الله بن الحسن: يجعل ماله في بيت الصدقات، ~~وقال الحسن وأحمد وإسحاق: ويعتق من ماله رقاب، وإذا كان لرجل على معسر دين ~~فقيل يتركه له ويقطع ذلك من صدقته وقيل لا يجوز ذلك جملة، وقيل إن كان ممن ~~لو رفعه للحاكم أمكن أن يؤديه جاز ذلك وإلا لم يجز لأنه قد توي وأما ~~السبيل: فهو الذي قدمنا ذكره يعطى الرجل الغازي وإن كان غنيا، وقال أصحاب ~~الرأي لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا أن يكون منقطعا به، قال ابن المنذر؟ ~~وهذا خلاف ظاهر القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أما القرآن فقوله وفي سبيل الله، وأما الحديث فقوله «إلا لخمسة لعامل ~~عليها أو غاز في سبيل الله» ، وأما صورة التفريق فقال مالك وغيره: على قدر ~~الحاجة ونظر الإمام يضعها في أي صنف رأى وكذلك المتصدق، وقاله حذيفة بن ~~اليمان وسعيد بن جبير وإبراهيم وأبو العالية، قال الطبري: وقال بعض ~~المتأخرين: إذا قسم المتصدق قسم في ستة أصناف لأنه ليس ثم عامل ولأن ~~المؤلفة قد انقطعوا فإن قسم الإمام ففي سبعة أصناف، وقال الشافعي وعكرمة ~~والزهري: هي ثمانية أقسام لثمانية أصناف لا يخل بواحد منها واحتج الشافعي ~~بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله: «إن الله تعالى لم يرض ~~في الصدقات بقسم نبي ولا غيره حتى قسمها بنفسه فجعلها ثمانية أقسام لثمانية ~~أصناف فإن كنت واحدا منها أعطيتك» . # قال القاضي أبو محمد: والحديث في مصنف أبي داود، وقال أبو ثور: إذا قسمها ~~الإمام لم يخل بصنف منها وإن أعطى الرجل صدقته صنفا دون صنف أجزأه ذلك وقال ~~النخعي: إذا كان المال كثيرا قسم على الأصناف كلها وإذا كان قليلا أعطاه ~~صنفا واحدا. وقالت فرقة من العلماء: من له خمسون درهما فلا يعطى من الزكاة، ~~وقال الحسن وأبو عبيد، لا يعطى من له أوقية وهي أربعون درهما، قال الحسن: ~~وهو غني وقال الشافعي: قد يكون الرجل الذي لا قدر له غنيا بالدرهم مع سعيه ~~وتحيله، وقد ms1616 يكون الرجل له القدر والعيال ضعيف النفس والحيلة فلا تغنيه ~~آلاف، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ الصدقة من له مائتا درهم ومن كان له أقل فلا ~~بأس أن يأخذ، قال سفيان الثوري: لا يدفع إلى أحد من الزكاة أكثر من خمسين ~~درهما، إلا أن يكون غارما وقال أصحاب الرأي، إن أعطي ألفا وهو محتاج أجزأ ~~ذلك، وقال أبو ثور: يعطى من الصدقة حتى يغنى ويزول عنه اسم المسكنة ولا بأس ~~أن يعطى الفقير الألف وأكثر من ذلك، وقال ابن المنذر: أجمع أكثر من يحفظ ~~عنه من أهل العلم أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما أن يأخذ من الزكاة ~~وللمعطي أن يعطيه، وقال مالك: إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة على ما ~~يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجزه، وأما الرجل يعطي الآخر وهو ~~يظنه فقيرا فإذا هو غني، فإنه إن كان بفور ذلك أخذها منه فإن فاتت نظر، فإن ~~كان الآخذ غنيا وأخذها مع علمه بأنها لا تحل له ضمنها على كل وجه، وإن كان ~~لم يغر بل اعتقد أنها تجوز له، أو لم يتحقق مقصد المعطي نظر، فإن كان أكلها ~~أو لبسها ضمنها، وإن كانت تلفت لم يضمن، واختلف في إجزائها عن المتصدق فقال ~~الحسن وأبو عبيدة: تجزيه، وقال الثوري وغيره: لا تجزيه، وأهل بلد الصدقة ~~أحق بها إلا أن تفضل فضلة فتنقل إلى غيرها بحسب نظر الإمام، قال ابن حبيب ~~في الواضحة: أما المؤلفة فانقطع سهمهم، وأما سبيل الله فلا بأس أن يعطي ~~الإمام الغزاة إذا قل الفيء في بيت المال. PageV03P051 # قال القاضي أبو محمد: وهذا الشرط فيه نظر، قال ابن حبيب: وينبغي للإمام ~~أن يأمر السعاة بتفريقها بالمواضع التي جبيت فيها ولا يحمل منه شيء إلى ~~الإمام إلا أن يرى ذلك لحاجة أو فاقة نزلت بقوم، قال مالك: ومن له مزرعة أو ~~شيء في ثمنه إذا باعه ما يغنيه لم يجز له أخذ الصدقة، وهذه جملة من فقه ~~الآية كافية على ms1617 شرطنا في الإيجاز والله الموفق برحمته، وقوله تعالى: فريضة ~~من الله أي موجبة محدودة وهو مأخوذ من الفرض في الشيء بمعنى الحز والقطع ~~ثبوت ذلك ودوامه، شبه ما يفرض من الأحكام، ونصب فريضة على المصدر، ثم وصف ~~نفسه تعالى بصفتين مناسبتين لحكم هذه الآية لأنه صدر عن علم منه بخلقه ~~وحكمة منه في القسمة بينهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 61 الى 63] # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~(61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ~~(62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) # الضمير في قوله ومنهم عائد على المنافقين، ويؤذون لفظ يعم جميع ما كانوا ~~يفعلونه ويقولونه في جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخص بعد ~~ذلك من قولهم هو أذن، وروي أن قائل هذه اللفظة نبتل بن الحارث وكان من مردة ~~المنافقين، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر ~~إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث وكان ثائر الرأس منتفش الشعرة أحمر ~~العينين أسفع الخدين مشوها، وروي عن الحسن البصري ومجاهد أنهما تأولا أنهم ~~أرادوا بقولهم هو أذن أي يسمع منا معاذيرنا وتنصلنا ويقبله، أي فنحن لا ~~نبالي عن أذاه ولا الوقوع فيه إذ هو سماع لكل ما يقال من اعتذار ونحوه، ~~فهذا تنقص بقلة الحزامة والانخداع، وروي عن ابن عباس وجماعة معه أنهم ~~أرادوا بقولهم هو أذن أي يسمع كل ما ينقل إليه عنا ويصغي إليه ويقبله، فهذا ~~تشك منه ووصف بأنه يسوغ عنده الأباطيل والنمائم، ومعنى أذن سماع، ويسمى ~~الرجل السماع لكل قول أذنا إذا كثر منه استعمال الأذن، فهذه تسمية الشيء ~~بالشيء إذا كان منه بسبب كما يقال للربيئة عين وكما يقال للمسنة من الإبل ~~التي قد بزل نابها ناب ms1618 وقيل معنى الكلام ذو أذن أي ذو سماع، وقيل إن قوله ~~أذن مشتق من قولهم أذن للشيء إذا استمع كما قال الشاعر وهو علي بن زيد: ~~[الرمل] # أيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن # وفي التنزيل وأذنت لربها وحقت [الإنشقاق: 2- 5] ومن هذا قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن» ومن هذا قول ~~الشاعر [عدي بن زيد] : [الرمل] PageV03P052 # في سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار # ومنه قول الآخر [قعنب بن أم صاحب] : [البسيط] # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وقرأ نافع «أذن» بسكون الذال فيهما، وقرأ الباقون «أذن» بضم الذال فيهما، ~~وكلهم قرأ بالإضافة إلى خير إلا ما روي عن عاصم، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ~~ومجاهد وعيسى بخلاف «قل أذن خير» برفع خير وتنوين «أذن» ، وهذا يجري مع ~~تأويل الحسن الذي ذكرناه أي من يقبل معاذيركم خير لكم، ورويت هذه القراءة ~~عن عاصم، ومعنى «أذن خير» على الإضافة أي سماع خير وحق، ويؤمن بالله معناه ~~يصدق بالله، ويؤمن للمؤمنين قيل معناه ويصدق المؤمنين واللام زائدة كما هي ~~في قوله ردف لكم [النمل: 72] وقال المبرد هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل ~~كأنه قال وإيمانه للمؤمنين أي تصديقه، ويقال آمنت لك بمعنى صدقتك ومنه قوله ~~تعالى: وما أنت بمؤمن لنا [يوسف: 17] . # قال القاضي أبو محمد: وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى ~~ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه، وكذلك وما أنت بمؤمن لنا [يوسف: 17] بما نقوله ~~لك والله المستعان، وقرأ جميع السبعة إلا حمزة «ورحمة» بالرفع عطفا على ~~أذن، وقرأ حمزة وحده «ورحمة» بالخفض عطفا على خير، وهي قراءة أبي بن كعب ~~وعبد الله والأعمش، وخصص الرحمة للذين آمنوا إذ هم الذين نجوا بالرسول ~~وفازوا به، ثم أوجب تعالى للذين يؤذون رسول الله العذاب الأليم وحتم عليهم ~~به، وقوله تعالى: يحلفون بالله لكم الآية، ظاهر هذه الآية أن المراد بها ~~جميع المنافقين الذين يحلفون لرسول ms1619 الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ~~بأنهم منهم في الدين وأنهم معهم في كل أمر وكل حزب، وهم في ذلك يبطنون ~~النفاق ويتربصون الدوائر وهذا قول جماعة من أهل التأويل، وقد روت فرقة أنها ~~نزلت بسبب رجل من المنافقين قال إن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ~~حقا فأنا شر من الخمر، فبلغ قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه ووقف ~~على قوله ووبخه فحلف مجتهدا أنه ما فعل، فنزلت الآية في ذلك، وقوله والله ~~مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، والتقدير عنده ~~والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه وهذا كقول الشاعر: [المنسرح] # نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف # ومذهب المبرد أن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره والله أحق أن يرضوه ~~ورسوله قال وكانوا يكرهون أن يجمع الرسول مع الله في ضمير، حكاه النقاش ~~عنه، وليس هذا بشيء، وفي مصنف أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصها» فجمع في ضمير، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الآخر «بئس الخطيب أنت» ، إنما ذلك وقف في يعصهما فأدخل ~~العاصي في الرشد، وقيل الضمير في يرضوه عائد على المذكور كما قال رؤبة: ~~[الرجز] . # فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق PageV03P053 # وقوله إن كانوا مؤمنين أي على قولهم ودعواهم، وقوله ألم يعلموا الآية، ~~قوله ألم تقرير ووعيد، وفي مصحف أبي بن كعب «ألم تعلم» على خطاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو وعيد لهم، وقرأ الأعرج والحسن «ألم تعلموا» بالتاء، ~~ويحادد معناه يخالف ويشاق، وهو أن يعطي هذا حده وهذا حده لهذا، وقال ~~الزجاج: هو أن يكون هذا في حد وهذا في حد، وقوله فأن مذهب سيبويه أنها بدل ~~من الأولى وهذا معترض بأن الشيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا ~~الموضع لم يأت خبرها بعد إذ لم يتم جواب الشرط، وتلك الجملة هي الخبر، ~~وأيضا ms1620 فإن الفاء تمانع البدل، وأيضا فهي في معنى آخر غير الأول فيقلق ~~البدل، وإذا تلطف للبدل فهو بدل الاشتمال وقال غير سيبويه: هي مجردة لتأكيد ~~الأولى وقالت فرقة من النحاة: هي في موضع خبر ابتداء تقديره فواجب أن له، ~~وقيل المعنى فله أن له، وقالت فرقة: # هي ابتداء والخبر مضمر تقديره فإن له نار جهنم واجب، وهذا مردود لأن ~~الابتداء ب «أن» لا يجوز مع إضمار الخبر، قاله المبرد: وحكي عن أبي علي ~~الفارسي قول يقرب معناه من معنى القول الثالث من هذه التي ذكرنا لا أقف ~~الآن على لفظه، وجميع القراء على فتح «أن» الثانية، وحكى الطبري عن بعض ~~نحويي البصرة أنه اختار في قراءتها كسر الألف، وذكر أبو عمرو الداني أنها ~~قراءة ابن أبي عبلة، ووجهه في العربية قوي لأن الفاء تقتضي القطع ~~والاستئناف ولأنه يصلح في موضعها الاسم ويصلح الفعل وإذا كانت كذلك وجب ~~كسرها. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 64 الى 66] # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن ~~الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ~~إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) # قوله، يحذر خبر عن حال قلوبهم، وحذرهم إنما هو أن تتلى سورة ومعتقدهم هل ~~تنزل أم لا ليس بنص في الآية لكنه ظاهر، فإن حمل على مقتضى نفاقهم ~~واعتقادهم أن ذلك ليس من عند الله فوجه بين، وإن قيل إنهم يعتقدون نزول ذلك ~~من عند الله وهم ينافقون مع ذلك فهذا كفر عناد، وقال الزجاج وبعض من ذهب ~~إلى التحرز من هذا الاحتمال: معنى يحذر الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه ~~يقول «ليحذر» ، وقرأ أبو عمرو وجماعة معه «أن تنزل» ، ساكنة النون خفيفة ~~الزاي، وقرأ بفتح النون مشددة الزاي الحسن والأعرج وعاصم والأعمش، وأن من ~~قوله أن تنزل، مذهب سيبويه أن، يحذر عامل فهي مفعوله، وقال ms1621 غيره حذر إنما ~~هي من هيئات النفس التي لا تتعدى مثل فزع وإنما التقدير يحذر المنافقون من ~~أن تنزل عليهم سورة، وقوله قل استهزؤا لفظه الأمر ومعناه التهديد، ثم ابتدأ ~~الإخبار عن أنه يخرج لهم إلى حيز الوجود ما يحذرونه، وفعل ذلك تبارك وتعالى ~~في سورة براءة فهي تسمى الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، وقال الطبري: كان ~~المنافقون إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئا من أمره ~~قالوا لعل الله لا يفشي سرنا فنزلت الآية في ذلك. PageV03P054 # قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي كفر العناد الذي قلناه، وقوله ولئن ~~سألتهم الآية، نزلت على ما ذكر جماعة من المفسرين في وديعة بن ثابت وذلك ~~أنه مع قوم من المنافقين كانوا يسيرون في غزوة تبوك، فقال بعضهم لبعض هذا ~~يريد أن يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر هيهات هيهات، فوقفهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال لهم قلتم كذا وكذا، فقالوا إنما كنا ~~نخوض ونلعب، يريدون كنا غير مجدين، وذكر ابن إسحاق أن قوما منهم تقدموا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم كأنكم والله غدا في الحبال أسرى لبني ~~الأصفر إلى نحو هذا من القول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ~~ياسر: «أدرك القوم فقد احترقوا وأخبرهم بما قالوا» ، ونزلت الآية، وروي أن ~~وديعة بن ثابت المذكور قال في جماعة من المنافقين: ما رأيت كقرائنا هؤلاء ~~لا أرغب بطونا ولا أكثر كذبا ولا أجبن عند اللقاء فعنفهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على هذه المقالة فقالوا إنما كنا نخوض ونلعب، ثم أمره ~~بتقريرهم أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن وفي ضمن هذا التقرير وعيد، ~~وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر أنه قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعة ~~متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة تنكبه وهو ~~يقول إنما كنا نخوض ونلعب والنبي يقول أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن، ~~وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي ms1622 ابن سلول، وذلك خطأ لأنه ~~لم يشهد تبوك، وقوله تعالى: لا تعتذروا الآية، المعنى قل لهم يا محمد لا ~~تعتذروا على جهة التوبيخ كأنه قال لا تفعلوا ما لا ينفع. # ثم حكم عليهم بالكفر فقال لهم قد كفرتم بعد إيمانكم الذي زعمتموه ونطقتم ~~به، وقوله عن طائفة منكم يريد فيما ذكر المفسرون رجلا واحدا قيل اسمه مخشن ~~بن حفير قاله ابن إسحاق، وقال ابن هشام ويقال فيه مخشي وقال خليفة بن خياط ~~في تاريخه مخاشن بن حمير وذكر ابن عبد البر مخاشن الحميري وذكر جميعهم أنه ~~استشهد باليمامة وكان قد تاب وتسمى عبد الرحمن، فدعا الله أن يستشهد، ويجهل ~~أمره فكان ذلك باليمامة ولم يوجد جسده، وذكر أيضا ابن عبد البر محشي بن ~~حمير بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء ولم يتقن القصة، وكان محشي مع ~~المنافقين الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب فقيل كان منافقا ثم تاب توبة ~~صحيحة، وقيل كان مسلما مخلصا إلا أنه سمع كلام المنافقين فضحك لهم ولم ينكر ~~عليهم فعفا الله عنه في كلا الوجهين، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الذين ~~قالوا ما تقدم، وقرأ جميع السبعة سوى عاصم «إن يعف عن طائفة» بالياء «تعذب» ~~بالتاء، وقرأ الجحدري «إن يعف» بالياء على تقدير يعذب الله «طائفة» بالنصب، ~~وقرأ عاصم وزيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن «إن نعف» بالنون «نعذب» بنون ~~الجميع أيضا، وقرأ مجاهد «إن تعف» بالتاء المضمومة على تقدير إن تعف هذه ~~الذنوب «تعذب» بالتاء أيضا. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 67 الى 69] # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ~~ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون (69) PageV03P055 # هذا ابتداء ms1623 إخبار عنهم وحكم من الله تعالى عليهم بما تضمنته الآية، فقوله ~~بعضهم من بعض يريد في الحكم والمنزلة من الكفر، وهذا نحو قولهم الأذنان من ~~الرأس يريدون في حكم المسح وإلا فمعلوم أنهما من الرأس، ولما تقدم قبل «وما ~~هم منكم» حسن هذا الإخبار، وقوله يأمرون بالمنكر يريد بالكفر وعبادة غير ~~الله وسائر ذلك من الآية لأن المنافقين الذين نزلت هذه الآيات فيهم لم ~~يكونوا أهل قدرة ولا أفعال ظاهرة وذلك بسبب ظهور الإسلام وكلمة الله عز ~~وجل، و «القبض» هو عن الصدقة وفعل الخير، وقوله تعالى: نسوا الله فنسيهم أي ~~تركوه حين تركوا نبيه وشرعته فتركهم حين لم يهدهم ولا كفاهم عذاب النار، ~~وإنما يعبر بالنسيان عن الترك مبالغة إذا بلغ وجوه الترك الوجه الذي يقترن ~~به نسيان، وعلى هذا يجيء ولا تنسوا الفضل بينكم [البقرة: 237] ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا [القصص: 77] ثم حكم عليهم عز وجل بالفسق وهو فسوق الكفر ~~المقتضي للخلود في النار. # وكان قتادة يقول فنسيهم أي من الخير ولم ينسهم من الشر، وقوله وعد الله ~~المنافقين الآية، لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن وإن كانت آية ~~وعيد محض، والكفار في هذه الآية المعلنون، وقوله هي حسبهم أي كافيتهم ~~وكافية جرمهم وكفرهم نكالا وجزاء، فلو تمنى أحد لهم عذابا لكان ذلك عنده ~~حسبا لهم، ولعنهم الله معناه أبعدهم عن رحمته، وعذاب مقيم معناه مؤبد لا ~~نقلة له، وقوله تعالى كالذين من قبلكم الآية، أمر الله نبيه أن يخاطب بها ~~المنافقين فيقول لهم كالذين من قبلكم، والمعنى أنتم كالذين أو مثلكم مثل ~~الذين من قبلكم، وقال الزجاج: المعنى وعدا كما وعد الذين من قبلكم فهو ~~متعلق بوعد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق، ثم قال كانوا أشد منكم وأعظم فعصوا ~~فأهلكوا فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم، والخلاق الحظ من القدر ~~والدين وجميع حال المرء وخلاق المرء الشيء الذي هو به خليق والمعنى عجلوا ~~حظهم في دنياهم وتركوا باب الآخرة فاتبعتموهم أنتم. # قال القاضي أبو محمد: ms1624 وأورد الطبري في تفسير هذه الآية قوله صلى الله ~~عليه وسلم «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ~~ضب لدخلتموه» ، وما شاكل هذا الحديث مما يقتضي اتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم لسائر الأمم، وهو معنى لا يليق بالآية جدا إذ هي مخاطبة لمنافقين كفار ~~أعمالهم حابطة والحديث مخاطبة لموحدين يتبعون سنن من مضى في أفعال دنيوية ~~لا تخرج عن PageV03P056 # الدين، وقوله خضتم كالذي خاضوا أي خلطتم كالذي خلطوا، وهو مستعار من ~~الخوض في المائعات، ولا يستعمل إلا في الباطل، لأن التصرف في الحقائق إنما ~~هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض، ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم «رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة» ، ثم قال تعالى: ~~أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة فيحتمل أن يراد ب أولئك القوم الذين ~~وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق، والمعنى وأنتم أيضا كذلك ~~يعتريكم بإعراضكم عن الحق، ويحتمل أن يريد ب أولئك المنافقين المعاصرين ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويكون الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك ~~خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول، و «حبط العمل» وما جرى مجراه يحبط حبطا ~~إذا بطل بعد التعب فيه، وحبط البطن حبطا بفتح الباء وهو داء في البطن، ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» ، ~~وقوله في الدنيا معناه إذا كان في المنافقين ما يصيبهم في الدنيا من المقت ~~من المؤمنين وفساد أعمالهم عليهم وفي الآخرة بأن لا تنفع ولا يقع عليها ~~جزاء، ويقوي أن الإشارة ب أولئك إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة ألم ~~يأتهم فتأمله. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 70 الى 72] # ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب ~~مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ms1625 ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ~~أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) # يقول عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم ~~السالفة التي عصت الله بتكذيب رسله فأهلكها، وعاد وثمود قبيلتان، وقوم ~~إبراهيم نمرود وأصحابه وتباع دولته، وأصحاب مدين قوم شعيب، والمؤتفكات أهل ~~القرى الأربعة، وقيل السبعة الذين بعث إليهم لوط صلى الله عليه وسلم، ومعنى ~~المؤتفكات المنصرفات والمنقلبات أفكت فانتفكت لأنها جعل أعاليها أسفلها، ~~وقد جاءت في القرآن مفردة تدل على الجمع، ومن هذه اللفظة قول عمران بن ~~حطان: [البسيط] # بمنطق مستبين غير ملتبس ... به اللسان وإني غير مؤتفك # أي غير منقلب منصرف مضطرب ومنه يقال للريح مؤتفكة لتصرفها، ومنه أنى ~~يؤفكون [المائدة: 75، التوبة: 30، العنكبوت: 61، الزخرف: 87، المنافقون: 4] ~~والإفك صرف القول من PageV03P057 # الحق إلى الكذب، والضمير في قوله أتتهم رسلهم عائد على هذه الأمم ~~المذكورة، وقيل على المؤتفكات خاصة، وجعل لهم رسلا وإنما كان نبيهم واحدا ~~لأنه كان يرسل إلى كل قرية رسولا داعيا، فهم رسل رسول الله ذكره الطبري، ~~والتأويل الأول في عود الضمير على جميع الأمم أبين، وقوله بالبينات يريد ~~بالمعجزات وهي بينة في أنفسها بالإضافة إلى الحق لا بالإضافة إلى المكذبين ~~بها، ولما فرغ من ذكر المنافقين بالأشياء التي ينبغي أن تصرف عن النفاق ~~وتنهى عنه عقب ذلك بذكر المؤمنين بالأشياء التي ترغب في الإيمان وتنشط إليه ~~تلطفا منه تعالى بعباده لا رب غيره، وذكرت هنا «الولاية» إذ لا ولاية بين ~~المنافقين لا شفاعة لهم ولا يدعو بعضهم لبعض وكان المراد هنا الولاية في ~~الله خاصة، وقوله بالمعروف يريد بعبادة الله وتوحيده وكل ما اتبع ذلك، ~~وقوله عن المنكر يريد عن عبادة الأوثان وكل ما اتبع ذلك، وذكر الطبري عن ~~أبي العالية أنه قال كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف فهو دعاء ~~من الشرك إلى ms1626 الإسلام وكل ما ذكر من النهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة ~~الأوثان والشياطين، وقال ابن عباس في قوله ويقيمون الصلاة هي الصلوات ~~الخمس. # قال القاضي أبو محمد: وبحسب هذا تكون الزكاة المفروضة، والمدح عندي ~~بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض، وقوله ويطيعون الله ~~ورسوله جامع للمندوبات، والسين في قوله سيرحمهم مدخلة في الوعد مهلة لتكون ~~النفوس تنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز، وقوله تعالى وعد الله ~~المؤمنين الآية، وعد في هذه الآية صريحة في الخير، وقوله من تحتها إما من ~~تحت أشجارها وإما من تحت علياتها وإما من تحتها بالإضافة إلى مبدأ كما تقول ~~في دارين متجاورتين متساويتي المكان هذه تحت هذه، وذكر الطبري في قوله ~~ومساكن طيبة عن الحسن أنه قال سألت عنها عمران بن الحصين وأبا هريرة فقالا ~~على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قصر في ~~الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من ~~زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ أو ~~يقرب منها فاختصرتها طلب الإيجاز، وأما قوله في جنات عدن فمعناه في جنات ~~إقامة وثبوت يقال عدن الشيء في المكان إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي ~~موضع ثبوت الشيء، ومنه قول الأعشى: # وإن يستضيفوا إلى حلمه ... يضافوا إلى راجح قد عدن # هذا الكلام اللغوي، وقال كعب الأحبار جنات عدن هي بالفارسية جنات الكروم ~~والأعناب. # قال القاضي أبو محمد: وأظن هذا وهما اختلط بالفردوس، وقال الضحاك جنات ~~عدن هي مدينة الجنة وعظمها فيها الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل ~~والناس حولهم بعد، والجنات حولها، وقال ابن مسعود: «عدن» هي بطنان الجنة ~~وسرتها، وقال عطاء: «عدن» نهر في الجنة جناته على حافته، وقال الحسن: «عدن» ~~قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل ومد بها صوته. # قال القاضي أبو محمد: والآية تأبى هذا التخصيص إذ قد وعد الله بها ms1627 جمع ~~المؤمنين، وأما قوله ورضوان من الله أكبر فروي فيه أن الله عز وجل يقول ~~لعباده إذا استقروا في الجنة هل رضيتم؟ فيقولون PageV03P058 # وكيف لا نرضى يا ربنا؟ فيقول إني سأعطيكم أفضل من هذا كله، رضواني أرضى ~~عليكم فلا أسخط عليكم أبدا، الحديث، وقوله أكبر يريد أكبر من جميع ما تقدم، ~~ومعنى الآية والحديث متفق، وقال الحسن بن أبي الحسن وصل إلى قلوبهم برضوان ~~الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من ~~لذة الجنة. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن يكون قوله تعالى: ورضوان من الله أكبر ~~إشارة إلى منازل المقربين الشاربين من تسنيم والذين يرون كما يرى النجم ~~الفائر في الأفق، وجميع من في الجنة راض والمنازل مختلفة، وفضل الله تعالى ~~متسع، والفوز النجاة والخلاص ومن أدخل الجنة فقد فاز [آل عمران: 185] ~~والمقربون هم في الفوز العظيم، والعبارة عندي عن حالهم بسرور وكمال أجود من ~~العبارة عنها بلذة، واللذة أيضا مستعملة في هذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 73 الى 74] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) # قوله جاهد مأخوذ من بلوغ الجهد وهي مقصود بها المكافحة والمخالفة، وتتنوع ~~بحسب المجاهد فجهاد الكافر المعلن بالسيف، وجهاد المنافق المتستر باللسان ~~والتعنيف والاكفهرار في وجهه، ونحو ذلك، ألا ترى أن من ألفاظ الشرع قوله ~~صلى الله عليه وسلم «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» ، فجهاد النفس ~~إنما هو مصابرتها باتباع الحق وترك الشهوات، فهذا الذي يليق بمعنى هذه ~~الآية لكنا نجلب قول المفسرين نصا لتكون معرضة للنظر، قال الزجاج: وهو ~~متعلق في ذلك بألفاظ ابن مسعود: أمر في هذه الآية ms1628 بجهاد الكفار والمنافقين ~~بالسيف، وأبيح له فيها قتل المنافقين، قال ابن مسعود: إن قدر وإلا فباللسان ~~وإلا فبالقلب والاكفهرار في الوجه. # قال القاضي أبو محمد: والقتل لا يكون إلا مع التجليح ومن جلح خرج عن رتبة ~~النفاق، وقال ابن عباس: المعنى «جاهد المنافقين» باللسان، وقال الحسن بن ~~أبي الحسن: المعنى جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، قال: وأكثر ما كانت ~~الحدود يومئذ تصيب المنافقين. # قال القاضي أبو محمد: ووجه ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين ~~بالمدينة أنهم لم يكونوا مجلحين بل كان كل مغموص عليه إذا وقف ادعى ~~الإسلام، فكان في تركهم إبقاء وحياطة للإسلام ومخافة أن تنفر العرب إذا ~~سمعت أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل من يظهر الإسلام، وقد أوجبت هذا ~~المعنى في صدر سورة البقرة، ومذهب الطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يعرفهم ويسترهم، وأما قوله PageV03P059 # تعالى: واغلظ عليهم فلفظة عامة تتصرف في الأفعال والأقوال واللحظات، ومنه ~~قوله تعالى: ولو كنت فظا غليظ القلب [آل عمران: 159] ومنه قول النسوة لعمر ~~بن الخطاب: أنت أفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى الغلظ خشن ~~الجانب فهي ضد قوله تعالى: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [الشعراء: ~~215] ثم جرت الآية المؤمنين عليهم في عقب الأمر بإخباره أنهم في جهنم، ~~والمعنى هم أهل لجميع ما أمرت أن تفعل بهم، و «المأوى» حيث يأوي الإنسان ~~ويستقر، وقوله يحلفون بالله ما قالوا الآية، هذه الآية نزلت في الجلاس بن ~~سويد بن الصامت، وذلك كأنه كان يأتي من قباء ومعه ابن امرأته عمير بن سعد ~~فيما قال ابن إسحاق، وقال عروة اسمه مصعب، وقال غيره وهما على حمارين. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمى قوما ممن اتهمهم بالنفاق، وقال ~~إنهم رجس، فقال الجلاس للذي كان يسير معه: والله ما هؤلاء الذين سمى محمد ~~إلا كبراؤنا وسادتنا، ولئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من حمرنا هذه، ~~فقال له ربيبه أو الرجل الآخر؟ والله إنه ms1629 لحق، وإنك لشر من حمارك، ثم خشي ~~الرجل من أن يلحقه في دينه درك، فخرج وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقصة فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في الجلاس فقرره فحلف بالله ما قال، ~~فنزلت هذه الآية، والإشارة ب كلمة الكفر إلى قوله: إن كان ما يقول محمد حقا ~~فنحن شر من الحمر، إن التكذيب في قوة هذا الكلام، قال مجاهد وكان الجلاس ~~لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله، ~~ثم لم يفعل عجزا عن ذلك فإلى هذا هي الإشارة بقوله وهموا بما لم ينالوا، ~~وقال قتادة بن دعامة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك أن ~~سنان بن وبرة الأنصاري والجهجاه الغفاري كسع أحدهما رجل الآخر في غزوة ~~المريسيع، فثاروا، فصاح جهجاه بالأنصار وصاح سنان بالمهاجرين، فثار الناس ~~فهدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: ما أرى ~~هؤلاء إلا قد تداعوا علينا، ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك ~~يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فوقفه فحلف أنه لم يقل ذلك، فنزلت الآية مكذبة له، ~~والإشارة ب كلمة الكفر إلى تمثيله: سمن كلبك يأكلك، قال قتادة والإشارة ب ~~هموا إلى قوله لئن رجعنا إلى المدينة، وقال الحسن هم المنافقون من إظهار ~~الشرك ومكابرة النبي صلى الله عليه وسلم بما لم ينالوا، وقال تعالى: بعد ~~إسلامهم ولم يقل بعد إيمانهم لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم، وقوله تعالى: وما ~~نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله، معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنفذ لعبد الله بن أبي ابن سلول دية كانت قد تعطلت له، ذكر عكرمة أنها كانت ~~اثني عشر ألفا، وقيل بل كانت للجلاس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الخلاف المتقدم فيمن نزلت الآية من ~~أولها، وتقدم اختلاف القراء في نقموا في سورة الأعراف، ms1630 وقرأها أبو حيوة ~~وابن أبي عبلة بكسر القاف، وهي لغة، وقوله إلا أن أغناهم الله استثناء من ~~غير الأول كما قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # فكأن الكلام وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر، وقال مجاهد في قوله وهموا بما ~~لم ينالوا إنها نزلت PageV03P060 # في قوم من قريش أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يناسب الآية، وقالت فرقة إن الجلاس هو الذي ~~هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يشبه الآية إلا أنه غير قوي ~~السند، وحكى الزجاج أن اثني عشر من المنافقين هموا بذلك فأطلع الله عليهم، ~~وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إغنائهم من حيث كثرت أموالهم من ~~الغنائم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في ذلك وعلى هذا الحد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للأنصار «كنتم عالة فأغناكم الله بي» ، ثم فتح عز ~~وجل لهم باب التوبة رفقا بهم ولطفا في قوله فإن يتوبوا يك خيرا لهم. # وروي أن الجلاس تاب من النفاق فقال إن الله قد ترك لي باب التوبة فاعترف ~~وأخلص، وحسنت توبته، و «العذاب الأليم» اللاحق بهم في الدنيا هو المقت ~~والخوف والهجنة عند المؤمنين. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 75 الى 78] # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) # هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقال الحسن: وفي معتب بن قشير ~~معه، واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره أنه جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعل لي مالا فإني لو كنت ذا مال ~~لقضيت حقوقه وفعلت فيه ms1631 الخير، فراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاود فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ألا تريد أن تكون مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو دعوت الله أن ~~يسير الجبال معي ذهبا لسارت، فأعاد عليه حتى دعا له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، ~~فتنحى عنها وكثرت غنمه، فكان لا يصلي إلا الجمعة ثم كثرت حتى تنحى بعيدا ~~ونجم نفاقه، ونزل خلال ذلك فرض الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فبعث مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم، فلما بلغوا ثعلبة وقرأ الكتاب قال: ~~هذه أخت الجزية، ثم قال لهم: دعوني حتى أرى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبروه، قال «ويح ثعلبة» ثلاثا، ونزلت الآية فيه، فحضر ~~القصة قريب لثعلبة فخرج إليه فقال أدرك أمرك، فقد نزل كذا وكذا، فخرج ثعلبة ~~حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك، فبقي كذلك ~~حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على ~~عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة، فكلهم رد ذلك ~~وأباه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي PageV03P061 # ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان. وفي قوله تعالى: فأعقبهم نص المعاقبة ~~على الذنب بما هو أشد منه، وقوله: إلى يوم يلقونه يقتضي موافاتهم على ~~النفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء رضي الله عنهم رجوع ثعلبة لشهادة القرآن ~~عليه بالموافاة، ولولا الاحتمال في أنه نفاق معصية لوجب قتله، وقرأ الأعمش ~~«لنصدقن» بالنون الثقيلة مثل الجماعة «ولنكونن» خفيفة النون، والضمير الذي ~~في قوله فأعقبهم يعود على الله عز وجل. # ويحتمل أن يعود على «البخل» المضمن في الآية، ويضعف ذلك الضمير في ms1632 ~~يلقونه، وقوله نفاقا في قلوبهم، يحتمل أن يكون نفاق كفر ويكون تقرير ثعلبة ~~بعد هذا النص والإبقاء عليه لمكان إظهاره الإسلام وتعلقه بما فيه احتمال. # ويحتمل أن يكون قوله نفاقا يريد به نفاق معصية وقلة استقامة، فيكون ~~تقريره صحيحا، ويكون ترك في أول الزكاة عقابا له ونكالا. # وهذا نحو ما روي أن عاملا كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن فلانا يمنع ~~الزكاة، فكتب إليه أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين، ~~يريد لما يلحقه من المقت في ذلك، وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع ~~وسائرهم يكذبون، قرأ أبو رجاء «يكذبون» ، وذكر الطبري في هذه الآية ما ~~يناسبها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه كان منافقا ~~خالصا، إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان» وفي حديث آخر «وإذا عاهد ~~غدر وإذا خاصم فجر» ونحو هذا من الأحاديث، ويظهر من مذهب البخاري وغيره من ~~أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة. # وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال زوجوا فلانا فإني قد وعدته لا ألقى ~~الله بثلث النفاق، وهذا ظاهر كلام الحسن بن أبي الحسن، وقال عطاء بن بن أبي ~~رباح قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء، ~~وهذه الأحاديث إنما هي في المنافقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~الذين شهد الله عليهم، وهذه هي الخصال في سائر الأمة معاص لا نفاق. # قال القاضي أبو محمد: ولا محالة أنها كانت مع التوحيد والإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، معاص لكنها من قبيل النفاق اللغوي، وذكر الطبري عن فرقة ~~أنها قالت: كان العهد الذي عاهد الله عليه هؤلاء المنافقون شيئا نووه في ~~أنفسهم ولم يتكلموا به. # قال القاضي أبو محمد: وهذا فيه نظر، وقوله: ألم يعلموا الآية، لفظ به ~~تعلق من قال في الآية المتقدمة إن العهد كان من المنافقين بالنية لا ~~بالقول، وقرأ الجمهور «يعلموا» ms1633 بالياء من تحت، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن ~~«ألم تعلموا» بالتاء، من فوق، وهذه الآية تناسب حالهم وذلك أنها تضمنت ~~إحاطة علم الله بهم وحصره لهم، وفيها توبيخهم على ما كانوا عليه من التحدث ~~في نفوسهم من الاجتماع على ثلب الإسلام، وراحة بعضهم مع بعض في جهة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وشرعه، فهي تعم المنافقين أجمع، وقائل المقالة المذكورة ~~ذهب إلى أنها تختص بالفرقة التي عاهدت. PageV03P062 # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 79 الى 80] # الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ~~ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) # قوله الذين يلمزون رد على الضمائر في قول يكذبون [التوبة: 77] وأ لم ~~يعلموا [التوبة: 78] وسرهم ونجواهم [التوبة: 78] ويلمزون معناه ينالون ~~بألسنتهم، وقرأ السبعة «يلمزون» بكسر الميم، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب ~~وابن كثير فيما روي عنه «يلمزون» بضم الميم، والمطوعين لفظة عموم في كل ~~متصدق، والمراد به الخصوص فيمن تصدق بكثير دل على ذلك قوله، عطفا على ~~المطوعين، والذين لا يجدون، ولو كان الذين لا يجدون قد دخلوا في المطوعين ~~لما ساغ عطف الشيء على نفسه، وهذا قول أبي على الفارسي في قوله عز وجل: من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] فإنه قال المراد ~~بالملائكة من عدا هذين. # وكذلك قال في قوله: فيهما فاكهة ونخل ورمان [الرحمن: 68] وفي هذا كله ~~نظر، لأن التكرار لقصد التشريف يسوغ هذا مع تجوز العرب في كلامها، وأصل ~~المطوعين المتطوعين فأبدل التاء طاء وأدغم، وأما المتصدق بكثير الذي كان ~~سببا للآية فأكثر الروايات أنه عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف وأمسك ~~مثلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، بارك الله لك فيما أمسكت وفيما ~~أنفقت. # وقيل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه تصدق بنصف ماله، وقيل عاصم بن ms1634 عدي ~~تصدق بمائة وسق، وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي، تصدق بصاع ~~من تمر وقال يا رسول الله جررت البارحة بالجرير وأخذت صاعين تركت أحدهما ~~لعيالي وأتيت بالآخر صدقة. # فقال المنافقون: الله غني عن صدقة هذا، وقال بعضهم: إن الله غني عن صاع ~~أبي عقيل، وقيل: إن الذي لمز في القليل أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك صاحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقيل ~~بأربعمائة أوقية من فضة، وقيل أقل من هذا. # فقال المنافقون: ما هذا إلا رياء، فنزلت الآية في هذا كله، وقوله: ~~فيسخرون معناه يستهزئون ويستخفون، وهو معطوف على يلمزون، واعترض ذلك بأن ~~المعطوف على الصلة فهو من الصلة وقد دخل بين هذا المعطوف والمعطوف عليه ~~قوله والذين لا يجدون، وهذا لا يلزم، لأن قوله والذين معمول للذي عمل في ~~المطوعين فهو بمنزلة قوله جاءني الذي ضرب زيدا وعمرا فقتلهما، وقوله: # سخر الله منهم تسمية العقوبة باسم الذنب وهي عبارة عما حل بهم من المقت ~~والذل في نفوسهم، وقوله: ولهم عذاب أليم معناه مؤلم، وهي آية وعيد محض، ~~وقرأ جمهور «جهدهم» بضم الجيم، وقرأ PageV03P063 # الأعرج وجماعة معه «جهدهم» بالفتح، وقيل هما بمعنى واحد، وقاله أبو ~~عبيدة، وقيل هما لمعنيين الضم في المال والفتح في تعب الجسم، ونحوه عن ~~الشعبي، وقوله: الذين يلمزون يصح أن يكون خبر ابتداء تقديره هم الذين، ويصح ~~أن يكون ابتداء وخبره سخر، وفي سخر معنى الدعاء عليهم. # ويحتمل أن يكون خبرا مجردا عن الدعاء، ويحتمل أن يكون الذين صفة جارية ~~على ما قبل كما ذكرت أول الترجمة، وقوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى إن استغفرت ~~أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فيكون مثل قوله تعالى: # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم [التوبة: 53] وبمنزلة قول الشاعر: ~~[كثير] # أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت # وإلى هذا ms1635 المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية، والمعنى الثاني الذي ~~يحتمله اللفظ أن يكون تخييرا، كأنه قال له: إن شئت فاستغفر وإن شئت لا ~~تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سبعين مرة، وهذا هو الصحيح ~~لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيينه ذلك. # وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول ~~الله، أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم، فقال له «يا عمر ~~إن الله قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت» ~~، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ~~على عبد الله بن أبي ابن سلول، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقينا ~~عنده، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته ~~إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر. # وفي هذه الألفاظ التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفض إلزام دليل ~~الخطاب، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي ~~أن يتعلم ويطلب علمه من الله عز وجل، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل ~~الخطاب، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو ~~الذي نسخ بقوله تعالى: في سورة المنافقون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين [المنافقون: ~~6] ، ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب، منها قوله: إن ~~المدرك للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فاقتضى دليل الخطاب أن من ~~لم يدرك ركعة فليس بمدرك، وله مسائل تقتضي رفض دليل الخطاب، منها قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم، «وفي ms1636 سائمة الغنم الزكاة» فدليل الخطاب أن لا زكاة في ~~غير السائمة، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة، ومنها أن الله عز وجل يقول ~~في الصيد من قتله منكم متعمدا [المائدة: 95] فقال مالك: حكم المخطئ ~~والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا، وأما تمثيله «السبعين» دون ~~غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيرا ما يجيء غاية وتحقيقا في الكثرة، ألا ترى ~~إلى القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن ~~التصريف الذي يكون من PageV03P064 # السين والباء والعين فهو شديد الأمر، من ذلك السبعة فإنها عدد مقنع هي في ~~السماوات وفي الأرض وفي خلق الإنسان وفي رزقه وفي أعضائه التي بها يطيع ~~الله وبها يعصيه، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض الناس، وهي عيناه ~~وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفي سهام الميسر وفي الأقاليم ~~وغير ذلك. # ومن ذلك السبع والعبوس والعنبس ونحو هذا من القول، وقوله ذلك إشارة إلى ~~امتناع الغفران، وقوله: والله لا يهدي القوم الفاسقين إما من حيث هم ~~فاسقون، وإما أنه لفظ عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي على كفره. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 81 الى 83] # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن ~~رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) # هذه آية تتضمن وصف حالهم على جهة التوبيخ لهم وفي ضمنها وعيد، وقوله ~~المخلفون لفظ يقتضي تحقيرهم وأنهم الذين أبعدهم الله من رضاه وهذا أمكن في ~~هذا من أن يقال المتخلفون، ولم يفرح إلا منافق، فخرج من ذلك الثلاثة وأصحاب ~~العذر، و «مقعد» مصدر بمعنى القعود، ومثله: # من كان مسرورا بمقتل مالك وقوله خلاف معناه بعد وأنشد أبو عبيدة في ذلك: ~~[الكامل] # عقب الربيع خلافهم ms1637 فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصير # يريد بعدهم ومنه قول الشاعر: [الطويل] # فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تأهب لأخرى مثلها فكأن قد # وقال الطبري هو مصدر خالف يخالف. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا هو مفعول له، والمعنى فرح المخلفون ~~بمقعدهم لخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مصدر ونصبه في القول الأول ~~كأنه على الظرف، و «كراهيتهم» لما ذكر هي شح إذ لا يؤمنون بالثواب في سبيل ~~الله فهم يظنون بالدنيا، وقولهم لا تنفروا في الحر كان لأن غزوة تبوك كانت ~~في وقت شدة الحر وطيب الثمار والظلال، قاله ابن عباس وكعب بن مالك والناس، ~~فأقيمت عليهم الحجة بأن قيل لهم فإذا كنتم تجزعون من حر القيظ فنار جهنم ~~التي هي أشد أحرى أن تجزعوا منها PageV03P065 # لو فهمتم، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة «خلف» وذكرها يعقوب ولم ينسبها، وقرىء ~~«خلف» بضم الخاء، ويقوي قول الطبري أن لفظة «الخلاف» هي مصدر من خالف ما ~~تظاهرت به الروايات من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر فعصوا ~~وخالفوا وقعدوا مستأذنين. # وقال محمد بن كعب: قال لا تنفروا في الحر رجل من بني سلمة. # وقال ابن عباس: قال رجل يا رسول الله الحر شديد فلا تنفر في الحر، قال ~~النقاش: وفي قراءة عبد الله «يعلمون» بدل يفقهون، وقال ابن عباس وأبو رزين ~~والربيع بن خثيم وقتادة وابن زيد قوله فليضحكوا قليلا إشارة إلى مدة العمر ~~في الدنيا، وقوله وليبكوا كثيرا إشارة إلى تأبيد الخلود في النار، فجاء ~~بلفظ الأمر ومعناه الخبر عن حالهم، ويحتمل أن يكون صفة حالهم أي هم لما هم ~~عليه من الخطر مع الله، وسوء الحال بحيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلا وبكاؤهم ~~من أجل ذلك كثيرا، وهذا يقتضي أن يكون وقت الضحك والبكاء في الدنيا على نحو ~~قوله صلى الله عليه وسلم، لأمته «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم ~~قليلا» . # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قال هذا الكلام أوحى الله ms1638 ~~إليه يا محمد لا تقنط عبادي، وجزاء متعلق بالمعنى الذي تقديره وليبكوا ~~كثيرا إذ هم معذبون جزاء، وقوله: # يكسبون نص في أن التكسب هو الذي يتعلق به العقاب والثواب، وقوله: فإن ~~رجعك الله إلى طائفة منهم الآية، «رجع» يستوي مجاوزه وغير مجاوزه، وقوله ~~تعالى: «إن» مبينة أن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعلم بمستقبلات أمره من ~~أجل وسواه وأيضا فيحتمل أن يموتوا هم قبل رجوعه وأمر الله عز وجل لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم، بأن يقول لهم لن تخرجوا معي، هو عقوبة لهم وإظهار لدناءة ~~منزلتهم وسوء حالهم، وهذا هو المقصود في قصة ثعلبة بن حاطب التي تقدمت في ~~الامتناع من أخذ صدقته، ولا خزي أعظم من أن يكون إنسان قد رفضه الشرع ورده ~~كالجمل الأجرب، وقوله: إلى طائفة يقتضي عندي أن المراد رؤوسهم والمتبوعون، ~~وعليها وقع التشديد بأنها لا تخرج ولا تقاتل عدوا، وكرر معنى قتال العدو ~~لأنه عظم الجهاد وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة، ولولا تخصيص الطائفة ~~لكان الكلام «فإن رجعك الله إليهم» ، ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد ختم ~~عليها بالموافاة على النفاق، وعينوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فكيف ~~يترتب ألا يصلي على موتاهم إن لم يعينهم الله، وقوله: وماتوا وهم فاسقون ~~ونص في موافاتهم، ومما يؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، عينهم ~~لحذيفة بن اليمان وكانت الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة ~~رجل تأخروا هم عنها. # وروي عن حذيفة أنه قال يوما: بقي من المنافقين كذا وكذا، فقال له عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنشدك الله أنا منهم؟ فقال لا، والله، لا أمنه منها ~~أحدا بعدك، وقرأ جمهور الناس «معي» بسكون الياء في الموضعين، وقرأ عاصم ~~فيما قال المفضل «معي» بحركة الياء في الموضعين، وقوله أول هو الإضافة إلى ~~وقت الاستئذان. # و «الخالفون» جميع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر غلب المذكر فجمع ~~بالياء والنون وإن كان PageV03P066 # ثم نساء، وهو جمع خالف، وقال ms1639 قتادة «الخالفون» النساء، وهذا مردود، وقال ~~ابن عباس: هم الرجال، وقال الطبري: يحتمل قوله مع الخالفين أن يريد مع ~~الفاسدين، فيكون ذلك مأخوذا من خلف الشيء إذا فسد ومنه خلوف فم الصائم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل مقحم والأول أفصح وأجرى على اللفظة، ~~وقرأ مالك بن دينار وعكرمة «مع الخلفين» وهو مقصور من الخالفين، كما قال: ~~عردا وبردا يريد عاردا وباردا، وكما قال الآخر: [الرجز] مثل النقا لبده برد ~~الظلال يريد الظلال. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 84 الى 87] # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن ~~آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ~~(87) # هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول وصلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل عليه السلام، فجذبه بثوبه وتلا عليه، ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا الآية، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يصل عليه، وتظاهرت الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وأن ~~الآية نزلت بعد ذلك، وفي كتاب الجنائز من البخاري من حديث جابر، قال: أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به ~~فأخرج ووضعه على ركبته ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، وروي في ذلك أن ~~عبد الله بن أبي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ورغب إليه ~~أن يستغفر له وأن يصلي عليه. # وروي أن ابنه عبد الله بن عبد الله جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~موت أبيه ms1640 فرغب في ذلك وفي أن يكسوه قميصه الذي يلي بدنه، ففعل، فلما جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه قام إليه عمر رضي الله عنه، فقال ~~يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الاستغفار لهم؟ # وجعل يعدد أفعال عبد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أخر ~~عني يا عمر، فإني خيرت، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت» ، ~~وفي حديث آخر «إن قميصي لا يغني عنه من الله PageV03P067 # شيئا، وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي» ، كذا في بعض ~~الروايات، يريد من منافقي العرب، والصحيح أنه قال رجال من قومه، فسكت عمر ~~وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله، ثم نزلت هذه الآية بعد ~~ذلك، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لموضع إظهاره الإيمان، ومحال ~~أن يصلي عليه وهو يتحقق كفره وبعد هذا والله أعلم، عين له من لا يصلي عليه. # ووقع في معاني أبي إسحاق وفي بعض كتب التفسير، فأسلم وتاب بهذه الفعلة من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة من عبد الله ألف رجل من الخزرج. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، قاله من لم يعرف عدة الأنصار، وقوله ~~تعالى: ولا تعجبك أموالهم الآية، تقدم تفسير مثل هذه الآية، والخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، إذ هو بإجماع ممن لا تفتنه زخارف الدنيا. # ويحتمل أن يكون معنى الآية ولا تعجبك أيها الإنسان، والمراد الجنس، ووجه ~~تكريرها تأكيد هذا المعنى وإيضاحه، لأن الناس كانوا يفتنون بصلاح حال ~~المنافقين في دنياهم، وقوله وإذا أنزلت سورة الآية، العامل في إذا استأذنك، ~~و «السورة» المشار إليها هي براءة فيما قال بعضهم، ويحتمل أن يكون إلى كل ~~سورة فيها الأمر بالإيمان والجهاد مع الرسول، وسورة القرآن أجمع على ترك ~~همزها في الاستعمال واختلف هل أصلها الهمز أم لا فقيل أصلها الهمز فهي من ~~أسأر إذا بقيت له قطعة من الشيء، فالسورة قطعة ms1641 من القرآن، وقيل أصلها أن لا ~~تهمز فهي كسورة البناء وهي ما يبنى منه شيئا بعد شيء، فهي الرتبة بعد ~~الرتبة، ومن هذا قول النابغة: [الطويل] # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # وقد مضى هذا كله مستوعبا في صدر هذا الكتاب، وأن في قوله: أن آمنوا يحتمل ~~أن تكون مفسرة بمعنى أي فهي على هذا لا موضع لها، ويحتمل أن يكون التقدير ب ~~«أن» فهي في موضع نصب، والطول في هذه الآية المال، قاله ابن عباس وابن ~~إسحاق وغيرهما، والإشارة بهذه الآية إلى الجد بن قيس وعبد الله بن أبي ~~ومعتب بن قشير ونظرائهم، و «القاعدون» الزمنى وأهل العذر في الجملة ومن ترك ~~لضبط المدينة لأن ذلك عذر. # وقوله: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف الآية، تقريع وإظهار شنعة كما يقال ~~على وجه التعيير رضيت يا فلان، والخوالف النساء جمع خالفة، هذا قول جمهور ~~المفسرين، وقال أبو جعفر النحاس يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة، فهذا ~~جمعه بحسب اللفظ والمراد أخسة الناس وأخالفهم، وقال النضر بن شميل في كتاب ~~النقاش: الخوالف من لا خير فيه، وقالت فرقة الخوالف جمع خالف فهو جار مجرى ~~فوارس ونواكس وهوالك، وطبع في هذه الآية مستعار، ولما كان الطبع على الصوان ~~والكتاب مانعا منه وحفاظا عليه شبه القلب الذي قد غشيه الكفر والضلال حتى ~~منع الإيمان والهدى منه بالصوان المطبوع عليه، ومن هذا استعارة القفل ~~والكنان للقلب، ولا يفقهون معناه لا يفهمون. PageV03P068 # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 88 الى 90] # لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات ~~وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين ~~كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) # الأكثر في لكن أن تجيء بعد نفي، وهو هاهنا في المعنى، وذلك أن الآية ~~السالفة معناها أن المنافقين لم يجاهدوا فحسن بعدها «لكن الرسول والمؤمنون ms1642 ~~جاهدوا» ، والخيرات جمع خيرة وهو المستحسن من كل شيء، وكثر استعماله في ~~النساء، فمن ذلك قوله عز وجل: فيهن خيرات حسان [الرحمن: 70] ومن ذلك قول ~~الشاعر أنشده الطبري: [الكامل] ربلات هند خيرة الملكات والمفلحون الذين ~~أدركوا بغيتهم من الجنة، والفلاح يأتي بمعنى إدراك البغية، من ذلك قول ~~لبيد: [الرجز] # أفلح بما شئت فقد يبلغ بالض ... عف وقد يخدع الأريب # ويأتي بمعنى البقاء ومن ذلك قول الشاعر: [المنسرح] # لكل هم من الهموم سعه ... والمسى والصبح لا فلاح معه # أي لا بقاء. # قال القاضي أبو محمد: وبلوغ البغية يعم لفظة الفلاح حيث وقعت فتأمله، ~~وأعد معناه يسر وهيأ، وقوله من تحتها يريد من تحت مبانيها وأعاليها، والفوز ~~حصول الإنسان على أمله، وظفره ببغيته، ومن ذلك فوز سهام الأيسار. # وقوله تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب الآية، اختلف المتألون في هؤلاء ~~الذي جاءوا هل كانوا مؤمنين أو كافرين، فقال ابن عباس وقوم معه منهم مجاهد: ~~كانوا مؤمنين وكانت أعذارهم صادقه، وقرأ «وجاء المعذرون» بسكون العين، وهي ~~قراءة الضحاك وحميد الأعرج وأبي صالح وعيسى بن هلال. وقرأ بعض قائلي هذه ~~المقالة «المعذرون» بشد الذال، قالوا وأصله المتعذرون فقلبت التاء ذالا ~~وأدغمت. # ويحتمل المعتذرون في هذا القول معنيين أحدهما المتعذرون بأعذار حق والآخر ~~أن يكون الدين قد بلغوا عذرهم من الاجتهاد في طلب الغزو معك فلم يقدروا ~~فيكون مثل قول لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر PageV03P069 # وقال قتادة وفرقة معه: بل الذين جاءوا كفرة وقولهم وعذرهم كذب، وكل هذه ~~الفرقة قرأ «المعذرون» بشد الذال، فمنهم من قال أصله المتعذرون نقلت حركة ~~التاء إلى العين وأدغمت التاء في الذال، والمعنى معتذرون بكذب، ومنهم من ~~قال هو من التعذير أي الذين يعذرون الغزو ويدفعون في وجه الشرع، فالآية إلى ~~آخرها في هذا القول إنما وصفت صنفا واحدا في الكفر ينقسم إلى أعرابي وحضري، ~~وعلى القول الأول وصفت صنفين: مؤمنا وكافرا، قال أبو حاتم: وقال بعضهم سألت ~~مسلمة فقال «المعذرون» بشد العين والذال، قال أبو حاتم: أراد المعتذرين ms1643 ~~والتاء لا تدغم في العين لبعد المخارج وهي غلط عنه أو عليه، قال أبو عمرو: ~~وقرأ سعيد بن جبير «المعتذرون» بزيادة تاء، وقرأ الحسن بخلاف عنه وأبو عمرو ~~ونافع والناس «كذبوا» بتخفيف الذال، وقرأ الحسن وهو المشهور عنه وأبي بن ~~كعب ونوح وإسماعيل «كذبوا» بتشديد الذال، والمعنى لم يصدقوه تعالى ولا ~~رسوله وردوا عليه أمره، ثم توعد في آخر الآية الكافرين ب عذاب أليم، فيحتمل ~~أن يريد في الدنيا بالقتل والأسر. # ويحتمل أن يريد في الآخرة بالنار، وقوله: منهم يريد أن المعذرين كانوا ~~مؤمنين ويرجحه بعض الترجيح فتأمله، وضعف الطبري قول من قال إن المعذرين من ~~التعذير وأنحى عليه، والقول منصوص ووجهه بين والله المعين، وقال ابن إسحاق ~~«المعذرون» نفر من بني غفار منهم خفاف بن إيماء بن رحضة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي أنهم مؤمنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 91 الى 92] # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا ~~على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) # يقول تعالى ليس على أهل الأعذار الصحيحة من ضعف أبدان أو مرض أو زمانة أو ~~عدم نفقة إثم، و «الحرج» الإثم، وقوله: إذا نصحوا يريد بنياتهم وأقوالهم ~~سرا وجهرا، وقرأ حيوة «نصحوا الله ورسوله» بغير لام وبنصب الهاء المكتوبة، ~~وقوله تعالى: ما على المحسنين من سبيل الآية، في لائمة تناط بهم أو تذنيب ~~أو عقوبة، ثم أكد الرجاء بقوله: والله غفور رحيم وقرأ ابن عباس «والله لأهل ~~الإساءة غفور رحيم» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا على جهة التفسير أشبه منه على جهة التلاوة ~~لخلافه المصحف، واختلف فيمن المراد بقوله: الذين لا يجدون ما ينفقون، فقالت ~~فرقة: نزلت في بني مقرن. # قال القاضي أبو محمد: وبنو مقرن ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وليس ms1644 في الصحابة ستة إخوة غيرهم، وقيل كانوا سبعة، وقيل نزلت في عبد الله ~~بن مغفل المزني، قاله ابن عباس، وقوله PageV03P070 # تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك الآية، اختلف فيمن نزلت هذه الآية فقيل ~~نزلت في عرباض بن سارية، وقيل نزلت في عبد الله بن مغفل، وقيل في عائذ بن ~~عمرو، وقيل في أبي موسى الأشعري ورهطه، وقيل في بني مقرن، وعلى هذا جمهور ~~المفسرين، وقيل نزلت في سبعة نفر من بطون شتى، فهم البكاءون وهم سالم بن ~~عمير من بني عمرو بن عوف، وحرمي بن عمرو من بني واقف، وأبو ليلى عبد الرحمن ~~من بني مازن بن النجار، وسليمان بن صخر من بني المعلى، وأبو رعياة عبد ~~الرحمن بن زيد من بني حارثة وهو الذي تصدق بعرضه فقبل الله منه، وعمرو بن ~~غنمة من بني سلمة، وعائد بن عمرو المزني، وقيل عبد الله بن عمرو المزني قال ~~هذا كله محمد بن كعب القرظي، وقال مجاهد: البكاءون هم بنو مكدر من مزينة. # ومعنى قوله: لتحملهم أي على ظهر يركب ويحمل عليه الأثاث، وقال بعض الناس: ~~إنما استحملوه النعال، ذكره النقاش عن الحسن بن صالح، وهذا بعيد شاذ، ~~والعامل في إذا يحتمل أن يكون قلت، ويكون قوله تولوا مقطوعا. # ويحتمل أن يكون العامل تولوا ويكون تقدير الكلام فقلت، أو يكون قوله قلت ~~لا أجد ما أحملكم عليه بمنزلة وجدوك في هذه الحال. # وفي الكلام اختصار وإيجاز ولا بد يدل ظاهر الكلام على ما اختصر منه، وقال ~~الجرجاني في النظم له إن قوله قلت في حكم المعطوف تقديره وقلت، وحزنا نصب ~~على المصدر، وقرأ معقل بن هارون «لنحملهم» بنون الجماعة. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 93 الى 94] # إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ~~وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل ~~لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ~~ثم تردون إلى عالم ms1645 الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) # قوله في هذه الآية إنما ليس بحصر وإنما هي للمبالغة فيما يريد تقريره على ~~نحو ذلك إنما الشجاع عنترة ويقضي بذلك انا نجد السبيل في الشرع على غير هذه ~~الفرقة موجودا، والسبيل قد توصل ب على وإلى فتقول لا سبيل على فلان ولا ~~سبيل إلى فلان غير أن وصولها ب على يقتضي أحيانا ضعف المتوصل إليه وقلة ~~منعته، فلذلك حسنت في هذه الآية، وليس ذلك في إلى، ألا ترى أنك تقول فلان ~~لا سبيل إلى الأمر ولا إلى طاعة الله ولا يحسن في شبه هذا على، والسبيل في ~~هذه الآية سبيل المعاقبة، وهذه الآية نزلت في المنافقين المتقدم ذكرهم عبد ~~الله بن أبي والجد بن قيس ومعتب وغيرهم، وقد تقدم نظير تفسير الآية، قوله: ~~يعتذرون إليكم الآية، هذه المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، PageV03P071 # وشرك معه المسلمون في بعض لأن المنافقين كانوا يعتذرون أيضا إلى المؤمنين ~~ولأن أنباء الله أيضا تحصل للمؤمنين وقوله: رجعتم يريد من غزوة تبوك، ~~وقوله: لن نؤمن لكم معناه لن نصدقكم، ولكن لفظة نؤمن تتصل بلام أحيانا كما ~~تقدم في قوله يؤمن للمؤمنين [التوبة: 61] ، و «نبأ» في هذه الآية قيل هي ~~بمعنى عرف لا تحتاج إلى أكثر من مفعولين، فالضمير مفعول أول، وقوله من ~~أخباركم مفعول ثان على مذهب أبي الحسن في زيادة من في الواجب، فالتقدير قد ~~نبأنا الله أخباركم، وهو على مذهب سيبويه نعت لمحذوف هو المفعول الثاني ~~تقديره قد نبأنا الله جلية من أخباركم، وقيل «نبأ» بمعنى أعلم يحتاج إلى ~~ثلاثة مفاعيل، فالضمير واحد ومن أخباركم ثان حسب ما تقدم من القولين، ~~والثالث محذوف يدل الكلام عليه، تقديره قد نبأنا الله من أخباركم كذبا أو ~~نحوه. # وحذف هذا المفعول مع الدلالة عليه جائز بخلاف الاقتصار، وذلك أن الاقتصار ~~إنما يجوز إما على المفعول الأول ويسقط الاثنان إذ هما الابتداء والخبر، ~~وإما على الاثنين الأخيرين ويسقط الأول، وإما أن يقتصر على المفعولين ~~الأولين ويسقط الثالث دون دلالة عليه، ms1646 فذلك لا يجوز، ويجوز حذفه مع الدلالة ~~عليه والإشارة بقوله: قد نبأنا الله إلى قوله ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة [التوبة: 47] ونحو هذا، وقوله وسيرى الله توعد معناه ~~وسيراه في حال وجوده ويقع الجزاء منه عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ~~وقوله: ثم تردون إلى عالم الغيب يريد البعث من القبور، والغيب والشهادة ~~يعمان جميع الأشياء وقوله: فينبئكم معناه التخويف ممن لا تخفى عليه خافية. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 95 الى 97] # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) # قيل إن هذه الآية من أول ما نزل في شأن المنافقين في غزوة تبوك وذلك أن ~~بعض المنافقين اعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذنوه في القعود ~~قبل مسيره فأذن لهم فخرجوا من عنده وقال أحدهم والله ما هو إلا شحمة لأول ~~آكل، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن، فانصرف رجل ~~من القوم فقال للمنافقين في مجلس منهم: والله لقد نزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيكم قرآن، فقالوا له وما ذلك؟ فقال لا أحفظ إلا أني سمعت وصفكم ~~فيه بالرجس، فقال لهم مخشي والله لوددت أن أجلد مائة جلدة ولا أكون معكم، ~~فخرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ما جاء بك؟ فقال: وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تسفعه الريح وأنا في الكن، فروي أنه ممن تاب ~~وقوله: فأعرضوا عنهم أمرنا بانتهارهم وعقوبتهم بالإعراض والوصم بالنفاق. PageV03P072 # وهذا مع إجمال لا مع تعيين مصرح من الله ولا من رسوله، بل كان لكل واحد ~~منهم ميدان المغالطة مبسوطا، وقوله رجس أي نتن وقذر، وناهيك بهذا الوصف ~~محطة دنياوية، ثم عطف بمحطة الآخرة ms1647 فقال ومأواهم جهنم أي مسكنهم، ثم جعل ~~ذلك جزاء بتكسبهم المعاصي والكفر مع أن ذلك مما قدره الله وقضاه لا رب غيره ~~ولا معبود سواه، وأسند الطبري عن كعب بن مالك أنه قال: لما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس فجاءه المخلفون يعتذرون إليه ~~ويحلفون، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وقوله ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم، هذه الآية والتي قبلها مخاطبة للمؤمنين مع الرسول، ~~والمعنى يحلفون لكم مبطلين ومقصدهم أن ترضوا لا أنهم يفعلون ذلك لوجه الله ~~ولا للبر، وقوله فإن ترضوا إلى آخر الآية، شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم، ~~وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ونحوها، فإن المؤمن ينبغي أن ~~يبغضه ولا يرضى عنه لسبب من أسباب الدنيا، وقوله الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله الآية، الأعراب لفظة عامة ومعناها ~~الخصوص فيمن استثناه الله عز وجل، وهذا معلوم بالوجود وكيف كان الأمر، ~~وإنما انطلق عليهم هذا الوصف بحسب بعدهم عن الحواضر ومواضع العلم والأحكام ~~والشرع، وهذه الآية إنما نزلت في منافقين كانوا في البوادي، ولا محالة أن ~~خوفهم هناك أقل من خوف منافقي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة ونفاقهم أنجم، ~~وأسند الطبري أن زيد بن صوحان كان يحدث أصحابه بالعلم وعنده أعرابي وكان ~~زيد قد أصيبت يده اليسرى يوم نهاوند فقال الأعرابي والله إن حديثك ليعجبني ~~وإن يدك لتريبني وقال زيد: وما يريبك من يدي وهي الشمال؟ فقال الأعرابي: ~~والله ما أدري اليمين تقطعون أم الشمال؟ فقال زيد صدق الله الأعراب أشد ~~كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، وأجدر معناه ~~أحرى وأقمن، و «الحدود» هنا السنن والأحكام ومعالم الشريعة. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 98 الى 99] # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء ~~والله سميع عليم (98) ومن الأعراب ms1648 من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ~~ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في ~~رحمته إن الله غفور رحيم (99) # هذا نص من المنافقين منهم، ومعنى يتخذ في هذه الآيات أي يجعل مقصده ولا ~~ينوي فيه غير ذلك، وأصل «المغرم» الدين، ومنه تعوذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المغرم والمأثم، ولكن كثر استعمال المغرم فيما يؤديه الإنسان مما ~~لا يلزمه بحق، وفي اللفظ معنى اللزوم، ومنه قوله تعالى: إن عذابها كان ~~غراما [الفرقان: 65] أي مكروها لازما، والدوائر المصائب التي لا مخلص ~~للإنسان منها فهي تحيط به كما تحيط الدائرة، وقد يحتمل أن تشتق من دور ~~الزمان، والمعنى ينتظر بكم ما تأتي به الأيام وتدور به، ثم قال على جهة ~~الدعاء عليهم دائرة السوء وكل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل فإنما PageV03P073 # هو بمعنى إيجاب الشيء، لأن الله لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ومن ~~هذا، ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: 1] وللمطففين.، فهي كلها أحكام تامة ~~تضمنها خبره تعالى، وقرأ الجمهور من السبعة وغيرهم «دائرة السوء» بفتح ~~السين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن واختلف عنه عاصم والأعمش بخلاف ~~عنهما «دائرة السوء» بضم السين، واختلف عن ابن كثير، وقيل الفتح المصدر ~~والضم الاسم، واختلف الناس فيهما وهو اختلاف يقرب بعضه من بعض والفتح في ~~السين يقتضي وصف الدائرة بأنها سيئة، وقال أبو علي معنى الدائرة يقتضي معنى ~~السوء فإنما هي إضافة بيان وتأكيد كما قالوا شمس النهار ولحيا رأسه. # قال القاضي أبو محمد: ولا يقال رجل سوء بفتح السين، هذا قول أكثرهم وقد ~~حكي «رجل سوء» بضم السين وقد قال الشاعر [الفرزدق] : [الطويل] # وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم # ولم يختلف القراء في فتح السين من قوله ما كان أبوك امرأ سوء [مريم: 28] ~~وقوله تعالى: # ومن الأعراب من يؤمن بالله الآية، قال قتادة: هذه ثنية الله تعالى من ~~الأعراب، ويتخذ في هذه الآية أيضا ms1649 هي بمعنى يجعله مقصدا، والمعنى ينوي ~~بنفقته في سبيل الله القربة عند الله عز وجل واستغنام دعاء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، ففي دعائه لهم خير الآخرة في النجاة من النار وخير الدنيا في ~~أرزاقهم ومنح الله لهم، ف صلوات على هذا عطف على قربات، ويحتمل أن يكون ~~عطفا على ما ينفق، أي ويتخذ بالأعمال الصالحة صلوات الرسول قربة، والأولى ~~أبين، وقربات جمع قربة أو قربة بسكون الراء وضمها وهما لغتان و «الصلاة» في ~~هذه الآية الدعاء إجماعا. # وقال بعض العلماء: الصلاة من الله رحمة ومن النبي والملائكة دعاء، ومن ~~الناس عبادة، والضمير في قوله إنها يحتمل أن يعود على النفقة، وهذا في ~~انعطاف «الصلوات» على «القربات» ، ويحتمل أن يعود على الصلوات وهذا في ~~انعطافه على ما ينفق، وقرأ نافع «قربة» بضم الراء، واختلف عنه وعن عاصم ~~والأعمش، وقرأ الباقون «قربة» بسكون الراء ولم يختلف في قربات، ثم وعد ~~تعالى بقوله سيدخلهم الله في رحمته الآية، وروي أن هذه الآية نزلت في بني ~~مقرن من مزينة وقاله مجاهد، وأسند الطبري إلى عبد الرحمن بن مغفل بن مقرن ~~أنه قال: كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا ومن الأعراب من يؤمن بالله إلى آخر ~~الآية. # قال القاضي أبو محمد: وقوله عشرة ولد مقرن يريد السنة أولاد مقرن لصلبه ~~أو السبعة على ما في الاستيعاب من قول سويد بن مقرن، وبنيهم لأن هذا هو ~~الذي في مشهور دواوين أهل العلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 100 الى 101] # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم (100) وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا ~~على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ~~(101) PageV03P074 # قال أبو موسى الأشعري وابن المسيب وابن سيرين وقتادة السابقون الأولون من ~~صلى القبلتين، وقال عطاء السابقون الأولون من شهد بدرا. # قال القاضي أبو محمد: وحولت القبلة ms1650 قبل بدر بشهرين، وقال عامر بن شراحيل ~~الشعبي: # السابقون الأولون من أدرك بيعة الرضوان، والذين اتبعوهم بإحسان يريد سائر ~~الصحابة، ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان، وقد ~~لزم هذا الاسم الطبقة التي رأت من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال ~~قائل إن السابقين الأولين هم جميع من هاجر إلى أن انقطعت الهجرة لكان قولا ~~يقتضيه اللفظ وتكون من لبيان الجنس، والذين في هذه الآية عطف على قوله ~~والسابقون، وقرأ عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن وقتادة وسلام وسعيد ~~ويعقوب بن طلحة وعيسى الكوفي «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار» ~~برفع الراء عطفا على والسابقون، وكذلك ينعطف على كلتا القراءتين قوله ~~تعالى: والذين اتبعوهم بإحسان وجعل الأتباع عديلا للأنصار، وأسند الطبري أن ~~زيد بن ثابت سمعه فرده فبعث عمر في أبي بن كعب فسأله فقال أبي بن كعب ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فقال عمر ~~ما كنا نرى إلا أنا قد رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد، فقال أبي إن مصداق ~~هذا في كتاب الله في أول سورة الجمعة وآخرين منهم لما يلحقوا بهم [الآية: ~~3] وفي سورة الحشر والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان [الآية: 10] وفي سورة الأنفال في قوله والذين آمنوا ~~من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم [الآية: 75] ، فرجع عمر إلى قول ~~أبي، ونبهت هذه الآية من التابعين وهم الذين أدركوا أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما نبه من ذكرهم قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم ارحم ~~الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» فتأمله، وقرأ ابن كثير «من ~~تحتها الأنهار» ، وقرأ الباقون «تحتها» بإسقاط «من» ومعنى هذه الآية الحكم ~~بالرضى عنهم بإدخالهم الجنة وغفر ذنوبهم والحكم برضاهم عنه في شكرهم وحمدهم ~~على نعمه وإيمانهم به وطاعتهم له جعلنا الله من الفائزين برحمته وممن حولكم ~~من الأعراب الآية، مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم شرك في بعضها أمته، ~~والإشارة بقوله وممن حولكم من ms1651 الأعراب هي إلى جهينة ومزينة وأسلم وغفار ~~وعصية ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر الله عن منافقيهم، ~~وتقدير الآية: ومن أهل المدينة قوم أو منافقون هذا أحسن ما حمل اللفظ، ~~ومردوا قال أبو عبيدة: معناه مرنوا عليه ولجوا فيه، وقيل غير هذا مما هو ~~قريب منه، وقال ابن زيد: أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون. # والظاهر من معنى اللفظ أن التمرد في الشيء أو المردود عليه إنما هو ~~اللجاج والاستهتار به والعتو على الزاجر وركوب الرأس في ذلك، وهو مستعمل في ~~الشر لا في الخير، ومن ذلك قولهم شيطان مارد ومريد، PageV03P075 # ومن هذا سميت مراد لأنها تمردت، وقال بعض الناس: يقال تمرد الرجل في أمر ~~كذا إذا تجرد له، وهو من قولهم شجرة مرداء إذا لم يكن عليها ورق، ومنه رح ~~ممرد # [النمل: 44] ومنه قولهم: تمرد مارد وعز الأبلق ومنه الأمرد الذي لا لحية ~~له، فمعنى مردوا في هذه الآية لجوا فيه واستهتروا به وعتوا على زاجرهم، ثم ~~نفى عز وجل علم نبيه بهم على التعيين، وأسند الطبري عن قتادة في قوله لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم قال: فما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة ~~فلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري، أنت لعمري بنفسك أعلم ~~منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الرسل، قال نبي الله نوح صلى ~~الله عليه وسلم وما علمي بما كانوا يعملون [الشعراء: 112] وقال نبي الله ~~شعيب صلى الله عليه وسلم بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم ~~بحفيظ [هود: 86] وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تعلمهم نحن ~~نعلمهم. # قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ~~في مصحف أنس بن مالك «سيعذبهم» بالياء والكلام على القراءتين وعيد، واللفظ ~~يقتضي ثلاثة مواطن من العذاب، ولا خلاف بين المتأولين أن «العذاب العظيم» ~~الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة، وأكثر الناس أن العذاب المتوسط هو عذاب ~~القبر، واختلف ms1652 في عذاب المرة الأولى فقال مجاهد وغيره: هو عذابهم بالقتل ~~والجوع، وهذا بعيد لأن منهم من لم يصبه هذا، وقال ابن عباس أيضا: عذابهم هو ~~بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه، وقال ابن إسحاق: عذابهم هو همهم ~~بظهور الإسلام وعلو كلمته، وقال ابن عباس وهو الأشهر عنه: عذابهم هو ~~فضيحتهم ووصمهم بالنفاق، وروي في هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطب يوم جمعة فندد بالمنافقين وصرح وقال اخرج يا فلان من المسجد فإنك ~~منافق واخرج أنت يا فلان واخرج أنت يا فلان حتى أخرج جماعة منهم، فرآهم عمر ~~يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة فظن أن الناس انتشروا وأن الجمعة ~~فاتته فاختبأ منهم حياء، ثم وصل إلى المسجد فرأى أن الصلاة لم تقض وفهم ~~الأمر. # قال القاضي أبو محمد: وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بهم هو على جهة ~~التأديب اجتهادا منه فيهم، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام وإنما هو كما يخرج ~~العصاة والمتهمون، ولا عذاب أعظم من هذا، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كثيرا ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين، فهذا أيضا من العذاب، ~~وقال قتادة وغيره: العذاب الأول هي علل وأدواء أخبر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أنه يصيبهم بها، وأسند الطبري في ذلك عن قتادة أنه قال ذكر لنا ~~أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين ~~وقال «ستة منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى ~~تقضي إلى صدره، وستة يموتون موتا» ، ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~كان إذا مات رجل ممن يظن أنه منهم نظر إلى حذيفة فإن صلى صلى عمر عليه وإلا ~~ترك. # وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال لحذيفة أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قال لا ~~والله ولا أؤمن منها أحدا بعدك؟ وقال ابن زيد في قوله تعالى: سنعذبهم مرتين ~~أما عذاب الدنيا فالأموال والأولاد، لكل صنف ms1653 PageV03P076 # عذاب، فهو مرتان، وقرأ قول الله تعالى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا [التوبة: 55] وقال ابن زيد ~~أيضا «المرتان» هي في الدنيا، الأولى القتل والجوع والمصائب، والثانية ~~الموت إذ هو للكفار عذاب، وقال الحسن: الأولى هي أخذ الزكاة من أموالهم، و ~~«العذاب العظيم» هو جميع ما بعد الموت، وأظن الزجاج أشار إليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 102 الى 103] # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (103) # المعنى ومن هذه الطوائف آخرون اعترفوا بذنوبهم، واختلف في تأويل هذه ~~الآية فقال ابن عباس فيما روي عنه وأبو عثمان: هي في الأعراب وهي عامة في ~~الأمة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة، فهي آية ترج على هذا، ~~وأسند الطبري هذا عن حجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان يقول: ما في ~~القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم، وقال ~~قتادة بل نزلت هذه الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة، ~~وذلك أنه كلمهم في النزول على حكم الله ورسوله فأشار هو لهم إلى حلقه يريد ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا، فلما افتضح تاب وندم وربط ~~نفسه في سارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله ~~عنه أو يموت، فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ونزلت هذه الآية وأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بحله، وذكر هذا الطبري عن مجاهد، وذكره ابن إسحاق في ~~كتاب السير أوعب وأتقن، وقالت فرقة عظيمة: بل نزلت هذه الآية في شأن ~~المتخلفين عن غزوة تبوك، فكان عملهم السيء التخلف بإجماع من أهل هذه ~~المقالة، واختلفوا في «الصالح» فقال الطبري وغيره الاعتراف والتوبة والندم، ~~وقالت فرقة بل «الصالح» غزوهم فيما سلف من غزو ms1654 النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ثم اختلف أهل هذه المقالة في عدد القوم الذين عنوا بهذه الآية، فقال ابن ~~عباس: كانوا عشرة رهط ربط منهم أنفسهم سبعة، وبقي الثلاثة الذين خلفوا دون ~~ربط المذكورون بعد هذا، وقال زيد بن أسلم كانوا ثمانية منهم كردم ومرداس ~~وأبو قيس وأبو لبابة، وقال قتادة: # كانوا سبعة، وقال ابن عباس أيضا وفرقة: كانوا خمسة، وكلهم قال كان فيهم ~~أبو لبابة، وذكر قتادة فيهم الجد بن قيس وهو فيما أعلم وهم لأن الجد لم يكن ~~نزوله توبة، وأما قوله وآخر فهو بمعنى بآخر وهما متقاربان، وعسى من الله ~~واجبة. # وروي في خبر الذين ربطوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~المسجد فرآهم، قال ما بال هؤلاء؟ فقيل له إنهم تابوا وأقسموا أن لا ينحلوا ~~حتى يحلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعذرهم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «وأنا والله لا أحلهم ولا أعذرهم إلا أن يأمرني الله بذلك، فإنهم ~~تخلفوا عني وتركوا جهاد الكفار مع المؤمنين» ، وقوله خذ من أموالهم صدقة ~~الآية، روي أن أبا PageV03P077 # لبابة والجماعة التائبة التي ربطت أنفسها وهي المقصودة بقوله خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تيب عليها فقالت يا ~~رسول الله إنا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من الله فتركهم حتى نزلت هذه ~~الآية فهم المراد بها، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث ~~أموالهم مراعاة لقوله تعالى: من أموالهم، فهذا هو الذي تظاهرت به أقوال ~~المتأولين، ابن عباس رضي الله عنه وغيره، وقالت جماعة من الفقهاء: المراد ~~بهذه الزكاة المفروضة، فقوله على هذا خذ من أموالهم. ضميره لجميع الناس، ~~وهو عموم يراد به الخصوص إذ يخرج من الأموال الأنواع التي لا زكاة فيها ~~كالثياب والرباع ونحوه، والضمير الذي في أموالهم أيضا كذلك عموم يراد به ~~خصوص، إذ ms1655 يخرج منه العبيد وسواهم، وقوله صدقة مجمل يحتاج إلى تفسير، وهذا ~~يقتضي أن الإمام يتولى أخذ الصدقات وينظر فيها، ومن في هذه الآية للتبعيض، ~~هذا أقوى وجوهها، وقوله تطهرهم وتزكيهم بها أحسن ما يحتمل أن تكون هذه ~~الأفعال مسندة إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون في موضع ~~الحال من الضمير في خذ، ويحتمل أن تكون من صفة «الصدقة» ، وهذا مترجح بحسب ~~رفع الفعل ويكون قوله بها أي بنفسها أي يقع تطهيرهم من ذنوبهم بها، ويحتمل ~~أن يكون تطهرهم صفة «للصدقة» ، وتزكيهم مسندا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ويحتمل أن يكون حالا من «الصدقة» ، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة، ~~وحكى مكي أن يكون تطهرهم من صفة الصدقة، وقوله وتزكيهم بها حالا من الضمير ~~في خذ. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود لمكان واو العطف لأن ذلك يتقدر خذ من ~~أموالهم صدقة مطهرة ومزكيا بها، وهذا فاسد المعنى، ولو لم يكن في الكلام ~~واو العطف جاز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «تطهرهم» بسكون الطاء، وقوله وصل ~~عليهم معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكونا لأنفسهم وطمأنينة ووقارا، فهذه ~~عبارة عن صلاح المعتقد، وحكى مكي والنحاس وغيرهما أنه قيل إن هذه الآية ~~منسوخة بقوله ولا تصل على أحد منهم مات أبدا [التوبة: 84] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم بعيد، وذلك أن تلك في المنافقين الذين لهم ~~حكم الكافرين، وهذه في التائبين من التخلف الذين لهم حكم المؤمنين فلا ~~تناسخ بين الآيتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ونافع وابن عامر «إن ~~صلواتك» بالجمع، وكذلك في هود وفي المؤمنين وقرأ حفص عن عاصم وحمزة ~~والكسائي «ان صلاتك» بالإفراد، وكذلك قرأ حمزة والكسائي في هود وفي ~~المؤمنين، وقرأ عاصم في المؤمنين وحدها جمعا، ولم يختلفوا في سورة الأنعام ~~وسأل سائل، وهو مصدر أفردته فرقة وجمعته فرقة، وقوله سميع لدعائك عليم أي ~~بمن يهدي ويتوب عليه وغير ذلك مما تقتضيه هاتان الصفتان، وروي أن رسول الله ~~صلى الله عليه ms1656 وسلم لما نزلت هذه الآية فعل ما أمر به من الدعاء والاستغفار ~~لهم، قال ابن عباس سكن لهم رحمه لهم، وقال قتادة سكن لهم أي وقار لهم. # قال القاضي أبو محمد: وإنما معناه أن من يدعو له النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه تطيب نفسه ويقوى رجاؤه، ويروى أنه قد صحت وسيلته إلى الله تعالى ~~وهذا بين. PageV03P078 # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 104 الى 105] # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # قرأ جمهور الناس «ألم يعلموا» على ذكر الغائب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ~~بخلاف عنه «ألم تعلموا» على معنى قل لهم يا محمد «ألم تعلموا» ، وكذلك هي ~~في مصحف أبي بن كعب بالتاء من فوق، والضمير في يعلموا قال ابن زيد: يراد به ~~الذين لم يتوبوا من المتخلفين، وذلك أنهم لما تيب على بعضهم قال الغير ما ~~هذه الخاصة التي خص بها هؤلاء؟ فنزلت هذه الآية، ويحتمل أن يكون الضمير في ~~يعلموا يراد به الذين تابوا وربطوا أنفسهم، وقوله هو تأكيد لانفراد الله ~~بهذه الأمور وتحقيق لذلك، لأنه لو قال إن الله يقبل التوبة لاحتمل، ذلك أن ~~يكون قبول رسوله قبولا منه فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ~~ملك، وقوله ويأخذ الصدقات معناه يأمر بها ويشرعها كما تقول أخذ السلطان من ~~الناس كذا إذا حملهم على أدائه. # وقال الزجاج: معناه ويقبل الصدقات، وقد وردت أحاديث في أخذ الله صدقة ~~عبيده، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله بن أبي قتادة ~~المحاربي عن ابن مسعود عنه: «إن العبد إذا تصدق بصدقة وقعت في يد الله قبل ~~أن تقع في يد السائل» ، ومنها قوله الذي رواه أبو هريرة: «إن الصدقة تكون ~~قدر اللقمة يأخذها الله بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو ~~فصيله حتى تكون مثل ms1657 الجبل» ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول ~~والتحفي بصدقة العبد، فقد يحتمل أن تخرج لفظة ويأخذ على هذا، ويتعلق بهذه ~~الآية القول في قبول التوبة، وتلخيص ذلك أن قبول التوبة من الكفر يقطع به ~~عن الله عز وجل إجماعا، وهذه نازلة هذه الآية، وهذه الفرقة التائبة من ~~النفاق تائبة من كفر، وأما قبول التوبة من المعاصي فيقطع بأن الله تعالى ~~يقبل من طائفة من الأمة توبتهم، واختلف هل تقبل توبة الجميع، وأما إذا عين ~~إنسان تائب فيرجى قبول توبته ولا يقطع بها على الله، وأما إذا فرضنا تائبا ~~غير معين صحيح التوبة فهل يقطع على الله بقبول توبته أم لا، فاختلف فقالت ~~فرقة فيها الفقهاء والمحدثون- وهو كان مذهب أبي رضي الله عنه- يقطع على ~~الله بقول توبته لأنه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن تقبل توبة ~~جميع التائبين، وذهب أبو المعالي وغيره من الأئمة إلى أن ذلك لا يقطع به ~~على الله تعالى بل يقوى فيه الرجاء، ومن حجتهم أن الإنسان إذا قال في ~~الجملة إني لا أغفر لمن ظلمني ثم جاء من قد سبه وآذاه فله تعقب حقه، ~~وبالغفران لقوم يصدق وعده ولا يلزمه الغفران لكل ظالم. # قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القول، والقول الأول أرجح والله الموفق ~~للصواب، وقوله تعالى عن عباده هي بمعنى «من» ، وكثيرا ما يتوصل في موضع ~~واحد بهذه وهذه، تقول لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى، وفعل فلان ذلك من أشره ~~وبطره وعن أشره وبطره، وقوله تعالى ألم يعلموا تقرير، PageV03P079 # والمعنى حق لهم أن يعلموا، وقوله وقل اعملوا الآية، صيغة أمر مضمنها ~~الوعيد، وقال الطبري: المراد بها الذين اعتذروا من المتخلفين وتابوا. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن المراد بها الذين اعتذروا ولم يتوبوا ~~وهم المتوعدون وهم الذين في ضمير قوله ألم يعلموا إلا على الاحتمال الثاني ~~من أن الآيات كلها في الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا [التوبة: 84] ، ~~ومعنى فسيرى الله أي موجودا معوضا للجزاء ms1658 عليه بخير أو شر، وأما الرسول ~~والمؤمنون فرؤيتهم رؤية حقيقة لا تجوز، وقال ابن المبارك رؤية المؤمنين هي ~~شهادتهم على المرء بعد موته وهي ثناؤهم عند الجنائز، وقال الحسن ما معناه: ~~إنهم حذروا من فراسة المؤمن التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم «اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ، وقوله تعالى وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون يريد البعث من القبور، والغيب والشهادة ~~معناه ما غاب وما شوهد، وهي حالتان تعم كل شيء، وقوله فينبئكم عبارة عن ~~حضور الأعمال وإظهارها للجزاء عليها وهذا وعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 106 الى 107] # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ~~(106) والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن ~~حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم ~~لكاذبون (107) # قوله وآخرون عطف على قوله أولا وآخرون [التوبة: 84] ، وقرأ نافع والأعرج ~~وابن نصاح وأبو جعفر وطلحة والحسن وأهل الحجاز «مرجون» من أرجى دون همز، ~~وقرأ أبو عمرو وعاصم وأهل البصرة «مرجؤون» من أرجأ يرجىء بالهمز، واختلف عن ~~عاصم، وهما لغتان، ومعناهما التأخير ومنه المرجئة لأنهم أخروا الأعمال أي ~~أخروا حكمها ومرتبتها، وأنكر المبرد ترك الهمز في معنى التأخير وليس كما ~~قال، والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ~~وابن إسحاق الثلاثة الذين خلفوا وهم هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع ~~العامري وكعب بن مالك، ونزلت هذه الآية قبل التوبة عليهم، وقيل إنها نزلت ~~في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار، ~~وعلى هذا يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلا من آخرون، أو خبر ابتداء ~~تقديره هم الذين، فالآية على هذا فيها ترج لهم واستدعاء إلى الإيمان ~~والتوبة، وعليم معناه بمن يهدي إلى الرشد، وحكيم فيما ينفذه من تنعيم من ~~شاء وتعذيب من شاء لا رب غيره ولا معبود سواه، وقرأ عاصم وعوام القراء ~~والناس في كل ms1659 قطر إلا بالمدينة «والذين اتخذوا» ، وقرأ أهل المدينة نافع ~~وأبو جعفر وشيبة وغيرهم «الذين اتخذوا» بإسقاط الواو، وكذلك في مصحفهم، ~~قاله أبو حاتم، وقال الزهراوي: وهي قراءة ابن عامر وهي في مصاحف أهل الشام ~~بغير واو، فأما من قرأ بالواو فذلك عطف على قوله وآخرون أي ومنهم الذين ~~اتخذوا، وأما من قرأ بإسقاطها فرفع الذين بالابتداء. # واختلف في الخبر فقيل الخبر لا تقم فيه أبدا [التوبة: 108] قاله الكسائي ~~ويتجه بإضمار إما في أول الآية PageV03P080 # وإما في آخرها، بتقدير لا تقم في مسجدهم وقيل الخبر لا يزال بنيانهم قاله ~~النحاس وهذا أفصح، وقد ذكرت كون الذين بدلا من، آخرون، آنفا، وقال المهدوي: ~~الخبر محذوف تقديره معذبون أو نحوه، وأما الجماعة المرادة ب الذين اتخذوا، ~~فهم منافقو بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف، وأسند الطبري عن ابن إسحاق عن ~~الزهري وغيره أنه قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى ~~نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار ~~قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا ~~لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، ~~فقال إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم ~~فيه، فلما أقبل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن ~~عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه، فانطلقا ~~مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعف، وذكر النقاش أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعث لهدمه وتحريقه عمار بن ياسر ووحشيا مولى المطعم بن عدي، وكان ~~بانوه اثني عشر رجلا، خذام بن خالد، ومن داره أخرج مسجد الشقاق وثعلبة بن ~~حاطب ومتعب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، ~~وجارية بن عمرو ms1660 وابناه مجمع بن جارية وهو كان إمامهم، وحلف لعمر بن الخطاب ~~في خلافته أنه لم يشعر بأمرهم وزيد بن جارية ونبتل بن الحارث، ويخرج وهو من ~~بني ضبيعة وبجاد بن عثمان ووديعة بن ثابت ويخرج منهم هو الذي حلف لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «ما أردت إلا الحسنى» والتوسعة علينا وعلى من عجز ~~أو ضعف عن المسير إلى مسجد قباء، وقرأ ابن أبي عبلة «ما أردنا إلا الحسنى» ~~، والآية تقتضي شرح شيء من أمر هذه المساجد، فروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما قدم المدينة وقت الهجرة بني مسجدا في بني عمرو بن عوف وهو ~~مسجد قباء، وقيل وجده مبنيا قبل وروده، وقيل وجده موضع صلاة فبناه وتشرف ~~القوم بذلك، فحسدهم من حينئذ رجال من بني عمهم من بني غنم بن عوف وبني سالم ~~بن عوف، فكان فيهم نفاق، وكان موضع مسجد قباء مربطا لحمار امرأة من الأنصار ~~اسمها لية، فكان المنافقون يقولون والله لا نصبر على الصلاة في مربط حمار ~~لية ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامر عبد عمرو المعروف بالراهب منهم، ~~وكانت أمه من الروم فكان يتعبد في الجاهلية فسمي الراهب، وهو أبو حنظلة ~~غسيل الملائكة وكان سيدا نظيرا وقريبا من عبد الله بن أبي ابن سلول، فلما ~~جاء الله بالإسلام نافق ولم يزل مجاهرا بذلك فسماه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الفاسق، ثم خرج في جماعة من المنافقين فحزب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الأحزاب، فلما ردهم الله بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مظهرا ~~لعداوته، فلما فتح الله مكة هرب إلى الطائف. # فلما أسلم أهل الطائف خرج هاربا إلى الشام يريد قيصر مستنصرا به على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى قومه المنافقين منهم أن ابنوا مسجدا ~~مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له، فإني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمدا ~~وأصحابه من المدينة فبنوه، وقالوا سيأتي أبو عامر ويصلي فيه ويتخذه متعبدا ~~ويسر به، ثم إن أبا عامر ms1661 هلك عند قيصر ونزل القرآن في أمر مسجد الضرار فذلك ~~قوله وإرصادا لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر وقولهم سيأتي أبو عامر، ~~وقرأ الأعمش «للذين حاربوا الله» وقوله PageV03P081 # ضرارا أي داعية للتضار من جماعتين فلذلك قال ضرارا وهو في الأكثر مصدر ما ~~يكون من اثنين وإن كان المصدر الملازم لذلك مفاعلة كما قال سيبويه، ونصب ~~«ضرار» وما بعده على المصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون على المفعول من ~~أجله، وقوله بين المؤمنين يريد بين الجماعة التي كانت تصلي في مسجد قباء ~~فإن من جاوز مسجدهم كانوا يصرفونه إليه وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان، ~~وقيل أراد بقوله بين المؤمنين جماعة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا بحسب الخلاف في المسجد المؤسس على التقوى وسيأتي ذلك، قال النقاش يلزم ~~من هذا أن لا يصلى في كنيسة ونحوها لأنها بنيت على شر من هذا كله وقد قيل ~~في هذا لا تقم فيه أبدا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تفقه غير قوي، و «الإرصاد» الإعداد والتهيئة، ~~والذي حارب الله ورسوله هو أبو عامر الفاسق، وقوله من قبل يريد في غزوة ~~الأحزاب وغيرها، والحالف المراد في قوله ليحلفن هو يخرج ومن حلف من أصحابه، ~~وكسرت الألف من قوله إنهم لكاذبون لأن الشهادة في معنى القول، وأسند الطبري ~~عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته فقيل له إن ~~مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلي فيه فإنه بني على ضرار ~~وكل مسجد بني ضرارا ورياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار، وروي أن مسجد ~~الضرار لما هدم وأحرق اتخذ مزبلة ترمى فيه الأقذار والقمامات. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 108 الى 109] # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى ~~من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على ms1662 شفا جرف هار فانهار به في نار ~~جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت لا تقم فيه أبدا كان لا ~~يمر بالطريق التي فيها المسجد، وهذا النهي إنما هو لأن البانين لمسجد ~~الضرار قد كانوا خادعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: بنينا مسجدا ~~للضرورات والسيل الحائل بيننا وبين قومنا فنريد أن تصلي لنا فيه وتدعو ~~بالبركة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشي معهم إلى ذلك، واستدعى ~~قميصه لينهض فنزلت الآية لا تقم فيه أبدا وقوله: لمسجد قيل إن اللام لام ~~قسم، وقيل هي لام الابتداء كما تقول: لزيد أحسن الناس فعلا، وهي مقتضية ~~تأكيدا، وقال ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين: المراد «بالمسجد الذي ~~أسس على التقوى» هو مسجد قباء. # وروي عن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة، ويليق القول الأول بالقصة، إلا أن القول الثاني روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولا نظر مع الحديث، PageV03P082 # وأسند الطبري في ذلك عن أبي سعيد الخدري أنه قال: اختلف رجل من بني خدرة ~~ورجل من بني عمرو بن عوف فقال الخدري: هو مسجد الرسول وقال الآخر: هو مسجد ~~قباء فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال: هو مسجدي هذا، وفي ~~الآخر خير كثير إلى كثير من الآثار في هذا عن أبي بن كعب وسهل بن سعد. # قال القاضي أبو محمد: ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في بقعته ~~نخل وقبور مشركين ومريد ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة، وبناه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، الأولى بالسميط وهي لبنة أمام لبنة، ~~والثانية بالصعيدة، وهي لبنة ونصف في عرض الحائط، والثالثة بالأنثى والذكر، ~~وهي لبنتان تعرض عليهما لبنتان، وكان في طوله سبعون ذراعا وكان عمده النخل ~~وكان عريشا يكف في المطر، وعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيانه ~~ورفعه فقال: ms1663 لا بل يكون عريشا كعريش أخي موسى كان إذا قام ضرب رأسه في ~~سقفه. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل فيه اللبن على صدره، ويقال إن ~~أول من وضع في أساسه حجرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع أبو بكر ~~حجرا، ثم وضع عمر حجرا، ثم وضع عثمان حجرا، ثم رمى الناس بالحجارة فتفاءل ~~بذلك بعض الصحابة في أنها الخلافة فصدق فأله، قوله: من أول يوم قيل معناه ~~منذ أول يوم، وقيل معناه من تأسيس أول يوم، وإنما دعا إلى هذا الاختلاف أن ~~من أصول النحويين أن «من» لا تجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان بمنذ، ~~تقول ما رأيته منذ يومين أو سنة أو يوم، ولا تقول من شهر ولا من سنة ولا من ~~يوم، فإذا وقعت «من» في الكلام وهي تلي زمنا فيقدر مضمر يليق أن تجره «من» ~~كقول الشاعر: [زهير بن أبي سلمى] # لمن الديار كقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر # ومن شهر رواية، فقدروه من مر حجج ومن مر دهر، ولما كان «أول يوم» يوما ~~وهو اسم زمان احتاجوا فيه إلى تقدير من تأسيس، ويحسن عندي أن يستغنى في هذه ~~الآية عن تقدير وأن تكون «من» تجر لفظة «أول» لأنها بمعنى البدأة كأنه قال ~~من مبتدأ الأيام، وهي هاهنا تقوم مقام المر في البيت المتقدم، وهي كما تقول ~~جئت من قبلك ومن بعدك وأنت لا تدل بهاتين اللفظتين إلا على الزمن، وقد حكي ~~لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو، ومعنى أن تقوم فيه أي بصلاتك ~~وعبادتك، وقرأ جمهور الناس «أن تقوم فيه فيه رجال» بكسر الهاء، وقرأ عبد ~~الله بن زيد «أن تقوم فيه فيه» بضم الهاء الثانية على الأصل ويحسنه تجنب ~~تكرار لفظ واحد، وقال قتادة وغيره: الضمير عائد على مسجد الرسول، و ~~«الرجال» جماعة الأنصار. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: يا معشر الأنصار إني رأيت ~~الله أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون؟ فقالوا يا ms1664 رسول الله إنا رأينا ~~جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء. # قال القاضي أبو محمد: يريد الاستنجاء بالماء، ففعلنا نحن ذلك فلما جاء ~~الإسلام لم ندعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تدعوه أبدا، وقال ~~عبد الله بن سلام وغيره ما معناه: إن الضمير عائد على مسجد قباء والمراد ~~بنو عمرو بن عوف. PageV03P083 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قال المقالة المتقدمة لنبي ~~عمرو بن عوف والأول أكثر، واختلف أهل العلم في الأفضل بين الاستنجاء بالماء ~~أو بالحجارة فقيل هذا وقيل هذا، ورأت فرقة من أهل العلم الجمع بينهما فينقي ~~بالحجارة ثم يتبع بالماء، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض علماء ~~القيروان كانوا يتخذون في متوضياتهم أحجارا في تراب ينقون بها، ثم يستنجون ~~بالماء أخذا بهذا القول. # قال القاضي أبو محمد: وإنما يتصور الخلاف في البلاد التي يمكن فيها أن ~~تنقى الحجارة، وابن حبيب لا يجيز الاستنجاء بالحجارة حيث يوجد الماء، وهو ~~قول شذ فيه، وقرأ جمهور الناس «يتطهروا» ، وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش ~~«يطهروا» بالإدغام، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # «المتطهرين» بالتاء، وأسند الطبري عن عطاء أنه قال: أحدث قوم من أهل قباء ~~الاستنجاء بالماء فنزلت الآية فيهم. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منهم عويم بن ساعدة ولم يسم ~~أحد منهم غير عويم، وقوله: أفمن أسس بنيانه الآية استفهام بمعنى تقرير، ~~وقرأ نافع وابن عامر وجماعة «أسس بنيانه» على بناء «أسس» للمفعول ورفع ~~«بنيان» فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وجماعة «أسس ~~بنيانه» على بناء الفعل للفاعل ونصب «بنيان» فيهما، وقرأ عمارة بن ضبا رواه ~~يعقوب الأول على بناء الفعل للمفعول والثاني على بنائه للفاعل، والآية ~~تتضمن معادلة بين شيئين، فإما بين البناءين وإما بين البانين، فالمعادلة ~~الأولى هي بتقدير أبناء من أسس، وقرأ نصر بن علي ورويت عن نصر بن عاصم: ~~«أفمن أس بنيانه» على إضافة «أس» إلى «بنيان» وقرأ نصر بن ms1665 عاصم وأبو حيوة ~~أيضا «أساس بنيانه» ، وقرأ نصر بن عاصم أيضا «أسس بنيانه» على وزن فعل بضم ~~الفاء والعين وهو جمع أساس كقذال وقذل حكى ذلك أبو الفتح، وذكر أبو حاتم أن ~~هذه القراءة لنصر إنما هي «أسس» بهمزة مفتوحة وسين مفتوحة وسين مضمومة، ~~وعلى الحكايتين فالإضافة إلى البنيان، وقرأ نصر بن علي أيضا «أساس» على جمع ~~«أس» و «البنيان» يقال بنى يبني بناء وبنيانا كالغفران والطغيان فسمي به ~~المبنى مثل الخلق إذا أردت به المخلوق، وقيل هو جمع واحده بنيانة، وأنشد في ~~ذلك أبو علي: [الطويل] # كبنيانة القاري موضع رجلها ... وآثار نسعيها من الدق أبلق # وقرأ الجمهور على تقوى وقرأ عيسى بن عمر «على تقوى» بتنوين الواو حكى هذه ~~القراءة سيبويه وردها الناس، قال أبو الفتح: قياسها أن تكون الألف للإلحاق ~~كأرطى ونحوه، وأما المراد بالبنيان الذي أسس على التقوى والرضوان فهو في ~~ظاهر اللفظ وقول الجمهور المسجد المذكور قبل ويطرد فيه الخلاف المتقدم، ~~وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: المراد بالمسجد المؤسس على التقوى هو ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بأنه أسس على تقوى من الله، ~~ورضوان خير هو مسجد قباء، وأما البنيان الذي أسس على شفا جرف هار فهو مسجد ~~الضرار بإجماع. و «الشفا» الحاشية والشفير. # و «الجرف» حول البئر ونحوه مما جرفته السيول والندوة والبلى. وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو PageV03P084 # والكسائي وجماعة «جرف» بضم الراء، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وجماعة ~~«جرف» بسكون الراء، واختلف عن عاصم. وهما لغتان، وقيل الأصل ضم الراء ~~وتخفيفها بعد ذلك مستعمل وهار: معناه متهدم منهال وهو من هار يهور ويقال ~~هار يهير ويهير، وأصله هاير أو هاور، فقيل قلبت راؤه قبل حرف العلة فجاء ~~هارو أو هاري فصنع به ما صنع بقاض وغاز، وعلى هذا يقال في حال النصب هاريا، ~~ومثله في يوم راح أصله رايح ومثله شاكي السلاح أصله شايك ومثله قول العجاج: ~~[الوافر] لاث به الأشاء والعبري أصله لايث. # ومثله قول الشاعر ms1666 [الأجدع الهمداني] : [الكامل] خفضوا أسنتهم فكل ناع على ~~أحد الوجهين: # فإنه يحتمل أنه من نعى ينعي والمراد أنهم يقولون يا ثارات فلان، ويحتمل ~~أن يريد فكلهم نايع أي عاطش كما قال عامر بن شييم، والأسل النياعا وقيل في ~~هار إن حرف علته حذف حذفا فعلى هذا يجري بوجوه الإعراب، فتقول: جرف هار ~~ورأيت جرفا هارا، ومررت بحرف هار. # واختلف القراء في إمالة هار وانهار، وتأسيس البناء على تقوى إنما هو بحسن ~~النية فيه وقصد وجه الله تعالى وإظهار شرعه، كما صنع بمسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفي مسجد قباء. # والتأسيس على شفا جرف هار إنما هو بفساد النية وقصد الرياء والتفريق بين ~~المؤمنين، فهذه تشبيهات صحيحة بارعة، وخير في هذه الآية تفضيل ولا شركة بين ~~الأمرين في خير إلا على معتقد يأتي مسجد الضرار، فبحسب ذلك المعتقد صح ~~التفضيل، وقوله فانهار به في نار جهنم الظاهر منه وما صح من خبرهم وهدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدهم أنه خارج مخرج المثل، أي مثل هؤلاء ~~المضارين من المنافقين في قصدهم معصية الله وحصولهم من ذلك على سخطه كمن ~~ينهار بنيانه في نار جهنم، ثم اقتضب الكلام اقتضابا يدل عليه ظاهره، وقيل ~~بل ذلك حقيقة وإن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة وابن ~~جريج. # وروي عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال: رأيت الدخان يخرج منه على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروي في بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه حين انهار حتى ~~بلغ الأرض السابعة ففزع لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروي أنهم لم يصلوا فيه أكثر من ثلاثة أيام أكملوه يوم الجمعة وصلوا فيه ~~يوم الجمعة وليلة السبت وانهار يوم الاثنين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بإسناد لين، وما قدمناه أصوب وأصح، وكذلك ~~بقي أمره والصلاة فيه من قبل سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ~~إلى أن يقبل صلى الله عليه ms1667 وسلم. PageV03P085 # وقوله والله لا يهدي القوم الظالمين: طعن على هؤلاء المنافقين وإشارة ~~إليهم، والمعنى لا يهديهم من حيث هم الظالمون، أو يكون المراد الخصوص فيمن ~~يوافي على ظلمه، وأسند الطبري عن خلف بن ياسين أنه قال: رأيت مسجد ~~المنافقين الذين ذكر الله في القرآن، فرأيت فيه مكانا يخرج منه الدخان، ~~وذلك في زمن أبي جعفر المنصور. # وروي شبيه بهذا أو نحوه عن ابن جريج أسنده الطبري. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 110 الى 111] # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) # الضمير في بنيانهم عائد على المنافقين البانين للمسجد ومن شاركهم في ~~غرضهم، وقوله الذي بنوا تأكيد وتصريح بأمر المسجد ورفع للإشكال، و «الريبة» ~~الشك، وقد يسمى ريبة فساد المعتقد واضطرابه والاعتراض في الشيء والتحفظ فيه ~~والحزازة من أجله وإن لم يكن شكا، فقد يرتاب من لا يشك، ولكنها في معتاد ~~اللغة تجري مع الشك، ومعنى «الريبة» في هذه الآية أمر يعم الغيظ والحنق ~~ويعم اعتقاد صواب فعلهم ونحو هذا مما يؤدي كله إلى الريبة في الإسلام، ~~فمقصد الكلام لا يزال هذا البنيان الذي هدم لهم يبقي في قلوبهم حزازة وأثر ~~سوء، وبالشك فسر ابن عباس الريبة هنا، وفسرها السدي بالكفر، وقيل له أفكفر ~~مجمع بن جارية؟ قال: لا ولكنها حزازة. # قال القاضي أبو محمد: ومجمع رحمه الله قد أقسم لعمر أنه ما علم باطن ~~القوم ولا قصد سوءا، والآية إنما عنت من أبطن سوءا فليس مجمع منهم، ويحتمل ~~أن يكون المعنى لا يزالون مريبين بسبب بنائهم الذي اتضح فيه نفاقهم، وجملة ~~هذا أن الريبة في الآية تعم معاني كثيرة يأخذ كل منافق منها بحسب قدره من ~~النفاق، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ms1668 والكسائي «إلا أن تقطع قلوبهم» بضم ~~التاء وبناء الفعل للمفعول، وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم بخلاف عنه «إلا أن ~~تقطع» بفتح التاء على أنها فاعلة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وقتادة ~~ويعقوب: «إلى أن تقطع» على معنى إلى أن يموتوا، وقرأ بعضهم: # «إلى أن تقطع» ، وقرأ أبو حيوة «إلا أن يقطع» بالياء مضمومة وكسر الطاء ~~ونصب «القلوب» أي بالقتل، وأما على القراءة الأولى فقيل بالموت قاله ابن ~~عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، وقيل، بالتوبة وليس هذا بالظاهر إلا أن ~~يتأول: أو يتوبوا توبة نصوحا يكون معها من الندم والحسرة على الذنب ما يقطع ~~القلوب هما وفكرة، وفي مصحف ابن مسعود «ولو قطعت قلوبهم» ، وكذلك قرأها ~~أصحابه وحكاها أبو عمرو «وأن قطعت» بتخفيف الطاء، وفي مصحف أبي «حتى ~~الممات» وفيه «حتى تقطع» ، وقوله إن الله اشترى من المؤمنين PageV03P086 # أنفسهم # الآية، هذه الآية نزلت في البيعة الثالثة وهي بيعة العقبة الكبرى، وهي ~~التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين وكان أصغرهم سنا عقبة بن عمرو، ~~وذلك أنهم اجتمعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة فقالوا: ~~اشترط لك ولربك، والمتكلم بذلك عبد الله بن رواحة، فاشترط رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حمايته مما يحمون منه أنفسهم، واشترط لربه التزام الشريعة ~~وقتال الأحمر والأسود في الدفع عن الحوزة، فقالوا: ما لنا على ذلك؟ قال ~~الجنة، فقالوا: نعم ربح البيع لا نقيل ولا نقال، وفي بعض الروايات ولا ~~نستقيل فنزلت الآية في ذلك. # ثم الآية بعد ذلك عامة في كل من جاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة، وقال بعض العلماء: ما من مسلم إلا ولله في عنقه ~~هذه البيعة وفى بها أو لم يف، وفي الحديث أن فوق كل بربرا حتى يبذل العبد ~~دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك، وهذا تمثيل من الله عز وجل جميل صنعه ~~بالمبايعة، وذلك أن حقيقة المبايعة أن تقع بين نفسين بقصد منهما وتملك ~~صحيح، ms1669 وهذا القصة وهب الله عباده أنفسهم وأموالهم ثم أمرهم ببذلها في ذاته ~~ووعدهم على ذلك ما هو خير منها، فهذا غاية التفضل، ثم شبه القصة بالمبايعة، ~~وأسند الطبري عن كثير من أهل العلم أنهم قالوا: ثامن الله تعالى في هذه ~~الآية عباده فأعلى لهم وقاله ابن عباس والحسن بن أبي الحسن، وقال ابن ~~عيينة: معنى الآية اشترى منهم أنفسهم ألا يعملوها إلا في طاعة الله، ~~وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل الله. # قال القاضي أبو محمد: فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله، ومبايعة ~~الخلفاء هي منتزعة من هذه الآية. كان الناس يعطون الخلفاء طاعتهم ونصائحهم ~~وجدهم ويعطيهم الخلفاء عدلهم ونظرهم والقيام بأمورهم، وحدثني أبي رضي الله ~~عنه أنه سمع الواعظ أبا الفضل بن الجوهري يقول على المنبر بمصر: # ناهيك من صفقة البائع فيها رب العلى والثمن جنة المأوى والواسطة محمد ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقوله يقاتلون في سبيل الله مقطوع ومستأنف، ~~وذلك على تأويل سفيان بن عيينة، وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء ~~والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم ~~وابن عامر وأبو عمرو والحسن وقتادة وأبو رجاء وغيرهم: «فيقتلون» على البناء ~~للفاعل «ويقتلون» على البناء للمفعول، وقرأ حمزة والكسائي والنخعي وابن ~~وثاب وطلحة والأعمش بعكس ذلك، والمعنى واحد إذ الغرض أن المؤمنين يقاتلون ~~فيوجد فيهم من يقتل وفيهم من يقتل وفيهم من يجتمعان له وفيهم من لا تقع له ~~واحدة منهما، وليس الغرض أن يجتمع ولا بد لكل واحد واحد، وإذا اعتبر هذا ~~بان، وقوله سبحانه وعدا عليه حقا مصدر مؤكد لأن ما تقدم من الآية هو في ~~معنى الوعد فجاء هو مؤكدا لما تقدم من قوله: بأن لهم الجنة، وقال المفسرون: ~~يظهر من قوله: في التوراة والإنجيل والقرآن، أن كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت ~~عليه. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن ميعاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم تقدم ~~ذكره في هذه الكتب، وقوله ومن ms1670 أوفى بعهده من الله استفهام على جهة التقرير ~~أي لا أحد أوفى بعهده من الله، وقوله فاستبشروا فعل جاء فيه استفعل بمعنى ~~أفعل وليس هذا من معنى طلب الشيء، كما تقول: استوقد نارا PageV03P087 # واستهدى مالا واستدعى نصرا بل هو كعجب واستعجب، ثم وصف تعالى ذلك البيع ~~بأنه الفوز العظيم، أي أنه الحصول على الحظ الأغبط من حط الذنوب ودخول ~~الجنة بلا حساب. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 112 الى 113] # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم (113) # هذه الأوصاف هي من صفات المؤمنين الذين ذكر الله أنه اشترى منهم أنفسهم، ~~وارتفعت هذه الصفات لما جاءت مقطوعة في ابتداء آية على معنى: «هم التائبون» ~~، ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من ~~المؤمنين ذكرها الله تعالى ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى ~~رتبة والآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في ~~سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات التي هي في ~~هذه الآية الثانية أو بأكثرها وقالت فرقة: بل هذه الأوصاف جاءت على جهة ~~الشرط، والآيتان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على ~~هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله، وأسند الطبري في ذلك عن الضحاك ~~بن مزاحم أن رجلا سأله عن قول الله عز وجل: إن الله اشترى [التوبة: 111] ~~وقال الرجل ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل، فقال الضحاك: ويلك أين ~~الشرط التائبون العابدون الآية، وهذا القول تحريج وتضييق والله أعلم، ~~والأول أصوب، والشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد، وقد روي أن الله ~~تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه ختم الله لنا بالحسنى، ~~وقالت فرقة: إن رفع «التائبين» إنما هو على الابتداء وما بعده صفة، إلا ~~قوله الآمرون ms1671 فإنه خبر الابتداء كأنه قال «هم الآمرون» ، وهذا حسن إلا أن ~~معنى الآية ينفصل من معنى التي قبلها وذلك قلق فتأمله، وفي مصحف عبد الله ~~بن مسعود «التائبين العابدين» إلى آخرها، ولذلك وجهان أحدهما: الصفة ~~للمؤمنين على اتباع اللفظ والآخر النصب على المدح، والتائبون لفظ يعم ~~الرجوع من الشر إلى الخير كان ذلك من كفر أو معصية والرجوع من حالة إلى ما ~~هي أحسن منها، وإن لم تكن الأولى شرا بل خيرا، وهكذا توبة النبي صلى الله ~~عليه وسلم واستغفاره سبعين مرة في اليوم، والتائب هو المقلع عن الذنب ~~العازم على التمادي على الإقلاع النادم على ما سلف، والتائب عن ذنب يسمى ~~تائبا وإن قام على غيره إلا أن يكون من نوعه فليس بتائب والتوبة ونقضها ~~دائبا خير من الإصرار، ومن تاب ثم نقض ووافى على النقض فإن ذنوبه الأولى ~~تبقى عليه لأن توبته منها علم الله أنها منقوضة، ويحتمل الأمر غير ذلك ~~والله أعلم. # وقال الحسن في تفسير الآية: التائبون معناه من الشرك، والعابدون لفظ يعم ~~القيام بعبادة الله والتزام شرعه وملازمة ذلك والمثابرة عليه والدوام، ~~والعابد هو المحسن الذي فسر رسول الله صلى الله عليه PageV03P088 # وسلم في قوله، «أن تعبد الله كأنك تراه» الحديث، وبأدنى عبادة يؤديها ~~المرء المسلم يقع عليه اسم عابد ويحصل في أدنى رتبته وعلى قدر زيادته في ~~العبادة يحصل الوصف، والحامدون معناه: الذاكرون لله بأوصافه الحسنى في كل ~~حال وعلى السراء والضراء وحمده لأنه أهل لذلك، وهو أعم من الشكر إذ الشكر ~~إنما هو على النعم الخاصة بالشاكر، والسائحون معناه الصائمون، وروي عن ~~عائشة أنها قالت: سياحة هذه الأمة الصيام، وأسنده الطبري وروي أنه من كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث «إن لله ملائكة سياحين مشائين في ~~الآفاق يبلغوني صلاة أمتي علي» ، ويروى الحديث «صياحين» بالصاد من الصياح ~~والسياحة في الأرض مأخوذ من السيح وهو الماء الجاري على الأرض إلى غير ~~غاية، وقال بعض الناس وهو في كتاب النقاش: السائحون هم الجائلون ms1672 بأفكارهم ~~في قدرة الله وملكوته، وهذا قول حسن وهي من أفضل العبادات، ومن ذلك قول ~~معاذ بن جبل: اقعد بنا نؤمن ساعة، ويروى أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ ~~لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وجعل يفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ~~ذلك فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى: إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل [غافر: 71] وفكرت كيف أتلقى الغل وبقيت في ذلك ليلي أجمع، ~~والراكعون الساجدون هم المصلون الصلوات الخمس كذا قال أهل العلم، ولكن لا ~~يختلف في أن من يكثر النوافل هو أدخل في الاسم وأغرق في الاتصاف، وقوله: ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هو أمر فرض على أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالجملة ثم يفترق الناس فيه مع التعيين، فأما ولاة الأمر ~~والرؤساء فهو فرض عليهم في كل حال، وأما سائر الناس فهو فرض عليهم بشروط: ~~منها أن لا تلحقه مضرة وأن يعلم أن قوله يسمع ويعمل به ونحو هذا ثم من تحمل ~~بعد في ذات الله مشقة فهو أعظم أجرا، وأسند الطبري عن بعض العلماء أنه قال: ~~حيثما ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو الأمر بالإسلام والنهي ~~عن الكفر. # قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه يتناول هذا وهو أحرى، إذ يتناول ما دونه ~~فتعميم اللفظ أولى، وأما هذه الواو التي في قوله والناهون ولم يتقدم في ~~واحدة من الصفات قبل فقيل معناها الربط بين هاتين الصفتين وهي «الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر» إذ هما من غير قبيل الصفات الأول. # قال القاضي أبو محمد: لأن الأول فيما يخص المرء، وهاتان بينه وبين غيره، ~~ووجب الربط بينهما لتلازمهما وتناسبهما، وقيل هي زائدة وهذا قول ضعيف لا ~~معنى له، وقيل هي واو الثمانية لأن هذه الصفة جاءت ثامنة في الرتبة، ومن ~~هذا قوله في أبواب الجنة وفتحت أبوابها [الزمر: 73] ، وقوله وثامنهم كلبهم ~~[الكهف: 22] ، ومن هذا قوله ثيبات وأبكارا [التحريم: 5] . # قال القاضي أبو محمد: على أن هذه تعترض حتى لا يلزم ms1673 أن يكون واو ثمانية، ~~لأنها فرقت بين فصلين يعمان بمجموعهما جميع النساء، ولا يصح أن يكون «ثيبات ~~أبكارا» [التحريم: 5] ، فهي فاصلة ضرورة، وواو الثمانية قد ذكرها ابن ~~خالويه، في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله وفتحت أبوابها [الزمر: ~~73] ، وأنكرها أبو علي، وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ أبي عبد الله ~~الكفيف المالقي وكان ممن استوطن غرناطة وقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه قال: ~~هي لغة فصيحة لبعض العرب من PageV03P089 # شأنهم أن يقولوا إذا عدوا واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية ~~تسعة عشرة، فهكذا هي لغتهم، ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو، ~~وقوله والحافظون لحدود الله لفظ عام تحته إلزام الشريعة والانتهاء عما نهى ~~الله في كل شيء وفي كل فن، وقوله وبشر المؤمنين قيل هو لفظ عام أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يبشر أمته جميعا بالخير من الله، وقيل بل هذه ~~الألفاظ خاصة لمن لم يغز أي لما تقدم في الآية وعد المجاهدين وفضلهم أمر أن ~~يبشر سائر الناس ممن لم يغز بأن الإيمان مخلص من النار والحمد لله رب ~~العالمين، وقوله تعالى ما كان للنبي الآية، يقتضي التأنيب ومنع الاستغفار ~~للمشركين مع اليأس عن إيمانهم إما بموافاتهم على الكفر وموتهم، ومنه قول ~~عمر بن الخطاب في العاصي بن وائل لا جزاه الله خيرا، وإما بنص من الله ~~تعالى على أحد كأبي لهب وغيره فيمتنع الاستغفار له وهو حي، واختلف المفسرون ~~في سبب هذه الآية فقال الجمهور ومداره على ابن المسيب وعمرو بن دينار، نزلت ~~في شأن أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه حين احتضر ~~ووعظه وقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله تعالى، ~~وكان بالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أمية، فقالا له: يا أبا طالب أترغب عن ~~ملة عبد المطلب، فقال أبو طالب: يا محمد والله لولا أني أخاف أن يعير بها ~~ولدي من بعدي ms1674 لأقررت بها عينك ثم قال: أنا على ملة عبد المطلب، ومات على ~~ذلك، إذ لم يسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم ما قال للعباس، فنزلت: إنك ~~لا تهدي من أحببت [القصص: 56] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ~~لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية فترك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار لأبي طالب، وروي أن المؤمنين لما رأوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهم، ~~فلذلك دخلوا في التأنيب والنهي. # والآية على هذا ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ أفعاله في حكم ~~الشرع المستقر وقال فضيل بن عطية وغيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما فتح مكة أتى قبر أمه فوقف عليه حتى سخنت عليه الشمس، وجعل يرغب في أن ~~يؤذن له في الاستغفار لها، فلم يؤذن له فأخبر أصحابه أنه أذن له في زيارة ~~قبرها، ومنع أن يستغفر لها، فما رئي باكيا أكثر من يومئذ، ونزلت الآية في ~~ذلك، وقالت فرقة: إنما نزلت بسبب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المنافقين: والله لأزيدن على السبعين، وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إنما ~~نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا: نستغفر لموتانا كما استغفر ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه فنزلت الآية في ذلك، وعلى كل حال ففي ~~ورود النهي عن الاستغفار للمشركين موضع اعتراض بقصة إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم على نبينا وعليه، فنزل رفع ذلك الاعتراض في الآية التي بعدها، وقوله ~~من بعد ما تبين يريد من بعد الموت على الكفر فحينئذ تبين أنهم أصحاب الجحيم ~~أي سكانها وعمرتها، والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه ومن هذا ~~قول أبي هريرة رضي الله عنه رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه، قيل له ~~ولأبيه قال: لا، إن أبي مات كافرا، وقال عطاء بن أبي رباح: # الآية في النهي عن الصلاة على المشركين، والاستغفار هاهنا يراد به ~~الصلاة. PageV03P090 # قوله ms1675 عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 114 الى 116] # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) وما كان الله ليضل قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم (115) إن الله له ملك ~~السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (116) # المعنى لا حجة أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل لأبيه فإن ذلك لم ~~يكن إلا عن موعدة، واختلف في ذلك فقيل عن موعدة من إبراهيم في أن يستغفر ~~لأبيه وذلك قوله سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا [مريم: 47] ، وقيل عن ~~موعدة من أبيه له في أنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله ~~على الاستغفار له حتى نهي عنه، وقرأ طلحة: «وما يستغفر إبراهيم» وروي عنه ~~«وما استغفر إبراهيم» ، وموعدة مفعلة من الوعد، وأما تبينه أنه عدو لله قيل ~~ذلك بموت آزر على الكفر، وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي. # وقال سعيد بن جبير: ذلك كله يوم القيامة وذلك أن في الحديث أن إبراهيم ~~يلقاه فيعرفه ويتذكر قوله: # سأستغفر لك ربي [مريم: 47] فيقول له الزم حقوي فلن أدعك اليوم لشيء، ~~فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعانا أمذر فيتبرأ منه ~~حينئذ. # قال القاضي أبو محمد: وربط أمر الاستغفار بالآخرة ضعيف، وقوله إن إبراهيم ~~لأواه حليم ثناء من الله تعالى على إبراهيم، و «الأواه» قال ابن مسعود هو ~~الدعاء، وقيل هو الداعي بتضرع، وقيل هو الموقن قاله ابن عباس، وقيل هو ~~الرحيم قاله ابن مسعود أيضا، وقيل هو المؤمن التواب، وقيل هو المسبح وقيل ~~هو الكثير الذكر لله عز وجل، وقيل هو التلاء للقرآن، وقيل هو الذي يقول من ~~خوفه لله عز وجل أبدا أوه ويكثر ذلك. # وروي أن أبا ذر سمع رجلا يكثر ذلك في طوافه فشكاه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: # «دعه فإنه ms1676 أواه» . # والتأوه التفجع الذي يكثر حتى ينطق الإنسان معه، ب «أوه» ، ويقال أوه فمن ~~الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال في بيع أو شراء أنكره عليه: ~~أوه، ذلك الربا بعينه ومن الثاني قول الشاعر: # [الطويل] # فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء # ومن هذا المعنى قول المثقب العبدي: [الوافر] # إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين PageV03P091 # ويروى آهة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، «أوه لأفراخ محمد» ، ~~وحليم معناه صابر محتمل عظيم العقل، والحلم العقل، وقوله تعالى: وما كان ~~الله ليضل قوما الآية معناه التأنيس للمؤمنين، وقيل: إن بعضهم خاف على نفسه ~~من الاستغفار للمشركين دون أمر من الله تعالى فنزلت الآية مؤنسة، أي ما كان ~~الله بعد أن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ~~ذنبا لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون ~~من الأشياء فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة، وقيل: إن هذه الآية ~~إنما نزلت بسبب قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا غيبا ~~فحولت القبلة فصلوا قبل أن يصلهم ذلك إلى بيت المقدس، وآخرين شربوا الخمر ~~بعد تحريمها قبل أن يصل إليهم، فخافوا على أنفسهم وتكلموا في ذلك فنزلت ~~الآية، والقول الأول أصوب وأليق بالآية، وذهب الطبري إلى أن قوله، يحيي ~~ويميت إشارة إلى أنها يجب أيها المؤمنون ألا تجزعوا من عدو وإن كثر، ولا ~~تهابوا أحدا فإن الموت المخوف والحياة المحبوبة إنما هما بيد الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى الذي قال صحيح في نفسه ولكن قوله، إن القصد ~~بالآية إنما هو لهذا قول يبعد، والظاهر في الآية إنما هو لما نص في الآية ~~المتقدمة نعمته وفضله على عبيده في أنه متى من عليهم بهداية ففضله أسبغ من ~~أن يصرفهم ويضلهم قبل أن تقع منهم معصية ومخالفة أمر أتبع ذلك بأوصاف فيها ~~تمجيد الله عز وجل وتعظيمه وبعث النفوس ms1677 على إدمان شكره والإقرار بعبوديته. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 117 الى 119] # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم (117) ~~وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ~~(119) # «التوبة» من الله رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر ~~رجوعا من حالة طاعة إلى أكمل منها وهذه توبته في هذه الآية على النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمل مشقاتها ~~إلى حاله بعد ذلك كله، وأما توبته على «المهاجرين والأنصار» فحالها معرضة ~~لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة الدين، وأما توبته على ~~الفريق الذي كاد أن يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا، واتبعوه ~~معناه: دخلوا في أمره وانبعاثه ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وقوله في ساعة ~~العسرة، يريد في وقت العسرة فأنزل الساعة منزلة المدة والوقت والزمن، وإن ~~كان عرف الساعة في اللغة أنه لما قل من الزمن كالقطعة من النهار. # ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم في رواح يوم الجمعة «في الساعة الأولى ~~وفي الثانية» الحديث، PageV03P092 # فهي هنا بتجوز، ويمكن أن يريد بقوله في ساعة العسرة الساعة التي وقع فيها ~~عزمهم وانقيادهم لتحمل المشقة إذ السفرة كلها تبع لتلك الساعة وبها وفيها ~~يقع الأجر على الله، وترتبط النية، فمن اعتزم على الغزو وهو معسر فقد اتبع ~~في ساعة العسرة ولو اتفق أن يطرأ لهم غنى في سائر سفرتهم لما اختل كونهم ~~متبعين «في ساعة عسرة» والعسرة الشدة وضيق الحال والعدم، ومنه قوله تعالى: ~~وإن كان ذو عسرة [البقرة: 280] وهذا هو جيش العسرة الذي قال رسول الله صلى ms1678 ~~الله عليه وسلم فيه: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه بألف جمل وألف دينار. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلب الدنانير بيده وقال: وما على ~~عثمان ما عمل بعد هذا، وجاء أيضا رجل من الأنصار بسبعمائة وسق من تمر، وقال ~~مجاهد وقتادة: إن العسرة بلغت بهم في تلك الغزوة وهي غزوة تبوك إلى أن ~~قسموا التمرة بين رجلين، ثم كان النفر يأخذون التمرة الواحدة فيمضغها أحدهم ~~ويشرب عليها الماء ثم يفعل كلهم بها ذلك. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وأصابهم في بعضها عطش شديد حتى جعلوا ~~ينحرون الإبل ويشربون ما في كروشها من الماء ويعصرون الفرث حتى استسقى لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه يدعو فما رجعهما حتى انسكبت سحابة ~~فشربوا وادخروا ثم ارتحلوا فإذا السحابة لم تخرج عن العسكر، وحينئذ قال رجل ~~من المنافقين: وهل هذه إلا سحابة مرت، وكانت الغزوة في شدة الحر، وكان ~~الناس كثيرا، فقل الظهر فجاءتهم العسرة من جهات، ووصل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أوائل بلد العدو فصالحه أهل أذرج وأيلة وغيرهما على الجزية ~~ونحوها، وانصرف وأما «الزيغ» الذي كادت قلوب فريق منهم أن تواقعه، فقيل همت ~~فرقة بالانصراف لما لقوا من المشقة والعسرة، قاله الحسن، وقيل زيغها إنما ~~كان بظنون لها ساءت في معنى عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك ~~الغزوة لما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد المشقة وقوة العدو المقصود، ~~وقرأ جمهور الناس وأبو بكر عن عاصم «تزيغ» بالتاء من فوق على لفظ القلوب. # وروي عن أبي عمرو أنه كان يدغم الدال في التاء، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ~~والأعمش والجحدري «يزيغ» بالياء على معنى جمع القلوب، وقرأ ابن مسعود «من ~~بعد ما زاغت قلوب فريق» ، وقرأ أبي بن كعب «من بعد ما كادت تزيغ» ، وأما ~~كان فيحتمل أن يرتفع بها ثلاثة أشياء أولها وأقواها القصة والشأن هذا مذهب ~~سيبويه، ms1679 وترتفع «القلوب» على هذا ب «تزيغ» ، والثاني أن يرتفع بها ما ~~يقتضيه ذكر المهاجرين والأنصار أولا، ويقدر ذلك القوم فكأنه قال من بعد ما ~~كاد القوم تزيغ قلوب فريق منهم، والثالث أن يرتفع بها «القلوب» ويكون في ~~قوله «تزيغ» ضمير «القلوب» ، وجاز ذلك تشبيها بكان في قوله كان حقا علينا ~~نصر المؤمنين # [الروم: 47] وأيضا فلأن هذا التقديم للخبر يراد به التأخير، وشبهت كاد ب ~~«كان» للزوم الخبر لها، قال أبو علي ولا يجوز ذلك في عسى. # ثم أخبر عز وجل أنه تاب أيضا على هذا الفريق وراجع به، وأنس بإعلامه ~~للأمة بأنه رؤف رحيم، والثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية الواقفي ~~ومرارة بن الربيع العامري ويقال ابن ربيعة ويقال PageV03P093 # ابن ربعي، وقد خرج حديثهم بكماله البخاري ومسلم وهو في السير، فلذلك ~~اختصرنا سوقه، وهم الذين تقدم فيهم وآخرون مرجون [التوبة: 106] ، ومعنى ~~خلفوا أخروا وترك أمرهم ولم تقبل منهم معذرة ولا ردت عليهم، فكأنهم خلفوا ~~عن المعتذرين، وقيل معنى خلفوا أي عن غزوة تبوك، قاله قتادة وهذا ضعيف وقد ~~رده كعب بن مالك بنفسه وقال: معنى خلفوا تركوا عن قبول العذر وليس بتخلفنا ~~عن الغزو، ويقوي ذلك من اللفظة جعله إذا ضاقت غاية للتخليف ولم يكن ذلك عن ~~تخليفهم عن الغزو، وإنما ضاقت عليهم الأرض عن تخليفهم عن قبول العذر، وقرأ ~~الجمهور «خلفوا» بضم الخاء وشد اللام المكسورة، وقرأ عكرمة بن هارون ~~المخزومي وزر بن حبيش وعمرو بن عبيد وأبو عمرو أيضا «خلفوا» بفتح الخاء ~~واللام غير مشددة، وقرأ أبو مالك «خلفوا» بضم الخاء وتخفيف اللام المكسورة، ~~وقرأ أبو جعفر محمد بن علي وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد وأبو عبد الرحمن ~~«خالفوا» والمعنى قريب من التي قبلها، وقال أبو جعفر ولو خلفوا لم يكن لهم ~~ذنب، وقرأ الأعمش «وعلى الثلاثة المخلفين» ، وقوله: بما رحبت معناه برحبها ~~كأنه قال: على ما هي في نفسها رحبة، ف «ما» مصدرية، وضاقت عليهم أنفسهم ~~استعارة لأن الغم والهم ملأها، وظنوا في هذه ms1680 الآية بمعنى أيقنوا وحصل علم ~~لهم وقوله: ثم تاب عليهم ليتوبوا لما كان هذا القول في تعديد نعمه بدا في ~~ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز وجل ليكون ذلك منبها على تلقي النعمة من ~~عنده لا رب غيره، ولو كان القول في تعديد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي ~~عن المذنب كما قال الله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] ليكون هذا أشد تقريرا للذنب ~~عليهم، وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه، وبيان هذه الآية ~~ومواقع ألفاظها إنما يكمل مع مطالعة حديث «الثلاثة» الذين خلفوا في الكتب ~~التي ذكرنا، وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك لأن الشرع يطلبهم من الجد ~~فيه بحسب منازلهم منه وتقدمهم فيه إذ هم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين، إذ ~~كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر. # وفي هذا يقتضي أن الرجل العالم والمقتدى به أقل عذرا في السقوط من سواه، ~~وكتب الأوزاعي رحمه الله إلى المنصور أبي جعفر في آخر رسالة: واعلم أن ~~قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد حق الله عليك إلا عظما ولا ~~طاعته إلا وجوبا ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكارا والسلام، ولقد ~~أحسن القاضي التنوخي في قوله: [الكامل] والعيب يعلق بالكبير كبير وفي بعض ~~طرق حديث «الثلاثة» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة نزول توبتهم ~~في بيت أم سلمة، وكانت لهم صالحة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«يا أم سلمة: تيب على كعب بن مالك وصاحبيه» ، فقالت يا رسول الله ألا أبعث ~~إليهم؟ فقال «إذا يحطمكم الناس سائر الليلة فيمنعوكم النوم» ، وقوله تعالى: ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، هذا الأمر بالكون مع ~~أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل ~~المنافقين، فجاء هذا الأمر اعتراضا في أثناء PageV03P094 # الكلام إذ عن في القصة ما يجب التنبيه علي امتثاله، وقال ابن جريج وغيره: ~~الصدق في هذه الآية ms1681 هو صدق الحديث، وقال نافع والضحاك ما معناه: إن اللفظ ~~أعم من صدق الحديث، وهو بمعنى الصحة في الدين والتمكن في الخير، كما تقول ~~العرب: عود صدق ورجل صدق، وقالت هذه الفرقة: كونوا مع محمد وأبي بكر وعمر ~~وأخيار المهاجرين الذين صدقوا الله في الإسلام ومع في هذه الآية تقتضي ~~الصحبة في الحال والمشاركة في الوصف المقتضي للمدح، وقرأ ابن مسعود وابن ~~عباس «وكونوا من الصادقين» ، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن ~~مسعود رضي الله عنه يتأوله في صدق الحديث. # وروي عنه أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرأوا إن شئتم يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 120 الى 121] # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ~~(121) # هذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التخلف ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوه، وقوة الكلام تعطي الأمر بصحبته ~~إلى توجهه غازيا وبذل النفوس دونه، واختلف المتأولون فقال قتادة: كان هذا ~~الإلزام خاصا مع النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب النفر إلى الغزو إذا خرج ~~هو بنفسه ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء، وقال زيد بن أسلم: كان هذا ~~الأمر والإلزام في قلة الإسلام والاحتياج إلى اتصال الأيدي ثم نسخ عند قوة ~~الإسلام بقوله: وما كان المؤمنون لينفروا كافة [التوبة: 122] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله في الانبعاث إلى غزو العدو على الدخول في ~~الإسلام، وأما إذا ألم العدو بجهة فمتعين على كل أحد القيام بذبه ms1682 ومكافحته، ~~وأما قوله تعالى: ولا يرغبوا بأنفسهم فمعناه أن لا يحتمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الله مشقة ويجود بنفسه في سبيل الله فيقع منهم شح على ~~أنفسهم ويكعون عما دخل هو فيه، ثم ذكر تعالى لم لم يكن لهم التخلف عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: ذلك بأنهم ... الآية. و «النصب» التعب. ~~ومنه قول النابغة: [الطويل] كليني لهم يا أميمة ناصب أي ذي نصب. ومنه قوله ~~تعالى: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا [الكهف: 62] و «المخمصة» PageV03P095 # مفعلة من خموص البطن وهي ضموره، واستعير ذلك لحالة الجوع إذ الخموص ملازم ~~له، ومن ذلك قول الأعشى: [الطويل] # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # ومنه أخمص القدم والخمصانة من النساء، وقوله تعالى: ولا يطؤن موطئا أي ~~ولا ينتهون من الأرض منتهى مؤذيا للكفار، وذلك هو الغائظ ومنه في المدونة ~~كنا لا نتوضأ من موطىء من قول ابن مسعود، وقوله تعالى: ولا ينالون من عدو ~~نيلا لفظ عام لقليل ما يصنعه المؤمنون بالكفرة من أخذ مال أو إيراد هوان ~~وكثيره، والنيل مصدر نال ينال وليس من قولهم نلت أنوله نولا ونوالا وقيل هو ~~منه، وبدلت الواو ياء لخفتها هنا وهذا ضعيف، والطبري قد ذكر نحوه وضعفه ~~وقال ليس ذلك المعروف من كلام العرب، وقوله ولا ينفقون الآية، قدم الصغيرة ~~للاهتمام أي إذا كتبت الصغيرة فالكبيرة أحرى، و «الوادي» ما بين جبلين كان ~~فيه ماء أو لم يكن، وجمعه أودية، وليس في كلام العرب فاعل وأفعلة إلا في ~~هذا الحرف وحده، وفي الحديث «ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا إلا ~~ازدادوا من الله قربا» . # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 122 الى 123] # وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) يا أيها الذين ~~آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع ~~المتقين (123) # قالت فرقة: ms1683 سبب هذه الآية أن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكانا ~~ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قول الله عز وجل: ما كان لأهل المدينة ومن ~~حولهم من الأعراب [الكهف: 62] أهمهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خشية أن يكونوا مذنبين في التخلف عن الغزو فنزلت هذه ~~الآية في نفرهم ذلك، وقالت فرقة: سبب هذه الآية أن المنافقين لما نزلت ~~الآيات في المتخلفين قالوا هلك أهل البوادي فنزلت هذه الآية مقيمة لعذر أهل ~~البوادي. # قال القاضي أبو محمد: فيجيء قوله تعالى: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ~~[الكهف: 62] عموم في اللفظ والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر، وتجيء ~~هذه الآية مبينة لذلك مطردة الألفاظ متصلة المعنى من قوله تعالى: ما كان ~~لأهل المدينة إلى قوله يحذرون بين في آخر الآية العموم الذي في أولها إذ هو ~~معرض أن يتأول فيه ألا يتخلف بشر، و «التفقه» هو من النافرين، و «الإنذار» ~~هو منهم، والضمير في رجعوا لهم أيضا، وقالت فرقة هذه: الآية ليست في معنى ~~الغزو وإنما سببها أن قبائل من العرب لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على مضر بالسنين أصابتهم مجاعة وشدة، فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش ~~فكادوا أن يفسدوها، وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما أضرعه الجوع فنزلت ~~الآية في ذلك، فقال وما كان من صفته الإيمان لينفر مثل هذا النفر أي ليس ~~هؤلاء المؤمنين، وقال ابن عباس ما معناه: إن PageV03P096 # هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا، والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو، وهذه ثابتة الحكم مع تخلفه أي يجب ~~إذا تخلف ألا ينفر الناس كافة فيبقى هو منفردا وإنما ينبغي أن تنفر طائفة ~~وتبقى طائفة لتتفقه هذه الباقية في الدين، وينذروا النافرين إذا رجع ~~النافرون إليهم، وقالت فرقة: هذه الآية ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة ~~النفير والقتال، والضمير في قوله ليتفقهوا عائد أيضا على هذا التأويل على ~~الطائفة المتخلفة مع النبي صلى الله عليه ms1684 وسلم، وهو القول الأول في ترتيبنا ~~هذا عائد على الطائفة النافرة، وكذلك يترتب عوده مع بعض الأقوال على هذه ~~ومع بعضها على هذه، والجمهور على أن «التفقه» إنما هو بمشاهدة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصحبته، وقالت فرقة يشبه أن يكون «التفقه» في الغزو في ~~السرايا لما يرون من نصرة الله لدينه وإظهاره العدد القليل من المؤمنين على ~~الكثير من الكافرين وعلمهم بذلك صحة دين الإسلام ومكانته من الله تعالى، ~~ورجحه الطبري وقواه، والآخر أيضا قوي، والضمير في قوله لينذروا عائد على ~~المتفقهين بحسب الخلاف، و «الإنذار» عام للكفر والمعاصي والحذر منها أيضا ~~كذلك، وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ~~الآية، قيل هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج ~~الذي كان في أول الإسلام. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يضعفه هذه الآية من آخر ما نزل، وقالت ~~فرقة: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما تجاوز قوما من الكفار ~~غازيا لقوم آخرين أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى ~~المدينة، وقالت فرقة: الآية مبينة صورة القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر ~~بقتال الكفار كافة، ومعناها أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن ~~يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يصاقبه من الكفرة، وهذا هو القتال لكلمة ~~الله ورد الناس إلى الإسلام، وأما إذا مال العدو إلى صقع من أصقاع المسلمين ~~ففرض على من اتصل به من المسلمين كفاية عدو ذلك الصقع وإن بعدت الدار ونأت ~~البلاد، وقال قائلو هذه المقالة: نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام ~~لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلى ويقرب إذ كانت العرب قد عمها الإسلام ~~وكانت العراق بعيدة، ثم لما اتسع نطاق الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس ~~والديلم وغيرهما من الأمم، وسأل ابن عمر رجل عن قتال الديلم فقال: عليك ~~بالروم، وقال الحسن: هم الروم والديلم. # قال القاضي أبو محمد: يعني في زمنه ذلك، وقاله علي بن الحسين، وقال ms1685 ابن ~~زيد: المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم ~~وغيرهم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [التوبة: 29] إلى ~~قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [التوبة: 29] ، وقرأ جمهور الناس ~~«غلظة» بكسر الغين، وقرأ المفضل عن عاصم والأعمش «غلظة» بفتحها، وقرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي وأبان بن ثعلبة وابن أبي عبلة «غلظة» بضمها، وهي قراءة ~~أبي حيوة ورواها المفضل عن عاصم أيضا، قال أبو حاتم رويت الوجوه الثلاثة عن ~~أبي عمرو، وفي هاتين القراءتين شذوذ وهي لغات، ومعنى الكلام وليجدوا فيكم ~~خشونة وبأسا، وذلك مقصود به القتال، ومنه عذاب غليظ [إبراهيم: 17، لقمان: ~~24، فصلت: 50، هود: 58] وغليظ القلب [آل عمران: 129] وغلاظ شداد [التحريم: ~~6] في صفة الزبانية، وغلظت علينا كبده في حفر الخندق إلى غير ذلك، ثم وعد ~~تعالى في PageV03P097 # آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو، ~~وقد قال بعض الصحابة: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في ~~طرق الحق فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى ومن كان الله معه فلن يغلب. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 124 الى 126] # وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام ~~مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) # هذه الآية نزلت في شأن المنافقين، والضمير في قوله فمنهم عائد على ~~المنافقين، وقوله تعالى: # أيكم زادته هذه إيمانا يحتمل أن يكون لمنافقين مثلهم، ويحتمل أن يكون ~~لقوم من قراباتهم من المؤمنين يستنيمون إليهم ويثقون بسترهم عليهم ويطمعون ~~في ردهم إلى النفاق، ومعنى أيكم زادته هذه إيمانا الاستخفاف والتحقير لشأن ~~السورة كما تقول أي غريب في هذا أو أي دليل، ثم ابتدأ عز وجل الرد عليهم ~~والحكم بما يهدم لبسهم فأخبر أن المؤمنين الموقنين قد «زادتهم إيمانا» ~~وأنهم يستبشرون من ألفاظها ومعانيها ms1686 برحمة الله ورضوانه، والزيادة في ~~الإيمان موضع تخبط للناس وتطويل، وتلخيص القول فيه أن الإيمان الذي هو نفس ~~التصديق ليس مما يقبل الزيادة والنقص في نفسه، وإنما تقع الزيادة في المصدق ~~به، فإذا نزلت سورة من الله تعالى، حدث للمؤمنين بها تصديق خاص لم يكن قبل، ~~فتصديقهم بما تضمنته السورة من إخبار وأمر ونهي أمر زائد على الذي كان ~~عندهم قبل، فهذا وجه من زيادة الإيمان، ووجه آخر أن السورة ربما تضمنت ~~دليلا أو تنبيها عليه فيكون المؤمن قد عرف الله بعدة أدلة، فإذا نزلت ~~السورة زادت في أدلته، وهذه أيضا جهة أخرى من الزيادة، وكلها خارجة عن نفس ~~التصديق إذا حصل تاما، فإنه ليس يبقى فيه موضع زيادة، ووجه آخر من وجوه ~~الزيادة أن الرجل ربما عارضه شك يسير أو لاحت له شبهة مشغبة فإذا نزلت ~~السورة ارتفعت تلك الشبهة واستراح منها، فهذا أيضا زيادة في الإيمان إذ ~~يرتقي اعتقاده عن مرتبة معارضة تلك الشبهة إلى الخلوص منها، وأما على قول ~~من يسمي الطاعات إيمانا وذلك مجاز عند أهل السنة فتترتب الزيادة بالسورة إذ ~~تتضمن أوامر ونواهي وأحكاما، وهذا حكم من يتعلم العلم في معنى زيادة ~~الإيمان ونقصانه إلى يوم القيامة، فإن تعلم الإنسان العلم بمنزلة نزول سورة ~~القرآن والذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، وهذا تشبيه وذلك أن السالم ~~المعتقد المنشرح الصدر بالإيمان يشبهه الصحيح، والفاسد المعتقد يشبهه ~~المريض، ففي العبارة مجاز فصيح لأن المرض والصحة إنما هي خاصة في الأعضاء، ~~فهي في المعتقدات مجاز، و «الرجس» في هذه الآية عبارة عن حالهم التي جمعت ~~معنى الرجس في اللغة، وذلك أن الرجس في اللغة يجيء بمعنى القذر ويجيء بمعنى ~~العذاب، وحال هؤلاء المنافقين هي قذر وهي عذاب عاجل كفيل بآجل، وزيادة ~~«الرجس إلى الرجس» هي عمههم في الكفر PageV03P098 # وخبطهم في الضلال يعاقبهم الله على الكفر والإعراض بالختم على قلوبهم ~~والختم بالنار عليهم، وإذ كفروا بسورة فقد زاد كفرهم فذلك زيادة رجس إلى ~~رجسهم، وقوله: أولا يرون أنهم يفتنون ms1687 الآية، قرأ الجمهور «أو لا يرون» ~~بالياء على معنى أو لا يرى المنافقون، وقرأ حمزة «أو لا ترون» بالتاء على ~~معنى أو لا ترون أيها المؤمنون، فهذا تنبيه للمؤمنين، وقرأ ابن مسعود وأبي ~~بن كعب والأعمش «أو لا ترى» أي أنت يا محمد. # وروي عن الأعمش أيضا أنه قرأ «أو لم تروا» . # وذكر عنه أبو حاتم «أو لم تر» ، وقال مجاهد يفتنون معناه يختبرون بالسنة ~~والجوع، وحكى عنه النقاش أنه قال مرضة أو مرضتين، وقال الحسن بن أبي الحسن ~~وقتادة: معناه يختبرون بالأمر بالجهاد، والذي يظهر مما قبل الآية ومما ~~بعدها أن الفتنة والاختبار إنما هي بكشف الله تعالى أسرارهم وإفشائه ~~عقائدهم، فهذا هو الاختبار الذي تقوم عليه الحجة برؤيته وترك التوبة، وأما ~~الجهاد أو الجوع فلا يترقب معهما ما ذكرناه، فمعنى الآية على هذا فلا يزدجر ~~هؤلاء الذين تفضح سرائرهم كل سنة مرة أو مرتين بحسب واحد ويعلمون أن ذلك من ~~عند الله فيتوبون ويتذكرون وعد الله ووعيده، وأما الاختبار بالمرض فهو في ~~المؤمنين وقد كان الحسن ينشد: # أفي كل عام مرضة ثم نقهة ... فحتى متى حتى متى وإلى متى # وقالت فرقة: معنى يفتنون بما يشيعه المشركون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الأكاذيب، فكأن الذي في قلوبهم مرض يفتنون في ذلك، وحكى الطبري هذا ~~القول عن حذيفة وهو غريب من المعنى. # قوله عز وجل: ### || [سورة التوبة (9) : الآيات 127 الى 129] # وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ~~ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) # الضمير في قوله بعضهم عائد على المنافقين، والمعنى وإذا ما أنزلت سورة ~~فيها فضيحة أسرارهم نظر بعضهم إلى بعض على جهة التقريب، يفهم من تلك النظرة ~~التقرير: هل معكم من ينقل عنكم؟ # هل يراكم من أحد حين ms1688 تدبرون أموركم؟ وقوله تعالى: ثم انصرفوا معناه عن ~~طريق الاهتداء. وذلك أنهم حين ما يبين لهم كشف أسرارهم والإعلام بمغيبات ~~أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة ~~ذلك، فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال ~~التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء، وابتدئ بالفعل المسند إليهم إذ هو ~~تعديد ذنب على ما PageV03P099 # قد بيناه، وقوله: صرف الله قلوبهم يحتمل أن يكون دعاء عليهم، ويحتمل أن ~~يكون خبرا أي استوجبوا ذلك بأنهم قوم لا يفقهون أي لا يفهمون عن الله ولا ~~عن رسوله، وأسند الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس أنه قال: لا تقولوا ~~انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا ~~الصلاة. # قال القاضي أبو محمد: فهذا النظر الذي في هذه الآية هو إيماء، وحكى ~~الطبري عن بعضهم أنه قال: نظر في هذه الآية في موضع قال، وقوله تعالى: لقد ~~جاءكم مخاطبة للعرب في قول الجمهور وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ~~ذلك، إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة وشرفوا به غابر ~~الأيام، وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم، والمعنى لقد جاءكم رسول من ~~البشر والأول أصوب، وقوله: من أنفسكم يقتضي مدحا لنسب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنه من صميم العرب وشرفها، وينظر إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى ~~بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم» ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«إني من نكاح ولست من سفاح» معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه ~~السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح ولم يكن فيه زنى، وقرأ عبد الله بن ~~قسيط المكي «من أنفسكم» بفتح الفاء من النفاسة، ورويت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها، ذكر أبو عمرو أن ابن عباس رواها عن ~~النبي صلى ms1689 الله عليه وسلم، وقوله ما عنتم معناه عنتكم ف ما مصدرية وهي ~~ابتداء، وعزيز خبر مقدم، ويجوز أن يكون ما عنتم فاعلا ب عزيز وعزيز صفة ~~للرسول، وهذا أصوب من الأول والعنت المشقة وهي هنا لفظة عامة أي ما شق ~~عليكم من كفر وضلال بحسب الحق ومن قتل أو أسار وامتحان بسبب الحق واعتقادكم ~~أيضا معه، وقال قتادة: المعنى عنت مؤمنيكم. # قال القاضي أبو محمد: وتعميم عنت الجميع أوجه، وقوله: حريص عليكم يريد ~~على إيمانكم وهداكم، وقوله: رؤف معناه مبالغ في الشفقة، قال أبو عبيدة: ~~الرأفة أرق الرحمة، وقرأ «رؤف» دون مد الأعمش وأهل الكوفة وأبو عمرو ثم ~~خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، بعد تقريره عليهم هذه النعمة فقال: فإن ~~تولوا يا محمد أي أعرضوا بعد هذه الحال المتقررة التي من الله عليهم بها ~~فقل حسبي الله معناه وأعمالك بحسب قوله من التفويض إلى الله والتوكل عليه ~~والجد في قتالهم، وليست بآية موادعة لأنها من آخر ما نزل، وخصص العرش ~~بالذكر إذ هو أعظم المخلوقات، وقرأ ابن محيصن «العظيم» برفع الميم صفة ~~للرب، ورويت عن ابن كثير، وهاتان الآيتان لم توجدا حين جمع المصحف إلا في ~~حفظ خزيمة بن ثابت، ووقع في البخاري أو أبي خزيمة، فلما جاء بهما تذكرهما ~~كثير من الصحابة، وقد كان زيد يعرفهما ولذلك قال: فقدت آيتين من آخر سورة ~~التوبة ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئا أم لا، فإنما ثبتت الآية ~~بالإجماع لا بخزيمة وحده، وأسند الطبري في كتابه قال: كان عمر لا يثبت آية ~~في المصحف إلا أن يشهد عليها رجلان، فلما جاء خزيمة بهاتين الآيتين قال: ~~والله لا أسألك عليهما بينة أبدا فإنه هكذا كان صلى الله عليه وسلم. PageV03P100 # قال القاضي أبو محمد: يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنتها ~~الآية، وهذا والله أعلم قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مدة أبي بكر ~~حين الجمع الأول وحينئذ فقدت الآيتان ولم يجمع من القرآن شيء في خلافة ms1690 عمر، ~~وخزيمة بن ثابت هو المعروف بذي الشهادتين، وعرف بذلك لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمضى شهادته وحده في ابتياع فرس وحكم بها لنفسه صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا خصوص لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر النقاش عن أبي بن ~~كعب أنه قال أقرب القرآن عهدا بالله تعالى هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول ~~إلى آخر الآية. PageV03P101 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما ### | سورة يونس # هذه السورة هي مكية، قال مقاتل: إلا آيتين وهي قوله تعالى فإن كنت في شك ~~[يونس: 94] نزلت بالمدينة وقال الكلبي هي مكية إلا قوله: ومنهم من يؤمن به ~~ومنهم من لا يؤمن به [يونس: 40] نزلت في اليهود بالمدينة. وقالت فرقة: نزل ~~من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن ~~هذا لساحر مبين (2) # تقدم في أول سورة البقرة ذكر الاختلاف في فواتح السور. وتلك الأقوال كلها ~~تترتب هنا، وفي هذا الموضع قول يختص به، قال ابن عباس وسالم بن عبد الله ~~وابن جبير والشعبي: الر و «حم؟؟» [غافر: # 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف: 1، الدخان: 1، الجاثية: 1، الأحقاف: 1] ~~ون [القلم: 1] هو الرحمن قطع اللفظ في أوائل هذه السورة واختلف عن نافع في ~~إمالة الراء والقياس أن لا يمال وكذلك اختلف القراء وعلة من أمال الراء أن ~~يدل بذلك على أنها اسم للحرف وليست بحرف في نفسها وإنما الحرف «ر» ، وقوله ~~تعالى: تلك قيل هو بمعنى هذه وقد يشبه أن يتصل المعنى ب تلك دون أن نقدرها ~~بدل غيرها والنظر في هذه اللفظة إنما يتركب على الخلاف في فواتح السور ~~فتدبره. والكتاب قال مجاهد وقتادة: المراد به التوراة والإنجيل، وقال مجاهد ~~أيضا وغيره: المراد به القرآن وهو الأظهر، والحكيم ms1691 فعيل بمعنى محكم كما قال ~~تعالى: هذا ما لدي عتيد [ق: 23] أي معتد معد، ويمكن أن يكون «حكيم» بمعنى ~~ذو حكمة فهو على النسب، وقال الطبري فهو مثل أليم بمعنى مؤلم ثم قال: هو ~~الذي أحكمه وبينه. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه: فساق قولين على ~~أنهما واحد، وقوله: # أكان للناس عجبا الآية، قال ابن عباس وابن جريح وغيرهما نسبت هذه الآية ~~أن قريشا استبعدوا أن يبعث الله رسولا من البشر، وقال الزجاج: إنما عجبوا ~~من إخباره أنهم يبعثون من القبور إذ النذارة والبشارة تتضمنان ذلك، وكثر ~~كلامهم في ذلك حتى قال بعضهم: أما وجد الله من يبعث إلا يتيم أبي طالب، ~~ونحو هذا من الأقاويل التي اختصرتها لشهرتها فنزلت الآية، وقوله: أكان ~~تقرير والمراد ب «الناس» قائلو هذه المقالة، وعجبا خبر كان واسمها أن ~~أوحينا، وفي مصحف ابن مسعود «أكان للناس عجب» وجعل PageV03P102 # الخبر في قوله أن أوحينا والأول أصوب لأن الاسم معرفة والخبر نكرة وهذا ~~القلب لا يصح ولا يجيء إلا شاذا ومنه قول حسان: [الوافر] يكون مزاجها عسل ~~وماء ولفظة العجب هنا ليست بمعنى التعجب فقط بل معناه أوصل إنكارهم وتعجبهم ~~إلى التكذيب؟ # وقرأت فرقة «إلى رجل» بسكون الجيم، ثم فسر الوحي وقسمه على النذارة ~~للكافرين والبشارة للمؤمنين، و «القدم» هنا ما قدم، واختلف في المراد بها ~~هاهنا فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وابن زيد: هي الأعمال ~~الصالحة من العبادات، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شفاعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقال زيد بن أسلم وغيره: هي المصيبة بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم في موته، وقال ابن عباس أيضا وغيره: هي السعادة السابقة لهم في اللوح ~~المحفوظ، وهذا أليق الأقوال بالآية، ومن هذه اللفظة قول حسان: [الطويل] # لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # وقول ذي الرمة: [الطويل] # لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العادي طمت على البحر # ومن هذه اللفظة قول ms1692 النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: «حتى يضع ~~الجبار فيها قدمه فتقول قط قط» ، أي ما قدم لها من خلقه، هذا على أن الجبار ~~اسم الله تعالى ومن جعله اسم جنس كأنه أراد الجبارين من بني آدم، ف «القدم» ~~على هذا التأويل الجارحة والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح، كما تقول رجل ~~صدق ورجل سوء، وقوله قال الكافرون يحتمل أن يكون تفسيرا لقوله أكان وحينا ~~إلى بشر عجبا قال الكافرون عنه كذا وكذا، وذهب الطبري إلى أن في الكلام ~~حذفا يدل الظاهر عليه تقديره فلما أنذر وبشر قال الكافرون كذا وكذا، وقرأ ~~جمهور الناس وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر «إن هذا لسحر مبين» ، وقرأ ~~مسروق بن الأجدع وابن جبير والباقون من السبعة وابن مسعود وأبو رزين ومجاهد ~~وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر بخلاف، وابن محيصن وابن كثير بخلاف ~~عنه «إن هذا لساحر» ، والمعنى متقارب، وفي مصحف أبي «قال الكافرون ما هذا ~~إلا سحر مبين» ، وقولهم في الإنذار والبشارة سحر إنما هو بسبب أنه فرق بذلك ~~كلمتهم وحال بين القريب وقريبه فأشبه ذلك ما يفعله الساحر فظنوه من ذلك ~~الباب. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 3 الى 4] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ~~(3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (4) PageV03P103 # هذا ابتداء دعاء إلى عبادة الله عز وجل وإعلام بصفاته، والخطاب بها لجميع ~~الناس، وخلق السماوات والأرض هو على ما تقرر أن الله عز وجل خلق الأرض ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقوله في ستة ~~أيام قيل هي من أيام الآخرة، وقال الجمهور، وهو الصواب: # بل من أيام الدنيا. # قال القاضي أبو ms1693 محمد: وذلك في التقدير لأن الشمس وجريها لم يتقدم حينئذ ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم في خلق الله المخلوقات إن الله ابتدأ يوم ~~الأحد كذا ويوم كذا كذا إنما هو على أن نقدر ذلك الزمان ونعكس إليه التجربة ~~من حين ابتدأ ترتيب اليوم والليلة والمشهور أن الله ابتدأ بالخلق يوم ~~الأحد، ووقع في بعض الأحاديث في كتاب مسلم وفي الدلائل أن البداءة وقعت يوم ~~السبت وذكر بعض الناس أن الحكمة في خلق الله تعالى هذه الأشياء في مدة ~~محدودة ممتدة وفي القدرة أن يقول كن فيكون إنما هو ليعلم عباده التؤدة ~~والتماهل في الأمور. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مما لا يوصل تعليله وعلى هذا هي الأجنة في ~~البطون وخلق الثمار وغير ذلك والله عز وجل قد جعل لكل شيء قدرا وهو أعلم ~~بوجه الحكمة في ذلك وقوله ثم استوى على العرش قد تقدم القول فيه في المص ~~[الأعراف: 1] وقوله يدبر الأمر يصح أن يريد ب الأمر اسم الجنس من الأمور ~~ويحتمل أن يريد الأمر الذي هو مصدر أمر يأمر، وتدبيره لا إله إلا هو إنما ~~هو الإنفاذ لأنه قد أحاط بكل شيء علما. وقال مجاهد يدبر الأمر معناه يقضيه ~~وحده، وقوله ما من شفيع إلا من بعد إذنه رد على العرب في اعتقادها أن ~~الأصنام تشفع لها، وقوله ذلكم إشارة إلى الله تعالى أي هذا الذي هذه صفاته ~~فاعبدوه، ثم قررهم على هذه الآيات والعبر فقال أفلا تذكرون أي فيكون التذكر ~~سببا للاهتداء، واختصار القول في قوله ثم استوى على العرش [إما] أن يكون ~~استوى بقهره وغلبته وإما أن يكون استوى بمعنى استولى إن صحت اللفظة في ~~اللسان، فقد قيل في قول الشاعر: # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # إنه بيت مصنوع. وإما أن يكون فعل فعلا في العرش سماه استوى، واستيعاب ~~القول قد تقدم، وقوله إليه مرجعكم جميعا الآية، آية إنباء بالبعث من القبور ~~وهي من الأمور التي جوزها العقل وأثبت وقوعها الشرع، ms1694 وقوله جميعا حال من ~~الضمير في مرجعكم، وعد الله نصب على المصدر، وكذلك قوله حقا وقال أبو الفتح ~~حقا نعت، وقرأ الجمهور «إنه» بكسر الألف على القطع والاستئناف، وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب وعبد الله «أنه» بفتح الألف، وموضعها ~~النصب على تقدير أحق أنه، وقال الفراء: موضعها رفع على تقدير يحق أنه. # قال القاضي أبو محمد: يجوز عندي أن يكون إنه بدلا من قوله وعد الله، قال ~~أبو الفتح: إن شئت قدرت لأنه يبدأ الخلق أي فمن في قدرته هذا فهو غني عن ~~إخلاف الوعد. وإن شئت قدرته «وعد الله حقا أنه» ولا يعمل فيه المصدر الذي ~~هو وعد الله لأنه قد وصف فإذن PageV03P104 # ذلك بتمامه وقطع عمله، وقرأ ابن أبي عبلة «حق» بالرفع فهو ابتداء وخبره ~~«أنه» وقوله يبدؤا الخلق يريد النشأة الأولى، والإعادة هي البعث من القبور، ~~وقرأ طلحة «يبدىء الخلق» بضم الياء وكسر الدال، وقوله ليجزي هي لام كي ~~والمعنى أن الإعادة إنما هي ليقع الجزاء على الأعمال، وقوله بالقسط أي ~~بالعدل في رحمتهم وحسن جزائهم، وقوله والذين كفروا ابتداء و «الحميم» الحار ~~المسخن وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه الحمام والحمة ومنه قول المرقش: # في كل يوم لها مقطرة ... وكباء معدة وحميم # وحميم النار فيما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدناه الكافر ~~من فيه تساقطت فروة رأسه، وهو كما وصفه تعالى يشوي الوجوه [الكهف: 29] . # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 5 الى 6] # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن في ~~اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ~~(6) # هذا استمرار على وصف آيات الله والتنبيه عل صنعته الدالة على الصانع، ~~وهذه الآية تقتضي أن «الضياء» أعظم من «النور» وأبهى بحسب الشمس والقمر، ~~ويلحق هاهنا اعتراض وهو أنا وجدنا الله تعالى شبه هداه ولطفه بخلقه بالنور ~~فقال الله ms1695 نور السماوات والأرض [النور: 35] ، وهذا يقتضي أن النور أعظم هذه ~~الأشياء وأبلغها في الشروق وإلا فلم ترك التشبيه إلا على الذي هو «الضياء» ~~وعدل إلى الأقل الذي هو «النور» ، فالجواب عن هذا والانفصال: أن تقول إن ~~لفظة النور أحكم وأبلغ في قوله الله نور السماوات والأرض [النور: 35] ، ~~وذلك أنه تعالى شبه هداه ولطفه الذي نصبه لقوم يهتدون وآخرين يضلون معه ~~بالنور الذي هو أبدا موجود في الليل وأثناء الظلام، ولو شبهه بالضياء لوجب ~~أن لا يضل أحد إذ كان الهدى يكون مثل الشمس التي لا تبقى معها ظلمة، فمعنى ~~الآية أن الله تعالى قد جعل هداه في الكفر كالنور في الظلام فيهتدي قوم ~~ويضل آخرون، ولو جعله كالضياء لوجب أن لا يضل أحد وبقي الضياء على هذا ~~الانفصال أبلغ في الشروق كما اقتضت آيتنا هذه والله عز وجل هو ضياء ~~السماوات والأرض ونورها وقيومها، ويحتمل أن يعترض هذا الانفصال والله ~~المستعان، وقوله وقدره منازل يريد البروج المذكورة في غير هذه الآية، وأما ~~الضمير الذي رده على القمر وقد تقدم ذكر الشمس معه فيحتمل أن يريد بالضمير ~~«القمر» وحده لأنه هو المراعى في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب ~~ويحتمل أن يريدهما معا بحسب أنهما يتصرفان في معرفة عدد السنين والحساب عند ~~العرب. لكنه اجتزأ بذكر الواحد كما قال والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: ~~62] وكما قال الشاعر [أبو حيان] : [الطويل] # رماني بذنب كنت منه ووالدي ... بريا ومن أجل الطوي رماني PageV03P105 # قال الزجاج وكما قال الآخر: [المنسرح] # نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف # وقوله لتعلموا المعنى قدر هذين النيرين، منازل لكي «تعلموا» بها، عدد ~~السنين والحساب رفقا بكم ورفعا للالتباس في معاشكم وتجركم وإجاراتكم وغير ~~ذلك مما يضطر فيه إلى معرفة التواريخ، وقوله ما خلق الله ذلك إلا بالحق أي ~~للفائدة لا للعب والإهمال فهي إذا يحق أن تكون كما هي، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وعاصم في رواية حفص «يفصل الآيات» ، وقرأ ابن كثير أيضا وعاصم ms1696 ~~والباقون والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأهل مكة والحسن والأعمش «نفصل» بنون ~~العظمة، وقوله لقوم يعلمون إنما خصهم لأن نفع التفصيل فيهم ظهر وعليهم أضاء ~~وإن كان التفصيل إنما وقع مجملا للكل معدا ليحصله الجميع، وقرأ جمهور ~~السبعة وقد رويت عن ابن كثير «ضياء» ، وقرأ ابن كثير وحده فيما روي أيضا ~~عنه «ضئاء» بهمزتين، وأصله ضياء فقلبت فجاءت ضئائا، فقلبت الياء همزة ~~لوقوعها بين ألفين، قال أبو علي: وهي غلط، وقوله تعالى إن في اختلاف الليل ~~والنهار الآية، آية اعتبار وتنبيه، ولفظه الاختلاف تعم تعاقب الليل والنهار ~~وكونهما خلفه وما يتعاورانه من الزيادة والنقص وغير ذلك من لواحق سير الشمس ~~وبحسب أقطار الأرض، قوله وما خلق الله في السماوات والأرض لفظ عام لجميع ~~المخلوقات، و «الآيات» العلامات والدلائل، وخصص «القوم المتقين» تشريفا لهم ~~إذ الاعتبار فيهم يقع ونسبتهم إلى هذه الأشياء المنظور فيها أفضل من نسبة ~~من لم يهتد ولا اتقى. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 10] # إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات ~~النعيم (9) دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين (10) # قال أبو عبيدة وتابعه القتبي وغيره، يرجون في هذه الآية بمعنى يخافون ~~واحتجوا ببيت أبي ذؤيب: [الطويل] # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل # وحكى المهدوي عن بعض أهل اللغة وقال ابن سيده والفراء: إن لفظة الرجاء ~~إذا جاءت منفية فإنها تكون بمعنى الخوف، وحكي عن بعضهم أنها تكون بمعناها ~~في كل موضع تدل عليه قرائن ما قبله وما بعده، فعلى هذا التأويل معنى الآية: ~~إن الذين لا يخافون لقاءنا، وقال ابن زيد: هذه الآية في الكفار، وقال بعض ~~أهل العلم: «الرجاء» في هذه الآية على بابه، وذلك أن الكافر المكذب بالبعث ~~ليس يرجو رحمة في الآخرة ms1697 ولا يحسن ظنا بأنه يلقى الله ولا له في الآخرة ~~أمل، فإنه لو كان له فيها أمل لقارنه لا محالة PageV03P106 # خوف، وهذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى النجاة، والذي أقول: إن ~~الرجاء في كل موضع على بابه وإن بيت الهذلي معناه لم يرج فقد لسعها فهو ~~يبني عليه ويصبر إذ يعلم أنه لا بد منه، وقوله ورضوا بالحياة الدنيا يريد ~~كانت آخر همهم ومنتهى غرضهم، وأسند الطبري عن قتادة أنه قال في تفسير هذه ~~الآية: إذا شئت رأيت هذا الموصوف، صاحب دنيا لها يغضب ولها يرضى ولها يفرح ~~ولها يهتم ويحزن، فكأن قتادة صورها في العصاة ولا يترتب ذلك إلا مع تأول ~~الرجاء على بابه، إذ قد يكون العاصي المجلح مستوحشا من آخرته، فأما على ~~التأويل الأول فمن لا يخاف لقاء الله فهو كافر، وقوله واطمأنوا بها تكميل ~~في معنى القناعة بها والرفض لغيرها لأن الطمأنينة بالشيء هي زوال التحرك ~~إلى غيره، وقوله والذين هم عن آياتنا غافلون يحتمل أن يكون ابتداء إشارة ~~إلى فرقة أخرى من الكفار وهؤلاء على هذا التأويل أضل صفقة لأنهم ليسوا أهل ~~دنيا بل غفلة فقط، ثم حتم عليهم بالنار وجعلها مأواهم، وهو حيث يأوي ~~الإنسان ويستقر، ثم جعل ذلك بسبب كسبهم واجتراحهم، وفي هذه اللفظة رد على ~~الجبرية ونص على تعلق العقاب بالتكسب الذي للإنسان، وقوله تعالى: # إن الذين آمنوا. الآية لما قرر تبارك وتعالى حالة الفرقة الهالكة عقب ذلك ~~بذكر حالة الفرقة الناجية ليتضح الطريقان ويرى الناظر فرق ما بين الهدى ~~والضلال، وهذا كله لطف منه بعباده، وقوله يهديهم لا يترتب أن يكون معناه ~~يرشدهم إلى الإيمان لأنه قد قررهم مؤمنين فإنما الهدى في هذه الآية على أحد ~~وجهين: إما أن يريد أنه يديمهم ويثبتهم، كما قال يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~[النساء: 136] فإنما معناه اثبتوا، وإما أن يريد يرشدهم إلى طرق الجنان في ~~الآخرة، وقوله: بإيمانهم يحتمل أن يريد بسبب إيمانهم ويكون مقابلا لقوله ~~قبل مأواهم النار بما كانوا يكسبون، ms1698 ويحتمل أن يكون الإيمان هو نفس الهدى، ~~أي يهديهم إلى طرق الجنة بنور إيمانهم، قال مجاهد: يكون لهم إيمانهم نورا ~~يمشون به ويتركب هذا التأويل على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ~~العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة ~~فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة، وبعكس هذا في ~~الكافر» ، ونحو هذا مما أسنده الطبري وغيره وقوله تجري من تحتهم الأنهار ~~يريد من تحت علياتهم وغرفهم وليس التحت الذي هو بالمماسة بل يكون إلى ناحية ~~من الإنسان كما قال تعالى: جعل ربك تحتك سريا [مريم: 24] وكما قال حكاية عن ~~فرعون وهذه الأنهار تجري من تحتي [الزخرف: 51] وقوله دعواهم الآية، الدعوى ~~بمعنى الدعاء يقال دعا الرجل وادعى بمعنى واحد، قاله سيبويه، وسبحانك اللهم ~~تقديس وتسبيح وتنزيه لجلاله عن كل ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ~~ذلك: هي كلمات رضيها الله تعالى لنفسه، وقال طلحة بن عبيد الله: قلت يا ~~رسول الله، ما معنى سبحان الله؟ فقال: معناها تنزيه الله من السوء، وقد ~~تقدم ذكر خلاف النحاة في اللهم، وحكي عن بعض المفسرين أنهم رأوا أن هذه ~~الكلمة إنما يقولها المؤمن في الجنة عند ما يشتهي الطعام فإنه إذا رأى ~~طائرا أو غير ذلك قال: سبحانك اللهم فنزلت تلك الإرادة بين يديه فوق ما ~~اشتهى، رواه ابن جريح وسفيان بن عيينة، وقوله وتحيتهم فيها سلام يريد تسليم ~~بعضهم على بعض، و «التحية» مأخوذة من تمني الحياة للإنسان والدعاء بها، ~~يقال حياه يحييه، ومنه قول زهير بن جناب: [مجزوء الكامل] PageV03P107 # من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه # يريد دعاء الناس للملوك بالحياة، وقد سمي الملك تحية بهذا التدريج ومنه ~~قول عمرو بن معديكرب: # أزور أبا قابوس حتى ... أنيخ على تحيته بجندي # أراد علي مملكته وقال بعض العلماء وتحيتهم يريد تسليم الله عز وجل عليهم، ~~و «السلام» مأخوذ من السلامة، وقوله وآخر دعواهم يريد وخاتمة ms1699 دعواهم في كل ~~موطن وكلامهم شكر الله تعالى وحمده على سابغ نعمه، وكانت بدأتهم بالتنزيه ~~والتعظيم، وقرأ جمهور الناس «أن الحمد لله» وهي عند سيبويه «أن» المخففة من ~~الثقيلة، وقرأ ابن محيصن وبلال بن أبي بردة ويعقوب وأبو حيوة «أن الحمد ~~لله» ، وهي على الوجهين رفع على خبر الابتداء، قال أبو الفتح: هذه القراءة ~~تدل على أن قراءة الجماعة هي أن المخففة من الثقيلة بمنزلة الأعشى: ~~[البسيط] # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 11 الى 12] # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ~~أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون (12) # هذه الآية قال مجاهد نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو ~~هذا، فأخبر الله تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما ~~يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم، ثم حذف بعد ذلك من القول ~~جملة يتضمنها الظاهر، تقديرها ولا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجون فاقتضب ~~القول وتوصل إلى هذا المعنى بقوله فنذر الذين لا يرجون لقاءنا فتأمل هذا ~~التقدير تجده صحيحا، واستعجالهم نصب على المصدر، والتقدير مثل استعجالهم، ~~وقيل: التقدير تعجيلا مثل استعجالهم، وهذا قريب من الأول، وقيل إن هذه ~~الآية نزلت في قوله اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء [الأنفال: 32] وقيل نزلت في قوله ائتنا بما تعدنا [الأعراف: 77] وما ~~جرى مجراه، وقرأ جمهور القراء «لقضي» على بناء الفعل للمفعول ورفع «الأجل» ~~، وقرأ ابن عامر وحده وعوف وعيسى بن عمر ويعقوب، «لقضى» على بناء الفعل ~~للفاعل ونصب «الأجل» وقرأ الأعمش: # «لقضينا» ، و «الأجل» في هذا الموضع أجل الموت، ومعنى قضى في هذه الآية ~~أكمل وفرغ، ومنه قول أبي ms1700 ذؤيب: [الكامل] # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع PageV03P108 # وأنشد أبو علي في هذا المعنى: [الطويل] # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... فوائح في أكمامها لم تفتق # وتعدى «قضى» في هذه الآية ب «إلى» لما كان بمعنى فرغ، وفرغ يتعدى بإلى ~~ويتعدى باللام، فمن ذلك قول جرير: # ألان فقد فرغت إلى نمير ... فصرت على جماعتها عذابا # ومن الآخر قوله عز وجل سنفرغ لكم أيه الثقلان [الرحمن: 31] وقرأ الأعمش: ~~«فنذر الذين لا يرجون لقاءنا» ، ويرجون في هذا الموضع على بابها والمراد ~~الذين لا يؤمنون بالبعث فهم لا يرجون لقاء الله، والرجاء مقترن أبدا بخوف، ~~«والطغيان» الغلو في الأمر وتجاوز الحد، و «العمه» الخبط في ضلال، فهذه ~~الآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في الناس، يدعون في الخير فيريدون تعجيل ~~الإجابة فيحملهم أحيانا سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا، ~~وقوله تعالى: وإذا مس الإنسان الضر الآية، هذه الآية أيضا عتاب على سوء ~~الخلق من بعض الناس، ومضمنه النهي عن مثل هذا والأمر بالتسليم إلى الله ~~تعالى والضراعة إليه في كل حال والعلم بأن الخير والشر منه لا رب غيره، ~~وقوله لجنبه في موضع حال كأنه قال: مضطجعا، ويجوز أن يكون حالا من الإنسان ~~والعامل فيه مس، ويجوز أن يكون حالا من ضمير الفاعل في دعانا والعامل فيه ~~دعا وهما معنيان متباينان، والضر لفظ لجميع الأمراض، والرزايا في النفس ~~والمال والأحبة هذا قول اللغويين، وقيل هو مختص برزايا البدن: الهزال ~~والمرض، وقوله مر يقتضي أن نزولها في الكفار ثم هي بعد تتناول كل من دخل ~~تحت معناها من كافر أو عاص، فمعنى الآية مر في إشراكه بالله وقلة توكله ~~عليه، وقوله زين إن قدرناه من الله تعالى فهو خلقه الكفر لهم واختراعه في ~~نفوسهم صحبة أعمالهم الفاسدة ومثابرتهم عليها، وإن قدرنا ذلك من الشيطان ~~فهو بمعنى الوسوسة والمخادعة، ولفظة التزيين قد جاءت في القرآن بهذين ~~المعنيين من فعل الله تعالى ومرة من فعل الشياطين. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس ms1701 (10) : الآيات 13 الى 15] # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم ~~لننظر كيف تعملون (14) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # هذه الآية وعيد للكفار وضرب أمثال لهم، أي كما فعل هؤلاء فعلكم فكذلك ~~يفعل بكم ما فعل بهم، PageV03P109 # وقوله وما كانوا ليؤمنوا إخبار عن قسوة قلوبهم وشدة كفرهم، وقرأ جمهور ~~السبعة وغيرهم: «نجزي» بنون الجماعة، وفرقة «يجزي» بالياء على معنى يجزي ~~الله، وخلائف جمع خليفة، وقوله لننظر معناه لنبين في الوجود ما علمناه ~~أزلا، لكن جرى القول على طريق الإيجاز والفصاحة والمجاز، وقرأ يحيى بن ~~الحارث وقال: رأيتها في الإمام مصحف عثمان، «لنظر» بإدغام النون في الظاء، ~~وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر ~~كيف عملنا فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية، وكان أيضا يقول: قد ~~استخلفت يا ابن الخطاب فانظر كيف تعمل؟ وأحيانا كان يقول قد استخلفت يا ابن ~~أم عمر، قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات الآية، هذه الآية نزلت في ~~قريش لأن بعض كفارهم قال هذه المقالة على معنى ساهلنا يا محمد واجعل هذا ~~الكلام الذي هو من قبلك على اختيارنا وأحل ما حرمته وحرم ما حللته ليكون ~~أمرنا حينئذ واحدا وكلمتنا متصلة، فذم الله هذه الصنعة وذكرهم بأنهم يقولون ~~هذا للآيات البينات، ووصفهم بأنهم لا يؤمنون بالبعث، ثم أمر الله نبيه عليه ~~السلام أن يرد عليهم بالحق الواضح وأن يستسلم ويتبع حكم الله تعالى ويعلم ~~بخوفه ربه، و «اليوم العظيم» يوم القيامة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 16 الى 18] # قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ms1702 ~~أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون (17) ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (18) # هذه من كمال الحجة أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي وإنما هو من ~~عند الله، ولو شاء ما بعثني به ولا تلوته عليكم ولا أعلمتكم به، وأدراكم ~~بمعنى أعلمكم يقال دريت بالأمر وأدريت غيري، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن ~~كثير في بعض ما روي عنه: «ولا دراكم به» وهي لام تأكيد دخلت على أدرى، ~~والمعنى على هذا ولا علمكم به من غير طريقي وقرأ ابن عباس وابن سيرين وأبو ~~رجاء والحسن «ولا أدرأتكم به» ، وقرأ ابن عباس أيضا وشهر بن حوشب: «ولا ~~أنذرتكم به» ، وخرج الفراء قراءة ابن عباس والحسن على لغة لبعض العرب منها ~~قولهم: لبأت بمعنى لبيت، ومنها قول امرأة منهم: رثأت زوجي بأبيات أي رثيت. ~~وقال أبو الفتح إنما هي «أدريتكم» قلبت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، ~~وروينا عن قطرب: # أن لغة عقيل في أعطيتك أعطأتك، قال أبو حاتم: قلبت الياء ألفا كما في لغة ~~بني الحارث بن كعب: السلام علاك، ثم قال فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أي ~~الأربعين سنة قبل بعثته عليه السلام، ويريد لم تجربوني في كذب ولا تكلمت في ~~شيء من هذا أفلا تعقلون أن من كان على هذه الصفة لا يصح منه كذب بعد أن كلا ~~عمره وتقاصر أمله واشتدت حنكته وخوفه لربه، وقرأ الجمهور بالبيان في «لبثت» ~~، وقرأ أبو عمرو: PageV03P110 # «لبت» بإدغام الثاء في التاء، وقوله فمن أظلم الآية، جاء في هذه الآية ~~التوقيف على عظم جرم المفتري على الله بعد تقدم التنصل من ذلك قيل، فاتسق ~~القول واطردت فصاحته، وقوله فمن أظلم استفهام وتقرير أي لا أحد أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا، أو ممن كذب بآياته بعد بيانها، وذلك أعظم ms1703 جرم على ~~الله وأكثر استشراف إلى عذابه، ثم قرر إنه لا يفلح أهل الجرم، ويفلح معناه ~~يظفر ببغيته، وقوله ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم الآية، الضمير في ~~يعبدون عائد على الكفار من قريش الذين تقدمت محاورتهم، وما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم هي الأصنام، وقولهم هؤلاء شفعاؤنا هو مذهب النبلاء منهم، فأمر الله ~~تعالى نبيه عليه السلام أن يقررهم ويوبخهم أهم يعلمون الله بأنباء من ~~السماوات والأرض لا يعلمها هو؟ وذكر السماوات لأن من العرب من يعبد ~~الملائكة والشعرى، وبحسب هذا حسن أن يقول: هؤلاء، وقيل ذلك على تجوز في ~~الأصنام التي لا تعقل، وفي التوقيف على هذا أعظم غلبة لهم، ولا يمكنهم ألا ~~أن يقولوا: لا نفعل ولا نقدر، وذلك لهم لازم من قولهم: # هؤلاء شفعاؤنا، وسبحانه استئناف تنزيه لله عز وجل، وقرأ أبو عمرو وعاصم ~~وابن عامر هنا: «عما يشركون» بالياء على الغيبة، وفي حرفين في النحل وحرف ~~في الروم وحرف في النمل، وذكر أبو حاتم أنه قرأها كذلك نافع والحسن والأعرج ~~وابن القعقاع وشيبة وحميد وطلحة والأعمش، وقرأ ابن كثير ونافع هنا وفي ~~النمل فقط «تشركون» بالتاء على مخاطبة الحاضر، وقرأ حمزة والكسائي الخمسة ~~الأحرف بالتاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 19 الى 21] # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~فيما فيه يختلفون (19) ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب ~~لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ~~ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما ~~تمكرون (21) # قالت فرقة: المراد آدم كان أمة واحدة ثم اختلف الناس بعد في أمر ابنيه ~~وقالت فرقة: المراد نسم بنيه إذ استخرجهم الله من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، ~~وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه من لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخر، وقالت ~~فرقة: المراد وما كان الناس إلا أمة واحدة في الضلالة والجهل ms1704 بالله ~~فاختلفوا فرقا في ذلك بحسب الجهالة، ويحتمل أن يكون المعنى كان الناس صنفا ~~واحدا معدا للاهتداء، واستيفاء القول في هذا متقدم في سورة البقرة في قوله ~~كان الناس أمة واحدة [البقرة: 213] . وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر ~~ونافع وشيبة وأبو عمرو «لقضي بينهم» بضم القاف وكسر الضاد، وقرأ عيسى بن ~~عمر «لقضى» بفتحهما على الفعل الماضي، وقوله ولولا كلمة سبقت من ربك يريد ~~قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال الموقتة، ويحتمل أن يريد «الكلمة» في أمر ~~القيامة وأن العقاب والثواب إنما كان حينئذ، وقوله تعالى: ويقولون لولا ~~أنزل عليه آية من ربه الآية، يريدون بقولهم آية من ربه آية، تضطر الناس PageV03P111 # إلى الإيمان وهذا النوع من الآيات لم يأت بها نبي قط ولا هي المعجزات ~~اضطرارية وإنما هي معرضة للنظر ليهتدي قوم ويضل آخرون، وقوله فقل إنما ~~الغيب لله إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل لا يطلع على غيبه أحد، وقوله ~~فانتظروا وعيد قد صدقه الله تعالى بنصرته محمدا صلى الله عليه وسلم، قال ~~الطبري: في بدر وغيره، وقوله وإذا أذقنا الناس الآية، المراد ب الناس في ~~هذه الآية الكفار وهي بعد تتناول من العاصين من لا يؤدي شكر الله تعالى عند ~~زوال المكروه عنه ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثير، و ~~«الرحمة» هنا بعد الضراء، كالمطر بعد القحط والأمن بعد الخوف والصحة بعد ~~المرض ونحو هذا مما لا ينحصر، و «المكر» الاستهزاء والطعن عليها من الكفار، ~~واطراح الشكر والخوف من العصاة، ووصف مكر الله بالسرعة وإن كان الاستدراج ~~بمهلهم لأنه متقين به واقع لا محالة، وكل آت قريب، قال أبو حاتم: قرأ الناس ~~«أن رسلنا» بضم السين، وخفف السين الحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو، وقال ~~أبو علي أسرع من سرع ولا يكون من أسرع يسرع، قال ولو كان من أسرع لكان ~~شاذا. # قال القاضي أبو محمد: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نار جهنم ~~«لهي أسود من القار» وما حفظ ms1705 للنبي صلى الله عليه وسلم فليس بشاذ. وقرأ ~~الحسن والأعرج ونافع وقتادة ومجاهد «تمكرون» بتاء على المخاطبة وهي قراءة ~~أهل مكة وشبل وأبي عمرو وعيسى وطلحة وعاصم والأعمش والجحدري وأيوب بن ~~المتوكل، ورويت أيضر عن نافع والأعرج، قال أبو حاتم: قال أيوب بن المتوكل: ~~في مصحف أبي «يا أيها الناس إن الله أسرع مكرا وإن رسله لديكم يكتبون ما ~~تمكرون» . # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : آية 22] # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) # هذه الآية تتضمن تعديد النعمة فيما هي الحال بسبيله من ركوب البحر، ~~وركوبه وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذلك لضرورة المعاش ~~بالصيد فيه أو لتصرف التجر، وأما ركوبه لطلب الغنى والاستكثار فمكروه عند ~~الأكثر، وغاية مبيحة أن يقول وتركه أحسن، وأما ركوبه في ارتجاجه فمكروه ~~ممنوع وفي الحديث: «من ركب البحر في ارتجاجه فقد برئت منه الذمة» . وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «البحر لا أركبه أبدا» . وقرأ جمهور القراء من ~~السبعة وغيرهم «يسيركم» قال أبو علي وهو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، لأن ~~العرب تقول: سرت الرجل وسيرته ومنه قول الهذلي: [الطويل] # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... وأول راض سنة من يسيرها # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا البيت اعتراض حتى لا يكون شاهدا في هذا. ~~وهو أن يجعل الضمير كالظرف كما تقول سرت الطريق وهذه قراءة الجمهور من سير، ~~وكذلك هي في مصحف ابن مسعود، وفي مصحف أبي شيخ وقال عوف بن أبي جميلة قد: ~~كان يقرأ «ينشركم» فغيرها الحجاج بن PageV03P112 # يوسف «يسيركم» ، قال سفيان بن أبي الزعل: كانوا يقرأون «ينشركم» فنظروا ~~في مصحف ابن عفان فوجدوها «يسيركم» ، فأول من كتبها كذلك الحجاج، وقرأ ابن ~~كثير في بعض طرقه «يسيركم» من أسار، وقرأ ابن عامر ms1706 وحده من السبعة «ينشركم» ~~بفتح الياء وضم الشين من النشر والبث، وهي قراءة زيد بن ثابت والحسن وأبي ~~العالية وأبي جعفر وعبد الله بن جبير بن الفصيح وأبي عبد الرحمن وشيبة، ~~وروي عن الحسن أنه قرأ «ينشركم» بضم الياء وكسر الشين وقال: هي قراءة عبد ~~الله، قال أبو حاتم: أظنه غلط، والفلك جمع فلك وليس باسم واحد للجميع ~~والفرد ولكنه فعل جمع على فعل، ومما يدل على ذلك قولهم فلكان في التثنية ~~وقراءة أبي الدرداء وأم الدرداء «في الفلكي» على وزن فعلي بياء نسب وذلك ~~كقولهم أشقري وكدواري في دور الدهر وكقول الصلتان أنا الصلتاني، وقوله ~~وجرين علامة قليل العدد، وقوله بهم خروج من الحضور إلى الغيبة، وحسن ذلك ~~لأن قولهم: كنتم في الفلك هو بالمعنى المعقول حتى إذا حصل بعضهم في السفن، ~~و «الريح» إذا أفردت فعرفها أن تستعمل في العذاب والمكروه، لكنها لا يحسن ~~في البحر أن تكون إلا واحدة متصلة لا نشرا، فقيدت المفردة «بالطيب» فخرجت ~~عن ذلك العرف وبرع المعنى، وقرأ ابن أبي عبلة «جاءتهم ريح عاصف» ، والعاصف ~~الشديدة من الريح، يقال: عصفت الريح، وقوله وظنوا على بابه في الظن لكنه ظن ~~غالب مفزع بحسب أنه في محذور، وقوله دعوا الله أي نسوا الأصنام والشركاء ~~وجردوا الدعاء لله، وذكر الطبري في ذلك عن بعض العلماء حكاية قول العجم: # هيا شراهيا ومعناه يا حي يا قيوم، قال الطبري: جواب قوله حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين: جاءتها ريح عاصف، وجواب قوله: وظنوا أنهم أحيط بهم: دعوا الله ~~مخلصين. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : آية 23] # فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ~~(23) # يبغون: أي يفسدون ويكفرون، والبغي: التعدي والأعمال الفاسدة، ووكد ذلك ~~بقوله: بغير الحق، ثم ابتدأ بالرجز وذم البغي في أوجز لفظ، وقوله «متاع ~~الحياة» رفع، وهذه قراءة الجمهور وذلك على خبر الابتداء، والمبتدأ بغيكم، ~~ويصح أن ms1707 يرتفع متاع على خبر ابتداء مضمر تقديره ذلك متاع أو هو متاع، وخبر ~~«البغي» قوله على أنفسكم، وقرأ حفص عن عاصم وهارون عن ابن كثير وابن أبي ~~إسحاق: «متاع» بالنصب وهو مصدر في موضع الحال من «البغي» ، وخبر البغي على ~~هذا محذوف تقديره: # مذموم أو مكروه ونحو هذا، ولا يجوز أن يكون الخبر قوله على أنفسكم لأنه ~~كان يحول بين المصدر وما عمل فيه بأجنبي، ويصح أن ينتصب متاع بفعل مضمر ~~تقديره: تمتعون متاع الحياة الدنيا، وقرأ ابن أبي إسحاق: «متاعا الحياة ~~الدنيا» بالنصب فيهما، ومعنى الآية إنما بغيكم وإفسادكم مضر لكم وهو في ~~حالة الدنيا ثم تلقون عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عيينة: إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا أي تعجل لكم عقوبته في الحياة الدنيا، وعلى هذا ~~قالوا: البغي يصرع أهله. PageV03P113 # قال القاضي أبو محمد: وقالوا: الباغي مصروع، قال الله تعالى: ثم بغي عليه ~~لينصرنه الله [الحج: 60] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من ذنب أسرع ~~عقوبة من بغي» . وقرأت فرقة «فننبئكم» على ضمير المعظم المتكلم وقرأت فرقة: ~~«فينبئكم» ، على ضمير الغائب، والمراد الله عز وجل. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : آية 24] # إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) # المعنى: إنما مثل تفاخر الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين إذ يصير ~~ذلك إلى الفناء كمطر نزل من السماء فاختلط، ووقف هنا بعض القراء على معنى، ~~فاختلط الماء بالأرض ثم استأنف به نبات الأرض على الابتداء والخبر المقدم، ~~ويحتمل على هذا أن يعود الضمير في به على «الماء» أو على «الاختلاط» الذي ~~يتضمنه القول. ووصلت فرقة فرفع «النبات» على ذلك بقوله اختلط أي اختلط ~~النبات بعضه ببعض بسبب الماء، وقوله مما يأكل الناس، يريد الزروع والأشجار ~~ونحو ذلك، وقوله والأنعام يريد ms1708 سائر العشب المرعي، وأخذت الأرض، لفظة كثرت ~~في مثل هذا كقوله خذوا زينتكم [الأعراف: 31] و «الزخرف» التزين بالألوان، ~~وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه، وقرأ مروان بن الحكم وأبو جعفر ~~والسبعة وشيبة ومجاهد والجمهور: وازينت أصله: تزينت سكنت التاء لتدغم ~~فاحتيج إلى ألف الوصل وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبي بن كعب «وتزينت» وهذه ~~أصل قراءة الجمهور. وقرأ الحسن وأبو العالية والشعبي وقتادة ونصر بن عاصم ~~وعيسى «وأزينت» على معنى حضرت زينتها كما تقول أحصد الزرع، «وأزينت» على ~~مثال أفعلت وقال عوف بن أبي جميلة: كان أشياخنا يقرؤونها «وازيانت» النون ~~شديدة والألف ساكنة قبلها، وهي قراءة أبي عثمان النهدي، وقرأت فرقة ~~«وازيأنت» ، وهي لغة منها قول الشاعر [ابن كثير] : [الطويل] إذا ما الهوادي ~~بالغبيط احمأرت وقرأت فرقة «وازاينت» والمعنى في هذا كله ظهرت زينتها، ~~وقوله وظن أهلها على بابها. # والضمير في عليها عائد على الأرض، والمراد ما فيها من نعمة ونبات، وهذا ~~الكلام فيه تشبيه جملة أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، ~~وحتى غاية وهي حرف ابتداء لدخولها على إذا ومعناها متصل إلى قوله قادرون ~~عليها، ومن بعد ذلك بدأ الجواب، والأمر الآتي واحد الأمور كالريح والصر ~~والسموم ونحو ذلك، وتقسيمه ليلا أو نهارا تنبيه على الخوف وارتفاع الأمن في ~~كل وقت، وحصيدا: فعيل بمعنى مفعول وعبر ب «حصيد» عن التالف الهالك من ~~النبات وإن لم يهلك بحصاد إذ الحكم فيهما واحد وكأن الآفة حصدته قبل أوانه، ~~وقوله كأن لم تغن أي كأن لم تنعم ولم تنضر ولم تغر PageV03P114 # بغضارتها وقرأ قتادة «يغن» بالياء من تحت يعني الحصيد، وقرأ مروان «كأن ~~لم تتغن» بتاءين مثل تتفعل والمغاني المنازل المعمورة ومنه قول الشاعر: ~~[الوافر] # وقد نغنى بها ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخذالا # وفي مصحف أبي بن كعب «كأن لم تغن بالأمس وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها ~~كذلك نفصل الآيات» ، رواها عنه ابن عباس، وقيل: إن فيه «وما كان الله ~~ليهلكها إلا بذنوب أهلها» ، وقرأ أبو الدرداء «لقوم ms1709 يتذكرون» ومعنى الآية ~~التحذير من الاغترار بالدنيا، إذ هي معرضة للتلف وأن يصيبها ما أصاب هذه ~~الأرض المذكورة بموت أو غيره من رزايا الدنيا، وخص «المتفكرين» بالذكر ~~تشريفا للمنزلة وليقع التسابق إلى هذه الرتبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 25 الى 27] # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (26) والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما ~~لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (27) # نصت هذه الآية أن الدعاء إلى الشرع عام في كل بشر، والهداية التي هي ~~الإرشاد مختصة بمن قدر إيمانه، والسلام قيل: هو اسم الله عز وجل، فالمعنى ~~يدعو إلى داره التي هي الجنة، وإضافتها إليه إضافة ملك إلى مالك، وقيل: ~~السلام بمعنى السلامة، أي من دخلها ظفر بالسلامة وأمن الفناء والآفات، وهذه ~~الآية رادة على المعتزلة، وقد وردت في دعوة الله تعالى عباده أحاديث منها ~~رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم إذ رأى في نومه جبريل وميكائيل ومثلا دعوة ~~الله ومحمدا الداعي والملة المدعو إليها والجنة التي هي ثمرة الغفران ~~بالمادية يدعو إليها ملك إلى منزله. وقال قتادة في كلامه على هذه الآية ذكر ~~لنا أن في التوراة مكتوبا «يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر انته» . وقوله ~~تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة الآية، قالت فرقة وهي الجمهور: الحسنى ~~الجنة و «الزيادة» النظر إلى وجه الله عز وجل، وروي في نحو ذلك حديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رواه صهيب، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق ~~وحذيفة وأبي موسى الأشعري وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروي عن ~~علي بن أبي طالب أنه قال: # «الزيادة» غرفة من لؤلؤة واحدة، وقالت فرقة الحسنى هي الحسنة، و ~~«الزيادة» هي تضعيف الحسنات إلى سبعمائة فدونها حسبما روي في نص الحديث، ~~وتفسير قوله ms1710 تعالى: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: 261] ، وهذا قول يعضده ~~النظر ولولا عظم القائلين بالقول الأول لترجح هذا القول، وطريق ترجيحه أن ~~الآية تتضمن اقترانا بين ذكر عمال الحسنات وعمال السيئات، فوصف المحسنين ~~بأن لهم حسنى وزيادة من جنسها، ووصف المسيئين بأن لهم بالسيئة مثلها فتعادل ~~الكلامان، وعبر عن الحسنات PageV03P115 # ب الحسنى مبالغة، إذ هي عشرة، وقال الطبري: الحسنى عام في كل حسنى فهي ~~تعم جميع ما قيل، ووعد الله تعالى على جميعها بالزيادة، ويؤيد ذلك أيضا ~~قوله: أولئك أصحاب الجنة، ولو كان معنى الحسنى الجنة لكان في القول تكرير ~~بالمعنى، على أن هذا ينفصل عنه بأنه وصف المحسنين بأن لهم الجنة وأنهم لا ~~يرهق وجوهم قتر ولا ذلة، ثم قال أولئك أصحاب الجنة على جهة المدح لهم، أي ~~أولئك مستحقوها وأصحابها حقا وباستيجاب، ويرهق معناه يغشى مع ذلة وتضييق، ~~والقتر الغبار المسود، ومنه قول الشاعر [الفرزدق] : [البسيط] # متوج برداء الملك يتبعه ... موج ترى وسطه الرايات والقترا # وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش وأبو رجاء «قتر» بسكون التاء، وقوله: ~~والذين كسبوا السيئات الآية، اختلف النحويون في رفع «الجزاء» بم هو؟ فقالت ~~فرقة: التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها، وقالت فرقة: التقدير جزاء سيئة مثلها ~~والباء زائدة. # قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يكون رفع «الجزاء» على المبتدأ وخبره في ~~الذين لأن الذين معطوف على قوله للذين أحسنوا، فكأنه قال والذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة بمثلها، وعلى الوجه الآخر فقوله والذين كسبوا السيئات ~~رفع بالابتداء، وتعم السيئات هاهنا الكفر والمعاصي، فمثل سيئة الكفر ~~التخليد في النار، ومثل سيئة المعاصي مصروف إلى مشيئة الله تعالى. و ~~«العاصم» المنجي، ومنه قوله تعالى: إلى جبل يعصمني من الماء [هود: 43] . ~~وأغشيت كسيت ومنه الغشاوة، و «القطع» جمع قطعة، وقرأ ابن كثير والكسائي ~~«قطعا» من الليل بسكون الطاء، وقرأ الباقون بفتح الطاء، و «القطع» الجزء من ~~الليل ومنه قوله تعالى: فأسر بأهلك بقطع من الليل [هود: 81] وهذا يراد به ~~الجزء من زمان الليل، وفي هذه الآية الجزء من ms1711 سواده، ومظلما، نعت ل «قطع» ، ~~ويجوز أن يكون حالا من الذكر الذي في قوله من الليل، فإذا كان نعتا فكان ~~حقه أن يكون قبل الجملة ولكن قد يجيء بعدها، وتقدير الجملة قطعا استقر من ~~الليل مظلما على نحو قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك [الأنعام: 155] ~~ومن قرأ «قطعا» على جمع قطعة فنصب «مظلما» على الحال من الليل والعامل في ~~الحال من إذ هي العامل في ذي الحال، وقرأ أبي بن كعب، «كأنما يغشى وجوههم ~~قطع من الليل وظلم» ، وقرأ ابن أبي عبلة «قطع من الليل مظلم» بتحريك الطاء ~~في قطع. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 28 الى 30] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا ~~إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) # قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والحسن وشيبة وغيرهم، «نحشرهم» ~~بالنون، وقرأت فرقة: PageV03P116 # «يحشرهم» بالياء، والضمير في «يحشرهم» عائد على جميع الناس محسنين ~~ومسيئين، ومكانكم نصب على تقدير لازموا مكانكم وذلك مقترن بحال شدة وخزي، ~~ومكانكم في هذا الموضع من أسماء الأفعال إذ معناه قفوا واسكنوا، وهذا خبر ~~من الله تعالى عن حالة تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون بالإقامة في ~~موقف الخزي مع أصنامهم ثم ينطق الله الأصنام بالتبري منهم. وقوله: ~~وشركاؤكم، أي الذين تزعمون أنتم أنهم شركاء لله، فأضافهم إليهم لأن كونهم ~~شركاء إنما هو بزعم هؤلاء، وقوله فزيلنا بينهم معناه فرقنا في الحجة ~~والمذهب وهو من زلت الشيء عن الشيء أزيله، وهو تضعيف مبالغة لا تعدية، وكون ~~مصدر زيل تزييلا، يدل على أن زيل إنما هو فعل لا فيعل، لأن مصدره كان يجيء ~~على فيعلة، وقرأت «فزايلنا» ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار ~~إذا رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب قيل لهم اتبعوا ما كنتم تعبدون فيقولون ~~كنا نعبد هؤلاء فتقول ms1712 الأصنام: والله ما كنا نسمع ولا نعقل وما كنتم إيانا ~~تعبدون فيقولون والله لإياكم كنا نعبد فتقول الآلهة فكفى بالله شهيدا ~~الآية. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام ~~دون الملائكة وعيسى بن مريم بدليل القول لهم مكانكم أنتم وشركاؤكم ودون ~~فرعون ومن عبد من الجن بدليل قولهم إن كنا عن عبادتكم لغافلين، وهؤلاء لم ~~يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم، وأنتم رفع بالابتداء والخبر موبخون أو ~~مهانون، ويجوز أن يكون أنتم تأكيدا للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو ~~قفوا أو نحوه. وشهيدا نصب على التمييز، وقيل على الحال، «وإن» هذه عند ~~سيبويه هي مخففة موجبة حرف ابتداء ولزمتها اللام فرقا بينها وبين «إن» ~~النافية، وقال الفراء: «إن» بمعنى ما واللام بمعنى إلا، وهنالك نصب على ~~الظرف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «تبلوا» بالباء ~~بواحدة بمعنى اختبر، وقرأ حمزة والكسائي «تتلوا» بالتاء بنقطتين من فوق ~~بمعنى تتبع أي تطلب وتتبع ما أسلفت من أعمالها، ويصح أن يكون بمعنى تقرأ ~~كتبها التي ترفع إليها، وقرأ يحيى بن وثاب «وردوا» بكسر الراء والجمهور ~~«وردوا إلى الله» ، أي ردوا إلى عقاب مالكهم وشديد بأسه، فهو مولاهم في ~~الملك والإحاطة لا في الرحمة والنصر ونحوه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 31 الى 33] # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) ~~كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) # هذا توقيف وتوبيخ واحتجاج لا محيد عن التزامه، ومن السماء يريد بالمطهر ~~ومن الأرض يريد بالإنبات ونحو ذلك، ويملك السمع والأبصار، لفظ يعم جملة ~~الإنسان ومعظمه حتى أن ما عداهما من الحواس تبع، ويخرج الحي من الميت ~~الجنين من النطفة، والطائر من البيضة، والنبات من PageV03P117 # الأرض إذ له نمو شبيه بالحياة، ms1713 ويخرج الميت من الحي، مثل البيضة من ~~الطائر ونحو ذلك، وقد تقدم فيما سلف إيعاب القول في هذه المعاني، و «تدبير ~~الأمر» عام لهذا وغيره من جميع الأشياء، وذلك استقامة الأمور كلها عن ~~إرادته عز وجل، وليس تدبيره بفكر ولا روية وتغيرات تعالى عن ذلك بل علمه ~~محيط كامل دائم، فسيقولون الله لا مندوحة لهم عن ذلك، ولا تمكنهم المباهتة ~~بسواه، فإذا أقروا بذلك فقل أفلا تتقون. في افترائكم وجعلكم الأصنام آلهة: ~~وقوله تعالى فذلكم الله ربكم الآية، يقول: فهذا الذي هذه صفاته ربكم الحق ~~أي المستوجب للعبادة والألوهية، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق، ~~وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير براعة وإيجازا وإيضاحا، ~~وحكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة ~~التي هي توحيد الله وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحق ~~فيها في طرف واحد، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف وهي، ~~وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا [المائدة: 48] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام ~~بين وبينهما أمور متشابهات» ، والحق في هذه في الطرفين لأن المتعبدين إنما ~~طلبوا بالاجتهاد لا بعين في كل نازلة ويدلك على أن «الحق» في الطرفين ~~اختلاف الشرائع بتحليل وتحريم في شيء واحد، والكلام في مسائل الفروع إنما ~~هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما يختلف في ~~الأحكام المتعلقة بالمتشرع، وقوله: فأنى تصرفون تقرير كما قال فأين تذهبون ~~[التكوير: 26] ثم قال: كذلك حقت أي كما كانت صفات الله كما وصف وعبادته ~~واجبة كما تقرر وانصراف هؤلاء كما قدر عليهم وتكسبوا كذلك حقت، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وعاصم، وحمزة والكسائي هنا وفي آخر السورة «كلمة» على ~~الإفراد الذي يراد به الجمع كما يقال للقصيدة كلمة، فعبر عن وعيد الله ~~تعالى بكلمته، وقرأ نافع وابن عامر في الموضعين المذكورين «كلمات» ، وهي ~~قراءة ms1714 أبي جعفر وشيبة بن نصاح، وهذه الآية إخبار أن في الكفار من حتم بكفره ~~وقضى بتخليده، وقرأ ابن أبي عبلة، «إنهم» بكسر الألف. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 34 الى 36] # قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~فأنى تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ~~أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف ~~تحكمون (35) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله ~~عليم بما يفعلون (36) # هذا توقيف أيضا على قصور الأصنام وعجزها، وتنبيه على قدرة الله عز وجل، و ~~«بدء الخلق» يريد به إنشاء الإنسان في أول أمره، و «إعادته» هي البعث من ~~القبور، وتؤفكون معناه: تصرفون وتحرمون، تقول العرب: أرض مأفوكة إذا لم ~~يصبها مطر فهي بمعنى الخيبة والقلب، كما قال والمؤتفكة أهوى [النجم: 53] ~~وقوله تعالى قل هل من شركائكم من يهدي الآية، يهدي إلى الحق يريد به يبين PageV03P118 # الطرق والصواب ويدعو إلى العدل ويفصح بالآيات ونحو هذا، ووصف الأصنام ~~بأنها لا تهدي إلا أن تهدى، ونحن نجدها لا تهتدي وإن هديت، فوجه ذلك أنه ~~عامل في العبارة عنها معاملتهم في وصفها بأوصاف من يعقل وذلك مجاز وموجود ~~في كثير من القرآن، وذكر ذلك أبو علي الفارسي، والذي أقول: إن قراءة حمزة ~~والكسائي تحتمل أن يكون المعنى أمن لا يهدي أحدا إلا أن يهدى ذلك الأحد ~~بهداية من عند الله، وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها «أمن لا ~~يهتدي إلا أن يهدى» فيتجه المعنى على ما تقدم لأبي علي الفارسي، وفيه تجوز ~~كثير، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل، ويحتمل أن يكون ~~ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها ويحتمل أن يكون الاستثناء في ~~اهتدائها إلى مناكرة الكفار يوم القيامة، حسبما مضى في هذه السورة، وقراءة ~~حمزة والكسائي هي «يهدي» بفتح الياء ms1715 وسكون الهاء، وقرأ نافع وأبو عمرو ~~وشيبة والأعرج وأبو جعفر «يهدي» بسكون الهاء وتشديد الدال، وقرأ ابن كثير ~~وابن عامر «يهدي» بفتح الياء والهاء، وهذه أفصح القراءات، نقلت حركة تاء ~~«يهتدي» إلى الهاء وأدغمت التاء في الدال، وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ ~~عاصم في رواية حفص «يهدي» بفتح الياء وكسر الهاء وشد الدال، أتبع الكسرة ~~الكسرة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، «يهدي» ، بكسر الياء والهاء وشد الدال ~~وهذا أيضا إتباع وقال مجاهد: الله يهدي من الأوثان وغيرها ما شاء. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقرأ يحيى بن الحارث الزماري. «إلا أن ~~يهدي» بفتح الهاء وشد الدال، ووقف القراء فما لكم، ثم يبدأ كيف تحكمون، ~~وقوله وما يتبع أكثرهم # ، إخبار عن فساد طرائقهم وضعف نظرهم وأنه ظن، ثم بين منزلة الظن من ~~المعارف وبعده من الحق، والظن في هذه الآية على بابه في أنه معتقد أحد ~~جائزين لكن ثم ميل إلى أحدهما دون حجة تبطل الآخر، وجواز ما اعتقده هؤلاء ~~إنما هو بزعمهم لا في نفسه. بل ظنهم محال في ذاته. والحق أيضا على بابه في ~~أنه معرفة المعلوم على ما هو به. وبهذه الشروط «لا يغني الظن من الحق شيئا» ~~. وأما في طريق الأحكام التي تعبد الناس بظواهرها فيغني الظن في تلك ~~الحقائق ويصرف من طريق إلى طريق. والشهادة إنما هي مظنونة. وكذلك التهم في ~~الشهادات وغيرها تغني. وليس المراد في هذه الآية هذا النمط. وقرأ جمهور ~~الناس. «يفعلون» . وقرأ عبد الله بن مسعود «تفعلون» بالتاء على مخاطبة ~~الحاضر. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 37 الى 38] # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) # هذا نفي قول من قال من قريش إن محمدا يفتري القرآن وينسبه إلى الله ~~تعالى، وعبر عن ذلك بهذه الألفاظ التي ms1716 تتضمن تشنيع قولهم وإعظام الأمر كما ~~قال تعالى: وما كان لنبي أن يغل [آل عمران: 161] وكما قال حكاية عن عيسى ~~عليه السلام ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق PageV03P119 # [المائدة: 116] ونحو هذا مما يعطي المعنى والقرائن والبراهين استحالته، ~~ويفترى معناه: يختلق وينشأ، وكأن المرء يفريه من حديثه أي يقطعه ويسمه سمة، ~~فهو مشتق من فريت إذا قطعت لإصلاح، وتصديق نصب على المصدر والعامل فيه فعل ~~مضمر، وقال الزجاج: هو خبر «كان» مضمرة، والتقدير ولكن كان تصديق الذي بين ~~يديه، وقوله الذي بين يديه يريد التوراة والإنجيل، والذي بين اليد هو ~~المتقدم للشيء، وقالت فرقة في هذه الآية: إن الذي بين يديه هي أشراط الساعة ~~وما يأتي من الأمور. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ، والأمر بالعكس كتاب الله تعالى بين يدي ~~تلك، أما أن الزجاج تحفظ فقال: الضمير يعود على الأشراط، والتقدير ولكن ~~تصديق الذي بين يديه القرآن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضا قلق، وقيام البرهان على قريش حينئذ إنما ~~كان في أن يصدق القرآن ما في التوراة والإنجيل مع أن الآتي بالقرآن ممن ~~يقطعون أنه لم يطالع تلك الكتب ولا هي في بلده ولا في قومه، وتفصيل الكتاب ~~هو تبيينه، ولا ريب فيه يريد هو في نفسه على هذه الحالة وإن ارتاب مبطل ~~فذلك لا يلتفت إليه، وقوله أم يقولون افتراه الآية، أم هذه ليست بالمعادلة ~~لألف الاستفهام التي في قولك أزيد قام أم عمرو، وإنما هي التي تتوسط ~~الكلام، ومذهب سيبويه أنها بمنزلة الألف وبل لأنها تتضمن استفهاما وإضرابا ~~عما تقدم، وهي كقولهم: إنها لا بل أم شاء، وقالت فرقة في أم هذه: هي بمنزلة ~~ألف الاستفهام، ثم عجزهم في قوله قل فأتوا بسورة مثله والسورة مأخوذة من ~~سورة البناء وهي من القرآن هذه القطعة التي لها مبدأ وختم، والتحدي في هذه ~~الآية وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن: # إحداهما النظم والرصف والإيجاز والجزالة، كل ذلك في التعريف بالحقائق، ~~والأخرى المعاني من الغيب لما مضى ms1717 ولما يستقبل، وحين تحداهم بعشر مفتريات ~~إنما تحداهم بالنظم وحده. # قال القاضي أبو محمد: هكذا قول جماعة من المتكلمين، وفيه عندي نظر، وكيف ~~يجيء التحدي بمماثلة في الغيوب ردا على قولهم افتراه، وما وقع التحدي في ~~الآيتين هذه وآية العشر السور إلا بالنظم والرصف والإيجاز في التعريف ~~بالحقائق، وما ألزموا قط إتيانا بغيب، لأن التحدي بالإعلام بالغيوب كقوله ~~وهم من بعد غلبهم سيغلبون [الروم: 3] ، وكقوله لتدخلن المسجد الحرام ~~[الفتح: 27] ونحو ذلك من غيوب القرآن فبين أن البشر مقصر عن ذلك، وأما ~~التحدي بالنظم فبين أيضا أن البشر مقصر عن نظم القرآن إذ الله عز وجل قد ~~أحاط بكل شيء علما، فإذا قدر الله اللفظة في القرآن علم بالإحاطة اللفظة ~~التي هي أليق بها في جميع كلام العرب في المعنى المقصود، حتى كمل القرآن ~~على هذا النظام الأول فالأول، والبشر مع أن يفرض أفصح العالم، محقوق بنيان ~~وجهل بالألفاظ والحق وبغلط وآفات بشرية، فمحال أن يمشي في اختياره على ~~الأول فالأول، ونحن نجد العربي ينقح قصيدته- وهي الحوليات- يبدل فيها ويقدم ~~ويؤخر، ثم يدفع تلك القصيدة إلى أفصح منه فيزيد في التنقيح، ومذهب أهل ~~الصرفة مكسور بهذا الدليل، فما كان قط في العالم إلا من فيه تقصير سوى من ~~يوحي إليه الله تعالى، وميزت فصحاء العرب هذا القدر من القرآن وأذعنت له ~~لصحة فطرتها وخلوص سليقتها وأنهم يعرف بعضهم كلام بعض ويميزه من غيره، كفعل ~~الفرزدق في أبيات جرير، والجارية في شعر الأعشى، وقول الأعرابي «عرفجكم» ~~فقطع ونحو ذلك مما إذا تتبع بان. والقدر المعجز من القرآن ما جمع الجهتين: ~~اطراد النظم والسرد، PageV03P120 # وتحصيل المعاني وتركيب الكثير منها في اللفظ القليل: فأما مثل قوله ~~تعالى: مدهامتان [الرحمن: 64] وقوله ثم نظر [المدثر: 21] فلا يصح التحدي ~~بالإتيان بمثله لكن بانتظامه واتصاله يقع العجز عنه، وقوله مثله صفة للسورة ~~والضمير عائد على القرآن المتقدم الذكر، كأنه قال: فأتوا بسورة مثل القرآن ~~أي في معانيه وألفاظه، وخلطت فرق في قوله مثله من جهة اللسان كقول الطبري: ~~ذلك ms1718 على المعنى، ولو كان على اللفظ لقال: «مثلها» ، وهذا وهم بين لا يحتاج ~~إليه، وقرأ عمرو بن فائد «بسورة مثله» ، على الإضافة، قال أبو الفتح: ~~التقدير بسورة كلام مثله، قال أبو حاتم: أمر عبد الله الأسود أن يسأل عمر ~~عن إضافة «سورة» أو تنوينها فقال له عمر كيف شئت، وقوله وادعوا من استطعتم ~~إحالة على شركائهم وجنهم وغير ذلك، وهو كقوله في الآية الأخرى، لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: 88] أي معينا، وهذا أشد إقامة ~~لنفوسهم وأوضح تعجيزا لهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 39 الى 43] # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ~~وربك أعلم بالمفسدين (40) وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ~~مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ~~ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا ~~لا يبصرون (43) # المعنى: ليس الأمر كما قالوا في أنه مفترى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ~~وهذا اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد بها الوعيد الذي توعدهم الله عز ~~وجل على الكفر، وتأويله على هذا يراد به ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله ~~هل ينظرون إلا تأويله [الأعراف: 53] ، والآية بجملتها على هذا التأويل ~~تتضمن وعيدا، والمعنى الثاني أنه أراد بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المنبئ ~~بالغيوب الذي لم تتقدم لهم به معرفة ولا أحاطوا بعلم غيوبه وحسن نظمه ولا ~~جاءهم تفسير ذلك وبيانه، والذين من قبلهم يريد من سلف من أمم الأنبياء، قال ~~الزجاج كيف في موضع نصب على خبر كان ولا يجوز أن يعمل فيها «انظر» لأن ما ~~قبل الاستفهام لا يعمل فيه. # قال القاضي أبو محمد: هذا قانون النحويين لأنهم عاملوا «كيف» في كل مكان ~~معاملة الاستفهام المحض في قولك: كيف زيد، ول «كيف» تصرفات غير هذا، تحل ~~محل ms1719 المصدر الذي هو كيفية وتخلع معنى الاستفهام، ويحتمل هذا أن يكون منها ~~ومن تصرفاتها قولهم: كن كيف شئت، وانظر قول البخاري: # كيف كان بدء الوحي فإنه لم يستفهم وذكر الفعل المسند إلى «العاقبة» لما ~~كانت بمعنى المآل ونحوه وليس تأنيثها بحقيقي، وقوله تعالى: ومنهم من يؤمن ~~به الآية، الضمير في منهم عائد على قريش، ولهذا الكلام معنيان قالت فرقة: ~~معناه من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل ومنهم من حتم الله أنه لا يؤمن ~~به PageV03P121 # أبدا، وقالت فرقة: معناه من هؤلاء القوم من هو مؤمن بهذا الرسول إلا أنه ~~يكتم إيمانه وعلمه بأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن حق، ~~حفظا لرياسته أو خوفا من قومه، كالفتية الذين خرجوا إلى بدر مع الكفار ~~فقتلوا فنزل فيهم إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [النساء: 97] ~~وكالعباس ونحو هذا، ومنهم من ليس بمؤمن. # قال القاضي أبو محمد: وفائدة الآية على هذا التأويل التفرق لكلمة الكفار، ~~وإضعاف نفوسهم، وأن يكون بعضهم على وجل من بعض، وفي قوله وربك أعلم ~~بالمفسدين، تهديد ووعيد، وقوله وإن كذبوك، آية مناجزة لهم ومتاركة وفي ~~ضمنها وعيد وتهديد، وهذه الآية نحو قوله قل يا أيها الكافرون [الكافرون: 1] ~~إلى آخر السورة، وقال كثير من المفسرين منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخة ~~بالقتال لأن هذه مكية، وهذا صحيح، وقوله تعالى: ومنهم من يستمعون إليك، جمع ~~يستمعون على معنى من لا على لفظها، ومعنى الآية: ومن هؤلاء الكفار من يستمع ~~إلى ما يأتي به من القرآن بإذنه ولكنه حين لا يؤمن ولا يحصل فكأنه لا يسمع، ~~ثم قال على وجه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: أفأنت يا محمد تريد أن ~~تسمع الصم. أي لا تكترث بذلك، وقوله ولو كانوا لا يعقلون معناه: ولو كانوا ~~من أشد حالات الأصم، لأن الأصم الذي لا يسمع شيئا بحال، فذلك لا يكون في ~~الأغلب إلا مع فساد العقل والدماغ فلا سبيل أن يعقل حجة ولا دليلا أبدا، ~~ولو هذه بمعنى «إن» ، وهذا توقيف ms1720 للنبي صلى الله عليه وسلم أي ألزم نفسك ~~هذا، وقوله ومنهم من ينظر إليك الآية، هي نحو الأولى في المعنى، وجاء ينظر ~~على لفظ من، وإذا جاء الفعل على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى، ~~وإذا جاء أولا على معناها فلا يجوز أن يعطف آخر على اللفظ، لأن الكلام يلبس ~~حينئذ، وهذه الآية نحو الأولى في المعنى كأنه قال: # ومنهم من ينظر إليك ببصره لكنه لا يعتبر ولا ينظر ببصيرته، فهو لذلك ~~كالأعمى فهون ذلك عليك، أفتريد أن تهدي العمي، والهداية أجمع إنما هي بيد ~~الله عز وجل. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 44 الى 46] # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ويوم يحشرهم ~~كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء ~~الله وما كانوا مهتدين (45) وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا ~~مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) # قرأت فرقة: «ولكن الناس» بتخفيف «لكن» ورفع «الناس» ، وقرأت فرقة «ولكن» ~~بتشديد «لكن» ونصب «الناس» ، وظلم الناس لأنفسهم إنما هو بالتكسب منهم الذي ~~يقارن اختراع الله تعالى لأفعالهم، وعرف «لكن» إذا كان قبلها واو أن تثقل ~~وإذا عريت من الواو أن تخفف، وقد ينخرم هذا، وقال الكوفيون: # قد يدخل اللام في خبر «لكن» المشددة على حد دخولها في «أن» ومنع ذلك ~~البصريون، وقوله تعالى: # ويوم يحشرهم الآية، وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعاونهم في التلاوم بعضهم ~~لبعض، ويوم ظرف ونصبه يصح بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويصح أن ينتصب ~~بالفعل الذي يتضمنه قوله كأن لم يلبثوا إلا PageV03P122 # ساعة من النهار # ، ويصح نصبه ب يتعارفون، والكاف من قوله كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار يصح أن تكون في معنى الصفة لليوم، ويصح أن تكون في موضع نصب للمصدر، ~~كأنه قال ويوم نحشرهم حشرا كأن لم يلبثوا، ويصح أن يكون قوله كأن لم يلبثوا ~~في موضع الحال من الضمير في يحشرهم وخصص النهار بالذكر لأن ساعاته وقسمه ~~معروفة ms1721 بينة للجميع، فكأن هؤلاء يتحققون قلة ما لبثوا، إذ كل أمد طويل إذا ~~انقضى فهو واليسير سواء، وأما قوله يتعارفون فيحتمل أن يكون معادلة لقوله: ~~ويوم يحشرهم كأنه أخبر أنهم يوم الحشر يتعارفون، وهذا التعارف على جهة ~~التلاوم والخزي من بعضهم لبعض. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في ~~يحشرهم ويكون معنى التعارف كالذي قبله، ويحتمل أن يكون حالا من الضمير في ~~يلبثوا ويكون التعارف في الدنيا، ويجيء معنى الآية ويوم نحشرهم للقيامة ~~فتنقطع المعرفة بينهم والأسباب ويصير تعارفهم في الدنيا كساعة من النهار لا ~~قدر لها، وبنحو هذا المعنى فسر الطبري، وقرأ السبعة وجمهور الناس «نحشرهم» ~~، بالنون، وقرأ الأعمش فيما روي عنه، «يحشرهم» بالياء، وقوله قد خسر الذين ~~إلى آخرها حكم على المكذبين بالخسار وفي اللفظ إغلاظ على المحشورين من ~~إظهار لما هم عليه من الغرر مع الله تعالى، وهذا على أن الكلام إخبار من ~~الله تعالى وقيل: إنه من كلام المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم، وقوله ~~تعالى: وإما نرينك الآية، إما شرط وجوابه فإلينا، والرؤية في قوله نرينك ~~رؤية بصر وقد عدي الفعل بالهمزة فلذلك تعدى إلى مفعولين أحدهما الكاف ~~والآخر بعض، والإشارة بقوله بعض الذي إلى عقوبة الله لهم نحو بدر وغيرها، ~~ومعنى هذه الآية الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى أي إن أريناك عقوبتهم أو لم ~~نركها فهم على كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب ثم مع ذلك فالله ~~شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم ف ثم هاهنا لترتيب الإخبار لا لترتيب ~~القصص في أنفسها، وإما هي «إن» زيدت عليها «ما» ولأجلها جاز دخول النون ~~الثقيلة ولو كانت إن وحدها لم يجز. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 47 الى 49] # ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~(49) # قوله ms1722 تعالى: ولكل أمة رسول، إخبار مثل قوله تعالى: كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى [الملك: 8] وقال مجاهد وغيره: ~~المعنى فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم صير قوم للجنة وقوم ~~للنار فذلك «القضاء بينهم بالقسط» وقيل: المعنى فإذا جاء رسولهم في الدنيا ~~وبعث صاروا من حتم الله بالعذاب لقوم والمغفرة لآخرين لغاياتهم، فذلك قضاء ~~بينهم بالقسط، وقرن بعض المتأولين هذه الآية بقوله وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا [الإسراء: 15] وذلك يتفق إما بأن نجعل معذبين [الإسراء: 15] في ~~الآخرة، وإما بأن نجعل «القضاء بينهم» في الدنيا بحيث يصح اشتباه PageV03P123 # الآيتين، وقوله ويقولون متى هذا الوعد إلى يستقدمون، الضمير في يقولون ~~يراد به الكفار، وسؤالهم عن الوعد تحرير بزعمهم في الحجة، أي هذا العذاب ~~الذي توعدنا حدد لنا فيه وقته لنعلم الصدق في ذلك من الكذب، وقال بعض ~~المفسرين: قولهم هذا على جهة الاستخفاف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يظهر من اللفظة، ثم أمره تعالى أن يقول لهم ~~لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، المعنى قل لهم يا محمد ردا ~~للحجة إني لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا من دون الله ولا أنا إلا في قبضة ~~سلطانه وبضمن الحاجة إلى لطفه، فإذا كنت هكذا فأحرى أن لا أعرف غيبه ولا ~~أتعاصى شيئا من أمره، ولكن لكل أمة أجل انفرد الله تعالى بعلم حده ووقته، ~~فإذا جاء ذلك الأجل في موت أو هلاك أمة لم يتأخروا ساعة ولا أمكنهم التقدم ~~عن حد الله عز وجل، وقرأ ابن سيرين «آجالهم» بالجمع. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 50 الى 53] # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) ~~أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ويستنبئونك أحق ~~هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) # المعنى: قال يا أيها الكفرة المستعجلون عذاب ms1723 الله عز وجل أرأيتم إن أتاكم ~~عذابه ليلا وقت المبيت، يقال: بيت القوم القوم إذا طرقوهم ليلا بحرب أو ~~نحوها أو نهارا لكم منه منعة أو به طاقة؟ فماذا تستعجلون منه، وأنتم لا قبل ~~لكم به؟ و «ما» ابتداء و «ذا» خبره، ويصح أن تكون ماذا بمنزلة اسم واحد في ~~موضع رفع بالابتداء وخبره الجملة التي بعده، وضعف هذا أبو علي وقال: إنما ~~يجوز ذلك على تقدير إضمار في يستعجل وحذفه كما قال [أبو النجم] : [الرجز] ~~كله لم أصنع وزيدت ضربت قال: ويصح أن تكون ماذا في حال نصب ل يستعجل، ~~والضمير في منه يحتمل أن يعود على الله عز وجل، ويحتمل أن يعود على ~~«العذاب» ، وقوله أثم إذا ما وقع الآية، عطف بقوله ثم جملة القول على ما ~~تقدم ثم أدخل على الجميع ألف التقرير، ومعنى الآية: إذا وقع العذاب ~~وعاينتموه آمنتم به حينئذ، وذلك غير نافعكم بل جوابكم الآن وقد كنتم ~~تستعجلونه مكذبين به، وقرأ طلحة بن مصرف «أثم» بفتح الثاء، وقال الطبري في ~~قوله «ثم» بضم الثاء، معناه هنالك وقال: ليست «ثم» هذه التي تأتي بمعنى ~~العطف. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى صحيح على أنها «ثم» المعروفة ولكن إطباقه ~~على لفظ التنزيل هو كما قلنا، وما ادعاه الطبري غير معروف، وآلآن أصله عند ~~بعض النحاة آن فعل ماض دخلت عليه الألف واللام على حدها في قوله: الحمار ~~اليجدع ولم يتعرف بذلك كل التعريف ولكنها لفظة مضمنة معنى PageV03P124 # حرف التعريف ولذلك بنيت على الفتح لتضمنها معنى الحرف ولوقوعها موقع ~~المبهم لأن معناها هذا الوقت، وقرأ الأعمش وأبو عمرو وعاصم والجمهور آلآن ~~بالمد والاستفهام على حد التوبيخ، وكذلك آلآن وقد عصيت [يونس: 91] وقرأها ~~باستفهام بغير مد طلحة والأعرج. وقوله تعالى: ثم قيل للذين ظلموا الآية، هو ~~الوعيد الأعظم بالخلود لأهل الظلم الأخص الذي هو ظلم الكفر لا ظلم المعصية، ~~وقوله هل تجزون توقيف وتوبيخ، ونصت هذه الآية على أن الجزاء في الآخرة، هو ~~على تكسب العبد، وقوله ويستنبئونك معناه ms1724 يستخبرونك، وهي على هذا تتعدى إلى ~~مفعولين: ثلاثة: أحدها الكاف، والآخر في الابتداء والخبر، وقيل هي بمعنى ~~يستعلمونك، فهي على هذا تحتاج إلى مفعولين ثلاثة: أحدها الكاف، والابتداء ~~والخبر يسد مسد المفعولين، وأ حق هو قيل الإشارة إلى الشرع والقرآن، وقيل: ~~إلى الوعيد وهو الأظهر، وقرأ الأعمش «الحق هو» بمدة وبلام التعريف، وقوله ~~إي، هي لفظة تتقدم القسم وهي بمعنى «نعم» ويجيء بعدها حرف القسم وقد لا ~~يجيء، تقول: إي وربي وإي ربي ومعجزين معناه مفلتين، وهذا الفعل أصله تعدية ~~عجز لكن كثر فيه حذف المفعول حتى قالت العرب: أعجز فلان، إذا ذهب في الأرض ~~فلم يقدر عليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 54 الى 56] # ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السماوات ~~والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ~~ترجعون (56) # هذا إخبار للكفار في سياق إخبارهم بأن ذلك الوعد حق، وأسروا لفظة تجيء ~~بمعنى أخفوا، وهي حينئذ من السر، وتجيء بمعنى أظهروا، وهي حينئذ من أسارير ~~الوجه، قال الطبري: المعنى وأخفى رؤساء هؤلاء الكفار الندامة عن سفلتهم ~~ووضعائهم. # قال القاضي أبو محمد: بل هو عام في جميعهم وألا استفتاح وتنبيه، ثم أوجب ~~أن جميع ما في السماوات والأرض ملك لله تعالى، قال الطبري: يقول: فليس لهذا ~~الكافر يومئذ شيء يقتدي به. # قال القاضي أبو محمد: وربط الآيتين هكذا يتجه على بعد، وليس هذا من فصيح ~~المقاصد، وقوله: # ولكن أكثرهم لا يعلمون قيد بالأكثر لأن بعض الناس يؤمن فهم يعلمون حقيقة ~~وعد الله تعالى وأكثرهم لا يعلمون فهم لأجل ذلك يكذبون، وقوله وهو يحيي، ~~يريد يحيي من النطفة ويميت بالأجل ثم يجعل المرجع إليه بالحشر يوم القيامة ~~وفي قوة هذه الآيات ما يستدعي الإيمان وإجابة دعوة الله، وقرأ «ترجعون» ~~بالتاء من فوق الأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع والناس، وقرأ عيسى بن عمر ms1725 ~~«يرجعون» بالياء من تحت، واختلف عن الحسن. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 57 الى 58] # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) PageV03P125 # هذه آية خوطب بها جميع العالم، و «الموعظة» : القرآن لأن الوعظ إنما هو ~~بقول يأمر بالمعروف ويزجر ويرقق ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز، وقوله ~~من ربكم يريد لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم بل هي من عند الله، وما ~~في الصدور يريد به الجهل والعتو عن النظر في آيات الله ونحو هذا مما يدفع ~~الإيمان، وجعله موعظة بحسب الناس أجمع، وجعله هدى ورحمة بحسب المؤمنين فقط، ~~وهذا تفسير صحيح المعنى إذا تؤمل بان وجهه، وقوله سبحانه قل بفضل الله ~~وبرحمته، الباء متعلقة بمحذوف استغني عن ذكره يدل عليه قوله: وهدى ورحمة، ~~قال بعض المتأولين وهو هلال بن يساف وقتادة والحسن وابن عباس: «الفضل» : ~~الإسلام، و «الرحمة» : القرآن، وقال أبو سعيد الخدري: # «الفضل» : القرآن، و «الرحمة» أن جعلهم من أهله، وقال زيد بن أسلم ~~والضحاك «الفضل» : القرآن، و «الرحمة» : الإسلام، وقالت فرقة: «الفضل» : ~~محمد صلى الله عليه وسلم، و «الرحمة» : القرآن. # قال القاضي أبو محمد: ولا وجه عندي لشيء من هذا التخصيص إلا أن يستند منه ~~شيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي يقتضيه اللفظ ويلزم منه، أن ~~«الفضل» هو هداية الله تعالى إلى دينه والتوفيق إلى اتباع الشرع، و ~~«الرحمة» هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها جزاء على التشرع بالإسلام والإيمان ~~به، ومعنى الآية: قل يا محمد لجميع الناس بفضل الله وبرحمته فليقع الفرح ~~منكم، لا بأمور الدنيا وما جمع من حطامها، فالمؤمنون يقال لهم: فلتفرحوا، ~~وهم متلبسون بعلة الفرح وسببه، ومحصلون لفضل الله منتظرون الرحمة، ~~والكافرون يقال لهم: بفضل الله وبرحمته فلتفرحوا، على معنى أن لو اتفق لكم ~~أو لو سعدتم بالهداية إلى تحصيل ذلك، وقرأ أبي بن كعب وابن القعقاع وابن ~~عامر والحسن على ms1726 ما زعم هارون ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«فلتفرحوا» ، و «تجمعون» بالتاء فيهما على المخاطبة، وهي قراءة جماعة من ~~السلف كبيرة، وعن أكثرهم خلاف، وقرأ السبعة سوى ابن عامر وأهل المدينة ~~والأعرج ومجاهد وابن أبي إسحاق وقتادة وطلحة والأعمش: بالياء فيهما على ذكر ~~الغائب، ورويت عن الحسن بالتاء من فوق فيهما، وقرأ أبو التياح وأبو جعفر ~~وقتادة: بخلاف عنهم وابن عامر بالياء في الأولى وبالتاء في الآخرة، وقرأ ~~الحسن بن أبي الحسن وجماعة من السلف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالياء في الأولى وفي الآخرة، ورويت عن أبي التياح، وإذا تأملت وجوه ذلك ~~بانت على مهيع الفصيح من كلام العرب ولذلك كثر الخلاف من كل قارئ، وفي مصحف ~~أبي بن كعب، «فبذلك فافرحوا» ، وأما من قرأ «فلتفرحوا» ، فأدخل اللام في ~~أمر المخاطب فذلك على لغة قليلة، حكى ذلك أبو علي في الحجة، وقال أبو حاتم ~~وغيره: الأصل في كل أمر إدخال اللام إذا كان النهي بحرف فكذلك الأمر، وإذا ~~كان أمرا لغائب بلام، قال أبو الفتح: إلا أن العرب رفضت إدخال اللام في أمر ~~المخاطب لكثرة ترداده، وقرأ أبو الفتوح والحسن: بكسر اللام من «فلتفرحوا» ، ~~فإن قيل: كيف أمر الله بالفرح في هذه الآية؟ وقد ورد ذمه في قوله لفرح فخور ~~[هود: 10] ، وفي قوله لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين [القصص: 76] قيل إن ~~الفرح إذا ورد مقيدا في خير فليس بمذموم وكذلك هو في هذه الآية، وإذا ورد ~~مقيدا PageV03P126 # في شر أو مطلقا لحقه ذم إذ ليس من أفعال الآخرة بل ينبغي أن يغلب على ~~الإنسان حزنة على ذنبه وخوفه لربه، وقوله: مما يجمعون يريد من مال الدنيا ~~وحطامها الفاني المؤذي في الآخرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 59 الى 60] # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة إن الله لذو فضل ms1727 على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) # هذه المخاطبة لكفار العرب الذين جعلوا البحائر والسوائب والنصيب من الحرث ~~والأنعام وغير ذلك مما لم يأذن الله به، وإنما اختلقوه بأمرهم، وقوله ~~تعالى: أنزل لفظة فيها تجوز، وإنزال الرزق، إما أن يكون في ضمن إنزال المطر ~~بالمئال، أو نزول الأمر به الذي هو ظهور الأثر في المخلوق منه المخترع، ثم ~~أمر الله نبيه بتوقيفهم على أحد القسمين، وهم لا يمكنهم ادعاء إذن الله ~~تعالى في ذلك، فلم يبق إلا أنهم افتروه، وهذه الآية نحو قوله تعالى: قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده [الأعراف: 32] ، ذكر ذلك الطبري عن ابن ~~عباس، وقوله وما ظن الذين يفترون على الله الآية، وعيد، لما تحقق عليهم، ~~بتقسيم الآية التي قبلها، أنهم مفترون على الله، عظم في هذه الآية جرم ~~الافتراء، أي ظنهم في غاية الرداءة بحسب سوء أفعالهم، ثم ثنى بإيجاب الفضل ~~على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء، والعصيان: والإمهال داعية إلى ~~التوبة والإنابة، ثم استدرك ذكر من لا يرى حق الإمهال ولا يشكره ولا يبادر ~~به فيه على جهة الذم لهم، والآية بعد هذا تعم جميع فضل الله وجميع تقصير ~~الخلق في شكره، لا رب غيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 61 الى 63] # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) # قصد الآية وصف إحاطة الله تعالى بكل شيء، ومعنى اللفظ وما تكون يا محمد، ~~والمراد هو وغيره في شأن من جميع الشؤون وما تتلوا منه الضمير عائد على شأن ~~أي فيه وبسببه من قرآن، ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن، ثم عم ~~بقوله ولا تعملون من عمل، وفي قوله إلا كنا عليكم شهودا، ms1728 تحذير وتنبيه، ~~وتفيضون تنهضون بجد، يقال: أفاض الرجل في سيره وفي حديثه، ومنه الإفاضة في ~~الحج ومفيض القدام، ويحتمل أن «فاض» عدي بالهمزة، ويعزب معناه: يغيب حتى PageV03P127 # يخفى حتى قالوا للبعيد عازب، ومنه قول الشاعر [ابن مقبل] : [الطويل] # عوازب لم تسمع نبوح مقامه ... ولم تر نارا تم حول محرم # وقيل للغائب عن أهله: عازب، حتى قالوه لمن لا زوجة له، وفي السير أن بيت ~~سعد بن خيثمة كان يقال: بيت العزاب، وقرأ جمهور السبعة والناس «يعزب» يضم ~~الزاي، وقرأ الكسائي وحده منهم: «يعزب» بكسرها وهي قراءة ابن وثاب والأعمش ~~وطلحة بن مصرف، قال أبو حاتم: القراءة بالضم، والكسر لغة، و «المثقال» : ~~الوزن، وهو اسم، لا صفة كمعطار ومضراب، والذر: صغار النمل، جعلها الله ~~مثالا إذ لا يعرف في الحيوان المتغذي المتناسل المشهور النوع والموضع أصغر ~~منه، وقرأ جمهور الناس وأكثر السبعة: «ولا أصغر ولا أكبر» بفتح الراء عطفا ~~على ذرة في موضع خفض لكن منع من ظهوره امتناع الصرف، وقرأ حمزة وحده: «ولا ~~أصغر ولا أكبر» عطفا على موضع قوله مثقال، لأن التقدير وما يعزب عن ربك ~~مثقال ذرة، و «الكتاب المبين» : اللوح المحفوظ، كذا قال بعض المفسرين، ~~ويحتمل أن يريد تحصيل الكتبة، ويكون القصد ذكر الأعمال المذكورة قبل، ~~وتقديم «الأصغر» في الترتيب جرى على قولهم: # القمرين والعمرين، ومنه قوله تعالى: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة [الكهف: ~~49] والقصد بذلك تنبيه، الأقل وأن الحكم المقصود إذا وقع على الأقل فأحرى ~~أن يقع على الأعظم، وألا استفتاح وتنبيه، وأولياء الله هم المؤمنون الذين ~~والوه بالطاعة والعبادة، وهذه الآية يعطي ظاهرها أن من آمن واتقى فهو داخل ~~في أولياء الله، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي، وإنما نبهنا هذا ~~التنبيه حذرا من بعض الوصفية وبعض الملحدين في الولي، وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه إذ سئل عن أولياء الله؟ # فقال: الذين إذا رأيتهم ذكرت الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وصف لازم للمتقين لأنهم يخشعون ويخشعون، وروي ~~عن النبي صلى ms1729 الله عليه وسلم أيضا أنه قال: «أولياء الله قوم تحابوا في ~~الله واجتمعوا في ذاته لم تجمعهم قرابة ولا مال يتعاطونه وقوله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون يحتمل أن يكون في الآخرة، أي لا يهتمون بهمها ولا ~~يخافون عذابا ولا عقابا ولا يحزنون لذلك، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا أي ~~لا يخافون أحدا من أهل الدنيا ولا من أعراضها ولا يحزنون على ما فاتهم ~~منها، والأول أظهر والعموم في ذلك صحيح لا يخافون في الآخرة جملة ولا في ~~الدنيا الخوف الدنياوي الذي هو في فوت آمالها وزوال منازلها وكذلك في ~~الحزن، وذكر الطبري عن جماعة من العلماء مثل ما في الحديث من الأولياء ~~الذين إذا رآهم أحد ذكر الله، وروي فيهم حديث: «إن أولياء الله هم قوم ~~يتحابون في الله وتجعل لهم يوم القيامة منابر من نور وتنير وجوههم، فهم في ~~عرصة القيامة لا يخافون ولا يحزنون» ، وروي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء ~~يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال: ~~«قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ولا أموال» ، الحديث، ثم قرأ ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون # ، وقوله الذين آمنوا يصح أن يكون في موضع نصب على البدل من الأولياء، ~~ويصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء على تقديرهم الذين، وكثيرا ما يفعل ~~ذلك بنعت ما عملت فيه «أن» إذا جاء بعد خبرها، ويصح أن يكون الذين ابتداء ~~وخبره في قوله هم البشرى PageV03P128 # وقوله وكانوا يتقون لفظ عام في تقوى الشرك والمعاصي. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 64 الى 66] # لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم (64) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ~~(65) ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون ms1730 من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) # أما بشرى الآخرة فهي بالجنة قولا واحدا وتلك هي الفضل الكبير الذي في ~~قوله وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47] وأما بشرى ~~الدنيا فتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الرؤيا ~~الصالحة يراها المؤمن أو ترى له، روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبو الدرداء وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم على ~~أنه سئل عن ذلك ففسره بالرؤيا، وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ~~أنه قال: «لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة» ، وروت عنه أم كرز ~~الكعبية أنه قال: «ذهبت النبوءة وبقيت المبشرات» ، وقال قتادة والضحاك: # البشرى في الدنيا هي ما يبشر به المؤمن عند موته وهو حي عند المعاينة. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن تكون بشرى الدنيا في القرآن من الآيات ~~المبشرات، ويقوى ذلك بقوله في هذه الآية تبديل لكلمات الله # وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # «هي الرؤيا» إلا إن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى مثالا من ~~البشرى وهي تعم جميع الناس، وقوله تبديل لكلمات الله # يريد لا خلف لمواعيده ولا رد في أمره. # قال القاضي أبو محمد: وقد أخذ ذلك عبد الله بن عمر على نحو غير هذا وجعل ~~التبديل المنفي في الألفاظ وذلك أنه روي: أن الحجاج بن يوسف خطب فأطال ~~خطبته حتى قال: إن عبد الله بن الزبير قد بدل كتاب الله، فقال له عبد الله ~~بن عمر: إنك لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير تبديل لكلمات الله # ، فقال له الحجاج: لقد أعطيت علما فلما انصرف إليه في خاصته سكت عنه، وقد ~~روي هذا النظر عن ابن عباس في غير مقاولة الحجاج، ذكره البخاري، وقوله لك ~~هو الفوز العظيم # إشارة إلى النعيم الذي به وقعت البشرى. وقوله: ولا يحزنك، الآية. هذه آية ~~تسلية لمحمد ms1731 صلى الله عليه وسلم، المعنى ولا يحزنك يا محمد ويهمك قولهم، أي ~~قول كفار قريش، ولفظة القول تعم جحودهم واستهزاءهم وخداعهم وغير ذلك، ثم ~~ابتدأ بوجوب إن العزة لله جميعا، أي فهم لا يقدرون على شيء ولا يؤذونه إلا ~~بما شاء الله وهو القادر على عقابهم لا يعازه شيء، ففي الآية وعيد لهم، ~~وكسر إن في الابتداء ولا ارتباط لها بالقول المتقدم لها، وقال ابن قتيبة لا ~~يجوز فتح «إن» في هذا الموضع وهو كفر. # قال القاضي أبو محمد: وقوله هو كفر غلو، وكأن ذلك يخرج على تقدير لأجل أن ~~العزة لله، وقوله: PageV03P129 # هو السميع أي لجميع ما يقولونه العليم بما في نفوسهم من ذلك، وفي ضمن هذه ~~الصفات تهديد، ثم استفتح بقوله ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض أي ~~بالملك والإحاطة، وغلب من يعقل في قوله من إذ له ملك الجميع ما فيها ومن ~~فيها، وإذ جاءت العبارة ب «ما» فذلك تغليب للكثرة إذ الأكثر عددا من ~~المخلوقات لا يعقل، ف من تقع للصنفين بمجموعهما، «وما» كذلك» ، ولا تقع لما ~~يعقل إذا تجرد من الصفات والأحوال، ألا ترى لو ذكرت لك قوله في مسألة فأردت ~~أن تسأل عن قائلها أيجوز في كلام العرب أن تقول: ما قائل هذا القول؟ هذا ما ~~يتقلده من يفهم كلام العرب، وقوله وما يتبع يصح أن تكون ما استفهاما بمعنى ~~التقرير وتوقيف نظر المخاطب، ويعمل يدعون في قوله شركاء ويصح أن تكون نافية ~~ويعمل يتبع في شركاء على معنى أنهم لا يتبعون شركاء حقا، ويكون مفعول يدعون ~~محذوفا، وفي هذا الوجه عندي تكلف وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «تدعون» ~~بالتاء وهي قراءة غير متجهة وقوله إن نافية ويخرصون معناه يحدسون ويخمنون ~~لا يقولون بقياس ولا نظر، وقرأت فرقة «ولا يحزنك» من أحزن، وقرأت فرقة «ولا ~~يحزنك» من حزن. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 67 الى 70] # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون ms1732 (67) قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما ~~في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن ~~الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم إلينا ~~مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) # لما نص عظمة الله تعالى في الآية المتقدمة عقب ذلك في هذه بالتنبيه على ~~أفعاله لتبين العظمة المحكوم بها قبل، وقوله لتسكنوا دال على أن النهار ~~للحركة والتصرف، وكذلك هو في الوجود، وذلك أن حركة الليل متعذرة بفقد ~~الضوء، وقوله والنهار مبصرا مجاز لأن النهار لا يبصر ولكنه ظرف للإبصار، ~~وهذا موجود في كلام العرب إذ المقصود من ذلك مفهوم، فمن ذلك قول ذي الرمة: ~~[الطويل] # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم # وليس هذا من باب النسب كعيشة راضية ونحوها. وإنما ذلك مثل قول الشاعر: ~~[الكامل] # أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في بيت منحوت من الساج # فجعل الليل والنهار بهاتين الحالتين وليس يريد إلا أنه هو فيهما كذلك، ~~وهذا البيت لمسجون كان يبيت في خشبة السجن، وعلى أن هذا البيت قد ينشد «أما ~~النهار» بالنصب، وفي هذه الألفاظ إيجاز وإحالة على ذهن السامع لأن العبرة ~~هي في أن الليل مظلم يسكن فيه والنهار مبصر يتصرف فيه، فذكر طرف من PageV03P130 # هذا والطرف الآخر من الجهة الثانية ودل المذكوران على المتروكين، وهذا ~~كما في قوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع [البقرة: ~~171] . وقوله يسمعون يريد ويعون، والضمير في قالوا للكفار العرب وذلك قول ~~طائفة منهم: الملائكة بنات الله، والآية بعد تعم كل من قال نحو هذا القول ~~كالنصارى ومن يمكن أن يعتقد ذلك من الكفرة، وسبحانه: مصدر معناه تنزيها له ~~وبراءة من ذلك، فسره بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله هو الغني صفة ~~على الإطلاق أي لا يفتقر إلى شيء من الجهات، و «الولد» جزء مما هو غني عنه، ~~والحق هو قول الله ms1733 تعالى أنتم الفقراء إلى الله [فاطر: 15] ، وقوله ما في ~~السماوات، أي بالملك والإحاطة والخلق، وإن نافية، و «السلطان» الحجة، وكذلك ~~معناه حيث تكرر من القرآن، ثم وقفهم موبخا بقوله أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون، وقوله قل إن الذين يفترون على الله الآية، هذا توعد لهم بأنهم لا ~~يظفرون ببغية ولا يبقون في نعمة إذ هذه حال من يصير إلى العذاب وإن نعم في ~~دنياه يسيرا، وقوله: متاع مرفوع على خبر ابتداء، أي ذلك متاع أو هو متاع أو ~~على الابتداء بتقدير: لهم متاع، وقوله ثم إلينا مرجعهم إلى آخر الآية توعد ~~بحق. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : آية 71] # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) # تقدم في الأعراف الكلام على لفظة نوح و «المقام» وقوف الرجل لكلام أو ~~خطبة أو نحوه، و «المقام» بضم الميم إقامته ساكنا في موضع أو بلد، ولم يقرأ ~~هنا بضم الميم و «تذكيره» : وعظه وزجره، والمعنى: يا قوم إن كنتم تستضعفون ~~حالي ودعائي لكم إلى الله فإني لا أبالي عنكم لتوكلي على الله تعالى ~~فافعلوا ما قدرتم عليه، وقرأ السبعة وجمهور الناس وابن أبي إسحاق وعيسى: ~~«فأجمعوا» من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه قول الشاعر: [الكامل] ~~هل أغدون يوما وأمر مجمع ومنه قول الآخر: [الخفيف] # أجمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # ومنه الحديث ما لم يجمع مكثا ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] # ذكر الورود بها فأجمع أمره ... شوقا وأقبل حينه يتتبع # وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم ~~الجحدري والزهري والأعمش «فاجمعوا» بفتح الميم من جمع إذا ضم شيئا إلى شيء، ~~وأمركم يريد به قدرتكم وحياتكم ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى: فتولى فرعون ~~فجمع كيده [طه: 60] وكل هؤلاء نصب «الشركاء» ، ونصب قوله: شركاءكم، يحتمل ~~أن يعطف على ms1734 قوله أمركم، وهذا على قراءة «فاجمعوا» بالوصل، PageV03P131 # وأما من قرأ: «فأجمعوا» بقطع الألف فنصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: ~~وادعوا شركاءكم فهو من باب قول الشاعر: [المتقارب] شراب اللبان وتمر وأقط ~~ومن قول الآخر: [مجزوء الكامل مرفل] # ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # ومن قول الآخر: [الرجز] # علفتها تبنا وماء باردا ... حتى شأت همالة عيناها # وفي مصحف أبي بن كعب: «فأجمعوا وادعوا شركاءكم» ، قال أبو علي: وقد ينتصب ~~«الشركاء» بواو «مع» ، كما قالوا جاء البريد والطيالسة، وقرأ أبو عبد ~~الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب وأبو عمرو فيما روي عنه ~~«وشركاؤكم» بالرفع عطفا على الضمير في «أجمعوا» ، وعطف على الضمير قبل ~~تأكيده لأن الكاف والميم في أمركم ناب مناب أنتم المؤكد للضمير، ولطول ~~الكلام أيضا، وهذه العبارة أحسن من أن يطول الكلام بغير ضمير، ويصح أن ~~يرتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره وشركاؤهم فليجمعوا، وقرأت فرقة ~~«وشركائكم» بالخفض على العطف على الضمير في قوله: أمركم، التقدير وأمر ~~شركائكم، فهو كقول الشاعر [العجاج] : # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا # أي وكل نار، والمراد بالشركاء في هذه الآية الأنداد من دون الله، فأضافهم ~~إليهم إذ يجعلونهم شركاء بزعمهم، وقوله ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي ~~ملتبسا مشكلا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الهلال، «فإن غم عليكم» ~~ومنه قول الراجز: # ولو شهدت الناس إذا تكموا ... بغمة لو لم تفرج غموا # وقوله ثم اقضوا إلي ومعناه أنفذوا قضاءكم نحوي، وقرأ السدي بن ينعم: «ثم ~~أفضوا» بالفاء وقطع الألف، ومعناه: أسرعوا وهو مأخوذ من الأرض الفضاء أي ~~اسلكوا إلي بكيدكم واخرجوا معي وبي إلى سعة وجلية، وقوله ولا تنظرون أي لا ~~تؤخرون والنظرة التأخير. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 72 الى 73] # فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) # المعنى فإن ms1735 لم تقبلوا على دعوتي وكفرتم بها وتوليتم عنها، و «التولي» ~~أصله في البدن ويستعمل في PageV03P132 # الإعراض عن المعاني، يقول: فأنا لم أسألكم أجرا على ذلك ولا مالا، فيقع ~~منكم قطع بي وتقصير بإرادتي، وإنما أجري على الذي بعثني، وقرأ نافع وأبو ~~عمرو بخلاف عنه: «أجري» بسكون الياء، وقرأ «أجري» بفتح الياء الأعرج وطلحة ~~بن مصرف وعيسى وأبو عمرو، وقال أبو حاتم: هما لغتان، والقراءة بالإسكان في ~~كل القرآن، ثم أخبرهم بأن الله أمره بالإسلام والدين الحنيفي الذي هو توحيد ~~الله والعمل بطاعته والإعداد للقائه، وقوله فكذبوه الآية، إخبار من الله عز ~~وجل عن حال قوم نوح المكذبين له، وفي ضمن ذلك الإخبار توعد للكفار بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وضرب المثال لهم، أي أنتم بحال هؤلاء من التكذيب ~~فسيكونون بحالهم من النقمة والتعذيب، والفلك: السفينة، والمفسرون وأهل ~~الآثار مجمعون على أن سفينة نوح كانت واحدة، والفلك لفظ الواحد منه ولفظ ~~الجمع مستو وليس به وقد مضى شرح هذا في الأعراف، وخلائف حمع خليفة، وقوله ~~فانظر مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في معناها جميع الخلق، وفي ~~هذه الآية أنه أغرق جميع من كذب بآيات الله التي جاء بها نوح، وهي مقتضية ~~أيضا أنه أنذرهم فكانوا منذرين، فلو كانوا جميع أهل الأرض كما قال بعض ~~الناس لاستوى نوح ومحمد صلى الله عليه وسلم في البعث إلى أهل الأرض، ويرد ~~ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي» الحديث. ~~ويترجح بهذا النظر أن بعثة نوح والغرق إنما كان في أهل صقع لا في أهل جميع ~~الأرض. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 74 الى 75] # ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) # الضمير في قوله من بعده عائد على نوح عليه السلام والضمير في قومهم عائد ~~على ms1736 الرسل، ومعنى هذه الآيات كلها ضرب المثل لحاضري محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أي كما حل بهؤلاء يحل بكم، و «البينات» المعجزات والبراهين الواضحة، ~~والضمير في قوله كانوا وفي ليؤمنوا عائد على قوم الرسل، والضمير في كانوا ~~عائد على قوم نوح، وهذا قول بعض المتأولين، وقال بعضهم: بل تعود الثلاثة ~~على قوم الرسل على معنى أنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجوا ~~في الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم، وقال يحيى بن ~~سلام من قبل، معناه من قبل العذاب. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول بعد، ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو ~~أن تكون «ما» مصدرية والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله أن لم ~~يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه ومن جراه، ويؤيد هذا التأويل ~~قوله كذلك نطبع، وقال بعض العلماء: عقوبة التكذيب الطبع على القلوب، وقرأ ~~جمهور الناس: «نطبع» بالنون، وقرأ العباس بن الفضل: «يطبع» بالياء، وقوله ~~كذلك أي هذا فعلنا بهؤلاء، ثم ابتدأ كذلك نطبع أي كفعلنا هذا والمعتدين هم ~~الذين تجاوزوا طورهم PageV03P133 # واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي هاهنا في الكفر، والضمير في بعدهم عائد على ~~الرسل، والضمير في ملائه عائد على فرعون، والملأ: الجماعة من قبيلة وأهل ~~مدينة، ثم يقال للأشراف والأعيان من القبيلة أو البلد ملأ، أي هم يقومون ~~مقام الملأ، وعلى هذا الحد هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قريش ~~بدر: «أولئك الملأ» ، وكذلك هي في قوله تعالى: إن الملأ يأتمرون بك [القصص: ~~20] . وأما في هذه الآية فهي عامة لأن بعثة موسى وهارون كانت إلى فرعون ~~وجميع قومه من شريف ومشروف وقد مضى في المص [الأعراف: 1] ، ذكر ما بعث ~~إليهم فيه، و «الآيات» : البراهين والمعجزات وما في معناها، وقوله ~~فاستكبروا أي تعظموا وكفروا بها، ومجرمين معناه: يرتكبون ما لم يبح الله ~~ويجسرون من ذلك على الخطر الصعب. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 76 الى 78] # فلما جاءهم الحق من عندنا ms1737 قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون ~~للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) # يريد ب الحق آيتي العصا واليد، ويدل على ذلك قولهم عندهما: هذا سحر ولم ~~يقولوا ذلك إلا عندهما ولا تعاطوا إلا مقاومة العصا فهي معجزة موسى عليه ~~السلام التي وقع فيها عجز المعارض، وقرأ جمهور الناس: «لسحر مبين» ، وقرأ ~~سعيد بن جبير والأعمش: «لساحر مبين» ، ثم حكي عن موسى أنه وقفهم ووبخهم ~~بقوله أتقولون للحق لما جاءكم، ثم اختلف المتأولون في قوله أسحر هذا فقالت ~~فرقة: هو حكاية من موسى عنهم على معنى أن قولهم كان أسحر هذا، ثم اختلف في ~~معنى قول قوم فرعون: أسحر هذا فقال بعضهم: قالها منهم كل مستفهم جاهل ~~بالأمر، فهو يسأل عنه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يضعفه ما ذكر الله قبل عنهم من أنهم ~~صمموا على أنه سحر بقولهم: إن هذا لسحر مبين، وقال بعضهم بل قالوا ذلك على ~~معنى التعظيم للسحر الذي رأوه بزعمهم كما تقول لفرس تراه يجيد الجري: أفرس ~~هذا؟ على معنى التعجب منه والاستغراب وأنت قد علمت أنه فرس، وقالت فرقة غير ~~هاتين: ليس ذلك حكاية من موسى عنهم بل القول الذي حكاه عنهم مقدر تقديره ~~أتقولون للحق لما جاءكم سحر. # قال القاضي أبو محمد: أو نحو هذا من التقدير، ثم ابتدأ يوقفهم بقوله: ~~أسحر هذا على جهة التوبيخ، ثم أخبرهم عن الله تعالى أن الساحرين لا يفلحون ~~ولا يظفرون ببغية، ومثل هذا التقدير المحذوف على هذا التأويل موجود في كلام ~~العرب، ومنه قول ذي الرمة: # فلما لبسن الليل أو حين نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح # يريد أو حين قاربن ذلك، ومنه قول الله تعالى: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا ~~وجوهكم PageV03P134 # [الإسراء: 7] المعنى بعثناهم ليسوءوا، ومثل هذا كثير شائع، وقوله تعالى: ~~قالوا أجئتنا الآية، المعنى قال قوم فرعون لموسى: أجئتنا لتصرفنا وتلوينا ~~وتردنا عن ms1738 دين آبائنا، يقال لفت الرجل عن الآخر إذا لواه، ومنه قولهم: ~~التفت فإنه افتعل من لفت عنقه، ومنه قول رؤبة: [الرجز] لفتا وتهزيعا سواء ~~اللفت وقرأ السبعة سوى أبي عمرو فإنه اختلف عنه «وتكون» بالتاء من فوق وهي ~~قراءة جمهور الناس، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما زعم خارجة وإسماعيل، ~~«ويكون» بالياء من تحت ورويت عن أبي عمرو وعن عاصم وهي قراءة ابن مسعود، ~~والكبرياء: مصدر مبالغ من الكبر، والمراد به في هذا الموضع الملك، وكذلك ~~قال فيه مجاهد والضحاك وأكثر المتأولين، لأنه أعظم تكبر الدنيا، ومنه قول ~~الشاعر [ابن الرقاع] : # [الخفيف] # مؤددا غير فاحش لا تداني ... ه تجبارة ولا كبرياء # وقوله بمؤمنين بمصدقين. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 79 الى 82] # وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ~~ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله ~~سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره ~~المجرمون (82) # يخبر أن فرعون قال لخدمته ومتصرفيه: ائتوني بكل ساحر، هذه قراءة جمهور ~~الناس، وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب وعيسى «بكل سحار» على المبالغة، ~~قال أبو حاتم: لسنا نقرأ «سحار» إلا في سورة الشعراء، فروي أنهم أتوه بسحرة ~~الفرما وغيرها من بلاد مصر حسبما قد ذكر قبل في غير هذه الآية، فلما ورد ~~السحرة باستعدادهم للمعارضة خيروا موسى كما ذكر في غير هذه الآية، فقال لهم ~~عن أمر الله: ألقوا ما أنتم ملقون، وقوله تعالى: فلما ألقوا الآية، المعنى ~~فلما ألقوا حبالهم وعصيهم وخيلوا بها وظنوا أنهم قد ظهروا قال لهم موسى هذه ~~المقالة، وقرأ السبعة سوى أبي عمرو السحر وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ أبو ~~عمرو ومجاهد وأصحابه وابن القعقاع به السحر بألف الاستفهام ممدودة قبل ~~السحر. # فأما من قرأ السحر بغير ألف استفهام قبله ف ما في موضع رفع على الابتداء ~~وهي بمعنى الذي وصلتها قوله جئتم به والعائد الضمير في به، وخبرها السحر، ms1739 ~~ويؤيد هذه القراءة والتأويل أن في مصحف ابن مسعود «ما جئتم به سحر» ، وكذلك ~~قرأها الأعمش وهي قراءة أبي بن كعب، «ما أتيتم به سحر» ، والتعريف هنا في ~~السحر أرتب لأنه قد تقدم منكرا في قولهم إن هذا لسحر [يونس: 76] فجاء هنا ~~بلام العهد كما يقال في أول الرسالة، سلام عليك وفي آخرها والسلام عليك، ~~ويجوز أن تكون ما PageV03P135 # استفهاما في موضع رفع بالابتداء وجئتم به الخبر والسحر خبر ابتداء مضمر ~~تقديره هو السحر إن الله سيبطله، ووجه استفهامه هذا هو التقرير والتوبيخ، ~~ويجوز أن تكون ما في موضع نصب على معنى أي شيء جئتم والسحر مرفوع على خبر ~~الابتداء تقدير الكلام أي شيء جئتم به هو السحر، إن الله سيبطله، وأما من ~~قرأ الاستفهام والمد قبل السحر ف ما استفهام رفع بالابتداء وجئتم به الخبر، ~~وهذا على جهة التقرير، وقوله: السحر استفهام أيضا كذلك، وهو بدل من ~~الاستفهام الأول، ويجوز أن تكون ما في موضع نصب بمضمر تفسيره جئتم به ~~تقديره أي شيء جئتم به السحر، وقوله إن الله سيبطله إيجاب عن عدة من الله ~~تعالى، وقوله إن الله لا يصلح عمل المفسدين، يصح أن يكون من كلام موسى عليه ~~السلام، ويصح أن يكون ابتداء خبر من الله تعالى، وقوله ويحق الله الحق ~~الآية، يحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام، ويحتمل أن يكون من إخبار ~~الله عز وجل، وكون ذلك كله من كلام موسى أقرب وهو الذي ذكر الطبري، وأما ~~قوله بكلماته فمعناه بكلماته السابقة الأزلية في الوعد بذلك، قال ابن سلام ~~بكلماته بقوله: لا تخف، ومعنى ولو كره المجرمون وإن كره المجرمون والمجرم: ~~المجترم الراكب للخطر. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 83 الى 86] # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن ~~فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم إن كنتم ~~آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا ~~لا ms1740 تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) # المعنى فما صدق موسى، ولفظة آمن تتعدى بالباء، وتتعدى باللام وفي ضمن ~~المعنى الباء، واختلف المتأولون في عود الضمير الذي في قومه فقالت فرقة: هو ~~عائد على موسى، وقالت فرقة هو عائد على فرعون، فمن قال إن العود على موسى ~~قال معنى الآية وصف حال موسى في أول مبعثه أنه لم يؤمن به إلا فتيان وشباب ~~أكثرهم أولو آباء كانوا تحت خوف من فرعون وملأ بني إسرائيل، فالضمير في ~~«الملأ» عائد على «الذرية» وتكون الفاء على هذا التأويل عاطفة جملة على ~~جملة لا مرتبة، وقال بعض القائلين بعود الضمير على موسى: إن معنى الآية أن ~~قوما أدركهم موسى ولم يؤمنوا به وإنما آمن ذريتهم بعد هلاكهم لطول الزمان، ~~قاله مجاهد والأعمش، وهذا قول غير واضح، وإذا آمن قوم بعد موت آبائهم فلا ~~معنى لتخصيصهم باسم الذرية، وأيضا فما روي من أخبار بني إسرائيل لا يعطي ~~هذا، وهيئة قوله فما آمن يعطي تقليل المؤمنين به لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه ~~للبعض ولو كان الأكثر مؤمنا لأوجب الإيمان أولا ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا ~~الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية إنه القليل لا أنه أراد أن لفظة الذرية ~~هي بمعنى القليل كما ظن مكي وغيره، وقالت فرقة إنما سماهم ذرية لأن أمهاتهم ~~كانت من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط، فكان يقال لهم الذرية كما قيل لفرس ~~اليمن الأبناء وهم الفرس المنتقلون مع وهرز PageV03P136 # بسعاية سيف بن ذي يزن، والأمر بكماله في السير، وقال السدي كانوا سبعين ~~أهل بيت من قوم فرعون. # قال القاضي أبو محمد: ومما يضعف عود الضمير على «موسى» أن المعروف من ~~أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوما قد تقدمت فيهم النبوات وكانوا في مدة ~~فرعون قد نالهم ذل مفرط وقد رجوا كشفه على يد مولود يخرج فيهم يكون نبيا، ~~فلما جاءهم موسى عليه السلام أصفقوا عليه واتبعوه ولم يحفظ قط أن طائفة من ~~بني إسرائيل كفرت به فكيف ms1741 تعطي هذه الآية أن الأقل منهم كان الذي آمن، ~~فالذي يترجح بحسب هذا أن الضمير عائد على «فرعون» ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم ~~من محاورة موسى ورده عليهم وتوبيخهم على قولهم هذا سحر، فذكر الله ذلك ~~عنهم، ثم قال فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون الذين هذه أقوالهم، وروي ~~في ذلك أنه آمنت زوجة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وشباب من قومه، قاله ابن ~~عباس، والسحرة أيضا فإنهم معدودون في قوم فرعون وتكون القصة على هذا ~~التأويل بعد ظهور الآية والتعجيز بالعصا، وتكون الفاء مرتبة للمعاني، التي ~~عطفت، ويعود الضمير في ملائهم على «الذرية» ، ولاعتقاد الفراء وغيره عود ~~الضمير على موسى تخبطوا في عود الضمير في ملائهم، فقال بعضهم: ذكر فرعون ~~وهو الملك يتضمن الجماعة والجنود، كما تقول جاء الخليفة وسافر الملك وأنت ~~تريد جيوشه معه، وقال الفراء: المعنى على خوف من آل فرعون وملئهم وهو من ~~باب وسئل القرية [يوسف: 82] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا التنظير غير جيد لأن إسقاط المضاف في قوله ~~وسئل القرية [يوسف: 82] هو سائغ بسبب ما يعقل من أن «اسأل القرية» لا تسأل، ~~ففي الظاهر دليل على ما أضمر، وأما هاهنا فالخوف من فرعون متمكن لا يحتاج ~~معه إلى إضمار، إما أنه ربما احتج أن الضمير المجموع في ملائهم يقتضي ذلك ~~والخوف إنما يكون من الأفعال والأحداث التي للجثة ولكن لكثرة استعماله ~~ولقصد الإيجاز أضيف إلى الأشخاص، وقوله أن يفتنهم بدل من فرعون وهو بدل ~~الاشتمال، ف أن في موضع خفض، ويصح أن تكون في موضع نصب على المفعول من ~~أجله، وقرأ الحسن والجراح، ونبيح «أن يفتنهم» بضم الياء، ثم أخبر عن فرعون ~~بالعلو في الأرض والإسراف في الأفعال والقتل والدعاوى ليتبين عذر الخائفين، ~~وقوله تعالى: وقال موسى - إلى- الكافرين، ابتداء حكاية قول موسى لجماعة بني ~~إسرائيل المؤمنين منهم مؤنسا لهم ونادبا إلى التوكل على الله الذي بيده ~~النصر ومسألة التوكل متشعبة للناس فيها خوضات، والذي أقول: إن التوكل الذي ~~أمرنا له هو مقترن بتسبب ms1742 جميل على مقتضى الشرع، وهو الذي في قوله صلى الله ~~عليه وسلم «قيدها وتوكل» فقد جعله متوكلا مع التقييد، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم رأس المتوكلين وقد تسبب عمره كله، وكذلك السلف كله، فإن شذ متوكل فترك ~~التسبب جملة فهي رتبة رفيعة ما لم يسرف بها إلى حد قتل نفسه وإهلاكها، كمن ~~يدخل غارا خفيا يتوكل فيه فهذا ونحوه مكروه عند جماعة من العلماء، وما روي ~~من إقدام عامر بن قيس على الأسد ونحو ذلك كله ضعيف، وللصحيح منه قرائن ~~تسهله، وللمسلمين أجمعين قال الله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم [البقرة: 198] ، ولهم قال وعلى ربهم يتوكلون [الأنفال: 2] ليس فيه ~~أنهم يتركون التسبب جملة واحدة ولا حفظ عن عكاشة أنه ترك التسبب بل كان ~~يغزو ويأخذ سهمه، وأعني بذلك ترك التسبب في الغذاء، وأما ترك التسبب في ~~الطب فسهل وكثير من الناس جبل عليه دون نية وحسبة، فكيف PageV03P137 # بمن يحتسب، وقال لهم: إن كنتم آمنتم مع علمه بإيمانهم على جهة إقامة ~~الحجة وتنبيه الأنفس وإثارة الأنفة كما تقول، إن كنت رجلا فقاتل، تخاطب ~~بذلك رجلا تريد إقامة نفسه، وقوله إن كنتم مسلمين، يريد أهل طاعة منضافة ~~إلى الإيمان المشروط، فذكر الإسلام فيه زيادة معنى، ثم ذكر أنه أجاب بنو ~~إسرائيل بنية التوكل على الله والنطق بذلك، ثم دعوا في أن لا يجعلهم فتنة ~~للظلمة، والمعنى لا تنزل بنا بلاء بأيديهم أو بغير ذلك مدة مجاورتنا لهم ~~فيفتنون ويعتقدون أن إهلاكنا إنما هو بقصد منك لسوء ديننا وصلاح دينهم ~~وأنهم أهل الحق، قاله مجاهد وغيره. # قال القاضي أبو محمد: فهذا الدعاء على هذا التأويل يتضمن دفع فصلين، ~~أحدهما القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون، والآخر ظهور الشرك باعتقاد أهله ~~أنهم أهل الحق، وفي ذلك فساد الأرض، ونحو هذا المعنى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم، «ليس الميت أبو امامة اليهود والمشركين يقولون: لو كان نبيا لم ~~يمت صاحبه» ، ويحتمل اللفظ من التأويل وقد قالته فرقة: إن المعنى لا تفتنهم ms1743 ~~وتبتلهم بقتلنا فتعذبهم على ذلك في الآخرة وفي هذا التأويل قلق، وباقي ~~الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 87 الى 89] # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت ~~دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) # روي أن فرعون أخاف بني إسرائيل وهدم لهم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ونحو ~~هذا، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بيوتا بمصر، ~~قال مجاهد: «مصر» في هذه الآية الإسكندرية، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، ~~والإسكندرية من أرض مصر، وتبوءا معناه كما قلنا تخيرا واتخذا، وهي لفظة ~~مستعملة في الأماكن وما يشبه بها، ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] # لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... لأنحامها مرعى تبوأ مضجعا # وهذا البيت للراعي وبه سمى المراعي ومنه قول امرئ القيس: [الكامل] # يتبوأون مقاعدا لقتالكم ... كليوث غاب ليلهن زئير # وقرأ الناس «تبوآ» بهمزة على تقدير تبوعا، وقرأ حفص في رواية هبيرة ~~«تبويا» وهذا تسهيل ليس بقياسي، ولو جرى على القياس لكان بين الهمزة ~~والألف، قوله قبلة ومعناه مساجد، قاله ابن عباس والربيع والضحاك والنخعي ~~وغيرهم، قالوا: خافوا فأمروا بالصلاة في بيوتهم، وقيل يقابل بعضها بعضا، ~~قاله سعيد بن جبير والأول أصوب، وقيل معناه متوجهة إلى القبلة، قاله ابن ~~عباس، ومن هذا حديث عن النبي PageV03P138 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير بيوتكم ما استقبل به القبلة» ، وقوله ~~وأقيموا الصلاة خطاب لبني إسرائيل هذا قبل نزول التوراة لأنها لم تنزل إلا ~~بعد إجازة البحر، وقوله وبشر المؤمنين أمر لموسى عليه السلام، وقال مكي ~~والطبري هو أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا غير متمكن، وقوله تعالى ~~وقال موسى الآية، غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم فقدم للدعاء تقرير نعم ~~الله ms1744 عليهم وكفرهم بها، وآتيت معناه أعطيت وملكت، وتكرر قوله ربنا استغاثة ~~كما يقول الداعي بالله، وقوله ليضلوا يحتمل أن يكون لام كي على بابها على ~~معنى آتيتهم الأموال إملاء لهم واستدراجا فكان الإيتاء كي يضلوا ويحتمل أن ~~تكون لام الصيرورة والعاقبة، كما قال فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا [القصص: 8] والمعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا، وروي عن الحسن ~~أنه قال: هو دعاء ويحتمل أن يكون المعنى على جهة الاستفهام أي ربنا ليضلوا ~~فعلت ذلك، وفي هذا تقرير الشنعة عليهم. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج وشيبة وأبو جعفر ~~ومجاهد وأبو رجاء وأهل مكة: «ليضلوا» بفتح الياء على معنى ليضلوا في ~~أنفسهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي والأعمش وقتادة وعيسى والحسن والأعرج ~~بخلاف عنه، «ليضلوا» بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم، وقرأ الشعبي ~~«ليضلوا» بكسر الياء، وقرأ الشعبي أيضا وغيره «اطمس» بضم الميم، وقرأت فرقة ~~«اطمس» بكسر الميم وهما لغتان، وطمس يطمس ويطمس، قال أبو حاتم: وقراءة ~~الناس بكسر الميم والضم لغة مشهورة، معناه عف وغيره وهو من طموس الأثر ~~والعين وطمس الوجوه، ومنه قول كعب بن زهير: [البسيط] # من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول # وروي أنهم حين دعا موسى بهذه الدعوة رجع سكرهم حجارة وزادهم ودنانيرهم ~~وحبوبهم من الأطعمة رجعت حجارة، قاله محمد بن كعب القرظي وقتادة وابن زيد، ~~وقال مجاهد وغيره، معناه أهلكها ودمرها، وروي أن الطمسة من آيات موسى ~~التسع، وقوله اشدد على قلوبهم بمعنى اطبع واختم عليهم بالكفر، قاله مجاهد ~~والضحاك، ولما أشار عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل ~~أسرى بدر شبهه بموسى في دعائه على قومه الذين بعث إليهم في هذه الآية وبنوح ~~في قوله لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] . وقوله فلا يؤمنوا ~~مذهب الأخفش وغيره أن الفعل منصوب عطفا على قوله ليضلوا، وقيل هو منصوب في ~~جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي: هو مجزوم على الدعاء ومنه قول ms1745 الشاعر ~~[الأعشى] : [الطويل] # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم # وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية، وذلك لعلمه من قبل الله أن المؤمن عند ~~رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره، ثم أجاب الله ~~هذه الدعوة في فرعون نفسه، قال ابن عباس: # العذاب هنا الغرق، وقرأ الناس «دعوتكما» ، وقرأ السدي والضحاك «دعواتكما» ~~، وروي عن ابن جريح ومحمد بن علي والضحاك أن الدعوة لم تظهر إجابتها إلا ~~بعد أربعين سنة. وحينئذ كان الغرق. # قال القاضي أبو محمد: وأعلما أن دعاءهما صادق مقدورا، وهذا معنى إجابة ~~الدعاء، وقيل لهما PageV03P139 # لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون أي في أن تستعجلا قضائي فإن وعدي لا خلف ~~له، وقوله دعوتكما ولم يتقدم الدعاء إلا لموسى، وروي أن هارون كان يؤمن على ~~دعاء موسى، قاله محمد بن كعب القرظي، نسب الدعوة إليهما، وقيل كنى عن ~~الواحد بلفظ التثنية كما قال «قفا نبكي» ونحو هذا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآية تتضمن بعد مخاطبتهما من غير ~~شيء، قال علي بن سليمان قول موسى: ربنا دال على أنهما دعوا معا، وقوله ~~فاستقيما أي على ما أمرتما به من الدعاء إلى الله، وأمرا بالاستقامة وهما ~~عليها للإدامة والتمادي، وقرأ نافع والناس، «تتبعان» بشد التاء والنون على ~~النهي، وقرأ ابن عامر وابن ذكوان «تتبعان» بتخفيف التاء وشد النون، وقرأ ~~ابن ذكوان أيضا: «تتبعان» بشد التاء وتخفيف النون وكسرها، وقرأت فرقة ~~«تتبعان» بتخفيفها وسكون النون رواه الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر، ~~فأما شد النون فهي النون الثقيلة حذفت معها نون التثنية للجزم كما تحذف ~~معها الضمة في لتفعلن بعد ألف التثنية وأما تخفيفها فيصح أن تكون الثقيلة ~~خففت ويصح أن تكون نون التثنية ويكون الكلام خبرا معناه الأمر، أي لا ينبغي ~~أن تتبعا، قال أبو علي: إن شئت جعلته حالا من استقيما كأنه قال غير متبعين. # قال القاضي أبو محمد: والعطف يمانع في هذا فتأمله. # قوله عز وجل: ms1746 ### || [سورة يونس (10) : الآيات 90 الى 92] # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك ~~لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) # قرأ الحسن بن أبي الحسن «وجوزنا» بشد الواو، وطرح الألف، ويشبه عندي أن ~~يكون «جاوزنا» كتب في بعض المصاحف بغير ألف، وتقدم القول في صورة جوازهم في ~~البقرة والأعراف، وقرأ جمهور الناس «فأتبعهم» لأنه يقال تبع وأتبع بمعنى ~~واحد، وقرأ قتادة والحسن «فاتبعهم» بشد التاء، قال أبو حاتم: القراءة ~~«أتبع» بقطع الألف لأنها تتضمن الإدراك، و «اتبع» بشد التاء هي طلب الأثر ~~سواء أدرك أو لم يدرك، وروي أن بني إسرائيل الذين جاوزوا البحر كانوا ~~ستمائة ألف، وكان يعقوب قد استقر أولا بمصر في نيف على السبعين ألفا من ~~ذريته فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور، وروي أن فرعون كان في ~~ثمانمائة ألف أدهم حاشى ما يناسبها من ألوان الخيل، وروي أقل من هذه ~~الأعداد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والذي تقتضيه ألفاظ القرآن أن بني ~~إسرائيل كان لهم جمع كثير في نفسه قليل بالإضافة إلى قوم فرعون المتبعين، ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكوفيون وجماعة عدوا على مثال غزا غزا، ~~وقرأ الحسن وقتادة «غزوا» على مثال علا علوا، وقوله أدركه PageV03P140 # الغرق # أي في البحر، وروي في ذلك أن فرعون لما انتهى إلى البحر فوجده قد انفرق ~~ومشى فيه بنو إسرائيل، قال لقومه إنما انفلق بأمري وكان على فرس ذكر فبعث ~~الله جبريل على فرس أنثى وديق فدخل بها البحر ولج فرس فرعون ورآه وحثت ~~الجيوش خلفه فلما رأى الانفراق يثبت له استمر، وبعث الله ميكائيل يسوق ~~الناس حتى حصل جميعهم في البحر، فانطبق عليهم حينئذ، فلما عاين فرعون قال ~~ما حكى عنه في هذه الآية، وقرأ جمهور الناس «أنه» بفتح الألف، ms1747 ويحتمل أن ~~تكون في موضع نصب، ويحتمل أن تكون في موضع خفض على إسقاط الباء، وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو عمرو «إنه» بكسر الألف، إما على إضمار الفعل أي آمنت فقلت ~~إنه، وإما على أن يتم الكلام في قوله آمنت ثم يبتدىء إيجاب «إنه» ، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أن جبريل عليه السلام قال ما أبغضت أحدا قط بغضي ~~لفرعون، ولقد سمعته يقول آمنت الآية، فأخذت من حال البحر فملأت فمه مخافة ~~أن تلحقه رحمة الله» وفي بعض الطرق: # «مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتلحقه الرحمة» . # قال القاضي أبو محمد: فانظر إلى كلام فرعون ففيه مجهلة وتلعثم، ولا عذر ~~لأحد في جهل هذا وإنما العذر فيما لا سبيل إلى علمه كقول علي رضي الله عنه، ~~«أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم» ، والحال الطين، كذا في الغريب ~~المصنف وغيره، والأثر بهذا كثير مختلف اللفظ والمعنى واحد، وفعل جبريل عليه ~~السلام هذا يشبه أن يكون لأنه اعتقد تجويز المغفرة للتائب وإن عاين ولم يكن ~~عنده قبل إعلام من الله تعالى أن التوبة بعد المعاينة غير نافعة، وقوله ~~تعالى آلآن وقد عصيت الآية، قال أبو علي: # اعلم أن لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أولها الهمزة فخففت الهمزة فإن في ~~تخفيفها وجهين: أحدهما أن تحذف وتلقى حركتها على اللام وتقر همزة الوصل فيه ~~فيقال الحمر وقد حكى ذلك سيبويه، وحكى أبو عثمان عن أبي الحسن أن ناسا ~~يقولون لحمر فيحذفون الهمزة التي للوصل فمن ذلك قول الشاعر: # [الطويل] # وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة ... فبح لان منها بالذي أنت بائح # قرأ نافع في رواية ورش لم يختلف عنه «الآن» بمد الهمزة وفتح اللام، وقرأ ~~الباقون بمد الهمزة وسكون اللام وهمز الثانية، وقرأت فرقة «الان» بقصر ~~الهمزة وفتح اللام وتخفيف الثانية وقرأ جمهور الناس «ألأن» بقصر الأولى ~~وسكون اللام وهمز الثانية. # قال القاضي أبو محمد: وقراءات التخفيف في الهمزة تترتب على ما قال أبو ~~علي فتأمله، فإن الأولى على لغة ms1748 من يقول الحمر، وهذا على جهة التوبيخ له ~~والإعلان بالنقمة منه، وهذا اللفظ يحتمل أن يكون مسموعا لفرعون من قول ملك ~~موصل عن الله وكيف شاء الله، ويحتمل أن كون معنى هذا الكلام معنى حاله ~~وصورة خزيه، وهذه الآية نص في رد توبة المعاين، وقوله تعالى فاليوم ننجيك ~~الآية، يقوي ما ذكرناه من أنها صورة الحال لأن هذه الألفاظ إنما يظهر أنها ~~قيلت بعد فرقه، وسبب هذه المقالة على ما روي أن بني إسرائيل بعد عندهم غرق ~~فرعون وهلاكه لعظمه عندهم، وكذب بعضهم أن يكون فرعون يموت فنجي على نجوة من ~~الأرض حتى رآه جميعهم ميتا كأنه ثور أحمر، وتحققوا غرقه، وقرأت فرقة ~~«فاليوم PageV03P141 # ننجيك» وقالت فرقة معناه من النجاة أي من غمرات البحر والماء، وقال جماعة ~~معناه نلقيك على نجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها، ومنه قول أوس بن حجر: ~~[البسيط] # فمن بعقوته كمن بنجوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح # وقرأ يعقوب «ننجيك» بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ أبي بن كعب «ننحيك» ~~بالحاء المشددة من التنحية، وهي قراءة محمد بن السميفع اليماني ويزيد ~~البريدي، وقالت فرقة: معنى ببدنك بدرعك، وقالت فرقة معناه بشخصك وقرأت فرقة ~~«بندائك» أي بقولك آمنت إلخ الآية، ويشبه أن يكتب بندائك بغير ألف في بعض ~~المصاحف، ومعنى الآية أنا نجعلك آية مع ندائك الذي لا ينفع، وقرأت فرقة هي ~~الجمهور «خلفك» أي من أتى بعدك، وقرأت فرقة «خلقك» المعنى يجعلك الله آية ~~له في عباده، ثم بين عز وجل العظة لعباده بقوله وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون وهذا خبر في ضمنه توعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 93 الى 95] # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) ~~فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ms1749 ~~الله فتكون من الخاسرين (95) # المعنى لقد اخترنا لبني إسرائيل أحسن اختيار وحللناهم من الأماكن أحسن ~~محل، ومبوأ صدق أي يصدق فيه ظن قاصده وساكنه وأهله، ويعني بهذه الآية: ~~إحلالهم بلاد الشام وبيت المقدس، قاله قتادة وابن زيد، وقيل: بلاد مصر ~~والشام، قاله الضحاك، والأول أصح بحسب ما حفظ من أنهم لن يعودوا إلى مصر، ~~على أن القرآن كذلك وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] يعني ما ترك القبط ~~من جنات وعيون وغير ذلك، وقد يحتمل أن يكون أورثناها [الشعراء: 59] معناه ~~الحالة من النعمة وإن لم يكن في قطر واحد، وقوله فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم يحتمل معنيين أحدهما فما اختلفوا في نبوة محمد وانتظاره حتى جاءهم ~~وبان علمه وأمره فاختلفوا حينئذ. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص هو الذي وقع في كتب المتأولين، وهذا ~~التأويل يحتاج إلى سند، والتأويل الآخر الذي يحتمله اللفظ أن بني إسرائيل ~~لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرق ~~فرعون اختلفوا. # قال القاضي أبو محمد: فمعنى الآية مذمة ذلك الصدر من بني إسرائيل، ثم ~~أوجب الله بعد ذلك أنه يقضي بينهم ويفصل بعقاب من يعاقب ورحمة من يرحم، ~~وقوله تعالى: فإن كنت في شك الآية، قال بعض المتأولين وروي ذلك عن الحسن: ~~أن «إن» نافية بمعنى ما والجمهور على أن «إن» شرطية، والصواب في معنى الآية ~~أنها مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بها سواه من كل من يمكن أن ~~يشك PageV03P142 # أو يعارض، وقال قوم: الكلام بمنزلة قولك إن كنت ابني فبرني. # قال القاضي أبو محمد: وليس هذا المثال بجيد وإنما مثال هذه قوله تعالى ~~لعيسى «أأنت قلت للناس اتخذوني» . وروي أن رجلا سأل ابن عباس عما يحيك في ~~الصدر من الشك فقال ما نجا من ذلك أحد ولا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~أنزل عليه فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك. # قال القاضي أبو محمد: وذكر الزهراوي أن هذه المقالة أنكرت أن يقولها ابن ~~عباس وبذلك أقول، ms1750 لأن الخواطر لا ينجو منها أحد وهي خلاف الشك الذي يحال ~~فيه عليه الاستشفاء بالسؤال، والذين يقرؤن الكتاب من قبلك هم من أسلم من ~~بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره، وروي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لما نزلت هذه الآية: «أنا لا أشك ولا أسأل» . وقرأ «فسل» دون همز ~~الحسن وأبو جعفر وأهل المدينة وأبو عمرو وعيسى وعاصم، وقرأ جمهور عظيم ~~بالهمز، ثم جزم الله الخبر بقوله لقد جاءك الحق من ربك، واللام في لقد لام ~~قسم، والممترين معناه الشاكين الذين يحتاجون في اعتقادهم إلى المماراة ~~فيها، وقوله مما أنزلنا إليك يريد به من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في أمره ~~إلا من بعد مجيئه، وهذا قول أهل التأويل قاطبة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الذي يشبه أن ترتجى إزالة الشك فيه من قبل ~~أهل الكتاب، ويحتمل اللفظ أن يريد بما أنزلنا جميع الشرع ولكنه بعيد ~~بالمعنى لأن ذلك لا يعرف ويزول الشك فيه إلا بأدلة العقل لا بالسماع من ~~مؤمني بني إسرائيل، وقوله ولا تكونن من الذين كذبوا الآية، مما خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمراد سواه. # قال القاضي أبو محمد: ولهذا فائد، ليس في مخاطبة الناس به وذلك شدة ~~التخويف لأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من مثل هذا فغيره ~~من الناس أولى أن يحذر ويتقي على نفسه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 96 الى 98] # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم (97) فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ~~آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) # جاء في هذا تحذير مردود وإعلام بسوء حال هؤلاء المحتوم عليهم، والمعنى أن ~~الله أوجب لهم سخطه في الأزل وخلقهم لعذابه فلا يؤمنون، ولو جاءهم كل بيان ~~وكل وضوح إلا في الوقت الذي لا ينفعهم فيه إيمان، كما صنع فرعون وأشباهه من ~~الخلق ms1751 وذلك وقت المعاينة، وفي ضمن الألفاظ التحذير من هذه الحال وبعث الكل ~~على المبادرة إلى الإيمان والفرار من سخط الله، وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن ~~وأبو رجاء «كلمة» بالإفراد، وقرأ نافع وأهل المدينة «كلمات» بالجمع، وقد ~~تقدم ذكر هذه الترجمة، وقوله فلولا كانت قرية آمنت الآية، في مصحف أبي وابن ~~مسعود «فهلا» والمعنى فيهما واحد، وأصل «لولا» PageV03P143 # في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره، فأما هذه فبعيدة ~~عن هذه الآية لكنها من جملة التي هي للتحضيض بها، أن يكون المحضض يريد من ~~المخاطب فعل ذلك الشيء الذي يخصه عليه، وقد تجيء «لولا» ، وليس من قصد ~~المخاطب أن يحض المخاطب على فعل ذلك الشيء فتكون حينئذ لمعنى توبيخ كقول ~~جرير: [الطويل] لولا الكمي المقنعا وذلك أنه لم يقصد حضهم على عقر الكمي، ~~كقولك لرجل قد وقع في أمر صعب: لولا تحرزت، وهذه الآية من هذا القبيل. # قال القاضي أبو محمد: ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى، ومعنى ~~الآية فهلا آمن من أهل قرية وهم على مهل لم يلتبس العذاب بهم فيكون الإيمان ~~نافعا في هذه الحالة، ثم استثنى قوم يونس، فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، ~~وكذلك رسمه النحويون أجمع وهو بحسب المعنى متصل، لأن تقديره ما آمن من أهل ~~قرية إلا قوم يونس والنصب في قوله إلا قوم هو الوجه، ولذلك أدخله سيبويه في ~~باب ما لا يكون فيه إلا النصب، وكذلك مع انقطاع الاستثناء ويشبه الآية قول ~~النابغة: # إلا الأواري وذلك هو حكم لفظ الآية، وقالت فرقة: يجوز فيه الرفع وهذا ~~اتصال الاستثناء، وقال المهدوي: # والرفع على البدل من قرية، وروي في قصة قوم يونس: أن القوم لما كفروا ~~أوحى الله إليه: أن أنذرهم بالعذاب لثلاثة، ففعل فقالوا: هو رجل لا يكذب ~~فارقبوه، فإن قام بين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا ~~شك، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا ~~الله وآمنوا ولبسوا المسوح وفرقوا بين ms1752 الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، ~~والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل، وروي عن علي ميل، وقال ~~ابن جبير غشيهم العذاب كما يغشي الثوب القبر فرفع الله عنهم العذاب فلما ~~مضت الثلاثة وعلم يونس أن العذاب لم ينزل قال كيف أنصرف وقد وجدوني في كذب ~~فذهب مغاضبا كما ذكر الله في هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خصوا من بين الأمم بأن ~~تيب عليهم من بعد معاينة العذاب ذكر ذلك عن جماعة من المفسرين وليس كذلك، ~~والمعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي تلبس العذب أو الموت بشخص الإنسان ~~كقصة فرعون، وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد، وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف ~~وعيسى بن عمر وابن وثاب والأعمش «يونس» بكسر النون وفيه للعرب ثلاث لغات ضم ~~النون وفتحها وكسرها وكذلك في «يوسف» ، وقوله: إلى حين، يريد إلى آجالهم ~~المفروضة في الأزل، وروي أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل ويقتضي ~~ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له إنه من أهل نينوى، من قرية ~~الرجل الصالح يونس بن متى الحديث، الذي في السيرة لابن إسحاق. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 99 الى 101] # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون (101) PageV03P144 # المعنى أن هذا الذي تقدم إنما كان جميعه بقضاء الله عليهم ومشيئته فيهم، ~~ولو شاء الله لكان الجميع مؤمنا، فلا تأسف أنت يا محمد على كفر من لم يؤمن ~~بك، وادع ولا عليك فالأمر محتوم، أفتريد أنت أن تكره الناس بإدخال الإيمان ~~في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك والله عز وجل قد شاء غيره. # قال القاضي أبو محمد: فهذا التأويل الآية عليه محكمة، أي ادع وقاتل من ~~خالفك، وإيمان من آمن ms1753 مصروف إلى المشيئة وقالت فرقة: المعنى أفأنت تكره ~~الناس بالقتال حتى يدخلوا في الإيمان، وزعمت أن هذه الآية في صدر الإسلام ~~وأنها منسوخة بآية السيف، والآية على كلا التأويلين رادة على المعتزلة، ~~وقوله تعالى: كلهم جميعا تأكيد وهو من فصيح الكلام، وجميعا حال مؤكدة، ~~ونحوه قوله لا تتخذوا إلهين اثنين [النحل: 51] ، وقوله تعالى: وما كان لنفس ~~أن تؤمن إلا بإذن الله الآية، رد إلى الله تعالى وإلى أن الحول والقوة لله، ~~في إيمان من يؤمن وكون الرجس على الكفار، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~«ونجعل الرجس» بنون العظمة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: «ويجعل» بالياء ~~وقرأ الأعمش: «ويجعل الله الرجس» ، والرجس يكون بمعنى العذاب كالرجز، ويكون ~~بمعنى القذر والنجاسة ذكره أبو علي هنا وغيره وهو في هذه الآية بمعنى ~~العذاب، ولا يعقلون يريد آيات الله وحجج الشرع. ومعنى «الإذن» في هذه الآية ~~الإرادة والتقدير لذلك، فهو العلم والتمكين، وقوله تعالى: قل انظروا ماذا ~~في السماوات والأرض، هذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات ~~الدالة على الصانع وغير ذلك من آيات السماوات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ~~ونحو ذلك، والأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك، المعنى: انظروا في ذلك ~~بالواجب فهو ينهاكم إلى المعرفة بالله والإيمان بوحدانيته، وقرأ أبو عبد ~~الرحمن والعامة بالبصرة، «قل انظروا» بكسر اللام، وقرأ نافع وأهل المدينة: ~~قل انظروا» بضم اللام، ثم أعلم في آخر الآية أن النظر في الآيات والسماع من ~~النذر وهم الأنبياء لا يغني إلا بمشيئة الله، وأن ذلك غير نافع لقوم قد قضى ~~الله أنهم لا يؤمنون، وهذا على أن تكون ما نافية، ويجوز أن يعد استفهاما ~~على جهة التقرير الذي في ضمنه نفي وقوع الغناء، وفي الآية على هذا توبيخ ~~لحاضري رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، وقوله: # الآيات والنذر، حصر طريقي تعريف الله تعالى عباده، ويحتمل أن تكون ما في ~~قوله: وما تغني، مفعولة بقوله انظروا معطوفة على قوله: ماذا، أي تأملوا قدر ~~غناء الآيات والنذر عن الكفار إذا قبلوا ms1754 ذلك كفعل قوم يونس فإنه يرفع ~~بالعذاب في الدنيا والآخرة وينجي من الهلكات، فالآية على هذا تحريض على ~~الإيمان. # قال القاضي أبو محمد: وتجوز اللفظ على هذا التأويل إنما هو في قوله لا ~~يؤمنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 102 الى 104] # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ~~(103) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) PageV03P145 # هذا وعيد وحض على الإيمان، أي إذا لجوا في الكفر حل بهم العذاب، وإذا ~~آمنوا نجوا، هذه سنة الله في الأمم الخالية، فهل عند هؤلاء غير ذلك. وهو ~~استفهام بمعنى التوقيف، وفي قوله قل فانتظروا مهادنة ما، وهي من جملة ما ~~نسخه القتال، وقوله ننجي رسلنا الآية، لما كان العذاب لم تحصر مدته وكان ~~النبي والمؤمنون بين أظهر الكفرة وقع التصريح بأن عادة الله سلفت بإنجاء ~~رسله ومتبعيهم، فالتخويف على هذا أشد، وكلهم قرأ «ننجي» مشددة الجيم إلا ~~الكسائي وحفصا عن عاصم فإنهما قرآ «ننجي» بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ ~~عاصم في سورة الأنبياء في بعض ما روي عنه «نجي» بضم النون وحذف الثانية وشد ~~الجيم، كأن النون أدغمت فيها، وهي قراءة لا وجه لها، ذكر ذلك الزجاج. وحكى ~~أبو حاتم نحوها عن الأعمش، وخط المصحف في هذه اللفظة «ننج» بجيم مطلقة دون ~~ياء وكذلك قرأ الكسائي في سورة مريم ثم ننجي الذين اتقوا [مريم: 72] بسكون ~~النون وتخفيف الجيم، والباقون بفتح النون وشد الجيم، والكاف في قوله كذلك ~~يصح أن تكون في موضع رفع، ويصح أن تكون في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف، ~~وقوله تعالى: قل يا أيها الناس الآية، مخاطبة عامة للناس أجمعين إلى يوم ~~القيامة يدخل تحتها كل من اتصف بالشك في دين الإسلام، وهذه الآية يتسق ~~معناها بمحذوفات يدل عليها هذا الظاهر ms1755 الوجيز، والمعنى إن كنتم في شك من ~~ديني فأنتم لا تعبدون الله فاقتضت فصاحة الكلام وإيجازه اختصار هذا كله، ثم ~~صرح بمعبوده وخص من أوصافه الذي يتوفاكم لما فيها من التذكير للموت وقرع ~~النفوس به، والمصير إلى الله بعده والفقد للأصنام التي كانوا يعتقدونها ~~ضارة ونافعة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 105 الى 107] # وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون ~~الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء ~~من عباده وهو الغفور الرحيم (107) # المعنى: قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك للدين، ثم جاءت العبارة بهذا ~~الترتيب، و «الوجه» في هذه الآية بمعنى المنحى والمقصد، أي اجعل طريقك ~~واعتمالك للدين والشرع، وحنيفا معناه: # مستقيما على قول من قال، الحنف الاستقامة، وجعل تسمية المعوج القدم أحنف ~~على جهة التفاؤل. ومن قال الحنف الميل جعل حنيفا هاهنا مائلا عن حال الكفرة ~~وطريقهم، وحنيفا نصب على الحال، PageV03P146 # وقوله ولا تدع معناه قيل لي: ولا تدع فهو عطف على أقم، وهذا الأمر ~~والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت هكذا فأحرى أن يتحرز من ذلك ~~غيره، وما لا ينفع ولا يضر هو الأصنام والأوثان، والظالم الذي يضع الشيء في ~~غير موضعه، وقوله وإن يمسسك الله بضر الآية، مقصد هذه الآية أن الحول ~~والقوة لله، ويبين ذلك للناس بما يحسونه من أنفسهم، و «الضر» لفظ جامع لكل ~~ما يكرهه الإنسان كان ذلك في ماله أو في بدنه، وهذه الآية مظهرة فساد حال ~~الأصنام، لكن كل مميز أدنى ميز يعرف يقينا أنها لا تكشف ضرا ولا تجلب نفعا. ~~وقوله وإن يردك بخير لفظ تام العموم، وخصص النبي صلى الله عليه وسلم الفقه ~~بالذكر في قوله «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» وهو على جهة التشريف ~~للفقه، وقوله تعالى: وهو الغفور الرحيم ترجية ms1756 وبسط ووعد ما. # قوله عز وجل: ### || [سورة يونس (10) : الآيات 108 الى 109] # قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر ~~حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109) # هذه مخاطبة لجميع الكفار مستمرة مدى الدهر، والحق هو القرآن والشرع الذي ~~جاء به محمد، فمن اهتدى، أي اتبع الحق وتدين به فإنما يسعى لنفسه لأنه يوجب ~~لها رحمة الله، ويدفع عذابه، ومن ضل أي حاد عن طريق الحق ولم ينظر بعين ~~الحقيقة وكفر بالله عز وجل فيضل ذلك، وقوله وما أنا عليكم بوكيل، أي لست ~~بآخذكم ولا بد بالإيمان وإنما أنا مبلغ، وهذه الآية منسوخة بالقتال، وقوله ~~واتبع ما يوحى إليك الآية معناه: اتبع ما رسمه لك شرعك وما أعلمك الله به ~~من نصرته لك، واصبر على شقاء الرسالة وما ينالك في الله من الأذى، وقوله ~~حتى يحكم الله وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يغلبهم- كما وقع- تقتضيه ~~قوة اللفظ، وهذا الصبر منسوخ بالقتال، وهذه السورة مكية وقد تقدم ذكر هذا ~~في أولها. PageV03P147 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة هود # هذه سورة مكية إلا قوله تعالى: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به ~~صدرك [هود: # الآية 12] ، وقوله: أولئك يؤمنون به [هود: الآية 17] ، ونزلت في ابن سلام ~~وأصحابه، وقوله: إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114] ، نزلت في شأن الثمار ~~وهذه الثلاثة مدنية قاله مقاتل، على أن الأولى تشبه المكي. # وإذا أردت ب «هود» اسم السورة لم ينصرف كما تفعل إذا سميت امرأة بعمرو ~~وزيد وإذا أردت سورة هود صرفت. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله ~~إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا ~~حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير ms1757 (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) # تقدم استيعاب القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتختص هذه بأن قيل ~~إن الرحمن فرقت حروفه فيها وفي حم [غافر: 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف: ~~1، الدخان: 1، الجاثية: 1، الأحقاف: 1] وفي ن والقلم [القلم: 1] . # وكتاب مرتفع على خبر الابتداء، فمن قال الحروف إشارة إلى حروف المعجم ~~كانت الحروف المبتدأ، ومن تأول الحروف غير ذلك كان المبتدأ «هذا كتاب» ~~والمراد بالكتاب القرآن. # وأحكمت معناه أتقنت وأجيدت شبه تحكم الأمور المتقنة الكاملة، وبهذه الصفة ~~كان القرآن في الأزل ثم فصل بتقطيعه وتنويع أحكامه وأوامره على محمد صلى ~~الله عليه وسلم في أزمنة مختلفة ف ثم على بابها، وهذه طريقة الإحكام ~~والتفصيل إذ الإحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له، والكتاب ~~بأجمعه محكم مفصل والإحكام الذي هو ضد النسخ والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال ~~إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك. وحكى الطبري عن بعض المتأولين: أحكمت ~~بالأمر والنهي وفصلت بالثواب والعقاب وعن بعضهم: أحكمت من الباطل، وفصلت ~~بالحلال والحرام ونحو هذا من التخصيص الذي PageV03P148 # هو صحيح المعنى ولكن لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: فصلت معناه فسرت، وقرأ ~~عكرمة والضحاك والجحدري وابن كثير- فيما روي عنه-: «ثم فصلت» بفتح الفاء ~~والصاد واللام، ويحتمل ذلك معنيين: # أحدهما: «فصلت» أي نزلت إلى الناس كما تقول فصل فلان لسفره ونحو هذا ~~المعنى. والثاني فصلت بين المحق والمبطل من الناس. # ومن لدن معناه من حيث ابتدئت الغاية، كذا قال سيبويه وفيها لغات: يقال: ~~لدن ولدن بسكون الدال: وقرىء بهما. من لدن، ويقال: «لد» بفتح اللام وضم ~~الدال دون نون، ويقال «لدا» ، بدال منونة مقصورة. ويقال: «لد» بدال مكسورة ~~منونة، حكى ذلك أبو عبيدة. # وحكيم أي محكم، وخبير أي ذو خبرة بالأمور أجمع، ألا تعبدوا أن في موضع ~~نصب إما على إضمار فعل وإما على تقدير ب «أن» وإسقاط الخافض، وقيل على ~~البدل من موضع الآيات، وهذا معترض ضعيف لأنه موضع للآيات، وإن نظر موضع ~~الجملة فهو رفع: ويحتمل أن تكون في ms1758 موضع رفع على تقدير: تفصيله ألا تعبدوا ~~وقيل: على البدل من لفظ الآيات. # وقوله تعالى: إنني لكم منه نذير وبشير أي من عقابه وبثوابه: وإذا أطلقت ~~هاتان اللفظتان فالنذارة في المكروه والبشارة في المحبوب وقدم النذير لأن ~~التحذير من النار هو الأهم وأن معطوفة على التي قبلها. # ومعنى الآية: استغفروا ربكم أي اطلبوا مغفرته لكم وذلك بطلب دخولكم في ~~الإسلام ثم توبوا من الكفر أي انسلخوا منه واندموا على سالفه. وثم مرتبة ~~لأن الكافر أول ما ينيب فإنه في طلب مغفرة ربه فإذا تاب وتجرد من الكفر تم ~~إيمانه. # وقرأ الجمهور «يمتعكم» بشد التاء، وقرأ ابن محيصن «يمتعكم» بسكون الميم ~~وتخفيف التاء، وفي كتاب أبي حاتم: «إن هذه القراءات بالنون» ، وفي هذا نظر. ~~ومتاعا مصدر جار على غير الفعل المتقدم مثل قوله والله أنبتكم من الأرض ~~نباتا [نوح: 17] وقيل نصب بتعدي يمتعكم لأنك تقول: متعت زيدا ثوبا. ووصف ~~المتاع «بالحسن» إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه ~~وفرحه بالتقرب إليه بمفترضاته والسرور بمواعيده والكافر ليس في شيء من هذا، ~~وأما من قال بأن «المتاع الحسن» هو فوائد الدنيا وزينتها فيضعف بين الكفرة ~~يتشاركون في ذلك أعظم مشاركة والأجل المسمى» : هو أجل الموت معناه إلى أجل ~~مسمى لكل واحد منكم، وهذا ظاهر الآية: «واليوم الكبير» - على هذا- هو يوم ~~القيامة. # وتحتمل الآية أن يكون التوعد بتعجيل العذاب إن كفروا، والوعد بتمتيعهم إن ~~آمنوا، فتشبه ما قاله نوح عليه السلام، و «اليوم الكبير» - على هذا- يوم ~~بدر ونحوه والمجهلة في أي الأمرين يكون إنما هي بحسب البشر والأمر عند الله ~~تعالى معلوم محصل والأجل واحد. # وقوله تعالى: ويؤت كل ذي فضل فضله أي كل ذي إحسان بقوله، أو بفعله، أو ~~قوته، أو بماله، أو غير ذلك، مما يمكن أن يتقرب به وفضله، يحتمل أن يعود ~~الضمير فيه على الله عز وجل أي يؤتي PageV03P149 # الله فضله كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين، وهذا المعنى ما وعد به تعالى ~~وتضعيف ms1759 الحسنة بعشر أمثالها ومن التضعيف غير المحصور لمن شاء، وهذا التأويل ~~تأوله ابن مسعود وقال: ويل لمن غلبت آحاده عشراته. ويحتمل أن يكون قول ابن ~~مسعود موافقا للمعنى الأول. # وقرأ جمهور «وإن تولوا» بفتح التاء واللام، فبعضهم قال الغيبة، أي فقل ~~لهم: إني أخاف عليكم، وقال بعضهم معناه فإن تتولوا فحذفت التاء والآية كلها ~~على مخاطبة الحاضر، وقرأ اليماني وعيسى بن عمر: # «وإن تولوا» بضم التاء واللام وإسكان الواو. # وقوله تعالى: فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير، توعد بيوم القيامة: ويحتمل ~~أن يريد به يوما من الدنيا كبدر وغيره. # وقوله تعالى: إلى الله مرجعكم توعد، وهو يؤيد أن «اليوم الكبير» يوم ~~القيامة لأنه توعد به، ثم ذكر الطريق إليه من الرجوع إلى الله، والمعنى إلى ~~عقاب الله وجزائه لكم رجوعكم وهو القادر الذي لا يضره شيء ولا يجير عليه ~~مجير ولا تنفع من قضائه واقية. وقوله: على كل شيء عموم والشيء في اللغة ~~الموجود وما يتحقق أنه يوجد كزلزلة الساعة وغيرها التي هي أشياء. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 5 الى 6] # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (6) # قيل إن هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر وردوا إليه ظهورهم وغشوا ~~وجوههم بثيابهم تباعدا منه وكراهة للقائه، وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه وعلى ~~الله عز وجل فنزلت الآية في ذلك. # وصدورهم منصوبة على هذا ب يثنون. وقيل: هي استعارة للغل والحقد الذي ~~كانوا ينطوون عليه كما تقول: فلان يطوي كشحه على عداوته، ويثني صدره عليها. # فمعنى الآية: ألا إنهم يسرون العداوة ويتكتمون بها لتخفى في ظنهم عن ~~الله، وهو تعالى حين تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون. # وقرأ سعيد بن جبير «يثنون» بضم الياء والنون ms1760 من أثنى، وقرأ ابن عباس ~~«ليثنوه» ، وقرأ ابن عباس أيضا ومجاهد وابن يعمر وابن بزي ونصر بن عاصم ~~والجحدري وابن إسحاق وابن رزين وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي ويزيد ~~بن علي وجعفر بن محمد وأبو الأسود والضحاك «تثنوني صدورهم» برفع الصدور وهي ~~تحتمل المعنيين المتقدمين في يثنون، وزنها تفوعل على بناء مبالغة لتكرار ~~الأمر، كما PageV03P150 # تقول اعشوشبت الأرض واحلولت الدنيا ونحو ذلك. وحكى الطبري عن ابن عباس ~~على هذه القراءة أن هذه الآية نزلت في أن قوما كانوا لا يأتون النساء ~~والحدث إلا ويتغشون ثيابهم كراهية أن يفضوا بفروجهم إلى السماء. وقرأ ابن ~~عباس- فيما روى ابن عيينة- «تثنو» بتقديم الثاء على النون وبغير نون بعد ~~الواو، وقال أبو حاتم هذه القراءة غلط لا تتجه، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن ~~يعمر وابن أبي إسحاق «ينثوي» بتقديم النون على الثاء، وقرأ عروة وابن أبي ~~أبزى والأعشى «تثنون» بثاء مثلثة بعدها نون مفتوحة بعدها واو مكسورة، وقرأ ~~أيضا هما ومجاهد فيما روي عنه «تثنان» بهمزة بدل الواو وهاتان مشتقة من ~~الثن وهي العشب المثني بسهولة، فشبه صدورهم به إذ هي مجيبة إلى هذا ~~الانطواء على المكر والخدع: وأصل «تثنون» تثنونن سكنت النون المكسورة ونقلت ~~حركتها إلى الواو التي قبلها وأدغمت في النون التي بعدها، وأما «تثنان» ~~فأصلها تثنان مثل تحمار ثم قالوا: اثنانت كما قالوا احمار وابياض، والضمير ~~في منه عائد على الله تعالى، هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى وعلى بعض ~~التأويلات يمكن أن يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، ويستغشون معناه ~~يجعلونها أغشية وأغطية ومنه قول الخنساء: [البسيط] # أرعى النجوم وما كلفت رعيتها ... وتارة أتغشى فضل أطماري # وقرأ ابن عباس «على حين يستغشون» ومن هذا الاستعمال قول النابغة: ~~[الطويل] # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع # وذات الصدور: ما فيها، والذات تتصرف في الكلام على وجوه هذا أحدها كقول ~~العرب الذيب مغبوط بذي بطنه أي بالذي فيه من النفخ وكقول أبي بكر الصديق ms1761 ~~رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة، والذات التي هي حقيقة الشيء ونفسه ~~قلقة في هذا الموضع ويحتمل أن يفرق بين ذي بطنه وبين الذات وإنما يجمع ~~بينهما المعنى. # وقوله تعالى: وما من دابة ... الآية، تماد في وصف الله تعالى بنحو قوله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون. و «الدابة» ما دب من الحيوان، والمراد جميع ~~الحيوان الذي يحتاج إلى رزق ويدخل في ذلك الطائر والهوام وغير ذلك كلها ~~دواب، وقد قال الأعشى: [الطويل] # نياف كغصن البان ترتج إن مشت ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل # وقال علقمة بن عبيدة لطيرهن دبيب وفي حديث أبي عبيدة: فإذا دابة مثل ~~الظرب يريد من حيوان البحر، وتخصيصه بقول في الأرض إنما هو لأنه الأقرب ~~لحسهم: والطائر والعائم إنما هو في الأرض، وما مات من الحيوان قبل أن يتغذى ~~فقد اغتذى في بطن أمه بوجه ما. # وهذه الآية تعطي أن الرزق كل ما صح الانتفاع به خلافا للمعتزلة في قولهم ~~إنه الحلال المتملك. # وقوله تعالى: على الله إيجاب لأنه تعالى لا يجب عليه شيء عقلا. و ~~«المستقر» : صلب الأب: # و «المستودع» بطن الأم، وقيل «المستقر» : المأوى، و «المستودع» القبر، ~~وهما على هذا الطرفان، وقيل «المستقر» ، ما حصل موجودا من الحيوان، ~~والمستودع ما يوجد بعد. PageV03P151 # قال القاضي أبو محمد: و «المستقر» على هذا- مصدر استقر وليس بمفعول ~~كمستودع لأن استقر لا يتعدى. وقوله: في كتاب إشارة إلى اللوح المحفوظ. وقال ~~بعض الناس: هذا مجاز وهي إشارة إلى علم الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وحمله على الظاهر أولى. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 7 الى 8] # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما ~~يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) # قال أكثر أهل ms1762 التفسير: «الأيام» هي من أيام الدنيا، وقالت فرقة: هي من ~~أيام الآخرة يوم من ألف سنة. قاله كعب الأحبار، والأول أرجح. # وأجزاء ذكر السماوات عن كل ما فيها إذ كل ذلك خلق في الستة الأيام، ~~واختلفت الأحاديث في يوم بداية الخلق، فروى أبو هريرة- فيما أسند الطبري- ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: # خلق الله التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين ~~والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، وبث الدواب يوم الخميس، وخلق ~~آدم بعد العصر من يوم الجمعة، ونحو هذا من أن البداءة يوم السبت في كتاب ~~مسلم، وفي الدلائل لثابت: وكان خلق آدم في يوم الجمعة، لا يعتد به إذ هو ~~بشر كسائر بنيه، ولو اعتد به لكانت الأيام سبعة خلاف ما في كتاب الله، وروي ~~عن كعب الأحبار أنه قال: بدأ الله خلق السماوات والأرض يوم الأحد، وفرغ يوم ~~الجمعة، وخلق آدم في آخر ساعة منه. ونحو هذا في جل الدواوين أن البدأة يوم ~~الأحد، وقال قوم: خلق الله تعالى هذه المخلوقات في ستة أيام مع قدرته على ~~خلقها في لحظة. نهجا إلى طريق التؤدة والمهلة في الأعمال ليحكم البشر ~~أعمالهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان العرش على الماء، وكان الماء على ~~الريح. # وقوله تعالى: ليبلوكم متعلق ب خلق والمعنى أن خلقه إياها كان لهذا وقال ~~بعض الناس: هو متعلق بفعل مضمر تقديره أعلم بذلك ليبلوكم، ومقصد هذا ~~القائل: أن هذه المخلوقات لم تكن لسبب البشر. # وقرأ عيسى الثقفي: «ولئن قلت» بضم التاء، وقرأ الجمهور «قلت» بفتح التاء. # ومعنى الآية: أن الله عز وجل هذه صفاته وهؤلاء بكفرهم في حيز إن قلت لهم: ~~إنهم مبعوثون كذبوا وقالوا: هذا سحر. أي فهذا تناقض منكم إذ كل مفطور يقر ~~بأن الله خالق السماوات والأرض، فهم من PageV03P152 # جملة المقرين بهذا، ومع ذلك ينكرون ما هو أيسر منه بكثير وهو البعث من ~~القبور إذ البداءة أعسر من الإعادة، وإذ خلق السماوات والأرض أكبر من خلق ms1763 ~~الناس. # واللام في لئن مؤذنة بأن اللام في ليقولن لام قسم لا جواب شرط. # وقرأ الأعرج والحسن وأبو جعفر وشيبة وفرقة من السبعة «سحر» وقرأت فرقة ~~«ساحر» وقد تقدم. # وقوله تعالى: ولئن أخرنا عنهم العذاب الآية، المعنى: ولئن تأخر العذاب ~~الذي توعدتم به عن الله قالوا ما هذا الحابس لهذا العذاب؟ على جهة التكذيب. ~~و «الأمة» في هذه الآية: المدة كما قال وادكر بعد أمة [يوسف: 45] . قال ~~الطبري سميت بذلك المدة لأنها تمضي فيها أمة من الناس ونحدث فيها أخرى، فهي ~~على هذه المدة الطويلة. # ثم استفتح بالإخبار عن أن هذا العذاب يوم يأتي لا يرده شيء ولا يصرفه. ~~وحاق معناه: حل وأحاط وهي مستعملة في المكروه ويوم منتصب بقوله: مصروفا. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 9 الى 11] # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) ولئن ~~أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور (10) إلا ~~الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) # أذقنا هاهنا مستعارة، لأن «الرحمة» هاهنا تعم جميع ما ينتفع به من مطعوم ~~وملبوس وجاه وغير ذلك. والإنسان هاهنا اسم الجنس والمعنى أن هذا الخلق في ~~سجية الناس، ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإيمان إلى الصبر والعمل ~~الصالح. # ويؤس وكفور بناءان للمبالغة، وكفور هاهنا من كفر النعمة، والمعنى أنه ~~ييأس ويحرج ويتسخط، ولو نظر إلى نعمة الله الباقية عليه في عقله وحواسه ~~وغير ذلك، ولم يكفرها لم يكن ذلك، فإن اتفق هذا أن يكون في كافر أيضا ~~بالشرع صح ذلك ولكن ليس من لفظ الآية. # وقال بعض الناس في هذه الآية: الإنسان إنما يراد به الكافر وحمله على ذلك ~~لفظة كفور، وهذا عندي مردود، لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس كما ~~تقتضي لفظة الإنسان. # و «النعماء» تشمل الصحة والمال ونحو ذلك و «الضراء» من الضر وهو أيضا ~~شامل. وقد يكثر استعمال الضراء فيما يخص البدن. # ولفظة ذهب السيئات عني تقتضي بطرا وجهلا أن ms1764 ذلك بإنعام من الله، واعتقاد ~~أن ذلك اتفاق أو بسعد من الاعتقادات الفاسدة، وإلا فلو قالها من يعتقد أن ~~ذهابها بإنعام من الله وفضل، لم يقع ذلك. # والسيئات هاهنا كل ما يسوء في الدنيا. PageV03P153 # وقرأت فرقة «لفرح» بكسر الراء، وقرأت فرقة «لفرح» بضمها، وهذا الفرح ~~مطلق، ولذلك ذم، إذ الفرح انهمال النفس: ولا يأتي الفرح في القرآن ممدوحا ~~إلا إذا قيد بأنه في خير. # وقوله تعالى: إلا الذين صبروا الآية، هذا الاستثناء متصل على ما قدمناه ~~من أن الإنسان عام يراد به الجنس: ومن قال إنه مخصوص بالكافر قال هاهنا: إن ~~الاستثناء منقطع، وهو قول ضعيف من جهة المعنى وأما من جهة اللفظ فجيد، ~~وكذلك قاله من النحاة قوم. # واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم ~~الأديان على الصبر على المكاره ومثابرة عبادة الله: وليس شيء من ذلك في ~~سجية البشر وإنما حمل على ذلك حب الله وخوف الدار الآخرة. و «الصبر» و ~~«العمل الصالح» لا ينفع إلا مع هداية وإيمان، ثم وعد تعالى أهل هذه الصفة ~~تحريضا عليها وحضا، بالمغفرة للذنوب والتفضل بالأجر والنعيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 12 الى 13] # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم يقولون افتراه ~~قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين (13) # سبب هذه الآيات أن كفار قريش قالوا: يا محمد لو تركت سب آلهتنا وتسفيه ~~آبائنا لجالسناك واتبعناك. وقالوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، ونحو هذا من ~~الأقوال. فخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على هذه الصورة من ~~المخاطبة، ووقفه بها توقيفا رادا على أقوالهم ومبطلا لها، وليس المعنى أنه ~~صلى الله عليه وسلم هم بشيء من ذلك فزجر عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما ~~أوحي إليه، ولا ضاق صدره، وإنما كان يضيق ms1765 صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن ~~الإيمان. # و «لعلك» هاهنا بمعنى التوقيف والتقرير، وما يوحى إليك هو القرآن ~~والشريعة والدعاء إلى الله تعالى كأن في ذلك سب آلهتهم وتسفيه آبائهم أو ~~غيره ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد عظم عليه ما يلقى من ~~الشدة فمال إلى أن يكون من الله تعالى إذن في مساهلة الكفار بعض المساهلة ~~ونحو هذا من الاعتقادات التي تليق به صلى الله عليه وسلم، كما جاءت آيات ~~الموادعة. وعبر ب ضائق دون ضيق للمناسبة في اللفظ مع تارك، وإن كان ضيق ~~أكثر استعمالا لأنه وصف لازم، وضائق وصف عارض فهو الذي يصلح هنا، والضمير ~~في به عائد على «البعض» ، ويحتمل أن يعود على «ها» وأن في موضع نصب على ~~تقدير كراهة أن و «الكنز» هاهنا: المال: وهذا طلبهم آية تضطر إلى الإيمان: ~~والله تعالى لم يبعث الأنبياء بآيات اضطرار وإنما بعثهم بآيات النظر ~~والاستدلال، ولم يجعل آية الاضطرار إلا للأمم التي قدر تعذيبها لكفرها بعد ~~آية الاضطرار، كالناقة لثمود. PageV03P154 # ثم أنسه تعالى بقوله: إنما أنت نذير، أي هذا القدر هو الذي فوض إليك، ~~والله تعالى بعد ذلك هو الوكيل الممضي لإيمان من شاء وكفر من شاء. # وقوله تعالى: أم يقولون ... الآية، هذه أم التي هي عند سيبويه بمعنى بل ~~وألف الاستفهام، كأنه أضرب عن الكلام الأول، واستفهم في الثاني على معنى ~~التقرير، كقولهم: إنها لإبل أم شاء، و «الافتراء» أخص من الكذب، ولا يستعمل ~~إلا فيما بهت به المرء وكابر، وجاء بأمر عظيم منكر، ووقع التحدي في هذه ~~الآية بعشر لأنه قيدها بالافتراء، فوسع عليهم في القدر لتقوم الحجة غاية ~~القيام، إذ قد عجزهم في غير هذه الآية بسورة من مثله [البقرة: 23، يونس: ~~38] دون تقييد فهذه مماثلة تامة في غيوب القرآن ومعانيه الحجة، ونظمه ووعده ~~ووعيده وعجزوا في هذه الآية بل قيل لهم عارضوا القدر منه بعشر أمثاله في ~~التقدير والغرض واحد واجعلوه مفترى لا يبقى لكم إلا نظمه فهذه غاية التوسعة ~~وليس المعنى ms1766 عارضوا عشر سور بعشر، لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة ~~بسورة مفتراة ولا تبالي عن تقديم نزول هذه على هذه: ويؤيد هذا النظر أن ~~التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم ~~لا يقدرون على المماثلة التامة وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم ~~افتراه فكلفوا نحو ما قالوا: ولا يطرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: ~~هذه مقدمة في النزول على تلك، ولا يصح أن يعجزوا في واحدة فيكلفوا عشرا ~~والتكليفان سواء، ولا يصح أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة وآية سورة ~~يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: افتراه، وكذلك آية البقرة وإنما ~~ريبهم بأن القرآن مفترى. # قال القاضي أبو محمد: وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين: في ~~كمال المماثلة مرة، ووقوفها على النظم مرة. # ومن في قوله: من استطعتم يراد بها الآلهة والأصنام والشياطين وكل ما ~~كانوا يعظمونه، وقوله: إن كنتم صادقين يريد في أن القرآن مفترى. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 14 الى 16] # فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل ~~أنتم مسلمون (14) من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) # لهذه الآية تأويلان: # أحدهما أن تكون المخاطبة من النبي صلى الله عليه وسلم للكفار أي فإن لم ~~يستجب من تدعون إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليها، فأذعنوا حينئذ ~~واعلموا أنه من عند الله ويأتي قوله: فهل أنتم مسلمون متمكنا. PageV03P155 # والثاني: أن تكون مخاطبة من الله تعالى للمؤمنين: أي فإن لم يستجب الكفار ~~إلى ما دعوا إليه من المعارضة فاعلموا أن ذلك من عند الله، وهذا على معنى ~~دوموا على علمكم لأنهم كانوا عالمين بذلك. قال مجاهد: قوله تعالى: فهل أنتم ~~مسلمون هو لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: بعلم الله يحتمل معنيين: ms1767 # أحدهما: بإذنه وعلى علم منه. # والثاني: أنه أنزل بما علمه الله تعالى من الغيوب، فكأنه أراد المعلومات ~~له وقوله: فهل أنتم مسلمون تقرير. # وقوله تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا ... الآية، قالت فرقة: ظاهرها ~~العموم ومعناها الخصوص في الكفرة: هذا قول قتادة والضحاك، وقال مجاهد: هي ~~في الكفرة وفي أهل الرياء من المؤمنين: وإلى هذا ذهب معاوية حين حدثه سيافه ~~شفي بن ماتع الأصبحي عن أبي هريرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الرجل المتصدق والمجاهد المقتول والقائم بالقرآن ليله ونهاره وكل ذلك رياء، ~~«إنهم أول من تسعر به النار يوم القيامة» فلما حدثه شفي بهذا الحديث، بكى ~~معاوية وقال: صدق الله ورسوله: وتلا: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~... الآية، إلى قوله: وباطل ما كانوا يعملون. # فأما من ذهب إلى أنها في الكفرة فمعنى قوله يريد يقصد ويعتمد، أي هي وجهه ~~ومقصده لا مقصد له غيرها. فالمعنى: من كان يريد بأعماله الدنيا فقط إذ لا ~~يعتقد آخرة، فإن الله يجازيه على حسن أعماله- في الدنيا- بالنعم والحواس ~~وغير ذلك: فمنهم مضيق عليه ومنهم موسع له، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم ~~يوم القيامة إلا بالنار ولا تكون لهم حال سواها. # قال القاضي أبو محمد: فاستقام هذا المعنى على لفظ الآية. وهو عندي أرجح ~~التأويلات- بحسب تقدم ذكر الكفار المناقضين في القرآن- فإنما قصد بهذه ~~الآية أولئك. # وأما من ذهب إلى أنها في العصاة من المؤمنين فمعنى يريد عنده يحب ويؤثر ~~ويفضل ويقصد، وإن كان له مقصدا آخر بإيمانه فإن الله يجازيه على تلك ~~الأعمال الحسان التي لم يعملها لله بالنعم في الدنيا، ثم يأتي قوله: ليس ~~لهم بمعنى ليس يجب لهم أو يحق لهم إلا النار، وجائز أن يتغمدهم الله ~~برحمته، وهذا هو ظاهر ألفاظ ابن عباس وسعيد بن جبير. # وقال أنس بن مالك: هي في أهل الكتاب. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا أن أهل الكتاب الكفرة يدخلون في هذه ~~الآية، لا أنها ليست في غيرهم. # وقرأ جمهور الناس: ms1768 «نوف» بنون العظمة وقرأ طلحة وميمون بن مهران «يوف» ~~بياء الغائب. # ويبخسون معناه: يعطون أقل من ثوابهم، وحبط معناه: يبطل وسقط ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «يقتل حبطا أو يلم» ، وهي مستعملة في فساد ~~الأعمال، والضمير في قوله: فيها عائد PageV03P156 # على الدنيا في الأولين وفي الثالثة عائد على الآخرة، ويحتمل أن يعود في ~~الثلاثة على الدنيا ويحتمل أن تعود الثانية على الأعمال. # وقرأ جمهور الناس: «وباطل» بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ أبي وابن ~~مسعود: «وباطلا» بالنصب قال أبو حاتم: ثبتت في أربعة مصاحف، والعامل فيه ~~يعملون وما زائدة، التقدير: وباطلا كانوا يعملون. والباطل كل ما تقتضي ذاته ~~أن لا تنال به غاية في ثواب ونحوه وبالله التوفيق. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : آية 17] # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # اختلف المتأولون في المراد بقوله: أفمن فقالت فرقة: المراد بذلك المؤمنون ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة المراد محمد صلى الله عليه وسلم ~~خاصة. وقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: ~~المراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون جميعا. # وكذلك اختلف في المراد ب «البينة» فقالت فرقة: المراد بذلك القران، أي ~~على جلية بسبب القرآن، وقالت فرقة: المراد محمد صلى الله عليه وسلم والهاء ~~في «البينة» للمبالغة كهاء علامة ونسابة. # وكذلك اختلف في المراد ب «الشاهد» فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد ~~والضحاك وأبو صالح وعكرمة: هو جبريل. # وقال الحسين بن علي: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد أيضا: هو ~~ملك وكله الله بحفظ القرآن. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بهذه الألفاظ جبريل. # وقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة: هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقالت فرقة: هو علي بن أبي طالب رضي الله ms1769 عنه، وروي ذلك عنه، وقالت فرقة: ~~هو الإنجيل، وقالت فرقة: هو القرآن، وقالت فرقة: هو إعجاز القرآن. # قال القاضي أبو محمد: ويتصرف قوله يتلوه على معنيين: بمعنى يقرأ، وبمعنى ~~يتبعه، وتصرفه بسبب الخلاف المذكور في «الشاهد» ولنرتب الآن اطراد كل قول ~~وما يحتمل. # فإذا قلنا إن قوله: أفمن يراد به المؤمنون، فإن جعلت بعد ذلك «البينة» ~~محمد صلى الله عليه وسلم صح أن يترتب «الشاهد» الإنجيل ويكون يتلوه بمعنى ~~يقرأه، لأن الإنجيل يقرأ شأن محمد صلى الله عليه وسلم وأن يترتب جبريل عليه ~~السلام ويكون يتلوه بمعنى يتبعه أي في تبليغ الشرع والمعونة PageV03P157 # فيه، وأن يترتب الملك ويكون الضمير في منه عائدا على البينة التي قدرناها ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وأن يترتب القرآن ويكون يتلوه بمعنى يتبعه، ويعود ~~الضمير في منه على الرب. # وإن جعلنا «البينة» القرآن على أن أفمن هم المؤمنون- صح أن يترتب ~~«الشاهد» محمد صلى الله عليه وسلم، وصح أن يترتب الإنجيل وصح أن يترتب ~~جبريل والملك. ويكون يتلوه بمعنى يقرأه: وصح أن يترتب «الشاهد» الإعجاز، ~~ويكون يتلوه بمعنى يتبعه، ويعود الضمير فى منه على القرآن. # وإذا جعلنا أفمن للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت «البينة» القرآن، وترتب ~~«الشاهد» لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وترتب الإنجيل، وترتب جبريل ~~والملك، وترتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وترتب الإعجاز. ويتأول يتلوه ~~بحسب «الشاهد» كما قلنا ولكن هذا القول يضعفه قوله أولئك فإنا إذا جعلنا ~~قوله: أفمن للنبي صلى الله عليه وسلم وحده لم نجد في الآية مذكورين يشار ~~إليهم بذلك ونحتاج في الآية إلى تجوز وتشبيه بقوله تعالى: يا أيها النبي ~~إذا طلقتم النساء [الطلاق: 1] وهو شبه ليس بالقوي. # والأصح في الآية أن يكون قوله: أفمن للمؤمنين، أو للمؤمنين والنبي معهم ~~بأن لا يترتب «الشاهد» بعد ذلك يراد به النبي إذا قدرناه داخلا في قوله: ~~أفمن. وما تركناه من بسط هذا الترتيب يخرجه التدبر بسرعة فتأمله. # وقرأ جمهور الناس «كتاب» بالرفع وقرأ الكلبي وغيره «كتابا» بالنصب ms1770 فمن ~~رفع قدر «الشاهد» الإنجيل معناه يقرأ القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم- ~~بحسب الخلاف- و «الإنجيل» و «من قبل» كتاب موسى إذ في الكتابين ذكر القرآن ~~وذكر محمد صلى الله عليه وسلم. # ويصح أن يقدر الرافع «الشاهد» القرآن، وتطرد الألفاظ بعد ذلك، ومن نصب ~~«كتابا» قدر «الشاهد» جبريل عليه السلام، أي يتلو القرآن جبريل ومن قبل ~~القرآن كتاب موسى. # قال القاضي أبو محمد: وهنا اعتراض يقال: إذ قال من قبله كتاب موسى أو ~~«كتاب» بالنصب على القراءتين. والضمير في قبله عائد على القرآن- فلم لم ~~يذكر الإنجيل- وهو قبله- بينه وبين كتاب موسى؟ فالانفصال: أنه خص التوراة ~~بالذكر لأن الملتين مجمعتان أنهما من عند الله، والإنجيل ليس كذلك: فكان ~~الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الطائفتين أولى: وهذا يجري مع قول الجن: ~~إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى [الأحقاف: 30] ومع قول النجاشي: إن هذا، ~~والذي جاء به موسى، لخرج من مشكاة واحدة فإنما اختصر الإنجيل من جهة أن ~~مذهبهم فيه مخالف لحال القرآن والتوراة، ونصب إماما على الحال من كتاب ~~موسى، والأحزاب هاهنا يراد به جميع الأمم، وروى سعيد بن جبير عن أبي موسى ~~الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أحد يسمع بي من هذه ~~الأمة، ولا من اليهود والنصارى ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فقلت: أين ~~مصداق هذا من كتاب الله؟ حتى وجدته في هذه الآية، وكنت إذا سمعت حديثا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم طلبت مصداقه في كتاب الله. PageV03P158 # قال القاضي أبو محمد: والراجح عندي من الأقوال في هذه الآية أن يكون أفمن ~~للمؤمنين أو لهم وللنبي معهم، إذ قد تقدم ذكر الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار [هود: 16] ، فعقب ذكرهم بذكر غيرهم، و «البينة» القرآن وما تضمن. و ~~«الشاهد» محمد صلى الله عليه وسلم أو جبريل إذا دخل النبي في قوله: أفمن أو ~~الإنجيل والضمير في يتلوه للبينة، وفي منه للرب تعالى، والضمير في قبله ~~للبينة وغير هذا مما ذكرته ms1771 آنفا محتمل. # وقرأ الجمهور «في مرية» بكسر الميم، وقرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب ~~السدوسي «في مرية» بضم الميم، وهما لغتان في الشك، والضمير في منه عائد على ~~كون الكفرة موعدهم النار، وسائر الآية بين. # وفي هذه الآية معادلة محذوفة يقتضيها ظاهر اللفظ تقديره: أفمن كان على ~~بينة من ربه كمن كفر بالله وكذب أنبياءه، ونحو هذا، في معنى الحذف، قوله عز ~~وجل: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ~~[الرعد: 31] ، لكان هذا القرآن، ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] # فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # التقدير لرددناه ولم نصغ إليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 18 الى 20] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون ~~عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) أولئك لم يكونوا ~~معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما ~~كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) # قوله: ومن استفهام بمعنى التقرير، وكأنه قال: لا أحد أظلم ممن افترى ~~كذبا، والمراد ب من الكفرة الذين يدعون مع الله إلها آخر ويفترون في غير ما ~~شيء، وقوله: أولئك يعرضون على ربهم عبارة عن الإشادة بهم والتشهير لخزيهم ~~وإلا فكل بشر معروض على الله يوم القيامة. # وقوله: يقول الأشهاد قالت فرقة: يريد الشهداء من الأنبياء والملائكة، ~~فيجيء قوله: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم إخبارا عنهم وشهادة عليهم وقالت ~~فرقة: الأشهاد بمعنى الشاهدين، ويريد جميع الخلائق، وفي ذلك إشادة بهم، ~~وروي في نحو هذا حديث: «إنه لا يخزى أحد يوم القيامة إلا ويعلم ذلك جميع من ~~شهد المحشر» فيجيء قوله: هؤلاء- على هذا التأويل- استفهاما عنهم وتثبتا ~~فيهم كما تقول إذا رأيت مجرما قد عوقب: هذا هو الذي فعل كذا وإن كنت قد ~~علمت ذلك، ويحتمل الإخبار عنهم. PageV03P159 # وقوله: ألا استفتاح كلام، و ms1772 «اللعنة» الإبعاد، والذين نعت ل الظالمين ~~ويحتمل الرفع على تقدير هم الذين، ويصدون يحتمل أن يقدر متعديا على معنى: ~~يصدون الناس ويمنعونهم من سبيل الله، ويحتمل أن يقدر غير متعد على معنى ~~يصدون هم، أن يعرضون. وسبيل الله شريعته، ويبغونها معناه يطلبون لها كما ~~تقول بغيتك خيرا أو شرا أي طلبت لك، وعوجا على هذا مفعول: ويحتمل أن يكون ~~المعنى: ويبغون السبيل على عوج، أي فهم لا يهتدون أبدا ف عوجا على هذا مصدر ~~في موضع الحال، والعوج الانحراف والميل المؤدي إلى الفساد، وكرر قوله: # هم على جهة التأكيد، وهي جملة في موضع خبر الابتداء الأول: وليس هذا موضع ~~الفصل لأن الفصل إنما يكون بين معرفتين، أو معرفة وفكرة تقارب المعرفة، ~~لأنها تفصل ما بين أن يكون ما بعدها صفة أو خبرا وتخلصه للخبر. ومعجزين ~~معناه: مفلتين لا يقدر عليهم. وخص ذكر الأرض لأن تصرف ابن آدم وتمتعه إنما ~~هو فيها وهي قصاراه لا يستطيع النفوذ منها. وقوله: وما كان لهم من دون الله ~~من أولياء يحتمل معنيين: # أحدهما: أن نفي أن يكون لهم ولي أو ناصر كائنا من كان. # والثاني: أن يقصد وصف الأصنام والآلهة بأنهم لم يكونوا أولياء حقيقة، وإن ~~كانوا هم يعتقدون أنهم أولياء. # ثم أخبر أنهم يضاعف لهم العذاب يوم القيامة، أي يشدد حتى يكون ضعفي ما ~~كان. ويضاعف فعل مستأنف وليس بصفة. # وقوله: وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون يحتمل خمسة أوجه: # أحدها: أن يصف هؤلاء الكفار بهذه الصفة على معنى أن الله ختم عليهم بذلك، ~~فهم لا يسمعون سماعا ينتفعون به ولا يبصرون كذلك. # والثاني: أن يكون وصفهم بذلك من أجل بغضتهم في النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهم لا يستطيعون أن يحملوا أنفسهم على السمع منه والنظر إليه وينظر إلى هذا ~~حشد الطفيل بن عمرو أذنيه بالكرسف، وإباية قريش وقت الحديبية أن يسمعوا ما ~~نقل إليهم من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ردهم عن ذلك مشيختهم. # والثالث: أن يكون ms1773 وصف بذلك الأصنام والآلهة التي نفى عنها- على التأويل ~~المقدم- أن تكون أولياء. # وما في هذه الوجوه نافية. # والرابع: أن يكون التقدير: يضاعف لهم العذاب بما كانوا: بحذف الجار، ~~وتكون ما مصدرية، وهذا قول فيه تحامل. قاله الفراء، وقرنه بقوله: أجازيك ما ~~صنعت بي. # والخامس: أن تكون ما ظرفية، يضاعف لهم مدة استطاعتهم السمع والبصر، وقد ~~أعلمت PageV03P160 # الشريعة أنهم لا يموتون فيها أبدا فالعذاب- إذن- متماد أبدا. # وقدم السمع في هذه الآية على «البصر» لأن حاسته أشرف من حاسة البصر، إذ ~~عليه تبنى في الأطفال معرفة دلالات الأسماء، وإذ هو كاف في أكثر المعقولات ~~دون البصر إلى غير ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 21 الى 24] # أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) # خسروا أنفسهم # بوجوب العذاب عليهم، ولا خسران أعظم من خسران النفس، وضل # معناه: # تلف ولم يجدوه حيث أملوه. ولا جرم لفظة مركبة من: لا، ومن: جرم بنيتا. # ومعنى لا جرم: حق. هذا مذهب سيبويه والخليل. وقال بعض النحويين: # معناها: لا بد ولا شك ولا محالة وقد روي هذا عن الخليل. وقال الزجاج: لا ~~رد عليهم، ولما تقدم من كل ما قبلها، وجرم معناه: كسب، أي كسب فعلهم أنهم ~~في الآخرة هم الأخسرون # . فموضع «أن» على مذهب سيبويه رفع: وموضعها على مذهب الزجاج- نصب. وقال ~~الكسائي معناها لا صد ولا منع. # قال القاضي أبو محمد: فكأن جرم على هذا من معنى القطع، تقول: جرمت أي ~~قطعت: وهي على منزع الزجاج من الكسب ومنه قول الشاعر: [الطويل] # جريمتنا هض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا # وجريمة القوم كاسبهم. # وأما قول الشاعر جرير: # ولقد طعنت أبا أميمة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # فيحتمل الوجهين: ويختلف معنى البيت. # وفي لا جرم لغات: يقول بعض العرب: لا ذا ms1774 جرم، وبعضهم: لا أن ذا جرم، ~~وبعضهم: لا عن ذا جرم، وبعضهم: لا جر، حذفوا الميم لكثرة استعماله. # وأخبتوا قيل معناه: خشعوا، قاله قتادة، وقيل: أنابوا، قاله ابن عباس، ~~وقيل: اطمأنوا، قاله مجاهد، وقيل: خافوا، قاله ابن عباس أيضا، وهذه الأقوال ~~بعضها قريب من بعض، وأصل اللفظ من الخبت، وهو البراح القفر المستوي من ~~الأرض فكأن المخبت في القفر قد انكشف واستسلم وبقي ذا منعة، فشبه المتذلل ~~الخاشع بذلك، وقيل: إنما اشتق منه لاستوائه وطمأنينته. PageV03P161 # وقوله إلى ربهم قيل: هي بمعنى اللام أي أخبتوا لربهم. وقيل: المعنى جعلوا ~~قصدهم بإخباتهم إلى ربهم، و «الفريقان» الكافرون والمؤمنون: شبه الكافر ~~بالأعمى والأصم، وشبه المؤمن ب البصير والسميع فهو على هذا تمثيل بمثالين. ~~وقال بعض المتأولين: التقدير كالأعمى الأصم والبصير السميع ودخلت واو العطف ~~كما تقول: جاءني زيد العاقل والكريم، وأنت تريده بعينه فهو على هذا تمثيل ~~بمثال واحد. # ومثلا نصب على التمييز. ويجوز أن يكون حالا. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 25 الى 27] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) # هذه آية قصص فيه تمثيل لقريش وكفار العرب وإعلام محمد صلى الله عليه وسلم ~~ببدع من الرسل. # وروي أن نوحا عليه السلام أول رسول إلى الناس. وروي أن إدريس نبي من بني ~~آدم إلا أنه لم يرسل، فرسالة نوح إنما كانت إلى قومه كسائر الأنبياء، وأما ~~الرسالة العامة فلم تكن إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة «إني» بكسر الألف، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو والكسائي «أني» بفتح الألف. فالكسر على إضمار القول، والمعنى: قال ~~لهم: إني لكم نذير مبين، ثم يجيء قوله أن لا تعبدوا محمولا ل أرسلنا، أي ~~أرسلنا نوحا بأن ms1775 لا تعبدوا إلا الله، واعترض أثناء الكلام بقوله: # إني لكم نذير مبين، وفتح الألف على إعمال أرسلنا في «أن» أي بأني لكم ~~نذير. قال أبو علي: # وفي هذه القراءة خروج من الغيبة إلى المخاطبة. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وإنما هي حكاية مخاطبته لقوله، وليس ~~هذا حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة، ولو كان الكلام: أن أنذرهم ونحوه لصح ~~ذلك. # و «النذير» المحفظ من المكاره بأن يعرفها وينبه عليها ومبين من أبان ~~يبين. # وقوله أن لا تعبدوا إلا الله ظاهر في أنهم كانوا يعبدون الأوثان ونحوها، ~~وذلك بين في غير هذه الآية. # وأليم معناه مؤلم، ووصف به اليوم وحقه أن يوصف به العذاب تجوزا إذ العذاب ~~في اليوم، فهو كقولهم: نهار صائم وليل قائم. PageV03P162 # والملأ الجمع والأكثر من القبيلة والمدينة ونحوه، ويسمى الأشراف ملأ إذ ~~هم عمدة الملأ والسادون مسده في الآراء والأمور، وكل جماعة كبيرة ملأ. # ولما قال لهم نوح: إني لكم نذير ... قالوا: ما نراك إلا بشرا مثلنا ... ~~أي والله لا يبعث رسولا من البشر، فأحالوا الجائز على الله تعالى. # و «الأراذل» جمع أرذل، وقيل جمع أرذل وأرذال جمع رذل وكان اللازم على هذا ~~أن يقال: أراذيل وإذا ثبتت الياء في جمع صيرف فأحرى ألا تزال في موضع ~~استحقاقها. وهم سفلة الناس ومن لا أخلاق له، ولا يبالى ما يقول ولا ما يقال ~~له. # وقرأ الجمهور «بادي الرأي» بياء دون همز، من بدا يبدو، ويحتمل أن يكون من ~~بدأ مسهلا، وقرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي «بادىء الرأي» بالهمز من بدأ يبدأ. # قال القاضي أبو محمد: وبين القراءتين اختلاف في المعنى يعطيه التدبر، ~~فتركت التطويل ببسطه، والعرب تقول: أما بادىء بدء فإني أحمد الله، وأما ~~بادي بدي بغير همز فيهما، وقال الراجز: [الرجز] # أضحى لخالي شبهي بادي بدي ... وصار للفحل لساني ويدي # وقال الآخر: وقد علتني ذرأة بادي بدي. # وقرأ الجمهور بهمز «الرأي» وقرأ أبو عمرو بترك همزه. بادي نصب على الظرف ~~وصح أن يكون اسم الفاعل ms1776 ظرفا كما يصح في قريب ونحوه، وفعيل وفاعل متعاقبان ~~أبدا على معنى واحد، وفي المصدر كقولك: جهد نفسي أحب كذا وكذا. # وتعلق قوله: بادي الرأي يحتمل ستة أوجه: # أحدها: أن يتعلق ب نراك بأول نظر وأقل فكرة، وذلك هو بادي الرأي، أي إلا ~~ومتبعوك أراذلنا. # والثاني: أن يتعلق بقوله: اتبعك أي، وما نراك اتبعك بادي الرأي إلا ~~الأراذل ثم يحتمل على هذا قوله: بادي الرأي معنيين: # أحدهما: أن يريد اتبعك في ظاهر أمرهم وعسى أن بواطنهم ليست معك. # والثاني: أن يريد اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادي دون تعقب ولو تثبتوك لم ~~يتبعوك. وفي هذا الوجه ذم الرأي الغير المروي. # والوجه الثالث: من تعلق قوله بادي الرأي أن يتعلق بقوله: أراذلنا أي ~~الذين هم أراذلنا بأول نظر فيهم، ويبادي الرأي يعلم ذلك منهم، ويحتمل أن ~~يكون قولهم: بادي الرأي وصفا منهم لنوح، أي تدعي عظيما وأنت مكشوف الرأي لا ~~حصافة لك، ونصبه على الحال وعلى الصفة، ويحتمل أن يكون PageV03P163 # اعتراضا في الكلام مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجيء جميع هذا ستة ~~معان، ويجوز التعلق في هذا الوجه «بقال» . # ومعنى وما نرى لكم علينا من فضل أي ما ثم شيء تستحقون به الاتباع ~~والطاعة. ثم قال: # بل نظنكم كاذبين فيحتمل أنهم خاطبوا نوحا ومن آمن معه من قومه، أي أنتم ~~كاذبون في تصديقكم هذا الكاذب، وقولكم إنه نبي مرسل. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 28 الى 30] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت ~~عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن ~~أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم ~~قوما تجهلون (29) ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) # هذه الآية كأنه قال: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى ~~وأنتم كارهون له معرضون عنه، واستفهامه في هذه الآية أولا وثانيا على جهة ~~التقرير. وعبارة نوح عليه السلام ms1777 كانت بلغته دالة على المعنى القائم بنفسه، ~~وهذا هو المفهوم من هذه العبارة العربية، فبهذا استقام أن يقال كذا وكذا، ~~إذ القول ما أفاد المعنى القائم بنفسه. # وقوله على بينة أي على أمر بين جلي، والهاء في بينة للمبالغة كعلامة ~~ونسابة، و «إيتاؤه الرحمة» هو هدايته للبينة، والمشار إليه بهذا كله ~~النبوءة والشرع، وقوله من عنده تأكيد، كما قال: # يطير بجناحيه [الأنعام: 38] ، وفائدته رفع الاشتراك ولو بالاستعارة. # وقرأ جمهور الناس «فعميت» ولذلك وجهان من المعنى: # أحد هما: خفيت، ولذلك يقال للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه، كما يقال له: ~~الغمام لأنه يغمه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «كان الله قبل أن يخلق ~~الأشياء في عماء» . # والمعنى الثاني: أن تكون الإرادة: فعميتم أنتم عنها، لكنه قلب، كما تقول ~~العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # ترى النور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع # قال أبو علي: وهذا مما يقلب إذ ليس فيه إشكال وفي القرآن: فلا تحسبن الله ~~مخلف وعده رسله [إبراهيم: 47] وقرأ حفص وحمزة والكسائي «فعميت» بضم العين ~~وشد الميم على بناء الفعل للمفعول وهذا إنما يكون من الإخفاء ويحتمل القلب ~~المذكور. PageV03P164 # وقرأ الأعمش وغيره «فعماها عليهم» . قال أبو حاتم: روى الأعمش عن ابن ~~وثاب «وعميت» بالواو خفيفة. # وقوله: أنلزمكموها يريد إلزام جبر كالقتال ونحوه، وأما إلزام الإيجاب فهو ~~حاصل، وقال النحاس: معناه أن وجبها عليكم، وقوله في ذلك خطأ. # وفي قراءة أبي بن كعب: «أنلزمكموها من شطر أنفسنا» ، ومعناه من تلقاء ~~أنفسنا. وروي عن ابن عباس أنه قرأ ذلك «من شطر قلوبنا» . # وقوله يا قوم لا أسئلكم عليه مالا ... الآية الضمير في عليه عائد على ~~التبليغ. # وقوله: وما أنا بطارد الذين آمنوا يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء ~~الذين بادروا إلى الإيمان به نظير ما اقترحت قريش على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بطرد تباعه بمكة الذين لم يكونوا من قريش. # وقوله: إنهم ملاقوا ربهم تنبيه على العودة إلى الله ولقاء جزائه ms1778 المعنى، ~~فيوصلهم إلى حقهم عندي إن ظلمتهم بالطرد. ثم وصفهم بالجهل في مثل هذا ~~الاقتراح ونحوه. # وقوله يا قوم من ينصرني من الله ... الآية هو استفهام بمعنى تقرير ~~وتوقيف، أي لا ناصر يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد عن الخير الذي ~~قبلوه، ثم وقفهم بقوله: أفلا تذكرون وعرض عليهم النظر المؤدي إلى صحة هذا ~~الاحتجاج. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 31 الى 32] # ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين (31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين (32) # قوله: ولا أقول عطف على قوله: لا أسئلكم عليه مالا [هود: 29] ، ومعنى هذه ~~الآية: أني لا أموه عليكم ولا أتعاطى غير ما أهلني الله له، فلست أقول عندي ~~خزائن الله، يريد القدرة التي يوجد بها الشيء بعد حال عدمه، وقد يمكن أن ~~يكون من الموجودات كالرياح والماء، ونحوه ما هو كثير بإبداع الله تعالى له، ~~فإن سمي ذلك- على جهة التجوز- مختزنا فيشبه. ألا ترى ما روي في أحمر ريح ~~عاد أنه فتح عليهم من الريح قدر حلقة الخاتم، ولو كان على قدر منخر الثور ~~لأهلك الأرض. وروي أن الريح عتت على الملائكة الموكلين بتقديرها فلذلك ~~وصفها الله تعالى بالعتو، وقال ابن عباس وغيره: عتت على الخزان. فهذا ونحوه ~~يقتضي أن ثم خزائن. ثم قال: ولا أعلم الغيب، ثم انحط على هاتين فقال ولا ~~أقول إني ملك، ظاهر هذه الآية فضل الملك على البشر وعلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهي مسألة اختلاف. وظواهر القرآن على ما قلناه. # قال القاضي أبو محمد: وإن أخذنا قوله ولا أقول إني ملك على حد أن لو قال: ~~ولا أقول إني PageV03P165 # كوكب أو نحوه- زالت طريقة التفضيل، ولكن الظاهر هو ما ذكرنا. # وتزدري أصله تزتري (تفتعل) من زرى يزري ومعنى تزدري: تحتقر. و «الخير» ~~هنا يظهر فيه ms1779 أنه خير الآخرة، اللهم إلا أن يكون ازدراؤهم من جهة الفقر، ~~فيكون الخير المال وقد قال بعض المفسرين: حيثما ذكر الله الخير في القرآن ~~فهو المال. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام تحامل، والذي يشبه أن يقال: إنه ~~حيثما ذكر الخير فإن المال يدخل فيه. # وقوله الله أعلم بما في أنفسهم تسليم لله تعالى، أي لست أحكم عليهم بشيء ~~من هذا وإنما يحكم عليهم بذلك ويخرج حكمه إلى حيز الوجود، الله تعالى الذي ~~يعلم ما في نفوسهم ويجازيهم بذلك، وقال بعض المتأولين: هي رد على قولهم: ~~اتبعك أراذلنا على ما يظهر منهم. # قال القاضي أبو محمد: حسبما تقدم في بعض تأويلات تلك الآية آنفا، فالمعنى ~~لست أنا أحكم عليهم بأن لا يكون لهم خير بظنكم بهم أن بواطنهم ليست ~~كظواهرهم، الله عز وجل أعلم بما في نفوسهم، ثم قال: إني إذا لو فعلت ذلك ~~لمن الظالمين الذين يضعون الشيء في غير موضعه. # وقوله: يا نوح ... ، الآية معناه: قد طال منك هذا الجدال، وهو المراجعة ~~في الحجة والمخاصمة والمقابلة بالأقوال حتى تقع الغلبة، وهو مأخوذ من الجدل ~~وهو شدة الفتل ومنه: حبل مجدول، أي ممر، ومنه قيل للصقر أجدل لشدة بنيته ~~وفتل أعضائه و «الجدال» فعال، مصدر فاعل، وهو يقع من اثنين، ومصدر فاعل ~~يجيء على فعال وفيعال ومفاعلة، فتركت الياء من فيعال ورفضت. ومن الجدال ما ~~هو محمود، وذلك إذا كان مع كافر حربي في منعته ويطمع في الجدال أن يهتدي، ~~ومن ذلك هذه الآية، ومنه قوله تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] ~~إلى غير ذلك من الأمثلة. ومن الجدال ما هو مكروه، وهو ما يقع بين المسلمين ~~بعضهم في بعض في طلب علل الشرائع وتصور ما يخبر الشرع به من قدرة الله، وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكرهه العلماء، والله المستعان. # وقرأ ابن عباس «قد جادلتنا فأكثرت جدلنا» بغير ألف، وبفتح الجيم، ذكره ~~أبو حاتم. # والمراد بقولهم ما تعدنا العذاب والهلاك، والمفعول الثاني ل ms1780 تعدنا مضمر ~~تقديره بما تعدناه. # ولما كان الكلام يقتضي العذاب جاز أن يستعمل فيه الوعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 33 الى 35] # قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم نصحي ~~إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) ~~أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) # المعنى: ليس ذلك بيدي ولا إلى توفيته، وإنما ذلك بيد الله وهو الآتي به ~~إن شاء وإذا شاء، ولستم من PageV03P166 # المنعة بحال من يفلت أو يعتصم بمنج، وإنما في قبضة القدرة وتحت ذلة ~~المتملك، وليس نصحي بنافع ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى ~~قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك. والشرط الثاني اعتراض بين الكلام، ~~وفيه بلاغة في اقتران الإرادتين. وأن إرادة البشر غير مغنية، وتعلق هذا ~~الشرط هو ب نصحي، وتعلق الآخر هو ب «لا ينفع» . والنصح هو سد ثلم الرأي ~~للمنصوح وترقيعه، وهو مأخوذ من نصح الثوب إذا خاطه، والمنصح الإبرة، ~~والمخيط يقال له منصح ونصاح: وقالت فرقة معنى قوله يغويكم: يضلكم، من قولهم ~~غوى الرجل يغوى، ومنه قول الشاعر [المرقش] : [الطويل] # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # وإذا كان هذا معنى اللفظة، ففي الآية حجة على المعتزلة القائلين إن ~~الضلال إنما هو من العبد. # وقالت فرقة معنى قوله: يغويكم: يهلككم، والغوى المرض والهلاك وفي لغة ~~طيىء: أصبح فلان غاويا، أي مريضا، والغوى بشم الفصيل، قال يعقوب في ~~الإصلاح. وقيل: فقده اللبن حتى يموت جوعا، قاله الفراء وحكاه الطبري. يقال ~~غوى يغوى، وحكى الزهراوي أنه الذي قطع عنه اللبن حتى كاد يهلك ولما يهلك ~~بعد، فإذا كان هذا معنى اللفظة زال موضع النظر بين أهل السنة والمعتزلة، ~~وبقي الاحتجاج عليهم بما هو أبين من هذه الآية كقوله تعالى: فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام [الأنعام: 125] ونحوها. # قال القاضي أبو محمد: ولكني أعتقد أن ms1781 للمعتزلة تعلقا وحجة بالغة بهذا ~~التأويل، فرد عليه وأفرط حتى أنكر أن يكون الغوى بمعنى الهلاك موجودا في ~~لسان العرب. # وقوله: هو ربكم، تنبيه على المعرفة بالخالق. وقوله: وإليه ترجعون إخبار ~~في ضمنه وعيد وتخويف، وقوله تعالى: أم يقولون افتراه ... الآية، قال الطبري ~~وغيره من المتأولين والمؤلفين في التفسير: إن هذه الآية اعترضت في قصة نوح ~~وهي شأن محمد صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، وذلك أنهم قالوا: افتري ~~القرآن وافتري هذه القصة على نوح، فنزلت الآية في ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لو صح بسند وجب الوقوف عنده، وإلا فهو يحتمل ~~أن يكون في شأن نوح عليه السلام، ويبقى اتساق الآية مطردا، ويكون الضمير في ~~قوله افتراه عائدا إلى العذاب الذي توعدهم به أو على جميع أخباره، وأوقع ~~الافتراء على العذاب من حيث يقع على الإخبار به. والمعنى: أم يقول هؤلاء ~~الكفرة افترى نوح هذا التوعد بالعذاب وأراد الإرهاب علينا بذلك ثم يطرد ~~باقي الآية على هذا. # وأم هي التي بمعنى بل يقولون، و «الإجرام» مصدر أجرم يجرم إذا جنى، يقال: ~~جرم وأجرم بمعنى، ومن ذلك قول الشاعر: # طريد عشيرة ووهين ذنب ... بما جرمت يدي وجنى لساني # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 36 الى 37] # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (37) PageV03P167 # قرأ أبو البرهسم: «وأوحى» بفتح الهمزة على إسناد الفعل إلى الله عز وجل، ~~«إنه» بكسر الهمزة، وقيل لنوح هذا بعد أن طال عليه كفر القرن بعد القرن به، ~~وكان يأتيه الرجل بابنه فيقول: يا بني لا تصدق هذا الشيخ فهكذا عهده أبي ~~وجدي كذابا مجنونا رواه عبيد بن عمير وغيره، وهذه الآية هي التي أيأست نوحا ~~عليه السلام من قومه، فروي أنه لما أوحي إليه ذلك دعا فقال: رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] . # وتبتئس من البؤس تفتعل، ومعناه: لا ms1782 تحزن نفسك ومنه قول الشاعر- وهو لبيد ~~بن ربيعة-: # [مجزوء الكامل] # في مأتم كنعاج حا ... رة تبتئس بما لقينا # حارة: موضع. # قال القاضي أبو محمد: وفي أمر نوح عليه السلام تدافع في ظاهر الآيات ~~والأحاديث ينبغي أن نخلص القول فيه، وذلك أن ظاهر أمره أنه عليه السلام دعا ~~على الكافرين عامة من جميع الأمم ولم يخص قومه دون غيرهم، وتظاهرت الروايات ~~وكتب التفاسير بأن الغرق نال جميع أهل الأرض وعم الماء جميعها، قاله ابن ~~عباس وغيره، ويوجب ذلك أمر نوح بحمل الأزواج من الحيوان، ولولا خوف إفناء ~~أجناسها من جميع الأرض، ما كان ذلك، فلا يتفق لنا أن نقول إنه لم يكن في ~~الأرض غير قوم نوح في ذلك الوقت، لأنه يجب أن يكون نوح بعث إلى جميع الناس، ~~وقد صح أن هذه الفضيلة خاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله: # «أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي» . فلا بد أن نقرر كثيرا من الأمم كان في ~~ذلك الوقت، وإذا كان ذلك، فكيف استحقوا العقوبة في جمعهم ونوح لم يبعث إلى ~~كلهم؟ وكنا نقدر هنا أن الله تعالى بعث إليهم رسلا قبل نوح فكفروا بهم ~~واستمر كفرهم، لولا أنا نجد الحديث ينطق بأن نوحا هو أول الرسل إلى أهل ~~الأرض ولا يمكن أيضا أن نقول: عذبوا دون رسالة ونحن نجد القرآن: وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] . # والتأويل المخلص من هذا كله هو أن نقول: إن نوحا عليه السلام أول رسول ~~بعث إلى كفار من أهل الأرض ليصلح الخلق ويبالغ في التبليغ ويحتمل المشقة من ~~الناس- بحسب ما ثبت في الحديث- ثم نقول: إنه بعث إلى قومه خاصة بالتبليغ ~~والدعاء والتنبيه، وبقي أمم في الأرض لم يكلف القول لهم، فتصح الخاصة لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ثم نقول: إن الأمم التي لم يبعث ليخاطبها إذا كانت بحال ~~كفر وعبادة أوثان، وكانت الأدلة على الله تعالى منصوبة معرضة للنظر، وكانوا ~~متمكنين من النظر من جهة إدراكهم، وكان الشرع- ببعث نوح- موجودا مستقرا. # فقد وجب عليهم النظر، ms1783 وصاروا بتركه بحال من يجب تعذيبه: فإن هذا رسول ~~مبعوث وإن كان لم يبعث إليهم معينين ألا ترى أن لفظ الآية إنما هو وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] ، أي PageV03P168 # حتى نوجده، لأن بعثة الأنبياء إلى قوم مخصوصين إنما هو في معنى القتال ~~والشدة، وأما من جهة بذل النصيحة وقبول من آمن فالناس أجمع في ذلك سواء ~~ونوح قد لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو إلى الله، فغير ممكن أن لم تبلغ ~~نبوءته للقريب والبعيد، ويجيء تعذيب الكل بالغرق بعد بعثة رسول وهو نوح صلى ~~الله عليه وسلم. # ولا يعارضنا مع هذه التأويلات شيء من الحديث ولا الآيات، والله الموفق ~~للصواب. # وقوله تعالى: واصنع الفلك عطف على قوله: فلا تبتئس والفلك: السفينة، ~~وجمعها أيضا فلك، وليس هو لفظا للواحد والجمع وإنما هو فعل وجمع على فعل ~~ومن حيث جاز أن يجمع فعل على فعل كأسد وأسد، جاز أن يجمع فعل على فعل، ~~فظاهر لفظ الجمع فيها كظاهر لفظ واحد وليس به، تدل على ذلك درجة التثنية ~~التي بينهما لأنك تقول: فلك وفلكان وفلك، فالحركة في الجمع نظير ضمة الصاد ~~إذا ناديت «يا منصور» ، تريد «يا منصور» ، فرخمت على لغة من يقول: يا حار ~~بالضم، فإن ضمة الصاد هي في اللفظ كضمة الأصل، وليست بها في الحكم. # وقوله: بأعيننا يمكن- فيما يتأول- أن يريد به بمرأى منا وتحت إدراك، ~~فتكون عبارة عن الإدراك والرعاية والحفظ، ويكون جمع الأعين للعظمة لا ~~للتكثير كما قال تعالى: فنعم القادرون [المرسلات: 23] فرجع معنى الأعين في ~~هذه وفي غيرها إلى معنى عين في قوله: لتصنع على عيني [طه: 39] ، وذلك كله ~~عبارة عن الإدراك وإحاطته بالمدركات، وهو تعالى منزه عن الحواس والتشبيه ~~والتكييف لا رب غيره. ويحتمل قوله بأعيننا أي بملائكتنا الذين جعلناهم ~~عيونا على مواضع حفظك ومعونتك، فيكون الجمع على هذا للتكثير. # وقرأ طلحة بن مصرف «بأعينا» مدغما. # وقوله ووحينا معناه: وتعليمنا لك صورة العمل بالوحي، وروي في ذلك أن نوحا ~~عليه السلام لما جهل كيفية ms1784 صنع السفينة أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال ~~جؤجؤ الطير، إلى غير ذلك مما عمله نوح من عملها، فقد روي أيضا أنها كانت ~~مربعة الشكل طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن الغرض منها إنما كان الحفظ ~~لا سرعة الجري، والحديث الذي تضمن أنها كجؤجؤ الطائر أصح ومعناه أظهر: ~~لأنها لو كانت مربعة لم تكن فلكا بل كانت وعاء فقط، وقد وصفها الله تعالى ~~بالجري في البحر، وفي الحديث: # كان راز سفينة نوح عليه السلام جبريل عليه السلام والراز: القيم بعمل ~~السفن. ومن فسر قوله ووحينا أي بأمرنا لك، فذلك ضعيف لأن قوله: واصنع الفلك ~~مغن عن ذلك. والذين ظلموا هم قومه الذين أعرضوا عن الهداية حتى عمتهم ~~النقمة، قال ابن جريج: وهذه الآية تقدم الله فيها إلى نوح أن لا يشفع فيهم. # قوله عز وجل: PageV03P169 ### || [سورة هود (11) : الآيات 38 الى 40] # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب ~~مقيم (39) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) # التقدير: فشرع يصنع فحكيت حال الاستقبال، إذ في خلالها وقع مرورهم، قال ~~ابن عباس: صنع نوح الفلك ببقاع دمشق وأخذ عودها من لبنان وعودها من الشمشار ~~وهو البقص. وروي أن عودها من الساج وأن نوحا عليه السلام اغترسه حتى كبر في ~~أربعين سنة وروي أن طول السفينة ألف ذراع ومائتان، وعرضها ستمائة ذراع، ~~ذكره الحسن بن أبي الحسن وقيل: طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا، ~~وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، ذكره قتادة، وروي غير هذا مما لم يثبت، ~~فاختصرت ذكره، وذكر الطبري حديث إحياء عيسى ابن مريم لسام بن نوح وسؤاله ~~إياه عن أمر السفينة فذكر أنها ثلاث طبقات: طبقة للناس، وطبقة للبهائم، ~~وطبقة للطير، إلى غير ذلك في حديث طويل. # و «الملأ» ms1785 هنا الجماعة، وسخروا معناه استجهلوه، وهذا الاستجهال إن كان ~~الأمر كما ذكر أنهم لم يكونوا قبل رأوا سفينة ولا كانت- فوجه الاستجهال ~~واضح. وبذلك تظاهرت التفاسير وإن كانت السفائن حينئذ معروفة فاستجهلوه في ~~أن صنعها في موضع لا قرب لها من البحر وروي أنهم كانوا يقولون له صرت نجارا ~~بعد النبوة؟!!. # وقوله فإنا نسخر منكم قال الطبري: يريد في الآخرة. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام، بل هو الأرجح، أن يريد: إنا نسخر ~~منكم الآن، أي نستجهلكم لعلمنا بما أنتم عليه من الغرر مع الله تعالى ~~والكون بمدرج عذابه، ثم جاء قوله: فسوف تعلمون تهديدا، والسخر: الاستجهال ~~مع استهزاء، ومصدره: سخرى بضم السين، والمصدر من السخرة والتسخير سخرى ~~بكسرها. # و «العذاب المخزي» هو الغرق، و «المقيم» هو عذاب الآخرة، وحكى الزهراوي ~~أنه يقرأ «ويحل» بضم الحاء، ويقرأ «ويحل» بكسرها، بمعنى ويجب. ومن في موضع ~~نصب ب تعلمون. وجاز أن يكون تعلمون بمثابة تعرفون في التعدي إلى مفعول ~~واحد، وجائز أن تكون التعدية إلى مفعولين واقتصر على الواحد. # وقوله تعالى: حتى إذا جاء أمرنا الآية، الأمر هاهنا يحتمل أن بكون واحد ~~الأمور، ويحتمل أن يكون مصدر أمر، فمعناه أمرنا للماء بالفوران، أو للسحاب ~~بالإرسال، أو للملائكة بالتصرف في ذلك، ونحو هذا مما يقدر في النازلة وفار ~~معناه انبعث بقوة واختلف الناس في التنور، فقالت فرقة- وهي الأكثر- منهم ~~ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هو تنور الخبز الذي يوقد فيه، وقالت فرقة: كانت ~~هذه أمارة جعلها الله لنوح، أي إذا فار التنور فاركب في السفينة ويشبه أن ~~يكون وجه الأمارة أن مستوقد النار إذا فار بالماء فغيره أشد فورانا، وأحرى ~~بذلك. وروي أنه كان تنور آدم عليه السلام خلص إلى نوح فكان يوقد PageV03P170 # فيه، وقال النقاش: اسم المستوقد التنور بكل لغة وذكر نحو ذلك ابن قتيبة ~~في الأدب عن ابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وقيل: إن موضع تنور نوح عليه السلام كان ~~بالهند، وقيل: كان في موضع مسجد الكوفة، وقيل كان في ناحية ms1786 الكوفة، قاله ~~الشعبي ومجاهد، وقيل كان في الجهة الغربية من قبلة المسجد بالكوفة، وقال ~~ابن عباس وعكرمة: التنور وجه الأرض، ويقال له: تنور الأرض، وقال قتادة: ~~التنور: أعالي الأرض، وقالت فرقة: التنور: عين بناحية الجزيرة، وقال الحسن ~~بن أبي الحسن: التنور مجتمع ماء السفينة فار منه الماء وهي بعد في اليبس، ~~وقالت فرقة: التنور هو الفجر، المعنى: إذا طلع الفجر فاركب في السفينة، ~~وهذا قول روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إلا أن التصريف يضعفه، وكان ~~يلزم أن يكون التنور، وقالت فرقة: الكلام مجاز وإنما أراد غلبة الماء وظهور ~~العذاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لشدة الحرب: «حمي الوطيس» والوطيس ~~أيضا مستوقد النار، فلا فرق بين حمي وفار إذ يستعملان في النار، قال الله ~~تعالى: سمعوا لها شهيقا وهي تفور [الملك: 7] ، فلا فرق بين الوطيس والتنور. # وقرأ حفص عن عاصم «من كل زوجين اثنين» بتنوين كل وقرأ الباقون «من كل ~~زوجين» بإضافة كل إلى زوجين. فمن قرأ بالتنوين حذف المضاف إليه التقدير: من ~~كل حيوان أو نحوه، وأعمل «الحمل» في زوجين، وجاء قوله: اثنين تأكيدا- كما ~~قال: إلهين اثنين [النحل: 51] . ومن قرأ بالإضافة فأعمل «الحمل» في قوله ~~اثنين، وجاء قوله زوجين بمعنى العموم، أي من كل ما له ازدواج، هذا معنى ~~قوله: من كل زوجين قاله أبو علي وغيره، ولو قدرنا المعنى: احمل من كل زوجين ~~حاصلين اثنين لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج يقال في مشهور كلام ~~العرب للواحد مما له ازدواج، فيقال: هذا زوج هذا، وهما زوجان: وهذا هو ~~المهيع في القرآن في قوله تعالى: ثمانية أزواج [الأنعام: 143، الزمر: 6] ثم ~~فسرها، وكذلك هو في قوله تعالى: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى [النجم: ~~45] . قال أبو الحسن الأخفش في كتاب الحجة: وقد يقال في كلام العرب للاثنين ~~زوج، ومن ذلك قول لبيد: [الكامل] # من كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها # وهكذا يأخذ العدديون: الزوج أيضا في كلام العرب النوع كقوله: وأنبتنا ~~فيها ms1787 من كل زوج بهيج [ق: 7] وقوله: سبحان الذي خلق الأزواج كلها [يس: 36] ~~إلى غير ذلك. # وروي في قصص هذه الآية أن نوحا عليه السلام كان يأتيه الحيوان، فيضع ~~يمينه على الذكر ويساره على الأنثى. وروي أن أول ما ادخل في السفينة الذر، ~~وآخر ما أدخل الحمار، فتمسك الشيطان بذنبه، فزجره نوح عليه السلام فلم ~~ينبعث فقال له: ادخل ولو كان معك الشيطان، قال ابن عباس: زلت هذه الكلمة من ~~لسانه فدخل الشيطان حينئذ، وكان في كوثل السفينة، أي عند مؤخرها، وقيل كان ~~على ظهرها. # وروي أن نوحا عليه السلام آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أن ~~امسح على ذنب الفيل، ففعل، فخرج من الفيل- وقيل من أنفه- خنزير وخنزيرة، ~~فكفيا نوحا وأهله ذلك الأذى وهذا يجيء منه أن نوع PageV03P171 # الخنازير لم يكن قبل ذلك. وروي أن الفأر آذى الناس في السفينة بقرض ~~حبالها وغير ذلك، فأمر الله نوحا أن يمسح على جبهة الأسد ففعل، فعطس فخرج ~~منه هر وهرة، فكفياهم الفأر، وروي أيضا أن الفأر خرج من أنف الخنزير. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قصص لا يصح إلا لو استند والله أعلم كيف ~~كان. # وقوله: وأهلك عطف على ما عمل فيه احمل و «الأهل» هنا القرابة، وبشرط من ~~آمن منهم، خصصوا تشريفا ثم ذكر من آمن وليس من الأهل واختلف في الذي سبق ~~عليه القول فقيل: هو ابنه يام، وقال النقاش: اسمه كنعان وقيل هي امرأته ~~والعة هكذا اسمها بالعين غير منقوطة وقيل: هو عموم في من لم يؤمن من أهل ~~نوح وعشيرته. والقول هاهنا معناه: القول بأنه يعذب، وقوله: ومن آمن عطف على ~~قوله: وأهلك ثم قال إخبارا عن حالهم وما آمن معه إلا قليل واختلف في ذلك ~~«القليل» فقيل: كانوا ثمانين رجلا وثمانين امرأة وقيل كان جميعهم ثلاثة ~~وثمانين: وقيل كانوا ثمانين في الكل، قاله السدي: وقيل: عشرة وقيل: ثمانية، ~~قاله قتادة وقيل: سبعة والله أعلم. وقيل: كان في السفينة جرهم، وقيل لم ينج ~~من الغرق أحد إلا ms1788 عوج بن أعنق، وكان في السفينة مع نوح عليه السلام ثلاثة ~~من بنيه: سام، وحام، ويافث، وغرق يام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 41 الى 42] # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي ~~تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا ~~تكن مع الكافرين (42) # المعنى وقال نوح- حين أمر بالحمل في السفينة- لمن آمن معه: اركبوا فيها ~~فأنث الضمير، إذ هي سفينة لأن الفلك المذكور مذكر. # وفي مصحف أبي «على اسم الله» . وقوله: بسم الله يصح أن يكون في موضع ~~الحال من الضمير الذي في قوله: اركبوا كما تقول: خرج زيد بثيابه وبسلاحه، ~~أي اركبوا متبركين بالله تعالى، ويكون قوله: مجراها ومرساها ظرفين، أي وقت ~~إجرائها وإرسائها. كما تقول العرب: الحمد لله سرارك وإهلالك وخفوق النجم ~~ومقدم الحاج، فهذه ظرفية زمان، والعامل في هذا الظرف ما في بسم الله من ~~معنى الفعل، ويصح أن يكون قوله: بسم الله في موضع خبر ومجراها ومرساها ~~ابتداء مصدران كأنه قال: اركبوا فيها فإن ببركة الله إجراءها وإرساءها، ~~وتكون هذه الجملة- على هذا- في موضع حال من الضمير في قوله فيها، ولا يصح ~~أن يكون حالا من الضمير في قوله: اركبوا لأنه لا عائد في الجملة يعود عليه: ~~وعلى هذا التأويل قال الضحاك: إن نوحا كان إذا أراد جري السفينة قال: بسم ~~الله، فتجري وإذا أراد وقوفها قال: بسم الله فتقف. PageV03P172 # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم- في رواية أبي بكر وابن عامر: ~~«مجراها ومرساها» بضم الميمين على معنى إجرائها وإرسائهما، وهي قراءة مجاهد ~~وأبي رجاء والحسن والأعرج وشيبة وجمهور الناس، ومن ذلك قول لبيد: [الكامل] # وعمرت حرسا قبل مجرا داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود # وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: «مجراها» بفتح الميم وكسر الراء، وكلهم ~~ضم الميم من «مرساها» وقرأ الأعمش وابن مسعود ms1789 «مجراها ومرساها» بفتح ~~الميمين، وذلك من الجري والرسو وهذه ظرفية مكان، ومن ذلك قول عنترة: ~~[الكامل] # فصبرت نفسا عند ذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع # واختار الطبري قراءة «مجراها» بفتح الميم الأولى وضم الثانية، ورجحها ~~بقوله تعالى: وهي تجري، ولم يقرأ أحد، «تجري» وهي قراءة ابن مسعود أيضا ~~رواها عنه أبو وائل ومسروق. وقرأ ابن وثاب وأبو رجاء العطاري والنخعي ~~والجحدري والكلبي والضحاك بن مزاحم ومسلم بن جندب وأهل الشام: # «مجريها ومرسيها» وهما على هذه القراءة صفتان لله تعالى عائدتان على ذكره ~~في قوله بسم الله. # وقوله إن ربي لغفور رحيم تنبيه لهم على قدر نعم الله عليهم ورحمته لهم ~~وستره عليهم وغفرانه ذنوبهم بتوبتهم وإنابتهم. # وقوله تعالى: وهي تجري بهم الآية، روي أن السماء أمطرت بأجمعها حتى لم ~~يكن في الهواء جانب لا مطرفيه، وتفجرت الأرض كلها بالنبع، فهكذا كان التقاء ~~الماء، وروي أن الماء علا على الجبال وأعلى الأرض أربعين ذراعا وقيل خمسة ~~عشرة ذراعا وأشار الزجاج وغيره إلى أن الماء انطبق: ماء الأرض وماء السماء ~~فصار الكل كالبحر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا؟ وكيف ~~استقامت حياة من في السفينة على هذا؟. # وقرأت فرقة: «ابنه» على إضافة الابن إلى نوح، وهذا قول من يقول: هو ابنه ~~لصلبه، وقد قال قوم: # إنه ابن قريب له ودعاه بالنبوة حنانا منه وتلطفا، وقرأ ابن عباس «ابنه» ~~بسكون الهاء، وهذا على لغة لأزد السراة ومنه قول الشاعر: [الطويل] ومطواي ~~مشتاقان له أرقان وقرأ السدي «ابناه» قال أبو الفتح: ذلك على النداء وذهبت ~~فرقة إلى أن ذلك على جهة الندبة محكية، وقرأ عروة بن الزبير أيضا وأبو جعفر ~~وجعفر بن محمد «ابنه» على تقدير ابنها، فحذف الألف تخفيفا وهي لغة ومنها ~~قول الشاعر: [البسيط] # أما تقود به شاة فتأكلها ... أو أن تبيعه في نقض الأزاكيب PageV03P173 # وأنشد ابن الأعرابي على هذا: # فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لواني # يريد: بلهفا. # قال القاضي أبو ms1790 محمد: وخطأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف وليس كما ~~قال. # وقرأ وكيع بن الجراح: «ونادى نوح ابنه» بضم التنوين، قال أبو حاتم: وهي ~~لغة سوء لا تعرف. # وقوله: في معزل أي في ناحية، فيمكن أن يريد في معزل في الدين، ويمكن أن ~~يريد في معزل في بعده عن السفينة، واللفظ يعمهما: وقال مكي في المشكل: ومن ~~قال: «معزل» - بكسر الزاي- أراد الموضع، ومن قال: «معزل» - بفتحها- أراد ~~المصدر: فلم يصرح بأنها قراءة ولكن يقتضي ذلك لفظه. # وقرأ السبعة «يا بني» بكسر الياء المشددة، وهي ثلاث ياءات: أولاها ياء ~~التصغير، وحقها السكون والثانية لام الفعل، وحقها أن تكسر بحسب ياء الإضافة ~~إذ ما قبل ياء الإضافة مكسور: والثالثة: ياء الإضافة فحذفت ياء الإضافة إما ~~لسكونها وسكون الراء، وإما إذ هي بمثابة التنوين في الإعلام وهو يحذف في ~~النداء فكذلك ياء الإضافة والحذف فيها كثير في كلام العرب، تقول: يا غلام، ~~ويا عبيد، وتبقى الكسرة دالة، ثم أدغمت الياء الساكنة في الياء المكسورة، ~~وقد روى أبو بكر وحفص عن عاصم أيضا «يا بني» بفتح الياء المشددة، وذكر أبو ~~حاتم: أن المفضل رواها عن عاصم، ولذلك وجهان: أحدهما: أن يبدل من ياء ~~الإضافة ألفا وهي لغة مشهورة تقول: يا غلاما، ويا عينا، فانفتحت الياء قبل ~~الألف ثم حذفت الألف استخفافا ولسكونها وسكون الراء من قوله اركب. # والوجه الثاني: أن الياءات لما اجتمعت استثقل اجتماع المماثلة فخفف ذلك ~~الاستثقال بالفتح إذ هو أخف الحركات، هذا مذهب سيبويه، وعلى هذا حمل قوله ~~صلى الله عليه وسلم: «وحواري الزبير» . # وروي عن ابن كثير أنه قرأ في سورة لقمان: يا بني لا تشرك بالله [لقمان: ~~13] بحذف ياء الإضافة ويسكن الياء خفيفة، وقرأ الثانية: يا بني إنها ~~[لقمان: 16] كقراءة الجماعة وقرأ الثالثة: يا بني أقم ... [لقمان: 17] ~~ساكنة كالأولى. # وقوله: ولا تكن مع الكافرين يحتمل أن يكون نهيا محضا مع علمه أنه كافر، ~~ويحتمل أن يكون خفي عليه كفره فناداه ألا يبقى- وهو مؤمن- مع الكفرة فيهلك ~~بهلاكهم، والأول أبين. # قوله ms1791 عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 43 الى 44] # قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين (44) # ظن ابن نوح أن ذلك المطر والماء على العادة، وقوله: لا عاصم قيل فيه: إنه ~~على لفظة فاعل PageV03P174 # وقوله: إلا من رحم يريد إلا الله الراحم، ف من كناية عن اسم الله تعالى، ~~المعنى: لا عاصم اليوم إلا الذي رحمنا ف من في موضع رفع، وقيل: قوله: إلا ~~من رحم استثناء منقطع كأنه قال: لا عاصم اليوم موجود، لكن من رحم الله ~~موجود، وحسن هذا من جهة المعنى، أن نفي العاصم يقتضي نفي المعصوم. فهو حاصل ~~بالمعنى. وأما من جهة اللفظ، ف من في موضع نصب على حد قول النابغة: # إلا الأواري. ولا يجوز أن تكون في موضع رفع على حد قول الشاعر: [الرجز] . # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # إذ هذان أنيس ذلك الموضع القفر، والمعصوم هنا ليس بعاصم بوجه، وقيل عاصم ~~معناه ذو اعتصام، ف عاصم على هذا في معنى معصوم، ويجيء الاستثناء مستقيما، ~~ومن في موضع رفع، واليوم ظرف، وهو متعلق بقوله: من أمر الله، أو بالخير ~~الذي تقديره: كائن اليوم، ولا يصح تعلقه ب عاصم لأنه كان يجيء منونا: لا ~~عاصما اليوم يرجع إلى أصل النصب لئلا يرجع ثلاثة أشياء واحدا، وإنما ~~القانون أن يكون الشيئان واحدا: لا وما عملت فيه، ومثال النحويين في هذه ~~المسألة: لا أمرا يوم الجمعة لك، فإن أعلمت في يوم لك قلت: لا أمر. # وبينهما يريد بين نوح وابنه، فكان الابن ممن غرق، وقوله تعالى: وقيل يا ~~أرض ابلعي ماءك الآية، بناء الفعل للمفعول أبلغ في التعظيم والجبروت، وكذلك ~~بناء الأفعال بعد ذلك في سائر الآية وروي أن أعرابيا سمع هذه الآية فقال: ~~هذا كلام القادرين، و «البلع» هو ms1792 تجرع الشيء وازدراده، فشبه قبض الأرض ~~للماء وتسربه فيها بذلك، وأمرت بالتشبيه وأضاف الماء إليها إذ عليها وحاصل ~~فيها، و «السماء» في هذه الآية، إما السماء المظلة، وإما السحب، و ~~«الإقلاع» عن الشيء تركه، والمعنى: أقلعي عن الإمطار، وغيض معناه نقص، ~~وأكثر ما يجيء فيما هو بمعنى جفوف كقوله: وغيض الماء، وكقوله: وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد [الرعد: 8] وأكثر المفسرين على أن ذلك في الحيض، وكذلك ~~قول الأسود بن يعفر: # ما غيض من بصري ومن أجلادي وذلك أن الإنسان الهرم إنما تنقصه بجفوف ~~وقضافة وقوله وقضي الأمر إشارة إلى جميع القصة: # بعث الماء وإهلاك الأمم وإنجاء أهل السفينة. وروي أن نوحا عليه السلام ~~ركب في السفينة من عين وردة بالشام أول يوم من رجب، وقيل: في العاشر منه، ~~وقيل: في الخامس عشر، وقيل: في السابع عشر، واستوت السفينة في ذي الحجة، ~~وأقامت على الجودي شهرا، وقيل له: اهبط في يوم عاشوراء فصامه وصامه من معه ~~من ناس ووحوش: وذكر الطبري عن ابن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو ~~السنة، وذكر أيضا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن نوحا ركب في ~~السفينة أول يوم من رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم ~~عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه» . # وروي أن نوحا لما طال مقامه على الماء بعث الغراب ليأتيه بخبر كمال الغرق ~~فوجد جيفة طافية فبقي عليها فلم يرجع بخبر، فدعا عليه نوح فسود لونه وخوف ~~من الناس، فهو لذلك مستوحش، ثم بعث نوح الحمام فجاءته بورق زيتونة في فمها ~~ولم تجد ترابا تضع رجليها عليه، فبقي أربعين يوما ثم بعثها فوجدت الماء قد PageV03P175 # انحسر عن موضع الكعبة، وهي أول بقعة انحسر الماء عنها، فمست الطين ~~برجليها وجاءته، فعلم أن الماء قد أخذ في النضوب، ودعا لها فطوقت وأنست. ~~فهي لذلك تألف الناس ثم أوحى الله إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد ~~منها فتطاولت كلها وبقي الجودي- وهو جبل بالموصل في ناحية ms1793 الجزيرة- لم ~~يتطاول تواضعا لله، فاستوت السفينة بأمر الله عليه، وبقيت عليه أعوادها، ~~وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد بقي منها شيء أدركه ~~أوائل هذه الأمة» . وقال الزجاج: الجودي هو بناحية آمد. # وقال قوم: هو عند باقردى. وروي أن السفينة لما استقلت من عين وردة جرت ~~حتى جاءت الكعبة فوجدتها قد نشزت من الأرض فلم ينلها غرق فطافت بها أسبوعا ~~ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي. # قال القاضي أبو محمد: والقصص في هذه المعاني كثير صعب أن يستوفي، فأشرت ~~منه إلى نبذ ويدخله الاختلاف كما ترى في أمر الكعبة والله أعلم كيف كان. ~~واستوت معناه: تمكنت واستقرت. # وقرأ جمهور الناس: «على الجودي» بكسر الياء وشدها، وقرأ الأعمش وابن أبي ~~عبلة «على الجودي» بسكون الياء، وهما لغتان. وقوله وقيل: بعدا يحتمل أن ~~يكون من قول الله تعالى عطفا على وقيل الأول ويحتمل أن يكون من قول نوح ~~والمؤمنين، والأول أظهر وأبلغ. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 45 الى 46] # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ~~(45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به ~~علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) # هذه جملة معطوفة على التي قبلها دون ترتيب، وذلك أن هذه القصة كانت في ~~أول ما ركب نوح في السفينة ويظهر من كلام الطبري أن ذلك كان بعد غرق الابن، ~~وهو محتمل، والأول أليق. # وهذه الآية احتجاج من نوح عليه السلام، وذلك أن الله أمره بحمل أهله ~~وابنه من أهله فينبغي أن يحمل، فأظهر الله له أن المراد من آمن من الأهل، ~~ثم حسن المخاطبة بقوله: وإن وعدك الحق، وبقوله: وأنت أحكم الحاكمين، فإن ~~هذه الأقوال معينة في حجته، وهذه الآية تقتضي أن نوحا عليه السلام ظن أن ~~ابنه مؤمن، وذلك أشد الاحتمالين. # وقوله تعالى: قال يا نوح الآية، المعنى قال الله تعالى: يا نوح، وقالت ~~فرقة: المراد ms1794 أنه ليس بولد لك، وزعمت أنه كان لغية وأن امرأته الكافرة ~~خانته فيه، هذا قول الحسن وابن سيرين وعبيد بن عمير: وقال بزي إنما قضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش من أجل ابن نوح، وحلف الحسن ~~أنه ليس بابنه، وحلف عكرمة والضحاك أنه ابنه. # قال القاضي أبو محمد: عول الحسن على قوله تعالى: إنه ليس من أهلك، وعول ~~الضحاك وعكرمة على قوله تعالى: ونادى نوح ابنه [هود: 42] . PageV03P176 # وقرأ الحسن ومن تأول تأويله: إنه عمل غير صالح على هذا المعنى، وهي قراءة ~~السبعة سوى الكسائي: وقراءة جمهور الناس، وقال من خالف الحسن بن أبي الحسن: ~~المعنى: ليس من أهلك الذين عمهم الوعد لأنه ليس على دينك وإن كان ابنك ~~بالولاء. فمن قرأ من هذه الفرقة إنه عمل غير صالح جعله وصفا له بالمصدر على ~~جهة المبالغة، فوصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها: # [البسيط] # ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # أي ذات إقبال وإدبار. وقرأ بعض هذه الفرقة «إنه عمل غير صالح» وهي قراءة ~~الكسائي، وروت هذه القراءة أم سلمة وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ذكره أبو حاتم، وضعف الطبري هذه القراءة وطعن في الحديث بأنه من طريق ~~شهر بن حوشب، وهي قراءة علي وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك، ورجحها أبو ~~حاتم وقرأ بعضها: «إنه عمل عملا غير صالح» . وقالت فرقة: الضمير في قوله: ~~«إنه عمل غير صالح» على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام ~~وقد فسره آخر الآية ويقوي هذا التأويل أن في مصحف ابن مسعود «إنه عمل غير ~~صالح أن تسألني ما ليس لك به علم» . وقالت فرقة: # الضمير عائد على ركوب ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أن ~~ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح، وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون ~~التقدير أن كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل لا يتجه ms1795 من جهة المعنى، وكل هذه الفرق ~~قال: إن القول بأن الولد كان لغية وولد فراش خطأ محض وقالوا: إنه روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أنه ما زنت امرأة نبي قط» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث ليس بالمعروف، وإنما هو من كلام ابن ~~عباس رضي الله عنه ويعضده شرف النبوة. وقالوا في قوله عز وجل: فخانتاهما إن ~~الواحدة كانت تقول للناس: هو مجنون والأخرى كانت تنبه على الأضياف، وأما ~~غير هذا فلا، وهذه منازع ابن عباس وحججه وهو قوله وقول الجمهور من الناس. # وقرأ ابن أبي مليكة: «فلا تسلني» بتخفيف النون وإثبات الياء وسكون اللام ~~دون همز. وقرأت فرقة بتخفيف النون وإسقاط الياء وبالهمز «فلا تسألن» ، وقرأ ~~أبو جعفر وشيبة بكسر النون وشدها والهمز وإثبات الياء «فلا تسألني» ، وقرأ ~~نافع ذلك دون ياء «فلا تسألن» وقرأ ابن كثير وابن عامر «فلا تسألن» بفتح ~~النون المشددة، وهي قراءة ابن عباس، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ~~«فلا تسلن» خفيفة النون ساكنة اللام، وكان أبو عمرو يثبت الياء في الوصل، ~~وحذفها عاصم وحمزة في الوصل والوقف. ومعنى قوله: # فلا تسئلن ما ليس لك به علم أي إذ وعدتك فاعلم يقينا أنه لا خلف في الوعد ~~فإذ رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أن ذلك هو بحق واجب ~~واجب عند الله. # قال القاضي أبو محمد: ولكن نوحا عليه السلام حملته شفقة النبوة وسجية ~~البشر على التعرض PageV03P177 # لنفحات الرحمة والتذكير، وعلى هذا القدر وقع عتابه، ولذلك جاء بتلطف ~~وترفيع في قوله: إني أعظك أن تكون من الجاهلين، وقد قال الله لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم: فلا تكونن [البقرة: 147، الأنعام: 34- 114، يونس: 94] ، ~~وذلك هنا بحسب الأمر الذي عوتب فيه وعظمته، فإنه لضيق صدره بتكاليف النبوة، ~~وإلا فمتقرر أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل البشر وأولاهم بلين المخاطبة ~~ولكن هذا بحسب الأمرين لا بحسب النبيين. وقال قوم: إنما وقر نوح لسنه. وقال ~~قوم: إنما حمل اللفظ على محمد صلى الله ms1796 عليه وسلم كما يحمل الإنسان على ~~المختص به الحبيب إليه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، ويحتمل قوله: فلا تسئلن ما ليس لك ~~به علم، أي لا تطلب مني أمرا لا تعلم المصلحة فيه علم يقين، ونحا إلى هذا ~~أبو علي الفارسي، وقال: إن به يجوز أن يتعلق بلفظة علم كما قال الشاعر: ~~[الرجز] كان جزائي بالعصا أن أجلدا ويجوز أن يكون به بمنزلة فيه، فتتعلق ~~الباء بالمستقر. # قال القاضي أبو محمد: واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي، والمعنى في ~~الآية واحد، وروي أن هذا الابن إنما كان ربيبه وهذا ضعيف وحكى الطبري عن ~~ابن زيد أن معنى قوله: إني أعظك أن تكون من الجاهلين في أن تعتقد أني لا ~~أفي لك بوعد وعدتك به. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بشع، وليس في الألفاظ ما يقتضي أن نوحا ~~اعتقد هذا وعياذا بالله، وغاية ما وقع لنوح عليه السلام أن رأى ترك ابنه ~~معارضا للوعد فذكر به، ودعا بحسب الشفقة ليكشف له الوجه الذي استوجب به ~~ابنه الترك في الغرقى. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 47 الى 49] # قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ~~ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) # هذه الآية فيها إنابة نوح وتسليمه لأمر الله تعالى واستغفاره بالسؤال ~~الذي وقع النهي عليه والاستعاذة والاستغفار منه هو سؤال العزم الذي معه ~~محاجة وطلبة ملحة فيما قد حجب وجه الحكمة فيه وأما السؤال في الأمور على ~~جهة التعلم والاسترشاد فغير داخل في هذا. # وظاهر قوله: فلا تسئلن ما ليس لك به علم [هود: 46] يعم النحويين من ~~السؤال، فلذلك نبهت على أن المراد أحدهما دون الآخر، و «الخاسرون» هم ~~المغبونون حظوظهم من الخير، ms1797 وقوله تعالى: قيل PageV03P178 # يا نوح اهبط بسلام # كان هذا عند نزوله من السفينة مع أصحابه للانتشار في الأرض، و «السلام» ~~هنا السلامة والأمن ونحوه، و «البركات» الخير والنمو في كل الجهات، وهذه ~~العدة تعم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة، قاله محمد بن كعب القرظي وقوله ~~ممن معك أي من ذرية من معك ومن نسلهم، فمن- على هذا- هي لابتداء الغاية، أي ~~من هؤلاء تكون هذه الأمم، ومن موصولة، وصلتها معك وما بتقدر معها نحو قولك: ~~ممن استقر معك ونحوه ثم قطع قوله: وأمم على وجه الابتداء إذ كان أمرهم ~~مقطوعا من الأمر الأول، وهؤلاء هم الكفار إلى يوم القيامة. # وقوله تعالى: تلك من أنباء الغيب الآية إشارة إلى القصة، أي هذه من ~~الغيوب التي تقادم عهدها ولم يبق علمها إلا عند الله تعالى، ولم يكن علمها ~~أو علم أشباهها عندك ولا عند قومك، ونحن نوحيها إليك لتكون لك هداية وأسوة ~~فيما لقيه غيرك من الأنبياء، وتكون لقومك مثالا وتحذيرا، لئلا يصيبهم إذا ~~كذبوك مثل ما أصاب هؤلاء وغيرهم من الأمور المعذبة. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا المعنى ظهرت فصاحة قوله: فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين، أي فاجتهد في التبليغ وجد في الرسالة واصبر على الشدائد واعلم أن ~~العاقبة لك كما كانت لنوح في هذه القصة. وفي مصحف ابن مسعود: «من قبل هذا ~~القرآن» . # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 50 الى 52] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون (50) يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني ~~أفلا تعقلون (51) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم ~~مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) # وإلى عاد عطف على قوله إلى قومه [هود: 25] في قصة نوح، وعاد قبيلة وكانت ~~عربا- فيما ذكر- و «هود» عليه السلام منهم، وجعله أخاهم بحسب النسب ~~والقرابة فإن فرضناه ليس منهم فالأخوة بحسب المنشأ واللسان والجيرة. وأما ~~قول من قال هي أخوة ms1798 بحسب النسب الآدمي فضعيف. # وقرأ جمهور الناس: «يا قوم» بكسر الميم، وقرأ ابن محيصن: «يا قوم» برفع ~~الميم، وهي لغة حكاها سيبويه، وقرأ جمهور الناس: «غيره» بالرفع على النعت ~~أو البدل من موضع قوله: من إله. وقرأ الكسائي وحده بكسر الراء، حملا على ~~لفظ: إله وذلك أيضا على النعت أو البدل ويجوز «غيره» نصبا على الاستثناء. # ومفترون معناه كاذبون أفحش كذب في جعلكم الألوهية لغير الله تعالى، ~~والضمير في قوله: # عليه عائد على الدعاء إلى الله تعالى، والمعنى: ما أجري وجزائي إلا من ~~عند الله، ثم وصفه بقوله الذي فطرني فجعلها صفة رادة عليهم في عبادتهم ~~الأصنام واعتقادهم أنها تفعل، فجعل الوصف PageV03P179 # بذلك في درج كلامه، منبها على أفعال الله تعالى، وأنه هو الذي يستحق ~~العبادة، و «فطر» معناه اخترع وأنشأ، وقوله: أفلا تعقلون توقيف على مجال ~~القول بأن غير الفاطر إلاه، ويحتمل أن يريد: أفلا تعقلون إذ لم أطلب عرضا ~~من أعراض الدنيا إني إنما أريد النفع لكم والدار الآخرة والأول أظهر، و ~~«الاستغفار» طلب المغفرة، وقد يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإنابة القلب ~~وطلب الاسترشاد والحرص على وجود المحجة الواضحة، وهذه أحوال يمكن أن تقع من ~~الكفار، فكأنه قال لهم: اطلبوا غفران الله بالإنابة، وطلب الدليل في نبوتي، ~~ثم توبوا بالإيمان من كفركم، فيجيء الترتيب على هذا مستقيما وإلا احتيج في ~~ترتيب التوبة بعد الاستغفار إلى تحيل كثير فإما أن يكون: توبوا أمرا ~~بالدوام، و «الاستغفار» طلب المغفرة بالإيمان، وإلى هذا ذهب الطبري، وقال ~~أبو المعالي في الإرشاد: «التوبة» في اصطلاح المتكلمين هي الندم، بعد أن ~~قال: إنها في اللغة الرجوع، ثم ركب على هذا أن قال إن الكافر إذا آمن ليس ~~إيمانه توبة وإنما توبته ندمه بعد. # قال القاضي أبو محمد: والذي أقول: إن التوبة عقد في ترك متوب منه يتقدمها ~~علم بفساد المتوب منه وصلاح ما يرجع إليه، ويقترن بها ندم على فارط المتوب ~~منه لا ينفك منه وهو من شروطها فأقول إن إيمان الكافر هو ms1799 توبته من كفره، ~~لأنه هو نفس رجوعه، و «تاب» في كلام العرب معناه رجع إلى الطاعة والمثلى من ~~الأمور، وتصرف اللفظة في القرآن ب «إلى» يقتضي أنها الرجوع لا الندم، وإنما ~~لا حق لازم للتوبة كما قلنا، وحقيقة التوبة ترك مثل ما تيب منه عن عزمة ~~معتقدة على ما فسرناه، والله المستعان. # ومدرارا هو بناء تكثير وكان حقه أن تلحقه هاء، ولكن حذفت على نية النسب ~~وعلى أن السماء المطر نفسه، وهو من در يدر ومفعال قد يكون من اسم الفاعل ~~الذي هو من ثلاثي، ومن اسم الفاعل الذي هو من رباعي: وقول من قال: إنه ألزم ~~للرباعي غير لازم. # ويروي أن عادا كان الله تعالى قد حبس عنها المطر ثلاث سنين، وكانوا أهل ~~حرث وبساتين وثمار، وكانت بلادهم شرق جزيرة العرب، فلهذا وعدهم بالمطر، ومن ~~ذلك فرحهم حين رأوا العارض، وقولهم: # هذا عارض ممطرنا [الأحقاف: 24] وحضهم على استنزال المطر بالإيمان ~~والإنابة، وتلك عادة الله في عباده، ومنه قول نوح عليه السلام «استغفروا ~~ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا» ، ومنه فعل عمر رضي الله حين ~~جعل جميع قوله في الاستسقاء ودعائه استغفارا فسقي، فسئل عن ذلك، فقال: # لقد استنزلت المطر بمجاديح السماء. # وقوله: ويزدكم قوة إلى قوتكم، ظاهره العموم في جميع ما يحسن الله تعالى ~~فيه إلى العباد، وقالت فرقة: كان الله تعالى قد حبس نسلهم، فمعنى قوله: ~~ويزدكم قوة إلى قوتكم أي الولد، ويحتمل أن خص القوة بالذكر إذ كانوا أقوى ~~العوالم فوعدوا بالزيادة فيما بهروا فيه، ثم نهاهم عن التولي عن الحق ~~والإعراض عن أمر الله. ومجرمين حال من الضمير في تتولوا. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 53 الى 56] # قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله ~~واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) ~~إني توكلت على الله ربي وربكم ms1800 ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم (56) PageV03P180 # المعنى: ما جئتنا بآية تضطرنا إلى الإيمان بك ونفوا أن تكون معجزاته آية ~~بحسب ظنهم وعماهم عن الحق، كما جعلت قريش القرآن سحرا وشعرا ونحو هذا، وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» الحديث، وهذا ~~يقضي بأن هودا وغيره من الرسل لهم معجزات وإن لم يعين لنا بعضها. # وقوله: عن قولك أي لا يكون قولك سبب تركنا إذ هو مجرد عن آية، وقولهم: إن ~~نقول الآية، معناه ما نقول إلا أن بعض الآلهة لما سببتها وضللت عبدتها ~~أصابك بجنون، يقال: عر يعر واعترى يعتري إذا ألم بالشيء، فحينئذ جاهرهم هود ~~عليه السلام بالتبري من أوثانهم وحضهم على كيده هم وأصنامهم، ويذكر أن هذه ~~كانت له معجزة وذلك أنه حرض جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم وكفرهم فلم ~~يقدروا على نيله بسوء. # وتنظرون معناه تؤخروني أي عاجلوني بما قدرتم عليه، وقوله تعالى: إني ~~توكلت على الله الآية، المعنى: أن توكلي على الله الذي هو ربي وربكم مع ~~ضعفي وانفرادي وقوتكم وكثرتكم يمنعني منكم ويحجز بيني وبينكم ثم وصف قدرة ~~الله تعالى وعظم ملكه بقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وعبر عن ذلك ب ~~«الناصية» ، إذ هي في العرف حيث يقبض القادر المالك ممن يقدر عليه، كما ~~يقاد الأسير والفرس ونحوه حتى صار الأخذ بالناصية عرفا في القدرة على ~~الحيوان، وكانت العرب تجز ناصية الأسير الممنون عليه لتكون تلك علامة أنه ~~قدر عليه وقبض على ناصيته. و «الدابة» : جميع الحيوان، وخص بالذكر إذ هو ~~صنف المخاطبين والمتكلم. # وقوله: إن ربي على صراط مستقيم يريد أن أفعال الله عز وجل هي في غاية ~~الإحكام، وقوله الصدق، ووعده الحق فجاءت الاستقامة في كل ما ينضاف إليه عز ~~وجل. فعبر عن ذلك بقوله: إن ربي على صراط مستقيم على تقدير مضاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 57 ms1801 الى 60] # فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) PageV03P181 # قرأ الجمهور: «تولوا» بفتح اللام والتاء على معنى تتولوا، وقرأ عيسى ~~الثقفي والأعرج: «تولوا» بضم التاء واللام، و «إن» شرط، والجواب في الفاء ~~وما بعدها من قوله فقد أبلغتكم، والمعنى أنه ما علي كبير هم منكم إن توليتم ~~فقد برئت ساحتي بالتبليغ، وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان. # ويحتمل أن يكون تولوا فعلا ماضيا، ويجيء في الكلام رجوع من غيبة إلى ~~خطاب، أي فقل: قد أبلغكم. # وقرأ جمهور «ويستخلف» بضم الفاء على معنى الخبر بذلك، وقرأ عاصم- فيما ~~روى هبيرة عن حفص عنه- «ويستخلف» بالجزم عطفا على موضع الفاء من قوله فقد. # وقوله: ولا تضرونه شيئا يحتمل من المعنى وجهين: # أحدهما ولا تضرونه بذهابكم وهلاككم شيئا أي لا ينتقص ملكه، ولا يختل ~~أمره، وعلى هذا المعنى قرأ عبد الله بن مسعود: «ولا تنقصونه شيئا» . # والمعنى الآخر: ولا تضرونه أي ولا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا ~~على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بكم بشيء يضره. ثم أخبرهم أن ربه حفيظ ~~على كل شيء عالم به، وفي ترديد هذه الصفات ونحوها تنبيه وتذكير، و «الأمر» ~~واحد الأمور، ويحتمل أن يكون مصدر أمر يأمر، أي أمرنا للريح أو لخزنتها ~~ونحو ذلك، وقوله برحمة، إما أن يكون إخبارا مجردا عن رحمة من الله لحقتهم، ~~وإما أن يكون قصدا إلى الإعلام أن النجاة إنما كملت بمجرد رحمة الله لا ~~بأعماله فتكون الآية- على هذا- في معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا يدخل أحد الجنة بعمله» . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني ms1802 الله بفضل منه ورحمته» . # وقوله ونجيناهم من عذاب غليظ يحتمل أن يريد: عذاب الآخرة، ويحتمل أن ~~يريد: وكانت النجاة المتقدمة من عذاب غليظ يريد الريح، فيكون المقصود على ~~هذا، تعديد النعمة ومشهور عذابهم بالريح هو أنها كانت تحملهم وتهدم مساكنهم ~~وتنسفها وتحمل الظعينة كما هي ونحو هذا. وحكى الزجاج أنها كانت تدخل في ~~أبدانهم وتخرج من أدبارهم وتقطعهم عضوا عضوا. وتعدى جحدوا بحرف جر لما نزل ~~منزلة كفروا، وانعكس ذلك في الآية بعد هذا، وقوله: وعصوا رسله، شنعة عليهم ~~وذلك أن في تكذيب رسول واحد تكذيب سائر الرسل وعصيانهم، إذ النبوات كلها ~~مجمعة على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته: ويحتمل أن يراد هود. وآدم، ~~ونوح و «العنيد» : فعيل من «عند» إذا عتا. ومنه قول الشاعر: # [الرجز] . # إني كبير لا أطيق العندا أي الصعاب من الإبل، وكان التجبر والعناد من خلق ~~عاد لقوتهم، وقوله وأتبعوا في هذه الدنيا PageV03P182 # لعنة # الآية، حكم عليهم بهذا الحكم لكفرهم وإصرارهم حتى حل العذاب بهم، و ~~«اللعنة» : الإبعاد والخزي، وقد تيقن أن هؤلاء وافوا على الكفر فيلعن ~~الكافر الموافي على كفره ولا يلعن معين حي، لا من. # كافر، ولا من فاسق، ولا من بهيمة، كل ذلك مكروه بالأحاديث. ويوم ظرف ~~معناه أن اللعنة عليهم في الدنيا وفي يوم القيامة. ثم ذكرت العلة الموجبة ~~لذلك وهي كفرهم بربهم وتعدى «كفر» بغير الحرف إذ هو بمعنى جحدوا كما تقول ~~شكرت لك وشكرتك، وكفر نعمته وكفر بنعمته، وبعدا منصوب بفعل مقدر وهو مقام ~~ذلك الفعل. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 61 الى 62] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ~~(61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) # التقدير: وأرسلنا إلى ثمود وقد تقدم القول في مثل هذا وفي معنى الأخوة في ~~قصة هود. ms1803 # وقرأ الجمهور: «وإلى ثمود» بغير صرف، وقرأ ابن وثاب والأعمش «وإلى ثمود» ~~بالصرف حيث وقع، فالأولى على إرادة القبيلة، والثانية على إرادة الحي، وفي ~~هذه الألفاظ الدالة على الجموع ما يكثر فيه إرادة الحي كقريش وثقيف وما لا ~~يقال فيه بنو فلان وفيها ما يكثر فيه إرادة القبيلة كتميم وتغلب، ألا ترى ~~أنهم يقولون تغلب ابنة وائل، وقال الطرماح: [الطويل] «إذا نهلت منه تميم ~~وعلت» وقال الآخر: [المتقارب] «تميم ابن مر وأشياعها» وفيها ما يكثر فيه ~~الوجهان كثمود وسبأ، فالقراءتان هنا فصيحتان مستعملتان. وقرأت فرقة «غيره» ~~برفع الراء، وقد تقدم آنفا. # وأنشأكم من الأرض، أي اخترعكم وأوجدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام: ~~فكأن إنشاء آدم إنشاء لبنيه. واستعمركم، أي اتخذكم عمارا، كما تقول: استكتب ~~واستعمل. وذهب قوم إلى أنها من العمر أي عمركم، وقد تقدم مثل قوله: ~~فاستغفروه ثم توبوا إليه. # إن ربي قريب مجيب، أي إجابته وغفرانه قريب ممن آمن وأناب، ومجيب، معناه ~~بشرط المشيئة والظاهر الذي حكاه جمهور المفسرين أن قوله: مرجوا معناه: ~~مسودا نؤمل فيك أن تكون سيدا سادا مسد الأكابر، ثم قرروه على جهة التوبيخ ~~في زعمهم بقولهم: أتنهانا وحكى النقاش عن بعضهم أنه قال: معناه حقيرا. PageV03P183 # قال القاضي أبو محمد: فأما أن يكون لفظ مرجوا بمعنى حقير فليس ذلك في ~~كلام العرب، وإنما يتجه ذلك على جهة التفسير للمعنى، وذلك أن القصد بقولهم: ~~مرجوا يكون: لقد كنت فينا سهلا مرامك قريبا رد أمرك، ممن لا يظن أن يستفحل ~~من أمره مثل هذا فمعنى «مرجو» أي مرجو اطراحه وغلبته ونحو هذا، فيكون ذلك ~~على جهة الاحتقار، فلذلك فسر بحقير، ويشبه هذا المعنى قول أبي سفيان بن ~~حرب: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ... الحديث ثم يجيء قولهم: أتنهانا على جهة ~~التوعد والاستشناع لهذه المقالة منه. # وما يعبد آباؤنا يريدون به الأوثان والأصنام، ثم أوجبوا أنهم في شك من ~~أمره وأقاويله، وأن ذلك الشك يرتابون به زائدا إلى مرتبته من الشك قال ~~القاضي: ولا فرق بين هذه ms1804 الحال وبين حالة التصميم على الكفر، ومريب معناه ~~ملبس متهم، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # يا قوم ما بال أبي ذؤيب ... كنت إذا أتيته من غيب # يشم عطفي ويمس ثوبي ... كأنني أربته بريب # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 63 الى 65] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها ~~فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) # قوله: أرأيتم هو من رؤية القلب، أي أتدبرتم؟ والشرط الذي بعده وجوابه يسد ~~مسد مفعولي أرأيتم و «البينة» : البرهان واليقين، والهاء في «بينة» ~~للمبالغة، ويحتمل أن تكون هاء تأنيث، و «الرحمة» في هذه الآية: النبوة وما ~~انضاف إليها، وفي الكلام محذوف تقديره أيضرني شككم أو أيمكنني طاعتكم ونحو ~~هذا مما يليق بمعنى الآية. # وقوله فما تزيدونني غير تخسير معناه: فما تعطونني فيما أقتضيه منكم من ~~الإيمان وأطلبكم به من الإنابة غير تخسير لأنفسكم، وهو من الخسارة، وليس ~~التخسير في هذه الآية إلا لهم وفي حيزهم، وأضاف الزيادة إليه من حيث هو ~~مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم، كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك خيرا وأنت ~~تريد بي شرا. # فكأن الوجه البين وأنت تزيد شرا ولكن من حيث كنت مريد خير به ومقتضي ذلك- ~~حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك. # وقوله تعالى: ويا قوم هذه ناقة الله الآية، اقتضب في هذه الآية ذكر أول ~~أمر الناقة، وذلك أنه PageV03P184 # روي أن قومه طلبوا منه آية تضطرهم إلى الإيمان، فأخرج الله، جلت قدرته، ~~لهم الناقة من الجبل، وروي أنهم اقترحوا تعيين خروج الناقة من تلك الصخرة، ~~فروي أن الجبل تمخض كالحامل، وانصدع الحجر، وخرجت منه ناقة بفصيلها، وروي ~~أنها خرجت عشراء، ووضعت بعد خروجها، فوقفهم صالح وقال لهم: # هذه ناقة الله لكم آية، ونصب آية على الحال. # وقرأت فرقة «تأكل» بالجزم على ms1805 جواب الأمر، وقرأت فرقة: «تأكل» على طريق ~~القطع والاستئناف، أو على أنه الحال من الضمير في «ذروها» . # وقوله ولا تمسوها بسوء عام في العقر وغيره، وقوله: فيأخذكم عذاب قريب هذا ~~بوحي من الله إليه أن قومك إذا عقروا الناقة جاءهم عذاب قريب المدة من وقت ~~المعصية، وهي الأيام الثلاثة التي فهمها صالح عليه السلام من رغاء الفصيل ~~على جبل القارة. وأضاف العقر إلى جميعهم لأن العاقر كان منهم وكان عن رضى ~~منهم وتمالؤ، وعاقرها قدار، وروي في خبر ذلك أن صالحا أوحى الله إليه أن ~~قومك سيعقرون الناقة وينزل بهم العذاب عند ذلك، فأخبرهم بذلك فقالوا: عياذا ~~بالله أن نفعل ذلك، فقال: إن لم تفعلوا أنتم ذلك أوشك أن يولد فيكم من ~~يفعله، وقال لهم: صفة عاقرها أحمر أزرق أشقر، فجعلوا الشرط مع القوابل ~~وأمروهم بتفقد الأطفال، فمن كان على هذه الصفة قتل، وكان في المدينة شيخان ~~شريفان عزيزان، وكان لهذا ابن ولهذا بنت، فتصاهرا فولد بين الزوجين قدار، ~~على الصفة المذكورة، فهم الشرط بقتله، فمنع منه جداه حتى كبر، فكان الذي ~~عقرها بالسيف في عراقيبها، وقيل: بالسهم في ضرعها وهرب فصيلها عن ذلك، فصعد ~~على جبل يقال له القارة، فرغا ثلاثا، فقال صالح: هذا ميعاد ثلاثة أيام ~~للعذاب، وأمرهم قبل رغاء الفصيل أن يطلبوه عسى أن يصلوا إليه فيندفع عنه ~~العذاب به، فراموا الصعود إليه في الجبل، فارتفع الجبل في السماء حتى ما ~~تناله الطير، وحينئذ رغا الفصيل. # وقوله في داركم هي جمع دارة كما تقول ساحة وساح وسوح، ومنه قول أمية بن ~~أبي الصلت: # [الوافر] # له داع بمكة مشمعل ... وآخر عند دارته ينادي # ويمكن أن يسمى جميع مسكن الحي دارا، و «الثلاثة الأيام» تعجيز قاس الناس ~~عليه الاعذار إلى المحكوم عليه ونحوه. # قال القاضي أبو محمد: وذلك عندي مفترق لأنها في المحكوم عليه والغارم في ~~الشفعة ونحوه توسعة، وهي هنا توقيف على الخزي والتعذيب، وروى قتادة عن ابن ~~عباس أنه قال: لو صعدتم على القارة لرأيتم عظام الفصيل. ms1806 # قوله عز وجل: PageV03P185 ### || [سورة هود (11) : الآيات 66 الى 68] # فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ~~ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) # «الأمر» جائز أن يراد به المصدر من أمر، وجائز أن يراد به: واحد الأمور. ~~وقوله: برحمة منا يحتمل أن يقصد أن التنجية إنما كانت بمجرد الرحمة، ويحتمل ~~أن يكون وصف حال فقط: أخبر أنه رحمهم في حال التنجية. وقوله: منا الظاهر ~~أنه متعلق برحمة ويحتمل أن يتعلق بقوله نجينا. # وقرأت فرقة: «ومن خزي يومئذ» بتنوين خزي وفتح الميم من يومئذ وذلك يجوز ~~فيه أن تكون فتحة الميم إعرابا، ويجوز أن يكون بني الظرف لما أضيف إلى غير ~~متمكن، فأنت مخير في الوجهين. # والروايتان في قول الشاعر: # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ومن خزي يومئذ» بإضافة «خزي» وكسر الميم من ~~يومئذ وهذا توسع في إضافة المصدر إلى الظرف كما قال: مكر الليل والنهار ~~[سبأ: 33] ونحو هذا، وقياس هذه القراءة أن يقال سير عليه «يومئذ» برفع ~~الميم، وهذه قراءتهم في قوله تعالى: من عذاب يومئذ [المعارج: 11] ، ومن فزع ~~يومئذ [النمل: 89] ، وقرأ عاصم وحمزة كذلك إلا في قوله من فزع يومئذ ~~[النمل: 89] فإنهما نونا العين وفتحا الميم واختلفت عن نافع في كسر الميم ~~وفتحها، وهو يضيف في الوجهين، وقرأ الكسائي «من خزي يومئذ» بترك التنوين ~~وفتح الميم من يومئذ وهذا جمع بين الإضافة وبناء الظرف. # وقرأ «ومن فزع» [النمل: 89] كعاصم وحمزة وأما «إذ» فكان حقها: «إذ» ساكنة ~~إلا أنها من حقها أن تليها الجمل فلما حذفت لها هاهنا الجملة عوضت ~~بالتنوين، والإشارة بقوله: يومئذ إلى يوم التعذيب، وقوله تعالى: وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة الآية، روي أن صالحا عليه السلام قال لهم حين رغا الفصيل: ~~ستصفر وجوهكم في اليوم الأول وتحمر في الثاني وتسود في الثالث، ms1807 فلما كان ~~كذلك تكفنوا في الأنطاع واستعدوا للهلاك وأخذتهم صيحة فيها من كل صوت مهول، ~~صدعت قلوبهم وأصابت كل من كان منهم في شرق الأرض وغربها، إلا رجلا كان في ~~الحرم فمنعه الحرم من ذلك ثم هلك بعد ذلك: ففي مصنف أبي داود: قيل يا رسول ~~الله من ذلك الرجل؟ قالوا أبو رغال. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وخلافه في السير. وذكر الفعل المسند ~~إلى الصيحة إذ هي بمعنى الصياح، وتأنيثها غير حقيقي. وقيل: جاز ذلك وهي ~~مؤنثة لما فصل بين الفعل وبينها. كما قالوا: # حضر القاضي اليوم امرأة والأول أصوب، و «الصيحة» إنما تجيء مستعملة في ~~ذكر العذاب لأنها فعلة تدل على مرة واحدة شاذة، والصياح يدل على مصدر ~~متطاول، وشذ في كلامهم قولهم: لقيته لقاءة واحدة، والقياس لقية، وجاثمين أي ~~باركين قد صعق بهم، وهو تشبيه بجثوم الطير، وبذلك يشبه جثوم الأثافي PageV03P186 # وجثوم الرماد. ويغنوا مضارع من غني في المكان إذا أقام فيه في خفض عيش ~~وهي المغاني: وقرأ حمزة وحده: «ألا ان ثمود» وكذلك في الفرقان والعنكبوت ~~والنجم، وصرفها الكسائي كلها. وقوله: ألا بعدا لثمود واختلف عن عاصم: فروى ~~عنه حفص ترك الإجراء كحمزة، وروى عنه أبو بكر إجراء الأربعة وتركه في قوله: ~~ألا بعدا لثمود وقرأ الباقون: «ألا إن ثمودا» فصرفت «ألا بعد لثمود» غير ~~مصروف والقراءتان فصيحتان وكذلك صرفوا في الفرقان والعنكبوت والنجم. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 69 الى 71] # ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء ~~بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا ~~لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ~~ومن وراء إسحاق يعقوب (71) # «الرسل» الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقالت فرقة: بدل إسرافيل ~~عزرائيل- ملك الموت- وروي أن جبريل منهم كان مختصا بإهلاك قرية لوط، ~~وميكائيل مختصا بتبشير إبراهيم بإسحاق. # وإسرافيل مختصا بإنجاء لوط ومن معه. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقضي باشتراكهم ms1808 في البشارة بإسحاق وقالت ~~فرقة- وهي الأكثر- «البشرى» هي بإسحاق. وقالت فرقة: «البشرى» هي بإهلاك قوم ~~لوط. # وقوله: سلاما نصب على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر من لفظه كأنه قال: ~~أسلم سلاما، ويصح أن يكون: سلاما حكاية لمعنى ما قالوه لا للفظهم- قاله ~~مجاهد والسدي- فلذلك عمل فيه القول، كما تقول- الرجل قال: لا إله إلا الله- ~~قلت حقا أو إخلاصا ولو حكيت لفظهم لم يصح أن تعمل فيه القول وقوله: قال: ~~سلام حكاية للفظه، وسلام مرتفع إما على الابتداء، والخبر محذوف تقديره ~~عليكم وإما على خبر ابتداء محذوف تقديره أمري سلام، وهذا كقوله: فصبر جميل ~~[يوسف: 18] إما على تقدير فأمري صبر جميل، وإما على تقدير: فصبر جميل أجمل. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: «قالوا: سلاما قال: ~~سلام» وقرأ حمزة والكسائي: # «قالوا سلاما، قال: سلم» وكذلك اختلافهم في سورة الذاريات. وذلك على ~~وجهين: يحتمل أن يريد به السلام بعينه، كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام ومن ~~ذلك قول الشاعر: [الطويل] # مررنا فقلنا إيه سلم فسلمت ... كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح # اكتل: اتخذ إكليلا أو نحو هذا قال الطبري وروي: كما انكل- ويحتمل أن يريد ~~ب «السلم» ضد الحرب، تقول نحن سلم لكم. PageV03P187 # وكان سلام الملائكة دعاء مرجوا- فلذلك نصب- وحيي الخليل بأحسن مما حيي ~~وهو الثابت المتقرر ولذلك جاء مرفوعا. # وقوله: فما لبث أن جاء يصح أن تكون «ما» نافية، وفي لبث ضمير إبراهيم وإن ~~جاء في موضع نصب أي بأن جاء، ويصح أن تكون «ما» نافية وإن جاء بتأويل ~~المصدر في موضع رفع ب لبث أي ما لبث مجيئه، وليس في لبث على هذا ضمير ~~إبراهيم، ويصح أن يكون «ما» بمعنى الذي وفي لبث ضمير إبراهيم- وإن جاء خبر ~~«ما» أي فلبث إبراهيم مجيئه بعجل حنيذ، وفي أدب الضيف أن يجعل قراه من هذه ~~الآية. # و «الحنيذ» بمعنى المحنوذ ومعناه بعجل مشوي نضج يقطر ماؤه، وهذا القطر ~~يفصل الحنيذ من جملة المشويات، ولكن هيئة المحنوذ في اللغة الذي يغطى ~~بحجارة أو رمل محمي أو حائل ms1809 بينه وبين النار يغطى به والمعرض من الشواء ~~الذي يصفف على الجمر والمهضب: الشواء الذي بينه وبين النار حائل، يكون ~~الشواء عليه لا مدفونا له، والتحنيذ في تضمير الخيل هو أن يغطى الفرس بجل ~~على جل لينتصب عرقه. # وقوله تعالى: فلما رأى أيديهم ... الآية، روي أنهم كانوا ينكتون بقداح ~~كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل أيديهم إليه، وفي هذه الآية من أدب الطعام ~~أن لصاحب الضيف أن ينظر من ضيفه هل يأكل أم لا؟ # قال القاضي أبو محمد: وذلك ينبغي أن يكون بتلفت ومسارقة لا بتحديد النظر، ~~فروي أن أعرابيا أكل مع سليمان بن عبد الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي ~~شعرة فقال له: أزل الشعرة عن لقمتك، فقال له: أتنظر إلي نظر من يرى الشعر ~~في لقمتي والله لا أكلت معك. # ونكرهم- على ما ذكر كثير من الناس- معناه: أنكرهم، واستشهد لذلك بالبيت ~~الذي نحله أبو عمرو بن العلاء الأعشى وهو: [البسيط] # وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا # وقال بعض الناس: «نكر» هو مستعمل فيما يرى بالبصر فينكر، وأنكر هي ~~مستعملة فيما لا يقرر من المعاني، فكأن الأعشى قال: وأنكرتني مودتي وأدمتي ~~ونحوه، ثم جاء ب «نكر» في الشيب والصلع الذي هو مرئي بالبصر، ومن هذا قول ~~أبي ذؤيب: [الكامل] # فنكرنه فنفرن وامترست به ... هو جاء هادية وهاد جرشع # والذي خاف منه إبراهيم عليه السلام ما يدل عليه امتناعهم من الأكل، فعرف ~~من جاء بشر أن لا يأكل طعام المنزول به، وأوجس معناه أحس في نفسه خيفة ~~منهم، و «الوجيس» : ما يعتري النفس عند الحذر وأوائل الفزع، فأمنوه بقولهم: ~~لا تخف وعلم أنهم الملائكة، ثم خرجت الآية إلى ذكر المرأة وبشارتها فقالت ~~فرقة: معناه: قائمة خلف ستر تسمع محاورة إبراهيم مع أضيافه، وقالت فرقة: ~~معناه قائمة في صلاة، وقال السد معناه قائمة تخدم القوم، وفي قراءة ابن ~~مسعود: «وهي قائمة وهو جالس» . وقوله PageV03P188 # فضحكت قال مجاهد: معناه: حاضت، وأنشد على ذلك اللغويون: # وضحك الأرانب فوق الصفا ms1810 ... كمثل دم الجوق يوم اللقاء # وهذا القول ضعيف قليل التمكن، وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام ~~العرب ضحكت بمعنى: حاضت وقرره بعضهم، ويقال ضحك إذا امتلأ وفاض: ورد الزجاج ~~قول مجاهد، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف، واختلف مم ضحكت؟ فقالت فرقة: ~~ضحكت من تأمينهم لإبراهيم بقولهم: لا تخف. وقال قتادة: ضحكت هزؤا من قوم ~~لوط أن يكونوا على غفلة وقد نفذ من أمر الله تعالى فيهم ما نفذ. # وقال وهب بن منبه: ضحكت من البشارة بإسحاق، وقال: هذا مقدم بمعنى ~~التأخير، وقال محمد بن قيس: ضحكت لظنها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط قال ~~القاضي: وهذا قول خطأ لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقد حكاه الطبري، وإنما ~~ذكرته لمعنى التنبيه على فساده، وقالت فرقة: ضحكت من فزع إبراهيم من ثلاثة ~~وهي تعهده يغلب الأربعين من الرجال، وقيل: المائة. وقال السدي: ضحكت من أن ~~تكون هي تخدم وإبراهيم يحفد ويسعى والأضياف لا يأكلون. وقيل: ضحكت سرورا ~~بصدق ظنها، لأنها كانت تقول لإبراهيم، إنه لا بد أن ينزل العذاب بقوم لوط، ~~وروي أن الملائكة مسحت العجل فقام حيا فضحكت لذلك. # وقرأ محمد بن زياد الأعرابي: «فضحكت» بفتح الحاء. # وامرأة إبراهيم هذه هي سارة بنت هارون بن ناحور، وهو إبراهيم بن آزر بن ~~ناحور فهي ابنة عمه، وقيل: هي أخت لوط. # قال القاضي أبو محمد: وما أظن ذلك إلا أخوة القرابة لأن إبراهيم هو عم ~~لوط فيما روي: وذكر الطبري أن إبراهيم لما قدم العجل قالوا له: إنا لا نأكل ~~طعاما إلا بثمن، فقال لهم: ثمنه أن تذكروا الله تعالى عليه في أول، وتحمدوه ~~في آخر، فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلا. # وقوله: فبشرناها أضاف فعل الملائكة إلى ضمير اسم الله تعالى إذ كان بأمره ~~ووحيه، وبشر الملائكة سارة بإسحاق وبأن إسحاق سيلد يعقوب، ويسمى ولد الولد ~~من الوراء، وهو قريب من معنى وراء في الظروف إذ هو ما يكون خلف الشيء وبعده ~~ورأي ابن عباس رجلا معه شاب، ms1811 فقال له: من هذا؟ فقال له: ولد ولدي، فقال: هو ~~ولدك من الوراء، فغضب الرجل، فذكر له ابن عباس الآية. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي «يعقوب» بالرفع على الابتداء ~~والخبر المقدم، وهو على هذا دخل في البشرى، وقالت فرقة: رفعه على القطع ~~بمعنى: ومن وراء إسحاق يحدث يعقوب، وعلى هذا لا يدخل في البشارة وقرأ ابن ~~عامر وحمزة «يعقوب» بالنصب واختلف عن عاصم، فمنهم من جعله معطوفا على ~~«إسحاق» إلا أنه لم ينصرف، واستسهل هذا القائل أن فرق بين حرف العطف ~~والمعطوف بالمجرور، وسيبويه لا يجيز هذا إلا على إعادة حرف الجر، وهو كما ~~تقول: مررت بزيد اليوم وأمس عمرو، فالوجه PageV03P189 # عنده: وأمس بعمرو، وإذا لم يعد ففيه كبير قبيح، والوجه في نصبه أن ينتصب ~~بفعل مضمر، تدل عليه البشارة وتقديره: ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب، وهذا ~~رجح أبو علي. # قال القاضي أبو محمد: وروي أن سارة كانت في وقت هذه البشارة بنت تسع ~~وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة. # وهذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسماعيل وأنه أسن من إسحاق وذلك أن سارة ~~كانت في وقت إخدام الملك الجائر هاجر أم إسماعيل امرأة شابة جميلة حسبما في ~~الحديث، فاتخذها إبراهيم عليه السلام أم ولد، فغارت بها سارة، فخرج بها ~~وبابنها إسماعيل من الشام على البراق وجاء من يومه مكة فتركهما- حسبما في ~~السير- وانصرف إلى الشام من يومه ثم كانت البشارة بإسحاق، وسارة عجوز ~~متجالة، وأما وجه دلالة الآية على أن إسحاق ليس بالذبيح فهو أن سارة ~~وإبراهيم بشرا بإسحاق وأنه يولد له يعقوب، ثم أمر بالذبح حين بلغ ابنه معه ~~السعي، فكيف يؤمر بذبح ولد قد بشر قبل أنه سيولد لابنه ذلك، وأيضا فلم يقع ~~قط في أثر أن إسحاق دخل الحجاز وإجماع أن أمر الذبح كان بمنى، ويؤيد هذا ~~الغرض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن الذبيحين» يريد أباه عبد ~~الله وأباه إسماعيل، ويؤيده ما نزع به مالك رحمه الله من الاحتجاج برتبة ms1812 ~~سورة الصافات فإنه بعد كمال أمر الذبيح قال: وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين [الصافات: 112] . # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا كله موضع معارضات لقائل القول الآخر: إن ~~الذبيح هو إسحاق، ولكن هذا الذي ذكرناه هو الأرجح والله أعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 72 الى 73] # قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) ~~قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) # اختلف الناس في الألف التي في قوله: يا ويلتى وأظهر ما فيها أنها بدل ياء ~~الإضافة، أضلها: يا ويلتي، كما تقول: يا غلاما ويا غوثا وقد تردف هذه الألف ~~بهاء في الكلام، ولم يقرأ بها، وأمال هذه الألف عاصم والأعمش وأبو عمرو. # ومعنى يا ويلتى في هذا الموضع العبارة عما دهم النفس من العجب في ولادة ~~عجوز، وأصل هذا الدعاء بالويل ونحوه في التفجع لشدة أو مكروه يهم النفس، ثم ~~استعمل بعد في عجب يدهم النفس وقال قوم: إنما قالت: يا ويلتى لما مر بفكرها ~~من ألم الولادة وشدتها، ثم رجعت بفكرها إلى التعجب ونطقت بقولها أألد وأنا ~~عجوز؟ الآية. # وقرأت فرقة: «أألد» بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بتخفيف الأولى وتحقيق ~~الثانية، وفي النطق بهذه PageV03P190 # عسر، وقرأت فرقة: بتحقيق الأولى وتخفيف الثانية، والتخفيف هنا مدها، ~~وقرأت فرقة «ءاألد» بتحقيق الهمزتين ومدة بينهما. # و «العجوز» المسنة، وقد حكى بعض الناس: أن العرب تقول: العجوزة، و ~~«البعل» : الزوج، وشيخا نصب على الحال وهي حال من مشار إليه لا يستغنى عنها ~~لأنها مقصود الإخبار، وهي لا تصح إلا إذا لم يقصد المتكلم التعريف بذي ~~الحال، مثل أن يكون المخاطب يعرفه وأما إذا قصد التعريف به لزم أن يكون ~~التعريف في الخبر قبل الحال، وتجيء الحال على بابها مستغنى عنها، ومثال هذا ~~قولك: هذا زيد قائما، إذا أردت التعريف بزيد. أو كان معروفا وأردت التعريف ~~بقيامه، وأما إن قصد المتكلم أن زيديته إنما هي مادام قائما، فالكلام لا ~~يجوز. # وقرأ الأعمش ms1813 «هذا بعلي شيخ» ، قال أبو حاتم وكذلك في مصحف ابن مسعود، ~~ورفعه على وجوه: # منها: أنه خبر بعد خبر كما تقول: هذا حلو حامض، ومنها: أن يكون خبر ~~ابتداء مضمر تقديره: هو شيخ وروي أن بعض الناس قرأه: «وهذا بعلي هذا شيخ» ، ~~وهذه القراءة شبيهة بهذا التأويل. ومنها: أنه بدل من بعلي ومنها: أن يكون ~~قولها بعلي بدلا من هذا أو عطف بيان عليه، ويكون «شيخ» خبر هذا. # ويقال شيخ وشيخة- وبعض العرب يقول في المذكر والمؤنث شيخ. وروي أن سارة ~~كانت وقت هذه المقالة من تسع وتسعين سنة، وقيل: من تسعين- قاله ابن إسحاق- ~~وقيل من ثمانين وكذلك قيل في سن إبراهيم، إنه كان مائة وعشرين سنة، وقيل: ~~مائة سنة، وغير ذلك مما يحتاج إلى سند. # والضمير في قوله: قالوا للملائكة، وقوله: من أمر الله يحتمل أن يريد واحد ~~الأمور، أي من الولادة في هذه السن، ويحتمل أن يريد مصدر أمر، أي مما أمر ~~الله في هذه النازلة. # وقوله: رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت يحتمل اللفظ أن يكون دعاء وأن ~~يكون إخبارا، وكونه إخبارا أشرف، لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، ~~وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد. ونصب أهل البيت على ~~الاختصاص- هذا مذهب سيبويه، ولذلك جعل هذا والنصب على المدح في بابين. كأنه ~~ميز النصب على المدح بأن يكون المنتصب لفظا يتضمن بنفسه مدحا كما تقول: هذا ~~زيد عاقل قومه، وجعل الاختصاص إذا لم تتضمن اللفظة ذلك، كقوله: إنا معاشر ~~الأنبياء وإنا بني نهشل. # قال القاضي أبو محمد: ولا يكون الاختصاص إلا بمدح أو ذم، لكن ليس في نفس ~~اللفظة المنصوبة. # وهذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل بيته لأنها خوطبت بهذا، فيقوى ~~القول في زوجات النبي عليه السلام بأنهن من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس، بخلاف ما تذهب إليه الشيعة، وقد قاله أيضا بعض أهل العلم، قالوا: ~~«أهل بيته» الذين حرموا الصدقة، والأول أقوى وهو ظاهر جلي من سورة PageV03P191 # الأحزاب لأنه ناداهن ms1814 بقوله: يا نساء النبي [الأحزاب: 32] ثم بقوله: أهل ~~البيت [الأحزاب: 33] . # قال القاضي أبو محمد: ووقع في البخاري عن ابن عباس قال: أهل بيته الذين ~~حرموا الصدقة بعده فأراد ابن عباس: أهل بيت النسب الذين قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيهم: إن الصدقة لا تحل لأهل بيتي إنما هي أوساخ الناس. # والبيت في هذه الآية وفي سورة الأحزاب بيت السكنى ففي اللفظ اشتراك ينبغي ~~أن يتحسس إليه. ففاطمة رضي الله عنها من أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالوجهين وعلي رضي الله عنه بالواحد، وزوجاته بالآخر، وأما الشيعة فيدفعون ~~الزوجات بغضا في عائشة رضي الله عنها. وحميد أي أفعاله تقتضي أن يحمد، ~~ومجيد أي متصف بأوصاف العلو، ومجد الشيء إذا حسنت أوصافه. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 74 الى 76] # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) # الروع: الفزع والخيفة التي تقدم ذكرها، وكان ذهابه بإخبارهم إياه أنهم ~~ملائكة. والبشرى: # تحتمل أن يريد الولد، ويحتمل أن يريد البشرى بأن المراد غيره، والأول ~~أبين. وقوله: يجادلنا فعل مستقبل جائز أن يسد مسد الماضي الذي يصلح لجواب ~~«لما» ، لا سيما والإشكال مرتفع بمضي زمان الأمر ومعرفة السامعين بذلك، ~~ويحتمل أن يكون التقدير ظل أو أخذ ونحوه يجادلنا، فحذف اختصارا لدلالة ظاهر ~~الكلام عليه، ويحتمل أن يكون قوله، يجادلنا حالا من إبراهيم أو من الضمير ~~في قوله: # جاءته، ويكون جواب «لما» في الآية الثانية: «قلنا: يا إبراهيم أعرض عن ~~هذا» واختار هذا أبو علي، و «المجادلة» : المقابلة في القول والحجج، وكأنها ~~أعم من المخاصمة فقد يجادل من لا يخاصم كإبراهيم. # وفي هذه النازلة وصف إبراهيم «بالحلم» قيل: إنه لم يغضب قط لنفسه إلا أن ~~يغضب لله. # و «الحلم» : العقل إلا إذا انضاف إليه أناة واحتمال. وال أواه معناه: ~~الخائف الذي يكثر التأوه من خوف الله تعالى ms1815 ويروى أن إبراهيم عليه السلام ~~كان يسمع وجيب قلبه من الخشية، قيل: كما تسمع أجنحة النسور وللمفسرين في ~~«الأواه» عبارات كلها ترجع إلى ما ذكرته وتلزمه. وال منيب: الرجاع إلى الله ~~تعالى في كل أمره. # وصورة جدال إبراهيم عليه السلام كانت أن قال إبراهيم: إن كان فيهم مائة ~~مؤمن أتعذبونهم؟ قالوا لا. قال: أفتسعون؟ قالوا لا. قال: أفثمانون؟ فلم يزل ~~كذلك حتى بلغ خمسة ووقف عند ذلك وقد عد في بيت لوط امرأته فوجدهم ستة بها ~~فطمع في نجاتهم ولم يشعر أنها من الكفرة، وكان ذلك من إبراهيم حرصا على ~~إيمان تلك الأمة ونجاتها، وقد كثر اختلاف رواة المفسرين لهذه الأعداد في ~~قول إبراهيم عليه السلام، والمعنى كله نحو مما ذكرته، وكذلك ذكروا أن قوم ~~لوط كانوا أربعمائة ألف في خمس قرى. PageV03P192 # وقالت فرقة: المراد يجادلنا في مؤمني قوم لوط- وهذا ضعيف- وأمره بالإعراض ~~عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت في الكفرة حرصا عليهم، والمعنى: قلنا يا ~~إبراهيم أعرض عن المجادلة في هؤلاء القوم والمراجعة فيهم، فقد نفذ فيهم ~~القضاء، وجاء أمر ربك الأمر هنا: واحد الأمور بقرينة وصفه بالمجيء، فإن ~~جعلناه مصدر أمر قدرنا حذف مضاف، أي جاء مقتضى أمر ربك ونحو هذا وقوله ~~آتيهم عذاب ابتداء وخبر جملة في موضع خبر «إن» وقيل: آتيهم خبر «إن» فهو ~~اسم فاعل معتمد، وعذاب فاعل ب آتيهم. # وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو أن يوفق الله الداعي إلى طلب ~~المقدور، فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 77 الى 80] # ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) ~~وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) ~~قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن ~~لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ms1816 (80) # «الرسل» هنا هم الملائكة الذين كانوا أضياف إبراهيم عليه السلام، وذلك ~~أنهم لما خرجوا إلى بلد لوط- وبينه وبين قرية إبراهيم ثمانية أميال- وصلوه، ~~فقيل: وجدوا لوطا في حرث له، وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء في نهر سدوم- وهي ~~أكبر حواضر قوم لوط- فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت ~~عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم وذهبت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليهم، ~~فقالوا له: # نريد أن تضيفنا الليلة، فقال لهم: أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا ~~وما عملهم؟ فقال أشهد بالله لهم شر قوم في الأرض وقد كان الله عز وجل قال ~~للملائكة: لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما قال لوط هذه ~~قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع ~~مرات، ثم دخل لوط بهم المدينة وحينئذ سيء بهم أي أصابه سوء. وسيء فعل بني ~~للمفعول، و «الذرع» : # مصدر مأخوذ من الذراع، ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان قيل في الأمر ~~الذي لا طاقة له به: ضاق بهذا الأمر ذراع فلان، وذرع فلان، أي حيلته ~~بذراعه، وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا: فلان رحب الذراع، إذا وصفوه ~~باتساع القدرة ومنه قول الشاعر: # يا سيد ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع # وقوله: هذا يوم عصيب أشار به إلى ما كان يتخوفه من تعدي قومه على أضيافه ~~واحتياجه إلى المدافعة مع ضعفه عنها، وعصيب بناء اسم فاعل معناه: يعصب ~~الناس بالشر كما يعصب الخابط السلمة إذا أراد خبطها ونفض ورقها، ومنه قول ~~الحجاج في خطبته: ولأعصبنكم عصب السلمة، فهو من PageV03P193 # العصابة ثم كثر وصفهم اليوم بعصيب، ومنه قول الشاعر، وهو عدي بن زيد: ~~[الوافر] # وكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب # ومنه قول الآخر: [الطويل] # فإنك إلا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب # ف «عصيب» - بالجملة- في موضع شديد وصعب الوطأة، واشتقاقه كما ذكرنا. # وقوله تعالى: وجاءه قومه الآية، روي أن امرأة لوط الكافرة لما رأت، ~~الأضياف ورأت ms1817 جمالهم وهيئتهم خرجت حتى أتت مجالس قومها فقالت لهم: إن لوطا ~~أضاف الليلة فتية ما ريء مثلهم جمالا وكذا وكذا، فحينئذ جاءوا يهرعون إليه، ~~ومعناه يسرعون، والإهراع هو أن يسرع أمر بالإنسان حتى يسير بين الخبب ~~والخمر، فهي مشية الأسير الذي يسرع به، والطامع المبادر إلى أمر يخاف فوته، ~~ونحو هذا يقال هرع الرجل وأهرعه طمع أو عدو أو خوف ونحوه. # والقراءة المشهورة: «يهرعون» بضم الياء أي يهرعون الطمع، وقرأت فرقة: ~~«يهرعون» بفتح الياء، من هرع، ومن هذه اللفظة قول مهلهل: [الوافر] # فجاءوا يهرعون وهم أسارى ... تقودهم على رغم الأنوف # وقوله: ومن قبل كانوا يعملون السيئات، أي كانت عادتهم إتيان الفاحشة في ~~الرجال، فجاءوا إلى الأضياف لذلك فقام إليهم لوط مدافعا، وقال: هؤلاء بناتي ~~فقالت فرقة أشار إلى بنات نفسه وندبهم في هذه المقالة إلى النكاح، وذلك على ~~أن كانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، أو على أن في ضمن كلامه أن ~~يؤمنوا. وقالت فرقة: إنما كان الكلام مدافعة لم يرد إمضاؤه، روي هذا القول ~~عن أبي عبيدة، وهو ضعيف، وهذا كما يقال لمن ينهى عن مال الغير: الخنزير أحل ~~لك من هذا وهذا التنطع ليس من كلام الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وقالت ~~فرقة: أشار بقوله: بناتي إلى النساء جملة إذ نبي القوم أب لهم، ويقوي هذا ~~أن في قراءة ابن مسعود النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ~~[الأحزاب: 6] وهو أب لهم وأشار أيضا لوط- في هذا التأويل- إلى النكاح. # وقرأت فرقة- هي الجمهور- «هن أطهر» برفع الراء على خبر الابتداء، وقرأ ~~الحسن وعيسى بن عمر ومحمد بن مروان وسعيد بن جبير: «أطهر» بالنصب قال ~~سيبويه: هو لحن، قال أبو عمرو بن العلاء: احتبى فيه ابن مروان في لحنه، ~~ووجهه عند من قرأ به النصب على الحال بأن يكون بناتي ابتداء وهن خبره، ~~والجملة خبر هؤلاء. # قال القاضي أبو محمد: وهو إعراب مروي عن المبرد، وذكره أبو الفتح وهو خطأ ~~في معنى الآية، وإنما قوم اللفظ فقط والمعنى إنما هو في قوله: ms1818 أطهر وذلك ~~قصد أن يخبر به فهي حال لا يستغنى عنها- كما تقدم في قوله: وهذا بعلي شيخا ~~[هود: 72] ، والوجه أن يقال: هؤلاء بناتي ابتداء وخبر، وهن فصل وأطهر حال ~~وإن كان شرط الفصل أن يكون بين معرفتين ليفصل الكلام من النعت إلى PageV03P194 # الخبر، فمن حيث كان الخبر هنا في أطهر ساغ القول بالفصل، ولما لم يستسغ ~~ذلك أبو عمرو ولا سيبويه لحنا ابن مروان، وما كانا ليذهب عليهما ما ذكر أبو ~~الفتح، و «الضيف» : مصدر يوصف به الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث ثم وبخهم ~~بقوله: أليس منكم رجل رشيد أي يزعكم ويردكم. # وقوله تعالى: قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق الآية، روي أن قوم ~~لوط كانوا قد خطبوا بنات لوط فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم ~~تحل له أبدا، فلذلك قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق. # قال القاضي أبو محمد: وبعد أن تكون هذه المخاطبة، فوجه الكلام: إنا ليس ~~لنا إلى بناتك تعلق، ولا هم قصدنا ولا لنا عادة نطلبها في ذلك وقولهم: وإنك ~~لتعلم ما نريد، إشارة إلى الأضياف فلما رأى استمرارهم في غيهم وغلبتهم ~~وضعفه عنهم قال- على جهة التفجع والاستكانة- لو أن لي بكم قوة وأن في موضع ~~رفع بفعل مضمر تقديره: لو اتفق أو وقع ونحو هذا، - وهذا مطرد في «أن» ~~التابعة ل «لو» - وجواب لو محذوف وحذف مثل هذا أبلغ، لأنه يدع السامعين ~~ينتهي إلى أبعد تخيلاته، والمعنى لفعلت كذا وكذا. # وقرأ جمهور: «أو آوي» بسكون الياء، وقرأ شيبة وأبو جعفر: «أو آوي» ~~بالنصب، التقدير أو أن آوي، فتكون «أن» مع «آوي» بتأويل المصدر، كما قالت ~~ميسون بنت بحدل: # للبس عباءة وتقر عيني ... # ويكون ترتيب الكلام لو أن لي بكم قوة أو أويا، و «أوى» معناه: لجأ ~~وانضوى، ومراد لوط عليه السلام بال ركن العشيرة والمنعة بالكثرة، وبلغ به ~~قبيح فعلهم إلى هذا- مع علمه بما عند الله تعالى-، فيروى أن الملائكة وجدت ~~عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: ms1819 إن ركنك لشديد وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، فالعجب منه لما ~~استكان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نقد لأن لفظ بهذه الألفاظ، وإلا فحالة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقت طرح سلا الجزور ومع أهل الطائف وفي غير ما موطن ~~تقتضي مقالة لوط لكن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ينطق بشيء من ذلك عزامة ~~منه ونجدة، وإنما خشي لوط أن يمهل الله أولئك العصابة حتى يعصوه في الأضياف ~~كما أمهلهم فيما قبل ذلك من معاصيهم، فتمنى ركنا من البشر يعاجلهم به، وهو ~~يعلم أن الله تعالى من وراء عقابهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لم يبعث الله تعالى بعد لوط نبيا إلا في ثروة من قومه» أي في منعة ~~وعزة. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : آية 81] # قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب (81) # الضمير في قالوا ضمير الملائكة، ويروى أن لوطا لما غلبوه وهموا بكسر ~~الباب وهو يمسكه قالت PageV03P195 # له الرسل: تنح عن الباب، فتنحى وانفتح الباب فضربهم جبريل عليه السلام ~~بجناحه فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء النجاء، ~~فعند لوط قوم سحرة، وتوعدوا لوطا، ففزع حينئذ من وعيدهم، فحينئذ قالوا له: ~~إنا رسل ربك فأمن، ذكر هذا النقاش وفي تفسير غيره ما يقتضي أن قولهم: إنا ~~رسل ربك كان قبل طمس العيون، ثم أمروه بالسرى وأعلموه أن العذاب نازل ~~بالقوم، فقال لهم لوط: فعذبوهم الساعة، قالوا له: إن موعدهم الصبح أي بهذا ~~أمر الله، ثم أنسوه في قلقه بقولهم: # أليس الصبح بقريب. # وقرأ نافع وابن كثير «فأسر» من سرى إذا سار في أثناء الليل، وقرأ الباقون ~~«فاسر» إذا سار في أول الليل و «القطع» القطعة من الليل، ويحتمل أن لوطا ~~أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوز البلد ms1820 المقتلع، ووقعت نجاته بسحر فتجتمع ~~هذه الآية مع قوله: إلا آل لوط نجيناهم بسحر [القمر: 34] وبيت النابغة جمع ~~بين الفعلين في قوله: [البسيط] # أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد # فذهب قوم إلى أن سري وأسرى بمعنى واحد واحتجوا بهذا البيت. # قال القاضي أبو محمد: وأقول إن البيت يحتمل المعنيين، وذلك أظهر عندي ~~لأنه قصد وصف هذه الديمة، وأنها ابتدأت من أول الليل وقت طلوع الجوزاء في ~~الشتاء. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «إلا امرأتك» بالرفع على البدل من أحد وهذا هو ~~الأوجه إذا استثني من منفي، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد، وهذا هو استثناء ~~الملتفتين، وقرأ الباقون «إلا أمرأتك» بالنصب، ورأت ذلك فرقة من النحاة ~~الوجه في الاستثناء من منفي، إذ الكلام المنفي في هذا مستقل بنفسه كالموجب، ~~فإذ هو مثله في الاستقلال، فحكمه كحكمه في نصب المستثنى وتأولت فرقة ممن ~~قرأ: «إلا امرأتك» بالنصب أن الاستثناء وقع من الأهل كأنه قال: «فأسر بأهلك ~~إلا امرأتك» . وعلى هذا التأويل لا يكون إلا النصب، وقال أبو عبيد القاسم ~~بن سلام: لو كان الكلام: «ولا يلتفت» - بالرفع- لصح الرفع في قوله: «إلا ~~أمرأتك» ولكنه نهي، فإذا استثنيت «المرأة» من أحد وجب أن تكون «المرأة» ~~أبيح لها الالتفات فيفسد معنى الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الاعتراض حسن، يلزم الاستثناء من أحد رفعت ~~التاء أو نصبت والانفصال عنه يترتب بكلام حكي عن المبرد، وهو أن النهي إنما ~~قصد به لوط وحده، و «الالتفات» منفي عنهم بالمعنى، أي لا تدع أحدا منهم ~~يلتفت، وهذا كما تقول لرجل: لا يقم من هؤلاء أحد إلا زيد، وأولئك لم ~~يسمعوك، فالمعنى: لا تدع أحدا من هؤلاء يقوم والقيام بالمعنى منفي عن ~~المشار إليهم. # قال القاضي أبو محمد: وجملة هذا أن لفظ الآية هو لفظ قولنا: لا يقم أحد ~~إلا زيد، ونحن نحتاج أن يكون معناها معنى قولنا: لا يقم أحد إلا زيد وذلك ~~اللفظ لا يرجع إلى هذا المعنى إلا بتقدير ما حكيناه ms1821 عن المبرد، فتدبره. ~~ويظهر من مذهب أبي عبيد أن الاستثناء، إنما هو من الأهل. وفي مصحف ابن ~~مسعود: «فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك» وسقط قوله: ولا يلتفت PageV03P196 # منكم أحد # . والظاهر في يلتفت أنها من التفات البصر، وقالت فرقة: هي من لفت الشيء ~~يلفته إذا ثناه ولواه، فمعناه: ولا يتثبط. وهذا شاذ مع صحته وفي كتاب ~~الزهراوي: أن المعنى: ولا يلتفت أحد إلى ما خلف، بل يخرج مسرعا مع لوط عليه ~~السلام: وروي أن امرأة لوط لما سمعت الهدة ردت بصرها وقالت: # وا قوماه، فأصابها حجر فقتلها. # وقرأت فرقة: «الصبح» بضم الباء. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 82 الى 83] # فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~(82) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) # روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط واقتلعها ورفعها ~~حتى سمع أهل السماء الدنيا صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها معكوسة، ~~وأتبعهم الحجارة من السماء، وروي أن جبريل عليه السلام أخذهم بخوافي جناحه: ~~ويروى أن مدينة منها نجيت كانت مختصة بلوط عليه السلام يقال لها: زغر. # وأمرنا في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدرا من أمر ويكون في الكلام حذف ~~مضاف تقديره مقتضى أمرنا، ويحتمل أن يكون واحد الأمور، والضمير في قوله: ~~عاليها سافلها للمدن، وأجري أمطرنا عليها كذلك، والمراد على أهلها، وروي ~~أنها الحجارة استوفت منهم من كانوا خارج مدنهم حتى قتلتهم أجمعين. وروي أنه ~~كان منهم في الحرم رجل فبقي حجره معلقا في الهواء حتى خرج من الحرم فقتله ~~الحجر، و «أمطر» أبدا إنما يستعمل في المكروه، ومطر يستعمل في المحبوب، هذا ~~قول أبي عبيدة. # قال القاضي أبو محمد: وليس كذلك وقوله تعالى: هذا عارض ممطرنا [الأحقاف: ~~24] يرد هذا القول لأنهم إنما ظنوه معتاد الرحمة، وقوله من سجيل اختلف فيه: ~~فقال ابن زيد: سجيل: اسم السماء الدنيا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، ويرده وصفه ب منضود. وقالت فرقة هو ~~مأخوذ من ms1822 لفظ السجل، أي هي من أمر كتب عليهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وقالت فرقة: هو مأخوذ من السجل إذا أرسل ~~الشيء كما يرسل السجل وكما تقول: قالها مسجلة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقالت فرقة: من سجيل معناه: من جهنم ~~لأنه يقال: # سجيل وسجين حفظ فيها بدل النون لاما، كما قالوا: أصيلال وأصيلان. وقالت ~~فرقة: سجيل معناه: # شديد وأنشد الطبري في ذلك [ابن مقبل] : # ضربا تواصى به الأبطال سجيلا PageV03P197 # والبيت في قصيدة نونية: سجينا، وقالت فرقة: سجيل لفظة أصلها غير عربت ~~أصلها سنج وكل. وقيل غير هذا في أصل اللفظة. ومعنى هذا اللفظ ماء وطين. هذا ~~قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وغيرهم، وذهبت هذه الفرقة إلى ~~أن الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ كانت من طين قد تحجر- نص ~~عليه الحسن-. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يشبه. وهو الصواب الذي عليه الجمهور. ~~وقالت فرقة: معنى سجيل حجر مخلوط بطين أي حجر وطين. قال القاضي أبو محمد: ~~ويمكن أن يرد هذا إلى الذي قبله، لأن الآجر وما جرى مجراه يمكن أن يقال فيه ~~حجر وطين لأنه قد أخذ من كل واحد منهما بحظه. هي طين من حيث هو أصلها. وحجر ~~من حيث صلبت. # ومنضود معناه بعضه فوق بعض. أي تتابع وهي صفة ل سجيل وقال الربيع بن أنس: # «نضده» : إنه في السماء منضود معد بعضه فوق بعض. # ومسومة معناه معلمة بعلامة، فقال عكرمة وقتادة: إنه كان فيها بياض وحمرة: ~~ويحكى أنه كان في كل حجر اسم صاحبه، وهذه اللفظة هي من سوم إذا أعلم، ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «سوموا فقد سومت الملائكة» . ويحتمل ~~أن تكون مسومة هاهنا بمعنى: مرسلة، وسومها من الهبوط. # وقوله وما هي إشارة إلى الحجارة. والظالمين قيل: يعني قريشا. وقيل: يريد ~~عموم كل من اتصف بالظلم، وهذا هو الأصح لأنه روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «سيكون في أمتي خسف ومسخ وقذف بالحجارة» ms1823 ، وقد ورد أيضا ~~حديث: «إن هذه الأمة بمنجاة من ذلك» . وقيل يعني ب هي: المدن، ويكون ~~المعنى: الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من مكة- والأول أبين- وروي أن هذه ~~البلاد كانت بين المدينة والشام، وحكى الطبري في تسمية هذه المدن: صيعة، ~~وصعدة وعمزة، ودوما وسدوم وهي القرية العظمى. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 84 الى 86] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ~~(84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا ~~عليكم بحفيظ (86) # التقدير: وإلى مدين أرسلنا أخاهم شعيبا، واختلف في لفظة مدين فقيل: هي ~~بقعة، فالتقدير على هذا: وإلى أهل مدين- كما قال: وسئل القرية [يونس: 42]- ~~وقيل كان هذا القطر في PageV03P198 # ناحية الشام، وقيل مدين اسم رجل كانت القبيلة من ولده فسميت باسمه، ومدين ~~لا ينصرف في الوجهين، حكى النقاش أن مدين هو ولد إبراهيم الخليل لصلبه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد وقد قيل: إن شعيبا عربي، فكيف يجتمع هذا ~~وليس للعرب اتصال بإبراهيم إلا من جهة إسماعيل فقط، ودعاء «شعيب» إلى ~~«عبادة الله» يقتضي أنهم كانوا يعبدون الأوثان، وذلك بين من قولهم فيما ~~بعد، وكفرهم هو الذي استوجبوا به العذاب لا معاصيهم، فإن الله لم يعذب قط ~~أمة إلا بالكفر، فإن انضافت إلى ذلك معصية كانت تابعة، وأعني بالعذاب عذاب ~~الاستئصال العام، وكانت معصية هذه الأمة الشنيعة أنهم كانوا تواطأوا أن ~~يأخذوا ممن يرد عليهم من غيرهم وافيا ويعطوا ناقصا في وزنهم وكيلهم، فنهاهم ~~شعيب بوحي الله تعالى عن ذلك، ويظهر من كتاب الزجاج أنهم كانوا تراضوا ~~بينهم بأن يبخس بعضهم بعضا. # وقوله بخير قال ابن عباس: معناه في رخص من الأسعار، و «عذاب اليوم ~~المحيط» هو حلول الغلاء المهلك. وينظر هذا التأويل إلى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ما نقص قوم ms1824 المكيال والميزان إلا ارتفع عنهم الرزق وقيل لهم ~~قوله: بخير عام في جميع نعم الله تعالى، و «عذاب اليوم» هو الهلاك الذي حل ~~بهم في آخر، وجميع ما قيل في لفظ «خير» منحصر فيما قلناه. # ووصف «اليوم» ب «الإحاطة» وهي من صفة العذاب على جهة التجوز إذ كان ~~العذاب في اليوم: وقد يصح أن يوصف «اليوم» ب «الإحاطة» على تقدير: محيط ~~شره. ونحو هذا. # وكرر عليهم الوصية في «الكيل والوزن» تأكيدا وبيانا وعظة لأن لا تنقصوا ~~هو أوفوا بعينه. # لكنهما منحيان إلى معنى واحد. # قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، أنه سمع أبا الفضل بن ~~الجوهري على المنبر بمصر يعظ الناس في الكيل والوزن فقال: اعتبروا في أن ~~الإنسان إذا رفع يده بالميزان فامتدت أصابعه الثلاث والتقى الإبهام ~~والسبابة على ناصية الميزان جاء من شكل أصابعه صورة المكتوبة فكأن الميزان ~~يقول: الله الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ مليح مذكر. والقسط العدل ونحوه، و «البخس» ~~النقصان، وتعثوا معناه: تسعون في فساد، وكرر مفسدين على جهة التأكيد، يقال ~~عثا يعثو أو عثى يعثي، وعث يعث، وعاث يعيث- إذا أفسد ونحوه من المعنى، ~~والعثة: الدودة التي تفسد ثياب الصوف. # وقوله: بقيت الله قال ابن عباس معناه الذي يبقي الله لكم من أموالكم بعد ~~توفيتكم الكيل والوزن حير لكم مما تستكثرون أنتم به على غير وجهه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير يليق بلفظ الآية وقال مجاهد: معناه طاعة ~~الله، وقال ابن عباس- أيضا- معناه رزق الله، وهذا كله لا يعطيه لفظ الآية، ~~وإنما المعنى عندي- إبقاء الله عليكم إن أطعتم. # وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة بتخفيف الياء وهي لغة. PageV03P199 # وقوله: إن كنتم مؤمنين شرط في أن تكون البقية خيرا لهم، وأما مع الكفر ~~فلا خير لهم في شيء من الأعمال، وجواب هذا الشرط، متقدم، و «الحفيظ» ~~المراقب الذي يحفظ أحوال من يرقب، والمعنى: # إنما أنا مبلغ والحفيظ المحاسب هو الذي يجازيكم بالأعمال. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 87 الى ms1825 88] # قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ~~إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ~~(88) # قرأ جمهور الناس «أصلواتك» بالجمع، وقرأ ابن وثاب «أصلاتك» بالإفراد، ~~وكذلك قرأ في براءة إن صلاتك [التوبة: 9] وفي المؤمنين: على صلواتهم ~~[المؤمنون: 9] كل ذلك بالإفراد. # واختلف في معنى «الصلاة» هنا، فقالت فرقة: أرادوا الصلوات المعروفة، وروي ~~أن شعيبا عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة، وقال الحسن: لم يبعث الله ~~نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. وقيل: # أرادوا قراءتك. وقيل أرادوا: أمساجدك؟ وقيل: أرادوا: أدعواتك. # قال القاضي أبو محمد: وأقرب هذه الأقوال الأول والرابع وجعلوا الأمر من ~~فعل الصلوات على جهة التجوز، وذلك أن كل من حصل في رتبة من خير أو شر ففي ~~الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع: # فمعنى هذا: ألما كنت مصليا تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا؟ فكأن حاله من ~~الصلاة جسرته على ذلك فقيل: أمرته، كما قال تعالى: إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر [العنكبوت: 45] . # وقوله: أن نترك ما يعبد آباؤنا نص في أنهم كانوا يعبدون غير الله تعالى ~~وقرأ جمهور الناس: # «نفعل» و «نشاء» بنون الجماعة فيهما وقرأ الضحاك بن قيس «تفعل» و «تشاء» ~~بتاء المخاطبة فيهما: ورويت عن أبي عبد الرحمن: «نفعل» بالنون. «ما تشاء» ~~بالتاء، ورويت عن ابن عباس. فأما من قرأ بالنون فيهما ف أن الثانية عطف على ~~ما لا على أن الأولى، لأن المعنى يصير: أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء؟ وهذا قلب ما قصدوه. وأما من قرأ بالتاء فيهما فيصح عطف أن الثانية ~~على ما لا على أن الأولى، قال بعض النحويين، ويصح عطفها على ما ويتم المعنى ~~في الوجهين. # قال القاضي أبو محمد: ويجيء نترك في الأول بمعنى ms1826 نرفض، وفي الثاني بمعنى ~~نقرر، فيتعذر عندي هذا الوجه لما ذكرته من تنوع الترك على الحكم اللفظي أو ~~على حذف مضاف، ألا ترى أن الترك في قراءة من قرأ بالنون في الفعلين إنما هو ~~بمعنى الرفض غير متنوع، وأما من قرأ بالنون في «نفعل» والتاء في «تشاء» ف ~~أن معطوفة على الأولى، ولا يجوز أن تنعطف على ما لأن المعنى- أيضا- ينقلب، ~~فتدبره. PageV03P200 # وظاهر فعلهم هذا الذي أشاروا إليه هو بخس الكيل والوزن الذي تقدم ذكره، ~~وروي أن الإشارة هي إلى قرضهم الدينار والدرهم وإجراء ذلك مع الصحيح على ~~جهة التدليس، قاله محمد بن كعب وغيره، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع ~~الدراهم والدنانير من الفساد في الأرض، فتأول ذلك بهذا المعنى المتقدم، ~~وتؤول أيضا بمعنى أنه تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس. # واختلف في قولهم: إنك لأنت الحليم الرشيد فقيل: إنما كانت ألفاظهم: إنك ~~لأنت الجاهل السفيه، فكنى الله عن ذلك وقيل: بل هذا لفظهم بعينه، إلا أنهم ~~قالوه على جهة الاستهزاء- قاله ابن جريج وابن زيد- وقيل المعنى: إنك لأنت ~~الحليم الرشيد عند نفسك. وقيل: بل قالوه على جهة الحقيقة وأنه اعتقادهم ~~فيه، فكأنهم فندوه، أي أنه حليم رشيد فلا ينبغي لك أن تأمرنا بهذه الأوامر، ~~ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة، حين قال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «يا إخوة القردة» ، يا محمد ما علمناك جهولا. # قال القاضي أبو محمد: والشبه بين الأمرين إنما هو المناسبة بين كلام شعيب ~~وتلطفه، وبين ما بادر به محمد عليه السلام بني قريظة. # وقوله تعالى: قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة، الآية، هذه مراجعة ~~لطيفة واستنزال حسن واستدعاء رفيق ونحوها عن محاورة شعيب عليه السلام، قال ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك خطيب الأنبياء. وجواب الشرط الذي في ~~قوله: إن كنت على بينة من ربي محذوف تقديره: أأضل كما ضللتم وأترك تبليغ ~~الرسالة؟ ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة؟ وبينة يحتمل أن تكون ms1827 بمعنى: بيان ~~أو بين، ودخلت الهاء للمبالغة- كعلامة- ويحتمل أن تكون صفة لمحذوف، فتكون ~~الهاء هاء تأنيث. # وقوله: ورزقني منه رزقا حسنا يريد: خالصا من الفساد الذي أدخلتم أنتم ~~أموالكم. ثم قال لهم: ولست أريد أن أفعل الشيء الذي نهيتكم عنه من نقص ~~الكيل والوزن، فأستأثر بالمال لنفسي، وما أريد إلا إصلاح الجميع، وأنيب ~~معناه: أرجع وأتوب وأستند. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 89 الى 92] # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ~~ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز ~~عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) # لا يجرمنكم معناه: لا يكسبنكم، يقال: جرمه كذا وكذا وأجرمه إذا أكسبه، ~~كما يقال: كسب وأكسب بمعنى، ومن ذلك قول الشاعر: PageV03P201 # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # وقرأ الجمهور «يجرمنكم» بفتح الياء، وقرأ الأعمش وابن وثاب «يجرمنكم» ~~بضمها، وشقاقي معناه: مشاقتي وعداوتي، وأن مفعولة ب يجرمنكم. # وكانت قصة قوم لوط أقرب القصص عهدا بقصة قوم شعيب، وقد يحتمل أن يريد وما ~~منازل قوم لوط منكم ببعيد، فكأنه قال: وما قوم لوط منكم ببعيد بالمسافة، ~~ويتضمن هذا القول ضرب المثل لهم بقوم لوط. # وقرأ الجمهور «مثل» بالرفع على أنه فاعل يصبكم وقرأ مجاهد والجحدري وابن ~~أبي إسحاق «مثل» بالنصب، وذلك على أحد وجهين: إما أن يكون «مثل» فاعلا، ~~وفتحة اللام فتحة بناء لما أضيف لغير متمكن، فإن «مثل» قد يجري مجرى الظروف ~~في هذا الباب وإن لم يكن ظرفا محضا. # وإما أن يقدر الفاعل محذوفا يقتضيه المعنى، ويكون «مثل» منصوبا على النعت ~~لمصدر محذوف تقديره: إصابة مثل. # وقوله واستغفروا الآية، تقدم القول في مثل هذا من ترتيب هذا الاستغفار ~~قبل التوبة. وودود معناه: أن أفعاله ms1828 ولطفه بعباده لما كانت في غاية الإحسان ~~إليهم كانت كفعل من يتودد ويود المصنوع له. # وقوله تعالى: قالوا: يا شعيب الآية، نفقه معناه: نفهم وهذا نحو قول قريش ~~قلوبنا في أكنة [فصلت: 5] ومعنى: «ما نفقه ما تقول» أي ما نفقه صحة قولك، ~~وأما فقههم لفظه ومعناه فمتحصل، وروي عن ابن جبير وشريك القاضي في قولهم: ~~ضعيفا أنه كان ضرير البصر أعمى، وحكى الزهراوي: أن حمير تقول للأعمى: ضعيف، ~~كما يقال له: ضرير، وقيل: كان ناحل البدن زمنه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف ولا تقوم عليه حجة بضعف بصره أو بدنه ~~والظاهر من قولهم: ضعيفا أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا ~~يراعون فيه. # و «الرهط» جماعة الرجل، ومنه الراهطاء لأن اليربوع يعتصم به كما يفعل ~~الرجل برهطه. # ولرجمناك قيل: معناه بالحجارة- وهو الظاهر وقاله ابن زيد- وقيل معناه: ~~لرجمناك بالسب- وبه فسر الطبري. وهذا أيضا تستعمله العرب. ومنه قوله تعالى: ~~لأرجمنك واهجرني مليا [مريم: 46] ، وقولهم بعزيز أي بذي منعة وعزة ومنزلة ~~في نفوسنا. # وقوله تعالى: قال يا قوم أرهطي الآية، «الظهري» الشيء الذي يكون وراء ~~الظهرك، وقد يكون الشيء وراء الظهر بوجهين: في الكلام، إما بأن يطرح، كما ~~تقول: جعلت كلامي وراء ظهرك ودبر أذنك ومنه قول الفرزدق: # تميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيى علي جوابها # وإما بأن يسند إليه ويلجأ. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~دعائه: «وألجأت ظهري PageV03P202 # إليك» فقال جمهور المتأولين في معنى هذه الآية أنه: واتخذتم الله ظهريا ~~أي غير مراعى وراء الظهر على معنى الاطراح- ورجحه الطبري. # قال القاضي أبو محمد: وهو عندي على حذف مضاف ولا بد، وقال بعضهم: الضمير ~~في قوله: # واتخذتموه عائد على أمر الله وشرعه، إذ يتضمنه الكلام. # وقالت فرقة: المعنى: أترون رهطي أعز عليكم من الله وأنتم تتخذون الله سند ~~ظهوركم وعماد آمالكم. # قال القاضي أبو محمد: فقول الجمهور- على أن كان كفر قوم شعيب جحدا بالله ~~تعالى وجهلا به. # وهذا القول الثاني- على أنهم كانوا يقرون ms1829 بالخالق الرازق ويعتقدون ~~الأصنام وسائط ووسائل ونحو هذا وهاتان الفرقتان موجودتان في الكفرة. # ومن اللفظة الاستظهار بالبينة، وقد قال ابن زيد: «الظهري» : الفضل، مثل ~~الجمال يخرج معه بإبل ظهارية يعدها إن احتاج إليها وإلا فهي فضلة. # قال القاضي أبو محمد: هذا كله مما يستند إليه. # وقوله إن ربي بما تعملون محيط خبر في ضمنه توعد. ومعناه محيط علمه ~~وقدرته. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 93 الى 95] # ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن ~~هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ~~(94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) # على مكانتكم معناه: على حالاتكم، وهذا كما تقول: مكانة فلان في العلم فوق ~~مكانة فلان، يستعار من البقاع إلى المعاني. # وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعاصم: «مكانتكم» بالجمع، والجمهور على ~~الإفراد. # وقوله: اعملوا تهديد ووعيد، وهو نحو قوله: اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] ~~وقوله: من يأتيه يجوز أن تكون من مفعولة ب تعلمون والثانية عطف عليها، قال ~~الفراء: ويجوز أن تكون استفهاما في موضع رفع بالابتداء. # قال القاضي أبو محمد: الأول أحسن لأنها موصولة ولا توصل في الاستفهام، ~~ويقضي بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة، والصحيح أن الوقف في ~~قوله: إني عامل ثم ابتداء الكلام بالوعيد، ومن معمولة ل تعلمون وهي موصولة. PageV03P203 # وقوله: وارتقبوا كذلك تهديد أيضا. # وقوله تعالى: ولما جاء أمرنا الآية، «الأمر» هاهنا يصح أن يكون مصدر أمر ~~ويصح أن يكون واحد الأمور. وقوله: برحمة منا إما أن يقصد الإخبار عن الرحمة ~~التي لحقت شعيبا لنبوته وحسن عمله وعمل متبعيه، وإما أن يقصد أن النتيجة لم ~~تكن إلا بمجرد رحمة لا بعمل من أعمالهم، وأما الصيحة فهي صيحة جبريل عليه ~~السلام، وروي أنه صاح بهم، صيحة جثم لها كل واحد منهم في مكانه حيث سمعها ~~ميتا قد تقطعت حجب قلبه، و «الجثوم» ms1830 أصله في الطائر إذا ضرب بصدره إلى ~~الأرض، ثم يستعمل في غيره إذا كان منه بشبه. # وقوله تعالى: كأن لم يغنوا فيها الآية، الضمير في قوله: فيها عائد على ~~«الديار» ، ويغنوا معناه: يقيمون بنعمة وخفض عيش، ومنه المغاني وهي المنازل ~~المعمورة بالأهل، وقوله: ألا تنبيه للسامع، وقوله: بعدا مصدر، دعا به، وهذا ~~كما تقول: سقيا لك ورعيا لك وسحقا للكافر ونحو هذا، وفارقت هذه قولهم: سلام ~~عليك، لأن هذا كأنه إخبار عن شيء قد وجب وتحصل، وتلك إنما هي دعاء مترجى: ~~ومعنى «البعد» - في قراءة من قرأ «بعدت» بكسر العين- الهلاك- وهي قراءة ~~الجمهور ومنه قول خرنق بنت هفان: [الكامل] # لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # ومنه قول مالك بن الريب: [الطويل] # يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا # وأما من قرأ «بعدت» وهو السلمي وأبو حيوة- فهو من البعد الذي ضده القرب، ~~ولا يدعى به إلا على مبغوض. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 96 الى 100] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر ~~فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس ~~الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ~~(99) ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) # «الآيات» : العلامات، و «السلطان» : البرهان والبيان في الحجة قيل: هو ~~مشتق من السليط الذي يستضاء به، وقيل: من أنه مسلط على كل مناو ومخاصم، و ~~«الملأ» : الجمع من الرجال والمعنى: أرسلناه إليهم ليؤمنوا بالله تعالى، ~~فصدهم فرعون فاتبعوا أمره ولم يؤمنوا وكفروا، ثم أخبر تعالى عن أمر فرعون ~~أنه ليس برشيد أي ليس بمصيب في مذهبه ولا مفارق للسفاهة. PageV03P204 # وقوله: يقدم قومه يوم القيامة الآية، أخبر الله تعالى في هذه الآية عن ~~فرعون أنه يأتي يوم القيامة مع قومه المغرقين معه، وهو يقدمهم إلى النار: ~~وأوقع الفعل الماضي في فأوردهم موقع المستقبل، لوضوح الأمر وارتفاع الإشكال ~~عنه، ووجه الفصاحة من العرب في أنها تضع أحيانا الماضي ms1831 موضع المستقبل أن ~~الماضي أدل على وقوع الفعل وحصوله، و «الورود» في هذه الآية هو ورود الدخول ~~وليس بورود الإشراف على الشيء والإشفاء كقوله تعالى: ولما ورد ماء مدين ~~[القصص: 23] وقال ابن عباس: في القرآن أربعة أوراد: وإن منكم إلا واردها ~~[مريم: 71] وقوله: ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا [مريم: 86] وهذه في مريم، ~~وفي الأنبياء: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ~~[الأنبياء: 98] قال: وهي كلها ورد دخول، ثم ينجي الله الذين اتقوا والمورود ~~صفة لمكان الورد- على أن التقدير: وبئس مكان الورد المورود- وقيل: المورود ~~ابتداء والخبر مقدم، والمعنى: # المورود بئس الورد. # وقوله: في هذه يريد دار الدنيا، و «اللعنة» إبعادهم بالغرق والاستئصال ~~وقبيح الذكر غابر الدهر، وقوله: ويوم القيامة أي يلعنون أيضا بدخولهم في ~~جهنم، قال مجاهد: فلهم لعنتان، وذهب قوم إلى أن التقسيم هو أن لهم في ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس ما يرفدون به فهي لعنة واحدة أولا، وقبح ~~إرفاد آخرا، وقوله: بئس الرفد المرفود أي بئس العطاء المعطي لهم، والرفد في ~~كلام العرب: العطية وسمي العذاب هنا رفدا لأن هذا هو الذي حل محل الرفد، ~~وهذا كما تقول: يا فلان لم يكن خيرك إلا أن تضربني أي لم يكن الذي حل محل ~~الخير منك، والإرفاد: المعونة. ومنه رفادة قريش: معونتهم لفقراء الحج ~~بالطعام الذي كانوا يطعمونه في الموسم. # وقوله: ذلك من أنباء الغيب الآية، ذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات ~~النازلة بالأمم المذكورة، و «الأنباء» الأخبار. والقرى يحتمل أن يراد بها ~~القرى التي ذكرت في الآيات المتقدمة خاصة، ويحتمل أن يريد القرى عامة، أي ~~هذه الأنباء المقصوصة عليك هي عوائد المدن إذا كفرت، فيدخل- على هذا ~~التأويل- فيها المدن المعاصرة، ويجيء قوله: منها قائم وحصيد منها عامر ~~ودائر، وهذا قول ابن عباس: وعلى التأويل الأول- في أنها تلك القرى ~~المخصوصة- يكون قوله: قائم وحصيد بمعنى قائم الجدرات ومتهدم لا أثر له، ~~وهذا قول قتادة وابن جريج، والآية بجملتها متضمنة التخويف وضرب المثل ~~للحاضرين من أهل مكة ms1832 وغيرهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 101 الى 105] # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب ~~الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود (104) يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) PageV03P205 # المعنى: وما وضعنا عندهم من التعذيب ما لا يستحقونه، لكنهم ظلموا أنفسهم ~~بوضعهم الكفر موضع الإيمان، والعبادة في جنبة الأصنام، فما نفعتهم تلك ~~الأصنام ولا دفعت عنهم حين جاء عذاب الله. # وال تتبيب الخسران، ومنه تبت يدا أبي لهب [المسد: 1] ومنه قول جرير: ~~[الوافر] # عرابية من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما فعلوا تبابا # وصورة زيادة الأصنام التتبيب، إنما يتصور: إما بأن تأهيلها والثقة بها ~~والتعب في عبادتها شغلت نفوسهم وصرفتها عن النظر في الشرع وعاقتها، فلحق عن ~~ذلك عنت وخسران، وإما بأن عذابهم على الكفر يزاد إليه عذاب على مجرد عبادة ~~الأوثان. # وقوله وكذلك الإشارة إلى ما ذكر من الأحداث في الأمم، وهذه آية وعيد تعم ~~قرى المؤمنين، فإن ظالمة أعم من كافرة، وقد يمهل الله تعالى بعض الكفرة، ~~وأما الظلمة- في الغالب فمعاجلون أما أنه يملى لبعضهم، وفي الحديث- من ~~رواية أبي موسى- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يملي ~~للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة الآية. # وقرأ أبو رجاء العطاردي وعاصم الجحدري «ربك إذا أخذ القرى» وهي قراءة ~~متمكنة المعنى ولكن قراءة الجماعة تعطي بقاء الوعيد واستمراره في الزمان، ~~وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي. # وقوله تعالى: إن في ذلك لآية المعنى: أن في هذه القرى وما حل بها لعبرة ~~وعلامة اهتداء لمن خاف أمر الآخرة وتوقع أن يناله عذابها فنظر وتأمل، فإن ~~نظره يؤديه إلى الإيمان بالله ms1833 تعالى، ثم عظم الله أمر يوم القيامة بوصفه ~~بما تلبس بأجنبي منه للسبب المتصل بينهما، ويعود الضمير عليه، والناس- على ~~هذا- مفعول لم يسم فاعله، ويصح أن يكون الناس رفعا بالابتداء ومجموع خبر ~~مقدم. # وهذه الآية خبر عن الحشر، ومشهود عام على الإطلاق يشهده الأولون والآخرون ~~من الإنس والملائكة والجن والحيوان، في قول الجمهور، وفيه- أعني الحيوان ~~الصامت- اختلاف، وقال ابن عباس: # الشاهد: محمد عليه السلام، و «المشهود» يوم القيامة. # وقوله: وما نؤخره الآية، المعنى وما نؤخر يوم القيامة عجزا عن ذلك، لكن ~~القضاء السابق قد نفذ فيه بأجل محدود لا يتقدم عنه ولا يتأخر. # وقرأ الجمهور «نؤخره» بالنون، وقرأ الأعمش «يؤخره» بالياء، وقرأ عاصم ~~وابن عامر وحمزة «يوم يأت» بحذف الياء من «يأتي» في الوصل والوقف، وقرأ ابن ~~كثير بإثباتها في الوصل والوقف، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثباتها في ~~الوصل وحذفها في الوقف، ورويت أيضا كذلك عن ابن كثير، والياء ثابتة في مصحف ~~أبي بن كعب، وسقطت في إمام عثمان، وفي مصحف ابن مسعود «يوم يأتون» ، وقرأ ~~بها PageV03P206 # الأعمش، ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل، وإثباتها في الوجهين هو ~~الأصل، ووجه حذفها في الوصل التخفيف كما قالوا في لا أبال ولا أدر، وأنشد ~~الطبري: # كفاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما # وقوله: لا تكلم نفس يصح أن تكون جملة في موضع الحال من الضمير الذي في ~~«يأتي» وهو العائد على قوله: ذلك يوم، ولا يجوز أن يعود على قوله: «يوم ~~يأتي» لأن اليوم المضاف إلى الفعل لا يكون فاعل ذلك الفعل، إذ المضاف متعرف ~~بالمضاف إليه، والفعل متعرف بفاعله، وليس في نفسه شيئا مقصودا مستقلا دون ~~الفاعل، وقولهم: سيد قومه ومولى أخيه وواحد أمه- مفارق لما لا يستقل، فلذلك ~~جازت الإضافة فيها، ويكون قوله- على هذا- «يوم يأتي» في موضع الرفع ~~بالابتداء وخبره: فمنهم شقي وسعيد وفي الكلام- على هذا- عائد محذوف تقديره: ~~لا تكلم نفس فيه إلا، ويصح أن يكون قوله: لا تكلم نفس صفة لقوله: «يوم ~~يأتي» ، والخبر قوله: فمنهم، ويصح أن ms1834 يكون قوله: لا تكلم نفس، خبرا عن ~~قوله: «يوم يأتي» . # وقوله: ذلك يوم يراد به اليوم الذي قبله ليلته، وقوله «يوم يأتي» يراد به ~~الحين والوقت لا النهار بعينه، فهو كما قال عثمان: إني رأيت ألا أتزوج يومي ~~هذا، وكما قال الصديق رضي الله عنه: فإن الأمانة اليوم في الناس قليل. # ومعنى قوله: لا تكلم نفس إلا بإذنه وصف المهابة يوم القيامة وذهول العقل ~~وهول القيامة، وما ورد في القرآن من ذكر كلام أهل الموقف في التلاوم ~~والتساؤل والتجادل، فإما أن يكون بإذن وإما أن تكون هذه هنا مختصة في تكلم ~~شفاعة أو إقامة حجة، وقوله فمنهم عائد على الجميع الذي تضمنه قوله: # نفس إذ هو اسم جنس يراد به الجمع. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 106 الى 108] # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما ~~الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~عطاء غير مجذوذ (108) # قوله: الذين شقوا على بعض التأويلات في الاستثناء الذي في آخر الآية يراد ~~به كل من يعذب من كافر وعاص- وعلى بعضها- كل من يخلد، وذلك لا يكون إلا في ~~الكفرة خاصة. # وال زفير: صوت شديد خاص بالمحزون أو الوجع أو المعذب ونحوه، وال شهيق ~~كذلك. # كما يفعل الباكي الذي يصيح خلال بكائه، وقال ابن عباس: «الزفير» : صوت ~~حاد. و «الشهيق» صوت ثقيل، وقال أبو العالية «الزفير» من الصدر و «الشهيق» ~~من الحلق وقيل: بالعكس. وقال قتادة «الزفير» : أول صوت الحمار. و «الشهيق» ~~: آخره. فصياح أهل النار كذلك. وقيل «الزفير» : مأخوذ من الزفر وهو الشدة، PageV03P207 # و «الشهيق» : من قولهم: جبل شاهق أي عال. فهما- على هذا المعنى- واحد أو ~~متقارب، والظاهر ما قال أبو العالية: فإن الزفرة هي التي يعظم معها الصدر ~~والجوف والشهقة هي الوقعة الأخيرة من الصوت المندفع معها النفس أحيانا، فقد ~~يشهق المحتضر ويشهق المغشي عليه. # وأما قوله ما ms1835 دامت السماوات والأرض فقيل معناه أن الله تعالى يبدل ~~السماوات والأرض يوم القيامة، ويجعل الأرض مكانا لجهنم والسماء مكانا ~~للجنة، ويتأبد ذلك، فقرنت الآية خلود هؤلاء ببقاء هذه ويروى عن ابن عباس ~~أنه قال: إن الله خلق السماوات والأرض من نور العرش ثم يردهما إلى هنالك في ~~الآخرة، فلهما ثم بقاء دائم، وقيل معنى قوله ما دامت السماوات والأرض ~~العبارة عن التأبيد بما تعهده العرب، وذلك أن من فصيح كلامها إذا أرادت أن ~~تخبر عن تأبيد شيء أن تقول: لا أفعل كذا وكذا مدى الدهر، وما ناح الحمام ~~وما دامت السماوات والأرض، ونحو هذا مما يريدون به طولا من غير نهاية، ~~فأفهمهم الله تعالى تخليد الكفرة بذلك وإن كان قد أخبر بزوال السماوات ~~والأرض. # وأما قوله: إلا ما شاء ربك فقيل فيه: إن ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب ~~الشرع إلى استعماله في كل كلام، فهو على نحو قوله: لتدخلن المسجد الحرام- ~~إن شاء الله- آمنين [الفتح: 27] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم ~~الشرط كأنه قال: إن شاء الله، فليس يحتاج إلى أن يوصف بمتصل ولا بمنقطع، ~~ويؤيد هذا قوله: عطاء غير مجذوذ وقيل: هو استثناء من طول المدة، وذلك على ~~ما روي من أن جهنم تخرب ويعدم أهلها وتغلق أبوابها فهم- على هذا- يخلدون ~~حتى يصير أمرهم إلى هذا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مختل، والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره ~~إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمي جهنم، وسمي ~~الكل به تجوزا. # وقيل: إنما استثنى ما يلطف الله تعالى به للعصاة من المؤمنين في إخراجهم ~~بعد مدة من النار، فيجيء قوله: إلا ما شاء ربك أي لقوم ما، وهذا قول قتادة ~~والضحاك وأبي سنان وغيرهم، وعلى هذا فيكون قوله: فأما الذين شقوا عاما في ~~الكفرة والعصاة- كما قدمنا- ويكون الاستثناء من خالدين، وقيل: إلا بمعنى ~~الواو، فمعنى الآية: وما شاء الله زائدا على ذلك، ونحو هذا قول الشاعر: ~~[الوافر] # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # قال ms1836 القاضي أبو محمد: وهذا البيت يصح الاستشهاد به على معتقدنا في فناء ~~الفرقدين وغيرهما من العالم، وأما إن كان قائله من دهرية العرب فلا حجة ~~فيه، إذ يرى ذلك مؤبدا فأجرى «إلا» على بابها. # وقيل إلا في هذه الآية بمعنى سوى، والاستثناء منقطع، كما تقول: لي عندك ~~ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك، بمعنى سوى تلك، فكأنه قال: خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء الله زائدا على ذلك، ويؤيد هذا ~~التأويل قوله بعد: عطاء غير مجذوذ، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء ~~المنقطع ب «سوى» وسيبويه يقدره ب «لكن» وقيل سوى ما أعده لهم من أنواع ~~العذاب مما لا يعرف كالزمهرير ونحوه، وقيل استثناء من مدة السماوات: المدة ~~التي فرطت لهم في الحياة الدنيا PageV03P208 # وقيل في البرزخ بين الدنيا والآخرة وقيل: في المسافات التي بينهم في دخول ~~النار، إذ دخولهم إنما هو زمرا بعد زمر وقيل: الاستثناء من قوله: ففي النار ~~كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير عن ذلك، وهذا قول رواه أبو نضرة عن جابر ~~أو عن أبي سعيد الخدري. # ثم أخبر منبها على قدرة الله تعالى بقوله: إن ربك فعال لما يريد. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم- في رواية أبي بكر- ~~«سعدوا» بفتح السين، وهو فعل لا يتعدى وقرأ حمزة والكسائي وعاصم- في رواية ~~حفص- «سعدوا» بضم السين، وهي شاذة ولا حجة في قولهم: مسعود، لأنه مفعول من ~~أسعد على حذف الزيادة كما يقال: محبوب، من أحب، ومجنون من أجنه الله، وقد ~~قيل في مسعود: إنما أصله الوصف للمكان، يقال: مكان مسعود فيه ثم نقل إلى ~~التسمية به وذكر أن الفراء حكى أن هذيلا تقول: سعده الله بمعنى أسعده. وبضم ~~السين قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش. # والأقوال المترتبة في استثناء التي قبل هذه تترتب هاهنا إلا تأويل من ~~قال: هو استثناء المدة التي تخرب فيها جهنم، فإنه لا يترتب مثله في هذه ~~الآية، ويزيد هنا قول: أن يكون ms1837 الاستثناء في المدة التي يقيمها العصاة في ~~النار ولا يترتب أيضا تأويل من قال في تلك: إن الاستثناء هو من قوله: ففي ~~النار. # وقوله: عطاء غير مجذوذ، نصب على المصدر، و «المجذوذ» : المقطوع. و «الجذ» ~~: القطع وكذلك «الجد» وكذلك «الحز» . # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 109 الى 111] # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110) وإن كلا ~~لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) # لفظ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى له ولأمته، ولم يقع لأحد ~~شك فيقع عنه نهي ولكن من فصاحة القول في بيان ضلالة الكفرة إخراجه في هذه ~~العبارة، أي حالهم أوضح من أن يمترى فيها، وال مرية: الشك، وهؤلاء إشارة ~~إلى كفار العرب عبدة الأصنام ثم قال: ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من ~~قبل. المعنى: أنهم مقلدون لا برهان عندهم ولا حجة، وإنما عبادتهم تشبها ~~منهم بآبائهم لا عن بصيرة وقوله: وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص وعيد، ~~ومعناه: العقوبة التي تقتضيها أعمالهم، ويظهر من قوله: غير منقوص أن على ~~الأولين كفلا من كفر الآخرين. # وقرأ الجمهور «لموفوهم» بفتح الواو وشد الفاء، وقرأ ابن محيصن «لموفوهم» ~~بسكون الواو وتخفيف الفاء. PageV03P209 # وقوله تعالى: ولقد آتينا موسى الكتاب الآية، تسلية لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وذكر قصة موسى مثل له، أي لا يعظم عليك أمر من كذبك، فهذه هي سيرة ~~الأمم، فقد جاء موسى، بكتاب فاختلف الناس عليه. # وقوله: ولولا كلمة سبقت من ربك إلى آخر الآية، يحتمل أن يريد به أمة ~~موسى، ويحتمل أن يريد به معاصري محمد عليه السلام وأن يعمهم اللفظ أحسن- ~~عندي- ويؤكد ذلك قوله: وإن كلا و «الكلمة» هاهنا عبارة عن الحكم والقضاء ~~والمعنى لقضي بينهم أي لفصل بين المؤمن والكافر، بنعيم هذا وعذاب هذا # # ووصف «الشك» بالمريب تقوية لمعنى الشك. ms1838 # وقرأ الكسائي وأبو عمرو: «وإن كلا لما» بتشديد النون وتخفيف الميم من لما ~~وقرأ ابن كثير ونافع بتخفيفهما، وقرأ حمزة بتشديدهما، وكذلك حفص عن عاصم ~~وقرأ عاصم- في رواية أبي بكر- بتخفيف «إن» وتشديد الميم من «لما» وقرأ ~~الزهري وسليمان بن أرقم: «وإن كلا لما» بتشديد الميم وتنوينها. # وقرأ الحسن بخلاف: «وإن كل لما» بتخفيف «إن» ورفع «كل» وشد «لما» وكذلك ~~قرأ أبان بن تغلب إلا أنه خفف «لما» ، وفي مصحف أبي وابن مسعود «وإن كل إلا ~~ليوفينهم» وهي قراءة الأعمش، قال أبو حاتم: # الذي في مصحف أبي: «وإن من كل إلا ليوفينهم أعمالهم» . فأما الأول ف «إن» ~~فيها على بابها، و «كلا» اسمها، وعرفها أن تدخل على خبرها لام. وفي الكلام ~~قسم تدخل لامه أيضا على خبر «إن» فلما اجتمع لامان فصل بينهما ب «ما» - هذا ~~قول أبي علي- والخبر في قوله ليوفينهم، وقال بعض النحاة: يصح أن تكون «ما» ~~خبر «إن» وهي لمن يعقل لأنه موضع جنس وصنف، فهي بمنزلة من، كأنه قال: وإن ~~كلا لخلق ليوفينهم ورجح الطبري هذا واختاره، اما أنه يلزم القول أن تكون ~~«ما» موصوفة إذ هي نكرة، كما قالوا: # مررت بما معجب لك، وينفصل بأن قوله: ليوفينهم يقوم معناه مقام الصفة، لأن ~~المعنى: وإن كلا لخلق موفى عمله، وأما من خففها- وهي القراءة الثانية في ~~ترتيبنا فحكم «إن» وهي مخففة حكمها مثقلة، وتلك لغة فصيحة، حكى سيبويه أن ~~الثقة أخبره: أنه سمع بعض العرب يقول: إن عمرا لمنطلق وهو نحو قول الشاعر: # ووجه مشرق النحر ... كأن ثدييه حقان # رواه أبو زيد. # ويكون القول في فصل «ما» بين اللامين حسبما تقدم، ويدخلها القول الآخر من ~~أن تكون «ما» خبر «إن» وأما من شددهما أو خفف «إن» وشدد «الميم» ففي ~~قراءتيهما إشكال، وذلك أن بعض الناس قال: إن «لما» بمعنى إلا، كما تقول: ~~سألتك لما فعلت كذا وكذا بمعنى إلا فعلت قال أبو علي: وهذا ضعيف لأن «لما» ~~هذه لا تفارق القسم، وقال بعض الناس: المعنى لمن ما أبدلت ms1839 النون ميما، ~~وأدغمت في التي بعدها فبقي «لمما» فحذفت الأولى تخفيفا لاجتماع الأمثلة، ~~كما قرأ بعض القراء والبغي يعظكم [النحل: 90] به بحذف الياء مع الياء وكما ~~قال الشاعر: # وأشمت العداة بنا فأضحوا ... لدى يتباشرون بما لقينا PageV03P210 # قال أبو علي وهذا ضعيف وقد اجتمع في هذه السورة ميمات أكثر من هذه في ~~قوله: أمم ممن معك [هود: 48] ولم يدغم هناك فأحرى أن لا يدغم هنا. # قال القاضي أبو محمد: وقال بعض الناس أصلها: لمن ما، ف «من» خبر «إن» و ~~«ما» زائدة وفي التأويل الذي قبله أصله: لمن ما، ف «ما» هي الخبر دخلت ~~عليها «من» على حد دخولها في قول الشاعر: # وإنا لمن ما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم # وقالت فرقة «لما» أصلها «لما» منونة، والمعنى: وإن كلا عاما حصرا شديدا، ~~فهو مصدر لم يلم، كما قال: وتأكلون التراث أكلا «لما» [الفجر: 19] أي شديدا ~~قالت: ولكنه ترك تنوينه وصرفه وبني منه فعلى كما فعل في تترى فقرىء: تترى. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، حكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه ~~التثقيل في «لما» ، قال أبو علي: وأما من قرأ «لما» بالتنوين وشد الميم ~~فواضح الوجه كما بينا، وأما من قرأ: «وإن كل لما» فهي المخففة من الثقيلة، ~~وحقها- في أكثر لسان العرب- أن يرتفع ما بعدها، و «لما» هنا بمعنى إلا، كما ~~قرأ جمهور القراء: إن كل نفس لما عليها حافظ [الطارق: 4] . ومن قرأ «إلا» ~~مصرحة فمعنى قراءته واضح، وهذه الآية وعيد. # وقرأ الجمهور: «يعملون» بياء على ذكر الغائب، وقرأ الأعرج «تعملون» بتاء ~~على مخاطبة الحاضر. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 112 الى 115] # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا ~~تنصرون (113) وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ms1840 ~~(115) # أمر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو ~~أمر بالدوام والثبوت، وهذا كما تأمر إنسانا بالمشي والأكل ونحوه وهو ملتبس ~~به. والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تابوا من ~~الكفر، ولسائر أمته بالمعنى، وروي أن بعض العلماء رأي النبي صلى الله عليه ~~وسلم في النوم فقال له: يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت: شيبتني هود ~~وأخواتها فما الذي شيبك من هود؟ # قال له: قوله تعالى: فاستقم كما أمرت. # قال القاضي أبو محمد: والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: شيبتني هود ~~وأخواتها- أنها إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السابقة، فكان حذره على ~~هذه الأمة مثل ذلك شيبه عليه السلام. # وقوله: أمرت مخاطبة تعظيم، وقوله: ومن معطوف على الضمير في قوله: فاستقم، PageV03P211 # وحسن ذلك دون أن يؤكد لطول الكلام بقوله: كما أمرت. ولا تطغوا معناه: ولا ~~تتجاوزوا حدود الله تعالى، و «الطغيان» : تجاوز الحد ومنه قوله: طغى الماء ~~[الحاقة: 11] وقوله في فرعون: إنه طغى [طه: 24- 43، النازعات: 17] ، وقيل ~~في هذه معناه: ولا تطغينكم النعم، وهذا كالأول. # وقرأ الجمهور «تعملون» بتاء، وقرأ الحسن والأعمش «يعملون» بياء من تحت- ~~وقرأ الجمهور: «ولا تركنوا» بفتح الكاف، وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة والأشهب ~~العقيلي وأبو عمرو- فيما روى عنه هارون- بضمها، وهو لغة، يقال: ركن يركن ~~وركن يركن، ومعناه السكون، إلى الشيء والرضا به قال أبو العالية: # «الركون» : الرضا. قال ابن زيد: «الركون» : الإدمان. # قال القاضي أبو محمد: فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره، والنهي ~~هنا يترتب من معنى الركون على الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب من ~~ترك التغيير عليهم مع القدرة، والذين ظلموا هنا هم الكفار، وهو النص ~~للمتأولين، ويدخل بالمعنى أهل المعاصي. # وقرأ الجمهور «فتمسكم» ، وقرأ يحيى وابن وثاب وعلقمة والأعمش وابن مصرف ~~وحمزة- فيما روي عنه- «فتمسكم» بكسر التاء وهي لغة في كسر العلامات الثلاث ~~دون الياء التي للغائب، وقد جاء في الياء ييجل وييبى، وعللت هذه بأن الياء ~~التي وليت الأولى ردتها إلى الكسر. ms1841 # وقوله تعالى: أقم الصلاة الآية، لم يختلف أحد في أن الصلاة في هذه الآية ~~يراد بها الصلوات المفروضة، واختلف في طرفي النهار وزلف الليل فقيل: الطرف ~~الأول الصبح، والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء، قاله مجاهد ~~ومحمد بن كعب القرظي وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المغرب ~~والعشاء: «هما زلفتا الليل» . وقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: العصر، ~~قاله الحسن وقتادة والضحاك، والزلف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه ~~الآية على هذا القول- بل هي في غيرها، وقيل الطرفان: الصبح والمغرب- قاله ~~ابن عباس والحسن- أيضا- والزلف: العشاء، وليست في الآية الظهر والعصر. ~~وقيل: الطرفان: الظهر والعصر، والزلف: المغرب والعشاء والصبح. # قال القاضي أبو محمد: كأن هذا القائل راعى جهر القراءة، والأول أحسن هذه ~~الأقوال عندي ورجح الطبري أن الطرفين: الصبح والمغرب، وأنه الظاهر، إلا أن ~~عموم الصلوات الخمس بالآية أولى. # وقرأ الجمهور «زلفا» بفتح اللام، وقرأ طلحة بن مصرف وابن محيصن وعيسى ~~وابن إسحاق وأبو جعفر: «زلفا» بضم اللام كأنه اسم مفرد. وقرأ «زلفا» بسكون ~~اللام مجاهد، وقرأ أيضا: «زلفى» على وزن- فعلى- وهي قراءة ابن محيصن. ~~والزلف: الساعات القريب بعضها من بعض. ومنه قول العجاج: [الرجز] # ناج طواه الأين مما وجفا ... طي الليالي زلفا فزلفا # سماوة الهلال حتى احقوقفا وقوله إن الحسنات يذهبن السيئات، ذهب جمهور ~~المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن الحسنات يراد بها الصلوات الخمس- وإلى ~~هذه الآية ذهب عثمان- رضي الله عنه- عند وضوئه على PageV03P212 # المقاعد وهو تأويل مالك، وقال مجاهد: الحسنات: قول الرجل: سبحان الله ~~والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات، ومن ~~أجل أن الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال، والذي يظهر أن لفظ الآية لفظ عام في ~~الحسنات خاص في السيئات بقوله عليه السلام: «ما اجتنبت الكبائر» . # وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو اليسر بن عمرو، ~~وقيل: اسمه عباد، خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الجماع، ثم جاء إلى ms1842 ~~عمر فشكا إليه، فقال: قد ستر الله عليك فاستر على نفسك، فقلق الرجل فجاء ~~أبا بكر فشكا إليه، فقال له مثل مقالة عمر، فقلق الرجل فجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فصلى معه، ثم أخبره وقال: اقض في ما شئت، فقال الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لعلها زوجة غاز في سبيل الله، قال: نعم، فوبخه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: ما أدري، فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فتلاها عليه: فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله خاصة؟ # قال: بل للناس عامة. وروي أن الآية كانت نزلت قبل ذلك واستعملها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ. # قال القاضي أبو محمد: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجمعة ~~إلى الجمعة، والصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان- كفارة لما بينها إن اجتنبت ~~الكبائر» . فاختلف أهل السنة في تأويل هذا الشرط في قوله: «إن اجتنبت ~~الكبائر» ، فقال جمهورهم: هو شرط في معنى الوعد كله، أي إن اجتنبت الكبائر ~~كانت العبادات المذكورة كفارة للذنوب، فإن لم تجتنب لم تكفر العبادات شيئا ~~من الصغائر. وقالت فرقة: معنى قوله إن اجتنبت: أي هي التي لا تحطها ~~العبادات، فإنما شرط ذلك ليصح بشرطه عموم قوله: ما بينهما، وإن لم تحطها ~~العبادات وحطت الصغائر. # قال القاضي أبو محمد: وبهذا أقول وهو الذي يقتضيه حديث خروج الخطايا مع ~~قطر الماء وغيره وذلك كله بشرط التوبة من تلك الصغائر وعدم الإصرار عليها، ~~وهذا نص الحذاق الأصوليين. وعلى التأويل الأول تجيء هذه مخصوصة في مجتنبي ~~الكبائر فقط. # وقوله ذلك إشارة إلى الصلوات، ووصفها ب ذكرى، أي هي سبب ذكر وموضع ذكرى، ~~ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الإخبار ب إن الحسنات يذهبن السيئات، فتكون ~~هذه الذكرى تحض على الحسنات، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى جميع ما تقدم من ~~الأوامر والنواهي في هذه السورة، وهو تفسير الطبري. # ثم أمره تعالى بالصبر، وجاءت هذه ms1843 الآيات في نمط واحد: أعلمه الله تعالى ~~أنه يوفي جميع الخلائق أعمالهم المسيء والمحسن، ثم أمره بالاستقامة ~~والمؤمنين معه، ثم أمره بإقامة الصلوات ووعد على ذلك ثم أمره بالصبر على ~~التبليغ والمكاره في ذات الله تعالى، ثم وعد بقوله: فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين. PageV03P213 # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 116 الى 117] # فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) # لولا هي التي للتحضيض- لكن يقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي ~~أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد، وهذا نحو قوله: يا حسرة على ~~العباد [يس: 30] ، والقرون من قبلكم هم قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره، ~~والقرن من الناس: المقترنون في زمان طويل أكثره- فيما حد الناس- مائة سنة، ~~وقيل ثمانون وقيل غير ذلك إلى ثلاثين سنة والأول أرجح لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن إلى رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو ~~اليوم على ظهر الأرض أحد» . # قال ابن عمر: يريد أنها تخرم ذلك القرن وبقية هنا يراد بها النظر والعقل ~~والحزم والثبوت في الدين، وإنما قيل: بقية لأن الشرائع والدول ونحوها- ~~قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر ~~الأول. # وقرأت فرقة: «بقية» بتخفيف الياء وهو رد فعيلة إلى فعلة، وقرأ أبو جعفر ~~وشيبة «بقية» بضم الباء وسكون القاف على وزن فعلة. # والفساد في الأرض هو الكفر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآية فيها ~~تنبيه لأمة محمد وحض على تغيير المنكر والنهي عن الفساد ثم استثنى الله ~~تعالى القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم. ~~وقليلا نصب على الاستثناء وهو منقطع عند سيبويه، والكلام عنده موجب، وغيره ~~يراه منفيا من حيث معناه أنه لم يكن فيهم أولو بقية. # وقرأ جمهور الناس «واتبع» ms1844 على بناء الفعل للفاعل، وقرأ حفص بن محمد: ~~«واتبع» على بنائه للمفعول، ورويت عن أبي عمرو. # وما أترفوا فيه أي عاقبة ما نعموا به- على بناء الفعل للمفعول- والمترف: ~~المنعم الذي شغلته ترفته عن الحق حتى هلك ومنه قول الشاعر: # تحيي رؤوس المترفين الصداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد # يريد المسئول، يقال ماده: إذا سأله. وقوله: بظلم، يحتمل أن يريد بظلم منه ~~لهم- تعالى عن ذلك- قال الطبري: ويحتمل أن يريد: بشرك منهم، وهم مصلحون في ~~أعمالهم وسيرهم، وعدل بعضهم في بعض، أي أنهم لا بد من معصية تقترن بكفرهم. PageV03P214 # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قيل إن الله ~~تعالى يمهل الدول على الكفر ولا يمهلها على الظلم والجور، ولو عكس لكان ذلك ~~متجها، أي ما كان الله ليعذب أمة بظلمهم في معاصيهم وهم مصلحون في الإيمان، ~~والاحتمال الأول في ترتيبنا أصح إن شاء الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 118 الى 119] # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) # المعنى: لجعلهم أمة واحدة مؤمنة- قاله قتادة- حتى لا يقع منهم كفر ولا ~~تنزل بهم مثلة، ولكنه عز وجل لم يشأ ذلك، فهم لا يزالون مختلفين في الأديان ~~والآراء والملل- هذا تأويل الجمهور- قال الحسن وعطاء ومجاهد وغيرهم: ~~المرحومون المستثنون هم المؤمنون ليس عندهم اختلاف. وقالت فرقة: لا يزالون ~~مختلفين في السعادة والشقاوة، وهذا قريب المعنى من الأول إذ هي ثمرة ~~الأديان والاختلاف فيها، ويكون الاختلاف- على هذا التأويل- يدخل فيه ~~المؤمنون إذ هم مخالفون للكفرة وقال الحسن أيضا: لا يزالون مختلفين في ~~الغنى والفقر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد معناه من معنى الآية، ثم استثنى الله ~~تعالى من الضمير في يزالون من رحمه من الناس بأن هداه إلى الإيمان ووفقه ~~له. # وقوله: ولذلك خلقهم اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة: ولشهود اليوم ~~المشهود- المتقدم ذكره- خلقهم، وقالت فرقة: ذلك إشارة إلى قوله- قبل- فمنهم ~~شقي وسعيد [هود: 105] أي ms1845 لهذا خلقهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذان المعنيان وإن صحا فهذا العود المتباعد ليس ~~بجيد وروى أشهب عن مالك أنه قال: ذلك إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة ~~وفريق في السعير. # قال القاضي أبو محمد: فجاءت الإشارة بذلك إلى الأمرين: الاختلاف والرحمة ~~وقد قاله ابن عباس واختاره الطبري ويجيء- عليه- الضمير في خلقهم للصنفين ~~وقال مجاهد وقتادة ذلك عائد على الرحمة التي تضمنها قوله: إلا من رحم، أي ~~وللرحمة خلق المرحومين، قال الحسن، وذلك إشارة إلى الاختلاف الذي في قوله: ~~ولا يزالون مختلفين. # قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن يقال: كيف خلقهم للاختلاف؟ وهل معنى ~~الاختلاف هو المقصود بخلقهم؟ فالوجه في الانفصال أن نقول: إن قاعدة الشرع ~~أن الله عز وجل خلق خلقا للسعادة وخلقا للشقاوة، ثم يسر كلا لما خلق له، ~~وهذا نص في الحديث الصحيح وجعل بعد ذلك الاختلاف في PageV03P215 # الدين على الحق هو أمارة الشقاوة وبه علق العقاب، فيصح أن يحمل قوله هنا ~~وللاختلاف خلقهم: أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة. ويصح أن يجعل ~~اللام في قوله: ولذلك لام الصيرورة أي وخلقهم ليصير أمرهم إلى ذلك، وإن لم ~~يقصد بهم الاختلاف. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~[الذاريات: 56] أي لآمرهم بالعبادة، وأوجبها عليهم، فعبر عن ذلك بثمرة ~~الأمر ومقتضاه. # وقوله، وتمت كلمة ربك أي نفذ قضاؤه وحق أمره، واللام في لأملأن لام قسم ~~إذ «الكلمة» تتضمن القسم. و «الجن» جمع لا واحد له من لفظه وهو من أجن إذا ~~ستر و «الهاء» في بالجنة للمبالغة. وإن كان الجن يقع على الواحد فالجنة ~~جمعه. # قوله عز وجل: ### || [سورة هود (11) : الآيات 120 الى 123] # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~(121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع ~~الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) # قوله: وكلا مفعول ms1846 مقدم ب نقص وقيل: هو منصوب على الحال، وقيل على المصدر. # قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، وما بدل من قوله: كلا، ونثبت به ~~فؤادك أي نؤنسك فيما تلقاه، ونجعل لك الأسوة في من تقدمك من الأنبياء، ~~وقوله: في هذه قال الحسن: هي إشارة إلى دار الدنيا، وقال ابن عباس: إلى ~~السورة والآيات التي فيها ذكر قصص الأمم، وهذا قول الجمهور. # قال القاضي أبو محمد: ووجه تخصيص هذه السورة بوصفها ب الحق- والقرآن كله ~~حق- أن ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر، أي جاءك في هذه ~~السورة الحق الذي أصاب الأمم الظالمة، وهذا كما يقال عند الشدائد: جاء الحق ~~وإن كان الحق يأتي في غير شديدة وغير ما وجه، ولا يستعمل في ذلك: جاء الحق، ~~ثم وصف أيضا أن ما تضمنته السورة هي موعظة وذكرى للمؤمنين فهذا يؤيد أن ~~لفظة الحق إنما تختص بما تضمنت من وعيد للكفرة. # وقوله تعالى: وقل للذين لا يؤمنون الآية، هذه آية وعيد، أي اعملوا على ~~حالاتكم التي أنتم عليها من كفركم. PageV03P216 # وقرأ الجمهور هنا: مكانتكم واحدة دالة على جمع وألفاظ هذه الآية تصلح ~~للموادعة، وتصلح أن تقال على جهة الوعيد المحض والحرب قائمة. # وقوله تعالى: ولله غيب السماوات والأرض الآية، هذه آية تعظم وانفراد بما ~~لا حظ لمخلوق فيه، وهو علم الغيب، وتبيين أن الخير والشر، وجليل الأشياء ~~وحقيرها- مصروف إلى أحكام مالكه، ثم أمر البشر بالعبادة والتوكل على الله ~~تعالى، وفيها زوال همه وصلاحه ووصوله إلى رضوان الله. # وقرأ السبعة- غير نافع- «يرجع الأمر» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ نافع ~~وحفص عن عاصم: «يرجع الأمر» على بنائه للمفعول ورواها ابن أبي الزناد عن ~~أهل المدينة، وقرأ «تعملون» بالتاء من فوق، نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، ~~وهي قراءة الأعرج والحسن وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمرو وقتادة والجحدري، ~~واختلف عن الحسن وعيسى، وقرأ الباقون «يعلمون» بالياء على كناية الغائب. PageV03P217 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يوسف # هذه السورة مكية، ويروى أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه ms1847 وسلم عن ~~قصة يوسف فنزلت السورة بسبب ذلك ويروى أن اليهود أمروا كفار مكة أن يسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فنزلت ~~السورة وقيل: سبب نزولها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يفعله به ~~قومه بما فعل إخوة يوسف بيوسف، وسورة يوسف لم يتكرر من معناها في القرآن ~~شيء كما تكررت قصص الأنبياء، ففيها حجة على من اعترض بأن الفصاحة تمكنت ~~بترداد القول، وفي تلك القصص حجة على من قال في هذه: لو كررت لفترت ~~فصاحتها. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~(2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين (3) # تقدم القول في فواتح السور، والكتاب القرآن، ووصفه ب المبين قيل: من جهة ~~أحكامه وحلاله وحرامه، وقيل: من جهة مواعظة وهداه ونوره، وقيل: من جهة بيان ~~اللسان العربي وجودته إذ فيه ستة أحرف لم تجتمع في لسان- روي هذا القول عن ~~معاذ بن جبل- ويحتمل أن يكون مبينا لنبوة محمد بإعجازه. # والصواب أنه «مبين» بجميع هذه الوجوه. والضمير في قوله: أنزلناه ل ~~الكتاب، والإنزال: إما بمعنى الإثبات، وإما أن تتصف به التلاوة والعبارة ~~وقال الزجاج: الضمير في أنزلناه يراد به خبر يوسف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقوله: لعلكم يحتمل أن تتعلق ب أنزلناه ~~أي أنزلناه لعلكم، ويحتمل أن تتعلق بقوله: عربيا أي جعلناه عربيا لعلكم ~~تعقلون، إذ هو لسانكم. # وقرآنا حال، وعربيا صفة له، وقيل: إن قرآنا بدل من الضمير- وهذا فيه نظر- ~~وقيل: # قرآنا توطئة للحال وعربيا حال، وهذا كما تقول: مررت بزيد رجلا صالحا، ~~وقوله: نحن نقص عليك الآية، روى ابن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ملوا ملة فقالوا: لو قصصت PageV03P218 # علينا يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: لو ~~حدثتنا يا رسول الله، فنزلت الله نزل ms1848 أحسن الحديث كتابا [الزمر: 23] . # والقصص: الإخبار بما جرى من الأمور، كأن الأنباء تتبع بالقول، وتقتص ~~بالأخبار كما يقتص الآخر، وقوله: بما أوحينا إليك أي بوحينا. والقرآن نعت ل ~~هذا، ويجوز فيه البدل، وعطف البيان فيه ضعيف. وإن هي المخففة من الثقيلة ~~واللام في خبرها لام التأكيد- هذا مذهب البصريين- ومذهب أهل الكوفة أن إن ~~بمعنى ما، واللام بمعنى إلا. والضمير في قبله للقصص العام لما في جميع ~~القرآن منه. ومن الغافلين، أي عن معرفة هذا القصص. ومن قال: إن الضمير في ~~قبله عائد على القرآن، جعل من الغافلين في معنى قوله تعالى: ووجدك ضالا ~~فهدى [الضحى: 7] أي على طريق غير هذا الدين الذي بعثت به، ولم يكن عليه ~~السلام في ضلال الكفار ولا في غفلتهم لأنه لم يشرك قط، وإنما كان مستهديا ~~ربه عز وجل موحدا، والسائل عن الطريق المتخير يقع عليه في اللغة اسم ضال. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : آية 4] # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) # العامل في إذ فعل مضمر تقديره: اذكر إذ ويصح أن يعمل فيه نقص [يوسف: 3] ~~كأن المعنى: نقص عليك الحال إذ وحكى مكي أن العامل فيه لمن الغافلين [يوسف: ~~3] ، وهذا ضعيف. # وقرأ طلحة بن مصرف «يوسف» بالهمز وفتح السين- وفيه ست لغات: «يوسف» بضم ~~الياء وسكون الواو وبفتح السين وبضمها وبكسرها وكذلك بالهمز. وقرأ الجمهور ~~«يا أبت» بكسر التاء حذفت الياء من أبي وجعلت التاء بدلا منها، قاله ~~سيبويه، وقرأ ابن عامر وحده وأبو جعفر والأعرج: «يا أبت» بفتحها، وكان ابن ~~كثير وابن عامر يقفان بالهاء فأما قراءة ابن عامر بفتح التاء فلها وجهان: ~~إما أن يكون: «يا أبتا» ، ثم حذفت الألف تخفيفا وبقيت الفتحة دالة على ~~الألف، وإما أن يكون جاريا مجرى قولهم: يا طلحة أقبل، رخموه ثم ردوا ~~العلامة ولم يعتد بها بعد الترخيم، وهذا كقولهم: اجتمعت اليمامة ثم قالوا: ~~اجتمعت أهل اليمامة، فردوا لفظة الأهل ولم يعتدوا بها، وقرأ أبو جعفر ~~والحسن وطلحة ms1849 بن سليمان: «أحد عشر كوكبا» بسكون العين لتوالي الحركات، ~~ويظهر أن الاسمين قد جعلا واحدا. # وقيل: إنه قد رأى كواكب حقيقة والشمس والقمر فتأولها يعقوب إخوته وأبويه، ~~وهذا قول الجمهور، وقيل: الإخوة والأب والخالة لأن أمه كانت ميتة، وقيل ~~إنما كان رأى إخوته وأبويه فعبر عنهم بالكواكب والشمس والقمر، وهذا ضعيف ~~ترجم به الطبري، ثم أدخل عن قتادة والضحاك وغيرهما كلاما محتملا أن يكون ~~كما ترجم وأن يكون مثل قول الناس، وقال المفسرون: القمر تأويله: الأب، ~~والشمس تأويلها: الأم، فانتزع بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته ~~على بر الأب، وحكى الطبري عن PageV03P219 # جابر بن عبد الله أن يهوديا يسمى بستانة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: أخبرني عن أسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام، فسكت عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها، ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك ~~بذلك؟ قال: نعم، قال: حربان، والطارق، والذيال، وذا الكنفان، وقابس، ووثاب، ~~وعمودان والفليق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور فقال ~~اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. # وتكرر رأيتهم لطول الكلام وجرى ضمائر هذه الكواكب في هذه الآية مجرى ~~ضمائر من يعقل إنما كان لما وصفت بأفعال هي خاصة بمن يعقل. # وروي أن رؤيا يوسف كانت ليلة القدر ليلة جمعة، وأنها خرجت بعد أربعين ~~سنة، وقيل: بعد ثمانين سنة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 5 الى 6] # قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك ~~وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم ~~(6) # تقتضي هذه الآية أن يعقوب عليه السلام كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، ~~فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم، فيعملوا الحيلة على ~~هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف- الذي يأتي ms1850 ذكره- يظهر أنهم لم يكونوا ~~أنبياء في ذلك الوقت. ووقع في كتاب الطبري لابن زيد: # أنهم كانوا أنبياء وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي وعن ~~عقوق الأباء وتعريض مؤمن للهلاك والتوافر في قتله. # ثم أعلمه: إن الشيطان للإنسان عدو مبين أي هو يدخلهم في ذلك ويحضهم عليه. # وأمال الكسائي رؤياك، والرؤيا حيث وقعت وروي عنه: أنه لم يمل: رؤياك في ~~هذه السورة وأمال الرؤيا حيث وقعت، وقرأ «روياك» بغير همز- وهي لغة أهل ~~الحجاز- ولم يملها الباقون حيث وقعت. # و «الرؤيا» مصدر كثر وقوعه على هذا المتخيل في النوم حتى جرى مجرى ~~الأسماء كما فعلوا في الدر في قولهم: لله درك فخرجا من حكم عمل المصادر ~~وكسروها رؤى بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر. # وقوله: وكذلك يجتبيك الآية، ف يجتبيك معناه: يختارك ويصطفيك، ومنه: جبيت ~~الماء في الحوض، ومنه: جباية المال، وقوله: ويعلمك من تأويل الأحاديث قال ~~مجاهد والسدي: هي عبارة الرؤيا. وقال الحسن: هي عواقب الأمور. وقيل: هي ~~عامة لذلك وغيره من المغيبات. وقوله: ويتم نعمته PageV03P220 # يريد النبوءة وما انضاف إليها من سائر النعم. وقوله: آل يعقوب يريد في ~~هذا الموضع الأولاد والقرابة التي هي من نسله، أي يجعل فيهم النبوءة، ويروى ~~أن ذلك إنما علمه يعقوب من دعوة إسحاق له حين تشبه له بعيصو- والقصة كاملة ~~في كتاب النقاش لكني اختصرتها لأنه لم ينبل ألفاظها وما أظنه انتزعها إلا ~~من كتب بني إسرائيل، فإنها قصة مشهورة عندهم، وباقي هذه الآية بين. و ~~«النعمة» على يوسف كانت تخليصه من السجن وعصمته والملك الذي نال وعلى ~~إبراهيم هي اتخاذه خليلا وعلى إسحاق فديته بالذبح العظيم، مضافا ذلك كله ~~إلى النبوءة. وعليم حكيم مناسبتان لهذا الوعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 7 الى 10] # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ms1851 (9) قال قائل منهم لا ~~تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين (10) # قرأ الجمهور «آيات» بالجمع، وقرأ ابن كثير- وحده- «آية» بالإفراد، وهي ~~قراءة مجاهد وشبل وأهل مكة فالأولى: على معنى أن كل حال من أحواله آية ~~فجمعها. والثانية: على أنه بجملته آية، وإن تفصل بالمعنى، ووزن «آية» فعلة ~~أو فعلة أو فاعلة على الخلاف فيه، وذكر الزجاج: أن في غير مصحف عثمان: ~~«عبرة للسائلين» قال أبو حاتم: هو في مصحف أبي بن كعب. # وقوله: للسائلين يقتضي حضا ما على تعلم هذه الأنباء، لأنه إنما المراد ~~آية للناس، فوصفهم بالسؤال إذ كل واحد ينبغي أن يسأل عن مثل هذه القصص، إذ ~~هي مقر العبر والاتعاظ. ويصح أيضا أن يصف الناس بالسؤال من حيث كان سبب ~~نزول السورة سؤال سائل كما روي. وقولهم: وأخوه يريدون به: يامين- وهو أصغر ~~من يوسف- ويقال له: بنيامين، وقيل: كان شقيق يوسف وكانت أمهما ماتت، ويدل ~~على أنهما شقيقان تخصيص الأخوة لهما ب أخوه وهي دلالة غير قاطعة. وكان حب ~~يعقوب ليوسف عليه السلام ويامين لصغرهما وموت أمهما، وهذا من حب الصغير هي ~~فطرة البشر وقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر ~~والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يفيق. # وقولهم: ونحن عصبة أي نحن جماعة تضر وتنفع، وتحمي وتخذل، أي لنا كانت ~~تنبغي المحبة والمراعاة. و «العصبة» في اللغة: الجماعة، قيل: من عشرة إلى ~~خمسة عشر، وقيل: من عشرة إلى أربعين، وقال الزجاج: العشرة ونحوهم، وفي ~~الزهراوي: الثلاثة: نفر- فإذا زادوا فهم: رهط إلى التسعة، فإذا زادوا فهم: ~~عصبة، ولا يقال لأقل من عشرة: عصبة. وقولهم: لفي ضلال مبين أي لفي اختلاف ~~وخطأ في محبة يوسف وأخيه، وهذا هو معنى الضلال، وإنما يصغر قدره أو يعظم ~~بحسب الشيء الذي فيه يقع الائتلاف. ومبين معناه: يظهر للمتأمل. PageV03P221 # وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة «مبين اقتلوا» بكسر التنوين في ~~الوصل لالتقاء ساكن التنوين والقاف، وقرأ نافع وابن كثير والكسائي «مبين ~~اقتلوا» بكسر النون ms1852 وضم التنوين اتباعا لضمة التاء ومراعاة لها. # وقوله: اقتلوا يوسف الآية، كانت هذه مقالة بعضهم. أو اطرحوه معناه: ~~أبعدوه، ومنه قول عروة بن الورد: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... يغرر ويطرح نفسه كل مطرح # والنوى: الطروح البعيدة، وأرضا مفعول ثان بإسقاط حرف الجر، لأن طرح- لا ~~يتعدى إلى مفعولين إلا كذلك. وقالت فرقة: هو نصب على الظرف- وذلك خطأ لأن ~~الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه هنا ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة ~~أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك إبهامها، ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في ~~أرض، فبين أنها أرض بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه. # وقوله: يخل لكم وجه أبيكم استعارة، أي إذا فقد يوسف رجعت محبته إليكم، ~~ونحو هذا قول العربي حين أحبته أمه لما قتل إخوته وكانت قبل لا تحبه: الثكل ~~أرأمها، أي عطفها عليه، والضمير في بعده عائد على يوسف أو قتله أو طرحه، ~~وصالحين قال السدي ومقاتل بن سليمان: إنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم، ~~وهذا يشبه أن يكون قصدهم في تلك الحال ولم يكونوا حينئذ أنبياء، وقال ~~الجمهور: صالحين معناه بالتوبة، وهذا هو الأظهر من اللفظ، وحالهم أيضا ~~تعطيه، لأنهم مؤمنون بثوا على عظيمة وعللوا أنفسهم بالتوبة والقائل منهم ~~قيل: هو روبيل- أسنهم- قاله قتادة وابن إسحاق، وقيل: # يهوذا أحلمهم، وقيل شمعون أشجعهم، قاله مجاهد، وهذا عطف منه على أخيه لا ~~محالة لما أراد الله من إنفاذ قضائه. و «الغيابة» ما غاب عنك من الأماكن أو ~~غيب عنك شيئا آخر. # وقرأ الجمهور: «غيابة الجب» ، وقرأ نافع وحده «غيابات الجب» ، وقرأ ~~الأعرج «غيابات الجب» بشد الياء، قال أبو الفتح: هو اسم جاء على فعالة، كان ~~أبو علي يلحقه بما ذكر سيبويه من الفياد ونحوه، ووجدت أنا من ذلك: التيار ~~للموج والفجار للخزف. # قال القاضي أبو محمد: وفي شبه غيابة بهذه الأمثلة نظر لأن غيابة جارية ~~على فعل. # وقرأ الحسن: «في غيبة الجب» على وزن فعلة، وكذلك خطت في مصحف أبي بن كعب، ms1853 ~~ومن هذه اللفظة قول الشاعر- وهو المنخل- # فإن أنا يوما غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # والجب البئر التي لم تطو لأنها جبت من الأرض فقط. # وقرأ الجمهور: «يلتقطه بعض» بالياء من تحت على لفظ بعض، وقرأ الحسن ~~البصري ومجاهد وقتادة وأبو رجاء «تلتقطه» بالتاء، وهذا من حيث أضيف «البعض» ~~إلى السيارة فاستفاد منها تأنيث العلاقة، ومن هذا قول الشاعر: [الوافر] PageV03P222 # أرى مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال # ومنه قول الآخر: [الطويل] # إذا مات منهم سيد قام سيد ... فذلت له أهل القرى والكنائس # وقول كعب: [الكامل] # ذلت لوقعتها جميع نزار ... # ................ # حين أراد بنزار القبيلة، وأمثلة هذا كثير. # وروي أن جماعة من الأعراب التقطت يوسف عليه السلام: والسيارة جمع سيار. ~~وهو بناء للمبالغة، وقيل في هذا الجب: أنه بئر بيت المقدس. وقيل: غيره: ~~وقيل: لم يكن حيث طرحوه ماء ولكن أخرجه الله فيه حتى قصده الناس للاستقاء: ~~وقيل: بل كان فيه ماء كثير يغرق يوسف فنشز حجر من أسفل الجب حتى ثبت عليه ~~يوسف، وروي أنهم رموه بحبل في الجب فتماسك بيديه حتى ربطوا يديه ونزعوا ~~قميصه ورموه حينئذ، وهموا برضخه بالحجارة فمنعهم أخوهم المشير بطرحه من ~~ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 11 الى 15] # قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) أرسله معنا ~~غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف ~~أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا ~~إذا لخاسرون (14) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا ~~إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) # الآية الأولى تقتضي أن أباهم قد كان علم منهم إرادتهم الخبيثة في جهة ~~يوسف. وهذه أنهم علموا هم منه بعلمه ذلك. # وقرأ الزهري وأبو جعفر «لا تأمنا» بالإدغام دون إشمام. ورواها الحلواني ~~عن قالون، وقرأ السبعة بالإشمام للضم، وقرأ طلحة بن مصرف «لا تأمننا» وقرأ ~~ابن وثاب والأعمش «لا تيمنا» بكسر تاء العلامة. ms1854 # وغدا ظرف أصله: غدو، فلزم اليوم كله، وبقي الغدو والغدوة اسمين لأول ~~النهار، وقال النضر ابن شميل: ما بين الفجر إلى الإسفار يقال فيه غدوة. ~~وبكرة. # وقرأ أبو عمرو وأبو عامر: «نرتع ونلعب» بالنون فيهما وإسكان العين ~~والباء، و «نرتع» - على هذا- من الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في ~~أكل وشرب، ومنه قول الغضبان بن القبعثري: القيد والرتعة وقلة التعتعة. ومنه ~~قول الشاعر: [الوافر] ... وبعد عطائك المائة الرتاعا PageV03P223 # و «لعبهم» هذا دخل في اللعب المباح كاللعب بالخيل والرمي ونحوه، فلا وصم ~~عليهم في ذلك، وليس باللعب الذي هو ضد الحق وقرين اللهو، وقيل لأبي عمرو بن ~~العلاء: كيف يقولون: نلعب وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا حينئذ أنبياء. # وقرأ ابن كثير: «نرتع ونلعب» بالنون فيهما، وبكسر العين وجزم الباء، وقد ~~روي عنه «ويلعب» بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد. و «نرتع» - على هذا- من ~~رعاية الإبل: وقال مجاهد هي من المراعاة: أي يراعي بعضنا بعضا ويحرسه، وقرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي «يرتع ويلعب» بإسناد ذلك كله إلى يوسف، وقرأ نافع ~~«يرتع» بالياء فيهما وكسر العين وجزم الباء، ف «يرتع» - على هذا- من رعي ~~الإبل قال ابن زيد: المعنى: # يتدرب في الرعي وحفظ المال ومن الارتعاء قول الأعشى: # ترتعي السفح فالكثيب فذاقا ... ن فروض القطا فذات الرئال # قال أبو علي: وقراءة ابن كثير- «نرتع» بالنون و «يلعب» بالياء- فنزعها ~~حسن، لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه. # وقرأ العلاء بن سيابة، «يرتع ويلعب» برفع الباء على القطع. وقرأ مجاهد ~~وقتادة: «نرتع» بضم النون وكسر التاء و «نلعب» بالنون والجزم. وقرأ ابن ~~كثير- في بعض الروايات عنه- «نرتعي» بإثبات الياء- وهي ضعيفة لا تجوز إلا ~~في الشعر كما قال الشاعر: [الوافر] # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد # وقرأ أبو رجاء «يرتع» بضم الياء وجزم العين و «يلعب» بالياء والجزم. # وعللوا طلبه والخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف لصباه من الرتوع واللعب ~~والنشاط. # وقوله تعالى: إني ليحزنني الآية. # قرأ عاصم وابن كثير والحسن والأعرج وعيسى ms1855 وأبو عمرو وابن محيصن «ليحزنني» ~~بفتح الياء وضم الزاي، قال أبو حاتم: وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي ~~والإدغام، ورواية روش عن نافع: بيان النونين مع ضم الياء وكسر الزاي في ~~جميع القرآن، وأن الأولى فاعلة والثانية مفعولة ب أخاف. وقرأ الكسائي وحده: ~~«الذيب» دون همز وقرأ الباقون بالهمز- وهو الأصل ومنه جمعهم إياه على ~~ذؤبان، ومنه تذاءبت الريح والذئاب إذا أتت من هاهنا وهاهنا. وروى ورش عن ~~نافع: «الذيب» بغير همز، وقال نصر: سمعت أبا عمرو لا يهمز، قال: وأهل ~~الحجاز يهمزون. # وإنما خاف يعقوب الذئب دون سواه، وخصصه لأنه كان الحيوان العادي المنبت ~~في القطر، وروي أن يعقوب كان رأى في منامه ذئبا يشتد على يوسف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحيا، ~~فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب بمعرفته لعبارة ~~مثال هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا PageV03P224 # أن يكون قوله: أخاف أن يأكله الذئب بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من ~~أمر الذئب- وهذا بعيد- وكذلك يقول الربيع بن ضبع: [المنسرح] والذئب أخشاه ~~... # إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي، ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه ~~السلام لصغر يوسف: # أي أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه، وكذلك خصصه الربيع لحقارته وضعفه في ~~الحيوان، وباقي الآية بين. # وقوله تعالى: فلما ذهبوا به الآية، أسند الطبري إلى السدي قال: ذهبوا ~~بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه ~~يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما، فضربوه حتى كادوا ~~يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما صنع بابنك بنو ~~الإماء، فقال لهم يهوذا: ألم تعطوني موثقا أن لا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى ~~الجب، فجعلوا يدلونه فيتعلق بالشفير فربطوا يديه ونزعوا قميصه. فقال: يا ~~إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب، فقالوا: ادع الشمس والقمر ~~والكواكب تؤنسك فدلوه حتى إذا بلغ نصف الجب ألقوه إرادة أن يموت، فكان ms1856 في ~~الجب ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة يبكي، فنادوه، فظن أنهم رحموه، فأجابهم، ~~فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام. # وجواب «لما» محذوف تقديره: فلما ذهبوا به وأجمعوا أجمعوا، هذا مذهب ~~الخليل وسيبويه وهو نص لهما في قول امرئ القيس: [الطويل] فلما أجزنا ساحية ~~الحي وانتحى ... # ومثل هذا قول الله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين [الصافات: 103]- وقال ~~بعض النحاة- في مثل هذا-: إن الواو زائدة- وقوله مردود لأنه ليس في القرآن ~~شيء زائد لغير معنى. # وأجمعوا معناه: عزموا واتفق رأيهم عليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم- في المسافر- «ما لم يجمع مكثا» ، على أن إجماع الواحد قد ينفرد بمعنى ~~العزم والشروع، ويتصور ذلك في إجماع إخوة يوسف وفي سائر الجماعات- وقد يجيء ~~إجماع الجماعة فيما لا عزم فيه ولا شروع ولا يتصور ذلك في إجماع الواحد. # والضمير في إليه عائد إلى يوسف. وقيل على يعقوب، والأول أصح وأكثر، ~~ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو ~~بنوم- وكل ذلك قد قيل- وقال الحسن: أعطاه الله النبوءة وهو في الجب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد. # وقرأ الجمهور: «لتنبئنهم» بالتاء، وفي بعض مصاحف البصرة بالياء، وقرأ ~~سلام بالنون، وهذا كله في العلامة التي تلي اللام. PageV03P225 # وقوله: وهم لا يشعرون قال ابن جريح: وقت التنبيه إنك يوسف. وقال قتادة: ~~لا يشعرون بوحينا إليه. # قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله: وهم لا يشعرون- على التأويل الأول- مما ~~أوحي إليه- وعلى القول الثاني- خبر لمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 16 الى 18] # وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف ~~عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاؤ على ~~قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون (18) # قرأت فرقة «عشاء» أي وقت العشاء، وقرأ الحسن: «عشى» على مثال دجى، أي جمع ~~عاش، قال أبو الفتح: «عشاة» كماش ومشاة، ولكن حذفت الهاء تخفيفا ms1857 كما حذفت ~~من مألكة، وقال عدي: # أبلغ النعمان عني مألكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري # قال القاضي أبو محمد: ومعنى ذلك أصابهم عشا من البكاء أو شبه العشا إذ ~~كذلك هي هيئة عين الباكي لأنه يتعاشى، ومثل شريح في امرأة بكت وهي مبطلة ~~ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، وروي أن يعقوب لما سمع بكاءهم قال: ما بالكم أجرى ~~في الغنم شيء؟ قالوا: لا، قال فأين يوسف؟ قالوا: ذهبنا نستبق فبكى وصاح ~~وقال: أين قميصه؟ - وسيأتي قصص ذلك. # ونستبق معناه: على الأقدام أي نجري غلابا، وقيل: بالرمي أي ننتصل. وهو ~~نوع من المسابقة، قاله الزجاج. # وقولهم: وما أنت بمؤمن أي بمصدق ومعنى الكلام: أي لو كنا موصوفين بالصدق ~~وقيل: # المعنى: ولو كنت تعتقد ذلك فينا في جميع أقوالنا قديما لما صدقتنا في هذه ~~النازلة خاصة لما لحقك فيها من الحزن ونالك من المشقة ولما تقدم من تهمتك ~~لنا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره الزجاج وغيره، ويحتمل أن يكون قولهم: ~~ولو كنا صادقين، بمعنى: وإن كنا صادقين- وقاله المبرد- كأنهم أخبروا عن ~~أنفسهم أنهم صادقون في هذه النازلة، فهو تماد منهم في الكذب ويكون بمنزلة ~~قوله: أولو كنا كارهين [الأعراف: 88] بمعنى أو إن كنا كارهين. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وتخبط الرماني في هذا ~~الموضع، وقال: ألزموا أباهم عنادا ونحو هذا مما لا يلزم لأنهم لم يقولوا: ~~وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين في معتقدك، بل قالوا: وما أنت بمصدق لنا ~~ولو كنا صادقين فيما نعتقد نحن، وأما أنت فقد غلب عليك سوء الظن بنا. ولا PageV03P226 # ينكر أن يعتقد الأنبياء عليهم السلام صدق الكاذب وكذب الصادق ما لم يوح ~~إليهم، فإنما هو بشر، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنكم ~~تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما ~~أسمع منه..» الحديث. فهذا يقتضي أنه جوز على نفسه أن يصدق الكاذب. وكذلك قد ~~صدق عليه السلام عبد الله بن ms1858 أبي حين حلف على مقالة زيد بن أرقم وكذب زيدا، ~~حتى نزل الوحي، فظهر الحق، فكلام اخوة يوسف إنما هو مغالطة ومحاجة لا إلزام ~~عناد. # وقوله تعالى: وجاؤ على قميصه بدم كذب الآية، روي أنهم أخذوا سخلة أو جديا ~~فذبحوه ولطخوا به قميص يوسف، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه ولطخ به وجهه ~~وبكى، ثم تأمله فلم ير خرقا ولا أثر ناب. فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: ~~متى كان الذئب حليما، يأكل يوسف ولا يخرق قميصه؟ - قص هذا القصص ابن عباس ~~وغيره، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم لصحة القميص- واستند الفقهاء إلى ~~هذا في إعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها- في قول مالك- إلى غير ذلك. # قال الشافعي: كان في القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم وشهادته في قده، ~~ورد بصر يعقوب به. وروي أنهم ذهبوا فأخذوا ذئبا فلطخوا فاه بالدم وساقوه ~~وقالوا ليعقوب، هذا أكل يوسف، فدعاه يعقوب فأقعى وتكلم بتكذيبهم. # ووصف الدم ب كذب إما على معنى بدم ذي كذب، وإما أن يكون بمعنى مكذوب ~~عليه، كما قد جاء المعقول بدل العقل في قول الشاعر: [الكامل] # حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحما ولا لفؤاده معقولا # فكذلك يجيء التكذيب مكان المكذوب. # قال القاضي أبو محمد: هذا كلام الطبري، ولا شاهد له فيه عندي، لأن نفي ~~المعقول يقتضي نفي العقل، ولا يحتاج إلى بدل، وإنما «الدم الكذب» عندي وصف ~~بالمصدر على جهة المبالغة. # وقرأ الحسن: «بدم كذب» بدال غير معجمة، ومعناه الطري ونحوه، وليست هذه ~~القراءة قوية. # ثم قال لهم يعقوب لما بان كذبهم: بل سولت لكم أنفسكم أمرا أي رضيت وجعلت ~~سولا ومرادا. أمرا أي صنعا قبيحا بيوسف. وقوله: فصبر جميل رفع إما على حذف ~~الابتداء وإما على حذف الخبر: إما على تقدير: فشأني صبر جميل، وإما على ~~تقدير فصبر جميل أمثل. وذكر أن الأشهب وعيسى بن عمر قرأ بالنصب: «فصبرا ~~جميلا» على إضمار فعل، وكذلك هي في مصحف أبي ومصحف أنس بن مالك- وهي قراءة ~~ضعيفة عند سيبويه ولا يصلح النصب ms1859 في مثل هذا إلا مع الأمر، ولذا يحسن النصب ~~في قول الشاعر [الرجز] ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى وينشد أيضا بالرفع ~~ويروى «صبر جميل» ، على نداء الجمل المذكور في قوله: [الرجز] PageV03P227 # شكى إلي جملي طول السرى ... يا جملي ليس إلي المشتكى # صبر جميل فكلانا مبتلى وإنما تصح قراءة النصب على أن تقدر يعقوب عليه ~~السلام رجع إلى مخاطبة نفسه أثناء مخاطبة بنيه. # وجميل الصبر ألا تقع شكوى إلى بشر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بث ~~لم يصبر صبرا جميلا. # وقوله: والله المستعان على ما تصفون تسليم لأمر الله تعالى وتوكل عليه، ~~والتقدير على احتمال ما تصفون. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 19 الى 20] # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه ~~من الزاهدين (20) # قيل إن «السيارة» جاءت في اليوم الثاني من طرحه في الجب، سيارة: جمع ~~سيار، كما قالوا بغال وبغالة، وهذا بعكس تمرة وتمر، وسيارة: بناء مبالغة ~~للذين يرددون السير في الطرق. وروي أن هذه «السيارة» كانوا قوما من أهل ~~مدين، وقيل: قوم أعراب. و «الوارد» هو الذي يأتي الماء ليسقي منه لجماعة، ~~ويروى أن مدلي الدلو كان يسمى مالك بن ذعر، ويروى أن هذا الجب كان بالأردن ~~على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، ويقال: «أدلى الدلو» : إذا ألقاه في البئر ~~ليستقي الماء. ودلاه يدلوه: إذا استقاه من البئر. وفي الكلام هنا حذف ~~تقديره: فتعلق يوسف بالحبل فلما بصر به المدلي قال: يا بشراي، وروي أن يوسف ~~كان يومئذ ابن سبع سنين، ويرجح هذا لفظة غلام، فإنه ما بين الحولين إلى ~~البلوغ، فإن قيلت فيما فوق ذلك فعلى استصحاب حال وتجوز وقيل: كان ابن سبع ~~عشرة سنة- وهذا بعيد-. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «يا بشراي» بإضافة البشرى إلى ~~المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول: احضري، فهذا وقتك، وهذا نحو ~~قوله: يا حسرة على العباد [يس: 30] وروى ms1860 ورش عن نافع «يا بشراي» بسكون ~~الياء، قال أبو علي: وفيها جمع بين ساكنين على حد دابة وشابة، ووجه ذلك أنه ~~يجوز أن تختص بها الألف لزيادة المد الذي فيها على المد الذي في أختيها، ~~كما اختصت في القوافي بالتأسيس، واختصت في تخفيف الهمزة نحو هبأة وليس شيء ~~من ذلك في الياء والواو. # وقرأ أبو الطفيل والجحدري وابن أبي إسحاق والحسن «يا بشري» تقلب الألف ~~ياء ثم تدغم في ياء الإضافة، وهي لغة فاشية، ومن ذلك قول أبي ذؤيب: ~~[الكامل] # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع PageV03P228 # وأنشد أبو الفتح وغيره في ذلك: # يطوف بي كعب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا # فإن لم تثأروا لي في معد ... فما أرويتما أبدا صديا # وقرأ حمزة والكسائي «يا بشري» ويميلان ولا يضيفان. وقرأ عاصم كذلك إلا ~~أنه يفتح الراء ولا يميل، واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي: كان في ~~أصحاب هذا «الوارد» رجل اسمه بشرى، فناداه وأعلمه بالغلام، وقيل: هو على ~~نداء البشرى- كما قدمنا- والضمير في قوله: وأسروه ظاهر الآيات أنه ل «وارد» ~~الماء، - قاله مجاهد، وقال: إنهم خشوا من تجار الرفقة إن قالوا: وجدناه أن ~~يشاركوهم في الغلام الموجود. # قال القاضي أبو محمد: هذا إن كانوا فسقة أو يمنعوهم من تملكه إن كانوا ~~خيارا، فأسروا بينهم أن يقولوا: أبضعه معنا بعض أهل المصر. # وبضاعة حال، و «البضاعة» : القطعة من المال يتجر فيها بغير نصيب من ~~الربح، مأخوذة من قولهم: بضعت أي قطعت. وقيل: إنهم أسروا في أنفسهم يتخذونه ~~بضاعة لأنفسهم أي متجرا، ولم يخافوا من أهل الرفقة شيئا ثم يكون الضمير في ~~قوله: وشروه لهم أيضا، أي باعوه بثمن قليل، إذ لم يعرفوا حقه ولا قدره، بل ~~كانوا زاهدين فيه، وروي- على هذا- أنهم باعوه من تاجر. وقال مجاهد: الضمير ~~في أسروه لأصحاب «الدلو» ، وفي شروه لإخوة يوسف الأحد عشر، وقال ابن عباس: ~~بل الضمير في أسروه وشروه لإخوة يوسف. # قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه روي أن إخوته لما رجعوا إلى ms1861 أبيهم وأعلموه ~~رجع بعضهم إلى الجب ليتحققوا أمر يوسف، ويقفوا على الحقيقة من فقده فلما ~~علموا أن الوراد قد أخذوه جاؤوهم فقالوا: # هذا عبد أبق لأمنا ووهبته لنا ونحن نبيعه منكم، فقارهم يوسف على هذه ~~المقالة خوفا منهم، ولينفذ الله أمره فحينئذ أسره إخوته إذ جحدوا إخوته ~~فأسروها، واتخذوه بضاعة أي متجرا لهم ومكسبا وشروه أيضا بثمن بخس، أي ~~باعوه. # وقوله والله عليم بما يعملون إن كانت الضمائر لإخوة يوسف ففي ذلك توعد، ~~وإن كانت الضمائر للواردين ففي ذلك تنبيه على إرادة الله تعالى ليوسف، وسوق ~~الأقدار بناء حاله، فهو- حينئذ- بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: يدبر ~~ابن آدم والقضاء يضحك. # وفي الآية- أيضا- تسلية للنبي عليه السلام عما يجري عليه من جهة قريش، أي ~~العاقبة التي للمتقين هي المراعاة والمنتظرة. # وشروه- هنا- بمعنى باعوه، وقد يقال: شرى، بمعنى اشترى، ومن الأول قول ~~يزيد بن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل] # وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه PageV03P229 # برد: اسم غلام له ندم على بيعه، والضمير يحتمل الوجهين المتقدمين و ~~«البخس» مصدر وصف به «الثمن» وهو بمعنى النقص- وهذا أشهر معانيه- فكأنه ~~القليل الناقص- وهو قول الشعبي- وقال قتادة: # «البخس» هنا بمعنى الظلم، ورجحه الزجاج من حيث الحر لا يحل بيعه، وقال ~~الضحاك: وهو بمعنى الحرام، وهذا أيضا بمعنى لا يحل بيعه. # وقوله: دراهم معدودة عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن ~~لقلتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما دون الأوقية، وهي أربعون درهما، ~~واختلف في مبلغ ثمن يوسف عليه السلام: فقيل باعوه بعشرة دراهم، وقال ابن ~~مسعود: بعشرين، وقال مجاهد: باثنين وعشرين أخذ منها إخوته درهمين وقال ~~عكرمة: # بأربعين درهما دفعت ناقصة خفافا، فهذا كان بخسها. # وقوله: وكانوا فيه من الزاهدين وصف يترتب في «وراد» الماء، أي كانوا لا ~~يعرفون قدره، فهم لذلك قليل اغتباطهم به، لكنه أرتب في إخوة يوسف إذ حقيقة ~~الزهد في الشيء إخراج حبه من القلب ورفضه من اليد، وهذه كانت حال إخوة يوسف ~~في يوسف، وأما الوراد فتمسكهم به وتجرهم ms1862 يمانع زهدهم إلا على تجوز. # وقوله فيه ليست بصلة ل الزاهدين- قاله الزجاج وفيه نظر لأنه يقتضي وصفهم ~~بالزهد على الإطلاق وليس قصد الآية هذا، بل قصدها الزهد الخاص في يوسف، ~~والظروف يجوز فيها من التقديم ما لا يجوز في سائر الصلات، وقد تقدم القول ~~في عود ضمير الجماعة الذي في قوله: وشروه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 21 الى 22] # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين (22) # روي أن مبتاع يوسف- وهو الوارد من إخوته أو التاجر من الوراد، حسبما تقدم ~~من الخلاف- ورد به مصر، البلد المعروف، ولذلك لا ينصرف، فعرضه في السوق، ~~وكان أجمل الناس، فوقعت فيه مزايدة حتى بلغ ثمنا عظيما- فقيل: وزنه من ذهب ~~ومن فضة ومن حرير فاشتراه العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، واسم الملك ~~الريان بن الوليد، وقيل مصعب بن الريان، وهو أحد الفراعنة، وقيل: هو فرعون ~~موسى، عمر إلى زمانه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وذلك أن ظهور يوسف عليه السلام لم يكن ~~في مدة كافر يخدمه يوسف واسم العزيز المذكور: قطفير، قاله ابن عباس، وقيل: ~~أطفير، وقيل: قنطور واسم PageV03P230 # امرأته: راعيل، قاله ابن إسحاق، وقيل ربيحة، وقيل: زليخا، وظاهر أمر ~~العزيز أنه كان كافرا، ويدل على ذلك كون الصنم في بيته- حسبما نذكره في ~~البرهان الذي رأى يوسف- وقال مجاهد: كان العزيز مسلما. # و «المثوى» مكان الإقامة، و «الإكرام» إنما هو لذي المثوى، ففي الكلام ~~استعارة وقوله: عسى أن ينفعنا، أي بأن يعيننا في أبواب دنيانا وغير ذلك من ~~وجوه النفع، وقوله: أو نتخذه ولدا أي نتبناه، وكان فيما يقال لا ولد له. # ثم قال تعالى: وكذلك، أي كما وصفنا مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه فعلنا ~~ذلك. # والأحاديث: الرؤيا في النوم- قاله مجاهد- وقيل: أحاديث الأمم والأنبياء. # والضمير في أمره يحتمل أن يعود ms1863 على يوسف، قاله الطبري، ويحتمل أن يعود ~~على الله عز وجل، قاله ابن جبير، فيكون إخبارا منبها على قدرة الله عز وجل ~~ليس في شأن يوسف خاصة بل عاما في كل أمر. وكذلك الاحتمال في قول الشاعر: ~~[الطويل] # رأيت أبا بكر- وربك- غالب ... على أمره يبغي الخلافة بالتمر # وأكثر الناس الذين نفي عنهم العلم هم الكفرة، وفيهم الذين زهدوا في يوسف ~~وغيرهم ممن جهل أمره، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أصح الناس فراسة ~~ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: أكرمي مثواه، وابنة شعيب حين قالت: ~~«استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين» وأبو بكر حين استخلف عمر بن ~~الخطاب. # قال القاضي أبو محمد: وفراسة العزيز إنما كانت في نفس نجابة يوسف لا أنه ~~تفرس الذي كان كما في المثالين الآخرين، فإن ما تفرس خرج بعينه. # و «الأشد» : استكمال القوة وتناهي البأس، أولهما البلوغ وقد عبر عنه مالك ~~وربيعة ببنية الإنسان، وهما أشدان: وذكره منذر بن سعيد، والثاني: الذي ~~يستعمله العرب وقيل: هو من ثماني عشرة سنة إلى ستين سنة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف: وقيل: «الأشد» : بلوغ الأربعين، ~~وقيل: بل ستة وثلاثون. وقيل: ثلاثة وثلاثون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو أظهر الأقوال- فيما نحسبه- وهو الأسبوع ~~الخامس، وقيل: عشرون سنة، وهذا ضعيف. وقال الطبري: «الأشد» لا واحد له من ~~لفظه، وقال سيبويه: «الأشد» جمع شدة نحو نعمة وأنعم، وقال الكسائي: «أشد» ~~جمع شد نحو قد وأقد، وشد النهار: معظمه وحيث تستكمل نهاريته. # وقوله: حكما يحتمل أن يريد الحكمة والنبوءة، وهذا على الأشد الأعلى، ~~ويحتمل الحكمة والعلم دون النبوءة، وهذا أشبه إن كانت قصة المراودة بعد ~~هذا. وعلما يريد تأويل الأحاديث وغير ذلك. ويحتمل أن يريد بقوله: حكما أي ~~سلطانا في الدنيا وحكما بين الناس بالحق. وتدخل النبوة وتأويل الأحاديث ~~وغير ذلك في قوله: وعلما. PageV03P231 # وكذلك نجزي المحسنين ألفاظ فيها وعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا ~~يهولنك فعل الكفرة بك وعتوهم عليك فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع. # قوله ms1864 عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 23 الى 25] # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها ~~لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين (24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب ~~قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) # «المراودة» الملاطفة في السوق إلى غرض، وأكثر استعمال هذه اللفظة إنما هو ~~في هذا المعنى الذي هو بين الرجال والنساء ويشبه أن يكون من راد يرود إذا ~~تقدم لاختبار الأرض والمراعي، فكان المراود يختبر أبدا بأقواله وتلطفه حال ~~المراود من الإجابة أو الامتناع. # وفي مصحف وكذلك رويت عن الحسن. والتي هو في بيتها هي زليخا امرأة العزيز. ~~وقوله عن نفسه كناية عن غرض المواقعة. وقوله: وغلقت تضعيف مبالغة لا تعدية، ~~وظاهر هذه النازلة أنها كانت قبل أن ينبأ عليه السلام. # وقرأ ابن كثير وأهل مكة: «هيت» بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء، وقرأ ~~ابن عباس وابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو الأسود وعيسى بفتح الهاء وكسر ~~التاء «هيت» ، وقرأ ابن مسعود والحسن والبصريون «هيت» بفتح الهاء والتاء ~~وسكون الياء، ورويت عن ابن عباس وقتادة وأبي عمرو، قال أبو حاتم: لا يعرف ~~أهل البصرة غيرها وهم أقل الناس غلوا في القراءة، قال الطبري: وقد رويت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وابن عامر «هيت» بكسر الهاء وسكون ~~الياء وفتح التاء- وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر- وهذه الأربع بمعنى ~~واحد، واختلف باختلف اللغات فيها، ومعناه الدعاء أي تعال وأقبل على هذا ~~الأمر، قال الحسن: معناها هلم، ويحسن أن تتصل بها لك إذ حلت محل قولها: ~~إقبالا أو قربا، فجرت مجرى سقيا لك ورعيا لك، ومن هذا قول الشاعر يخاطب علي ~~بن أبي طالب: [مجزوء الكامل] # أبلغ أمير المؤمنين ... أخا العراق إذا أتينا # أن العراق وأهله ... عنق إليك ms1865 فهيت هيتا # ومن ذلك على اللغة الأخرى قول طرفة: [الخفيف] # ليس قومي بالأبعدين إذا ما ... قال داع من العشيرة هيت PageV03P232 # ومن ذلك أيضا قول الشاعر: [الرجز] # قد رابني أن الكرى قد أسكتا ... ولو غدا يعني بنا لهيتا # أسكت: دخل في سكوت، و «هيت» معناه: قال: هيت، كما قالوا: أفف إذا قال: أف ~~أف، ومنه سبح وكبر ودعدع إذ قال: داع داع. # والتاء على هذه اللغات كلها مبنية فهي في حال الرفع كقبل وبعد، وفي الكسر ~~على الباب لالتقاء الساكنين، وفي حال النصب ككيف ونحوها قال أبو عبيدة: ~~وهيت لا تثنى ولا تجمع، تقول العرب: # هيت لك، وهيت لكما، وهيت لكم. # وقرأ هشام ابن عامر «هيت» ، بكسر الهاء والهمز، ضم التاء وهي قراءة علي ~~بن أبي طالب، وأبي وائل، وأبي رجاء ويحيى، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل ~~أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا أحسن هيئته- على مثال جاء يجيء- ويحتمل أن ~~يكون بمعنى تهيأت، كما يقال: فئت وتفيأت بمعنى واحد، قال الله عز وجل: ~~يتفيؤا ظلاله [النحل: 48] وقال: حتى تفيء إلى أمر الله [الحجرات: 9] . # وقرأ ابن أبي إسحاق- أيضا- «هيت» بتسهيل الهمزة من هذه القراءة المتقدمة. ~~وقرأ ابن عباس- أيضا- «هيت لك» . وقرأ الحلواني عن هشام «هئت» بكسر الهاء ~~والهمز وفتح التاء قال أبو علي: ظاهر أن هذه القراءة وهم، لأنه كان ينبغي ~~أن تقول: هئت لي، وسياق الآيات يخالف هذا. وحكى النحاس: أنه يقرأ «هيت» ~~بكسر الهاء وسكون الياء وكسر التاء. ومعاذ نصب على المصدر ومعنى الكلام ~~أعوذ بالله. # ثم قال: إنه ربي فيحتمل أن يعود الضمير في إنه على الله عز وجل، ويحتمل ~~أن يريد العزيز سيده، أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني، ~~قال مجاهد، والسدي ربي معناه سيدي، وقاله ابن إسحاق. # قال القاضي أبو محمد: وإذا حفظ الآدمي لإحسانه فهو عمل زاك، وأحرى أن ~~يحفظ ربه. # ويحتمل أن يكون الضمير للأمر والشأن، ثم يبتدىء ربي أحسن مثواي. # والضمير في قوله: إنه لا يفلح مراد به الأمر والشأن فقط، ms1866 وحكى بعض ~~المفسرين: أن يوسف عليه الصلاة والسلام- لما قال: معاذ الله ثم دافع الأمر ~~باحتجاج وملاينة، امتحنه الله تعالى بالهم بما هم به، ولو قال لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، ودافع بعنف وتغيير- لم يهم بشيء من المكروه. # وقرأ الجحدري «مثواي» وقرأها كذلك أبو طفيل وروي عن النبي عليه السلام: ~~«فمن تبع هداي» . # وقوله: ولقد همت به الآية، لا شك أن «هم» زليخا كان في أن يواقعها يوسف، ~~واختلف في «هم» يوسف عليه السلام، فقال الطبري: قالت فرقة: كان مثل «همها» ~~، واختلفوا كيف يقع من مثل يوسف وهو نبي؟ فقيل ذلك ليريه الله تعالى موقع ~~العفو والكفاية، وقيل الحكمة في ذلك أن يكون مثالا للمذنبين PageV03P233 # ليروا أن توبتهم ترجع بهم إلى عفو الله كما رجعت بمن هو خير منهم ولم ~~يوبقه القرب من الذنب، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة ~~إلى أن جلس بين رجلي زليخا وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو هذا، وهي قد استقلت ~~له قاله ابن عباس وجماعة من السلف. # وقالت فرقة في «همه» إنما كان بخطرات القلب التي لا يقدر البشر عن التحفظ ~~منها، ونزع عند ذلك ولم يتجاوزه، فلا يبعد هذا على مثله عليه السلام، وفي ~~الحديث: «إن من هم بسيئة ولم يعملها فله عشر حسنات» ، وفي حديث آخر «حسنة» ~~، فقد يدخل يوسف في هذا الصنف. # وقالت فرقة: كان «هم» يوسف بضربها ونحو ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف البتة، والذي أقول في هذه الآية: إن كون ~~يوسف نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح ولا تظاهرت به رواية، وإذا كان ذلك ~~فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون ~~مواقعته، وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة وإن فرضناه ~~نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح ~~عليه شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك، لأن العصمة مع النبوة، وما روي ms1867 من ~~أنه قيل له: تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، فإنما معناه العدة ~~بالنبوة فيما بعد، والهم بالشيء مرتبتان: فالواحدة الأولى تجوز عليه مع ~~النبوة، والثانية الكبرى لا تقع إلا من غير نبي، لأن استصحاب خاطر المعصية ~~والتلذذ به معصية تكتب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز ~~لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تنطق به أو تعمل» . معناه من الخواطر، وأما ~~استصحاب الخاطر فمحال أن يكون مباحا، فإن وقع فهو خطيئة من الخطايا لكنه ~~ليس كمواقعة المعصية التي فيها الخاطر، ومما يؤيد أن استصحاب الخاطر معصية ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنه كان حريصا على قتل صاحبه. # وقوله الله تعالى: إن بعض الظن إثم [الحجرات: 12] وهذا منتزع من غير موضع ~~من الشرع، والإجماع منعقد أن الهم بالمعصية واستصحاب التلذذ بها غير جائز ~~ولا داخل في التجاوز. # واختلف في «البرهان» الذي رأى يوسف، وقيل: نودي. واختلف فيما نودي به، ~~فقيل ناداه جبريل: # يا يوسف، تكون في ديوان الأنبياء. وتفعل فعل السفهاء؟ وقيل: نودي: يا ~~يوسف، لا تواقع المعصية فتكون كالطائر الذي عصى فتساقط ريشه فبقي ملقى- ~~ناداه بذلك يعقوب-، وقيل غير هذا مما في معناه. # وقيل: كان «البرهان» كتابا رآه مكتوبا، فقيل: في جدار المجلس الذي كان ~~فيه، وقيل: بين عيني زليخا، وقيل: في كف من الأرض خرجت دون جسد واختلف في ~~المكتوب، فقيل: قوله تعالى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [الرعد: 33] ~~، وقيل: قوله تعالى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [الرعد: 33] ، وقيل: ~~قوله تعالى: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا [الإسراء: 32] وقيل ~~غير هذا. وقيل: كان البرهان أن رأى يعقوب عليه السلام ممثلا معه في البيت ~~عاضا على إبهامه وقيل: على شفته. وقيل بل انفرج السقف فرآه كذلك. وقيل: إن ~~جبريل قال له: لئن واقعت المعصية لأمحونك من ديوان النبوة، وقيل: إن جبريل ~~ركضه فخرجت شهوته على أنامله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل: بل كان «البرهان» ms1868 فكرته في عذاب ~~الله ووعيده على PageV03P234 # المعصية، وقيل: بل كان البرهان الذي اتعظ به أن زليخا قالت له: مكانك حتى ~~أستر هذا الصنم- لصنم كان معها في البيت- فإني أستحيي منه أن يراني على هذه ~~الحال وقامت إليه فسترته بثوب فاتعظ يوسف وقال: من يسترني أنا من الله ~~القائم على كل شيء، وإذا كنت أنت تفعلين هذا لما لا يعقل فإن أولى أن ~~أستحيي من الله. # و «البرهان» في كلام العرب الشيء الذي يعطي القطع واليقين، كان مما يعلم ~~ضرورة أم بخبر قطعي أو بقياس نظري، فهذه التي رويت فيما رآه يوسف براهين. # وأن في قوله: لولا أن رأى في موضع رفع، التقدير: لولا رؤيته برهان ربه، ~~وهذه لولا التي يحذف معها الخبر، تقديره: لفعل أو لارتكب المعصية. وذهب قوم ~~إلى أن الكلام تم في قوله: ولقد همت به وأن جواب لولا في قوله: وهم بها وأن ~~المعنى: لولا أن رأى البرهان لهم أي فلم يهم عليه السلام، وهذا قول يرده ~~لسان العرب وأقوال السلف. قال الزجاج: ولو كان الكلام: ولهم بها لولا، لكان ~~بعيدا، فكيف مع سقوط اللام!. # والكاف من قوله: كذلك متعلقة بمضمر تقديره: جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك ~~لنصرف، ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير: عصمتنا له كذلك لنصرف. # وقرأ الجمهور «لنصرف» بالنون، وقرأ الأعمش «ليصرف» بالياء- على الحكاية ~~عن الغائب-، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن بن أبي الحسن وأبو ~~رجاء «المخلصين» بكسر اللام في كل القرآن، وكذلك مخلصا [مريم: 51] في سورة ~~مريم. وقرأ نافع مخلصا [الزمر: 2- 11- 14، مريم: 51] كذلك بكسر اللام، وقرأ ~~سائر القرآن «المخلصين» بفتح اللام، وقرأ حمزة والكسائي وجمهور من القراء ~~«المخلصين» بفتح اللام و «مخلصا» كذلك في كل القرآن. # وقوله تعالى: واستبقا الباب الآية، واستبقا معناه سابق كل واحد منهما ~~صاحبه إلى الباب، هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها فقبضت في أعلى قميصه ~~من خلفه، فتخرق القميص عند طوقه، ونزل التخريق إلى أسفل القميص. و «القد» : ~~القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان ms1869 طولا، «والقط» يستعمل فيما كان عرضا، ~~وكذلك هي اللفظة في قول النابغة: # تقد السلوقي فإن قوله: توقد بالصفاح يقتضي أن القطع بالطول. وألفيا: ~~وجدا، و «السيد» الزوج، قاله زيد بن ثابت ومجاهد. فيروى أنهما وجدا العزيز ~~ورجلا من قرابة زليخا عند الباب الذي استبقا إليه قاله السدي. # فلما رأت الفضيحة فزعت إلى مطالبة يوسف والبغي عليه، فأرت العزيز أن يوسف ~~أرادها، وقالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ~~وتكلمت في الجزاء، أي أن الذنب ثابت متقرر. # وهذه الآية تقتضي بعظم موقع السجن من النفوس لا سيما بذوي الأقدار، إذ ~~قرن بأليم العذاب. PageV03P235 # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 26 الى 29] # قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ~~وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) ~~فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض ~~عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) # قال نوف الشامي: كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف القصة، فلما بغت به ~~غضب فقال الحق، فأخبره أنها هي راودته عن نفسه، فروي أن الشاهد كان الرجل ~~ابن عمها، قال: انظر إلى القميص فإن كان قده من دبر فكذبت، أو من قبل ~~فصدقت، قاله السدي. وقال ابن عباس: كان رجلا من خاصة الملك، قاله مجاهد ~~وغيره. وقيل: إن الشاهد كان طفلا في المهد فتكلم بهذا، قاله أيضا ابن عباس ~~وأبو هريرة وابن جبير وهلال بن يساف والضحاك. # قال القاضي أبو محمد: ومما يضعف هذا أن في صحيح البخاري ومسلم: لم يتكلم ~~في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وابن السوداء الذي تمنت له ~~أن يكون كالفاجر الجبار، فقال: لم يتكلم وأسقط صاحب يوسف منها، ومنها أن ~~الصبي لو تكلم لكان الدليل نفس كلامه دون أن يحتاج إلى الاستدلال بالقميص. ~~وأسند الطبري إلى ابن عباس أن النبي صلى ms1870 الله عليه وسلم قال: «تكلم في ~~المهد أربعة» ، فذكر الثلاثة وزاد صاحب يوسف، وذكر الطبري عن ابن عباس: أن ~~ابن ماشطة فرعون تكلم في المهد، فهم على هذا خمسة، وقال مجاهد- أيضا- ~~الشاهد القميص. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأنه لا يوصف بأنه من الأهل. # وقرأ جمهور الناس: «من قبل» و «من دبر» بضم الباءين وبالتنوين، وقرأ ابن ~~يعمر والجارود بن أبي سبرة ونوح وابن أبي إسحاق «من قبل» و «من دبر» بثلاث ~~ضمات من غير تنوين، قال أبو الفتح: هما غايتان بنيتا، كقوله تعالى: من قبل ~~ومن بعد [الروم: 4] قال أبو حاتم: وهذا رديء في العربية جدا، وإنما يقع هذا ~~البناء في الظروف، وقرأ الحسن «من قبل» و «من دبر» بإسكان الباءين ~~والتنوين، ورويت عن أبي عمرو وروي عن نوح القاري أنه أسكن الباءين وضم ~~الأواخر ولم ينون ورواها عن ابن أبي إسحاق عن يحيى بن يعمر. # وسمي المتكلم بهذا الكلام شاهد من حيث دل على الشاهد ونفس الشاهد هو ~~تخريق القميص. # وقرأت فرقة: «فلما رأى قميصه عط من دبر» . والضمير في رأى هو للعزيز، وهو ~~القائل: إنه من كيدكن، قاله الطبري وقيل: بل «الشاهد» قال ذلك، والضمير في ~~إنه يريد مقالها المتقدم في الشكوى ب «يوسف» . PageV03P236 # ونزع بهذه الآية من يرى الحكم بالأمارة، من العلماء، فإنها معتمدهم، ~~ويوسف في قوله: # يوسف أعرض عن هذا منادى، قاله ابن عباس، ناداه الشاهد، وهو الرجل الذي ~~كان مع العزيز، وأعرض عن هذا معناه: عن الكلام به، أي اكتمل ولا تتحدث به ~~ثم رجع إليها فقال: واستغفري لذنبك أي استغفري زوجك وسيدك، وقال: من ~~الخاطئين ولم يقل: من الخاطئات لأن الخاطئين أعم، وهو من: خطىء يخطأ خطئا ~~وخطأ، ومنه قول الشاعر [أوس بن غلفاء] : [الوافر] # لعمرك إنما خطئي وصوبي ... علي وإنما أتلفت مالي # وينشد بيت أمية بن أبي الصلت: [الوافر] # عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 31] # وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود ms1871 فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا ~~لنراها في ضلال مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ ~~وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ~~وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) # ذكر الفعل المسند إلى «النسوة» لتذكير اسم الجمع ونسوة جمع قلة لا واحد ~~له من لفظه، وجمع التكثير نساء، ونسوة فعلة، وهو أحد الأبنية الأربعة التي ~~هي لأدنى العدد، وقد نظمها القائل ببيت شعر: [البسيط] # بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد # ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعا: امرأة خبازة، وامرأة ساقية، وامرأة ~~بوابة، وامرأة سجانة. # والعزيز: الملك ومنه قول الشاعر: [الرمل] # درة غاص عليها تاجر ... جلبت عند عزيز يوم طل # و «الفتى» : الغلام، وعرفه في المملوك- وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي» ، ولكنه قد يقال في ~~غير المملوك، ومنه إذ قال موسى لفتاه [الكهف: 60] وأصل «الفتى» في اللغة ~~الشاب، ولكن لما كان جل الخدمة شبابا استعير لهم اسم الفتى. وشغفها معناه: ~~بلغ حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو على أكثر القول غلاف من أغشية ~~القلب، وقيل: «الشغاف» : # سويداء القلب، وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب. # وقرأ أبو رجاء والأعرج وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف ويحيى بن يعمر ~~وقتادة بخلاف وثابت وعوف ومجاهد وغيرهم: «قد شعفها» بالعين غير منقوطة، ~~ولذلك وجهان: PageV03P237 # أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب، وذهب بها كل مذهب، فهو مأخوذ- على ~~هذا- من شعف الجبال وهي رؤوسها وأعاليها، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ~~يفر بدينه من الفتن» . # والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ~~ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] # أيقتلني وقد شعفت فؤادها ... كما شعف المهنوءة الرجل الطالي # والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه، ومنه قول الأعشى: # تعصي الوشاة وكان الحب ms1872 آونة ... مما يزين للمشعوف ما صنعا # وروي عن ثابت البناني وأبي رجاء أنهما قرآ: «قد شعفعما» بكسر العين غير ~~منقوطة. قال أبو حاتم: # المعروف فتح العين وهذا قد قرىء به. وقرأ ابن محيصن: قد شغفها أدغم الدال ~~في الشين. # وروي أن مقالة هؤلاء النسوة إنما قصدن بها المكر بامرأة العزيز ليغضبنها ~~حتى تعرض عليهن يوسف ليبين عذرها أو يحق لومها. وقد قال ابن زيد الشغف في ~~الحب والشغف في البغض، وقال الشعبي: # الشغف والمشغوف بالغين منقوطة في الحب والشعف الجنون والمشعوف المجنون، ~~وهذان القولان ضعيفان. # وقوله تعالى: فلما سمعت بمكرهن الآية، إنما سمي قولهن مكرا من حيث أظهرن ~~إنكار منكر وقصدن إثارة غيظها عليهن، وقيل: مكرهن انهن أفشين ذلك عنها وقد ~~كانت أطلعتهن على ذلك واستكتمتهن إياه، وهذا لا يكون مكرا إلا بأن يظهرن ~~لها خلاف ذلك ويقصدن بالإفشاء أذاها. # ومعنى أرسلت إليهن أي ليحضرن، وأعتدت معناه: أعدت ويسرت، ومتكأ ما يتكأ ~~عليه من فرش ووسائد، وعبر بذلك عن مجلس أعد لكرامة، ومعلوم أن هذا النوع من ~~الكرامات لا يخلو من الطعام والشراب، فلذلك فسر مجاهد وعكرمة «المتكأ» ~~بالطعام قال ابن عباس: متكأ معناه مجلسا، ذكره الزهراوي. وقال القتبي: ~~يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا. # وقوله: وآتت كل واحدة منهن سكينا يقتضي أنه كان في جملة الطعام ما يقطع ~~بالسكاكين، فقيل كان لحما، وكانوا لا ينتهسون اللحم وإنما كانوا يأكلونه ~~حزا بالسكاكين وقيل: كان أترجا، وقيل: كان زماورد، وهو من نحو الأترج موجود ~~في تلك البلاد، وقيل: هو مصنوع من سكر ولوز وأخلاط. # وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن ~~تغلب «تكا» بضم الميم وتنوين الكاف. واختلف في معناه، فقيل: هو الأترنج، ~~وقيل: هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من الفواكه كالأترنج والتفاح وغيره، ~~وأنشد الطبري: # نشرب الإثم بالصواع جهارا ... وترى المتك بيننا مستعارا PageV03P238 # وقرأ الجمهور: «متكا» بشد التاء المفتوحة والهمز والقصر، وقرأ الزهري: ~~«متكا» مشدد التاء من غير همز- وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع ms1873 وشيبة بن ~~نصاح، وقرأ الحسن «متكاء» بالمد على إشباع الحركة. # و «السكين» تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء، ولم يعرف الأصمعي إلا ~~التذكير. # وقولها: اخرج أمر ليوسف، وأطاعها بحسب الملك، وقال مكي والمهدوي: قيل: إن ~~في الآية تقديما وتأخيرا في القصص، وذلك أن قصة النسوة كانت قبل فضيحتها في ~~القميص للسيد، وباشتهار الأمر للسيد انقطع ما بينها وبين يوسف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا محتمل إلا أنه لا يلزم من ألفاظ الآية، بل ~~يحتمل أن كانت قصة النساء بعد قصة القميص وذلك أن العزيز كان قليل الغيرة ~~بل قومه أجمعين، ألا ترى أن الإنكار في وقت القميص إنما كان بأن قيل: إنه ~~من كيدكن إن كيدكن عظيم [يوسف: 28] وهذا يدل على قلة الغيرة، ثم سكن الأمر ~~بأن قال: يوسف أعرض عن هذا [يوسف: 29] وأنت استغفري [يوسف: 29] وهي لم تبق ~~حينئذ إلا على إنكارها وإظهار الصحة، فلذلك تغوفل عنها بعد ذلك، لأن دليل ~~القميص لم يكن قاطعا وإنما كان أمارة ما هذا إن لم يكن المتكلم طفلا. # وقوله: أكبرنه معناه: أعظمنه واستهولن جماله، هذا قول الجمهور، وقال عبد ~~الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده: معناه: حضن، وأنشد بعض الناس حجة ~~لهذا التأويل: [البسيط] # يأتي النساء على أطهارهن ولا ... يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف من معناه منكور، والبيت مصنوع مختلف- ~~كذلك قال الطبري وغيره من المحققين، وليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه ~~الله. # وقوله: وقطعن أيديهن أي كثرن الحز فيها بالسكاكين، وقال عكرمة: «الأيدي» ~~هنا الأكمام، وقال مجاهد هي الجوارح، وقطعنها حتى ألقينها. # قال القاضي أبو محمد: فظاهر هذا أنه بانت الأيدي، وذلك ضعيف من معناه، ~~وذلك أن قطع العظم لا يكون إلا بشدة، ومحال أن يسهو أحد عنها، والقطع على ~~المفصل لا يتهيأ إلا بتلطف لا بد أن يقصد، والذي يشبه أنهن حملن على أيديهن ~~الحمل الذي كن يحملنه قبل المتك فكان ذلك حزا، وهذا قول الجماعة. # وضوعفت الطاء في قطعن لكثرتهن وكثرة ms1874 الحز فربما كان مرارا. # وقرأ أبو عمرو وحده «حاشى الله» وقرأ أبي وابن مسعود «حاشى الله» ، وقرأ ~~سائر السبعة «حاش لله» ، وفرقة «حشى لله» وهي لغة، وقرأ الحسن «حاش لله» ~~بسكون الشين وهي ضعيفة وقرأ الحسن- أيضا- «حاش الإلاه» محذوفا من «حاشى» . ~~فأما «حاش» فهي حيث جرت حرف معناه الاستثناء، كذا قال سيبويه، وقد ينصب به، ~~تقول: حاشى زيد وحاشى زيدا، قال المبرد: النصب أولى إذ قد صح أنها فعل ~~بقولهم: حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه. PageV03P239 # قال القاضي أبو محمد: يظهر من مجموع كلام سيبويه والمبرد أن الحرف يخفض ~~به لا غير، وأن الفعل هو الذي ينصب به، فهذه اللفظة تستعمل فعلا وحرفا، وهي ~~في بعض المواضع فعل وزنه فاعل، وذلك في قراءة من قرأ «حاشى لله» معناه ~~مأخوذ من معنى الحرف، وهو إزالة الشيء عن معنى مقرون به، وهذا الفعل مأخوذ ~~من الحشا أي هذا في حشى وهذا في حشى، ومن ذلك قول الشاعر: [المعطل الهذلي] ~~. # يقول الذي يمسي إلى الحرز أهله ... بأي الحشى صار الخليط المباين # ومنه الحاشية كأنها مباينة لسائر ما هي له، ومن المواضع التي حاشى فيه ~~فعل هذه الآية، يدل على ذلك دخولها على حرف الجر، والحروف لا تدخل بعضها ~~على بعض، ويدل على ذلك حذف الياء منها في قراءة الباقين «حاش» على نحو ~~حذفهم من لا أبال ولا أدر ولو تر، ولا يجوز الحذف من الحروف إلا إذا كان ~~فيها تضعيف مثل: لعل، فيحذف، ويرجع عل، ويعترض في هذا الشرط بمنذ وفد حذف ~~دون تضعيف فتأمله. # قال القاضي أبو محمد: ومن ذلك في حديث خالد يوم مؤتة: فحاشى بالناس، ~~فمعنى «حاشى لله» أي حاش يوسف لطاعة الله أو لمكان من الله أو لترفيع الله ~~له أن يرمي بما رميته به، أو يدعى إله مثله لأن تلك أفعال البشر، وهو ليس ~~منهم إنما هو ملك- هكذا رتب أبو علي- الفارسي معنى هذا الكلام، على هاتين ~~القراءتين اللتين في السبع- وأما قراءة أبي بن كعب وابن مسعود، فعلى أن ~~«حاشى» ms1875 حرف استثناء- كما قال الشاعر [ابن عطية] : [الكامل] # حاشى أبي ثوبان إن به ... ضنا عن الملحاة والشتم # وتسكين الشين في إحدى قراءتي الحسن، ضعيف، جمع بين ساكنين، وقراءته ~~الثانية محذوفة الألف من «حاشى» . # قال القاضي أبو محمد: والتشبيه بالملك هو من قبيل التشبيه بالمستعظمات ~~وإن كانت لا ترى. # وقرأ أبو الحويرث الحنفي والحسن «ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم» بكسر ~~اللام في «ملك» ، وعلى هذه القراءة فالكلام فصيح لما استعظمن حسن صورته ~~قلن: ما هذا إلا مما يصلح أن يكون عبد بشراء، إن هذا مما يصلح أن يكون ملكا ~~كريما. # ونصب «البشر» من قوله: ما هذا بشرا هو على لغة الحجاز شبهت ما بليس، وأما ~~تميم فترفع، ولم يقرأ به. # وروي أن يوسف عليه السلام أعطي ثلث الحسن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أنه أعطي نصف الحسن، ففي بعض الأسانيد هو وأمه، وفي بعضها هو وسارة جدة ~~أبيه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا على جهة التمثيل، أي لو كان الحسن مما يقسم ~~لكان حسن يوسف يقع في نصفه، فالقصد أن يقع في نفس السامع عظم حسنه على نحو ~~التشبيه برؤوس الشياطين وأنياب الأغوال. PageV03P240 # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 32 الى 34] # قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما ~~آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه ~~فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) # قال الطبري: المعنى: فهذا الذي لمتنني فيه، أي هذا الذي قطعتن أيديكن ~~بسببه هو الذي جعلتني ضالة في هواه، والضمير عائد على يوسف في فيه ويجوز أن ~~تكون الإشارة إلى حب يوسف، والضمير عائد على الحب، فيكون ذلك إشارة إلى ~~غائب على بابه. # ثم أقرت امرأة العزيز للنسوة بالمراودة واستنامت إليهن في ذلك إذ قد علمت ~~أنهن قد عذرنها، واستعصم معناه: طلب العصمة وتمسك بها وعصاني، ثم جعلت ~~تتوعده وهو ms1876 يسمع بقولها: ولئن لم يفعل إلى آخر الآية. # واللام في قوله: ليسجنن لام القسم، واللام الأولى هي المؤذنة بمجيء ~~القسم، والنون هي الثقيلة والوقف عليها بشدها، وليكونا نونه هي النون ~~الخفيفة، والوقف عليه بالألف، وهي مثل قوله: # لنسفعا [العلق: 15] ومثلها قول الأعشى: [الطويل] # وصل على حين العشيات والضحى ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # أراد فاعبدن. # وقرأت فرقة «وليكونن» بالنون الشديدة. والصاغرين الأذلاء الذين لحقهم ~~الصغار. # وقوله تعالى: قال رب السجن أحب إلي، روي أنه لما توعدته امرأة العزيز قال ~~له النسوة: أطع مولاتك، وافعل ما أمرتك به فلذلك قال: مما يدعونني إليه قال ~~نحوه الحسن ووزن «يدعون» فى هذه الآية: يفعلن، بخلاف قولك: الرجال يدعون. # وقرأ الجمهور «السجن» بكسر السين، وهو الاسم، وقرأ الزهري وابن هرمز ~~ويعقوب وابن أبي إسحاق «السجن» بفتح السين وهي قراءة عثمان رضي الله عنه ~~وطارق مولاه، وهو المصدر، وهو كقولك: # الجزع والجزع. # وقوله: وإلا تصرف إلى آخر الآية، استسلام لله تعالى ورغبة إليه وتوكل ~~عليه المعنى: وإن لم تنجني أنت هلكت، هذا مقتضى قرينة كلامه وحاله، والضمير ~~في إليه عائد على الفاحشة المعنية بما في قوله مما. وأصب مأخوذة من الصبوة، ~~وهي أفعال الصبا، ومن ذلك قول الشاعر- أنشده الطبري-[الهزج] PageV03P241 # إلى هند صبا قلبي ... وهند مثلها يصبي # ومن ذلك قول دريد بن الصمة: [الطويل] # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد # والجاهلين هم الذين لا يراعون حدود الله تعالى ونواهيه. # وقوله: فاستجاب له ربه الآية، قول يوسف عليه السلام: رب السجن إلى قوله: ~~من الجاهلين كلام يتضمن التشكي إلى الله عز وجل من حاله معهن، والدعاء إليه ~~في كشف بلواه. فلذلك قال- بعد مقالة يوسف- فاستجاب له ربه أي أجابه إلى ~~إرادته وصرف عنه كيدهن في أن حال بينه وبين المعصية، وقوله: السميع العليم ~~صفتان لائقتان بقوله: فاستجاب. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 35 الى 36] # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ودخل معه السجن ~~فتيان قال ms1877 أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي ~~خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36) # لما أبى يوسف المعصية، ويئست منه امرأة العزيز طالبته بأن قالت لزوجها: ~~إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر بحسب ~~اختياره، وأنا محبوسة محجوبة، فإما أذنت لي فخرجت إلى الناس فاعتذرت ~~وكذبته، وإما حبسته كما أنا محبوسة. فحينئذ بدا لهم سجنه. قال ابن عباس: ~~فأمر به فحمل على حمار، وضرب بالطبل ونودي عليه في أسواق مصر إن يوسف ~~العبراني أراد سيدته فهذا جزاؤه أن يسجن قال أبو صالح: ما ذكر ابن عباس هذا ~~الحديث إلا بكى. # وبدا معناه: ظهر، والفاعل ب بدا محذوف تقديره بدو- أو- رأي. وجمع الضمير ~~في لهم والساجن الملك وحده من حيث كان في الأمر تشاور. ويسجننه جملة دخلت ~~عليها لام القسم. ولا يجوز أن يكون الفاعل ببدا ليسجننه لأن الفاعل لا يكون ~~جملة بوجه، هذا صريح مذهب سيبويه. # وقيل الفاعل ليسجننه وهو خطأ، وإنما هو مفسر للفاعل. # والآيات ذكر فيها أهل التفسير أنها قد القميص، قاله مجاهد وغيره، وخمش ~~الوجه الذي كان مع قد القميص، قاله عكرمة، وحز النساء أيديهن، قاله السدي. # قال القاضي أبو محمد: ومقصد الكلام إنما هو أنهم رأوا سجنه بعد بدو ~~الآيات المبرئة له من التهمة، فهكذا يبين ظلمهم له وخمش الوجه وحز النساء ~~أيديهن ليس فيهما تبرية ليوسف، ولا تتصور تبرية إلا في خبر القميص، فإن كان ~~المتكلم طفلا- على ما روي- فهي آية عظيمة، وإن كان رجلا فهي آية فيها PageV03P242 # استدلال ما، والعادة أنه لا يعبر بآية إلا فيما ظهوره في غاية الوضوح، ~~وقد تقع الآيات أيضا على المبينات كانت في أي حد اتفق من الوضوح. # ويحتمل أن يكون معنى قوله: من بعد ما رأوا الآيات أي من بعد ما ظهر لهم ~~من وجوه الأمر وقرائنه أن يوسف بريء، فلم يرد تعيين آية بل قرائن جميع ~~القصة. # و «الحين» في كلام العرب وفي هذه الآية ms1878 الوقت من الزمن غير محدود يقع ~~للقليل والكثير، وذلك بين موارده في القرآن وقال عكرمة «الحين» - هنا- يراد ~~به سبعة أعوام، وقيل: بل يراد بذلك سنة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب ما كشف الغيب في سجن يوسف. # وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ «عتى حين» بالعين- وهي لغة ~~هذيل- فقال له: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب عمر إلى ابن مسعود: إن الله ~~أنزل القرآن عربيا بلغة قريش، فبها أقرئ الناس، ولا تقرئهم بلغة هذيل، وروي ~~عن ابن عباس أنه قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: # هم [يوسف: 24] فسجن، وقال: اذكرني عند ربك [يوسف: 42] فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه [يوسف: 42] فطول سجنه، وقال: إنكم لسارقون [يوسف: 70] فروجع: إن يسرق ~~فقد سرق أخ له من قبل [يوسف: 77] . # وقوله تعالى: ودخل معه السجن الآية، المعنى: فسجنوه فدخل معه السجن ~~غلامان سجنا أيضا، وهذه «مع» تحتمل أن تكون باقتران وقت الدخول، وأن لا ~~تكون بل دخلوا أفذاذا، وروي أنهما كانا للملك الأعظم- الوليد بن الريان- ~~أحدهما: خبازه، والآخر: ساقيه. # و «الفتى» الشاب، وقد تقع اللفظة على المملوك وعلى الخادم الحر، ويحتمل ~~أن يتصف هذان بجميع ذلك، واللفظة من ذوات الياء، وقولهم: الفتوة شاذ. وروي ~~أن الملك اتهمهما بأن الخابز منهما أراد سمه، ووافقه على ذلك الساقي، ~~فسجنهما، قاله السدي، فلما دخل يوسف السجن استمال الناس فيه بحسن حديثه ~~وفضله ونبله، وكان يسلي حزينهم ويعود مريضهم ويسأل لفقيرهم ويندبهم إلى ~~الخير، فأحبه الفتيان ولزماه، وأحبه صاحب السجن والقيم عليه، وقال له: كن ~~في أي البيوت شئت فقال له يوسف: لا تحبني يرحمك الله، فلقد أدخلت علي ~~المحبة مضرات: أحبتني عمتي فامتحنت لمحبتها، وأحبني أبي فامتحنت لمحبته لي، ~~وأحبتني امرأة العزيز فامتحنت لمحبتها بما ترى، وكان يوسف عليه السلام قد ~~قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا وأجيد، فروي عن ابن مسعود أن الفتيين ~~استعملا هاتين المنامتين ليجرباه وروى عم مجاهد أنهما رأيا ذلك حقيقة، ~~فأرادا سؤاله، فقال أحدهما واسمه بنو، فيما روي، إني رأيت حبلة من ms1879 كرم لها ~~ثلاثة أغصان حسان، فيها عناقيد عنب حسان، فكنت أعصرها وأسقي الملك وقال ~~الآخر، واسمه مجلث، كنت أرى أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال ~~فيها خبز، والطير تأكل من أعلاه. # وقوله أعصر خمرا قيل: إنه سمى العنب خمرا بالمئال، وقيل: هي لغة أزد ~~عمان، يسمون العنب خمرا، وقال الأصمعي: حدثني المعتمر، قال: لقيت أعرابيا ~~يحمل عنبا في وعاء، فقلت: ما تحمل؟ قال: خمرا، أراد العنب. PageV03P243 # وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود «إني أراني أعصر عنبا» . # قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة، إذ العصر ~~لها ومن أجلها. # وقوله خبزا يروى أنه رأى ثريدا فوق رأسه، وفي مصحف ابن مسعود «فوق رأسي ~~ثريدا تأكل الطير منه» . # وقوله إنا نراك من المحسنين قال الجمهور: يريدان في العلم، وقال الضحاك ~~وقتادة: المعنى: # من المحسنين في جريه مع أهل السجن وإجماله معهم، وقيل: إنه أراد إخباره ~~أنهما يريان له إحسانا عليهما ويدا إذا تأول لهما ما رأياه، ونحا إليه ابن ~~إسحاق. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 37 الى 38] # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ~~(37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) # روي عن السدي وابن إسحاق: أن يوسف عليه السلام لما علم شدة تعبير منامه ~~رأى الخبز وأنها تؤذن بقتله، ذهب إلى غير ذلك من الحديث، عسى ألا يطالباه ~~بالتعبير، فقال لهما- معلما بعظيم علمه للتعبير-: إنه لا يجيئكما طعام في ~~نومكما، تريان أنكما رزقتماه إلا أعلمتكما بتأويل ذلك الطعام، أي بما يؤول ~~إليه أمره في اليقظة، قبل أن يظهر ذلك التأويل الذي أعلمكما به. فروي أنهما ~~قالا: ومن أين لك ما تدعيه من العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم؟ فقال لهما: ~~ذلكما ms1880 مما علمني ربي ثم نهض ينحي لهما على الكفر ويحسن لهما الإيمان بالله: ~~فروي أنه قصد في ذلك وجهين: أحدهما: تنسيتهما أمر تعبير ما سألا عنه- إذ في ~~ذلك النذارة بقتل أحدهما- والآخر: الطماعية في إيمانهما. ليأخذ المقتول ~~بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته. وقال ابن جريج: أراد يوسف عليه السلام: لا ~~يأتيكما طعام في اليقظة ترزقانه إلا نبأتكما منه بعلم وبما يؤول إليه ~~أمركما قبل أن يأتيكما ذلك المآل. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا إنما أعلمهم بأنه يعلم مغيبات لا تعلق لها ~~برؤيا. وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين. وهذا على ما روي من أنه نبىء في ~~السجن، فإخباره كإخبار عيسى عليه السلام، وقال ابن جريج: كانت عادة ذلك ~~الملك إذا أراد قتل أحد ممن في سجنه بعث إليه طعاما يجعله علامة لقتله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله لا يقتضيه اللفظ ولا ينهض به إسناد. # وقوله: تركت مع أنه لم يتشبث بها، جائز صحيح، وذلك أنه عن تجنبه من أول ~~بالترك، PageV03P244 # وساق لفظة الترك استجلابا لهما عسى أن يتوكأ الترك الحقيقي الذي هو بعد ~~أخذ في الشيء، والقوم المتروكة ملتهم: الملك وأتباعه. وكرر قوله: هم على ~~جهة التأكيد، وحسن ذلك للفاصلة التي بينهما. # وقوله: واتبعت الآية، تماد من يوسف عليه السلام في دعائهما إلى الملة ~~الحنيفية، وزوال عن مواجهة- مجلث- لما تقتضيه رؤياه. # وقرأ «آبائي» بالإسكان في الياء الأشهب العقيلي وأبو عمرو، وقرأ الجمهور ~~«آبائي» بياء مفتوحة، قال أبو حاتم: هما حسنتان فاقرأ كيف شئت. وأما طرح ~~الهمزة فلا يجوز، ولكن تخفيفها جيد فتصير ياء مكسورة بعد ياء ساكنة أو ~~مفتوحة. # وقوله: ذلك إشارة إلى ملتهم وشرعهم، وكون ذلك فضلا عليهم بين، إذ خصهم ~~الله تعالى بذلك وجعلهم أنبياء. وكونه فضلا على الناس هو إذ يدعون به إلى ~~الدين ويساقون إلى النجاة من عذاب الله عز وجل. # وقوله من شيء هي من الزائدة المؤكدة التي تكون مع الجحد. وقوله لا يشكرون ~~يريد الشكر التام الذي فيه الإيمان. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف ms1881 (12) : الآيات 39 الى 42] # يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون ~~من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ~~ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ~~(42) # وصفه لهما ب صاحبي السجن هو: إما على أن نسبهما بصحبتهما للسجن من حيث ~~سكناه- كما قال: أصحاب الجنة [الأعراف: 44، الحشر: 20] ، وأصحاب الجحيم ~~[البقرة: 119] ونحو هذا- وإما أن يريد صحبتهما له في السجن، فأضافهما إلى ~~السجن بذلك، كأنه قال: يا صاحبي في السجن، وهذا كما قيل في الكفار إن ~~الأصنام شركاؤهم وعرضه عليهما بطول أمر الأوثان بأن وصفها «بالتفرق» ، ووصف ~~الله تعالى ب «الوحدة» و «القهر» تلطف حسن وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها ~~الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل وعاندته، وهكذا الوجه في محاجة الجهلة أن ~~يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى ~~فوقها، ثم كذلك أبدا حتى يصل إلى الحق، وإن أخذ الجاهل بجميع المذهب الذي ~~يساق إليه دفعة أباه للحين وعانده وقد ابتلي بأرباب متفرقين من يخدم أبناء ~~الدنيا ويؤملهم. PageV03P245 # وقوله: إلا أسماء ذهب بعض المتكلمين إلى أنه أوقع في هذه الآية الأسماء ~~على المسميات وعبر عنها بها إذ هي ذوات أسماء. # قال القاضي أبو محمد: والاسم الذي هو ألف وسين وميم- قد يجري في اللغة ~~مجرى النفس والذات والعين، فإن حملت الآية على ذلك صح المعنى، وليس الاسم- ~~على هذا- بمنزلة التسمية التي هي رجل وحجر، وإن أريد بهذه الأسماء التي في ~~الآية أسماء الأصنام التي هي بمنزلة اللات والعزى ونحو ذلك من تسميتها ~~آلهة، فيحتمل أن يريد: إلا ذوات أسماء، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه ويحتمل- وهو الراجح المختار إن شاء الله- أن ms1882 يريد: ما تعبدون من دونه ~~ألوهية ولا لكم تعلق بإله إلا بحسب أن سميتم أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم ~~لإله إلا باسم فقط لا بالحقيقة، وأما الحقيقة فهي وسائر الحجارة والخشب ~~سواء، فإنما تعلقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم إذا حصل ~~أمركم فعبر عن هذا المعنى باللفظ المسرود في الآية، ومن هذه الآية وهم من ~~قال- في قولنا: رجل وحجر- إن الاسم هو المسمى في كل حال، وقد بانت هذه ~~المسألة في صدر التعليق. # ومفعول «سميتم» الثاني محذوف، تقديره: آلهة، هذا على أن «الأسماء» يراد ~~بها ذوات الأصنام، وأما على المعنى المختار- من أن عبادتهم إنما هي لمعان ~~تعطيها الأسماء وليست موجودة في الأصنام- فقوله سميتموها بمنزلة وضعتموها، ~~فالضمير للتسميات، ووكد الضمير ليعطف عليه. # وال سلطان الحجة، وقوله: إن الحكم إلا لله أي ليس لأصنامكم التي سميتموها ~~آلهة من الحكم والأقدار والأرزاق شيء، أي فما بالها إذن؟ ويحتمل أن يريد ~~الرد على حكمهم في نصبهم آلهة دون الله تعالى وليس لهم تعدي أمر الله في أن ~~لا يعبد غيره، والقيم معناه: المستقيم. وأكثر الناس لا يعلمون لجهالتهم ~~وغلبة الكفر. # ثم نادى يا صاحبي السجن ثانية لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب، فروي أنه قال ~~لنبو: أما أنت فتعود إلى مرتبتك وسقاية ربك، وقال لمجلث: أما أنت فتصلب، ~~وذلك كله بعد ثلاث، فروي أنهما قالا له: ما رأينا شيئا وإنما تحالمنا ~~لنجربك وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب وقيل: كانا رأيا ثم ~~أنكرا. # وقرأت فرقة: «يسقي ربه» من سقى، وقرأت فرقة من أسقى، وهما لمعنى واحد ~~لغتان وقرأ عكرمة والجحدري: «فيسقى ربه خمرا» بضم الياء وفتح القاف أي ما ~~يرويه. # وأخبرهما يوسف عليه السلام عن غيب علمه من قبل الله تعالى: إن الأمر قد ~~قضي ووافق القدر. # وقوله: وقال للذي ظن أنه ناج الآية. «الظن» هاهنا- بمعنى اليقين، لأن ما ~~تقدم من قوله: # قضي الأمر يلزم ذلك، وهو يقين فيما لم يخرج بعد إلى الوجود: وقال قتادة: ~~«الظن» - هنا- على بابه لأن عبارة الرؤيا ms1883 ظن. # قال القاضي أبو محمد: وقول يوسف عليه السلام: قضي الأمر دال على وحي ولا ~~يترتب قول PageV03P246 # قتادة إلا بأن يكون معنى قوله قضي الأمر أي قضي كلامي وقلت ما عندي وتم، ~~والله أعلم بما يكون بعد. # وفي الآية تأويل آخر، وهو: أن يكون ظن مسندا إلى الذي قيل له: إنه يسقي ~~ربه خمرا، لأنه دخلته أبهة السرور بما بشر به وصار في رتبة من يؤمل حين ظن ~~وغلب على معتقده أنه ناج: وذلك بخلاف ما نزل بالآخر المعرف بالصلب. # ومعنى الآية: قال يوسف لساقي الملك حين علم أنه سيعود إلى حالته الأولى ~~مع الملك: # اذكرني عند الملك، فيحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل أن ~~يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق، أو يذكره بهما. # والضمير في أنساه قيل: هو عائد على يوسف عليه السلام، أي نسي في ذلك ~~الوقت أن يشتكي إلى الله، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق، فروي أن جبريل عليه ~~السلام جاءه فعاتبه عن الله عز وجل في ذلك، وطول سجنه عقوبة على ذلك، وقيل: ~~أوحي إليه: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك، وقيل: إن الضمير في ~~أنساه عائد على الساقي- قاله ابن إسحاق- أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف ~~الذكر إلى ربه إذ هو عنده، و «الرب» - على هذا التأويل- الملك. # وبضع في كلام العرب اختلف فيه، فالأكثر على أنه من الثلاثة إلى العشرة، ~~قاله ابن عباس، وعلى هذا هو فقه مذهب مالك رحمه الله في الدعاوى والأيمان ~~وقال أبو عبيدة: «البضع» لا يبلغ العقد ولا نصف العقد، وإنما هو من الواحد ~~إلى الأربعة، وقال الأخفش «البضع» من الواحد إلى العشرة، وقال قتادة: ~~«البضع» من الثلاثة إلى التسعة، ويقوي هذا ما روي من أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق في قصة خطره مع قريش في غلبة الروم لفارس ~~«أما علمت أن البضع من الثلاث إلى التسع» . # وقال مجاهد: من الثلاثة إلى السبعة، قال الفراء: ولا يذكر البضع إلا مع ~~العشرات، لا ms1884 يذكر مع مائة ولا مع ألف، والذي روي في هذه الآية أن يوسف عليه ~~السلام سجن خمس سنين ثم نزلت له قصة الفتيين وعوقب على قوله اذكرني عند ربك ~~بالبقاء في السجن سبع سنين، فكانت مدة سجنه اثنتي عشرة سنة، وقيل: عوقب ~~ببقاء سنتين، وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا كلمته ~~ما لبث في السجن طول ما لبث» ، ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر ~~فزعنا إلى الناس. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 43 الى 45] # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) قالوا ~~أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما ~~وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) # المعنى: وقال الملك الأعظم: إني أرى يريد في منامه، وقد جاء ذلك مبينا في ~~قوله تعالى: PageV03P247 # إني أرى في المنام أني أذبحك [الصافات: 104] . وحكيت حال ماضية ف أرى وهو ~~مستقبل من حيث يستقبل النظر في الرؤيا. سبع بقرات سمان يروى أنه قال: ~~رأيتها خارجة من نهر، وخرجت وراءها سبع عجاف، فرأيتها أكلت تلك السمان حتى ~~حصلت في بطونها ورأى «السنابل» أيضا كما ذكر، و «العجاف» التي بلغت غاية ~~الهزال، ومنه قول الشاعر: [الكامل] ورجال مكة مسنتون عجاف ثم قال لجماعته ~~وحاضريه: يا أيها الملأ أفتوني. # قرأت فرقة بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بأن لفظت بألف «أفتوني» واوا. # وقوله للرءيا دخلت اللام لمعنى التأكيد والربط، وذلك أن المفعول إذا تقدم ~~حسن في بعض الأفعال أن تدخل عليه لام، وإذا تأخر لم يحتج الفعل إلى ذلك. و ~~«عبارة الرؤيا» مأخوذة من عبر النهر، وهو تجاوزه من شط إلى شط، فكأن عابر ~~الرؤيا ينتهي إلى آخر تأويلها. # وقوله: قالوا: أضغاث أحلام الآية، «الضغث» في كلام العرب أقل من الحزمة ~~وأكثر من القبضة من النبات والعشب ونحوه، وربما كان ذلك من جنس واحد. وربما ~~كان من أخلاط النبات، ms1885 فمن ذلك قوله تعالى: وخذ بيدك ضغثا [ص: 44] وروي أنه ~~أخذ عثكالا من النخل، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل نحو هذا في ~~حد أقامه على رجل زمن، ومن ذلك قول ابن مقبل: [الكامل] # خود كأن فراشها وضعت به ... أضغاث ريحان غداة شمال # ومن الأخلاط قول العرب في أمثالها: ضغث على إبالة فيشبه اختلاط الأحلام ~~باختلاط الجملة من النبات، والمعنى أن هذا الذي رأيت أيها الملك اختلاط من ~~الأحلام بسبب النوم، ولسنا من أهل العلم بذلك، أي بما هو مختلط ورديء فإنما ~~نفوا عن أنفسهم عبر الأحلام لا عبر الرؤيا على الإطلاق، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» . وقال للذي كان يرى ~~رأسه يقطع ثم يرده فيرجع: «إذا لعب الشيطان بأحدكم في النوم فلا يحدث بذلك» ~~. # قال القاضي أبو محمد: فالأحلام وحدثان النفس ملغاة، والرؤيا هي التي تعبر ~~ويلتمس علمها. # والباء في قولهم بعالمين للتأكيد، وفي قولهم: بتأويل للتعدية وهي متعلقة ~~بقولهم بعالمين. # والأحلام جمع حلم، يقال: حلم الرجل- بفتح اللام- يحلم: إذا خيل إليه في ~~منامه، والأحلام مما أثبتته الشريعة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الرؤيا من الله وهي المبشرة والحلم المحزن من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما ~~يكره، فليتفل على يساره ثلاث مرات وليقل: أعوذ بالله من شر ما رأيت، فإنها ~~لا تضره» . وما كان عن حديث النفس في اليقظة فإنه لا يلتفت إليه. # ولما سمع الساقي- الذي نجا- هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه، تذكر ~~يوسف وعلمه بتأويل الأحلام والرؤى، فقال مقالته في هذه الآية. PageV03P248 # وادكر أصله ادتكر- افتعل- من الذكر، قلبت التاء دالا وأدغم الأول في ~~الثاني، ثم بدلت دالا غير منقوطة لقوة الدال وجلدها، وبعض العرب يقول: اذكر ~~وقرىء «فهل من مذكر» [القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] بالنقط ومن مدكر ~~[القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] على اللغتين وقرأ جمهور الناس: «بعد أمة» ~~وهي المدة من الدهر، وقرأ ابن عباس وجماعة «بعد أمة» وهو النسيان، وقرأ ~~مجاهد وشبل بن عزرة «بعد أمه» بسكون الميم وهو مصدر من أمه ms1886 إذا نسي، وقرأ ~~الأشهب العقيلي «بعد إمة» بكسر الهمزة، والإمة: النعمة والمعنى: بعد نعمة ~~أنعمها الله على يوسف في تقريب إطلاقه وعزته. # وبقوله: ادكر يقوي قول من يقول: إن الضمير في أنسانيه [الكهف: 63] عائد ~~على الساقي، والأمر محتمل. # وقرأ الجمهور: «أنا أنبئكم» وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «أنا آتيكم» ، ~~وكذلك في مصحف أبي بن كعب. # وقوله: فأرسلون استئذان في المضي، فقيل: كان السجن في غير مدينة الملك- ~~قاله ابن عباس- وقيل: كان فيها. # قال القاضي أبو محمد: ويرسم الناس اليوم سجن يوسف في موضع على النيل بينه ~~وبين الفسطاط ثمانية أميال. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 46 الى 49] # يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع ~~سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من ~~بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من ~~بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) # المعنى: فجاء الرسول- وهو الساقي- إلى يوسف فقال له: يا يوسف أيها ~~الصديق- وسماه صديقا من حيث كان جرب صدقه في غير شيء- وهو بناء مبالغة من ~~صدق، وسمي أبو بكر صديقا من صدق غيره، إذ مع كل تصديق صدق، فالمصدق ~~بالحقائق صادق أيضا، وعلى هذا سمي المؤمنون صديقين في قوله تعالى: والذين ~~آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون [الحديد: 19] . # ثم قال: أفتنا في سبع بقرات أي فيمن رأى في المنام سبع بقرات، وحكى ~~النقاش حديثا روى فيه: أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في السجن وبشره ~~بعطف الله تعالى عليه، وأخرجه من، السجن وأنه قد أحدث للملك منامة جعلها ~~سببا لفرج يوسف. ويروى أن الملك كان يرى سبع بقرات سمان يخرجن من نهر، ~~وتخرج وراءها سبع عجاف، فتأكل العجاف السمان، فكان يعجب كيف PageV03P249 # غلبتها وكيف وسعت السمان في بطون العجاف، وكان يرى سبع سنبلات خضر وقد ~~التفت بها سبع يابسات، حتى كانت تغطي ms1887 خضرتها فعجب أيضا لذلك. # وقوله: لعلهم يعلمون أي تأويل هذه الرؤيا، فيزول هم الملك لذلك وهم ~~الناس. وقيل: # لعلهم يعلمون مكانتك من العلم وكنه فضلك فيكون ذلك سببا لتخلصك. # وقوله تعالى: قال تزرعون الآية، تضمن هذا الكلام من يوسف عليه السلام ~~ثلاثة أنواع من القول: # أحدها: تعبير بالمعنى لا باللفظ. # والثاني: عرض رأي وأمر به، وهو قوله: فذروه في سنبله. # والثالث: الإعلام بالغيب في أمر العام الثامن، قاله قتادة. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا ألا يكون غيبا، بل علم العبارة، أعطى ~~انقطاع الجدب بعد سبع، ومعلوم أنه لا يقطعه إلا خصب شاف، كما أعطى أن النهر ~~مثال للزمان. إذ هو أشبه شيء به فجاءت البقرات مثالا للسنين. # ودأبا معناه: ملازمة لعادتكم في الزراعة، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] ~~كدأبك من أم الحويرث قبلها.. البيت وقرأ جمهور السبعة «دأبا» بإسكان ~~الهمزة، وقرأ عاصم وحده «دأبا» بفتح الهمزة، وأبو عمرو يسهل الهمزة عند درج ~~القراءة، وهما مثل: نهر ونهر. والناصب لقوله: دأبا تزرعون، عند أبي العباس ~~المبرد، إذ في قوله تزرعون تدأبون، وهي عنده مثل قولهم: قعد القرفصاء، ~~واشتمل الصماء وسيبويه يرى نصب هذا كله بفعل مضمر من لفظ المصدر يدل عليه ~~هذا الظاهر، كأنه قال: تزرعون تدأبون دأبا. # وقوله فما حصدتم فذروه هي إشارة برأي نبيل نافع بحسب طعام مصر وحنطتها ~~التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل، فإن الحبة إذا بقيت ~~في خبائها انحفظت والمعنى: اتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه ~~للأكل، فيجتمع الطعام هكذا ويتركب، ويؤكل الأقدم فالأقدم فإذا جاءت السنون ~~الجدبة تقوت الناس الأقدم فالأقدم من ذلك المدخر، وادخروا أيضا الشيء الذي ~~يصاب في أعوام الجدب على قلته، وحملت الأعوام بعضها على بعض حتى يتخلص ~~الناس، وإلى هذه السنين أشار النبي عليه السلام في دعائه على قريش: «اللهم ~~أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» ، فابتدأ ذلك بهم ونزلت سنة حصت كل شيء حتى دعا ~~لهم النبي عليه السلام فارتفع ذلك عنهم ولم ms1888 يتماد سبع سنين، وروي أن يوسف ~~عليه السلام لما خرج ووصف هذا الترتيب للملك وأعجبه أمره، قال له الملك: قد ~~أسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين المقبلة، فكان هذا أول ما ~~ولي يوسف. # وأسند الأكل في قوله: يأكلن إلى السنين اتساعا من حيث يؤكل فيها كما قال ~~تعالى: والنهار مبصرا [النمل: 86، يونس: 67، غافر: 61] وكما قال: نهارك ~~بطال وليلك قائم وهذا كثير في كلام PageV03P250 # العرب. ويحتمل أن يسمى فعل الجدب وإيباس البلالات أكلا، وفي الحديث: ~~«فأصابتهم سنة حصت كل شيء» وقال الأعرابي في السنة جمشت النجم، والتحبت ~~اللحم، وأحجنت العظم. # وتحصنون معناه تحرزون وتخزنون، قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من الحصن وهو ~~الحرز والملجأ، ومنه تحصن النساء لأنه بمعنى التحرز. # وقوله: يغاث جائز أن يكون من الغيث، وهو قول ابن عباس ومجاهد وجمهور ~~المفسرين، أي يمطرون، وجائز أن يكون من أغاثهم الله، أذا فرج عنهم، ومنه ~~الغوث وهو الفرج. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم «يعصرون» بفتح الياء وكسر الصاد، ~~وقرأ حمزة والكسائي ذلك بالتاء على المخاطبة، وقال جمهور المفسرين: هي من ~~عصر النباتات كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفجل وجميع ما يعصر، ومصر ~~بلد عصر لأشياء كثيرة وروي أنهم لم يعصروا شيئا مدة الجدب، والحلب منه لأنه ~~عصر للضروع. وقال أبو عبيدة وغيره: ذلك مأخوذ من العصرة والعصر وهو الملجأ ~~ومنه قول أبي زبيد في عثمان رضي الله عنه: [الخفيف] # صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود # ومنه قول عدي بن زيد: [الرمل] # لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري # ومنه قول ابن مقبل: [البسيط] # وصاحبي وهوه مستوهل زعل ... يحول بين حمار الوحش والعصر # ومنه قول لبيد: [الطويل] # فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقافا بغير معصر # أي بغير ملتجأ، فالآية على معنى ينجون بالعصرة. # وقرأ الأعرج وعيسى وجعفر بن محمد «يعصرون» بضم الياء وفتح الصاد، وهذا ~~مأخوذ من العصرة، أي يؤتون بعصرة ويحتمل أن يكون من عصرات السحاب ماءها ~~عليهم، قال ابن ms1889 المستنير: معناها يمطرون، وحكى النقاش أنه قرىء «يعصرون» ~~وجعلها من عصر البلل ونحوه. ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة ردا ~~كثيرا بغير حجة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : آية 50] # وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) # في تضاعيف هذه الآية محذوفات يعطيها ظاهر الكلام ويدل عليها، والمعنى ~~هنا: فرجع الرسول إلى PageV03P251 # الملأ والملك فقص عليهم مقالة يوسف، فرأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن ~~الرأي وتضمن الغيب في أمر العام الثامن، مع ما وصفه به الرسول من الصدق في ~~المنامة المتقدمة، فعظم يوسف في نفس الملك، وقال ائتوني به، فلما وصل ~~الرسول في إخراجه إليه، وقال: إن الملك قد أمر بأن تخرج، قال له: # ارجع إلى ربك- أي الملك- وقل له: ما بال النسوة ومقصد يوسف عليه السلام ~~إنما كان- وقل له: يستقصي عن ذنبي وينظر في أمري، هل سجنت بحق أو بظلم. ~~فرسم قصته بطرف منها إذا وقع النظر عليه بان الأمر كله. ونكب عن ذكر امرأة ~~العزيز حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له. # وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو حيوة «النسوة» بضم النون، وقرأ الباقون ~~«النسوة» بكسر النون. وهما لغتان في تكسير نساء الذي هو اسم جمع لا واحد له ~~من لفظه. وقرأت فرقة «اللايي» بالياء، وقرأ فرقة «اللاتي» بالتاء وكلاهما ~~جمع التي. # وكان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبرا وطلبا لبراءة الساحة، ~~وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه ~~صفحا، فيراه الناس بتلك العين أبدا، ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه، ~~فأراد يوسف عليه السلام أن تبين براءته وتتحقق منزلته من العفة والخير، ~~وحينئذ يخرج للإخطاء والمنزلة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يرحم الله أخي يوسف، لقد كان صابرا حليما، ولو لبثت في السجن لبثه لأجبت ~~الداعي ولم ألتمس العذر حينئذ» ، وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد ms1890 الرحمن ~~بن القاسم صاحب مالك في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في ~~الديوان غيره. # وهنا اعتراض ينبغي أن ينفصل عنه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ~~ذكر هذا الكلام على جهة المدح ليوسف، فما باله هو، يذهب بنفسه عن حالة قد ~~مدح بها غيره، فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه ~~وجها آخر من الرأي له جهة أيضا من الجودة، أي لو كنت أنا لبادرت بالخروج ثم ~~حاولت بيان عذري بعد ذلك وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي ~~الناس بها يوم القيامة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على ~~الأحزم من الأمور، وذلك أن المتعمق في مثل هذه النازلة التارك فرصة الخروج ~~من مثل ذلك السجن، ربما تنتج له من ذلك البقاء في سجنه، وانصرفت نفس مخرجه ~~عنه، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا ~~يأمن ذلك فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ~~ومدح، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد. # وقوله إن ربي بكيدهن عليم يحتمل أن يريد بالرب الله عز وجل، وفي الآية ~~وعيد- على هذا- وتهديد، ويحتمل أن يريد بالرب العزيز مولاه، ففي ذلك ~~استشهاد به وتقريع له. # والضمير في «كيدهن» ل النسوة المذكورات لا للجنس لأنها حالة توقيف على ~~ذنب. # قوله عز وجل: PageV03P252 ### || [سورة يوسف (12) : آية 51] # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~(51) # المعنى: فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، وقال لهن: ما خطبكن ... ~~الآية، أي: أي شيء كانت قصتكن؟ فهو استدعاء منه أن يعلمنه القصة فجاوب ~~النساء بجواب جيد، تظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف بعض براءة، وذلك ~~أن الملك لما قرر لهن أنهن راودنه قلن- جوابا عن ذلك- حاش لله وقد يحتمل- ~~على بعد- أن يكون ms1891 قولهن حاش لله في جهة يوسف عليه السلام، وقولهن: ما علمنا ~~عليه من سوء ليس بإبراء تام، وإنما كان الإبراء التام وصف القصة على وجهها ~~حتى يتقرر الخطأ في إحدى الجهتين، ولو قلن: ما علمن عليه إلا خيرا لكان ~~أدخل في التبرية. وقد بوب البخاري على هذه الألفاظ على أنها تزكية، وأدخل ~~قول أسامة بن زيد في حديث الإفك: أهلك ولا نعلم إلا خيرا. # قال القاضي أبو محمد: وأما مالك رحمه الله فلا يقنع بهذا في تزكية ~~الشاهد، لأنه ليس بإثبات العدالة. # قال بعض المفسرين فلما سمعت زوجة العزيز مقالتهن وحيدتهن عن الوقوع في ~~الخزي حضرتها نية وتحقيق، فقالت: الآن حصحص الحق. وحصحص معناه: تبين بعد ~~خفائه، كذا قال الخليل وغيره وقيل: هو مأخوذ من الحصة، أي بانت حصته من حصة ~~الباطل. ثم أقرت على نفسها بالمراودة والتزمت الذنب وأبرأت يوسف البراءة ~~التامة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 52 الى 53] # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما ~~أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53) # قالت جماعة من أهل التأويل: هذه المقالة هي من يوسف عليه السلام، وذلك: ~~ليعلم العزيز سيدي أني لم أخنه في أهله وهو غائب، وليعلم أيضا أن الله ~~تعالى لا يهدي كيد خائن ولا يرشد سعيه. # قال القاضي أبو محمد: والهدى للكيد مستعار، بمعنى لا يكلمه ولا يمضيه على ~~طريق إصابة، ورب كيد مهدي إذا كان من تقي في مصلحة. # واختلفت هذه الجماعة فقال ابن جريج: هذه المقالة من يوسف هي متصلة بقوله ~~للرسول: إن ربي بكيدهن عليم [يوسف: 50] ، وفي الكلام تقديم وتأخير، ~~فالإشارة بقوله: ذلك- على هذا التأويل- هي إلى بقائه في السجن والتماسه ~~البراءة أي هذا ليعلم سيدي أني لم أخنه. # وقال بعضهم: إنما قال يوسف هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، ~~إلى قولها: وإنه لمن الصادقين [يوسف: 51] فالإشارة- على هذا- إلى إقرارها، ~~وصنع الله تعالى فيه، وهذا يضعف، لأنه PageV03P253 # يقتضي حضوره مع ms1892 النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: ائتوني به [يوسف: ~~54] . # وقالت فرقة من أهل التأويل: هذه الآية من قول امرأة العزيز، وكلامها ~~متصل، أي قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه ~~أو أرميه بذنب هو بريء منه والتقدير- على هذا التأويل توبتي وإقراري ليعلم ~~أني لم أخنه وأن الله لا يهدي ... # وعلى أن الكلام من يوسف يجيء التقدير: وليعلم أن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين. # وقوله تعالى: وما أبرئ نفسي الآية، هذه أيضا مختلف فيها هل هي من كلام ~~يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها: # فمن قال من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # لما قال يوسف: أني لم أخنه بالغيب قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت ~~سراويلك، وقال نحوه ابن عباس وابن جبير وعكرمة والضحاك. وروي أن المرأة ~~قالت له ذلك، قاله السدي، وروي أن يوسف تذكر من تلقائه ما كان هم به فقال: ~~وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء، قاله ابن عباس أيضا. # ومن قال: إن المرأة قالت وما أبرئ نفسي فوجه كلامها الاعتذار عن وقوعها ~~فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببدع ولا ذلك نكير على ~~البشر فأبرىء أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. # وأمارة بناء مبالغة، وما في قوله: إلا ما رحم مصدرية، هذا قول الجمهور ~~فيها، وهو على هذا. استثناء منقطع، أي إلا رحمة ربي. ويجوز أن تكون بمعنى ~~«من» ، هذا على أن تكون النفس يراد بها النفوس إذ النفس تجري صفة لمن يعقل ~~كالعين والسمع، كذا قال أبو علي، فتقدير الآية: إلا النفوس التي يرحمها ~~الله. # قال القاضي أبو محمد: وإذن النفس اسم جنس، فصح أن تقع ما مكان «من» إذ هي ~~كذلك في صفات من يعقل وفي أجناسه، وهو نص في كلام المبرد، وهو- عندي- معنى ~~كلام سيبويه، وهو مذهب أبي علي- ذكره في البغداديات. # ويجوز أن تكون ما ظرفية، ms1893 المعنى: أن النفس لأمارة بالسوء إلا مدة رحمة ~~الله العبد وذهابه عن اشتهاء المعاصي. # ثم ترجى في آخر الآية بقوله: إن ربي غفور رحيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 54 الى 57] # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف ~~في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ~~(56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) PageV03P254 # المعنى أن الملك لما تبينت له براءة يوسف مما نسب إليه، وتحقق في القصة ~~أمانته، وفهم أيضا صبره وجلده، عظمت منزلته عنده وتيقن حسن خلاله فقال: ~~ائتوني به أستخلصه لنفسي. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي أم يوسف عليه السلام بتثبته في السجن أن ~~يرتقي إلى أعلى المنازل، فتأمل أن الملك قال أولا- حين تحقق علمه- ائتوني ~~به [يوسف: 50] فقط، فلما فعل يوسف ما فعل، فظهرت أمانته وصبره وعلو همته ~~وجودة نظره قال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما جاءه وكلمه قال: إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين فدل ذلك على أنه رأى من كلامه وحسن منطقه ما صدق به الخبر ~~أو أربى عليه، إذ المرء مخبوء تحت لسانه ثم لما زاول الأعمال مشى القدمية ~~حتى ولاه خطة العزيز. # وأمين من الأمانة، وقالت فرقة هو بمعنى آمن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأنه يخرج من نمط الكلام وينحط إكرام ~~يوسف كثيرا ويروى أن الملك لما أدنى يوسف قال له: إني أشاركك في كل شيء إلا ~~أني أحب أن لا تشركني في أهلي وأن لا يأكل معي عبدي، فقال له يوسف: أتأنف ~~أن آكل معك؟ أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم الخليل، وابن إسحاق الذبيح، ~~وابن يعقوب الصديق. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الحديث بعد وضعف، وقد قال ابن ميسرة: إنما ~~جرى هذا في أول أمره، كان يأكل مع العزيز، فلما جرت قصد المرأة قالت ~~للعزيز: أتدع هذا يواكلك؟ فقال له: اذهب فكل ms1894 مع العبيد فأنف وقال ما تقدم. # اما ان الظاهر من قصته وقت محاورة الملك أنه كان على عبودية، وإلا كان ~~اللائق به أن ينتحي بنفسه عن عمل الكافر، لأن القوم كانوا أهل أوثان ~~ومحاورة يوسف لصاحبي السجن تقضي بذلك. # وسمى الله تعالى فرعون مصر ملكا إذ هي حكاية اسم مضى حكمه وتصرم زمنه، ~~ولو كان حيا لكان حكما له إذا قيل لكافر: ملك أو أمير، ولهذا كتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى هرقل فقال: «عظيم الروم» ، ولم يقل: ملكا ولا أميرا، ~~لأن ذلك حكم، والحق أن يسلم ويسلموا. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه ~~كيفما تقلب، ولو كتب له النبي عليه السلام: أمير الروم، لتمسك بتلك الحجة ~~على نحو تمسك زياد في قوله: شهد- والله- لي أبو الحسن. # وقوله تعالى: اجعلني على خزائن الأرض الآية، فهم يوسف عليه السلام من ~~الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره في الملك، فألقى يده في الفصل ~~الذي تمكنه فيه المعدلة ويترتب له الإحسان إلى من يجب ووضع الحق على أهله ~~وعند أهله. PageV03P255 # قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل ~~الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما ~~شاء وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام ~~لرغبته في أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر الصديق في الخلافة مع ~~نهيه المستشير من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين ... الحديث بكماله فجائز ~~للفاضل أن يعمل وأن يطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه، وجائز أيضا للمرء أن ~~يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره. # وخزائن لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره. وحفيظ عليم ~~صفتان تعم وجوه التثقيف والحيطة لا خلل معهما لعامل. وقد خصص الناس بهاتين ~~الصفتين أشياء، مثل قولهم: # «حفيظ» بالحساب «عليم» بالألسن، وقول ms1895 بعضهم: «حفيظ» لما استودعتني، ~~«عليم» بسني الجوع، وهذا كله تخصيص لا وجه له، وإنما أراد باتصافه أن يعرف ~~الملك بالوجه الذي به يستحق الكون على خزائن الأرض فاتصف بأنه يحفظ المجبي ~~من كل جهة تحتاج إلى الحفظ. ويعلم التناول أجمع. وروي عن مالك بن أنس أنه ~~قال: مصر خزانة الأرض، واحتج بهذه الآية. # وقوله خزائن الأرض يريد أرض مصر إذ لم تكن مملكة فرعون إلا بها فقط، ~~ويؤكد أن تسمى خزانة الأرض نصبتها في بلاد الأرض وتوسطها، فمنها ينقل الناس ~~إلى أقطار الأرض وهي محل كل جالب. # وقوله تعالى: وكذلك مكنا ليوسف الآية، الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل ~~صنع الله به كهذه الأفعال المنصوصة، درجناه في الرتب ونقلناه فمكنا له في ~~الأرض. # قال القاضي أبو محمد: فروي أن العزيز مات في تلك الليالي، وقال ابن ~~إسحاق: بل عزله الملك ثم مات أطفير، فولاه الملك مكانه وزوجه زوجته، فلما ~~دخلت عليه عروسا قال لها: أليس هذا خيرا مما كنت أردت؟ فقالت له: أيها ~~الصديق كنت في غاية الجمال، وكنت شابة عذراء، وكان زوجي لا يطأ، فغلبتني ~~نفسي في حبك، فدخل يوسف بها فوجدها بكرا، وولدت له ولدين. وروي أن الملك ~~عزل العزيز، وولاه موضعه، ثم عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع، قال ~~مجاهد: وأسلم الملك آخر أمره، ودرس أمر العزيز وذهبت دنياه، ومات وافتقرت ~~زوجته، وزمنت وشاخت، فلما كان في بعض الأيام. لقيت يوسف في طريق، والجنود ~~حوله ووراءه، وعلى رأسه بنود عليها مكتوب هذه سبيلي أدعوا إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين [يوسف: 108] فصاحت ~~به وقالت: سبحان من أعز العبيد بالطاعة، وأذل الأرباب بالمعصية، فعرفها، ~~وقالت له: تعطف علي وارزقني شيئا فدعاها وكلمها، وأشفق لحالها، ودعا الله ~~تعالى، فرد عليها جمالها وتزوجها. # قال القاضي أبو محمد: وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته، ~~ويطول الكلام بسوقه. وقرأ الجمهور: «حيث يشاء» على الإخبار عن يوسف وقرأ ms1896 ~~ابن كثير وحده «حيث نشاء» بالنون على ضمير المتكلم. أي حيث يشاء الله من ~~تصرف يوسف على اختلاف تصرفه، وحكى أبو حاتم هذه PageV03P256 # القراءة عن الحسن وشيبة ونافع وأبي جعفر بخلاف عن الثلاثة المدنيين وقال ~~أبو علي: إما أن يكون تقدير هذه القراءة: حيث يشاء من المحاريب والمتعبدات ~~وأحوال الطاعات، فهي قرب يريدها الله ويشاؤها وإما أن يكون معناها: حيث ~~يشاء يوسف، لكن أضاف الله عز وجل المشيئة التي ليوسف إليه من حيث هو عبد من ~~عبيده، وكانت مشيئته بقدرة الله تعالى وقوته كما قال: وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى [الأنفال: 17] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله من أبي على نزغة اعتزالية، وتحفظ من أن ~~أفعال العباد من فاعلين، فتأمله. # واللام في قوله: مكنا ليوسف يجوز أن تكون على حد التي في قوله ردف لكم ~~[النمل: 72] وللرءيا تعبرون [يوسف: 43] . وقوله: يتبوأ في موضع نصب على ~~الحال، وحيث يشاء نصب على الظرف أو على المفعول به، كما قال الشماخ: حيث ~~تكوى النواحز. وباقي الآية بين. # ولما تقدم في هذه الآية الإحسان من العبد، والجري على طريق الحق لا يضيع ~~عند الله ولا بد من حسن عاقبته في الدنيا، عقب ذلك بأن حال الآخرة أحمد ~~وأحرى أن تجعل غرضا ومقصدا، وهذا هو الذي ينتزع من الآية بحسب المقيدين ~~بالإيمان والتقوى من الناس وفيها مع ذلك إشارة إلى أن حاله من الآخرة خير ~~من حاله العظيمة في الدنيا. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 58 الى 60] # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما جهزهم ~~بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) # قال السدي وغيره: سبب مجيئهم أن الجماعة التي أنذر بها يوسف أصابت البلاد ~~التي كان بها يعقوب، وروي أنه كان في الغربات من أرض فلسطين بغور الشام. ~~وقيل: كان بالأولاج من ناحية الشعب، وكان صاحب بادية له إبل ms1897 وشاء، فأصابهم ~~الجوع، وكان أهل مصر قد استعدوا وادخروا من السنين الخصيبة، فكان الناس ~~يمتارون من عند يوسف، وهو في رتبة العزيز المتقدم، وكان لا يعطي الوارد ~~أكثر من حمل بعير، يسوي بين الناس، فلما ورد إخوته عرفهم يوسف ولم يعرفوه ~~هم، لبعد العهد وتغير سنه، ولم يقع لهم- بسبب ملكه ولسانه القبطي- ظن عليه ~~وروي في بعض القصص: أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجميع أمرهم، فباحثهم بأن ~~قال لهم- بترجمان- أظنكم جواسيس، فاحتاجوا- حينئذ- إلى التعريف بأنفسهم ~~فقالوا: نحن أبناء رجل صديق، وكنا اثني عشر، ذهب واحد منا في البرية، وبقي ~~أصغرنا عند أبينا، وجئنا نحن للميرة، وسقنا بعير الباقي منا، وكانوا عشرة، ~~ولهم أحد عشر بعيرا فقال لهم يوسف: # ولم تخلف أخوكم؟ قالوا: لمحبة أبينا فيه، قال: فأتوني بهذا الأخ حتى أعلم ~~حقيقة قولكم وأرى لم أحبه PageV03P257 # أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين؟ وروي في القصص أنهم وردوا مصر، ~~واستأذنوا على العزيز وانتسبوا في الاستئذان، فعرفهم، وأمر بإنزالهم، ~~وأدخلهم في ثاني يوم على هيئة عظيمة لملكه وأهبة شنيعة وروي أنه كان متلثما ~~أبدا سترا لجماله، وأنه كان يأخذ الصواع فينقره، ويفهم من طنينه صدق ما ~~يحدث به أو كذبه فسئلوا عن أخبارهم، فكلما صدقوا قال لهم يوسف: صدقتم، فلما ~~قالوا: وكان لنا أخ أكله الذئب، طن يوسف الصاع وقال: كذبتم، ثم تغير لهم، ~~وقال: أراكم جواسيس، وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك، في قصص ~~طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن وجيزة. # و «الجهاز» ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وكل ما يحمل، وكذلك جهاز ~~العروس وجهاز الميت. # وقول يوسف عليه السلام: ألا ترون أني أوفي الكيل الآية، يرغبهم في نفسهم ~~آخرا، ويؤنسهم ويستميلهم. والمنزلين يعني المضيفين في قطره ووقته، و ~~«الجهاز» - المشار إليه- الطعام الذي كان حمله لهم، ثم توعدهم إن لم يجيئوا ~~بالأخ بأنه لا كيل لهم عنده في المستأنف، وأمرهم ألا يقربوا له بلدا ولا ~~طاعة، ولا تقربون نهي لفظا ومعنى، ويجوز أن يكون لفظه الخبر ومعناه النهي، ~~وتحذف ms1898 إحدى النونين كما قرىء فبم تبشرون [الحجر: 54]- بكسر النون- وهذا خبر ~~لا غير. وخلط النحاس في هذا الموضع وقال مالك رحمه الله: هذه الآية وما ~~يليها تقتضي أن كيل الطعام على البائع، وكذلك هي الرواية في التولية ~~والشركة: أنها بمنزلة البيع، والرواية في القرض: أن الكيل على المستقرض. # وروي أنه حبس منهم شمعون رهينة حتى يجيئوه ببنيامين، - قاله السدي- وروي: ~~أنه لم يحبس منهم أحدا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ~~يوسف يلقي حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب فيطن فيقول لهم: إن هذا الإناء ~~يخبرني أن لكم أبا شيخا» . # قال القاضي أبو محمد: كأنها حيلة وإيهام لهم، وروي: أن ذلك الإناء به كان ~~يكيل الطعام إظهارا لعزته بحسب غلائه في تلك المدة، وروي: أن يوسف استوفى ~~في تلك السنين أموال الناس، ثم أملاكهم، فمن هناك ليس لأحد في أرض مصر ~~ومزارعها ملك. وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر وإلا فكان بر ~~يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه، لكن الله تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل ~~أجر يعقوب ومحنته وتتفسر الرؤيا الأولى. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 61 الى 63] # قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في ~~رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) فلما رجعوا ~~إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له ~~لحافظون (63) # تقدم معنى «المراودة» أي سنفائل أباه في أن يتركه يأتي معنا إليك، ثم ~~شددوا هذه المقالة بأن PageV03P258 # التزموها له في قولهم: وإنا لفاعلون، وأراد يوسف عليه السلام المبالغة في ~~استمالتهم بأن رد مال كل واحد منهم في رحله بين طعامه، وأمر بذلك فتيانه. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «لفتيته» وقرأ حمزة والكسائي: ~~«لفتيانه» ، واختلف عن عاصم، ففتيان للكثرة- على مراعاة المأمورين- وفتية ~~للقلة- على مراعاة المتناولين وهم الخدمة- ويكون هذا الوصف للحر والعبد. ~~وفي مصحف ابن مسعود: «وقال لفتيانه» وهو يكايلهم. # وقوله لعلهم يعرفونها يريد: لعلهم يعرفون لها يدا، ms1899 أو تكرمة يرون حقها، ~~فيرغبون فينا، فلعلهم يرجعون حينئذ وأما ميز البضاعة فلا يقال فيه: لعل، ~~وقيل: قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع ~~الثمن، وهذا ضعيف من وجوه، وسرورهم بالبضاعة وقولهم: هذه بضاعتنا ردت إلينا ~~[يوسف: 65] يكشف أن يوسف لم يقصد هذا وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم، ~~فيرغبهم في نفسه كالذي كان وخص البضاعة بعينها- دون أن يعطيهم غيرها من ~~الأموال- لأنها أوقع في نفوسهم، إذ يعرفون حلها، وماله هو إنما كان عندهم ~~مالا مجهول الحال، غايته أن يستجاز على نحو استجازتهم قبول الميرة ويظهر أن ~~ما فعل يوسف من صلتهم، وجبرهم في تلك الشدة كان واجبا عليه، إذ هو ملك عدل ~~وهم أهل إيمان ونبوة وقيل: علم عدم البضاعة والدراهم عند أبيه، فرد البضاعة ~~إليهم لئلا يمنعهم العدم من الانصراف إليه وقيل: جعلها توطئة لجعل السقاية ~~في رحل أخيه بعد ذلك، ليبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر من القصة أنه إنما أراد الاستئلاف وصلة ~~الرحم. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: «نكتل» بالنون على ~~مراعاة منع منا ويقويه: # ونمير أهلنا ونزداد [يوسف: 65] وقرأ حمزة والكسائي: «يكتل» بالياء، أي ~~يكتل يامين كما اكتلنا نحن. # وأصل نكتل، وزنه نفتعل. وقولهم منع منا ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله: فلا ~~كيل لكم عندي [يوسف: 60] فهو خوف في المستأنف وقيل: أشاروا إلى بعير ~~بنيامين- الذي لم يمتر- والأول أرجح. ثم تضمنوا له حفظه وحيطته. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 64 الى 65] # قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين (64) ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا ~~أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل ~~بعير ذلك كيل يسير (65) # قوله هل توقيف وتقرير، وتألم يعقوب عليه السلام من فرقة بنيامين، ولم ~~يصرح بمنعهم من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة، لكنه أعلمهم بقلة طمأنينته ms1900 ~~إليهم. وأنه يخاف عليه من كيدهم، ولكن PageV03P259 # ظاهر أمرهم أنهم كانوا نبئوا وانتقلت حالهم، فلم يخف كمثل ما خاف على ~~يوسف من قبل، لكن أعلم بأن في نفسه شيئا، ثم استسلم لله تعالى، بخلاف ~~عبارته في قصة يوسف. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم- في رواية أبي بكر- «خير ~~حفظا» وقرأ حمزة والكسائي وحفص- عن عاصم- «خير حافظا» ونصب ذلك- في ~~القراءتين- على التمييز. وقال الزجاج: # يجوز أن ينصب «حافظا» على الحال، وضعف ذلك أبو علي الفارسي، لأنها حال لا ~~بد للكلام والمعنى منها، وذلك بخلاف شرط الحال، وإنما المعنى أن حافظ الله ~~خير حافظكم. ومن قرأ «حفظا» فهو مع قولهم: ونحفظ أخانا. ومن قرأ «حافظا» ~~فهو مع قولهم وإنا له لحافظون [يوسف: 63] فاستسلم يعقوب عليه السلام لله ~~وتوكل عليه. قال أبو عمرو الداني: قرأ ابن مسعود: «فالله خير حافظ وهو خير ~~الحافظين» . # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا بعد. # وقوله: فتحوا متاعهم سمى المشدود المربوط بحملته متاعا، فلذلك حسن الفتح ~~فيه، قرأ جمهور الناس: «ردت» بضم الراء، على اللغة الفاشية عن العرب، ~~وتليها لغة من يشم، وتليها لغة من يكسر. وقرأ علقمة ويحيى بن وثاب «ردت» ~~بكسر الراء على لغة من يكسر- وهي في بني ضبة-، قال أبو الفتح: وأما المعتل- ~~نحو قيل وبيع- فالفاشي فيه الكسر، ثم الإشمام، ثم الضم، فيقولون: قول وبوع، ~~وأنشد ثعلب: [الرجز] ... وقول لا أهل له ولا مال قال الزجاج: من قرأ: «ردت» ~~بكسر الراء- جعلها منقولة من الدال- كما فعل في قيل وبيع- لتدل على أن أصل ~~الدال الكسرة. # وقوله ما نبغي يحتمل أن تكون ما استفهاما، قاله قتادة. ونبغي من البغية، ~~أي ما نطلب بعد هذه التكرمة؟ هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا. قال الزجاج: ~~ويحتمل أن تكون ما نافية، أي ما بقي لنا ما نطلب، ويحتمل أيضا أن تكون ~~نافية، ونبغي من البغي، أي ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ولا في وصف ~~إجماله وإكرامه هذه البضاعة مردودة. # وقرأ أبو حيوة «ما تبغي» - بالتاء، على مخاطبة يعقوب، وهي بمعنى: ما ms1901 تريد ~~وما تطلب؟ قال المهدوي: وروتها عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأت ~~فرقة: «ونمير» بفتح النون- من مار يمير: # إذا جلب الخير، ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر] # بعثتك مائرا فمكثت حولا ... متى يأتي غياثك من تغيث # وقرأت عائشة رضي الله عنها: «ونمير» بضم النون- وهي من قراءة أبي عبد ~~الرحمن السلمي- وعلى هذا يقال: مار وأمار بمعنى ... ؟ # وقولهم: ونزداد كيل بعير يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف إنما حمل لهم ~~عشرة أبعرة ولم PageV03P260 # يحمل الحادي عشر لغيب صاحبه: وقال مجاهد: كيل بعير أراد كيل حمار. قال: ~~وبعض العرب يقول للحمار بعير. # قال القاضي أبو محمد: وهذا شاذ. # وقولهم: ذلك كيل يسير تقرير بغير ألف، أي أذلك كيل يسير في مثل هذا العام ~~فيهمل أمره؟ # وقيل: معناه: يسير على يوسف أن يعطيه. وقال الحسن البصري: وقد كان يوسف ~~وعدهم أن يزيدهم حمل بعير بغير ثمن وقال السدي: معنى ذلك كيل يسير أي سريع ~~لا نحبس فيه ولا نمطل. # قال القاضي أبو محمد: فكأنهم أنسوه على هذا بقرب الأوبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 66 الى 67] # قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ~~فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال يا بني لا تدخلوا من ~~باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم ~~إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) # أراد يعقوب عليه السلام أن يتوثق منهم. و «الموثق» - مفعل- من الوثاقة. ~~فلما عاهدوه أشهد الله بينه وبينهم بقوله: الله على ما نقول وكيل و ~~«الوكيل» القيم الحافظ الضامن. # وقرأ ابن كثير «تؤتوني» بياء في الوصل والوقف، وروي عن نافع أنه وصل بياء ~~ووقف دونها. والباقون تركوا الياء في الوجهين. # وقوله: لا تدخلوا من باب واحد قيل: خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل ~~واحد، وكانوا أهل جمال وبسطة. قال ابن عباس والضحاك وقتادة وغيره: والعين ~~حق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ms1902 وسلم: «إن العين لتدخل الرجل القبر ~~والجمل القدر» ، وفي تعوذه عليه السلام: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل ~~شيطان وهامة وكل عين لامة» . وقيل: خشي أن يستراب بهم لقول يوسف قبل: أنتم ~~جواسيس ويضعف هذا ظهورهم قبل بمصر. وقيل: طمع بافتراقهم أن يستمعوا أو ~~يتطلعوا خبر يوسف- وهذا ضعيف يرده: وما أغني عنكم من الله من شيء فإن ذلك ~~لا يتركب على هذا المقصد. # وقوله: إلا أن يحاط بكم لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والقسر والمعنى تعمكم ~~الغلبة من جميع الجهات حتى لا تكون لكم حيلة ولا وجه تخلص. وقال مجاهد: ~~المعنى: إلا أن تهلكوا جميعا. وقال قتادة: إلا ألا تطيقوا ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه لفظ الآية. وانظر أن يعقوب عليه السلام ~~قد توثق في هذه القصة، وأشهد الله تعالى، ووصى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكله، ~~فهذا توكل مع تسبب، وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شط في رفض السعي وقنع ~~بماء وبقل البرية ونحوه، فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء PageV03P261 # عليهم السلام، والشارعون منهم مثبتون سنن التسبب الجائز، وما تجاوز ذلك ~~من الإلقاء باليد مختلف في جوازه، وقد فضله بعض المجيزين له، ولا أقول ~~بذلك، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 68 الى 69] # ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة ~~في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(68) ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما ~~كانوا يعملون (69) # روي أنه لما ودعوا أباهم قال لهم: بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له: إن ~~أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا. وفي كتاب أبي منصور المهراني: ~~أنه خاطبه بكتاب قرىء على يوسف فبكى. # وقوله: ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ~~بمثابة قولهم: لم يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أربا ليعقوب قضاه. وطيبا ms1903 ~~لنفسه تمسك به وأمر بحبسه. فجواب لما في معنى قوله: ما كان يغني عنهم من ~~الله من شيء وإلا حاجة استثناء ليس من الأول. # وال حاجة هي أن يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب متفرقة خوف العين. قال ~~مجاهد: «الحاجة» : # خيفة العين، وقاله ابن إسحاق، وفي عبارتهما تجوز: ونظير هذا الفعل أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سد كوة في قبر بحجر وقال: «إن هذا لا يغني ~~شيئا ولكنه تطيب لنفس الحي» . # قال القاضي أبو محمد: وقوله- عندي- ما كان يغني عنهم من الله من شيء ~~معناه: ما رد عنهم قدرا، لأنه لو قضي أن تصيبهم عين لأصابتهم مفترقين أو ~~مجتمعين، وإنما طمع يعقوب أن تصادف وصيته قدر السلامة فوصى وقضى بذلك حاجته ~~في نفسه في أن يتنعم برجائه، أن تصادف القدر في سلامتهم. # ثم أثنى الله عز وجل على يعقوب بأنه لقن ما علمه الله من هذا المعنى، ~~واندرج غير ذلك في العموم وقال إن أكثر الناس ليس كذلك، وقيل: معناه: إنه ~~لعامل بما علمناه- قاله قتادة- وقال سفيان: من لا يعمل لا يكون عالما. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يعطيه اللفظ، اما انه صحيح في نفسه يرجحه ~~المعنى، ومات تقتضيه منزلة يعقوب عليه السلام. # قال أبو حاتم: قرأ الأعمش لذو علم لما علمناه. ويحتمل أن يكون جواب لما ~~في هذه الآية محذوفا مقدرا، ثم يخبر عن دخولهم أنه ما كان يغني ... الآية. # وقوله تعالى: ولما دخلوا على يوسف الآية. المعنى أنه لما دخل إخوة يوسف ~~عليه ورأى أخاه شكر ذلك لهم- على ما روي- وضم إليه أخاه وآواه إلى نفسه: ~~ومن هذه الكلمة المأوى. وكان بنيامين PageV03P262 # شقيق يوسف فآواه. وصورة ذلك- على ما روي عن ابن إسحاق وغيره- أن يوسف ~~عليه السلام أمر صاحب ضيافته أن ينزلهم رجلين رجلين، فبقي يامين وحده، فقال ~~يوسف: أنا أنزل هذا مع نفسي، ففعل وبات عنده وقال له: إني أنا أخوك واختلف ~~المتأولون في هذا اللفظ فقال ابن إسحاق وغيره: أخبره بأنه أخوه حقيقة ~~واستكتمه، وقال له: لا ms1904 تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم. ~~وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير بقوله: بما كانوا يعملون إلى ما يعمله ~~فتيان يوسف، من أمر السقاية ونحو ذلك ويحتمل أن يشير إلى ما عمله الإخوة ~~قديما. وقال وهب بن منبه: إنما أخبره أنه أخوه في الود مقام أخيه الذاهب، ~~ولم يكشف إليه الأمر بل تركه تجوز عليه الحيلة كسائر إخوته. وتبتئس- تفتعل- ~~من البؤس، أي لا تحزن ولا تهتم، وهكذا عبر المفسرون. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 70 الى 75] # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد علمتم ما ~~جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ~~(74) # قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) # هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف عليه السلام، وذلك أنه كان في دين ~~يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في دين مصر أن يضرب ويضعف عليه الغرم، فعلم ~~يوسف أن إخوته- لثقتهم ببراءة ساحتهم- سيدعون في السرقة إلى حكمهم فتحيل ~~لذلك، واستسهل الأمر- على ما فيه من رمي أبرياء بالسرقة وإدخال الهم على ~~يعقوب عليه السلام، وعليهم- لما علم في ذلك من الصلاح في الأجل، وبوحي لا ~~محالة وإرادة من الله محنتهم بذلك، - هذا تأويل قوم، ويقويه. قوله تعالى: ~~كذلك كدنا ليوسف [يوسف: 76] وقيل: إنما أوحي إلى يوسف أن يجعل السقاية فقط، ~~ثم إن حافظها فقدها، فنادى على ما ظهر إليه- ورجحه الطبري وتفتيش الأوعية ~~يرد عليه. وقيل: إنهم لما كانوا قد باعوا يوسف استجاز أن يقال لهم هذا، ~~وإنه عوقب على ذلك بأن قالوا: «فقد سرق أخ له من قبل» وقوله: جعل أي بأمره ~~خدمته وفتيانه. # وقرأ ابن مسعود «وجعل» بزيادة واو. والسقاية: الإناء الذي به يشرب الملك ~~وبه كان يكيل الطعام للناس، هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس والحسن ومجاهد ~~والضحاك ms1905 وابن زيد. # قال القاضي أبو محمد: وفي كتب من حرر أمرها أنها شكل له رأسان ويصل ~~بينهما مقبض تمسك الأيدي فيه فيكال الطعام بالرأس الواحد ويشرب بالرأس ~~الثاني أو بهما. فيشبه أن تكون لشرب أضياف PageV03P263 # الملك وفي أطعمته الجميلة التي يحتاج فيها إلى عظيم الأواني. وقال سعيد ~~بن جبير: ال صواع مثل المكوك الفارسي، وكان إناء يوسف الذي يشرب فيه، وكان ~~إلى الطول ما هو، قال: وحدثني ابن عباس أنه كان للعباس مثله يشرب به في ~~الجاهلية. # قال القاضي أبو محمد: وقال ابن جبير- أيضا- «الصواع» : المكوك الفارسي ~~الذي تلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم. وروي أنها كانت من فضة- وهذا قول ~~الجمهور- وروي أنها كانت من ذهب قال الزجاج: وقيل: كان من مسك. # قال القاضي أبو محمد: وقد روي هذا بفتح الميم، وقيل: كان يشبه الطاس، ~~وقيل: من نحاس- قاله ابن عباس أيضا- ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيلها ~~على ذلك الإناء. وكان هذا الجعل بغير علم من يامين- قاله السدي، وهو ~~الظاهر. # فلما فصلت العير بأوفارها وخرجت من مصر- فيما روي وقالت فرقة بل قبل ~~الخروج من مصر- أمر بهم فحبسوا. وأذن مؤذن و «مخاطبة العير» تجوز، والمراد ~~أربابها، وإنما المراد: أيتها القافلة أو الرفقة، وقال مجاهد: كانت دوابهم ~~حميرا، ووصفهم بالسرقة من حيث سرق في الظاهر أحدهم، وهذا كما تقول: # بنو فلان قتلوا فلانا، وإنما قتله أحدهم. # فلما سمع إخوة يوسف هذه المقالة أقبلوا عليهم وساءهم أن يرموا بهذه ~~المنقبة، وقالوا: ماذا تفقدون ليقع التفتيش فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا ~~بالإنكار من أول، بل سألوا إكمال الدعوى عسى أن يكون فيها ما تبطل به، فلا ~~يحتاج إلى خصام. # وقرأ أبو عبد الرحمن: «تفقدون» بضم التاء، وضعفها أبو حاتم. # قالوا نفقد صواع الملك: وهو المكيال وهو السقاية رسمه أولا بإحدى جهتيه ~~وآخرا بالثانية. # وقرأ جمهور الناس «صواع» بضم الصاد وبألف، وقرأ أبو حيوة: «صواع» بكسر ~~الصاد وبألف، وقرأ أبو هريرة ومجاهد «صاع الملك» بفتح الصاد دون واو، وقرأ ~~عبد الله بن عوف: «صوع» بضم الصاد، وقرأ أبو ms1906 رجاء «صوع» وهذه لغة في ~~المكيال- قاله أبو الفتح وغيره- وتؤنث هذه الأسماء وتذكر. وقال أبو عبيد: # يؤنث الصاع من حيث سمي سقاية، ويذكر من حيث هو صاع. وقرأ يحيى بن يعمر: ~~«صوغ» بالغين منقوطة- وهذا على أنه الشيء المصوغ للملك على ما روي أنه كان ~~من ذهب أو من فضة، فهو مصدر سمي به، ورويت هذه القراءة عن أبي رجاء. قال ~~أبو حاتم: وقرأ سعيد بن جبير والحسن «صواغ» بضم الصاد وألف وغين معجمة. # وقوله: ولمن جاء به حمل بعير، أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع- ~~وهذا جعل- وقوله: وأنا به زعيم حمالة، وذلك أنه لما كان الطعام لا يوجد إلا ~~عند الملك فهم من المؤذن أنه إنما جعل عن غيره، فلخوفه ألا يوثق بهذه ~~الجعالة- إذ هي عن الغير- تحمل هو بذلك. قال مجاهد: # ال زعيم هو المؤذن الذي قال: أيتها العير و «الزعيم» : الضامن- في كلام ~~العرب- ويسمى الرئيس زعيما، لأنه يتضمن حوائج الناس. PageV03P264 # وقوله: قالوا: تالله الآية، روي: أن إخوة يوسف كانوا ردوا البضاعة ~~الموجودة في الرحال وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فلذلك قالوا: لقد علمتم ~~أي لقد علمتم منا التحري وروي أنهم كانوا قد اشتهروا في مصر بصلاح وتعفف، ~~وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم لئلا تنال زرع الناس، فلذلك قالوا: ~~لقد علمتم ما جئنا لفساد وما نحن أهل سرقة. # والتاء في تالله بدل من واو- كما أبدلت في تراث وفي التورية وفي التخمة- ~~ولا تدخل التاء في القسم إلا في المكتوبة من بين أسماء الله تعالى، لا في ~~غير ذلك- لا تقول: تالرحمن ولا تالرحيم-. # وقوله تعالى: قالوا: فما جزاؤه الآية، قال فتيان يوسف: فما جزاء السارق ~~إن كنتم كاذبين في قولكم: وما كنا سارقين؟ فقال إخوة يوسف: جزاء السارق ~~والحكم الذي تتضمنه هذه الألفاظ من وجد في رحله فهو جزاؤه ف جزاؤه الأول ~~مبتدأ ومن والجملة خبر قوله: جزاؤه الأول، والضمير في قالوا جزاؤه للسارق. ~~ويصح أن تكون من خبرا عائد على من ويكون قوله: فهو جزاؤه زياد بيان وتأكيد. ~~وليس هذا ms1907 الموضع- عندي- من مواضع إبراز الضمير على ما ذهب إليه بعض ~~المفسرين، ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد ~~بقوله فهو جزاؤه وقولهم هذا قول من لم يسترب بنفسه، لأنهم التزموا إرغام من ~~وجد في رحله، وهذا أكثر من موجب شرعهم إذ حق شرعهم أن لا يؤخذ إلا من صحت ~~سرقته، وأمر بنيامين في السقاية كان محتملا. لكنهم التزموا أن من وجد في ~~رحله فهو مأخوذ على أنه سارق. وقولهم كذلك نجزي الظالمين، أي هذه سنتنا ~~وديننا في أهل السرقة: أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق. # قال القاضي أبو محمد: وحكى بعض الناس: أن هذا الحكم كان في أول الإسلام ~~ثم نسخ بالقطع، وهذا ضعيف، ما كان قط فيما علمت، وحكى الزهراوي عن السدي: ~~أن حكمهم إنما كان أن يستخدم السارق على قدر سرقته وهذا يضعفه رجوع الصواع ~~فكان ينبغي ألا يؤخذ بنيامين إذ لم يبق فيما يخدم. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : آية 76] # فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق ~~كل ذي علم عليم (76) # بدؤه- أيضا- من أوعيتهم تمكين للحيلة وإبعاد لظهور أنها حيلة. # وقرأ جمهور الناس «وعاء» بكسر الواو، وقرأ الحسن «وعاء» بضمها، وقرأ ابن ~~جبير «أعاء» بهمزة بدل الواو، وذلك شائع في الواو المكسورة، وهو أكثر في ~~المضمومة، وقد جاء من المفتوحة: أحد في وحد. # وأضاف الله تعالى إلى ضميره لما أخرج القدر الذي أباح به ليوسف أخذ أخيه ~~مخرج ما هو في اعتياد الناس كيد، وقال السدي والضحاك: كدنا معناه: صنعنا. PageV03P265 # ودين الملك فسره ابن عباس بسلطانه، وفسره قتادة بالقضاء والحكم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا متقارب، والاستثناء في هذه الآية حكاية حال، ~~التقدير: إلا ان شاء الله ما وقع من هذه الحيلة ويحتمل أن يقدر أن تسنن لما ~~قرر النفي. # وقرأ الجمهور «نرفع» على ضمير المعظم و «نشاء» كذلك، ms1908 وقرأ الحسن وعيسى ~~ويعقوب بالياء، أي الله تعالى: «وقرأ أبو عمرو ونافع وأهل المدينة «درجات ~~من» بإضافة الدرجات إلى من، وقرأ عاصم وابن محيصن «درجات من» بتنوين» ~~الدرجات، وقرأ الجمهور، «وفوق كل ذي علم» . وقرأ ابن مسعود «وفوق كل ذي ~~عالم» والمعنى أن البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، فإما ~~من البشر وإما الله عز وجل. وأما على قراءة ابن مسعود فقيل: ذي زائدة، ~~وقيل: «عالم» مصدر كالباطل. # وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل فلم يجد فيه شيئا استغفر الله عز ~~وجل تائبا من فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره، أن المستغفر كان يوسف لأنه ~~كان يفتشهم يعلم أين الصواع، حتى فرغ منهم وانتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما ~~أظن هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئا، فقال له إخوته، والله لا تبرح حتى ~~تفتشه فهو أطيب لنفسك ونفوسنا، ففتش فأخرج السقاية- وهذا التفتيش من يوسف ~~يقتضي أن المؤذن إنما سرقه برأيه، فإنما يقال جميع ذلك كان بأمر الله ~~تعالى، ويقوي ذلك قوله: كدنا، وكيف لا يكون برأي يوسف وهو مضطر في محاولته ~~إلى أن يلزمهم حكم السرقة له أخذ أخيه. # والضمير في قوله: استخرجها عائد على السقاية [يوسف: 70] ، ويحتمل أن يعود ~~على السرقة. # وروي أن إخوة يوسف لما رأوا ذلك قالوا: يا بنيامين بن راحيل قبحك الله ~~ولدت أمك أخوين لصين، كيف سرقت هذه السقاية؟ فرفع يديه إلى السماء وقال: ~~والله ما فعلت، فقالوا له: فمن وضعها في رحلك قال: الذي وضع البضاعة في ~~رحالكم. # وما ذكرناه من المعنى في قوله: وفوق كل ذي علم عليم هو قول الحسن وقتادة، ~~وقد روي عن ابن عباس، وروي أيضا عنه رضي الله عنه: أنه حدث يوما بحديث عجيب ~~فتعجب منه رجل ممن حضر، وقال: الحمد لله وفوق كل ذي علم عليم، وقال ابن ~~عباس: بئس ما قلت، إنما العليم لله وهو فوق كل ذي علم. # قال القاضي أبو محمد: فبين هذا وبين قول الحسن ms1909 فرق. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : آية 77] # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) # الضمير في قالوا لإخوة يوسف، والأخ الذي أشاروا إليه هو يوسف، ونكروه ~~تحقيرا للأمر، إذ PageV03P266 # كان مما لا علم للحاضرين به، ثم ألصقوه ببنيامين، إذ كان شقيقه، ويحتمل ~~قولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل تأويلين. # أحدهما: أنهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف عليهما السلام، بحسب ~~ظاهر الحكم، فكأنهم قالوا: إن كان قد سرق فغير بدع من ابني راحيل، لأن أخاه ~~يوسف كان قد سرق. فهذا من الإخوة إنحاء على ابني راحيل: يوسف وبنيامين. # والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أن السرقة في جانب يوسف وبنيامين- ~~مظنونة- كأنهم قالوا: إن كان هذا الذي رمي به بنيامين حقا في نفسه فالذي ~~رمي به يوسف قبل حق إذا، وكأن قصة يوسف والظن به قوي عندهم بما ظهر في جهة ~~وبنيامين. # وقال بعض المفسرين: التقدير: فقد قيل عن يوسف إنه سرق، ونحو هذا من ~~الأقوال التي لا ينطبق معناها على لفظ الآية. # وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب الظاهر وموجب الحكم في ~~النازلتين، فلم يقعوا في غيبة ليوسف، وإنما قصدوا الإخبار بأمر جرى ليزول ~~بعض المعرة عنهم، ويختص بها هذان الشقيقان. # وأما ما روي في سرقة يوسف فثلاثة وجوه: الجمهور منها على أن عمته كانت ~~ربته، فلما شب أراد يعقوب أخذه منها، فولعت به وأشفقت من فراقه، فأخذت ~~منطقة إسحاق- وكانت متوارثة عندهم- فنطقته بها من تحت ثيابه، ثم صاحت ~~وقالت: إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها، ففتشت فوجدت عنده، فاسترقته- ~~حسبما كان في شرعه- وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه. # وقال ابن إدريس عن أبيه: إنما أكل بنو يعقوب طعاما فأخذ يوسف عرقا فخبأه ~~فرموه لذلك بالسرقة، وقال سعيد بن جبير وقتادة: إنما أمرته أمه أن يسرق ~~صنما لأبيها، فسرقه وكسره، وكان ذلك- منها ومنه- تغييرا للمنكر، فرموه لذلك ~~بالسرقة، وفي ms1910 كتاب الزجاج: أنه كان صنم ذهب. # والضمير في قوله: فأسرها عائد يراد به الحزة التي حدثت في نفس يعقوب من ~~قولهم، والكلام يتضمنها، وهذا كما تضمن الكلام الضمير الذي في قول حاتم: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وهذا كقوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم [النحل: 110] فهي مراد بها الحالة ~~المتحصلة من هذه الأفعال. # وقال قوم: أسر المجازاة، وقال قوم: أسر الحجة، وما قدمناه أليق. وقرأ ابن ~~أبي عبلة: «فأسره يوسف» بضمير تذكير. # وقوله: أنتم شر مكانا الآية، الظاهر منه أنه قالها إفصاحا فكأنه أسر لهم ~~كراهية مقالتهم ثم تجهمهم بقوله: أنتم شر مكانا أي لسوء أفعالكم، والله ~~يعلم إن كان ما وصفتموه حقا، وفي اللفظ إشارة إلى تكذيبهم، ومما يقوي هذا ~~عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بالشيخ صلى PageV03P267 # الله عليه وسلم. وقالت فرقة- وهو ظاهر كلام ابن عباس- لم يقل يوسف هذا ~~الكلام إلا في نفسه- وإنما هو تفسير للذي أسر في نفسه، أي هذه المقالة هي ~~التي أسر، فكأن المراد في نفسه: أنتم ... # وذكر الطبري هنا قصصا اختصاره: أنه لما استخرجت السقاية من رحل بنيامين ~~قال إخوته: يا بني راحيل ألا يزال البلاء ينالنا من جهتكم؟ فقال بنيامين: ~~بل بنو راحيل ينالهم البلاء منكم: ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع ~~في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. فقالوا: لا تذكر الدراهم لئلا نؤخذ ~~بها. ثم دخلوا على يوسف فأخذ الصواع فنقره فطن، فقال: إنه يخبر أنكم ذهبتم ~~بأخ لكم فبعتموه، فسجد بنيامين وقال: أيها العزيز سل صواعك هذا يخبرك ~~بالحق. # قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص الذي آثرنا اختصاره. وروي أن ~~روبيل غضب ووقف شعره حتى خرج من ثيابه، فأمر يوسف بنيا له، فمسه، فسكن ~~غضبه، فقال روبيل: لقد مسني أحد من ولد يعقوب، ثم إنهم تشاوروا في محاربة ~~يوسف- وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذلك- فلما ms1911 أحس يوسف بذلك قام إلى روبيل ~~فلببه وصرعه، فرأوا من قوته ما استعظموه عند ذلك وقالوا: يا أيها العزيز ~~... # [يوسف: 88] قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 78 الى 80] # قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من ~~المحسنين (78) قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا ~~لظالمون (79) فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم ~~قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى ~~يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) # خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته- على ما روي ~~في ذلك- وقولهم: فخذ أحدنا مكانه يحتمل أن يكون مجازا وهم يعلمون أنه لا ~~يصح أخذ حر ليسترق بدل من أحكمت السنة رقه، وإنما هذا كما تقول لمن تكره ~~فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك تبالغ في ~~استنزاله، وعلى هذا يتجه قول يوسف معاذ الله لأنه تعوذ من غير جائز، ويحتمل ~~أن يكون قولهم فخذ أحدنا مكانه حقيقة، وبعيد عليهم- وهم أنبياء- أن يريدوا ~~استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي خذ أحدنا حتى ~~ينصرف إليك صاحبك، ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه، ويعرف يعقوب جلية ~~الأمر، فمنع يوسف عليه السلام من ذلك، إذ الحمالة في الحدود ونحوها لمعنى ~~إحضار المضمون فقط جائزة مع التراضي غير لازمة إذا أبى الطالب، وأما ~~الحمالة في مثل ذلك- على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة- فلا ~~يجوز ذلك إجماعا. وفي الواضحة: # إن الحمالة بالوجه فقط في جميع الحدود جائزة إلا في النفس. PageV03P268 # وقولهم: إنا نراك من المحسنين، يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوه من إحسانه ~~في جميع أفعاله- معهم ومع غيرهم- ويحتمل أن يريدوا: إنا نرى لك إحسانا ~~علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا- وهذا تأويل ابن إسحاق. # ومعاذ نصب على المصدر، ولا يجوز إظهار الفعل معه، ms1912 والظلم في قوله: ~~لظالمون على حقيقته، إذ هو وضع الشيء في غير موضعه، وذكر الطبري أنه روي أن ~~يوسف أيأسهم بلفظه هذا، قال لهم: إذا أتيتم أباكم فاقرأوا عليه السلام، ~~وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ولدك يوسف، ليعلم أن في ~~أرض مصر صديقين مثله. # وقوله: فلما استيأسوا منه الآية، يقال: يئس واستيأس بمعنى واحد، كما ~~يقال: سخر واستسخر، ومنه قوله تعالى: يستسخرون [الصافات: 14] وكما يقال: ~~عجب واستعجب، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل] # ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم # ومنه نوك واستنوك- وعلى هذا يجيء قول الشاعر في بعض التأويلات: واستنوكت ~~وللشباب نوك. # وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير: «استأيسوا» و «لا تأيسوا» و «لا ~~يأيس» و «حتى إذا استأيس الرسل» أصله استأيسوا- استفعلوا- ومن أيس- على قلب ~~الفعل من يئس إلى أيس، وليس هذا كجذب وجبذ بل هذان أصلان والأول قلب، دل ~~على ذلك أن المصدر من يئس وأيس واحد، وهو اليأس، ولجذب وجبذ مصدران. # وقوله: خلصوا نجيا معناه انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا، والنجي لفظ ~~يوصف به من له نجوى واحدا أو جماعة أو مؤنثا أو مذكرا، فهو مثل عدو وعدل، ~~وجمعه أنجية، قال لبيد: # وشهدت أنجية الأفاقة عاليا ... كعبي وأرداف الملوك شهود # وكبيرهم قال مجاهد: هو شمعون لأنه كان كبيرهم رأيا وتدبيرا وعلما- وإن ~~كان روبيل أسنهم- وقال قتادة: هو روبيل لأنه أسنهم، وهذا أظهر ورجحه ~~الطبري. وقال السدي: معنى الآية: وقال كبيرهم في العلم، وذكرهم أخوهم ~~الميثاق في قوله يعقوب لتأتنني به إلا أن يحاط بكم [يوسف: 66] . # وقوله: ما فرطتم يصح أن تكون ما صلة في الكلام لا موضع لها من الإعراب. ~~ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر قوله: في يوسف- كذا قال أبو ~~علي- ولا يجوز أن يكون قوله: # من قبل متعلقا ب فرطتم. # قال القاضي أبو محمد: وإنما تكون- على هذا- مصدرية، التقدير: من قبل ~~تفريطكم في يوسف واقع أو مستقر، وبهذا المقدر يتعلق قوله: من قبل. ويصح أن ~~يكون في ms1913 موضع نصب عطفا، على أن التقدير: وتعلموا تفريطكم أو وتعلموا الذي ~~فرطتم، فيصح- على هذا الوجه- أن يكون بمعنى الذي ويصح أن تكون مصدرية. PageV03P269 # وقوله تعالى: فلن أبرح الأرض أراد أرض القطر والموضع الذي ناله فيه ~~المكروه المؤدي إلى سخط أبيه، والمقصد بهذا اللفظ التحريج على نفسه والتزام ~~التضييق، كأنه سجن نفسه في ذلك القطر ليبلي عذرا. # وقوله: أو يحكم الله لي لفظ عام بجميع ما يمكن أن يرده من القدر كالموت ~~أو النصرة وبلوغ الأمل وغير ذلك، وقال أبو صالح: أو يحكم الله لي بالسيف. ~~ونصب يحكم بالعطف على يأذن، ويجوز أن تكون أو في هذا الموضع بمعنى إلا أن، ~~كما تقول: لألزمنك أو تقضيني حقي، فتنصب على هذا يحكم ب أو. # وروي أنهم لما وصلوا إلى يعقوب بكى وقال: يا بني ما تذهبون عني مرة إلا ~~نقصتم: ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم فنقصتم شمعون حيث ارتهن، ثم ذهبتم ~~فنقصتم بنيامين وروبيل. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 81 الى 83] # ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين (81) وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا ~~فيها وإنا لصادقون (82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) # الأمر بالرجوع قيل: هو من قول كبيرهم، وقيل: بل هو من قول يوسف لهم، ~~والأول أظهر. # وقرأ الجمهور «سرق» على تحقيق السرقة على بنيامين، بحسب ظاهر الأمر. وقرأ ~~ابن عباس وأبو رزين «سرق» بضم السين وكسر الراء وتشديدها، وكأن هذه القراءة ~~فيها لهم تحر، ولم يقطعوا عليه بسرقة، وإنما أرادوا جعل سارقا بما ظهر من ~~الحال- ورويت هذه القراءة عن الكسائي- وقرأ الضحاك: «إن ابنك سارق» بالألف ~~وتنوين القاف، ثم تحروا بعد- على القراءتين- في قولهم وما شهدنا إلا بما ~~علمنا أي وقولنا لك: إن ابنك سرق إنما هي شهادة عندك بما علمناه من ظاهر ما ~~جرى، والعلم في الغيب إلى الله، ليس في ذلك حفظنا، هذا ms1914 قول ابن إسحاق، وقال ~~ابن زيد: قولهم: ما شهدنا إلا بما علمنا أرادوا به: # وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق في شرعك إلا بما علمنا من ذلك، وما ~~كنا للغيب حافظين أن السرقة تخرج من رحل أحدنا، بل حسبنا أن ذلك لا يكون ~~البتة، فشهدنا عنده حين سألنا بعلمنا. # وقرأ الحسن «وما شهدنا عليه إلا بما علمنا» بزيادة «عليه» . # ويحتمل قوله: وما كنا للغيب حافظين أي حين واثقناك، إنما قصدنا ألا يقع ~~منا نحن في جهته شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنه سيأتي هو بما يوجب رقه. # وروي أن معنى قولهم: للغيب أي الليل، والغيب: الليل- بلغة حمير- فكأنهم ~~قالوا: وما شهدنا PageV03P270 # عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من ~~سرقته هو أو التدليس عليه. ثم استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها- وهي ~~مصر، قاله ابن عباس وغيره، وهذا مجاز، والمراد أهلها، وكذلك قوله: والعير، ~~هذا قول الجمهور، وهو الصحيح، وحكى أبو المعالي في التلخيص عن بعض ~~المتكلمين أنه قال: هذا من الحذف وليس من المجاز، قال: وإنما المجاز لفظة ~~تستعار لغير ما هي له. # قال القاضي أبو محمد: وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه- هذا مذهب سيبويه ~~وغيره من أهل النظر- وليس كل حذف مجازا، ورجح أبو المعالي- في هذه الآية- ~~أنه مجاز، وحكى أنه قول الجمهور أو نحو هذا. # وقالت فرقة: بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة، ومن حيث هو نبي ~~فلا يبعد أن تخبره بالحقيقة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن جوز فبعيد، والأول أقوى، وهنا كلام مقدر ~~يقتضيه الظاهر، تقديره: فلما قالوا هذه المقالة لأبيهم قال: بل سولت، وهذا ~~على أن يتصل كلام كبيرهم إلى هنا، ومن يرى أن كلام كبيرهم تم في قوله: إن ~~ابنك سرق، فإنه يجعل الكلام هنالك تقديره: فلما رجعوا قالوا: إن ابنك سرق ~~الآية. والظاهر أن قوله: بل سولت لكم أنفسكم أمرا. إنما هو ظن سيء بهم، كما ~~كان في قصة يوسف قبل، فاتفق أن صدق ظنه هناك، ولم ms1915 يتحقق هنا، وسولت معناه: ~~زينت وخيلت وجعلته سولا، والسول ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه. # وقوله: فصبر جميل إما ابتداء وخبره أمثل أو أولى، وحسن الابتداء بالنكرة ~~من حيث وصفت. # وإما خبر ابتداء تقديره، فأمري أو شأني، أو صبري صبر جميل وهذا أليق ~~بالنكرة أن تكون خبرا، ومعنى وصفه بالجمال: أنه ليس فيه شكوى إلى بشر ولا ~~ضجر بقضاء الله تعالى. ثم ترجى عليه السلام من الله أن يجبرهم عليه وهم ~~يوسف وبنيامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض، ورجاؤه هذا من جهات: # إحداها: الرؤيا التي رأى يوسف فكان يعقوب ينتظرها. # والثانية: حسن ظنه بالله تعالى في كل حال. # والثالثة: ما أخبروه به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه فوقع له- من ~~هنا- تحسس ورجاء. # والوصف «بالعلم والإحكام» لائق بما يرجوه من لقاء بنيه، وفيها تسليم ~~لحكمة الله تعالى في جميع ما جرى عليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 84 الى 86] # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) ~~قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) PageV03P271 # المعنى: أنه لما ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم بل استراب به، تولى عنهم أي ~~زال بوجهه عنهم وجعل يتفجع ويتأسف، قال الحسن: خصت هذه الأمة بالاسترجاع ~~ألا ترى إلى قول يعقوب: يا أسفى. # قال القاضي أبو محمد: والمراد: «يا أسفي» . لكن هذه لغة من يرد ياء ~~الإضافة ألفا نحو: يا غلاما ويا أبتا، ونادى الأسف على معنى احضر فهذا من ~~أوقاتك. وقيل: قوله: يا أسفى على جهة الندبة، وحذف الهاء التي هي في الندبة ~~علامة المبالغة في الحزن تجلدا منه عليه السلام، إذ كان قد ارتبط إلى الصبر ~~الجميل، وقيل: قوله: يا أسفى نداء فيه استغاثة. # قال القاضي أبو محمد: ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع ويا أسفى لهذه الأمة ~~وليعقوب عليه السلام. # وابيضت عيناه أي من ملازمة البكاء الذي هو ms1916 ثمرة الحزن، وروي «أن يعقوب ~~عليه السلام حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط» ~~، رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقرأ ابن عباس ومجاهد «من الحزن» بفتح الحاء والزاي، وقرأ قتادة بضمهما ~~وقرأ الجمهور بضم الحاء وسكون الزاي. # وهو كظيم يمعنى كاظم، كما قال والكاظمين الغيظ [آل عمران: 134] ، ووصف ~~يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد، وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في ~~صدره، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والفجر. وقال ~~ناس: كظيم بمعني: مكظوم. # قال القاضي أبو محمد: وقد وصف الله تعالى يونس عليه السلام بمكظوم في ~~قوله إذ نادى وهو مكظوم [القلم: 48] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء ~~بحزنه، فكأنه كظم بثه في صدره، وجري كظيم على باب كاظم أبين. وفسر ناس ~~«الكظيم» بالمكروب وبالمكمود- وذلك كله متقارب- وقال منذر بن سعيد: الأسف ~~إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب، ومنه قول الله تعالى: فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم [الزخرف: 55] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة ~~من الغنم: فأسفت فلطمتها وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم. # قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا المنزع: أن الأسف يقال في الغضب ويقال ~~في الحزن، وكل واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها، وقوله تعالى: قالوا ~~تالله تفتؤا الآية، المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم ~~لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # ومنه قول الآخر: # تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس PageV03P272 # أراد لا يبرح ولا يبقى، وقال الزجاجي: وقد تحذف أيضا ما في هذا الموضع. # قال القاضي أبو محمد: وخطأه بعض النحويين، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ~~ويدل عليها الكلام قول الشاعر: [الطويل] # فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما قبل الزند قادح # وقوله ما قبل الزند قادح ms1917 يوجب أن المحذوف «لا» ، وليست «ما» ، وفتىء ~~بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل، تقول: والله لا فتئت قاعدا كما تقول: لا ~~زلت ولا برحت، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل] # فما فتئت حتى كأن غبارها ... سرادق يوم ذي رياح يرفع # و «الحرض» : الذي قد نهكه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء ~~والبدن والحس، وعلى هذا المعنى قراءة الجمهور «حرضا» بفتح الراء والحاء ... ~~وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضمهما، وقرأت فرقة «حرضا» بضم الحاء وسكون الراء. ~~وهذا كله المصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع بلفظ واحد، كعدل ~~وعدو، وقيل في قراءة الحسن: انه يراد: فتات الأشنان أي باليا متعتتا، ويقال ~~من هذا المعنى الذي هو شن الهم والهرم: رجل حارض، ويثنى هذا البناء ويجمع ~~ويؤنث ويذكر، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [البسيط] # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم # وقد سمع من العرب: رجل محرض، قال الشاعر- وهو امرؤ القيس: [الطويل] # أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ... كأحراض بكر في الديار مريض # و «الحرض» - بالجملة- الذي فسد ودنا موته، قال مجاهد: «الحرض» : ما دون ~~الموت، قال قتادة: # «الحرض» : البالي الهرم، وقال نحوه الضحاك والحسن، وقال ابن إسحاق: حرضا ~~معناه فاسد لا عقل له فكأنهم قالوا على جهة التعنيف له: أنت لا تزال تذكر ~~يوسف إلى حال القرب من الهلاك أو إلى الهلاك. # فأجابهم يعقوب عليه السلام رادا عليهم: أي أني لست ممن يجزع ويضجر فيستحق ~~التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف في ذلك. و «البث» ما في صدر ~~الإنسان مما هو معتزم أن يبثه وينشره، وأكثر ما يستعمل «البث» في المكروه، ~~وقال أبو عبيدة وغيره: «البث» : أشد الحزن، وقد يستعمل «البث» في المخفي ~~على الجملة ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: ولا يولج الكف ليعلم «البث» ، ~~ومنه قولهم: أبثك حديثي. # وقرأ عيسى: «وحزني» بفتح الحاء والزاي. # وحكى الطبري بسند: أن يعقوب دخل على فرعون وقد سقط حاجباه على عينيه من ~~الكبر، فقال له ms1918 فرعون: ما بلغ بك هذا يا إبراهيم؟ فقالوا: إنه يعقوب، فقال: ~~ما بلغ بك هذا يا يعقوب؟ قال له: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله ~~إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة فاغفرها لي، وأسند ~~الطبري إلى الحسن قال: كان بين خروج يوسف عن يعقوب إلى دخول يعقوب على يوسف ~~ثمانون PageV03P273 # سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى كف بصره، وما في الأرض يومئذ ~~أكرم على الله من يعقوب. # وقوله: أعلم من الله ما لا تعلمون # يحتمل أنه أشار إلى حسن ظنه بالله وجميل عادة الله عنده، ويحتمل أنه أشار ~~إلى الرؤيا المنتظرة أو إلى ما وقع في نفسه عن قول ملك مصر: إني أدعو له ~~برؤية ابنه قبل الموت، وهذا هو حسن الظن الذي قدمناه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 87 الى 88] # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ~~مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله ~~يجزي المتصدقين (88) # المعنى: اذهبوا إلى الأرض التي جئتم منها وتركتم أخويكم بنيامين وروبيل، ~~فتحسسوا، أي استقصوا ونقروا، والتحسس: طلب الشيء بالحواس من البصر والسمع، ~~ويستعمل في الخير والشر، فمن استعماله في الخير هذه الآية، وفي الشر نهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ولا تحسسوا. # وقوله: من يوسف يتعلق بمحذوف يعمل فيه تحسسوا التقدير: فتحسسوا نبأ أو ~~حقيقة من أمر يوسف. لكن يحذف ما يدل ظاهر القول عليه إيجازا. # وقرأت فرقة: «تيأسوا» وقرأت فرقة «تأيسوا» على ما تقدم، وقرأ الأعرج ~~«تئسوا» بكسر التاء. # وخص يوسف وبنيامين بالذكر لأن روبيل إنما بقي مختارا. وهذان قد منعا ~~الأوبة. # و «الروح» : الرحمة. ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين. ~~إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى. # وقرأ الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز «من روح ms1919 الله» بضم الراء. وكأن ~~معنى هذه القراءة لا تأيسوا من حي معه روح الله الذي وهبه، فإن من بقي روحه ~~فيرجى، ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع ومن ~~هذا قول عبيد: # وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب # ويظهر من حديث الذي قال: إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في البحر ~~والبر في يوم راح. فلئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من الناس، ~~إنه يئس من روح الله، وليس الأمر كذلك، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في آخر الحديث فغفر الله له يقتضي أنه مات مؤمنا إذ لا يغفر PageV03P274 # الله لكافر، فبقي أن يتأول الحديث، إما على أن قدر بمعنى ضيق وناقش ~~الحساب، فذلك معنى بين، وإما أن تكون من القدرة، ويقع خطأ في أن ظن في أن ~~الاجتماع بعد السحق والتذرية محال لا يوصف الله تعالى بالقدرة عليه فغلط في ~~أن جعل الجائز محالا، ولا يلزمه بهذا كفر. قال النقاش: وقرأ ابن مسعود «من ~~فضل» وقرأ أبي بن كعب: «من رحمة الله» . # وقوله تعالى: فلما دخلوا عليه الآية، في هذا الموضع اختصار محذوفات ~~يعطيها الظاهر، وهي: # أنهم نفذوا من الشام إلى مصر ووصلوها والضمير في عليه عائد على يوسف، ~~والضر أرادوا به المسغبة التي كانوا بسبيلها وأمر أخيهم الذي أهم أباهم وغم ~~جميعهم، و «البضاعة» : القطعة من المال يقصد بها شراء شيء، ولزمها عرف ~~الفقه فيما لا حظ لحاملها من الربح، وال مزجاة معناها المدفوعة المتحيل ~~لها، ومنه إزجاء السحاب، ومنه إزجاء الإبل كما قال الشاعر: # على زواحف تزجى مخهارير وكما قال النابغة: [البسيط] # وهبت الريح من تلقاء ذي أزل ... تزجى مع الليل من صرادها صرما # وقال الأعشى: [الكامل] # الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي خلفها أطفالها # وقال الآخر: # بحاجة غير مزجاة من الحاج وقال حاتم: # ليبك على ملحان ضيف مدفع ... وأرملة تزجي مع الليل أرملا # فجملة هذا أن من يسوق شيئا ويتلطف في تسييره فقد ms1920 أزجاه فإذا كانت الدراهم ~~مدفوعة نازلة القدر تحتاج أن يعتذر معها ويشفع لها فهي مزجاة، فقيل: كان ~~ذلك لأنها كانت زيوفا- قاله ابن عباس- وقال الحسن: كانت قليلة، وقيل: كانت ~~ناقصة- قاله ابن جبير- وقيل: كانت بضاعتهم عروضا، فلذلك قالوا هذا. # واختلف في تلك العروض: ما كانت؟ فقيل: كانت السمن والصوف- قاله عبد الله ~~بن الحارث- وقال علي بن أبي طالب: كانت قديد وحش- ذكره النقاش- وقال أبو ~~صالح وزيد بن أسلم: كانت الصنوبر والحبة الخضراء. # قال القاضي أبو محمد: وهي الفستق. # وقيل: كانت المقل، وقيل: كانت القطن، وقيل: كانت الحبال والأعدال ~~والأقتاب. # وحكى مكي أن مالكا رحمه الله قال: المزجاة: الجائزة. # قال القاضي أبو محمد: ولا أعرف لهذا وجها، والمعنى يأباه. ويحتمل أن صحف ~~على مالك وأن PageV03P275 # لفظه بالحاء غير منقوطة وبالراء. واستند مالك رحمه الله في أن الكيل على ~~البائع إلى هذه الآية، وذلك ظاهر منها وليس بنص. # وقولهم: وتصدق علينا معناه بما بين الدراهم الجياد وهذه المزجاة، قاله ~~السدي وغيره. وقيل: # كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على محمد، قاله ~~سفيان بن عيينة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، يرده حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة» . # وقالت فرقة: كانت الصدقة عليهم محرمة ولكن قالوا هذا تجوزا واستعطافا ~~منهم في المبايعة، كما تقول لمن تساومه في سلعة: هبني من ثمنها كذا وخذ ~~كذا، فلم تقصد أن يهبك، وإنما حسنت له الانفعال حتى يرجع معك إلى سومك، ~~وقال ابن جريج: إنما خصوا بقولهم وتصدق علينا أمر أخيهم بنيامين، أي أوف ~~لنا الكيل في المبايعة وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه. # وقولهم: إن الله يجزي المتصدقين قال النقاش: يقال: هو من المعاريض التي ~~هي مندوحة عن الكذب، وذلك أنهم كانوا يعتقدونه ملكا كافرا على غير دينهم، ~~ولو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك في الآخرة، كذبوا، فقالوا له لفظا يوهمه ~~أنهم أرادوه وهم يصح لهم إخراجه منه بالتأويل. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 89 الى 92] ms1921 # قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ~~(91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) # روي أن يوسف عليه السلام لما قال إخوته مسنا وأهلنا الضر [يوسف: 88] ~~واستعطفوه- رق ورحمهم، قال ابن إسحاق: وارفض دمعه باكيا فشرع في كشف أمره ~~إليهم، فيروى أنه حسر قناعه وقال لهم: هل علمتم الآية. # وقوله: فعلتم بيوسف وأخيه يريد من التفريق بينهما في الصغر والتمرس بهما ~~وإذاية بنيامين. بعد مغيب يوسف. فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، ولم يشر إلى ~~قصة بنيامين الآخرة لأنهم لم يفعلوا هم فيها شيئا، ونسبهم إما إلى جهل ~~المعصية، وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة، فلما خاطبهم هذه المخاطبة- ~~ويشبه أن يكون قد اقترن بها من هيئته وبشره وتبسمه ما دلهم- تنبهوا ووقع ~~لهم من الظن القوي أنه يوسف، فخاطبوه مستفهمين استفهام مقرر. # وقرأت فرقة «أإنك يوسف» بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بإدخال ألف بين ~~همزتين وتحقيقهما «أإنك» ، PageV03P276 # وقرأت فرقة بتسهيل الثانية «إنك» ، وقرأ ابن محيصن وقتادة وابن كثير ~~«إنك» على الخبر وتأكيده وقرأ أبي بن كعب «أإنك أو أنت يوسف» قال أبو ~~الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر «إن» كأنه قال: أإنك لغير يوسف أو ~~أنت يوسف؟ وحكى أبو عمرو الداني: أن في قراءة أبي بن كعب: «أو أنت يوسف» ~~وتأولت فرقة ممن قرأ «إنك» إنها استفهام بإسقاط حرف الاستفهام، فأجابهم ~~يوسف كاشفا أمره قال: أنا يوسف وهذا أخي وقال مجاهد: أراد من يتق في ترك ~~المعصية ويصبر في السجن. وقال إبراهيم النخعي: المعنى: من يتق الزنى ويصبر ~~على العزوبة. # قال القاضي أبو محمد: ومقصد اللفظ إنما هو العموم في العظائم، وإنما قال ~~هذان ما خصصا، لأنها كانت من نوازله، ولو فرضنا نزول غيرها به لا تقى وصبر. # وقرأ الجمهور «من يتق ويصبر» وقرأ ms1922 ابن كثير وحده: «من يتقي ويصبر» بإثبات ~~الياء، واختلف في وجه ذلك، فقيل: قدر الياء متحركة وجعل الجزم في حذف ~~الحركة، وهذا كما قال الشاعر: [الوافر] # ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد # قال أبو علي: وهذا مما لا نحمله عليه، لأنه يجيء في الشعر لا في الكلام، ~~وقيل: «من» بمعنى الذي و «يتقي» فعل مرفوع، و «يصبر» عطف على المعنى لأن ~~«من» وإن كانت بمعنى الذي ففيها معنى الشرط، ونحوه قوله تعالى: فأصدق وأكن ~~[المنافقون: 10] وقيل: أراد «يصبر» بالرفع لكنه سكن الراء تخفيفا، كما قرأ ~~أبو عمرو: ويأمركم [البقرة: 67] بإسكان الراء. # وقوله تعالى: قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا الآية، هذا منهم استنزال ~~ليوسف وإقرار بالذنب في ضمنه استغفار منه. وآثرك لفظ يعم جميع التفضيل ~~وأنواع العطايا، والأصل فيها همزتان وخففت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، ~~والمصدر إيثار، وخاطئين من خطىء يخطأ، وهو المعتمد للخطأ، والمخطئ من أخطأ، ~~وهو الذي قصد الصواب فلم يوفق إليه، ومن ذلك قول الشاعر- وهو أمية بن ~~الأسكر-[الوافر] # وإن مهاجرين تكتفاه ... غداة إذ لقد خطئا وخابا # وقوله: لا تثريب عليكم عفو جميل، وقال عكرمة: أوحى الله إلى يوسف: بعفوك ~~على إخوتك رفعت لك ذكرك وفي الحديث: أن أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن ~~أبي أمية لما وردا مهاجرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرض عنهما ~~لقبح فعلهما معه قبل، فشق ذلك عليهما وأتيا أبا بكر فكلفاه الشفاعة، فأبى، ~~وأتيا عمر فكذلك، فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى ابن عمه علي، وذهب عبد الله ~~إلى أخته أم سلمة، فقال علي رضي الله عنه: الرأي أن تلقيا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحفل فتصيحان به: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا ~~لخاطئين فإنه لا يرضى أن يكون دون أحد من الأنبياء فلا بد لذلك أن يقول: لا ~~تثريب عليكما، ففعلا ذلك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~تثريب عليكم الآية. PageV03P277 # والتثريب: اللوم والعقوبة وما جرى معهما من ms1923 سوء معتقد ونحوه، وقد عبر بعض ~~الناس عن التثريب بالتعيير، ومنه قول النبي عليه السلام: «إذا زنت أمة ~~أحدكم فليجلدها ولا يثرب» ، أي لا يعير، أخرجه الشيخان في الحدود. # ووقف بعض القراءة عليكم وابتدأ اليوم يغفر الله لكم ووقف أكثرهم: اليوم ~~وابتدأ يغفر الله لكم على جهة الدعاء- وهو تأويل ابن إسحاق والطبري، وهو ~~الصحيح- واليوم ظرف، فعلى هذا فالعامل فيه ما يتعلق به عليكم تقديره: لا ~~تثريب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. وهذا الوقف أرجح في المعنى، لأن الآخر ~~فيه حكم على مغفرة الله، اللهم إلا أن يكون ذلك بوحي. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 93 الى 95] # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ~~(93) ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) ~~قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) # حكمه بعد الأمر إلقاء القميص على وجه أبيه بأن أباه يأتي بصيرا ويزول ~~عماه دليل على أن هذا كله بوحي وإعلام من الله. قال النقاش: وروي أن هذا ~~القميص كان لإبراهيم كساه الله إياه حين خرج من النار وكان من ثياب الجنة. ~~وكان بعد لإسحاق ثم ليعقوب ثم كان دفعه ليوسف فكان عنده في حفاظ من قصب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف ~~الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين العرابة في أن وجد ريحه من ~~بعد، ولو كان من قمص الجنة لما كان في ذلك غرابة ولوجده كل أحد. # وأما «أهلهم» فروي: أنهم كانوا ثمانين نسمة، وقيل ستة وسبعين نفسا بين ~~رجال ونساء- وفي هذا العدد دخلوا مصر ثم خرج منها أعقابهم مع موسى في ~~ستمائة ألف. وذكر الطبري عن السدي أنه لما كشف أمره لإخوته سألهم عن أبيهم: ~~ما حاله؟ فقالوا: ذهب بصره من البكاء. فحينئذ قال لهم: اذهبوا بقميصي ~~الآية. # وقوله تعالى: ولما فصلت العير الآية، معناه: فصلت العير من مصر متوجهة ~~إلى موضع يعقوب، حسبما اختلف فيه، فقيل: كان على ms1924 مقربة من بيت المقدس، وقيل ~~كان بالجزيرة والأول أصح لأن آثارهم وقبورهم حتى الآن هناك. # وروي أن يعقوب وجد ريح يوسف وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام، قاله ~~ابن عباس، وقال: هاجت ريح فحملت عرفه وروي: أنه كان بينهما ثمانون فرسخا- ~~قاله الحسن- وابن جريج قال: # وقد كان فارقه قبل ذلك سبعا وسبعين سنة. PageV03P278 # قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الأول. # وروي: أنه كان بينهما مسيرة ثلاثين يوما، قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي ~~عن أبي أيوب الهوزني: أن الريح استأذنت في أن توصل عرف يوسف إلى يعقوب، ~~فأذن لها في ذلك. وكانت مخاطبة يعقوب هذه لحاضريه، فروي: أنهم كانوا حفدته، ~~وقيل: كانوا بعض بنيه، وقيل: كانوا قرابته. # وتفندون معناه: تردون رأيي وتدفعون في صدري، وهذا هو التفنيد في اللغة، ~~ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط] # يا عاذلي دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمري بمردود # ويقال: أفند الدهر فلانا: إذا أفسده. # قال ابن مقبل: [الطويل] # دع الدهر يفعل ما أراد فإنه ... إذا كلف الإفناد بالناس أفندا # ومما يعطي أن الفند الفساد في الجملة قول النابغة: [البسيط] # إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فأحددها عن الفند # وقال منذر بن سعيد: يقال: شيخ مفند: أي قد فسد رأيه، ولا يقال: عجوز. # قال القاضي أبو محمد: والتفنيد يقع إما لجهل المفند، وإما لهوى غلبه، ~~وإما لكذبه، وإما لضعفه وعجزه لذهاب عقله وهرمه، فلهذا فسر الناس التفنيد ~~في هذه الآية بهذه المعاني ومنه قوله عليه السلام أو هرما مفندا. قال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة: معناه تسفهون، وقال ابن عباس- أيضا- تجهلون، وقال ابن ~~جبير وعطاء: معناه: تكذبون، وقال ابن إسحاق: معناه: تضعفون، وقال ابن زيد ~~ومجاهد: معناه: تقولون: # ذهب عقلك، وقال الحسن: معناه: تهرمون. # والذي يشبه أن تفنيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد ~~غلبه في جانب يوسف. # قال الطبري: أصل التفنيد الإفساد. # وقولهم: لفي ضلالك يريدون في انتكافك وتحيرك، وليس هو بالضلال الذي هو في ~~العرف ضد الرشاد، لأن ms1925 ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به، وقد تأول ~~بعض الناس على ذلك، ولهذا قال قتادة رحمه الله: قالوا لوالدهم كلمة غليظة ~~لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله عليه السلام، وقال ابن ~~عباس: المعنى: لفي خطئك. # قال القاضي أبو محمد: وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين، فلذلك يقال ~~له: ذو الحزنين. # قوله عز وجل: PageV03P279 ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 96 الى 100] # فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~من الله ما لا تعلمون (96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) فلما دخلوا ~~على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99) ورفع ~~أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد ~~جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن ~~نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ~~(100) # روي عن ابن عباس: أن البشير كان يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم. # قال القاضي أبو محمد: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الواعظ أبا الفضل ~~بن الجوهري على المنبر بمصر يقول: إن يوسف عليه السلام لما قال: اذهبوا ~~بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي [يوسف: 93] قال يهوذا لإخوته: قد علمتم أني ~~ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة فتركوه وذلك. وقال ~~هذا المعنى السدي. وارتد معناه: رجع هو، يقال: ارتد الرجل ورده غيره، ~~وبصيرا معناه: مبصرا، ثم وقفهم على قوله: إني أعلم من الله ما لا تعلمون ~~وهذا- والله أعلم- هو انتظاره لتأويل الرؤيا- ويحتمل أن يشير إلى حسن ظنه ~~بالله تعالى فقط. # وروي: أنه قال للبشير: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام قال: ~~الحمد لله، الآن كملت النعمة. # وفي مصحف ابن مسعود: «فلما أن جاء البشير من بين يدي العير» ms1926 ، وحكى ~~الطبري عن بعض النحويين أنه قال: أن في قوله: فلما أن جاء البشير زائدة، ~~والعرب تزيدها أحيانا في الكلام بعد لما وبعد حتى فقط، تقول: لما جئت كان ~~كذا، ولما أن جئت، وكذلك تقول: ما قام زيد حتى قمت، وحتى أن قمت. # وقوله: قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا الآية، روي أن يوسف عليه ~~السلام لما غفر لإخوته، وتحققوا أيضا أن يعقوب يغفر لهم، قال بعضهم لبعض: ~~ما يغني عنا هذا إن لم يغفر الله لنا؟! فطلبوا- حينئذ- من يعقوب أن يطلب ~~لهم المغفرة من الله تعالى، واعترفوا بالخطأ، فقال لهم يعقوب: سوف أستغفر، ~~فقالت فرقة: سوفهم إلى السحر، وروي عن محارب بن دثار أنه قال: كان عم لي ~~يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت، وهذا سحر ~~فاغفر لي، فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسئل عبد الله ~~بن مسعود عن ذلك، فقال: إن يعقوب عليه السلام أخر بنيه إلى السحر، ويقوي ~~هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إذا كان ~~الثلث الآخر إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني ~~فأغفر له؟» الحديث. # ويقويه قوله تعالى: والمستغفرين بالأسحار [آل عمران: 17] . وقالت فرقة: ~~إنما سوفهم يعقوب إلى قيام الليل، وقالت فرقة- منهم سعيد بن جبير- سوفهم ~~يعقوب إلى الليالي البيض، فإن الدعاء فيهن يستجاب وقيل: إنما أخرهم إلى ~~ليلة الجمعة، وروى ابن عباس هذا التأويل عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«أخرهم يعقوب حتى تأتي له الجمعة» . PageV03P280 # ثم رجاهم يعقوب عليه السلام بقوله: إنه هو الغفور الرحيم. # وقوله: فلما دخلوا الآية، هاهنا محذوفات يدل عليها الظاهر، وهي: فرحل ~~يعقوب بأهله أجمعين وساروا حتى بلغوا يوسف، فلما دخلوا عليه. # وآوى معناه: ضم وأظهر الحماية بهما، وفي الحديث: «أما أحدهم فأوى إلى ~~الله فآواه الله» . # وقيل: أراد «بالأبوين» : أباه وأمه- قاله ابن إسحاق والحسن- وقال بعضهم: ~~أباه وجدته- أم أمه- حكاه الزهراوي- وقيل: أباه وخالته، لأن أمه قد كانت ~~ماتت- قاله السدي-. # قال القاضي أبو ms1927 محمد: والأول أظهر- بحسب اللفظ- إلا لو ثبت بسند أن أمه ~~قد كانت ماتت. # وفي مصحف ابن مسعود: «آوى إليه أبويه وإخوته» . وقوله: ادخلوا مصر معناه: ~~تمكنوا واسكنوا واستقروا، لأنهم قد كانوا دخلوا عليه، وقيل: بل قال لهم ذلك ~~في الطريق حين تلقاهم- قاله السدي- وهذا الاستثناء هو الذي ندب القرآن ~~إليه، أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه بقوله في المستقبل، وقال ابن ~~جريج: هذا مؤخر في اللفظ وهو متصل في المعنى بقوله: سوف أستغفر لكم. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل ضعف. # والعرش: سرير الملك، وكل ما عرش فهو عريش وعرش، وخصصت اللغة العرش لسرير ~~الملك، وخروا معناه: تصوبوا إلى الأرض، واختلف في هذا السجود، فقيل: كان ~~كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ~~ونحوه مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك ~~السجود- على أي هيئة كان- فإنما كان تحية لا عبادة. قال قتادة: هذه كانت ~~تحية الملوك عندهم. وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقال ~~الحسن: الضمير في له لله عز وجل. # قال القاضي أبو محمد: ورد على هذا القول. # وحكى الطبري: أن يعقوب لما بلغ مصر في جملته كلم يوسف فرعون في تلقيه ~~فخرج إليه وخرج الملوك معه فلما دنا يوسف من يعقوب وكان يعقوب يمشي متوكئا ~~على يهوذا- قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، هذا فرعون ~~مصر، قال: لا هو ابنك، قال: فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأ ~~بالسلام، فمنعه يعقوب من ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال: السلام ~~عليك يا مذهب الأحزان. # قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص، وفي هذا الوقت قال يوسف ليعقوب: ~~إن فرعون قد أحسن إلينا فادخل عليه شاكرا، فدخل عليه، فقال فرعون: يا شيخ ~~ما مصيرك إلى ما أرى؟ قال: تتابع البلاء علي. قال: فما زالت قدمه حتى نزل ~~الوحي: يا يعقوب، أتشكوني إلى من لا يضرك ولا ينفعك؟ قال: # يا رب ذنب ms1928 فاغفره. وقال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسف يعقوب في المشي في ~~بعض تلك المواطن فهبط جبريل فقال له: أتتقدم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج ~~من نسلك نبي. PageV03P281 # قوله عز وجل: # وقال يا أبت هذا تأويل # .... # المعنى: قال يوسف ليعقوب: هذا السجود الذي كان منكم، هو ما آلت إليه ~~رؤياي قديما في الأحد عشر كوكبا وفي الشمس والقمر. # وقوله: قد جعلها ربي حقا ابتداء تعديد نعم الله تعالى عليه، وقوله: قد ~~أحسن بي، أي أوقع وناط إحسانه بي. فهذا منحى في وصول الإحسان بالباء، وقد ~~يقال: أحسن إلي، وأحسن في، ومنه قول عبد الله بن أبي ابن سلول: يا محمد ~~أحسن في موالي وهذه المناحي مختلفة المعنى، وأليقها بيوسف قوله: # بي لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد هو الغاية التي صار إليها. # وذكر يوسف عليه السلام إخراجه من السجن، وترك إخراجه من الجب لوجهين: # أحدهما: أن في ذكر إخراجه من الجب تجديد فعل إخوته وخزيهم بذلك وتقليع ~~نفوسهم وتحريك تلك الغوائل وتخبيث النفوس. # والوجه الآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك فالنعمة ~~هنا أوضح. # وقوله: وجاء بكم من البدو يعم جمع الشمل والتنقل من الشقاوة إلى النعمة ~~بسكنى الحاضرة، وكان منزل يعقوب عليه السلام بأطراف الشام في بادية فلسطين ~~وكان رب إبل وغنم وبادية. # ونزغ معناه: فعل فعلا أفسد به، ومنه قول النبي عليه السلام: «لا يشر ~~أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده» . # وإنما ذكر يوسف هذا القدر من أمر إخوته ليبين حسن موقع النعم، لأن النعمة ~~إذا جاءت إثر شدة وبلاء فهي أحسن موقعا. # وقوله: لما يشاء أي من الأمور أن يفعله، واختلف الناس في كم كان بين رؤيا ~~يوسف وبين ظهورها: فقالت فرقة أربعون سنة- هذا قول سلمان الفارسي وعبد الله ~~بن شداد، وقال عبد الله بن شداد: # ذلك آخر ما تبطئ الرؤيا- وقالت فرقة- منهم الحسن وجسر بن فرقد وفضيل بن ~~عياض- ثمانون سنة. # وقال ابن إسحاق: ثمانية عشر، وقيل: اثنان وعشرون- قاله النقاش- وقيل: ms1929 ~~ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون- قاله قتادة- وقال السدي وابن جبير: ستة وثلاثون ~~سنة. وقيل: إن يوسف عليه السلام عمر مائة وعشرين سنة. وقيل: إن يعقوب بقي ~~عند يوسف نيفا على عشرين سنة ثم توفي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من ~~السجن إلى العز إلا PageV03P282 # الوحي من الله تعالى لما أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه، وأراد من صورة ~~جمعهم- لا إله إلا هو- وقال النقاش: كان ذلك الوحي في الجب، وهو قوله ~~تعالى: وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون [يوسف: 15] وهذا ~~محتمل. # ومما روي في أخبار يعقوب عليه السلام: قال الحسن: إنه لما ورده البشير لم ~~يجد عنده شيئا يثيبه به فقال له: والله ما أصبت عندنا شيئا، وما خبزنا منذ ~~سبع ليال، ولكن هون الله عليك سكرات الموت. ومن أخباره: أنه لما اشتد بلاؤه ~~وقال: يا رب أعميت بصري وغيبت عني يوسف، أفما ترحمني؟ فأوحى الله إليه: سوف ~~أرحمك وأرد عليك ولدك وبصرك، وما عافيتك بذلك إلا أنك طبخت في منزلك حملا ~~فشمه جار لك ولم تساهمه بشيء، فكان يعقوب بعد يدعوه إلى غدائه وعشائه. وحكى ~~الطبري: أنه لما اجتمع شمله كلفه بنوه أن يدعو الله لهم حتى يأتي الوحي بأن ~~الله قد غفر لهم. قال: فكان يعقوب يصلي ويوسف وراءه وهم وراء يوسف، ويدعو ~~لهم فلبث كذلك عشرين سنة ثم جاءه الوحي: إني قد غفرت لهم وأعطيتهم مواثيق ~~النبوة بعدك. ومن أخباره: أنه لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يدفنه ~~بالشام، فلما مات نفخ فيه المر وحمله إلى الشام، ثم مات يوسف فدفن بمصر، ~~فلما خرج موسى- بعد ذلك- من أرض مصر احتمل عظام يوسف حتى دفنها بالشام مع ~~آبائه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 101 الى 102] # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) ذلك من ~~أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت ms1930 لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) # قرأ ابن مسعود «آتيتن» و «علمتن» بحذف الياء على التخفيف، وقرأ ابن ذر ~~«رب آتيتني» بغير «قد» . # وذكر كثير من المفسرين: أن يوسف عليه السلام لما عدد في هذه الآية نعم ~~الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ~~ورأى أن الدنيا كلها قليلة فتمنى الموت في قوله: # توفني مسلما وألحقني بالصالحين وقال ابن عباس: «لم يتمن الموت نبي غير ~~يوسف» ، وذكر المهدوي تأويلا آخر- وهو الأقوى عندي- أن ليس في الآية تمني ~~موت- وإنما عدد يوسف عليه السلام نعم الله عنده ثم دعا أن يتم عليه النعم ~~في باقي عمره أي توفني- إذا حان أجلي- على الإسلام، واجعل لحاقي بالصالحين، ~~وإنما تمنى الموافاة على الإسلام لا الموت. وورد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به» . الحديث بكماله. وروي ~~عنه عليه السلام أنه قال في بعض دعائه: # «وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» ، وروي عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال: اللهم قد رق عظمي وانتشرت وعييت فتوفني غير مقصر ولا عاجز. # قال القاضي أبو محمد: فيشبه أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: لضر نزل ~~به- إنما يريد ضرر PageV03P283 # الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك ويبقى تمني الموت مخافة فساد الدين مباحا، ~~ويدلك على هذا قول النبي عليه السلام: «يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل ~~بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، ليس به الدين لكن ما يرى من البلاء ~~والفتن» . # قال القاضي أبو محمد: فقوله: ليس به الدين- يقتضي إباحة ذلك أن لو كان عن ~~الدين وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة الناس كيف تكون. # وقوله: آتيتني من الملك قيل: من للتبعيض وقيل: لبيان الجنس وكذلك في ~~قوله: من تأويل الأحاديث والمراد بقوله: الأحاديث الأحلام، وقيل: قصص ~~الأنبياء والأمم. # وقوله: فاطر منادى، وقوله: أنت وليي أي القائم بأمري الكفيل بنصرتي ~~ورحمتي. # وقوله تعالى: ذلك من أنباء الغيب الآية، ذلك إشارة إلى ما ms1931 تقدم من قصة ~~يوسف، وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق محمد، وفي ضمن ذلك الطعن ~~على مكذبيه. # والضمير في لديهم عائد إلى إخوة يوسف، وكذلك الضمائر إلى آخر الآية، ~~وأجمعوا معناه: # عزموا وجزموا، و «الأمر» هنا هو إلقاء يوسف في الجب، و «المكر» هو أن ~~تدبر على الإنسان تدبيرا يضره ويؤذيه، والخديعة هي أن تفعل بإنسان وتقول له ~~ما يوجب أن يفعل هو فعلا فيه عليه ضرر. وحكى الطبري عن أبي عمران الجوني ~~أنه قال: والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم بذلك، إنهم لأنبياء من أهل الجنة، ~~ولكن قص الله علينا نبأهم لئلا يقنط عبده. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 103 الى 108] # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ~~ذكر للعالمين (104) وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن ~~تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين (108) # هاتان الآيتان تدلان أن الآية التي قبلهما فيها تعريض لقريش ومعاصري محمد ~~عليه السلام، كأنه قال: فإخبارك بالغيوب دليل قائم على نبوتك، ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون وإن كنت أنت حريصا على إيمانهم، أي يؤمن من شاء الله. ~~وقوله: ولو حرصت اعتراض فصيح. # وقوله: وما تسئلهم الآية، توبيخ للكفرة وإقامة الحجة عليهم، أي ما ~~أسفههم؟؟؟ في أن تدعوهم إلى الله دون أن تبغي منهم أجرا فيقول قائل: بسبب ~~الأجر يدعوهم. PageV03P284 # وقرأ مبشر بن عبيد: «وما نسألهم» بالنون. # ثم ابتدأ الله تعالى الإخبار عن كتابه العزيز أنه ذكر وموعظة لجميع ~~العالم- نفعنا الله به ووفر حظنا منه بعزته-. # وقرأت الجماعة «وكأين» بهمز الألف وشد الياء، قال سيبويه: هي كاف التشبيه ~~اتصلت بأي، ومعناها معنى كم في التكثير. وقرأ ابن كثير «وكائن» بمد الألف ~~وهمز الياء، وهو من اسم الفاعل من كان، ms1932 فهو كائن ولكن معناه معنى كم أيضا. ~~وقد تقدم استيعاب القراءات في هذه الكلمة في قوله: وكأين من نبي قتل [آل ~~عمران: 146] . # وال آية هنا المخلوقات المنصوبة للاعتبار والحوادث الدالة على الله ~~سبحانه في مصنوعاته، ومعنى يمرون عليها الآية- أي إذا جاء منها ما يحس أو ~~يعلم في الجملة لم يتعظ الكافر به، ولا تأمله ولا اعتبر به بحسب شهواته ~~وعمهه، فهو لذلك كالمعرض، ونحو هذا المعنى قول الشاعر: [الطويل] # تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها # وقرأ السدي «والأرض» بالنصب بإضمار فعل، والوقف- على هذا- في السماوات ~~وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد «والأرض» بالرفع على الابتداء، والخبر قوله: ~~يمرون وعلى القراءة بخفض «الأرض» ف يمرون نعت لآية. وفي مصحف عبد الله: ~~«والأرض يمشون عليها» . وقوله: وما يؤمن أكثرهم الآية، قال ابن عباس: هي في ~~أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله ثم يشركون من حيث كفروا بنبيه، أو من حيث ~~قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. وقال عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد ~~هي في كفار العرب، وإيمانهم هو إقرارهم بالخالق والرازق والمميت، فسماه ~~إيمانا وإن أعقبه إشراكهم بالأوثان والأصنام- فهذا الإيمان لغوي فقط من حيث ~~هو تصديقها. وقيل: هذه الآية نزلت بسبب قول قريش في الطواف والتلبية: # لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وروي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا سمع أحدهم يقول: لبيك لا شريك لك، يقول له: قط قط، أي قف ~~هنا ولا تزد: إلا شريك هو لك. # وال غاشية ما يغشي ويغطي ويغم، وقرأ أبو حفص مبشر بن عبد الله: «يأتيهم ~~الساعة بغتة» بالياء، وبغتة معناه: فجأة، وذلك أصعب، وهذه الآية من قوله: ~~وكأين وإن كانت في الكفار- بحكم ما قبلها- فإن العصاة يأخذون من ألفاظها ~~بحظ، ويكون الإيمان حقيقة والشرك لغويا كالرياء، فقد قال عليه السلام: ~~«الرياء: الشرك الأصغر» . # وقوله تعالى: قل هذه سبيلي الآية، إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة ~~بأسرها. قال ابن زيد: # المعنى: هذا أمري وسنتي ومنهاجي. # وقرأ ابن ms1933 مسعود: «قل هذا سبيلي» «والسبيل» : المسلك، وتؤنث وتذكر، وكذلك ~~الطريق، وبصيرة: اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين، و «البصيرة» ~~أيضا في كلام العرب: الطريقة في الدم، وفي الحديث المشهور: «تنظر في النصل ~~فلا ترى بصيرة» ، وبها فسر بعض الناس قول الأشعر الجعفي: PageV03P285 # راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي # يصف قوما باعوا دم وليهم فكأن دمه حصلت منه طرائق على أكتافهم إذ هم ~~موسومون عند الناس ببيع ذلك الدم. # قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن تكون «البصيرة» في بيت الأشعر على المعتقد ~~الحق، أي جعلوا اعتقادهم طلب النار وبصيرتهم في ذلك وراء ظهورهم، كما تقول: ~~طرح فلان أمري وراء ظهره. # وقوله: أنا ومن اتبعني يحتمل أن يكون تأكيدا للضمير في أدعوا ويحتمل أن ~~تكون الآية كلها أمارة بالمعروف داعية إلى الله الكفرة به والعصاة. # وسبحان الله تنزيه لله، أي وقل: سبحان الله، وقل متبرئا من الشرك. وروي ~~أن هذه الآية: قل هذه سبيلي إلى آخرها كانت مرقومة على رايات يوسف عليه ~~السلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : الآيات 109 الى 110] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ~~فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) # هذه الآية تتضمن الرد على مستغربي إرسال الرسل من البشر كالطائفة التي ~~قالت: أبعث الله بشرا رسولا، وكالطائفة التي اقترحت ملكا وغيرهما. # وقرأ الجمهور: «يوحى إليهم» بالياء وفتح الحاء، وهي قراءة عاصم في رواية ~~أبي بكر، وقرأ في رواية حفص: «نوحي» بالنون وكسر الحاء وهي قراءة أبي عبد ~~الرحمن وطلحة. # والقرى: المدن، وخصصها دون القوم المنتوين- أهل العمود- فإنهم في كل أمة ~~أهل جفاء وجهالة مفرطة، قال ابن زيد: أهل القرى أعلم وأحلم من أهل العمود. # قال القاضي أبو محمد: فإنهم قليل نبلهم ولم ينشىء الله فيهم رسولا قط. ~~وقال ms1934 الحسن: لم يبعث الله رسولا قط من أهل البادية ولا من النساء ولا من ~~الجن. # قال القاضي أبو محمد: والتبدي مكروه إلا في الفتن وحين يفر بالدين، كقوله ~~عليه السلام «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما» الحديث. وفي ذلك أذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تعرب في الإسلام» وقال: من «بدا جفا» . وروي عنه معاذ بن جبل أنه قال: ~~«الشيطان ذيب الإنسان كذيب الغنم يأخذ الشاة القاصية فإياكم والشعاب وعليكم ~~بالمساجد والجماعات والعامة» . # قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين: PageV03P286 # أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود بل هو بتقر في منازل وربوع. # والثاني: أنه إنما جعله بدوا بالإضافة إلى مصر كما هي بنات الحواضر بدو ~~بالإضافة إلى الحواضر. # ثم أحالهم على الاعتبار في الأمم السالفة في أقطار الأرض التي كذبت رسلها ~~فحاق بها عذاب الله، ثم حض على الآخرة والاستعداد لها والاتقاء من الموبقات ~~فيها، ثم وقفهم موبخا بقوله: أفلا تعقلون. # وقوله: ولدار الآخرة زيادة في وصف إنعامه على المؤمنين، أي عذب الكفار ~~ونجى المؤمنين، ولدار الآخرة أحسن لهم. # وأما إضافة «الدار» إلى الآخرة فقال الفراء: هي إضافة الشيء إلى نفسه كما ~~قال الشاعر: # [الوافر] # فإنك لو حللت ديار عبس ... عرفت الذل عرفان اليقين # وفي رواية: # فلو أقوت عليك ديار إلخ. # وكما يقال: مسجد الجامع، ونحو هذا، وقال البصريون: هذه على حذف مضاف ~~تقديره: ولدار الحياة الآخرة أو المدة الآخرة. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الأسماء التي هي للأجناس كمسجد وثوب وحق وجبل ~~ونحو ذلك- إذا نطق بها الناطق لم يدر ما يريد بها، فتضاف إلى معرف مخصص ~~للمعنى المقصود فقد تضاف إلى جنس آخر كقولك: جبل أحد، وقد تضاف إلى صفة ~~كقولك: مسجد الجامع وحق اليقين، وقد تضاف إلى اسم خاص كقولك جبل أحد ونحوه. # وقرأ الحسن والأعمش والأعرج وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وعلقمة «يعقلون» ~~بالياء، واختلف عن الأعمش. ms1935 قال أبو حاتم: قراءة العامة: «أفلا تعقلون» ~~بالتاء من فوق. # ويتضمن قوله تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم أن الرسل الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوا أممهم فلم يؤمنوا بهم ~~حتى نزلت بهم المثلات، صاروا في حيز من يعتبر بعاقبته، فلهذا المضمن حسن أن ~~تدخل حتى في قوله: حتى إذا استيأس الرسل. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن وعائشة- بخلاف- وعيسى ~~وقتادة ومحمد بن كعب والأعرج وأبو رجاء وابن أبي مليكة «كذبوا» بتشديد ~~الذال وضم الكاف، وقرأ الباقون «كذبوا» بضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها- وهي ~~قراءة علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة ~~والأعمش وابن جبير ومسروق والضحاك وإبراهيم وأبي جعفر، ورواها شيبة بن نصاح ~~عن القاسم عن عائشة- وقرأ مجاهد والضحاك وابن عباس وعبد الله بن الحارث- ~~بخلاف عنهم- «كذبوا» بفتح الكاف والذال، فأما الأولى فتحتمل أن يكون الظن ~~بمعنى اليقين، ويكون الضمير في ظنوا وفي كذبوا للرسل، ويكون المكذبون مشركي ~~من أرسل إليه المعنى: وتيقن الرسل أن المشركين كذبوهم وهموا على PageV03P287 # ذلك، وأن الانحراف عنه ويحتمل أن يكون الظن على بابه، والضميران للرسل، ~~والمكذبون مؤمنو من أرسل إليه، أي مما طالت المواعيد حسب الرسل أن المؤمنين ~~أولا قد كذبوهم وارتابوا بقولهم. # وأما القراءة الثانية- وهي ضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها- فيحتمل أن يكون ~~المعنى- حتى إذا استيأس الرسل من النصر أو من إيمان قومهم- على اختلاف ~~تأويل المفسرين في ذلك- وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من ~~النبوءة، أو فيما توعدوهم به من العذاب- لما طال الإمهال واتصلت العافية- ~~فلما كان المرسل إليهم- على هذا التأويل- مكذبين- بني الفعل للمفعول في ~~قوله: «كذبوا» - هذا مشهور قول ابن عباس وابن جبير- وأسند الطبري: أن مسلم ~~بن يسار قال لسعيد بن جبير: يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كل مبلغ: حتى ~~إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا فهذا هو أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا ~~مخففة. فقال له ابن جبير: يا أبا عبد الرحمن إنما يئس ms1936 الرسل من قومهم أن ~~يجيبوهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم، فحينئذ جاء النصر. فقام مسلم إلى سعيد ~~فاعتنقه وقال: فرجت عني فرج الله عنك. # قال القاضي أبو محمد: فرضي الله عنهم كيف كان خلقهم في العلم. وقال بهذا ~~التأويل- في هذه القراءة- ابن مسعود ومجاهد، ورجح أبو علي الفارسي هذا ~~التأويل، وقال: إن رد الضمير في ظنوا وفي «كذبوا» على المرسل إليهم- وإن ~~كان لم يتقدم لهم ذكر صريح- جائز لوجهين: # أحدهما: أن ذكر الرسل يقتضي ذكر مرسل إليه. # والآخر: أن ذكرهم قد أشير إليه في قوله: عاقبة الذين، وتحتمل هذه القراءة ~~أيضا أن يكون الضمير في ظنوا وفي كذبوا عائد على الرسل، والمعنى: كذبهم من ~~أخبرهم عن الله، والظن على بابه- وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم- ~~والرسل بشر فضعفوا وساء ظنهم- قاله ابن عباس وابن مسعود أيضا وابن جبير- ~~وقال: ألم يكونوا بشرا؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا هو الذي نكره. وردت ~~هذا التأويل عائشة أم المؤمنين وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل ~~بهذا. وقال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز على الرسل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟ # وأما القراءة الثالثة- وهي فتح الكاف والذال- فالضمير في ظنوا للمرسل ~~إليهم، والضمير في «كذبوا» للرسل، ويحتمل أن يكون الضميران للرسل، أي ظن ~~الرسل أنهم قد كذبوا من حيث نقلوا الكذب وإن كانوا لم يتعمدوه، فيرجع هذا ~~التأويل إلى المعنى المردود الذي تقدم ذكره وقوله: جاءهم نصرنا أي بتعذيب ~~أممهم الكافرة، ثم وصف حال مجيء العذاب في أنه ينجي الرسل وأتباعهم، وهم ~~الذين شاء رحمتهم، ويحل بأسه بالمجرمين الكفرة. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي «فننجي» - بنونين- من ~~أنجى. وقرأ الحسن: # «فننجي» - النون الثانية مفتوحة، وهو من نجى ينجي. وقرأ أبو عمرو أيضا ~~وقتادة «فنجي» - بنون واحدة وشد الجيم وسكون الياء- فقالت فرقة: إنها ~~كالأولى أدغمت النون الثانية في الجيم ومنع بعضهم أن PageV03P288 # يكون هذا موضع إدغام لتنافر النون والجيم في الصفات لا في المخارج، وقال: ~~إنما حذفت النون في ms1937 الكتاب لا في اللفظ وقد حكيت هذه القراءة عن الكسائي ~~ونافع. وقرأ عاصم وابن عامر «فنجي» بفتح الياء على وزن فعل. وقرأت فرقة ~~«فننجي» - بنونين وفتح الياء- رواها هبيرة عن حفص عن عاصم- وهي غلط من ~~هبيرة. وقرأ ابن محيصن ومجاهد «فنجى» - فعل ماض بتخفيف الجيم وهي قراءة نصر ~~بن عاصم والحسن بن أبي الحسن وابن السميفع وأبي حيوة، قال أبو عمرو الداني: ~~وقرأت لابن محيصن «فنجى» - بشد الجيم- على معنى فنجى النصر. # و «البأس» : العذاب. وقرأ أبو حيوة «من يشاء» - بالياء- وجاء الإخبار عن ~~هلاك الكافرين، بقوله: # ولا يرد بأسنا ... الآية- إذ في هذه الألفاظ وعيد بين، وتهديد لمعاصري ~~محمد عليه السلام. وقرأ الحسن «بأسه» ، بالهاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة يوسف (12) : آية 111] # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) # الضمير في قصصهم عام ليوسف وأبويه وإخوته وسائر الرسل الذين ذكروا على ~~الجملة، ولما كان ذلك كله في القرآن قال عنه ما كان حديثا يفترى فإذا تأملت ~~قصة يوسف ظهر أن في غرائبها وامتحان الله فيها لقوم في مواضع، ولطفه لقوم ~~في مواضع، وإحسانه لقوم في مواضع، معتبرا لمن له لب وأجاد النظر، حتى يعلم ~~أن كل أمر من عند الله وإليه. # وقوله: ما كان صيغة منع، وقرينة الحال تقتضي أن البرهان يقوم على أن ذلك ~~لا يفترى، وذلك بأدلة النبوءة وأدلة الإعجاز، و «الحديث» - هنا- واحد ~~الأحاديث، وليس للذي هو خلاف القديم هاهنا مدخل. # ونصب تصديق إما على إضمار معنى كان، وإما على أن تكون لكن بمعنى لكن ~~المشددة. # وقرأ عيسى الثقفي «تصديق» بالرفع، وكذلك كل ما عطف عليه، وهذا على حذف ~~المبتدأ، التقدير: # هو تصديق. وقال أبو حاتم: النصب على تقدير: ولكن كان، والرفع على: ولكن ~~هو. وينشد بيت ذي الرمة بالوجهين: # وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسي مأثم # ولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل محجوب السرادق خضرم # رفع عطاء الله، ms1938 والنصب أجود. # والذي بين يديه هو التوراة والإنجيل، والضمير في يديه عائد على القرآن، ~~وهم اسم كان. # وقوله: كل شيء يعني من العقائد والأحكام والحلال والحرام. وباقي الآية ~~بين. PageV03P289 # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ### | سورة الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم، هذه السورة مكية- قاله سعيد بن جبير- وقال ~~قتادة: هي مدنية غير قوله: # ولو أن قرآنا سيرت ... [الرعد: 31] الآية- حكاه الزهراوي- وحكى المهدوي ~~عن قتادة: أن السورة مكية إلا قوله تعالى: ولا يزال الذين كفروا ... ~~[الرعد: 31] . # قال القاضي أبو محمد: وقال النقاش: هي مكية غير آيتين: قوله: ولا يزال ~~الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم [الرعد: 31] . ~~وقوله: ومن عنده علم الكتاب [الرعد: 43] والظاهر- عندي- أن المدني فيها ~~كثير، وكل ما نزل في شأن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة فهو مدني. # وقيل السورة مدنية- حكاه منذر بن سعيد البلوطي وحكاه مكي بن أبي طالب. # قوله عز وجل: ### || سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) # تقدم القول في فواتح السور وذكر التأويلات في ذلك إلا أن الذي يخص هذا ~~الموضع من ذلك هو ما قال ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه الحروف هي من قوله: ~~«أنا الله أعلم وأرى» . ومن قال: إن حروف أوائل السور هي مثال لحروف ~~المعجم- قال: الإشارة هنا ب تلك هي إلى حروف المعجم، ويصح- على هذا- أن ~~يكون الكتاب يراد به القرآن، ويصح أن يراد به التوراة والإنجيل. والمر- على ~~هذا- ابتداء، وتلك ابتداء ثان- وآيات خبر الثاني، والجملة خبر الأول- وعلى ~~قول ابن عباس في المر يكون تلك ابتداء وآيات بدل منه، ويصح في الكتاب ~~التأويلان اللذان تقدما. # وقوله: والذي أنزل إليك من ربك الحق الذي رفع بالابتداء والحق خبره- هذا ~~على تأويل ms1939 من يرى المر حروف المعجم، وتلك آيات ابتداء وخبر. وعلى قول ابن ~~عباس يكون الذي عطفا على تلك والحق خبر تلك. وإذا أريد ب الكتاب القرآن ~~فالمراد ب الذي أنزل جميع الشريعة: ما تضمنه القرآن منها وما لم يتضمنه. ~~ويصح في الذي أن يكون في موضع PageV03P290 # خفض عطفا على الكتاب، فإن أردت مع ذلك ب الكتاب القرآن، كانت «الواو» عطف ~~صفة على صفة لشيء واحد، كما تقول: جاءني الظريف والعاقل، وأنت تريد شخصا ~~واحدا، ومن ذلك قول الشاعر: # [المتقارب] # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # وإن أردت مع ذلك ب الكتاب التوراة والإنجيل، فذلك بين، فإن تأولت مع ذلك ~~المر حروف المعجم- رفعت قوله: الحق على إضمار مبتدأ تقديره: هو الحق، وإن ~~تأولتها كما قال ابن عباس ف الحق خبر تلك ومن رفع الحق بإضمار ابتداء وقف ~~على قوله: من ربك وباقي الآية ظاهر بين إن شاء الله. # وقوله تعالى: الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها الآية، لما تضمن ~~قوله: ولكن أكثر الناس لا يؤمنون توبيخ الكفرة، عقب ذلك بذكر الله الذي ~~ينبغي أن يوقن به، ويذكر الأدلة الداعية إلى الإيمان به. # والضمير في قوله: ترونها قالت فرقة: هو عائد على السماوات، ف ترونها- على ~~هذا- في موضع الحال، وقال جمهور الناس: لا عمد للسماوات البتة، وقالت فرقة: ~~الضمير عائد على العمد، ف ترونها- على هذا- صفة للعمد، وقالت هذه الفرقة: ~~للسماوات عمد غير مرئية- قاله مجاهد وقتادة- وقال ابن عباس: وما يدريك أنها ~~بعمد لا ترى؟ وحكى بعضهم: أن العمد جبل قاف المحيط بالأرض، والسماء عليها ~~كالقبة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والحق أن لا «عمد» جملة، إذ العمد ~~يحتاج إلى العمد ويتسلسل الأمر، فلا بد من وقوفه على القدرة، وهذا هو ~~الظاهر من قوله تعالى: ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه [الحج: 65] ~~ونحو هذا من الآيات، وقال إياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل ~~القبة. # وفي مصحف أبي: «ترونه» بتذكير الضمير، و «العمد» : اسم جمع عمود، ms1940 والباب ~~في جمعه: # «عمد» - بضم الحروف الثلاثة كرسول ورسل، وشهاب وشهب وغيره، ومن هذه ~~الكلمة قول النابغة: # [البسيط] # وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد # وقال الطبري: «العمد» - بفتح العين- جمع عمود، كما جمع الأديم أدما. # قال القاضي أبو محمد: وليس كما قال، وفي كتاب سيبويه: إن الأدم اسم جمع، ~~وكذلك نص اللغويون على العمد، ولكن أبا عبيدة ذكر الأمر غير متيقن فاتبعه ~~الطبري. # وقرأ يحيى بن وثاب «بغير عمد» بضم العين والميم. # وقوله: ثم هي- هنا- لعطف الجمل لا للترتيب، لأن الاستواء على العرش قبل ~~«رفع PageV03P291 # السماوات» ، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: كان الله ~~ولم يكن شيء قبله. وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض. # وقد تقدم القول في كلام الناس في «الاستواء» ، واختصاره: أن أبا المعالي ~~رجح أنه استوى بقهره وغلبته، وقال القاضي ابن الطيب وغيره: استوى - في هذا ~~الموضع- بمعنى استولى، والاستيلاء قد يكون دون قهر. فهذا فرق ما بين ~~القولين، وقال سفيان: فعل فعلا سماه استواء. وقال الفراء: # استوى - في هذا الموضع- كما تقول العرب: فعل زيد كذا ثم استوى إلي ~~يكلمني، بمعنى أقبل وقصد. وحكي لي عن أبي الفضل بن النحوي أنه قال: العرش- ~~في هذا الموضع- مصدر عرش، مكانه أراد جميع المخلوقات، وذكر أبو منصور عن ~~الخليل: أن العرش: الملك، وهذا يؤيد منزع أبي الفضل بن النحوي إذ قال: ~~العرش مصدر، وهذا خلاف ما مشى عليه الناس من أن العرش هو أعظم المخلوقات ~~وهو الشخص الذي كان على الماء والذي بين يديه الكرسي وأيضا فينبغي النظر ~~على أبي الفضل في معنى الاستواء قريبا مما هو على قول الجميع. وفي البخاري ~~عن مجاهد أنه قال: المعنى: علا على العرش. # قال القاضي أبو محمد: وكذلك هي عبارة الطبري، والنظر الصحيح يدفع هذه ~~العبارة. # وقوله: وسخر تنبيه على القدرة، والشمس والقمر في ضمن ذكرهما ذكر الكواكب- ~~وكذلك قال: كل يجري أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر من التسخير، وكل لفظة ~~تقتضي الإضافة ظاهرة أو ms1941 مقدرة، و «الأجل المسمى» هو انقضاء الدنيا وفساد ~~هذه البنية، وقيل: يريد بقوله: لأجل مسمى الحدود التي لا تتحداها هذه ~~المخلوقات أن تجري على رسوم معلومة. # وقوله: يدبر بمعنى: يبرم- وينفذ- وعبر بالتدبير تقريبا لأفهام الناس، إذ ~~التدبير إنما هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وذلك من صفة البشر، ~~والأمر عام في جميع الأمور وما ينقضي في كل أوان في السماوات والأرضين وقال ~~مجاهد: يدبر الأمر معناه: يقضيه وحده. # وقرأ الجمهور: «يفصل» وقرأ الحسن بنون العظمة، ورواها الخفاف وعبد الوهاب ~~عن أبي عمرو وهبيرة عن حفص، قال المهدوي: ولم يختلف في يدبر، وقال أبو عمرو ~~الداني: إن الحسن قرأ «نفصل» و «ندبر» بالنون فيهما، والنظر يقتضي أن قوله: ~~يفصل ليس على حد قوله: يدبر من تعديد الآيات بل لما تعددت الآيات وفي ~~جملتها يدبر الأمر، أخبر أنه يفصلها لعل الكفرة يوقنون بالبعث، والآيات هنا ~~إشارة إلى ما ذكر في الآية وبعدها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 3 الى 4] # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) وفي الأرض ~~قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) PageV03P292 # لما فرغت الآيات من ذكر السماوات ذكرت آيات الأرض. # وقوله: مد الأرض يقتضي أنها بسيطة لا كرة- وهذا هو ظاهر الشريعة وقد ~~تترتب لفظة المد والبسط مع التكوير والله أعلم. و «الرواسي» الجبال ~~الثابتة، يقال: رسا يرسو، إذا ثبت، ومنه قول الشاعر: # [الطويل] # به خالدات ما يرمن وهامد ... وأشعث أرسته الوليدة بالفهر # و «الزوج» - في هذه الآية- الصنف والنوع، وليس بالزوج المعروف ~~بالمتلازمين الفردين من الحيوان وغيره، ومنه قوله تعالى: سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون [يس: 36] ومثل هذه ~~الآية: والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج [ق: ~~7] . # وهذه الآية تقتضي أن ms1942 كل ثمرة فموجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ~~ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم «يغشي» بسكون ~~الغين وتخفيف الشين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم- في رواية أبي بكر- بفتح ~~الغين وتشديد الشين، وكفى ذكر الواحد ذكر الآخر، وباقي الآية بين. # قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن الأزواج التي يراد بها الأنواع والأصناف ~~والأجناس إنما سميت بذلك من حيث هي اثنان، اثنان، ويقال: إن في كل ثمرة ذكر ~~وأنثى، وأشار إلى ذلك الفراء عند المهدوي، وحكى عنه غيره ما يقتضي أن ~~المعنى ثم في قوله: الثمرات ثم ابتدأ أنه جعل في الأرض من كل ذكر وأنثى ~~زوجين. # وقوله تعالى: وفي الأرض قطع ... الآية، «القطع» : جمع قطعة وهي الأجزاء، ~~وقيد منها في هذا المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض، لأن اختلاف ذلك في ~~الأكل أغرب. # وقرأ الجمهور «وجنات» بالرفع، عطفا على قطع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ~~«وجنات» بالنصب بإضمار فعل، وقيل: هو عطف على رواسي، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وحفص- عن عاصم- «وزرع ونخيل صنوان وغير» بالرفع في الكل- عطفا على ~~قطع- وقرأ الباقون: «وزرع» بالخفض في الكل- عطفا على أعناب وجعل الجنة من ~~الأعناب من رفع الزرع. # و «الجنة» حقيقة إنما هي الأرض التي فيها الأعناب وفي ذلك تجوز ومنه قول ~~الشاعر: [زهير بن أبي سلمى] [البسيط] PageV03P293 # كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقي جنة سحقا # أي نخيل جنة، إذ لا توصف بالسحق إلا النخل، ومن خفض «الزرع» ف «الجنات» ~~من مجموع ذلك لا من الزرع وحده، لأنه لا يقال للمزرعة جنة إلا إذا خالطتها ~~شجرات. # وصنوان جمع صنو، وهو الفرع يكون مع الآخر في أصل واحد، وربما كان أكثر من ~~فرعين، قال البراء بن عازب: الصنوان: المجتمع، «وغير الصنوان» : المتفرق ~~فردا فردا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العم صنو الأب» . وروي أن ~~عمر بن الخطاب أسرع إليه العباس في ملاحاة فجاء إلى النبي صلى الله عليه ms1943 ~~وسلم فقال: أردت يا رسول الله أن أقول يا رسول الله لعباس، فذكرت مكانك منه ~~فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحمك الله يا عمر العم صنو ~~الأب» . وفي كتاب الزكاة من صحيح مسلم أنه قال: «يا عمر أما شعرت أن العم ~~صنو الأب» وجمع الصنو صنوان، وهو جمع مكسر، قال أبو علي: # وكسرة الصاد في الواحد ليست التي في الجمع، وهو جار مجرى فلك. وتقول: صنو ~~وصنوان في الجمع بتنوين النون وإعرابه. # وقرأ عاصم- في رواية القواس عن حفص- «صنوان» بضم الصاد قال أبو علي: هو ~~مثل ذئب وذؤبان. # قال القاضي أبو محمد: وهي قراءة ابن مصرف وأبي عبد الرحمن السلمي، وهي ~~لغة تميم وقيس، وكسر الصاد هي لغة أهل الحجاز، وقرأ الحسن وقتادة «صنوان» ~~بفتح الصاد وهو اسم جمع لا جمع ونظير هذه اللفظة: قنو وقنوان، وإنما نص على ~~«الصنوان» في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع، تظهر فيه غرابة ~~اختلاف الأكل. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر وأهل ~~مكة: «تسقى» بالتاء، وأمال حمزة والكسائي القاف. وقرأ عاصم وابن عامر ~~«يسقى» بالياء، على معنى يسقى ما ذكر. وقرأ الجمهور «نفضل» بالنون وقرأ ~~حمزة والكسائي «ويفضل» بالياء، وقرأ ابن محيصن: «يسقى بماء واحد، ويفضل» ~~بالياء فيهما، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو حيوة «ويفضل» بالياء وفتح الضاد ~~«بعضها» بالرفع، قال أبو حاتم: وجدته كذلك في نقط يحيى بن يعمر في مصحفه- ~~وهو أول من نقط المصاحف. # والأكل اسم ما يؤكل، بضم الهمزة، والأكل المصدر. # وقرأت فرقة «في الأكل» بضم الهمزة والكاف، وقد تقدم هذا في البقرة وحكى ~~الطبري عن غير واحد- ابن عباس وغيره- قطع متجاورات أي واحدة سبخة، وأخرى ~~عذبة، ونحو هذا من القول، وقال قتادة المعنى: قرى متجاوزات. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه من العبرة كأنه قال: وفي الأرض قطع ~~مختلفات بتخصيص الله لها بمعان، فهي «تسقى بماء واحد» ، ولكن تختلف فيما ~~تخرجه والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو أنها من تربة ms1944 واحدة ونوع ~~واحد، وموضع العبرة في هذا أبين لأنها مع اتفاقها في التربة والماء، تفضل PageV03P294 # القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- ~~حين سئل عن هذه الآية- فقال: «الدقل والفارسي والحلو والحامض» . وعلى ~~المعنى الأول قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم: كانت الأرض في ~~يد الرحمن طينة واحدة فسطحها فصارت قطعا متجاورة فينزل عليها ماء واحد من ~~السماء- فتخرج هذه زهرة وثمرة، وتخرج هذه سبخة وملحا وخبثا، فكذلك الناس: ~~خلقوا من آدم فنزلت عليهم من السماء تذكرة- فرقت قلوب وخشعت، وقست قلوب ~~ولهت وجفت: قال الحسن: فو الله ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو ~~نقصان، قال الله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا [الإسراء: 82] . # والتفضيل في الأكل الأذواق والألوان والملمس وغير ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 5 الى 7] # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) ~~ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) # هذه آية توبيخ للكفرة أي «وإن تعجب» يا محمد من جهالتهم وإعراضهم عن ~~الحق- فهم أهل لذلك، وعجب وغريب ومزر بهم «قولهم» : أنعود بعد كوننا ~~«ترابا» - خلقا جديدا- ويحتمل اللفظ منزعا آخر أي وإن كنت تريد عجبا فلهم، ~~فإن من أعجب العجب «قولهم» . # واختلف القراء في قراءة قوله: أإذا كنا ترابا فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ~~«أئذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد» جميعا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد ~~الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير ~~مد. وقرأ نافع «أئذا كنا» مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ «إنا لفي ~~خلق جديد» مكسورة على الخبر، ووافقه ms1945 الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول ~~عن الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة «أئذا كنا ترابا ~~أإنا» بهمزتين فيهما. وقرأ ابن عامر «إذا كنا» مكسورة الألف من غير استفهام ~~«ءائنا» يهمز ثم يمد ثم يهمز، فمن قرأ بالاستفهامين فذلك للتأكيد والتحفي ~~والاهتبال بهذا التقدير، ومن استفهم في الأول فقط فإنما القصد بالاستفهام ~~الموضع الثاني، و «إذا» ظرف له، و «إذا» في موضع نصب بفعل مضمر، تقديره: ~~أنبعث أو نحشر إذا. ومن استفهم في الثاني فقط فهو بين، - ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله-. # والإشارة ب أولئك إلى القوم القائلين: أإذا كنا ترابا وتلك المقالة إنما ~~هي تقرير مصمم على الجحد والإنكار للبعث، فلذلك حكم عليهم بالكفر. PageV03P295 # وقوله: وأولئك الأغلال يحتمل معنيين: # أحدهما: الحقيقة وأنه أخبر عن كون الأغلال في أعناقهم في الآخرة فهي ~~كقوله تعالى: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل [غافر: 71] . # ويحتمل أن يكون مجازا وأنه أخبر عن كونهم مغللين عن الإيمان، فهي إذن ~~تجري مجرى الطبع والختم على القلوب، وهي كقوله تعالى: إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فهي إلى الأذقان، فهم مقمحون [يس: 8] وباقي الآية بين. # وقال بعض الناس الأغلال- هنا- عبارة عن الأعمال، أي أعمالهم الفاسدة في ~~أعناقهم كالأغلال. # قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا هو في التأويل الثاني الذي ذكرناه. # وقوله تعالى: ويستعجلونك بالسيئة.. الآية، هذه آية تبين تخطيئهم في أن ~~يتمنوا المصائب، ويطلبوا سقوط كسف من السماء أو حجارة تمطر عليهم ونحو هذا ~~مع خلو ذلك في الأمم ونزوله بأناس كثير ولو كان ذلك لم ينزل قط لكانوا ~~أعذر، والمثلات جمع مثلة، كسمرة وسمرات، وصدقة وصدقات. # وقرأ الجمهور «المثلات» بفتح الميم وضم الثاء، وقرأ مجاهد «المثلات» بفتح ~~الميم والثاء، وذلك جمع مثلة، أي الأخذة الفذة بالعقوبة، وقرأ عيسى بن عمر ~~«المثلات» بضم الميم والتاء، ورويت عن أبي عمرو وقرأ يحيى بن وثاب بضم ~~الميم وسكون الثاء، وهاتان جمع مثلة، وقرأ طلحة بن مصرف «المثلات» بفتح ~~الميم وسكون الثاء. # ثم رجى عز وجل بقوله: وإن ربك لذو ms1946 مغفرة للناس على ظلمهم قال الطبري: ~~معناه في الآخرة، وقال قوم: المعنى: إذا تابوا، و «شديد العقاب» إذا كفروا. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر من معنى «المغفرة» هنا إنما هو ستره في ~~الدنيا وإمهاله للكفرة، ألا ترى التيسير في لفظ مغفرة، وأنها منكرة مقللة، ~~وليس فيها مبالغة كما في قوله: وإني لغفار لمن تاب [طه: 82] ونمط الآية ~~يعطي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار، ثم قال: ويستعجلونك فلما ظهر سوء ~~فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم ~~الكفر، ولم يرد في الشرع أن الله تعالى يغفر ظلم العباد. # ثم خوف بقوله: وإن ربك لشديد العقاب قال ابن المسيب: لما نزلت هذه الآية ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا عفو الله ومغفرته لما تمنى أحد ~~عيشا، ولولا عقابه لا تكل كل أحد» . وقال ابن عباس: ليس في القرآن أرجى من ~~هذه الآية. # والمثلات هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلا يتمثل به، ومنه ~~التمثيل بالقتلى، ومنه المثلة بالعبيد. PageV03P296 # وقوله تعالى: ويقول الذين كفروا الآية، هذه آية غض من اقتراحاتهم ~~المتشططة التي لم يجر الله به عادة إلا للأمم التي حتم بعذابها واستئصالها، ~~و «الآية» هنا يراد بها الأشياء التي سمتها قريش كالملك والكنز وغير ذلك، ~~ثم أخبره الله تعالى بأنه منذر وهذا الخبر قصد هو بلفظه، والناس أجمعون ~~بمعناه. # واختلف المتأولون في قوله: ولكل قوم هاد فقال عكرمة وأبو الضحى: المراد ~~بالهادي محمد عليه السلام، وهاد عطف على منذر كأنه قال: إنما أنت منذر وهاد ~~لكل قوم. فيكون هذا المعنى يجري مع قوله عليه السلام: بعثت للأسود والأحمر. ~~وهاد- على هذا- في هذه الآية بمعنى داع إلى طريق الهدى. وقال مجاهد وابن ~~زيد: المعنى: إنما أنت «منذر» ولكل أمة سلفت «هاد» أي نبي يدعوهم. # قال القاضي أبو محمد: والمقصد: فليس أمرك يا محمد ببدع ولا منكر، وهذا ~~يشبه غرض الآية. # وقالت فرقة: «الهادي» في هذه الآية الله عز وجل، وروي ذلك عن ابن عباس ms1947 ~~ومجاهد وابن جبير، وهاد- على هذا- معناه مخترع للرشاد. # قال القاضي أبو محمد: والألفاظ تطلق بهذا المعنى، ويعرف أن الله تعالى هو ~~الهادي من غير هذا الموضع. # وقالت فرقة «الهادي» : علي بن أبي طالب، ورويت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم- من طريق ابن عباس- أنه قرأ هذه الآية وعلي حاضر، فأومأ بيده إلى منكب ~~علي وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي. # قال القاضي أبو محمد: والذي يشبهه- إن صح هذا- أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما جعل عليا رضي الله عنه مثالا من علماء الأمة وهداتها إلى الدين، ~~كأنه قال: أنت يا علي وصنفك، فيدخل في هذا أبو بكر وعمر وعثمان وسائر علماء ~~الصحابة، ثم كذلك من كل عصر، فيكون المعنى- على هذا- إنما أنت يا محمد ولكل ~~قوم في القديم والحديث رعاة وهداة إلى الخير. # قال القاضي أبو محمد: والقولان الأولان أرجح ما تأول في الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 8 الى 10] # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده ~~بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ~~ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10) # لما تقدم تعجب الكفار واستبعادهم البعث من القبور- قص في هذه الآيات ~~المثل المنبهة على قدرة الله تعالى القاضية بتجويز البعث: PageV03P297 # فمن ذلك هذه الواحدة من الخمس التي هي من مفاتيح الغيب، وهي أن الله ~~تعالى انفرد بمعرفة ما تحمل به الإناث، من الأجنة من كل نوع من الحيوان ~~وهذه البدأة تبين أنه لا تتعذر على القادر عليها الإعادة. # وما في قوله: ما تحمل يصح أن تكون بمعنى الذي، مفعولة يعلم ويصح أن تكون ~~مصدرية، مفعولة أيضا ب يعلم، ويصح أن تكون استفهاما في موضع رفع بالابتداء، ~~والخبر: # تحمل وفي هذا الوجه ضعف. # وفي مصحف أبي بن كعب: «ما تحمل كل أنثى وما تضع» . # وقوله: وما تغيض الأرحام معناه: ما تنقص، وذلك أنه من معنى قوله: وغيض ~~الماء [هود: 44] وهو بمعنى النضوب فهي- هاهنا- بمعنى ms1948 زوال شيء عن الرحم ~~وذهابه، فلما قابله قوله: وما تزداد فسر بمعنى النقصان: ثم اختلف المتأولون ~~في صورة الزيادة والنقصان: فقال مجاهد «غيض الرحم» أن يهرق دما على الحمل، ~~وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا أكملت الحامل تسعة أشهر لم تضع ~~وبقي الولد في بطنها زيادة من الزمن يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص ~~بمهراقة الدم، فهذا هو معنى قوله: وما تغيض الأرحام وما تزداد وجمهور ~~المتأولين على أن غيض الرحم الدم على الحمل. # وذهب بعض الناس إلى أن غيضه هو نضوب الدم فيه وامتساكه بعد عادة إرساله ~~بالحيض، فيكون قوله: وما تزداد- بعد ذلك- جاريا مجرى تغيض على غير مقابلة، ~~بل غيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه. # وقال الضحاك: غيض الرحم أن تسقط المرأة الولد، والزيادة أن تضعه لمدة ~~كاملة تاما في خلقه. # وقال قتادة: الغيض: السقط، والزيادة: البقاء بعد تسعة أشهر. # وقوله: وكل شيء عنده بمقدار لفظ عام في كل ما يدخله التقدير، والغيب: ما ~~غاب عن الإدراكات، والشهادة: ما شوهد من الأمور، ووضع المصادر موضع الأشياء ~~التي كل واحد منها لا بد أن يتصف بإحدى الحالتين. # وقوله: الكبير صفة تعظيم على الإطلاق، و «المتعالي» من العلو. # واختلفت القراءة في الوقف على «المتعال» : فأثبت ابن كثير وأبو عمرو- في ~~بعض ما روي عنه- الياء في الوصل والوقف، ولم يثبتها الباقون في وصل ولا ~~وقف. وإثباتها هو الوجه والباب. واستسهل سيبويه حذفها في الفواصل- كهذه ~~الآية- قياسا على القوافي في الشعر، ويقبح حذفها في غير فاصلة ولا شعر، ~~ولكن وجهه أنه لما كان التنوين يعاقب الألف واللام أبدا، وكانت هذه الياء ~~تحذف مع التنوين، حسن أن تحذف مع معاقبه. # قال القاضي أبو محمد: ويتصل بهذه الآية فقه يحسن ذكره: فمن ذلك اختلاف ~~الفقهاء في الدم PageV03P298 # الذي تراه الحامل، فذهب مالك رحمه الله وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ~~وجماعة، إلى أنه حيض. # وقالت فرقة عظيمة: ليس بحيض، ولو كان حيضا لما صح استبراء الأمة بحيض وهو ~~إجماع. وروي عن مالك- في كتاب محمد- ما يقتضي أنه ms1949 ليس بحيض، ومن ذلك أن ~~الأمة مجمعة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذلك منتزع من قوله تعالى: ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف: 15] مع قوله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة: 233] . # وهذه الستة أشهر هي بالأهلة- كسائر أشهر الشريعة- ولذلك قد روي في المذهب ~~عن بعض أصحاب مالك- وأظنه في كتاب ابن حارث- أنه إن نقص من الأشهر الستة ~~ثلاثة أيام، فإن الولد يلحق لعلة نقص الشهور وزيادتها واختلف في أكثر الحمل ~~فقيل تسعة أشهر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. # وقالت عائشة وجماعة من العلماء أكثره حولان، وقالت فرقة: ثلاثة أعوام وفي ~~المدونة: أربعة أعوام وخمسة أعوام. وقال ابن شهاب وغيره: سبعة أعوام، ويروى ~~أن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام، وروي أن الضحاك بن مزاحم بقي حولين- ~~قال: وولدت وقد نبتت ثناياي، وروي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. # وقوله تعالى: سواء منكم الآية: سواء مصدر وهو يطلب بعده شيئين يتماثلان. ~~ورفعه على خبر الابتداء الذي هو «من» والمصدر لا يكون خبرا إلا بإضمار كما ~~قالت الخنساء: [البسيط] : # ............... # ...... # فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال وإدبار. فقالت فرقة هنا: المعنى: ذو ~~سواء، وقال الزجاج كثر استعمال سواء في كلام العرب حتى جرى مجرى اسم الفاعل ~~فلا يحتاج إلى إضمار. # قال القاضي أبو محمد: هو عندي كعدل وزور وضيف. # وقالت فرقة: المعنى: مستو منكم، فلا يحتاج إلى إضمار. # قال القاضي أبو محمد: وضعف هذا سيبويه بأنه ابتداء بنكرة. # ومعنى هذه الآية: معتدل منكم في إحاطة الله تعالى وعلمه من أسر قوله فهمس ~~به في نفسه، ومن جهر به فأسمع، لا يخفى على الله تعالى شيء. # وقوله تعالى: ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار معناه: من هو بالليل في ~~غاية الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب لوجهه، سواء في علم الله تعالى ~~وإحاطته بهما. وذهب ابن عباس ومجاهد إلى معنى مقتضاه: أن «المستخفي ~~والسارب» هو رجل واحد مريب بالليل، ويظهر بالنهار البراءة في التصرف مع ~~الناس. # قال القاضي أبو محمد: فهذا ms1950 قسم واحد جعل الليل نهار راحته، والمعنى: هذا ~~والذي أمره كله PageV03P299 # واحد بريء من الريب سواء في اطلاع الله تعالى على الكل، ويؤيد هذا ~~التأويل عطف السارب دون تكرار من ولا يأتي حذفها إلا في الشعر و «السارب» - ~~في اللغة- المتصرف كيف شاء، ومن ذلك قول الشاعر: # [الأخنس بن شهاب الثعلبي] [الطويل] # أرى كل قوم كاربوا قيد محلهم ... ونحن حللنا قيده فهو سارب # أي متصرف غير مدفوع عن جهة، وهذا رجل يفتخر بعزة قومه، ومن ذلك قول ~~الآخر: [قيس بن الخطيم] [الكامل] # إني سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب # وتحتمل الآية أن تتضمن ثلاثة أصناف: فالذي يسر طرف، والذي يجهر طرف مضاد ~~للأول، والثالث: متوسط متلون: يعصي بالليل مستخفيا، ويظهر البراءة بالنهار. ~~والقول في الآية يطرد معناه في الأعمال. # وقال قطرب- فيما حكى الزجاج- مستخف معناه: الظاهر من قولهم خفيت الشيء ~~إذا أظهرته. # قال القاضي أبو محمد: قال امرؤ القيس: [الطويل] # خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب # قال: وسارب معناه: متوار في سرب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول- وإن كان تعلقه باللغة بينا- فضعيف، لأن ~~اقتران الليل ب «المستخفي» ، والنهار ب «السارب» - يرد على هذا القول. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 11 الى 13] # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال (11) هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ~~(12) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) # اختلف المتأولون في عود الضمير من له: فقالت فرقة: هو عائد على اسم الله ~~عز وجل المتقدم ذكره، و «المعقبات» - على هذا الملائكة الحفظة على العباد ~~أعمالهم، والحفظة لهم أيضا- قاله الحسن، وروى فيه عثمان بن عفان حديثا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد والنخعي- والضمير على هذا في قوله: ms1951 ~~يديه وما بعده من الضمائر عائد على العبد المذكور في قوله: من هو مستخف PageV03P300 # [الرعد: 10] ومن أمر الله يحتمل أن يكون صفة ل معقبات ويحتمل أن يكون ~~المعنى: يحفظونه من كل ما جرى القدر باندفاعه، فإذا جاء المقدور الواقع ~~أسلم المرء إليه. # وقال ابن عباس أيضا: الضمير في له عائد على المذكور في قوله من هو مستخف ~~بالليل [الرعد: 10] وكذلك باقي الضمائر التي في الآية، قالوا: ومعقبات- على ~~هذا- حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، قالوا: والآية- على هذا- في ~~الرؤساء الكافرين، واختار هذا القول الطبري، وهو قول عكرمة وجماعة، قال ~~عكرمة: هي المواكب خلفه وأمامه. # قال القاضي أبو محمد: ويصح على التأويل الأول الذي قبل هذا أن يكون ~~الضمير في له للعبد المؤمن على معنى جعل الله له. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل عندي أقوى، لأن غرض الآية إنما هو ~~التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء من هو مستخف [الرعد: 10] ومن هو ~~سارب [الرعد: 10] وأن له معقبات من الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله ~~تعالى لا يغير هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يغير ما بنفسه. # قال القاضي أبو محمد: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعين من البشر. # وقال عبد الرحمن بن زيد: الآية في النبي عليه السلام، ونزلت في حفظ الله ~~له من أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل في القصة التي ستأتي بعد هذا في ذكر ~~الصواعق. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت بألفاظها تنطبق على معنى القصة ~~فيضعف القول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في ~~له عليه. # و «المعقبات» : الجماعات التي يعقب بعضها بعضا، فعلى التأويل الأول هي ~~الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يتعاقب فيكم ~~ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة المغرب والصبح» ، وعلى ~~التأويل الثاني: هي الحرس والوزعة الذين للملوك. # ومعقبات جمع معقبة وهي الجماعة التي تأتي بعد الأخرى، والتعقيب- بالجملة- ~~أن تكون حال تعقبها حال أخرى من نوعها، وقد تكون من ms1952 غير النوع، ومنه معاقبة ~~الركوب ومعاقبة الجاني ومعقب عقبة القدر والمعاقبة في الأزواج، ومنه قول ~~سلامة بن جندل: [البسيط] # وكرنا الخيل في آثارهم رجعا ... كسر السنابك من بدء وتعقيب # وقرأ عبيد الله بن زياد على المنبر: «له معاقيب» قال أبو الفتح: هو تكسير ~~معقب. # قال القاضي أبو محمد: بسكون العين وكسر القاف كمطعم ومطاعيم، ومقدم ~~ومقاديم. # وهي قراءة أبي البرهسم- فكأن معقبا جمع على معاقبة ثم جعلت الياء في ~~معاقيب عوضا من الهاء المحذوفة في معاقبة، والمعقبة ليست جمع معقب- كما ذكر ~~ذلك الطبري وشبه ذلك برجل ورجال PageV03P301 # ورجالات، وليس الأمر كما ذكر لأن تلك كجمل وجمال وجمالات، ومعقبة ومعقبات ~~إنما هي كضاربة وضاربات. # وفي قراءة أبي بن كعب «من بين يديه ورقيب من خلفه» ، وقرأ ابن عباس: ~~«ورقباء من خلفه» ، وذكر عنه أبو حاتم أنه قرأ: «معقبات من خلفه ورقيب من ~~بين يديه يحفظونه بأمر الله» . # وقوله: يحفظونه يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يكون بمعنى يحرسونه، ويذبون عنه: فالضمير محمول ليحفظ. # والمعنى الثاني أن يكون بمعنى حفظ الأقوال وتحصيلها، ففي اللفظة حينئذ ~~حذف مضاف تقديره: # يحفظون أعماله، ويكون هذا حينئذ من باب وسئل القرية [يوسف: 82] وهذا قول ~~ابن جريج. # وقوله: من أمر الله من جعل يحفظونه بمعنى يحرسونه كان معنى قوله: من أمر ~~الله يراد به «المعقبات» ، فيكون في الآية تقديم وتأخير، أي «له معقبات من ~~أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه» قال أبو الفتح: ف من أمر الله في ~~موضع رفع لأنه صفة لمرفوع وهي «المعقبات» . # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا التأويل في قوله: من أمر الله مع ~~التأويل الأول في يحفظونه. # ومن تأول الضمير في له عائد على العبد، وجعل «المعقبات» الحرس، وجعل ~~الآية في رؤساء الكافرين- جعل قوله من أمر الله بمعنى يحفظونه بزعمه من قدر ~~الله، ويدفعونه في ظنه، عنه، وذلك لجهالته بالله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل جعلها المتأول في الكافرين. قال أبو ~~الفتح: ف من أمر الله على هذا في موضع نصب، ms1953 كقولك حفظت زيدا من الأسد، فمن ~~الأسد معمول لحفظت وقال قتادة: معنى من أمر الله: بأمر الله، أي يحفظونه ~~مما أمر الله، وهذا تحكم في التأويل، وقال قوم: المعنى الحفظ من أمر الله، ~~وقد تقدم نحو هذا. # وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وجعفر بن محمد: «يحفظونه بأمر ~~الله» . # ثم أخبر تعالى أنه لا يغير ما بقوم- بأن يعذبهم ويمتحنهم معاقبا- حتى يقع ~~منهم تكسب للمعاصي وتغيير ما أمروا به من طاعة. # وهذا موضع تأمل لأنه يداخل هذا الخبر ما قررت الشريعة من أخذ العامة ~~بذنوب الخاصة، ومنه قوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة [الأنفال: 25] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم- وقد قيل له: يا ~~رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ - قال: نعم إذا كثر الخبث. إلى أشياء ~~كثيرة من هذا. # فقوله تعالى في هذه الآية: لا يغير ما بقوم حتى يغيروا معناه حتى يقع ~~تغيير إما منهم وإما من PageV03P302 # الناظر إليهم أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله تعالى بالمنهزمين يوم ~~أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة. # فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد ~~تنزل المصائب بذنوب الغير، وثم أيضا مصائب يريد الله بها أجر المصاب فتلك ~~ليست تغييرا. # ثم أخبر تعالى أنه إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ولا حفظ منه، وهذا ~~جرى في طريقة التنبيه على قدرة الله تعالى وإحاطته، والسوء والخير بمنزلة ~~واحدة في أنهما إذا أرادهما الله بعبد لم يردا، لكنه خص السوء بالذكر ليكون ~~في الآية تخويف، واختلف القراء في- وال- فأماله بعضهم ولم يمله بعضهم، ~~والوالي الذي يلي أمر الإنسان كالولي هما من الولاية كعليم وعالم من العلم. # وقوله تعالى: هو الذي يريكم الآية، هذه آية تنبيه على القدرة، والبرق روي ~~فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مخراق بيد ملك يزجر به السحاب، وهذا ~~أصح ما روي فيه، وروي عن بعض العلماء أنه ms1954 قال: البرق: اصطكاك الأجرام، وهذا ~~عندي مردود، وقال أبو الجلد: البرق- في هذه الآية- الماء، وذكره مكي عن ابن ~~عباس. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا القول: أنه لما كان داعية الماء، وكان ~~خوف المسافرين من الماء وطمع المقيمين فيه عبر- في هذا القول- عنه بالماء. # وقوله: خوفا وطمعا- من رأى ذلك في الماء فهو على ما تقدم، والظاهر أن ~~الخوف إنما هو من صواعق البرق- والطمع في المطر الذي يكون معه، وهو قول ~~الحسن، والسحاب جمع سحابة، ولذلك جمع الصفة- والثقال معناه: بحمل الماء، ~~وبذلك فسر قتادة ومجاهد، والعرب تصفها بذلك، ومنه قول قيس بن الخطيم: ~~[المتقارب] . # فما روضة من رياض القطا ... كأن المصابيح حواذنها # بأحسن منها ولا مزنة ... دلوح تكشف أدجانها # والدلوح: المثقلة. والرعد ملك يزجر السحاب بصوته، وصوته- هذا المسموع- ~~تسبيح- والرعد اسم الملك: وقيل: «الرعد» اسم صوت الملك وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان إذا سمع «الرعد» قال: «اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا ~~تقتلنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وغيره: أنهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان من سبحت له وروي عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع «الرعد» قال: «سبحان من سبح ~~الرعد بحمده» . وقال ابن أبي زكرياء: من قال- إذا سمع الرعد- سبحان الله ~~وبحمده، لم تصبه صاعقة. # وقيل في الرعد أيضا إنه ريح تختنق بين السحاب- روي ذلك عن ابن عباس في ~~غير ما ديوان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي فيه نظر، لأنها نزعات الطبيعيين وغيرهم. # وروي أيضا عن ابن عباس: أن الملك إذا غضب وزجر السحاب اصطدمت من خوفه ~~فيكون البرق، وتحتك فتكون الصواعق. # وقوله: ويرسل الصواعق الآية- قيل: إنه أدخلها في التنبيه على القدرة بغير ~~سبب ساق ذلك. PageV03P303 # وقال ابن جريج: كان سبب نزولها قصة أربد أخي لبيد بن ربيعة لأمه وعامر بن ~~الطفيل، وكان من أمرهما- فيما روي- أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فدعاه إلى أن يجعل الأمر بعده إلى عامر بن الطفيل ويدخلا في ms1955 دينه- ~~فأبى، فقال عامر: فتكون أنت على أهل الوبر، وأنا على أهل المدر- فأبى، فقال ~~له عامر: فماذا تعطيني؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطيك أعنة ~~الخيل، فإنك رجل فارس فقال له عامر: والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا حتى ~~آخذك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأبى الله ذلك وابنا قيلة ~~فخرجا من عنده، فقال أحدهما لصاحبه: لو قتلناه ما انتطح فيه عنزان، فتآمر ~~في الرجوع لذلك، فقال عامر لأربد: أنا أشغله لك بالحديث واضربه أنت بالسيف ~~فجعل عامر يحدثه وأربد لا يصنع شيئا فلما انصرفا قال له عامر: والله يا ~~أربد لا خفتك أبدا ولقد كنت أخافك قبل هذا، فقال له أربد: والله لقد أردت ~~إخراج السيف فما قدرت على ذلك، ولقد كنت أراك بيني وبينه أفأضربك؟ فمضيا ~~للحشد على النبي صلى الله عليه وسلم فأصابت أربد صاعقة فقتلته، ففي ذلك ~~يقول لبيد بن ربيعة أخوه: # أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد # فجعني الرعد والصواعق ... بالفارس يوم الكريهة النجد # فنزلت الآية في ذلك. # وروي عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن جبارا من جبابرة العرب ~~بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال: أخبروني عن إله محمد أمن ~~لؤلؤ هو أو من ذهب؟ فنزلت عليه صاعقة ونزلت الآية فيه. # وقال مجاهد: إن بعض اليهود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناظره، ~~فبينما هو كذلك إذ نزلت صاعقة فأخذت قحف رأسه فنزلت الآية فيه. # وقوله: وهم يجادلون في الله يجوز أن تكون إشارة إلى جدال اليهودي ~~المذكور، وتكون الواو واو حال أو إلى جدال الجبار المذكور. ويجوز- إن كانت ~~الآية على غير سبب- أن يكون قوله: وهم يجادلون في الله إشارة إلى جميع ~~الكفرة من العرب وغيرهم، الذين جلبت لهم هذه التنبيهات. # والمحال: القوة والإهلاك، ومنه قول الأعشى: [الخفيف] # فرع نبع يهتز في غصن المجد ... عظيم الندى شديد المحال # ومنه قول عبد المطلب: # لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك # وقرأ الأعرج والضحاك «المحال» ms1956 بفتح الميم بمعنى المحالة، وهي الحيلة، ~~ومنه قول العرب في مثل: المرء يعجز لا المحالة، وهذا كالاستدراج والمكر ~~ونحوه وهذه استعارات في ذكر الله تعالى، والميم إذا كسرت أصلية، وإذا فتحت ~~زائدة، ويقال: محل الرجل بالرجل إذا مكر به وأخذه بسعاية شديدة. # قوله عز وجل: PageV03P304 ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 14 الى 16] # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) ~~ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) ~~قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار (16) # الضمير في له عائد على اسم الله عز وجل، وقال ابن عباس: دعوة الحق: لا ~~إله إلا الله. # قال القاضي أبو محمد: وما كان من الشريعة في معناها. # وقال علي بن أبي طالب: دعوة الحق: التوحيد. ويصح أن يكون معناها له دعوة ~~العباد بالحق، ودعاء غيره من الأوثان باطل. # وقوله: والذين يراد به ما عبد من دون الله، والضمير في يدعون لكفار قريش ~~وغيرهم من العرب.. # وروى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء: «تدعون من دونه» بالتاء من فوق، ~~ويستجيبون بمعنى يجيبون، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # وداع دعا: يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # ومعنى الكلام: والذين يدعوهم الكفار في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبون بشيء. ~~ثم مثل تعالى مثالا لإجابتهم بالذي يبسط كفيه نحو الماء ويشير إليه ~~بالإقبال إلى فيه، فلا يبلغ فمه أبدا، فكذلك إجابة هؤلاء والانتفاع بهم لا ~~يقع. وقوله: هو يراد به الماء، وهو البالغ، والضمير في «بالغه» للفم، ويصح ~~أن يكون هو يريد به الفم وهو البالغ أيضا، والضمير في «بالغه» للماء، لأن ~~الفم لا يبلغ الماء أبدا على ms1957 تلك الحال. # ثم أخبر تعالى عن دعاء الكافرين أنه في انتلاف وضلال لا يفيد فيه شيئا ~~ولا يغنيه. # وقوله تعالى: ولله يسجد الآية، يحتمل ظاهر هذه الألفاظ: أنه جرى في طريق ~~التنبيه على قدرة الله، وتسخر الأشياء له فقط، ويحتمل أن يكون في ذلك طعن ~~على كفار قريش وحاضري محمد عليه السلام، أي إن كنتم أنتم لا توقنون ولا ~~تسجدون، فإن جميع من في السماوات والأرض لهم سجود لله تعالى: وإلى هذا ~~الاحتمال نحا الطبري. # قال القاضي أبو محمد: ومن تقع على الملائكة عموما، وسجودهم طوع بلا خلاف، ~~وأما أهل الأرض فالمؤمنون منهم داخلون في من وسجودهم طوع، وأما سجود الكفرة ~~فهو الكره، وذلك على نحوين من هذا المعنى: # فإن جعلنا السجود هذه الهيئة المعهودة فالمراد من الكفرة من يضمه السيف ~~إلى الإسلام- كما قال PageV03P305 # قتادة- فيسجد كرها، إما نفاقا، وإما أن يكون الكره أول حاله فتستمر عليه ~~الصفة، وإن صح إيمانه بعد. # وإن جعلنا السجود الخضوع والتذلل- على حسب ما هو في اللغة كقول الشاعر: # ترى الأكم فيه سجدا للحوافر فيدخل الكفار أجمعون في من لأنه ليس من كافر ~~إلا وتلحقه من التذلل والاستكانة بقدرة الله أنواع أكثر من أن تحصى بحسب ~~رزاياه واعتباراته. # وقال النحاس والزجاج: إن الكره يكون في سجود عصاة المؤمنين وأهل الكسل ~~منهم. # قال القاضي أبو محمد: وإن كان اللفظ يقتضي هذا فهو قلق من جهة المعنى ~~المقصود بالآية. # وقوله: وظلالهم بالغدو والآصال، إخبار عن أن الظلال لها سجود لله تعالى ~~بالبكر والعشيات. # قال الطبري: وهذا كقوله تعالى: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله [النحل: 48] قال: وذلك هو فيئه بالعشي ~~وقال مجاهد: ظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره. وقال ابن عباس: يسجد ظل الكافر ~~حين يفيء عن يمينه وشماله، وحكى الزجاج أن بعض الناس قال: «الظلال» هنا ~~يراد به الأشخاص- وضعفه أبو إسحاق. # والآصال جمع أصيل. وقرأ أبو مجلز: «والإيصال» قال أبو الفتح: هو مصدر ~~أصلنا أي دخلنا في الأصيل، ms1958 كأصبحنا وأمسينا. # وروي أن الكافر إذا سجد لصنمه فإن ظله يسجد لله تعالى حينئذ. # وقوله: قل: من رب السماوات الآية، جاء السؤال والجواب في هذه الآية من ~~ناحية واحدة، إذ كان السؤال والتقرير على أمر واضح لا مدافعة لأحد فيه ملزم ~~للحجة، فكان السبق إلى الجواب أفصح في الاحتجاج وأسرع في قطعهم من انتظار ~~الجواب منهم، إذ لا جواب إلا هذا الذي وقع البدار إليه، وقال مكي: جهلوا ~~الجواب وطلبوه من جهة السائل فأعلمهم به السائل، فلما تقيد من هذا كله أن ~~الله تعالى هو رب السماوات والأرض وقع التوبيخ على اتخاذهم من دونه أولياء ~~متصفين بأنهم لا ينفعون أنفسهم ولا يضرونها، وهذه غاية العجز، وفي ضمن هذا ~~الكلام: وتركتموه وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولفظة: من دونه تقتضي ذلك. # ثم مثل الكفار والمؤمنين بعد هذا بقوله: قل هل يستوي الأعمى والبصير. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: «تستوي الظلمات» ~~بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «يستوي» بالياء، فالتأنيث ~~حسن لأنه مؤنث لم يفصل بينه وبين عامله شيء. # والتذكير شائع لأنه تأنيث غير حقيقي، والفعل مقدم. # وشبهت هذه الآية الكافر ب الأعمى. والكفر ب الظلمات وشبهت المؤمن ب ~~البصير والإيمان ب النور: ثم وقفهم بعد: هل رأوا خلقا لغير الله فحملهم ذلك ~~واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلها غير الله؟ ثم أمر محمدا عليه ~~السلام بالإفصاح بصفات الله تعالى في أنه خالق كل شيء وهذا PageV03P306 # عموم في اللفظ يراد به الخصوص في كل ما هو خلق الله تعالى. قال القاضي ~~ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما من الأصوليين: ويخرج عن ذلك صفات ذاته- لا ~~رب غيره- والقرآن، ووصف نفسه ب الواحد القهار من حيث لا موجود إلا به، وهو ~~في وجوده مستغن عن الموجودات لا إله إلا هو العلي العظيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : آية 17] # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء ms1959 حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) # صدر هذه الآية تنبيه على قدرة الله، وإقامة الحجة على الكفرة به، فلما ~~فرغ ذكر ذلك جعله مثالا للحق والباطل، والإيمان والكفر، والشك في الشرع ~~واليقين به. # وقوله: أنزل من السماء ماء يريد به المطر، و «الأودية» ما بين الجبال من ~~الانخفاض والخنادق، وقوله: بقدرها يحتمل أن يريد بما قدر لها من الماء، ~~ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها. # وقرأ جمهور الناس: «بقدرها» بفتح الدال، وقرأ الأشهب العقيلي: «بقدرها» ~~بسكون الدال. # و «الزبد» ما يحمله السيل من غثاء ونحوه وما يرمي به ضفتيه من الحباب ~~الملتبك، ومنه قول حسان بن ثابت: # ما البحر حين تهب الريح شامية ... فيغطئل ويرمي العبر بالزبد # و «الرابي» : المنتفخ الذي قد ربا، ومنه الربوة. # وقوله: ومما خبر ابتداء، والابتداء قوله: زبد، ومثله نعت ل زبد. # والمعنى: ومن الأشياء التي توقدون عليها ابتغاء الحلي وهي الذهب والفضة، ~~ابتغاء الاستمتاع بما في المرافق، وهي الحديد والرصاص والنحاس ونحوها من ~~الأشياء التي توقدون عليها، فأخبر تعالى أن من هذه إذا أحمي عليها يكون زبد ~~مماثل للزبد الذي يحمله السيل، ثم ضرب تعالى ذلك مثالا ل الحق والباطل أي ~~أن الماء الذي تشربه الأرض من السيل فيقع النفع به هو «كالحق» - والزبد ~~الذي يجمد وينفش ويذهب هو كالباطل، وكذلك ما يخلص من الذهب والفضة والحديد ~~ونحوها هو كالحق، وما يذهب في الدخان هو كالباطل. # وقوله: في النار متعلق بمحذوف تقديره: كائنا أو ثابتا- كذا قال مكي ~~وغيره- ومنعوا أن يتعلق بقوله: يوقدون لأنهم زعموا: ليس يوقد على شيء إلا ~~وهو في النار وتعليق حرف الجر ب يوقدون يتضمن تخصيص حال من حال أخرى. وذهب ~~أبو علي الفارسي إلى تعلقها ب يوقدون PageV03P307 # وقال: قد يوقد على شيء وليس في النار كقوله تعالى: فأوقد لي يا هامان على ~~الطين [القصص: 38] فذلك البناء الذي أمر ms1960 به يوقد عليه وليس في النار لكن ~~يصيبه لهبها. # وقوله: جفاء مصدر من قولهم: أجفأت القدر إذا غلت حتى خرج زبدها وذهب. # وقرأ رؤبة: «جفالا» من قولهم: جفلت الريح السحاب، إذا حملته وفرقته. قال ~~أبو حاتم: لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن. # وقوله: ما ينفع الناس يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار، وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم- في رواية أبي بكر، وأبو جعفر ~~والأعرج وشيبة والحسن: «توقدون» بالتاء، أي أنتم أيها الموقدون، وهي صفة ~~لجميع أنواع الناس، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن محيصن ومجاهد ~~وطلحة ويحيى وأهل الكوفة: «يوقدون» بالياء، على الإشارة إلى الناس، وجفاء ~~مصدر في موضع الحال. # قال القاضي أبو محمد: وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله تعالى: أنزل من ~~السماء ماء يريد به الشرع والدين. وقوله: فسالت أودية: يريد به القلوب، أي ~~أخذ النبيل بحظه. والبليد بحظه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يصح- والله أعلم- عن ابن عباس، لأنه ~~ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، وقد تمسك به الغزالي وأهل ذلك الطريق، ولا ~~وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير علة تدعو إلى ذلك، والله الموفق ~~للصواب برحمته، وإن صح هذا القول عن ابن عباس فإنما قصد أن قوله تعالى: ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل معناه: الحق الذي يتقرر في القلوب المهدية، ~~والباطل: الذي يعتريها أيضا من وساوس وشبه حين تنظر في كتاب الله عز وجل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 18 الى 21] # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس ~~المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) والذين ~~يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) # الذين استجابوا: هم المؤمنون الذين دعاهم الله عز وجل على لسان رسوله ~~فأجابوه ms1961 إلى ما دعاهم إليه من اتباع دينه، والحسنى: هي الجنة وكل ما يختص ~~به المؤمنون من نعم الله عز وجل، والذين لم يستجيبوا هم: الكفرة، وسوء ~~الحساب هو: التقصي على المحاسب وأن لا يقع في حسابه من التجاوز شيء- قاله ~~شهر بن حوشب وإبراهيم النخعي، وقاله فرقد السبخي وغيره- و «المأوى» : حيث ~~يأوي الإنسان ويسكن والمهاد: ما يفترش ويلبس بالجلوس والرقاد. وقوله: أفمن ~~يعلم استفهام PageV03P308 # بمعنى التقرير، والمعنى: أسواء من هداه الله فعلم صدق نبوتك وآمن بك، ومن ~~لم يهتد ولا رزق بصيرة فبقي على كفره، فمثل عز وجل ذلك بالعمى. # وروي أن هذه الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل بن هشام، وقيل: ~~في عمار بن ياسر وأبي جهل بن هشام، وهي بعد هذا مثال في جميع العالم. # وأنما في هذه الآية حاصرة، أي إنما يتذكر فيؤمن ويراقب الله من له لب ~~وتحصيل. # ثم أخذ تعالى في وصف هؤلاء الذين يسرهم للإيمان فقال: الذين يوفون بعهد ~~الله وقوله: # بعهد الله: اسم للجنس، أي بجميع عهود الله وهي أوامره ونواهيه التي وصى ~~بها عبيده، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض وتجنب جميع المعاصي. # وقوله: ولا ينقضون الميثاق يحتمل أن يريد به جنس المواثيق أي إذا اعتقدوا ~~في طاعة الله عهدا لم ينقضوه. قال قتادة: وتقدم الله إلى عباده في نقض ~~الميثاق ونهى عنه في بعض وعشرين آية ويحتمل أن يشير إلى ميثاق معين وهو ~~الذي أخذه الله على عباده وقت مسحه على ظهر أبيهم آدم عليه السلام. # ووصل ما أمر الله به أن يوصل: ظاهره في القرابات وهو مع ذلك يتناول جميع ~~الطاعات. وسوء الحساب هو أن يتقصى ولا تقع فيه مسامحة ولا تغمد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 22 الى 24] # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب (23) سلام عليكم ms1962 بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) # «الصبر لوجه الله» يدخل في الرزايا والأسقام والعبادات وعن الشهوات ونحو ~~ذلك. # وابتغاء نصب على المصدر أو على المفعول لأجله، و «الوجه» في هذه الآية ~~ظاهره الجهة التي تقصد عنده تعالى بالحسنات لتقع عليها المثوبة، وهذا كما ~~تقول: خرج الجيش لوجه كذا، وهذا أظهر ما فيه مع احتمال غيره و «إقامة ~~الصلاة» هي الإتيان بها على كمالها، والصلاة هنا هي المفروضة وقوله: # وأنفقوا يريد به مواساة المحتاج، و «السر» هو فيما أنفق تطوعا، و ~~«العلانية» فيما أنفق من الزكاة المفروضة، لأن التطوع كله الأفضل فيه ~~التكتم. # وقوله: ويدرؤن بالحسنة السيئة أي ويدفعون من رأوا منه مكروها بالتي هي ~~أحسن، وقيل: # يدفعون بقول: لا إله إلا الله، شركهم وقيل: يدفعون بالسلام غوائل الناس. # قال القاضي أبو محمد: وبالجملة فإنهم لا يكافئون الشر بالشر، وهذا بخلاف ~~خلق الجاهلية، وروي أن هذه الآية نزلت في الأنصار ثم هي عامة بعد ذلك في كل ~~من اتصف بهذه الصفات. PageV03P309 # وقوله: عقبى الدار يحتمل أن يكون عقبى دار الدنيا، ثم فسر العقبى بقوله: ~~جنات عدن إذ العقبى تعم حالة الخير وحالة الشر، ويحتمل أن يريد عقبى دار ~~الآخرة لدار الدنيا، أي العقبى الحسنة في الدار الآخرة هي لهم. # وقرأ الجمهور: «جنات عدن» وقرأ النخعي: «جنة عدن يدخلونها» بضم الياء ~~وفتح الخاء. # وجنات بدل من عقبى وتفسير لها. وعدن هي مدينة الجنة ووسطها، ومنها جنات ~~الإقامة. من عدن في المكان إذا أقام فيه طويلا ومنه المعادن، وجنات عدن ~~يقال: هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط- قاله عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي- ويروى: أن لها خمسة آلاف باب. # وقوله: ومن صلح أي من عمل صالحا وآمن- قاله مجاهد وغيره- ويحتمل: أي من ~~صلح لذلك بقدر الله تعالى وسابق علمه. # وحكى الطبري في صفة دخول الملائكة أحاديث لم نطول بها لضعف أسانيدها. ~~والمعنى: يقولون: # سلام عليكم، فحذف- يقولون- تخفيفا وإيجازا، لدلالة ظاهر الكلام عليه، ~~والمعنى: هذا بما صبرتم، والقول في عقبى الدار على ما تقدم من المعنيين. # وقرأ الجمهور ms1963 «فنعم» بكسر النون وسكون العين، وقرأ يحيى بن وثاب «فنعم» ~~بفتح النون وكسر العين. # وقالت فرقة: معنى عقبى الدار أي أن أعقبوا الجنة من جهنم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل مبني على حديث ورد، وهو: أن كل رجل في ~~الجنة فقد كان له مقعد معروف في النار، فصرفه الله عنه إلى النعيم، فيعرض ~~عليه ويقال له: هذا كان مقعدك فبدلك الله منه الجنة بإيمانك وطاعتك وصبرك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 25 الى 29] # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~متاع (26) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من ~~يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن ~~مآب (29) # هذه صفة حالة مضادة للمتقدمة. وقال ابن جريج في قوله ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل إنه روي: إذا لم تمش إلى قريبك برجلك ولم تواسه بمالك فقد ~~قطعته. وقال مصعب بن سعد: سألت أبي عن قوله تعالى: هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا PageV03P310 # [الكهف: 103- 104] هم الحرورية؟ قال: لا ولكن الحرورية: هم الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ~~وأولئك هم الفاسقون، فكان سعد بن أبي وقاص يجعل فيهم الآيتين. # و «اللعنة» : الإبعاد من رحمة الله ومن الخير جملة. وسوء الدار ضد عقبى ~~الدار [الرعد: 23] والأظهر في الدار هنا أنها دار الآخرة، ويحتمل أنها ~~الدنيا على ضعف. # وقوله: الله يبسط الرزق لمن يشاء الآية، لما أخبر عمن تقدمت صفته بأن لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار أنحى بعد ذلك على أغنيائهم، وحقر شأنهم وشأن ~~أموالهم، المعنى: أن هذا كله بمشيئة الله، يهب الكافر ms1964 المال ليهلكه به، ~~ويقدر على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره. # وقوله: ويقدر أي من التقدير، فهو مناقض يبسط. ثم استجهلهم في قوله: ~~وفرحوا بالحياة الدنيا وهي بالإضافة إلى الآخرة متاع ذاهب مضمحل يستمتع به ~~قليلا ثم يفنى. و «المتاع» : ما يتمتع به مما لا يبقى وقال الشاعر: ~~[الوافر] # تمتع يا مشعث إن شيئا ... سبقت به الممات هو المتاع # وقوله تعالى: ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية الآية، هذا رد على ~~مقترحي الآيات من كفار قريش، كسقوط السماء عليهم كسفا ونحو ذلك من قولهم: ~~سير عنا الأخشبين واجعل لنا البطاح محارث ومغترسا كالأردن، وأحي لنا قصيا ~~وأسلافنا، فلما لم يكن ذلك- بحسب أن آيات الاقتراح لم تجر عادة الأنبياء ~~بالإتيان بها إلا إذا أراد الله تعذيب قوم- قالوا هذه المقالة، فرد الله ~~عليهم قل ... أي أن نزول الآية لا تكون معه ضرورة إيمانكم ولا هداكم، وإنما ~~الأمر بيد الله يضل من يشاء ويهدي إلى طاعته والإيمان به من أناب إلى ~~الطاعة وآمن بالآيات الدالة. # ويحتمل أن يعود الضمير في إليه على القرآن الكريم، ويحتمل أن يعود على ~~محمد عليه السلام. والذين بدل من من في قوله: من أناب و «طمأنينة القلوب» ~~هي الاستكانة والسرور بذكر الله والسكون به كمالا به. ورضى بالثواب عليه ~~وجودة اليقين. # ثم استفتح عز وجل الإخبار بأن طمأنينة القلوب بذكر الله تعالى.. وفي هذا ~~الإخبار حض وترغيب في الإيمان، والمعنى: أن بهذا تقع الطمأنينة لا بالآيات ~~المقترحة، بل ربما كفر بعدها، فنزل العذاب كما سلف في بعض الأمم. # والذين الثاني ابتداء وخبره: طوبى لهم ويصح أن يكون الذين بدلا من الأول. # وطوبى ابتداء ولهم خبره. وطوبى اسم، يدل على ذلك كونه ابتداء. وهي فعلى ~~من الطيب في قول بعضهم، وذهب سيبويه بها مذهب الدعاء وقال: هي في موضع رفع، ~~ويدل على ذلك رفع وحسن. وقال ثعلب: طوبى مصدر. وقرىء «وحسن» بالنصب ف طوبى ~~على هذا مصدر كما قالوا: سقيا لك، ونظيره من المصادر الرجعى والعقبى. قال ~~ابن سيده: ms1965 والطوبى جمع طيبة عن كراع. PageV03P311 # ونظيره كوسى في جمع كيسة وضوفى في جمع ضيفة. # قال القاضي أبو محمد: والذي قرأ: «وحسن» بالنصب هو يحيى بن يعمر وابن أبي ~~عبلة واختلف في معنى طوبى فقيل: خير لهم، وقال عكرمة: معناه نعم ما لهم، ~~وقال الضحاك: معناه: غبطة لهم. # وقال ابن عباس: طوبى: اسم الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مسجوع: اسم الجنة ~~طوبى بالهندية، وقيل طوبى: اسم شجرة في الجنة- وبهذا تواترت الأحاديث قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى شجرة في الجنة، يسير الراكب المجد في ~~ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم» : # وظل ممدود [الواقعة: 30] وحكى الطبري عن أبي هريرة وعن مغيث بن سمي وعتبة ~~بن عبد يرفعه أخبارا مقتضاها: أن هذه الشجرة ليس دار في الجنة إلا وفيها من ~~أغصانها، وأنها تثمر بثياب أهل الجنة، وأنه يخرج منها الخيل بسروجها ولجمها ~~ونحو هذا مما لم يثبت سنده. # و «المآب» : المرجع من آب يؤوب. ويقال في طوبى طيبى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 30 الى 32] # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت ~~للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) # الكاف في كذلك متعلقة بالمعنى الذي في قوله: قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب [الرعد: 27] أي كما أنفذ الله هذا كذلك أرسلتك- هذا ~~قول- والذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي، لا ~~بالآيات المقترحة. فكذلك أيضا فعلنا في هذه الأمة: أرسلناك إليها بوحي، ms1966 لا ~~بآيات مقترحة، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. # وقوله: وهم يكفرون بالرحمن قال قتادة وابن جريج: نزلت حين عاهدهم رسول ~~الله عام الحديبية، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن ~~لا نعرف الرحمن ولا نقرأ اسمه. # قال القاضي أبو محمد: والذي أقول في هذا: أن «الرحمن» يراد به الله تعالى ~~وذاته، ونسب إليهم الكفر به على الإطلاق، وقصة الحديبية وقصة أمية بن خلف ~~مع عبد الرحمن بن عوف، إنما هي إباية الاسم فقط، وهروب عن هذه العبارة التي ~~لم يعرفوها إلا من قبل محمد عليه السلام. # ثم أمر الله تعالى نبيه بالتصريح بالدين والإفصاح بالدعوة في قوله: قل هو ~~ربي لا إله إلا هو عليه PageV03P312 # توكلت # و «المتاب» : المرجع كالمآب، لأن التوبة الرجوع. # ويحتمل قوله: ولو أن قرآنا الآية، أن يكون متعلقا بقوله: وهم يكفرون ~~بالرحمن فيكون معنى الآية الإخبار عنهم أنهم لا يؤمنون ولو نزل «قرآن تسير ~~به الجبال وتقطع به الأرض» - هذا تأويل الفراء وفرقة من المتألين- وقالت ~~فرقة: بل جواب لو محذوف، تقديره: ولو أن قرآنا يكون صفته كذا لما آمنوا ~~بوجه، وقال أهل هذا التأويل- ابن عباس ومجاهد وغيرهما- إن الكفار قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أزح عنا وسير جبلي مكة فقد ضيقا علينا، واجعل ~~لنا أرضنا قطع غراسة وحرث، وأحي لنا آباءنا وأجدادنا وفلانا وفلانا- فنزلت ~~الآية في ذلك معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله، وقالت فرقة: جواب لو ~~محذوف، ولكن ليس في هذا المعنى، بل تقديره: لكان هذا القرآن الذي يصنع هذا ~~به، وتتضمن الآية- على هذا- تعظيم القرآن، وهذا قول حسن يحرز فصاحة الآية. # وقوله: بل لله الأمر جميعا يعضد التأويل الأخير ويترتب مع الآخرين. # وقوله: أفلم ييأس الذين آمنوا الآية، ييأس معناه: يعلم، وهي لغة هوازن- ~~قاله القاسم بن معن- وقال ابن الكلبي: هي لغة هبيل حي من النخع، ومنه قول ~~سحيم بن وثيل الرياحي: # [الطويل] # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ... ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن ms1967 يكون اليأس في هذه الآية على بابه، وذلك ~~أنه لما أبعد إيمانهم في قوله: ولو أن قرآنا الآية- على التأويلين في ~~المحذوف المقدر- قال في هذه الآية: أفلم ييئس المؤمنون من إيمان هؤلاء ~~الكفرة، علما منهم أن لو يشاء لهدى الناس جميعا. # وقرأ ابن كثير وابن محيصن «يأيس» وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن ~~أبي مليكة وعكرمة والجحدري وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد «أفلم ~~يتبين» . # ثم أخبر تعالى عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته. # وفي قراءة ابن مسعود ومجاهد: «ولا يزال الذين ظلموا» ثم قال: أو تحل أنت ~~يا محمد قريبا من دارهم هذا تأويل فرقة منهم الطبري وعزاه إلى ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة- وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى أو تحل القارعة قريبا من ~~دارهم. # وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير: «أو يحل» بالياء «قريبا من ديارهم» بالجمع. # و «وعد الله» - على قول ابن عباس وقوم- فتح مكة، وقال الحسن بن أبي ~~الحسن: الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة، وأن حال الكفرة هكذا هي ~~أبدا. و «وعد الله» : قيام الساعة، و «القارعة» : الرزية التي تقرع قلب ~~صاحبها بفظاعتها كالقتل والأسر ونهب المال وكشف الحريم ونحوه. # وقوله: ولقد استهزئ الآية، هذه آية تأنيس للنبي عليه السلام، أي لا يضيق ~~صدرك يا محمد PageV03P313 # بما ترى من قومك وتلقى منهم، فليس ذلك ببدع ولا نكير، قد تقدم هذا في ~~الأمم و «أمليت لهم» أي مددت المدة وأطلت، والإملاء: الإمهال على جهة ~~الاستدراج، وهو من الملاوة من الزمن، ومنه: تمليت حسن العيش. وقوله: فكيف ~~كان عقاب تقرير وتعجيب، في ضمنه وعيد للكفار المعاصرين لمحمد عليه السلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 33 الى 35] # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن ~~السبيل ومن يضلل ms1968 الله فما له من هاد (33) لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب ~~الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) مثل الجنة التي وعد المتقون تجري ~~من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين ~~النار (35) # هذه الآية راجعة بالمعنى إلى قوله: وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربي لا إله ~~إلا هو [الرعد: 30] والمعنى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحق ~~بالعبادة أم الجمادات التي لا تنفع ولا تضر؟ - هذا تأويل- ويظهر أن القول ~~مرتبط بقوله: وجعلوا لله شركاء كأن المعنى: أفمن له القدرة والوحدانية ~~ويجعل له شريك أهل أن ينتقم ويعاقب أم لا؟. # و «الأنفس» من مخلوقاته وهو قائم على الكل أي محيط به لتقرب الموعظة من ~~حس السامع. ثم خص من أحوال الأنفس حال كسبها ليتفكر الإنسان عند نظر الآية ~~في أعماله وكسبه. # وقوله: قل سموهم أي سموا من له صفات يستحق بها الألوهية ثم أضرب القول ~~وقرر: هل تعلمون الله بما لا يعلم؟. # وقرأ الحسن: «هل تنبئونه» بإسكان النون وتخفيف الباء وأم هي بمعنى: بل، ~~وألف الاستفهام- هذا مذهب سيبويه- وهي كقولهم: إنها لإبل أم شاء. # ثم قررهم بعد، هل يريدون تجويز ذلك بظاهر من الأمر، لأن ظاهر الأمر له ~~إلباس ما وموضع من الاحتمال، وما لم يكن إلا بظاهر القول فقط فلا شبهة له. # وقرأ الجمهور «زين» على بناء الفعل للمفعول «مكرهم» بالرفع، وقرأ مجاهد ~~«زين» على بنائه للفاعل «مكرهم» بالنصب، أي زين الله، ومكرهم: لفظ يعم ~~أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل مناقضة الشرع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~«وصدوا» بضم الصاد، وهذا على تعدي الفعل وقرأ الباقون هنا، وفي «صم» ~~المؤمن- بفتحها، وذلك يحتمل أن يكون «صدوا» أنفسهم أو «صدوا» غيرهم، وقرأ ~~يحيى بن وثاب: «وصدوا» بكسر الصاد. PageV03P314 # وقوله: لهم عذاب # الآية، آية وعيد أي لهم عذاب في دنياهم بالقتل والأسر والجدوب والبلايا ~~في أجسامهم وغير ذلك مما يمتحنهم الله، ثم لهم في الآخرة عذاب أشق # من هذا كله، وهو الاحتراق بالنار، وأشق # أصعب من المشقة، ms1969 و «الواقي» : الساتر على جهة الحماية من الوقاية. # وقوله تعالى: مثل الجنة الآية، قال قوم: مثل معناه، صفة، وهذا من قولك: ~~مثلت الشيء، إذا وصفته لأحد وقربت عليه فهم أمره، وليس بضرب مثل لها، وهو ~~كقوله: وله المثل الأعلى [الروم: 27] أي الوصف الأعلى. ويظهر أن المعنى ~~الذي يتحصل في النفس مثالا للجنة هو جري الأنهار وأن أكلها دائم. # وراجعه عند سيبويه فقدر قبل، تقديره: فيما يتلى عليكم أو ينص عليكم مثل ~~الجنة. وراجعه عند الفراء قوله: تجري أي صفة الجنة أنها تجري من تحتها ~~الأنهار ونحو هذا موجود في كلام العرب، وتأول عليه قوم: أن مثل مقحم وأن ~~التقدير: الجنة التي وعد المتقون تجري. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا قلق. # وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود «أمثال الجنة» . # وقد تقدم غير مرة معنى قوله: تجري من تحتها الأنهار وقوله: أكلها معناه: ~~ما يؤكل فيها. # و «العقبى» والعاقبة والعاقب: حال تتلو أخرى قبلها. وباقي الآية بين. # وقيل: التقدير في صدر الآية، مثل الجنة جنة تجري- قاله الزجاج- فتكون ~~الآية على هذا ضرب مثل لجنة النعيم في الآخرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 36 الى 39] # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل ~~إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) وكذلك ~~أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله ~~من ولي ولا واق (37) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) # اختلف المتأولون فيمن عنى بقوله: الذين آتيناهم الكتاب فقال ابن زيد: عنى ~~به من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وشبهه. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى: مدحهم بأنهم لشدة إيمانهم يسرون بجميع ما ~~يرد على النبي عليه السلام من زيادات الشرع. PageV03P315 # وقال قتادة: عنى به جميع المؤمنين، والكتاب هو ms1970 القرآن، وبما أنزل إليك ~~يراد به، جميع الشرع. وقالت فرقة: المراد ب الذين آتيناهم الكتاب اليهود ~~والنصارى، وذلك أنهم لهم فرح بما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من ~~تصديق شرائعهم وذكر أوائلهم. # قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا التأويل بأن همهم به أكثر من فرحهم، ~~ويضعف أيضا بأن اليهود والنصارى ينكرون بعضه. وقد فرق الله في هذه الآية ~~بين الذين ينكرون بعضه وبين الذين آتيناهم الكتاب. # والأحزاب قال مجاهد: هم اليهود والنصارى والمجوس، وقالت فرقة: هم أحزاب ~~الجاهلية من العرب. وأمره الله تعالى أن يطرح اختلافهم ويصدع بأنه إنما أمر ~~بعبادة الله وترك الإشراك، والدعاء إليه، واعتقاد «المآب» إليه وهو الرجوع ~~عند البعث يوم القيامة. # وقوله: وكذلك المعنى: كما يسرنا هؤلاء للفرح، وهؤلاء لإنكار البعض، كذلك ~~أنزلناه حكما عربيا، ويحتمل المعنى: والمؤمنون آتيناهموه يفرحون به لفهمهم ~~به وسرعة تلقيهم. # ثم عدد النعمة بقوله: «كذلك جعلناه» أي سهلنا عليهم في ذلك وتفضلنا. # وحكما نصب على الحال، و «الحكم» هو ما تضمنه القرآن من المعاني، وجعله ~~عربيا لما كانت العبارة عنه بالعربية. # ثم خاطب النبي عليه السلام محذرا من اتباع أهواء هذه الفرق الضالة، ~~والخطاب لمحمد عليه السلام، وهو بالمعنى يتناول المؤمنين إلى يوم القيامة. # ووقف ابن كثير وحده على «واقي» و «هادي» و «والي» بالياء. قال أبو علي: ~~والجمهور يقفون بغير ياء، وهو الوجه. وباقي الآية بين. # وقوله: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك الآية. في صدر هذه الآية تأنيس للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ورد على المقترحين من قريش بالملائكة المتعجبين من بعثة ~~الله بشرا رسولا. فالمعنى: أن بعثك يا محمد ليس ببدع فقد تقدم هذا في ~~الأمم. ثم جاء قوله: وما كان لرسول الآية، لفظه لفظ النهي والزجر، والمقصود ~~به إنما هو النفي المحض، لكنه نفي تأكد بهذه العبارة، ومتى كانت هذه ~~العبارة عن أمر واقع تحت قدرة المنهي فهي زجر، ومتى لم يقع ذلك تحت قدرته ~~فهو نفي محض مؤكد، وبإذن الله معناه: # إلا أن يأذن الله ms1971 في ذلك. # وقوله: لكل أجل كتاب لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ~~ليس كائن منها إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته. وكل أجل مكتوب محصور، ~~فأخبر تعالى عن كتبه الآجال التي للأشياء عامة، وقال الضحاك والفراء: ~~المعنى: لكل كتاب أجل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا العكس غير لازم ولا وجه له، إذ المعنى تام في ~~ترتيب القرآن، بل يمكن هدم قولهما بأن الأشياء التي كتبها الله تعالى أزلية ~~باقية كتنعيم أهل الجنة وغيره يوجد كتابها لا أجل له. PageV03P316 # وقوله: يمحوا الله ما يشاء ويثبت قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ~~«ويثبت» بشد الباء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم «ويثبت» بتخفيفها. # وتخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتخلص به مشكلها: أن نعتقد أن ~~الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ~~ولا تبديل، وهي التي ثبتت في أم الكتاب وسبق بها القضاء، وهذا مروي عن ابن ~~عباس وغيره من أهل العلم، وأما الأشياء التي قد أخبر الله تعالى أنه يبدل ~~فيها وينقل كعفو الذنوب بعد تقريرها، وكنسخ آية بعد تلاوتها واستقرار ~~حكمها- ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك، وأما إذا رد ~~الأمر للقضاء والقدر فقد محا الله ما محا وثبت ما ثبت. وجاءت العبارة ~~مستقلة بمجيء الحوادث، وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان فينتظر البشر ما ~~يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم. # وقالت فرقة- منها الحسن- هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى في ليلة ~~القدر، وقيل: - في ليلة نصف شعبان- يكتب آجال الموتى فيمحى ناس من ديوان ~~الأحياء ويثبتون في ديوان الموتى. وقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم ~~يمحوا الله ما يشاء ويثبت. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص في الآجال أو غيرها لا معنى له، وإنما ~~يحسن من الأقوال هنا ما كان عاما في جميع الأشياء، فمن ذلك أن يكون معنى ~~الآية أن الله تعالى يغير الأمور على ms1972 أحوالها، أعني ما من شأنه أن يغير- ~~على ما قدمناه- فيمحوه من تلك الحالة ويثبته في التي نقله إليها. وروي عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود أنهما كانا يقولان في ~~دعائهما: اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاوة فامحنا وأثبتنا في ديوان ~~السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. # قال القاضي أبو محمد: وهذا دعاء في غفران الذنوب وعلى جهة انجزع منها. أي ~~اللهم إن كنا شقينا بمعصيتك وكتب علينا ذنوب وشقاوة بها فامحها عنا ~~بالمغفرة، وفي لفظ عمر في بعض الروايات بعض من هذا، ولم يكن دعاؤهما البتة ~~في تبديل سابق القضاء ولا يتأول عليهما ذلك. # وقيل: إن هذه الآية نزلت لأن قريشا لما سمعت قول الله تعالى: وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، قال: ليس لمحمد في هذا الأمر قدرة ولا ~~حظ، فنزلت يمحوا الله ما يشاء ويثبت أي ربما أذن الله من ذلك فيما تكرهون ~~بعد أن لم يكن يأذن. # وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية «يمحو الله ما يشاء ويثبت» ~~من أمور عباده إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنه لا محو فيها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو ما أحلناه أولا في الآية. # وحكي عن فرقة أنها قالت: «يمحو الله ما يشاء ويثبت» من كتاب حاشى أمر ~~الكتاب الذي عنده الذي لا يغير منه شيئا. وقالت فرقة معناه: يمحو كل ما ~~يشاء ويثبت كل ما أراد، ونحو هذه الأقوال التي هي سهلة المعارضة. PageV03P317 # وأسند الطبري عن إبراهيم النخعي أن كعبا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير ~~المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: ~~وما هي؟ قال: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. وذكر أبو المعالي ~~في التلخيص: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قال هذه المقالة ~~المذكورة عن كعب. # قال القاضي أبو محمد: وذلك عندي لا يصح عن علي. # واختلفت أيضا عبارة المفسرين في تفسير ms1973 أم الكتاب فقال ابن عباس: هو ~~الذكر، وقال كعب: # هو علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون. # قال القاضي أبو محمد: وأصوب ما يفسر به أم الكتاب أنه كتاب الأمور ~~المجزومة التي قد سبق القضاء فيها بما هو كائن وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو ~~والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت- قال نحوه ~~قتادة- وقالت فرقة: معنى أم الكتاب الحلال والحرام- وهذا قول الحسن بن أبي ~~الحسن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرعد (13) : الآيات 40 الى 43] # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~(40) أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما ~~تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43) # إن شرط دخلت عليها ما مؤكدة، وهي قبل الفعل فصارت في ذلك بمنزلة اللام ~~المؤكدة في القسم التي تكون قبل الفعل في قولك: والله لنخرجن، فلذلك يحسن ~~أن تدخل النون الثقيلة في قولك: # نرينك لحلولها هنا محل اللام هنالك، ولو لم تدخل ما لما جاز ذلك إلا في ~~الشعر، وخص «البعض» بالذكر إذ مفهوم أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي ~~به الأقدار مما توعد به الكفار. وكذلك أعطي الوجود، ألا ترى أن أكثر الفتوح ~~إنما كان بعد النبي عليه السلام وأ وعاطفة. وقوله: فإنما جواب الشرط. # ومعنى الآية: إن نبقك يا محمد لترى أو نتوفينك، فعلى كلا الوجهين إنما ~~يلزمك البلاغ فقط. # وقوله: نعدهم محتمل أن يريد به المضار التي توعد بها الكفار، فأطلق فيها ~~لفظة الوعد لما كانت تلك المضار معلومة مصرحا بها، ويحتمل أن يريد الوعد ~~لمحمد في إهلاك الكفر، ثم أضاف الوعد إليهم لما كان في شأنهم. PageV03P318 # والضمير في قوله: يروا عائد على كفار قريش وهم المتقدم ضميرهم في قوله: ~~نعدهم. # وقوله: نأتي معناه بالقدرة والأمر، ms1974 كما قال الله تعالى: فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد [النحل: 26] والأرض يريد به اسم الجنس، وقيل: يريد أرض ~~الكفار المذكورين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الاختلاف في قوله: ننقصها من أطرافها. # وقرأ الجمهور: «ننقصها» وقرأ الضحاك «ننقصها» . # وقوله: من أطرافها من قال: إنها أرض الكفار المذكورين- قال: معناه: ألم ~~يروا أنا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك من القبائل، ~~والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضا، كما فعلنا ~~بمجاوريهم- قاله ابن عباس والضحاك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الاختلاف في قوله: ننقصها من أطرافها ~~القول لا يتأتى إلا بأن نقدر نزول هذه الآية بالمدينة، ومن قال: إن الأرض ~~اسم جنس جعل الانتقاص من الأطراف بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفرة- ~~هذا قول ابن عباس أيضا ومجاهد. # وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت البشر وهلاك الثمرات ونقص البركة، قاله ابن ~~عباس أيضا والشعبي وعكرمة وقتادة. وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت العلماء ~~والأخيار- قال ذلك ابن عباس أيضا ومجاهد- وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية. # و «الطرف» من كل شيء خياره، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~العلوم أودية في أي واد أخذت منها حسرت فخذوا من كل شيء طرفا. يعني خيارا. # وجملة معنى هذه الآية: الموعظة وضرب المثل، أي ألم يروا فيقع منهم اتعاظ. ~~وأليق ما يقصد لفظ الآية هو تنقص الأرض بالفتوح على محمد. # وقوله: لا معقب أي لا راد ولا مناقض يتعقب أحكامه، أي ينظر في أعقابها ~~أمصيبة هي أم لا؟ # وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة ليست بعدد. # والمكر: ما يتمرس بالإنسان ويسعى عليه- علم بذلك أو لم يعلم- فوصف الله ~~تعالى الأمم التي سعت على أنبيائها- كما فعلت قريش بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم- ب المكر. # وقوله: فلله المكر جميعا أي العقوبات التي أحلها بهم. وسماها «مكرا» على ~~عرف تسمية المعاقبة باسم الذنب، كقوله تعالى: الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] ~~ونحو هذا. # وفي قوله تعالى: يعلم ما تكسب كل نفس تنبيه وتحذير في طي إخبار ثم ms1975 توعدهم ~~تعالى بقوله: # «وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار» . # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «الكافر» بالإفراد، وهو اسم الجنس، وقرأ ~~عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «الكفار» ، وقرأ عبد الله بن مسعود ~~«الكافرون» ، وقرأ أبي بن كعب: «الذين كفروا» . وتقدم القول في عقبى الدار ~~قبل هذا. PageV03P319 # وقوله تعالى: ويقول الذين كفروا الآية، المعنى: ويكذبك يا محمد هؤلاء ~~الكفرة ويقولون: # لست مرسلا من الله وإنما أنت مدع، قل لهم: كفى بالله شهيدا. # وبالله في موضع رفع، التقدير: كفى الله. و «شهيد» بمعنى: شاهد، وقوله: ~~ومن عنده علم الكتاب قيل: يريد اليهود والنصارى الذين عندهم الكتب الناطقة ~~برفض الأصنام وتوحيد الله تعالى، وقال قتادة: يريد من آمن منهم كعبد الله ~~بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي، الذين يشهدون بتصديق محمد، وقال ~~مجاهد: يريد عبد الله بن سلام خاصة، قال هو: في نزلت ومن عنده علم الكتاب. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان الأخيران لا يستقيمان إلا أن تكون ~~الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية- قاله سعيد بن جبير، وقال: لا يصح أن ~~تكون الآية في ابن سلام لكونها مكية وكان يقرأ: # «ومن عنده علم الكتاب» . # وقيل: يريد جنيا معروفا، حكاه النقاش، وهو قول شاذ ضعيف. وقيل: يريد الله ~~تعالى، كأنه استشهد بالله تعالى، ثم ذكره بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة ~~تعظيم. ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز ~~وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض. ويحتمل أن تكون في موضع رفع بالابتداء، ~~والخبر محذوف تقديره: أعدل وأمضى قولا، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ شهيدا ~~ويراد بذلك الله تعالى. # وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد ~~والضحاك والحكم وغيرهم «ومن عنده علم الكتاب» بكسر الميم من «من» وخفض ~~الدال، قال أبو الفتح: ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ علي بن أبي ~~طالب أيضا والحسن وابن السميفع «ومن عنده علم الكتاب» بكسر الميم من «من» ~~وضم العين من «علم» على أنه مفعول ms1976 لم يسم فاعله، ورفع الكتاب، وهذه ~~القراءات يراد فيها الله تعالى، لا يحتمل لفظها غير ذلك. والله المعين ~~برحمته. PageV03P320 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ابراهيم # هذه السورة مكية إلا آيتين وهي قوله عز وجل: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت ~~الله كفرا [إبراهيم: 28] إلى آخر الآيتين: ذكره مكي والنقاش. # بسم الله الرحمن الرحيم، قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل ~~للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون ~~عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) # تقدم القوم في الحروف المقطعة في أوائل السور والاختلاف في ذلك. # وكتاب رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذا كتاب، وهذا على أكثر الأقوال ~~في الحروف المقطعة، وأما من قال فيها، إنها كناية عن حروف المعجم، ف كتاب ~~مرتفع بقوله: الر أي هذه الحروف كتاب أنزلناه إليك، وقوله: أنزلناه في موضع ~~الصفة للكتاب. # قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما: إن الإنزال لم يتعلق بالكلام ~~القديم الذي هو صفة الذات، لكن بالمعاني التي أفهمها الله تعالى جبريل عليه ~~السلام من الكلام. # وقوله: لتخرج أسند الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث له فيه ~~المشاركة بالدعاء والإنذار، وحقيقته إنما هي لله تعالى بالاختراع والهداية. ~~وفي هذه اللفظة تشريف للنبي عليه السلام. # وعم الناس إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق، ثبت ذلك بآيات القرآن التي اقترن ~~بها ما نقل تواترا من دعوته العالم كله، ومن بعثته إلى الأحمر والأسود علم ~~الصحابة ذلك مشاهدة، ونقل عنهم تواترا، فعلم قطعا والحمد لله. # واستعير الظلمات للكفر، والنور للإيمان، تشبيها. # وقوله: بإذن ربهم، أي بعلمه وقضائه به وتمكينه لهم.. PageV03P321 # وإلى في قوله: إلى صراط بدل من الأولى في قوله: إلى النور أي إلى المحجة ~~المؤدية إلى طاعة الله وللإيمان به ورحمته، فأضافها ms1977 إلى الله بهذه ~~التعلقات. # والعزيز الحميد صفتان لائقتان بهذا الموضع، فالعزة من حيث الإنزال ~~للكتاب، وما في ضمن ذلك من القدرة، واستيجاب الحمد من جهة بث هذه النعم على ~~العالم في نصب هدايتهم. # وقرأ نافع وابن عامر «الله الذي» برفع اسم الله على القطع والابتداء ~~وخبره «الذي» ، ويصح رفعه على تقدير هو الله الذي. وقرأ الباقون بكسر الهاء ~~على البدل من قوله: العزيز الحميد، وروى الأصمعي وحده هذه القراءة عن نافع. ~~وعبر بعض الناس عن هذا بأن قال: التقدير: إلى صراط الله العزيز الحميد، ثم ~~قدم الصفات وأبدل منها الموصوف. # قال القاضي أبو محمد: وإذا كانت هكذا فليست بعد بصفات على طريقة صناعة ~~النحو، وإن كانت بالمعنى صفاته، ذكر معها أو لم يذكر. # وقوله: وويل معناه: وشدة وبلاء ونحوه. أي يلقونه من عذاب شديد ينالهم ~~الله به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد في الدنيا، هذا معنى قوله: وويل. وقال ~~بعض: «ويل» اسم واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار. # قال القاضي أبو محمد: وهذا خبر يحتاج إلى سند يقطع العذر، ثم لو كان هذا ~~لقلق تأويل هذه الآية لقوله: من عذاب وإنما يحسن تأوله في قوله: ويل ~~للمطففين [المطففين: 1] وما أشبهه، وأما هنا فإنما يحسن في «ويل» أن يكون ~~مصدرا، ورفعه على نحو رفعهم: سلام عليك وشبهه. # والذين بدل من الكافرين وقوله: يستحبون من صفة الكافرين الذين توعدهم ~~قبل، والمعنى: يؤثرون دنياهم وكفرهم وترك الإذعان للشرع على رحمة الله ~~وسكنى جنته، وقوله: يصدون يحتمل أن يتعدى وأن يقف، والمعنى على كلا الوجهين ~~مستقل، تقول: صد زيد وصد غيره، ومن تعديته قول الشاعر: [الوافر] # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا # وسبيل الله طريقة هداه وشرعه الذي جاء به رسوله. وقوله: ويبغونها عوجا ~~يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل: أظهرها أن يريد: ويطلبونها في حالة عوج منهم. ~~ولا يراعى إن كانوا بزعمهم على طريق نظر وبسبيل اجتهاد واتباع الأحسن، فقد ~~وصف الله تعالى حالهم تلك بالعوج، وكأنه قال: ويصدون ms1978 عن سبيل الله التي هي ~~بالحقيقة سبيله، ويطلبونها على عوج في النظر. # والتأويل الثاني أن يكون المعنى: ويطلبون لها عوجا يظهر فيها، أي يسعون ~~على الشريعة بأقوالهم وأفعالهم. ف عوجا مفعول. # والتأويل الثالث: أن تكون اللفظة من المعنى، على معنى: ويبغون عليها أو ~~فيها عوجا، ثم حذف الجار، وفي هذا بعض القلق. PageV03P322 # وقال كثير من أهل اللغة: العوج- بكسر العين- في الأمور وفي الدين، ~~وبالجملة في المعاني، والعوج- بفتح العين- في الأجرام. # قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا القانون بقوله تعالى: فيذرها قاعا صفصفا ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [طه: 107] وقد تتداخل اللفظة مع الأخرى، ووصف ~~«الضلال» بالبعد عبارة عن تعمقهم فيه. # وصعوبة خروجهم منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 4 الى 5] # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) # هذه الآية طعن ورد على المستغربين أمر محمد عليه السلام، أي لست يا محمد ~~ببدع من الرسل، وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على عادتنا ~~في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة أممهم ليقع البيان والعبارة المتمكنة، ثم ~~يكون سائر الناس من غير أهل اللسان عيالا في التبيين على أهل اللسان الذي ~~يكون للنبي، وجعل الله العلة في إرسال الرسل بألسنة قومهم طلب البيان ثم ~~قطع قوله: فيضل أي إن النبي إنما غايته أن يبلغ ويبين، وليس فيما كلف أن ~~يهدي ويضل، بل ذلك بيد الله ينفذ فيه سابق قضائه، وله في ذلك العزة التي لا ~~تعارض، والحكمة التي لا تعلل، لا رب غيره. # قال القاضي أبو محمد: فإن اعترض أعجمي بأن يقول: من أين يبين لي هذا ~~الرسول الشريعة وأنا لا أفهمه؟ قيل له: أهل المعرفة باللسان يعبرون ذلك، ~~وفي ذلك كفايتك. # فإن قال: ومن أين تتبين لي المعجزة وأفهم الإعجاز وأنا لا أفقه اللغة؟ ~~قيل له: ms1979 الحجة عليك إذعان أهل الفصاحة والذين كانوا يظن بهم أنهم قادرون ~~على المعارضة وبإذعانهم قامت الحجة على البشر، كما قامت الحجة في معجزة ~~موسى بإذعان السحرة، وفي معجزة عيسى بإذعان الأطباء. # و «اللسان» في هذه الآية يراد به اللغة. # وقرأ أبو السمال «بلسن» بسكون السين دون ألف- كريش ورياش- ويقال: لسن ~~ولسان في اللغة، فأما العضو فلا يقال فيه لسن- بسكون السين. # وقوله: ولقد أرسلنا موسى الآية، آيات الله هي العصا واليد وسائر التسع. ~~وقوله: أن أخرج تقديره: بأن أخرج، ويجوز أن تكون أن مفسرة لا موضع لها من ~~الإعراب، وأما الظلمات والنور فيحتمل أن يراد بها من الكفر إلى الإيمان. ~~وهذا على ظاهر أمر بني إسرائيل في أنهم كانوا قبل PageV03P323 # بعث موسى أشياعا متفرقين في الدين: قوم مع القبط في عبادة فرعون، وكلهم ~~على غير شيء، وهذا مذهب الطبري- وحكاه عن ابن عباس- وإن صح أنهم كانوا على ~~دين إبراهيم وإسرائيل ونحو هذا ف الظلمات الذل والعبودية، والنور العزة ~~والدين والظهور بأمر الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الآية وأكثر الآيات في رسالة موسى عليه ~~السلام أنها إنما كانت إلى بني إسرائيل خاصة، في معنى الشرع لهم وأمرهم ~~ونهيهم بفروع الديانة، وإلى فرعون وأشراف قومه في أن ينظروا ويعتبروا في ~~آيات موسى فيقروا بالله ويؤمنوا به تعالى وبموسى ومعجزته ويتحققوا نبوته ~~ويرسلوا معه بني إسرائيل. # قال القاضي أبو محمد: ولا يترتب هذا إلا بإيمان به. وأما أن تكون رسالته ~~إليهم لمعنى اتباعه والدخول في شرعه فليس هذا بظاهر القصة ولا كشف الغيب ~~ذلك، ألا ترى أن موسى خرج عنهم ببني إسرائيل؟ فلو لم يتبع لمضى بأمته، وألا ~~ترى أنه لم يدع القبط بجملتهم وإنما كان يحاور أولي الأمر؟ وأيضا فليس ~~دعاؤه لهم على حد دعاء نوح وهود وصالح أممهم في معنى كفرهم ومعاصيهم، بل في ~~الاهتداء والتزكي وإرسال بني إسرائيل. ومما يؤيد هذا أنه لو كانت دعوته ~~لفرعون والقبط على حدود دعوته لبني إسرائيل فلم كان يطلب بأمر الله أن يرسل ~~معه ms1980 بني إسرائيل؟ بل كان يطلب أن يؤمن الجميع ويتشرعوا بشرعه ويستقر الأمر. ~~وأيضا فلو كان مبعوثا إلى القبط لرده الله إليهم حين غرق فرعون وجنوده، ~~ولكن لم يكونوا أمة له فلم يرد إليهم. # قال القاضي أبو محمد: واحتج من ذهب إلى أن موسى بعث إلى جميعهم بقوله ~~تعالى في غير آية إلى فرعون وملائه [الأعراف: 103] ، وإلى فرعون وقومه ~~[النمل: 12] والله أعلم. # وقوله: وذكرهم الآية. أمر الله عز وجل موسى أن يعظ قومه بالتهديد بنقم ~~الله التي أحلها بالأمم الكافرة قبلهم وبالتعديد لنعمه عليهم في المواطن ~~المتقدمة، وعلى غيرهم من أهل طاعته ليكون جريهم على منهاج الذين أنعم عليهم ~~وهربهم من طريق الذين حلت بهم النقمات، وعبر عن النعم والنقم ب «الأيام» إذ ~~هي في أيام، وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن المذكر بها، ومن هذا المعنى ~~قولهم: يوم عصيب، ويوم عبوس، ويوم بسام، وإنما الحقيقة وصف ما وقع فيه من ~~شدة أو سرور. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: أيام الله: نعمه: وعن فرقة ~~أنها قالت: أيام الله: نقمه. # قال القاضي أبو محمد: ولفظة «الأيام» تعم المعنيين، لأن التذكير يقع ~~بالوجهين جميعا. # وقوله: لكل صبار شكور إنما أراد لكل مؤمن ناظر لنفسه، فأخذ من صفات ~~المؤمن صفتين تجمع أكثر الخصال وتعم أجمل الأفعال. # قوله عز وجل: PageV03P324 ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 6 الى 9] # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~(7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ~~ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) # هذا من التذكير بأيام الله في النعم، وكان يوم الإنجاء عظيما لعظم ms1981 الكائن ~~فيه، وقد تقدم تفسير هذه الآية وقصصها بما يغني عن إعادته، غير أن في هذه ~~الآية زيادة الواو في قوله: ويذبحون وفي البقرة: # يذبحون [البقرة: 49]- بغير واو عطف. فهناك فسر سوء العذاب بأنه التذبيح ~~والاستحياء، وهنا دل بسوء العذاب على أنواع غير التذبيح والاستحياء، وعطف ~~التذبيح والاستحياء عليها. # وقرأ ابن محيصن: «ويذبحون» بفتح الياء والباء مخففة. # وبلاء في هذه الآية يحتمل أن يريد به المحنة، ويحتمل أن يريد به ~~الاختبار، والمعنى متقارب. # وتأذن بمعنى آذن. أي أعلم، وهو مثل: أكرم وتكرم، وأوعد وتوعد، وهذا ~~الإعلام منه مقترن بإنفاذ وقضاء قد سبقه، وما في تفعل هذه من المحاولة ~~والشروع إذا أسندت إلى البشر منفي في جهة الله تعالى، وأما قول العرب: تعلم ~~بمعنى أعلم، فمرفوض. الماضي على ما ذكر يعقوب. كقول الشاعر: # تعلم أبيت اللعن ... ونحوه. # وقال بعض العلماء: الزيادة على الشكر ليست في الدنيا وإنما هي من نعم ~~الآخرة، والدنيا أهون من ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وصحيح جائز أن يكون ذلك، وأن يزيد الله أيضا المؤمن ~~على شكره من نعم الدنيا وأن يزيده أيضا منهما جميعا، وفي هذه الآية ترجية ~~وتخويف، ومما يقضي بأن الشكر متضمن الإيمان أنه عادله بالكفر، وقد يحتمل أن ~~يكون الكفر كفر النعم لا كفر الجحد، وحكى الطبري عن سفيان وعن الحسن أنهما ~~قالا: معنى الآية: لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي وضعفه الطبري، وليس كما ~~قال: بل هو قوي حسن، فتأمله. # قال القاضي أبو محمد: وقوله: لئن شكرتم هو جواب قسم يتضمنه الكلام. # وقوله: وقال موسى الآية، في هذه الآية تحقير للمخاطبين- بشرط كفرهم- ~~وتوبيخ، وذلك بين من الصفتين اللتين وصف بهما نفسه تعالى في آخر الآية، ~~وقوله: لغني يتضمن تحقيرهم وعظمته، إذ له الكمال التام على الإطلاق، وقوله: ~~حميد يتضمن توبيخهم، وذلك أنه صفة يستوجب المحامد PageV03P325 # كلها، دائم كذلك في ذاته لم يزل ولا يزال، فكفركم أنتم بإله هذه حاله ~~غاية التخلف والخذلان، وفي قوله أيضا: حميد ما يتضمن أنه ذو آلاء عليكم ~~أيها الكافرون ms1982 به كان يستوجب بها حمدكم، فكفركم به مع ذلك أذهب في الضلال، ~~وهذا توبيخ بين. # وقوله: ألم يأتكم الآية، هذا من التذكير بأيام الله في النقم من الأمم ~~الكافرة. وقوله: لا يعلمهم إلا الله من نحو قوله: وقرونا بين ذلك كثيرا ~~[الفرقان: 38] ، وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذب ~~النسابون من فوق عدنان» ، وروي عن ابن عباس أنه قال: «كان بين زمن موسى ~~وبين زمن نوح قرون ثلاثون لا يعلمهم إلا الله» . وحكى عنه المهدوي أنه قال: ~~«كان بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا الوقوف على عدتهم بعيد، ونفي العلم بها جملة ~~أصح، وهو ظاهر القرآن واختلف المفسرون في معنى قوله: فردوا أيديهم في ~~أفواههم بحسب احتمال اللفظ. # قال القاضي أبو محمد: و «الأيدي» في هذه الآية قد تتأول بمعنى الجوارح، ~~وقد تتأول بمعنى أيدي النعم، فمما ذكر على أن «الأيدي» الجوارح أن يكون ~~المعنى: ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم عضا عليها من الغيظ على الرسل، ~~ومبالغة في التكذيب- هذا قول ابن مسعود وابن زيد، وقال ابن عباس: # عجبوا وفعلوا ذلك، والعض من الغيظ مشهور من البشر، وفي كتاب الله تعالى: ~~عضوا عليكم الأنامل من الغيظ [آل عمران: 119] وقال الشاعر: # قد أفنى أنامله أزمه ... فأضحى يعض علي الوظيفا # وقال الآخر: [الرجز] # لو أن سلمى أبصرت تخددي ... ودقة في عظم ساقي ويدي # وبعد أهلي وجفاء عودي ... عضت من الوجد بأطراف اليد # ومما ذكر أن يكون المعنى أنهم ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إشارة ~~على الأنبياء بالسكوت، واستبشاعا لما قالوا من دعوى النبوءة ومما ذكر أن ~~يكون المعنى ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل تسكيتا لهم ودفعا في صدر ~~قولهم- قاله الحسن- وهذا أشنع في الرد وأذهب في الاستطالة على الرسل والنيل ~~منهم. # قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الألفاظ معنى رابعا وهو أن يتجوز في لفظ ~~«الأيدي» ، أي إنهم ردوا قوتهم ومدافعتهم ومكافحتهم فيما قالوه بأفواههم من ~~التكذيب، فكأن المعنى: ردوا جميع مدافعتهم ms1983 في أفواههم أي في أقوالهم، وعبر ~~عن جميع المدافعة ب «الأيدي» ، إذ الأيدي موضع لشد المدافعة والمرادة. # وحكى المهدوي قولا ضعيفا وهو أن المعنى: أخذوا أيدي الرسل فجعلوها في ~~أفواه الرسل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي لا وجه له. PageV03P326 # ومما ذكر على أن «الأيدي» أيدي النعم ما ذكره الزجاج وذلك أنهم ردوا آلاء ~~الرسل في الإنذار والتبليغ بأفواههم، أي بأقوالهم- فوصل الفعل ب في عوض ~~وصوله بالباء- وروي نحوه عن مجاهد وقتادة. # قال القاضي أبو محمد: والمشهور: جمع يد النعمة: أياد، ولا يجمع على أيد، ~~إلا أن جمعه على أبد، لا يكسر بابا ولا ينقض أصلا، وبحسبنا أن الزجاج قدره ~~وتأول عليه. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ- على هذا- معنى ثانيا، أن يكون ~~المقصد: ردوا أنعام الرسل في أفواه الرسل، أي لم يقبلوه، كما تقول لمن لا ~~يعجبك قوله: أمسك يا فلان كلامك في فمك. # ومن حيث كانت أيدي الرسل أقوالا ساغ هذا فيها، كما تقول: كسرت كلام فلان ~~في فمه، أي رددته عليه وقطعته بقلة القبول والرد، وحكى المهدوي عن مجاهد ~~أنه قال: معناه: ردوا نعم الرسل في أفواه أنفسهم بالتكذيب والنجه. # وقوله: لفي شك مما تدعوننا إليه مريب يقتضي أنهم شكوا في صدق نبوتهم ~~وأقوالهم أو كذبها، وتوقفوا في إمضاء أحد المعتقدين، ثم ارتابوا بالمعتقد ~~الواحد في صدق نبوتهم فجاءهم شك مؤكد بارتياب. # وقرأ طلحة بن مصرف: «مما تدعونا» بنون واحدة مشددة. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : آية 10] # قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) # قوله: أفي الله مقدر فيه ضمير تقديره عند كثير من النحويين أفي ألوهية ~~الله شك؟ وقال أبو علي الفارسي: تقديره: أفي وحدانية الله شك؟. # قال القاضي أبو محمد: وزعم بعض الناس: أن أبا علي إنما فزع إلى هذه ~~العبارة حفظا للاعتزال وزوالا عما تحتمله لفظة الألوهية من الصفات بحسب ms1984 ~~عمومها، ولفظة الوحدانية مخلصة من هذا الاحتمال. # و «الفاطر» المخترع المبتدي، وسوق هذه الصفة احتجاج على الشاكين يبين ~~التوبيخ، أي أيشك فيمن هذه صفته؟ فساق الصفة التي هي منصوبة لرفع الشك. # وقوله: من ذنوبكم ذهب بعض النحاة إلى أنها زائدة، وسيبويه يأبى أن تكون ~~زائدة ويراها للتبعيض. PageV03P327 # قال القاضي أبو محمد: وهو معنى صحيح، وذلك أن الوعد وقع بغفران الشرك وما ~~معه من المعاصي، وبقي ما يستأنفه أحدهم بعد إيمانه من المعاصي مسكوتا عنه ~~ليبقى معه في مشيئة الله تعالى، فالغفران إنما نفذ به الوعد في البعض، فصح ~~معنى من. # وقوله: ويؤخركم إلى أجل مسمى قد تقدم القول فيه في سورة الأعراف، في ~~قوله: ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~[الأعراف: 34] وجلبت هذه هناك بسبب ما يظهر بين الآيتين من التعارض. ويليق ~~هنا أن نذكر مسألة المقتول: هل قطع أجله أم ذلك هو أجله المحتوم عليه؟. # فالأول هو قول المعتزلة، والثاني قول أهل السنة: # فتقول المعتزلة: لو لم يقتله لعاش، وهذا سبب القود. # وقالت فرقة من أهل السنة: لو لم يقتله لمات حتف أنفه. # قال أبو المعالي: وهذا كله تخبط، وإنما هو أجله الذي سبق في القضاء أنه ~~يموت فيه على تلك الصفة، فمحال أن يقع غير ذلك، فإن فرضنا أنه لو لم يقتله ~~وفرضنا مع ذلك أن علم الله سبق بأنه لا يقتله، بقي أمره في حيز الجواز في ~~أن يعيش أو يقتل، وكيفما كان علم الله تعالى يسبق فيه. # وقول الكفرة إن أنتم إلا بشر مثلنا فيه استبعاد بعثة البشر، وقال بعض ~~الناس: بل أرادوا إحالته، وذهبوا مذهب البراهمة أو من يقول من الفلاسفة: إن ~~الأجناس لا يقع فيها هذا التباين. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر كلامهم لا يقتضي أنهم أغمضوا هذا الإغماض، ~~ويدل على ما ذكرت أنهم طلبوا منهم الإتيان بآية وسلطان مبين، ولو كانت ~~بعثتهم عندهم محالا لما طلبوا منهم حجة، ويحتمل أن طلبهم منهم السلطان إنما ~~هو على جهة التعجيز، ms1985 أي بعثتكم محال وإلا فأتونا بسلطان مبين، أي إنكم لا ~~تفعلون ذلك أبدا، فيتقوى بهذا الاحتمال منحاهم إلى مذهب الفلاسفة. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 11 الى 12] # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ~~وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا ~~وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) # المعنى: صدقتم في قولكم، أي بشر مثلكم في الأشخاص والخلقة لكن تبايننا ~~بفضل الله ومنه الذي يختص به من يشاء. # قال القاضي أبو محمد: ففارقوهم في المعنى بخلاف قوله تعالى: كأنهم حمر ~~[المدثر: 50] فإن ذلك في المعنى لا في الهيئة. PageV03P328 # وقوله: وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان هذه العبارة إذا قالها الإنسان عن ~~نفسه أو قيلت له فيما يقع تحت مقدوره- فمعناها النهي والحظر، وإن كان ذلك ~~فيما لا قدرة له عليه- فمعناها نفي ذلك الأمر جملة، وكذا هي آيتنا، وقال ~~المهدوي لفظها لفظ الحظر ومعناها النفي. # واللام في قوله: «ليتوكل» لام الأمر. وقرأها الجمهور ساكنة وقرأها الحسن ~~مكسورة، وتحريكها بالكسر هو أصلها. وتسكينها طلب التخفيف، ولكثرة استعمالها ~~وللفرق بينها وبين لام كي التي ألزمت الحركة إجماعا. # وقوله: ما لنا ألا نتوكل الآية، وقفتهم الرسل على جهة التوبيخ على تعليل ~~في أن لا يتوكلوا على الله، وهو قد أنعم عليهم وهداهم طريق النجاة وفضلهم ~~على خلقه، ثم أقسموا أن يقع منهم الصبر على الإذاية في ذات الله تعالى. وما ~~في قوله: ما آذيتمونا مصدرية، وهي حرف عند سيبويه بانفرادها، إلا أنها اسم ~~مع ما اتصل بها من المصدر، وقال بعض النحويين: «ما» المصدرية بانفرادها ~~اسم. ويحتمل أن تكون ما- في هذا الموضع- بمعنى الذي، فيكون في آذيتمونا ~~ضمير عائد، تقديره آذيتموناه، ولا يجوز أن تضمر به سبب إضمار حرف الجر، هذا ~~مذهب سيبويه، والأخفش يجوز ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 17] # وقال الذين كفروا لرسلهم ms1986 لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد (14) واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ~~ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما ~~هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) # قوله: أو لتعودن في ملتنا قالت فرقة: أو هنا بمعنى: «إلا أن» كما هي في ~~قول امرئ القيس: [الطويل] # فقلت له لا تبك عيناك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # قال القاضي أبو محمد: وتحمل أو في هذه الآية أن تكون على بابها لوقوع أحد ~~الأمرين، لأنهم حملوا رسلهم على أحد الوجهين، ولا يحتمل بيت امرئ القيس ~~ذلك، لأنه لم يحاول أن يموت فيعذر، فتخلصت بمعنى إلا أن، ولذلك نصب الفعل ~~بعدها. وقالت فرقة هي بمعنى «حتى» في الآية، وهذا ضعيف، وإنما تترتب كذلك ~~في قوله: لألزمنك أو تقضيني حقي، وفي قوله: لا يقوم زيد أو يقوم عمرو، وفي ~~هذه المثل كلها يحسن تقدير إلا أن. # و «العودة» أبدا إنما هي إلى حالة قد كانت، والرسل ما كانوا قط في ملة ~~الكفر، فإنما المعنى. PageV03P329 # لتعودن في سكوتكم عنا وكونكم أغفالا، وذلك عند الكفار كون في ملتهم. # وخصص تعالى الظالمين من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذين ~~قالوا المقالة ناس، فإنما توعد بالإهلاك من خلص للظلم. # وقوله: لنسكننكم الخطاب للحاضرين، والمراد هم وذريتهم، ويترتب هذا المعنى ~~في قوله: # ويؤخركم إلى أجل مسمى [إبراهيم: 10] أي يؤخركم وأعقابكم. # وقرأ أبو حيوة: «ليهلكن» و «ليسكننكم» بالياء فيهما. # وقوله: مقامي يحتمل أن يريد به المصدر من القيام على الشيء بالقدرة، ~~ويحتمل أن يريد به الظرف لقيام العبد بين يديه في الآخرة، فإضافته- إذا كان ~~مصدرا- إضافة المصدر إلى الفاعل، وإضافته- إذا كان ظرفا- إضافة الظرف إلى ~~حاضره، أي مقام حسابي، فجائز قوله: مقامي وجائز لو قال: مقامه، وجائز لو ~~قال: مقام العرض والجزاء، وهذا كما تقول: دار الحاكم ودار الحكم ودار ~~المحكوم عليهم. # وقال أبو عبيدة: ms1987 مقامي مجازه، حيث أقيمه بين يدي للحساب، و «الاستفتاح» ~~طلب الحكم، والفتاح: الحاكم، والمعنى: أن الرسل استفتحوا، أي سألوا الله ~~تعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة، وقيل: بل استفتح الكفار، على نحو ~~قول قريش عجل لنا قطنا [ص: 16] وعلى نحو قول أبي جهل في بدر اللهم أقطعنا ~~للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة. هذا قول أبي زيد. # وقرأت فرقة «واستفتحوا» بكسر التاء، على معنى الأمر للرسل، قرأها ابن ~~عباس ومجاهد وابن محيصن. # وخاب معناه: خسر ولم ينجح، و «الجبار» : المتعظم في نفسه، الذي لا يرى ~~لأحد عليه حقا، وقيل: معناه يجبر الناس على ما يكرهون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المفهوم من اللفظ، وعبر قتادة وغيره عن ~~«الجبار» بأنه الذي يأبى أن يقول: لا إله إلا الله. # و «العنيد» الذي يعاند ولا ينقاد، وقوله: من ورائه ذكر الطبري وغيره من ~~المفسرين: أن معناه: # من أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى وكان وراءهم ملك [الكهف: 79] وأنشد ~~الطبري: # أتوعدني وراء بني رياح ... كذبت لتقصرن يداك دوني # قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر كما ذكر، و «الوراء» هنا على بابه، أي ~~هو ما يأتي بعد في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام والوراء ~~إنما هو بالزمان، وما تقدم فهو أمام وهو بين اليد، كما تقول في التوراة ~~والإنجيل إنها بين يدي القرآن، والقرآن وراءهما على هذا، وما تأخر في ~~الزمان فهو وراء المتقدم، ومنه قولهم لولد الولد، الوراء، وهذا الجبار ~~العنيد وجوده وكفره وأعماله في وقت ما، ثم بعد ذلك في الزمان يأتيه أمر ~~جهنم. PageV03P330 # قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا أن يشبه الزمان بطريق تأتي الحوادث من ~~جهته الواحدة متتابعة، فما تقدم فهو أمام، وما تأخر فهو وراء المتقدم، ~~وكذلك قوله: وكان وراءهم [الكهف: 79] أي غصبه وتغلبه يأتي بعد حذرهم ~~وتحفظهم. # وقوله: ويسقى من ماء وليس بماء لكن لما كان بدل الماء في العرف عندنا عد ~~ماء، ثم نعته ب صديد كما تقول: هذا خاتم حديد، و «الصديد» ms1988 القيح والدم، وهو ~~ما يسيل من أجساد أهل النار، قاله مجاهد والضحاك. # وقوله: يتجرعه ولا يكاد يسيغه عبارة عن صعوبة أمره عليهم، وروي أن الكافر ~~يؤتى بالشربة من شراب أهل النار فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه وسقطت ~~فيها فروة رأسه فإذا شربها قطعت أمعاءه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الخبر مفرق في آيات من كتاب الله. # وقوله: ويأتيه الموت من كل مكان، أي من كل شعرة في بدنه، قاله إبراهيم ~~التيمي، وقيل من جميع جهاته الست، وقوله: وما هو بميت أي لا يراح بالموت، ~~وباقي الآية كأولها، ووصف «العذاب بالغليظ» ، مبالغة فيه، وقال الفضيل بن ~~عياض: العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وقيل: إن الضمير في ورائه هنا ~~هو للعذاب المتقدم. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 18 الى 20] # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) ألم تر أن الله خلق ~~السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله ~~بعزيز (20) # اختلف في الشيء الذي ارتفع به قوله: مثل، فمذهب سيبويه رحمه الله أن ~~التقدير: فيما يتلى عليكم أو يقص: مثل الذين كفروا. ومذهب الكسائي والفراء: ~~أنه ابتداء خبره كرماد والتقدير عندهم: مثل أعمال الذين كفروا كرماد، وقد ~~حكي عن الفراء: أنه يرى إلغاء مثل وأن المعنى: الذين كفروا أعمالهم كرماد، ~~وقيل: هو ابتداء وأعمالهم ابتداء ثان، وكرماد خبر الثاني، والجملة خبر ~~الأول، وهذا عندي أرجح الأقوال وكأنك قلت: المتحصل مثالا في النفس للذين ~~كفروا هذه الجملة المذكورة، وهي: أعمالهم كرماد. وهذا يطرد عندي في قوله ~~تعالى: مثل الجنة [الرعد: 35، محمد: 15] . وشبهت أعمال الكفرة ومساعيهم في ~~فسادها وقت الحاجة وتلاشيها بالرماد الذي تذروه الريح، وتفرقه بشدتها حتى ~~لا يبقى أثر، ولا يجتمع منه شيء، ووصف «اليوم» ب «العصوف» - وهي من صفة ~~الريح بالحقيقة- لما كانت في اليوم، ومن هذا المعنى قول الشاعر [جرير] : # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت ms1989 وما ليل المطي بنائم # ومنه قول الآخر: يومين غيمين ويوما شمسا PageV03P331 # فأعمال الكفرة لتلاشيها لا يقدرون منها على شيء. # وقرأ نافع وحده وأبو جعفر «الرياح» والباقون «الريح» بالإفراد وقد تقدم ~~هذا ومعناه مستوفى بحمد الله. # وقوله: ذلك إشارة إلى كونهم بهذه الحال، وعلى مثل هذا الغرور، والضلال ~~البعيد الذي قد تعمق فيه صاحبه وأبعد عن لاحب النجاة. # وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر «في يوم عاصف» بإضافة يوم إلى ~~عاصف، وهذا بين، وقرأ السلمي: «ألم تر» بسكون الراء، بمعنى ألم تعلم من ~~رؤية القلب. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: «خلق ~~السماوات» وقرأ حمزة والكسائي «خالق السماوات» فوجه الأولى: أنه فعل قد ~~مضى، فذكر كذلك، ووجه الثانية: أنه ك فاطر السماوات والأرض [الأنعام: 14 ~~يوسف: 101 إبراهيم: 10 الزمر: 46 الشورى: 11] وفالق الإصباح [الأنعام: 96] ~~. # وقوله: بالحق أي بما يحق في جوده، ومن جهة مصالح عباده، وإنفاذ سابق ~~قضائه، ولتدل عليه وعلى قدرته. ثم توعد تبارك وتعالى بقوله: إن يشأ يذهبكم ~~أي يعدمكم ويطمس آثاركم. وقوله: # بخلق جديد يصح أن يريد: من فرق بني آدم، ويصح غير ذلك، وقوله: وما ذلك ~~على الله بعزيز أي بممتنع. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : آية 21] # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) # برزوا معناه، صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة كالبراح والقواء والخبار ~~فاستعير ذلك لجمع يوم القيامة. # وقولهم تبعا يحتمل أن يكون مصدرا، فيكون على نحو قولهم: قول عدل، وقوم ~~حرب، ويحتمل أن يكون جمع تابع، على نحو غائب وغيب، وهو تأويل الطبري. # وفسر الناس الضعفاء بالأتباع، و «المستكبرين» بالقادة وأهل الرأي، وقولهم ~~مغنون من الغناء، وهي المنفعة التي تكون من الإنسان للآخر في الدفاع وغيره، ~~وقوله: أجزعنا ألف التسوية، وليست بألف استفهام، بل هي كقوله: أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم [البقرة: 6] و ms1990 «المحيص» المفر والملجأ، مأخوذ من حاص يحيص إذا ~~نفر وفر ومنه في حديث هرقل: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، وروي عن ~~ابن زيد وعن محمد بن كعب: أن أهل النار يقولون: إنما نال أهل الجنة الرحمة ~~بالصبر على طاعة الله، فتعال فلنصبر، فيصبرون خمسمائة سنة، فلا ينتفعون، ~~فيقولون هلم فلنجزع، PageV03P332 # فيضجون ويصيحون ويبكون خمسمائة سنة أخرى، فلا ينتفعون، فحينئذ يقولون هذا ~~القول الذي في الآية، وظاهر الآية أنهم إنما يقولونها في موقف العرض وقت ~~البروز بين يدي الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 22 الى 23] # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) # المراد هنا ب الشيطان إبليس الأفذم نفسه، وروي في حديث عن النبي عليه ~~السلام- من طريق عقبة بن عامر- أنه قال: «يقوم يوم القيامة خطيبان: أحدهما ~~إبليس يقوم في الكفرة بهذه الألفاظ، والآخر عيسى ابن مريم يقوم بقوله: ما ~~قلت لهم إلا ما أمرتني به [المائدة: 117] ، وقال بعض العلماء: يقوم إبليس ~~خطيب السوء، الصادق بهذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذه الرواية يكون معنى قوله: قضي الأمر أي حصل ~~أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة، وهو تأويل الطبري. # قال القاضي أبو محمد: وقضي قد يعبر عنها في الأمور عن فعل كقوله تعالى: ~~وقضي الأمر واستوت على الجودي [هود: 44] وقد يعبر بها عن عزم على أن يفعل، ~~كقوله: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان [يوسف: 41] . # و «الوعد» في هذه الآية على بابه في الخير، أي إن الله وعدهم النعيم إن ~~آمنوا، ووعدهم إبليس الظفر والأمل إن كذبوا، ومعلوم اقتران وعد الله ~~بوعيده، واتفق أن لم يتبعوا طلب وعد الله فوقعوا في ms1991 وعيده، وجاء من ذلك كأن ~~إبليس أخلفهم. وال سلطان الحجة البينة، وقوله: إلا أن دعوتكم استثناء ~~منقطع، وإن في موضع نصب، ويصح أن تكون في موضع رفع على معنى: إلا أن النائب ~~عن السلطان، إن دعوتكم فيكون هذا في المعنى كقول الشاعر: [الوافر] تحية ~~بينهم ضرب وجيع ومعنى قوله: فاستجبتم لي أي رأيتم ما دعوتكم إليه ببصيرتكم ~~واعتقدتموه الرأي وأتى نظركم عليه. # قال القاضي أبو محمد: وذكر بعض الناس أن هذا المكان يبطل منه التقليد، ~~وفي هذه المقالة ضعف على احتمالها، والتقليد وإن كان باطلا ففساده من غير ~~هذا الموضع. PageV03P333 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد ب «السلطان» في هذه الآية الغلبة ~~والقدرة والملك، أي ما اضطررتكم ولا خوفتكم بقوة مني، بل عرضت عليكم شيئا، ~~فأتى رأيكم عليه. # وقوله: فلا تلوموني يريد بزعمه إذ لا ذنب لي ولوموا أنفسكم في سوء نظركم ~~وقلة تثبتكم فإنكم إنما أتيتم اتباعي عن بصيرة منكم وتكسب. و «المصرخ» ~~المغيث، والصارخ: المستغيث. ومنه قول الشاعر: [البسيط] # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قطع الظنابيب # فيقال: صرخ الرجل، وأصرخ غيره، وأما الصريخ فهو مصدر بمنزلة البريح، ~~ويوصف به، كما يقال: رجل عدل ونحوه. # وقرأ حمزة والأعمش وابن وثاب «بمصرخي» بكسر الياء تشبيها لياء الإضمار ~~بهاء الإضمار في قوله: # مصرخيه، ورد الزجاج هذه القراءة، وقال: هي ردية مرذولة، وقال فيها القاسم ~~بن معن: إنها صواب، ووجهها أبو علي وحكى أبو حاتم: أن أبا عمرو حسنها، ~~وأنكر أبو حاتم على أبي عمرو. # وقوله: بما أشركتمون أي مع الله تعالى في الطاعة لي التي ينبغي أن يفرد ~~الله بها، ف «ما» مصدرية، وكأنه يقول: إني الآن كافر بإشراككم إياي مع الله ~~قبل هذا الوقت. # قال القاضي أبو محمد: فهذا تبر منه، وقد قال الله تعالى: ويوم القيامة ~~يكفرون بشرككم [فاطر: 14] ويحتمل أن يكون اللفظ إقرارا على نفسه بكفره ~~الأقدم، فتكون «ما» بمعنى الذي، يريد الله تعالى، أي خطيئتي قبل خطيئتكم، ~~فلا إصراخ عندي، وباقي الآية ms1992 بين. # وقرأ الجمهور «وأدخل» على بناء الفعل للمفعول، وقرأ الحسن: «وأدخل» على ~~فعل المتكلم، أي يقولها الله عز وجل، وقوله: من تحتها أي من تحت ما علا ~~منها، كالغرف والمباني والأشجار وغيره. # و «الخلود» في هذه الآية على بابه في الدوام، و «الإذن» هنا عبارة عن ~~القضاء والإمضاء، وقوله: # تحيتهم مصدر مضاف إلى الضمير، فجائز أن يكون الضمير للمفعول أي تحييهم ~~الملائكة، وجائز أن يكون الضمير للفاعل، أي يحيي بعضهم بعضا. # وتحيتهم رفع بالابتداء، وسلام ابتداء ثان، وخبره محذوف تقديره عليكم، ~~والجملة خبر الأول، والجميع في موضع الحال من المضمرين في خالدين أو يكون ~~صفة ل جنات. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 26] # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار (26) # قوله: ألم تر بمعنى ألم تعلم، ومثلا مفعول بضرب، وكلمة مفعول أول بها، PageV03P334 # وضرب هذه تتعدى إلى مفعولين، لأنها بمنزلة جعل ونحوه إذ معناها: جعل ~~ضربها. وقال المهدوي: # مثلا مفعول، وكلمة بدل منه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا على أنها تتعدى إلى مفعول واحد، وإنما أوهم في ~~هذا قلة التحرير في ضرب هذه. # والكاف في قوله: كشجرة في موضع الحال، أي مشبهة شجرة. # قال القاضي أبو محمد: وقال ابن عباس وغيره: «الكلمة الطيبة» هي لا إله ~~إلا الله، مثلها الله ب «الشجرة الطيبة» ، وهي النخلة في قول أكثر ~~المتأولين، فكأن هذه الكلمة أصلها ثابت في قلوب المؤمنين، وفضلها وما يصدر ~~عنها من الأفعال الزكية والحسنة وما يتحصل من عفو الله ورحمته- هو فرعها ~~يصعد إلى السماء من قبل العبد، ويتنزل بها من قبل الله تعالى. # وقرأ أنس بن مالك «ثابت أصلها» وقالت فرقة: إنما مثل الله ب «الشجرة ~~الطيبة» المؤمن نفسه، إذ «الكلمة الطيبة» لا تقع إلا منه، فكأن الكلام كلمة ~~طيبة وقائلها. وكأن المؤمن ms1993 ثابت في الأرض وأفعاله وأقواله صاعدة، فهو كشجرة ~~فرعها في السماء، وما يكون أبدا من المؤمن من الطاعة، أو عن الكلمة من ~~الفضل والأجر والغفران هو بمثابة الأكل الذي تأتي به كل حين. # وقوله عن الشجرة وفرعها في السماء أي في الهواء نحو السماء، والعرب تقول ~~عن المستطيل نحو الهواء، وفي الحديث: خلق الله آدم طوله في السماء ستون ~~ذراعا، وفي كتاب سيبويه: والقيدودة: # الطويل في غير سماء. # قال القاضي أبو محمد: كأنه انقاد وامتد. # وقال أنس بن مالك وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: ~~«الشجرة الطيبة» في هذه الآية هي النخلة، وروي ذلك في أحاديث وقال ابن عباس ~~أيضا: هي شجرة في الجنة. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون شجرة غير معينة إلا أنها كل ما اتصف ~~بهذه الصفات فيدخل في ذلك النخلة وغيرها. وقد شبه الرسول عليه السلام ~~المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، فلا يتعذر أيضا أن يشبه بشجرتها. و ~~«الأكل» الثمر وقرأ عاصم وحده «أكلها» بضم الكاف. # وقوله: كل حين: «الحين» في اللغة- القطيع من الزمن غير محدد كقوله تعالى: ~~هل أتى على الإنسان حين [الإنسان: 1] وكقوله: ولتعلمن نبأه بعد حين [ص: 88] ~~. وقد تقتضي لفظة الحين بقرينتها تحديدا، كهذه الآية، فإن ابن عباس وعكرمة ~~ومجاهدا والحكم وحمادا وجماعة من الفقهاء قالوا: # من حلف ألا يفعل شيئا حينا فإنه لا يفعله سنة، واستشهدوا بهذه الآية تؤتي ~~أكلها كل حين أي كل سنة، وقال ابن عباس وعكرمة والحسن: أي كل ستة أشهر، ~~وقال ابن المسيب: الحين شهران لأن النخلة تدوم مثمرة شهرين، وقال ابن عباس ~~أيضا والضحاك والربيع بن أنس: كل حين أي غدوة وعشية ومتى أريد جناها. PageV03P335 # قال القاضي أبو محمد: وهكذا يشبهها المؤمن الذي هو في جميع أيامه في عمل، ~~أو الكلمة التي أجرها والصادر عنها من الأعمال مستمر، فيشبه أن قول الله ~~تعالى إنما شبه المؤمن أو الكلمة بالشجرة في حال إثمارها إذ تلك أفضل ~~أحوالها. وتأول الطبري في ذلك أن أكل الطلح ms1994 في الشتاء، وإن أكل الثمر في كل ~~وقت من أوقات العام، وهو إتيان أكل، وإن فارق النخل، وإن فرضنا التشبيه بها ~~على الإطلاق. وهي إنما تؤتي في وقت دون وقت، فالمعنى كشجرة لا تخل بما جعلت ~~له من الإتيان بالأكل في الأوقات المعلومة، فكذلك هذا المؤمن لا يخل بما ~~يسر له من الأعمال الصالحة أو الكلمة التي لا تغب بركتها والأعمال الصادرة ~~عنها بل هي في حفظ النظام كالشجرة الطيبة في حفظ وقتها المعلوم. وباقي ~~الآية بين. # قال القاضي أبو محمد: ومن قال: «الحين» سنة- راعى أن ثمر النخلة وجناها ~~إنما يأتي كل سنة، ومن قال ستة أشهر- راعى من وقت جذاذ النخل إلى حملها من ~~الوقت المقبل. وقيل إن التشبيه وقع بالنخل الذي يثمر مرتين في العام، ومن ~~قال شهرين. قال: هي مدة الجني في النخل. وكلهم أفتى بقوله في الإيمان على ~~الحين. # وحكي الكسائي والفراء: أن في قراءة أبي بن كعب «وضرب الله مثلا كلمة ~~خبيثة» ، و «الكلمة الخبيثة» هي كلمة الكفر وما قاربها من كلام السوء في ~~الظلم ونحوه. و «الشجرة الخبيثة» قال أكثر المفسرين هي شجرة الحنظل- قاله ~~أنس بن مالك ورواه عن النبي عليه السلام، وهذا عندي على جهة المثال. وقالت ~~فرقة: هي الثوم، وقال الزجاج: قيل هي الكشوت. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذه الأقوال من الاعتراض: أن هذه كلها من ~~النجم وليست من الشجر، والله تعالى إنما مثل بالشجرة فلا تسمى هذه شجرة إلا ~~بتجوز، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثوم والبصل: من أكل من ~~هذه الشجرة، وأيضا فإن هذه كلها ضعيفة وإن لم تجتث، اللهم إلا أن نقول: ~~اجتثت بالخلقة. # وقال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله ولم يخلق هذه الشجرة على وجه الأرض. # والظاهر عندي أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة إذا وجدت فيها هذه الأوصاف. ~~فالخبث هو أن تكون كالعضاه، أو كشجر السموم أو نحوها. إذا اجتثت- أي ~~اقتلعت، حيث جثتها بنزع الأصول وبقيت في غاية الوهاء والضعف- لتقلبها أقل ~~ريح. ms1995 فالكافر يرى أن بيده شيئا وهو لا يستقر ولا يغني عنه، كهذه الشجرة ~~التي يظن بها على بعد أو للجهل بها أنها شيء نافع وهي خبيثة الجني غير ~~باقية. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 27 الى 30] # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله ~~كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا ~~لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) PageV03P336 # القول الثابت في الحياة الدنيا، كلمة الإخلاص والنجاة من النار: لا إله ~~إلا الله، والإقرار بالنبوة. # وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، وقال ~~طاوس وقتادة وجمهور العلماء: # الحياة الدنيا هي مدة حياة الإنسان. وفي الآخرة هي وقت سؤاله في قبره. ~~وقال البراء بن عازب وجماعة في الحياة الدنيا هي وقت سؤاله في قبره- ورواه ~~البراء عن النبي عليه السلام في لفظ متأول. # قال القاضي أبو محمد: ووجه القول لأن ذلك في مدة وجود الدنيا. # وقوله في الآخرة هو يوم القيامة عند العرض. # قال القاضي أبو محمد: والأول أحسن، ورجحه الطبري. # والظالمين في هذه الآية، الكافرين، بدليل أنه عادل بهم المؤمنين، وعادل ~~التثبيت بالإضلال، وقوله: ويفعل الله ما يشاء تقرير لهذا التقسيم المتقدم، ~~كأن امرأ رأى التقسيم فطلب في نفسه علته، فقيل له: ويفعل الله ما يشاء بحق ~~الملك. # وفي هذه الآية رد على القدرية. # وذكر الطبري في صفة مساءلة العبد في قبره أحاديث، منها ما وقع في الصحيح. ~~وهي من عقائد الدين، وأنكرت ذلك المعتزلة. ولم تقل بأن العبد يسأل في قبره، ~~وجماعة السنة تقول: إن الله يخلق له في قبره إدراكات وتحصيلا، إما بحياة ~~كالمتعارفة، وإما بحضور النفس وإن لم تتلبس بالجسد كالعرف، كل هذا جائز في ~~قدرة الله تعالى، غير أن في الأحاديث: «إنه يسمع خفق النعال» ، ومنها: «إنه ~~يرى الضوء كأن الشمس دنت للغروب» ، وفيها: «إنه ليراجع» ، وفيها: ms1996 «فيعاد ~~روحه إلى جسده» ، وهذا كله يتضمن الحياة- فسبحان رب هذه القدرة. # وقوله: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا الآية، هذا تنبيه على مثال ~~من ظالمين أضلوا، والتقدير: بدلوا شكر نعمة الله كفرا، وهذا كقوله: وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون [الواقعة: 82] . # ونعمت الله المشار إليها في هذه الآية هو محمد عليه السلام ودينه، أنعم ~~الله به على قريش، فكفروا النعمة ولم يقبلوها، وتبدلوا بها الكفر. # والمراد ب الذين كفرة قريش جملة- هذا بحسب ما اشتهر من حالهم- وهو قول ~~جماعة من الصحابة والتابعين. وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب: أنها ~~نزلت في الأفجرين من قريش: # بني مخزوم وبني أمية. قال عمر: فأما بنو المغيرة فكفوا يوم بدر. وأما بنو ~~أمية فمتعوا إلى حين، وقال ابن عباس: هذه الآية في جبلة بن الأيهم. # قال القاضي أبو محمد: ولم يرد ابن عباس أنها فيه نزلت لأن نزول الآية قبل ~~قصته، وإنما أراد أنها تحصر من فعل جبلة إلى يوم القيامة. PageV03P337 # وقوله: وأحلوا قومهم أي من أطاعهم، وكان معهم في التبديل، فكأن الإشارة ~~والتعنيف إنما هي للرؤوس والأعلام، والبوار الهلاك، ومنه قول أبي سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب. # يا رسول المليك إن لساني ... فاتق ما رتقت إذ أنا بور # قاله الطبري: وقال هو وغيره: إنه يروى لابن الزبعرى، ويحتمل أن يريد ب ~~البوار: الهلاك في الآخرة ففسره حينئذ بقوله: جهنم يصلونها، يحترقون في ~~حرها ويحتملونه، ويحتمل أن يريد ب البوار: الهلاك في الدنيا بالقتل والخزي ~~فتكون «الدار» قليب بدر ونحوه. وقال عطاء: نزلت هذه الآية في قتلى بدر. # قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله: جهنم نصبا، على حد قولك: زيدا ضربته، ~~بإضمار فعل يقتضيه الظاهر. # والقرار: موضع استقرار الإنسان، وأندادا جمع ند وهو المثيل والمشبه ~~المناوىء والمراد الأصنام. # واللام في قوله: ليضلوا- بضم الياء- لام كي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~«ليضلوا» بفتح الياء- أي هم أنفسهم- فاللام- على هذا- لام عاقبة وصيرورة ~~وقرأ الباقون «ليضلوا» - بضم الياء- أي غيرهم. # وأمرهم بالتمتع هو وعيد وتهديد على حد قوله: ms1997 اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] ~~وغيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 31 الى 34] # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق السماوات والأرض ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم ~~الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~إن الإنسان لظلوم كفار (34) # «العباد» جمع عبد، وعرفه في التكرمة بخلاف العبيد. وقوله: يقيموا قالت ~~فرقة من النحويين: # جزمه بإضمار لام الأمر على حد قول الشاعر: [الوافر] محمد تفد نفسك كل نفس ~~أنشده سيبويه- إلا أنه قال: إن هذا لا يجوز إلا في شعر. وقالت فرقة: أبو ~~علي وغيره- هو فعل مضارع بني لما كان في معنى فعل الأمر، لأن المراد: ~~أقيموا، وهذا كما بني الاسم المتمكن في النداء في قولك: يا زيد لما شبه ~~بقبل وبعد، وقال سيبويه: هو جواب شرط مقدر يتضمنه صدر الآية، تقديره: إن ~~تقل لهم أقيموا يقيموا. PageV03P338 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله: ~~قل، وذلك أن يجعل قل في هذه الآية بمعنى: بلغ وأد الشريعة يقيموا الصلاة، ~~وهذا كله على أن المقول هو: الأمر بالإقامة والإنفاق. وقيل إن المقول هو: ~~الآية التي بعد، أعني قوله: الله الذي خلق السماوات. # و «السر» : صدقة التنفل، و «العلانية» المفروضة- وهذا هو مقتضى الأحاديث- ~~وفسر ابن عباس هذه الآية بزكاة الأموال مجملا، وكذلك فسر الصلاة بأنها ~~الخمس- وهذا منه- عندي- تقريب للمخاطب. # وخلال مصدر من خالل: إذا واد وصافى، ومنه الخلة والخليل وقال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال # وقال الأخفش: «الخلال» جمع خلة. # وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: «لا بيع ولا خلال» بالرفع على ~~إلغاء «لا» وقرأ أبو عمرو والحسن وابن كثير: «لا بيع ولا خلال» بالنصب على ms1998 ~~التبرية، وقد تقدم هذا. والمراد بهذا اليوم يوم القيامة. # وقوله تعالى: الله الذي خلق السماوات الآية، تذكير بآلاء الله، وتنبيه ~~على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر لتقوم الحجة من جهتين. # والله مبتدأ، والذي خبره. ومن أخبر بهذه الجملة وتقررت في نفسه آمن وصلى ~~وأنفق. # والسماوات هي الأرقعة السبعة والسماء في قوله، وأنزل من السماء [البقرة: ~~22] السحاب. # وقوله: من الثمرات يجوز أن تكون من للتبعيض، فيكون المراد بعض جني ~~الأشجار، ويسقط ما كان منها سما أو مجردا للمضرات، ويجوز أن تكون من لبيان ~~الجنس، كأنه قال: فأخرج به رزقا لكم من الثمرات، وقال بعض الناس: من زائدة- ~~وهذا لا يجوز عند سيبويه لكونها في الواجب ويجوز عند الأخفش. # والفلك جمع فلك- وقد تقدم القول فيه مرارا- وقوله: بأمره مصدر من أمر ~~يأمر، وهذا راجع إلى الكلام القائم بالذات، كقول الله تعالى للبحار والأرض ~~وسائر الأشياء، كن- عند الإيجاد- إنما معناه: كن بحال كذا وعلى وتيرة كذا، ~~وفي هذا يندرج جريان الفلك وغيره. وفي «تسخير الفلك» ينطوي تسخير البحر ~~وتسخير الرياح، وأما «تسخير الأنهار» فتفجرها في كل بلد، وانقيادها للسقي ~~وسائر المنافع. # ودائبين معناه: متماديين ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل ~~الذي بكى وأجهش عليه: «إن هذا الجمل شكى إلي أنك تجيعه وتديبه» ، أي تديمه ~~في الخدمة والعمل- وظاهر الآية أن معناه: دائبين في الطلوع والغروب وما ~~بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة. وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان ~~يرفع إلى ابن عباس أنه قال: معناه: دائبين في طاعة الله- وهذا قول إن كان ~~يراد به- أن الطاعة انقياد منهما في التسخير، فذلك موجود في قوله: سخر وإن ~~كان يراد أنها طاعة مقصودة كطاعة العبادة من البشر، فهذا جيد، والله أعلم. PageV03P339 # وقوله: وآتاكم للجنس من البشر، أي إن الإنسان بجملته قد أوتي من كل ما ~~شأنه أن يسأل وينتفع به، ولا يطرد هذا في واحد من الناس وإنما تفرقت هذه ~~النعم في البشر، فيقال- بحسب هذا- للجميع أوتيتم كذا- على جهة التعديد ~~للنعمة- وقيل المعنى: وآتاكم من كل ms1999 ما سألتموه أن لو سألتموه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الأول. # وما في قوله: ما سألتموه يصح أن تكون مصدرية، ويكون الضمير في قوله: ~~سألتموه عائدا على الله تعالى: ويصح أن يكون ما بمعنى الذي، ويكون الضمير ~~عائدا على الذي. # وقرأ الضحاك بن مزاحم «من كل ما سألتموه» بتنوين «كل» وهي قراءة الحسن ~~وقتادة وسلام، ورويت عن نافع، المعنى: وآتاكم من كل هذه المخلوقات ~~المذكورات قبل. ما من شأنه أن يسأل لمعنى الانتفاع به. ف ما في قوله: ما ~~سألتموه مفعول ثان ب آتاكم وقال بعض الناس: ما نافية على هذه القراءة أي ~~أعطاكم من كل شيء لم يعرض له. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير الضحاك. وأما القراءة الأولى بإضافة كل ~~إلى ما- فلا بد من تقدير المفعول الثاني جزءا أو شيئا ونحو هذا. # وقوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي لكثرتها وعظمها في الحواس ~~والقوى والإيجاد بعد العدم والهداية للإيمان وغير ذلك. وقال طلق بن حبيب: ~~إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمه أكثر من أن يحصيها ~~العباد. ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين وقال أبو الدرداء: من لم ير نعمة ~~الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه. # وقوله: إن الإنسان يريد به النوع والجنس المعنى: توجد فيه هذه الخلال وهي ~~الظلم والكفر، فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة وإن كانت من عاص فهي ~~بصفة أخرى. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 37] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~(35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون (37) # المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم، والبلد: مكة، وآمنا معناه فيه أمن، فوصفه ~~بالأمن تجوزا- كما قال: في يوم عاصف ms2000 [إبراهيم: 18] ، وكما قال الشاعر: # وما ليل المطي بنائم PageV03P340 # واجنبني معناه: وامنعني، يقال: جنبه كذا وجنبه وأجنبه: إذا منعه من الأمر ~~وحماه منه. # وقرأ الجحدري والثقفي «وأجنبني» بقطع الألف وكسر النون. # وأراد إبراهيم بني صلبه، وكذلك أجيبت دعوته فيهم، وأما باقي نسله فعبدوا ~~الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن ~~حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنما؟! لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها ~~في الخوف وطلب الخاتمة. # والأصنام هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتا على غير خلقة البشر ~~فهي أوثان، قاله الطبري عن مجاهد. # ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيرا من الناس- تجوز- إذ كانت عرضة الإضلال، ~~والأسباب المنصوبة للغي، وعليها تنشأ الأغيار، وحقيقة الإضلال إنما هي ~~لمخترعه، وقيل: أراد بالأصنام هنا الدنانير والدراهم. # وقوله: ومن عصاني ظاهره بالكفر، بمعادلة قوله: فمن تبعني فإنه مني، وإذا ~~كان ذلك كذلك فقوله: فإنك غفور رحيم معناه: بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا، ~~لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ ~~نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب- صلى الله عليه وسلم- ~~قال قتادة: اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه وسلم، والله ما كانوا طعانين ~~ولا لعانين، وكذلك قال نبي الله عيسى وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~[المائدة: 118] وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر حديثا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم: تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته، فبشر فيهم وكان إبراهيم التيمي ~~يقول: من يأمن على نفسه بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام؟ # وقوله: من ذريتي يريد: إسماعيل عليه السلام، وذلك أن سارة لما غارت ~~بهاجر- بعد أن ولدت إسماعيل- تعذب إبراهيم عليه السلام، بهما، فروي أنه ركب ~~البراق- هو وهاجر والطفل- فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، فنزل ~~وترك ابنه وأمته هنالك، وركب منصرفا من يومه ذلك، وكان هذا كله بوحي من ~~الله تعالى فلما ولى دعا بمضمن هذه الآية، وأما كيفية بقاء هاجر ms2001 وما صنعت ~~وسائر خبر إسماعيل، ففي كتاب البخاري والسير وغيره. # ومن في قوله: من ذريتي للتبعيض، لأن إسحاق كان بالشام، و «الوادي» : ما ~~بين الجبلين، وليس من شروطه أن يكون فيه ماء. # وهذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه ~~لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر ~~البعيد للعاقبة فقال: غير ذي زرع، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال: غير ذي ~~ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك. # وقوله: عند بيتك المحرم إما أن يكون البيت قد كان قديما- على ما روي قبل ~~الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم- وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله ~~تعالى أنه سيبني هنالك بيتا لله تعالى، فيكون PageV03P341 # محرما. ومعنى المحرم على الجبابرة وأن تنتهك حرمته ويستخف بحقه- قاله ~~قتادة وغيره. # وجمعه الضمير في قوله: ليقيموا يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل ~~سيعقب هنالك ويكون له نسل. واللام في قوله: ليقيموا هي لام كي هذا هو ~~الظاهر فيها- على أنها متعلقة ب أسكنت، والنداء اعتراض، ويصح أن تكون لام ~~أمر، كأن رغب إلى الله أن يوفقهم بإقامة الصلاة، ثم ساق عبارة ملزمة لهم ~~إقامة الصلاة، وفي اللفظ على هذا التأويل بعض تجوز يربطه المعنى ويصلحه. # وأفئدة: القلوب، جمع فؤاد. سمي بذلك لإنفاده، مأخوذ من فأد ومنه المفتاد، ~~وهو مستوقد النار حيث يشوى اللحم. # وقرأ ابن عامر بخلاف: فاجعل أفئدة بياء بعد الهمزة. # وقوله: من الناس تبعيض، ومراده المؤمنون، قال مجاهد: لو قال إبراهيم: ~~أفئدة الناس- لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: لحجته ~~اليهود والنصارى. وتهوي معناه: # تسير بجد وقصد مستعجل، ومنه قول الشاعر [أبو كبير] : [الكامل] # وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوي مخارمها هوي الأجدل # ومنه البيت المروي: [السريع] # تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنو الجن كأنجاسها # وقرأ مسلمة بن عبد الله: «تهوي» بضم التاء، من أهوى، وهو الفعل المذكور ~~معدى بالهمزة، وقرأ علي بن أبي ms2002 طالب ومحمد بن علي ومجاهد «تهوي» بفتح التاء ~~والواو. وتعدي هذا الفعل- وهو من الهوى- ب «إلى» ، لما كان مقترنا بسير ~~وقصد. وروي عن مسلم بن محمد الطائفي: أنه لما دعا عليه السلام بأن يرزق ~~سكان مكة من الثمرات بعث الله جبريل فاقتلع بجناحه قطعة من أرض فلسطين- ~~وقيل من الأردن- فجاء بها وطاف حول البيت بها سبعا، ووضعها قريب مكة، فهي ~~الطائف، وبهذه القصة سميت، وهي موضع ثقيف، وبها أشجار وثمرات وثم هي ركبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 38 الى 41] # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي ~~لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ~~ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # مقصد إبراهيم عليه السلام بقوله: ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن التنبيه ~~على اختصاره في الدعاء، وتفويضه إلى ما علم الله من رغائبه وحرصه على هداية ~~بنيه والرفق بهم وغير ذلك، ثم انصرف إلى PageV03P342 # الثناء على الله تعالى بأنه علام الغيوب، وإلى حمده على هباته، وهذه من ~~الآيات المعلمة أن علم الله تعالى بالأشياء هو على التفصيل التام. # وروي في قوله: على الكبر أنه لما ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبعة عشر ~~عاما، وروي أقل من هذا، وإسماعيل أسن من إسحاق، فيما روي، وبحسب ترتيب هذه ~~الآية- وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: بشر إبراهيم وهو ابن مائة وسبعة عشر ~~عاما. # وقوله: رب اجعلني مقيم الصلاة، دعا إبراهيم عليه السلام في أمر كان ~~مثابرا عليه متمسكا به، ومتى دعا الإنسان في مثل هذا فإنما القصد إدامة ذلك ~~الأمر واستمراره. # وقرأ طلحة والأعمش «دعا ربنا» بغير ياء. وقرأ أبو عمرو وابن كثير «دعائي» ~~بياء ساكنة في الوصل، وأثبتها بعضهم دون الوقف في الوصل. وقرأ نافع وابن ~~عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا وقف. # وروى ورش عن نافع: إثبات الياء ms2003 في الوصل، وقرأت فرقة «ولوالدي» واختلف في ~~تأويل ذلك، وقالت فرقة: كان هذا من إبراهيم قبل يأسه من إيمان أبيه وتبينه ~~أنه عدو لله، فأراد أباه وأمه، لأنها كانت مؤمنة، وقيل: أراد آدم ونوحا ~~عليهما السلام. وقرأ سعيد بن جبير «ولولدي» بإفراد الأب وحده، وهذا يدخله ~~ما تقدم من التأويلات، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي «ولولدي» على أنه دعاء ~~لإسماعيل وإسحاق، وأنكرها عاصم الجحدري، وقال إن في مصحف أبي بن كعب ~~«ولأبوي» ، وقرأ يحيى بن يعمر «ولولدي» بضم الواو وسكون اللام، والولد لغة ~~في الولد، ومنه قول الشاعر- أنشده أبو علي وغيره: [الطويل] # فليت زيادا كان في بطن أمه ... وليت زيادا كان ولد حمار # ويحتمل أن يكون الولد جمع ولد كأسد في جمع أسد. # وقوله: يوم يقوم الحساب معناه يوم يقوم الناس للحساب، فأسند القيام ~~للحساب إيجازا، إذ المعنى مفهوم. # قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يريد قيام الحساب نفسه، ويكون القيام ~~بمعنى ظهوره وتلبس العباد بين يدي الله به، كما تقول: قامت السوق وقامت ~~الصلاة، وقامت الحرب على ساق. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 42 الى 44] # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) ~~وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب ~~نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) # هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين، وتسلية للمظلومين، والخطاب بقوله: ~~تحسبن لمحمد PageV03P343 # عليه السلام، والمراد بالنهي غيره ممن يليق به أن يحسب مثل هذا. # وقرأ طلحة بن مصرف «ولا تحسب الله غافلا» بإسقاط النون، وكذلك «ولا تحسب ~~الله مخلف وعده» [إبراهيم: 47] وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن والأعرج: ~~«نؤخرهم» بنون العظمة. وقرأ الجمهور: # «يؤخرهم» بالياء، أي الله تعالى. # وتشخص معناه: تحد النظر لفزع ولفرط ذلك بشخص المحتضر، و «المهطع» المسرع ~~في مشيه- قاله ابن جبير وقتادة. # قال القاضي أبو محمد: وذلك بذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه- ~~وهذا ms2004 هو أرجح الأقوال- وقد توصف الإبل بالإهطاع على معنى الإسراع وقلما ~~يكون إسراعها إلا مع خوف السوط ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر: [الكامل] # بمهطع سرج كأن عنانه ... في رأس جذع من أوال مشذب # ومن ذلك قول عمران بن حطان: [البسيط] # إذا دعانا فأهطعنا لدعوته ... داع سميع فلونا وساقونا # ومنه قول ابن مفرغ: [الوافر] # بدجلة دارهم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع # ومن ذلك قول الآخر: [الطويل] # بمستهطع رسل كأن جديله ... بقيدوم رعد من صوام ممنع # وقال ابن عباس وأبو الضحى: الإهطاع شدة النظر من غير أن يطرف وقال ابن ~~زيد «المهطع» : الذي لا يرفع رأسه. قال أبو عبيدة: وقد يكون الإهطاع ~~الوجهين جميعا الإسراع وإدامة النظر، و «المقنع» هو الذي يرفع رأسه قدما ~~بوجهه نحو الشيء، ومن ذلك قول الشاعر: [الشماخ] [الوافر] # يباكرن العضاه بمقنعات ... نواجذهن كالحدأ الوقيع # يصف الإبل بالإقناع عند رعيها أعالي الشجر. # وقال الحسن في تفسير هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ~~ينظر أحد إلى أحد. وذكر المبرد- فيما حكي عن مكي- أن الإقناع يوجد في كلام ~~العرب بمعنى خفض الرأس من الذلة. # قال القاضي أبو محمد: والأول أشهر. # وقوله: لا يرتد إليهم طرفهم أي لا يطرفون من الحذر والجزع وشدة الحال، ~~وقوله: وأفئدتهم هواء تشبيه محض، لأنها ليست بهواء حقيقة، وجهة التشبيه ~~يحتمل أن تكون في فرغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة، فهي ~~منخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء وانخراقه، ويحتمل أن يكون PageV03P344 # في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم وأنها تجيء وتذهب وتبلغ على ما ~~روي- حناجرهم- فهي في ذلك كالهواء الذي هو أبدا في اضطراب. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هاتين الجهتين يشبه قلب الجبان وقلب الرجل ~~المضطرب في أموره بالهواء، فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل] # ولا تكن من أخدان كل يراعة ... هواء كسقب الناب جوفا مكاسره # ومن ذلك قول حسان: [الوافر] # ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء # ومن ذلك قول زهير: [الوافر] # كأن الرحل منه فوق صعل ... من الظلمان جوجؤه ms2005 هواء # فالمعنى: أنه في غاية الخفة في إجفاله. # وقوله تعالى: وأنذر الناس الآية، المراد ب يوم يوم القيامة ونصبه على أنه ~~مفعول ب أنذر ولا يجوز أن يكون ظرفا، لأن القيامة ليست بموطن إنذار، وقوله: ~~فيقول رفع عطفا على قوله: # يأتيهم وقوله: ولم تكونوا إلى آخر الآية، معناه: يقال لهم، فحذف ذلك ~~إيجازا، إذ المعنى يدل عليه، وقوله: ما لكم من زوال هو المقسم عليه نقل ~~المعنى، ومن زوال معناه من الأرض بعد الموت. أي لا بعث من القبور، وهذه ~~الآية ناظرة إلى ما حكى عنهم في قوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث ~~الله من يموت [النحل: 38] . # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 45 الى 48] # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) # يقول عز وجل: وسكنتم أيها المعرضون عن آيات الله من جميع العالم في مساكن ~~الذين ظلموا أنفسهم بالكفر من الأمم السالفة، فنزلت بهم المثلات، فكان ~~نولكم الاعتبار والاتعاظ. # وقرأ الجمهور «وتبين» بتاء. وقرأ السلمي- فيما حكى المهدوي- «ونبين» بنون ~~عظمة مضمومة وجزم، على معنى: أو لم يبين، عطف على أولم تكونوا [إبراهيم: ~~44] قال أبو عمرو: وقرأ أبو عبد الرحمن: بضم النون ورفع النون الأخيرة. PageV03P345 # وقوله: وعند الله مكرهم هو على حذف مضاف تقديره: وعند الله عقاب مكرهم أو ~~جزاء مكرهم، ويحتمل قوله تعالى: وقد مكروا مكرهم أن يكون خطابا لمحمد عليه ~~السلام، والضمير لمعاصريه، ويحتمل أن يكون مما يقال للظلمة يوم القيامة ~~والضمير للذين سكن في منازلهم. # وقرأ السبعة سوى الكسائي: «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» بكسر اللام ~~من لتزول وفتح الأخيرة، وهي قراءة علي بن أبي طالب وجماعة سكنوا وهذا على ~~أن تكون «إن» نافية بمعنى ما، ومعنى الآية: تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول ~~منه ms2006 الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، ~~هذا تأويل الحسن وجماعة من المفسرين، وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون ~~بمعنى تعظيم مكرهم، أي وإن كان شديدا إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور. # وقرأ الكسائي: «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» بفتح اللام الأولى من ~~لتزول وضم الأخيرة، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن وثاب، وهذا على أن تكون ~~«إن» مخففة من الثقيلة، ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته، أي أنه مما يشقى به ~~ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته، ولكن الله تعالى أبطله ونصر أولياءه، ~~وهذا أشد في العبرة. # وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي بن كعب «وإن كاد ~~مكرهم» ، ويترتب مع هذه القراءة في لتزول ما تقدم. وذكر أبو حاتم أن في ~~قراءة أبي بن كعب «ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال» . وحكى الطبري عن ~~بعض المفسرين أنهم جعلوا هذه الآية إشارة إلى ما فعل نمرود إذ علق التابوت ~~من الأنسر، ورفع لها اللحم في أطراف الرماح بعد أن أجاعها ودخل هو وحاجبه ~~في التابوت، فعلت بهما الأنسر حتى قال له نمرود: ماذا ترى؟ قال: أرى بحرا ~~وجزيرة- يريد الدنيا المعمورة- ثم قال: # ماذا ترى؟ قال: أرى غماما ولا أرى جبلا، فكأن الجبال زالت عن نظر العين ~~بهذا المكر، وذكر ذلك عن علي بن أبي طالب. وذلك عندي لا يصح عن علي رضي ~~الله عنه، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن ~~تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا. # وقوله: فلا تحسبن الله الآية، تثبيت للنبي عليه السلام ولغيره من أمته، ~~ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسب مثل هذا، ولكن خرجت العبارة هكذا، ~~والمراد بما فيها من الزجر من شارك النبي عليه السلام في أن قصد تثبيته. # وقرأ جمهور الناس «مخلف وعده» بالإضافة، «رسله» بالنصب، وإضافة «مخلف» ~~إلى الوعد، إذ للإخلاف تعلق بالوعد على تجوز، وإنما حقيقة تعلقه بالرسل، ~~وهذا نحو ms2007 قول الشاعر: [الطويل] # ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع # وكقولك: هذا معطي درهم زيدا. وقرأت فرقة: «مخلف وعده رسله» بنصب الوعد ~~وخفض الرسل، على الإضافة، وهذه القراءة ذكرها الزجاج وضعفها، وهي تحول بين ~~المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهي كقول الشاعر: [مجزوء الكامل] # فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مزادة PageV03P346 # وأما إذا حيل في نحو هذا بالظرف فهو أشهر في الكلام كما قال الشاعر: # لله در اليوم من لامها وقال آخر: [الوافر] # كما خط الكتاب بكف يوما ... يهودي يقارب أو يزيل # والمعنى: لا تحسب يا محمد- أنت ومن اعتبر بالأمر من أمتك وغيرهم- أن الله ~~لا ينجز ميعاده في نصره رسله، وإظهارهم، ومعاقبة من كفر بهم، في الدنيا أو ~~في الآخرة، فإن الله عزيز لا يمتنع منه شيء، ذو انتقام من الكفرة لا سبيل ~~إلى عفوه عنهم. # وقوله: يوم تبدل الأرض الآية، يوم ظرف للانتقام المذكور قبله. ورويت في ~~«تبديل الأرض» أقوال، منها في الصحيح: أن الله يبدل هذه الأرض بأرض عفراء ~~بيضاء كأنها قرصة نقي، وفي الصحيح: # أن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه. وروي أنها تبدل أرضا ~~من فضة. وروي: أنها أرض كالفضة من بياضها. وروي أنها تبدل من نار. وقال بعض ~~المفسرين: تبديل الأرض: هو نسف جبالها وتفجير بحارها وتغييرها حتى لا يرى ~~فيها عوج ولا أمت: فهذه حال غير الأولى، وبهذا وقع التبديل. # قال القاضي أبو محمد: وسمعت من أبي رضي الله عنه: أنه روي: أن التبديل ~~يقع في الأرض، ولكن يبدل لكل فريق بما تقتضيه حاله، فالمؤمن يكون على خبز ~~يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة- إن صح السند بها- وفريق ~~الكفرة يكونون على نار. ونحو هذا مما كله واقع تحت قدرة الله تعالى. # وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها. ~~ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش» ms2008 ، وروي عنه أنه قال: «الناس ~~وقت التبديل على الصراط» ، وروي أنه قال «الناس حينئذ أضياف الله فلا ~~يعجزهم ما لديه» . # وبرزوا مأخوذ من البراز، أي ظهروا بين يديه لا يواريهم بناء ولا حصن. ~~وقوله: الواحد القهار صفتان لائقتان بذكر هذه الحال. # قوله عز وجل: ### || [سورة إبراهيم (14) : الآيات 49 الى 52] # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا ~~بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ~~(52) # المجرمين هم الكفار، ومقرنين مربوطين في قرن، وهو الحبل الذي تشد به رؤوس ~~الإبل والبقر، ومنه قول الشاعر: [البسيط] . # وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس PageV03P347 # والأصفاد الأغلال، واحدها: صفد، يقال: صفده وأصفده وصفده: إذا غلله، ~~والاسم: # الصفاد، ومنه قول سلامة بن جندل: [الوافر] # وزيد الخيل قد لاقى صفادا ... يعض بساعد وبعظم ساق # وكذلك يقال في العطاء، و «الصفد» العطاء، ومنه قول النابغة. # فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد. # و «السرابيل» : القمص، و «القطران» هو الذي تهنأ به الإبل، وللنار فيه ~~اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه، ويقال: «قطران» بفتح القاف ~~وكسر الطاء، ويقال: «قطران» بكسر القاف وسكون الطاء، ويقال: «قطران» بفتح ~~القاف وسكون الطاء. # وقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف، وابن عباس وأبو هريرة ~~وعلقمة وسنان بن سلمة وعكرمة وابن سيرين وابن جبير والكلبي وقتادة وعمرو بن ~~عبيد «من قطر آن» و «القطر» : # القصدير، وقيل: النحاس. وروي عن عمر أنه قال: ليس بالقطران ولكنه النحاس ~~يسر بلونه. و «آن» وهو الطائب الحار الذي قد تناهى حره قال الحسن: قد سعرت ~~عليه جهنم منذ خلقت فتناهى حره. وقال ابن عباس المعنى: أنى أن يعذبوا به. # وقرأ جمهور الناس «وجوههم» بالنصب، «النار» بالرفع. وقرأ ابن مسعود ~~«وجوههم» بالرفع. «النار» بالنصب. فالأولى على نحو قوله: والليل إذا يغشى ~~[الليل: 1] فهي حقيقة الغشيان، والثانية على نحو قول الشاعر: ms2009 [الكامل] # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # فهي بتجوز في الغشيان، كأن ورود الوجوه على النار غشيان. # وقوله: ليجزي أي لكي يجزي، واللام متعلقة بفعل مضمر، تقديره: فعل هذا، ~~ونفذ هذا العقاب على المجرمين ليكون في ذلك جزاء المسيء على إساءته. وجاء ~~من لفظة الكسب بما يعم المسيء والمحسن، لينبه على أن المحسن أيضا يجازي ~~بإحسانه خيرا. # وقوله: سريع الحساب أي فاصله بين خلقه بالإحاطة التي له بدقيق أمرهم ~~وجليلها. لا إله غيره، وقيل لعلي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله العباد في ~~وقت واحد مع كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم في وقت واحد. # وقوله: هذا بلاغ للناس الآية، إشارة إلى القرآن والوعيد الذي يتضمنه ~~ووصفه بالمصدر في قوله: بلاغ والمعنى: هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به. # وقرأ جمهور الناس «ولينذروا» بالياء وفتح الذال على بناء الفعل للمفعول. ~~وقرأ يحيى بن عمارة وأحمد بن يزيد بن أسيد: «لينذروا به» بفتح الياء والذال ~~كقول العرب: نذرت بالشيء إذا أشعرت وتحرزت منه وأعددت وروي أن قوله: وليذكر ~~أولوا الألباب نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. PageV03P348 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحجر # بسم الله الرحمن الرحيم، هذه السورة مكية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) وما أهلكنا ~~من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) # تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور. وتلك يمكن أن تكون إشارة ~~إلى حروف المعجم- بحسب بعض الأقوال- ويمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والعبر ~~ونحوها التي تضمنتها آيات التوراة والإنجيل، وعطف القرآن عليه. قال مجاهد ~~وقتادة: الكتاب في الآية، ما نزل من الكتب قبل القرآن، ويحتمل أن يريد ب ~~الكتاب القرآن، ثم تعطف الصفة عليه. # وقرأ نافع وعاصم «ربما» بتخفيف الباء. وقرأ الباقون بشدها، إلا أن أبا ~~عمرو قرأها على الوجهين، ms2010 وهما لغتان، وروي عن عاصم «ربما» بضم الراء والباء ~~مخففة، وقرأ طلحة بن مصرف «ربتما» بزيادة تاء، وهي لغة. وربما للتقليل وقد ~~تجيء شاذة للتكثير، وقال قوم: إن هذه من ذلك، ومنه: رب رفد هرقته. ومنه: # رب كأس هرقت يا ابن لؤي. # وأنكر الزجاج أن تجيء «رب» للتكثير. و «ما» التي تدخل عليها «رب» قد تكون ~~اسما نكرة بمنزلة شيء، وذلك إذا كان في الضمير عائد عليه، كقول الشاعر: ~~[الخفيف] # ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال # التقدير: رب شيء، وقد تكون حرفا كافا لرب وموطئا لها لتدخل على الفعل إذ ~~ليس من شأنها أن تدخل إلا على الأسماء، وذلك إذا لم يكن ثم ضمير عائد كقول ~~الشاعر: [جذيمة الأبرش] [المديد] # ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات # قال القاضي أبو محمد: وكذلك دخلت «ما» على «من» كافة، في نحو قوله: وكان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه. ونحو قول الشاعر: [الطويل] # وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم PageV03P349 # قال الكسائي والفراء: الباب في «ربما» أن تدخل على الفعل الماضي، ودخلت ~~هنا على المستقبل إذ هذه الأفعال المستقبلة من كلام الله تعالى لما كانت ~~صادقة حاصلة ولا بد جرت مجرى الماضي الواقع. # قال القاضي أبو محمد: وقد تدخل رب على الماضي الذي يراد به الاستقبال، ~~وتدخل على العكس. والظاهر في ربما في هذه الآية أن «ما» حرف كاف- هكذا قال ~~أبو علي، قال: ويحتمل أن تكون اسما، ويكون في يود ضمير عائد عليه، التقدير: ~~رب ود أو شيء يوده الذين كفروا لو كانوا مسلمين. # قال القاضي أبو محمد: ويكون لو كانوا مسلمين بدلا من «ما» . # وقالت فرقة: تقدير الآية: ربما كان يود الذين كفروا. قال أبو علي: وهذا ~~لا يجيزه سيبويه، لأن كان لا تضمر عنده. # واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن لو كانوا مسلمين، ~~فقالت فرقة: هو عند معاينة الموت في الدنيا- حكى ذلك الضحاك- وفيه نظر، ~~لأنه لا يقين ms2011 للكافر حينئذ بحسن حال المسلمين، وقالت فرقة: هو عند معاينة ~~أهوال يوم القيامة- قاله مجاهد- وهذا بين، لأن حسن حال المسلمين ظاهر، ~~فتود، وقال ابن عباس وأنس بن مالك: هو عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول ~~المؤمنين الجنة، واحتج لهذا القول بحديث روي في هذا من طريق أبي موسى ~~الأشعري وهو: أن الله إذا أدخل عصاة المسلمين النار نظر إليهم الكفار ~~فقالوا: ليس هؤلاء من المسلمين فماذا أغنت عنهم لا إله إلا الله؟ قال: ~~فيغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرجوا من النار كل مسلم. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «فحينئذ يود الذين كفروا أن لو كانوا مسلمين» . # قال القاضي أبو محمد: ومن العبر في هذه الآية حديث الوابصي الذي في صدر ~~ذيل الأمالي، ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية. # وقوله: ذرهم يأكلوا الآية وعيد وتهديد، وما فيه من المهادنة منسوخ بآية ~~السيف. وقوله: # فسوف يعلمون وعيد ثان، وحكى الطبري عن بعض العلماء أنه قال: الأول في ~~الدنيا، والثاني في الآخرة، فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين؟ # ومعنى قوله: ويلههم أي يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيد منها عن النظر ~~والإيمان بالله ورسوله. # ومعنى قوله: وما أهلكنا من قرية الآية، أي لا تستبطئن هلاكهم فليس قرية ~~مهلكة إلا بأجل وكتاب معلوم محدود. والواو في قوله: ولها هي واو الحال. # وقرأ ابن أبي عبلة «إلا لها» بغير واو. وقال منذر بن سعيد: هذه الواو هي ~~التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل ~~الواو، ومنه قوله: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها [الزمر: 73] وباقي الآية ~~بين. PageV03P350 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 6 الى 11] # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا ~~إذا منظرين (8) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) ولقد أرسلنا من ~~قبلك في شيع الأولين (10) # وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) # الضمير في قالوا ms2012 يراد به كفار قريش. ويروى أن القائلين كانوا: عبد الله ~~بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، وأشباههما. # وقرأ الأعمش: «يا أيها الذي ألقي إليه الذكر» . # وقولهم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر كلام على جهة الاستخفاف، أي بزعمك ~~ودعواك، وهذه المخاطبة كما تقول لرجل جاهل أراد أن يتكلم فيما لا يحسن: يا ~~أيها العالم لا تحسن تتوضأ. # ولو ما بمعنى لولا، فتكون تحضيضا- كما في هذه الآية- وقد تكون دالة على ~~امتناع الشيء لوجود غيره، كما قال ابن مقبل: [البسيط] # لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «ما تنزل الملائكة» بفتح التاء ~~والرفع وقرأ عاصم- في رواية أبي بكر- «ما تنزل» بضم التاء والرفع، وهي ~~قراءة يحيى بن وثاب، وقرأ حمزة والكسائي وحفص «ما ننزل» بنون العظمة- ~~«الملائكة» بالنصب، وهي قراءة طلحة بن مصرف. # وقوله: إلا بالحق قال مجاهد: المعنى: بالرسالة والعذاب. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن معناه: كما يجب ويحق من الوحي والمنافع ~~التي رآها الله لعباده، لا على اقتراح كافر، ولا باختيار معترض. # ثم ذكر عادة الله في الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقتراح إلا ومعها العذاب ~~في إثرها إن لم يؤمنوا. فكأن الكلام: ما تنزل الملائكة إلا بحق وواجب، لا ~~باقتراحكم وأيضا فلو نزلت لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب، أي تؤخروا، و ~~«النظرة» : التأخير، المعنى: فهذا لا يكون، إذ كان في علم الله أن منهم من ~~يؤمن أو يلد من يؤمن. # وقوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر رد على المستخفين في قولهم: يا أيها ~~الذي نزل عليه الذكر. وهذا كما يقول لك رجل على جهة الاستخفاف: يا عظيم ~~القدر، فتقول له- على جهة الرد والنجه: نعم أنا عظيم القدر. ثم تأخذ في ~~قولك- فتأمله. # وقوله: إنا له لحافظون قالت فرقة: الضمير في له عائد على محمد صلى الله ~~عليه وسلم، PageV03P351 # أي يحفظه من أذاكم ويحوطه من مكركم وغيره، ذكر الطبري هذا القول ولم ~~ينسبه وفي ضمن هذه العدة ms2013 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله ~~به الشرع وحان أجله. وقالت فرقة- وهي الأكثر- الضمير في له عائد على القرآن ~~وقاله مجاهد وقتادة، والمعنى: لحافظون من أن يبدل أو يغير، كما جرى في سائر ~~الكتب المنزلة، وفي آخر ورقة من البخاري عن ابن عباس: أن التبديل فيها إنما ~~كان في التأويل وأما في اللفظ فلا وظاهر آيات القرآن أنهم بدلوا اللفظ، ~~ووضع اليد في آية الرجم هو في معنى تبديل الألفاظ. وقيل: لحافظون باختزانه ~~في صدور الرجال. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى متقارب، وقال قتادة: هذه الآية نحو قوله ~~تعالى: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [فصلت: 42] . # قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: ولقد أرسلنا من قبلك الآية، تسلية ~~للنبي عليه السلام وعرض أسوة، أي لا يضيق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من ~~الاستهزاء في قولهم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر وغير ذلك، فقد تقدم منا ~~إرسال الرسل في شيع الأولين، وكانت تلك سيرتهم في الاستهزاء بالرسل. وشيع ~~جمع شيعة، وهي الفرقة التابعة لرأس ما: مذهب أو رجل أو نحوه وهي مأخوذة من ~~قولهم: شيعت النار: إذا استدمت وقدها بحطب أو غيره، فكأن الشيعة تصل أمر ~~رأسها وتظهره وتمده بمعونة. وقوله: أرسلنا يقتضي رسلا، ثم أوجز باختصار ~~ذكرهم لدلالة الظاهر من القول على ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 12 الى 15] # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) ~~ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) # يحتمل أن يكون الضمير في نسلكه يعود على الاستهزاء والشرك ونحوه- وهو قول ~~الحسن وقتادة وابن جرير وابن زيد- ويكون الضمير في به يعود أيضا على ذلك ~~بعينه، وتكون باء السبب، أي لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله: ~~لا يؤمنون به في موضع الحال. # ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائدا على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر ~~وهو القرآن، أي مكذبا به مردودا ms2014 مستهزأ به ندخله في قلوب المجرمين، ويكون ~~الضمير في به عائدا عليه أيضا أي لا يصدقون به. # ويحتمل أن يكون الضمير في نسلكه عائدا على الاستهزاء والشرك، والضمير في ~~به يعود على القرآن، فيختلف- على هذا- عود الضميرين. # والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض. # ونسلكه معناه: ندخله، يقال: سلكت الرجل في الأمر، أي أدخلته فيه، ومن هذا ~~قول الشاعر [عدي بن زيد] : [الوافر] PageV03P352 # وكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب # ومنه قول الآخر [عبد مناف بن ربع الهذلي] : [البسيط] # حتى إذا سلكوهم في قتايدة ... شلاكما تطرد الجمالة الشردا # ومنه قول أبي وجزة يصف حمر وحش؟؟؟: [البسيط] # حتى سلكن الشوى منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج # قال الزجاج: ويقرأ: «نسلكه» بضم النون وكسر اللام، والمجرمين في هذه ~~الآية يراد بهم كفار قريش ومعاصري محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله: لا يؤمنون به عموم معناه الخصوص فيمن حتم عليه. وقوله وقد خلت سنة ~~الأولين أي على هذه الوتيرة. # وتقول: سلكت الرجل في الأمر، وأسلكته، بمعنى واحد. ويروى: حتى إذا ~~أسلكوهم في قتايدة البيت. # وقوله: ولو فتحنا عليهم، الضمير في عليهم عائد على قريش وكفرة العصر ~~المحتوم عليهم. # والضمير في قوله: فظلوا يحتمل أن يعود عليهم- وهو أبلغ في إصرارهم- وهذا ~~تأويل الحسن: # ويعرجون معناه: يصعدون. # وقرأ الأعمش وأبو حيوة «يعرجون» بكسر الراء، والمعارج الأدراج، ومنه: ~~المعراج، ومنه قول كثير: # [الطويل] . # إلى حسب عود بنى المرء قبله ... أبوه له فيه معارج سلم # ويحتمل أن يعود على الملائكة [الحجر: 7] لقولهم: لو ما تأتينا بالملائكة ~~[الحجر: 7] ، فقال الله تعالى: «ولو رأوا الملائكة يصعدون ويتصرفون في باب ~~مفتوح في السماء، لما آمنوا» : وهذا تأويل ابن عباس. # وقرأ السبعة سوى ابن كثير: «سكرت» بضم السين وشد الكاف، وقرأ ابن كثير ~~وحده بتخفيف الكاف، وهي قراءة مجاهد. وقرأ ابن الزهري بفتح السين وتخفيف ~~الكاف، على بناء الفعل لفاعل. وقرأ أبان بن تغلب «سحرت أبصارنا» ، ويجيء ~~قوله: بل نحن قوم مسحورون انتقالا إلى درجة عظمى من ms2015 سحر العقل والجملة. ~~وتقول العرب: سكرت الريح تسكر سكورا: إذا ركدت ولم تنفذ لما كانت بسبيله ~~أولا، وتقول سكر الرجل من الشراب سكرا: إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ فيما ~~للإنسان أن ينفذ فيه، ومن هذا المعنى: سكران لا يبت- أي لا يقطع أمرا، ~~وتقول العرب: سكرت الفتق في مجاري الماء سكرا: إذا طمسته وصرفت الماء عنه، ~~فلم ينفذ لوجهه. # قال القاضي أبو محمد: فهذه اللفظة «سكرت» - بشد الكاف- إذا كانت من سكر ~~الشراب أو من PageV03P353 # سكور الريح فهي فعل عدي بالتضعيف، وإن كانت من سكر مجاري الماء فتضعيفها ~~للمبالغة، لا للتعدية، لأن المخفف من فعله متعد. ورجح أبو حاتم هذه ~~القراءة، لأن «الأبصار» جمع، والتثقيل مع الجمع أمثل، كما قال: مفتحة لهم ~~الأبواب [ص: 50] ومن قرأ «سكرت» - بضم السين وتخفيف الكاف، فإن كانت اللفظة ~~من سكر الماء فهو فعل متعد وإن كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح، ~~فيضمنا أن الفعل بني للمفعول إلى أن ننزله متعديا، ويكون هذا الفعل من ~~قبيل: رجح زيد ورجحه غيره، وغارت العين وغارها الرجل: فتقول- على هذا- سكر ~~الرجل، وسكره غيره، وسكرت الريح، وسكرها شيء غيرها. # ومعنى هذه المقالة منهم: أي غيرت أبصارنا عما كانت عليه، فهي لا تنفذ ~~وتعطينا حقائق الأشياء كما كانت تفعل. # قال القاضي أبو محمد: وعبر بعض المفسرين عن هذه اللفظة بقوله: غشي على ~~أبصارنا وقال بعضهم عميت أبصارنا، وهذا ونحوه تفسير بالمعنى لا يرتبط ~~باللفظ. # ولقال أيضا هؤلاء المبصرون عروج الملائكة، أو عروج أنفسهم، بعد قولهم: ~~سكرت أبصارنا بل سحرنا حتى ما نعقل الأشياء كما يجب، أي صرف فينا السحر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 16 الى 21] # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم فيها ~~معايش ومن لستم له برازقين (20) # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) # لما ذكر تعالى ms2016 أنهم لو رأوا الآية المذكورة في السماء لعاندوا فيها- عقب ~~ذلك بهذه الآية- فكأنه قال: وإن في السماء لعبرا منصوبة غير هذه المذكورة، ~~وكفرهم بها، وإعراضهم عنها إصرار منهم وعتو. # «والبروج» : المنازل، واحدها برج، وسمي بذلك لظهوره ووضوحه، ومنه تبرج ~~المرأة: ظهورها وبدوها، والعرب تقول: برج الشيء: إذا ظهر وارتفع. # و «حفظ السماء» هو بالرجم بالشهب- على ما تضمنته الأحاديث الصحاح. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشياطين تقرب من السماء أفواجا» ، قال: ~~فينفرد المارد منها، فيعلو فيسمع، فيرمى بالشهاب. فيقول لأصحابه- وهو ~~يلتهب- إنه من الأمر كذا وكذا- فيزيد الشياطين في ذلك ويلقون إلى الكهنة، ~~فيزيدون مع الكلمة مائة ونحو هذا ... الحديث. وقال ابن عباس: إن الشهب تجرح ~~وتؤذي ولا تقتل، وقال الحسن: تقتل. # قال القاضي أبو محمد: وفي الأحاديث ما يدل على أن الرجم كان في الجاهلية ~~ولكنه اشتد في وقت PageV03P354 # الإسلام وحفظ السماء حفظا تاما. وقال الزجاج: لم يكن إلا بعد النبي عليه ~~السلام، بدليل أن الشعراء لم يشبهوا به في السرعة إلا بعد الإسلام. وذكر ~~الزهراوي عن أبي رجاء العطاردي أنه قال: كنا لا نرى الرجم بالنجوم قبل ~~الإسلام. # ورجيم فعيل بمعنى مفعول. فإما من رجم الشهب، وإما من الرجم الذي هو الشتم ~~والذم. # ويقال: تبعت الرجل واتبعته بمعنى واحد. وإلا بمعنى: لكن. # قال القاضي أبو محمد: هذا قول، والظاهر أن الاستثناء من الحفظ، وقال محمد ~~بن يحيى عن أبيه: إلا من استرق السمع، فإنها لم تحفظ منه- ذكره الزهراوي. # وقوله تعالى: والأرض مددناها روي في الحديث: «أن الأرض كانت تتكفأ بأهلها ~~كما تتكفأ السفينة، فثبتها الله بالجبال» . يقال: رسا الشيء يرسو: إذا رسخ ~~وثبت. # وقوله: موزون قال الجمهور: معناه مقدر محرر بقصد وإرادة، فالوزن- على ~~هذا- مستعار. # وقال ابن زيد: المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة والفلز كله وغير ذلك ~~مما يوزن. # قال القاضي أبو محمد: الأول أعم وأحسن. # ومعايش جمع معيشة. وقرأها الأعمش بالهمز وكذلك روى خارجة عن نافع. والوجه ~~ترك الهمز لأن أصل ياء معيشة الحركة. فيردها إلى الأصل الجمع، ms2017 بخلاف: مدينة ~~ومدائن. # وقوله: ومن لستم له برازقين يحتمل أن تكون من في موضع نصب وذلك على ثلاثة ~~أوجه. # أحدها: أن يكون عطفا على معايش، كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش، ~~وهي ما يؤكل ويلبس، ثم عدد النعم في الحيوان والعبيد والصناع وغير ذلك مما ~~ينتفع به الناس وليس عليهم رزقهم. # والوجه الثاني: أن تكون من معطوفة على موضع الضمير في لكم وذلك أن ~~التقدير: # وأنعشناكم وأنعشنا أمما غيركم من الحيوان. فكأن الآية- على هذا- فيها ~~اعتبار وعرض آية. # والوجه الثالث: أن تكون من منصوبة بفعل مضمر يقتضيه الظاهر، تقديره: ~~وأنعشنا من لستم له برازقين. # ويحتمل أن تكون من في موضع خفض عطفا على الضمير في لكم وهذا قلق في النحو ~~لأن العطف على الضمير المجرور، وفيه قبح، فكأنه قال: ولمن لستم له برازقين، ~~وأنتم تنتفعون به. # وقوله: وإن من شيء قال ابن جريج: وهو المطر خاصة. # قال القاضي أبو محمد: وينبغي أن تكون أعم من هذا في كثير من المخلوقات. # و «الخزائن» المواضع الحاوية، وظاهر هذا أن الماء والريح ونحو ذلك موجود ~~مخلوق، وهو ظاهر في قولهم في الريح: عتت على الخزان وانفتح منها قدر حلقة ~~الخاتم، ولو كان قدر منخر الثور لأهلك الأرض إلى غير هذا من الشواهد. وذهب ~~قوم إلى أن كونها في القدرة هو خزنها، فإذا شاء الله أوجدها. PageV03P355 # قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضا ظاهر في أشياء كثيرة. وهو لازم في ~~الاعراض إذا عممنا لفظة شيء وكيفما كان الأمر فالقدرة تسعه وتتقنه. # وقوله: ننزله ما كان من المطر ونحوه. فالإنزال فيه متمكن، وما كان من غير ~~ذلك فإيجاده والتمكين من الانتفاع به، إنزال على تجوز. # وقرأ الأعمش: «وما نرسله» . # وقوله: بقدر معلوم روي فيه عن ابن مسعود وغيره: أنه ليس عام أكثر مطرا من ~~عام، ولكن الله تعالى ينزله في مواضع دون مواضع. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 22 الى 27] # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين (22) وإنا لنحن ms2018 نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) ولقد علمنا ~~المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم ~~عليم (25) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) # والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) # يقال: لقحت الناقة والشجرة فهي لاقحة: إذا حملت، والرياح تلقح الشجر ~~والسحاب، فالوجه في الريح أنها ملقحة لا لاقحة، وتتجه صفة الرياح ب لواقح ~~على أربعة أوجه: # أولها وأولاها: أن نجعلها لاقحة حقيقة، وذلك أن الرياح منها ما فيها عذاب ~~أو حر ونار، ومنها ما فيه رحمة ومطر أو نصر أو غير ذلك، فإذا بها تحمل ما ~~حملتها القدرة، أو ما علقته من الهواء أو التراب أو الماء الذي مرت عليه، ~~فهي لاقحة بهذا الوجه، وإن كانت أيضا تلقح غيرها وتصير إليه نفعها. والعرب ~~تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمي الشمال الحائل والعقيم ومحوة، لأنها ~~تمحو السحاب. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الريح ~~الجنوب من الجنة، وهي اللواقح التي ذكر الله، وفيها منافع للناس» ومن هذا ~~قول الطرماح: # قلق لا فبان الريا ... ح للاقح منها وحائل # ومن قول أبي وجزة: # من نسل جوابة الآفاق فجعلها حاملا تنسل. # قال القاضي أبو محمد: ويخرج هذا على أنها ملقحة فلا حجة فيه. # والثاني: أن يكون وصفها ب لواقح من باب قولهم: ليل نائم، أي فيه نوم ~~ومعه، ويوم عاصف ونحوه: فهذا على طريق المجاز. PageV03P356 # والثالث: أن توصف الرياح ب لواقح على جهة النسب، أي ذات لقح، كقول ~~النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب أي ذي نصب. # والرابع: أن تكون لواقح جمع ملقحة على حذف زوائده، فكأنه لقحة، فجمعها ~~كما تجمع لاقحة، ومثله قول الشاعر [سيبويه] : [الطويل] # ليبك يزيد ضارع لخصومة ... وأشعث ممن طوحته الطوائح # وإنما طوحته المطاوح، وعلى هذا النحو فسرها أبو عبيدة في قوله: لواقح ~~ملاقح، وكذلك العبارة عنها في كتاب البخاري: لواقح ملاقح ملقحة. # وقرأ الجمهور «الرياح» بالجمع، وقرأ الكوفيون- حمزة وطلحة بن مصرف ~~والأعمش ويحيى بن وثاب- «الريح» بالإفراد، وهي للجنس، فهي في معنى ms2019 الجمع، ~~ومثلها الطبري بقولهم: «قميص أخلاق وأرض أغفال» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله من حيث هو أجزاء كثيرة تجمع صفته، فكذلك ~~ريح لواقح لأنها متفرقة الهبوب، وكذلك: دار بلاقع، أي كل موضع منها بلقع. # وقال الأعمش: إن في قراءة عبد الله «وأرسلنا الرياح يلقحن» ، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الريح من نفس الرحمن» ، ومعنى الإضافة ~~هنا هي من إضافة خلق إلى خالق، كما قال: من روحي [الحجر: 29] ومعنى نفس ~~الرحمن: أي من تنفيسه وإزالته الكرائب والشدائد. فمن التنفس بالريح النصر ~~بالصبا وذرو الأرزاق بها، وما لها من الخدمة في الأرزاق وجلب الأمطار وغير ~~ذلك مما يكثر عده. ولقد حدثت أن ابن أبي قحافة رحمه الله فسر هذا الحديث ~~بنحو هذا وأنشد في تفسيره: [الطويل] # فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس محزون تجلت همومها # وهذا من جملة التنفيس والعرب تقول: أسقى وسقى بمعنى واحد، وقال لبيد: ~~[الوافر] # سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا، والقبائل من هلال # فجاء باللغتين، وقال أبو عبيدة: أما إذا كان من سقي الشفة خاصة فلا يقال ~~إلا سقى، وأما إذا كان لسقي الأرض والثمار وجملة الأشياء فيقال: أسقى، وأما ~~الداعي لأرض أو غيرها بالسقي، فإنما يقال فيه: # أسقى، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] # وقفت على رسم لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه # قال القاضي أبو محمد: على أن بيت لبيد دعاء، وفيه اللغتان. # وقوله تعالى: وإنا لنحن نحيي ونميت الآيات، هذه الآيات مع الآيات التي ~~قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته، ~~فمعنى هذه: وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه PageV03P357 # من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عند البعث من مرقده ميتا، ونميت بإزالة ~~الحياة عمن كان حيا، ونحن الوارثون، أي لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك ~~إلا وجهه لا رب غيره. # ثم أخبر تعالى بإحاطة علمه بمن تقدم من الأمم، وبمن تأخر في الزمن من ms2020 لدن ~~أهبط آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة، وأعلم أنه هو الحاشر لهم الجامع لعرض ~~القيامة على تباعدهم في الأزمان والأقطار، وأن حكمته وعلمه يأتيان بهذا كله ~~على أتم غاياته التي قدرها وأرادها. # وقرأ الأعرج «يحشرهم» بكسر الشين. # قال القاضي أبو محمد: بهذا سياق معنى الآية، وهو قول جمهور المفسرين. ~~وقال الحسن: معنى قوله: ولقد علمنا المستقدمين أي في الطاعة، والبدار إلى ~~الإيمان والخيرات، والمستأخرين بالمعاصي. # قال القاضي أبو محمد: وإن كان اللفظ يتناول كل تقدم وتأخر على جميع وجوهه ~~فليس يطرد سياق معنى الآية إلا كما قدمنا، وقال ابن عباس ومروان بن الحكم ~~وأبو الجوزاء: نزل قوله: ولقد علمنا الآية، في قوم كانوا يصلون مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكانت تصلي وراءه امرأة جميلة، فكان بعض القوم يتقدم في ~~الصفوف لئلا تفتنه، وكان بعضهم يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة، فنزلت ~~الآية فيهم. # قال القاضي أبو محمد: وما تقدم الآية من قوله: ونحن الوارثون وما تأخر من ~~قوله: وإن ربك هو يحشرهم، يضعف هذه التأويلات، لأنها تذهب اتصال المعنى، ~~وقد ذكر ذلك محمد بن كعب القرظي لعون بن عبد الله. # وقوله تعالى: ولقد خلقنا الإنسان الآية، الإنسان هنا للجنس، والمراد آدم، ~~قال ابن عباس سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي، ودخل من بعده في ذلك إذ هو من ~~نسله. و «الصلصال» : الطين الذي إذا جف صلصل، هذا قول فرقة، منها من قال: ~~هو طين الخزف، ومنها قول الفراء: هو الطين الحر يخالطه رمل دقيق. وقال ابن ~~عباس: خلق من ثلاثة: من طين لازب وهو اللازق والجيد، ومن صلصال وهو الأرض ~~الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف، ومن حمإ مسنون وهو ~~الطين في الحمأة. # قال القاضي أبو محمد: وكان الوجه أن يقال- على هذا المعنى- صلال، ولكن ~~ضوعف الفعل من فائه وأبدلت إحدى اللامين من صلاص صادا. وهذا مذهب الكوفيين، ~~وقاله ابن جني والزبيدي ونحوهما على البصرة، ومذهب جمهور البصريين: إنهما ~~فعلان متباينان، وكذلك قالوا في ثرة ms2021 وثرثارة. قال بعضهم: # تقول: صل الخزف ونحوه: إذا صوت بتمديد: فإذا كان في صوته ترجيع كالجرس ~~ونحوه قلت: صلصل، ومنه قول الكميت: [البسيط] # فينا العناجيج تردي في أعنتها ... شعثا تصلصل في أشداقها اللجم # وقال مجاهد وغيره: صلصال هنا إنما هو مأخوذ من صل اللحم وغيره: إذا أنتن. PageV03P358 # قال القاضي أبو محمد: فجعلوا معنى صلصال ومعنى حمإ في لزوم أنتن شيئا ~~واحدا. # قال القاضي أبو محمد: و «الحمأ» جمع حمأة وهو الطين الأسود المنتن يخالطه ~~ماء. و «المسنون» قال معمر: هو المنتن، وهو من أسن الماء إذا تغير. # قال القاضي أبو محمد: والتصريف يرد هذا القول. وقال ابن عباس: «المسنون» ~~: الرطب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير لا يخص اللفظة. وقال الحسن: المعنى: سن ~~ذريته على خلقه. والذي يترتب في مسنون إما أن يكون بمعنى محكوك محكم العمل ~~أملس السطح، فيكون من معنى المسن والسنان، وقولهم: سننت السكين وسننت ~~الحجر: إذا أحكمت تمليسه، ومن ذلك قول الشاعر: [الخفيف] # ثم دافعتها إلى القبة الخضرا ... ء وتمشي في مرمر مسنون # أي محكم الإملاس بالسن، وإما أن يكون بمعنى المصبوب، تقول: سننت التراب ~~والماء إذا صببته شيئا بعد شيء، ومنه قول عمرو بن العاصي لمن حضر دفنه: إذا ~~أدخلتموني في قبري فسنوا علي التراب سنا، ومن هذا: هو سن الغارة. وقال ~~الزجاج: هو مأخوذ من كونه على سنة الطريق، لأنه إنما يتغير إذا فارق الماء، ~~فمعنى الآية- على هذا- من حمأ مصبوب موضوع بعضه فوق بعض على مثال وصورة. # الجان يراد به جنس الشياطين، ويسمون: جنة وجانا لاستتارهم عن العين. وسئل ~~وهب بن منبه عنهم فقال: هم أجناب، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا ~~يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس تفعل هذا كله، منها السعالي ~~والغول وأشباه ذلك. # وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «والجأن» بالهمز. # قال القاضي أبو محمد: والمراد بهذه الحلقة إبليس أبو الجن، وفي الحديث: ~~«أن الله تعالى خلق آدم من جميع أنواع التراب الطيب والخبيث والأسود ~~والأحمر» . وفي سورة البقرة ms2022 إيعاب هذا وقوله من قبل لأن إبليس خلق قبل آدم ~~بمدة، وخلق آدم آخر الخلق. والسموم- في كلام العرب- إفراط الحر حتى يقتل من ~~نار أو شمس أو ريح. وقالت فرقة: السموم بالليل، والحرور بالنهار. # قال القاضي أبو محمد: وأما إضافة نار إلى السموم في هذه الآية فيحتمل أن ~~تكون النار أنواعا، ويكون السموم أمرا يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ ~~وإن لم يكن هذا فيخرج هذا على قولهم: مسجد الجامع، ودار الآخرة، على حذف ~~مضاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 28 الى 33] # وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~(30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) قال يا إبليس ما لك ألا تكون ~~مع الساجدين (32) # قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) PageV03P359 # إذ نصب بإضمار فعل تقديره: اذكر إذ قال ربك، و «البشر» هنا آدم، وهو ~~مأخوذ من البشرة، وهي وجه الجلد، في الأشهر من القول. ومنه قول النبي عليه ~~السلام: «وافقوا البشر» . وقيل: البشرة ما يلي اللحم، ومنه قولهم في المثل: ~~إنما يعاتب الأديم ذو البشرة لأن تلك الجهة هي التي تبشر. # وأخبر الله تعالى الملائكة بعجب عندهم، وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور- ~~فهي مخلوقات لطاف- فأخبرهم: أنه لا يخلق جسما حيا ذا بشرة وأنه يخلقه من ~~صلصال. # قال القاضي أبو محمد: «والبشر» والبشارة أيضا أصلهما البشرة لأنهما فيها ~~يظهران. # وسويته معناه: كملته وأتقنته حتى استوت أجزاؤه على ما يجب، وقوله: من ~~روحي إضافة خلق وملك إلى خالق مالك، أي من الروح الذي هو لي ولفظة الروح ~~هنا للجنس. # وقوله: فقعوا من وقع يقع، وفتحت القاف لأجل حرف الحلق، وهذه اللفظة تقوي ~~أن سجود الملائكة إنما كان على المعهود عندنا، لا أنه خضوع وتسليم، وإشارة، ~~كما قال بعض الناس، وشبهوه بقول الشاعر [أبي الأخزر الحماني] : [الطويل] # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف # وهذا البيت ms2023 يشبه أن يكون السجود فيه كالمعهود عندنا. # وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس: أنه قال: خلق الله ملائكة ~~أمرهم بالسجود لآدم فأبوا، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق آخرين فأمرهم ~~بالسجود فأطاعوا إلا إبليس فإنه كان من الأولين. # قال القاضي أبو محمد: وقول ابن عباس- من الأولين- يحتمل أن يريد في حالهم ~~وكفرهم، ويحتمل أن يريد: في أنه بقي منهم. # وقوله: كلهم أجمعون هو- عند سيبويه- تأكيد بعد تأكيد، يتضمن الآخر ما ~~تضمن الأول. وقال غيره: كلهم لو وقف عليه- لصلحت للاستيفاء، وصلحت على معنى ~~المبالغة مع أن يكون البعض لم يسجد، وهذا كما يقول القائل: كل الناس يعرف ~~كذا، وهو يريد أن المذكور أمر مشتهر، فلما قال: # أجمعون رفع الاحتمال في أن يبقى منهم أحد، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد. ~~وقال ابن المبرد: # لو وقف على كلهم لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة، فلما قال: أجمعون ~~دل على أنهم سجدوا في موطن واحد. # قال القاضي أبو محمد: واعترض قول المبرد بأنه جعل قوله: أجمعون حالا. ~~بمعنى مجتمعين، PageV03P360 # يلزمه- على هذا- أن يكون أجمعين، يقرب من التنكير إذ هو معرفة لكونه يلزم ~~اتباع المعارف، والقراءة بالرفع تأبى قوله. # وقوله: إلا إبليس قيل: إنه استثناء من الأول، وقيل: إنه ليس من الأول. ~~وهذا متركب على الخلاف في إبليس، هل هو من الملائكة أم لا؟ والظاهر- من ~~كثير من الأحاديث ومن هذه الآية- أنه من الملائكة وذلك أن الله تعالى أمر ~~الملائكة بالسجود، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لم يذنب في ترك السجود. ~~وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن: أن إبليس إنما كان من قبيل الجن ولم يكن قط ~~ملكا ونسب ابن فورك القول إلى المعتزلة، وتعلق من قال هذا بقوله في صفته: ~~كان من الجن [الكهف: 50] وقالت الفرقة الأخرى: لا حجة في هذا لأن الملائكة ~~قد تسمى جنا لاستتارها وقد قال تعالى: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ~~[الصافات: 158] . # وقوله تعالى: قال: يا إبليس، قيل: إنه- حينئذ- سما «إبليس» ، وإنما كان ~~اسمه- قبل- عزازيل، وهو من الإبلاس وهو الإبعاد، ms2024 أي يا مبعد، وقالت طائفة: ~~«إبليس» كان اسمه، وليس باسم مشتق، بل هو أعجمي، ويقضي بذلك أنه لا ينصرف، ~~ولو كان عربيا مشتقا لكان كإجفيل- من أجفل- وغيره، ولكان منصرفا، قاله أبو ~~علي الفارسي. # وقوله: ألا تكون «أن» في موضع نصب، وقيل: في موضع خفض، والأصل: مالك ألا ~~تكون؟ # وقول إبليس لم أكن لأسجد لبشر ليس هذا موضع كفره عند الحذاق، لأن إبايته ~~إنما هي معصية فقط، وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن الله خلق خلقا مفضولا ~~وكلف أفضل منه أن يذل له، فكأنه قال: وهذا جور، وذلك أن إبليس لما ظن أن ~~النار أفضل من الطين ظن أن نفسه أفضل من آدم من النار يأكل الطين، فقاس ~~وأخطأ في قياسه، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله المالك للجميع لا ~~رب غيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 34 الى 44] # قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال ~~رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت ~~المعلوم (38) # قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك ~~منهم المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) # الضمير في منها للجنة، وإن لم يجر ذكرها في القصة تتضمنها، ويحتمل أن ~~يعود الضمير على ضيفة الملائكة، وال رجيم المشتوم أي المرجوم بالقول ~~والشتم، ويوم الدين يوم الجزاء، ومنه قول الشاعر: PageV03P361 # ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا # وسأل إبليس «النظرة إلى يوم البعث» فأعطاه الله إياها إلى «وقت معلوم» ، ~~واختلف فيه فقيل إلى يوم القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق، قاله ~~الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة ولا غيرها، بل علمه ~~عند الله وحده، وقيل بل أمره كان إلى يوم بدر وأنه قتل يوم بدر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان روي ms2025 فهو ضعيف، والمنظر المؤخر، وقوله ~~رب مع كفره يخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق، وهو الظاهر من حاله وما ~~تقتضيه فيه الآيات والأحاديث، وهذا لا يدفع في صدر كفره، وقوله بما أغويتني ~~قال أبو عبيدة وغيره أقسم بالإغواء. # قال القاضي أبو محمد: كأنه جعله بمنزلة قوله «رب» بقدرتك علي وقضائك ~~ويحتمل أن تكون باء سبب، كأنه قال «رب» والله لأغوينهم بسبب إغوائك لي ومن ~~أجله وكفاء له. ويحتمل أن يكون المعنى تجلدا منه ومبالغة في الجد أي بحالي ~~هذه وبعدي عن الخير والله لأفعلن ولأغوين، ومعنى لأزينن لهم في الأرض أي ~~الشهوات والمعاصي، والضمير في لهم لذرية آدم وإن كان لم يجر لهم ذكر، ~~فالقصة بجملتها حيث وقعت كاملة تتضمنهم، و «الإغواء» : الإضلال، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج «المخلصين» بفتح اللام، أي الذين ~~أخلصتهم أنت لعبادتك وتقواك، وقرأ الجمهور «المخلصين» بكسر اللام، أي الذين ~~أخلصوا الإيمان بك وبرسلك، وقوله تعالى: قال هذا صراط الآية: القائل هو ~~الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذلك بواسطة، وقرأ الضحاك وحميد والنخعي وأبو ~~رجاء وابن سيرين وقتادة وقيس بن عباد ومجاهد وغيرهم «علي مستقيم» من العلو ~~والرفعة، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الإخلاص لما استثني إبليس من ~~أخلص. قال الله له هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت بإغوائك أهله، ~~وقرأ جمهور الناس «علي مستقيم» ، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى انقسام ~~الناس إلى غاو ومخلص، لما قسم إبليس الناس هذين القسمين، قال الله هذا طريق ~~علي، أي هذا أمر إلى مصيره، والعرب تقول طريقك في هذا الأمر على فلان أي ~~إليه يصير النظر في أمرك، وهذا نحو قوله تعالى إن ربك لبالمرصاد [الفجر: ~~14] . # قال القاضي أبو محمد: الآية على هذه القراءة تتضمن وعيدا، ثم ابتدأ ~~الإخبار عن سلامة عباده المتقين من إبليس وخاطبه بأنه لا حجة له عليهم ولا ~~ملكه. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر من قوله عبادي: الخصوص في أهل الإيمان ~~والتقوى لا عموم الخلق، وبحسب هذا ms2026 يكون إلا من اتبعك مستثنى من غير الأول، ~~التقدير لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان، وإن أخذنا العباد عاما في ~~عباد الناس إذ لم يقرر الله لإبليس سلطانا على أحد فإنا نقدر الاستثناء في ~~الأقل في القدر من حيث لا قدر للكفار، والنظر الأول أصوب، وإنما الغرض أن ~~لا تقع في استثناء الأكثر من الأقل، وإن كان الفقهاء قد جوزوه، قال أبو ~~المعالي ليس معروفا في استعمال العرب، وهذه الآية أمثل ما احتج به مجوزوه. # قال القاضي أبو محمد: ولا حجة لهم في الآية على ما بينته، وقوله جهنم ~~لموعدهم أي موضع PageV03P362 # اجتماعهم، والموعد يتعلق بزمان ومكان، وقد يذكر المكان ولا يحد زمان ~~الموعد، وأجمعين تأكيد وفيه معنى الحال، وقوله لها سبعة أبواب، قيل إن ~~النار بجملتها سبعة أطباق أعلاها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير، ثم سقر، ~~ثم الجحيم وفيه أبو جهل، ثم الهاوية، وإن في كل طبق منها بابا، فالأبواب ~~على هذا بعضها فوق بعض، وعبر في هذه الآية عن النار جملة ب جهنم إذ هي أشهر ~~منازلها وأولها وهي موضع عصاة المؤمنين الذين لا يخلدون، ولهذا روي أن جهنم ~~تخرب وتبلى، وقيل إن النار أطباق كما ذكرنا لكن «الأبواب السبعة» كلها في ~~جهنم على خط استواء، ثم ينزل من كل باب إلى طبقة الذي يفضى إليه. # قال القاضي أبو محمد: واختصرت ما ذكر المفسرون في المسافات التي بين ~~الأبواب وفي هواء النار، وفي كيفية الحال إذ هي أقوال أكثرها لا يستند، وهي ~~في حيز الجائز، والقدرة أعظم منها، عافانا الله من ناره وتغمدنا برحمته ~~بمنه. وقرأ الجمهور «جزء» بهمز، وقرأ ابن شهاب «جزء» بضم الزاي، وقرأت فرقة ~~«جز» بشد الزاي دون همز وهي قراءة ابن القعقاع. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 50] # إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين (48) نبئ عبادي أني ms2027 أنا الغفور الرحيم (49) # وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) # ذكر الله تعالى ما أعد لأهل الجنة عقب ذكره ما أعد لأهل النار ليظهر ~~التباين، وقرأ الجمهور و «عيون» بضم العين، وقرأ نبيح والجراح وأبو واقد ~~ويعقوب في رواية رويس «وعيون» بكسر العين مثل بيوت وشيوخ، وقرأ الجمهور ~~«ادخلوها» على الأمر بمعنى يقال لهم «ادخلوها» ، وقرأ رويس عن يعقوب ~~«أدخلوها» على بناء الفعل للمفعول وضم التنوين في «عيون» ، ألقى عليه حركة ~~الهمزة، و «السلام» هاهنا يحتمل أن يكون السلامة، ويحتمل أن يكون التحية، و ~~«الغل» الحقد، وذكر الله تعالى في هذه الآية أن ينزع الغل من قلوب أهل ~~الجنة، ولم يذكر لذلك موطنا، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط، وجاء ~~في بعضها أن ذلك على أبواب الجنة، وفي لفظ بعضها أن الغل ليبقى على أبواب ~~الجنة كمعاطن الإبل. # قال القاضي أبو محمد: وهذا على أن الله تعالى يجعل ذلك تمثيلا بلون يخلقه ~~هناك ونحوه، وهذا كحديث ذبح الموت، وقد يمكن أيضا أن يسل من الصدور، ولذلك ~~جواهر سود فيكون كمبارك الإبل، وجاء في بعض الأحاديث أن نزع الغل إنما يكون ~~بعد استقرارهم في الجنة. # قال القاضي أبو محمد: والذي يقال في هذا أن الله ينزعه في موطن من قوم ~~وفي موطن من آخرين، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون ~~أنا وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: PageV03P363 # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين.. وذكر أن ابنا لطلحة ~~كان عنده فاستأذن الأشتر فحبسه مدة ثم أذن له فدخل، فقال ألهذا حبستني ~~وكذلك لو كان ابن عثمان حبستني له فقال علي نعم إني وعثمان وطلحة والزبير ~~ممن قال الله فيهم ونزعنا ما في صدورهم من غل الآية. # قال القاضي أبو محمد: وقد روي أن المستأذن غير الأشتر وإخوانا نصب على ~~الحال، وهذه أخوة الدين والود، والأخ من ذلك يجمع على إخوان وإخوة أيضا، ~~والأخ من النسب يجمع أخوة وإخاء، ومنه قول الشاعر: ms2028 # وأي بني الإخاء تصفو مذاهبه ويجمع أيضا إخوانا وسرر جمع سرير، ومتقابلين ~~الظاهر أن معناه في الوجوه، إذ الأسرة متقابلة فهي أحسن في الرتبة، قال ~~مجاهد لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وقيل متقابلين في المودة، وقيل غير هذا ~~مما لا يعطيه اللفظ، و «النصب» التعب، يقع على القليل والكثير، ومن الكثير ~~قول موسى عليه السلام لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا [الكهف: 62] ومن ذلك قول ~~الشاعر: [الطويل] كليني لهم يا أمية ناصب ونبئ معناه أعلم، وعبادي مفعول ب ~~نبئ، وهي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ف عبادي مفعول و «أن» تسد مسد المفعولين ~~الباقيين واتصف ذلك وهي وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، ألا ترى أنك إذا قلت ~~أعجبني أن زيدا منطلق إنما المعنى أعجبني انطلاق زيد لأن دخولها إنما هو ~~على جملة ابتداء وخبر فسدت لذلك مسد المفعولين. # قال القاضي أبو محمد: وقد تتعدى نبئ إلى مفعولين فقط ومنه قوله تعالى من ~~أنبأك هذا [التحريم: 3] ، وتكون في هذا الموضع بمعنى أخبر وعرف، وفي هذا ~~كله نظر، وهذه آية ترجية وتخويف، وروي في هذا المعنى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال «لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام ولو يعلم ~~قدر عذابه لبخع نفسه» . وروي في هذه الآية أن سببها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه عند باب بني شيبة في الحرم، فوجدهم ~~يضحكون، فزجرهم ووعظهم ثم ولى فجاءه جبريل عن الله، فقال: يا محمد أتقنط ~~عبادي؟ وتلا عليه الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ~~وأعلمهم. # قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها، إذ ~~تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة فأكد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 51 الى 56] # ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ms2029 (53) قال أبشرتموني على أن ~~مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) PageV03P364 # قرأ أبو حيوة «ونبهم» بضم الهاء من غير همز، وهذا ابتداء قصص بعد انصرام ~~الغرض الأول، وضيف مصدر وصف به فهو للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ~~بلفظ واحد كعدل وغيره، قال النحاس وغيره: التقدير عن أصحاب ضيف. # قال القاضي أبو محمد: ويغني عن هذا أن هذا المصدر عومل معاملة الأسماء ~~كما فعل في رهن ونحوه، والمراد ب «الضيف» هنا الملائكة الذين جاؤوا لإهلاك ~~قوم لوط وبشروا إبراهيم، وقد تقدم قصصهم. وقوله سلاما مصدر منصوب بفعل مضمر ~~تقديره سلمنا أو نسلم سلاما، والسلام هنا التحية، وقوله سلاما حكاية قولهم ~~فلا يعمل القول فيه، وإنما يعمل إذا كان ما بعده ترجمة عن كلام ليس يحكى ~~بعينه كما تقول لمن قال لا إله إلا الله قلت حقا ونحو هذا وقوله إنا منكم ~~وجلون أي فزعون، وإنما وجل إبراهيم عليه السلام منهم لما قدم إليهم العجل ~~الحنيذ فلم يرهم يأكلون، وكانت عندهم العلامة المؤمنة أكل الطعام، وكذلك هو ~~في غابر الدهر أمنة للنازل والمنزول به، وقرأ الجمهور «لا توجل» مستقبل ~~وجل، وقرأ الحسن «لا تؤجل» بضم التاء على بناء الفعل للمفعول من أوجل، لأن ~~وجل لا يتعدى، وكانت هذه البشارة بإسحاق، وذلك بعد مولد إسماعيل بمدة، وقول ~~إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق [إبراهيم: 39] ~~وليس يقتضي أنهما حينئذ وهبهما بل قبل الحمد بكثير. وقرأ الجمهور ~~«أبشرتموني» بألف الاستفهام، وقرأ الأعرج «بشرتموني» بغير ألف. وقوله: على ~~أن مسني الكبر، أي في حالة قد مسني فيها الكبر، وقرأ ابن محيصن «الكبر» بضم ~~الكاف وسكون الباء، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «تبشرون» ~~بفتح النون التي هي علامة الرفع، والفعل على هذه القراءة غير معدى، وقرأ ~~الحسن البصري «تبشروني» بنون مشددة وياء، وقرأ ابن كثير بشد النون دون ياء، ~~وهذه القراءة أدغمت فيها نون العلامة في النون التي ms2030 هي للمتكلم موطئة ~~للياء، وقرأ نافع «تبشرون» بكسر النون، وغلط أبو حاتم نافعا في هذه ~~القراءة، وقال إن شاهد الشعر في هذا اضطرار. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حمل منه، وتقدير هذه القراءة أنه حذفت النون ~~التي للمتكلم وكسرت النون التي هي علامة الرفع بحسب الياء، ثم حذفت الياء ~~لدلالة الكسرة عليها، ونحو هذا قول الشاعر أنشده سيبويه: [الوافر] # تراه كالثغام يعل مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني # ومنه قول الآخر: # أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني # ومن حذف هذه النون قول الشاعر: # قدني من نصر الخبيبين قدي يريد عبد الله ومصعبا ابني الزبير، وكان عبد ~~الله يكنى أبا خبيب، وقرأ الحسن «فبم تبشرون» بفتح PageV03P365 # التاء وضم الشين، وقول إبراهيم عليه السلام فبم تبشرون تقرير على جهة ~~التعجب والاستبعاد لكبرهما، أو على جهة الاحتقار وقلة المبالاة بالمسرة ~~الدنيوية لمضي العمر واستيلاء الكبر. قال مجاهد: # عجب من كبره ومن كبر امرأته، وقد تقدم ذكر سنه وقت البشارة. وقولهم ~~بشرناك بالحق فيه شدة ما، أي بشر بما بشرت به ودع غير ذلك، وقرأ جمهور ~~الناس «القانطين» ، والقنوط: أتم اليأس، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وابن ~~مصرف ورويت عن عمرو «القنطين» ، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر ~~وحمزة، «ومن يقنط» بفتح النون في كل القرآن، وقرأ أبو عمرو والكسائي «ومن ~~يقنط» بكسر النون، وكلهم قرأ من بعد ما قنطوا [الشورى: 28] بفتح النون، ورد ~~أبو عبيد قراءة أهل الحرمين وأنكر أن يقال قنط بكسر النون، وليس كما قال ~~لأنهم لا يجمعون إلا على قوي في اللغة مروي عندهم، وهي قراءة فصيحة إذ يقال ~~قنط يقنط وقنط يقنط مثل نقم ونقم، وقرأ الأعمش هنا «يقنط» بكسر النون، وقرأ ~~من بعد ما قنطوا [الشورى: 28] بكسر النون أيضا، فقرأ باللغتين، وقرأ الأشهب ~~«يقنط» بضم النون وهي قراءة الحسن والأعمش أيضا وهي لغة تميم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 57 الى 65] # قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) ~~إلا ms2031 آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ~~(60) فلما جاء آل لوط المرسلون (61) # قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) ~~وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ~~ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) # القائل هنا إبراهيم عليه السلام، وقوله: فما خطبكم سؤال فيه عنف، كما ~~تقول لمن تنكر حاله: # ما دهاك وما مصيبتك؟ وأنت إنما تريد استفهاما عن حاله فقط. لأن «الخطب» ~~لفظة إنما تستعمل في الأمور الشداد، على أن قول إبراهيم عليه السلام أيها ~~المرسلون وكونهم أيضا قد بشروه يقتضي أنه قد كان عرف أنهم ملائكة حين قال ~~فما خطبكم، فيحتمل قوله فما خطبكم مع هذا أنه أضاف الخطب إليهم من حيث هم ~~حملته إلى القوم المعذبين أي ما هذا الخطب الذي تتحملونه وإلى أي أمة. ول ~~قوم مجرمين يراد به أهل مدينة سدوم الذين بعث فيهم لوط عليه السلام، ~~والمجرم الذي يجر الجرائر ويرتكب المحظورات، وأصل جرم وأجرم كسب، ومنه قول ~~الشاعر: [الوافر] جريمة ناهض في رأس نيق أي كسب عقاب في قنة شامخ، ولكن ~~اللفظة خصت في عرفها بالشر، لا يقال لكاسب الأجر مجرم، وقولهم إلا آل ~~استثناء منقطع، والأول القوم الذين يؤول أمرهم إلى المضاف إليه، كذا قال ~~سيبويه، وهذا نص في أن لفظة آل ليست لفظة أهل كما قال النحاس، ويجوز على ~~هذا إضافة آل إلى الضمير، وأما أهيل فتصغير أهل، واجتزوا به عن تصغير «آل» ~~، فرفضوا «أويلا» وقرأ جمهور السبعة PageV03P366 # «لمنجوهم» ، وقرأ حمزة والكسائي «لمنجوهم» بسكون النون وضم الجيم مخففة، ~~والضمير في لمنجوهم في موضع خفض بالإضافة، وانحذفت النون للمعاقبة، هذا قول ~~جمهور النحويين، وقال الأخفش الضمير في موضع نصب وانحذفت النون لأنه لا بد ~~من اتصال هذا الضمير. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقوله إلا امرأته استثناء بعد استثناء ~~وهما منقطعان فيما حكى بعض النحاة لأنهم لم يجعلوا امرأته الكافرة من آله. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ms2032 لأنها قبل الاستثناء داخلة في اللفظ ~~الذي هو الأول، وليس كذلك الأول مع «المجرمين» ، فيظهر الاستثناء الأول ~~منقطعا والثاني متصلا، والاستثناء بعد الاستثناء يرد المستثنى الثاني في ~~حكم أمر الأول، ومثل بعض الناس في هذا بقولك: لي عندك مائة درهم إلا عشرة ~~دراهم إلا درهمين، فرجعت الدرهمان في حكم التسعين الدرهم، وقال المبرد: ليس ~~هذا المثال بجيد، لأنه من خلق الكلام ورثه إذ له طريق إلى أداء المعنى ~~المقصود بأجمل من هذا التخليق، وهو أن يقول لي عندك مائة إلا ثمانية، وإنما ~~ينبغي أن يكون مثالا للآية قولك: ضربت بني تميم إلا بني دارم إلا حاجبا، ~~لأن حاجبا من بني دارم فلما كان المستثنى الأول في ضمنه ما لا يجري الحكم ~~عليه، والضرورة تدخله في لفظه ولا يمكنك العبارة عنه دون ذلك الذي يجري ~~الحكم عليهم اضطررت إلى استثناء ثان. # قال القاضي أبو محمد: ونزعة المبرد في هذا نبيلة، وقرأ جميعهم سوى عاصم ~~في رواية أبي بكر «قدرنا» بتشديد الدال في كل القرآن، وقرأ عاصم «قدرنا» ~~بتخفيفها، ونقل في رواية حفص، والتخفيف يكون بمعنى التثقيل كما قال الهذلي ~~أبو ذؤيب: [الطويل] # ومفرهة عنس قدرت لساقها ... فخرت كما تتابع الريح بالقفل # يريد قدرت ضربي لساقها، وكقول النبي عليه السلام في الاستخارة: «واقدر لي ~~الخير حيث كان» ، ويكون أيضا بمعنى سن ووفق ومنه قول الشاعر: [يزيد بن ~~مفرغ] # بقندهار ومن تقدير منيته ... يرجع دونه الخبر # وكسرت الألف من إنها بسبب اللام التي في قوله لمن والغابر الباقي في ~~الدهر وغيره، وقالت فرقة منهم النحاس: هو من الأضداد، يقال في الماضي وفي ~~الباقي، وأما في هذه الآية فهي للبقاء أي من الغابرين في العذاب، وقوله ~~تعالى: فلما جاء آل لوط المرسلون الآيات، تقدم القول وذكر القصص في أمر لوط ~~وصورة لقاء الرسل له، وقيل إن الرسل كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، ~~وإسرافيل، وقيل كانوا اثني عشر وقوله منكرون أي لا يعرفون في هذا القطر، ~~وفي هذه اللفظة تحذير وهو من نمط ذمه لقومه وجريه ms2033 إلى أن لا ينزل هؤلاء ~~القوم في تلك المدينة خوفا منه أن يظهر سوء فعلهم وطلبهم الفواحش، فقالت ~~الرسل للوط بل جئناك بما وعدك الله من تعذيبهم على كفرهم ومعاصيهم، وهو ~~الذي كانوا يشكون فيه ولا يحققونه، وقرأت فرقة «فاسر» بوصل الألف، وقرأت ~~فرقة «فأسر» بقطع الألف، يقال سرى وأسرى بمعنى، إذا سار ليلا، وقال ~~النابغة: [البسيط] أسرت عليه من الجوزاء سارية PageV03P367 # فجمع بين اللغتين في بيت، وقرأ اليماني «فيسر بأهلك» ، وهذا الأمر بالسرى ~~هو عن الله تعالى، أي يقال لك، و «القطع» الجزء من الليل، وقرأت فرقة ~~«بقطع» بفتح الطاء حكاه منذر بن سعيد. وقوله: واتبع أدبارهم أي كن خلفهم ~~وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يتلوى، وحيث في مشهورها ظرف مكان، ~~وقالت فرقة أمر لوط أن يسير إلى زغر، وقيل: إلى موضع نجاة غير معروف عندنا، ~~وقالت فرقة: # حيث قد تكون ظرف زمان، وأنشد أبو علي في هذا بيت طرفة: [المديد] # للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه # كأنه قال مدة مشيه وتنقله، وهذه الآية من حيث أمر أن يسري بقطع من الليل ~~ثم قيل له «حيث تؤمر» . ونحن لا نجد في الآية أمرا له لا في قوله بقطع من ~~الليل أمكن أن تكون حيث ظرف زمان، ويلتفت مأخوذ من الالتفات الذي هو نظر ~~العين، قال مجاهد: المعنى لا ينظر أحد وراءه. # قال القاضي أبو محمد: ونهوا عن النظر مخافة العقلنة وتعلق النفس بمن خلف، ~~وقيل بل لئلا تتفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. ~~وقيل يلتفت معناه يتلوى من قولك لفت الأمر إذا لويته، ومنه قولهم للعصيدة ~~لفيتة لأنها تلوى، بعضها على بعض. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 66 الى 77] # وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء أهل المدينة ~~يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون ~~(69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) # قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم ms2034 يعمهون (72) ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من ~~سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) # وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) # المعنى وقضينا ذلك الأمر أي أمضيناه وختمنا به، ثم أدخل في الكلام إليه ~~من حيث أوحى ذلك إليه وأعلمه الله به فجلب هذا المعنى بإيجاز وحذف ما يدل ~~الظاهر عليه وأن في موضع نصب، قال الأخفش: هي بدل من ذلك، وقال الفراء: بل ~~التقدير «بأن دابر» فحذف حرف الجر، والأول أصوب، و «الدابر» الذي يأتي آخر ~~القوم أي في أدبارهم، وإذا قطع ذلك وأتى عليه فقد أتى العذاب من أولهم إلى ~~آخرهم، وهذه ألفاظ دالة على الاستئصال والهلاك التام، يقال قطع الله دابره ~~واستأصل شأفته وأسكت نأمته بمعنى. ومصبحين معناه إذا أصبحوا ودخلوا في ~~الصباح، وقوله وجاء أهل المدينة، يحتمل أن رجع الوصف أمر جرى قبل إعلام لوط ~~بهلاك أمته، ويدل على هذا أن محاجة لوط لقومه تقتضي ضعف من لم يعلم ~~إهلاكهم، وأن الأضياف ملائكة، ويحتمل قوله وجاء أهل المدينة أن يكون بعد ~~علمه بهلاكهم، وكان قوله ما يأتي من المحاورة على جهة التهكم عنهم والإملاء ~~لهم والتربص بهم. PageV03P368 # قال القاضي أبو محمد: والاحتمال الأول عندي أرجح، وهو الظاهر من آيات غير ~~هذه السورة، وقوله يستبشرون أي بالأضياف طمعا منهم في الفاحشة، و «الضيف» ~~مصدر وصف به، فهو يقع للواحد والجميع والمذكر والمؤنث، وقولهم أولم ننهك عن ~~العالمين روي أنهم قد تقدموا إليه في أن لا يضيف أحدا ولا يجيره، لأنهم لا ~~يراعونه ولا يكتفون عن طلب الفاحشة فيه، وقرأ الأعمش «إن دابر» بكسر الهمزة ~~وروي أن في قراءة عبد الله «وقضينا إليه ذلك الأمر وقلنا إن دابر هؤلاء ~~مقطوع» ، وذكر السدي أنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة مع الغرباء ولا ~~يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق، وقول لوط عليه السلام هؤلاء ~~بناتي اختلف في تأويله، فقيل أراد نساء أمته لأن زوجات النبيين أمهات الأمم ~~وهو أبوهم فالنساء بناته في الحرمة والمراد بالتزويج، ويلزم هذا ms2035 التأويل أن ~~يكون في شرعه جواز زواج الكافر للمؤمنة، وقد ورد أن المؤمنات به قليل جدا، ~~وقيل إنما أراد بنات صلبه ودعا إلى التزويج أيضا قاله قتادة ويلزم هذا ~~التأويل أيضا ما لزم المتقدم في ترتيبنا. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بقوله عليه السلام هؤلاء بناتي بنات ~~صلبه، ويكون ذلك على طريق المجاز، وهو لا يحقق في إباحة بناته وهذا كما ~~تقول لإنسان تراه يريد قتل آخر اقتلني ولا تقتله فإنما ذلك على جهة التشنيع ~~عليه والاستنزال من جهة ما واستدعاء الحياء منه، وهذا كله من مبالغة القول ~~الذي لا يدخله معنى الكذب بل الغرض منه مفهوم، وعليه قول النبي عليه السلام ~~«ولو كمفحص قطاة» ، إلى غير هذا من الأمثلة و «العمر» و «العمر» بفتح العين ~~وضمها واحد، وهما مدة الحياة، ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح، وفي هذه ~~الآية شرف لمحمد عليه السلام لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع ~~بشر سواه، قاله ابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: والقسم ب لعمرك في القرآن، وب «لعمري» ونحوه في ~~أشعار العرب وفصيح كلامها في غير موضع. # كقوله: [الطويل] لعمري وما عمري علي بهين وقول الآخر: [الوافر] لعمر أبيك ~~ما نسب المعالي وكقول الآخر: [طرفة بن العبد] [الطويل] # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لك الطول المرخى وثنياه باليد # والعرب تقول لعمر الله، ومنه قول الشاعر: # إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها # وقال الأعشى: [الكامل] # ولعمر من جعل الشهور علامة ... فيها فبين نصفها وكمالها PageV03P369 # ويروى وهلالها، وقال بعض أصحاب المعاني، لا يجوز هذا لأنه لا يقال لله ~~تعالى عمر، وإنما يقال بقاء أزلي ذكره الزهراوي، وكره إبراهيم النخعي أن ~~يقول الرجل لعمري لأنه حلف بحياة نفسه، وذلك من كلام ضعفة الرجال، ونحو ~~هذا، قول مالك في «لعمري» و «لعمرك» أنها ليست بيمين، وقال ابن حبيب ينبغي ~~أن تصرف لعمرك في الكلام اقتداء بهذه الآية، ويعمهون يرتبكون ويتحيرون، ~~والضمائر في سكرتهم يراد بها قوم لوط ms2036 المذكورون، وذكر الطبري أن المراد ~~قريش، وهذا بعيد لأنه ينقطع مما قبله ومما بعده، وقوله لفي سكرتهم مجاز ~~وتشبيه، أي في ضلالتهم وغفلتهم وإعراضهم عن الحق ولهوهم، ويعمهون معناه ~~يتردون في حيرتهم، ومشرقين معناه قد دخلوا في الإشراق وهو سطوع ضوء الشمس ~~وظهوره قاله ابن زيد. # قال القاضي أبو محمد: وهذه «الصيحة» هي صيحة الوجبة وليست كصيحة ثمود، ~~وأهلكوا بعد الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين، وخبر قوله لعمرك محذوف ~~تقديره لعمرك قسمي أو يميني، وفي هذا نظر، وقرأ ابن عباس «وعمرك» ، وقرأ ~~الأشهب العقيلي «لفي سكرتهم» بضم السين، وقرأ ابن أبي عبلة «لفي سكراتهم» ، ~~وقرأ الأعمش «لفي سكرهم» بغير تاء، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي «أنهم ~~في سكرتهم» بفتح الألف، وروي في معنى قوله فجعلنا عاليها سافلها أن جبريل ~~عليه السلام اقتلع المدينة بجناحيه ورفعها حتى سمعت ملائكة السماء صراخ ~~الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها وأرسل الكل، فمن سقط عليه شيء من جرم المدينة ~~مات، ومن أفلت منهم أصابته حجارة من سجيل، وسجيل اسم من الدنيا، وقيل لفظة ~~فارسية، وهي الحجارة المطبوخة من الطين كالآجر ونحوه، وقد تقدم القول في ~~هذا، و «المتوسمون» قال مجاهد المتفرسون، وقال الضحاك الناظرون، وقال قتادة ~~المعتبرون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وهذا كله تفسير بالمعنى، وأما ~~تفسير اللفظة فإن المعاني التي تكون في الإنسان وغيره من خير أو شر يلوح ~~عليه وسم عن تلك المعاني، كالسكون والدماثة واقتصاد الهيئة التي تكون عن ~~الخير ونحو هذا، فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على ~~المعنى، وكأن معصية هؤلاء أبقت من العذاب والإهلاك وسما، فمن رأى الوسم ~~استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي لئلا ينزل به ما نزل ~~بهم، ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر: [الطويل] # توسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من آل هاشم # وقال آخر: # فظللت فيها واقفا أتوسم وقال آخر: # إني توسمت فيك الخير نافلة والضمير في قوله وإنها يحتمل أن يعود على ms2037 ~~المدينة المهلكة، أي أنها في طريق ظاهر بين للمعتبر، وهذا تأويل مجاهد ~~وقتادة وابن زيد، ويحتمل أن يعود على الآيات، ويحتمل أن يعود على الحجارة، ~~ويقوي هذا التأويل ما روي أن النبي عليه السلام قال: «إن حجارة العذاب ~~معلقة بين السماء PageV03P370 # والأرض منذ ألفي سنة لعصاة أمتي» ، وقوله الآية أي أمارة وعلامة كما تقول ~~آية ما بيني وبينك كذا وكذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 78 الى 86] # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ~~(79) ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها ~~معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) # فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) وما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح ~~الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) # الأيكة الغيضة والشجر الملتف المخضر يكون السدر وغيره، قال قتادة، وروي ~~أن أيكة هؤلاء كانت من شجر الدوم، وقيل من المقل، وقيل من السدر، وكان ~~هؤلاء قوما يسكنون غيضة ويرتفقون بها في معايشهم فبعث الله إليهم شعيبا ~~فكفروا فسلط الله عليهم الحر فدام عليهم سبعة أيام ثم رأوا سحابة فخرجوا ~~فاستظلوا تحتها فاضطرمت عليهم نارا، وحكى الطبري قال: بعث شعيب إلى أمتين ~~كفرتا فعذبتا بعذابين مختلفين: أهل مدين عذبوا بالصيحة، وأصحاب الأيكة، ولم ~~يختلف القراء في هذا الموضع في إدخال الألف واللام على «أيكة» ، وأكثرهم ~~همز ألف أيكة بعد اللام، وروي عن بعضهم أنه سهلها ونقل حركتها إلى اللام ~~فقرأ «أصحاب الأيكة» دون همز، واختلفوا في سورة الشعراء وفي سورة ص، وإن هي ~~المخففة من الثقيلة على مذهب البصريين، وقال الفراء إن بمعنى ما، واللام في ~~قوله لظالمين بمعنى إلا. قال أبو علي: الأيك جمع أيكة كترة وتمر. # قال القاضي أبو محمد: ومن الشاهد على اللفظة قول أمية بن أبي الصلت: # كبكاء الحمام على غصون الأي ... ك في الطير الجوانح # ومنه قول جرير: [الوافر] # وقفت بها فهاج الشوق مني ... حمام الأيك يسعدها حمام # ومنه قول الآخر: # ألا ms2038 إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب # ومنه قول الهذلي: # موشحة بالطرتين دنا لها ... جنا أيكة تضفو عليها قصارها # وأنشد الأصمعي: [البسيط] PageV03P371 # وما خليج من المروت ذو حدب ... يرمي الصعيد بخشب الأيك والضال # والضمير في قوله وإنهما يحتمل أن يعود على المدينتين اللتين تقدم ذكرهما: ~~مدينة قوم لوط، ومدينة أصحاب الأيكة، ويحتمل أن يعود للنبيين: على لوط ~~وشعيب، أي أنهما على طريق من الله وشرع مبين. و «الإمام» في كلام العرب ~~الشيء الذي يهتدى به ويؤتم، يقولونه لخيط البناء، وقد يكون الطريق، وقد ~~يكون الكتاب المفيد، وقد يكون القياس الذي يعمل عليه الصناع، وقد يكون ~~الرجل المقتدى به، ونحو هذا، ومن رأى عود الضمير في إنهما على المدينتين ~~قال «الإمام» الطريق، وقيل على ذلك «الإمام» الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما، ~~وأصحاب الحجر هم ثمود، وقد تقدم قصصهم، والحجر مدينتهم، وهي ما بين المدينة ~~وتبوك، وقال المرسلين من حيث يجب بتكذيب رسول واحد تكذيب الجميع، إذ القول ~~في المعتقدات واحد للرسل أجمع، فهذه العبارة أشنع على المكذبين، و «الآية» ~~التي آتاهم الله هي الناقة وما اشتملت عليه من خرق العادة حسبما تقدم ~~تفسيره وبسطه، وقرأ أبو حيوة «وآتيناهم آيتنا» مفردة، وقوله تعالى: وكانوا ~~ينحتون الآية، يصف قوم صالح بشدة النظر للدنيا والتكسب منها فذكر من ذلك ~~مثالا أن بيوتهم كانوا ينحتونها في حجر الجبال، و «النحت» النقر بالمعاول ~~ونحوها في الحجارة والعود ونحوه، وقرأ جمهور الناس «ينحتون» بكسر الحاء، ~~وقرأ الحسن «ينحتون» بفتحها، وذلك لأجل حرف الحلق، وهي قراءة أبي حيوة، ~~وقوله آمنين قيل معناه من انهدامها، وقيل من حوادث الدنيا، وقيل من الموت ~~لاغترارهم بطول الأعمال. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا ~~يأمنون عواقب الآخرة. فكانوا لا يعملون بحسبها، بل كانوا يعملون بحسب الأمن ~~منها، ومعنى مصبحين أي عند دخولهم في الصباح، وذكر أن ذلك كان يوم سبت، وقد ~~تقدم قصص عذابهم وميعادهم وتغير ألوانهم، ولم تغن عنهم شدة ms2039 نظرهم للدنيا ~~وتكسبهم شيئا، ولا دفع عذاب الله، وما الأولى تحتمل النفي وتحتمل التقرير، ~~والثانية مصدرية، وقوله تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض الآية، المراد أن ~~هؤلاء المكتسبين للدنيا الذين لم يغن عنهم اكتسابهم ليسوا في شيء، فإن ~~السماوات والأرض وجميع الأشياء لم تخلق عبثا ولا سدى، ولا لتكون طاعة الله ~~كما فعل هؤلاء ونظراؤهم، وإنما خلقت بالحق ولواجب مراد وأغراض لها نهايات ~~من عذاب أو تنعيم وإن الساعة لآتية على جميع أمور الدنيا، أي فلا تهتم يا ~~محمد بأعمال قومك فإن الجزاء لهم بالمرصاد، فاصفح عن أعمالهم، أي ولها صفحة ~~عنقك بالإعراض عنها، وأكد الصفح بنعت الجمال إذ المراد منه أن يكون لا عتب ~~فيه ولا تعرض. # وهذه الآية تقتضي مداهنة، ونسخها في آية السيف قاله قتادة، ثم تلاه في ~~آخر الآية بأن الله تعالى يخلق من شاء لما شاء ويعلم تعالى وجه الحكمة في ~~ذلك لا هذه الأوثان التي يعبدونها، وقرأ جمهور الناس «الخلاق» ، وقرأ ~~الأعمش والجحدري «الخالق» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 87 الى 93] # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني ~~أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن ~~عضين (91) # فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) PageV03P372 # قال ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن جبير: «السبع» هنا هي ~~السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال ~~مع براءة، وقال ابن جبير: بل السابعة يونس وليست الأنفال وبراءة منها، ~~والمثاني على قول هؤلاء: القرآن كما قال تعالى: كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم [الزمر: 23] ، وسمي بذلك لأن القصص والأخبار ~~تثنى فيه وتردد، وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس أيضا وابن ~~مسعود والحسن وابن أبي مليكة وعبيد بن عمير وجماعة: «السبع» هنا هي آيات ~~الحمد، قال ابن عباس: هي سبع: ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال غيره هي سبع ms2040 ~~دون البسملة، وروي في هذا حديث أبي بن كعب ونصه: قال أبي: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك يا أبي سورة لم تنزل في التوراة والإنجيل ~~ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها» ، قلت: بلى، قال: «إني لأرجو أن لا ~~تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها» ، فقام رسول الله وقمت معه ويدي في يده ~~وجعلت أبطىء في المشي مخافة أن أخرج، فلما دنوت من باب المسجد، قلت: يا ~~رسول الله، السورة التي وعدتنيها؟ فقال: «كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة» ؟ ~~قال: فقرأت الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 1] حتى كملت فاتحة الكتاب، ~~فقال: «هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت» ، كذا أو نحوه ~~ذكره مالك في الموطأ، وهو مروي في البخاري ومسلم عن أبي سعيد بن المعلى ~~أيضا، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «إنها السبع المثاني، ~~وأم القرآن، وفاتحة الكتاب» وفي كتاب الزهراوي: وليس فيها بسملة، والمثاني ~~على قول هؤلاء يحتمل أن يكون القرآن، ف من للتبعيض، وقالت فرقة: بل أراد ~~الحمد نفسها كما قال الرجس من الأوثان [الحج: 30] ف من لبيان الجنس، وسميت ~~بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، وقيل سميت بذلك لأنها يثنى بها على الله ~~تعالى، جوزه الزجاج. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول من جهة التصريف نظر، وقال ابن عباس: ~~سميت بذلك لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها، وقال نحوه ~~ابن أبي مليكة، وقرأت فرقة «والقرآن» بالخفض عطفا على المثاني وقرأت فرقة ~~«والقرآن» بالنصب عطفا على قوله سبعا، وقال زياد بن أبي مريم: # المراد بقوله ولقد آتيناك سبعا أي سبع معان من القرآن خولناك فيها شرف ~~المنزلة في الدنيا والآخرة وهي: مر، وانه، وبشر، وأنذر، واضرب الأمثال، ~~واعدد النعم، واقصص الغيوب، وقال أبو العالية «السبع المثاني» هي آية فاتحة ~~الكتاب، ولقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء، وقوله لا تمدن ~~عينيك الآية، حكى الطبري، عن سفيان بن عيينة أنه قال ms2041 هذه الآية أمر ~~بالاستغناء بكتاب الله عن جميع زينة الدنيا، وهي ناظرة إلى قوله عليه ~~السلام: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» أي يستغني به. PageV03P373 # قال القاضي أبو محمد: فكأنه قال: ولقد آتيناك عظيما خطيرا فلا تنظر إلى ~~غير ذلك من أمور الدنيا وزينتها التي متعنا بها أنواعا من هؤلاء الكفرة، ~~ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أوتي القرآن فرأى أن ~~أحدا أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم صغيرا، وصغر عظيما» وكأن «مد العين» يقترن ~~به تمن، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا ب «مد العين» و «الأزواج» هنا ~~الأنواع والأشباه، وقوله ولا تحزن عليهم أي لا تتأسف لكفرهم وهلاكهم، واصرف ~~وجه تحفيك إلى من آمن بك واخفض لهم جناحك وهذه استعارة بمعنى لين جناحك ~~ووطئ أكنافك. «والجناح» الجانب والجنب، ومنه واضمم يدك إلى جناحك [طه: 22] ~~فهو أمر بالميل إليهم، والجنوح الميل، وقل إني أنا النذير المبين، أي تمسك ~~بهذا القدر العظيم الذي وهبناك، والكاف من قوله كما متعلقة بفعل محذوف ~~تقديره، وقل إني أنا النذير المبين عذابا كالذي أنزلنا على المقتسمين، ~~فالكاف اسم في موضع نصب. # قال القاضي أبو محمد: هذا قول المفسرين، وهو عندي غير صحيح لأن كما ليس ~~مما يقوله محمد عليه السلام بل هو من قول الله تعالى له فينفصل الكلام، ~~وإنما يترتب هذا القول بأن نقدر أن الله تعالى قال له تنذر عذابا كما، ~~والذي أقول في هذا المعنى: وقل أنا النذير كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا ~~عليهم كما أنزلنا عليك، ويحتمل أن يكون المعنى وقل أنا النذير كما قد ~~أنزلنا قبل في الكتب أنك ستأتي نذيرا، وهذا على أن المقتسمين أهل الكتاب، ~~واختلف الناس في المقتسمين من هم؟ فقال ابن زيد: هم قوم صالح الذين اقتسموا ~~السيئات فالمقتسمون على هذا من القسم. # قال القاضي أبو محمد: ويقلق هذا التأويل مع قوله الذين جعلوا القرآن ~~عضين، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: «المقتسمون» هم أهل الكتاب الذين فرقوا ~~دينهم، وجعلوا ms2042 كتاب الله أعضاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقال نحوه مجاهد، ~~وقالت فرقة: «المقتسمون» هم من كفار قريش الذين اقتسموا الطرق وقت الموسم ~~ليعرفوا الناس بحال محمد عليه السلام، وجعلوا القرآن سحرا وشعرا وكهانة ~~فعضهوه بهذا وعضوه أعضاء بهذا التقسيم، وقال عكرمة: «المقتسمون» هم قوم ~~كانوا يستهزئون بسور القرآن فيقول الرجل منهم هذه السورة لي، ويقول الآخر ~~وهذه لي، وقوله عضين مفعول ثان وجعل بمعنى صير، أي بألسنتهم ودعواهم، وأظهر ~~ما فيه أنه جمع عضة، وهي الفرقة من الشيء والجماعة من الناس كثبة وثبين ~~وعزة وعزين، وأصلها عضهة وثبوة فالياء والنون عوض من المحذوف، كما قالوا ~~سنة وسنون، إذ أصلها سنهة، وقال ابن عباس وغيره: عضين مأخوذ من الأعضاء أي ~~عضوة فجعلوه أعضاء مقسما، ومن ذلك قول الراجز: # وليس دين الله بالمعضى وهذا هو اختيار أبي عبيدة، وقال قتادة: عضين مأخوذ ~~من العضة وهو السب المفحش، فقريش عضهوا كتاب الله بقولهم: هو شعر، هو سحر، ~~هو كهانة، وهذا هو اختيار الكسائي، وقالت فرقة: # عضين جمع عضة وهي اسم للسحر خاصة بلغة قريش، ومنه قول الراجز: # للماء من عضتهن زمزمة. # وقال هذا قول عكرمة مولى ابن عباس، وقال العضة السحر، وهم يقولون للساحرة ~~العاضهة، وفي الحديث «لعن الله العاضهة والمستعضهة» ، وهذا هو اختيار ~~الفراء. PageV03P374 # قال القاضي أبو محمد: ومن قال جعلوه أعضاء فإنما أراد قسموه كما تقسم ~~الجزور أعضاء، وقوله فو ربك لنسئلنهم إلى آخر الآية، ضمير عام ووعيد محض ~~يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه، فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن ~~الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام عن ~~رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو ~~العالية في تفسير هذه الآية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما ~~كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها أنس بن مالك وابن عمر ~~ومجاهد: إن السؤال عن لا إله إلا الله، وذكره الزهراوي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ms2043 وقال ابن عباس في قوله فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا ~~يعملون، قال يقال لهم: لم عملتم كذا وكذا؟ قال وقوله تعالى: فيومئذ لا يسئل ~~عن ذنبه إنس ولا جان [الرحمن: 39] معناه يقال له ما أذنبت لأن الله تعالى ~~أعلم بذنبه منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجر (15) : الآيات 94 الى 99] # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) # فاصدع معناه فانفد وصرح بما بعثت به، والصدع التفريق بين ملتئم كصدع ~~الزجاجة ونحوه، فكأن المصرح بقول يرجع إليه، يصدع به ما سواه مما يضاده، ~~والصديع الصبح لأنه يصدع الليل، وقال مجاهد: نزلت في أن يجهر بالقرآن في ~~الصلاة، وفي تؤمر ضمير عائد على «ما» ، تقديره ما تؤمر به أو تؤمره وفي ~~هذين تنازع، وقوله وأعرض عن المشركين من آيات المهادنات التي نسختها آية ~~السيف، قاله ابن عباس، ثم أعلمه الله تعالى بأنه قد كفاه المستهزئين من ~~كفار مكة ببوائق إصابتهم من الله تعالى لم يسع فيها محمد ولا تكلف فيها ~~مشقة، وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير: «المستهزءون» خمسة نفر: الوليد ~~بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والأسود بن عبد ~~يغوث، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة، وهو ابن غيطلة، وهو ابن قيس، قال أبو ~~بكر الهذلي: قلت للزهري: إن ابن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، ~~فقال ابن جبير هو الحارث بن غيطلة، وقال عكرمة هو الحارث بن قيس، فقال ~~الزهري صدقا أمه غيطلة وأبوه قيس وذكر الشعبي في المستهزئين هبار بن ~~الأسود، وذلك وهم لأن هبارا أسلم يوم الفتح ورحل إلى المدينة، وذكر الطبري ~~عن ابن عباس: أن المستهزئين كانوا ثمانية كلهم مات قبل بدر، وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، فأتاه جبريل فجاز الوليد فأومأ ~~جبريل بأصبعه إلى ساقه، وقال للنبي ms2044 عليه السلام: كفيت ثم جاز العاصي، فأومأ ~~إلى أخمصه، وقال: كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم مر الأسود بن ~~عبد يغوث، فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم ~~مر الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى رأسه، وقال كفيت، ثم مر الحارث، فأومأ ~~إلى بطنه، وقال: كفيت، وكان الوليد قد مر بقين في خزاعة PageV03P375 # فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش ساقه، ثم برىء فانتقض به ذلك الخدش بعد ~~إشارة جبريل، فقتله، وقيل إن السهم قطع أكحله، قاله قتادة ومقسم، وركب ~~العاصي بغلة في حاجة فلما جاء ينزل وضع أخمصه على شبرقه فورمت قدمه فمات، ~~وعمي أبو زمعة، وكان يقول: دعا علي محمد بالعمى فاستجيب له، ودعوت عليه بأن ~~يكون طريدا شريدا فاستجيب لي، وتمخض رأس الأسود بن عبد يغوث قيحا فمات، ~~وامتلأ بطن الحارث ماء فمات حبنا. # قال القاضي أبو محمد: وفي ذكر هؤلاء وكفايتهم اختلاف بين الرواة في صفة ~~أحوالهم، وما جرى لهم، جليت أصحه مختصرا طلب الإيجاز، ثم قرر تعالى ذنبهم ~~في الكفر واتخاذ الأصنام آلهة مع الله تعالى، ثم توعدهم بعذاب الآخرة الذي ~~هو أشق، وقوله تعالى: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون آية تأنيس للنبي ~~عليه السلام، وتسلية عن أقوال المشركين وإن كانت مما يقلق، وضيق الصدر يكون ~~من امتلائه غيظا بما يكره الإنسان، ثم أمره تعالى بملازمة الطاعة وأن تكون ~~مسلاته عند الهموم، وقوله من الساجدين يريد من المصلين، فذكر من الصلاة ~~حالة القرب من الله تعالى وهي السجود، وهي أكرم حالات الصلاة وأقمنها بنيل ~~الرحمة، وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حزبه أمر فزع ~~إلى الصلاة» فهذا منه عليه السلام أخذ بهذه الآية، واليقين: الموت، بذلك ~~فسره هنا ابن عمر ومجاهد والحسن وابن زيد، ومنه قول النبي عليه السلام عند ~~موت عثمان بن مظعون: «أما هو فقد رأى اليقين» ، ويروى «فقد جاءه اليقين» . ~~وليس اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به ms2045 يقين لا يمتري فيه عاقل، فسماه ~~هنا يقينا تجوزا، أي يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه وهذه الغاية معناها ~~مدة حياتك، ويحتمل أن يكون المعنى حتى يأتيك اليقين في النصر الذي وعدته. PageV03P376 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النحل # هذه السورة كانت تسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على ~~عباده، وهي مكية غير قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا [النحل: 126] نزلت ~~بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد، وغير قوله تعالى واصبر وما صبرك ~~إلا بالله [النحل: 127] ، وغير قوله ثم إن ربك للذين هاجروا [النحل: 110] ، ~~وأما قوله: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا [النحل: 41] فمكي في شأن ~~هجرة الحبشة. # قوله عز وجل: ### || سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ~~(2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين (4) # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال جبريل في سرد الوحي: أتى ~~أمر الله وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فلما قال فلا تستعجلوه ~~سكن. وقوله أمر الله قال فيه جمهور المفسرين: إنه يريد القيامة وفيها وعيد ~~للكفار، وقيل: المراد نصر محمد عليه السلام، وقيل: المراد تعذيب كفار مكة ~~بقتل محمد صلى الله عليه وسلم لهم وظهوره عليهم، ذكر نحو هذا النقاش عن ابن ~~عباس، وقيل: المراد فرائض الله وأحكامه في عباده وشرعه لهم، هذا هو قول ~~الضحاك، ويضعفه قوله فلا تستعجلوه إنا لا نعرف استعجالا الا ثلاثة اثنان ~~منها للكفار وهي في القيامة وفي العذاب، والثالث للمؤمنين في النصر وظهور ~~الإسلام، وقوله أتى على هذا القول إخبار عن إتيان ما يأتي، وصح ذلك من جهة ~~التأكيد، وإذا كان الخبر حقا فيؤكد المستقبل بأن يخرج في صيغة الماضي، أي ~~كأنه لوضوحه والثقة به قد وقع، ويحسن ذلك في خبر ms2046 الله تعالى لصدق وقوعه، ~~وقال قوم: أتى بمعنى قرب، وهذا نحو ما قلت، وإنما يجوز الكلام بهذا عندي ~~لمن يعلم قرينة التأكيد ويفهم المجاز، وأما إن كان المخاطب لا يفهم القرينة ~~فلا يجوز وضع الماضي موضع المستقبل، لأن ذلك يفسد الخبر ويوجب الكذب، وإنما ~~جاز في الشرط لوضوح القرينة «بأن» ، ومن قال: إن الأمر القيامة، قال: إن ~~قوله فلا تستعجلوه رد على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد، ومن ~~قال: إن الأمر تعذيب الكفار بنصر محمد صلى الله عليه وسلم وقتله لهم، قال ~~إن قوله فلا تستعجلوه رد على القائلين عجل لنا قطنا PageV03P377 # [ص: 16] ونحوه من العذاب، أو على مستبطئي النصر من المؤمنين في قراءة من ~~قرأ بالتاء، وقرأ الجمهور «فلا تستعجلوه» بالتاء على مخاطبة المؤمنين أو ~~على مخاطبة الكافرين بمعنى قل لهم: «فلا تستعجلوه» ، وقرأ سعيد بن جبير ~~بالياء على غيبة المشركين، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق وجميع الباقين ~~قرأ «يشركون» بالياء، ورجح الطبري القراءة بالتاء من فوق في الحرفين، قال ~~أبو حاتم: قرأ «يشركون» بالياء، من تحت في هذه والتي بعدها الأعرج وأبو ~~جعفر ونافع وأبو عمرو وابن نصاح والحسن وأبو رجاء، وقرأ عيسى الأولى بالتاء ~~من فوق، والثانية بالياء من تحت، وقرأهما جميعا بالتاء من فوق أبو العالية ~~وطلحة والأعمش وأبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب والجحدري، وقد روى الأصمعي عن ~~نافع التاء في الأولى. # وقوله سبحانه معناه تنزيها له، وحكى الطبري عن ابن جريج، قال: لما نزلت ~~أتى أمر الله فلا تستعجلوه قال رجال من الكفار، إن هذا يزعم أن أمر الله قد ~~أتى فأمسكوا عما أنتم بسبيله حتى ننظر، فلما لم يروا شيئا عادوا فنزلت ~~اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون [الأنبياء: 1] فقالوا مثل ذلك: ~~فنزلت ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم [هود: 8] ، وقال أبو بكر بن حفص: لما نزلت أتى أمر ~~الله رفعوا رؤوسهم، فنزلت فلا تستعجلوه، وحكى الطبري عن أبي صادق ms2047 أنه قرأ: ~~«يا عبادي أتى أمر الله فلا تستعجلوه» . وسبحانه نصب على المصدر أي تنزيها ~~له، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «ينزل» بالياء وشد الزاي، ~~ورجحها الطبري لما فيها من التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الزاي ~~مكسورة وسكون النون، وقرأ ابن أبي عبلة بالنون التي للعظمة وشد الزاي، وقرأ ~~قتادة بالنون وتخفيف الزاي وسكون النون، وفي هذه والتي قبلها شذوذ كثير، ~~وقرأ أبو عمرو عن عاصم «تنزل الملائكة» بضم التاء وفتح النون والزاي وشدها ~~ورفع «الملائكة» على ما لم يسم فاعله، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الجحدري ~~بالتاء مضمومة وسكون النون وفتح الزاي، وقرأ الحسن وأبو العالية وعاصم ~~الجحدري والأعرج بفتح التاء مضمومة وسكون النون وفتح الزاي، وقرأ الحسن ~~وأبو العالية وعاصم الجحدري والأعرج بفتح التاء ورفع «الملائكة» على أنها ~~فاعلة، ورواها المفضل عن عاصم، والملائكة هنا جبريل، واختلف المتأولون في ~~«الروح» فقال مجاهد، «الروح» النبوة، وقال ابن عباس: الوحي، وقال قتادة: ~~بالرحمة والوحي، وقال الربيع بن أنس: # كل كلام الله روح، ومنه قوله تعالى أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: ~~52] وقال ابن جريج: الروح شخص له صورة كصورة بني آدم ما نزل جبريل قط إلا ~~وهو معه، وهو كثير، وهم ملائكة، وهذا قول ضعيف لم يأت به سند، وقال الزجاج: ~~«الروح» ما تحيى به القلوب من هداية الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، فكأن اللفظة على جهة التشبيه ~~بالمقايسة إلى الأوامر التي هي في الأفعال والعبادات كالروح للجسد، ألا ترى ~~قوله أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا [الأنعام: 122] . # قال القاضي أبو محمد: ومن في هذه الآية على هذا التأويل الذي قدرنا ~~للتبعيض، وعلى سائر الأقوال لبيان الجنس، ومن في قوله من يشاء هي للأنبياء، ~~وأن في موضع خفض بدل من «الروح» ، ويصح أن تكون في موضع نصب بإسقاط الخافض ~~على تقدير بأن أنذروا، ويحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي، وقرأ الأعمش ~~«لينذروا أنه» ، وحسنت النذارة هنا وإن لم يكن في اللفظ ما ms2048 فيه خوف من PageV03P378 # حيث كان المنذرون كافرين بالألوهية، ففي ضمن أمرهم مكان خوف، وفي ضمن ~~الإخبار بالوحدانية نهي عما كانوا عليه ووعيد، ثم ذكر تعالى ما يقال ~~للأنبياء بالوحي على المعنى، ولم يذكره على لفظه لأنه لو ذكره على اللفظ ~~لقال «أن أنذروا أنه لا إله إلا الله» ، ولكنه إنما ذكر ذلك على معناه، ~~وهذا سائغ في الأقوال إذا حكيت أن تحكى على لفظها، أو تحكى بالمعنى فقط، ~~وقوله تعالى: خلق السماوات والأرض الآية، آية تنبيه على قدرة الله تعالى ~~بالحق أي بالواجب اللائق، وذلك أنها تدل على صفات يحق لمن كانت له أن يخلق ~~ويخترع ويعيد، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة النافذة بخلاف شركائهم ~~الذين لا يحق لهم شيء من صفات الربوبية، وقرأ الأعمش بزيادة فاء «فتعالى» . ~~وقوله خلق الإنسان من نطفة يريد ب الإنسان الجنس، وأخذ له الغايتين ليظهر ~~له البعد بينهما بقدرة الله، ويروى أن الآية نزلت لقول أبي بن خلف من يحيي ~~العظام وهي رميم؟ وقوله خصيم يحتمل أن يريد به الكفرة الذين يختصمون في ~~الله ويجادلون في توحيده وشرعه، ذكره ابن سلام عن الحسن البصري، ويحتمل أن ~~يريد أعم من هذا على أن الآية تعديد نعمة الذهن والبيان على البشر، ويظهر ~~أنها إذا تقدر في خصام الكافرين ينضاف إلى العبرة وعيد ما. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 5 الى 9] # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ~~ما لا تعلمون (8) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ~~(9) # الأنعام الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يقال نعم وأنعام للإبل، ويقال ~~للمجموع، ولا يقال للغنم مفردة، ونصبها إما عطف على الإنسان [النحل: 4] ~~وإما بفعل مقدر وهو أوجه، و «الدفء» السخانة وذهاب البرد بالأكسية ونحوها، ~~وذكر النحاس عن الأموي أنه قال: الدفء في لغة بعضهم تناسل الإبل. ms2049 # قال القاضي أبو محمد: وقد قال ابن عباس: نسل كل شيء، وقد قال ابن سيده: ~~«الدفء» نتاج الإبل وأوبارها والانتفاع بها، والمعنى الأول هو الصحيح، وقرأ ~~الزهري وأبو جعفر «دفء» بضم الفاء وشدها وتنوينها، و «المنافع» ألبانها وما ~~تصرف منها ودهونها وحرثها والنضح عليها وغير ذلك، ثم ذكر «الأكل» الذي هو ~~من جميعها، وقوله جمال أي في المنظر. وتريحون معناه حين تردونها وقت الرواح ~~إلى المنازل فتأتي بطانا ممتلئة الضروع، وتسرحون معناه تخرجونها غدوة إلى ~~السرح، تقول سرحت السائمة إذا أرسلتها تسرح فسرحت هي، كرجع رجعته، وهذا ~~«الجمال» هو لمالكها ولمحبيه وعلى حسدته وهذا المعنى كقوله تعالى المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا [الكهف: 46] وقرأ عكرمة والضحاك «حينما تريحون ~~حينا تسرحون» ، وقرأت فرقة «وحينا ترتحون» . PageV03P379 # قال القاضي أبو محمد: وأظنها تصحيفا. و «الأثقال» الأمتعة، وقيل المراد ~~هنا الأجسام كقوله وأخرجت الأرض أثقالها [الزلزلة: 2] أي أجسام بني آدم. # قال القاضي أبو محمد: واللفظ يحتمل المعنيين، قال النقاش: ومنه سمي الإنس ~~والجن الثقلين، وقوله إلى بلد أي بلد توجهتم بحسب اختلاف أغراض الناس، وقال ~~عكرمة وابن عباس والربيع بن أنس: المراد مكة، وفي الآية على هذا حض على ~~الحج. و «الشق» المشقة، ومنه قول الشاعر [النمر بن تولب] : [الطويل] # وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب من شقها ودؤوب # أي من مشقتها، ويقال فيها شق وشق أي مشقة، وقرأ أبو جعفر القاري وعمرو بن ~~ميمون وابن أرقم ومجاهد والأعرج «بشق الأنفس» بفتح الشين، ورويت عن نافع ~~وأبي عمرو، وذهب الفراء إلى أن معنى بشق الأنفس أي بذهاب نصفها، كأنه قد ~~دأبت نصبا وتعبا. # قال القاضي أبو محمد: كما تقول لرجل لا تقدر على كذا إلا بذهاب جل نفسك ~~وبقطعة من كبدك ونحو هذا من المجاز، وذهبوا في فتح الشين إلى أنه مصدر شق ~~يشق، ثم أوجب رأفة الله ورحمته في هذه النعم التي أذهبت المشقات ورفعت ~~الكلف، وقوله والخيل عطف أي وخلق الخيل، وقرأ ابن أبي عبلة، «والخيل ~~والبغال والحمير» بالرفع في كلها، ms2050 وسميت الخيل خيلا لاختيالها في المشية، ~~أفهمه أعرابي لأبي عمرو بن العلاء، وقوله وزينة نصب بإضمار فعل، قيل تقديره ~~وجعلنا زينة، وقرأ ابن عياض «لتركبوها زينة» دون واو، والنصب حينئذ على ~~الحال من الهاء في تركبوها وقوله ويخلق ما لا تعلمون عبرة منصوبة على ~~العموم، أي أن مخلوقات الله من الحيوان وغيره لا يحيط بعلمها بشر، بل ما ~~يخفى عنه أكثر مما يعلمه، وقد روي أن الله تعالى خلق ألف نوع من الحيوان ~~منها في البر أربعمائة، وبثها بأعيانها في البحر، وزاد فيه مائتين ليست في ~~البر. # وكل من خصص في تفسير هذه الآية شيئا، كقول من قال سوس الثياب وغير ذلك ~~فإنما هو على جهة المثال، لا أن ما ذكره هو المقصود في نفسه. قال الطبري: ~~ما لا تعلمون هو ما أعد الله في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها مما لم تره ~~عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر، واحتج بهذه الآية مالك رحمه الله ~~ومن ذهب مذهبه في كراهة لحوم الخيل والبغال والحمير أو تحريمها بحسب ~~الاختلاف في ذلك، وذكر الطبري عن ابن عباس، قال ابن جبير: سئل ابن عباس عن ~~لحوم الخيل والبغال والحمير، فكرهها فاحتج بهذه الآية، وقال: جعل الله ~~الأنعام للأكل، وهذه للركوب، وكان الحكم بن عتبة يقول: الخيل والبغال ~~والحمير حرام في كتاب الله ويحتج بهذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الحجة غير لازمة عند جماعة من العلماء، قالوا ~~إنما ذكر الله عز وجل عظم منافع الأنعام، وذكر عظم منافع هذه وأهم ما فيها، ~~وليس يقضي ذلك بأن ما ذكر لهذه لا تدخل هذه فيها، قال الطبري وفي إجماعهم ~~على جواز ركوب ما ذكر للأكل، دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولحوم الخيل عند كثير من العلماء ~~حلال، وفي جواز أكلها PageV03P380 # حديث أسماء بنت أبي بكر، وحديث جابر بن عبد الله: كنا نأكل الخيل في عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي ms2051 أبو محمد: والبغال والحمير مكروهة عند الجمهور، وهو تحقيق ~~مذهب مالك، ومن حجة من ألحق الخيل بالبغال والحمير في الكراهية القياس، إذ ~~قد تشابهت وفارقت الأنعام في أنها لا تجتر، وأنها ذوات حوافر، وأنها لا ~~أكراش لها، وأنها متداخلة في النسل، إذ البغال بين الحمير والخيل فهذا من ~~جهة النظر، وأما من جهة الشرع بأن قرنت في هذه الآية وأسقطت فيها الزكاة، ~~وقوله وعلى الله قصد السبيل الآية، هذا أيضا من أجل نعم الله تعالى، أي على ~~الله تقويم طريق الهدى وتبيينه، وذلك نصب الأدلة وبعث الرسل وإلى هذا ذهب ~~المتأولون، ويحتمل أن يكون المعنى أن مرسلك السبيل القاصد فعلى الله ورحمته ~~وتنعيمه طريقه وإلى ذلك مصيره، فيكون هذا مثل قوله تعالى هذا صراط علي ~~مستقيم [الحجر: 41] وضد قول النبي صلى الله عليه وسلم «والشر ليس إليك» أي ~~لا يفضي إلى رحمتك، وطريق قاصد معناه بين مستقيم، ومنه قول الآخر: # فصد عن نهج الطريق القاصد # والألف واللام في السبيل للعهد، وهي سبيل الشرع، وليست للجنس، ولو كانت ~~للجنس لم يكن فيها جائر، وقوله ومنها جائر يريد طريق اليهود والنصارى ~~وغيرهم كعبدة الأصنام، والضمير في منها يعود على السبيل التي تضمنها معنى ~~الآية، كأنه قال: ومن السبيل جائر، فأعاد عليها وإن كان لم يجر له ذكر ~~لتضمن لفظة السبيل بالمعنى لها، ويحتمل أن يعود الضمير في منها على سبيل ~~الشرع المذكورة وتكون «من» للتبعيض ويكون المراد فرق الضلالة من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، كأنه قال ومن بنيات الطرف في هذه السبيل ومن شعبها ~~جائر، وقوله ولو شاء لهداكم أجمعين معناه لخلق الهداية في قلوب جميعكم ولم ~~يضل أحد، وقال الزجاج معناه لو شاء لعرض عليكم آية تضطركم إلى الإيمان ~~والاهتداء. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول سوء لأهل البدع الذين يرون أن الله لا ~~يخلق أفعال العباد لم يحصله الزجاج، ووقع فيه رحمه الله عن غير قصد، وفي ~~مصحف عبد الله بن مسعود «ومنكم جائر» ، وقرأ علي بن أبي ms2052 طالب «فعنكم جائر» ~~، والسبيل تذكر وتؤنث. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 10 الى 12] # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) # هذا تعديد نعمة الله في المطر، وقوله ومنه شجر أي يكون منه بالتدريج، إذ ~~يسقي الأرض فينبت PageV03P381 # عن ذلك السقي الشجر، وهذا من التجوز، كقول الشاعر: [الرجز] أسنمة الآبال ~~في ربابه وكما سمى الآخر العشب سماء، في قوله: [الوافر] # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # قال أبو إسحاق: يقال لكل ما نبت على الأرض شجر، وقال عكرمة لا تأكلوا ثمن ~~الشجر فإنه سحت يعني الكلأ. وتسيمون معناه ترعون أنعامكم وسومها من الرعي ~~وتسرحونها، ويقال للأنعام السائمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفي ~~سائمة الغنم الزكاة، يقال أسام الرجل ماشيته إسامة إذا أرسلها ترعى، وسومها ~~أيضا وسامت هي، ومن ذلك قول الأعشى: # ومشى القوم بالأنعام إلى الرو ... حى وأعيى المسيم أين المساق # ومنه قول الآخر: [الكامل] # مثل ابن بزعة أو كآخر مثله ... أولى لك ابن مسيمة الأجمال # أي راعية للأجمال وفسر المتأولون بترعون، وقرأ الجمهور «ينبت» بالياء على ~~معنى ينبت الله، يقال نبت الشجر وأنبته الله، وروي أنبت الشجر بمعنى نبت، ~~وكان الأصمعي يأبى ذلك ويتمم قصيدة زهير التي فيها: حتى إذا أنبت البقل، ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم، «ننبت» بنون العظمة، وخص عز وجل ذكر هذه الأربعة ~~لأنها أشرف ما ينبت وأجمعها للمنافع، ثم عم بقوله من كل الثمرات، ثم أحال ~~القول على الفكرة في تصاريف النبات والأشجار وهي موضع عبر في ألوانها ~~واطراد خلقها وتناسب ألطافها، فسبحان الخلاق العليم. وقوله تعالى: وسخر لكم ~~الليل والنهار الآية، قرأ الجمهور بإعمال سخر في جميع ما ذكر ونصب «مسخرات» ~~على الحال المؤكدة، كما قال تعالى: هو الحق مصدقا ms2053 [فاطر: 31] وكما قال ~~الشاعر: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي ونحو هذا وقرأ ابن عامر ~~«والشمس والقمر والنجوم مسخرات» برفع هذا كله، وقرأ حفص عن عاصم «والنجوم ~~مسخرات بأمره» بالرفع ونصب ما قبل ذلك، والمعنى في هذه الآية أن هذه ~~المخلوقات مسخرات على رتبة قد استمر بها انتفاع البشر من السكون بالليل ~~والسعي في المعايش وغير ذلك بالنهار، وأما منافع الشمس والقمر فأكثر من أن ~~تحصى، وأما النجوم فهدايات، وبهذا الوجه عدت من جملة النعم على بني آدم، ~~ومن النعمة بها ضياؤها أحيانا، قال الزجاج: وعلم عدد السنين والحساب بها. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقرأ ابن مسعود والأعمش وطلحة بن مصرف ~~«والرياح مسخرات» في موضع «النجوم» ، ثم قال إن في ذلك لآيات لعظم الأمر ~~لأن كل واحد مما ذكر آية في نفسه لا يشترك مع الآخر، وقال في الآية قبل ~~الآية لأن شيئا واحدا يعم تلك الأربعة وهو النبات، وكذلك PageV03P382 # في ذكر ما ذرأ [النحل: 13] ليسارته بالإضافة، وأيضا ف «آية» بمعنى «آيات» ~~واحد يراد به الجمع. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 13 الى 15] # وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو ~~الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى ~~الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في الأرض رواسي ~~أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) # ذرأ معناه بث ونشر، والذرية من هذا في أحد الأقوال في اشتقاقها، وقوله ~~ألوانه معناه أصنافه، كما تقول هذه ألوان من التمر ومن الطعام، ومن حيث ~~كانت هذه المبثوثات في الأرض أصنافا فأعدت في النعمة وظهر الانتفاع بها أنه ~~على وجوه، ولا يظهر ذلك من حيث هي متلونة حمرة وصفرة وغير ذلك، ويحتمل أن ~~يكون التنبيه على اختلاف الألوان حمرة وصفرة والأول أبين. وقوله تعالى: وهو ~~الذي سخر البحر الآية تعديد نعم، وتسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف ~~فيه وتذليله للركوب والإرفاق وغيره، والبحر الماء ms2054 الكثير ملحا كان أو عذبا، ~~كله يسمى بحرا، والبحر هنا اسم جنس، وإذا كان كذلك فمنه أكل اللحم الطري ~~ومنه «استخراج الحلية» ، و «أكل اللحم» يكون من ملحه وعذبه، وإخراج الحلية ~~إنما يكون فيما عرف من الملح فقط، ومما عرف من ذلك اللؤلؤ والمرجان والصدف ~~والصوف البحري، وقد يوجد في العذب لؤلؤ لا يلبس إلا قليلا، وإنما يتداوى ~~به، ويقال إن في الزمرد بحريا وقد خطىء الهذلي في وصف الدرة. [الطويل] # فجاء بها من درة لطمية ... على وجهها ماء الفرات يدوم # فجعلها من الماء الحلو. # قال القاضي أبو محمد: وتأمل أن قوله يخرج على أنه وصف بريقها ومائيتها ~~فشبهه بماء الفرات، ولم يذهب إلى الغرض الذي خطىء فيه، و «اللحم الطري» ، و ~~«الحلية» ما تقدم، والفلك هنا جمع، ومواخر جمع ماخرة، والمخر في اللغة ~~الصوت الذي يكون من هبوب الريح على شيء يشق أو يصعب في الجملة الماء فيترتب ~~منه أن يكون من السفينة ونحوها وهو في هذه الآية من السفن، ويقال للسحاب ~~بنات مخر تشبيها، إذ في جريها ذلك الصوت الذي هو عن الريح والماء الذي في ~~السحاب، وأمرها يشبه أمر البحر على أن الزجاج قد قال: بنات المخر سحاب بيض ~~لا ماء فيها، وقال بعض اللغويين المخر في كلام العرب الشق يقال: مخر الماء ~~الأرض. # قال القاضي أبو محمد: فهذا بين أن يقال فيه للفلك مواخر، وقال قوم مواخر ~~معناه تجيء وتذهب بريح واحدة، وهذه الأقوال ليست تفسير اللفظة، وإنما ~~أرادوا أنها مواخر بهذه الأحوال، إذ هي موضع النعمة المعددة، إذ نفس كون ~~الفلك ماخرة لا نعمة فيه، وإنما النعمة في مخرها بهذه الأحوال في PageV03P383 # التجارات والسفر فيها وما يمنح الله فيها من الأرباح والمن، وقال الطبري: ~~المخر في اللغة صوت هبوب الريح ولم يقيد ذلك بكون في ماء، وقال إن من ذلك ~~قول واصل مولى ابن عيينة إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح أي لينظر في ~~صوتها في الأجسام من أين تهب، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه ms2055 بوله، وقوله ~~ولتبتغوا عطف على تأكلوا، وهذا ذكر نعمة لها تفاصيل لا تحصى، فيه إباحة ~~ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح، وهذه ثلاثة أسباب في تسخير البحر، وقوله ~~وألقى في الأرض الآية، قال المتأولون ألقى بمعنى خلق وجعل. # قال القاضي أبو محمد: وهي عندي أخص من خلق وجعل، وذلك أن ألقى تقتضي أن ~~الله أحدث الجبال ليس من الأرض لكن من قدرته واختراعه، ويؤيد هذا النظر ما ~~روي في القصص عن الحسن عن قيس بن عباد، أن الله تعالى لما خلق الأرض، وجعلت ~~تمور، فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصبحت ضحى وفيها ~~رواسيها. و «الرواسي» الثوابت، رسا الشيء يرسو إذا ثبت، ومنه قول الشاعر في ~~صفة الوتد: # وأشعث أرسته الوليدة بالفهد وأن مفعول من أجله، و «الميد» الاضطراب، ~~وقوله أنهارا منصوب بفعل مضمر تقديره وجعل أو وخلق أنهارا. # قال القاضي أبو محمد: وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص ل ألقى ~~ولو كانت ألقى بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإضمار، و «السبل» الطرق، وقوله ~~لعلكم تهتدون في مشيكم وتصرفكم في السبل، ويحتمل لعلكم تهتدون بالنظر في ~~هذه المصنوعات على صانعها، وهذا التأويل هو البارع، أي سخر وألقى وجعل ~~أنهارا وسبلا لعل البشر يعتبر ويرشد ولتكون علامات. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 16 الى 21] # وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما ~~تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~(20) # أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) # علامات نصب على المصدر، أي فعل هذه الأشياء لعلكم تعتبرون بها وعلامات أي ~~عبرة وإعلاما في كل سلوك، فقد يهتدى بالجبال والأنهار والسبل، واختلف الناس ~~في معنى قوله وعلامات على أن الأظهر عندي ما ذكرت، فقال ابن الكلبي ~~«العلامات» الجبال، وقال إبراهيم النخعي ومجاهد: # «العلامات» النجوم، ومنها ما سمي علامات ومنها ما يهتدى به، وقال ابن ~~عباس: ms2056 «العلامات» معالم الطرق بالنهار، والنجوم هداية الليل. PageV03P384 # قال القاضي أبو محمد: والصواب إذا قدرنا الكلام غير معلق بما قبله أن ~~اللفظة تعم هذا وغيره، وذلك أن كل ما دل على شيء وأعلم به فهو علامة، وأحسن ~~الأقوال المذكورة، قول ابن عباس رضي الله عنه: لأنه عموم في المعنى فتأمله، ~~وحدثني أبي رضي الله عنه أنه سمع بعض أهل العلم بالمشرق يقول: # إن في بحر الهند الذي يجرى فيه من اليمن إلى الهند حيتانا طوالا رقاقا ~~كالحيات في التوائها وحركتها وألوانها، وإنها تسمى علامات، وذلك أنها علامة ~~الوصول إلى بلد الهند، وأمارة إلى النجاة والانتهاء إلى الهند لطول ذلك ~~البحر وصعوبته، وإن بعض الناس قال: إنها التي أراد الله تعالى في هذه ~~الآية. # قال القاضي أبو محمد: قال أبي رضي الله عنه: وأما من شاهد تلك العلامات ~~في البحر المذكور وعاينها فحدثني منهم عدد كثير، وقرأ الجمهور «وبالنجم» ~~على أنه اسم الجنس، وقرأ يحيى بن وثاب «وبالنجم» بضم النون والجيم ساكنة ~~على التخفيف من ضمها، وقرأ الحسن «وبالنجم» بضم النون وذلك جمع، كسقف وسقف، ~~ورهن ورهن، ويحتمل أن يراد وبالنجوم، فحذفت الواو. # قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي توجيه ضعيف، وقال الفراء: المراد الجدي ~~والفرقدان. وقال غيره: المراد القطب الذي لا يجري، وقال قوم: غير هذا، وقال ~~قوم: هو اسم الجنس وهذا هو الصواب، ثم قررهم على التفرقة بين من يخلق ~~الأشياء ويخترعها وبين من لا يقدر على شيء من ذلك، وعبر عن الأصنام ب «من» ~~لوجهين، أحدهما أن الآية تضمنت الرد على جميع من عبد غير الله، وقد عبرت ~~طوائف من تقع عليه العبارة ب «من» ، والآخر أن العبارة جرت في الأصنام بحسب ~~اعتقاد الكفرة فيها في أن لها تأثيرا وأفعالا، ثم وبخهم بقوله أفلا تذكرون، ~~وقوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي إن حاولتم إحصاءها وحصرها عددا حتى ~~لا يشذ شيء منها لم تقدروا على ذلك، ولا اتفق لكم إحصاؤها إذ هي في كل ~~دقيقة من أحوالكم. و ms2057 «النعمة» هنا مفردة يراد بها الجمع، وبحسب العجز عن عد ~~نعم الله يلزم أن يكون الشاكر لها مقصرا عن بعضها، فلذلك قال عز وجل إن ~~الله لغفور رحيم أي تقصيركم في الشكر عن جميعها، نحا هذا المنحى الطبري، ~~ويرد عليه أن نعمة الله تعالى في قول العبد: الحمد لله رب العالمين مع ~~شروطها من النية والطاعة يوازي جميع النعم، ولكن أين قولها بشروطها؟ ~~والمخاطبة بقوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها عامة لجميع الناس، وقوله ~~والله يعلم ما تسرون وما تعلنون الآية متصلة بمعنى ما قبله، أي أن الله ~~لغفور في تقصيركم عن شكر ما لا تحصونه من نعم الله، وأن الله تعالى يعلم ~~سركم وعلنكم، فيغني ذلك عن إلزامكم شكر كل نعمة، هذا على قراءة من قرأ ~~«تسرون» بالتاء مخاطبة للمؤمنين، فإن جمهور القراء قرأ «تسرون» بالتاء من ~~فوق «وتعلنون» و «تدعون» كذلك، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر ومجاهد ~~على معنى قل يا محمد للكفار، وقرأ عاصم «تسرون» و «تعلنون» بالتاء من فوق و ~~«يدعون» بياء من تحت على غيبة الكفار، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن، وروى ~~هبيرة عن حفص عن عاصم، كل ذلك بالياء على غيبة الكفار، وروى الكسائي عن أبي ~~بكر عن عاصم كل ذلك بالتاء من فوق، وقرأ الأعمش وأصحاب عبد الله «يعلم الذي ~~تبدون وما تكتمون وتدعون» بالتاء من فوق في الثلاثة، و «تدعون معناه تدعونه ~~إلها، وعبر عن الأصنام ب الذين على ما قدمنا من أن ذلك يعم الأصنام وما عبد ~~من دون الله وغيرها، وقوله تعالى: لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أجمع عبارة في ~~نفي أحوال PageV03P385 # الربوبية عنهم، وقرأ محمد اليماني «والذين يدعون» بضم الياء وفتح على ما ~~لم يسم. وأموات يراد به الذين يدعون من دون الله ورفع على خبر ابتداء مضمر ~~تقديره هم أموات، ويجوز أن يكون خبرا لقوله والذين بعد خبر في قوله لا ~~يخلقون ووصفهم بالموت مجازا. وإنما المراد لا حياة لهم، فشبهوا بالموت، ~~وقوله غير أحياء ms2058 أي لم يقبلوا حياة قط، ولا اتصفوا بها. # قال القاضي أبو محمد: وعلى قراءة من قرأ «والذين يدعون» فالياء على غيبة ~~الكفار، يجوز أن يراد بالأموات الكفار الذين ضميرهم في «يدعون» ، شبههم ~~بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال غير مهتدين، ويستقيم على هذا فيهم ~~قوله وما يشعرون أيان يبعثون و «البعث» هنا هو الحشر من القبور، وأيان ظرف ~~زمان مبني، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «إيان» بكسر الهمزة، والفتح فيها ~~والكسر لغتان، وقالت فرقة: وما يشعرون أي الكفار أيان يبعثون الضميران لهم، ~~وقالت فرقة: وما يشعر الأصنام أيان يبعث الكفار. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون الضميران للأصنام، ويكون البعث ~~الإثارة، كما تقول بعثت النائم من نومه إذا نبهته، وكما تقول بعث الرامي ~~سهمه، فكأنه وصفهم بغاية الجمود أي وإن طلبت حركاتهم بالتحريك لم يشعروا ~~لذلك. # قال القاضي أبو محمد: وعلى تأويل من يرى الضمير للكفار ينبغي أن يعتقد في ~~الكلام الوعيد، وما يشعر الكفار متى يبعثون إلى التعذيب، ولو اختصر هذا ~~المعنى لم يكن في وصفهم بأنهم «لا يشعرون وأيان يبعثون» طائل، لأن الملائكة ~~والأنبياء والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث، وذكر بعض الناس أن قوله ~~أيان يبعثون ظرف لقوله إلهكم إله واحد [النحل: 22] وأن الكلام تم في قوله ~~وما يشعرون، ثم أخبر عن يوم القيامة أن الإله فيه واحد وهذا توعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 22 الى 25] # إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) ~~لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) وإذا ~~قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) # لما تقدم وصف الأصنام جاء الخبر الحق بالوحدانية، وهذه مخاطبة لجميع ~~الناس معلمة بأن الله تعالى متحد وحدة تامة لا يحتاج لكمالها إلى مضاف ~~إليها، ثم أخبر عن إنكار قلوب الكافرين وأنهم يعتقدون ألوهية أشياء أخر، ~~ويستكبرون ms2059 عن رفض معتقدهم فيها، واطراح طريقة آبائهم في عبادتها، ووسمهم ~~بأنهم لا يؤمنون بالآخرة إذ هي أقوى رتب الكفر، أعني الجمع بين التكذيب ~~بالله تعالى وبالبعث، لأن كل مصدق يبعث فمحال أن يكذب بالله، وقوله لا جرم ~~عبرت فرقة من النحويين عن معناها بلا بد PageV03P386 # ولا محالة، وقالت فرقة: معناها حق أن الله، ومذهب سيبويه أن لا، نفي لما ~~تقدم من الكلام، وجرم معناه حق ووجب، ونحو هذا، هذا هو مذهب الزجاج، ولكن ~~مع مذهبهما لا ملازمة ل جرم لا تنفك هذه من هذه، وفي جرم لغات قد تقدم ~~ذكرها في سورة هود، وأنشد أبو عبيدة: / جرمت فزارة/ وقال معناها حقت عليهم ~~وأوجبت أن يغضبوا، وأن على مذهب سيبويه فاعلة ب جرم، وقرأ الجمهور «أن» ، ~~وقرأ عيسى الثقفي «إن» بكسر الألف على القطع، قال يحيى بن سلام والنقاش: ~~المراد هنا بما يسرون مشاورتهم في دار الندوة في قتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقوله إنه لا يحب المستكبرين عام في الكافرين والمؤمنين، فأخذ كل ~~واحد منهم بقسطه، وفي الحديث «لا يدخل الجنة وفي قلبه مثقال حبة من كبر» ، ~~وفيه «أن الكبر منع الحق وغمص الناس» . ويروى عن الحسن بن علي أنه كان يجلس ~~مع المساكين ويحدثهم، ثم يقول إنه لا يحب المستكبرين، وروي في الحديث «أنه ~~من سجد لله سجدة من المؤمنين فقد برىء من الكبر» . وقوله وإذا قيل لهم ماذا ~~أنزل ربكم الآية، الضمير في لهم لكفار مكة، ويقال إن سبب الآية كان النضر ~~بن الحارث، سافر عن مكة إلى الحيرة وغيرها، وكان قد اتخذ كتب التواريخ ~~والأمثال ككليلة ودمنة، وأخبار السندباد، ورستم، فجاء إلى مكة، فكان يقول: ~~إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه، وقوله ماذا يجوز أن ~~تكون «ما» استفهاما، و «ذا» بمعنى الذي، وفي أنزل ضمير عائد، ويجوز أن يكون ~~«ما» و «ذا» اسما واحدا مركبا، كأنه قال: أي شيء وقوله أساطير الأولين ليس ~~بجواب على السؤال لأنهم لم يريدوا أنه نزل شيء ولا ms2060 أن تم منزلا، ولكنهم ~~ابتدوا الخبر بأن هذه أساطير الأولين، وإنما الجواب على السؤال، قول ~~المؤمنين في الآية المستقبلة خيرا [النحل: 30] وقولهم: أساطير الأولين إنما ~~هو جواب بالمعنى، فأما على السؤال وبحسبه فلا، واللام في قوله ليحملوا ~~يحتمل أن تكون لام العاقبة لأنهم لم يقصدوا بقولهم أساطير الأولين «ليحملوا ~~الأوزار» ، ويحتمل أن يكون صريح لام كي، على معنى قدر هذا، ويحتمل أن تكون ~~لام الأمر، على معنى الحتم عليهم بذلك، والصغار الموجب لهم، و «الأوزار» ~~الأثقال، وقوله ومن للتبعيض، وذلك أن هذا الواهن المضل يحمل وزر نفسه كاملا ~~ويحمل وزرا من وزر كل مضل بسببه ولا تنقص أوزار أولئك، وقوله بغير علم يجوز ~~أن يريد بها المضل أي أضل بغير برهان قام عنده، ويجوز أن يريد بغير علم من ~~المقلدين الذين يضلون، ثم استفتح الله تعالى الإخبار عن سوء ما يتحملونه ~~للآخرة، وأسند الطبري وغيره في معنى هذه الآية حديثا، نصه «أيما داع دعا ~~إلى ضلالة فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، ~~وأيما داع دعا إلى الهدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم ~~شيء» وساء فعل مسند إلى ما، ويحتاج في ذلك هنا إلى صلة. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 26 الى 27] # قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول ~~أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين (27) PageV03P387 # قال ابن عباس وغيره من المفسرين: الإشارة ب الذين من قبلهم إلى نمرود ~~الذي بنى صرحا ليصعد فيه إلى السماء على زعمه، فلما أفرط في علوه وطوله في ~~السماء فرسخين على ما حكى النقاش، بعث الله عليه رمحا فهدمته، «وخر سقفه» ~~عليه وعلى أتباعه، وقيل: جبريل هدمه بجناحه وألقى أعلاه في البحر وانحقف من ~~أسلفه، وقالت فرقة أخرى: المراد ب الذين من قبلهم ms2061 جميع من كفر من الأمم ~~المتقدمة ومكر ونزلت فيه عقوبة من الله تعالى، وقوله على هذا فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد إلى آخر الآية، تمثيل وتشبيه، أي حالهم بحال من فعل به ~~هذا، وقالت فرقة: المراد بقوله فخر عليهم السقف من فوقهم أي جاءهم العذاب ~~من قبل السماء. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ينحو إلى اللعن، ومعنى قوله من فوقهم رفع ~~الاحتمال في قوله فخر عليهم السقف فإنك تقول انهدم على فلان بناؤه وهو ليس ~~تحته، كما تقول: انفسد عليه متاعه، وقوله من فوقهم ألزم أنهم كانوا تحته. ~~وقوله فأتى أي أتى أمر الله وسلطانه، وقرأ الجمهور «بنيانهم» ، وقرأت فرقة ~~«بنيتهم» ، وقرأ جعفر بن محمد «بيتهم» ، وقرأ الضحاك «بيوتهم» ، وقرأ ~~الجمهور «السقف» بسكون القاف، وقرأت فرقة بضم القاف وهي لغة فيه، وقرأ ~~الأعرج «السقف» بضم السين والقاف، وقرأ مجاهد «السقف» بضم السين وسكون ~~القاف، وقوله ثم يوم القيامة الآية، ذكر الله تعالى في هذه الآية المتقدمة ~~حال هؤلاء الماكرين في الدنيا، ثم ذكر في هذه حالهم في الآخرة وقوله يخزيهم ~~لفظ يعم جميع المكاره التي تنزل بهم، وذلك كله راجع إلى إدخالهم النار، ~~وهذا نظير قوله ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته [آل عمران: 192] . وقوله ~~أين شركائي توبيخ لهم وأضافهم إلى نفسه في مخاطبة الكفار أي على زعمكم ~~ودعواكم، قال أبو علي: وهذا كما قال الله تعالى حكاية ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم [الدخان: 49] وكما قال يا أيها الساحر ادع لنا ربك [الزخرف: 49] . # قال القاضي أبو محمد: والإضافات تترتب معقولة وملفوظا بأرق سبب، وهذا ~~كثير في كلامهم، ومنه قول الشاعر: # إذا قلت قدني قال تالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا # فأضاف الإناء إلى حابسه، وقرأ البزي عن ابن كثير «شركاي» بقصر الشركاء، ~~وقرأت فرقة «شركاءي» بالمد وياء ساكنة، وتشاقون معناه تحاربون وتحارجون، أي ~~تكون في شق والحق في شق، وقرأ الجمهور «تشاقون» بفتح النون، وقرأ نافع وحده ~~بكسر النون، ورويت عن الحسن بخلاف وضعف هذه القراءة أبو حاتم، ms2062 وقد تقدم ~~القول في مثله في الحجر في تبشرون [الحجر: 54] ، وقرأت فرقة «تشاقوني» بشد ~~النون وياء بعدها، والذين أوتوا العلم هم الملائكة فيما قال بعض المفسرين، ~~وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون وهذا الخطاب منهم يوم القيامة. PageV03P388 # قال القاضي أبو محمد: والصواب أن يعم جميع من آتاه الله علم ذلك من جميع ~~من حضر الموقف من ملك أو إنسي، وغير ذلك، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 28 الى 30] # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوى المتكبرين (29) وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ~~للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) # الذين نعت للكافرين في قول أكثر المتأولين، ويحتمل أن يكون الذين مرتفعا ~~بالابتداء منقطعا مما قبله، وخبره في قوله فألقوا السلم فزيدت الفاء في ~~الخبر، وقد يجيء مثل هذا، والملائكة يريد القابضين لأرواحهم، وقوله ظالمي ~~أنفسهم حال، والسلم هنا الاستسلام، أي رموا بأيديهم وقالوا ما كنا نعمل من ~~سوء فحذف قالوا لدلالة الظاهر عليه، قال الحسن: هي مواطن بمرة يقرون على ~~أنفسهم كما قال شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين # [الأنعام: 13] ومرة يجحدون كهذه الآية، ويحتمل قولهم: ما كنا نعمل من سوء ~~وجهين، أحدهما أنهم كذبوا وقصدوا الكذب اعتصاما منهم به، على نحو قولهم ~~والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: 23] ، والآخر أنهم أخبروا عن أنفسهم ~~بذلك على ظنهم أنهم لم يكونوا يعملون سوءا، فأخبروا عن ظنهم بأنفسهم، وهو ~~كذب في نفسه. # وعليم بما كنتم تعملون وعيد وتهديد، وظاهر الآية أنها عامة في جميع ~~الكفار، وإلقاؤهم السلم ضد مشافهتهم قبل، وقال عكرمة: نزلت في قوم من أهل ~~مكة آمنوا بقلوبهم ولم يهاجروا فأخرجهم كفار مكة مكرهين إلى بدر، فقتلوا ~~هنالك فنزلت فيهم هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وإنما اشتبهت عليه بالآية الأخرى التي نزلت في ~~أولئك باتفاق من العلماء، وعلى ms2063 هذا القول يحسن قطع الذين ورفعه بالابتداء ~~فتأمله والقانون أن بلى تجيء بعد النفي ونعم تجيء بعد الإيجاب، وقد تجيء ~~بعد التقرير، كقوله أليس كذا ونحوه، ولا تجيء بعد نفي سوى التقرير، وقرأ ~~الجمهور «تتوفاهم» بالتاء فوق، وقرأ حمزة «يتوفاهم» بالياء وهي قراءة ~~الأعمش، قال أبو زيد: أدغم أبو عمرو بن العلاء السلم «ما» ، وقوله فادخلوا ~~من كلام الذي يقول بلى، وأبواب جهنم مفضية إلى طبقاتها التي هي بعض على ~~بعض، و «الأبواب» كذلك باب على باب، وخالدين حال، واللام في قوله فلبئس لام ~~التأكيد. # قال القاضي أبو محمد: وذكر سيبويه، رحمه الله، وهو إجماع النحويين قال: ~~ما علمت أن لام التأكيد لا تدخل على الفعل الماضي وإنما تدخل عليه لام ~~القسم لكن دخلت على «بئس» لما لم تتصرف أشبهت الأسماء وبعدت عن حال الفعل ~~من جهة أنها لا تدخل على زمان، و «المثوى» موضع الإقامة، ونعم PageV03P389 # وبئس إنما تدخلان على معرف بالألف واللام أو مضاف إلى معرف بذلك، ~~والمذموم هنا محذوف، تقديره بئس المثوى مثوى المتكبرين، و «المتكبر» هنا هو ~~الذي أفضى به كبره إلى الكفر، وقوله وقيل للذين اتقوا الآية، لما وصف تعالى ~~مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق لتتباين المنازل ~~بين الكفر والإيمان، وماذا تحتمل ما ذكر في التي قبلها، وقولهم خيرا جواب ~~بحسب السؤال، واختلف المتأولون في قوله تعالى للذين أحسنوا إلى آخر الآية، ~~فقالت فرقة: هو ابتداء كلام من الله مقطوع مما قبله، لكنه بالمعنى وعد متصل ~~بذكر إحسان المتقين في مقالتهم، وقالت فرقة: هو من كلام الذين قالوا خيرا ~~وهو تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي على نبينا خبرا أن من أحسن في ~~الدنيا بطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة، وروى أنس بن ~~مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة ~~يثاب عليها الرزق في ms2064 الدنيا ويجزى بها في الآخرة» . وقد تقدم القول في ~~إضافة «الدار» إلى الآخرة وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 31 الى 32] # جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي ~~الله المتقين (31) الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون (32) # جنات عدن يحتمل أن يرتفع على خبر ابتداء مضمر بتقدير هي جنات عدن، ويحتمل ~~أن يرتفع بقوله ولنعم دار المتقين [النحل: 30] جنات عدن ويحتمل أن يكون ~~التقدير، لهم جنات عدن، ويحتمل أن يكون جنات مبتدأ وخبره يدخلونها، وقرأ ~~زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن «جنات» بالنصب، وهذا نحو قولهم زيد ضربته، ~~وقرأ جمهور الناس «يدخلونها» ، وقرأ إسماعيل عن نافع «يدخلونها» بضم الياء ~~وفتح الخاء، ولا يصح هذا عن نافع، ورويت عن أبي جعفر وشيبة بن نصاح، وقوله ~~تجري من تحتها الأنهار في موضع الحال وباقي الآية بين. وقرأ الجمهور ~~«تتوفاهم» بالتاء، وقرأ الأعمش «يتوفاهم» بالياء من تحت، وفي مصحف ابن ~~مسعود «توفاهم» بتاء واحدة في الموضعين، وطيبين عبارة عن صلاح حالهم ~~واستعدادهم للموت، وهذا بخلاف ما قال في الكفرة ظالمي أنفسهم [النحل: 28] ، ~~والطيب الذي لا خبث معه، ومنه قوله تعالى طبتم فادخلوها خالدين [الزمر: 73] ~~وقول الملائكة: سلام عليكم، بشارة من الله تعالى، وفي هذا المعنى أحاديث ~~صحاح يطول ذكرها وقوله بما كنتم تعملون أي بما كان في أعمالكم من تكسبكم، ~~وهذا على التجوز، علق دخولهم الجنة بأعمالهم من حيث جعل الأعمال أمارة ~~لإدخال العبد الجنة، ويعترض في هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يدخل الجنة أحد بعمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة» وهذه الآية ترد بالتأويل إلى معنى ~~الحديث. PageV03P390 # قال القاضي أبو محمد: ومن الرحمة والتغمد، أن يوفق الله العبد إلى أعمال ~~برة، ومقصد الحديث نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق ~~من المعتزلة. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل ms2065 (16) : الآيات 33 الى 35] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل ~~الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (35) # ظرون # معناه ينتظرون، ونظر متى كانت من رؤية العين فإنما تعديها العرب ب «إلى» ~~، ومتى لم تتعد ب «إلى» فهو بمعنى انتظر، كما قال امرؤ القيس: # فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب # ومنه قوله تعالى حكاية انظرونا نقتبس من نور [الحديد: 13] وقد جاء شاذا ~~نظرت بمعنى الرؤية متعديا بغير إلى كقول الشاعر: # باهرات الجمال والحسن ينظر ... ن كما تنظر الأراك الظباء # وقرأ الجمهور «تأتيهم» بالتاء من فوق، وقرأ حمزة والكسائي «يأتيهم» ~~بالياء، وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش، ومعنى الكلام أن تأتيهم ~~الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم، وقوله و يأتي أمر ربك # وعيد يتضمن قيام الساعة أو عذاب الدنيا، ثم ذكر تعالى أن هذا كان فعل ~~أسلافهم من الأمم، أي فعوقبوا ولم يكن ذلك ظلما لأنه لم يوضع ذلك العقاب في ~~غير موضعه، ولكن ظلموا أنفسهم بأن وضعوا كفرهم في جهة الله وميلهم إلى ~~الأصنام والأوثان، فهذا وضع الشيء في غير موضعه، أي آذوها بنفس فعلهم، وإن ~~كانوا لم يقصدوا ظلمها ولا إذايتها، وقوله فأصابهم سيئات ما عملوا أي جزاء ~~ذلك في الدنيا والآخرة. وحاق معناه نزل وأحاط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر ~~من الكلام، تقديره جزاء ما كانوا به يستهزؤن، وقوله تعالى: وقال الذين ~~أشركوا الآية، جدل من الكفار، وذلك أن أكثر الكفار يعتقدون وجود الله تعالى ~~وأنه خالقهم ورازقهم، فإن كان أهل هذه الآية من هذا الصنف فكأنهم قالوا يا ~~محمد: نحن من الله بمرىء في عبادة الأوثان لتنفع وتقرب زلفى، ولو كره الله ~~فعلنا ms2066 لغيره منذ مدة، إما بإهلاكنا وإما بهدايتنا، وكان من الكفار فريق لا ~~يعتقد وجود الله تعالى، فإن كان أهل هذه الآية من هذا الصنف فكأنهم أخذوا ~~الحجة على النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، أي إن الرب الذي تثبته يا ~~محمد وهو على ما تصفه يعلم ويقدر لا شك أنه يعلم حالنا، ولو كرهها لغيرها، ~~والرد على هذين الفريقين هو في أن الله تعالى ينهى عن الكفر وقد أراده ~~بقوم، وإنما نصب الأدلة وبعث الرسل ويسر كلا لما حتم عليه، وهذا الجدال من ~~أي الصنفين فرضته ليس فيه استهزاء، لكن أبا إسحاق الزجاج: قال إن هذا ~~الكلام على PageV03P391 # جهة الهزء، فذهب أبو إسحاق رحمه الله والله أعلم إلى أن الطائفة التي لا ~~تقول بإله ثم أقامت الحجة من مذهب خصمها كأنها مستهزئة في ذلك، وهذا جدل ~~محض، والرد عليه كما ذكرناه وقوله فهل على الرسل إلا البلاغ المبين يشير ~~إلى ما ذكرناه، وقولهم ولا حرمنا يريدون البحيرة والسائبة والوصيلة وغير ~~ذلك مما شرعوه، وأخبر الله تعالى أن هذه النزعة قد سبقهم الأولون من الكفار ~~إليها، كأنه قال: والأمر ليس على ما ظنوه من أن الله تعالى إذا أراد الكفر ~~لا يأمر بتركه، بل قد نصب الله لعباده الأدلة وأرسل الرسل منذرين وليس ~~عليهم إلا البلاغ. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 36 الى 38] # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من ~~هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (36) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ~~ناصرين (37) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه ~~حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) # لما أشار قوله تعالى: فهل على الرسل إلا البلاغ المبين [النحل: 35] إلى ~~إقامة الحجة حسبما ذكرناه، بين ذلك في هذه الآية، أي إنه بعث الرسل آمرا ~~بعبادته وتجنب عبادة غيره، والطاغوت في اللغة كل ما ms2067 عبد من دون الله من ~~آدمي راض بذلك، أو حجر أو خشب، ثم أخبر أن منهم من اعتبر وهداه الله ونظر ~~ببصيرته، ومنهم أيضا من أعرض وكفر ف حقت عليه الضلالة، وهي مؤدية إلى النار ~~حتما، ومنه من أدته إلى عذاب الله في الدنيا، ثم أحالهم في علم ذلك على ~~الطلب في الأرض واستقراء الأمم والوقوف على عواقب الكافرين المكذبين، وقوله ~~إن تحرص الآية، الحرص أبلغ الإرادة في الشيء، وهذه تسلية للنبي عليه السلام ~~أي إن حرصك لا ينفع، فإنها أمور محتومة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وشبل ومزاحم الخراساني ~~وأبو رجاء العطاردي وابن سيرين «لا يهدى» بضم الياء وفتح الدال، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي «لا يهدي» بفتح الياء وكسر الدال، وهي قراءة ابن المسيب ~~وابن مسعود وجماعة، وذلك على معنيين أي إن الله لا يهدي من قضى بإضلاله، ~~والآخر أن العرب تقول هدي الرجل بمعنى اهتدى حكاه الفراء وفي القرآن لا ~~يهدي إلا أن يهدى [يونس: 35] وجعله أبو علي وغيره بمعنى يهتدي، وقرأت فرقة ~~«إن الله لا يهدي» بفتح الياء وكسر الهاء والدال، وقرأت فرقة «إن الله لا ~~يهدي» بضم الياء وكسر الدال، وهي ضعيفة، وفي مصحف أبي بن كعب، «إن الله لا ~~هادي لمن أضل» ، قال أبو علي: الراجع إلى اسم إن مقدر في يضل على كل قراءة ~~إلا على قراءة من قرأ «يهدي» بفتح الياء وكسر الدال بمعنى يهدي الله، فإن ~~الراجع مقدر في «يهدي» ، وقوله وما لهم ضمير على معنى «من» ، وتقول العرب ~~حرص يحرص وحرص يحرص والكسر في المستقبل هي لغة أهل PageV03P392 # الحجاز، وقرأ الحسن وإبراهيم وأبو حيوة بفتح الراء، وقرأ إبراهيم منهم، ~~«وإن» بزيادة الواو، والضمير في قوله وأقسموا لكفار قريش، وذكر أن رجلا من ~~المسلمين حاور رجلا من المشركين، فقال في حديثه: # لا والذي أرجوه بعد الموت، فقال له الكافر أو نبعث بعد الموت؟ قال: نعم، ~~فأقسم الكافر مجتهدا في يمينه أن الله لا ms2068 يبعث أحدا بعد الموت، فنزلت الآية ~~بسبب ذلك، وجهد مصدر ومعناه فغاية جهدهم، ثم رد الله تعالى عليهم بقوله ~~تعالى بلى فأوجب بذلك البعث، وقوله وعدا عليه حقا مصدران مؤكدان، وقرأ ~~الضحاك «بلى وعد عليه حق» بالرفع في المصدرين، وأكثر الناس في هذه الآية ~~الكفار المكذبون بالبعث. # قال القاضي أبو محمد: والبعث من القبور مما يجوزه العقل، وأثبته خبر ~~الشريعة على لسان جميع النبيين، وقال بعض الشيعة إن الإشارة بهذه الآية ~~إنما هي لعلي بن أبي طالب، وإن الله سيبعثه في الدنيا، وهذا هو القول ~~بالرجعة، وقولهم هذا باطل وافتراء على الله وبهتان من القول رده ابن عباس ~~وغيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 39 الى 40] # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) # اللام في قوله ليبين تتعلق بما في ضمن قوله بلى [النحل: 38] لأن التقدير ~~«بلى يبعث ليبين» ، وقيل هي متعلقة بقوله ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~[النحل: 36] والأول أصوب في المعنى، لأن به يتصور كذب الكفار في إنكار ~~البعث، وقوله إنما قولنا الآية، «إنما» في كلام العرب هي للمبالغة وتحقيق ~~تخصيص المذكور، فقد تكون مع هذا حاصرة إذا دل على ذلك المعنى، كقوله تعالى ~~إنما الله إله واحد [النساء: 171] وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما ~~الربا في النسيئة» وقول العرب: إنما الشجاع عنترة، فبقي فيها معنى المبالغة ~~فقط، وإنما في هذه الآية هي للحصر، وقاعدة القول في هذه الآية أن تقول، إن ~~الإرادة والأمر اللذين هما صفتان من صفات الله تعالى القديمة، هما قديمان ~~أزليان، وإن ما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو ~~راجع إلى المراد، لا إلى الإرادة، وذلك أن الأشياء المرادة المكونة في ~~وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به، لأن ذينك ~~قديمان، فمن أجل المراد عبر ب إذا وب نقول، ويرجع الآن على هذه الألفاظ ~~فتوضح الوجه فيها ms2069 واحدة واحدة، أما قوله لشيء فيحتمل وجهين: أحدهما أن ~~الأشياء التي هي مرادة وقيل لها كن، معلوم أن للوجود يأتي على جميعها بطول ~~الزمن وتقدير الله تعالى، فلما كان وجودها حتما جاز أن تسمى أشياء وهي في ~~حالة عدم، والوجه الثاني أن يكون قوله لشيء تنبيها لنا على الأمثلة التي ~~تنظر فيها، أي إن كل ما تأخذونه من الأشياء الموجودة فإنما سبيله أن يكون ~~مرادا وقيل له كن فكان، ويكون ذلك الشيء المأخوذ من الموجودات مثالا لما ~~يتأخر من الأمور وما تقدم وفني، فبهذا يتخلص من تسمية المعدوم شيئا، وقوله ~~أردناه منزل منزلة مراد، ولكنه أتى بهذه الألفاظ المستأنفة بحسب أن ~~الموجودات تجيء وتظهر شيئا بعد PageV03P393 # شيء، فكأنه قال إذا ظهر للمراد منه، وعلى هذا الوجه يخرج قوله تعالى: ~~فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون [التوبة: 105] ، وقوله تعالى: وليعلم ~~الله الذين آمنوا [آل عمران: 140] ونحو هذا مما معناه، ويقع منكم ما رآه ~~الله تعالى في الأزل وعلمه، وقوله أن نقول منزل منزلة المصدر، كأنه قال ~~قولنا، ولكن أن مع الفعل تعطي استئنافا ليس في المصدر في أغلب أمرها، وقد ~~تجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن كهذه الآية، وكقوله تعالى ومن آياته أن ~~تقوم السماء والأرض بأمره [الروم: 25] وغير ذلك، وذهب أكثر الناس إلى أن ~~الشيء هو الذي يقال له، كالمخاطب، وكأن الله تعالى قال في الأزل لجميع ما ~~خلق: كن بشرط الوقت والصفة، وقال الزجاج له بمعنى من أجله، وهذا يمكن أن ~~يرد بالمعنى إلى الأول، وذهب قوم إلى أن قوله أن نقول مجاز، كما تقول قال ~~برأسه فرفعه وقال بيده فضرب فلانا، ورد على هذا المنزع أبو منصور، وذهب إلى ~~أن الأولى هو الأولى، وقرأ الجمهور «فيكون» برفع النون، وقرأ ابن عامر ~~والكسائي هنا وفي يس، «فيكون» بنصبها، وهي قراءة ابن محيصن. # قال القاضي أبو محمد: والأول أبعد من التعقيب الذي يصحب الفاء في أغلب ~~حالها فتأمله، وفي هذه النبذة ما يطلع منه على عيون هذه المسألة، وشرط ~~الإيجاز ms2070 منع من بسط الاعتراضات والانفصالات، والمقصود بهذه الآية إعلام ~~منكري البعث بهوان أمره على الله وقربه في قدرته لا رب غيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 41 الى 44] # والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~(43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون (44) # لما ذكر الله تعالى كفار مكة الذين أقسموا أن الله لا يبعث من يموت، ورد ~~على قولهم، ذكر مؤمني مكة المعاصرين لهم، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، ~~هذا قول الجمهور، وهو الصحيح في سبب الآية، لأن هجرة المدينة لم تكن وقت ~~نزول الآية، وقالت فرقة سبب الآية أبو جندل بن سهيل بن عمرو. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأن أمر أبي جندل كان والنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة، وقالت فرقة نزلت في عمار وصهيب وخباب وأصحابهم الذين ~~أوذوا بمكة وخرجوا عنها. # قال القاضي أبو محمد: وعلى كل قول فالآية تتناول بالمعنى كل من هاجر أولا ~~وآخرا. وقرأ الجمهور «لنبوئنهم» وقرأ ابن مسعود ونعيم بن ميسرة ونعيم بن ~~ميسرة والربيع بن خثيم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. # «لنثوينهم» وهاتان اللفظتان معناهما التقرير، فقالت فرقة: الحسنة عدة ~~ببقعة شريفة كشف الغيب أنها كانت المدينة، وإليها كانت الإشارة بقوله حسنة ~~وقالت فرقة: الحسنة لسان الصدق الباقي عليهم في غابر الدهر. PageV03P394 # قال القاضي أبو محمد: وفي لنبوئنهم أو «لنثوينهم» على هذا التأويل في ~~لسان الصدق تجوز كثير واستعارة بعيدة، وهذا على أن حسنة هي المباءة ~~والمثوى، وأن الفعل الظاهر عامل فيها، وقال أبو الفتح: نصبها على معنى نحسن ~~إليهم في ذلك إحسانا، وجعلت حسنة موضع إحسانا، وذهبت فرقة إلى أن الحسنة ~~عامة في كل ما يستحسن أن يناله ابن آدم وتخف الاستعارة المذكورة على هذا ~~التأويل، وفي هذا القول يدخل ms2071 ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يعطي المال ~~وقت القسمة للرجل من المهاجرين ويقول له: خذ ما وعدك الله في الدنيا، ولأجر ~~الآخرة أكبر، ثم يتلو هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: ويدخل في هذا القول النصر على العدو وفتح البلاد، ~~وكل أمل أبلغه المهاجرون، و «أجر الآخرة» هنا إشارة إلى الجنة، والضمير في ~~يعلمون عائد إلى كفار قريش، وجواب لو مقدر محذوف، ومفعول يعلمون كذلك، وفي ~~هذا نظر، وقوله الذين صبروا من صفة المهاجرين الذين وعدهم الله، والصبر ~~يجمع عن الشهوات وعلى المكاره في الله تعالى، و «التوكل» تتفاضل مراتبه، ~~فمطيل فيه وذلك مباح حسن ما لم يغل حتى يسبب الهلاك، ومتوسط يسعى جميلا، ~~وهذا مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قيدها وتوكل» ، ومقصر لا نفع في ~~تقصيره وإنما له ما قدر له، وقوله وما أرسلنا من قبلك الآية، هذه الآية رد ~~على كفار قريش الذين استبعدوا أن يكون البشر رسولا من الله تعالى، فأعلمهم ~~الله تعالى مخاطبا لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يرسل إلى الأمم إلا ~~رجالا. ولم يرسل ملكا ولا غير ذلك، ورجالا منصوب ب أرسلنا وإلا إيجاب، وقرأ ~~الجمهور بضم الياء وفتح الحاء، وقرأت فرقة «يوحي» بضم الياء وكسر الحاء، ~~وقرأ عاصم من طريق حفص وحده «نوحي» بالنون وكسر الحاء، وهي قراءة ابن مسعود ~~وطلحة بن مصرف وأبي عبد الرحمن ثم قال تعالى فسئلوا، وأهل الذكر هنا اليهود ~~والنصارى، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن، وقال الأعمش وسفيان بن عيينة: # المراد من أسلم منهم، وقال ابن جبير وابن زيد: أهل الذكر أهل القرآن. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان فيهما ضعف، لأنه لا حجة على الكفار ~~في إخبار المؤمنين بما ذكر، لأنهم يكذبون هذه الصنائف، وقال الزجاج: أهل ~~الذكر هنا أحبار اليهود والنصارى الذين لم يسلموا، وهم في هذه النازلة خاصة ~~إنما يخبرون بأن الرسل من البشر، وإخبارهم حجة على هؤلاء، فإنهم لم يزالوا ~~مصدقين لهم ولا يتهمون لشهادة لنا لأنهم مدافعون ms2072 في صدر ملة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا هو كسر حجتهم من مذهبهم، لا أنا افتقرنا إلى شهادة هؤلاء، ~~بل الحق واضح في نفسه، وقد أرسلت قريش إلى يهود يثرب يسألون ويستندون ~~إليهم، وقوله بالبينات متعلق بفعل مضمر تقديره أرسلناهم بالبينات، وقالت ~~فرقة الباء متعلقة ب أرسلنا في أول الآية، والتقدير على هذا وما أرسلنا من ~~قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزبر الكتب ~~المزبورة، تقول زبرت ودبرت إذا كتبت، والذكر في هذه الآية القرآن، وقوله ~~لتبين يحتمل أن يريد لتبين بسردك نص القرآن ما نزل، ويحتمل أن يريد لتبين ~~بتفسيرك المجمل، وشرحك ما أشكل مما نزل، فيدخل في هذا ما بينته السنة من ~~أمر الشريعة، وهذا قول مجاهد. PageV03P395 # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 45 الى 48] # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على ~~تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47) أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) # هذه الآية تهديد لأهل مكة، وهم المراد ب الذين في قول الأكثر، وقال ~~مجاهد: المراد نمرود بن كنعان، والأول أظهر، ونصب السيئات يحتمل وجهين: ~~أحدهما أن ينصب بقوله أفأمن وتكون السيئات على هذا العقوبات التي تسوء من ~~تنزل به، ويكون قوله أن يخسف بدلا منها. والوجه الثاني أن ينصب ب مكروا، ~~وعدي مكروا لأنه بمعنى عملوا وفعلوا، والسيئات على هذا معاصي الكفر وغيره، ~~قاله قتادة، ثم توعدهم بما أصاب الأمم قبلهم من الخسف، وهو أن تبتلع الأرض ~~المخسوف به ويقعد به إلى أسفل وأسند النقاش، أن قوما في هذه الأمة، أقيمت ~~الصلاة فتدافعوا الإمامة وتصلفوا في ذلك فما زالوا كذلك حتى خسف بهم، ~~وتقلبهم سفرهم ومحاولتهم المعايش بالسفر والرعاية ونحوها، و «المعجز» ~~المفلت هربا كأنه عجز طالبه، وقوله على تخوف أي على جهة التخوف، والتخوف ~~النقص ومنه قول الشاعر: [البسيط] ms2073 # تخوف السير منها تامكا فردا ... كما تخوف عود النبعة السفن # والسفن المبرد ويروى أن عمر بن الخطاب خفي عليه معنى «التخوف» في هذه ~~الآية، وأراد الكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك، حتى سمع هذا البيت، ويروى أنه ~~جاءه فتى من العرب وهو قد أشكل عليه أمر لفظة «التخوف» ، فقال له يا أمير ~~المؤمنين: إن أبي يتخوفني مالي، فقال عمر: الله اكبر أو يأخذهم على تخوف، ~~ومنه قول طرفة: # وجامل خوف من نبيه ... زجر المعلى أبدا والسفيح # ويروى من نبته، ومنه قول الآخر: [الوافر] # ألأم على الهجاء وكل يوم ... تلاقيني من الجيران غول # تخوف غدرهم مالي وهدي ... سلاسل في الحلوق لها صليل # يريد الأهاجي، ومنه قول النابغة: [الطويل] # تخوفهم حتى أذل سراتهم ... بطعن ضرار بعد قبح الصفائح # قال القاضي أبو محمد: وهذا التنقص يتجه الوعيد به على معنيين: أحدهما أن ~~يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخوف أي أفذاذا ينقصهم بذلك الشيء بعد الشيء، ~~وهذا لا يدعي أحد أنه يأمنه، وكأن PageV03P396 # هذا الوعيد إنما يكون بعذاب ما يلقون بعد الموت، وإلا فبهذا تهلك الأمم ~~كلها، ويؤيد هذا قوله فإن ربكم لرؤف رحيم أي إن هذه الرتبة الثالثة من ~~الوعيد، فيها رأفة ورحمة وإمهال ليتوب التائب ويرجع الراجع: والآخر أن يأخذ ~~بالعذاب طائفة أو قرية ويترك أخرى، ثم كذلك حتى يهلك الكل، وقالت فرقة: # «التخوف» هنا من الخوف أي يأخذهم بعد تخوف ينالهم فيعذبهم به. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول تكلف ما، وقوله أولم يروا إلى ما خلق ~~الله من شيء الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «أو لم يروا» ~~بالياء على لفظ الغائب، وكذلك في العنكبوت، فهي جارية على قوله: أو يأخذهم، ~~وقوله: أو يأتيهم وقوله: لا يشعرون، ورجحها الطبري، وقرأ حمزة والكسائي «أو ~~لم تروا» بالتاء في الموضعين، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن، ~~وذلك يحتمل من المعنى وجهين أحدهما: أن يكون على معنى قل لهم يا محمد أو لم ~~تروا، والوجه الآخر أن يكون خطابا ms2074 عاما لجميع الخلق ابتدأ به القول آنفا، ~~وقرأ عاصم في النحل بالتاء من فوق، واختلف عنه في العنكبوت، وقوله من شيء ~~لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة في قوله يتفيؤا ظلاله لأن ذلك صفة لما عرض ~~العبرة في جميع الأشخاص التي لها ظل، والرؤية هنا هي رؤية القلب، ولكن ~~الاعتبار برؤية القلب إنما تكون في مرئيات بالعين، وقرأ أبو عمرو وحده ~~«تتفيأ» بالتاء من فوق، وهي قراءة عيسى ويعقوب، وقرأ الجمهور «يتفيأ» ، قال ~~أبو علي: إذا تقدم الفعل المنسوب إلى مثل هذا الجمع فالتذكير والتأنيث فيه ~~حسنان، وفاء الظل رجع بعكس ما كان إلى الزوال، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها ~~إلى وقت الزوال إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت ابتدأ ~~رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس، فيعم، والظل الممدود في ~~الجنة لم يذكر الله فيئه لأنه لم يرجع بعد أن ذهب، وكذلك قول حميد بن ثور: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق # فهو على المهيع، وكذلك قول علقمة بن عبدة: [الطويل] # تتبع أفياء الظلال عشية ... على طرق كأنهن سيوف # وكذلك قول امرئ القيس: # يفيء عليها الظل وأما النابغة الجعدي فقال: [الخفيف] # فسلام الإله يغدو عليهم ... وفيء الفردوس ذات الظلال # فتجوز في أن جعل الفيء حيث لا رجوع، وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد ~~الزوال فيء وظل، ولا يقال قبله إلا ظل فقط، ويقال فاء الظل أي رجع من ~~النقصان إلى الزيادة، ويعدى فاء بالهمزة كقوله تعالى: # ما أفاء الله [الحشر: 7] ويعدى بالتضعيف فيقال أفاءه الله وفياه الله ~~وتفيأ مطاوع فيا، ولا يقال الفيء إلا من بعد الزوال في مشهور كلام العرب، ~~لكن هذه الآية الاعتبار فيها من أول النهار إلى آخره، فكأن الآية PageV03P397 # جارية في بعض التأويلات على تجوز كلام العرب واقتضائه وضع تتفيأ مكان ~~تتنقل وتميل، وأضاف الظلال إلى ضمير مفرد حملا على لفظ ما أو لفظ شيء، وهو ~~في المعنى لجمع، وقرأ الثقفي ms2075 «ظلله» بفتح اللام الأولى وضم الثانية وضم ~~الظاء، وقوله عن اليمين والشمائل أفرد اليمين وهو يراد به الجمع، فكأنه ~~للجنس، والمراد عن الأيمان والشمائل، كما قال الشاعر: [جرير] # الواردون ونيم في ذرى سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس # وكما قال الآخر: # ففي الشامتين الصخر إن كان هدني ... رزية شبلي مخدر في الضراغم # والمنصوب للعبرة في هذه الآية هو كل شخص وجرم له ظل كالجبال والشجر وغير ~~ذلك، والذي يترتب فيه أيمان وشمائل إنما هو البشر فقط، لكن ذكر الأيمان ~~والشمائل هنا على جهة الاستعارة لغير البشر، أي تقدره ذا يمين وشمال، ~~وتقدره يستقبل أي جهة شئت، ثم تنظر ظله فتراه يميل إما إلى جهة اليمين وإما ~~إلى جهة الشمال، وذلك في كل أقطار الدنيا، فهذا وجه يعمم لك ألفاظ الآية، ~~وفيه تجوز واتساع، ومن ذهب إلى أن اليمين من غدوة النهار إلى الزوال ثم ~~يكون من الزوال إلى المغيب عن الشمال، وهو قول قتادة وابن جريج، فإنما ~~يترتب له ذلك فيما قدره مستقبل الجنوب، والاعتبار في هذه الآية عندي إنما ~~هو المستقبل الجنوب، وما قال بعض الناس من أن اليمين أول وقعة للظل بعد ~~الزوال، ثم الآخر إلى الغروب هي عن الشمال، ولذلك جمع الشمائل، وأفرد ~~اليمين، فتخليط من القول يبطل من جهات، وقال ابن عباس إذا صليت الفجر كان ~~ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا، ثم بعث الله الشمس عليه دليلا فقبض إليه ~~الظل. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا فأول ذرور الشمس فالظل عن يمين مستقبل ~~الجنوب ثم يبدأ الانحراف فهو عن الشمائل لأنها حركات كثيرة، وظلال متقطعة، ~~فهي شمائل كثيرة، وكأن الظل عن اليمين متصلا واحدا عاما لكل شيء، وفي هذا ~~القول تجوز في تفيأ، وعلى ما قدرنا من استقبال الجنوب يكون الظل أبدا ~~مندفعا عن اليمين إلى الزوال، فإذا تحرك بعد فارق الأيمان جملة وصار ~~اندفاعه عن الشمائل، وقالت فرقة «الظلال» هنا الأشخاص هي المراد أنفسها، ~~والعرب تعبر أحيانا عن الأشخاص بالظل، ومنه قول عبدة ms2076 بن الطيب: [البسيط] # إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل # وإنما تنصب الأخبية، ومنه قول الآخر: [الطويل] تتبع أفياء الظلال عشية أي ~~أفياء الأشخاص. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله محتمل غير صريح، وإن كان أبو علي قد قدره، ~~واختلف المتأولون في هذا السجود فقالت فرقة هو سجود عبادة حقيقة، وذكر ~~الطبري عن الضحاك قال إذا زالت PageV03P398 # الشمس سجد كل شيء قبل القبلة من نبت أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون ~~الصلاة في ذلك الوقت، وقال مجاهد إنما تسجد الظلال لا الأشخاص وقالت فرقة، ~~منهم الطبري عبر عن الخضوع والطاعة وميلان الظل ودورانها بالسجود، وكما ~~يقال للمشير برأسه على جهة الخضوع والطاعة وميلان الظل ساجد ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف # والداخر المتصاغر المتواضع، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] # فلم يبق إلا داخر في مخيس ... ومنجحر في غير أرضك في جحر # قوله عز وجل ### || [سورة النحل (16) : الآيات 49 الى 55] # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) وقال الله لا ~~تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) وله ما في ~~السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما بكم من نعمة ~~فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) # ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) # وقعت ما في هذه الآية لما يعقل، قال الزجاج: قوله ما في السماوات يعم ~~ملائكة السماء وما في السحاب وما في الجو من حيوان، وقوله وما في الأرض من ~~دابة بين، ثم ذكر ملائكة الأرض في قوله والملائكة ويحتمل أن يكون قوله: ~~والملائكة هو الذي يعم «السماوات والأرض» ، وما قبل ذلك لا يدخل فيه ملك، ~~إنما هو للحيوان أجمع، وقوله يخافون ربهم عام لجميع الحيوان، وقوله من ~~فوقهم يحتمل معنيين: أحدهما الفوقية التي يوصف بها الله تعالى فهي فوقية ms2077 ~~القدر والعظمة والقهر والسلطان، والآخر أن يتعلق قوله من فوقهم بقوله ~~يخافون، أي يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك أن عادة عذاب الأمم إنما أتى ~~من جهة فوق، وقوله ويفعلون ما يؤمرون أما المؤمنون فبحسب الشرع والطاعة، ~~وأما غيرهم من الحيوان فبالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى ما نفد من أمر ~~الله تعالى، وقوله وقال الله الآية، آية نهي من الله تعالى عن الإشراك به ~~ومعناها لا تتخذوا إلهين اثنين فصاعدا، بما ينصه من قوله إنما هو إله واحد، ~~قالت فرقة المفعول الأول ب تتخذوا قوله إلهين، وقوله اثنين تأكيد وبيان ~~بالعدد، وهذا معروف في كلام العرب أن يبين المعدود بذكر عدده تأكيدا، ومنه ~~قوله إله واحد لأن لفظ إله يقتضي الانفراد، وقال قوم منهم: المفعول الثاني ~~محذوف تقديره معبودا أو مطاعا ونحو هذا، وقالت فرقة: المفعول الأول اثنين، ~~والثاني قوله إلهين، وتقدير الكلام لا تتخذوا اثنين إلهين، ومثله قوله ~~تعالى ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح [الإسراء: 2- 3] ففي ~~هذه الآية على بعض الأقوال تقديم المفعول الأول ل تتخذوا، وقوله فإياي ~~منصوب بفعل مضمر تقديره PageV03P399 # فارهبوا إياي فارهبون ولا يعمل فيه الفعل لأنه قد عمل في الضمير المتصل ~~به، وقوله وله ما في السماوات الآية، الواو في قوله وله عاطفة على قوله: ~~إله واحد، وجائز أن يكون واو ابتداء، وما عامة جميع الأشياء مما يعقل ومما ~~لا يعقل، والسماوات هنا كل ما ارتفع من الخلق في جهة فوق، فيدخل فيه العرش ~~والكرسي، والدين الطاعة والملك كما قال زهير في دين عمرو: وحالت بيننا فدك. ~~أي في طاعته وملكه، و «الواصب» القائم، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد ~~والضحاك وقال الشاعر [أبي الأسود] : [الكامل] # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يوما بذم الدهر أجمع واصبا # ومنه قول حسان: [المديد] # غيرته الريح تسفي به ... وهزيم رعده واصب # وقالت فرقة: هو من الوصب وهو التعب، أي وله الدين على تعبه ومشقته. # قال القاضي أبو محمد: ف «واصب» على هذا جار على النسب ms2078 أي ذا وصب، كما ~~قال: أضحى فؤادي به فاتنا، وهذا كثير، وقال ابن عباس أيضا: «الواصب» ~~الواجب، وهذا نحو قوله: الواصب الدائم، وقوله أفغير، توبيخ ولفظ استفهام ~~ونصب «غير» ب تتقون، لأنه فعل لم يعمل في سوى «غير» المذكورة. والواو في ~~قوله وما بكم يجوز أن تكون واو ابتداء، ويجوز أن تكون واو الحال، ويكون ~~الكلام متصلا بقول أفغير الله تتقون، كأنه يقال على جهة التوبيخ: أتتقون ~~غير الله وما منعم عليكم سواه، والباء في قوله بكم متعلقة بفعل تقديره وما ~~نزل أو ألم ونحو هذا، وما بمعنى الذي، والفاء في قوله فمن الله دخلت بسبب ~~الإبهام الذي في ما التي هي بمعنى الذي، فأشبه الكلام الشرط، ومعنى الآية ~~التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه إنما هو في نعمة الله وأفضاله، ~~إيجاده داخل في ذلك فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض لكون الإنسان ~~الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله تعالى، والضر وإن كان يعم كل ~~مكروه فأكثر ما يجيء عبارة عن أرزاء البدن، وتجئرون معناه ترفعون أصواتكم ~~باستغاثة وتضرع، وأصله في جؤار الثور والبقرة وصياحها، وهو عند جهد يلحقها ~~أو في أثر دم يكون من بقر تذبح، فذلك الصراخ يشبه به انتحاب الداعي ~~المستغيث بالله إذ رفع صوته، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # يراوح من صلوات الملي ... ك طورا سجودا وطورا جؤارا # وأنشده أبو عبيدة: # بأبيل كلما صلى جأر والأصوات تأتي غالبا على فعال أو فعيل، وقرأ الزهري ~~«يجرون» بفتح الجيم دون همز حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الجيم، كما خففت ~~«تسلون» من «تسألون» ، وقوله ثم إذا كشف الضر قرأ PageV03P400 # الجمهور «كشف» ، وقرأ قتادة «كاشف» ، ووجهها أنها فاعل من واحد بمعنى كشف ~~وهي ضعيفة، وفريق هنا يراد به المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالا من ~~شفاء المرض وجلب الخير ودفع الضر، فهم إذا شفاهم الله عظموا أصنامهم، ~~وأضافوا ذلك الشفاء إليها، وقوله ليكفروا يجوز أن يكون اللام لام الصيرورة ~~أي فصار أمرهم ليكفروا، وهم لم يقصدوا بأفعالهم ms2079 تلك أن يكفروا، ويجوز أن ~~تكون لام أمر على معنى التهديد والوعيد، كقوله اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] ~~والكفر هنا يحتمل أن يكون كفر الجحد بالله والشرك، ويؤيده قوله: بربهم ~~يشركون، ويحتمل أن يكون كفر النعمة وهو الأظهر، لقوله: # بما آتيناهم أي بما أنعمنا عليهم، وقرأ الجمهور فتمتعوا فسوف تعلمون على ~~معنى قل لهم يا محمد، وروى أبو رافع عن النبي عليه السلام «فيمتعوا» بياء ~~من تحت مضمومة «فسوف يعلمون» على معنى ذكر الغائب وكذلك في الروم، وهي ~~قراءة أبي العالية، وقرأ الحسن «فتمتعوا» على الأمر «فسوف يعلمون» بالياء ~~على ذكر الغائب، وعلى ما روى أبو رافع يكون «يمتعوا» في موضع نصب عطفا على ~~«يكفروا» إن كانت اللام لام كي، أو نصبا بالفاء في جواب الأمر إن كانت ~~اللام لام أمر، ومعنى التمتع في هذه الآية بالحياة الدنيا التي مصيرها إلى ~~الفناء والزوال. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 56 الى 59] # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ~~(56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم ~~بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) # الضمير في قوله ويجعلون للكفار، وقوله لما لا يعلمون يريد الأصنام، ~~ومعناه لا يعلمون فيهم حجة ولا برهانا، ويحتمل أن يريد بقوله: يعلمون ~~الأصنام، أي يجعلون لجمادات لا تعلم شيئا نصيبا، فالمفعول محذوف، ثم عبر ~~عنهم بعبارة من يعقل بحسب مذهب الكفار الذين يسندون إليها ما يسند إلى من ~~يعقل، وبحسب أنه إسناد منفي، وهذا كله ضعيف، و «النصيب» المشار إليه هو ما ~~كانت العرب سنته من الذبح لأصنامها والإهداء إليها، والقسم لها من الغلات، ~~ثم أمر الله تعالى نبيه عليه السلام، أن يقسم لهم أنهم سيسألون على ~~افترائهم في أن تلك السنن هي الحق الذي أمر الله به كما قال بعضهم، و ~~«الفرية» اختلاق الكذب وقوله ويجعلون لله البنات الآية، هذا ms2080 تعديد لقبح قول ~~الكفار: # الملائكة بنات الله ورد عليهم من وجهين، أحدهما نسبة النسل إلى الله ~~تعالى عن ذلك، والآخر أنهم نسبوا من النسل الأخس المكروه عندهم، وما في ~~قوله ما يشتهون مرتفعة بالابتداء، والخبر في المجرور قبله، وأجاز الفراء أن ~~تكون في موضع نصب عطفا على البنات، والبصريون لا يجيزون هذا لأنه من باب ~~ضربتني، وكان يلزم عندهم أن يكون لأنفسهم ما يشتهون، والمراد بقوله ما ~~يشتهون: الذكران من الأولاد، وقوله وإذا بشر لما صرح بالشيء المبشر به حسن ~~ذكر البشارة فيه وإلا فالبشارة مطلقة لا تكون إلا في خير، وقوله ظل وجهه ~~مسودا عبارة عن العبوس والتقطيب الذي يلحق المغموم، وقد يعلو وجه PageV03P401 # المغموم سواد وربدة وتذهب شراقته، فلذلك يذكر له السواد، وكظيم بمعنى ~~كاظم كعليم وعالم، والمعنى أنه يخفي وجده وهمه بالأنثى، وقوله يتوارى من ~~القوم الآية، هذا التواري الذي ذكر الله تعالى إنما هو بعد البشارة ~~بالأنثى، وما يحكى أن الرجل منهم كان إذا أصاب امرأته الطلق توارى حتى يخبر ~~بأحد الأمرين، فليس المراد في الآية، ويشبه أن ذلك كان إذا أخبر بسار خرج، ~~وإن أخبر بسوء بقي على تواريه ولم يحتج إلى إحداثه، ومعنى يتوارى يتغيب، ~~وتقدير الكلام يتوارى من القوم مدبرا أيمسكه أم يدسه؟ وقرأت فرقة «أيمسكه» ~~على لفظ «ما أم يدسها» على معنى الأنثى، وقرأ الجحدري «أيمسكها أم يدسها» ~~على معنى الأنثى في الموضعين، وقرأ الجمهور «على هون» بضم الهاء، وقرأ عيسى ~~بن عمر «على هوان» ، وهي قراءة عاصم الجحدري، وقرأ الأعمش «على سوء» ، ~~ومعنى الآية يدبر أيمسك هذه الأنثى على هوان يتحمله وهم يتجلد له، أم يدسها ~~فيدفنها حية، فهو الدس في التراب، ثم استفتح تعالى بالإخبار بسوء حكمهم ~~وفعلهم بهذا في بناتهم ورزق الجميع على الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 60 الى 62] # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى ~~أجل ms2081 مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ~~ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم ~~مفرطون (62) # قالت فرقة مثل في هذه الآية بمعنى صفة، أي لهؤلاء صفة السوء ولله الوصف ~~الأعلى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يضطر إليه، لأنه خروج عن اللفظ، بل قوله ~~مثل على بابه، وذلك أنهم إذا قالوا إن البنات لله فقد جعلوا له مثلا أبا ~~البنات من البشر، وكثرة البنات عندهم مكروه ذميم، فهو مثل السوء الذي أخبر ~~الله تعالى أنه لهم ليس في البنات فقط، لكن لما جعلوه هم في البنات جعله هو ~~لهم على الإطلاق في كل سوء، ولا غاية أبعد من عذاب النار، وقوله ولله المثل ~~الأعلى على الإطلاق أيضا في الكمال المستغني، وقال قتادة: المثل الأعلى لا ~~إله إلا الله، وباقي الآية بين، وقوله ولو يؤاخذ الله الناس # الآية، وآخذ هو تفاعل من أخذ، كأن أحد المتؤاخذين يأخذ من الآخر، إما ~~بمعصية كما هي في حق الله تعالى، أو بإذاية في جهة المخلوقين، فيأخذ الآخر ~~من الأول بالمعاقبة والجزاء، وهي لغتان وأخذ وآخذ، ويؤاخذ يصح أن يكون من ~~آخذ، وأما كونها من واخذ فبين، والضمير في عليها عائد على الأرض، وتمكن ذلك ~~مع أنه لم يجر لها ذكر لشهرتها، وتمكن الإشارة لها كما قال لبيد في الشمس: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات البلاد ظلامها # ومنه قول تعالى حتى توارت بالحجاب [ص: 32] ولم يجر للشمس ذكر، وقوله من ~~دابة دخلت من لاستغراق الجنس، وظاهر الآية أن الله تعالى أخبر أنه لو أخذ ~~الناس بعقاب يستحقونه PageV03P402 # بظلمهم في كفرهم ومعاصيهم لكان ذلك العقاب يهلك منه جميع ما يدب على ~~الأرض من حيوان فكأنه بالقحوط أو بأمر يصيبهم من الله تعالى، وعلى هذا ~~التأويل قال بعض العلماء: كاد الجعل أن يهلك بذنوب بني آدم، ذكره الطبري، ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى ليهزل الحوت في ms2082 ~~الماء والطير في الهواء بذنوب العصاة» ، وسمع أبو هريرة رجلا يقول: إن ~~الظالم لا يهلك إلا نفسه، فقال أبو هريرة: بلى إن الله ليهلك الحبارى في ~~وكرها هزلا بذنوب الظلمة، وقد نطقت الشريعة في أخبارها بأن الله تعالى أهلك ~~الأمم بريها وعاصيها بذنوب العصاة منهم، وقالت فرقة: قوله: من دابة، يريد ~~من أولئك الظلمة فقط، ويدل على هذا التخصيص، أن الله لا يعاقب أحدا بذنب ~~أحد، واحتجت بقول الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164] وهذا ~~معنى آخر، وذلك أن الله تعالى لا يجعل العقوبة تقصد أحدا بسبب إذناب غيره، ~~ولكن إذا أرسل عذابا على أمة عاصية، لم يمكن البري التخليص من ذلك العذاب، ~~فأصابه العذاب لا بأنه له مجازاة، ونحو هذا قوله واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال: 25] وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أنهلك ~~وفينا الصالحون؟ قال «نعم إذا كثر الخبث» ، ثم لا بد من تعلق ظلم ما ~~بالأبرياء، وذلك بترك التغيير ومداهنة أهل الظلم ومداومة جوارهم، و «الأجل ~~المسمى» في هذه الآية هو بحسب شخص شخص، وفي معنى الآية مع أمائرها اختصار ~~وإيجاز، وقوله ما يكرهون يريد البنات، وما في هذا الموضع تقع لمن يعقل من ~~حيث هو صنف وقرأ الحسن «ألسنتهم الكذب» بسكون النون كراهية توالي الحركات، ~~وقرأ الجمهور «الكذب» بكسر الذال، ف أن بدل منه، وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل ~~الشام «الكذب» بضم الكاف والذال والباء على صفة الألسنة، وأن لهم مفعول ب ~~تصف، والحسنى قال مجاهد وقتادة: الذكور من الأولاد، وهو الأسبق من معنى ~~الآية، وقالت فرقة يريد الجنة. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا قوله لا جرم أن لهم النار ومعنى الآية ~~على هذا التأويل يجعلون لله المكروه ويدعون مع ذلك أنهم يدخلون الجنة، كما ~~تقول لرجل أنت تعصي الله، وتقول مع ذلك أنت تنجو، أي هذا بعيد مع هذا، ثم ~~حكم عليهم بعد ذلك بالنار، وقد تقدم القول في لا جرم، وقرأ الجمهور «أن ~~لهم» بفتح الهمزة، ms2083 وإعرابها بحسب تقدير جرم، فمن قدرها بكسب فعلهم فهو نصب، ~~ومن قدرها يوجب فهو رفع، وقرأ الحسن وعيسى بن عمران «إن لهم» بكسر الهمزة ~~وقرأ السبعة سوى نافع «مفرطون» بفتح الراء وخفتها، ومعناه مقدمون إلى النار ~~والعذاب، وهي قراءة الحسن والأعرج وأصحاب ابن عباس، وقد رويت عن نافع، وهو ~~مأخوذ من فرط الماء وهم القوم الذين يتقدمون إلى المياه لإصلاح الدلاء ~~والأرشية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا فرطكم على الحوض» ومنه ~~قول القطامي: # واستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجل فراط لوراد # وقالت فرقة: مفرطون معناه مخلفون متركون في النار منسيون فيها، قاله سعيد ~~بن جبير ومجاهد وابن أبي هند، وقال آخرون مفرطون معناه مبعدون في النار، ~~وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «مفرطون» بكسر الراء ~~وتشديدها وفتح الفاء، ومعناه مقصرون في طاعة الله تعالى، وقد PageV03P403 # روي عنه فتح الراء مع شدها، وقرأ نافع وحده «مفرطون» بكسر الراء وخفتها، ~~وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي رجاء وشيبة بن نصاح وأكثر أهل المدينة، ~~أي يتجاوزون الحد في معاصي الله عز وجل. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 63 الى 66] # تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام ~~لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) # هذه آية ضرب مثل لهم بمن تقدم وفي ضمنها وعيد لهم وتأنيس للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقوله اليوم يحتمل أن يريد يوم الإخبار بهذه الآية، وهو بعد موت ~~أولئك الأمم المذكورة، أي لا ولي لهم منذ ماتوا واحتاجوا إلى الغوث إلا ~~الشيطان، ويحتمل أن يريد يوم القيامة، والألف واللام فيه للعهد، أي «هو ~~وليهم» في «اليوم» المشهور وهو وقت ms2084 الحاجة والفصل، ويحتمل أن يريد فهو ~~وليهم مدة حياتهم، ثم انقطعت ولايته بموتهم، وعبر عن ذلك بقوله اليوم ~~تمثيلا للمخاطبين بمدة حياتهم، كما تقول لرجل شاب تحضه على طلب العلم: يا ~~فلان لا يدرس أحد من الناس إلا اليوم، تريد في مثل سنك هذه. فكأنه قال ~~لهؤلاء: فهو وليهم في مثل حياتكم هذه، وهي التي كانت لهم، وسائر الآية ~~وعيد، وقوله وما أنزلنا عليك الكتاب يريد القرآن، وقوله لتبين لهم في موضع ~~المفعول من أجله، وقوله وهدى ورحمة عطف عليه، كأنه قال إلا للبيان أي لأجل ~~البيان لهم، وقوله الذي اختلفوا فيه لفظ عام لأنواع كفر الكفرة من الجحد ~~بالله تعالى، أو بالقيامة، أو بالنبوءات، أو غير ذلك، ولكن الإشارة في هذه ~~الآية إنما هي لجحدهم الربوبية وتشريكهم الأصنام في الألوهية، يدل على ذلك ~~أخذه بعد هذا في إثبات العبر الدالة على أن الأنعم وسائر الأفعال إنما هي ~~من الله تعالى، لا من الأصنام. وقوله تعالى والله أنزل من السماء ماء ~~الآية، لما أمره بتبيين ما اختلف فيه، نص العبر المؤدية إلى تبيين أمر ~~الربوبية، فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر، وهي ملاك الحياة، وهي في ~~غاية الظهور لا يخالف فيها عاقل، و «حياة الأرض وموتها» استعارة وتشبيه ~~بالحيوان، فإذ هي هامدة غبراء غير منبتة فهي كالميت، وإذ هي منبتة مخضرة ~~مهتزة رابية فهي كالحي، وقوله يسمعون يدل على ظهور هذا المعتبر فيه وبيانه، ~~لأنه لا يحتاج إلى تفكر ولا نظر قلب، وإنما يحتاج المنبه إلى أن يسمع القول ~~فقط، والأنعام هي الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز، و «العبرة» ~~الحال المعتبر فيها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وابن ~~مسعود بخلاف والحسن وأهل المدينة «نسقيكم» بفتح النون من سقى يسقي، وقرأ ~~الباقون وحفص عن عاصم «نسقيكم» بضم النون من أسقى يسقي، وهي قراءة الكوفيين ~~وأهل مكة، قال بعض أهل اللغة، هما لغتان بمعنى واحد، وقالت فرقة: تقول لمن ~~تسقيه بالشفة أو في مرة واحدة سقيته ms2085 وتقول لمن تعد سقيه أو تمنحه PageV03P404 # شربا أسقيته، وهذا قول من قرأ «نسقيكم» ، لأن ألبان الأنعام من المستمر ~~للبشر، وأنشد من قال إنهما لغتان بمعنى، قول لبيد: [الوافر] # سقى قومي بني بدر وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال # وذلك لازم لأنه لا يدعو لقومه بالقليل، وقرأ أبو رجاء «يسقيكم» بالياء أي ~~يسقيكم الله، وقرأت فرقة «تسقيكم» بالتاء وهي ضعيفة وكذلك اختلف القراء في ~~سورة المؤمنين وقوله مما في بطونه، الضمير عائد على الجنس وعلى المذكور كما ~~قال الشاعر: مثل الفراخ نتفت حواصله، وهذا كثير لقوله تعالى إن هذه تذكرة ~~[الإنسان: 29] فمن شاء ذكره [المدثر: 55] وقيل: إنما قال: مما في بطونه، ~~لأن الأنعام والنعم واحد فرد الضمير على معنى النعم وقالت فرقة: الضمير ~~عائد على البعض، إذ الذكور لا ألبان لها، فكأن العبرة إنما هي في الأنعام، ~~و «الفرث» ما ينزل إلى الأمعاء، و «السائغ» السهل في الشرب اللذيذ، وقرأت ~~فرقة «سيغا» بشد الياء، وقرأ عيسى الثقفي «سيغا» بسكون الياء وهي تخفيف من ~~سيغ كميت وهين، وليس وزنهما فعلا، لأن اللفظة واوية، ففعل منها سوغ، وروي ~~أن اللبن لم يشرق به أحد قط، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 67 الى 69] # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها ~~شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) # قال الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون، وقالت فرقة: ~~التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه، ويجوز أن يكون قوله: ~~ومن ثمرات، عطفا على الأنعام [النحل: 66] أي ولكم من ثمرات النخيل والأنعام ~~عبرة، ويجوز أن يكون عطفا على مما [النحل: 66] ، أي ونسقيكم أيضا مشروبات ~~من ثمرات، والسكر ما يسكر، هذا هو المشهور في اللغة، فقال ابن عباس: ms2086 نزلت ~~هذه الآية قبل تحريم الخمر، وأراد بالسكر الخمر، وبالرزق الحسن جميع ما ~~يشرب ويؤكل حلالا من هاتين الشجرتين وقال بهذا القول ابن جبير وإبراهيم ~~والشعبي وأبو زيد، وقال الحسن بن أبي الحسن: ذكر الله نعمته في السكر قبل ~~تحريم الخمر، وقال الشعبي ومجاهد: السكر السائغ من هاتين الشجرتين كالخل ~~والرب والنبيذ، و «الرزق الحسن» العنب والتمر، قال الطبري: والسكر أيضا في ~~كلام العرب ما يطعم، ورجح الطبري هذا القول، ولا مدخل للخمر فيه ولا نسخ من ~~الآية شيء، وقال بعض الفرقة التي رأت السكر الخمر: إن هذه الآية منسوخة ~~بتحريم الخمر، وفي هذه المقالة درك، لأن النسخ إنما يكون في حكم مستقر ~~مشروع، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «حرمت الخمر PageV03P405 # بعينها، والسكر من غيرها» . هكذا في الرواية الصحيحة بفتح السين والكاف، ~~أي جميع ما يسكر منه حرم على حد تحريم الخمر قليله وكثيره، ورواه ~~العراقيون، و «السكر» بضم السين وسكون الكاف وهذا مبني على فقههم في أن ما ~~أسكر كثيره من غير خمر العنب فقليله حلال، وباقي الآية بين، وقوله تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل الآية، الوحي في كلام العرب إلقاء المعنى من الموحي ~~إلى الموحى إليه في خفاء، فمنه الوحي إلى الأنبياء برسالة الملك، ومنه وحي ~~الرؤيا، ومنه وحي الإلهام، وهو الذي في آياتنا هذه باتفاق من المتأولين، ~~والوحي أيضا بمعنى الأمر، كما قال تعالى بأن ربك أوحى لها [الزلزلة: 5] . # وقرأ يحيى بن وثاب «إلى النخل» بفتح الحاء وأن في قوله أن اتخذي مفسرة، ~~وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع، إما في الجبال وكواها، ~~وإما في متجوف الأشجار، وإما فيما يعرش ابن آدم من الأجباح والحيطان ~~ونحوها، و «عرش» معناه هيأ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان ~~والخشب وترتيب ظلالها، ومنه العريش الذي صيغ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر، ومن هذا هي لفظة العريش، ويقال عرش يعرش بكسر الراء وضمها، وقرىء ~~بهما، قرأ ابن عامر بالضم ms2087 وسائرهم بالكسر، واختلف عن عاصم، وجمهور الناس ~~على الكسر، وقرأ بالضم أبو عبد الرحمن وعبيد بن نضلة، وقال ابن زيد في ~~قوله: يعرشون قال الكروم، وقال الطبري ومما يعرشون يعني ما يبنون من ~~السقوف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا منهما تفسير غير متقن، وقوله تعالى: ثم كلي من ~~كل الثمرات الآية، المعنى ثم ألهمها أن كلي، فعطف كلي على اتخذي، ومن ~~للتبعيض، أي كلي جزءا أو شيئا من كل الثمرات، وذلك أنها إنما تأكل النوار ~~من أشجار، و «السبل» الطرق وهي مسالكها في الطيران وغيرها، وأضافها إلى ~~«الرب» من حيث هي ملكه وخلقه التي يسر لك ربك، وقوله ذللا يحتمل أن يكون ~~حالا من النحل، أي مطيعة منقادة لما يسرت له، قاله قتادة، وقال ابن زيد: ~~فهم يخرجون بالنحل ينتجعون وهي تتبعهم، وقرأ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ~~[يس: 71- 72] ، ويحتمل أن يكون حالا من «السبل» أي مسهلة مستقيمة، قال ~~مجاهد: لا يتوعر عليها سبيل تسلكه، ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة ~~والتنبيه على العبرة أمر العسل في قوله يخرج من بطونها، وجمهور الناس على ~~أن العسل يخرج من أفواه النحل، وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~قال في تحقير الدنيا: أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرف شرابه رجيع ~~نحلة، فظاهر هذا أنه من غير الفم، و «اختلاف الألوان» في العسل بحسب اختلاف ~~النحل والمراعي وقد يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي، ومن هذا المعنى قول ~~زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: جرست نحله العرفط حين شبهت رائحته برائحة ~~المغافير، وقوله فيه شفاء للناس الضمير للعسل، قاله الجمهور: ولا يقتضي ~~العموم في كل علة وفي كل إنسان، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من ~~الأدوية في بعض دون بعض وعلى حال دون حال، ففائدة الآية إخبار منبه منه في ~~أنه دواء كما كثر الشفاء به وصار خليطا ومعينا للأدوية ms2088 في الأشربة ~~والمعاجين، وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو شيئا إلا تداوى بالعسل، حتى ~~إنه كان يدهن به الدمل والضرحة ويقرأ فيه شفاء للناس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي أنه يرى الشفاء به على العموم، وقال ~~مجاهد: الضمير PageV03P406 # للقرآن، أي فيه شفاء، وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية إنما ~~يراد بها أهل البيت ورجال بني هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب القرآن ~~والحكمة، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي: فقال له رجل ~~ممن حضر: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فأضحك ~~الحاضرين، وبهت الآخر، وظهرت سخافة قوله، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 70 الى 72] # والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا إن الله عليم قدير (70) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين ~~فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ~~(71) والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ~~ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) # هذا تنبيه على الاعتبار في إيجادنا بعد العدم وإماتتنا بعد ذلك، ثم اعترض ~~بمن ينكث من الناس لأنهم موضع عبرة، وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس ~~ويختل النطق، وخص ذلك بالرذيلة وإن كانت حال الطفولية كذلك، من حيث كانت ~~هذه لأرجاء معها، والطفولية إنما هي بدأة والرجاء معها متمكن، وقال بعض ~~الناس: أول أرذل العمر خمسة وسبعون سنة روي ذلك عن علي رضي الله عنه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا في الأغلب، وهذا لا ينحصر إلى مدة معينة وإنما ~~هو بحسب إنسان إنسان، والمعنى، منكم من يرد إلى أرذل عمره ورب من يكون ابن ~~خمسين سنة وهو في أرذل عمره، ورب ابن مائة وتسعين ليس في أرذل عمره، واللام ~~في لكي يشبه أن يكون لام صيرورة، وليس ببين، والمعنى ليصير أمره بعد العلم ms2089 ~~بالأشياء إلى أن لا يعلم شيئا، وهذه عبارة عن قلة علمه لا أنه لا يعلم شيئا ~~البتة، ولم تحل لا بين «كي» ومعمولها لتصرفها، وأنها قد تكون زائدة ثم قرر ~~تعالى علمه وقدرته التي لا تتبدل ولا تحملها الحوادث ولا تتغير، وقوله ~~والله فضل بعضكم على بعض في الرزق إخبار يراد به العبرة، وإنما هي قاعدة ~~يبنى المثل عليها، والمثل هو أن المفضلين لا يصح منهم أن يساهموا مماليكهم ~~فيما أعطوا حتى تستوي أحوالهم، فإذا كان هذا في البشر فكيف تنسبون أنتم ~~أيها الكفرة إلى الله تعالى أنه يسمح بأن يشرك في ألوهيته الأوثان ~~والأنصاب، وهم خلقه وغيرها مما عبد كالملائكة والأنبياء وهم عبيده وخلقه، ~~هذا تأويل الطبري، وحكاه عن ابن عباس وحكي عنه أن الآية مشيرة إلى عيسى ابن ~~مريم عليه السلام، قال المفسرون: # هذه الآية كقوله تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء [الروم: 28] ، ثم وقفهم على جحدهم ~~نعمة الله في تنبيهه لهم على مثل هذا من مواطن النظر المؤدية إلى الإيمان، ~~وقرأ الجمهور وحفص عن عاصم «يجحدون» بالياء من تحت، وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~«تجحدون» بالتاء، وهي قراءة أبي عبد الرحمن والأعرج بخلاف عنه، وهي على ~~معنى قل PageV03P407 # لهم يا محمد. قال قتادة: لا يكون الجحد إلا بعد معرفة، وقوله والله جعل ~~لكم الآية، آية تعديد نعم، و «الأزواج» الزوجات، ولا يترتب في هذه الآية ~~الأنواع ولا غير ذلك، وقوله من أنفسكم يحتمل أن يريد خلقته حواء من نفس آدم ~~وجسمه، فمن حيث كانا مبتدأ الجميع ساغ حمل أمرهما على الجميع حتى صار الأمر ~~كأن النساء خلقن من أنفس الرجال، وهذا قول قتادة، والأظهر عندي أن يريد ~~بقوله من أنفسكم، أي من نوعكم وعلى خلقتكم، كما قال تعالى لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم [التوبة: 128] وقوله وجعل لكم من أزواجكم بنين، ظاهر في تعديد ~~النعمة في الأبناء، واختلف الناس في قوله وحفدة فقال ابن ms2090 عباس: «الحفدة» ~~أولاد البنين، وقال الحسن: هم بنوك وبنو بنيك، وقال ابن مسعود وأبو الضحى ~~وإبراهيم وسعيد بن جبير: «الحفدة» الأصهار وهم قرابة الزوجة، وقال مجاهد: ~~«الحفدة» الأنصار والأعوان والخدم، وحكى الزجاج أن الحفدة البنات في قول ~~بعضهم، قال الزهراوي لأنهن خدم الأبوين لأن لفظة البنين لا تدل عليهن، ألا ~~ترى أنهن ليس في قول الله تعالى: المال والبنون زينة الحياة الدنيا [الكهف: ~~46] وإنما الزينة في الذكور، وقال ابن عباس أيضا: «الحفدة» أولاد زوجة ~~الرجل من غيره، ولا خلاف أن معنى الحفد الخدمة والبر والمشي مسرعا في ~~الطاعة ومنه في القنوت: وإليك نسعى ونحفد، والحفدان خبب فوق المشي، ومنه ~~قول الشاعر وهو جميل بن معمر: [الكامل] # حفد الولائد بينهن وأسلمت ... بأكفهن أرمة الإجمال # ومنه قول الآخر: [البسيط] # كلفت مجهولها نوقا ثمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا # قال القاضي أبو محمد: وهذه الفرق التي ذكرت أقوالها إنما بنيت على أن كل ~~أحد جعل له من زوجه بنون وحفدة، وهذا إنما هو في الغالب وعظم الناس، ويحتمل ~~عندي أن قوله: من أزواجكم إنما هو على العموم والاشتراك، أي من أزواج البشر ~~جعل الله لهم البنين، ومنهم جعل الخدمة فمن لم تكن له قط زوجة فقد جعل الله ~~له حفدة، وحصل تحت النعمة، وأولئك الحفدة هم من الأزواج، وهكذا تترتب ~~النعمة التي تشمل جميع العالم، وتستقيم لفظة «الحفدة» على مجراها في اللغة، ~~إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة، وقالت فرقة: «الحفدة» هم ~~البنون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يستقيم على أن تكون الواو عاطفة صفة لهم، كما ~~لو قال جعلنا لهم بنين وأعوانا أي وهم لهم أعوان، فكأنه قال: وهم حفدة ~~وقوله ورزقكم من الطيبات يريد الله: من الأشياء التي تطيب لمن رزقها، ولا ~~يقتصر هنا على الحلال لأنهم كفار لا يكتسبون بشرع، وفي هذه الآية رد على من ~~قال من المعتزلة: إن الرزق إنما يكون الحلال فقط، ولكم تعلق في لفظة من إذ ~~هي للتبعيض، فيقولون: ليس الرزق المعدد ms2091 عليهم من جميع ما بأيديهم إلا ما ~~كان حلالا، وقرأ الجمهور «يؤمنون» ، وتجيء الآية على هذه القراءة توقيفا ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم على إيمانهم بالباطل وكفرهم بنعمة الله، وقرأ أبو ~~عبد الرحمن «تؤمنون» بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم على معنى قل لهم يا ~~محمد، ويجيء قوله بعد ذلك وبنعمت الله هم يكفرون إخبارا مجردا عنهم وحكما ~~عليهم لا توفيقا، وقد PageV03P408 # يحتمل التوقيف أيضا على قلة اطراد في القول. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 73 الى 75] # ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ~~ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) # هذه آية تقريع للكفار وتوبيخ وإظهار لفساد نظرهم ووضع لهم من الأصنام في ~~الجهة التي فيها سعي الناس وإليها هممهم، وهي طلب الرزق، وهذه الأصنام لا ~~تملك إنزال المطر ولا إثبات نعمة، ومع أنها لا تملك لا تستطيع أن تحاول ذلك ~~من ملك الله تعالى، وقوله رزقا مصدر ونصبه على المفعول ب يملك، وقوله شيئا ~~ذهب كثير من النحويين إلى أنه منصوب على البدل، من قوله رزقا ورزقا اسم، ~~وذهب الكوفيون وأبو علي معهم إلى أنه منصوب بالمصدر في قوله رزقا ولا نقدره ~~اسما، وهو كقوله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا [المرسلات: 25- ~~26] ف كفاتا [المرسلات: 25] مصدر منصوب به أحياء [المرسلات: 26] ومنه أيضا ~~في قوله عز وجل أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة [البلد: 14- 15] ~~فنصب يتيما [البلد: 15] ب إطعام [البلد: 14] ، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد # والمصدر يعمل مضافا باتفاق لأنه في تقدير الانفصال، ولا يعمل إذا دخله ~~الألف اللام لأنه قد توغل في حال الأسماء وبعد عن حال الفعلية، وتقدير ~~الانفصال في الإضافة حسن عمله، وقد ms2092 جاء عاملا مع الألف واللام في قول ~~الشاعر: ضعيف النكاية أعداءه، البيت: # وقوله: عن الضرب مسمعا، وقوله يملك على لفظ ما، وقوله يستطيعون على ~~معناها بحسب اعتقاد الكفار في الأصنام أنها تعقل، ويحتمل أن يكون الضمير في ~~يستطيعون للذين يعبدون، المعنى لا يستطيعون ذلك ببرهان يظهرونه وحجة ~~يثبتونها، وقوله فلا تضربوا أي لا تمثلوا لله الأمثال، وهو مأخوذ من قولك: ~~ضريب هذا أي مثله، والضرب النوع، تقول: الحيوان على ضروب، وهذان من ضرب ~~واحد، وباقي الآية بين وقوله ضرب الله مثلا الآية، هو مثال في هذه الآية هو ~~عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه، وإنما هو ~~مسخر بإرادة سيده مدبر، ولا يلزم من هذا أن العبيد كلهم بهذه الصفة كما ~~انتزع بعض من ينتحل الفقه، وقد قال في المثال: لا يقدر على شيء فيلزم على ~~هذا الانتزاع أن يكون مؤمنا ينفق بحسب الطاعة، وذلك أنه أشرف أن يكون ~~مثالا، والرزق ما صح الانتفاع به، وقال أبو منصور في عقيدته: الرزق ما وقع ~~الاغتذاء به، وهذه الآية ترد على هذا التخصيص، PageV03P409 # وكذلك قوله تعالى: ومما رزقناهم ينفقون [البقرة: 30] وأنفقوا مما رزقناكم ~~[البقرة: 254] وغير ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جعل رزقي في ظل ~~رمحي» ، وقوله: «أرزاق أمتي في سنابك خيلها، وأسنة رماحها، فالغنيمة كلها ~~رزق» ، والصحيح أن ما صح الانتفاع به هو الرزق، وهو مراتب أعلاها ما تغذي ~~به، وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله: «يقول ~~ابن آدم: # مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت ~~فأمضيت» . # قال القاضي أبو محمد: وفي معنى اللباس يدخل المركوب ونحوه، واختلف الناس ~~في الذي هو له هذا المثيل فقال قتادة وابن عباس: هو مثل الكافر والمؤمن ~~فكأن الكافر مملوك مصروف عن الطاعة فهو لا يقدر على شيء لذلك. ويشبه ذلك ~~العبد المذكور. # قال القاضي أبو محمد: والتمثيل على هذا التأويل إنما ms2093 وقع في جهة الكافر ~~فقط، جعل له مثالا، ثم قرن بالمؤمن المرزوق إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، ~~وإنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين، وقال مجاهد والضحاك: هذا ~~المثال والمثال الآخر الذي بعده إنما هو لله تعالى والأصنام، فتلك هي للعبد ~~المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى تتصرف قدرته دون معقب، وكذلك ~~فسر الزجاج على نحو قول مجاهد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل أصوب، لأن الآية تكون من معنى ما ~~قبلها وبعدها في تبين أمر الله والرد على أمر الأصنام، وذكر الطبري عن ابن ~~عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، وعبد كان له، وروي تعيين ~~غير هذا ولا يصح إسناده. # قال القاضي أبو محمد: والمثل لا يحتاج إلى تعيين أحد، وقوله الحمد لله ~~شكر على بيان الأمر بهذا المثال وعلى إذعان الخصم له، وهذا كما تقول لمن ~~أذعن لك في حجة وسلم ما تبني أنت عليه قولك: الله أكبر، على هذا يكون كذا ~~وكذا، فلما قال هنا هل يستوون؟ فكأن الخصم قال له لا فقال الحمد لله ظهرت ~~الحجة، وقوله بل أكثرهم لا يعلمون يريد لا يعلمون أبدا ولا يداخلهم إيمان، ~~ويتمكن على هذا قوله: أكثرهم، لأن الأقل من الكفار هو الذي آمن من أولئك، ~~ولو كان معنى قوله لا يعلمون أي الآن، لكان قوله أكثرهم بمعنى الاستيعاب ~~لأنه لم يكن أحد منهم يعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 76 الى 79] # وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~(76) ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ~~إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير ~~مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك ms2094 لآيات لقوم يؤمنون (79) PageV03P410 # هذا مثل لله عز وجل والأصنام، فهي كالأبكم الذي لا نطق له ولا يقدر على ~~شيء وهو عيال على من والاه من قريب أو صديق، و «الكل» الثقل والمئونة، وكل ~~محمول فهو كل، وسمي اليتيم كلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # أكول لمال الكل قبل شبابه ... إذا كان عظم الكل غير شديد # كما الأصنام تحتاج إلى أن تنقل وتخدم ويتعذب بها ثم لا يأتي من جهتها خير ~~البتة، هذا قول قتادة، وقال ابن عباس: هو مثل للكافر، وقرأ ابن مسعود ~~«يوجه» ، وقرأ علقمة «يوجه» وقرأ الجمهور، «يوجهه» ، وهي خط المصحف، وقرأ ~~يحيى بن وثاب «يوجه» ، وقرأ ابن مسعود أيضا «توجهه» على الخطاب، وضعف أبو ~~حاتم قراءة علقمة لأنه لازم، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى، وقال ابن ~~عباس: هو المؤمن. # و «الصراط» الطريق، وقوله ولله غيب السماوات والأرض الآية، أخبر الله ~~تعالى أن الغيب له يملكه ويعلمه، وقوله وما أمر الساعة آية إخبار بالقدرة ~~وحجة على الكفار، والمعنى على ما قال قتادة وغيره: # ما تكون الساعة وإقامتها في قدرة الله إلا أن يقول لها كن، فلو اتفق أن ~~يقف على ذلك محصل من البشر لكانت من السرعة بحيث يشك هل هي كلمح البصر أو ~~هي أقرب من ذلك، ف أو على هذا على بابها في الشك، وقيل هي للتخيير، و «لمح ~~البصر» هو وقوعه على المرئي، وقوى هذا الإخبار بقوله إن الله على كل شيء ~~قدير. ومن قال وما أمر الساعة له وما إتيانها ووقوعها بكم على جهة التخويف ~~من حصولها ففيه بعد وتجوز كثير، وبعد من قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~«بعثت أنا والساعة كهاتين» ، ومن ذكره ما ذكر من أشراط الساعة ومهلتها، ~~ووجه التأويل أن القيامة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب كلمح البصر ~~كما يقال: ما السنة إلا لحظة، إلا أن قوله أو هو أقرب يرد أيضا هذه ~~المقالة، وقوله والله أخرجكم الآية، آية تعديد نعمة بينة لا ينكرها عاقل، ~~وهي نعمة ms2095 معها كفرها وتصريفها في الإشراك بالذي وهبها، فالله عز وجل أخبر ~~بأنه أخرج ابن آدم لا يعلم شيئا، ثم جعل حواسه التي قد وهبها له في البطن ~~سلما إلى درك المعارف، ليشكر على ذلك ويؤمن بالمنعم عليه، و «أمهات» أصله ~~أمات، وزيدت الهاء مبالغة وتأكيدا، كما زادوا الهاء في أهرقت الماء، قاله ~~أبو إسحاق، وفي هذا المثل نظر وقول غير هذا، وقرأ حمزة والكسائي «إمهاتكم» ~~بكسر الهمزة، وقرأ الأعمش «في بطون امهاتكم» بحذف الهمزة وكسر الميم ~~المشددة، وقرأ ابن أبي ليلى بحذف الهمزة وفتح الميم مشددة، قال أبو حاتم: ~~حذف الهمزة ردي ولكن قراءة ابن أبي ليلى أصوب والترجي الذي في «لعل» هو ~~بحسبنا، وهذه الآية تعديد نعم وموضع اعتبار، وقوله «الم تروا إلى الطير» ~~الآية، وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش وابن هرمز «ألم تروا» بالتاء، وقرأ أهل ~~مكة والمدينة «ألم يروا» بالياء على الكناية عنهم، واختلف عن الحسن وعاصم ~~وأبي عمرو وعيسى الثقفي، و «الجو» مسافة ما بين السماء والأرض، وقيل هو ما ~~يلي الأرض منها، وما فوق ذلك هو اللوح، و «الآية» عبرة بينة تفسيرها تكلف ~~بحت. PageV03P411 # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 80 الى 81] # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ~~(81) # هذه آية تعديد نعمة الله على الناس في البيوت، فذكر أولا بيوت التمدن وهي ~~التي للإقامة الطويلة وهي أعظم بيوت الإنسان، وإن كان الوصف ب سكنا يعم ~~جميع البيوت، والسكن مصدر يوصف به الواحد، ومعناه يسكن فيها وإليها ثم ذكر ~~تعالى بيوت النقلة والرحلة، وقوله وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا يحتمل أن ~~يعم به بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف، لأن هذه هي من الجلود، لكونها ~~نابتة فيها، نحا إلى ذلك ms2096 ابن سلام، ويكون قوله ومن أصوافها عطفا على قوله ~~من جلود الأنعام، أي جعل بيوتا أيضا، ويكون قوله أثاثا نصبا على الحال، ~~وتستخفونها أي تجدونها خفافا وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «ظعنكم» بفتح ~~العين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «ظعنكم» بسكون العين، وهما ~~لغتان، وليس بتخفيف، و «ظعن» معناه رحل والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، ~~والأشعار للمعز والبقر، ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان فلذلك اقتصر على ~~هذه، ويحتمل أن ترك ذلك القطن والحرير والكتان إعراضا عن ذلك السرف، إذ ~~ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف، وأيضا فقد أشير إلى القطن والحرير ~~والكتان في لفظ السرابيل، والأثاث متاع البيت واحدتها أثاثة، هذا قول أبي ~~زيد الأنصاري، وقال غيره الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه. # قال القاضي أبو محمد: والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعم: لأن حال الإنسان ~~تكون بالمال أثيثة، تقول شعر أثيث ونبات أثيث إذا كثر والتف، وقوله إلى حين ~~يريد به وقتا غير معين، وهو بحسب كل إنسان إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء ~~التي هي أثاث، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الوافر] # أهاجتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الزي الجميل من الأثاث # وقوله: والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر الآية، نعم عددها الله عليهم بحسب أحوالهم وبلادهم، ~~وأنها الأشياء المباشرة لهم، لأن بلادهم من الحرارة وقهر الشمس بحيث للظل ~~غناء عظيم ونفع ظاهر، وقوله مما خلق يعم جميع الأشخاص المظلة، و «الأكنان» ~~جمع كن وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك، و «السرابيل» جميع ما يلبس ~~على جميع البدن كالقميص والقرقل، والمجول والدرع والجوشن والخفتان ونحوه، ~~وذكر وقاية الحر إذا هو أمس في تلك البلاد على ما ذكرنا، والبرد فيها معدوم ~~في الأكثر، وإذا جاء في الشتوات فإنما يتوقى بما هو أكثف من السربال ~~المتقدم الذكر، فتبقى السرابيل لتوقي الحر فقط، قاله الطبري عن عطاء ~~الخراساني، ألا ترى أن الله قد نبههم إلى العبرة ms2097 في البرد ولم يذكر لهم ~~الثلج لأنه ليس في بلادهم، قال ابن عباس: إن الثلج شيء أبيض ينزل من السماء ~~ما رأيته قط. PageV03P412 # قال القاضي أبو محمد: وأيضا فذكر أحدهما يدل على الآخر، ومنه قول الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # قال القاضي أبو محمد: وهذه التي ذكرناها هي بلاد الحجاز، وإلا ففي بلاد ~~العرب ما فيه برد شديد، ومنه قول متمم: # إذ القشع من برد الشتاء تقعقعا. # ومنه قول الآخر: # في ليلة من جمادى ذات أندية. # البيتين، وغير هذا، والسرابيل التي تقي البأس هي الدرع، ومنه قول كعب بن ~~زهير: [البسيط] # شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل # وقال أوس بن حجر: # ولنعم حشو الدرع والسربال. # فهذا يراد به القميص، و «البأس» مس الحديد في الحرب، وقرأ الجمهور «يتم ~~نعمته» ، وقرأ ابن عباس «تتم نعمته» على أن النعمة هي تتم، وروي عنه «تتم ~~نعمه» على الجمع وقرأ الجمهور «تسلمون» من الإسلام، وقرأ ابن عباس «تسلمون» ~~من السلامة، فتكون اللفظة مخصوصة في بأس الحرب، وما في «لعل» من الترجي ~~والتوقع فهو في حيز البشر المخاطبين، أي لو نظر الناظر هذه الحال لترجى ~~منها إسلامهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 82 الى 85] # فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ~~وأكثرهم الكافرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ~~ولا هم يستعتبون (84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون (85) # هذه الآية فيها موادعة نسختها آية السيف، والمعنى إن أعرضوا فلست بقادر ~~على خلق الإيمان في قلوبهم، وإنما عليك أن تبين وتبلغ أمر الله ونهيه، ثم ~~قرعهم ووبخهم بأنهم يعرفون نعمة الله في هذه الأشياء المذكورة، ويقرون أنها ~~من عنده ثم يكفرون به تعالى، وذلك فعل المنكر للنعمة الجاحد لها، هذا قول ~~مجاهد، فسماهم منكرين للنعمة تجوزا، إذ كانت لهم أفعال المنكر من الكفر برب ~~النعمة وتشريكهم في النعمة الأوثان على وجه ms2098 ما، وهو ما كانوا يعتقدون ~~للأوثان من الأفعال من الضر والنفع، وقال السدي: # «النعمة» هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفهم تعالى بأنهم يعرفون ~~بمعجزاته وآيات نبوته وينكرون ذلك بالتكذيب، ورجحه الطبري، ثم حكم على ~~أكثرهم بالكفر وهم أهل مكة، وذلك أنه كان فيهم من قد داخله الإسلام، ومن ~~أسلم بعد ذلك، وقوله ويوم نبعث الآية وعيد، والتقدير واذكر يوم نبعث ويرد PageV03P413 # شهيدا على كفرهم وإيمانهم، ف «شهيد» بمعنى، شاهد وذكر الطبري أن المعنى ~~ثم ينكرونها اليوم ويوم نبعث من كل أمة شهيدا، أي ينكرون كفرهم فيكذبهم ~~الشهيد وقوله ثم لا يؤذن أي لا يؤذن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون ~~موطن، لأن في القرآن أن كل نفس تأتي تجادل عن نفسها [النحل: 111] ويترتب أن ~~تجيء كل نفس تجادل فإذا استقرت أقوالهم بعث الله الشهود من الأمم فتكذب ~~الكفار، فلم يؤذن للمكذبين بعد في معذرة، ويستعتبون معناه يعتبون، يقال ~~أعتبت الرجل إذا كفيته ما عتب فيه، كما تقول أشكيته إذا كفيته ما شكا، ~~فكأنه قال ولا هم يكفون ما يعتبون فيه ويشق عليهم والعرب تقول استفعل بمعنى ~~أفعل، تقول أدنيت الرجل واستدنيته وقال قوم معناه لا يسألون أن يرجعوا عما ~~كانوا عليه في الدنيا. # قال القاضي أبو محمد: فهذا استعتاب معناه طلب عتابهم، وقال الطبري معنى ~~يستعتبون يعطون الرجوع إلى الدنيا فيقع منهم توبة عمل. وقوله وإذا رأى ~~الذين ظلموا العذاب الآية، أخبر الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفرة ~~الظالمين في كفرهم إذا أراهم الله عذاب الله وشارفوها وتحققوا كنه شدتها، ~~فإن ذلك الأمر الهائل الذي نزل بهم لا يخفف بوجه ولا يؤخر عنهم، وإنما مقصد ~~الآية الفرق بين ما يحل بهم وبين رزايا الدنيا، فإن الإنسان لا يتوقع أمرا ~~من خطوب الدنيا إلا وله طمع في أن يتأخر عنه وفي أن يجيئه في أخف ما يتوهم ~~برجائه، وكذلك متى حل به كان طامعا في أن يخف، وقد يقع ذلك في خطوب الدنيا ~~كثيرا، فأخبر الله تعالى ms2099 أن عذاب الآخرة إذا عاينه الكافر لا طماعية فيه ~~بتخفيف ولا بتأخير. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 86 الى 89] # وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ~~من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم ~~من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ~~وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن المشركين إذا رأوا يوم القيامة بأبصارهم ~~الأوثان والأصنام وكل معبود من دون الله لأنها تحشر معهم توبيخا لهم على ~~رؤوس الأشهاد أشاروا إليهم وقالوا هؤلاء كنا نعبد من دون الله، أرادوا بذلك ~~تذنيب المعبودين وإدخالهم في المعصية، وأضافوا الشركاء إلى أنفسهم من حيث ~~هم جعلوهم شركاء، وهذا كما يصف رجل آخر بأنه خير فتقول أنت ما فعل خيرك ~~فأضفته إليه من حيث وصفه هو بتلك الصفة، والضمير في «أقول» عائد على ~~الشركاء، فمن كان من المعبودين من البشر ألقى القول المعهود بلسانه، وما ~~كان من الجمادات تكلمت بقدرة الله بتكذيب المشركين في وصفهم بأنهم آلهة ~~وشركاء لله، ففي هذا وقع الكذب لا في العبادة وقال الطبري: المعنى إنكم ~~لكاذبون، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا. PageV03P414 # قال القاضي أبو محمد: فكأنهم كذبوهم في التذنيب لهم وقوله وألقوا إلى ~~الله، الضمير في ألقوا عائد على المشركين، والمعنى ألقوا إليه الاستسلام، ~~وألقوا ما بأيديهم وذلوا لحكمه، ولم تكن لهم حيلة ولا دفع، والسلم ~~الاستسلام، وقرأ الجمهور «السلم» بفتح اللام، وروى يعقوب عن أبي عمرو سكون ~~اللام، وقرأ مجاهد «السلم» بضم السين واللام، وقوله وضل عنهم معناه وتلف ~~عنهم كذبهم على الله وافتراؤهم الكفر والتشريك، وقوله الذين كفروا الآية، ~~في ضمن قوله وضل عنهم ما كانوا يفترون لأنه حل بهم عذاب الله وباشروا ~~نقمته، ثم فسره فأخبر أن الذين كفروا ومنعوا ms2100 غيرهم من الدخول في الدين ~~وسلوك سبيل الله زادهم عذابا أجل من العذاب العام لجميع الناس عقوبة على ~~إفسادهم، فيحتمل أن يكون قوله الذين بدلا من الضمير في يفترون، وزدناهم فعل ~~مستأنف إخباره، ويحتمل أن يكون الذين ابتداء وزدناهم خبره، وروي في ذلك أن ~~الله تعالى يسلط عليهم عقارب وحيات لها أنياب كالنخل الطوال، قاله ابن ~~مسعود، وقال عبيد بن عمير: لها أنياب كالنخل وعقارب كالبغال الدهم، ونحو ~~هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، إن لجهنم سواحل فيها هذه الحيات وهذه ~~العقارب، فيفر الكافر إلى السواحل من النار، فتلقاهم هذه الحيات والعقارب، ~~فيفرون منها إلى النار فتتبعهم حتى تجد حر النار، فترجع، قال وهي في أسراب، ~~وقوله تعالى ويوم نبعث الآية، هذه الآية في ضمنها وعيد، والمعنى واذكر يوم ~~نبعث في كل أمة شهيدا عليها، وهو رسولها الذي شاهد في الدنيا تكذيبها ~~وكفرها، وإيمانها وهداها، ويجوز أن يبعث الله شهيدا من الصالحين مع الرسل، ~~وقد قال بعض الصحابة: إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت ~~شهيدا عليه يوم القيامة، من أنفسهم بحسب أن بعثة الرسل كذلك، في الدنيا ~~وذلك أن الرسول الذي من نفس الأمة في اللسان والسير وفهم الأغراض والإشارات ~~يتمكن له إفهامهم والرد على معانديهم، ولا يتمكن ذلك من غير من هو من ~~الأمة، فلذلك لم يبعث الله قط نبيا إلا من الأمة المبعوث إليهم، وقوله ~~هؤلاء إشارة إلى هذه الأمة والكتاب القرآن، وقوله تبيانا اسم وليس بالمصدر، ~~وهو كالنقصان، والمصادر في مثل هذا، التاء فيها مفتوحة كالترداد والتكرار، ~~ونصب تبيانا على الحال. وقوله لكل شيء أي مما يحتاج في الشرع ولا بد منه في ~~الملة كالحلال والحرام والدعاء إلى الله والتخويف من عذابه، وهذا حصر ما ~~اقتضته عبارات المفسرين، وقال ابن مسعود: أنزل في هذا القرآن كل علم، وكل ~~شيء قد بين لنا في القرآن، ثم تلا هذه الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 90 الى 91] # إن الله يأمر بالعدل ms2101 والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ~~(91) # قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أجمل آية في كتاب الله آية في سورة ~~النحل، وتلا هذه الآية، PageV03P415 # وروي عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية قرأتها ~~على علي بن أبي طالب، فتعجب وقال: يا آل غالب، اتبعوه تفلحوا فو الله، إن ~~الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق، وحكى النقاش قال: # يقال زكاة العدل الإحسان، وزكاة القدرة العفو، وزكاة الغنى المعروف، ~~وزكاة الجاه كتب الرجل إلى إخوانه. # قال القاضي أبو محمد: و «العدل» هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع وسير مع ~~الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق، والإحسان هو ~~فعل كل مندوب إليه، فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه، ومنها ما هو فرض، ~~إلا أن حد الاجزاء منه داخل في العدل، والتكميل الزائد على حد الاجزاء داخل ~~في الإحسان، وقال ابن عباس فيما حكى الطبري: «العدل» لا إله إلا الله، ~~والإحسان أداء الفرائض. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القسم الأخير نظر، لأن أداء الفرائض هي ~~الإسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل عليه ~~السلام، وذلك هو العدل، وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه، حسبما ~~يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم أنه في حديث سؤال جبريل عليه ~~السلام، بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ، فإن ~~صح هذا عن ابن عباس فإنما أراد أداء الفرائض مكملة وإيتاء ذي القربى لفظ ~~يقتضي صلة الرحم ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، وتركه مبهما أبلغ، لأن ~~كل من وصل في ذلك إلى غاية وإن علت يرى أنه مقصر، وهذا المعنى المأمور به ~~في جانب ذي القربى داخل تحت «العدل» والإحسان:، لكنه تعالى خصه بالذكر ~~اهتماما به وحضا عليه، ms2102 والفحشاء الزنى، قاله ابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: وغيره من المعاصي التي شنعتها ظاهرة وفاعلها أبدا ~~متستر بها، وكأنهم خصوها بمعاني الفروج، والمنكر أعم منه، لأنه يعم جميع ~~المعاصي والرذائل والإذايات على اختلاف أنواعها، والبغي هو إنشاء ظلم ~~الإنسان والسعاية فيه، وهو داخل تحت المنكر لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما ~~به لشدة ضرره بالناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ذنب أسرع ~~عقوبة من بغي» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «الباغي مصروع، وقد وعد الله ~~تعالى من بغي عليه بالنصر» ، وفي بعض الكتب المنزلة: لو بغى جبل على جبل ~~لجعل الله الباغي منهما دكا. # قال القاضي أبو محمد: وتغيير المنكر فرض على الولاة، إلا أن المغير لا ~~يعن لمستور، ولا يعمل ظنا، ولا يتجسس، ولا يغير إلا ما بدت صفحته، ويكون ~~أمره ونهيه بمعروف، وهذا كله لغير الولاة ألزم وفرض على المسلمين عامة، ما ~~لم يخف المغير إذاية أو ذلا، ولا يغير المؤمن بيده ما وجد سلطانا، فإن عدمه ~~غير بيده، إلا أنه لا يصل إلى نصب القتال والمدارأة وإعمال السلاح إلا مع ~~الرياسة والإمام المتبع، وينبغي للناس أن يغير المنكر منهم كل أحد تقي وغير ~~تقي، ولو لم يغير إلا تقي لم يتغير منكر في الأغلب، وقد ذم الله تعالى قوما ~~بأنهم لم يتناهوا عن منكر فعلوه، فقد وصفهم بفعله وذمهم لما لم يتناهوا عنه ~~وكل منكر فيه مدخل للنظر فلا مدخل لغير حملة العلم فيه، فهذه نبذة من القول ~~في تغيير المنكر تضمنت ثمانية PageV03P416 # شروط، وروي أن جماعة رفعت على عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي، ~~فحاجها العامل وغلبها بأنهم لم يبينوا عليه كبيرة ظلم، ولا جوروه له في ~~شيء، فقام فتى من القوم، فقال يا أمير المؤمنين: إن الله أمر بالعدل ~~والإحسان، وأنه عدل ولم يحسن، قال: فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل، ~~وقوله وأوفوا بعهد الله، الآية مضمن قوله إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~الآية، افعلوا كذا وانتهوا عن كذا، فعطف ms2103 على ذلك التقدير قوله وأوفوا، و ~~«عهد الله» لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة ~~أو مواثقة في أمر موافق للديانة، وبالجملة كل ما كان طاعة بين العاهد وبين ~~ربه، كان فيه نفع للغير أو لم يكن، وقوله ولا تنقضوا الأيمان خص في هذه ~~الألفاظ العهود التي تقترن بها أيمان تهمما بها وتنبيها عليها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا في كل ما كان الثبوت فيه على اليمين طاعة لله ~~وما كان الانصراف عنه أصوب في الحق فهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت ~~الذي هو خير» . ويقال تأكيد وتوكيد ووكد وأكد وهما لغتان، وقال الزجاج: # الهمزة مبدلة من الواو. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير بين، لأنه ليس في وجوه تصريفه ما يدل على ~~ذلك، وكفيلا معناه متكفلا بوفائكم، وباقي الآية وعيد في ضمن خبر بعلم الله ~~تعالى بأفعال عباده، وقالت فرقة: نزلت هذه الآية في الذين بايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الإسلام، رواه أبو ليلى عن مزيدة، وقال قتادة ~~ومجاهد وابن زيد: نزلت فيما كان من تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن ~~منكر، فزادها الإسلام شدة. # قال القاضي أبو محمد: كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا حلف فى الإسلام ~~وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة» ، وهذا حديث معنى، ~~وإن كان السبب بعض هذا الأشياء، فالألفاظ الآية عامة على جهة مخاطبة ~~العالمين أجمعين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 92 الى 93] # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) # شبهت هذه الآية الذي يحلف أو يعاهد ms2104 أو يبرم عقدة بالمرأة التي تغزل غزلها ~~وتفتله محكما، وشبه الذي ينقض عهده بعد الإحكام بتلك الغازلة إذا نقضت قوى ~~ذلك الغزل فحلته بعد إبرامه، ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت ~~سعد كانت تفعل ذلك، فبها وقع التشبيه، قاله عبد الله بن كثير والسدي PageV03P417 # ولم يسميا المرأة، وقيل كانت امرأة موسوسة تسمى خطية تغزل عند الحجر ~~وتفعل ذلك، وقال مجاهد وقتادة، ذلك ضرب مثل لا على امرأة معينة وأنكاثا نصب ~~على الحال، والنكث النقض، و «القوة» في اللغة واحدة قوى الغزل والحبل، وغير ~~ذلك مما يظفر، ومنه قول الأغلب الراجز: # حبل عجوز فتلت سبع قوى ويظهر لي أن المراد ب «القوة» في الآية الشدة التي ~~تحدث من تركيب قوى الغزل ولو قدرناها واحدة القوى لم يكن معها ما ينقض ~~أنكاثا، والعرب تقول أنكثت الحبل إذا انتقضت قواه، أما إن عرف الغزل أنه ~~قوة واحدة، ولكن لها أجزاء كأنها قوة كثيرة له، قال مجاهد: المعنى من بعد ~~إمرار قوة، و «الدخل» الدغل بعينه، وهي الذرائع إلى الخدع والغدر، وذلك أن ~~المحلوف له مطمئن فيتمكن الحالف من ضره بما يريده، وقوله أن تكون أمة هي ~~أربى من أمة، قال المفسرون: نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة ~~منهم إذا حالفت الأخرى ثم جاءت إحداهما قبيلة كبيرة، قوية فداخلتها، غدرت ~~الأولى ونقضت معها ورجعت إلى هذه الكبرى، فقال الله تعالى ولا تنقضوا ~~العهود من أجل أن تكون قبيلة أزيد من قبيلة في العدد والعزة و «الربا» ~~الزيادة، ويحتمل أن يكون القول معناه لا تنقضوا الأيمان من أجل أن تكونوا ~~أربى من غيركم أي أزيد خيرا، فمعناه لا تطلبوا الزيادة بعضكم على بعض بنقض ~~العهود، ويبلوكم معناه يختبركم، والضمير في به يحتمل أن يعود على الوفاء ~~الذي أمر الله به، ويحتمل أن يعود على الربا، أي أن الله تعالى ابتلى عباده ~~بالتحاسد وطلب بعضهم الظهور على بعض، واختبرهم بذلك ليرى من يجاهد نفسه ممن ~~يتبعها هواها، وباقي الآية وعيد بين ms2105 بيوم القيامة، وقوله هي أربى موضع أربى ~~عند البصريين رفع وعند الكوفيين نصب، وهي عماد ولا يجوز العماد هنا عند ~~البصريين لأنه لا يكون مع النكرة، وأمة نكرة، وحجة الكوفيين أن أمة وما جرى ~~مجراها من أسماء الأجناس تنكيرها قريب من التعريف، ألا ترى أن إدخال الألف ~~واللام عليها لا يخصصها كبير تخصيص، وفي هذا نظر، وقوله تعالى: # ولو شاء الله الآية، أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه يبتلي عباده ~~بالأوامر والنواهي ليذهب كل أحد إلى ما يسر له، وذلك منه تعالى بحق الملك، ~~وأنه لا يسأل عما يفعل، ولو شاء لكان الناس كلهم في طريق واحد، إما في هدى ~~وإما في ضلالة، ولكنه تعالى شاء أن يفرق بينهم،. ويخص قوما بالسعادة وقوما ~~بالشقاوة ويضل ويهدي معناه يخلق ذلك في القلوب خلافا لقول المعتزلة، ثم ~~توعد في آخر الآية بسؤال كل أحد يوم القيامة عن عمله، وهذا سؤال توبيخ، ~~وليس ثم سؤال تفهم، وذلك هو المنفي في آيات. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 94 الى 97] # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ~~إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون (97) PageV03P418 # كرر النهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بينكم تهمما بذلك ومبالغة في النهي عنه، ~~لعظم موقعه من الدين وتردده في معاشرات الناس، و «الدخل» كما قلنا الغوائل ~~الخدائع، وقوله فتزل قدم بعد ثبوتها استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ~~ويسقط فيه لأن القدم إذا زلت نقلت الإحسان من حال خير إلى حال شر، ومن هذا ~~المعنى قول كثير: # فلما توافينا ثبت وزلت # أي تنقلت من حال إلى حال، فاستعار لها الزلل، ومنه يقال لمن أخطأ ms2106 في شيء: ~~زل فيه، ثم توعد بعد بعذاب في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة، وقوله بما ~~صددتم عن سبيل الله يدل على أن الآية فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقوله ولا تشتروا بعهد الله الآية، هذه آية نهي عن الرشا وأخذ ~~الأموال على فعل ما يجب على الأخذ أو تركه، أو فعل ما يجب عليه تركه، فإن ~~هذه هي التي عهد الله إلى عباده فيها، فمن أخذ على ذلك مالا فقد أعطى عهد ~~الله وأخذ قليلا من الدنيا، ثم أخبر تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة ومواهب ~~الآخرة خير لمن اتقى وعلم واهتدى، ثم بين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة ~~بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عنها، ومنن الآخرة باقية دائمة، ~~وقرأ ابن كثير وعاصم «ولنجزين» بنون، وقرأ الباقون «وليجزين» بالياء ولم ~~يختلفوا في قوله ولنجزينهم أنه بالنون، كذا قال أبو علي، وقال أبو حاتم: إن ~~نافعا روي عنه «وليجزينهم» بالياء، وصبروا معناه عن الشهوات وعلى مكاره ~~الطاعة وهذه إشارة إلى الصبر عن شهوة كسب المال بالوجوه المذكورة، وقوله ~~بأحسن أي بقدر أحسن ما كانوا يعملون، وقوله من عمل صالحا يعم جميع أعمال ~~الطاعة، ثم قيده بالإيمان، واختلف الناس في «الحياة الطيبة» فقال ابن عباس ~~والضحاك: هو الرزق الحلال، وقال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هي ~~القناعة وهذا طيب عيش الدنيا، وقال ابن عباس أيضا: هي السعادة، وقال الحسن ~~البصري: «الحياة الطيبة» هي حياة الآخرة ونعيم الجنة. # قال القاضي أبو محمد: وهناك هو الطيب على الإطلاق، ولكن ظاهر هذا الوعد ~~أنه في الدنيا، والذي أقول: إن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط ~~نفوسهم ونيلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذ، فبهذا تطيب حياتهم ~~وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال وصحة، ~~أو قناعة فذلك كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب وجاء قوله فلنحيينه على ~~لفظ من، وقوله ولنجزينهم على معناها، وهذا وعد بنعيم ms2107 الجنة، وباقي الآية ~~بين، وحكى الطبري عن أبي صالح أنه قال: نزلت هذه الآية بسبب قوم من أهل ~~الملل تفاخروا، وقال كل منهم ملتي أفضل، فعرفهم الله تعالى في هذه الآية ~~أفضل الملل. PageV03P419 # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 98 الى 103] # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) # الفاء في قوله فإذا واصلة بين الكلامين، والعرب تستعملها في مثل هذا، ~~وتقدير الآية فإذا أخذت في قراءة القرآن كما قال عز وجل إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] ، وكما تقول لرجل إذ أكلت فقل: بسم ~~الله، و «الاستعاذة» ندب عند الجميع، وحكى النقاش عن عطاء أن التعوذ واجب، ~~ولفظ الاستعاذة هو على رتبة الآية، وقد ذكرت الخلاف الذي قيل فيه في صدر ~~هذا الكتاب، والرجيم المرجوم باللغة وهو إبليس، ثم أخبر الله تعالى أن ~~إبليس ليس له ملكة ولا رياسة، هذا ظاهر «السلطان» عندي في هذه الآية، وذلك ~~أن «السلطان» إن جعلناه الحجة فليس له حجة في الدنيا على أحد لا مؤمن ولا ~~كافر، اللهم إلا أن يتأول متأول ليس له سلطان يوم القيامة، فيستقيم أن يكون ~~بمعنى الحجة لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا ~~له من قبل أنفسهم، وهؤلاء الذين لا سلطان ولا رياسة لإبليس عليهم هم ~~المؤمنون أجمعون، لأن الله لم يجعل سلطانه إلا على المشركين الذين يتولونه، ~~والسلطان منفي هاهنا في الإشراك، إذ له عليهم ملكة ما في المعاصي وهم الذين ~~قال الله فيهم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 42] وهم الذين قال ~~إبليس ms2108 فيهم إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: 40] ، ويتولونه معناه يجعلونه ~~وليا، والضمير فيه يحتمل أن يعود على اسم الله عز وجل، والظاهر أنه يعود ~~على اسم إبليس، بمعنى من أجله وبسببه، كما تقول لمعلمك: أنا عالم بك، أي ~~بسببك، فكأنه قال: والذين هم بسببه مشركون بالله، وهذا الإخبار بأن لا ~~سلطان للشيطان على المؤمنين بعقب الأمر بالاستعاذة، تقتضي أن الاستعاذة ~~تتصرف كيده، كأنها متضمنة للتوكل على الله والانقطاع إليه، وقوله وإذا ~~بدلنا آية مكان آية كان كفار مكة إذا نسخ الله لفظ آية بلفظ أخرى ومعناها ~~وإن بقي لفظها، لأن هذا كله يقع عليه التبديل، يقولون: لو كان هذا من عند ~~الله لم يتبدل، وإنما هو من افتراء محمد، فهو يرجع من خطأ يبدلونه إلى صواب ~~يراه بعد، فأخبر الله عز وجل أنه أعلم بما يصلح للعباد برهة من الدهر، ثم ~~ما يصلح لهم بعد ذلك، وأنهم لا يعلمون هذا، وقرأ الجمهور «ينزل» بفتح النون ~~وشد الزاي، وقرأ أبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، وعبر ب «الأكثر» ~~مراعاة لما كان عند قليل منهم من توقف وقلة مبالغة في التكذيب والظن، ~~ويحتمل أن يكون هذا اللفظ قرر على قليل منهم أنهم يعلمون ويكفرون تمردا PageV03P420 # وعنادا، وأمر نبيه أن يخبر أن القرآن وناسخه ومنسوخه إنما نزله جبريل ~~عليه السلام وهو روح القدس، لا خلاف في ذلك، والقدس الموضع المطهر، فكأن ~~جبريل أضيف إلى الأمر المطهر بإطلاق، وسمي روحا إما لأنه ذو روح من جملة ~~روح الله الذي بثه في خلقه، وخص هو بهذا الاسم، وإما لأنه يجري من الهدايات ~~والرسالات ومن الملائكة أيضا مجرى الروح من الأجساد لشرفه ومكانته، وقرأ ~~ابن كثير «القدس» بسكون الدال، وقرأ الباقون «القدس» بضمها، وقوله بالحق أي ~~مع الحق في أوامره ونواهيه وأحكامه ومصالحه، وأخباره، ويحتمل أن يكون قوله ~~بالحق بمعنى حقا، ويحتمل أن يريد بالحق في أن ينزل أي أنه واجب لمعنى ~~المصلحة أن ينزل، وعلى هذا الاحتمال اعتراضات عند أصحاب الكلام على أصول ~~الدين، وباقي الآية ms2109 بين وقوله ولقد نعلم أنهم يقولون، قال ابن عباس: كان في ~~مكة غلام أعجمي لبعض قريش يقال له بلعام، فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يكلمه ويعلمه الإسلام ويرومه عليه فقالت قريش: هذا يعلم محمدا من جهة ~~الأعاجم، فنزلت الآية بسببه، وقال عكرمة وسفيان: كان اسم الغلام يعيش، وقال ~~عبد الله بن مسلم الحضرمي: كان بمكة غلامان أحدهما اسمه جبر والآخر يسار، ~~وكانا يقرآن بالرومية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما، ~~فقالت قريش ذلك، ونزلت الآية، وقال ابن إسحاق: والإشارة إلى جبر، وقال ~~الضحاك: الإشارة إلى سلمان الفارسي. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأن سلمان إنما أسلم بعد الهجرة بمدة ~~وقرأت فرقة «لسان الذي» ، وقرأ الحسن البصري «اللسان الذي» بالتعريف وبغير ~~تنوين في رأي بشر، وقرأ نافع وابن كثير «يلحدون» بضم الياء من ألحد إذا ~~مال، وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر وأبي جعفر بن القعقاع، وقرأ حمزة ~~والكسائي «يلحدون» بفتح الياء من لحد، وهي قراءة عبد الله وطلحة وأبي عبد ~~الرحمن والأعمش ومجاهد، وهما بمعنى، ومنه قول الشاعر: [الرمل] # قدني من نصر الخبيبين قدي ... ليس أمري بالشحيح الماحد # يريد المائل عن الجود وحال الرياسة، وقوله أعجمي إضافة إلى أعجم لا إلى ~~العجم لأنه كان يقول عجمي، والأعجمي هو الذي لا يتكلم بالعربية، وأما ~~العجمي فقد يتكلم بالعربية ونسبته قائمة، وقوله وهذا إشارة إلى القرآن ~~والتقدير، وهذا سرد لسان، أو نطق لسان، فهو على حذف مضاف، وهذا على أن يجعل ~~اللسان هنا الجارحة، و «اللسان» في كلام العرب اللغة، ويحتمل أن يراد في ~~هذه الآية، واللسان الخبر ومنه قول الأعشى: إني أتتني لسان غير كاذبة. # ومنه قول الآخر: [الوافر] # لسان السوء يهديها إلينا ... وجيت وما حسبتك أن تجينا # وحكى الطبري عن سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله: إنما يعلمه بشر، إنما ~~هي إشارة إلى كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أواخر ms2110 الآيات: «والله سميع عليم» ، أو «عزيز ~~حكيم» ، أو نحو هذا، ثم يشتغل بسماع الوحي، فيبدل هو بغفور رحيم أو نحوه، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الآيات: هو كما كتبت، ففتن، ~~وقال أنا PageV03P421 # أعلم محمدا، وارتد ولحق بمكة، ونزلت الآية فيه. # قال القاضي أبو محمد: هذا نصراني أسلم وكتب، ثم ارتد ولحق بمكة ومات، ثم ~~لفظته الأرض، وإلا فهذا القول يضعف لأن الكاتب المشهور الذي ارتد لهذا ~~السبب ولغيره من نحوه هو عبد الله بن أبي سرح العامري، ولسانه ليس بأعجمي ~~فتأمله. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 104 الى 106] # إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما ~~يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) من كفر ~~بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) # المفهوم من الوجود أن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بآياته، ولكنه قدم ~~في هذا الترتيب وأخر، تهمما بتقبيح فعلهم والتشنيع لخطابهم، وذلك كقوله ~~تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] والمراد ما ذكرناه فكأنه قال ~~إن الذين لم يؤمنوا لم يهدهم الله، وقوله: إنما يفتري الكذب بمعنى يكذب، ~~وهذه مقاومة للذين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنما أنت مفتر، وإنما ~~أبدا حاصرة، لكن حصرها يختلف باختلاف المعاني التي تقع فيها، فقد يربط ~~المعنى أن يكون حصرها حقيقيا كقوله تعالى: # إنما الله إله واحد [النساء: 171] وقد يقتضي المعنى أن يكون حصرها تجوزا ~~ومبالغة، كقولك: إنما الشجاع عنترة، وهكذا هي في هذه الآية، قال الزجاج: ~~يفتري هذا الصنف لأنهم إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله، كذبوا ~~بها، فهذا أفحش الكذب، وكرر المعنى في قوله: وأولئك هم الكاذبون لفائدة ~~إيقاع الصفة بالكذب عليهم إذ الصفة بالشيء أبلغ من الخبر به، لأن الصفة ~~تقتضي الدوام أكثر مما يقتضه الخبر فبدأ في هذه الآية بالخبر، ثم أكد ~~بالصفة، ms2111 وقد اعترض هذا النظر مكي، وليس اعتراضه بالقوي، ومن في قوله من كفر ~~بدل من قوله هم الكاذبون ولم يجز الزجاج غير هذا الوجه لأنه رأى الكلام إلى ~~آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله، والذي أبى الزجاج سائغ على ما أورده ~~الآن إن شاء الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يتأكد بما روي من أن قوله وأولئك هم الكاذبون ~~يراد به عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وأشباههما ممن كان آمن برسول ~~الله ثم ارتد، فلما بين في هذه الآية أمر الكاذبين بأنهم الذين كفروا بعد ~~الإيمان أخرج من هذه الصفة القوم المؤمنون المعذبون بمكة، وهم بلال وعمار ~~وسمية أمه وخباب وصهيب وأشباههم، وذلك أن كفار مكة كانوا في صدر الإسلام ~~يؤذون من أسلم من هؤلاء الضعفة، يعذبونهم ليرتدوا، فربما سامعهم بعضهم بما ~~أرادوا من القول، يروى أن عمار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه الله في هذه ~~الآية، وبقيت الرخصة عامة في الأمر بعده، ثم ابتدأ الإخبار: «أن من شرح PageV03P422 # صدرا بالكفر فعليهم» ، وهذا الضمير على معنى من لا على لفظها. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا من الاعتراض أن أمر ابن أبي سرح وأولئك ~~إنما كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والظاهر من هذه الآية ~~أنها مكية وقالت فرقة من في قوله من كفر ابتداء، وقوله من شرح تخصيص منه، ~~ودخل الاستثناء لما ذكرنا من إخراج عمار وشبهه، وردنا من الاستثناء إلى ~~المعنى الأول الاستدراك ب ولكن، وقوله فعليهم خبر من الأولى والثانية، إذ ~~هو واحد بالمعنى، لأن الإخبار في قوله من كفر إنما قصد به الصنف الشارح ~~بالكفر، وصدرا نصب على التمييز، وقوله شرح بالكفر صدرا معناه انبسط إلى ~~الكفر باختياره، ويروى أن عمار بن ياسر شكا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما صنع به من العذاب، وما سامع به من القول، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنا بالإيمان، قال فأجبهم بلسانك ~~فإنه لا ms2112 يضرك وإن عادوا فعد. # قال القاضي أبو محمد: ويتعلق بهذه الآية شيء من مسائل الإكراه أما من ~~عذبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه، وكان العذاب يؤدي إلى قتله فله الإجابة ~~باللسان، قولا واحدا فيما أحفظ، فإن أراد منه الإجابة بفعل كالسجود إلى صنم ~~ونحو ذلك ففي هذا اختلاف، فقالت فرقة هي الجمهور: يجيب بحسب التقية، وقالت ~~فرقة: لا يجيب ويسلم نفسه، وقالت فرقة: إن كان السجود نحو القبلة أجاب، ~~واعتقد السجود لله. # قال القاضي أبو محمد: وما أحراه أن يسجد لله حينئذ حيثما توجه، وهذا مباح ~~في السفر لتعب النزول عن الدابة في التنفل، فكيف لهذا، وإذا احتجت فرقة ~~المنع بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت ~~متكلما به، فقصر الرحمة على القول، ولم يذكر الفعل. # قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بحجة لأنه يحتمل أن جعل الكلام مثالا وهو ~~يريد أن الفعل في حكمه، فأما الإكراه على البيع والإيمان والطلاق والعتق ~~والفطر في رمضان وشرب الخمر ونحو هذا من المعاصي التي بين العبد والله عز ~~وجل، فلا يلزم المكره شيء من ذلك، قاله مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ابن عبد ~~الحكم وأصبغ، وروياه عن ابن القاسم عن مالك، وفرق ابن عباس بين ما هنا قول ~~كالعتق والطلاق فجعل فيها التقية، وقال: لا تقية فيما كان فعلا كشرب الخمر ~~والفطر في رمضان، ولا يحل فعلها لمكره، فأما المظلوم يضغط حتى يبيع متاعه ~~فذلك بيع لا يجوز عليه، وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري ~~بالثمن ذلك الظالم، فإن أفات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك ~~على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه، قال مطرف: ومن كان من المشترين ~~يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه كالغاصب، وأما من لا ~~يعلم فلا يضمن العروض والحيوان وإنما يضمن ما كان تلفه بسببه مثل طعام أكله ~~أو ثوب لبسه، والغلة إذا علم أو لم يعلم ليست له بحال، هو ms2113 لها ضامن ~~كالغاصب، وقاله أصبغ وابن عبد الحكم، قال مطرف: وكل ما أحدث المبتاع في ذلك ~~من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره، وله أخذ متاعه، وأما الإكراه ~~على قتل مسلم أو جلده أو أخذ ماله أو بيع متاعه فلا عذر فيه، ولا PageV03P423 # استكراه في ركوب معصية تنتهك مثل حد كالزنا والقتل أو نحوه، قال مطرف ~~وأصبغ وابن عبد الحكم: لا يفعل أحد ذلك وإن قتل إن لم يفعله، فإن فعل فهو ~~آثم، ويلزمه الحد والقود، قال مالك: والقيد إكراه، والسجن إكراه، والوعيد ~~المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي وإنفاذه لما يتوعد. # قال القاضي أبو محمد: ويعتبر الإكراه عندي بحسب همة المكره وقدره في ~~الدين، وبحسب قدر الشيء الذي يكره عليه، فقد يكون الضرب إكراها في شيء دون ~~شيء، فلهذه النوازل فقه الحال، وأما يمين المكره كما قلنا فهي غير لازمة، ~~قال ابن الماجشون: وسواء حلف فيما هو لله طاعة، أو فيما هو لله معصية، أو ~~فيما ليس في فعله طاعة ولا معصية، فاليمين فيه ساقطة، وإن أكره على اليمين ~~فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق أن لا ~~يشرب خمرا أو لا يفسق أو لا يغش في عمله، أو الوالد يحلف ولده في مثل هذا ~~تأديبا له، فإن اليمين تلزم، وإن كان المكره قد أخطأ فيما تكلف من ذلك، ~~وقال به ابن حبيب، وأما إن أكره رجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب ~~المسكن وظلمة السعاة وأهل الاعتداء، فقال مطرف: لا تقية في ذلك، وإنما يدرأ ~~المرء بيمينه عن بدنه لا عن ماله، وقال ابن الماجشون: لا يحنث وإن درأ عن ~~ماله ولم يخف على بدنه، وقال ابن القاسم بقول مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ~~ابن عبد الحكم وأصبغ وابن حبيب، قال مطرف وابن الماجشون: وإن بدر الحالف ~~يمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من بدنه وماله ~~فحلف له فإنه ms2114 يلزمه، قاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقال أيضا ابن الماجشون ~~فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق البتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب ~~وإنما حلف خوفا من ضربه أو قتله أو أخذ ماله فإن كان إنما يتبرع باليمين ~~غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه، وإن لم ~~يحلف على رجاء النجاة فهو حانث، وإذا اتهم الوالي أحدا بفعل أمر فقال لا بد ~~من عقوبتك إلا أن تحلف لي، فإن كان ذلك الأمر مما لذلك المكروه فعله إما أن ~~يكون طاعة وإما أن يكون لا طاعة ولا معصية، فالتقية في هذا، وأما إن كان ~~ذلك الأمر مما لا يحل لذلك الرجل فعله ويكون نظر الوالي فيه صوابا فلا تقية ~~في اليمين، وهو حانث، قاله مالك وابن الماجشون. # قال القاضي أبو محمد: فهذه نبذة من مسائل الإكراه. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 107 الى 111] # ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون (108) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) ~~يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) # قوله ذلك إشارة إلى الغضب والعذاب الذي توعد به قبل هذه الآية، والضمير ~~في أنهم PageV03P424 # ل من شرح بالكفر صدرا [النحل: 106] ، ولما فعلوا فعل من استحب ألزموا ذلك ~~وإن كانوا مصدقين بآخرة لكن الأمر في نفسه بين، فمن حيث أعرضوا عن النظر ~~فيه كانوا كمن استحب غيره، وهذه الآية علق فيها العقاب بتكسبهم وذلك أن ~~استحبابهم زينة الدنيا ولذات الكفر هو التكسب، وقوله وأن الله لا يهدي ~~إشارة إلى اختراع الله تعالى الكفر في قلوبهم، ولا شك أن كفر الكافر الذي ~~يتعلق به العقاب إنما هو باختراع من الله تعالى وتكسب من الكافر، فجمعت ~~الآية ms2115 بين الأمرين، وعلى هذا مرت عقيدة أهل السنة، وقوله لا يهدي القوم ~~الكافرين عموم على أنه لا يهديهم من حيث إنهم كفار في نفس كفرهم، أو عموم ~~يراد به الخصوص فيمن يوافي، وقوله أولئك الذين طبع الله على قلوبهم الآية، ~~عبارة عن صرف الله لهم عن طريق الهدى، واختراع الكفر المظلم في قلوبهم، ~~وتغليب الإعراض على نظرهم، فكأنه سد بذلك طرق هذه الحواس حتى لا ينتفع بها ~~في اعتبار وتأمل، وقد تقدم القول وذكر الاختلاف في الطبع والختم في سورة ~~البقرة، وهل هو حقيقة أو مجاز؟ و «السمع» اسم جنس وهو مصدر في الأصل، فلذلك ~~وحد، ونبه على تكسبهم الإعراض عن النظر، فوصفهم ب «الغفلة» ، وقد تقدم شرح ~~لا جرم في هذه السورة، وقوله ثم إن ربك للذين هاجروا الآية، قال ابن عباس: ~~كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم ~~بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، ~~فاستغفروا لهم، فنزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [النساء: 97] ~~إلى آخر الآية قال: وكتب بها إلى من بقي بمكة من المسلمين وأن لا عذر لهم، ~~فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~[البقرة: 8 العنكبوت: 10] إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ~~ويئسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ثم إن ربك للذين هاجروا الآية، فكتبوا ~~إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من ~~نجا، وقتل من قتل. # قال القاضي أبو محمد: جاءت هذه الرواية هكذا أن بعد نزول الآية خرجوا ~~فجيء الجهاد الذي ذكر في الآية جهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وروت طائفة أنهم خرجوا وأتبعوا، وجاهدوا متبعيهم، فقتل من قتل، ونجا من نجا ~~فنزلت الآية حينئذ، فعنى بالجهاد المذكور جهادهم لمتبعيهم، وقال ابن إسحاق: ~~ونزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد. # قال القاضي أبو محمد: وذكر عمار في هذا ms2116 عندي غير قويم، فإنه أرفع من طبقة ~~هؤلاء، وإنما هؤلاء من شرح بالكفر صدرا فتح الله لهم باب التوبة في آخر ~~الآية، وقال عكرمة والحسن: نزلت هذه الآية في شأن عبد الله بن أبي سرح ~~وأشباهه، فكأنه يقول من بعد ما فتنهم الشيطان وهذه الآية مدنية، ولا أعلم ~~في ذلك خلافا، وإن وجد فهو ضعيف، وقرأ الجمهور «من بعد ما فتنوا» بضم الفاء ~~وكسر التاء، وقرأ ابن عامر وحده «فتنوا» بفتح الفاء والتاء، فإن كان الضمير ~~للمعذبين فيجيء بمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا للمشركين من القول، كما فعل ~~عمار، وإن كان الضمير للمعذبين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم المشركون، وإن ~~كان الضمير للمشركين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم الشيطان، والضمير في بعدها ~~عائد على الفتنة، أو على الفعلة، أو الهجرة، أو التوبة، والكلام يعطيها، ~~وإن لم يجر لها ذكر صريح، وقوله يوم تأتي كل PageV03P425 # نفس # المعنى لغفور رحيم يوم، وقوله: كل نفس أي كل ذي نفس، ثم أجري الفعل على ~~المضاف إليه المذكور، فأتت العلامة، ونفس الأولى هي النفس المعروفة، ~~والثانية هي بمعنى الذات، كما تقول نفس الشيء وعينه أي ذاته، وتوفى كل نفس ~~أي يجازى كل من أحسن بإحسانه وكل من أساء بإساءته. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أن كل نفس تجادل كانت مؤمنة أو كافرة، ~~فإذا جادل الكفار بكذبهم وجحدهم للكفر شهدت عليهم الجوارح والرسل وغير ذلك ~~بحسب الطوائف، فحينئذ لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فتجتمع آيات القرآن ~~باختلاف المواطن، وقالت فرقة: «الجدال» قول كل أحد من الأنبياء وغيرهم: ~~نفسي نفسي، وهذا ليس بجدال ولا احتجاج إنما هو مجرد رغبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 112 الى 114] # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ~~ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ms2117 (114) # قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة والقرية المضروب بها المثل مكة كانت ~~بهذه الصفة التي ذكر الله لأنها كانت لا تغزى ولا يغير عليها أحد. وكانت ~~الأرزاق تجلب إليها، وأنعم الله عليها رسوله والمراد بهذه الضمائر كلها أهل ~~القرية، فكفروا بأنعم الله في ذلك وفي جملة الشرع والهداية، فأصابتهم ~~السنون والخوف، وسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته، هذا إن كانت ~~الآية مدنية وإن كانت مكية فجوع السنين وخوف العذاب من الله بحسب التكذيب. # قال القاضي أبو محمد: وإن كانت هي التي ضربت مثلا فإنما ضربت لغيرها مما ~~يأتي بعدها ليحذر أن يقع فيما وقعت هي فيه، وحكى الطبري عن حفصة أم ~~المؤمنين أنها كانت تسأل في وقت حصر عثمان بن عفان رضي الله عنه ما صنع ~~الناس وهي صادرة من الحج من مكة، فقيل لها قتل فقالت: والذي نفسي بيده، ~~إنها القرية تعني المدينة التي قال الله لها، وضرب الله مثلا الآية. # قال القاضي أبو محمد: فأدخل الطبري هذا على أن حفصة قالت: إن الآية نزلت ~~في المدينة وإنها هي التي ضربت مثلا، والأمر عندي ليس كذلك وإنما أرادت أن ~~المدينة قد حصلت في محذور الملل وحل بها ما حل بالتي جعلت مثلا، وكذلك ~~يتوجه عندي في الآية أنها قصد بها قرية غير معينة، جعلت مثلا لكة على معنى ~~التحذير لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة، ورغدا نصب على الحال و ~~«أنعم» جمع نعمة كشدة وأشد كذا قال سيبويه وقال قطرب «أنعم» جمع نعم وهي ~~بمعنى التنعيم، يقال هذه أيام PageV03P426 # طعم ونعم وقوله فأذاقها الله لباس الجوع استعارات أي لما باشرهم ذلك صار ~~كاللباس وهذا كقول الأعشى: [المتقارب] # إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت عليه فصارت لباسا # ونحوه قوله تعالى: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [البقرة: 187] ، ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # وقد لبست بعد الزبير مجاشع ... ثياب التي حاضت ولم تغسل الدما # كأن العار لما باشرهم وألصق بهم جعلهم لبسوه، قوله «أذاقها» نظير قوله ~~تعالى ذق ms2118 إنك أنت العزيز الكريم [الدخان: 49] ونظير قول الشاعر: # دونك ما جنيته فأحسن وذق # وقرأ الجمهور: «والخوف» عطفا على الجوع وقرأ أبو عمرو: بخلاف عنه ~~«والخوف» عطفا على قوله لباس، وفي مصحف أبي بن كعب «لباس الخوف والجوع» ، ~~وقرأ ابن مسعود، «فأذاقها الله الخوف والجوع» ولا بذكر لباس، والضمير في ~~جاءهم لأهل مكة، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والعذاب الجوع وأمر بدر ~~ونحو ذلك إن كان التمثيل بمكة وكانت الآية مدنية، وإن كانت مكية فهو الجوع ~~فقط، وذكر الطبري أنه القتل ببدر، وهذا يقتضي أن الآية نزلت بالمدينة، وإن ~~كان التمثيل بمدينة قديمة غير معينة، فيحتمل أن يكون الضمير في جاءهم لأهل ~~تلك المدينة، ويكون هذا مما جرى فيها كمدينة شعيب وغيره ويحتمل أن يكون ~~الضمير المذكور لأهل مكة وتأمل. وقوله فكلوا مما رزقكم الله الآية، هذا ~~ابتداء كلام آخر، ومعنى حكم، والفاء في قوله فكلوا الصلة الكلام واتساق ~~الجمل خرج من ذكر الكافرين والميل عليهم إلى أمر المؤمنين بشرع ما فوصل ~~الكلام بالفاء وليست المعاني موصولة، هذا قول، والذي عندي أن الكلام متصل ~~المعنى، أي وأنتم أيها المؤمنون لستم كهذه القرية، فكلوا واشكروا الله على ~~تباين حالكم من حال الكفرة وهذه الآية هي بسبب أن الكفار كانوا سنوا في ~~الأنعام سننا وحرموا بعضا وأحلوا بعضا فأمر الله تعالى المؤمنين بأكل جميع ~~الأنعام التي رزقها الله عباده وقوله حلالا حال، وقوله طيبا أي مستلذا، ~~ووقع النص في هذا على المستلذات ففيه ظهور النعمة وهو عظم النعم وإن كان ~~الحلال قد يكون غير مستلذ، ويحتمل أن يكون الطيب بمعنى الحلال وكرره مبالغة ~~وتوكيدا وباقي الآية بين، وقوله إن كنتم إياه تعبدون إقامة للنفوس كما تقول ~~لرجل: إن كنت من الرجال فافعل كذا، على معنى إقامة نفسه، وذكر الطبري: أن ~~بعض الناس قال نزلت هذه الآية خطابا للكافر عن طعام كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعثه إليهم في جوعهم، وأنحى الطبري على هذا القول وكذلك هو فاسد ~~من غير وجه. ms2119 # قوله عز وجل: PageV03P427 ### || [سورة النحل (16) : آية 115] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # حصرت إنما هذه المحرمات وقت نزول الآية، ثم نزلت المحرمات بعد ذلك وقرأ ~~جمهور الناس: «الميتة» ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «الميتة» وهذا هو الأصل ~~وتخفيف الياء طارئ عليه، والعامل في نصبها حرم، وقرأت فرقة «الميتة» بالرفع ~~على أن تكون «ما» بمعنى الذي. # قال القاضي أبو محمد: وكون «ما» متصلة «بإن» يضعف هذا ويحكم بأنها حاصرة ~~و «ما» كافة، وإذا كانت بمعنى الذي فيجب أن تكون منفصلة، وذلك خلاف خط ~~المصحف، وقرأ الجمهور «حرم» على معنى حرم الله، وقرأت فرقة «حرم» على ما لم ~~يسم فاعله، وهذا برفع «الميتة» ولا بد. # قال القاضي أبو محمد: والميتة المحرمة هي ما مات من حيوان البر الذي له ~~نفس سائلة حتف أنفه، وأما ما ليس له نفس سائلة كالجراد والبراغيث والذباب ~~ودود التين وحيوان الفول وما مات من الحوت حتف أنفه وطفا على الماء ففيه ~~قولان في المذهب، وما مات حتف أنفه من الحيوان الذي يعيش في الماء وفي البر ~~كالسلاحف ونحوها ففيه قولان والمنع هنا أظهر إلا أن يكون الغالب عليه العيش ~~في الماء والدم المحرم هو المنسفح الذي يسيل إن ترك مفردا وأما ما خالط ~~اللحم وسكن فيه فحلال طبخ ذلك اللحم فيه، ولا يكلف أحد تتبعه، ودم الحوت ~~مختلف فيه وإن كان ينسفح لو ترك، ولحم الخنزير هو معظمه والمقصود الأظهر ~~فيه، فلذلك خصه بالذكر، وأجمعت الأمة على تحريم شحمه وغضاريفه ومن تخصيصه ~~استدلت فرقة على جواز الانتفاع بجلده إذا دبغ ولبسه، والأولى تحريمه جملة، ~~وأما شعره فالانتفاع به مباح، وقالت فرقة ذلك غير جائز، والأول أرجح، ~~وقوله: وما أهل لغير الله به يريد كل ما نوي بذبحه غير التقرب إلى الله ~~والقرب إلى سواء، وسواء تكلم بذلك على الذبيحة أو لم يتكلم، لكن خرجت ~~العبارة عن ذلك ب أهل، ومعناه صحيح ms2120 على عادة العرب وقصد الغض منها وذلك ~~أنها كانت إذا ساقت ذبيحة إلى صنم جهرت باسم ذلك الصنم وصاحت به، وقوله: ~~فمن اضطر قالت فرقة: معناه أكره وقال الجمهور: معناه اضطره جوع واحتياج، ~~وقرأت فرقة «فمن» بضم النون «اضطر» بضم الطاء، وقرأت فرقة «فمن» بكسر النون ~~«اضطر» بكسر الطاء، على أن الأصل اضطرت، فنقلت حركة الراء إلى الطاء وأدغمت ~~الراء في الراء، وقالت فرقة: «الباغي» صاحب البغي على الإمام، أو في قطع ~~الطريق وبالجملة في سفر المعاصي، و «العادي» بمعناه في أنه ينوي المعصية، ~~وقال الجمهور: غير باغ معناه غير مستعمل لهذه المحرمات مع وجود غيرها، ولا ~~عاد معناه لا يعدو حدود الله في هذا، وهذا القول أرجح وأعم في الرخصة، ~~وقالت فرقة: باغ وعاد في الشبع والتزود، واختلف الناس في صورة الأكل من ~~الميتة، فقالت فرقة: الجائز من ذلك ما يمسك الرمق فقط، وقالت فرقة: بل يجوز ~~الشبع التام، وقالت فرقة منهم مالك رحمه الله: يجوز الشبع والتزود، وقال ~~بعض النحويين في قوله عاد إنه مقلوب من عائد، فهو كشاكي السلاح وكيوم راح ~~وكقول الشاعر: لأن بها الأشياء والعنبري، وقوله: فإن الله غفور رحيم، لفظ ~~يقتضي منه الإباحة للمضطر، وخرجت الإباحة في هذه الألفاظ تحرجا وتضييقا في ~~أمرها ليدل الكلام على عظم الخطر في هذه المحرمات، فغاية هذا المرخص له ~~غفران الله له وحطه عنه ما كان يلحقه من الإثم لولا ضرورته. PageV03P428 # قال القاضي أبو محمد: وهذا التحريم الذي ذكرناه يفهمه الفصحاء من اللفظ ~~وليس في المعنى منه شيء وإنما هو إيماء، وكذلك جعل في موضع آخر غايته أن لا ~~إثم عليه، وإن كان لا إثم عليه وقوله هو له مباح يرجعان إلى معنى واحد فإن ~~في هيئة اللفظين خلافا. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 116 الى 119] # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم (117) وعلى الذين هادوا ms2121 حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) # هذه الآية مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون ~~الأنعام وإن كانت ميتة يدل على ذلك قوله حكاية عنهم وإن يكن ميتة فهم فيه ~~شركاء [الأنعام: 139] والآية تقتضي كل ما كان لهم من تحليل وتحريم فإنه كله ~~افتراء منهم، ومنه ما جعلوه في الشهور، وقرأ السبعة وجمهور الناس «الكذب» ~~بفتح الكاف وكسر الذال وفتح الباء، و «ما» مصدرية فكأنه قال لوصف ألسنتكم ~~الكذب، وقرأ الأعرج وأبو طلحة وأبو معمر والحسن، «الكذب» بخفض الباء على ~~البدل من «ما» ، وقرأ بعض أهل الشام ومعاذ بن جبل وابن أبي عبلة «الكذب» ~~بضم الكاف والذال والباء على صفحة الألسنة، وقرأ مسلمة بن محارب «الكذب» ~~بفتح الباء «الكذب» بفتح الباء على أنه جمع كذاب ككتب في جمع كتاب، وقوله ~~هذا حلال إشارة إلى ميتة بطون الأنعام وكل ما أحلوا، وقوله وهذا حرام إشارة ~~إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموا، وقوله لتفتروا على الله الكذب، إشارة ~~إلى قولهم في فواحشهم التي هذه إحداها، وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد أنه كان شرعهم لاتباعهم سننا لا ~~يرضاها الله افتراء عليه، لأن من شرع أمرا فكأنه قال لأتباعه هذا هو الحق، ~~وهذا مراد الله، ثم أخبرهم الله إن الذين يفترون على الله الكذب لا يبلغون ~~الأمل، و «الفلاح» بلوغ الأمل، فطورا يكون في البقاء كما قال الشاعر، ~~والصبح والمسى لا فلاح معه، ويشبه أن هذه الآية من هذا المعنى، يقوي ذلك ~~قوله متاع قليل، وقد يكون في المساعي ومنه قول عبيد: [الرجز] # أفلح بما شئت فقد يبلغ ... بالضعف وقد يخدع الأريب # وقوله متاع قليل إشارة إلى عيشهم في الدنيا، ولهم عذاب أليم بعد ذلك في ~~الآخرة. وقوله وعلى الذين هادوا الآية، لما قص تعالى على المؤمنين ما ms2122 حرم ~~عليهم أعلم أيضا بما حرم على اليهود ليبين تبديلهم الشرع فيما استحلوا من ~~ذلك وفيما حرموا من تلقاء أنفسهم، وقولهم ما قصصنا عليك، إشارة إلى ما في ~~سورة الأنعام «من ذي الظفر والشحوم» الآية: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر PageV03P429 # [الأنعام: 146] وقوله وما ظلمناهم أي لم نضع العقوبة بتحريم تلك الأشياء ~~عليهم في غير موضعها، بل هم طرقوا إلى ذلك وجاء من تسبيبهم بالمعاصي ما ~~أوجب ذلك. وقوله ثم إن ربك للذين عملوا السوء هذه آية تأنيس لجميع العالم، ~~أخبر الله تعالى فيها أنه يغفر للتائب، والآية إشارة إلى الكفار الذين ~~افتروا على الله وفعلوا الأفاعيل المذكورة، فهم إذا تابوا من كفرهم ~~بالإيمان وأصلحوا من أعمال الإسلام غفر الله لهم، وتناولت هذه الآية بعد ~~ذلك كل واقع تحت لفظها من كافر وعاص. وقالت فرقة «الجهالة» العمد، و ~~«الجهالة» عندي في هذا الموضع ليست ضد العلم بل هي تعدي الطور وركوب الرأس، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «أو أجهل أو يجهل علي» . وهي التي في ~~قول الشاعر: [الوافر] # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # والجهالة التي هي ضد العلم تصحب هذه الأخرى كثيرا، ولكن يخرج منها ~~المتعمد وهو الأكثر، وقلما يوجد في العصاة من لم يتقدم له علم بخطر المعصية ~~التي يواقع. والضمير في بعدها عائد على التوبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 120 الى 124] # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (124) # لما كشف الله تعالى فعل اليهود وتحكمهم في شرعهم بذكر ما حرم عليهم، أراد ~~أن يبين بعدهم عن شرع إبراهيم والدعوى فيه أن يصف حال إبراهيم ليبين الفرق ~~بين حاله وحال ms2123 قريش أيضا، وأمة لفظة مشتركة تقع للعين والقامة والجمع ~~الكثير من الناس، ثم يشبه الرجل العالم أو الملك أو المنفرد بطريقة وحده ~~بالناس الكثير فيسمى أمة، وعلى هذا الوجه سمي إبراهيم عليه السلام أمة، قال ~~ابن مسعود: # «الأمة» معلم الخير، وكان معاذ بن جبل «أمة قانتا» ، وقال في بعض أوقاته ~~إن معاذا كان أمة قانتا فقال قرة الكندي أو فروة بن نوفل: ليس كذلك إنما هو ~~إبراهيم، فقال أتدري ما الأمة، هو معلم الخير وكذلك كان معاذ يعلم الخير ~~ويطيع الله ورسوله، وقال مجاهد: سمي إبراهيم أمة لانفراده بالإيمان في وقته ~~مدة. # قال القاضي أبو محمد: وفي البخاري أنه قال لسارة ليس على الأرض اليوم ~~مؤمن غيري وغيرك، وقال بعض النحويين، أظنه أبا الحسن الأخفش: «الأمة» فعلة ~~من أم يؤم فهو كالهزأة والضحكة أي يؤتم به. # قال القاضي أبو محمد: ف أمة على هذا صفة، وعلى القول الأول اسم ليس بصفة، ~~و «القانت» المطيع الدائم على العبادة، و «الحنيف» المائل إلى الخير ~~والإصلاح، وكانت العرب تقول، لمن يختتن ويحج البيت حنيفا، وحذف النون من ~~«لم يكن» لكثرة الاستعمال كحذفهم من لا أبال ولا أدر، وهو أيضا PageV03P430 # يشبه النون في حال سكونها حروف العلة لغنتها وخفتها وأنها قد تكون علامة ~~وغير ذلك، فكأن «لم» دخلت على «يكن» في حال الجزم. ولا تحذف النون إذا لم ~~تكن ساكنة في نحو قوله لم يكن الذين كفروا [البينة: 1] ولا يحذف في مثل هذا ~~إلا في الشعر فقد جاءت محذوفة، وقوله من المشركين يشير إلى تبرؤ حال ~~إبراهيم عليه السلام من حال مشركي العرب ومشركي اليهود إذ كلهم ادعاه ويلزم ~~الإشراك اليهود من جهة تجسيمهم، وشاكرا، صفة لإبراهيم تابعة ما تقدم، و ~~«الأنعم» جمع نعمة، واجتباه معناه تخيره، وباقي الآية بين. وقوله وآتيناه ~~في الدنيا حسنة الآية، «الحسنة» لسان الصدق وإمامته لجميع الخلق، هذا قول ~~جميع المفسرين وذلك أن كل أمة متشرعة فهي مقرة أن إيمانها إيمان إبراهيم ~~وأنه قدوتها وأنه كان على الصواب. وقوله ms2124 لمن الصالحين بمعنى المنعم عليهم ~~أي من الصالحين في أحوالهم ومراتبهم، أو بمعنى أنه في الآخرة ممن يحكم له ~~بحكم الصالحين في الدنيا، وهذا على أن الآية وصف حاليه في الدارين، ويحتمل ~~أن يكون المعنى وأنه في عمل الآخرة، فعلى هذا هي وصف حالي في الدنيا ~~الدنياوية والأخراوية. وقوله ثم أوحينا إليك الآية، الوحي إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم بهذا من جملة الحسنة التي آتاها الله إبراهيم، قال ابن فورك ~~وأمر الفاضل باتباع المفضول لما تقدم إلى الصواب والعمل به وأن في قوله أن ~~اتبع مفسرة، ويجوز أن تكون مفعولة، و «الملة» الطريقة في عقائد الشرع، ~~وحنيفا حال، والعامل فيه الفعلية التي في قوله ملة إبراهيم، ويجوز أن تكون ~~حالا من الضمير المرفوع في اتبع قال مكي: ولا يكون حالا من إبراهيم، لأنه ~~مضاف إليه: وليس كما قال لأن الحال قد تعمل فيه حروف الخفض إذا عملت في ذي ~~الحال، كقولك مررت بزيد قائما، وقوله إنما جعل السبت أي لم يكن من ملة ~~إبراهيم وإنما جعله الله فرضا عاقب به القوم المختلفين فيه، قاله ابن زيد، ~~وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن يجعلوا من الجمعة يوما مختصا بالعبادة ~~وأمرهم أن يكون الجمعة، فقال جمهورهم: بل يكون يوم السبت لأن الله فرغ فيه ~~من خلق مخلوقاته، فقال غيرهم: بل نقبل ما أمر الله به موسى، فراجعهم ~~الجمهور فتابعهم الآخرون فألزمهم الله يوم السبت إلزاما قويا عقوبة لهم ~~منه، فلم يكن منهم ثبوت بل عصوا فيه وتعدوا فأهلكهم، وقرأ الأعمش «إنما ~~أنزلنا السبت» ، وهي قراءة ابن مسعود وقرأ أبو حيوة «جعل» بفتح الجيم ~~والعين. # قال القاضي أبو محمد: وورد في الحديث أن اليهود والنصارى اختلفوا في ~~اليوم الذي يختص من الجمعة فأخذ هؤلاء السبت وهؤلاء الأحد فهدانا الله نحن ~~إلى يوم الجمعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فهذا يومهم الذي ~~اختلفوا فيه» ، فليس الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف الذي في ~~الحديث، وباقي الآية وعيد بين. # قوله عز ms2125 وجل: ### || [سورة النحل (16) : الآيات 125 الى 128] # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) واصبر وما صبرك إلا بالله ~~ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون (128) PageV03P431 # هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة المشركين، أمره الله تعالى أن ~~يدعو إلى الله وشرعه بتلطف، وهو أن يسمع المدعو حكمه، وهو الكلام الصواب ~~القريب الواقع في النفس أجمل موقع، والموعظة الحسنة التخويف والترجية ~~والتلطف بالإنسان بأن يحله ويبسطه ويجعله بصورة من يقبل الفضائل، ونحو هذا، ~~فهذه حالة من يدعى وحالة من يجادل دون مخاشنة، ويبين عليه دون قتال، ~~فالكلام يعطي أن جدك وهمك وتعبك لا يغني لأن الله تعالى قد علم من يؤمن ~~منهم ويهتدي، وعلم من يضل، فجملة المعنى اسلك هذا السبيل ولا تعن للمخاشنة ~~لأنها غير مجدية لأن علم الله قد سبق بالمهتدي منهم والضال، وقالت فرقة: ~~هذه الآية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة هي محكمة. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن الاقتصار على هذه الحال وأن لا تتعدى ~~مع الكفرة متى احتيج إلى المخاشنة هو منسوخ لا محالة، وأما من أمكنت معه ~~هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي محكمة إلى يوم ~~القيامة، وأيضا فهي محكمة في جهة العصاة، فهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى ~~يوم القيامة. وقوله وإن عاقبتم فعاقبوا الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه ~~الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح ~~البخاري، وفي كتاب السير وذهب النحاس إلى أنها مكية. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا لأنها ~~تتدرج الرتب من الذي يدعى ويوعظ إلى الذي يجادل إلى الذي يجازى على فعله، ~~ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضا فقوله ولئن صبرتم يقلق بمعنى ms2126 الآية على ما ~~روى الجميع أن كفار قريش كما مثلوا بحمزة فنال ذلك من نفس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين» ، وفي كتاب ~~النحاس وغيره «بتسعين» منهم فقال الناس: «إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن» ، فنزلت ~~هذه الآية، ثم عزم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر في الآية ~~بعدها، وسمى الإذناب في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية ~~وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول، وهذا بعكس قوله مكروا ~~ومكر الله [آل عمران: 54] ، وقوله الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] ، فإن ~~الثاني هو المجاز، والأول هو الحقيقة، وقرأ ابن سيرين: «وإن عقبتم فعقبوا» ~~، وحكى الطبري عن فرقة: أنها قالت إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن ~~لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره، واختلف أهل ~~العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال تجوز له ~~خيانته في القدر الذي ظلمه، فقالت فرقة: له ذلك، منهم ابن سيرين وإبراهيم ~~النخعي وسفيان ومجاهد، واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها، وقال مالك وفرقة ~~معه: لا يجوز له ذلك، واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أد ~~الأمانة إلى من استأمنك ولا تخن من خانك» . PageV03P432 # قال القاضي أبو محمد: ووقع في مسند ابن سنجر أن هذا الحديث إنما ورد في ~~رجل زنا بامرأة رجل آخر ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده ~~وسافر، فاستشار الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «أد الأمانة ~~إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ، ويتقوى في أمر المال قول مالك رحمه الله، ~~لأن الخيانة لاحقة في ذلك وهي رذيلة لا انفكاك عنها، ولا ينبغي للمرء أن ~~يتأسى بغيره في الرذائل، وإنما ينبغي أن تتجنب لنفسها، وأما الرجل يظلم في ~~المال ثم يتمكن من الانتصاف دون أن يؤتمن فيشبه أن ذلك له جائز يرى أن الله ~~حكم له كما لو تمكن له بالحكم من ms2127 الحاكم، وقوله: واصبر وما صبرك إلا بالله ~~الآية، هذه العزيمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر عن المجازاة ~~في التمثيل بالقتلى، قال ابن زيد: هذه الآية منسوخة بالقتال وجمهور الناس ~~على أنها محكمة، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أما ~~أنا فأصبر كما أمرت فماذا تصنعون؟» ، قالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا، ~~وقوله: وما صبرك إلا بالله أي بمعونة الله وتأييده لك على ذلك، والضمير في ~~قوله عليهم قيل يعود على الكفار أي لا تتأسف على أن لم يسلموا، وقالت فرقة: ~~بل يعود على القتلى: حمزة وأصحابه الذين حزن عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والأول أصوب يكون عود الضمير على جهة واحدة، وقرأ الجمهور في «ضيق» ~~بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير في «ضيق» بكسر الضاد ورويت عن نافع وهو غلط ممن ~~رواه، قال بعض اللغويين: الكسر والفتح في الضاد لغتان في المصدر وقال أبو ~~عبيدة: الضيق مصدر والضيق مخفف من ضيق كميت وميت، وهين وهين، قال أبو علي ~~الفارسي: والصواب أن يكون الضيق لغة في المصدر لأنه إن كان مخففا من ضيق ~~لزم أن تقام الصفة مقام الموصوف، وليس هذا موضع ذلك. # قال القاضي أبو محمد: الصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص الموصوف من ~~نفس الصفة، كما تقول رأيت ضاحكا فإنما تخصص الإنسان، ولو قلت: رأيت باردا ~~لم تحسن، وببارد مثل سيبويه رحمه الله «وضيق» لا يخصص الموصوف، وقال ابن ~~عباس وابن زيد: إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ، وقوله: مع الذين ~~أي بالنصر والمعونة والتأييد، واتقوا يريد المعاصي، ومحسنون معناه يتزيدون ~~فيما ندب إليه من فعل الخير. # كمل تفسير سورة النحل بعون الله وتأييده وصلى الله على سيدنا ومولانا ~~محمد وآله وصحبه وسلم PageV03P433 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإسراء # هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات، قوله عز وجل: وإن كادوا ليفتنونك ~~[الإسراء: 73] ، وقوله: # وإن كادوا ليستفزونك [الإسراء: 76] ، نزلت حين جاء رسول الله صلى الله ~~عليه ms2128 وسلم وفد ثقيف، وحين قالت اليهود ليس هذه بأرض الأنبياء، وقوله عز ~~وجل: وقل رب أدخلني مدخل صدق [الإسراء: 80] ، وقوله عز وجل: إن ربك أحاط ~~بالناس [الإسراء: 60] ، وقال مقاتل وقوله عز وجل إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله [الإسراء: 85] ، قال ابن مسعود في بني إسرائيل والكهف، إنهن من العتاق ~~الأول وهن من تلادي يريد أنهن من قديم كسبه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) # لفظ الآية يقتضي أن الله عز وجل أسرى بعبده، وهو محمد عليه السلام، ويظهر ~~أن أسرى هي هنا معداة بالهمزة إلى مفعول محذوف تقديره، أسرى الملائكة ~~بعبده، وكذلك يقلق أن يسند أسرى وهو بمعنى سرى إلى الله تعالى، إذ هو فعل ~~يعطي النقلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يحسن إسناد شيء من هذا ونحن نجد ~~مندوحة، فإذا صرحت الشريعة بشيء من هذا النحو كقوله في الحديث «أتيته سعيا، ~~وأتيته هرولة» حمل ذلك بالتأويل على الوجه المخلص من نفي الحوادث، وأسرى في ~~هذه الآية تخرج فصيحة كما ذكرنا ولا تحتاج إلى تجوز قلق في مثل هذا اللفظ، ~~فإنه ألزم للنقلة من أتيته وفأتى الله بنيانهم [النحل: 26] ويحتمل أن يكون ~~أسرى بمعنى سرى على حذف مضاف كنحو قوله تعالى ذهب الله بنورهم [البقرة: 17] ~~ووقع الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام ~~فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش عمن رواه عشرين صحابيا، فروى ~~جمهور الصحابة وتلقى جل العلماء منهم أن الإسراء كان بشخصه صلى الله عليه ~~وسلم، وأنه ركب البراق من مكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه، وروى حذيفة ~~وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن البراق في بيت المقدس ~~ولا دخله، قال حذيفة ولو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه، وأنه ركب البراق ~~بمكة ولم ينزل عنه حتى انصرف إلى بيته، إلا ms2129 في صعوده إلى السماء، وقالت ~~عائشة ومعاوية إنما أسري PageV03P434 # بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارق شخصه مضجعه وأنها كانت رؤيا ~~رأى فيها الحقائق من ربه عز وجل، وجوزه الحسن وابن إسحاق، والحديث، قال ~~القاضي أبو محمد، مطول في البخاري ومسلم وغيرهما، فلذلك اختصرنا نصه في هذا ~~الباب، وركوب البراق على قول هؤلاء يكون من جملة ما رأى في النوم، قال ابن ~~المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن في كتاب الطبري: البراق هو دابة إبراهيم ~~الذي كان يزور عليه البيت الحرام. # قال القاضي أبو محمد: يريد أن يجيء من يومه ويرجع وذلك من مسكنه بالشام، ~~والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة ما أمكن قريشا التشنيع ولا ~~فضل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدث الناس بهذا فيكذبوك ~~إلى غير هذا من الدلائل، واحتج لقول عائشة بقوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس [الإسراء: 60] ، ويحتمل القول الآخر لأنه يقال ~~لرؤية العين رؤيا، واحتج أيضا بأن في بعض الأحاديث: فاستيقظت وأنا في ~~المسجد الحرام وهذا محتمل أن يريد من الإسراء إلى نوم، واعترض قول عائشة ~~بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدثت عن النبي عليه السلام، وأما معاوية ~~فكان كافرا في ذلك الوقت غير مشاهد للحال صغيرا، ولم يحدث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقوله: # سبحان مصدر غير متمكن لأنه لا يجري بوجوه الإعراب ولا تدخل عليه الألف ~~واللام ولم يجر منه فعل، وسبح إنما معناه قال سبحان الله فلم يستعمل سبح ~~إلا إشارة إلى سبحان، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين وهو معرفة بالعلمية ~~وإضافته لا تزيده تعريفا، هذا كله مذهب سيبويه فيه، وقالت فرقة: قال القاضي ~~أبو محمد: نصبه على النداء كأنه قال: «يا سبحان» ، قال القاضي أبو محمد ~~الذي، وهذا ضعيف ومعناه تنزيها لله، وروى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد ~~العشرة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما معنى سبحان الله؟ قال: «تنزيها ~~لله من كل ms2130 سوء» ، والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي هو من معناه لا ~~من لفظه إذ يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء واشتمل الصماء، ~~فالتقدير عنده أنزه الله تنزيها فوقع سبحان مكان قولك تنزيها، وقال قوم من ~~المفسرين: أسرى فعل غير متعد عداه هنا بحرف جر تقول سرى الرجل وأسرى إذ سار ~~بالليل بمعنى، وقد ذكرت ما يظهر في اللفظ من جهة العقيدة، وقرأ حذيفة وابن ~~مسعود «أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام» ، وقوله من المسجد الحرام، ~~قال أنس بن مالك: أراد المسجد المحيط بالكعبة نفسها ورجحه الطبري وقال: هو ~~الذي يعرف إذا ذكر هذا الاسم، وروى الحسن بن أبي الحسن عن النبي عليه ~~السلام أنه قال: «بينا أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل والملائكة» ، ~~الحديث بطوله. وروى قوم أن ذلك كان بين زمزم والمقام، وروى مالك بن صعصعة ~~عن النبي عليه السلام: «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان» ، وذكر ~~عبد بن حميد الكشي في تفسيره عن سفيان الثوري أنه قال: أسري بالنبي عليه ~~السلام من شعب أبي طالب، وقالت فرقة: المسجد الحرام مكة كلها واستندوا إلى ~~قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام [الفتح: 27] وعظم المقصد هنا إنما هو ~~مكة، وروى بعض هذه الفرقة عن أم هاني أنها قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة الإسراء في بيتي، وروي بعضها عن النبي عليه السلام، أنه ~~قال: «خرج سقف بيتي» وهذا يلتئم مع قول أم هاني، وكان الإسراء فيما قال ~~مقاتل قبل الهجرة بعام، وقاله قتادة، وقيل بعام ونصف، قاله عروة عن عائشة ~~وكان ذلك PageV03P435 # في رجب، وقيل في ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول والنبي صلى الله عليه ~~وسلم ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما، والمتحقق أن ذلك ~~كان بعد شق الصحيفة، وقبل بيعة العقبة، ووقع في الصحيحين لشريك بن أبي نمر ~~وهم في هذا المعنى فإنه روى حديث الإسراء فقال فيه: وذلك قبل الوحي إليه، ~~ولا خلاف بين المحدثين أن ms2131 هذا وهم من شريك، والمسجد الأقصى، مسجد بيت ~~المقدس، وسماه الأقصى أي في ذلك الوقت كان أقصى بيوت الله الفاضلة من ~~الكعبة، ويحتمل أن يريد ب الأقصى البعيد دون مفاضلة بينه وبين سواه، ويكون ~~المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى هذا البعد في ليلة. و «البركة حوله» هي ~~من جهتين، إحداهما النبوءة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر وفي ~~نواحيه وبواديه، والأخرى النعم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة التي خص ~~الله الشام بها، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: «إن الله بارك فيما ~~بين العريش إلى الفرات وخص فلسطين بالتقديس» وقوله: # لنريه من آياتنا يريد لنري محمدا بعينه آياتنا في السماوات والملائكة ~~والجنة والسدرة وغير ذلك مما رآه تلك الليلة من العجائب، ويحتمل أن يريد ~~لنري محمدا للناس آية، أي يكون النبي صلى الله عليه وسلم آية في أن يصنع ~~الله ببشر هذا الصنع وتكون الرؤية على هذا رؤية قلب، ولا خلاف أن في هذا ~~الإسراء فرضت الصلوات الخمس على هذه الأمة. وقوله: إنه هو السميع البصير ~~وعيد من الله للكفار تكذيبهم محمدا في أمر الإسراء، فهي إشارة لطيفة بليغة ~~إلى ذلك أي هو السميع لما تقولون البصير بأفعالكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 2 الى 4] # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ~~(2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) # عطف قوله: وآتينا على ما في قوله أسرى بعبده [الإسراء: 1] من تقدير ~~الخبر، كأنه قال أسرينا بعبدنا وأريناه آياتنا، والكتاب التوراة، والضمير ~~في جعلناه يحتمل أن يعود على الكتاب ويحتمل أن يعود على موسى. وقوله ألا ~~تتخذوا يجوز أن تكون «أن» في موضع نصب بتقدير كراهية أن موضع خفض بتقدير ~~لأن لا تتخذوا، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة بمعنى أي كما قال أن امشوا ~~واصبروا [ص: 6] فهي في هذا مع أمر موسى وهي في آياتنا هذه ms2132 مع نهي، والمعنى ~~مع هذه التقديرات فعلنا ذلك لئلا تتخذوا يا ذرية، ويحتمل أن يكون ذرية ~~مفعولا، ويحتمل أن تكون «أن» زائدة ويضمر في الكلام قول تقديره قلنا لهم: ~~لا تتخذوا، وأما أن يضمر القول ولا تجعل «أن» زائدة فلا يتجه، لأن ما بعد ~~القول إما يكون جملة تحكى، وإما أن يكون ترجمة عن كلام لا هو بعينه، فيعمل ~~القول في الترجمة كما تقول لمن قال: لا إله إلا الله قلت حقا، وقوله: ألا ~~تتخذوا ليس بواحد من هذين، قاله أبو علي وقرأ جمهور الناس «تتخذوا» بالتاء ~~على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده «ألا يتخذوا» بالياء على لفظ الغائب، وهي ~~قراءة بن عباس ومجاهد وقتادة وعيسى وأبي رجاء، و «الوكيل» هنا فعيل من ~~التوكل أي PageV03P436 # متوكلا عليه في الأمور، فهو ند لله بهذا الوجه، قال مجاهد وكيلا شريكا، ~~وقرأ جمهور الناس «ذرية» بضم الذال وقرأ مجاهد بفتحها، وقرأ زيد بن ثابت ~~وأبان بن عثمان ومجاهد أيضا بكسرها، وكل هذا بشد الراء والياء، ورويت عن ~~زيد بن ثابت بفتح الذال وتسهيل الراء وشد الياء على وزن فعيلة، وذرية وزنها ~~فعولة، أصلها ذرورة، أبدلت الراء الثانية ياء كما قالوا قصيت شعري أي ~~قصصته، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت ثم كسرت الراء لتناسب الياء، وكل هؤلاء ~~قرؤوا ذرية بالنصب، وذلك متجه إما على المفعول ب «يتخذوا» ويكون المعنى أن ~~لا يتخذ بشر إلها من دون الله، وإما على النداء أي يا ذرية، فهذه مخاطبة ~~للعالم، قال قوم: وهذا لا يتجه إلا على قراءة من قرأ «تتخذوا» بالتاء من ~~فوق، ولا يجوز على قراءة من قرأ «يتخذوا» بالياء لأن الفعل الغائب والنداء ~~لمخاطب والخروج من الغيبة إلى الخطاب إنما يستسهل مع دلالة الكلام على ~~المراد، وفي النداء لا دلالة إلا على التكلف، وإما على النصب بإضمار أعني ~~وذلك متجه على القراءتين على ضعف النزعة في إضمار أعني، وإما على البدل من ~~قوله وكيلا وهذا أيضا فيه تكلف، وقرأت فرقة «ذرية» بالرفع على البدل من ms2133 ~~الضمير المرفوع في «يتخذوا» وهذا إنما يتوجه على القراءة بالياء، ولا يجوز ~~على القراءة بالتاء لأنك لا تبدل من ضمير مخاطب لو قلت: ضربتك زيدا على ~~البدل لم يجز، وقوله: ذرية من حملنا مع نوح إنما عبر بهذه العبارة عن الناس ~~الذين عناهم في الآية بحسب الخلاف المذكور لأن في هذه العبارة تعديد النعمة ~~على الناس في الإنجاء المؤدي إلى وجودهم، ويقبح الكفر والعصيان مع هذه ~~النعمة، والذين حملوا مع نوح وأنسلوا هم بنوه لصلبه لأنه آدم الأصغر، وكل ~~من على الأرض اليوم من نسله هذا قول الجمهور ذكره الطبري عن قتادة ومجاهد ~~وإن كان معه غيرهم فلم ينسل قال النقاش: اسم نوح عبد الجبار، وقال ابن ~~الكلبي: اسمه فرج، ووصفه ب «الشكر» لأنه كان يحمد الله في كل حال وعلى كل ~~نعمة على المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك صلى الله عليه وسلم، ~~قاله سلمان الفارسي وسعيد بن مسعود وابن أبي مريم وقتادة، وقوله: وقضينا ~~إلى بني إسرائيل الآية، قال الطبري: معنى قضينا فرغنا وحكي عن غيره أنه ~~قال: قضينا هنا بمعنى أخبرنا، وحكي عن آخرين أنهم قالوا قضينا معناه في أم ~~الكتاب. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه: وإنما يلبس في هذا ~~المكان تعدية قضينا ب إلى، وتلخيص المعنى عندي أن هذا الأمر هو مما قضاه ~~الله تعالى في أم الكتاب على بني إسرائيل وألزمهم إياه ثم أخبرهم به في ~~التوراة على لسان موسى. فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمرين جميعا في ~~إيجاز، جعل قضينا دالة على النفوذ في أم الكتاب، وقرن بها دالة على إنزال ~~الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ، ~~ولهذا فسر ابن عباس مرة بأن قال قضينا إلى بني إسرائيل معناه أعلمناهم، ~~وقال مرة: معناه قضينا عليهم. والكتاب هنا التوراة لأن القسم في قوله ~~لتفسدن غير متوجه مع أن يجعل الكتاب هو اللوح المحفوظ، وقرأ سعيد بن جبير ~~وأبو العالية الرياحي «في الكتب» على الجمع، ms2134 قال أبو حاتم: قراءة الناس على ~~الإفراد، وقرأ الجمهور «لتفسدن» بضم التاء وكسر السين، وقرأ عيسى الثقفي ~~«لتفسدن» بفتح التاء وضم السين والدال، وقرأ ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر ~~بن زيد «لتفسدن» بضم التاء وفتح السين وضم الدال. قوله ولتعلن أي لتتجبرون ~~عن طاعة PageV03P437 # الأمرين بطاعة الله وتطلبون في الأرض العلو والفساد وتظلمون من قدرتم على ~~ظلمة ونحو هذا. # قال القاضي أبو محمد: ومقتضى هذه الآيات أن الله تعالى أعلم بني إسرائيل ~~في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وطغيان وكفر لنعم الله تعالى عندهم في ~~الرسل والكتب وغير ذلك، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتقتلهم وتذلهم، ثم ~~يرحمهم بعد ذلك، ويجعل لهم الكرة ويردهم إلى حالهم الأولى من الظهور، فيقع ~~منهم المعاصي وكفر النعم والظلم والقتل والكفر بالله من بعضهم، فيبعث الله ~~عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم وتجليهم جلاء مبرحا، وأعطى الوجود بعد ~~ذلك هذا الأمر كله وقيل: كان بين «المرتين» آخر الأولى وأول الثانية مائتا ~~سنة وعشر سنين ملكا مؤبدا بأنبياء وقيل سبعون سنة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 5 الى 7] # فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال ~~وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ~~فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) # الضمير في قوله أولاهما عائد على قوله مرتين [الإسراء: 4] وعبر عن الشر ب ~~«الوعد» لأنه قد صرح بذكر المعاقبة، وإذا لم يجىء «الوعد» مطلقا فجائز أن ~~يقع في الشر، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن «عبيدا» ، واختلف ~~الناس في العبيد المبعوثين، وفي صورة الحال اختلافا شديدا متباعدا عيونه: ~~أن بني إسرائيل عصوا وقتلوا زكرياء عليه السلام فغزاهم سنحاريب ملك بابل، ~~كذا قال ابن إسحاق وابن جبير، وقال ابن عباس: غزاهم جالوت من أهل الجزيرة ~~وروي عن عبد الله بن الزبير ms2135 أنه قال في حديث طويل: غزاهم آخرا ملك اسمه ~~خردوس، وتولى قتلهم على دم يحيى بن زكرياء قائد لخردوس اسمه بيورزاذان، وكف ~~عن بني إسرائيل وسكن بدعائه دم يحيى بن زكرياء، وقيل غزاهم أولا صنحابين ~~ملك رومة، وقيل بختنصر، وروي أنه دخل في جيش من الفرس وهو خامل يسير في ~~مطبخ الملك فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم تعلمه الفرس لأنه كان ~~يداخلهم، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم، فلما كان بعد مدة جعله ~~الملك رئيس جيش، وبعثه فخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجدوا ~~الملك قد مات فملك موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك، وقالت فرقة: # إنما غزاهم بختنصر في المرة الأخيرة حين عصوا وقتلوا يحيى بن زكرياء، ~~وصورة قتله: أن الملك أراد أن يتزوج بنت امرأته فنهاه يحيى عنها فعز ذلك ~~على امرأته، فزينت بنتها وجعلتها تسقي الملك الخمر وقالت لها: إذا راودك ~~الملك عن نفسك فتمنعي حتى يعطيك الملك ما تتمنين، فإذا قال لك تمني علي ما ~~أردت، فقولي رأس يحيى بن زكرياء: ففعلت الجارية ذلك فردها الملك مرتين ~~وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأس في طست ولسانه يتكلم وهو يقول لا تحل لك، ~~وجرى دم يحيى فلم ينقطع فجعل الملك عليه التراب PageV03P438 # حتى ساوى سور المدينة والدم ينبعث، فلما غزاهم الملك الذي بعث الله عليهم ~~بحسب الخلاف الذي فيه، قتل منهم على الدم حتى سكن بعد قتل سبعين ألفا، هذا ~~مقتضى هذا الخبر، وفي بعض رواياته زيادة ونقص، فروت فرقة: أن أشعياء النبي ~~عليه السلام وعظهم في بعض الأمر وذكرهم الله ونعمه في مقام طويل قصة ~~الطبري، وذكر أشعياء في آخره محمدا صلى الله عليه وسلم وبشر به فابتدره بنو ~~إسرائيل، ففر منهم فلقي شجرة فتفلقت له حتى دخلها فالتأمت عليه، فعرض ~~الشيطان عليهم هدبة من ثوبه فأخذوا منشارا فنشروا الشجرة وقطعوه في وسطها ~~فقتلوه، فحينئذ بعث الله عليهم في المرة الآخرة، وذكر الزهراوي عن قتادة ~~قصصا، أن زكرياء هو صاحب ms2136 الشجرة وأنهم قالوا لما حملت مريم: ضيع بنت سيدنا ~~حتى زنت فطلبوه فهرب منهم حتى دخل في الشجرة فنشروه، وروت فرقة أن بختنصر ~~كان حفيد سنحاريب الملك الأول، وروت فرقة أن الذي غزاهم آخرا هو سابور ذو ~~الأكناف، وقال أيضا ابن عباس سلط الله عليهم حين عادوا ثلاثة أملاك من فارس ~~سندابادان وشهرياران، وآخر، وقال مجاهد: إنما جاءهم في الأولى عسكر من فارس ~~«فجاس خلال الديار» وتغلب ولكن لم يكن قتال، ولا قتل في بني إسرائيل، ثم ~~انصرفت عنهم الجيوش وظهروا وأمدوا بالأموال والبنين حتى عصوا وطغوا فجاءهم ~~في المرة الثانية من قتلهم وغلبهم على بيضتهم وأهلكهم آخر الدهر، وقوله عز ~~وجل فجاسوا خلال الديار وهي المنازل والمساكن. وقوله تعالى: وليدخلوا ~~المسجد كما دخلوه أول مرة يرد على قول مجاهد إنه لم يكن في المرة الأولى ~~غلبة ولا قتال وهل يدخل المسجد إلا بعد غلبة وقتال، وقد قال مؤرج، «جاسوا ~~خلال الأزقة» ، وقد ذكر الطبري في هذه الآية قصصا طويلا منه ما يخص الآيات ~~وأكثره لا يخص وهذه المعاني ليست بالثابت فلذلك اختصرتها، وقوله بعثنا ~~يحتمل أن يكون الله بعث إلى ملك تلك الأمة رسولا يأمره بغزو بني إسرائيل ~~فتكون البعثة بأمر ويحتمل أن يكون عبر بالبعث عما ألقي في نفس الملك الذي ~~غزاهم وقرأ الناس «فجاسوا» بالجيم، وقرأ أبو السمال «فحاسوا» بالحاء وهما ~~بمعنى الغلبة والدخول قسرا ومنه الحواس، وقيل لأبي السمال إنما القراءة ~~«جاسوا» بالجيم فقال «جاسوا وحاسوا» واحد. # قال القاضي أبو محمد: فهذا يدل على تخير لا على رواية، ولهذا لا تجوز ~~الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه، وقرأ الجمهور: «خلال» ، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن «خلل» ونصبه في الوجهين على الظرف، وقوله ثم رددنا لكم الكرة، الآية ~~عبارة عما قاله الله لبني إسرائيل في التوراة، وجعل رددنا موضع نرد إذ وقت ~~إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع عبر ~~عن مستقبلة بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجلوة الأولى لما وصفنا، ms2137 فغلبت بنو ~~إسرائيل على بيت المقدس وملكوا فيه، وحسنت حالهم برهة من الدهر، وأعطاهم ~~الله الأموال والأولاد، وجعلهم إذا نفروا إلى أمر أكثر الناس، قال الطبري ~~معناه وصيرناكم أكثر عدد نافر منهم، قال قتادة: كانوا أكثر نفيرا في زمن ~~داود عليه السلام، و «نفير» يحتمل أن يكون جمع نفر ككلب وكليب، وعبد وعبيد، ~~ويحتمل أن يكون فعيلا بمعنى فاعل أي وجعلناكم أكثر نافرا. # قال القاضي أبو محمد: وعندي أن النفر اسم لا جمع الذي ينفر سمي بالمصدر، ~~وقد قال تبع الحميري: [المتقارب] PageV03P439 # فأكرم بقحطان من والد ... وحمير أكرم بقوم نفيرا # وقالوا: لا في العير ولا في النفير، يريدون جمع قريش الخارج من مكة لا ~~بإذن، فلما قال الله لهم إني سأفعل بكم هكذا عقب ذلك بوصيتهم في قوله إن ~~أحسنتم والمعنى أنكم بعملكم تؤخذون لا يكون ذلك ظلما ولا تسرعا إليكم، ووعد ~~الآخرة معناه من المرتين المذكورتين، وقوله ليسوؤا اللام لام أمر، وقيل ~~المعنى بعثناهم ليسوؤا فهي لام كي كلها، والضمير للعباد «أولي البأس ~~الشديد» ، وقرأ الجمهور: «ليسوءوا» بالياء جمع همزة وبين واوين، وقرأ عاصم ~~في رواية أبي بكر وابن عامر «ليسوء» بالياء وهمزة مفتوحة على الإفراد، وقرأ ~~الكسائي، وهي مروية عن علي بن أبي طالب «لنسوء» بنون العظمة، وقرأ أبي بن ~~كعب «لنسوءن» بنون خفيفة، وهي لام الأمر، وقرأ علي بن أبي طالب «لنسوءن» ، ~~وهي لام القسم والفاعل الله عز وجل، وفي مصحف أبي بن كعب «ليسيء» بياء ~~مضمومة بغير واو، وفي مصحف أنس «ليسوء وجهكم» على الإفراد، وخص ذكر ~~«الوجوه» لأنها المواضيع الدالة على ما بالإنسان من خير أو شر، والمسجد ~~مسجد بيت المقدس، و «تبر» معناه أفسد بقسم وركوب رأس، وقوله ما علوا أي ما ~~غلبوا عليه من الأقطار وملكوه من البلاد، وقيل ما ظرفية والمعنى مدة علوهم ~~وغلبتهم على البلاد، و «تبر» معناه رد الشيء فتاتا كتبر الذهب والحديد، ~~ونحوه وهو مفتتة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 8 الى 11] # عسى ربكم أن يرحمكم وإن ms2138 عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) ~~ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) # يقول الله عز وجل لبقية بني إسرائيل عسى ربكم إن أطعتم في أنفسكم ~~واستقمتم أن يرحمكم وعسى ترج في حقهم وهذه العدة ليست برجوع دولة وإنما هي ~~بأن يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد فلم يفعلوا ~~وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقاب الله فضرب عليهم الذل وقتلهم وأذلهم ~~بيد كل أمة، وهنا قال ابن عباس سلط عليهم ثلاثة ملوك، و «الحصير» فعيل من ~~الحصر فهو بمعنى السجن أي يحصرهم، وبنحو هذا فسر مجاهد، وقتادة وغيرهما، ~~ويقال «الحصير» أيضا من الحصر للملك ومنه قول لبيد: [الكامل] # ومقامة غلب الرقاب كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام # ويقال لجنى الإنسان الحصيران لأنهما يحصرانه ومنه قول الطرماح: [الطويل] # قليلا تتلى حاجة ثم غولبت ... على كل معروش الحصيرين بادن # وقال الحسن البصري في الآية: أراد به ما يفترش ويبسط كالحصير المعروف عن ~~الناس. # قال القاضي أبو محمد: وذلك الحصير أيضا هو مأخوذ من الحصر، وقوله تعالى: ~~إن هذا القرآن PageV03P440 # الآية، يهدي في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو، و ~~«التي» يريد بها الحالة والطريقة، وقالت فرقة، للتي هي أقوم لا إله إلا ~~الله. # قال القاضي أبو محمد: والأول أعم وكلمة الإخلاص وغيرها من الأقوال داخلة ~~في الحال «التي هي أقوم» من كل حال تجعل بإزائها، والاقتصار على أقوم ولم ~~يذكر من كذا إيجاز، والمعنى مفهوم، أي للتي هي أقوم من كل ما غايرها فهي ~~النهاية في القوام، وقيد المؤمنين بعمل الصالحات إذ هو كمال الإيمان وإن لم ~~يكن في نفسه، والمؤمن المفرط في العمل له بإيمانه حظ في عمل الصالحات: و ~~«الأجر الكبير» الجنة، وكذلك حيث وقع في كتاب الله فضل كبير وأجر كبير فهو ~~الجنة، وقوله إن الأولى ms2139 في موضع نصب ب يبشر، وإن الثانية عطف على الأولى، ~~وهي داخلة في جملة بشارة المؤمنين، بشرهم القرآن بالجنة، وأن الكفار لهم ~~عذاب أليم، وذلك أن علم المؤمنين بهذا مسرة لهم، وفي هذه البشارة وعيد ~~للكفار بالمعنى، هذا الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وقرأ الجمهور، «ويبشر» بضم ~~الياء وفتح الباء وكسر الشين، وقرأ ابن مسعود ويحيى بن وثاب وطلحة «ويبشر» ~~بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وأعتدنا معناه أحضرنا وأعددنا ومنه ~~العتاد، و «الأليم» الموجع، وقوله ويدع الإنسان الآية، سقطت الواو من يدع ~~في خط المصحف لأنهم كتبوا المسموع، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية ~~نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في وقت الغضب ~~والضجر، فأخبر الله أنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما تدعون بالخير في وقت ~~التثبت، فلو أجاب الله دعاءهم أهلكهم، لكنه يصفح ولا يجيب دعاء الضجر ~~المستعجل، ثم عذر بعض العذر في أن الإنسان له عجلة فطرية، والإنسان هنا قيل ~~يريد به الجنس بحسب ما في الخلق من ذلك قاله مجاهد وغيره، وقال سلمان ~~الفارسي وابن عباس: # إشارته إلى آدم في أنه لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر فلما مشى الروح ~~في بدنه قبل ساقيه أعجبته نفسه فذهب ليمشي مستعجلا لذلك فلم يقدر وأشارت ~~ألفاظ هذه الآية إلى هذا والمعنى فأنتم ذوو عجلة موروثة من أبيكم، ويروى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جعل أسيرا في قيد في بيت سودة بنت زمعة فسمعت ~~سودة أنينه فأشفقت فقالت له ما بالك؟ فقال: ألم القيد، فقالت: فأرخت من ~~ربطه فسكت، ثم نامت، فتحيل في الانحلال وفر، فطلبه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند الصبح، فأخبر الخبر، فقال قطع الله يدها ففزعت سودة ورفعت يديها ~~نحو السماء وهي تخاف الإجابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~قد جعل دعائي في مثل هذا رحمة على المدعو عليه، لأني بشر أغضب وأعجل، فلترد ~~سودة يديها، وقالت فرقة هذه الآية نزلت في شأن ms2140 قريش الذين قالوا اللهم إن ~~كان الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [الأنفال: 32] ، وكان الأولى ~~أن يقولوا فاهدنا إليه وارحمنا به فذمهم الله تعالى في هذه الآية بهذا، ~~وقالت فرقة: معنى هذه الآية: معاتبة الناس على أنهم إذا نالهم شر وضرعوا ~~وألحوا في الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير ويلتزمه من ذكر الله ~~وحمده والرغبة إليه، لكنه يقصر حينئذ، فإذا مسه ضر ألح واستعجل الفرج، ~~فالآية على هذا من نحو قوله تعالى: وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه [يونس: 12] ~~. PageV03P441 # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 12 الى 14] # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ~~(12) وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) # «الآية» العلامة المنصوبة للنظر والعبرة، وقوله فمحونا قالت فرقة: سبب ~~تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر ~~محاه جبريل بجناحيه ثلاثة مرات فمن هنالك كلفه وكونه منيرا فقط، وقالت ~~فرقة، وهو الظاهر: إن قوله فمحونا إنما يريد في أصل خلقته، وهذا كما تقول ~~بنيت داري فبدأت بالأس، ثم تابعت فلا تريد بالفاء التعقيب، وظاهر لفظ الآية ~~يقتضي أربع آيات لا سيما لمن بنى على أن القمر هو الممحو والشمس هي ~~المبصرة، فأما إن قدر الممحو في إظلام الليل والإبصار في ضوء النهار أمكن ~~أن تتضمن الآية آيتين فقط، على أن يكون فيها طرف من إضافة الشيء إلى نفسه، ~~وقوله مبصرة مثل قولك ليل قائم ونائم أي ينام فيه ويقام، فكذلك «آية مبصرة» ~~أي يبصر بها ومعها، وحكى الطبري عن بعض الكوفيين أنه قال: قال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: سلوا عما شئتم فقال ابن الكواء: ما السواد الذي في ~~القمر؟ فقال ms2141 له علي: قاتلك الله هلا سألت عن أم دينك وآخرتك ذلك محو الليل ~~وجعل الله تعالى النهار مبصرا ليبتغي الناس الرزق، وفصل الله، وجعل القمر ~~مخالفا للشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر وللأيام، ومعرفة ذلك ~~في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس، وقوله كل شيء منصوب بفعل ~~مضمر يدل عليه الظاهر تقديره وفصلنا كل شيء فصلناه تفصيلا وقيل: وكل عطف ~~على والحساب فهو معمول لتعلموا، والتفصيل البيان بأن تذكر فصول ما بين ~~الأشياء وتزال أشباهها حتى يتميز الصواب من الشبه العارضة فيه، وقوله وكل ~~إنسان ألزمناه طائره الآية، قوله كل منصوب بفعل مقدر، وقرأ الحسن وأبو رجاء ~~ومجاهد «طيره في عنقه» ، قال ابن عباس طائره ما قدر له وعليه، وخاطب الله ~~العرب في هذه الآية بما تعرف، وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم ~~بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثر ذلك حتى فعلته بالظباء وحيوان الفلاة، ~~وسميت ذلك كله تطيرا، وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من ~~خير وشر، فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ~~ما يلقى الإنسان من خير وشر قد سبق به القضاء. وألزم حظه وعمله وتكسبه في ~~عنقه، وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~عدوى ولا طيرة» . # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان ب ~~«الطائر» ، قال مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير، وقولهم في أمور ~~على الطائر الميمون، وبأسعد طائر ومنه ما طار في المحاجة والسهم كقول أم ~~العلا الأنصارية فطار لنا من القادمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الهجرة عثمان بن مظعون، أي كان ذلك حظنا، وأصل هذا كله من الطير التي تقضي ~~عندهم بلقاء الخير PageV03P442 # والشر وأبطل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا عدوى ولا طيرة» ، ~~وقوله في عنقه جرى أيضا على مقطع العرب في أن تنسب ما ms2142 كان إلزاما وقلادة ~~وأمانة ونحو هذا إلى العنق كقولهم: دمي في عنق فلان وكقول الأعشى: # والشعر قلدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيثما جعلا # وهذا كثير، ونحوه جعلهم ما كان تكسبا وجناية وإثما منسوبا إلى اليد إذ هي ~~الأصل في التكسب، وقرأ أبو جعفر ونافع والناس «ونخرج» بنون العظمة «كتابا» ~~بالنصب، وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن: # و «يخرج» بفتح الياء وضم الراء على الفعل المستقبل «كتابا» أي طائره الذي ~~كني به عن عمله يخرج له ذا كتاب، وقرأ الحسن من هؤلاء «كتاب» بالرفع، وقرأ ~~أبو جعفر أيضا «ويخرج» بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله، «كتابا» ~~أي طائره، وقرأ أيضا «كتابا» ، وقرأت فرقة «ويخرج» بضم الياء وكسر الراء أي ~~يخرج الله، وفي مصحف أبي بن كعب «في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا» ، وهذا الكتاب هو عمل الإنسان وخطيئاته، وقرأ الجمهور «يلقاه» بفتح ~~الياء وسكون اللام وخفة القاف، وقرأ ابن عامر وحده، «يلقاه» بضم الياء وفتح ~~اللام وتشديد القاف وهي قراءة الحسن بخلاف، وأبي جعفر والجحدري، وقوله اقرأ ~~كتابك حذف من الكلام يقال له اختصار الدلالة الظاهرة عليه، و «الحسيب» ~~الحاسب ونصبه على التمييز، وأسند الطبري عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم بسطت ~~لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن ~~شمالك يحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أو قلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك ~~فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. # قال القاضي أبو محمد: فعلى هذه الألفاظ التي ذكر الحسن يكون الطائر ما ~~يتحصل مع آدم من عمله في قبره فتأمل لفظه، وهذا هو قول ابن عباس وقال قتادة ~~في قوله: اقرأ كتابك إنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 15 الى 17] # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل ms2143 عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) وكم أهلكنا من ~~القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) # معنى هذه الآية أن كل أحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره، وروي أن سببها ~~أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لأهل مكة: اكفروا بمحمد وإثمكم علي، ~~فنزلت هذه الآية: أي إن الوليد لا يحمل إثمكم وإنما إثم كل واحد عليه، ~~وقالت فرقة نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسد، والإشارة ~~بالضلال إلى الوليد بن المغيرة، ووزر معناه حمل، والوزر الثقل، ومنه وزير ~~السلطان أي يحمل ثقل دولته، وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين رضي الله ~~عنها في الرد على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي PageV03P443 # عليه، ونكتة ذلك المعنى إنما هي أن التعذيب إنما يعن إذا كان البكاء من ~~سنة الميت، وسببه كما كانت العرب تفعل وقوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~قالت فرقة هي الجمهور: هذا في حكم الدنيا، أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب ~~إلا من بعد الرسالة إليهم والإنذار، وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا ~~والآخرة. # قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا المعنى: أن مقصد الآية في هذا الموضع ~~الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ~~ويؤيد هذا ما يجيء بعد من وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومن إعلامه ~~بكثرة ما أهلك من القرون ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ~~ومن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله ~~تعالى: كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى [الملك: ~~8- 9] ، وظاهر كلما [الملك: 8] الحصر، وكقوله تعالى: وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير [فاطر: 24] ، وأما من جهة النظر فإن بعثة آدم عليه السلام ~~بالتوحيد وبث المعتقدات في نبيه مع نصب الأدلة ms2144 الدالة على الصانع مع سلامة ~~الفطر يوجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك ~~في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضا يعطي احتمال ~~ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة وهم أهل الفترات ~~الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم، وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث ~~إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ولا يقتضيه ما ~~تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف، وقوله وإذا أردنا أن نهلك قرية # الآية، في مصحف أبي «بعثنا أكابر مجرميها» ، و «القرية» ، المدينة ~~المجتمعة مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وليست من قرأ الذي هو ~~مهموز، وإن كان فيها جمعا معنى الجمع، وقرأ الجمهور «أمرنا» على صيغة ~~الماضي من أمر ضد نهى، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، «آمرنا» ~~بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن ~~عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب: أمر القوم إذا ~~كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف: «أمرنا» بتشديد ~~الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي ~~بن أبي طالب، وقال الطبري: القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا ~~وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، ~~والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، قال القاضي أبو محمد: قال ~~أبو علي الفارسي: الجيد في «آمرنا» أن تكون بمعنى كثرنا فتعدي الفعل بلفظه ~~غير متعد كما تقول رجع ورجعته وشتر عينه وشترتها فتقول آمر القوم وآمرهم ~~الله أي كثرهم، قال «وآمرنا» مبالغة في «أمرنا» بالهمزة، و «أمرنا» مبالغة ~~فيه بالتضعيف، ولا وجه لكون «أمرنا» من الإمارة لأن رياستهم لا تكون إلا ~~واحدا بعد واحد والإهلاك إنما يكون في مدة واحد منهم. # قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الذي قاله أبو علي بأن الأمر وإن ms2145 كان ~~يعم المترف وغيره فخص المترف بالذكر إذ فسقه هو المؤثر في فساد القرية وهم ~~عظم الضلالة، وسواهم تبع لهم وأما «أمرنا» من الإمارة فمتوجه على وجهين، ~~أحدهما أن لا يريد إمارة الملك بل كونهم يأمرون ويؤتمر لهم، فإن العرب تقول ~~لمن يأمر الإنسان وإن لم يكن ملكا هو أميره، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا PageV03P444 # ومنه قول معاوية لعمر رضي الله عنه حين أمره بالاستقادة من لطمة عمرو بن ~~العاص، إن علي أميرا لا أقطع أمرا دونه، أراد معاوية رضي الله عنه أباه ~~وأراد الأعشى أنه إذا شاخ الإنسان وعمي واهتدى بالعصا أطاع كل من يأمره، ~~ومنه قول الآخر: [الكامل] # والناس يلحون الأمير إذ هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد # وأيضا فلو أراد إمارة الملك في الآية لحسن المعنى، لأن الأمة إذا ملك ~~الله عليها مترفا ففسق ثم ولي مثله بعده، ثم كذلك عظم الفساد وتوالى الكفر ~~واستحقوا العذاب فنزل بهم على الرجل الأخير من ملوكهم، وقرأ الحسن ويحيى بن ~~يعمر «أمرنا» بكسر الميم وحكاها النحاس عن ابن عباس، ولا أتحقق وجها لهذه ~~القراءة إلا إن كان أمر القوم يتعدى بلفظه، فإن العرب تقول آمر بنو فلان ~~إذا كثروا، ومنه قول لبيد: # إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوما يصيروا للقل والنفد # ومنه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، ورد القراء هذه القراءة، وقد حكي أمر ~~متعديا عن أبي زيد الأنصاري، و «المترف» الغني من المال المتنعم، والترفه ~~النعمة، وفي مصحف أبي بن كعب: «قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها» ، ~~وقوله فحق عليها القول # أي وعيد الله لها الذي قاله رسولهم، والتدمير الإهلاك، مع طمس الآثار ~~وهدم البناء، ومنه قول الفرزدق: [المتقارب] # وكان لهم كبكر ثمود لما ... رغا دهرا فدمرهم دمارا # وقوله وكم أهلكنا الآية كم في موضع نصب ب أهلكنا وهذا الذكر لكثرة من ~~أهلك الله من القرون مثال لقريش ووعيد، أي لستم ببعيد مما حصلوا فيه من ~~العذاب إذا أنتم ms2146 كذبتم نبيكم، واختلف الناس في القرن، فقال ابن سيرين: عن ~~النبي عليه السلام أربعون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال عبد الله بن ~~أبي أوفى القرن مائة وعشرون سنة، وقالت طائفة القرن مائة سنة، وهذا هو ~~الأصح الذي يعضده الحديث في قوله عليه السلام «خير الناس قرني» ، وروى محمد ~~بن القاسم في ختنه عبد الله بن بسر، قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يده على رأسي، وقال سيعيش هذا الغلام قرنا قلت: كم القرن؟ قال مائة سنة، ~~قال محمد بن القاسم، فما زلنا نعد له حتى أكمل مائة سنة ومات رحمه الله، ~~والباء في قوله بربك زائدة التقدير وكفى بربك، وهذه الباء إنما تجيء في ~~الأغلب في مدح أو ذم وكأنها تعطي معنى اكتف بربك أي ما أكفاه في هذا، وقد ~~تجيء كفى دون باء كقول الشاعر: [الطويل] كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ~~وكقول الآخر: [الطويل] # ويخبرني عن غائب الأمر هديه ... كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا # قوله عز وجل: PageV03P445 ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 18 الى 22] # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا (20) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ~~(21) لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) # المعنى من كان يريد الدنيا العاجلة ولا يعتقد غيرها ولا يؤمن بآخرة فهو ~~يفرغ أمله ومعتقده للدنيا، فإن الله يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا ~~المريد أو ما يشاء الله على قراءة من قرأ «نشاء» بالنون، وقوله لمن نريد ~~شرط كاف على القراءتين ثم يجعل الله جهنم لجميع مريدي العاجلة على جهة ~~الكفر من أعطاه فيها ما يشاء ومن حرمه، قال أبو إسحاق الفزاري المعنى لمن ~~نريد هلكته، وقرأ الجمهور: «نشاء» بالنون، وقرأ نافع أيضا «يشاء» ms2147 بالياء، و ~~«المدحور» المهان المبعد المذلل المسخوط عليه، وقوله ومن أراد الآخرة ~~الآية، المعنى ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها وإيمان وبها وبالله ~~ورسالاته. # قال القاضي أبو محمد: وذلك كله مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن ~~يسعى لها سعيها وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، ~~فأولئك يشكر الله سعيهم ولا يشكر الله عملا ولا سعيا إلا أثاب عليه وغفر ~~بسببه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي سقى الكلب ~~العاطش فشكر الله له فغفر له، وقوله كلا نمد الآية نصب كلا ب نمد، وأمددت ~~الشيء إذا زدت فيه من غيره نوعه، ومددته إذا زدت فيه من نوعه، وقيل هما ~~بمعنى واحد، يقال مد وأمد. وهؤلاء بدل من قوله كلا فهو في موضع نصب، وقوله ~~من عطاء ربك يحتمل أن يريد من الطاعات لمريدي الآخرة والمعاصي لمريدي ~~العاجلة، وروي هذا التأويل عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ب «العطاء» رزق ~~الدنيا، وهذا هو تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة، أي إن الله تعالى يرزق ~~في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين ومريدي العاجلة من الكافرين ويمدهم بعطائه ~~منها وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، ويتناسب هذا المعنى مع قوله ~~وما كان عطاء ربك محظورا، أي إن رزقه في الدنيا لا يضيق عن مؤمن ولا كافر، ~~وقلما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي التي توبقه، و «المحظور» الممنوع. ~~وقوله انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، آية تدل دلالة ما على أن العطاء في ~~التي قبلها هو الرزق، وفي ذلك يترتب أن ينظر محمد عليه السلام إلى تفضيل ~~الله لبعض على بعض في الرزق، ونحوه من الصور والشرف والجاه والحظوظ وبين أن ~~يكون التفضيل الذي ينظر إليه النبي عليه السلام إن أعطى الله قوما الطاعات ~~المؤدية إلى الجنة وأعطى آخرين الكفر المؤدي إلى النار، وهذا قول الطبري: ~~وهذا إنما هو النظر في تفضيل فريق على فريق، وعلى التأويل الآخر فالنظر في ~~تفضيل شخص على شخص من ms2148 المؤمنين ومن الكافرين كيفما قرنتهما ثم أخبر عز وجل ~~أن التفصيل الأكبر إنما يكون في الآخرة. وقوله أكبر درجات ليس في اللفظ من ~~أي شيء لكنه في المعنى ولا بد، أي أكبر درجات من كل ما يضاف بالوجود أو ~~بالفرض إليها، وكذلك قوله أكبر تفضيلا. PageV03P446 # قال القاضي أبو محمد: وروى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو ~~فيما بين المؤمنين، وأسند الطبري في ذلك حديثا نصه أن بين أعلى الجنة ~~وأسفلها درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها. # قال القاضي أبو محمد: ولكن قد رضي الله الجميع فما يغبط أحد أحدا، ولا ~~يتمنى ذلك بدلا، وقوله لا تجعل الآية، الخطاب لمحمد عليه السلام، والمراد ~~لجميع الخلق قاله الطبري وغيره، والذم هنا لاحق من الله تعالى ومن ذوي ~~العقول في أن يكون الإنسان يجعل عودا أو حجرا أفضل من نفسه، ويخصه بالكرامة ~~وينسب إليه الألوهية ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه، و ~~«الخذلان» في هذا يكون بإسلام الله وأن لا يكفل له بنصر، و «المخذول» الذي ~~لا ينصره من يحب أن ينصره. والخاذل من الظبا التي تترك ولدها، ومن هذه ~~اللفظة قول الراعي: # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... وسعى فلم أر مثله مخذولا # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 23 الى 25] # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) ربكم ~~أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) # قضى في هذه الآية هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول ~~إن المعنى وقضى ربك أمره ألا تعبدوا إلا إياه وليس في هذه الألفاظ الأمر ~~بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام ~~العرب أتم المقضي محكما، والمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود «ووصى ~~ربك» وهي قراءة ms2149 أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون بن ~~مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى ب «قضى» حين ~~اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو ~~حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال إن على ~~قول ابن عباس لنورا، قال الله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك [الشورى: 13] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال ~~لو قلنا هذا الطعن الزنادقة في مصحفنا، والضمير في تعبدوا لجميع الخلق، ~~وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور، وسأل الحسن بن أبي الحسن رجل فقال ~~له: إنه طلق امرأته ثلاثا فقال له الحسن: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال ~~له الرجل قضي ذلك علي، فقال له الحسن وكان فصيحا، ما قضى الله أي ما أمر ~~الله، وقرأ هذه الآية، فقال الناس: تكلم الحسن في القدر. PageV03P447 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون قضى على مشهورها في الكلام، ويكون ~~الضمير في قوله تعبدوا للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة، لكن على التأويل ~~الأول يكون قوله: وبالوالدين إحسانا عطفا على «أن» الأولى أي أمر الله ألا ~~تعبدوا إلا إياه وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، وعلى هذا الاحتمال الذي ~~ذكرناه يكون قوله وبالوالدين إحسانا مقطوعا من الأول كأنه أخبرهم بقضاء ~~الله ثم أمرهم بالإحسان إلى الوالدين، وإما شرطية، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمر وعاصم وابن عامر «يبلغن» ، وروي عن ابن ذكوان «يبلغن» بتخفيف ~~النون، وقرأ حمزة والكسائي «يبلغان» وهي قراءة أبي عبد الرحمن ويحيى وطلحة ~~والأعمش والجحدري، وهي النون الثقيلة دخلت مؤكدة وليست بنون تثنية فعلى ~~القراءتين الأوليين يكون قوله أحدهما فاعلا، وقوله أو كلاهما معطوفا عليه، ~~وعلى هذه القراءة الثانية يكون قوله أحدهما بدلا من الضمير في يبلغان وهو ~~بدل مقسم كقول الشاعر: [الطويل] # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها ms2150 الزمان فشلت # ويجوز أن يكون أحدهما فاعلا وقوله أو كلاهما عطف عليه ويكون ذلك على لغة ~~من قال أكلوني البراغيث، وقد ذكر هذا في هذه الآية بعض النحويين وسيبويه لا ~~يرى لهذه اللغة مدخلا في القرآن، وقرأ أبو عمرو «أف» بكسر الفاء وترك ~~التنوين، وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وقرأ نافع والحسن ~~والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى «أف» بالكسر والتنوين، وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر «أف» بفتح الفاء، وقرأ أبو السمال «أف» بضم الفاء، وقرأ ابن عباس «أف» ~~خفيفة، وهذا كله بناء إلا أن قراءة نافع تعطي التنكير كما تقول آية، وفيها ~~لغات لم يقرأ بها «أف» بالرفع والتنوين على أن هارون حكاها قراءة، «وأفا» ~~بالنصب والتنوين «وأفي» بياء بعد الكسرة حكاها الأخفش الكبير، «وأفا» بألف ~~بعد الفتحة، «وأف» بسكون الفاء المشددة «وأف» مثل رب، ومن العرب من يميل ~~«أفا» ، ومنهم من يزيد فيها هاء السكت فيقول «أفاه» . # قال القاضي أبو محمد: ومعنى اللفظة أنها اسم فعل كأن الذي يريد أن يقول ~~أضجر أو أتقذر أو أكره أو نحو هذا يعبر إيجازا بهذه اللفظة، فتعطي معنى ~~الفعل المذكور، وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالا لجميع ما يمكن أن يقابل ~~به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها، وإنما هي مثال الأعظم منها، ~~والأقل فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور، والانتهار ~~إظهار الغضب في الصوت واللفظ، والقول الكريم الجامع للمحاسن من اللين وجودة ~~المعنى وتضمن البر، وهذا كما تقول ثوب كريم تريد أنه جم المحاسن، و «الأف» ~~وسخ الأظفار، فقالت فرقة إن هذه اللفظة التي في الآية مأخوذة من ذلك وقال ~~مجاهد في قوله وفلا تقل لهما أف معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط ~~والبول الذي رأياه في حال الصغر فلا تستقذرهما. وتقول أف. # قال القاضي أبو محمد: والآية أعم من هذا القول وهو داخل في جملة ما ~~تقتضيه، وقال أبو الهداج النجيبي: قلت لسعيد بن المسيب كل ما في ms2151 القرآن من ~~بر الوالدين قد عرفته إلا قوله وقل لهما قولا كريما ما هذا القول الكريم؟ ~~قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ، وقوله واخفض لهما PageV03P448 # جناح الذل من الرحمة # استعارة أي اقطعهما جانب الذل منك ودمث لهما نفسك وخلقك، وبولغ بذكر الذل ~~هنا ولم يذكر في قوله واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين [الشعراء: 215] ~~وذلك بحسب عظم الحق هنا، وقرأ الجمهور «الذل» بضم الذال، وقرأ سعيد بن جبير ~~وابن عباس وعروة بن الزبير «الذل» بكسر الذال، ورويت عن عاصم بن أبي ~~النجود، و «الذل» في الدواب ضد الصعوبة ومنه الجمل الذلول، والمعنى يتقارب ~~وينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله ~~واستكانته ونظره ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب والحديث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبعده الله وأسحقه» قالوا من يا رسول ~~الله؟ قال: «من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له» . # وقوله من الرحمة، من هنا لبيان الجنس أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة ~~المستكنة في النفس لا بأن يكون ذلك استعمالا، ويصح أن يكون لابتداء الغاية، ~~ثم أمر الله عباده بالترحم على آبائهم وذكر منتهما عليه في التربية ليكون ~~تذكر تلك الحالة مما يزيد الإنسان إشفاقا لهما وحنانا عليهما، وهذا كله في ~~الأبوين المؤمنين، وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا ~~أولي قربى، وذكر عن ابن عباس هنا لفظ النسخ، وليس هذا موضع نسخ، وقوله ربكم ~~أعلم بما في نفوسكم أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما أو من غير ذلك، ~~ويجعلون ظاهر برهما رياء، ثم وعد في آخر الآية بالغفران مع شرط الصلاح ~~والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله، واختلفت عبارة الناس في «الأوابين» ، ~~فقالت فرقة هم المصلحون، وقال ابن عباس: هم المسبحون، وقال أيضا: هم ~~المطيعون المحسنون، وقال ابن المنكدر: # هم الذين يصلون العشاء والمغرب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن الصلاة في ذلك ms2152 الوقت فقال: «تلك صلاة الأوابين» ، وقيل غير هذا من ~~المستغفرين ونحوه، وقال عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى، وحقيقة ~~اللفظة أنه من آب يؤوب إذا رجع، وهؤلاء كلهم لهم رجوع أبدا إلى طاعة الله ~~تعالى، ولكنها لفظة لزم عرفها أهل الصلاح، قال ابن المسيب هو العبد يتوب ثم ~~يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، وفسر الجمهور «الأوابين» بالرجاعين إلى ~~الخير، وقال ابن جبير: أراد بقوله غفورا للأوابين الزلة والفلتة تكون من ~~الرجل إلى أحد أبويه، وهو لم يصر عليها بقلبه ولا علمها الله من نفسه، ~~وقالت فرقة «خفض الجناح» هو ألا يمتنع من شيء يريدانه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 26 الى 30] # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) إن ربك يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) # اختلف المتأولون في «ذي القربى» ، فقال الجمهور: الآية وصية للناس كلهم ~~بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة، وألحق ~~في هذه الآية ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة PageV03P449 # والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه، قال بنحو هذا الحسن ~~وعكرمة وابن عباس وغيرهم، وقال علي بن الحسين في هذه: هم قرابة النبي عليه ~~السلام، أمر النبي عليه السلام بإعطائهم حقوقهم من بيت المال. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، ويعضده العطف ب المسكين وابن ~~السبيل. وابن السبيل هنا يعم الغني والفقير إذ لكل واحد منهما حق وإن ~~اختلفا، «وابن السبيل» في آية الصدقة أخص، و «التبذير» إنفاق المال في فساد ~~أو في سرف في مباح، وهو من البذر، ويحتمل قوله تعالى: المبذرين أن يكون اسم ~~جنس، ويحتمل أن يعني أهل مكة معينين، وذكره النقاش، وقوله تعالى: إخوان ~~يعني أنهم في حكمهم، ms2153 إذ المبذر ساع في فساد والشيطان أبدا ساع في فساد، ~~وإخوان جمع أخ من غير النسب، وقد يشذ، ومنه قوله تعالى في سورة النور أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن [النور: 31] والإخوة جمع أخ في النسب وقد يشذ، ومنه ~~قوله تبارك وتعالى: إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] وقرأ الحسن والضحاك ~~«إخوان الشيطان» على الإفراد، وكذلك في مصحف أنس بن مالك، ثم ذكر تعالى كفر ~~الشيطان ليقع التحذير من التشبه به في الإفساد مستوعبا بينا، وقوله تعالى: ~~وإما تعرضن، الضمير في عنهم عائد على من تقدم ذكره من المساكين وبني ~~السبيل، فأمر الله تعالى نبيه في هذه الآية إذا سأله منهم أحد، فلم يجد ~~عنده ما يعطيه فقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعراض تأدبا منه في ~~أن لا يرده تصريحا، وانتظار الرزق من الله تعالى يأتي فيعطي منه، أن يكون ~~يؤنسه بالقول الميسور، وهو الذي فيه الترجية بفضل الله تعالى والتأنيس ~~بالميعاد الحسن والدعاء في توسعة الله تبارك وتعالى وعطائه، وروي أنه عليه ~~السلام كان يقول بعد نزول هذه الآية، إذا لم يكن عنده ما يعطي: يرزقنا الله ~~وإياكم من فضله، ف «الرحمة» على هذا التأويل الرزق المنتظر، وهذا قول ابن ~~عباس ومجاهد وعكرمة، وقال ابن زيد «الرحمة» الأجر والثواب، وإنما نزلت ~~الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم ~~لأنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم منهم نفقة المال في فساد، فكان يعرض ~~عنهم رغبة الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم، فأمره الله تعالى بأن ~~يقول لهم قولا ميسورا يتضمن الدعاء في الفتح لهم والإصلاح. # قال القاضي أبو محمد: وقال بعض أهل التأويل الأول، نزلت الآية في عمار بن ~~ياسر وصنفه، و «الميسور» مفعول من لفظة اليسر، تقول يسرت لك كذا إذا ~~أعددته، وقوله ولا تجعل يدك الآية، روي عن قالون «كل البصط» بالصاد، ورواه ~~الأعشى عن أبي بكر، واستعير لليد المقبوضة جملة عن الإنفاق المتصفة بالبخل ~~«الغل إلى العنق» ، واستعير لليد التي تستنفد ms2154 جميع ما عندها غاية البسط ضد ~~الغل، وكل هذا في إنفاق الخير، وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام، وهذه ~~الآية ينظر إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل البخيل والمتصدق» ، ~~والحديث بكامله، والعلامة هنا لاحقة ممن يطلب من المستحقين فلا يجد ما ~~يعطي، و «المسحور» المنفه الذي قد استنفدت قوته تقول حسرت البعير إذا ~~أتعبته حتى لم تبق له قوة فهو حسير، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # لهد الوجى لم كن عونا على السرى ... ولا زال منها ظالع وحسير PageV03P450 # ومنه البصر الحسير وهو الكال، وقال ابن جريج وغيره في معنى هذه الآية، لا ~~تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهيتك ~~عنه، وقال قتادة: «التبذير» النفقة في معصية الله، وقال مجاهد: لو أنفق ~~إنسان ماله كله في حق لم يكن تبذيرا، ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا فيه نظر، ولا بعض البسط لم يبح فيما نهي عنه. ~~ولا يقال في المعصية ولا تبذر، وإنما يقال ولا تنفق ولو باقتصاد وقوام، ~~ولله در ابن عباس وابن مسعود فإنهما قالا: التبذير الإنفاق وفي غير حق، ~~فهذه عبارة تعم المعصية والسرف في المباح، وإنما نهت هذه الآية عن استفراغ ~~الوجد فيما يطرأ أولا من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء ~~له أو لئلا يضيع المنفق عيالا ونحوه، ومن كلام الحكمة: ما رأيت قط سرفا إلا ~~ومعه حق مضيع، وهذه من آيات فقه الحال، ولا يبين حكمها إلا باعتبار شخص من ~~الناس، وقوله إن ربك يبسط الآية، والمعنى كن أنت يا محمد على ما رسم لك من ~~الاقتصاد وإنفاق القوام ولا يهمنك فقر من تراه كذلك فإنه بمرأى من الله ~~ومسمع وبمشيئة، ويقدر معناه ويضيف، وقوله تعالى: إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا أي يعلم مصلحة قوم في الفقر ومصلحة آخرين في الغنى، وقال بعض ~~المفسرين وحكاه الطبري: إن الآية إشارة إلى حال العرب التي كانت يصلحها ~~الفقر، وكانت ms2155 إذا شبعت طغت وقتلت غيرها وأغارت، وإذا كان الجوع والقحط ~~شغلهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 31 الى 33] # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ~~(31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف ~~في القتل إنه كان منصورا (33) # قرأ الأعمش وابن وثاب «ولا تقتلوا» بتضعيف الفعل، وهذه الآية نهي عن ~~الوأد الذي كانت العرب تفعله، وهو قوله تعالى: وإذا الموؤدة سئلت [التكوير: ~~8] ، ويقال كان جهلهم يبلغ أن يغذو أحدهم كلبه ويقتل ولده، وخشية نصب على ~~المفعول من أجله، و «الإملاق» الفقر وعدم الملك، أملق الرجل لم يبق له إلا ~~الملقات وهي الحجارة العظام الملس السود، وقرأ الجمهور «خطئا» بكسر الخاء ~~وسكون الطاء وبالهمز والقصر، وقرأ ابن عامر «خطئا» بفتح الخاء والطاء ~~والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر، وهاتان قراءتان مأخوذتان من خطىء إذا ~~أتى الذنب على عمد، فهي كحذر وحذر ومثل ومثل وشبه وشبه اسم ومصدر، ومنه قول ~~الشاعر: [البسيط] # الخطء فاحشة والبر نافلة ... كعجوة غرست في الأرض تؤتبر # قال الزجاج يقال خطىء الرجل يخطأ خطأ مثل أثم إثما فهذا هو المصدر وخطأ ~~اسم منه، وقال بعض العلماء خطىء معناه واقع الذنب عامدا، ومنه قوله تعالى: ~~لا يأكله إلا الخاطؤن [الحاقة: 37] ، وأخطأ واقع الذنب عن غير تعمد، ومنه ~~قوله تعالى: إن نسينا أو أخطأنا [البقرة: 286] ، وقال أبو علي PageV03P451 # الفارسي: وقد يقع هذا موضع هذا، وهذا موضع هذا، فأخطأ بمعنى تعمد في قول ~~الشاعر: [الوافر] # عبادك يخطئون وأنت رب ... كريم لا يليق بك الذموم # وخطىء بمعنى لم يتعمد في قول الآخر: [الكامل] # والناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد # وقد روي عن ابن عامر «خطأ» بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة، وقرأ ابن كثير ~~«خطاء» بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، وهي قراءة الأعرج بخلاف، وطلحة ~~وشبل والأعمش وعيسى وخالد بن إياس وقتادة والحسن ms2156 بخلاف عنه، قال النحاس ولا ~~أعرف لهذه القراءة وجها، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطا. قال أبو علي الفارسي: ~~هي مصدر من خاطأ يخاطىء وإن كنا لم نجد خاطأ ولا كنا وجدنا تخاطأ وهو مطاوع ~~خاطأ، فدلنا عليه، فمنه قول الشاعر: [المتقارب] # تخاطأت النبل احشاءه ... وخر يومي فلم أعجل # وقول الآخر في صفة كماة: [الطويل] # تخاطأه القناص حتى وجدته ... وخرطومه في منقع الماء راسب # فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق والعدل، وقرأ الحسن فيما ~~روي عنه «خطاء» بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة قال أبو حاتم: لا يعرف ~~هذا في اللغة، وهو غلط غير جائز وليس كما قال أبو حاتم، قال أبو الفتح: ~~الخطاء من اخطأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم بمعنى المصدر، وقرأ الحسن ~~بخلاف «خطا» بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز، وقرأ أبو رجاء والزهري ~~«خطا» بكسر الخاء وفتح الطاء كالتي قبلها، وهاتان مخففتان من خطأ وخطاء، ~~وقوله ولا تقربوا الزنى تحريم. والزنى يمد ويقصر فمن قصره الآية، وهي لغة ~~جميع كتاب الله، ومن مده قول الفرزدق: [الطويل] # أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # ويروى أبا خالد، و «الفاحشة» ما يستتر به من المعاصي لقبحه، وسبيلا نصب ~~على التمييز، التقدير وساء سبيله سبيلا، أي لأنه يؤدي إلى النار، وقوله ولا ~~تقتلوا وما قبله من الأفعال جزم بالنهي، وذهب الطبري إلى أنها عطف على قوله ~~وقضى ربك ألا تعبدوا [الإسراء: 23] والأول أصوب وأبرع للمعنى، والألف ~~واللام التي في النفس هي للجنس، و «الحق» الذي تقتل به النفس هو ما فسره ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: لا يحل دم المسلم إلا إحدى ثلاث خصال، ~~كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى. # قال القاضي أبو محمد: وتتصل بهذه الأشياء هي راجعة إليها، فمنها قطع ~~الطريق، لأنه في معنى قتل النفس وهي الحرابة، ومن ذلك الزندقة، ومسألة ترك ~~الصلاة لأنها في معنى الكفر بعد الإيمان، ومنه قتل أبي بكر ms2157 رضي الله عنه ~~منعة الزكاة، وقتل من امتنع في المدن من فروض الكفاية، وقوله تعالى: PageV03P452 # مظلوما نصب على الحال، ومعناه بغير هذه الوجوه المذكورة، و «الولي» ~~القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت أو جمعه وأباه أب، ولا مدخل ~~للنساء في ولاية الدم عند جماعة من العلماء، ولهن ذلك عند أخرى، و ~~«السلطان» الحجة والملك الذي جعل إليه من التخير في قبول الدية أو العفو، ~~قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة: «السلطان» القود، وقرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وعاصم «فلا يسرف» بالياء، وهي قراءة الجمهور، أي الولي لا يتعدى ~~أمر الله، والتعدي هو أن يقتل غير قاتل وليه من سائر القبيل، أو يقتل اثنين ~~بواحد، وغير وذلك من وجوه التعدي، وهذا كله كانت العرب تفعله، فلذلك وقع ~~التحذير منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أعتى الناس على ~~الله ثلاثة، رجل قتل غير قاتل وليه، أو قتل بذحل الجاهلية، أو قتل في حرم ~~الله» ، وقالت فرقة: المراد بقوله فلا يسرف القاتل الذي يتضمنه الكلام، ~~والمعنى فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفسا فإنه يحصل في ثقاف هذا ~~الحكم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «فلا تسرف في القتل» بالتاء من فوق، ~~وهو قراءة حذيفة ويحيى بن وثاب ومجاهد بخلاف والأعمش وجماعة، قال الطبري: ~~على معنى الخطاب للنبي عليه السلام والأئمة بعده، أي فلا تقتلوا غير ~~القاتل. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يراد به الولي أي فلا تسرف أيها الولي في ~~قتل أحد يتحصل في هذا الحكم، وقرأ أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية، ~~«فلا يسرف» بالياء بضم الفاء على معنى الخبر لا على معنى النهي، والمراد ~~هذا التأويل فقط. # قال القاضي أبو محمد: وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة ~~أبي بن كعب: «فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصورا» ، والضمير في ~~قوله إنه عائد على الولي، وقيل على المقتول، وهو عندي أرجح الأقوال، لأنه ~~المظلوم، ولفظة النصر تقارن ms2158 أبدا الظلم كقوله عليه السلام: # «ونصر المظلوم وإبرار القسم» ، وكقوله «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ، إلى ~~كثير من الأمثلة: وقيل على القتل، وقال أبو عبيد على القاتل لأنه إذا قتل ~~في الدنيا وخلص بذلك من عذاب الآخرة فقد نصر، وهذا ضعيف بعيد المقصد، وقال ~~الضحاك هذه أول ما نزل من القرآن في شأن القتل وهي مكية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 34 الى 36] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤلا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك ~~خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسؤلا (36) # الخطاب في هذه الآية للأوصياء الذين هم معدون لقرب مال اليتامى، ثم لمن ~~تلبس بشيء من أمر يتيم من غير وصي، واليتيم الفرد من الأبناء، واليتم ~~الانفراد، يقال يتم الصبي يتيم إذا فقد أباه، قال ابن السكيت: اليتم في ~~البشر من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، وفي كتاب الماوردي، أن اليتم ~~في PageV03P453 # البشر من قبل الأم أيضا، وجمعه أيتام كشريف وأشراف وشهيد وأشهاد، ويجمع ~~يتامى كأسير وأسارى كأنهما الأمور المكروهة التي تدخل على المرء غلبة، قال ~~ابن سيده: وحكى ابن الأعرابي يتمان في يتيم، وأنشد في ذلك: [الطويل] # فبت أشوي ظبيتي وحليلتي ... طربا وجرو الذيب يتمان جائع # ويجوز أن يكون يتامى جمع يتمان، وفي الحديث «لا يتم بعد حلم» ، وقوله إلا ~~بالتي هي أحسن يريد إلا بأحسن الحالات. # قال القاضي أبو محمد: وذلك في الوصي الغني، أن يثمر المال ويحوطه ولا يمس ~~منه شيئا على جهة الانتفاع به، هذا هو الورع والأولى الا أن يكون يشتغل في ~~مال اليتيم ويشح فله بالفقه أن تفرض له أجرة، وأما الوصي الفقير الذي يشغله ~~مال اليتيم عن معاشه، فاختلف الناس في أكله منه بالمعروف كيف هو؟ فقال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه: يتسلف منه، فإذا أيسر رد فيه، وقال ابن المسيب، ms2159 لا ~~يشرب الماء من مال اليتيم، قيل له فما معنى فليأكل بالمعروف [النساء: 6] ؟ ~~قال: إنما ذلك لخدمته وغسل ثوبه، وقال مجاهد: لا يقرب إلا التجارة ولا ~~يستقرض منه، قال: وقوله فليأكل بالمعروف [ذاته] معناه من مال نفسه، وقال ~~أبو يوسف: لعل قوله فليأكل بالمعروف [ذاته] منسوخ بقوله لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل [البقرة: 188] [النساء: 29] وقال ابن عباس: يأكل منه الشربة ~~من اللبن والطرفة من الفاكهة ونحو هذا مما يخدمه، ويلط الحوض ويجد النخل، ~~وينشد الضالة فليأكل غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وقال زيد بن أسلم: ~~يأكل منه بأطراف أصابعه بلغة من العيش بتعبه. # قال القاضي أبو محمد: وهذه استعارة للتقلل، وقال مالك رحمه الله وغيره: ~~يأخذ منه أجرة بقدر تعبه، فهذه كلها تدخل فيما هو أحسن، وكمال تفسير هذه ~~المعاني في سورة النساء بحسب ألفاظ تلك الآيات، وفي الخبر عن قتادة أن هذه ~~الآية لما نزلت شقت على المسلمين وتجنبوا الأكل معهم في صحفة ونحوه، فنزلت ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة: 220] وقوله ~~حتى يبلغ أشده غاية الإمساك عن مال اليتيم، ثم ما بعد الغاية قد بينته آية ~~أخرى، وما بعد هذه الغايات أبدا موقوف حتى يقوم فيه دليل شرعي أو يقتضي ذلك ~~الاتفاق في النازلة، ومثل هذا قول عائشة رضي الله عنها أنا فتلت قلائد هدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، وبعث بها، فلم يحرم علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي، و «الأشد» جمع شد عند ~~سيبويه، وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه، ومعناها قواه في العقل ~~والتجربة والنظر لنفسه، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ، ف «الأشد» في مذهب ~~مالك أمران، البلوغ بالاحتلام أو ما يقوم مقامه حسب الخلاف في ذلك، والرشد ~~في المال، واختلف هل من شروط ذلك الرشد في الدين على قولين، فابن القاسم لا ~~يراعيه إذا كان ضابطا لماله، وراعاه غيره من بعض أصحاب مالك، ومذهب أبي ~~حنيفة ms2160 أن الأشد هو البلوغ فقط فلا حجر عنده على بالغ إلا أن يعرف منه ~~السفه. # قال القاضي أبو محمد: ولست من هذا التقييد في قوله على ثقة، وقال أبو ~~إسحاق الزجاج «الأشد» PageV03P454 # في قوله أن تأتي على الصبي ثمان عشرة سنة، وإنما أراد أنها بعض ما قيل في ~~حد البلوغ لمن لا يحتلم، وأما أن يكون بالغ رشيد تقي لا يدفع إليه ماله حتى ~~يبلغ هذه المدة فشيء لا أحفظ من يقوله، وقوله بالعهد لفظ عام لكل عهد وعقد ~~بين الإنسان وبين ربه أو بينه وبين المخلوقين في طاعة، وقوله إن العهد كان ~~مسؤلا أي مطلوبا ممن عهد إليه أو عوهد هل وفى به أم لا؟ # وقوله تعالى: وأوفوا الكيل الآية، أمر الله تعالى في هذه الآية أهل التجر ~~والكيل والوزن أن يعطوا الحق في كيلهم ووزنهم، وروي عن ابن عباس أنه كان ~~يقف في السوق ويقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس ~~قبلكم، هذا المكيال وهذا الميزان. # قال القاضي أبو محمد: وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع، لأن المشتري ~~لا يقال له أوف الكيل، هذا ظاهر اللفظ والسابق منه، و «القسطاس» قال الحسن ~~هو القبان، ويقال القفان وهو القلسطون، ويقال القرسطون، وقيل: «القسطاس» ~~الميزان صغيرا كان أو كبيرا، وقال مجاهد «القسطاس» العدل، وكان يقول هي لغة ~~رومية، فكأن الناس قيل لهم زنوا بمعدلة في وزنكم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر «القسطاس» بضم القاف، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم «القسطاس» بكسر القاف، وهما لغتان، واللفظة منه ~~للمبالغة من القسط، والمراد بها في الآية جنس الموازين المعدلة على أي صفة ~~كانت، قال أبو حاتم إنما قرأ بكسر القاف أهل الكوفة، وكل قراءة لا تجاوز ~~الكوفة إلى الحرمين والبصرة فاقرأ بغيرها، وقرأت فرقة «القصطاس» بالصاد. # قال القاضي أبو محمد: وكان مذهب مجاهد في هذا وفي ميزان القيامة، وكل ذلك ~~أنها استعارات للعدل، وقوله: في ميزان القيامة مردود، وعقيدة أهل ms2161 السنة أنه ~~ميزان له عمود وكفتان. # وسمعت أبي رضي الله عنه يقول رأيت الواعظ أبا الفضل الجوهري في جامع عمرو ~~بن العاص يعظ الناس في الوزن فقال في جملة كلامه إن هيئة اليد بالميزان عظة ~~وذلك أن الأصابع تجيء منها صورة المكتوبة ألف ولا مان وهاء فكأن الميزان ~~يقول الله الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ جميل، و «التأويل» في هذه الآية المآل. ~~قاله قتادة، ويحتمل أن يكون «التأويل» مصدر تأول أي يتأول عليكم الخير في ~~جميع أموركم إذا أحسنتم في الكيل والوزن، والفرض من أمر الكيل والوزن تحري ~~الحق، فإن غلب الإنسان تعد تحريه شيء يسير من تطفيف شاذا لم يقصده بذلك نزر ~~موضوع عنه إثمه، وذلك ما لا يكون الانفكاك عنه في وسع، وقوله ولا تقف معناه ~~ولا تقل ولا تتبع. # قال القاضي أبو محمد: لكنها لفظة تستعمل في القذف والعضه، ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «نحن بنو النضر لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا» ، ~~ونقول فلان قفوتي أي موضع تهمتي، وتقول العرب رب سامع عذرتي ولم يسمع قفوتي ~~أي ما رميت به، وهذا مثل للذي يفشي سره ويعتذر من ذنب لم يسمعه المعتذر ~~إليه، وقد قال ابن عباس أيضا ومجاهد: ولا تقف معناه، ولا ترم، ومن هذه ~~اللفظة قول الشاعر: PageV03P455 # ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا # وقال الكميت: [الوافر] # ولا أرم البرى بغير ذنب ... ولا أقفو الحواضن إن قفينا # وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول قفوت الأثر، ويشبه أن هذا من القفا ~~مأخوذ، ومنه قافية الشعر لأنها تقفو البيت، وتقول قفت الأثر، ومن هذا: هو ~~القائف، وتقول فقوت الأثر بتقديم الفاء على القاف، ويشبه أن يكون هذا من ~~تلعب العرب في بعض الألفاظ، كما قالوا وعمري في لعمري وحكى الطبري عن فرقة ~~أنها قالت قفا وقاف مثل عثا وعاث، فمعنى الآية، ولا تتبع لسانك من القول ما ~~لا علم لك به، وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا ms2162 وقاف مثل جبذ وجذب فهذه الآية ~~بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة الردية، ~~وقرأ الجمهور «ولا تقف» ، وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي «ولا تقف» بضم ~~القاف وسكون الفاء، وقرأ الجراح «والفآد» بفتح الفاء وهي لغة، وأنكرها أبو ~~حاتم وغيره، وعبر عن السمع والبصر والفؤاد ب أولئك لأنها حواس لها إدراك، ~~وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها ب أولئك، ~~وقد قال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى: رأيتهم لي ساجدين [يوسف: 4] إنه ~~إنما قال رأيتهم في نجوم لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل، عبر ~~عنها بكناية من يعقل، وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل ب ~~«أولئك» ، وأنشد هو والطبري: [الكامل] # ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام # فأما حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده، وأما البيت فالرواية فيه ~~الأقوام، والضمير في عنه يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى أن ~~الله تعالى يسأل سمع الإنسان، وبصره، وفؤاده عما قال مما لا علم له به، ~~فيقع تكذيبه من جوارحه وتلك غاية الخزي، ويحتمل أن يعود الضمير في عنه على ~~كل التي هي للسمع والبصر والفؤاد، والمعنى أن الله تعالى يسأل الإنسان عما ~~حواه سمعه وبصر وفؤاده، فكأنه قال كل هذه كان الإنسان عنه مسؤولا، أي عما ~~حصل لهؤلاء من الإدراكات ووقع منها من الخطأ، فالتقدير عن أعمالها مسؤولا، ~~فهو على حذف مضاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 37 الى 40] # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ~~ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (40) # قرأ الجمهور «مرحا» بفتح الراء مصدر من مرح يمرح إذا تسبب مسرورا بدنياه ~~مقبلا على راحته، ms2163 PageV03P456 # فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا ~~الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال ~~فتنالها طولا، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فقصرك نفسك على ما يوجبه ~~الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه ~~الآية والمراد الناس كلهم. # قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزها دون حاجة إلى ~~ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من ~~يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة ~~علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب ~~«مرحا» بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه ~~القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه ~~القراءة أليق، وهو أن قوله لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا أراد به أنك ~~أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، ~~وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، ~~لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض ~~لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحا، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس ~~بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحا فيترتب في «المرح» بكسر الراء أن يؤخذ ~~بمعنى المتكبر المختال، وخرق الأرض قطعها، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول ~~الشاعر: # [المتقارب] # وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء خرق تشكى الكلالا # ويقال لثقب الأرض، وليس هذا المعنى في الآية، ومنه قول رؤبة بن العجاج: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقرأ الجراح الأعرابي «تخرق» بضم الراء، وقال ~~أبو حاتم: لا تعرف هذه اللغة، وقوله تعالى: كل ذلك كان سيئه الآية، قرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو، وأبو جعفر والأعرج «سيئة» ، وقرأ عاصم وابن عامر ~~وحمزة والكسائي والحسن ومسروق ms2164 «سيئه» على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة ~~على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس ~~والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه ~~الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، ~~فأما من قرأ «سيئه» بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين: وسيىء اسم كان ~~ومكروها خبرها، وأما من قرأ «سيئة» فهي الخبر ل كان، واختلف الناس في إعراب ~~قوله مكروها، فقالت فرقة هو خبر ثان ل كان حمله على لفظ كل، و «سيئة» محمول ~~على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل، وقال بعضهم هو نعت ل سيئه ~~لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. # قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو علي الفارسي هذا، وقال إن المؤنث إذا ذكر ~~فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند ~~إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر: ~~[المتقارب] PageV03P457 # فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها # مستقبح عندهم، ولو قال قائل، أبقل أرض لم يكن قبيحا، قال أبو علي ولكن ~~يجوز في قوله مكروها أن يكون بدلا من سيئه، قال ويجوز أن يكون حالا من ~~الذكر الذي في قوله عند ربك ويكون قوله عند ربك في موضع الصفة ل سيئه، وقرأ ~~عبد الله بن مسعود «كان سيئاته» ، وروي عنه «كان سيئات» بغير هاء، وروي عنه ~~«كان خبيثة» ، وذهب الطبري إلى أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولا: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] وليس ذلك بالبين، قوله ذلك ~~مما أوحى إليك ربك الآية. # الإشارة ب ذلك إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة أي هذه ~~من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن ~~الأخلاق، والحكمة قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة، ثم عطف قوله ~~ولا تجعل على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي عليه السلام، ms2165 والمراد كل ~~من سمع الآية من البشر، و «المدحور» ، المهان المبعد، وقوله أفأصفاكم ~~الآية، خطاب للعرب التي كانت تقول الملائكة بنات الله، فقررهم الله على هذه ~~الحجة، أي أنتم أيها البشر لكم الأعلى من النسل ولله الإناث؟ فلما ظهر هذا ~~التباعد الذي في قولهم عظم الله عليهم فساد ما يقولونه وشنعته، ومعناه ~~عظيما في المنكر والوخامة، و «أصفاكم» معناه جعلكم أصحاب الصفوة، وحكى ~~الطبري عن قتادة عن بعض أهل العلم أنه قال: نزلت هذه الآية في اليهود لأنهم ~~قالوا هذه المقالة من أن الملائكة بنات الله. # قال القاضي أبو محمد: والأول هو الذي عليه جمهور المفسرين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 41 الى 44] # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو كان ~~معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) # قرأ الجمهور «صرفنا» بتشديد الراء على معنى صرفنا فيه الحكم والمواعظ، ~~وقرأ الحسن «صرفنا» بتخفيف الراء على معنى صرفنا فيه الناس إلى الهدى ~~بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله في زائد، والتقدير ولقد ~~صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور «ليذكروا» وقرأ حمزة والكسائي ~~«ليذكروا» بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحة ويحيى والأعمش، وما في ~~ضمن الآية من ترج وطماعية فهو في حق البشر وبحسب ظنهم فيمن يفعل الله معه ~~هذا، و «النفور» عبارة عن شدة الإعراض تشبيها بنفور الدابة، وهو في هذه ~~الآية مصدر لا غير، وروي أن في الإنجيل في معنى هذه الآية: # يا بني إسرائيل شوقناكم فلم تشتاقوا ونحنا لكم فلم تبكوا. وقوله تعالى: ~~قل لو كان معه آلهة الآية إحبار بالحجة، واختلف الناس في معنى قوله لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا فحكى الطبري وغيره من المفسرين أن معناه لطلب هؤلاء ~~الآلهة الزلفى إلى ذي العرش والقربة ms2166 إليه بطاعته، فيكون السبيل على هذا ~~التأويل بمعناها في قوله فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا [المزمل: 19] ، وقال ~~سعيد بن جبير وأبو علي PageV03P458 # الفارسي والنقاش وقاله المتكلمون أبو منصور وغيره، إن معنى الكلام، ~~لابتغوا إليه سبيلا في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته، وعلى هذا التأويل ~~تكون الآية بيانا للتمانع، وجارية مع قوله لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا [الأنبياء: 22] . # قال القاضي أبو محمد: ونقتضب شيئا من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع ~~الله تبارك وتعالى غيره، وذلك على ما قال أبو المعالي وغيره: إنا لو فرضناه ~~لفرضنا أن يريد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه، ومستحيل أن تنفذ ~~الإرادتان، ومستحيل أن لا تنفذ جميعا، فيكون الجسم لا متحركا ولا ساكنا، ~~فإن صحت إرادة أحدهما دون الآخر فالذي لم تتم إرادته ليس بإله، فإن قيل ~~نفرضهما لا يختلفان، قلنا اختلافهما جائز غير ممتنع عقلا، والجائز في حكم ~~الواقع، ودليل آخر، إنه لو كان الاثنان لم يمتنع أن يكونوا ثلاثة، وكذلك ~~إلى ما لا نهاية، ودليل آخر أن الجزء الذي لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق ~~به إلا قدرة واحدة، لا يصح فيها اشتراك، والآخر كذلك دأبا، فكل جزء إنما ~~يخترعه واحد، وهذه نبذة شرحها بحسب التقصي يطول، وقرأ ابن كثير وحفص عن ~~عاصم «كما يقولون» بالياء من تحت، وقرأ الجمهور «كما تقولون» ، وسبحانه ~~مصدر بفعل متروك إظهاره، فهو بمعنى التنزيه، موضعه هنا موضع تنزه، فلذلك ~~عطف الفعل عليه في قوله وتعالى، والتعالي تفاعل أما في الشاهد والأجرام فهو ~~من اثنين، لأن الإنسان إذا صعد في منزله أو في جبل فكأن ذلك يعاليه، وهو ~~يعالي ويرتقي، وأما في ذكر الله تعالى فالتعالي هو بالقدر لا بالإضافة إلى ~~شيء آخر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو «عما يقولون» بالياء، وقرأ ~~حمزة والكسائي «تقولون» بالتاء من فوق. وعلوا، مصدر على غير الفعل، فهو ~~كقوله والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17] وهذا كثير، وقوله تعالى: تسبح ~~له السماوات الآية، المعنى ينزهه عن ms2167 هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي ~~أنتم بسبيله، السماوات السبع والأرض، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من ~~يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله من فيهن يريد الملائكة ~~والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت ~~فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو ~~رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى: # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن [ص: 18] وقالت فرقة من شيء لفظ عموم، ومعناه ~~الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة، فمن هذا قول عكرمة: ~~الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، ~~وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال قد كان يسبح مرة، يريد ~~أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خوانا مدهونا أو نحوه ~~صارت جمادا، وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح ~~تسبيحا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه ~~أثر الصنعة لكان أمرا مفقوها، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. # قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله لا تفقهون ~~الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في ~~الأشياء وقال الحسن: بلغني أن معنى هذه PageV03P459 # الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له ~~الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن ~~عامر: «يسبح له» بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي ~~«تسبح» بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش ~~«سبحت له السماوات» ، وقوله إنه كان حليما غفورا فيه تنبيه على إملائه لهم ~~وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون ms2168 قولا ~~ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، إنه كان حليما غفورا فلذلك أمهلكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 45 الى 47] # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~(45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) # هذه الآية تحتمل معنيين: أحدهما أن الله تعالى أخبر نبيه أنه يحميه من ~~الكفرة أهل مكة الذي كانوا يؤذونه في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد ~~ويريدون مد اليد إليه، وأحوالهم في هذا المعنى مشهورة مروية، والمعنى الآخر ~~أنه أعلمه أنه يجعل بين الكفرة وبين فهم ما يقرأه محمد عليه السلام حجابا، ~~فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها، وعلى التأويل الأول هما آيتان ~~لمعنيين، وقوله مستورا أظهر ما فيه أن يكون نعتا للحجاب، أي مستورا عن أعين ~~الخلق لا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب، وإنما هو من قدرة الله وكفايته ~~وإضلاله بحسب التأويلين المذكورين، وقيل التقدير مستورا به على حذف العائد ~~وقال الأخفش مستورا بمعنى ساتر كمشؤوم وميمون فإنهما بمعنى شائم ويأمن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لغير داعية إليه، تكلف، وليس مثاله بمسلم، ~~وقيل هو على جهة المبالغة كما قالوا شعر شاعر، وهذا معترض بأن المبالغة ~~أبدا إنما تكون باسم الفاعل ومن اللفظ الأول، فلو قال حجابا حاجبا لكان ~~التنظير صحيحا، وقوله وجعلنا على قلوبهم أكنة الآية، الأكنة جمع كنان، وهو ~~ما غطى الشيء، ومنه كنانة النبل، و «الوقر» الثقل في الأذن المانع من ~~السمع، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفهم الله به، فعبر عن كثرة ذلك ~~وعظمه بأنهم بمثابة من غطى قلبه وصمت أذنه، وقوله وإذا ذكرت الآية، يريد ~~إذا جاءت مواضع التوحيد في القرآن أثناء قراءتك فر كفار مكة من سماع ذلك ~~إنكارا له واستبشاعا، إذ فيه رفض آلهتهم واطراحها، وقال بعض العلماء: ms2169 إن ~~ملأ قريش دخلوا على أبي طالب يزورونه فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقرأ ومر بالتوحيد، ثم قال «يا معشر قريش قولوا لا إله إلا الله ~~تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم» ، فولوا ونفروا، فنزلت الآية، وأن تكون ~~الآية وصف حال الفارين عنه في وقت توحيده في قراءته أبين وأجرى مع اللفظ، ~~وقوله نفورا يصح أن يكون مصدرا في موضع الحال، ويصح أن يكون جمع نافر كشاهد ~~وشهود، لأن فعولا من أبنية فاعل في PageV03P460 # الصفات، ونصبه على الحال، أي نافرين، وقوله أن يفقهوه أن نصب على المفعول ~~أي «كراهة أن» ، أو «منع أن» ، والضمير في يفقهوه عائد على القرآن، وحكى ~~الطبري عن فرقة أنها قالت: # إنما عنى بقوله: ولوا على أدبارهم نفورا الشياطين وأنهم يفرون من قراءة ~~القرآن، يريد أن المعنى يدل عليهم وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ، وهذا نظير ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له خصاص» . ~~وقوله نحن أعلم بما يستمعون به الآية، هذا كما تقول فلان يستمع بحرص ~~وإقبال، أو بإعراض وتغافل واستخفاف، فالضمير في به عائد على «ما» ، وهي ~~بمعنى الذي، والمراد بالذي ما ذكرناه من الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال: ~~نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي يستمعون به، أي هو ملازمهم، ففضح الله ~~بهذه الآية سرهم، والعامل في إذ الأولى وفي المعطوفة عليها يستمعون الأول، ~~وقوله وإذ هم نجوى وصفهم بالمصدر، كما قالوا: قوم رضى وعدل، وقيل المراد ~~بقوله: وإذ هم نجوى اجتماعهم في دار الندوة ثم انتشرت عنهم، وقوله مسحورا ~~الظاهر فيه أن يكون من السحر، فشبهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله ~~الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبل السحر عقله وأفسد كلامه، ~~وتكون الآية على هذا شبيهة بقول بعضهم به جنة [المؤمنون: 25] ونحو هذا، ~~وقال أبو عبيدة: مسحورا معناه ذا سحر، وهي الرية يقال لها سحر وسحر بضم ~~السين، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين ms2170 سحري ونحري. # ومنه قولهم للجبان: انتفخ سحره، لأن الفازع تنتفخ ريته، فكأن مقصد الكفار ~~بهذا التنبيه على أنه بشر أي ذا رية، قال: ومن هذا يقال لكل من يأكل ويشرب ~~من آدمي وغيره: مسحور ومسحر، ومنه قول امرئ القيس: [الوافر] ونسحر بالطعام ~~وبالشراب وقول لبيد: [الطويل] # فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر # ومنه السحور، وهو إلى هذه اللفظة أقرب منه إلى السحر، ويشبه أن يكون من ~~السحر، كالصبوح من الصباح، والآية التي بعد هذا تقوي أن اللفظة التي في ~~الآية من السحر، بكسر السين، لأن حينئذ في قولهم ضرب مثل له وأما على أنها ~~من السحر الذي هو الرية ومن التغذي وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر فلم يضرب ~~له في ذلك مثل بل هي صفة حقيقة له. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 48 الى 51] # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا ~~(50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) # ضرب المثل له هو قولهم مسحور، ساحر، مجنون، متكهن، لأنه لم يكن عندهم ~~متيقنا بأحد هذه، PageV03P461 # فإنما كانت منهم على جهة التشبيه، ثم رأى الوليد بن المغيرة أن أقرب هذه ~~الأمور على تخيل الطارين عليهم هو أنه ساحر، ثم حكم الله عليهم بالضلال، ~~وقوله فلا يستطيعون سبيلا يحتمل معنيين: أحدهما لا يستطيعون سبيلا إلى ~~الهدى والنظر المؤدي إلى الإيمان، فتجري الآية مجرى قوله وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة [الإسراء: 46] [الأنعام: 25] ونحو هذا، والآخر: لا يستطيعون سبيلا إلى ~~فساد أمرك وإطفاء نور الله فيك بضربهم الأمثال لك واتباعهم كل حيلة في ~~جهتك، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وقوله ~~إذا كنا عظاما الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار ~~واستبعاد، و «الرفات» من الأشياء: ما ms2171 مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، ~~وقربه من حالة التراب، يقال: رفت رفتا فهو مرفوت، وفعال: بناء لهذا المعنى، ~~كالحطام، والفتات، والرصاص، والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس: رفاتا ~~غبارا، وقال مجاهد: ترابا، واختلف القراء في هذين الاستفهامين: فقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو «أيذا كنا ترابا أينا» جميعا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو ~~يمد الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة ~~من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ ~~الثانية «إنا» مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام ~~الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة: «أإذا أإنا» ~~بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر «إذا كنا» ، مكسورة الألف من غير استفهام «ء ~~إنا» يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة، وفي سورة الرعد ~~توجيه هذه القراءات، وجديدا صفة لما قرب حدوثه من الأشياء، وهكذا يوصف به ~~المذكر والمؤنث، فيقال ملحفة جديد وقولهم جديدة، لغة ضعيفة، كذا قال ~~سيبويه، وقوله تعالى: قل كونوا حجارة أو حديدا الآية، المعنى: قل لهم يا ~~محمد كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة التأتي، لا بد من ~~بعثكم، وقوله كونوا هو الذي يسميه المتكلمون التعجيز من أنواع لفظة افعل، ~~وبهذه الآية مثل بعضهم، وفي هذا عندي نظر: وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر ~~فعل ما لا يقدر عليه المخاطب، كقوله تعالى: فادرؤا عن أنفسكم الموت [آل ~~عمران: 168] ، ونحوه، وأما هذه الآية، فمعناها: كونوا بالتوهم والتقدير كذا ~~وكذا، الذي فطركم كذلك، هو يعيدكم، وقال مجاهد أراد ب «الخلق» ، الذي يكبر ~~في الصدور: السماوات والأرض والجبال، وقال ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن ~~عمرو والحسن وابن جبير والضحاك: أراد الموت، وقال قتادة ومجاهد: بل أحال ~~على فكرتهم عموما، ورجحه الطبري، وهذا هو الأصح، لأنه بدأ بشيء صلب، ثم ~~تدرج القول إلى أقوى منه، ثم أحال على فكرهم، إن شاؤوا في أشد من الحديد، ~~فلا وجه لتخصيص شيء دون ms2172 شيء، ثم احتج عليهم عز وجل في الإعادة بالفطرة ~~الأولى، من حيث خلقهم، واخترعهم من تراب، فكذلك يعيدهم إذا شاء، لا رب ~~غيره، وقوله فسينغضون معناه: # يرفعون ويخفضون يريد على جهة التكذيب، قال ابن عباس: والاستهزاء. قال ~~الزجاج: تحريك من يبطل الشيء ويستبطئه، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # أنغض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنما أبصر شيئا أطمعا # ويقال نغضت السن إذا تحركت وقال ذو الرمة: [الطويل] # ظعائن لم يسكن أكناف قرية ... بسيف ولم تنغض بهن القناطر PageV03P462 # قال الطبري وابن سلام وعسى من الله واجبة والمعنى: وهو قريب. # قال القاضي أبو محمد: وهذه إنما هي من النبي عليه السلام، ولكنها بأمر ~~الله، فيقربها ذلك من الوجوب، وكذلك قال عليه السلام «بعثت أنا والساعة ~~كهاتين» ، وفي ضمن اللفظ توعد لهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 52 الى 55] # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادي ~~يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا ~~مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك ~~عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض وآتينا داود زبورا (55) # يوم: بدل من قوله قريبا [الإسراء: 51] ، ويظهر أن يكون المعنى: هو يوم، ~~جوابا لقولهم: # متى هو [ذاته] ويريد: يدعوكم من قبوركم بالنفخ في الصور، ليقام الساعة، ~~وقوله فتستجيبون أي بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة، وقوله: بحمده، حكى ~~الطبري عن ابن عباس أنه قال معناه: # بأمره، وكذلك قال ابن جريج، وقال قتادة معناه: بطاعته ومعرفته، وهذا كله ~~تفسير لا يعطيه اللفظ ولا شك أن جميع ذلك بأمر الله تعالى وإنما معنى ~~بحمده: إما أن جميع العالمين، كما قال ابن جبير، يقومون وهم يحمدون الله ~~ويحمدونه لما يظهر لهم من قدرته، وإما أن قوله بحمده هو كما تقول لرجل ~~خصمته وحاورته في علم قد أخطأت بحمد الله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول لهم في هذه الآيات: # عسى، أن الساعة قريبة، يوم ms2173 تدعون فيقومون بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك ~~بحمد الله على صدق خبري، نحا هذا المنحى الطبري ولم يخلصه، وقوله تعالى: ~~وتظنون إن لبثتم إلا قليلا يحتمل معنيين: # أحدهما أنه أخبر أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة، وتصرف الأجساد، وقع لهم ~~ظن أنهم لم ينفصلوا عن حال الدنيا إلا قليلا لمغيب علم مقدار الزمن عنهم، ~~إذ من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا، إذ هم لا محالة أشد مفارقة لها من ~~النائمين، وعلى هذا التأويل عول الطبري، واحتج بقوله تعالى: كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم [المؤمنون: 112- 113] ، ~~والآخر: أن يكون الظن بمعنى اليقين فكأنه قال لهم: يوم تدعون فتستجيبون ~~بحمد الله، وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلا، من حيث هو منقض منحصر، وهذا ~~كما يقال في الدنيا بأسرها: متاع قليل، فكأنه قلة قدر على أن الظن بمعنى ~~اليقين يقلق هاهنا لأنه في شيء قد وقع، وإنما يجيء الظن بمعنى اليقين فيما ~~لم يخرج بعد إلى الكون والوجود، وفي الكلام تقوية للبعث، كأنه يقول: أنت ~~أيها المكذب بالحشر، الذي تعتقد أنك لا تبعث أبدا، لا بد أن تدعى للبعث، ~~فتقوم، وترى أنك إنما لبثت قليلا منقضيا منصرما، وحكى الطبري عن قتادة أنهم ~~لما رأوا هول يوم القيامة احتقروا الدنيا فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلا. ~~وقوله تعالى: وقل لعبادي الآية اختلف النحويون في قوله يقولوا فمذهب ~~سيبويه، أنه جواب شرط مقدر تقديره: وقل لعبادي: إنك إن تقل لهم يقولوا، ~~وهذا على أصله، في أن الأمر لا يجاب، وإنما يجاب معه شرط مقدر، ومذهب ~~الأخفش: أن الأمر PageV03P463 # يجاب، وأن قوله هاهنا يقولوا إنما هو جواب قل. # قال القاضي أبو محمد: ولا يصح المعنى على هذا بأن يجعل قل مختصة بهذه ~~الألفاظ على معنى أن يقول لهم النبي: قولوا التي هي أحسن وإنما يصح بأن ~~يكون قل أمرا بالمحاورة في هذا المعنى بما أمكن من الألفاظ، كأنه قال بين ~~لعبادي، فتكون ثمرة ذلك القول والبيان قولهم التي هي أحسن، وهذا ms2174 المعنى ~~يجوزه مذهب سيبويه الذي قدمنا ومذهب أبي العباس المبرد: أن يقولوا جواب ~~لأمر محذوف، تقديره: وقل لعبادي «قولوا التي هي أحسن» يقولوا فحذف وطوي ~~الكلام، ومذهب الزجاج: أن يقولوا جزم بالأمر، بتقدير قل لعبادي ليقولوا، ~~فحذفت اللام لتقدم الأمر، وحكى أبو علي في الحلبيات في تضاعيف كلامه: أن ~~مذهب أبي عثمان المازني في يقولوا أنه فعل مبني، لأنه مضارع حل محل المبني ~~الذي هو فعل الأمر لأن المعنى قل لعبادي قولوا، واختلف الناس في التي هي ~~أحسن فقالت فرقة: هي لا إله إلا الله، ويلزم على هذا أن يكون قوله لعبادي ~~يريد به جميع الخلق، لأن جميعهم مدعو إلى لا إله إلا الله. ويجيء قوله بعد ~~ذلك إن الشيطان ينزغ بينهم غير مناسب للمعنى، إلا على تكره، بأن يجعل بينهم ~~بمعنى خلالهم، وأثناءهم، ويجعل النزع بمعنى الوسوسة والإضلال، وقال ~~الجمهور: التي هي أحسن هي المحاورة الحسنى بحسب معنى قال الحسن: يقول: يغفر ~~الله لك، يرحمك الله، وقوله لعبادي خاص بالمؤمنين، فكأن الآية بمعنى قوله ~~عليه السلام، «وكونوا عباد الله إخوانا» ثم اختلفوا، فقالت فرقة: أمر الله ~~المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب، وخفض الجناح، وإلانة القول، واطراح نزغات ~~الشيطان، وقالت فرقة: إنما أمر الله في هذه الآية المؤمنين بإلانة القول ~~للمشركين بمكة، أيام المهادنة، وسبب الآية: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~شتمه بعض الكفرة، فسبه عمر وهم بقتله، فكاد أن يثير فتنة، فنزلت الآية وهي ~~منسوخة بآية السيف، وقرأ الجمهور: # «ينزغ» بفتح الزاي، وقرأ طلحة بن مصرف: «ينزغ» ، بكسر الزاي على الأصل ~~قال أبو حاتم: لعلها لغة، والقراءة بالفتح، ومعنى النزغ: حركة الشيطان ~~بسرعة ليوجب فسادا، ومنه قول النبي عليه السلام «لا يشر أحدكم على أخيه ~~بالسلاح لا ينزع الشيطان في يده» فهذا يخرج اللفظة عن الوسوسة، و «عداوة ~~الشيطان البينة» هي قصته مع آدم عليه السلام فما بعد، وقوله تعالى: ربكم ~~أعلم بكم الآية، هذه الآية تقوي أن التي قبلها هي ما بين العباد المؤمنين ~~وكفار مكة ms2175 وذلك أن هذه المخاطبة في قوله ربكم أعلم بكم هي لكفار مكة بدليل ~~قوله وما أرسلناك عليهم وكيلا فكأن الله عز وجل أمر المؤمنين أن لا يخاشنوا ~~الكفار في الدين ثم قال للكفار إنه أعلم بهم، ورجاهم وخوفهم، ومعنى يرحمكم ~~بالتوبة عليكم من الكفر، قاله ابن جريج وغيره، ثم قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فإنما عليك البلاغ، ولست بوكيل على إيمانهم ولا بد، فتتناسب الآيات ~~بهذا التأويل ثم قال تبارك وتعالى لنبيه عليه السلام وربك أعلم بمن في ~~السماوات والأرض وهو الذي فضل بعض الأنبياء على بعض بحسب علمه فيهم، فهذه ~~إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى استبعاد قريش أن يكون الرسول بشرا، ~~المعنى: لا تنكروا أمر محمد عليه السلام، وإن أوتي قرآنا، فقد فضل النبيون، ~~وأوتي داود زبورا، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته، وتفضيل بعض الرسل، هو إما ~~بهذا الإخبار المجمل دون أن يسمى المفضول وعلى هذا يتجه لنا أن نقول محمد PageV03P464 # أفضل البشر، وقد نهى عليه السلام عن تعيين أحد منهم في قصة موسى ويونس، ~~وإما أن يكون التفضيل مقسما فيهم: أعطي هذا التكليم، وأعطيت هذه الخلفة، ~~ومحمد الخمس، وعيسى الإحياء، فكلهم مفضول على وجه فاضل على الإطلاق، وقوله ~~بمن في السماوات، الباء متعلقة بفعل تقديره: علم بمن في السماوات ذهب إلى ~~هذا أبو علي لأنه لو علقها ب أعلم لاقتضى أنه ليس بأعلم بغير ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يلزم ويصح تعلقها ب أعلم ولا يلتفت لدليل ~~الخطاب وقرأ الجمهور: «زبورا» بفتح الزاي، وهو فعول بمعنى مفعول، وهو قليل ~~لم يجىء إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش «زبورا» بضم ~~الزاي، وله وجهان: أحدهما أن يكون جمع زبور بحذف الزائد، كما قالوا في جمع ~~ظريف، ظروف، والآخر، أن يكون جمع زبور كأن ما جاء به داود، جزىء أجزاء كل ~~جزء منها زبر، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه ~~قال: آتينا داود كتبا، ويحتمل أن يكون ms2176 جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر، ~~لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا كثيرا، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في آخر كتاب مسلم: «وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له» ، قال ~~قتادة زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 56 الى 59] # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (58) وما منعنا ~~أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) # الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم في هذه الآية، ليسوا ~~عبدة الأصنام، وإنما هم عبدة من يعقل، واختلف في ذلك. فقال ابن عباس: هي في ~~عبدة العزيز والمسيح وأمه ونحوهم، وقال ابن عباس أيضا، وابن مسعود: هي في ~~عبدة الملائكة، وقال ابن مسعود أيضا: هي في عبدة شياطين كانوا في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أولئك الشياطين، وعبدتهم بقوا يعبدونهم ~~فنزلت الآية في ذلك. # وقال ابن عباس أيضا: هي في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزيز والمسيح ~~وأمه، وأي ذلك كان، فمعنى الآية: قل لهؤلاء الكفرة ادعوا عند الشدائد، ~~والضر هؤلاء المعبودين، فإنهم لا يملكون كشفه ولا تحويله عنكم، ثم أخبرهم ~~على قراءة ابن مسعود وقتادة «تدعون» بالتاء، أو أخبر النبي عليه السلام على ~~قراءة الجمهور، «يدعون» بالياء من تحت، أن هؤلاء المعبودين، يطلبون التقرب ~~إلى الله والتزلف إليه وأن هذه حقيقة حالهم، وقرأ ابن مسعود «إلى ربك» ، ~~والضمير في ربهم للمتبعين أو PageV03P465 # للجميع، والوسيلة، هي القربة، وسبب الوصول إلى البغية، وتوسل الرجل: إذا ~~طلب الدنو والنيل لأمر ما، وقال عنترة: # إن الرجال لهم إليك وسيلة ومنه قول النبي ms2177 عليه السلام: «من سأل الله لي ~~الوسيلة» الحديث. وأيهم ابتداء، وأقرب خبر، وأولئك يراد به المعبودون وهو: ~~ابتداء خبره يبتغون والضمير في يدعون للكفار، وفي يبتغون للمعبودين، ~~والتقدير: نظرهم ووكدهم أيهم أقرب وهذا كما قال عمر بن الخطاب في حديث ~~الراية بخيبر: فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها أي يتبارون في طلب القرب، ~~وطفف الزجاج في هذا الموضع فتأمله، وقال ابن فورك وغيره: إن الكلام من قوله ~~أولئك الذين راجع إلى النبيين المتقدم ذكرهم، ف يدعون على هذا من الدعاء، ~~بمعنى الطلبة إلى الله، والضمائر لهم في يدعون وفي يبتغون وباقي الآية بين. ~~وقوله تعالى: وإن من قرية الآية: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس ~~مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع ~~السلامة وأخذها جزءا أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة فهذا عموم في كل مدينة ~~ومن لبيان الجنس، وقيل المراد الخصوص وإن من قرية ظالمة، وحكى النقاش أنه ~~وجد في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية استقراء البلاد المعروفة ~~اليوم، وذكر لهلاك كل قطر منها صفة، ثم ذكر نحو ذلك عن وهب بن منبه، فذكر ~~فيه أن هلاك الأندلس وخرابها يكون بسنابك الخيل واختلاف الجيوش فيها، وتركت ~~سائرها لعدم الصحة في ذلك، والمعلوم أن كل قرية تهلك، إما من جهة القحوط ~~والخسف غرقا، وإما من الفتن، أو منهما، وصور ذلك كثيرة لا يعلمها إلا الله ~~عز وجل، فأما ما هلك بالفتنة، فعن ظلم ولا بد، إما في كفر أو معاص، أو ~~تقصير في دفاع، وحزامة، وأما القحط فيصيب الله به من يشاء، وكذلك الخسف. ~~وقوله مهلكوها الضمير لها، وفي ضمن ذلك الأهل، وقوله معذبوها هو على حذف ~~مضاف، فإنه لا يعذب إلا الأهل، وقوله في الكتاب يريد في سابق القضاء، وما ~~خطه القلم في اللوح المحفوظ، و «المسطور» المكتوب إسطارا، وقوله تعالى: وما ~~منعنا أن نرسل الآية، هذه العبارة في معناها هي على ظاهر ما تفهم العرب، ~~فسمى سبق قضائه ms2178 بتكذيب من كذب وتعذيبه منعا، وأن الأولى في موضع نصب، ~~والثانية في موضع رفع، والتقدير: وما منعنا الإرسال إلا التكذيب، وسبب هذه ~~الآية أن قريشا اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ~~الصفا ذهبا، واقترح بعضهم أن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا الأرض، فأوحى ~~الله إلى محمد عليه السلام، إن شئت أن أفعل ذلك لهم، فإن تأخروا عن الإيمان ~~عاجلتهم العقوبة، وإن شئت استأنيت بهم، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «بل تستأني بهم يا رب» ، فأخبر الله تعالى في هذه ~~الآية أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستيناء، إذ قد سلفت ~~عادته بمعاجلة الأمم الذين جاءتهم الآيات المقترحة فلم يؤمنوا، قال الزجاج: ~~أخبر تعالى أن موعد كفار هذه الأمة الساعة، بقوله بل الساعة موعدهم [القمر: ~~46] ، فهذه الآية تنظر إلى ذلك، ثم ذكر أمر ثمرد، احتجاجا إن قال منهم قائل ~~نحن كنا نؤمن لو جاءتنا آية اقترحناها ولا نكفر بوجه، فذكر الله تعالى ~~ثمود، بمعنى: لا تؤمنون إن تظلموا بالآية كما ظلمت ثمود بالناقة، وقرأ ~~الجمهور: «ثمود» بغير PageV03P466 # تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون «ثمودا» في كل وجه، قال أبو حاتم: ~~لا تنون العامة والعلماء بالقرآن «ثمود» في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ~~ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله مبصرة على جهة النسب أي معها ~~إبصار، كما قال: آية النهار مبصرة [الإسراء: 12] أي معها إبصار ممن ينظر، ~~وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم «مبصرة» بضم الميم وفتح ~~الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة «مبصرة» بفتح الميم والصاد، ~~وهي مفعلة من البصر ومثله قول عنترة: [الكامل] . # الكفر مخبثة لنفس المنعم وقوله فظلموا بها أي وضعوا الفعل غير موضعه، أي ~~بعقرها، وقيل بالكفر في أمرها، ثم أخبر الله تعالى أنه إنما يرسل بالآيات ~~غير المقترحة تخويفا للعباد، وهي آيات معها إمهال لا معاجلة، فمن ذلك ~~الكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح وغير ذلك، قال الحسن ms2179 والموت الذريع، وروي ~~أن الكوفة رجفت في مدة عبد الله بن مسعود. فقال: أيها الناس إن ربكم ~~يستعتبكم فاعتبوه، ومن هذا قول النبي عليه السلام في الكسوف: «فافزعوا إلى ~~الصلاة» الحديث، وآيات الله المعتبر بها ثلاثة أقسام: فقسم عام في كل شيء ~~إذ حيثما وضعت نظرك وجدت آية، وهنا فكرة العلماء، وقسم معتاد غبا كالرعد ~~والكسوف ونحوه، وهنا فكرة الجهلة فقط، وقسم خارق للعادة وقد انقضى بانقضاء ~~النبوءة، وإنما يعتبر به توهما لما سلف منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : آية 60] # وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ~~(60) # قال الطبري: معنى قوله: وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس أي في منعك يا ~~محمد وحياطتك وحفظك، فالآية إخبار له بأنه محفوظ من الكفرة، آمن أن يقتل أو ~~ينال بمكروه عظيم، أي فالتبليغ رسالة ربك، ولا تتهيب أحدا من المخلوقين، ~~وهذا تأويل بين جار مع اللفظ، وقد روي نحوه عن الحسن بن أبي الحسن والسدي، ~~إلا أنه لا يناسب ما بعده مناسبة شديدة، ويحتمل أن يجعل الكلام مناسبا لما ~~بعده، توطئة له، فأقول: اختلف الناس في الرؤيا، فقال الجمهور: هي رؤيا عين ~~ويقظة، وهي ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، قالوا: ~~فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الإسراء بما رأى في تلك ~~الليلة من العجائب، قال الكفار إن هذا لعجيب تحث الحداة إلى بيت المقدس ~~شهرين إقبالا وإدبارا، ويقول محمد إنه جاءه من ليلة وانصرف منه، فافتتن ~~بهذا التلبيس قوم من ضعفة المسلمين، فارتدوا وشق ذلك على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآيات فعلى هذا، يحسن أن يكون معنى قوله وإذ ~~قلنا لك إن ربك أحاط بالناس أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما PageV03P467 # خلق له، أي فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك إن ms2180 ~~الله محيط بهم مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه ~~الكفر، وسميت الرؤية في هذا التأويل «رؤيا» ، إذ هما مصدران من رأى، وقال ~~النقاش جاء ذلك على اعتقاد من اعتقد أنها منامة وإن كانت الحقيقة غير ذلك. # وقالت عائشة الرؤيا في الإسراء رؤيا منام، وهذا قول الجمهور على خلافه، ~~وهذه الآية تقتضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد ~~لينكرها، وقد ذكر هذا مستوعبا في صدر السورة، وقال ابن عباس: الرؤيا التي ~~في هذه الآية، هي رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة، فعجل في ~~سنة الحديبية فرد، فافتتن المسلمون بذلك، فنزلت الآيات، وقال سهل بن سعد: ~~إنما هذه «الرؤيا» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون ~~على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات، ~~فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من ملكهم وصعودهم المنابر، إنما يجعلها الله فتنة ~~للناس وامتحانا، ويجيء قوله أحاط بالناس أي بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، ~~فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن ~~بيعته لمعاوية وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين [الأنبياء: 111] ، وفي ~~هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه «الرؤيا» عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد ~~العزيز، ولا معاوية، وقوله والشجرة الملعونة في القرآن: معطوفة على قوله ~~الرؤيا، أي جعلنا الرؤيا والشجرة فتنة والشجرة هنا في قول الجمهور هي شجرة ~~الزقوم، وذلك أن أمرها لما نزل في سورة الصافات قال أبو جهل وغيره هذا محمد ~~يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر، والنار تأكل الشجر ~~وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أمر أبو جهل جارية له، فأحضرت تمرا ~~وزبدا وقال لأصحابه تزقموا، فافتتن أيضا بهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر ~~الله نبيه أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختبارا ليكفر من ~~سبق عليه الكفر، ويصدق من سبق ms2181 له الإيمان، كما روي أن أبا بكر الصديق، قيل ~~له، صبيحة الإسراء إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة بيت المقدس وانصرف منه ~~فقال إن كان قال ذلك فلقد صدق، فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه، قال: أين ~~عقولكم، أنا أصدقه بخبر السماء فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس والسماء أبعد ~~منها بكثير. وقالت فرقة: والشجرة: إشارة إلى القوم المذكورين قبل في ~~الرؤيا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف محدث، وليس هذا عن سهل بن سعد، ولا ~~مثله، وقال الطبري عن ابن عباس: إن الشجرة الملعونة يريد الملعون آكلها، ~~لأنها لم يجر لها ذكر. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يريد الملعونة، هنا فأكد الأمر بقوله في ~~القرآن وقالت فرقة: الملعونة، المبعدة المكروهة، وهذا أراد لأنها لعنها ~~بلفظ اللعنة المتعارف، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، وأيضا فما ينبت ~~في أصل الجحيم، فهو في نهاية البعد من رحمة الله، وقوله ونخوفهم يريد: إما ~~كفار مكة، وإما الملوك من بني أمية بعد الخلافة التي قال فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم، «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا» والأول ~~منها أصوب كما قلنا قبل، وقوله فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا يريد كفرهم ~~وانتهاكهم فيه كقول أبي جهل في الزقوم والتزقم، فقد قال النقاش إن في ذلك ~~نزلت، وفي نحوه وقرأ الأعمش «ويخوفهم» وقرأ الجمهور و «ونخوفهم» بالنون. PageV03P468 # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى 65] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~(61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ~~(63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) # المعنى: واذكر إذ قلنا، وكذلك إذ [الإسراء: 60] في الآية المتقدمة: هي ~~منصوبة بفعل مضمر، وقد تقدم ms2182 في غير موضع ذكر خلق آدم وأمر السجود، واختلف ~~في قوله إلا إبليس فقيل هو استثناء منقطع، لأن إبليس لم يكن من الملائكة، ~~وقيل هو متصل لأن إبليس من الملائكة، وقوله طينا يصح أن يكون تمييزا، ويصح ~~أن يكون حالا، وقاس إبليس في هذه النازلة فأخطأ، وذلك أنه رأى الفضيلة ~~لنفسه، من حيث رأى النار أفضل من الطين، وجهل أن الفضائل في الأشياء، إنما ~~تكون حيث خصصها الله تعالى، ولا ينظر إلى أصولها. وذكر الطبري عن ابن عباس ~~أن إبليس هو الذي أمره الله فأخذ من الأرض طينة آدم، والمشهور أنه ملك ~~الموت، وكفر إبليس في أن جهل صفة العدل من الله تعالى، حين لحقته الأنفة، ~~والكبر، وكان أصل ذلك الحسد، ولذلك قيل: إن أول ما عصي الله بالحسد، وظهر ~~ذلك من إبليس، من قوله أرأيتك هذا الذي كرمت علي أنا خير منه [الأعراف: 11] ~~حسبما ذكر الله في آية أخرى. فهذا هو النص بأن فعلك غير مستقيم، والكاف في ~~قوله أرأيتك هي كاف خطاب ومبالغة في التنبيه، لا موضع لها من الإعراب، فهي ~~زائدة، ومعنى أرأيت: أتأملت ونحوه، كأن المخاطب بها ينبه المخاطب ليستجمع ~~لما ينصه عليه بعد، وقال سيبويه: هي بمعنى أخبرني، ومثل بقوله أرأيتك زيدا ~~أبو من هو؟ وقاله الزجاج: في آياتنا [طه: 56] ولم يمثل، وقول سيبويه: صحيح ~~حيث يكون بعدها استفهام كمثاله، وأما في هذه الآية، فهي كما قلت، وليست ~~التي ذكر سيبويه رحمه الله، وقرأ ابن كثير «أخرتني» بياء في الوصل والوقف، ~~وهذا هو الأصل، وليس هذا الموضع كالقافية التي يحسن فيها الحذف، كمثل قول ~~الأعشى: [المتقارب] # فهل يمنعني ارتياد البلاد ... من حذر الموت أن يأتين # وقرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وبحذفها في الوقف، وقرأ ابن عامر ~~وعاصم وحمزة والكسائي «أخرتن» بحذف الياء في الوصل والوقوف، وهذا تشبيه ~~بياء قاض ونحوه، لكونها ياء متطرفة قبلها كسرة، ومنه قوله تعالى: يوم يأت ~~لا تكلم نفس إلا بإذنه [هود: 105] وقوله لأحتنكن معناه: لأميلن PageV03P469 # ولأجرن، وهو مأخوذ ms2183 من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره ~~فتنقاد، وألسنة تحتنك المال، أي تجتره، ومنه قول الشاعر: # نشكو إليك سنة قد أجحفت ... جهدا إلى جهد بنا فأضعفت # واحتنكت أموالنا وجلفت ومن هذا الشعر، قال الطبري لأحتنكن معناه: ~~لاستأصلن، وعبر ابن عباس في ذلك ب «لأستولين» ، وقال ابن زيد لأضلن، وهذا ~~بدل اللفظ لا تفسير، وحكم إبليس بهذا الحكم على ذرية آدم، من حيث رأى ~~الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء وما اقترن بها من الشهوات والعوارض، كالغضب ~~ونحوه، ثم استثنى القليل، لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في ~~طاعة الله، وقوله: اذهب وما بعده من الأوامر، هو صيغة افعل من التهديد، ~~كقوله تعالى اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] وتبعك معناه في طريق الكفر الذي ~~تدعو إليه، فالآية في الكفار وفي من ينفذ عليه الوعيد من العصاة وقوله جزاء ~~مصدر في موضع الحال، و «الموفور» المكمل واستفزز معناه استخف واخدع حتى يقع ~~في إرادتك، تقول استفزني فلان في كذا إذا خدعك حتى تقع في أمر أراده، ومن ~~الخفة قيل لولد البقرة فز ومثله قول زهير: # كما استغاث بسيىء فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك # و «الصوت» هنا: قيل هو الغناء والمزامير والملاهي، لأنها أصوات كلها ~~مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى الشيطان، قاله مجاهد، وقيل معناه: بدعائك ~~إياهم إلى طاعتك، قال ابن عباس: صوته، كل داع إلى معصية الله، والصواب أن ~~يكون الصوت يعم جميع ذلك. وقوله وأجلب أي هول والجلبة: الصوت الكثير ~~المختلط الهائل، وقرأ الحسن: «واجلب» بوصل الألف وضم اللام. وقوله بخيلك ~~ورجلك قيل هذا مجاز واستعارة، بمعنى: اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل معناه: أن ~~له من الجن خيلا ورجلا، قاله قتادة، وقيل المراد: فرسان الناس ورجالتهم، ~~المتصرفون في الباطل،، فإنهم كلهم أعوان لإبليس على غيرهم، قاله مجاهد وقرأ ~~الجمهور «ورجلك» بسكون الجيم، وهو جمع راجل، كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، وشارب ~~وشرب، وقرأ حفص عن عاصم: «ورجلك» بكسر الجيم على وزن فعل، وكذلك قرأ ms2184 الحسن ~~وأبو عمرو بخلاف عنه، وهي صفة تقول فلان يمشي رجلا، غير راكب، ومنه قول ~~الشاعر: [البسيط] # أنا أقاتل عن ديني على فرسي ... ولا كذا رجلا إلا بأصحابي # وقرأ قتادة وعكرمة: «ورجالك» . وشاركهم في الأموال عام: لكل معصية يصنعها ~~الناس بالمال، فإن ذلك المصرف في المعصية، هو خط إبليس، فمن ذلك البحائر ~~وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك ~~مما يوجد في الناس دأبا. وقوله والأولاد عام لكل ما يصنع في أمر الذرية من ~~المعاصي فمن ذلك الإيلاد بالزنا، ومن ذلك تسميتهم عبد شمس، وعبد الجدي، ~~وأبا الكويفر، وكل اسم مكروه ومن ذلك الوأد الذي كانت العرب تفعله، ومن ذلك ~~صنعهم في أديان الكفر، PageV03P470 # وغير هذا، وما أدخل النقاش من وطء الجن وأنه تحبل المرأة من الإنس فضعيف ~~كله. وقوله وعدهم أي منهم بما لا يتم لهم، وبأنهم غير مبعوثين، فهذه مشاركة ~~في النفوس، ثم أخبر الله تعالى أنه يعدهم غرورا منه، لأنه لا يغني عنهم ~~شيئا، وقوله إن عبادي الآية، قول من الله تعالى لإبليس، وقوله عبادي يريد ~~المؤمنين في الكفر، والمتقين في المعاصي، وخصهم باسم العباد، وإن كان اسما ~~عاما لجميع الخلق، من حيث قصد تشريفهم والتنويه بهم، كما يقول رجل لأحد ~~بنيه إذا رأى منه ما يحب: # هذا ابني، على معنى التنبيه منه والتشريف له، ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: # «هذا خالي فليرني امرؤ خاله» ، و «السلطان» الملكة والتغلب، وتفسيره هنا ~~بالحجة قلق، ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: وكفى بربك يا محمد حافظا ~~للمؤمنين، وقيما على هدايتهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 66 الى 69] # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم ms2185 أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا (69) # «الإزجاء» : سوق الثقيل السير، إما لضعف أو ثقل حمل أو غيره، فالإبل ~~الضعاف تزجى، ومنه قول الفرزدق: [البسيط] على زواحف تزجيها محاسير والسحاب ~~تزجى ومنه قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي سحابا [النور: 43] والبضاعة ~~المزجاة هي التي تحتاج لاختلالها أن تساق بشفاعة وتدفع بمعاون إلى الذي ~~يقبضها، وإزجاء الفلك سوقه بالريح اللينة والمجاديف، والفلك والبحر الماء ~~الكثير عذبا كان أو ملحا، وقد غلب الاسم على هذا المشهور، والفلك تجري ~~فيها. وقوله لتبتغوا من فضله لفظ يعم البصر، وطلب الأجر، في حج أو غزو ~~ونحوه، ولا خلاف في جواز ركوبه للحج والجهاد والمعاش، واختلف في وجوبه ~~للحج، أعني الكثير منه، واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال، وقد روي عنه ~~أنه قال «البحر لا أركبه أبدا» ، وهذا حديث يحتمل أنه رأي رآه لنفسه، ~~ويحتمل أنه أوحي إليه ذلك، وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند ~~عباده. # والضر لفظ يعم خوف الغرق، والامتساك في المشي، وأهول حالاته: اضطرابه ~~وتموجه. وقوله ضل معناه تلف وفقد، وهي عبارة تحقير لمن يدعي إلها من دون ~~الله، والمعنى في هذه الآية أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، ~~وأن لها فضلا، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن ~~الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوفقهم الله من ذلك على حالة البحر. ~~وقوله PageV03P471 # أعرضتم أي لم تفكروا في صنع الله وقت حاجتكم إليه، وقوله كفورا أي ~~بالنعم. والإنسان هنا للجنس، وكل أحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، ~~وقال الزجاج الإنسان يراد به الكفار، وهذا غير بارع. وقوله أفأمنتم الآية، ~~المعنى أفأمنتم أيها المعرضون الناسون الشدة، حين صرتم إلى الرخاء «أن يخسف ~~الله بكم مكانكم من البر» إذا أنتم في قبضة القدرة في البحر والبر. و ~~«الحاصب» العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر: ~~[البسيط] # مستقبلين ms2186 شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور # ومنه قول الأخطل: [الكامل] # ترمي العصاة بحاصب من ثلجها ... حتى يبيت على العضاه جمالا # ومنه الحاصب الذي أصاب قوم لوط، والحصب: الرمي بالحصباء، وهي الحجارة ~~الصغار، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «يخسف» بالياء على معنى ~~يخسف الله، وكذلك «يرسل» و «يعيد» و «يرسل» و «يغرق» ، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد «تغرقكم» بالتاء أي الريح، وقرأ ~~حميد «نغرقكم» بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن ~~محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء «يغرقكم» بشد الراء. و «الوكيل» القائم ~~بالأمور، و «القاصف» الذي يكسر كل ما يلقى ويقصفه، وتارة، جمعها تارات ~~وتير، معناه: مرة أخرى، وقرأ أبو جعفر: «من الرياح» بالجمع. # و «التبيع» الذي يطلب ثأرا أو دينا، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # غدوا وغدت غزلانهم فكأنها ... ضوامن عزم لزهن تبيع # ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام: «إذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع» ~~فالمعنى لا تحدون من يتبع فعلنا بكم ويطلب نصرتكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 70 الى 75] # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن ~~أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في ~~هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) # كرمنا تضعيف كرم، فالمعنى: جعلنا لهم كرما، أي شرفا وفضلا، وهذا هو كرم ~~نفي النقصان، لا كرم المال وإنما هو كما تقول: ثوب كريم، أي جمة محاسنه. PageV03P472 # قال القاضي أبو محمد: رضي الله عنه: وهذه الآية، عدد الله تعالى فيها على ~~بني آدم ما خصهم به من بين سائر الحيوان، والحيوان والجن هو الكثير ~~المفضول، والملائكة ms2187 هم الخارجون عن الكثير المفضول، وحملهم في البر والبحر، ~~مما لا يصلح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يحمل بإرادته وقصده وتدبيره في ~~البر والبحر جميعا، والرزق من الطيبات، ولا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، ~~لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من ~~الأطعمة، وغاية كل حيوان أن يأكل لحما نيا، أو طعاما غير مركب، و «الرزق» ، ~~كل ما صح الانتفاع به، وحكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا: «التفضيل» هو أن ~~يأكل بيديه وسائر الحيوان بالفم، وقال غيره: وأن ينظر من إشراف أكثر من كل ~~حيوان، ويمشي قائما، ونحو هذا من التفضيل، وهذا كله غير محذق وذلك للحيوان ~~من هذا النوع ما كان يفضل به ابن آدم، كجري الفرس، وسمعه، وإبصاره، وقوة ~~الفيل، وشجاعة الأسد وكرم الديك، وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك ~~به الحيوان كله، وبه يعرف الله عز وجل، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه، ~~وقالت فرقة: هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنس، من حيث هم المستثنون، ~~وقد قال تعالى لا الملائكة المقربون # ، [النساء: 172] وهذا غير لازم من الآية بل التفضيل بين الإنس والجن لم ~~تعن به الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وإنما صح تفضيل ~~الملائكة من مواضع أخر من الشرع، وقوله تعالى يوم ندعوا الآية، يحتمل قوله ~~يوم أن يكون منصوبا على الظرف، والعامل فيه: فعل مضمر تقديره أنكر، أو فعل ~~يدل عليه، قوله ولا يظلمون تقديره «ولا يظلمون يوم ندعو» . ثم فسره يظلمون ~~الأخير، ويصح أن يعمل فيه وفضلناهم، وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على ~~سائر الحيوان بين، لأنهم المنعمون المكلمون المحاسبون الذين لهم القدر، إما ~~أن هذا يرده أن الكفار يومئذ أخسر من كل حيوان، إذ يقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا، ولا يعمل فيه ندعوا لأنه مضاف إليه، ويحتمل أن يكون يوم منصوبا ~~على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعا بالابتداء والخبر في ~~التقسيم الذي أتى بعد في قوله فمن أوتي إلى قوله ms2188 ومن كان. وقرأ الجمهور ~~«ندعو» بنون العظمة، وقرأ مجاهد «يدعو» ، بالياء على معنى يدعو الله ورويت ~~عن عاصم. وقرأ الحسن «يدعو» بضم الياء وسكون الواو، وأصلها يدعى ولكنها لغة ~~لبعض العرب، يقلبون هذه الألف واوا، فيقولون افعو حبلو، ذكرها أبو الفتح ~~وأبو علي في ترجمة أعمى بعد وقرأ الحسن: «كل» بالرفع، على معنى يدعى كل، ~~وذكر أبو عمرو الداني عن الحسن، أنه قرأ «يدعى كل» وأناس اسم جمع لا واحد ~~له من لفظه، وقوله بإمامهم يحتمل أن يريد باسم إمامهم، ويحتمل أن يريد مع ~~إمامهم، فعلى التأويل الأول: يقال يا أمة محمد، ويا أتباع فرعون، ونحو هذا، ~~وعلى التأويل الثاني: تجيء كل أمة معها إمامها، من هاد أو مضل، واختلف ~~المفسرون في «الإمام» ، فقال مجاهد وقتادة: نبيهم، وقال ابن زيد كتابهم ~~الذي نزل عليهم، وقال ابن عباس والحسن: # كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقالت فرقة: متبعهم، من هاد أو مضل، ولفظة ~~«الإمام» تعم هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في المقصد، ومنه ~~قيل لخيط البناء إمام، قال الشاعر يصف قدحا: [الطويل] # وقومته حتى إذا تم واستوى ... كمخة ساق أو كمتن إمام # ومنه قيل للطريق إمام، لأنه يؤتم به في المقاصد حتى ينهي إلى المراد ~~وقوله: فمن أوتي كتابه PageV03P473 # بيمينه # حقيقة في أن في يوم القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان، ~~وفي الشمائل لأهل الكفر، وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد، ~~فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار، وقوله يقرؤن كتابهم عبارة عن ~~السرور بها أي يرددنها ويتأملونها، وقوله ولا يظلمون فتيلا أي ولا أقل ولا ~~أكثر، فهذا هو مفهوم الخطاب حكم المسكوت عنه كحكم المذكور. كقوله تعالى فلا ~~تقل لهما أف، [الإسراء: 23] وكقوله إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: 40] ~~وهذا كثير ومعنى الآية: أنهم لا يبخسون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئا، و ~~«الفتيل» هو الخيط الذي في شق نواة التمرة يضرب به المثل في القلة وتفاهة ~~القدر، وقوله ومن كان، الآية، قال ms2189 محمد بن أبي موسى: الإشارة بهذه إلى ~~النعم التي ذكرها في قوله ولقد كرمنا بني آدم أي من عمي عن شكر هذه النعم ~~والإيمان لمسديها، فهو في أمور الآخرة وشأنها أعمى. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أعمى الثاني أن يكون بمنزلة الأول، على أنه ~~تشبيه بأعمى البصر، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل، أي أشد عمى، والعمى في هذه ~~الآية هو عمى القلب في الأول والثاني، وقال ابن عباس ومجاهد قتادة وابن ~~زيد: الإشارة بهذه إلى الدنيا، أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في ~~آيات الله وعبره والإيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى إما أن يكون على ~~حذف مضاف، أي في شأن الآخرة، وإما أن يكون: فهو في يوم القيامة أعمى، على ~~معنى أنه حيران، لا يتوجه له صواب، ولا يلوح له نجح، قال مجاهد «فهو في ~~الآخرة أعمى» عن حجته. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن الإشارة ب هذه إلى الدنيا، أي من ~~كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في ~~يوم القيامة أشد حيرة وأعمى، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، ~~وبهذا التأويل، تكون معادلة للتي قبلها، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، وإذا ~~جعلنا قوله في الآخرة بمعنى في شأن الآخرة، لم تطرد المعادلة بين الآيتين. ~~وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «أعمى» في الموضعين، بغير ~~إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الموضعين بإمالة، وقرأ أبو ~~عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى أشد عمى، ولذلك لم يمله، قال ~~أبو علي: لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، وأعمى ليس كذلك لأن تقديره ~~أعمى من كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذا ليس بآخر، ويقوي هذا ~~التأويل قوله عطفا عليه وأضل سبيلا فإنما عطف أضل الذي هو أفعل من كذا على ~~ما هو شبيه به، وإنما جعله في الآخرة أضل سبيلا، لأن الكافر في الدنيا يمكن ~~أن يؤمن فينجو، ms2190 وهو في الآخرة، لا يمكنه ذلك، فهو أضل سبيلا، وأشد حيرة، ~~وأقرب إلى العذاب، وقول سيبويه رحمه الله: لا يقال أعمى من كذا كما يقال ما ~~أبداه، إنما هو في عمى العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب فيقال ~~ذلك لأنه يقع فيه التفاضل، وذكر مكي في هذه الآية، أن العمى الأول هو عمى ~~العين عن الهدى وهذا بين الاختلال، والله المعين. وقوله وإن كادوا ليفتنونك ~~الآية، إن هذه عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله ليفتنونك ~~لام تأكيد، وإن هذه عند الفراء بمعنى ما، واللام بمعنى إلا والضمير في قوله ~~كادوا قيل هو لقريش وقيل لثقيف، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلت ~~الآية لأنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا PageV03P474 # ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تمس أيضا أوثاننا على معنى التشرع بذلك، قال ~~الطبري وغيره: فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم ذلك، وقلبه ~~منكر فنزلت الآية في ذلك قال الزجاج: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نفسه «وما علي أن أفعل لهم ذلك والله تعالى يعلم ما في نفسي» ، وقال ابن ~~إسحاق وغيره، إنهم اجتمعوا إليه ليلة فعظموه، وقالوا له: أنت سيدنا ولكن ~~أقبل على بعض أمرنا ونقبل على بعض أمرك، فنزلت الآية في ذلك فهي في معنى ~~قوله تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون [القلم: 9] . # وحكى الزجاج أن الآية قيل إنها فيما أرادوه من طرد فقراء أصحابه، وأما ~~لثقيف، فقال ابن عباس وغيره: # لأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة ~~يعبدون فيها اللات، وقالوا إنا نريد أن نأخذ ما يهدى لنا، ولكن إن خفت أن ~~تنكر ذلك عليك العرب، فقل: أوحى الله ذلك إلي، فنزلت الآية في ذلك، ويلزم ~~قائل هذا القول أن يجعل الآية مدنية، وقد روي ذلك، وروى قائلو الأقوال ~~الأخر أنها مكية. # قال القاضي أبو محمد: وجميع ما أريد من النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ms2191 ~~هذا الاختلاف قد أوحى الله إليه خلافه، إما في معجز وإما في غير معجز، ~~وفعله هو أن لو وقع افتراء على الله إذ أفعاله وأقواله إنما هي كلها شرع. ~~وقوله وإذا لاتخذوك خليلا توقيف على ما نجاه الله منه من مخالفة الكفار ~~والولاية لهم، وقوله لولا أن ثبتناك الآية، تعديد نعمة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال ~~«اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . و «الركون» شد الظهر إلى الأمر أو ~~الحزم على جهة السكون إليه، كما يفعل الإنسان بالركن من الجدران ومنه قوله ~~تعالى حكاية. # أو آوي إلى ركن شديد [هود: 80] ، وقرأ الجمهور «تركن» بفتح الكاف، وقرأ ~~ابن مصرف وقتادة وعبد الله بن أبي إسحاق «تركن» بضم الكاف، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يركن، لكنه كاد بحسب همه بموافقتهم طمعا منه في ~~استئلافهم، وذهب ابن الأنباري إلى أن معناه لقد كاد أن يخبروا عنك أنك ~~ركنت، ونحو هذا ذهب في ذلك إلى نفي الهم بذلك عن النبي عليه السلام، فحمل ~~اللفظ ما لا يحتمل، وقوله شيئا قليلا يبطل ذلك، وهذا الهم من النبي عليه ~~السلام إنما كانت خطرة مما لا يمكن دفعه، ولذلك قيل كدت، وهي تعطي أنه لم ~~يقع ركون، ثم قيل شيئا قليلا إذ كانت المقاربة التي تتضمنها كدت قليلة خطرة ~~لم تتأكد في النفس، وهذا الهم هو كهم يوسف عليه السلام، والقول فيهما واحد ~~وقوله إذا لأذقناك الآية، يبطل أيضا ما ذهب إليه ابن الأنباري، وقوله ضعف ~~الحياة وضعف الممات قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك يريد ضعف عذاب ~~الحياة وضعف عذاب الممات. # قال القاضي أبو محمد: على معنى أن ما يستحقه هذا المذنب من عقوبتنا في ~~الدنيا والآخرة كنا نضعفه لك، وهذا التضعيف شائع مع النبي عليه السلام في ~~أجره، وفي ألمه وعقاب أزواجه، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: PageV03P475 ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 76 الى 79] # وإن كادوا ليستفزونك من ms2192 الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ~~(78) ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) # قال حضرمي الضمير في كادوا ليهود المدينة وناحيتها، كحيي بن أخطب وغيره، ~~وذلك أنهم ذهبوا إلى المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: إن ~~هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء بالشام، ولكنك تخاف ~~الروم، فإن كنت نبيا، فاخرج إليها فإن الله سيحميك كما حمى غيرك من ~~الأنبياء، فنزلت الآية في ذلك، وأخبر الله عز وجل أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لو خرج لم يلبثهم بعده إلا قليلا، وحكى النقاش أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج بسبب قولهم، وعسكر بذي الحليفة، وأقام ينتظر أصحابه، ~~فنزلت الآية عليه، فرجع، وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا في كتاب يعتمد عليه، ~~وذو الحليفة ليس في طريق الشام من المدينة، وقالت فرقة الضمير في كادوا هو ~~لقريش، وحكى الزجاج أن «استفزازهم» هو ما كانوا أجمعوا عليه في دار الندوة ~~من قتله، والأرض على هذا عامة في الدنيا، كأنه قال ليخرجوك من الدنيا، وعلى ~~سائر الأقوال هي أرض مخصوصة، إما مكة وإما المدينة، كما قال تعالى أو ينفوا ~~من الأرض [المائدة: 33] . فإنما معناه من الأرض التي فيها تصرفهم وتمعسهم، ~~وقال ابن عباس وقتادة: واستفزاز قريش هو ما كانوا ذهبوا إليه من إخراج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من مكة، كما ذهبوا قبل إلى حصره في الشعب، ووقع ~~استفزازهم هذا بعد نزول الآية، وضيقوا عليه حتى خرج واتبعوه إلى الغار وغير ~~ذلك، ونفذ عليهم الوعيد في أن لم يلبثوا خلفه إلا قليلا يوم بدر، وقال ~~مجاهد ذهبت قريش إلى هذا ولكنه لم يقع منها، لأنه لما أراد الله استبقاء ~~قريش وأن لا يستأصلها، أذن لرسوله بالهجرة، فخرج من الأرض بإذن الله ms2193 لا ~~يقهر قريش، واستبقيت قريش ليسلم منها ومن أعقابها من أسلم، قال: ولو أخرجته ~~قريش لعذبوا، فذهب مجاهد رحمه الله إلى أن الضمير في يلبثون عام في جميعهم، ~~وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وإذا لا يلبثوا» بحذف النون، وإعمال إذا، ~~وسائر القراء ألغوها وأثبتوا النون، وقرأ عطاء بن أبي رباح «يلبثون» بضم ~~الياء وفتح اللام وشد الباء، وروي مثله عن يعقوب إلا أنه كسر الباء، وقرأ ~~عطاء «بعدك إلا قليلا» ، وقرأ الجمهور «خلفك» ، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~الكسائي وحفص عن عاصم «خلافك» ، والمعنى واحد، ومنه قول الشاعر: [الكامل] # عقب الرذاذ خلافها فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصيرا # ومنه قوله تعالى: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله [التوبة: 81] ، ~~على بعض تأويلاته أي بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه اللفظة ~~قد لزم حذف المضاف لأن التقدير في آياتنا خلاف خروجك، وفي بيت الشاعر خلاف ~~انبساط الشمس أو نحوه، قال أبو علي: أصابوا هذه الظروف تضاف إلى الأسماء ~~الأعيان التي ليست أحداثا فلم يستحبوا إضافتها إلى غير ما جرى عليه كلامهم ~~كما أنها لما جرت منصوبة في كلامهم تركوها على حالها إذا وقعت في غير موضع ~~النصب، كقوله تعالى: وأنا منا PageV03P476 # الصالحون ومنا دون ذلك # [الجن: 11] ، وقوله يوم القيامة يفصل بينكم [الممتحنة: 3] ، وقوله سنة ~~نصب على المصدر، وقال الفراء نصبه على حذف الخافض، لأن المعنى كسنة، فحذفت ~~الكاف ونصب ويلزمه على هذا أن لا يقف على قوله قليلا، ومعنى الآية الإخبار ~~أن سنة الله تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخرجت نبيها من بين ~~أظهرها نالها العذاب واستأصلها الهلاك فلم تلبث بعده إلا قليلا، وقوله أقم ~~الصلاة الآية، هذه بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة، فقال ~~ابن عمر وابن عباس وأبو بردة والحسن والجمهور: «دلوك الشمس» زوالها، ~~والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل أشير به إلى المغرب والعشاء، وقرآن ~~الفجر أريد به صلاة الصبح، فالآية على هذا تعم جميع الصلوات وروى ابن مسعود ~~أن النبي صلى الله عليه ms2194 وسلم قال: «أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى ~~بي الظهر» ، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عنده وقد طعم ~~وزالت الشمس، فقال اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس، وقال ابن مسعود ~~وابن عباس وزيد بن أسلم: # «دلوك الشمس» غروبها، والإشارة بذلك إلى المغرب، وغسق الليل اجتماع ~~ظلمته، فالإشارة إلى العتمة، وقرآن الفجر صلاة الصبح، ولم تقع إشارة على ~~هذا إلى الظهر والعصر، والقول الأول أصوب لعمومه الصلوات، وهما من جهة ~~اللغة حسنان، وذلك أن الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال، ~~وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا، لأنها في حالة ~~ميل، فذكر الله الصلوات التي في حالة «الدلوك» وعنده، فيدخل في ذلك الظهر ~~والعصر والمغرب ويصح أن تكون المغرب داخلة في غسق الليل، ومن الدلوك الذي ~~هو الميل قول الأعرابي للحسن بن أبي الحسن أيدالك الرجل امرأته يريد أيميل ~~بها إلى المطل في دينها فقال له الحسن نعم إذا كان ملفجا، أي عديما، ومنه ~~قول ذي الرمة: [الطويل] # مصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدوالك # ومن ذلك قول الشاعر: [الرجز] # هذا مكان قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح # يروى براح بكسر الباء، قال أبو عبيدة الأصمعي وأبو عمرو الشيباني ومعناه ~~براحة الناظر يستكف بها أبدا لينظر كيف ميلها وما بقي لها، وهذا نحو قول ~~الحجاج: [الرجز] # والشمس قد كادت تكون دنفا ... دفعها بالراح كي تزحلقا # وذكر الطبري عن ابن مسعود أنه قال: دلكت براح يعني براح مكانا. قال: فإن ~~كان هذا من تفسير ابن مسعود فهو أعلم، وإن كان من كلام راو فأهل الغريب ~~أعلم بذلك، ويروى أن البيت الأول: «غدوة حتى هلكت براح» ، بفتح الباء على ~~وزن قطام وحذام، وهو اسم من أسماء الشمس، وغسق الليل اجتماعه وتكاثف ظلمته، ~~وقال الشاعر: [المديد] آب هذا الليل إذ غسقا PageV03P477 # وقال ابن عباس: غسق الليل بدؤه، ونصب قوله وقرآن بفعل مضمر تقديره واقرأ ~~قرآن، ويصح أن ينصب عطفا ms2195 على الصلاة، أي «وأقم قرآن الفجر» ، وعبر عن صلاة ~~الصبح خاصة ب «القرآن» لأن القرآن هو عظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها، ~~ويصح أن ينصب قوله وقرآن على الإغراء وقوله إن قرآن الفجر كان مشهودا معناه ~~ليشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في الحديث المشهور ~~من قوله عليه السلام: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ~~ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر» ، الحديث بطوله من رواية أبي هريرة ~~وغيره، وعلى القول بذلك مضى الجمهور، وذكر الطبري حديثا عن ابن عسكر من ~~طريق أبي الدرداء، في قوله كان مشهودا قال محمد بن سهل بن عسكر يشهده الله ~~وملائكته، وذكر في ذلك الحديث أن الله تعالى ينزل في آخر الليل، ونحو هذا ~~مما ليس بالقوي، وقوله ومن الليل من للتبعيض، التقدير ووقتا من الليل أي ~~وقم وقتا، والضمير في به عائد على هذا المقدر ويحتمل أن يعود على «القرآن» ~~وإن كان لم يجر له ذكر مطلق كما هو الضمير مطلق، لكن جرى مضافا إلى الفجر، ~~وفتهجد معناه: فاطرح الهجود عنك، والهجود النوم، يقال هجد يهجد بضم الجيم ~~هجودا إذا نام، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] # ألا طرقتنا والرفاق هجود ... فباتت بعلات النوال تجود # ومنه قول الحطيئة: [الطويل] # فحياك ود ما هداك لفتية ... وخوص بأعلى ذي طوالة هجد # وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتأثم وتحنث، ومثله فظلتم تفكهون [الواقعة: 65] ~~معناه تندمون، أي تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي انبساط النفس وسرورها، يقال ~~رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك، فالمعنى وقتا من الليل اسهر به في ~~صلاة وقراءة، وقال الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود: «التهجد» بعد ~~نومة، وقال الحجاج بن عمرو إنما «التهجد» بعد رقدة، وقال الحسن: «التهجد» ~~ما كان بعد العشاء الآخرة، وقوله نافلة لك قال ابن عباس وغيره: معناه زيادة ~~لك في الفرض، قالوا: وكان قيام الليل فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجه الندب في التنفل، ~~ويكون ms2196 الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته كخطابه في قوله ~~«أقم الصلوات» الآية. وقال مجاهد: إنما هي نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه مغفور له والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم، وبين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم منذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله ~~واستغفاره فضائل من العمل وقربا أشرف من نوافل أمته، لأن هذا إما أن تجبر ~~بها فرائصهم حسب الحديث، وإما أن تحط بها خطاياهم، وقد يتصور من لا ذنب له ~~ينتفل فيكون تنفله فضيلة، كنصراني يسلم وصبي يحتلم، وضعف الطبري قول مجاهد. ~~وقوله عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا عزة من الله عز وجل لرسوله، وهو أمر ~~الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه عليه السلام، والحديث بطوله ~~في البخاري ومسلم، فلذلك اختصرناه، ولأجل ذلك الاعتمال الذي له في مرضاة ~~جميع العالم مؤمنهم وكافرهم قال: «أنا سيد، ولد آدم PageV03P478 # ولا فخر» . وعسى من الله واجبة، ومقاما نصب على الظرف، ومن غريب حديث ~~الشفاعة اقتضابه المعنى، وذلك أن صدر الحديث يقتضي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستنهض للشفاعة في أن يحاسب الناس وينطلقون من الموقف، فيذهب لذلك، ~~وينص بإثر ذلك على أنه شفع في إخراج المذنبين من النار، فمعناه الاقتضاب ~~والاختصار. لأن الشفاعة في المذنبين لم تكن إلا بعد الحساب والزوال من ~~الموقف، ودخول قوم الجنة ودخول قوم النار، وهذه الشفاعة لا يتدافعها ~~الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء، وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» . # قال القاضي أبو محمد: وينبغي أن يتأول هذا على ما قلناه لأمته وغيرها، أو ~~يقال إن كل مقام منها محمود، قال النقاش: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاث شفاعات، شفاعة العامة، وشفاعة السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل ~~الكبائر، والمشهور أنهما شفاعتان فقط، وحكى الطبري عن فرقة منها مجاهد أنها ~~قالت: «المقام المحمود» هو أن الله عز ms2197 وجل يجلس محمدا معه على عرشه، وروت ~~في ذلك حديثا، وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على ~~تلطف في المعنى وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله، وقد ذكر ~~النقاش عن أبي داود السختياني أنه قال من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ~~ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا. # قال القاضي أبو محمد: من أنكر جوازه على تأويله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 84] # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~(80) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (82) وإذا أنعمنا ~~على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا (83) قل كل يعمل على ~~شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) # ظاهر هذه الآية والأحسن فيها أن يكون دعاء في أن يحسن الله حالته في كل ~~ما يتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال وينتظر من تصرف المقادير ~~في الموت والحياة، فهي على أتم عموم، معناه رب أصلح لي وردي في كل الأمور ~~وصدري، وذهب المفسرون إلى أنها في غرض مخصوص، ثم اختلفوا في تعيينه، فقال ~~ابن عباس والحسن وقتادة: أراد أدخلني المدينة وأخرجني من مكة، وتقدم في هذا ~~التأويل المتأخر في الوقوع، فإنه متقدم في القول لأن الإخراج من مكة هو ~~المتقدم، اللهم إن مكان الدخول والقرار هو الأهم، وقال أبو صالح ومجاهد: ~~أدخلني في أمر تبليغ الشرع وأخرجني منه بالأداء التام، وقال ابن عباس: ~~الإدخال بالموت في القبر والإخراج البعث، وما قدمت من العموم التام الذي ~~يتناول هذا كله، أصوب، وقرأ الجمهور «مدخل» «ومخرج» بضم الميم، فهو جرى على ~~أدخلني PageV03P479 # وأخرجني وقرأ أبو حيوة وقتادة وحميد، «مدخل» «ومخرج» بفتح الميم، فليس ~~بجار على أدخلني ولكن التقدير «أدخلني فأدخل مدخل» ، لأنه إنما يجري على ~~دخل، و «الصدق» هنا صفة تقتضي رفع المذام واستيعاب المدح، كما تقول ms2198 رجل صدق ~~أي جامع للمحاسن، وقوله واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا قال مجاهد وغيره: ~~حجة، يريد تنصرني ببيانها على الكفار، وقال الحسن وقتادة يريد سعة ورياسة ~~وسيفا ينصر دين الله، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأمر الله ~~إياه به رغبة في نصر الدين، فروي أن الله وعده بذلك ثم أنجزه له في حياته ~~وتممه بعد وفاته، وقوله وقل جاء الحق الآية، قال قتادة: الحق القرآن، ~~والباطل الشيطان، وقالت فرقة: الحق الإيمان، والباطل الكفر، وقال ابن جريج: ~~الحق الجهاد، والباطل الشرك، وقيل غير ذلك، والصواب تعميم اللفظ بالغاية ~~الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه، وزهق الكفر بجميع ما ~~انطوى فيه، والباطل كل ما لا تنال به غاية نافعة. وقوله كان زهوقا ليست كان ~~إشارة إلى زمن مضى، بل المعنى كان وهو يكون، وهذا كقولك كان الله عليما ~~قادرا ونحو هذا، وهذه الآية نزلت بمكة، ثم إن رسول الله كان يستشهد بها يوم ~~فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة حسبما في السيرة ~~لابن هشام وفي غيرها، وقرأ الجمهور «وننزل» بالنون، وقرأ مجاهد «وينزل» ~~بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص، وقوله من القرآن يصح أن تكون من ~~لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس كأنه قال وننزل ما فيه شفاء من ~~القرآن وأنكر بعض المتأولين أن يكون من للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن بعضه ~~لا شفاء فيه. # قال القاضي أبو محمد: وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن ~~إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال وننزل من القرآن شيئا شيئا ما فيه كله ~~شفاء، واستعارته الشفاء للقرآن هو بحسب إزالته للريب وكشفه غطاء القلب لفهم ~~المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى المقررة لشرعه، ويحتمل أن يراد ب ~~«الشفاء» نفعه من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه، وكونه رحمته ظاهر، وقوله ~~ولا يزيد الظالمين إلا خسارا معنى أنه عليهم عمى، إذ هم معرضون بحالة من لا ~~يفهم ولا يلقن. وقوله وإذا أنعمنا الآية، ms2199 الإنسان في هذه الآية لا يراد به ~~العموم، وإنما يراد به بعضه وهم الكفرة، وهذا كما تقول عند غضب: لا خير في ~~الأصدقاء ولا أمانة في الناس، فأنت تعم مبالغة، ومرادك البعض، وهذا بحسب ~~ذكر الظالمين، و «الخسار» في الآية قبل فاتصل ذكر الكفرة، ويحتمل أن يكون ~~الإنسان في هذه الآية عاما للجنس، على معنى أن هذا الخلق الذميم في سجيته، ~~فالكافر يبالغ في الإعراض والعاصي يأخذ بحظه منه، وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مؤمن: «فأعرض فأعرض الله عنه» ، ومعنى أعرض ولانا عرضه، ~~ونأى أي بعد، وهذه استعارة، وذلك أنه يفعل أفعال المعرض النائي في تركه ~~الإيمان بالله وشكر نعمه عليه، وقرأ ابن عامر وحده «وناء» ، ومعناه نهض أي ~~متباعدا، هذا قول طائفة، وقالت أخرى هو قلب الهمزة بعد الألف من نأى بعينه ~~وهي لغة كرأى وراء، ومن هذه اللفظة، قول الشاعر في صفة رام: [الرجز] # حتى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء في شق الشمال كاهله PageV03P480 # أي نهض متوركا على شماله، والذي عندي أن «ناء ونأى» فعلان متباينان، وناء ~~بجانبه عبارة عن التحيز والاستبداد، ونأى عبارة عن البعد والفراق، ثم وصف ~~الكفرة بأنهم إذا مسهم شر من مرض أو مصيبة في مال أو غير ذلك يئسوا من حيث ~~لا يؤمنون بالله ولا يرجون تصرف أقداره، ثم قال عز وجل قل يا محمد كل يعمل ~~على شاكلته أي على طريقته وبحسب نيته ومذهبه الذي يشبهه وهو شكله ومثل له، ~~وهذه الآية تدل دلالة ما على أن الإنسان أولا لم يرد به العموم، أي إن ~~الكفار بهذه الصفات، والمؤمنون بخلافها، وكل منهم يعمل على ما يليق به، ~~والرب تعالى أعلم بالمهتدي، وقال مجاهد: على شاكلته معناه على طبيعته، وقال ~~أيضا معناه على حدته، وقال ابن عباس: معناه على ناحيته، وقال قتادة: # معناه على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال ابن زيد: معناه على دينه، وأرجح هذه ~~العبارات قول ابن عباس وقتادة وفي قوله فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ms2200 توعد ~~بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 85 الى 88] # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~(85) ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) ~~إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ~~(88) # الضمير في يسئلونك قيل هو لليهود وإن الآية مدنية، وروى عبد الله بن ~~مسعود، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على حرث بالمدينة، ~~ويروى على خرب، وإذا فيه جماعة من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، ~~فإن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي، وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح ~~مما انفرد الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحدا من عباده، قال ابن مسعود: وقال ~~بعضهم: لا تسألوه لئلا يأتي فيه بشيء تكرهونه يعني والله أعلم من أنه لا ~~يفسره فتقوى الحجة عليهم في نبوته، قال فسألوه فوقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متوكئا على عسيب، فظننت أنه يوحى إليه، ثم تلا عليهم الآية، وقيل ~~الآية مكية والضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا: نسأل عن محمد أهل الكتاب من ~~اليهود، فأرسلوا إليهم إلى المدينة النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ~~فقال اليهود لهما: جرباه بثلاث مسائل، سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، ~~وعن الروح، فإن فسر الثلاثة فهو كذاب، وإن سكت عن الروح فهو نبي، فسألته ~~قريش عن الروح، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم «غدا أخبركم به» ~~، ولم يقل إن شاء الله، فاستمسك الوحي عليه خمسة عشر يوما، معاتبة على وعده ~~لهم دون استثناء، ثم نزلت هذه الآية، واختلف الناس في الروح المسئول عنه أي ~~روح هو؟ فقالت فرقة هي الجمهور: وقع السؤال عن الروح التي في الأشخاص ~~الحيوانية ما هي؟ ف الروح اسم جنس على هذا، وهذا هو الصواب، وهو المشكل ~~الذي ms2201 لا تفسير له، وقال قتادة: الروح المسئول عنه جبريل، قال وكان ابن عباس ~~يكتمه، وقالت فرقة عيسى ابن مريم، وقال علي بن أبي طالب: «ملك له سبعون ألف ~~وجه في كل PageV03P481 # وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله سبحانه بكل تلك ~~اللغات يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة» ، ذكره ~~الطبري، وما أظن هذا القول يصح عن علي، وقالت فرقة الروح القرآن، وهذه كلها ~~أقوال مفسرة، والأول أظهرها وأصوبها، وقوله من أمر ربي يحتمل تأويلين: ~~أحدهما: أن يكون «الأمر» اسم جنس للأمور أي للروح من جملة أمور الله التي ~~استأثر بعلمها، فهي إضافة خلق إلى خالق، والثاني أن يكون مصدرا من أمر يأمر ~~أي الروح مما أمره أمرا بالكون فكان. # وقرأ ابن مسعود والأعمش «وما أوتوا» ، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقرأ الجمهور «وما أوتيتم» ، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت ~~فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم ~~اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، ~~وقالت فرقة: العالم كله، وهذا هو الصحيح لأن قول الله له قل الروح إنما هو ~~أمر بالقول لجميع العالم إذ كذلك هي أقواله كلها وعلى ذلك تمت الآية من ~~مخاطبة الكل، ويحتمل أيضا أن تكون مخاطبة من الله للنبي ولجميع الناس ويتصف ~~ما عند جميع الناس من العلم بالقلة بإضافته إلى علم الله عز وجل الذي هو ~~بهذه الأمور التي عندنا من علمها طرف يسير جدا، كما قال الخضر عليه السلام ~~لموسى عليه السلام، «ما نقص علمي وعلمك وعلم الخلائق من علم الله إلا كما ~~نقص هذا العصفور من البحر» ، وأراد الخضر علم الله تعالى بهذه الموجودات ~~التي عند البشر من علمها طرف يسير نسبة إلى ما يخفى عليهم نسبة النقطة إلى ~~البحر، وأما علم الله على الإطلاق فغير متناه، ويحتمل أن يكون التجوز في ~~قول الخضر كما نقص هذا العصفور، أي إما ms2202 لا ينقص علمنا شيئا من علم الله ~~تعالى على الإطلاق ثم مثل بنقرة العصفور في عدم النقص، إذ نقصه غير محسوس، ~~فكأنه معدوم، فهذا احتمال، ولكن فيه نظر، وقد قالت اليهود لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا؟ وقد أوتينا التوراة، وهي ~~الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، فعارضهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعلم الله، فغلبوا، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لم ~~نؤت من العلم إلا قليلا؟ وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا، فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله، ~~فغلبوا، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديث «كلا» ~~يعني أن المراد ب أوتيتم جميع العالم، وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أم ~~قومك؟ فقال «كلا» ، وفي هذا المعنى نزلت ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~[لقمان: 27] ، حكى ذلك الطبري رحمه الله، وقوله تعالى: ولئن شئنا الآية ~~فيها شدة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عتاب على قوله غدا أعلمكم، ~~فأمر بأن يقول إن الروح من أمر ربه فيذعن بالتسليم لله في أنه يعلم بما ~~شاء، ويمسك عن عباده ما شاء، ثم قيل له وما أوتيتم أنت يا محمد وجميع ~~الخلائق من العلم إلا قليلا، فالله يعلم من علمه بما شاء ويدع ما شاء، ولئن ~~شاء لذهب بالوحي الذي أتاك، ثم لا ناصر لك منه، أي فليس بعظيم أن لا تجيء ~~بتفسير في الروح الذي أردت أن تفسره للناس ووعدتهم بذلك، وروى ابن مسعود ~~أنه ستخرج ريح حمراء من قبل الشام فتزيل القرآن من المصاحف ومن الصدور ~~وتذهب به، ثم يتلو هذه الآية. أراد ابن مسعود بتلاوة الآية أن يبدي أن ~~الأمر جائز الوقوع ليظهر مصداق خبره من كتاب الله تعالى. و «الوكيل» القائم ~~بالأمر في الانتصار أو المخاصمة ونحو ذلك من وجود النفع، وقوله إلا رحمة ~~استثناء منقطع، أي ms2203 لكن رحمة من ربك تمسك ذلك عليك، وهذا الاستثناء المنقطع ~~يخصص تخصيصا ما، وليس كالمتصل، لأن المتصل يخصص من الجنس أو الجملة، ~~والمنقطع PageV03P482 # يخصص أجنبيا من ذلك، ولا ينكر وقوع المنقطع في القرآن إلا أعجمي، وقد حكي ~~ذلك عن ابن خويز منداد، ثم عدد عليه عز وجل كبر فضله في اختصاصه بالنبوة ~~وحمايته من المشركين إلى غير ذلك مما لا يحصى. وقوله تعالى: قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن الآية، سبب هذه الآية أن جماعة من قريش قالت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا محمد جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن، فإنا نقدر على ~~المجيء بمثل هذا، فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز، المعلمة بأن جميع ~~الخلائق لو تعاونوا إنسا وجنا على ذلك لم يقدروا عليه، والعجز في معارضة ~~القرآن إنما وقع في النظم والرصف لمعانيه، وعلة ذلك الإحاطة التي لا يتصف ~~بها إلا الله عز وجل، والبشر مقصر ضرورة بالجهل والنسيان والغفلة وأنواع ~~النقص # ، فإذا نظم كلمة خفي عنه للعلل التي ذكرنا أليق الكلام بها في المعنى، ~~وقد ذكرت هذه المسألة في صدر هذا الديوان، وقوله لا يأتون بمثله في موضع ~~رفع، ولا متلقية قسما، واللام في قوله لئن مؤذنه غير لازمة قد تحذف أحيانا، ~~وقد تجيء هذه اللام مؤكدة فقط، ويجيء الفعل المنفي مجزوما، وهذا اعتماد على ~~الشرط ومنه قول الأعمش: [البسيط] # لئن منيت بنا عن غر معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتقل # و «الظهير» المعين، ومنه قوله عز وجل وإن تظاهرا عليه [التحريم: 4] ~~الآية: وفهمت العرب بخلوص فهمها في ميز الكلام ودربتها به ما لا نفهمه نحن، ~~ولا كل من خالطته حضارة، ففهموا العجز عنه ضرورة ومشاهدة، وعلمه الناس ~~بعدهم استدلالا ونظرا، ولكل حصل علم قطعي، لكن ليس في مرتبة واحدة، وهذا ~~كما علمت الصحابة شرع النبي وأعماله مشاهدة علم ضرورة وعلمنا نحن المتواتر ~~من ذلك بنقل التواتر، فحصل للجميع القطع، لكن في مرتبتين، وفهم إعجاز ~~القرآن أرباب الفصاحة الذين لهم غرائب في ميز الكلام، ألا ترى ms2204 إلى فهم ~~الفرزدق شعر جرير في شعر ذي الرمة في قوله: يعد الناسبون إلى تميم. # الأبيات كلها، وألا ترى قصة جرير في نوادره مع الفرزدق في قول الفرزدق: ~~على م تلفتين، وفي قوله: تلفت أنها تحت ابن قين. # وألا ترى إلى قول الأعرابي: عز فحكم فقطع، وألا ترى إلى استدلال الآخر ~~على البعث بقوله حتى زرتم المقابر [التكاثر: 2] فقال إن الزيارة تقتضي ~~الانصراف ومنه علم بشار بقول أبي عمرو بن العلاء في شعر الأعشى: وأنكرتني ~~وما كان الذي نكرت، ومنه قول الأعرابي للأصمعي: من أحوج الكريم إلى أن ~~يقسم؟ ومن فهمهم أنهم ببدائههم يأتون بكلمة منثورة تفضل المنقح من الشعر، ~~وأمثلة ذلك محفوظة، ومن ذلك أجوبتهم المسكتة إلى غير ذلك من براعتهم في ~~الفصاحة، وكونهم فيها النهاية، كما كان السحر في زمن موسى، والطب في زمن ~~عيسى، فهم مع هذه الأفهام أقروا بالعجز، ولجأ المحاد منهم إلى السيف، ورضي ~~بالقتل والسبا وكشف الحرم، وهو كان يجد المندوحة عن ذلك بالمعارضة، وكذلك ~~التحدي بالعشر السور، والتحدي بالسورة إنما وقع كله على حد واحد في النظم ~~خاصة، وقيد العشر بالافتراء لأنهم ذكروا أن القرآن مفترى، فدعاهم بعقب ذكر ~~ذلك إلى الإتيان بعشر سور مفتريات، ولم يذكر PageV03P483 # الافتراء في السورة لأنه لم يجر عنهم ذكر ذلك قبل، بل قال إن كنتم في ريب ~~[البقرة: 23] على أنه قد جاء ذكر السورة مع ذكرهم الافتراء في سورة هود وقد ~~اختلف الناس في هذا الموضع فقيل دعوا إلى السورة المماثلة في النظم والغيوب ~~وغير ذلك من الأوصاف، وكان ذلك من تكليف ما لا يطاق، فلما عسر عليهم خفق ~~بالدعوة إلى المفتريات، وقيل غير هذا مما ينحل عند تحصيله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 89 الى 92] # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~(89) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة ~~من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما ms2205 زعمت ~~علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) # هذه الآية تنبه على فضل الله في القرآن على العالم، وتوبيخ للكفار منهم ~~على قبيح فعلهم، وتصريف القول هو ترديد البيان عن المعنى، وقرأ الجمهور ~~«صرفنا» بتشديد الراء، وقرأ الحسن «صرفنا» بفتح الراء خفيفة، وقوله من كل ~~مثل يجوز أن تكون من لابتداء الغاية، ويكون المفعول ب صرفنا مقدرا تقديره ~~«ولقد صرفنا في هذا القرآن التنبيه والعبر من كل مثل ضربناه» ، ويجوز أن ~~تكون مؤكدة زائدة، التقدير «ولقد صرفنا كل مثل» ، وهذا كقوله تعالى: ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] . وقوله فأبى عبارة عن تكسب ~~الكفار الكفر وإعراضهم عن الإيمان، وفي العبارة يأبى تغليظ، والكفر بالخلق ~~والاختراع هو من فعل الله تعالى، وبالتكسب والدؤوب هو من الإنسان، وكفورا ~~مصدر كالخروج. وقوله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك الآية، قرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو وابن عامر «حتى تفجر» ، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى «تفجر» بفتح ~~التاء وضم الجيم، وفي القرآن فانفجرت [البقرة: 60] ، وانفجر مطاوع فجر فهذا ~~مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و ~~«الينبوع» الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش ~~هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا ب الأرض، وإنما ~~يراد بإطلاق لفظة الأرض هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، ~~كقوله أو ينفوا من الأرض [المائدة: 33] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم ~~السبل ومعاشهم، وكذلك أيضا اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، ~~وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع ~~الجدب، وقرأ الجمهور «جنة» ، وقرأ «حبة» المهدوي، وقوله فتفجر. تضعيف ~~مبالغة لا تضعيف تعدية، كغلقت الأبواب، وخلالها ظرف، ومعناه أثناءها وفي ~~داخلها، وروي في قول هذه المقالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث طويل، ~~مقتضاه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث ~~وغيرهم من مشيخة قريش وسادتها، اجتمعوا عليه فعرضوا عليه أن يملكوه ms2206 إن أراد ~~الملك، أو يجمعوا له كثيرا من المال إن أراد الغنى، أو يطبوه إن كان به داء ~~ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك PageV03P484 # إلى الله، وقال «إنما جئتكم عند الله بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم، فإن ~~سمعتم وأطعتم فحسن، وإلا صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم بما ~~شاء» ، فقالوا له حينئذ فإن كان ما تزعمه حقا ففجر ينبوعا ونؤمن لك، ولتكن ~~لك جنة إلى غير ذلك مما كلفوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«هذا كله إلى الله، ولا يلزمني هذا ولا غيره، وإنما أنا مستسلم لأمر الله» ~~، هذا هو معنى الحديث. وفي الألفاظ اختلاف وروايات متشعبة يطول سوق جميعها، ~~فاختصرت لذلك. وقوله تعالى: أو تسقط السماء الآية، قرأ الجمهور «أو تسقط» ~~بضم التاء، «السماء» نصب، وقرأ مجاهد «أو تسقط السماء» برفع «السماء» ~~وإسناد الفعل إليها، وقوله كما زعمت إشارة إلى ما تلي عليهم قبل ذلك في ~~قوله عز وجل إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء [سبأ: 9] ~~، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «كسفا» بسكون السين إلا في ~~الروم، فإنهم حركوها، ومعناه قطعا واحدا، قال مجاهد: السماء جميعا وتقول ~~العرب: كسفت الثوب ونحوه قطعته، ف «الكسف» بفتح السين المصدر، والكسف الشيء ~~المقطوع، قال الزجاج: المعنى أو تسقط السماء علينا قطعا، واشتقاقه من كسفت ~~الشيء إذا غطيته. # قال القاضي أبو محمد: وليس بمعروف في دواوين اللغة كسف بمعنى غطى، وإنما ~~هو بمعنى قطع، وكأن كسوف الشمس والقمر قطع منهما، وقرأ نافع وعاصم في رواية ~~أبي بكر «كسفا» بفتح السين أي قطعا جمع كسفه، وقوله قبيلا قيل معناه مقابلة ~~وعيانا، وقيل معناه ضامنا وزعيما بتصديقك، ومنه القبالة وهي الضمان ~~والقبيل، والمتقبل الضامن، وقيل معناه نوعا وجنسا لا نظير له عندنا، وقرأ ~~الأعرج «قبلا» وقيل بمعنى المقابلة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 93 الى 95] # أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في ms2207 السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (93) وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (94) قل لو كان ~~في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (95) # قال المفسرون: «الزخرف» الذهب في هذا الموضع، والزخرف ما تزين به، كان ~~بذهب أو غيره، ومنه حتى إذا أخذت الأرض زخرفها [يونس: 24] وفي قراءة عبد ~~الله بن مسعود «أو يكون لك بيت من ذهب» ، قال مجاهد ما كنا نعرف الزخرف حتى ~~قرأنا في حرف عبد الله «من ذهب» ، وقوله في السماء يريد في الهواء علوا، ~~والعرب تسمي الهواء علوا سماء لأنه في حيز السمو. ويحتمل أن يريدوا السماء ~~المعروفة، وهو أظهر لأنه أعلمهم أن إله الخلق فيها وأنه تأتيه خبرها، وترقى ~~معناه تصعد، والرقي الصعود، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبد الله بن أبي ~~أمية، فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # أنا لا أؤمن لك حتى تأتي بكتاب أراك هابطا به فيه من الله عز وجل إلى عبد ~~الله بن أبي أمية، وروي أن جماعتهم طلبت هذا النحو منه، فأمره الله عز وجل ~~أن يقول سبحان ربي أي تنزيها له من الإتيان مع PageV03P485 # الملائكة قبيلا، ومن أن يخاطبكم بكتاب كما أردتم، ومن أن اقترح أنا عليه ~~هذه الأشياء، وهل أنا إلا بشر منكم، أرسلت إليكم بالشريعة، فإنما علي ~~التبليغ فقط، وقرأ ابن كثير وابن عامر «قال سبحان ربي» على معنى الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبح عند قولهم، وقوله تعالى: وما منع ~~الناس أن يؤمنوا هذه الآية على معنى التوبيخ والتلهف من النبي عليه السلام ~~والبشر، كأنه يقول متعجبا منهم ما شاء الله كان، ما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جاءهم الهدى إلا هذه العلة النزرة والاستبعاد الذي لا يستند إلى حجة، وبعثة ~~البشر رسلا غير بدع ولا غريب، فيها يقع الإفهام والتمكن من النظر كما لو ms2208 ~~كان في الأرض ملائكة يسكنونها مطمئنين، أي وادعين فيها مقيمين لكان الرسول ~~إليهم من الملائكة ليقع الإفهام، وأما البشر فلو بعث إليهم ملك لنفرت ~~طباعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم ولا تجلدت له قلوبهم، وإنما أراد الله ~~جري أحوالهم على معتادها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 96 الى 98] # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) ومن يهد ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا (97) ذلك ~~جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون ~~خلقا جديدا (98) # روى البخاري أن الملأ من قريش الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المقالات التي تقدم ذكرها من عرض الملك عليه والغنى وغير ذلك، قالوا له في ~~آخر قولهم: فلتجىء معك طائفة من الملائكة تشهد لك بصدقك في نبوتك، قال ~~المهدوي: روي أنهم قالوا له: فمن يشهد لك؟. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى أقوالهم إنما هو طلب شهادة دون أن يذكروها، ~~ففي ذلك نزلت الآية، أي الله يشهد بيني وبينكم الذي له الخبر والبصر ~~لجميعنا صادقنا وكاذبنا، ثم رد الأمر إلى خلق الله تعالى واختراعه الهدى ~~والضلال في قلوب البشر، أي ليس بيدي من أمركم أكثر من التبليغ، وفي قوله ~~فلن تجد لهم أولياء من دونه وعيد، ثم أخبر عز وجل أنهم يحشرون على الوجوه ~~عميا وبكما وصما، وهذا قد اختلف فيه، فقيل هي استعارات إما لأنهم من الحيرة ~~والهم والذهول يشبهون أصحاب هذه الصفات، وإما من حيث لا يرون ما يسرهم ولا ~~يسمعونه ولا ينصفونه بحجة، وقيل هي حقيقة كلها، وذلك عند قيامهم من قبورهم، ~~ثم يرد الله إليهم أبصارهم وسمعهم ونطقهم، فعند رد ذلك إليهم يرون النار ~~ويسمعون زفيرها ويتكلمون بكل ما حكي عنهم في ذلك، ويقال للمنصرف عن أمر ~~خائفا مهموما: انصرف على وجهه، ويقال للبعير المتفه كأنما يمشي على وجهه، ~~ومن قال ذلك ms2209 في الآية حقيقة، قال: أقدرهم الله على النقلة على الوجوه، كما ~~أقدر في الدنيا على النقلة على الأقدام، وفي هذا المعنى حديث قيل يا رسول ~~الله: كيف يمشي الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه في الدنيا على ~~رجلين قادرا أن يمشيه في PageV03P486 # الآخرة على وجهه» ؟ قال قتادة: بلى وعزة ربنا، وقوله كلما خبت أي كلما ~~فرغت من إحراقهم فسكن اللهيب القائم عليهم قدر ما يعادون، ثم تثور، فتلك ~~«زيادة السعير» قاله ابن عباس، فالزيادة في حيزهم، وأما جهنم فعلى حالها من ~~الشدة لا يصيبها فتور، وخبت النار معناه سكن اللهيب والجمر على حاله، وخمدت ~~معناه سكن الجمر وضعف، وهمدت معناه طفيت جملة، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: ~~[الهزج] # أمن زينب ذي النار قبيل الصبح ما تخبو ... إذا ما خبت يلقى عليها المندل ~~الرطب # ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف] # وسطة كاليراع أو سرج المج ... دل طورا تخبو وطورا تثير # ومنه قول القطامي: # فتخبو ساعة وتهب ساعا وقوله ذلك جزاؤهم الآية، الإشارة إلى الوعيد ~~المتقدم بجهنم، وقوله بآياتنا يعم الدلائل والحجج التي جاء بها محمد عليه ~~السلام، ويعم آيات القرآن وما تضمن من خبر وأمر ونهي، ثم عظم عليهم أمر ~~إنكار البعث، وخصه بالذكر مع كونه في عموم الكفر بآيات القرآن، ووجه تخصيصه ~~التعظيم له والتنبيه على خطارة الكفر في إنكاره، وقد تقدم اختلاف القراء في ~~الاستفهامين في غير هذا الموضع، و «الرفات» بقية الشيء التي قد أصارها ~~البلى إلى حال التراب، و «البعث» تحريك الشيء الساكن، وهذا الاستفهام منهم ~~هو على جهة الإنكار والاستبعاد للحال بزعمهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 99 الى 101] # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل ~~لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) قل لو أنتم تملكون خزائن ~~رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا (100) ولقد آتينا ~~موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا ms2210 ~~موسى مسحورا (101) # هذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من البعث، وذلك أنهم قرروا على خلق ~~الله تعالى واختراعه لهذه الجملة التي البشر جزء منها، فهم لا ينكرون ذلك، ~~فكيف يصح لهم أن يقروا بخلقه للكل وإخراجه من خمول العدم وينكرون إعادته ~~للبعض؟ فحصل الأمر في حيز الجواز، وأخبر الصادق الذي قامت دلائل معجزاته ~~بوقوع ذلك الجائز، و «الرؤية» في هذه الآية رؤية القلب، و «الأجل» هنا ~~يحتمل أن يريد به القيامة ويحتمل أن يريد أجل الموت، و «الأجل» على هذا ~~التأويل اسم جنس لأنه وضعه موضع الآجال، ومقصد هذا الكلام بيان قدرة الله ~~عز وجل وملكه لخلقه، وبتقرير ذلك يقوى جواز بعثه لهم حين يشاء لا إله إلا ~~هو، وقوله فأبى عبارة عن تكسبهم وجنوحهم، وقد مضى تفسير هذه الآيات آنفا، ~~وقوله تعالى: قل لو أنتم PageV03P487 # تملكون # الآية حكم لو أن يليها الفعل إما مظهرا وإما مضمرا يفسره الظاهر بعد ذلك، ~~فالتقدير هنا، قل لو تملكون خزائن، ف أنتم رفع على تبع الضمير، و «الرحمة» ~~في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، ومن هذا سميت رحمة، ~~والإنفاق المعروف ذهاب المال وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى خشية عاقبة ~~الإنفاق، وقال بعض اللغويين أنفق الرجل معناه افتقر كما تقول أترب وأقتر، ~~وقوله «وكان الإنسان قتورا» أي ممسكا، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن ~~الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك ~~يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا ~~تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف ~~نفاد خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها، والله ولي ~~التوفيق برحمته، ومن الإقتار قول أبي داود: [الخفيف] # لا أعد الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام # وقوله تعالى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات اتفق المتأولون والرواة أن ~~الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي الطوفان والجراد ms2211 ~~والقمل والضفادع والدم، واختلفوا في الأربع، فقال ابن عباس: هي يده ولسانه ~~حين انحلت عقدته، وعصاه والبحر، وقال محمد بن كعب القرطبي: هي البحر والعصا ~~والطمسة والحجر، وقال سألني عن ذلك عمر بن عبد العزيز فأخبرته، فقال لي: ~~وما الطمسة؟ فقلت دعا موسى وآمن هارون فطمس الله أموالهم وردها حجارة، فقال ~~عمر: وهل يكون الفقه إلا هكذا؟ ثم دعا بخريطة فيها غرائب كانت لعبد العزيز ~~بن مروان، جمعها بمصر، فاستخرج منها الحوزة والبيضة والعدسة وهي كلها حجر ~~كانت من بقايا أموال آل فرعون، وقال الضحاك: هي إلقاء العصا مرتين، واليد، ~~وعقدة لسانه، وقال عكرمة ومطر الوراق، والشعبي: هي العصا واليد والسنون ~~ونقص الثمرات، وقال الحسن: هي العصا في كونها ثعبانا وتلقف العصا ما ~~يأفكون، وقال ابن عباس: هي السنون في بواديهم، ونقص الثمرات في قراهم، ~~واليد، والعصا، وروى مطرف عن مالك أنها العصا، واليد، والجبل إذ نتق، ~~والبحر، وروى ابن وهب عنه مكان البحر الحجر، والذي يلزم من الآية أن الله ~~تعالى خص من آيات موسى إذ هي كثيرة جدا تنيف على أربع وعشرين، تسعا بالذكر ~~ووصفها بالبيان ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في ~~بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك، وقالت فرقة آيات موسى إنما أريد بها ~~آيات التوراة التي هي أوامر ونواه، روى في هذا صفوان بن عسال، أن يهود ~~المدينة قال لآخر: سر بنا إلى هذا النبي نسأله عن آيات موسى، فقال له ~~الآخر: لا تقل إنه نبي، فإنه لو سمعك صار له أربع أعين، قال: فسارا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال «هن أن لا تشركوا بالله شيئا، ~~ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا ~~تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا ~~المحصنة، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت» ، ~~وقرأ الجمهور «فاسأل بني إسرائيل» وروي عن الكسائي «فسل» على لغة من قال ~~سأل يسأل، ms2212 وهذا كله على معنى الأمر لمحمد صلى # الله عليه وسلم، أي اسأل معاصريك عما أعلمناك به من غيب القصة، ثم قال إذ ~~جاءهم يريد آباءهم، وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم، ويحتمل أن يريد فسئل PageV03P488 # بني إسرائيل # الأولين الذين جاءهم موسى وتكون إحالته إياه على سؤالهم بطلب إخبارهم ~~والنظر في أحوالهم وما في كتبهم نحو قوله تعالى: وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا [الزخرف: 45] وهذا كما تقول لمن تعظه: سل الأمم الخالية هل بقي منها ~~مخلد؟ ونحو هذا مما يجعل النظر فيه مكان السؤال، قال الحسن: سؤالك نظرك في ~~القرآن وقرأ ابن عباس «فسأل بني إسرائيل» أي فسأل موسى فرعون بني إسرائيل ~~أي طلبهم لينجيهم من العذاب، وقوله مسحورا اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة ~~هو مفعول على بابه، أي إنك قد سحرت، فكلامك مختل، وما تأتي به غير مستقيم، ~~وقال الطبري: هو مفعول بمعنى فاعل كما قال حجابا مستورا [الإسراء: 45] وكما ~~قالوا مشؤوم وميمون وإنما هو شايم ويأمن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يتخرج إلا على النسب أي ذا سحر ملكته ~~وعلمته، فأنت تأتي بهذه الغرائب لذلك، وهذه مخاطبة تنقص، فيستقيم أن يكون ~~مسحورا مفعولا على ظاهره، وعلى أن يكون بمعنى ساحر يعارضنا ما حكي عنهم ~~أنهم قالوا له على جهة المدح يا أيها الساحر ادع لنا ربك [الزخرف: 49] فإما ~~أن يكون القائلون هنالك ليس فيهم فرعون وإما أن يكون فيهم لكنه تنقل من ~~تنقصه إلى تعظيمه، وفي هذا نظر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 102 الى 104] # قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا ~~فرعون مثبورا (102) فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا ~~(103) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا ~~بكم لفيفا (104) # روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أنه قرأ «علمت» بتاء المتكلم ~~مضمومة، وقال ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن ~~تأول ms2213 مسحورا [الإسراء: 101] على بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد ~~نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس بمسحور، بل ~~محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور «لقد علمت» بتاء ~~المخاطب مفتوحة، فكأن موسى عليه السلام رماه بأنه يكفر عنادا، ومن قال ~~بوقوع الكفر عنادا فله تعلق بهذه الآية، وجعلها كقوله عز وجل: وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم [النمل: 14] ، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن عباس، ونحا إلى ~~ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى عليه السلام إبلاغا ~~على فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث ~~تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع ~~الكفر عنادا فإنما يجعل هذا خبرا من موسى عن علم فرعون، والإشارة ب هؤلاء ~~إلى التسع الآيات، وقوله بصائر جمع بصيرة، وهي الطريقة أي طرائق يهتدى بها، ~~وكذلك غلب على البصيرة أنها تستعمل في طريقة النفس في نظرها واعتقادها، ~~ونصب بصائر على الحال، و «المثبور» المهلك، قاله مجاهد، وقال ابن عباس ~~والضحاك هو المغلوب، وقال ابن زيد هو المخبول، وروي عن ابن عباس أنه فسره ~~بالملعون، وقال بعض العلماء: كان موسى عليه PageV03P489 # السلام في أول أمره يجزع، ويؤمر بالقول اللين، ويطلب الوزير، فلما تقوت ~~نفسه بقوى النبوءة، تجلد وقابل فرعون بأكثر مما أمره به بحسب اجتهاده ~~الجائر له، قال ابن زيد: اجترأ موسى أن يقول له فوق ما أمره الله به، وقالت ~~فرقة بل «المثبور» المغلوب المختدع، وما كان موسى عليه السلام ليكون لعانا، ~~ومن اللفظة قول عبد الله بن الزبعرى: [الخفيف] # إذا جاري الشيطان في سنن الغ ... ي ومن مال ميله مثبورا # وقوله عز وجل فأراد أن يستفزهم الآية، يستفزهم معناه يستخفهم ويقلعهم، ~~إما بقتل أو بإجلاء، والأرض أرض مصر، وقد تقدم أنه متى ذكرت الأرض عموما ~~فإنما يراد بها ما يناسب القصة المتكلم فيها، وقد يحسن عمومها في بعض ~~القصص. # قال القاضي ms2214 أبو محمد: واقتضبت هذه الآية قصص موسى مع فرعون وإنما ذكرت ~~عظم الأمر وخطيره، وذلك طرفاه، أراد فرعون غلبتهم وقتلهم وهذا كان بدء ~~الأمر «فأغرقه» الله وأغرق جنوده وهذا كان نهاية الأمر، ثم ذكر تعالى أمر ~~«بني إسرائيل» بعد إغراق فرعون بسكنى أرض الشام، ووعد الآخرة هو يوم ~~القيامة، و «اللفيف» الجمع المختلط الذي قد لف بعضه إلى بعض، فليس ثم قبائل ~~ولا انحياز، قال بعض اللغويين: هو من أسماء الجموع ولا واحد له من لفظه، ~~وقال الطبري هو بمعنى المصدر كقول القائل لففته لفا ولفيفا وفي هذا نظر ~~فتأمله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 105 الى 108] # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~(107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) # الضمير في قوله أنزلناه عائد على القرآن المذكور، وفي قوله ولقد صرفنا ~~للناس في هذا القرآن من كل مثل [الإسراء: 89] ويجوز أن يكون الكلام آنفا. ~~وأشار بالضمير إلى القرآن على ذكر متقدم لشهرته، كما قال حتى توارت بالحجاب ~~[ص: 32] . # وهذا كثير، قال الزهراوي: معناه بالواجب الذي هو المصلحة والسداد للناس ~~بالحق في نفسه، وقوله وبالحق نزل، يريد بالحق في أوامره ونواهيه وأخباره ~~فبهذا التأويل يكون تكرار اللفظ لمعنى غير الأول، وذهب الطبري إلى أنهما ~~بمعنى واحد، أي بأخباره وأوامره وبذلك نزل، وقوله وقرآنا مذهب سيبويه أن ~~نصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر بعد، أي «وفرقنا قرآنا» ، ويصح أن يكون معطوفا ~~على الكاف في أرسلناك من حيث كان إرسال هذا وإنزال هذا لمعنى واحد، وقرأ ~~جمهور من الناس «فرقناه» بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وجعلناه ~~فرقانا، وقرأ ابن عباس وقتادة وأبو رجاء وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي ~~بن كعب والشعبي والحسن بخلاف، وحميد وعمرو بن فائد «فرقناه» بتشديد الراء، ~~إلا أن PageV03P490 # في قراءة ابن مسعود وأبي «فرقناه ms2215 عليه لتقرأه» أي أنزلناه شيئا بعد الشيء ~~لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله لتقرأه على الناس على مكث، وهذا ~~كان مما أراد الله من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان ~~محدودة معينة، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة؟ فقيل: في خمس ~~وعشرين سنة، وقال ابن عباس: في ثلاث وعشرين سنة، وقال قتادة في عشرين سنة، ~~وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الوحي بدأ ~~وهو ابن أربعين، وتم بموته، وحكى الطبري عن الحسن البصري أنه قال: نزل ~~القرآن في ثمان عشرة سنة، وهذا قول يختل لا يصح عن الحسن والله أعلم، ~~وتأولت فرقة قوله عز وجل على مكث # أي على ترسل في التلاوة، وهو ترتيل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جريج ~~وابن زيد، والتأويل الآخر أي على مكث وتطاول في المدة شيئا بعد شيء، وقوله ~~ونزلناه تنزيلا مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم ذكره في ألفاظ الآية، ~~وأجمع القراء على ضم الميم من مكث، ويقال مكث ومكث بفتح الميم ومكث بكسرها، ~~وقوله قل آمنوا به الآية تحقير للكفار، وفي ضمنه ضرب من التوعد، والمعنى ~~أنكم لستم بحجة، فسواء علينا آمنتم أم كفرتم، وإنما ضر ذلك على أنفسكم، ~~وإنما الحجة أهل العلم من قبله وهم بالصفة المذكورة، واختلف الناس في ~~المراد ب الذين أوتوا العلم من قبله، فقالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب ~~وقالت فرقة: هم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ومن جرى مجراهما. # وقيل إن جماعة من أهل الكتاب جلسوا وهم على دينهم فتذاكروا أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما أنزل عليه، وقرئ عليهم منه شيء فخشعوا وسبحوا لله، ~~وقالوا هذا وقت نبوة المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعد الله به واقع لا ~~محالة وجنحوا إلى الإسلام هذا الجنوح، فنزلت الآية فيهم، وقالت فرقة: ~~المراد ب الذين أوتوا العلم من قبله محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في ~~قبله عائد على القرآن ms2216 حسب الضمير في به، ويبين ذلك قوله إذا يتلى، وقيل ~~الضميران لمحمد. واستأنف ذكر القرآن في قوله إذا يتلى، وقوله للأذقان أي ~~لناحيتها، وهذا كما تقول تساقط لليد والفم أي لناحيتهما، وعليهما قال ابن ~~عباس: المعنى للوجوه، وقال الحسن: المعنى للحى، و «الأذقان» أسافل الوجوه ~~حيث يجتمع اللحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، لا سيما عند ~~سجوده، وقال الشاعر: [الطويل] # فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم ... سباع من الطير العوادي وتنتف # وإن في قوله إن كان هي عند سيبويه المخففة من الثقيلة، واللام بعدها لام ~~التوكيد، وهي عند الفراء النافية، واللام بمعنى إلا، ويتوجه في هذه الآية ~~معنى آخر وهو أن يكون قوله آمنوا به أو لا تؤمنوا مخلصا للوعيد دون ~~التحقير، والمعنى فسترون ما تجازون به، ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع ~~بمن تقدم من أهل الكتاب، أي أن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر، بل ~~الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة في الجملة، إذا يتلى ~~عليهم ما نزل عليهم خشعوا وآمنوا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإسراء (17) : الآيات 109 الى 111] # ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (111) PageV03P491 # هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحض لكل من ترسم بالعلم وحصل منه شيئا أن ~~يجري إلى هذه الرتبة، وحكى الطبري عن التميمي أنه قال: إن من أوتي من العلم ~~ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ~~ثم تلا هذه الآية كلها، وقوله قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن سبب نزول هذه ~~الآية أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «يا الله يا ~~الرحمن» ، فقالوا كان محمد أمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين، قاله ابن ms2217 ~~عباس، وقال مكحول: تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال في دعائه ~~«يا رحمن يا رحيم» ، فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى ~~الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمن اليمامة، فنزلت مبينة أنها ~~لمسمى واحد، فإن دعوتموه بالله فهو ذلك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذلك، وقرأ ~~طلحة بن مصرف «أيا ما تدعوا فله الأسماء» ، أي وله سائر الأسماء الحسنى، أي ~~التي تقتضي أفضل الأوصاف وهي بتوقيف، لا يصح وضع اسم الله بنظر إلا بتوقيف ~~من القرآن أو الحديث، وقد روي أن لله تسعة وتسعين اسما الحديث، ونصها كلها ~~الترمذي وغيره بسند، وتقدير الآية أي الأسماء تدعوا به فأنت مصيب له ~~الأسماء الحسنى، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن «لا يجهر» بصلاته ~~وأن «لا يخافت بها» ، وهو الإسرار الذي لا يسمعه المتكلم به، هذه هي ~~حقيقته، ولكنه في الآية عبارة عن خفض الصوت وإن لم ينته إلى ما ذكرناه، ~~واختلف المتأولون في الصلاة ما هي؟ فقال ابن عباس وعائشة وجماعة: هي ~~الدعاء، وقال ابن عباس أيضا: هي قراءة القرآن في الصلاة، فهذا على حذف ~~مضاف، التقدير ولا تجهر بقراءة صلاتك، قال: والسبب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جهر بالقرآن فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالوسط، ليسمع أصحابه المصلون معه، ويذهب عنه أذى ~~المشركين، قال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهدهم، فنزلت الآية في ذلك، ~~وكان أبو بكر رضي الله عنه يسر قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما في ~~ذلك، فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي، وقال عمر أنا أطرد ~~الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية، قيل لأبي بكر: ارفع أنت ~~قليلا، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا، وقالت عائشة أيضا: «الصلاة» يراد بها في ~~هذه الآية التشهد، وقال ابن عباس والحسن: المراد والمعنى: ولا تحسن صلاتك ~~في الجهر ولا تسئها في السر، بل اتبع طريقا وسطا يكون دائما ms2218 في كل حالة، ~~وقال ابن زيد: معنى الآية النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع ~~الصوت أحيانا فيرفع الناس معه، ويخفض أحيانا فيسكت من خلفه، وقال ابن عباس ~~في الآية: إن معناها ولا تجهر بصلاة النهار ولا تخافت بصلاة الليل، واتبع ~~سبيلا من امتثال الأمر كما رسم لك، ذكره يحيى بن سلام والزهراوي، وقال عبد ~~الله بن مسعود لم يخافت من أسمع أذنيه، وما روي من أنه قيل لأبي بكر ارفع ~~أنت قليلا يرد هذا، ولكن الذي قال ابن مسعود هو أصل اللغة، ويستعمل الخفوت ~~بعد ذلك في ارفع من ذلك، وقوله تعالى: # وقل الحمد لله الآية، هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في ~~قولهم أفذاذا: عزير وعيسى PageV03P492 # والملائكة ذرية لله سبحانه وتعالى عن أقوالهم، ورادة على العرب في قولهم ~~لولا أولياء الله لذل وقيد لفظ الآية نفي الولاية لله عز وجل بطريق الذل ~~وعلى جهة الانتصار، إذ ولايته موجودة بتفضله ورحمته لمن والى من صالحي ~~عباده، قال مجاهد: المعنى لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصر أحد، وقوله وكبره ~~تكبيرا أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، ثم أكدها بالمصدر تحقيقا ~~لها وإبلاغا في معناها، وروى مطرف عن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة ~~بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة. # نجز تفسير سورة سبحان والحمد لله رب العالمين PageV03P493 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكهف # هذه السورة مكية في قول جميع المفسرين، وروي عن فرقة أن أول السور نزل ~~بالمدينة إلى قوله جرزا [الكهف: 8] والأول أصح، وهي من أفضل سور القرآن، ~~وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بسورة عظمها ما بين ~~السماوات والأرض ولمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ قالوا: # أي سورة هي يا رسول الله؟ قال: سورة الكهف، من قرأ بها يوم الجمعة غفر له ~~ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، في رواية أنس، ومن قرأ بها ~~أعطي نورا بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر. # قوله عز ms2219 وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر ~~بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ~~(2) ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) # ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5) # كان حفص عن عاصم يسكت عند قوله عوجا سكتة خفيفة، وعند مرقدنا [ص: 52] في ~~سورة يس، وسبب هذه البدأة في هذه السورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما سألته قريش عن المسائل الثلاث، الروح، والكهف، وذي القرنين، حسبما ~~أمرتهم بهن يهود، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا أخبركم، بجواب ~~سؤالكم، ولم يقل إن شاء الله، فعاتبه الله عز وجل بأن استمسك الوحي عنه ~~خمسة عشر يوما، فأرجف به كفار قريش، وقالوا: إن محمدا قد تركه ربه الذي كان ~~يأتيه من الجن، وقال بعضهم: قد عجز عن أكاذيبه إلى غير ذلك، فشق ذلك على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ منه، فلما انقضى الأمد الذي أراد الله ~~تعالى عتاب محمد إليه، جاءه الوحي من الله بجواب الأسئلة وغير ذلك، فافتتح ~~الوحي بحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب أي بزعمكم أنتم يا قريش، وهذا ~~كما تقول لرجل يحب مساءتك فلا يرى إلا نعمتك الحمد لله الذي أنعم علي وفعل ~~بي كذا على جهة النقمة عليه، والكتاب هو القرآن، وقوله ولم يجعل له عوجا أي ~~لم يزله عن طريق الاستقامة، و «العوج» فقد الاستقامة، وهو بكسر العين في ~~الأمور والطرق وما لا يحس متنصبا شخصا، و «العوج» بفتح العين في الأشخاص ~~كالعصا والحائط ونحوه، وقال ابن عباس: معناه ولم يجعله مخلوقا، وقوله ولم ~~يجعل له PageV03P494 # عوجا يعم هذا وجميع ما ذكره الناس من أنه لا تناقض فيه ومن أنه لا خلل ~~ولا اختلاف فيه. وقوله قيما نصب على الحال من الكتاب، فهو بمعنى التقديم، ms2220 ~~مؤخر في اللفظ، أي أنزل الكتاب قيما، واعترض بين الحال وذي الحال قوله: ولم ~~يجعل له عوجا وذكر الطبري هذا التأويل عن ابن عباس، ويجوز أن يكون منصوبا ~~بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله قيما، وفي بعض مصاحف الصحابة «ولم يجعل له ~~عوجا لكن جعله قيما» قاله قتادة، ومعنى «قيم» مستقيم، هذا قول ابن عباس ~~والضحاك، وقيل معناه أنه قيم على سائر الكتب بتصديقها، ذكره المهدوي، وهذا ~~محتمل وليس من الاستقامة ويصح أن يكون معنى «قيم» قيامه بأمر الله عز وجل ~~على العالم، وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللذين عما ~~العالم. و «البأس الشديد» عذاب الآخرة، ويحتمل أن يندرج معه في النذارة ~~عذاب الدنيا ببدر وغيرها، ونصبه على المفعول الثاني، والمعنى لينذر العالم، ~~وقوله من لدنه أي من عنده ومن قبله، والضمير في لدنه عائد على الله تعالى، ~~وقرأ الجمهور من «لدنه» بضم الدال وسكون النون وضم الهاء، وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر «من لدنه» بسكون الدال وإشمام الضم فيها وكسر النون والهاء، ~~وفي «لدن» لغات، يقال «لدن» مثل سبع، «ولدن» بسكون الدال «ولدن» بضم اللام، ~~«ولدن» بفتح اللام والدال وهي لفظة مبنية على السكون، ويلحقها حذف النون مع ~~الإضافة، وقرأ عبد الله وطلحة «ويبشر» بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، ~~وقوله أن لهم أجرا تقديره بأن لهم أجرا، والأجر الحسن نعيم الجنة، ويتقدمه ~~خير الدنيا، و، ماكثين حال من الضمير في لهم وأبدا ظرف لأنه دال على زمن ~~غير متناه. # قال القاضي أبو محمد: وقد أشرت في تفسير هذه الآية إلى أمر اليهود قريشا ~~بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاث، وينبغي أن تنص كيف كان ~~ذلك. # ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس بسند، أنه قال: بعثت قريش النضر بن الحارث ~~وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما سلاهم عن محمد ~~وصفا لهم صفته، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم ~~الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألا ms2221 أحبار اليهود عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن ~~أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه ~~عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، ~~وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح. ~~فأقبل النضر وعقبة إلى مكة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ~~وكان الأمر ما ذكرناه، وقوله وينذر الذين قالوا اتخذ الله الآية، أهل هذه ~~المقالة هم بعض اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، وبعض العرب في ~~الملائكة، والضمير في به يحتمل أن يعود على القول الذي يتضمنه قالوا ~~المتقدم، وتكون جملة قوله ما لهم به من علم في موضع الحال، أي قالوا ~~جاهلين، ويحتمل أن يعود على «الولد» الذي ادعوه، فتكون الجملة صفة للولد، ~~قاله المهدوي، وهو معترض لأنه لا يصفه إلا القائل، وهم ليس في قصدهم أن ~~يصفوه، والصواب عندي أنه نفي مؤتنف أخبر الله تعالى بجهلهم في ذلك، فلا ~~موضع للجملة من الإعراب، ويحتمل أن يعود على الله عز وجل، وهذا التأويل أذم ~~لهم وأقضى بالجهل التام عليهم، وهو قول الطبري. وقوله ولا لآبائهم يريد ~~الذين أخذ هؤلاء هذه المقالة عنهم، PageV03P495 # وقرأ الجمهور «كبرت كلمة» بنصب الكلمة، كما تقول نعم رجلا زيد، وفسر ~~«الكلمة» ووصفها بالخروج من أفواههم، وقال بعضهم: نصبها على التفسير على حد ~~نصب قوله تعالى وساءت مرتفقا [الكهف: 29] وقالت فرقة نصبها على الحال، ~~والتقدير كبرت فريتهم أو نحو هذا كلمة، وسميت هذه الكلمات كلمة من حيث هي ~~مقالة واحدة، كما يقولون للقصيدة كلمة، وهذه المقالة قائمة في النفس معنى ~~واحدا، فيحسن أن تسمى كلمة، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن محيصن والقواس ~~عن ابن كثير «كبرت كلمة» برفع الكلمة على أنها فاعلة ب كبرت، وقوله إن ~~يقولون أي ما يقولون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 6 الى 9] # فلعلك ms2222 باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) إنا جعلنا ~~ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا (8) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) # هذه الآية تسلية للنبي عليه السلام، وقوله فلعلك تقرير وتوفيق بمعنى ~~الإنكار عليه أي لا تكن كلذلك، و «الباخع نفسه» هو مهلكها وجدا وحزنا على ~~أمر ما، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر # يريد نحته فخفف وقوله على آثارهم، استعارة فصيحة، من حيث لهم إدبار ~~وتباعد عن الإيمان، وإعراض عن الشرع فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في ~~آثارهم يحزن عليهم، وقوله بهذا الحديث أي بالقرآن الذي يحدثك به، وأسفا نصب ~~على المصدر، قال الزجاج: و «الأسف» المبالغة في حزن أو غضب. # قال القاضي أبو محمد: و «الأسف» في هذا الموضع الحزن، لأنه على من لا ~~يملكه ولا هو تحت يد الأسف ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته ~~وملكه لكان غضبا، كقوله تعالى: فلما آسفونا [الزخرف: 55] أي أغضبونا وإذا ~~تأملت هذا في كلام العرب اطرد، وذكره منذر بن سعيد وقال قتادة: هنا أسفا ~~غضبا، قال مجاهد أسفا جزعا وقال قتادة أيضا: حزنا، ومن هذه اللفظة قول ~~الأعشى: # [الطويل] # أرى رجلا منكم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفا مخضبا # يريد حزينا كأنه مقطوع اليد، وقوله إنا جعلنا ما على الأرض زينة، الآية ~~بسط في التسلية أي لا تهتم للدنيا وأهلها فأمرها وأمرهم أقل بفنائه وذهابه، ~~فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة وامتحانا وخبرة، واختلف في المراد ب ما، ~~فقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد الرجال وقاله مجاهد، وروى عكرمة عن ابن ~~عباس أن الزينة الخلفاء والعلماء والأمراء، وقالت فرقة أراد النعم والملابس ~~والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة، ولم يدخل في هذا الجبال ~~الصم وكل ما لا زين فيه كالحيات والعقارب، وقالت PageV03P496 # فرقة: أراد كل ما ms2223 على الأرض عموما وليس شيء إلا وفيه زينة من جهة خلقه ~~وصنعته وإحكامه. وفي معنى هذه الآية، قول النبي عليه السلام: «الدنيا خضرة ~~حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا ~~النساء» . وزينة مفعول ثان أو مفعول من أجله بحسب معنى «جعل» . وقوله ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا أي لنختبرهم وفي هذا وعيد ما، قال سفيان الثوري: ~~«أحسنهم عملا» أزهدهم فيها، وقال أبو عاصم العسقلاني: أحسن عملا: أترك لها. # قال القاضي أبو محمد: وكان أبي رضي الله عنه يقول: أحسن العمل أخذ بحق ~~واتفاق في حق مع الإيمان وأداء الفرائض واجتناب المحارم، والإكثار من ~~المندوب إليه. وقوله وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا، أي يرجع كل ذلك ~~ترابا غير متزين بنبات ونحوه، و «الجرز» الأرض التي لا شيء فيها من عمارة ~~وزينة، فهي البلقع، وهذه حالة الأرض العامرة الخالية بالدين لا بد لها من ~~هذا في الدنيا جزءا جزءا من الأرض ثم يعمها ذلك بأجمعها عند القيامة، يقال: ~~جرزت الأرض بقحط أو جراد أو نحوه إذا ذهب نباتها وبقيت لا شيء فيها ولا ~~نفع، وأرضون أجراز، قال الزجاج: والجرز الأرض التي لا تنبت. # قال القاضي أبو محمد: وإنما ينبغي أن يقول: التي لم تنبت، و «الصعيد» وجه ~~الأرض وقيل «الصعيد» التراب خاصة، وقيل «الصعيد» الأرض الطيبة وقيل، ~~«الصعيد» الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة، وقوله تعالى: أم حسبت الآية، ~~مذهب سيبويه في أم إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف ~~الاستفهام كأنه قال: بل أحسبت إضرابا عن الحديث الأول واستفهاما عن الثاني ~~وقال بعض النحويين: هي بمنزلة ألف الاستفهام، وأما معنى الكلام فقال ~~الطبري: هو تقرير للنبي صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا ~~عجبا بمعنى إنكار ذلك عليه أي لا تعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من ~~الكفرة، فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشنع، وهو قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة وابن إسحاق، وذكر الزهراوي: أن الآية تحتمل معنى ms2224 آخر وهو أن تكون ~~استفهاما له هل علم أصحاب الكهف عجبا، بمعنى إثبات أنهم عجب وتكون فائدة ~~تقريره جمع نفسه للام لأن جوابه أن يقول لم أحسب ولا علمته فيقال له: وصفهم ~~عند ذلك والتجوز في هذا التأويل هو في لفظه حسبت فتأمله، والكهف النقب ~~المتسع في الجبل وما لم يتسع منها فهو غار، وحكى النحاس عن أنس بن مالك أنه ~~قال: الكهف الجبل وهذا غير شهير في اللغة، واختلف الناس في الرقيم، فقال ~~كعب، الرقيم القرية التي كانت بإزاء الكهف، وقال ابن عباس وقتادة: الرقيم ~~الوادي الذي كان بإزائه وهو واد بين عصبان وأيلة دون فلسطين، وقال ابن عباس ~~أيضا هو الجبل الذي فيه الكهف، وقال السدي: الرقيم الصخرة التي كانت على ~~الكهف، وقال ابن عباس الرقيم كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا ~~به من دين عيسى، وقيل من دين قبل عيسى، وقال ابن زيد: كتاب عمى الله علينا ~~أمره ولم يشرح لنا قصته، وقالت فرقة: الرقيم كتاب في لوح نحاس، وقال ابن ~~عباس: في لوح رصاص كتب فيه القوم الكفار الذين فر الفتية منهم قصتهم ~~وجعلوها تاريخا لهم ذكروا وقت فقدهم وكم كانوا وبني من كانوا، وقال سعيد بن ~~جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف ووضعوه على باب ~~الكهف، ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوما مؤرخين للحوادث وذلك من PageV03P497 # قبل المملكة وهو أمر مفيد، وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ومنه كتاب ~~مرقوم، ومنه الأرقم لتخطيطه، ومنه رقمة الوادي أي مكان جري الماء وانعطافه ~~يقال عليك بالرقمة وخل الضفة وقال النقاش عن قتادة: # الرقيم دراهمهم، وقال أنس بن مالك والشعبي الرقيم الكلب، وقال عكرمة ~~الرقيم الدواة، وقالت فرقة: الرقيم كان لفتية آخرين في السراة جرى لهم ما ~~جرى ل أصحاب الكهف، وروي عن ابن عباس أنه قال ما أدري ما الرقيم أكتاب أم ~~بنيان، وروي أنه قال: كل بالقرآن أعلمه إلا الحنان والأواه والرقيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 10 الى ms2225 12] # إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا (10) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) # الفتية فيما روي، قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، ويقال ~~فيه دقليوس، ويقال دقينوس، وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين بالذهب، وهم من ~~الروم واتبعوا دين عيسى، وقيل كانوا قبل عيسى، وأما أسماؤهم فهي أعجمية، ~~والسند في معرفتها واه، ولكن التي ذكر الطبري هي هذه، مكسيليمنيا وهو ~~أكبرهم والمتكلم عنهم، ومجسيلينيا وتمليخا وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة ~~عند بعثهم من رقدتهم، مرطوس وكشوطونس، وبيرونس، ودينموس، ويطونس، واختلف ~~الرواة في قصص هؤلاء الفتية وكيف كان اجتماعهم وخروجهم إلى الكهف؟ وأكثر ~~المؤرخون في ذلك، ولكن نختصر من حديثهم ونذكر ما لا تستغني الآية عنه، ~~ونذكر من الخلاف عيونه بحول الله، روى مجاهد عن ابن عباس أن هؤلاء الفتية ~~كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك ~~أهل المدينة فوقع للفتية علم من بعض النحويين حسب ما ذكر النقاش أو من ~~مؤمني الأمم قبلهم بحسب الخلاف الذي ذكرناه، فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم ~~قبيح فعل الناس، فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله، فرفع أمرهم إلى ~~الملك، وقيل له إنهم قد فارقوا دينك واستخفوا آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم ~~الملك في مجلسه وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته وتوعدهم على فراق ذلك ~~بالقتل، فقالوا له فيما روي ربنا رب السماوات والأرض [الكهف: 14] إلى قوله ~~وإذ اعتزلتموهم [الكهف: 16] ، وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به، ~~فقال لهم الملك إنكم شبان أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم، بل أستأني، ~~فاذهبوا إلى منازلكم ودبروا رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ذلك أجلا، ~~ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدهم ~~إني أعرف كهفا في جبل كذا كان أبي يدخل فيه غنمه، فلنذهب إليه فنختفي فيه ~~حتى يفتح الله لنا، فخرجوا ms2226 فيما روي يلعبون بالصولجان والكرة وهم يدحرجونها ~~إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم، وقيل إنهم كانوا مثقفين فحضر عيد ~~أخرجوا له فركبوا في جملة الناس، ثم أخذوا في اللعب بالصولجان حتى خلصوا ~~بذلك، وروت فرقة أن أمر أصحاب الكهف إنما كان PageV03P498 # أنهم كانوا من أبناء الأشراف فحضر عيد لأهل المدينة فرأى الفتيان ما ~~يمتثله الناس في ذلك العيد من الكفر وعبادة الأصنام والذبح لها، فوقع ~~الإيمان في قلوبهم وأجمعوا على مفارقة الناس لئلا ينالهم العذاب معهم، ~~فزايلوا الناس، وذهبوا إلى الكهف، وروى وهب بن منبه أن أمرهم إنما كان أن ~~حواريا لعيسى ابن مريم، جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها، فآجر نفسه ~~من صاحب الحمام فكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة ~~فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة، فنشر فيهم ~~الإيمان وعرفهم الله تعالى، فآمنوا واتبعوه على دينه، واشتهرت خلطتهم به، ~~فأتى يوما إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة بغي أراد الخلوة بها، فنهاه ذلك ~~الحواري فانتهى، ثم جاءه مرة أخرى فنهاه فشتمه وأمضى عزمه في دخول الحمام ~~مع البغي، فدخل فماتا فيه جميعا، فاتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتله، ففروا ~~جميعا حتى دخلوا الكهف، وقال عبيد بن عمير: إن أصحاب الكهف كانوا فتية ~~أبناء العظماء مطوقين مسورين ذوي ذوائب قد داخلهم الإيمان أفذاذا، وأزمع ~~واحد منهم الفرار بدينه من بلد الكفر، فأخرجهم الله في يوم واحد لما أراده ~~بهم، فخرج أحدهم فجلس في ظل شجرة على بعد من المدينة، فخرج ثان، فلما رأى ~~الجالس جلس إليه، ثم الثالث ثم الباقون حتى كمل جميعهم في ظل الشجرة، فألقى ~~الله في نفوسهم أن غرضهم واحد، فتساءلوا، ففزع بعضهم من بعض وتكتموا، ثم ~~تراضوا برجلين منهم، وقالوا لنفرد أو تواثقا وليفش كل واحد منكما سره إلى ~~صاحبه، فإن اتفقتما كنا معكما، فنهضا بعيدا وتكلما فأفصحا بالإيمان والهروب ~~بالدين فرجعا وفضحا الأمر وتابعهما الآخرون ونهضوا إلى الكهف، وأما الكلب ~~فروي أنه كان كلب صيد ms2227 لبعضهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب ~~فاتبعهم الراعي على رأيهم، وذهب الكلب معهم، واسم الكلب حمران، وقيل قطير، ~~فدخلوا الغار على جميع هذه الأقوال فروت فرقة أن الله عز وجل «ضرب على ~~آذانهم» عند ذلك لما أراده من سترهم، وخفي على أهل المملكة مكانهم، وعجب ~~الناس من غرابة فقدهم، فأرخوا ذلك ورقموه # في لو حين من رصاص أو نحاس، وجعلوه على باب المدينة فيه أسماؤهم وأسماء ~~آبائهم وذكر شرفهم، وأنهم فقدوا بصورة كذا في وقت كذا، وقيل إن الذي كتب ~~هذا وتهمم به رجلان قاضيان مؤمنان يكتمان إيمانهما من أهل بيت المملكة، ~~وتسترا بذلك ودفنا اللوحين عندهما: وقيل على الرواية بأن الملك أتى باب ~~الغار، وأنهما دفنا ذلك في بناء الملك على الغار، وروت فرقة أن الملك لما ~~ذهب الفتية أمر بقص آثارهم، فانتهى ذلك بمتبعيهم إلى باب الغار، فعرف ~~الملك، فركب في جنده حتى وقف عليه، فأمر بالدخول عليهم فهاب الرجال ذلك، ~~فقال له بعض وزرائه ألست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم، قال نعم، قال فأي ~~قتلة أبلغ من الجوع والعطش، ابن عليهم باب الغار ودعهم يموتوا فيه، ففعل، ~~وقد «ضرب الله على آذانهم» قبل ذلك لما أراد من تأمينهم، وأرخ الناس أمرهم ~~في اللوحين، أو أرخه الرجلان بحسب الخلاف، واسم أحد الرجلين فيما ذكر ~~الطبري بندروس، واسم الآخر روناس، وروي أن هذا الملك الذي فر الفتية من ~~دينه، كان قد امتحن الله به المؤمنين حيث أحس بهم، يقتلهم ويعلقهم أشخاصا ~~ورؤوسا على أسوار مدينته، وكان يريد أن يذهب فيما ذكر، دين عيسى، وكان هو ~~وقومه من الروم، ثم أخبر الله تعالى عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف أي ~~دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام، دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده ~~رحمة، وهي الرزق فيما ذكر PageV03P499 # المفسرون، وأن يهيىء لهم من أمرهم رشدا أي خلاصا جميلا، وقرأ الجمهور ~~«رشدا» بفتح الراء والشين، وقرأ أبو رجاء «رشدا» بضم الراء وسكون الشين، ~~والأولى أرجح لشبهها بفواصل ms2228 الآيات قبل وبعد، وهذا الدعاء منهم كان في أمر ~~دنياهم، وألفاظه تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها، ~~وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية فقط، فإنها كافية، ~~ويحتمل ذكر «الرحمة» أن يراد بها أمر الآخرة وقد اختصرت هذا القصص، ولم ~~أغفل من مهمه شيئا بحسب اجتهادي، والله المعين برحمته، وقوله فضربنا على ~~آذانهم الآية عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم، ويعبر عن هذا ونحوه ب ~~«الضرب» لتبين قوة المباشرة وشدة اللصوق في الأمر المتكلم فيه والإلزام، ~~ومنه ضرب الذلة والمسكنة، ومنه ضرب الجزية، ومنه ضرب البعث. ومنه قول ~~الفرزدق: [الكامل] # ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل # فهذا يستعمل في اللزوم البليغ، وأما تخصيص «الآذان» بالذكر فلأنها ~~الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ~~ولا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع، ومن ذكر الأذن في النوم قوله صلى الله ~~عليه وسلم «ذلك رجل بال الشيطان في أذنه» أشار عليه السلام إلى رجل طويل ~~النوم لا يقوم بالليل، وقوله عددا نعت للسنين، والقصد به العبارة عن ~~التكثير، أي تحتاج إلى عدد وهي ذات عدد، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصب ~~عددا على المصدر، و «البعث» التحريك بعد سكون، وهذا مطرد مع لفظة البعث حيث ~~وقعت، وقد يكون السكون في الشخص أو عن الأمر المبعوث فيه وإن كان الشخص ~~متحركا، وقوله لنعلم عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، وهذا على نحو ~~كلام العرب أي لنعلم ذلك موجودا، وإلا فقد كان الله تعالى علم أي الحزبين ~~أحصى الأمد وقرأ الزهري «ليعلم» بالياء، و «الحزبان» الفريقان، والظاهر من ~~الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلا، والحزب الثاني هم ~~أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر ~~الفتية، وهذا قول الجمهور من المفسرين، وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين ~~اختلفا في مدة أصحاب الكهف، وقالت فرقة: # هما حزبان من ms2229 المؤمنين، وهذا لا يرتبط من ألفاظ الآية، وأما قوله أحصى ~~فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض، وأمدا منصوب به على المفعول، و «الأمد» ~~الغاية، وتأتي عبارة عن المدة من حيث للمدة غاية هي أمدها على الحقيقة، ~~وقال الزجاج: أحصى هو أفعل، وأمدا على هذا نصب على التفسير، ويلحق هذا ~~القول من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، وأحصى فعل ~~رباعي، ويحتج لقول أبي إسحاق بأن أفعل من الرباعي قد كثر، كقولك ما أعطاه ~~للمال، وآتاه للخير، وقال النبي عليه السلام في صفه جهنم: «هي أسود من ~~القار» وقال في صفة حوضه عليه السلام «ماؤه أبيض من اللبن» وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه «فهو لما سواها أضيع» وهذه كلها أفعل من الرباعي، وقال ~~مجاهد: # أمدا معناه عددا، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب، وقال الطبري: نصب ~~أمدا ب لبثوا، وهذا غير متجه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 13 الى 16] # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا ~~على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها ~~لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) وإذ اعتزلتموهم وما ~~يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من ~~أمركم مرفقا (16) PageV03P500 # لما اقتضى قوله لنعلم أي الحزبين أحصى [الكهف: 12] اختلافا وقع في أمر ~~الفتية، عقب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع، وفي مجموع ~~هذه الآيات جواب قريش عن سؤالهم الذي أمرتهم به بنو إسرائيل. و «القص» ~~الإخبار بأمر يسرد، لا بكلام يروى شيئا شيئا، لأن تلك المخاطبة ليست بقصص، ~~وقوله وزدناهم هدى أي يسرناهم للعمل الصالح والانقطاع إلى الله عز وجل ~~ومباعدة الناس والزهد في الدنيا، وهذه زيادات على الإيمان. وقوله وربطنا ~~على قلوبهم عبارة عن شدة عزم وقوة صبر أعطاها الله ms2230 لهم، ولما كان الفزع ~~وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال، حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه ~~الربط، ومنه يقال: فلان رابط الجأش إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب ~~وغيرها، ومنه الربط على قلب أم موسى، وقوله إذ قاموا فقالوا يحتمل معنيين، ~~أحدهما أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر، فإنه مقام يحتاج إلى ~~الربط على القلب حيث صلبوا عليه وخالفوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته، ~~والمعنى الثاني أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله ~~ومنابذة الناس، كما تقول قام فلان إلى أمر كذا إذا اعتزم عليه بغاية الجد، ~~وبهذه الألفاظ التي هي قاموا فقالوا تعلقت الصوفية في القيام والقول، وقرأ ~~الأعمش «إذ قاموا قياما فقالوا» ، وقولهم: لقد قلنا إذا شططا أي لو دعونا ~~من دون ربنا إلها، والشطط الجور، وتعدي الحد والغلو بحسب الأمر، ومنه اشتط ~~الرجل في السوم إذا طلب في سلعته فوق قيمتها، ومنه شطوط النوى والبعد، ومن ~~اللفظة قول الشاعر: # [الطويل] # ألا يا لقوم قد اشتط عواذلي ... ويزعمن أن أودى بحقي باطلي # وقولهم: هؤلاء قومنا مقالة تصلح أن تكون مما قالوا في مقامهم بين يدي ~~الملك، وتصلح أن تكون من قول بعضهم لبعض عند قيامهم للأمر الذي عزموا عليه، ~~وقولهم: لولا يأتون تحضيض بمعنى التعجيز، لأنه تحضيض على ما لا يمكن، وإذا ~~لم يمكنهم ذلك لم يجب أن تلفت دعواهم، و «السلطان» الحجة، وقال قتادة: ~~المعنى بعذر بين، وهذه عبارة محلقة، ثم عظموا جرم الداعين مع الله آلهة ~~وظلمهم بقوله على جهة التقرير فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وقولهم وإذ ~~اعتزلتموهم الآية أن القيام في قوله إذ قاموا عزما كما تضمن التأويل الواحد ~~وكان القول منهم فيما بينهم فهذه المقالة يصح أن تكون من قولهم الذي قالوه ~~عند قيامهم، وإن كان القيام المذكور مقامهم بين يدي الملك فهذه المقالة لا ~~يترتب أن تكون من مقالهم بين يدي الملك، بل يكون في الكلام حذف تقديره وقال ~~بعضهم ms2231 لبعض، وبهذا يترجح أن قوله تعالى: إذ قاموا فقالوا إنما المراد به إذ ~~عزموا ونفذوا لأمرهم، وقوله إلا الله إن فرضنا PageV03P501 # الكفار الذين فر أهل الكهف منهم لا يعرفون الله ولا علم لهم به، وإنما ~~يعتقدون الألوهية في أصنامهم فقط، فهو استثناء منقطع ليس من الأول، وإن ~~فرضناهم يعرفون الله ويعظمونه كما كانت تفعل العرب لكنهم يشركون أصنامهم ~~معه في العبادة فالاستثناء متصل، لأن الاعتزال وقع في كل ما يعبد الكفار ~~إلا في جهة الله تعالى، وفي مصحف ابن مسعود «وما يعبدون من دون الله» ، قال ~~قتادة هذا تفسيرها، قال هارون وفي بعض مصاحفه «وما يعبدون من دوننا» ، فعلى ~~ما قال قتادة تكون إلا بمنزلة غير، وما من قوله وما يعبدون في موضع نصب ~~عطفا على الضمير في قوله اعتزلتموهم، ومضمن هذه الآية أن بعضهم قال لبعض إذ ~~فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله ~~تعالى فإنه سيبسط لنا رحمته وينشرها علينا ويهيىء لنا من أمرنا مرفقا، وهذا ~~كله دعاء بحسب الدنيا، وعلى ثقة من الله كانوا في أمر آخرتهم، وقرأ نافع ~~وابن عامر «مرفقا» بفتح الميم وكسر الفاء، وهو مصدر كالرفق فيما حكى أبو ~~زيد، وهي قراءة أبي جعفر والأعرج وشيبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ~~وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق «مرفقا» بكسر الميم ~~وفتح الفاء، ويقالان جميعا في الأمر وفي الجارحة، حكاه الزجاج، وذكر مكي عن ~~الفراء أنه قال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا كسر الميم، ~~وأنكر الكسائي أن يكون «المرفق» من الجارحة إلا بفتح الميم وكسر الفاء، ~~وخالفه أبو حاتم، وقال «المرفق» بفتح الميم الموضع كالمسجد وهما بعد لغتان. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 17 الى 18] # وترى الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات ~~الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا ms2232 وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين ~~وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا (18) # بين هاتين الآيتين اقتضاب يبينه ما تقدم من الآيات، تقديره فآووا وضرب ~~الله على آذانهم ومكثوا كذلك، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «تزاور» ~~بتشديد الزاي وإدغام التاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «تزاور» بتخفيفها ~~بتقدير تتزاور فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر وابن أبي إسحاق وقتادة ~~«تزور» في وزن تحمر، وقرأ الجحدري وأبو رجاء «تزوار» بألف بعد الواو، ومعنى ~~اللفظة على كل هذا التصريف تعدل وتروغ وتميل، وهذه عبارات المفسرين، أما أن ~~الأخفش قال «تزور» معناه تنتقض والزور الميل، والأزور في العين المائل ~~النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين كقول ابن أبي ربيعة: # وجنبي خيفة القوم أزور ومن اللفظة قول عنترة: [الكامل] فازور من وقع ~~القنا بلبانه ومنه قول بشر بن أبي حازم: [الوافر] PageV03P502 # تؤم بها الحداة مياه نخل ... وفيها عن أبانين ازورار # وفي حديث غزوة مؤتة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد ~~الله بن رواحة ازورارا عن سرير جعفر وزيد بن حارثة، وقرأ الجمهور «تقرضهم» ~~بالتاء، وفرقة «يقرضهم» بالياء، أي الكهف كأنه من القرض وهو القطع، أي ~~يقتطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس، وجمهور من قرأ بالتاء، فالمعنى أنهم ~~كانوا لا تصيبهم شمس البتة وهو قول ابن عباس، فيتأولون «تقرضهم» بمعنى ~~تتركهم، أي كأنها عنده تقطع كل ما لا تناله عن نفسها، وفرقة ممن قرأ بالتاء ~~تأول أنها كانت بالعشي تنالهم، فكأنها «تقرضهم» أي تقتطعهم مما لا تناله، ~~وقالوا كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم، وحكى الطبري أن العرب تقول: # قرضت موضع كذا أي قطعته، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] # إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف ... شمالا وعن أيمانهن الفوارس # ومنه أقرضني درهما أي اقطعه لي من مالك، وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه ~~كان لهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته، وحكى ~~الزجاج وغيره قال: كان باب ms2233 الكهف ينظر إلى بنات نعش، وقاله عبد الله بن ~~مسلم وهذا نحو ما قلناه، غير أن الكهف كان مستور الأعلى من المطر، وذهب ~~الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله تعالى دون أن يكون باب الكهف إلى ~~جهة توجب ذلك، وقوله ذات اليمين وذات الشمال يحتمل أن يريد ذات يمين الكهف ~~بأن نقدر باب الكهف بمثابة وجه إنسان فإن الشمس تجيء منه أول النهار عن ~~يمين، وآخره عن شمال، ويحتمل أن يريد ذات يمين الشمس وذات شمالها، بأن نقدر ~~الشعاع الممتد منها إلى الكهف بمثابة وجه إنسان، والوجه الأول أصح و ~~«الفجوة» المتسع وجمعها فجى، قال قتادة: في فضاء منه، ومنه الحديث كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسير العنف فإذا وجد فجوة نص، وقال ابن جبير: في ~~فجوة في مكان داخل، وقوله ذلك من آيات الله الإشارة إلى الأمر بجملته، وعلى ~~قول الزجاج إن الشمس كانت تزاور وتقرض دون حجاب تكون الإشارة إلى هذا ~~المعنى خاصة ثم تابع بتعظيم الله عز وجل والتسليم له وما يقتضي صرف الآمال ~~إليه، وقوله وتحسبهم الآية، صفة حال قد نقضت وجاءت أفعالها مستقبلة تجوزا ~~واتساعا وأيقاظا جمع يقظ كعضد وأعضاد، وهو المنتبه قال أهل التفسير: كانت ~~أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فلذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظا. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان ~~عليهم وقلة التغير، وذلك أن الغالب على النوام أن يكون لهم استرخاء وهيئات ~~تقتضي النوم، ورب نائم على أحوال لم يتغير عن حالة اليقظة فيحسبه الرائي ~~يقظانا وإن كان مسدود العينين، ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين ~~في أن يحسب عليهم التيقظ، وقرأ الجمهور «ونقلبهم» بنون العظمة، وقرأ الحسن ~~«وتقلبهم» بالتاء المفتوحة وضم اللام والباء، وهو مصدر مرتفع بالابتداء، ~~قاله أبو حاتم، وحكى ابن جني القراءة عن الحسن بفتح التاء وضم اللام وفتح ~~الباء، وقال هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال وترى أو تشاهد تقلبهم، وأبو حاتم ~~أثبت، ورأت ms2234 فرقة أن التقلب هو الذي من أجله كان الرائي يحسبهم أيقاظا وهذا ~~وإن كان التقلب PageV03P503 # لمن صادف رؤيته دليلا على ذلك، فإن ألفاظ الآية لم تسقه إلا خبرا ~~مستأنفا، وقال أبو عياض: كان هذا التقليب مرتين في السنة، وقالت فرقة كل ~~سبع سنين مرة، وقالت فرقة إنما قلبوا في التسع الأواخر، وأما في الثلاثمائة ~~فلا، وذكر بعض المفسرين أن تقلبهم إنما كان حفظا من الأرض، وروي عن ابن ~~عباس أنه قال لو مستهم الشمس لأحرقتهم، ولولا التقليب لأكلتهم الأرض. # قال القاضي أبو محمد: وآية الله في نومهم هذه المدة الطويلة وحياتهم دون ~~تغد أذهب في الغرابة من حفظهم مع مس الشمس ولزوم الأرض ولكنها روايات تجلب. ~~وتتأمل بعد، وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان بأمر الله وفعل ملائكته، ~~ويحتمل أن يكون ذلك بإقدار الله إياهم على ذلك وهم في غمرة النوم لا ~~ينتبهون كما يعتري كثيرا من النوام، لأن القوم لم يكونوا موتى. وقوله ~~وكلبهم أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة كان لصيد أحدهم فيما روي، وقيل كان ~~لراع مروا عليه فصحبهم وتبعه الكلب. # قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت أبا الفضل ~~الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من ~~أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم ~~تنزيله، وقيل كان أنمر، وقيل أحمر، وقالت فرقة كان رجلا طباخا لهم حكاه ~~الطبري ولم يسم قائله، وقالت فرقة: كان أحدهم وكان قعد عند باب الغار طليعة ~~لهم. # قال القاضي أبو محمد: فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، ~~كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا لأنه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له ~~كلب الحيار: أما أن هذا القول يضعفه بسط الذراعين، فإنهما في العرف من صفة ~~الكلب حقيقة ومنه قول النبي عليه السلام: «ولا يبتسط أحدكم ذراعيه في ~~السجود ابتساط الكلب» ، وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرىء ~~«وكالبهم باسط ms2235 ذراعيه» فيحتمل أن يريد ب «الكالب» هذا الرجل، على ما روي إذ ~~بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة، ~~المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد ب «الكالب» الكلب، وقوله باسط ذراعيه أعمل ~~اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنها حكاية حال، ولم يقصد الإخبار عن فعل ~~الكلب، و «الوصيد» العتبة لباب الكهف أو موضعها حيث ليست. وقال ابن عباس ~~ومجاهد وابن جبير «الوصيد» الفناء، وقال ابن عباس أيضا «الوصيد» الباب، ~~وقال ابن جبير أيضا «الوصيد» التراب، والقول الأول أصح، والباب الموصد هو ~~المغلق، أي قد وقف على وصيده، ثم ذكر الله عز وجل ما حفهم من الرعب ~~واكتنفهم من الهيبة، وقرأ «لو اطلعت» بكسر الواو جمهور القراء، وقرأ الأعمش ~~وابن وثاب «لو اطلعت» بضمها. وقد ذكر ذلك عن نافع وشيبة وأبي جعفر، وقرأ ~~ابن كثير ونافع وابن عباس وأهل مكة والمدينة «لملئت» بشد اللام على تضعيف ~~المبالغة أي ملئت ثم ملئت ثم ملئت، وقرأ الباقون «لملئت» بتخفيف اللام ~~والتخفيف أشهر في اللغة، وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي: [الطويل] # وإذ فتك النعمان بالناس محرما ... فملىء من كعب بن عوف سلاسله # وقالت فرقة إنما حفهم هذا الرعب لطول شعورهم وأظفارهم، ذكره المهدوي ~~والزجاج، وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذا، لم يقولوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم [الكهف: 19] وإنما الصحيح في PageV03P504 # أمرهم، أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها، لتكون لهم ~~ولغيرهم فيهم آية، فلم يبل لهم ثوب، ولا تغيرت صفة، ولا أنكر الناهض إلى ~~المدينة إلا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه ~~أهم، ولروي ذلك، وقرأ الجمهور «رعبا» بسكون العين، وقرأ «رعبا» بضمها أبو ~~جعفر وعيسى، قال أبو حاتم: هما لغتان. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 19 الى 20] # وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ms2236 فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم ~~أحدا (19) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا ~~إذا أبدا (20) # الإشارة بذلك إلى الأمر الذي ذكر الله في جهتهم، والعبرة التي فعلها ~~فيهم، و «البعث» التحريك عن سكون، واللام في قوله ليتسائلوا لام الصيرورة، ~~لأن بعثهم لم يكن لنفس تساؤلهم، وقول القائل كم لبثتم يقتضي أنه هجس في ~~خاطره طول نومهم، واستشعر أن أمرهم خرج عن العادة بعض الخروج، وظاهر أمرهم ~~أنهم انتبهوا في حال من الوقت والهواء الزمني، لا تباين التي ناموا فيها، ~~وأما أن يجدد الأمر جدا فبعيد، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي ~~وحفص عن عاصم «بورقكم» بكسر الراء وقرأ أبو عمرو وحده وأبو بكر عن عاصم ~~«بورقكم» بسكون الراء وهما لغتان، وحكى الزجاج قراءة «بورقكم» بكسر الواو ~~وسكون الراء دون إدغام، وروي عن أبي عمرو الإدغام، وإنما هو إخفاء، لأن ~~الإدغام مع سكون الراء متعذر، وأدغم ابن محيصن القاف في الكاف قال أبو ~~حاتم: وذلك إنما يجوز مع تحريك الراء، وقرأ علي بن أبي طالب «بوارقكم» ، ~~اسم جمع كالحامل والباقر، وقرأ أبو رجاء، «بورقكم» بكسر الواو والراء ~~والإدغام، ويروى أنهم انتبهوا جياعا، وأن المبعوث هو تلميخا، وروي أنهم ~~صلوا كأنما ناموا ليلة واحدة، وبعثوا تلميخا في صبيحتها، وروي أن باب الكهف ~~انهدم بناء الكفار منه بطول السنين، وروي أن راعيا هدمه ليدخل فيه غنمه، ~~فأخذ تلميخا ثيابا رثة منكرة ولبسها، وخرج من الكهف، فأنكر ذلك البناء ~~المهدوم إذ لم يعرفه، ثم مشى فجعل ينكر الطريق والمعالم ويتحير، وهو في ذلك ~~لا يشعر شعورا تاما، بل يكذب ظنه فيما تغير عنده حتى بلغ باب المدينة، فرأى ~~على بابها أمارة الإسلام، فزادت حيرته وقال كيف هذا بلد دقيوس، وبالأمس كنا ~~معه تحت ما كنا، فنهض إلى باب آخر فرأى نحوا من ذلك، حتى مشى الأبواب كلها، ~~فزادت حيرته، ولم يميز بشرا، وسمع الناس يقسمون باسم عيسى، فاستراب بنفسه ~~وظن أنه جن، أو انفسد عقله، فبقي حيران ms2237 يدعو الله تعالى، ثم نهض إلى بائع ~~الطعام الذي أراد شراءه فقال يا عبد الله بعني من طعامك بهذه الورق، فدفع ~~إليه دراهم كأخفاف الربع فيما ذكر، فعجب لها البياع، ودفعها إلى آخر بعجبه، ~~وتعاطاها الناس وقالوا له هذه دراهم عهد فلان الملك، من أين أنت، وكيف وجدت ~~هذا الكنز؟ # فجعل يبهت ويعجب، وقد كان بالبلد مشهورا هو وبيته، فقال: ما أعرف غير أني ~~وأصحابي خرجنا بالأمس PageV03P505 # من هذه المدينة فقال الناس هذا مجنون، اذهبوا به إلى الملك، ففزع عند ذلك ~~فذهب به حتى جيء به الملك، فلما لم يردقيوس الكافر تأنس، وكان ذلك الملك ~~مؤمنا فاضلا يسمى ببدوسيس فقال له الملك أين وجدت هذا الكنز؟ فقال له إنما ~~خرجت أنا وأصحابي أمس من هذه المدينة فأوينا إلى الكهف الذي في جبل الجلوس، ~~فلما سمع الملك ذلك قال في بعض ما روي، لعل الله قد بعث لكم أيها الناس آية ~~فلنسر إلى الكهف معه حتى نرى أصحابه، فسار وروي أنه أو بعض جلسائه قال: ~~هؤلاء هم الفتية الذين أرخ أمرهم على عهد دقيوس الملك، وكتب على لوح النحاس ~~بباب المدينة، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه، فلما انتهوا إلى الكهف ~~قال تمليخا: أدخل عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمر، وأن ~~الأمة أمة إسلام، فروي أنهم سروا وخرجوا إلى الملك، وعظموه وعظمهم، ثم ~~رجعوا إلى كهفهم، وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حيث حدثهم تمليخا، ~~فانتظرهم الناس فلما أبطأ خروجهم، دخل الناس إليهم فرعب كل من دخل، ثم ~~أقدموا فوجدوهم موتى، فتنازعوا بحسب ما يأتي في تفسير الآية التي بعد هذه، ~~وفي هذا القصص من اختلاف الروايات والألفاظ ما تضيق به الصحف، فاختصرته، ~~وذكرت المهم الذي به تتفسر ألفاظ هذه الآية، واعتمدت الأصح، والله المعين ~~برحمته، وفي هذه البعثة بالورق الوكالة وصحتها، وقد وكل علي بن أبي طالب ~~أخاه عقيلا عند عثمان رضي الله عنهم، وقرأ الجمهور «فلينظر» بسكون لام ~~الأمر، وقرأ الحسن «فلينظر» بكسرها، وأزكى معناه أكثر فيما ذكر عكرمة، ms2238 وقال ~~قتادة معناه خير، وقال مقاتل: # المراد أطيب، وقال ابن جبير: المراد أحل. # قال القاضي أبو محمد: وهو من جهة ذبائح الكفرة وغير ذلك فروي أنه أراد ~~شراء زبيب، وقيل بل شراء تمر، وقوله وليتلطف أي في اختفائه وتحيله، وقرأ ~~الحسن «وليتلطف» بكسر اللام، والضمير في إنهم عائد على الكفار، آل دقيوس، ~~ويظهروا عليكم معناه يثقفوكم بعلوهم وغلبتهم، وقولهم يرجموكم قال الزجاج ~~معناه بالحجارة. # قال القاضي أبو محمد: وهو الأصح، لأنه كان عازما على قتلهم لو ظفر بهم، و ~~«الرجم» فيما سلف هي كانت على ما ذكر قتلة مخالف دين الناس، إذ هي أشفى ~~لحملة ذلك الدين، ولهم فيها مشاركة، وقال حجاج، يرجموكم معناه بالقول، ~~وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : آية 21] # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) # الإشارة بذلك في قوله وكذلك إلى بعثناهم ليتسائلوا [الكهف: 19] أي كما ~~بعثناهم أعثرنا عليهم، و «أعثر» تعدية عثر بالهمزة، وأصل العثار في القدم، ~~فلما كان العاثر في الشيء منتبها له شبه به من تنبه لعلم شيء عن له وثار ~~بعد خفائه، والضمير في قوله ليعلموا يحتمل أن يعود على الأمة PageV03P506 # المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم، وإلى هذا ذهب الطبري، وذلك أنهم، ~~فيما روي، دخلتهم حينئذ فتنة في أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ~~ذلك بعض الناس واستبعدوه، وقالوا إنما تحشر الأرواح، فشق على ملكهم ذلك ~~وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمره لهم، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد، ~~وتضرع إلى الله في حجة وبيان، فأعثر الله على أهل الكهف، فلما بعثهم الله، ~~وتبين الناس أمرهم، سر الملك ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين به، ~~وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله إذ يتنازعون بينهم أمرهم على هذا التأويل، ~~ويحتمل أن يعمل في أن على هذا التأويل، أعثرنا، ويحتمل ms2239 أن يعمل فيه ~~ليعلموا، والضمير في قوله ليعلموا يحتمل أن يعود على أصحاب الكهف، أي جعل ~~الله أمرهم آية لهم دالة على بعث الأجساد من القبور، وقوله إذ يتنازعون على ~~هذا التأويل ابتداء خبر عن القوم الذين بعثوا على عهدهم، والعامل في إذ، ~~فعل مضمر تقديره واذكر، ويحتمل أن يعمل فيه فقالوا إذ يتنازعون ابنوا ~~عليهم. والتنازع على هذا التأويل، إنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في ~~أمر القيامة، و «الريب» : الشك، والمعنى أن الساعة في نفسها وحقيقتها لا شك ~~فيها، وإن كان الشك قد وقع لناس، فذلك لا يلحقها منه شيء، وقيل إن التنازع ~~إنما هو في أن اطلعوا عليهم فقال بعض هم أموات، وبعض هم أحياء، وروي أن بعض ~~القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم، وتركهم فيه مغيبين، فقالت الطائفة الغالبة ~~على الأمر: لنتخذن عليهم مسجدا، فاتخذوه، وقال قتادة الذين غلبوا هم ~~الولاة، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي: «غلبوا» بضم الغين وكسر اللام، والمعنى ~~أن الطائفة التي أرادت المسجد كانت أولا تريد أن لا يبنى عليهم شيء، وأن لا ~~يعرض لموضعهم، فروي أن طائفة أخرى مؤمنة أرادت ولا بد طمس الكهف، فلما غلبت ~~الأولى على أن يكون بنيان ولا بد، قالت يكون مسجدا، فكان، وروي أن الطائفة ~~التي دعت إلى البنيان، إنما كانت كافرة، أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم، ~~فمانعهم المؤمنون، وقالوا لنتخذن عليهم مسجدا، وروي عن عبيد بن عمير أن ~~الله عمى على الناس حينئذ أثرهم، وحجبهم عنهم، فلذلك دعا إلى بناء البنيان ~~ليكون معلما لهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 22 الى 24] # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن ~~يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) # الضمير في قوله ms2240 سيقولون يراد به أهل التوراة، من معاصري محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص، وقرأ ~~الجمهور «ثلاثة» ، وقرأ ابن محيصن «ثلاث» بإدغام التاء في الثاء، وقرأ شبل ~~عن ابن كثير «خمسة» بفتح الميم اتباعا لعشرة، وقرأ ابن محيصن «خمسة» بكسر ~~الخاء والميم، وقوله رجما بالغيب معناه ظنا، وهو مستعار من الرجم، كأن ~~الإنسان PageV03P507 # يرمي الموضع المشكل المجهول عنده بظنه المرة بعد المرة، يرجمه به عسى أن ~~يصيب، ومن هذا هو الترجمان وترجمة الكتاب، ومنه قول زهير: [الطويل] # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم # والواو في قوله وثامنهم طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر ~~إخبار عن عددهم، لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح ~~الكلام. وتقول فرقة منها ابن خالويه: # هي واو الثمانية، وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشا كانت ~~تقول في عددها ستة سبعة وثمانية تسعة، فتدخل الواو في الثمانية. # قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم شرحها، وهي في القرآن في قوله الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر [التوبة: 112] وفي قوله وفتحت [النبأ: 19] ، ~~وأما قوله تعالى: ثيبات وأبكارا [التحريم: 5] ، وقوله سبع ليال وثمانية ~~أيام [الحاقة: 7] فتوهم في هذين الموضعين أنها واو الثمانية وليست بها بل ~~هي لازمة لا يستغني الكلام عنها، وقد أمر الله تعالى نبيه عليه السلام في ~~هذه الآية أن يرد علم «عدتهم» إليه عز وجل، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر ~~قليل، والمراد به قوم من أهل الكتاب، وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك ~~القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، ويستدل على هذا من الآية: بأن القرآن ~~لما حكى قول من قال «ثلاثة وخمسة» قرن بالقول أنه رجم بالغيب فقدح ذلك ~~فيها، ثم حكى هذه المقالة ولم يقدح فيها بشيء، بل تركها مسجلة، وأيضا فيقوي ~~ذلك على القول بواو الثمانية لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح، وقوله ~~تعالى: فلا تمار فيهم ms2241 إلا مراء ظاهرا معناه على بعض الأقوال، أي بظاهر ما ~~أوحيناه إليك، وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى، وقيل معنى «الظاهر» أن ~~يقول ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا يحتج هو على أمر مقرر في ذلك فإن ذلك ~~يكون مراء في باطن من الأمر، وقال التبريزي: # ظاهرا معناه ذاهبا، وأنشد: # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. # ولم يبح له في هذه الآية أن يماري، ولكن قوله إلا مراء استعارة من حيث ~~يماريه أهل الكتاب، سميت مراجعته لهم مراء، ثم قيد بأنه ظاهر، ففارق المراء ~~الحقيقي المذموم. و «المراء» مشتق من المرية، وهو الشك، فكأنه المشاككة، ~~والضمير في قوله فيهم عائد على أهل الكهف، وفي قوله منهم عائد على أهل ~~الكتاب المعاصرين، وقوله فلا تمار فيهم يعني في عدتهم، وحذفت العدة لدلالة ~~ظاهر القول عليها، وقوله ولا تقولن لشيء الآية، عاتب الله تعالى فيها نبيه ~~عليه السلام على قوله للكفار غدا أخبركم يجواب أسئلتكم، ولم يستثن في ذلك، ~~فاحتبس عنه الوحي خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار به، فنزلت ~~عليه هذه السورة مفرجة، وأمر في هذه الآية أن يقول في أمر من الأمور: إني ~~أفعل غدا كذا وكذا إلا وأن يعلق ذلك بمشيئة الله عز وجل، واللام في قوله ~~لشيء بمنزلة في أو كأنه قال لأجل شيء، وقوله إلا أن يشاء الله في الكلام ~~حذف يقتضيه الظاهر، ويحسنه الإيجاز، تقديره: إلا ان تقول إلا أن يشاء الله، ~~أو إلا أن تقول إن شاء الله، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله، فليس إلا أن ~~يشاء الله من القول الذي نهي عنه وقالت فرقة: قوله إلا أن يشاء الله ~~استثناء من قوله ولا PageV03P508 # تقولن # وهذا قول حكاه الطبري ورد عليه، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى، ~~وقوله واذكر ربك إذا نسيت قال ابن عباس والحسن معناه، والإشارة به إلى ~~الاستثناء أي ولتستثن بعد مدة، إذا نسيت الاستثناء أولا لتخرج من جملة من ~~لم يعلق فعله بمشيئة الله، وقال ms2242 عكرمة: المعنى واذكر ربك إذا غضبت، وتكلم ~~الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين، والآية ليست في الأيمان، وإنما ~~هي في سنة الاستثناء في غير اليمين، ولكن من حيث تكلم الناس فيها، ينبغي أن ~~نذكر شيئا من ذلك، أما مالك رحمه الله وجميع أصحابه، فيما علمت، وكثير من ~~العلماء، فيقولون لا ينفع الاستثناء ويسقط الكفارة إلا أن يكون متصلا ~~باليمين، وقال عطاء له أن يستثني في قدر حلب الناقة الغزيرة، وقال قتادة إن ~~استثنى قبل أن يقول أو يتكلم فله ثنياه، وقال ابن حنبل له الاستثناء ما دام ~~في ذلك الأمر، وقاله ابن راهويه، وقال طاوس والحسن ينفع الاستثناء ما دام ~~الحالف في مجلسه، وقال ابن جبير ينفع الاستثناء بعد أربعة أشهر فقط، وقال ~~ابن عباس ينفع الاستثناء ولو بعد سنة، وقال مجاهد بعد سنتين، وقال أبو ~~العالية ينفع أبدا، واختلف الناس في التأويل على ابن عباس، فقال الطبري ~~وغيره إنما أراد ابن عباس أنه ينفع في أن يحصل الحالف في رتبة المستثنين ~~بعد سنة من حلفه، وأما الكفارة فلا تسقط عنه، قال الطبري ولا أعلم أحدا ~~يقول ينفع الاستثناء بعد مدة، يقول بسقوط الكفارة، قال ويرد ذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليكفر وليأت ~~الذي هو خير» . فلو كان الاستثناء يسقط الكفارة لكان أخف على الأمة، ولم ~~يكن لذكر الكفارة فائدة، وقال الزهراوي: إنما تكلم ابن عباس في أن ~~الاستثناء بعد سنة لمن قال أنا أفعل كذا ... لا لحالف أراد حل يمينه، وذهبت ~~فرقة من الفقهاء إلى أن مذهب ابن عباس سقوط الكفارة وألزموا كل من يقول ~~ينفع الاستثناء بعد مدة، إسقاط الكفارة، وردوا على القول بعد إلزامه، وليس ~~الاستثناء إلا في اليمين بالله، لا يكون في طلاق ونحوه، ولا في مشي إلى ~~مكة، هذا قول مالك وجماعة، وقال الشافعي وأصحاب الرأي وطاوس وحماد ~~الاستثناء في ذلك جائز، وليس في اليمين الغموس استثناء ينفع، ولا يكون ~~الاستثناء بالقول، ms2243 وإنما يكون قولا ونطقا، وقوله وقل عسى الآية، قال محمد ~~الكوفي المفسر: إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن، وإنها ~~كفارة لنسيان الاستثناء، وقال الجمهور هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص، ~~وقرأ الجمهور «يهديني» بإثبات الياء، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو، ~~وقرأ طلحة من مصرف دون ياء في الوصل، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة ~~والكسائي، والإشارة بهذا إلى الاستدراك الذي يقع من ناسي الاستثناء # . وقال الزجاج المعنى عسى أن ييسر الله من الأدلة على نبوتي أقرب من دليل ~~أصحاب الكهف. # قال القاضي أبو محمد: وما قدمته أصوب، أي عسى أن يرشدني فيما استقبل من ~~أمري وهذه الآية مخاطبة للنبي عليه السلام، وهي بعد تعم جميع أمته، لأنه ~~حكم يتردد الناس بكثرة وقوعه والله الموفق. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 25 الى 27] # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا ~~يشرك في حكمه أحدا (26) واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن ~~تجد من دونه ملتحدا (27) PageV03P509 # قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما ولبثوا في كهفهم الآية حكاية عن بني ~~إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود، وفي مصحفه: ~~«وقالوا لبثوا في كهفهم» ، وذلك عند قتادة، على غير قراءة عبد الله، عطف ~~على ويقولون سبعة [الكهف: 22] ، ذكره الزهراوي، ثم أمر الله نبيه بأن يرد ~~العلم إليه ردا على مقالهم وتقييدا له، قال الطبري: وقال بعضهم: لو كان ذلك ~~خبرا من الله، لم يكن لقوله قل الله أعلم بما لبثوا وجه مفهوم. # قال القاضي أبو محمد: أين ذهب بهذا القائل، وما الوجه المفهوم البارع إلا ~~أن تكون الآية خبرا عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم قل الله ~~أعلم بما لبثوا فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها ~~المخرصون، وقال المحققون: بل قوله تعالى: ms2244 ولبثوا في كهفهم الآية خبر من ~~الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار قل الله أعلم ~~بما لبثوا فقال الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد ~~الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ~~ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه أن هذه المدة في كونهم نياما، وأن ~~ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا ~~التأويل لبثوا الأول، يريد في نوم الكهف، ولبثوا الثاني: يريد بعد الإعثار ~~موتى إلى مدة محمد عليه السلام، إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي ~~سنذكره بعد، وقال بعضها إنه لما قال: وازدادوا تسعا لم يدر الناس أهي ~~ساعات، أم أيام، أم جمع، أم شهور، أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، ~~فأمره الله برد العلم إليه، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة، وظاهر كلام ~~العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف ~~بعد عيسى بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية، وحكى النقاش ما معناه: أنهم ~~لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ~~ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين ~~الحسابين، وقرأ الجمهور «ثلاثمائة سنين» بتنوين مائة ونصب «سنين» على البدل ~~من «ثلاثمائة» ، وعطف البيان، وقيل على التفسير والتمييز وقرأ حمزة ~~والكسائي ويحيى وطلحة والأعمش بإضافة «مائة» إلى «سنين» ، وترك التنوين، ~~وكأنهم جعلوا «سنين» بمنزلة سنة، إذ المعنى بهما واحد قال أبو علي: إذ هذه ~~الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب، قد تضاف ~~إلى الجموع، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: # «ثلاثمائة سنة» ، وقرأ الضحاك «ثلاثمائة سنون» ، بالواو، وقرأ أبو عمرو ~~بخلاف: «تسعا» بفتح التاء، وقرأ الجمهور «تسعا» بكسر التاء، وقوله أبصر به ~~وأسمع أي ما أبصره وأسمعه. قال قتادة: لا أحد أبصر من الله ولا ms2245 أسمع، وهذه ~~عبارات عن الإدراك، ويحتمل أن يكون المعنى: أبصر به أي بوحيه وإرشاده هداك ~~وحججك والحق من الأمور. وأسمع به العالم، فتكون أمرين، لا على وجه التعجب، ~~وقوله ما لهم من دونه من ولي يحتمل أن يعود الضمير في لهم على أصحاب الكهف، ~~أي هذه قدرته وحده، لم PageV03P510 # يوالهم غيره بتلطف لهم، ولا اشترك معه أحد في هذا الحكم، ويحتمل أن يعود ~~الضمير في لهم على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار ومشاقيه، ~~وتكون الآية اعتراضا بتهديد، وقرأ الجمهور «ولا يشرك في حكمه أحدا» بالياء ~~من تحت على معنى الخبر عن الله تعالى، وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء ~~وقتادة والجحدري «ولا تشرك» بالتاء من فوق، على جهة النهي للنبي عليه ~~السلام، ويكون قوله «ولا تشرك» عطفا على أبصر وأسمع، وقرأ مجاهد «ولا يشرك» ~~بالياء من تحت وبالجزم، قال يعقوب لا أعرف وجهه، وحكى الطبري عن الضحاك بن ~~مزاحم أنه قال: نزلت هذه الآية: ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة فقط، فقال الناس ~~هي أشهر أم أيام أم أعوام؟ فنزلت سنين وازدادوا تسعا وأما هل دام أهل الكهف ~~وبقيت أشخاصهم محفوظة بعد الموت؟ فاختلفت الروايات في ذلك، فروي عن ابن ~~عباس أنه مر بالشام في بعض غزواته، مع ناس على موضع الكهف وجبله، فمشى ~~الناس إليه، فوجدوا عظاما، فقالوا هذه عظام أصحاب الكهف، فقال لهم ابن ~~عباس: أولئك قوم فنوا وعدموا منذ مدة طويلة فسمعه راهب، فقال ما كنت أحسب ~~أن أحدا من العرب يعرف هذا، فقيل له هذا ابن عم نبينا فسكت، وروت فرقة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ليحجن عيسى ابن مريم ومعه أصحاب الكهف، ~~فإنهم لم يحجوا بعد. # قال القاضي أبو محمد: وبالشام على ما سمعت من ناس كثير، كهف كان فيه ~~موتى، يزعم محاويه أنهم أصحاب الكهف، وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم، ومعهم ~~كلب رمة، وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة، كهف فيه موتى ومعهم ~~كلب رمة، وأكثرهم ms2246 قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك، وقد مضت القرون السالفة ~~ولم نجد من علم شأنهم إشارة، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، دخلت إليهم ~~فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة، وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء ~~رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر محلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض ~~حزنة وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها ~~مدينة دقيوس، وجدنا في آثارها غرائب في قبور ونحوها. # قال القاضي أبو محمد: وإنما استسهلت ذكر هذا مع بعده لأنه عجب يتخلد ذكره ~~ما شاء الله عز وجل، وقوله واتل ما أوحي إليك الآية، من قرأ «ولا تشرك» ~~بالنهي، عطف قوله واتل عليه، ومن قرأ «ولا يشرك» ، جعل هذا أمرا بدىء به ~~كلام آخر ليس من الأول، وكأن هذه الآية، في معنى الإعتاب للنبي عليه ~~السلام، عقب العتاب الذي كان تركه الاستثناء، كأنه يقول هذه أجوبة الأسئلة ~~فاتل وحي الله إليك، أي اتبع في أعمالك، وقيل اسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من ~~كتاب ربك، لا نقض في قوله، ولا مبدل لكلماته، وليس لك سواه جانب تميل إليه، ~~وتستند، و «الملتحد» : الجانب الذي يمال إليه، ومعنى اللحد كأنه الميل في ~~أحد شقي القبر، ومنه الإلحاد في الحق، وهو الميل عن الحق، ولا يفسر قوله لا ~~مبدل لكلماته أمر النسخ لأن المعنى: إما أن يكون لا مبدل سواه فتبقى ~~الكلمات على الإطلاق، وإما أن يكون أراد من «الكلمات» الخبر ونحوه، مما لا ~~يدخله نسخ، والإجماع أن الذي لا يتبدل هو الكلام القائم بالذات الذي بحسبه ~~يجري القدر. فأما الكتب المنزلة فمذهب ابن عباس أنها لا تبدل إلا بالتأويل. PageV03P511 # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 28 الى 29] # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~إنا أعتدنا للظالمين ms2247 نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء ~~كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) # سبب هذه الآية أن عظماء الكفار قيل من أهل مكة، وقيل عيينة بن حصن ~~وأصحابه والأول أصوب، لأن السورة مكية، قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، يريدون عمار بن ياسر وصهيب ~~بن سنان وسلمان الفارسي وابن مسعود وغيرهم من الفقراء كبلال ونحوه، وقالوا ~~إن ريح جباتهم تؤذينا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرج إليهم وجلس بينهم، وقال الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت ~~أن أصبر نفسي معه، وروي أنه قال لهم رحبا بالذي عاتبني فيهم ربي، وروى ~~سلمان أن المؤلفة قلوبهم، عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذويهم، قالوا ما ~~ذكر، فنزلت الآية في ذلك. # قال القاضي أبو محمد: فالآية على هذا مدنية، ويشبه أن تكون الآية مكية، ~~وفعل المؤلفة قريش فرد بالآية عليهم، واصبر معناه احبس، ومنه المصبورة التي ~~جاء فيها الحديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الحيوان، أي ~~حبسه للرمي ونحوه، وقرأ الجمهور «بالغداة» ، وقرأ ابن عامر «بالغدوة» وهي ~~قراءة نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبي عبد الرحمن والحسن، وهي في الخط على ~~القراءتين بالواو، فمن يقرأها «بالغداة» يكتبها «بالغدوة» كما تكتب «الصلاة ~~والزكوة» ، وفي قراءة من قرأ «بالغدوة» ضعف لأن «غدوة» اسم معروف فحقه أن ~~لا تدخل عليه الألف واللام ووجه القراءة بذلك أنهم ألحقوها ضربا من التنكير ~~إذ قالوا حيث غدوة يريدون الغدوات فحسن دخول الألف واللام كقولهم الفينة ~~وفينة اسم معرف، والإشارة بقوله يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى الصلوات ~~الخمس. قاله ابن عمر ومجاهد وإبراهيم، وقال قتادة المراد صلاة الفجر، وصلاة ~~العصر. # قال القاضي أبو محمد: ويدخل في الآية من يدعو في غير صلاة، ومن يجتمع ~~لمذاكرة علم، وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~«لذكر الله بالغداة والعشي أفضل من ms2248 حطم السيوف في سبيل الله، ومن إعطاء ~~المال سحا» ، وقرأ أبو عبد الرحمن «بالغدو» دون هاء، وقرأ ابن أبي عبلة ~~«بالغدوات» «والعشيات» على الجمع، وقوله ولا تعد عيناك أي لا تتجاوز عنهم ~~إلى أبناء الدنيا والملابس من الكفار، وقرأ الحسن «ولا تعد عينيك» بضم ~~التاء وفتح العين وشد الدال المكسورة، أي لا تجاوزها أنت عنهم، وروي عنه ~~«ولا تعد عينيك» بضم التاء وسكون العين، وقوله من أغفلنا قيل إنه أراد بذلك ~~معينا وهو عيينة بن حصن، والأقرع قاله خباب، وقيل إنما أراد من هذه صفته، ~~وإنما المراد أولا كفار قريش، لأن الآية مكية، وقرأ الجمهور «أغفلنا قلبه» ~~بنصب الباء على معنى جعلناه غافلا، وقرأ عمرو بن PageV03P512 # فائد وموسى الأسواري «أغفلنا قلبه» على معنى أهمل ذكرنا وتركه، قال ابن ~~جني المعنى من ظننا غافلين عنه، وذكر أبو عمرو الداني أنها قراءة عمرو بن ~~عبيد و «الفرط» يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي أمره الذي يجب أن ~~يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، أي أمره وهواه الذي هو ~~بسبيله، وقد فسره المتأولون بالعبارتين: أعني التضييع والإسراف، وعبر خباب ~~عنه بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير ~~بالمعنى، وقوله تعالى: وقل الحق الآية، المعنى وقل لهم يا محمد هذا الحق من ~~ربكم أي هذا القرآن، أو هذا الإعراض عنكم، وترك الطاعة لكم، وصبر النفس مع ~~المؤمنين، وقرأ قعنب وأبو السمال «وقل» بفتح اللام قال أبو حاتم وذلك رديء ~~في العربية، وقوله فمن شاء فليؤمن الآية توعد وتهديد، أي فليختر كل امرئ ~~لنفسه ما يجده غدا عند الله عز وجل، وتأولت فرقة فمن شاء الله إيمانه ~~فليؤمن ومن شاء الله كفره فليكفر، وهو متوجه، أي فحقه الإيمان وحقه الكفر، ~~ثم عبر عن ذلك بلفظ الأمر الزما وتحريضا، ومن حيث للإنسان في ذلك التكسب ~~الذي به يتعلق ثواب الإيمان وعقاب الكفر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي «فليؤمن» ~~«وليكفر» بكسر اللامين وأعتدنا مأخوذ من العتاد وهو الشيء المعد الحاضر و ~~«السرادق» وهو ms2249 الجدار المحيط كالحجرة التي تدور وتحيط الفسطاط، وقد تكون من ~~نوع الفسطاط أديما أو ثوبا أو نحوه، ومنه قول رؤبة: [الرجز] # يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق والمجد عليك ممدود # ومنه قول سلامة بن جندل: [الطويل] # هو المولج النعمان بيتا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيت مسردق # وقال الزجاج «السرادق» كل ما أحاط بشيء. # قال القاضي أبو محمد: وهو عندي أخص مما قال الزجاج، واختلف في «سرادق» ~~النار فقال ابن عباس سرادقها حائط من نار وقالت فرقة سرادقها دخان يحيط ~~بالكفار، وقوله تعالى: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب [المرسلات: 30] وقالت ~~فرقة الإحاطة هي في الدنيا، والسرادق البحر، وروي هذا المعنى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من طريق يعلى بن أمية، فيجيء قوله تعالى: أحاط بهم أي ~~بالبشر ذكر الطبري الحديث عن يعلى قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«البحر هي جهنم» وتلا هذه الآية: ثم قال «والله لا أدخله أبدا أو ما دمت ~~حيا» ، وروي عنه أيضا عليه السلام من طريق أبي سعيد الخدري أنه قال «سرادق ~~النار أربعة جدور، كتف عرض كل جدار مسيرة أربعين سنة» ، وقوله عز وجل ~~يغاثوا أي يكون لهم مقام الغوث وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر] تحية بينهم ~~ضرب وجيع أي القائم مقام التحية و «المهل» قال أبو سعيد عن النبي عليه ~~السلام هو دردي الزيت إذا انتهى حده، وقالت فرقة هو كل مائع سخن حتى انتهى ~~حره، وقال ابن مسعود وغيره هو كل ما أذيب من ذهب أو فضة أو رصاص أو نحو هذا ~~من الفلز حتى يميع، وروي أن عبد الله بن مسعود أهديت إليه سقاية من ذهب أو ~~فضة فأمر بها فأذيبت حتى تميعت وتلونت ألوانا ثم دعا من ببابه من أهل ~~الكوفة، فقال ما رأيت في الدنيا PageV03P513 # شيئا أدنى شبها «بالمهل» من هذا، يريد أدنى شبها بشراب أهل النار، وقالت ~~فرقة «المهل» : الصديد والدم إذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر الصديق في ~~الكفن: «إنما هو للمهلة» ، يريد ms2250 لما يسيل من الميت في قبره، ويقوى هذا ~~بقوله ويسقى من ماء صديد [إبراهيم: 16] الآية. وقوله يشوي الوجوه روي في ~~معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تقرب الشربة من الكافر، فإذا ~~دنت منه تكرهها، فإذا دنت أكثر شوت وجهه، وسقطت فيها فروة وجهه، وإذا شرب ~~تقطعت أمعاؤه. و «المرتفق» ، الشيء الذي يرتفق به أي يطلب رفقه، و ~~«المرتفق» الذي هو المتكأ أخص من هذا الذي في الآية، لأنه في شيء واحد من ~~معنى الرفق، على أن الطبري قد فسر الآية به، والأظهر عندي أن يكون ~~«المرتفق» بمعنى الشيء الذي يطلب رفقه باتكاء وغيره، وقال مجاهد «المرتفق» ~~المجتمع كأنه ذهب بها إلى موضع الرفاقة، ومنه الرفقة، وهذا كله راجع إلى ~~الرفق، وأنكر الطبري أن يعرف لقول مجاهد معنى، والقول بين الوجه، والله ~~المعين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 30 الى 31] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك ~~لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ~~ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا (31) # قوله عز وجل: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا اعتراض مؤكد للمعنى، مذكر ~~بأفضال الله، منبه على حسن جزائه بين قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقوله أولئك، فقوله تعالى: # أولئك لهم جنات عدن ابتداء وخبر جملة، هي خبر إن الأولى، ونحو هذا من ~~الاعتراض قول الشاعر: [البسيط] # إن الخليفة إن الله ألبسه ... سربال ملك به ترجى الخواتيم # قال الزجاج: ويجوز أن يكون خبر إن في قوله إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ~~لأن المحسنين هم المؤمنون فكأن المعنى: لا يضيع أجرهم. # قال القاضي أبو محمد: ومذهب سيبويه أن الخبر في قوله لا نضيع على حذف ~~العائد تقديره، من أحسن عملا منهم، و «العدن» : الإقامة، ومنه المعدن، لأن ~~حجره مقيم فيه ثابت، وقوله من تحتهم يريد من تحت غرفهم، ومبانيهم، وقرأ ~~الجمهور «من ms2251 أساور» وروى أبان عن عاصم «أسورة» من غير ألف، وبزيادة هاء. ~~وواحد الأساور إسوار، حذفت الياء من الجمع لأن الباب أساوير، وهي ما كان من ~~الحلي في الذراع. وقيل أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، وإنما الإسوار ~~بالفارسية القائد ونحوه ويقال في حلي الذراع أسوار، ذكره أبو عبيدة معمر ~~ومنه قول الشاعر: [الرجز] # والله لولا صبية صغار ... كأنما وجوهم أقمار # تضمهم من العتيك دار ... أخاف أن يصيبهم إقتار PageV03P514 # أو لاضم ليس له أسوار ... لما رآني ملك جبار # ببابه ما وضح النهار أنشده أبو بكر بن الأنباري حاشية في كتاب أبي عبيدة، ~~و «السندس» : رقيق الديباج، و «الإستبرق» ما غلظ منه، وقال بعض الناس هي ~~لفظة أعجمية عربت، وأصلها استبره، وقال بعضهم بل هو الفعل العربي، سمي به ~~فهو إستبرق من الريق فغير حين سمي به بقطع الألف، ويقوي هذا القول أن ابن ~~محيصن قرأ «من سندس وإستبرق» فجاء موصول الهمزة حيث وقع ولا يجزمه، بل بفتح ~~القاف، ذكره الأهوازي، وذكره أبو الفتح، وقال هذا سهو أو كالسهو والأرائك ~~جمع أريكة هي السرير في المجال، والضمير في قوله وحسنت للجنات وحكى النقاش ~~عن أبي عمران الجوني أنه قال: «الإستبرق» الحرير المنسوج بالذهب، وحكى مكي ~~والزهراوي وغيرهما حديثا مضمنه أن قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، سأل ~~أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآي فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للأعرابي: أعلم قومك أنها نزلت في هؤلاء الأربعة، وهم حضور. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 32 الى 34] # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا ~~خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا (34) # الضمير في لهم عائد على الطائفة المتجبرة التي أرادت من النبي عليه ~~السلام أن يطرد فقراء المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة ms2252 والعشي [الكهف: ~~28] وعلى أولئك الداعين أيضا، فالمثل مضروب للطائفتين، إذ الرجل الكافر ~~صاحب الجنتين هو بإزاء متجبر في قريش أو بني تميم على الخلاف المذكور أولا، ~~والرجل المؤمن المقر بالربوبية، هو بإزاء بلال وعمار وصهيب وأقرانهم ~~وحففناهما بمعنى وجعلنا ذلك لها من كل جهة، تقول حفك الله بخير: أي عمك به ~~من جهاتك، و «الحفاف» الجانب من السرير والفدان ونحوه، وظاهر هذا المثل أنه ~~بأمر وقع وكان موجودا، وعلى ذلك فسره أكثر أهل هذا التأويل، ويحتمل أن يكون ~~مضروبا بمن هذه صفته وإن لم يقع ذلك في وجود قط، والأول أظهر، وروي في ذلك ~~أنهما كانا أخوين من بني إسرائيل، ورثا أربعة آلاف دينار فصنع أحدهما بماله ~~ما ذكر واشترى عبيدا وتزوج وأثرى وأنفق الآخر ماله في طاعات الله عز وجل ~~حتى افتقر، والتقيا ففخر الغني ووبخ المؤمن، فجرت بينهما هذه المحاورة، ~~وروي أنهما كانا شريكين حدادين، كسبا مالا كثيرا وصنعا نحو ما روي في أمر ~~الأخوين، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه، وذكر إبراهيم بن القاسم ~~الكاتب في كتابه في عجائب البلاد، أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين، ~~وكانتا لأخوين، فباع أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفق في طاعة الله حتى عيره ~~الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة، قال: فغرقها الله في ليلة وإياها عنى ~~بهذه الآية، PageV03P515 # وفي بسط قصصهما طول فاختصرته واقتصرت على معناه لقلة صحته، ولأن في هذا ~~ما يفي بفهم الآية، وتأمل هذه الهيئة التي ذكر الله، فإن المرء لا يكاد ~~يتخيل أجمل منها في مكاسب الناس: جنتا عنب أحاط بهما نخل، بينهما فسحة، هي ~~مزدرع لجميع الحبوب، والماء الغيل يسقى جميع ذلك من النهر الذي قد جمل هذا ~~المنظر، وعظم النفع، وقرب الكد، وأغنى عن النواضح وغيرها. وقرأ الجمهور ~~«كلتا» ، وفي مصحف عبد الله «كلا» ، والتاء في «كلتا» منقلبة من واو عند ~~سيبويه وهو بالتاء أو بغير التاء اسم مفرد واقع على الشيء المثنى، وليس ~~باسم مثنى، ومعناه كل واحدة منهما و «الأكل» ثمرها الذي ms2253 يؤكل منها، قال ~~الفراء: وفي قراءة ابن مسعود «كل الجنتين آتى أكله» ، وقوله ولم تظلم منه ~~شيئا أي لم تنقص عن العرف الأتم الذي يشبه فيها، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # تظلمني مالي كذا ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه # وقرأ الجمهور «وفجرنا» بشد الجيم، وقرأ سلام، ويعقوب وعيسى بن عمر. ~~«وفجرنا» بفتح الجيم دون شد، وقرأ الجمهور «نهرا» بفتح الهاء. وقرأ أبو ~~السمال، والفياض بن غزوان، وطلحة بن سليمان: # «نهرا» بسكون الهاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن ~~عباس ومجاهد وجماعة قراء المدينة ومكة «ثمر» و «بثمره» [الكهف: 42] بضم ~~الثاء والميم، جمع ثمار وقرأ أبو عمرو والأعمش وأبو رجاء بسكون الميم فيهما ~~تخفيفا، وهي في المعنى كالأولى، ويتجه أن يكون جمع ثمرة كبدنة وبدن، وقرأ ~~عاصم «ثمر» وبثمره يفتح الميم والثاء فيهما، وهي قراءة أبي جعفر والحسن ~~وجابر بن زيد والحجاج، واختلف المتأولون في «الثمر» بضم الثاء والميم، فقال ~~ابن عباس وقتادة: «الثمر» جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، ~~ويستشهد لهذا القول ببيت النابغة الذبياني: [البسيط] وما أثمر من مال ومن ~~ولد وقال مجاهد يراد بها الذهب والفضة خاصة، وقال ابن زيد «الثمر» هي ~~الأصول التي فيها الثمر. # قال القاضي أبو محمد: كأنها ثمار وثمر ككتاب وكتب، وأما من قرأ بفتح ~~الثاء والميم، فلا إشكال في أن المعنى ما في رؤوس الشجر من الأكل، ولكن ~~فصاحة الكلام تقتضي أن يعبر إيجازا عن هلاك الثمر والأصول بهلاك الثمر فقط، ~~فخصصها بالذكر إذ هي مقصود المستغل، وإذ هلاك الأصول إنما يسوء منه هلاك ~~الثمر الذي كان يرجى في المستقبل كما يقتضي قوله إن له «ثمرا» ، إن له ~~أصولا كذلك تقتضي الإحاطة المطلقة بالثمر، ان الأصول قد هلكت، وفي مصحف أبي ~~«وآتيناه ثمرا كثيرا» وقرأ أبو رجاء «وكان له ثمر» بفتح الثاء وسكون الميم، ~~والمحاورة مراجعة القول، وهو من حار يحور. واستدل بعض الناس من قوله وأعز ~~نفرا على أنه لم يكن أخاه، وقال المناقض أراد ms2254 ب «النفر» العبيد والخول، إذ ~~هم الذين ينفرون في رغائبه، وفي هذا الكلام من الكبر والزهو والاغترار ما ~~بيانه يغني عن القول فيه، وهذه المقالة بإزاء قول عيينة والأقرع للنبي صلى ~~الله عليه وسلم نحن سادات العرب وأهل الوبر والمدر، فنح عنا سلمان وقرناءه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 35 الى 39] # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) قال له صاحبه ~~وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37) لكنا هو ~~الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) PageV03P516 # أفرد الجنة من حيث الوجود كذلك، إذ لا يدخلهما معا في وقت واحد، و «ظلمه ~~لنفسه» : كفره وعقائده الفاسدة في الشك في البعث، فقد نص على ذلك قتادة ~~وابن زيد، وفي شكه في حديث العالم إن كانت إشارته ب هذه إلى الهيئة من ~~السماوات والأرض وأنواع المخلوقات، وإن كانت إشارته إلى جنته فقط، فإنما في ~~الكلام تساخف واغترار مفرط وقلة تحصيل، وكأنه من شدة العجب بل والسرور أفرط ~~في وصفها بهذا القول ثم قاس أيضا الآخرة على الدنيا، وظن أنه لم يمل له في ~~دنياه إلا لكرامة يستوجبها في نفسه، قال: فإن كان ثم رجوع كما يزعم فستكون ~~حالي كذا وكذا، وليست مقالة العاصي بن وائل لخباب على حد هذه، بل قصد ~~العاصي الاستخفاف على جهة التصميم على التكذيب وقرأ ابن كثير ونافع وابن ~~عامر وابن الزبير، وثبت في مصاحف المدينة «منهما» يريد الجنتين المذكورتين ~~أولا، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والعامة، وكذلك هو مصحف أهل ~~البصرة «منها» يريد الجنة المدخولة، وقوله قال له صاحبه حكاية أن المؤمن من ~~الرجلين لما سمع كلام الكافر وقفه على جهة التوبيخ على كفر بالله تعالى، ~~وقرأ أبي بن كعب: «وهو يخاصمه» ، وقرأ ms2255 ثابت البناني، «ويلك أكفرت» ، ثم جعل ~~يعظم الله تعالى عنده بأوصاف تضمنت النعم والدلائل على جواز البعث من ~~القبور، وقوله من تراب إشارة إلى آدم عليه السلام، وقوله سواك رجلا كما ~~تقول سواك شخصا أو حيا، أو نحو هذا من التأكيدات، وقد يحتمل أن قصد تخصيص ~~الرجولة، على وجه تعديد النعمة، في أن لم يكن أنثى ولا خنثى، وذكر الطبري ~~نحو هذا، واختلفت القراءة في قوله لكنا فقرأ ابن عامر ونافع في رواية ~~المسيبي «لكنا» في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي «لكن» في الوصل و «لكنا» في الوقف، ورجحها الطبري، وهي رواية ورش ~~وقالون عن نافع، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والحسن «لكن أنا هو الله ربي» ~~، وقرأ عيسى الثقفي والأعمش بخلاف «لكن هو الله ربي» فأما هذه الأخيرة فبين ~~على الأمر والشأن، وأما الذي قبلها فعلى معنى لكن أنا أقول ومن هذه الفرقة، ~~من قرأ «لكننا» ، على حذف الهمزة وتخفيف النونين، وفي هذا نظر، وأما من قرأ ~~«لكننا» ، فأصله عنده لكن أنا: حذفت الهمزة على غير قياس، وأدغمت النون في ~~النون، وقد قال بعض النحويين: نقلت حركة الهمزة إلى النون فجاء لكننا، ثم ~~أدغمت بعد ذلك فجاء «لكنا» ، فرأى بعض القراء أن بالإدغام استغني عن الألف ~~الأخيرة، فمنهم من حذفها في الوصل، ومنهم من أثبتها في الوصل والوقف، ليدل ~~على أصل الكلمة، ويتوجه في لكنا أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في ~~«خرجنا وضربنا» ، ووقع الإدغام لاجتماع المثلين، ثم وجد في ربي على المعنى، ~~ولو اتبع اللفظ لقال ربنا ذكره أبو علي، ويترجح بهذا التعليل قول من أثبت ~~الألف في حال الوصل، والوقف، ويتوجه في لكنا أن تكون المشهورة من أخوات إن، ~~المعنى: لكن قولي: هو الله ربي، أما أني لا أعرف من يقرأ بها وصلا ووقفا، ~~وذلك يلزم من يوجه هذا الوجه، وروى هارون عن أبي PageV03P517 # عمرو «ولكنه هو الله ربي» بضمير لحق «لكن» وباقي الآية بين، وقوله ولولا ~~إذ دخلت ms2256 جنتك الآية: # وصية من المؤمن للكافر، ولولا تحضيض، بمعنى هلا وما يحتمل أن تكون بمعنى ~~الذي، بتقدير الذي إن شاء الله كائن، وفي شاء ضمير عائد، ويحتمل أن تكون ~~شرطية، بتقدير ما شاء الله كان، ويحتمل أن تكون خبر ابتداء محذوف تقديره هو ~~ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، وقوله لا قوة إلا بالله تسليم وضد لقول ~~الكافر ما أظن أن تبيد هذه أبدا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لأبي هريرة «ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟» قال بلى يا رسول الله، قال ~~لا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم» ، ~~وفي حديث أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له «يا عبد الله بن ~~قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قال افعل يا رسول الله، قال «لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ، واختلفت القراءة في حذف الياء من ترن ~~وإثباتها فأثبتها ابن كثير وصلا ووقفا، وحذفها ابن عامر وعاصم وحمزة فيهما، ~~وأثبتها نافع وأبو عمرو في الوصل فقط، وقرأ الجمهور «أقل» بالنصب على ~~المفعول الثاني، وقوله أنا فاصلة ملغاة وقرأ عيسى بن عمر: «أقل» بالرفع، ~~على أن يكون أنا مبتدأ و «أقل» خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني، ~~والرؤية، رؤية القلب في هذه الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 40 الى 44] # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح ~~صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره ~~فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم ~~أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا ~~(43) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) # هذا الترجي ب «عسى» يحتمل أن يريد به في الدنيا، ويحتمل أن يريد به في ~~الآخرة، وتمني ذلك في الآخرة أشرف مقطعا، وأذهب مع ms2257 الخير والصلاح، وأن يكون ~~ذلك يراد به الدنيا أذهب في نكاية المخاطب، وأشد إيلاما لنفسه، و «الحسبان» ~~العذاب كالبرد والصر ونحوه، واحد الحسبان: حسبانة، وهي المرامي من هذه ~~الأنواع المذكورة، وهي أيضا سهام ترمى دفعة بآلة لذلك، و «الصعيد» وجه ~~الأرض و «الزلق» الذي لا تثبت فيه قدم، يعني أنه تذهب أشجاره ونباته، ويبقى ~~أرضا قد ذهبت منافعها، حتى منفعة المشي فيها، فهي وحل لا تنبت ولا تثبت فيه ~~قدم، و «الغور» مصدر يوصف به الماء المفرد والمياه الكثيرة، كقولك رجل عدل ~~وامرأة عدل ونحوه، ومعناه ذاهبا في الأرض لا يستطاع تناوله وقرأت فرقة ~~«غورا» ، وقرأت فرقة «غورا» ، بضم الغين، وقرأت فرقة «غؤرا» ، بضم الغين ~~وهمز الواو، و «غور» مثل نوح، يوصف به الواحد والجمع المذكر والمؤنث، ومنه ~~قول الشاعر: [الوافر] . # تظل جيادها نوحا عليه ... مقلدة أعنتها صفونا # وهذا كثير، وباقي الآية بين، وقوله تعالى وأحيط بثمره الآية، هذا خبر من ~~الله عن إحاطة PageV03P518 # العذاب بحال هذا المثل به، وقد تقدم القول في الثمر، غير أن الإحاطة ~~كناية عن عموم العذاب والفساد، ويقلب كفيه يريد يضع بطن إحداهما على ظهر ~~الأخرى، وذلك فعل المتلهف المتأسف على فائت وخسارة ونحوها، ومن عبر بيصفق ~~فلم يتقن، وقوله خاوية على عروشها يريد أن السقوف وقعت، وهي العروش، ثم ~~تهدمت الحيطان عليها، فهي خاوية، والحيطان على العروش ويقول يا ليتني لم ~~أشرك بربي أحدا قال بعض المفسرين: هي حكاية عن قول الكافر هذه المقالة في ~~الآخرة، ويحتمل أن يريد أنه قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلول ~~المصيبة ويكون فيها زجر للكفرة من قريش أو غيرهم، لئلا تجيء لهم حال يؤمنون ~~فيها بعد نقم تحل بهم، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وأبو عمرو ~~والحسن وأبو جعفر وشيبة: «ولم تكن» بالتاء على لفظة الفئة، وقرأ حمزة ~~والكسائي ومجاهد وابن وثاب «ولم يكن» بالياء على المعنى، «الفئة» الجماعة ~~التي يلجأ إلى نصرها، قال مجاهد هي العشيرة. # قال القاضي أبو محمد: وهي عندي من ms2258 فاء يفيء وزنها فئة، حذفت العين ~~تخفيفا، وقد قال أبو علي وغيره: هي من فاوت وليست من فاء، وهذا الذي قالوه ~~أدخل في التصريف، والأول أحكم في المعنى، وقرأ ابن أبي عبلة: «فئة تنصره» ، ~~وقوله هنالك يحتمل أن يكون ظرفا لقوله منتصرا ويحتمل أن تكون الولاية ~~مبتدأ، وهنالك خبره، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب «الولاية» ~~بكسر الواو، وهي بمعنى الرياسة والزعامة ونحوه، وقرأ الباقون «الولاية» ~~بفتح الواو وهي بمعنى الموالاة والصلة ونحوه، ويحكى عن أبي عمرو والأصمعي ~~أن كسر الواو هنا لحن، لأن فعالة، إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلدا، ~~وليس هنا تولي أمر الموالاة، وقرأ أبو عمرو والكسائي «الحق» بالرفع على جهة ~~النعت ل الولاية، وقرأ الباقون «الحق» بالخفض على النعت لله عز وجل، وقرأ ~~أبو حيوة «لله الحق» بالنصب وقرأ الجمهور «عقبا» بضم العين والقاف وقرأ ~~عاصم وحمزة والحسن «عقبا» بضم العين وسكون القاف وتنوين الباء، وقرأ عاصم ~~أيضا «عقبى» بياء التأنيث، والعقب والعقب بمعنى العاقبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 45 الى 48] # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا (46) ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ~~(47) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن ~~نجعل لكم موعدا (48) # قوله الحياة الدنيا يريد حياة الإنسان بما يتعلق بها من نعم وترفه، وقوله ~~كماء يريد هي كماء، وقوله فاختلط به أي فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب ~~الماء، فالباء في به باء السبب، فأصبح عبارة عن صيرورته إلى ذلك، لا أنه ~~أراد اختصاصا بوقت الصباح، وهذا كقول الشاعر الربيع بن ضبع: # [المنسرح] PageV03P519 # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا # و «الهشيم» المتفتت من يابس العشب، ومنه قوله تعالى كهشيم المحتظر ~~[القمر: 31] ومنه هشم الثريد، ms2259 وتذروه، بمعنى تفرقه، وقرأ ابن عباس: «تذريه» ~~، والمعنى: تقلعه وترمي به، وقرأ الحسن «تذروه الريح» بالإفراد، وهي قراءة ~~طلحة والنخعي والأعمش وقوله: وكان الله عبارة للإنسان عن أن الأمر قبل وجود ~~الإنسان هكذا كان، إذ نفسه حاكمة بذلك في حال عقله، هذا قول سيبويه، وهو ~~معنى صحيح وقال الحسن كان: إخبار عن الحال قبل إيجاد الموجودات، أي إن ~~القدرة كانت، وهذا أيضا حسن، فمعنى هذا التأويل تشبيه حال المرء في حياته ~~وماله وعزته وزهوه وبطره بالنبات الذي خضرة ونضرة عن المطر النازل، ثم يعود ~~بعد ذلك هشيما ويصير إلى عدم، فمن كان له عمل صالح، يبقى في الآخرة فهو ~~الفائز، فكأن الحياة بمثابة الماء والخضرة، والنضارة بمنزلة النعيم والعزة، ~~ونحوه. وقوله المال والبنون زينة الحياة الدنيا لفظ الخبر، لكن معه قرينة ~~الضعة للمال والبنين لأنه في المثل، قبل حقر أمر الدنيا وبنيه، فكأنه يقول ~~في هذه: إنما المال والبنون زينة هذه الحياة المحقرة، فلا تتبعوها نفوسكم، ~~وقوله زينة مصدر، وقد أخبر به عن أشخاص فإما أن يكون على تقدير محذوف، ~~وتقديره: # مقر زينة الحياة الدنيا، وإما أن نضع المال والبنين بمنزلة الغنى ~~والكثرة، واختلف الناس في الباقيات الصالحات فقال ابن عباس وابن جبير وأبو ~~ميسرة عمرو بن شرحبيل: هي الصلوات الخمس وقال الجمهور هي الكلمات المأثور ~~فضلها: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم، روي في هذا حديث: «أكثروا من الباقيات ~~الصالحات» ، وقاله أيضا ابن عباس، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~طريق أبي هريرة وغيره أن هذه الكلمات هي الباقيات الصالحات، وقال ابن عباس ~~أيضا الباقيات الصالحات: كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة ورجحه ~~الطبري، وقال ابن عباس بكل الأقوال دليل على قوله بالعموم، وقوله خير ثوابا ~~وخير أملا صاحبها ينتظر الثواب وينبسط على خير من حال ذي المال والبنين دون ~~عمل صالح، وقوله تعالى: ويوم نسير الجبال الآية التقدير: واذكر يوم، ms2260 وهذا ~~أفصح ما يتأول في هذا هنا، وقرأ نافع والأعرج وشيبة وعاصم وابن مصرف وأبو ~~عبد الرحمن «نسير» بنون العظمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل ~~وقتادة وعيسى: «تسير» بالتاء، وفتح الياء المشددة «الجبال» رفع، وقرأ ~~الحسن: «يسير» بياء مضمونة، والثانية مفتوحة مشددة، «الجبال» رفعا، وقرأ ~~ابن محيصن «تسير» : بتاء مفتوحة وسين مكسورة، أسند الفعل إلى «الجبال» ، ~~وقرأ أبي بن كعب «ويوم سيرت الجبال» . وقوله بارزة إما أن يريد أن الأرض، ~~لذهاب الجبال والظراب والشجر، برزت وانكشفت، وإما أن يريد: بروز أهلها، ~~والمحشورين من سكان بطنها وحشرناهم أي أقمناهم من قبورهم، وجعلناهم لعرضة ~~القيامة، وقرأ الجمهور «نغادر» بنون العظمة، وقرأ قتادة: «تغادر» على ~~الإسناد إلى القدرة أو إلى الأرض، وروى أبان بن يزيد عن عاصم: «يغادر» بياء ~~وفتح الدال «أحد» بالرفع، وقرأ الضحاك «فلم نغدر» بنون مضمومة وكسر الدال ~~وسكون الغين، والمغادرة: # الترك، ومنه غدير الماء، وهو ما تركه السيل، وقوله فا # إفراد نزل منزلة الجمع، أي صفوفا، وفي الحديث الصحيح يجمع الله الأولين ~~والآخرين في صعيد واحد صفوفا يسمعهم الداعي وينفدهم البصر، PageV03P520 # الحديث بطوله، وفي حديث آخر «أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفا، ~~أنتم منها ثمانون صفا» ، وقوله تعالى: قد جئتمونا # إلى آخر الآية مقاولة للكفار المنكرين للبعث، ومضمنها التقريع والتوبيخ، ~~والمؤمنون المعتقدون في الدنيا أنهم يبعثون يوم القيامة، لا تكون لهم هذه ~~المخاطبة بوجه وفي الكلام حذف ويقتضيه القول ويحسنه الإيجاز تقديره: يقال ~~للكفرة منهم، ما خلقناكم أول مرة # يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ~~كما بدأنا أول خلق نعيده [الأنبياء: 104] . # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 49 الى 50] # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا (49) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ms2261 وهم لكم عدو بئس ~~للظالمين بدلا (50) # الكتاب اسم جنس، يراد به كتب الناس التي أحصاها الحفظة لواحد واحد، ~~ويحتمل أن يكون الموضوع كتابا واحدا حاضرا، و «إشفاق المجرمين» : فزعهم من ~~كشفه لهم وفضحه فشكاية المجرمين إنما هي من الإحصاء لا من ظلم ولا حيف، ~~وقدم الصغيرة اهتماما بها، لينبه منها، ويدل أن الصغيرة إذا أحصيت، ~~فالكبيرة أحرى بذلك، والعرب أبدا تقدم في الذكر الأقل من كل مقترنين، ونحو ~~هذا هو قولهم: القمران والعمران، سموا باسم الأقل تنبيها منهم، وقال ابن ~~عباس: # «الصغيرة» الضحك، وهذا مثال، وباقي الآية بين، وقوله تعالى: وإذ قلنا ~~للملائكة الآية، هذه الآية مضمنها تقريع الكفرة وتوقيفهم على خطاياهم في ~~ولايتهم العدو دون الذي أنعم بكل نعمه على العموم، صغيرها وكبيرها، وتقدير ~~الكلام: واذكر إذ قلنا وتكررت هذه العبارة حيث تكررت هذه القصة، إذ هي ~~توطئة النازلة فأما ذكر النازلة هنا فمقدمة للتوبيخ، وذكرها في البقرة ~~إعلام بمبادىء الأمور، واختلف المتأولون في السجود لآدم فقالت فرقة هو ~~السجود المعروف، ووضع الوجه بالأرض، جعله الله تعالى من الملائكة عبادة له ~~وتكرمة لآدم، فهذا كالصلاة للكعبة، وقالت فرقة بل كان إيماء منهم نحو ~~الأرض، وذلك يسمى سجودا لأن السجود في كلام العرب عبارة عن غاية التواضع، ~~ومنه قول الشاعر: [الطويل] ترى الأكم فيه سجدا للحوافر وهذا جائز أن يكلفه ~~قوم، فمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «قوموا إلى سيدكم» ، ومنه تقبيل ~~أبي عبيدة بن الجراح يد عمر بن الخطاب حين تلقاه في سفرته إلى الشام ذكره ~~سعيد بن منصور في مصنفه، وقوله إلا إبليس قالت فرقة هو استثناء منقطع، لأن ~~إبليس ليس من الملائكة، بل هو من الجن، وهم الشياطين المخلوقون من مارج من ~~نار، وجميع الملائكة إنما خلقوا من نور، واختلفت هذه الفرقة فقال بعضها ~~إبليس من الجن، وهو أولهم، وبدءتهم، كآدم من الإنس، وقالت فرقة بل كان ~~إبليس وقبيله PageV03P521 # جنا، لكن جميع الشياطين اليوم من ذريته، فهو كنوح في الإنس، احتجوا بهذه ~~الآية، وتعنيف إبليس على ms2262 عصيانه يقتضي أنه أمر مع الملائكة، وقالت فرقة إن ~~الاستثناء متصل، وإبليس من قبيل الملائكة خلقوا من نار، فإبليس من الملائكة ~~وعبر عن الملائكة بالجن من حيث هم مستترون، فهي صفة تعم الملائكة ~~والشياطين، وقال بعض هذه الفرقة كان في الملائكة صنف يسمى الجن وكانوا في ~~السماء الدنيا وفي الأرض، وكان إبليس مدبر أمرهم ولا خلاف أن إبليس كان من ~~الملائكة في المعنى، إذ كان متصرفا بالأمر والنهي، مرسلا، والملك مشتق من ~~المالكة، وهي الرسالة، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول اسجدوا وفي سورة ~~البقرة وسورة الأعراف استيعاب هذه الأمور، وقوله ففسق معناه فخرج وانتزح، ~~وقال رؤبة: # [الرجز] # تهوين في نجد وغورا غائرا ... فواسقا عن قصدها جوائرا # ومنه قال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت النواة إذا خرجت عن ~~الثمرة، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وجميع هذا الخروج المستعمل في هذه ~~الأمثلة، إنما هو في فساد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «خمس فواسق يقتلن ~~في الحرم إنما هن مفسدات» وقوله عن أمر ربه يحتمل أن يريد خرج عن أمر ربه ~~إياه، أي فارقه كما فعل الخارج عن طريق واحد، أي منه، ويحتمل أن يريد فخرج ~~عن الطاعة بعد أمر ربه بها، وعن قد تجيء بمعنى بعد في مواضع كثيرة، كقولك ~~أطعمتني عن جوع، ونحوه، فكأن المعنى: فسق بعد أمر ربه بأن يطيع ويحتمل أن ~~يريد فخرج بأمر ربه أي بمشيئته ذلك له ويعبر عن المشيئة ب «الأمر» ، إذ هي ~~أحد الأمور، وهذا كما تقول فعلت ذلك عن أمرك أي بجدك وبحسب مرادك، وقال ابن ~~عباس في قصص هذه الآية: كان إبليس من أشرف صنف، وكان له سلطان السماء ~~وسلطان الأرض، فلما عصى صارت حاله إلى ما تسمعون، وقال بعض العلماء إذا ~~كانت خطيئة المرء من الخطأ فلترجه، كآدم، وإذا كانت من الكبر، فلا ترجه، ~~كإبليس، ثم وقف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله أفتتخذونه يريد ~~أفتتخذون إبليس، وقوله وذريته ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين ~~الذين ms2263 يأمرون بالمنكر ويحملون على الأباطيل، وذكر الطبري أن مجاهدا قال: ~~ذرية إبليس الشيطان، وكان يعدهم: زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل ~~سوق، وتبن صاحب المصائب، والأعور صاحب الربا، ومسوط صاحب الأخبار، يأتي بها ~~فيلقيها في أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلا، وداسم الذي إذا دخل الرجل ~~بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح فلذلك ~~اختصرته، وقد طول النقاش في هذا المعنى، وجلب حكايات تبعد من الصحة، ~~فتركتها إيجازا، ولم يمر بي في هذا صحيح، إلا ما في كتاب مسلم من أن للوضوء ~~والوسوسة شيطانا يسمى خنزت، وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانا يسمى الولهان ~~والله العليم بتفاصيل هذه الأمور لا رب غيره، وقوله وهم لكم عدو أي أعداء، ~~فهو اسم جنس، وقوله بئس للظالمين بدلا أي بدل ولاية لله عز وجل بولاية ~~إبليس وذريته، وذلك هو التعوض من الجن بالباطل، وهذا هو نفس الظلم، لأنه ~~وضع الشيء في غير موضعه. PageV03P522 # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 51 الى 54] # ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا (51) ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ~~وجعلنا بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم ~~يجدوا عنها مصرفا (53) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا (54) # الضمير في أشهدتهم عائد على الكفار، وعلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية ~~الرد على طوائف من المنجمين، وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء، وسواهم ~~من كل من يتخوض في هذه الأشياء. # قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت الفقيه أبا عبد ~~الله محمد بن معاد المهدوي بالمهدية، يقول سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا ~~القول ويتأول هذا التأويل في هذه الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر ~~هذا بعض الأصوليين، وقيل الضمير في أشهدتهم عائد على ذرية إبليس، فهذه ~~الآية، ms2264 على هذا تتضمن تحقيرهم، والقول الأول أعظم فائدة، وأقول: إن الغرض ~~المقصود أولا بالآية، هم إبليس وذريته، وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف ~~المذكورة وعلى الكهان والعرب المصدقين لهم والمعظمين للجن حين يقولون أعوذ ~~بعزيز هذا الوادي، إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته، وهم ~~أضلوا الجميع، فهم المراد الأول ب المضلين، وتندرج هذه الطوائف في معناهم، ~~وقرأ الجمهور، «وما كنت» وقرأ أبو جعفر والجحدري والحسن بخلاف «وما كنت» ، ~~والصفة ب المضلين، تترتب في الطوائف المذكورة، وفي ذرية إبليس لعنه الله، و ~~«العضد» استعارة للمعين المؤازر، وهو تشبيه بالعضد للإنسان الذي يستعين به، ~~وقرأ الجمهور «عضدا» بفتح العين وضم الضاد، وقرأ أبو عمرو والحسن بضمهما، ~~وقرأ الضحاك بكسر العين وفتح الضاد، وقرأ عكرمة «عضدا» بضم العين وسكون ~~الضاد، وقرأ عيسى بن عمر «عضدا» بفتح العين والضاد، وفيه لغات غير هذا لم ~~يقرأ بها، وقوله ويوم يقول الآية وعيد، المعنى واذكر يوم، وقرأ طلحة ويحيى ~~والأعمش وحمزة «نقول» بنون العظمة، وقرأ الجمهور بالياء أي «يقول» الله ~~تعالى للكفار الذين أشركوا به من الدنيا سواه: نادوا شركائي أي على وجه ~~الاستغاثة بهم، وقوله شركائي أي على دعواكم أيها المشركون وقد بين هذا ~~بقوله الذين زعمتم وقرأ ابن كثير وأهل مكة «شركائي» بياء مفتوحة، وقرأ ~~الجمهور: «شركائي» بهمزة. فمنهم من حققها، ومنهم من خففها، و «الزعم» إنما ~~هو مستعمل أبدا في غير اليقين، بل أغلبه في الكذب، ومنه هذه الآية، وأرفع ~~موضعه أن يستعمل «زعم» بمعنى أخبر، حيث تبقى عهدة الخبر على المخبر، كما ~~يقول سيبويه رحمه الله: زعم الخليل. وقوله فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ظاهره ~~أن ذلك يقع حقيقة، ويحتمل أن يكون استعارة، كأن فكرة الكفار ونظرهم في أن ~~تلك الجمادات، لا تغني شيئا ولا تنفع، هي بمنزلة الدعاء وترك الإجابة، ~~والأول أبين، واختلف المتأولون في قوله موبقا قال عبد الله ابن عمرو وأنس ~~بن مالك ومجاهد: هو واد في جهنم يجري بدم وصديد، قال أنس: يحجز بين أهل ~~النار وبين ms2265 المؤمنين، فقوله على هذا بينهم ظرف، وقال الحسن موبقا معناه ~~عداوة وبينهم على هذا PageV03P523 # ظرف، وبعض هذه الفرقة، يرى أن الضمير في قوله بينهم يعود على المؤمنين ~~والكافرين، ويحتمل أن يعود على المشركين ومعبوداتهم، وقال ابن عباس موبقا ~~معناه مهلكا بمنزلة موضع وهو من قولك وبق الرجل وأوبقه غيره إذا أهلكه، ~~فقوله بينهم على هذا التأويل، يصح أن يكون ظرفا، والأظهر فيه أن يكون اسما، ~~بمعنى جعلنا تواصلهم أمرا مهلكا لهم، ويكون بينهم مفعولا أولا ل جعلنا، ~~وعبر بعضهم عن الموبق بالموعد وهذا ضعيف، ثم أخبر عز وجل عن رؤية المجرمين ~~النار، ومعاينتهم لها، ووقوع العلم لهم بأنهم مباشروها، وأطلق الناس أن ~~الظن هنا بمعنى اليقين، ولو قال بدل فظنوا وأيقنوا لكان الكلام متسقا، على ~~مبالغة فيه، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبدا في موضع يقين تام قد قاله ~~الحسن، بل أعظم درجاته أن يجيء في موضع علم متحقق، لكنه لم يقع ذلك ~~المظنون، وإلا، فقد يقع ويحسن، لا يكاد توجد في كلام العرب العبارة عنه ~~بالظن وتأمل هذه الآية، وتأمل قول دريد: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج وقرأ الأعمش «فظنوا أنهم ملاقوها» ، وكذلك في ~~مصحف ابن مسعود، وحكى أبو عمرو الداني عن علقمة، أنه قرأ: «ملافوها» بالفاء ~~مشددة من لففت، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة. و «المصرف» ~~المعدل، والمرغ، ومنه قول أبي كبير الهذلي: [الكامل] # أزهير هل عن شيبة بن مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلف # وهو مأخوذ من الانصراف من شيء إلى شيء، وقوله تعالى: ولقد صرفنا الآية، ~~المعنى: ولقد خوفنا ورجينا وبالغنا في البيان، وهذا كله بتمثيل وتقريب ~~للأذهان، وقوله: من كل مثل أي من كل مثال له نفع في الغرض المقصود بهم، وهو ~~الهداية، وقوله وكان الإنسان أكثر شيء جدلا خبر مقتضب في ضمنه، فلم ينفع ~~فيهم تصريف الأمثال، بل هم منحرفون يجادلون بالباطل وقوله الإنسان يريد ~~الجنس، ms2266 وروي أن سبب هذه الآية هو النضر بن الحارث، وقيل ابن الزبعرى. وروي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد ~~نام عن صلاة الليل، فأيقظه، فقال له علي إنما نفسي بيد الله، ونحو هذا، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضرب خده بيده ويقول: وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا فقد استعمل الآية على العموم في جميع الناس، و «الجدل» ~~الخصام والمدافعة بالقول، فالإنسان أكثر جدلا من كل ما يجادل من ملائكة وجن ~~وغير ذلك إن فرض وفي قوله وكان الإنسان أكثر شيء جدلا تعليم تفجع ما على ~~الناس، ويبين فيما بعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 55 الى 57] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما ~~أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ~~إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى ~~فلن يهتدوا إذا أبدا (57) PageV03P524 # هذه آية: تأسف عليهم وتنبيه على فساد حالهم، لأن هذا المنع لم يكن بقصد ~~منهم أن يمتنعوا ليجيئهم العذاب، وإنما امتنعوا هم مع اعتقادهم أنهم ~~مصيبون، لكن الأمر في نفسه يسوقهم إلى هذا، فكأن حالهم تقتضي التأسف عليهم، ~~والناس يراد به كفار عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تولوا دفع ~~الشريعة وتكذيبها، والهدى هو شرع الله والبيان الذي جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، و «الاستغفار» هنا طلب المغفرة على فارط الذنب كفرا وغيره، وسنة ~~الأولين هي عذاب الأمم المذكورة من الغرق والصيحة والظلمة والريح وغير ذلك، ~~أو يأتيهم العذاب قبلا أي مقابلة عيانا، والمعنى عذابا غير المعهود، فتظهر ~~فائدة التقسيم وكذلك صدق هذا الوعيد في بدر، وقال مجاهد: # قبلا معناه فجأة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ms2267 وابن عامر ومجاهد وعيسى ~~بن عمر «قبلا» بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ عاصم والكسائي وحمزة والحسن ~~والأعرج «قبلا» بضم القاف والباء، ويحتمل معنيين أحدهما أن يكون بمعنى قبل، ~~لأن أبا عبيدة حكاهما بمعنى واحد في المقابلة، والآخر أن يكون جمع قبيل، أي ~~يجيئهم العذاب أنواعا وألوانا، وقرأ أبو رجاء والحسن أيضا: «قبلا» بضم ~~القاف وسكون الباء، وقوله وما نرسل المرسلين الآية، كأنه لما تفجع عليهم ~~وعلى ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إلى الخسار، قال: وليس الأمر كما يظنوا، ~~والرسل لم نبعثهم ليجادلوا، ولا لتتمنى عليهم الاقتراحات، وإنما بعثناهم ~~مبشرين من آمن بالجنة ومنذرين من كفر بالنار، و «يدحضوا» معناه يزهقوا، و ~~«الدحض» الطين الذي يزهق فيه، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # وردت ونجى اليشكري نجاؤه ... وحاد كما حاد البعير عن الدحض # وقوله واتخذوا إلى آخر الآية توعيد، و «الآيات» تجمع آيات القرآن ~~والعلامات التي ظهرت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله وما أنذروا ~~هزوا يريد من العذاب الآخرة، والتقدير وما أنذروه فحذف الضمير و «الهزاء» : ~~السخر والاستخفاف، كقولهم أساطير الأولين، وقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا ~~وقوله ومن أظلم استفهام بمعنى التقرير، وهذا من أفصح التقرير أن يوقف الأمر ~~على ما لا جواب له فيه إلا الذي يريد خصمه، فالمعنى لا أحد أظلم ممن هذه ~~صفته، أن يعرض عن الآيات بعد الوقوف عليها بالتذكير، وينسى ويطرح كبائره ~~التي أسلفها هذه غاية الانهمال، ونسب السيئات إلى اليدين، من حيث كانت ~~اليدان آلة التكسب في الأمور الجرمية، فجعلت كذلك في المعاني، استعارة، ثم ~~أخبر الله عز وجل عنهم وعن فعله بهم، جزاء على إعراضهم وتكسبهم القبيح، ~~فإنه تعالى: جعل على قلوبهم أكنة وهي جمع كنان، وهو كالغلاف الساتر واختلف ~~الناس في هذا وما أشبهه من الختم والطبع ونحوه، هل هو حقيقة أو مجاز، ~~والحقيقة في هذا غير مستحيلة، والتجوز أيضا فصيح، أي لما كانت هذه المعاني ~~مانعة في PageV03P525 # الأجسام وحاملة، استعيرت للقلوب التي قد أقساها الله تعالى وأقصاها عن ~~الخير، وأما «الوقر» في ms2268 الآذان، فاستعارة بينة لأنا نحس الكفرة يسمعون ~~الدعاء إلى الشرع سماعا تاما، ولكن لما كانوا لا يؤثر ذلك فيهم إلا كما ~~يؤثر في الذي به وقر، فلا يسمع، شبهوا به، وكذلك العمى والصم والبكم، كلها ~~استعارات، وإنما الخلاف في أوصاف القلب، هل هي حقيقة أو مجاز، و «الوقر» : ~~الثقل في السمع، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم، وإن دعوا إلى الهدى فإنهم لا ~~يهتدون أبدا، وهذا يخرج على أحد تأويلين: أحدهما أن يكون هذا اللفظ العام ~~يراد به الخاص، ممن حتم الله عليه أنه لا يؤمن ولا يهتدي أبدا، ويخرج عن ~~العموم كل من قضى الله بهداه في ثاني حال، والآخر أن يريد: وإن تدعهم إلى ~~الهدى جميعا فلن يؤمنوا جميعا أبدا، أي إنهم ربما آمن منهم الأفراد، ~~ويضطرنا إلى أحد هذين التأويلين، أنا نجد المخبر عنهم بهذا الخبر قد آمن ~~منهم واهتدى كثير. ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 58 الى 60] # وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد ~~لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا (59) وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ~~(60) # لما أخبر تعالى عن القوم الذين حتم بكفرهم، أنهم لا يهتدون أبدا، عقب ذلك ~~بأنه للمؤمنين، الغفور ذو الرحمة، ويتحصل للكفار من صفته تعالى بالغفران ~~والرحمة، ترك المعاجلة، ولو أخذوا بحسب ما يستحقونه لبادرهم بالعذاب المبيد ~~لهم، ولكنه تعالى أخرهم إلى موعد لا يجدون عنه منجي، قالت فرقة هو أجل ~~الموت، وقالت فرقة هو عذاب الآخرة، وقال الطبري هو يوم بدر، والحشر و ~~«الموئل» المنجى يقال: وأل الرجل يئل إذا نجا. ومنه قول الشاعر: # لا وألت نفسك خيلتها ... للعامريين ولم تكلم # ومنه قول الأعشى: [البسيط] # وقد أخالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم ما يئل # ثم عقب تعالى توعدهم بذكر الأمثلة من القرى التي نزل بها ما توعد هؤلاء ~~بمثله، وفي قوله وتلك القرى حذف مضاف تقديره وتلك أهل القرى ms2269 يدل على ذلك ~~قوله أهلكناهم فرد الضمير على أهل القرى، والقرى: المدن، وهذه الإشارة إلى ~~عاد وثمود ومدين وغيرهم. وتلك ابتداء، والقرى صفته، وأهلكناهم خبر، ويصح أن ~~يكون تلك منصوبا بفعل يدل عليه أهلكناهم. # وقرأ الجمهور «لمهلكهم» بضم الميم وفتح اللام، من أهلك، ومفعل في مثل هذا ~~يكون لزمن الشيء، ولمكانه، ويكون مصدرا فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، ~~وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «لمهلكهم» بفتح الميم واللام وقرأ في رواية حفص ~~«لمهلكهم» بفتح الميم وكسر اللام، وهو مصدر من هلك، وهو في مشهور اللغة غير ~~متعد، فالمصدر على هذا مضاف إلى الفاعل، لأنه بمعنى: وجعلنا لأن هلكوا ~~موعدا، PageV03P526 # وقالت فرقة إن هلك يتعدى، تقول أهلكت الرجل وهلكته بمعنى واحد، وأنشد أبو ~~علي في ذلك: [الرجز] ومهمه هالك من تعرجا فعلى هذا يكون المصدر في كل وجه ~~مضافا إلى المفعول، وقوله وإذ قال موسى الآية ابتداء قصة ليست من الكلام ~~الأول، المعنى: اذكر واتل، وموسى هو موسى بن عمران بمقتضى الأحاديث ~~والتواريخ وبظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غير واحد، وهو ابن عمران ~~ولو كان في هذه الآية غيره لبينه، وقالت فرقة منها نوف البكالي أنه ليس ~~موسى بن عمران، وهو موسى بن مشنى، ويقال ابن منسى، وأما «فتاه» فعلى قول من ~~قال موسى بن عمران، فهو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب، وأما من ~~قال هو موسى بن مشنى فليس الفتى يوشع بن نون، ولكنه قول غير صحيح، رده ابن ~~عباس وغيره و «الفتي» في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون ~~فتيانا، قيل للخادم فتى، على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي» ~~، فهذا ندب إلى التواضع، و «الفتى» في الآية هو الخادم، ويوشع بن نون يقال ~~هو ابن أخت موسى عليه السلام، وسبب هذه القصة فيما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ms2270 موسى جلس يوما في مجلس لبني إسرائيل، وخطب فأبلغ، فقيل له هل ~~تعلم أحدا أعلم منك قال لا، فأوحى الله إليه بلى: # عبدنا خضر، فقال يا رب دلني على السبيل إلى لقيه، فأوحى الله إليه أن ~~يسير بطول سيف البحر حتى يبلغ مجمع البحرين فإذا فقدت الحوت فإنه هنالك، ~~وأمر أن يتزود حوتا، ويرتقب زواله عنه، ففعل موسى ذلك وقال لفتاه على جهة ~~إمضاء العزيمة لا أبرح أسير، أي لا أزال، وإنما قال هذه المقالة وهو سائر، ~~ومن هذا قول الفرزدق: [الطويل] # فما برحوا حتى تهادت نساؤهم ... ببطحاء ذي قار عياب اللطائم # وذكر الطبري عن ابن عباس: قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه ~~بمصر، فلما استقرت الحال خطب يوما، فذكر بآلاء الله وأيامه عند بني ~~إسرائيل، ثم ذكر نحو ما تقدم، وما مر بي قط أن موسى عليه السلام أنزل قومه ~~بمصر إلا في هذا الكلام، وما أراه يصح، بل المتظاهر أن موسى مات بفحص التيه ~~قبل فتح ديار الجبارين، وفي هذه القصة من الفقه الرحلة في طلب العلم، ~~والتواضع للعالم، وقرأ الجمهور «مجمع» بفتح الميمين، وقرأ الضحاك «مجمع» ~~بكسر الميم الثانية، واختلف الناس في مجمع البحرين أين هو؟ فقال مجاهد ~~وقتادة هو مجتمع بحر فارس وبحر الروم. # قال القاضي أبو محمد: وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في ~~أرض فارس من وراء أذربيجان فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام، ~~هو مجمع البحرين # هو عند طنجة وهو حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه السائر من ~~دبور إلى صبا. وروي عن أبي بن كعب أنه قال مجمع البحرين بإفريقية، وهذا ~~يقرب من الذي قبله، وقال بعض أهل العلم هو بحر الأندلس من البحر المحيط، ~~وهذا كله واحد حكاه النقاش وهذا مما يذكر كثيرا، ويذكر أن القرية التي أبت ~~أن تضيفهما هي الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة مجمع البحرين يريد بحرا ملحا ~~وبحرا عذبا، فعلى هذا إنما كان PageV03P527 # الخضر عند موقع نهر عظيم ms2271 في البحر، وقالت فرقة البحران إنما هما كناية عن ~~موسى والخضر، لأنهما بحرا علم، وهذا قول ضعيف والأمر بين من الأحاديث أنه ~~إنما رسم له ماء بحر، وقوله أو أمضي حقبا معناه أو أمضي على وجهي زمانا، ~~واختلف القراء، فقرأ الحسن والأعمش وعاصم «حقبا» بسكون القاف، وقرأ الجمهور ~~«حقبا» بضمه، وهو تثقيل حقب، وجمع الحقب أحقاب، واختلف في الحقب، فقال عبد ~~الله بن عمرو ثمانون سنة، وقال مجاهد سبعون، وقال الفراء «الحقب» سنة واحدة ~~وقال ابن عباس وقتادة أزمان غير محدودة وقالت فرقة «الحقب» جمع حقبة، وفي ~~السنة كأنه قال أو أمضي سنين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 61 الى 65] # فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) فلما ~~جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) قال أرأيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما ~~قصصا (64) فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ~~(65) # الضمير في قوله بينهما للبحرين، قاله مجاهد، وقيل هو لموسى والخضر، ~~والأول أصوب، وقرأ عبيد الله بن مسلم «مجمع» بكسر الميم الثانية، وقال نسيا ~~وإنما كان النسيان من الفتى وحده، نسي أن يعلم موسى بما رأى من حاله من حيث ~~كان لهما زادا، وكانا بسبب منه فنسب فعل الواحد فيه إليهما، وهذا كما تقول ~~فعل بنو فلان لأمر إنما فعله منهم بعض، وروي في الحديث أن يوشع رأى الحوت ~~قد حش من المكتل إلى البحر فرآه قد اتخذ السرب، وكان موسى نائما فأشفق أن ~~يوقظه، وقال أؤخر حتى يستيقظ، فلما استيقظ نسي يوشع أن يعلمه، ورحلا حتى ~~جاوزا «والسبيل» : المسلك، و «السرب» : المسلك في جوف الأرض، فشبه به مسلك ~~الحوت في الماء حين لم ينطبق الماء بعده، بل بقي موضع كالطاق وهذا الذي ورد ~~في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله جمهور ms2272 المفسرين أن الحوت بقي ~~موضع سلوكه فارغا، وقال قتادة، صار موضع سلوكه حجرا صلدا. وقال ابن زيد ~~إنما اتخذ سبيله سربا في البر حتى وصل إلى البحر ثم عام على العادة. # قال القاضي أبو محمد: وهؤلاء يتأولون سربا بمعنى تصرفا وجولانا من قولهم ~~فحل سارب، أي مهمل يرعى حيث شاء، ومنه قوله تعالى: وسارب بالنهار [الرعد: ~~10] ، أي متصرف وقالت فرقة اتخذ سربا في التراب من المكتل إلى البحر، وصادف ~~في طريقه حجرا فثقبه، وظاهر الأمر أن السرب، إنما كان في الماء، ومن غريب ~~ما روي في البخاري عن ابن عباس من قصص هذه الآية أن الحوت إنما حيي لأنه ~~مسه ماء عين هنالك تدعى عين الحياة ما مست قط شيئا إلا حيي، ومن غريبه أيضا ~~أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجرا طريقا، وأن موسى مشى عليه ~~متبعا للحوت حتى أفضى ذلك PageV03P528 # الطريق إلى الجزيرة في البحر وفيها وجد الخضر، وظاهر الروايات والكتاب ~~أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر، يدل على ذلك قوله تعالى: فارتدا على ~~آثارهما قصصا وروي في قوله فلما جاوزا أن موسى عليه السلام نزل عند صخرة ~~عظيمة في ضفة البحر، فنسي يوشع الحوت هنالك، ثم استيقظ موسى ورحلا مرحلة ~~بقية الليل وصدر يومهما، فجاع موسى ولحقه تعب الطريق، فاستدعى الغداء، قال ~~أبي رضي الله عنه سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه مشى موسى إلى ~~المناجاة فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع ~~في بعض يوم، و «النصب» التعب والمشقة، وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير ~~«نصبا» بضم النون والصاد، ويشبه أن يكون جمع نصب وهو تخفيف نصب وقوله أرأيت ~~الآية حكى الطبري عن فرقة أنها قالت الصخرة هي الشام عند نهر الذيب، وقد ~~تقدم ذكر الخلاف في موضع هذه القصة، وقوله نسيت الحوت يريد نسيت ذكر ما جرى ~~فيه لك، وأما الكسائي وحده «أنسانيه» ، وقرأت فرقة «أنسانيه» وقرأ ابن كثير ~~في الوصل «أنسانيهي» بياء ms2273 بعد الهاء، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وما ~~أنسانيه أن أذكركه إلا الشيطان» . وقوله أن أذكره بدل من الحوت بدل اشتمال، ~~وقوله واتخذ سبيله في البحر عجبا يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ ~~الحوت سبيله عجبا للناس، ويحتمل أن يكون قوله واتخذ سبيله في البحر تام ~~الخبر، فاستأنف التعجب فقال من قبل نفسه: # عجبا لهذا الأمر، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأكل شقه الأيسر ثم حيي ~~بعد ذلك، قال أبو شجاع في كتاب الطبري رأيته، أتيت به فإذا هو شقة حوت، ~~وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيء. # قال القاضي أبو محمد: وأنا رأيته والشق الذي فيه شيء عليه قشرة رقيقة يشق ~~تحتها شوكة وشقه الآخر، ويحتمل أن يكون قوله واتخذ سبيله الآية إخبار من ~~الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من ~~البرح عجبا أي تعجب منه، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبا للناس، ~~وقرأ أبو حيوة «واتخاذ سبيله» فهذا مصدر معطوف على الضمير في أذكره، وقوله ~~تعالى: # قال ذلك الآية، المعنى قال موسى لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، ~~فإن الرجل الذي جئنا له ثم، فرجعا يقصان أثرهما لئلا يخطئان طريقهما، وقرأ ~~الجمهور «نبغي» بثبوت الياء، وقرأ عاصم وقوم «نبغ» دون ياء، وكان الحسن ~~يثبتها إذا وصل ويحذفها إذا وقف، و «قص الأثر» اتباعه وتطلبه في موضع ~~خفائه، و «العبد» هو الخضر في قول الجمهور بمقتضى الأحاديث، وخالف من لا ~~يعتد بقوله فقال ليس، صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر، والخضر نبي عند ~~الجمهور، وقيل هو عبد صالح غير نبي، والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله ~~هل كانت إلا بوحي الله، وروي في الحديث أن موسى عليه السلام وجد الخضر مسجى ~~في ثوبه مستلقيا على الأرض فقال له السلام عليك، فرفع الخضر رأسه وقال وأنى ~~بأرضك السلام؟ ثم قال له من أنت؟ قال أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ ms2274 قال ~~نعم، قال له ألم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا؟ قال ~~بلى، ولكني أحببت لقاءك، وأن أتعلم منك، قال له إني على علم من علم الله ~~علمنيه، لا تعلمه أنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا. # قال القاضي أبو محمد: كان علم الخضر معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطي ~~ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها. وكان علم موسى عليه السلام علم الأحكام ~~والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم. وروي أن موسى PageV03P529 # وجد الخضر قاعدا على تيح البحر، وسمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة يابسة ~~فاهتزت تحته خضراء، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، و «الرحمة» في ~~هذه الآية النبوءة، وقد ذكرنا الحديث المضمن أن سبب هذه القصة أن موسى عليه ~~السلام، قيل له تعلم أحدا أعلم منك، قال: لا، وحكى الطبري حديثا آخر، ~~مضمنه: أن موسى عليه السلام قال: من قبل نفسه: أي رب، أي عبادك أعلم؟ قال ~~الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة خير تهديه، قال رب فهل في ~~الأرض أحد؟ قال نعم فسأل السبيل إلى لقيه، والحديث الأول في صحيح البخاري، ~~وقرأ الجمهور «من لدنا» بتشديد النون وقرأ أبو عمرو من «لدنا» بضم الدال ~~وتخفيف النون، قال أبو حاتم هما لغتان. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 66 الى 73] # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع ~~معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى ~~أحدث لك منه ذكرا (70) # فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني ~~بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) # هذه مخاطبة المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخف ~~عليك، ms2275 وهذا كما في الحديث «هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتوضأ» وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة [المائدة: 112] وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم «رشدا» بضم الراء ~~والشين، وقرأ أبو عمرو «رشدا» بفتح الراء والشين، ونصبه على وجهين: أحدهما: ~~أن يكون مفعولا ثانيا ب تعلمن والآخر أن يكون حالا من الضمير في قوله أتبعك ~~ثم قال الخضر، إنك لن تستطيع معي صبرا أي إنك يا موسى، لا تطيق أن تصبر على ~~ما تراه من عملي، لأن الظواهر التي علمك لا تعطيه، وكيف تصبر على ما تراه ~~خطأ، ولم تخبر بوجه الحكمة فيه ولا طريق الصواب، فقرب له موسى الأمر بوعده ~~أنه سيجده، ثم استثنى حين حكم على نفسه بأمر فقوى الخضر وصاته وأمره ~~بالإمساك عن السؤال والإكنان لما يراه حتى يبتدئه الخضر لشرح ما يجب شرحه، ~~وقرأ نافع فلا «تسألني» بفتح اللام، وتشديد النون وإثبات الياء وقرأ ابن ~~عامر كذلك إلا أنه حذف الباء فقال «تسألن» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ~~وحمزة والكسائي «تسألني» بسكون اللام وثبوت الياء، وقرأ الجمهور «خبرا» ~~بسكون الباء، وقرأ الأعرج «خبرا» بضمها، وقوله فانطلقا روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنهما انطلقا ماشيين على سيف البحر حتى مرت بهما سفينة، ~~فعرف الخضر فحملا بغير قول إلى مقصد أمه الخضر، وعرفت السفينة بالألف ~~واللام تعريف الجنس لا لعهد عينها، فلما ركبا عمد الخضر إلى وتد فجعل يضرب ~~في جنب السفينة حتى قلع به، فيما روي لوحين من ألواحها فذلك هو معنى خرقها ~~فلما PageV03P530 # رأى ذلك موسى غلبه ظاهر الأمر على الكلام حين رأى فعلا يؤدي إلى غرفة ~~جميع من في السفينة، فوقفه بقوله أخرقتها وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وابن عامر وعاصم «لتغرق أهلها» بالتاء وقرأ أبو رجاء «لتغرق» بشد الراء ~~وفتح الغين، وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» برفع الأهل، وإسناد الفعل ~~إليهم و «الإمر» الشنيع من الأمور كالداهية والإد ونحوه، ms2276 ومنه أمر أمر ابن ~~أبي كبشة ومنه أمر القوم إذا كثروا، وقال مجاهد «الإمر» المنكر. # قال القاضي أبو محمد: والأمر أخص من المنكر، فقال الخضر مجاوبا لموسى: ~~ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا فتنبه موسى لما أتى معه، فاعتذر بالنسيان، ~~وذلك أنه نسي العهد الذي كان بينهما، هذا قول الجمهور، وفي كتاب التفسير من ~~صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت الأولى من موسى ~~نسيانا» ، وفيه عن مجاهد أنه قال «كانت الأولى نسيانا» ، والثانية شرطا، ~~والثالثة عمدا، وهذا كلام معترض لأن الجميع شرط ولأن العمد يبعد على موسى ~~عليه السلام، وإنما هو التأويل إذ جنب صيغة السؤال أو النسيان، وروى الطبري ~~عن أبي بن كعب أنه قال: إن موسى عليه السلام لم ينس، ولكن قوله هذا من ~~معاريض الكلام، ومعنى هذا القول صحيح، والطبري لم يبينه، ووجهه عندي أن ~~موسى عليه السلام إنما رأى العهد في أن يسأل ولم ير إنكار هذا الفعل الشنيع ~~سؤالا بل رآه واجبا، فلما رأى الخضر قد أخذ العهد على أعم وجوهه فضمنه ~~السؤال والمعارضة والإنكار وكل اعتراض إذ السؤال أخف من هذه كلها أخذ معه ~~في باب المعاريض، التي هي مندوحة عن الكذب، فقال له لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولم يقل له: إني نسيت العهد، بل قال لفظا يعطي للمتأول أنه نسي العهد، ~~ويستقيم أيضا تأويله وطلبه، مع أنه لم ينس العهد لأن قوله لا تؤاخذني بما ~~نسيت كلام جيد طلبه، وليس فيه للعهد ذكر هل نسيه أم لا، وفيه تعريض أنه نسي ~~العهد، فجمع في هذا اللفظ بين العذر والصدق وما يخل بهذا القول إلا أن الذي ~~قاله وهو أبي بن كعب روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كانت ~~الأولى من موسى نسيانا» وترهقني معناه تكلفني وتضيف علي ومما قص من أمرهما، ~~أنهما لما ركبا السفينة وجرت، نزل عصفور على جنب السفينة، فنقر في الماء ~~نقرة، فقال الخضر لموسى، ماذا ترى هذا العصفور نقص من ماء ms2277 البحر؟ فقال موسى ~~قليلا، فقال: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا ~~العصفور من ماء البحر. # قال القاضي أبو محمد: فقيل معنى هذا الكلام وضع العلم موضع المعلومات، ~~وإلا فعلم الله تعالى يشبه بمتناه إذ لا يتناهى، والبحر لو فرضت له عصافير ~~على عدد نقطه لانتهى، وعندي أن الاعتراض باق لأن تناهي معلومات الله محال، ~~إذ يتناهى العلم بتناهي المعلومات، وقيل فرارا عن هذا الاعتراض، يحتمل أن ~~يريد من علم الله الذي أعطاه العلماء قبلهما، وبعدهما إلى يوم القيامة، ~~فتجيء نسبة علمهما إلى البشر نسبة تلك النقطة إلى البحر، وهذا قول حسن لولا ~~أن في بعض طرق الحديث «ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كنقرة ~~هذا العصفور» ، فلم يبق مع هذا إلا أن يكون التشبيه بتجوز، إذ لا يوجد في ~~المحسوسات أقوى في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر، فكأنها لا شيء إذ لا ~~يوجد لها إلى البحر نسبة معلومة، ولم يعن الخضر لتحرير موازنة بين المثال ~~وبين علم الله تعالى. PageV03P531 # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 74 الى 78] # فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك ~~عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا ~~أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) # فانطلقا في موضع نزولهما من السفينة، فمرا بغلمان يلعبون، فعمد الخضر إلى ~~غلام حسن الهيئة وضيء، فاقتلع رأسه، ويقال رضه بحجر، ويقال ذبحه وقال بعض ~~الناس كان الغلام لم يبلغ الحلم، ولذلك قال موسى زكية أي لم تذنب، وقالت ~~فرقة بل كان بالغا شابا، والعرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى ~~الأخيلية: [الطويل] غلام إذا هز ms2278 القناة سقاها وهذا في صفة الحجاج، وفي ~~الخبر أن هذا الغلام، كان يفسد في الأرض ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان ~~على قسمه، ويحميانه ممن يطلبه، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو جعفر ونافع ~~والجمهور «زاكية» ، وقرأ الحسن وعاصم والجحدري «زكية» والمعنى واحد، وقد ~~ذهب القوم إلى الفرق وليس ببين، وقوله بغير نفس يقتضي أنه لو كان عن قتل ~~نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب ~~قتله بنفس، ولا بغير نفس وقرأ الجمهور «نكرا» وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن ~~عاصم وأبو جعفر وشيبة «نكرا» بضم الكاف واختلف عن نافع، ومعناه: شيئا ينكر، ~~واختلف الناس أيهما أبلغ قوله إمرا [الكهف: 71] أو قوله نكرا فقالت فرقة ~~هذا قتل بين، وهناك مترقب ف نكرا أبلغ وقالت فرقة هذا قتل واحد، وذلك قتل ~~جماعة ف إمرا [الكهف: 71] أبلغ وعندي أنهما المعنيين، قوله إمرا [الكهف: ~~71] أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، ونكرا أبين في الفساد لأن مكروهه قد ~~وقع ونصف القرآن بعد الحروف انتهى إلى النون من قوله نكرا وقوله ألم أقل لك ~~زجر وإغلاظ ليس في قوله أولا ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا وقوله بعد هذا ~~يريد بعدها القصة، فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدم لها ذكر صريح، من ~~حيث كانت في ضمن القول، وقرأ الجمهور «فلا تصاحبني» ورواها أبي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقرأ عيسى ويعقوب «فلا تصحبني» ، وقرأ عيسى أيضا «فلا ~~تصحبني» بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي عمرو، والمعنى فلا تصحبني ~~علمك، وقرأ الأعرج «فلا تصحبني» : بفتح التاء والباء وشد النون، وقوله قد ~~بلغت من لدني عذرا أي قد أعذرت إلي، وبلغت إلى العذر من قبلي، ويشبه أن ~~تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام التلوم ~~ثلاثة فتأمله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم من PageV03P532 # «لدني» بفتح اللام وضم الدال وشد النون. ms2279 وهي «لدن» اتصلت بها نون الكناية ~~التي في ضربني ونحوه، فوقع الإدغام، وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقرأ نافع وعاصم «لدني» كالأولى إلا أن النون مخففة، فهي «لدن» اتصلت بها ~~ياء المتكلم التي في غلامي وفرسي، وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه، وقرأ ~~أبو بكر عن عاصم «لدني» بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون وهي تخفيف ~~«لدني» التي ذكرناها قبل هذه وروي عن عاصم «لدني» بضم اللام وسكون الدال ~~قال ابن مجاهد وهي غلط قال أبو علي هذا التغليط يشبه أن يكون من جهة ~~الرواية فأما على قياس العربية فهي صحيحة، وقرأ الحسن «لدني» بفتح اللام ~~وسكون الدال، وقرأ الجمهور «عذرا» وقرأ أبو عمرو وعيسى «عذرا» بضم الدال، ~~وحكى الداني أن أبي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «عذري» بكسر الراء ~~وياء بعدها وأسند الطبري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا ~~لأحد بدأ بنفسه، فقال يوما رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو صبر على صاحبه ~~لرأى العجب، ولكنه قال فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا وفي البخاري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر، حتى يقص ~~علينا من أمرهما، وروي في تفسير هذه الآية أن الله جعل هذه الأمثلة التي ~~وقعت لموسى مع الخضر، حجة على موسى وعجبا له، وذلك أنه لما أنكر أمر خرق ~~السفينة، نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم، ~~فلما أنكر أمر الغلام، قيل له أين إنكارك هذا من وكرك للقبطي # وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك حجر البير ~~لبنات شعيب دون أجر؟ وقوله: فانطلقا يريد انطلق الخضر وموسى يمشيان لارتياد ~~الخضر أمرا ينفذ فيه ما عنده من علم الله فمرا بقرية فطلبا من أهلها أن ~~يطعموهما فأبوا، وفي حديث: # أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم، وهذه عبرة مصرحة ~~بهوان الدنيا على الله، واختلف الناس في «القرية» ms2280 : فقال محمد بن سيرين هي ~~الأبلة. وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء، وقالت فرقة هي أنطاكية، وقالت ~~فرقة هي برقة، وقالت فرقة هي بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ~~ويذكر أنها الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة هي أبو حوران، وهي بناحية ~~أذربيجان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت ~~قصة موسى والله أعلم بحقيقة ذلك، وقرأ الجمهور «يضيفوهما» بفتح الضاد وشد ~~الياء، وقرأ أبو رجاء «يضيفوهما» ، بكسر الضاد وسكون الياء وهي قراءة ابن ~~محيصن، وابن الزبير، والحسن وأبي رزين، والضيف مأخوذ من ضاف إلى المكان إذا ~~مال إليه، ومنه الإضافة، وهي إمالة شيء إلى شيء، وقرأ الأعمش «فأبوا أن ~~يطعموهما» ، وقوله في الجدار يريد استعارة، وجميع الأفعال التي حقها أن ~~تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان ~~مكان الجماد إنسان لكان ممتثلا لذلك الفعل، فمن ذلك قول الأعشى: [البسيط] # أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # فأسند النهي إلى الطعن. ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر] # يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل PageV03P533 # ومنه قول عنترة: [الكامل] وشكا إلي بعبرة وتحمحم وقد فسر هذا المعنى ~~بقوله لو كان يدري ما المحاورة البيت، ومنه قول الناس: داري تنظر إلى دار ~~فلان، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتراءى نارهما، وهذا كثير جدا ~~وقرأ الجمهور «ينقض» أي يسقط، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه ~~«أن ينقض» بضم الميم وتخفيف الضاد وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وعكرمة «أن يناقص» ، بالصاد غير منقوطة بمعنى ينشق طولا، يقال ~~انقاص الجدار وطي البير، وانقاصت السن، إذا انشقت طولا، وقيل إذا تصدعت كيف ~~كان، ومنه قول أبي ذؤيب: [الطويل] # فراق كقيص السن فالصبر انه ... لكل أناس عبرة وحبور # ويروى عثرة وجبور بالثاء والجيم، وقرأ ابن مسعود والأعمش «يريد لينقض» ~~واختلف المفسرون في قوله فأقامه فقالت ms2281 فرقة هدمه وقعد يبنيه، ووقع هذا في ~~مصحف ابن مسعود، ويؤيد هذا التأويل قول، لو شئت لاتخذت عليه أجرا لأنه فعل ~~يستحق أجرا، وقال سعيد بن جبير مسحه بيده وأقامه فقام. # قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا حديث وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم ~~السلام فقال موسى للخضر: لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي طعاما تأكله، وقرأ ~~الجمهور «لتخذت» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لتخذت» وهي قراءة ابن مسعود ~~والحسن وقتادة وأدغم بعض القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم، ومن ~~قولهم تخذ قول الشاعر [المزق] : [الطويل] # وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيقا كأفحوص القطاة المطرق # وفي حرف أبي بن كعب: «لو شئت لأوتيت عليه أجرا» ، ثم قال الخضر لموسى ~~بحسب شرطهما هذا فراق بيني وبينك واشترط الخضر، وأعطاه موسى أن لا يقع سؤال ~~عن شيء، والسؤال أقل وجوه الاعتراضات، فالإنكار والتخطئة أعظم منه، وقوله ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا وإن لم يكن سؤالا ففي ضمنه الإنكار لفعله، والقول ~~بتصويب أخذ الأجر، وفي ذلك تخطئة ترك الأجر، والبين الصلاح، الذي يكون بين ~~المصطحبين ونحوهما، وذلك مستعار فيه من الظرفية، ويستعمل استعمال الأسماء، ~~وأما فصله، وتكريره بيني وبينك وعدوله عن بيننا، فلمعنى التأكيد، والسين في ~~قوله سأنبئك مفرقة بين المحاورتين والصحبتين، ومؤذنة بأن الأولى قد انقطعت، ~~ثم أخبره في مجلسه ذلك وفي مقامه بتأويل تلك القصص والتأويل هنا المآل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : آية 79] # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) # قرأ الجمهور «لمساكين» بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم، فقالت ~~فرقة كانت PageV03P534 # لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلة، وفي لجة بحر، وبحال ضعف عن ~~مدافعة غصب جائر، عبر عنهم ب «مساكين» ، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كما تقول لرجل غني إذا وقع في وهدة وخطب مسكين ~~وقالت فرقة: # كانوا عشرة إخوة: أهل عاهات خمسة منهم: عاملون بالسفينة ms2282 لا قدرة بهم على ~~العمل، وقرأت فرقة «لمساكين» بتشديد السين. واختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة ~~أراد ب «المساكين» ملاحي السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب ~~وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع «مساكين» ، وقالت فرقة: أراد ~~«المساكين» دبغة المسوك، وهي الجلود واحدها مسك. # قال القاضي أبو محمد: والأظهر في ذلك القراءة الأولى وأن معناها أن ~~السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق لهم، واحتج الناس بهذه الآية في أن ~~المسكين الذي له البلغة من العيش كالسفينة لهؤلاء، وأنه أصلح حالا من ~~الفقير، واحتج من يرى خلاف هذا بقول الشاعر: [البسيط] # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # وتحرير هذا عندي أنهما لفظان يدلان على ضعف الحال جدا، ومع المسكنة ~~انكشاف وذل وسؤال، ولذلك جعلها الله صنفين، في قسم الصدقات، فأما حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو: «ليس المسكين بهذا الطواف» . فجعل ~~المساكين في اللغة أهل الحاجة الذين قد كشفوا وجوههم، وأما قول الله تعالى: ~~للفقراء الذين أحصروا [البقرة: 273] . فجعل الفقراء أهل الحاجة الذين لم ~~يكشفوا وجوههم، وقد تقدم القول في هذه المسألة بأوعب من هذا. وقوله وكان ~~وراءهم ملك قال قوم معناه أمامهم، وقالوا وراء من الأضداد، وقرأ ابن جبير ~~وابن عباس: «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة» صحيحة وقرأ عثمان بن عفان ~~«وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة» . # قال القاضي أبو محمد: وقوله وراءهم هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ ~~إنما تجيء مراعا بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين ~~اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك ~~بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها ~~تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم، وسعيهم، يأتي بعده في الزمن غصب ~~هذا الملك، ومن قرأ «أمامهم» ، أراد في المكان، أي إنهم كانوا يسيرون إلى ~~بلده، وقوله تعالى في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن، مطرد ms2283 على ما ~~قلنا في الزمن، وقوله من ورائهم جهنم [الجاثية: 10] مطرد كما قلنا مراعاة ~~الزمن وقول النبي صلى الله عليه وسلم «الصلاة أمامك» يريد في المكان، وإلا ~~فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمن وتأمل هذه المقالة فإنها ~~مريحة من شغب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري وكان وراءهم ملك قال ~~قتادة أمامهم، ألا ترى أنه يقول من ورائهم جهنم [الجاثية: 10] وهي بين ~~أيديهم. وهذا القول غير مستقيم وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن ~~يضج منها قاله الزجاج ويجوز إن كان رجوعهم في طريقهم على الغاصب، فكان ~~وراءهم حقيقة، وقيل اسم هذا الغاصب هدد بن بدد، وقيل اسمه الجلندا، وهذا ~~كله غير ثابت، وقوله كل سفينة عموم PageV03P535 # معناه الخصوص في الجياد منها الصحاح المارة به. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 80 الى 82] # وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) ~~فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) وأما الجدار فكان ~~لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك ~~أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ~~ما لم تسطع عليه صبرا (82) # تقدم القول في الغلام، والخلاف في بلوغه أو صغره، وفي الحديث: أن ذلك ~~الغلام طبع يوم طبع كافرا، وهذا يؤيد ظاهره أنه كان غير بالغ، ويحتمل أن ~~يكون خبرا عنه، مع كونه بالغا. وقيل اسم الغلام جيسور بالراء، وقيل جيسون ~~بالنون، وهذا أمر كله غير ثابت، وقرأ أبي بن كعب: «فكان كافرا وكان أبواه ~~مؤمنين» ، وقرأ أبو سعيد الخدري «فكان أبواه مؤمنان» فجعلها كان التي فيها ~~الأمر والشأن، وقوله فخشينا قيل هو في جملة الخضر، فهذا متخلص. والضمير ~~عندي للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه، وقيل هو في ~~جهة الله تعالى، وعنه عبر الخضر قال الطبري معناه فعلمنا وقال غيره معناه ~~فكرهنا والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل، وإن كان اللفظ يدافعه، أنها ~~استعارة، ms2284 أي على ظن المخلوقين والمخاطبين، لو علموا حاله لوقعت منهم خشية ~~الرهق للأبوين، وقرأ ابن مسعود «فخاف ربك» وهذا بين في الاستعارة وهذا نظير ~~ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى. فإن جميع ما في هذا كله، ~~من ترج وتوقع، وخوف، وخشية، إنما هو بحبكم أيها المخاطبون، ويرهقهما معناه ~~يحثهما ويكلفهما بشدة، والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه، وقرأ الجمهور «أن ~~يبدلهما» بفتح الباء وشد الدال، وقرأ ابن محيصن والحسن وعاصم «يبدلهما» ~~بسكون الباء وتخفيف الدال، و «الزكاة» : شرف الخلق، والوقار والسكينة ~~المنطوية على خير ونية، و «الرحم» الرحمة، والمراد عند فرقة أي يرحمهما، ~~وقيل أي يرحمانه، ومنه قول رؤبة بن العجاج: [الرجز] # يا منزل الرحم على إدريسا ... ومنزل اللعن على إبليسا # وقرأ ابن عامر «رحما» بضم الحاء، وقرأ الباقون «رحما» بسكونها، واختلف عن ~~أبي عمرو، وقرأ ابن عباس «ربهما أزكى منه» وأقرب رحما وروي عن ابن جريج ~~أنهما بدلا غلاما مسلما، وروي عن ابن جريج أنهما بدلا جارية، وحكى النقاش ~~أنها ولدت هي وذريتها سبعين نبيا، وذكره المهدوي عن ابن عباس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني ~~إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم، وروي عن ابن جريج أن أم الغلام يوم قتل ~~كانت حاملا بغلام مسلم، وقوله وأما الجدار فكان لغلامين هذان الغلامان ~~صغيران، بقرينة وصفهما باليتم، وقد قال صلى الله عليه وسلم «لا يتم بعد ~~بلوغ» . هذا PageV03P536 # الظاهر، وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ أي كانا يتيمين ~~على معنى التشفق عليهما، واختلف الناس في «الكنز» : فقال عكرمة وقتادة كان ~~مالا جسيما، وقال ابن عباس كان علما في صحف مدفونة، وقال عمر مولى غفرة كان ~~لوحا من ذهب قد كتب فيه عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبا للموقن بالحساب ~~كيف يغفل، وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح، وروي نحو هذا مما هو في معناه، ~~قوله وكان أبوهما صالحا ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما دنية، وقيل ms2285 هو ~~الأب السابع، وقيل العاشر، فحفظا فيه وإن لم يذكرا بصلاح، وفي الحديث «إن ~~الله تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته» ، وجاء في أنباء الخضر عليه السلام ~~في أول قصة فأردت أن أعيبها [الكهف: 79] وفي الثانية فأردنا أن يبدلهما وفي ~~الثالثة فأراد ربك أن يبلغا وإنما انفرد أولا في الإرادة لأنها لفظة عيب، ~~فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه ~~السلام في قوله وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء: 80] ، فأسند الفعل قبل وبعد ~~إلى الله تعالى، وأسند المرض إلى لنفسه، إذ هو معنى نقص ومصيبة، وهذا ~~المنزع يطرد في فصاحة القرآن كثيرا، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله ~~تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله [الصف: 5] ، وتقديم فعل الله تعالى في قوله ثم ~~تاب عليهم ليتوبوا [التوبة: 118] ، وإنما قال الخضر في الثانية فأردنا لأنه ~~أمل قد كان رواه هو وأصحابه الصالحون، وتكلم فيه في معنى الخشية على ~~الوالدين، وتمنى البديل لهما، وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله ~~تعالى. لأنها في أمر مستأنف في الزمن طويل غيب من الغيوب، فحسن إفادة هذا ~~الموضع بذكر الله تعالى، وإن كان الخضر قد أراد أيضا ذلك الذي أعلمه الله ~~أنه يريده، فهذا توجيه فصاحة هذه العبارة بحسب فهمنا المقصر، والله أعلم، و ~~«الأشد» كما الخلق والعقل واختلف الناس في قدر ذلك من السن، فقيل خمس ~~وثلاثون، وقيل ست وثلاثون، وقيل أربعون، وقيل غير هذا مما فيه ضعف، وقول ~~الخضر وما فعلته عن أمري يقتضي أن الخضر نبي، وقد اختلف الناس فيه: فقيل هو ~~نبي، وقيل هو عبد صالح وليس بنبي، وكذلك جمهور الناس على أن الخضر مات صلى ~~الله عليه وسلم، وتقول فرقة إنه حي، لأنه شرب من عين الحياة، وهو باق في ~~الأرض، وأنه يحج البيت، وغير هذا، وقد أطنب النقاش في هذا المعنى، وذكر في ~~كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، كلها لا يقوم ~~على ساق، ولو كان الخضر عليه ms2286 السلام حيا يحج لكان له في ملة الإسلام ظهور ~~والله العليم بتفاصيل الأشياء لا رب غيره، ومما يقضي بموت الخضر الآن قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم ~~على ظهر الأرض أحد» ، وقوله ذلك تأويل أي مآل، وقرأت فرقة «تستطع» ، وقرأ ~~الجمهور «تسطع» قال أبو حاتم كذا نقرأ «نتبع» المصحف، وانتزع الطبري من ~~اتصال هذه القصة بقوله تعالى: وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا ~~لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا [الكهف: 58] إن هذه ~~القصة إنما جلبت على معنى المثل للنبي صلى الله عليه وسلم في قومه أي لا ~~تهتم بإملاء الله لهم وإجراء النعم لهم على ظاهرها، فإن البواطن سائرة إلى ~~الانتقام منهم، ونحو هذا مما هو محتمل لكن بتعسف ما فتأمله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 83 الى 86] # ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا له في ~~الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) PageV03P537 # اختلف فيمن سأله عن هذه القصة، فقيل سألته طائفة من أهل الكتاب، وروى في ~~ذلك عقبة بن عامر حديثا ذكره الطبري وقيل إنما سألته قريش، حين دلتها ~~اليهود على سؤاله عن الروح، والرجل الطواف، وفتية ذهبوا في الدهر ليقع ~~امتحانه بذلك، و «ذو القرنين» : هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني، وقد ~~تشدد قافه، فيقال المقدوني، وذكر ابن إسحاق في كتاب الطبري أنه يوناني، ~~وقال وهب بن منبه هو رومي، وذكر الطبري حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أن ذا القرنين شاب من الروم» وهو حديث واهي السند، فيه عن شيخين من تجيب، ~~واختلف الناس في وجه تسميته ب ذي القرنين، فأحسن الأقوال أنه كان ذا ضفرتين ~~من شعر هما قرناه، فسمي بهما، ذكره المهدوي وغيره، والضفائر قرون الرأس، ms2287 ~~ومنه قول الشاعر: [الكامل] # فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف لبرد ماء الحشرج # ومنه حديث في غسل بنت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت أم عطية: فضفرنا ~~رأسها ثلاثة قرون، وكثيرا تجيء تسمية النواصي قرونا، وروي أنه كان في أول ~~ملكه يرى في نومه أنه يتناول الشمس، ويمسك قرنين لها بيديه، فقص ذلك، ففسر ~~أنه سيغلب على ما ذرت عليه، وسمي «ذا القرنين» ، وقالت فرقة سمي «ذا ~~القرنين» لأنه بلغ المغرب والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا، وقالت فرقة إنه ~~بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرنيها، فسمي بذلك، أو قرني الشيطان بها، وقال ~~وهب بن منبه: سمي بذلك لأن جنبتي رأسه كانتا من نحاس، وقال وهب بن منبه ~~أيضا كان له قرنان تحت عمامته. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بعيد، وقال علي بن أبي طالب: إنما سمي «ذا ~~القرنين» لأنه ضرب على قرن رأسه فمات. ثم حيي ثم ضرب على قرن رأسه الآخر ~~فمات، فسمي بذلك لأنه جرح على قرني رأسه جرحين عظيمين في يومين عظيمين من ~~أيام حربه فسمي بذلك، وهذا قريب، والتمكين له في الأرض أنه ملك الدنيا، ~~ودانت له الملوك كلها، فروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان ~~وكافران، والمؤمنان: سليمان بن داود، والإسكندر، والكافران نمرود وبخت نصر، ~~وقوله وآتيناه من كل شيء سببا معناه علما في كل أمر، وأقيسة يتوصل بها إلى ~~معرفة الأشياء، وقوله كل شيء عموم، معناه الخصوص في كل ما يمكن أن يعلمه ~~ويحتاج إليه، وثم لا محالة أشياء لم يؤت منها سببا يعلمها به، واختلف في ذي ~~القرنين فقيل هو نبي، وهذا ضعيف. وقيل هو ملك بفتح اللام، وروي عن علي بن ~~أبي طالب أنه سمع رجلا يدعو آخر يا ذا القرنين، فقال أما كفاكم أن تسميتم ~~بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سئل عنه فقال «ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب» . وقيل هو عبد ~~ملك بكسر اللام صالح، نصح لله فأيده، ms2288 قاله علي بن أبي طالب، وقال فيكم ~~اليوم مثله، وعنى بذلك نفسه، والله أعلم. وقوله فأتبع سببا الآية، قرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو «فاتبع» PageV03P538 # بشد التاء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «فأتبع» بسكون التاء على ~~وزن أفعل، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد، وكذلك تبع، وقالت فرقة «أتبع» ~~بقطع الألف: هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، و «اتبع» إنما يتضمن ~~معنى الاقتفاء دون هذه القرائن، قاله أبو زيد وغيره. # قال القاضي أبو محمد: واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله عز ~~وجل فأتبعه شهاب ثاقب [الصافات: 10] ، وكقوله فأتبعهم فرعون [يونس: 90] ~~[طه: 78] ، وكقوله تعالى: فأتبعه الشيطان [الأعراف: 175] ، وهذا قول حكاه ~~النقاش عن يونس بن حبيب، وإذا تأملت «اتبع» بشد التاء لم تربط لك هذا ~~المعنى ولا بد. و «السبب» في هذه الآية، الطريق المسلوكة، لأنها سبب الوصول ~~إلى المقصد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم «في عين حمئة» ، ~~على وزن فعلة، أي ذات حماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في «عين ~~حامية» ، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس ~~«حمئة» ، وقال معاوية «حامية» ، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف ~~هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في ~~التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن ~~عباس: لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ~~ذكر ذي القرنين: [الكامل] # قد كان ذو القرنين جدي مسلما ... ملكا تدين له الملوك ويحشد # بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد # فرأى مغار الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثاط حرمد # فالخلب: الطين، والثاط: الحمأة، الحرمد: الأسد، ومن قرأ «حامئة» ، وجهها ~~إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال «في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من ms2289 الله ~~لأحرقت ما على الأرض» ، وروى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر ~~إلى الشمس عند غروبها فقال «أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟ قلت لا، قال «إنها ~~تغرب في عين حامية» ، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و «حامية» هي ~~قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى ~~الجمع بين الأمرين: فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة ~~وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن في بمنزلة عند، كأنها ~~مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي ل عين حمئة وقال بعضهم: قوله في عين إنما ~~المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم: ~~وقد يمكن أن تكون «حاميئة» مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى ~~واحد، واستدل بعض الناس عل أن ذا القرنين نبي، بقوله تعالى: قلنا يا ذا ~~القرنين ومن قال إنه ليس بنبي، قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام، ~~وإما أن تعذب بالقتل على الكفر وإما أن تتخذ فيهم حسنا أي بالإجمال على ~~الإيمان، واتباع الهدى، فكأنه قيل له هذه لا تعطيها إلا إحدى خطتين: إما أن ~~تكفر فتعذبها، وإما أن تؤمن فتحسن PageV03P539 # إليها، وذهب الطبري إلى أن اتخاذ الحسن هو الأسر مع كفرهم، فالمعنى، على ~~هذا، أنهم كفروا ولا بد فخيره الله بين قتلهم أو أسرهم، ويحتمل أن يكون ~~الاتخاذ ضرب الجزية. # قال القاضي أبو محمد: ولكن تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمر إلى كفر أو ~~إيمان، يريد هذا القول بعض الرد، فتأمله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 87 الى 91] # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما ~~من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع ~~سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ms2290 ~~سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) # ظلم في هذه الآية بمعنى كفر، ثم توعد الكافرين بتعذيبه إياهم قبل عذاب ~~الله، وعقب لهم بذكر عذاب الله، لأن تعذيب ذي القرنين هو اللاحق عندهم، ~~المحسوس لهم، الأقرب نكاية فلما جاء إلى وعد المؤمنين، قدم تنعيم الله ~~تعالى الذي هو اللاحق عن المؤمنين، والآخر بإزائه حقير، ثم عبر أخيرا بذكر ~~إحسانه في قول اليسر، وجعله قولا، إذ الأفعال كلها خلق الله تعالى، فكأنه ~~سلمها، ولم يراع تكسبه، وقرأت فرقة «نكرا» بضم الكاف، وفرقة «نكرا» بسكون ~~الكاف، ومعناه المنكر الذي تنكره الأوهام لعظمه وتستهوله، وقرأ ابن كثير ~~ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر: جزاء الحسنى بإضافة ~~الجزاء إلى الحسنى، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد ب الحسنى الجنة، ~~والجنة هي الجزاء، فأضاف ذلك كما قال «دار الآخرة» والدار هي الآخرة، ~~والثاني أن يريد ب الحسنى أعمالهم الصالحة في إيمانهم، فوعدهم بجزاء ~~الأعمال الصالحة، وقرأ حمزة الكسائي وحفص عن عاصم «جزاء الحسنى» بنصب ~~الجزاء على المصدر في موضع الحال، و «الحسنى» : ابتداء خبره في المجرور، ~~ويراد بها الجنة، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق «جزاء» بالرفع والتنوين ~~الحسنى وقرأ ابن عباس ومسروق: # «جزاء» نصب بغير التنوين الحسنى بالإضافة، قال المهدوي: ويجوز حذف ~~التنوين لالتقاء الساكنين، ووعدهم بذلك بأنه ييسر عليهم أمور دنياهم، وقرأ ~~ابن القعقاع: «يسرا» بضم السين، وقوله ثم أتبع سببا المعنى: ثم سلك ذو ~~القرنين الطرق المؤدية إلى مقصده، فيجيء سبب الوصول، وكان ذو القرنين، على ~~ما وقع في كتب التواريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال، والسيرة الحميدة، ~~والإعداد الموفي، والحزم المستيقظ المتقد، والتأييد المتواصل، وتقوى الله ~~عز وجل، فما لقي أمة ولا مر بمدينة إلا دانت له، ودخلت في طاعته، وكل من ~~عارضه أو توقف عن أمره جعله عظة وآية لغيره، وله في هذا المعنى أخبار كثيرة ~~وغرائب. كرهت التطويل بها لأنها علم تاريخ. وقرأ الجمهور «مطلع» بكسر ~~اللام، وقرأ الحسن بخلاف وابن كثير وأهل مكة «مطلع الشمس» ms2291 بفتح اللام، و ~~«القوم» : الزنج، قاله قتادة وهم الهنود وما وراءهم، وقال النقاش في قوله ~~لم نجعل لهم من دونها سترا معناه: أنه ليس لهم بنيان، إذ لا تحمل أرضهم ~~البناء، وإنما يدخلون من حر الشمس في أسراب، وقيل يدخلون في ماء البحر، ~~قاله الحسن وقتادة PageV03P540 # وابن جريج، وكثر النقاش في غيره في هذا المعنى، والظاهر من اللفظ أنها ~~عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم وفعلها، لقدرة الله تعالى فيهم، ونيلها ~~منهم، ولو كان لهم أسراب تغني لكان سترا كثيفا، وإنما هم في قبضة القدرة، ~~سواء كان لهم أسراب أو دور أو لم يكن، ألا ترى أن الستر، عندنا نحن، إنما ~~هو من السحاب والغمام وبرد الهوى، ولو سلط الله علينا الشمس لأحرقتنا، ~~فسبحان المنفرد بالقدرة التامة، وقوله كذلك معناه: فعل معهم كفعله مع ~~الأولين أهل المغرب، فأوجز بقوله كذلك ثم أخبر الله تعالى عن إحاطته بجميع ~~ما لدى ذي القرنين، وما تصرف من أفعاله ويحتمل أن يكون كذلك استئناف قول، ~~ولا يكون راجعا على الطائفة الأولى، فتأمله، والأول أصوب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 92 الى 95] # ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل ~~نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير ~~فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) # قرأت فرقة «اتبع» بشد التاء، وقرأت فرقة «أتبع» بتخفيفها، وقد تقدم ذكره ~~وهذه الآية تقتضي أنه لما بلغ مطلع الشمس، أي أدنى الأرض من مطلع الشمس، ~~أتبع بعد ذلك سببا، أي طريقا آخر، فهو، والله أعلم، إما يمنة وإما يسرة من ~~مطلع الشمس، و «السدان» فيما ذكر أهل التفسير، جبلان سدا مسالك تلك الناحية ~~من الأرض، وبين طرفي الجبلين فتح، هو موضع الردم، قال ابن عباس: الجبلان ~~اللذان بينهما السد: أرمينية وأذربيجان، وقالت فرقة: هما من وراء بلاد ~~الترك، ذكره المهدوي. # قال القاضي ms2292 أبو محمد: وهذا كله غير متحقق، وإنما هما في طريق الأرض مما ~~يلي المشرق ويظهر من ألفاظ التواريخ، أنه إلى ناحية الشمال، وأما تعيين ~~موضع فيضعف، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: # «السدين» بضم السين، وكذلك «سدا» حيث وقع، وقرأ حفص عن عاصم بفتح ذلك كله ~~من جميع القرآن، وهي قراءة مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي، وقرأ ابن كثير ~~«السدين» بفتح السين وضم «سدا» في يس، واختلف بعد فقال الخليل وسيبويه: ~~الضم هو الاسم والفتح هو المصدر، وقال الكسائي: الضم والفتح لغتان بمعنى ~~واحد، وقرأ عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة ما كان من خلقة الله لم ~~يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح. # قال القاضي أبو محمد: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ «بين السدين» بالضم ~~وبعد ذلك «سدا» بالفتح، وهي قراءة حمزة والكسائي، وحكى أبو حاتم عن ابن ~~عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة، وقال ابن أبي إسحاق: وما رأته عيناك فهو ~~«سد» بالضم، وما لا يرى فهو «سد» بالفتح، والضمير في دونهما عائد على ~~الجبلين، أي: وجدهم في الناحية التي تلي عمارة الناس إلى المغرب، واختلف في ~~القوم، فقيل: هم بشر، وقيل جن، والأول أصح من وجوه، وقوله لا يكادون يفقهون ~~قولا عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، لكنهم فقهوا وأفهموا بالترجمة ~~ونحوها، وقرأ حمزة والكسائي «يفقهون» من أفقه، وقرأ PageV03P541 # الباقون «يفقهون» من فقه، والضمير في قالوا: للقوم الذين من دون السدين، ~~ويأجوج ومأجوج: # قبيلتان من بني آدم لكنهم ينقسمون أنواعا كثيرة، اختلف الناس في عددها، ~~فاختصرت ذكره لعدم الصحة، وفي خلقهم تشويه: منهم المفرط الطول، ومنهم مفرط ~~القصر، على قدر الشبر، وأقل، وأكثر، ومنهم صنف: عظام الآذان، الأذن الواحدة ~~وبرة والأخرى زعرى يصيف بالواحدة ويشتو في الأخرى وهي تعمه، واختلفت ~~القراءة فقرأ عاصم وحده «يأجوج ومأجوج» بالهمز وقرأ الباقون: «يأجوج ~~وماجوج» بغير همزة فأما من همز، فاختلف: فقالت فرقة: هو أعجمي علتاه في منع ~~الصرف: العجمة والتأنيث، وقالت فرقة: ms2293 هو معرب من أجج وأج، علتاه في منع ~~الصرف التعريف والتأنيث، وأما من لم يهمز فإما أن يراهما اسمين أعجميين، ~~وإما أن يسهل من الهمز، وقرأ رؤبة بن العجاج: «آجوج ومأجوج» بهمزة بدل ~~الياء، واختلف الناس في «إفسادهم» الذي وصفوهم به، فقال سعيد بن عبد ~~العزيز: «إفسادهم» : أكل بني آدم، وقالت فرقة «إفسادهم» إنما عندهم توقعا، ~~أي سيفسدون، فطلبوا وجه التحرز منهم، وقالت فرقة: «إفسادهم» هو الظلم ~~والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، وهذا أظهر الأقوال، ~~لأن الطائفة الشاكية إنما تشكت من ضرر قد نالها، وقولهم فهل نجعل لك خرجا ~~استفهام على جهة حسن الأدب، و «الخرج» : # المجبي، وهو الخراج، وقال فوم: الخرج: المال يخرج مرة، والخراج المجبي ~~المتكرر، فعرضوا عليه أن يجمعوا له أموالا يقيم بها أمر السد، قال ابن عباس ~~خرجا: أجرا، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم «خرجا» وقرأ حمزة والكسائي ~~«خراجا» وهي قراءة طلحة بن مصرف والأعمش والحسن بخلاف عنه وروي في أمر ~~يأجوج ومأجوج أن أرزاقهم هي من التنين يمطرونها، ونحو هذا مما لم يصح، وروي ~~أيضا أن الذكر منهم لا يموت حتى يولد له ألف، والأنثى لا تموت حتى تخرج من ~~بطنها ألف، فهم لذلك إذا بلغوا العدد ماتوا، ويروى أنهم يتناكحون في الطرق ~~كالبهائم، وأخبارهم تضيق بها الصحف، فاختصرتها لضعف صحتها وقوله قال ما ~~مكني الآية، المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله لي من القدرة والملك، ~~خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، وبعمل منكم بالأيدي، ~~وقرأ ابن كثير «ما مكنني» بنونين، وقرأ الباقون «ما مكني» بإدغام النون ~~الأولى في الثانية، وهذا من تأييد الله تعالى لذي القرنين، فإنه «تهدا؟؟؟» ~~في هذه المحاورة إلى الأنفع الأنزه، فإن القوم، لو جمعوا له خرجا لم يمنعه ~~منهم أحد، ولوكلوه إلى البنيان، ومعونتهم بالقوة أجمل به، وأمر يطاول مدة ~~العمل، وربما أربى على المخرج، و «الردم» أبلغ من السد، إذ السد كل ما سد ~~به، و «الردم» وضع الشيء على الشيء ms2294 من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ~~ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه: إذا رقعه برقاع متكاثفة، بعضها فوق بعض، ~~ومنه قول الشاعر: # [الكامل] هل غادر الشعراء من متردم أي من قول يركب بعضه على بعض. # قوله عز وجل: PageV03P542 ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 96 الى 100] # آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا ~~قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ~~(97) قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ~~(98) وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) # قرأ عاصم وحمزة «ايتوني» بمعنى جيئوني، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وابن عامر والكسائي «آتوني» بمعني أعطوني، وهذا كله إنما هو استدعاء إلى ~~المناولة، لا استدعاء العطية والهبة، لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ ~~منهم الخرج، فلم يبق الاستدعاء المناولة، وإعمال القوة، و «ايتوني» : أشبه ~~بقوله: # فأعينوني بقوة، ونصب «الزبر» به على نحو قول الشاعر: أمرتك الخير، حذف ~~الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور «زبر» بفتح الباء، وقرأ الحسن بضمها، وكل ~~ذلك جمع زبرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرصفه وبناه، حتى إذا ساوى ~~بين الصدفين، فاختصر ذلك لدلالة الظاهر عليه، وقرأ الجمهور «ساوى» وقرأ ~~قتادة «سوى» ، و «الصدفان» : الجبلان المتناوحان، ولا يقال للواحد صدف ~~وإنما يقال صدفان لاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي ~~«الصدفين» بفتح الصاد وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب وعمر بن ~~عبد العزيز، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو «الصدفين» بضم الصاد ~~والدال، وهي قراءة مجاهد والحسن، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد ~~وسكون الدال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي عبد الرحمن وقرأ الماجشون: بفتح ~~الصاد وضم الدال، وقراءة قتادة «بين الصدفين» ، بفتح الصاد وسكون الدال، ~~وكل ذلك بمعنى واحد: هما الجبلان المتناوحان، وقيل «الصدفان» : # السطحان الأعليان من الجبلين، وهذا نحو ms2295 من الأول، وقوله قال انفخوا إلى ~~آخر الآية معناه أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها، ~~حتى تحمى، ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو الرصاص أو بالحديد، بحسب الخلاف في ~~القطر، فيفرغه، على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم واشتد استأنف وصف طاقة ~~أخرى، إلى أن استوى العمل، وقرأ بعض الصحابة: «بقطر أفرغ عليه» ، وقال أكثر ~~المفسرين: # «القطر» : النحاس المذاب، ويؤيد هذا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال كيف ~~رأيته؟ قال رأيته كالبرد المحبر: طريقة صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد رأيته، وقالت فرقة «القطر» : # الرصاص المذاب، وقالت فرقة الحديد المذاب، وهو مشتق من قطر يقطر، والضمير ~~في قوله استطاعوا ل يأجوج ومأجوج [الكهف: 94] ، وقرأت فرقة «فما اسطاعوا» ~~بسكون السين وتخفيف الطاء، وقرأت فرقة بشد الطاء، وفيها تكلف الجمع بين ~~ساكنين ويظهروه معناه: يعلونه بصعود فيه، ومنه في الموطأ: # والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، وما اسطاعوا له نقبا لبعد عرضه وقوته ولا ~~سبيل سوى هذين إما ارتقاء وإما نقب، وروي أن في طوله ما بين طرفي الجبلين ~~مائة فرسخ، وفي عرضه خمسين فرسخا، وروى غير هذا مما لا ثبوت له، فاختصرناه، ~~إذ لا غاية للتخرص، وقوله في هذه الآية انفخوا يريد بالأكيار، وقوله ~~اسطاعوا بتخفيف الطاء، على قراءة الجمهور قيل هي لغة بمعنى استطاعوا وقيل ~~بل استطاعوا بعينه، كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء، فقالوا: ~~اسطاعوا، وحذف بعضهم منه الطاء PageV03P543 # فقال: «استاع» يستيع بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة وقرأ حمزة وحده ~~«فما اسطاعوا» بتشديد الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي: هي غير ~~جائزة، وقرأ الأعمش: «فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا» بالتاء في ~~الموضعين، وقوله هذا رحمة الآية القائل: ذو القرنين، وأشار بهذا إلى الردم ~~والقوة عليه والانتفاع به، وقرأ ابن أبي عبلة «هذه رحمة» ، و «الوعد» : ~~يحتمل أن ms2296 يريد به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به وقت خروج يأجوج ومأجوج، ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «دكا» مصدر دك يدك إذا هدم ورض، ~~وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «دكاء» بالمد، وهذا على التشبيه بالناقة الدكاء ~~وهي التي لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره جعله مثل دكاء، وأما النصب في ~~«دكا» فيحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ل «جعل» ، ويحتمل أن يكون «جعل» بمعنى ~~خلق، وينصب «دكا» على الحال، وكذلك أيضا النصب في قراءة من مد يحتمل ~~الوجهين، والضمير في تركنا لله عز وجل، وقوله يومئذ يحتمل أن يريد به يوم ~~القيامة لأنه قد تقدم ذكره، فالضمير في قوله بعضهم على ذلك لجميع الناس، ~~ويحتمل أن يريد بقوله يومئذ يوم كمال السد، فالضمير في قوله بعضهم على ذلك ~~يأجوج ومأجوج [الكهف: 94] ، واستعارة «الموج» لهم عبارة عن الحيرة وتردد ~~بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف ونحوه، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب ~~بعضه في بعض، وقوله ونفخ في الصور إلى آخر الآية معني به يوم القيامة بلا ~~احتمال لغيره، فمن تأول الآية كلها في يوم القيامة، اتسق تأويله، ومن تأول ~~الآية إلى قوله يموج في بعض في أمر يأجوج ومأجوج، تأول القول وتركناهم ~~يموجون دأبا على مر الدهر وتناسل القرون منهم فنائهم، ثم نفخ في الصور ~~فيجتمعون، والصور: في قول الجمهور وظاهر الأحاديث الصحاح، هو القرن الذي ~~ينفخ فيه للقيامة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كيف ~~أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنا الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر» ، فشق ~~ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قولوا حسبنا الله وعلى ~~الله توكلنا، ولو اجتمع أهل منى ما أقلوا ذلك القرن» ، وأما «النفخات» ، ~~فأسند الطبري إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الصور» ~~قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، ~~والثالثة نفخة القيام لرب العالمين» ، وقال بعض الناس «النفخات» اثنتان: ~~نفخة الفزع، وهي ms2297 نفخة الصعق، ثم الأخرى التي هي للقيام، وملك الصور هو ~~إسرافيل، وقالت فرقة الصور جمع صورة، فكأنه أراد صور البشر والحيوان نفخ ~~فيها الروح، والأول أبين وأكثر في الشريعة، وقوله وعرضنا جهنم معناه: ~~أبرزناها لهم لتجمعهم وتحطمهم، ثم أكد بالمصدر عبارة عن شدة الحال، وروى ~~الطبري في هذا حديثا مضمنه أن النار ترفع لليهود والنصارى كأنها السراب، ~~فيقال هل لكم في الماء حاجة؟ فيقولون نعم، وهذا مما لا صحة له. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 101 الى 106] # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ~~(102) قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) # ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) PageV03P544 # قوله أعينهم كناية عن البصائر، لأن عين الجارحة لا نسبة بينها وبين ~~الذكر، والمعنى: الذين فكرهم بينها وبين ذكري والنظر في شرعي حجاب، وعليها ~~غطاء ثم قال إنهم كانوا لا يستطيعون سمعا يريد لإعراضهم ونفارهم عن دعوة ~~الحق، وقرأ جمهور الناس: «أفحسب الذين» بكسر السين بمعنى: أظنوا، وقرأ علي ~~بن أبي طالب والحسن وابن يعمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه: «أفحسب» بسكون ~~السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم، وفي مصحف ابن مسعود «أفظن ~~الذين كفروا» ، وهذه حجة لقراءة الجمهور، وقال جمهور المفسرين يريد كل من ~~عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في الذين كفروا بعض العرب ~~واليهود والنصارى، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم، بل ليس من ولاية هؤلاء ~~المذكورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعا وأعتدنا معناه: يسرنا، و «النزل» ~~موضع النزول، و «النزل» أيضا ما يقدم للضيف أو القادم من الطعام عند نزوله، ~~ويحتمل أن يراد بالآية هذا المعنى أن المعد لهم بدل النزول جهنم، كما قال ~~الشاعر: [الوافر] تحية بينهم ضرب وجيع ثم ms2298 قال تعالى: هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا الآية المعنى: قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ: # هل نخبركم بالذين خسروا عملهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم مع ذلك ~~يظنون أنهم يحسنون فيما يصنعونه فإذا طلبوا ذلك، فقل لهم: أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه، وقرأ ابن وثاب «قل سننبئكم» ، وهذه صفة المخاطبين ~~من كفار العرب المكذبين، بالبعث، و «حبطت» معناه: بطلت، وأعمالهم: يريد ما ~~كان لهم من عمل خير، وقوله فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا يحتمل أن يريد ~~أنه لا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار لا ~~محالة، ويحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنه قال فلا قدر لهم عندنا ~~يومئذ، فهذا معنى الآية عندي، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال «يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن بعوضة» ثم قرأ فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا وقالت فرقة: إن الاستفهام تم في قوله أعمالا ثم قال: هم الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فقال سعد بن أبي ~~وقاص هم عباد اليهود والنصارى، وأهل الصوامع والديارات، وقال علي بن أبي ~~طالب هم الخوارج، وهذا إن صح عنه، فهو على جهة مثال فيمن ضل سعيه في الحياة ~~الدنيا وهو يحسب أنه يحسن وروي أن ابن الكواء سأله عن بالأخسرين أعمالا ~~فقال له أنت وأصحابك، ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك أولئك الذين كفروا ~~بآيات ربهم ولقائه وليس من هذه الطوائف من يكفر بلقاء الله، وإنما هذه صفة ~~مشركي عبدة الأوثان، فاتجه بهذا ما قلناه أولا وعلي وسعد رضي الله عنهما ~~ذكرا أقواما أخذوا بحظهم من صدر الآية، وقوله أعمالا نصب على التمييز، وقرأ ~~الجمهور «فحبطت» بكسر الباء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال «فحبطت» بفتح ~~الباء، وقرأ كعب بن عجرة والحسن وأبو عمرو ونافع والناس «فلا نقيم لهم» ~~بنون العظمة، وقرأ مجاهد «فلا يقيم» ، بياء الغائب، يريد PageV03P545 # فلا يقيم الله عز وجل، وقرأ عبيد بن عمير: «فلا ms2299 يقوم» ويلزمه أن يقرأ ~~«وزن» ، وكذلك قول مجاهد «يقول لهم يوم القيامة» ، وقوله ذلك إشارة إلى ترك ~~إقامة الوزن وجزاؤهم خبر الابتداء في قوله ذلك، وقوله جهنم بدل منه، و «ما» ~~في قوله بما كفروا مصدرية و «الهزء» الاستخفاف والسخرية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكهف (18) : الآيات 107 الى 110] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) خالدين ~~فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) # لما فرغ من ذكر الكفرة والأخسرين أعمالا الضالين، عقب بذكر حالة المؤمنين ~~ليظهر التباين، وفي هذا بعث النفوس على اتباع الحسن القويم، واختلف ~~المفسرون في الفردوس فقال قتادة إنه أعلى الجنة وربوتها، وقال أبو هريرة ~~إنه جبل تنفجر منه أنهار الجنة، وقال أبو أمامة: إنه سرة الجنة، ووسطها، ~~وروى أبو سعيد الخدري أنه تنفجر منه أنهار الجنة، وقال عبد الله بن الحارث ~~بن كعب إنه جنات الكرم والأعناب خاصة من الثمار، وقاله كعب الأحبار، ~~واستشهد قوم لذلك بقول أمية بن أبي الصلت: [البسيط] # كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل # وقال الزجاج قيل إن الفردوس سريانية، وقيل رومية، ولم يسمع ب الفردوس في ~~كلام العرب إلا في بيت حسان: [الطويل] # وإن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا سألتم الله فاسألوه ~~الفردوس» ، وقالت فرقة الفردوس البستان بالرومية، وهذا اقتضاب القول في ~~الفردوس وعيون ما قيل، وقوله نزلا يحتمل الوجهين اللذين قدمناهما قبل، و ~~«الحلول» بمعنى التحول، قال مجاهد: متحولا، ومنه قول شصار: [مجزوء الرجز] ~~لكل دولة أجل ثم يتاح لها حول وكأنه اسم جمع، وكأن واحده حوالة، وفي هذا ~~نظر، وقال الزجاج عن قوم: هي بمعنى الحيلة في التنقل. # قال ms2300 القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف متكلف، وأما قوله قل لو كان البحر إلى ~~آخر الآية، فروي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي عليه السلام كيف تزعم ~~أنك نبي الأمم كلها، ومبعوث إليها، وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم، ~~وأنت مقصر، قد سئلت في الروح ولم تجب فيه، ونحو هذا من PageV03P546 # القول، فنزلت الآية معلمة باتساع معلومات الله عز وجل، وأنها غير ~~متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدع ولا نكير، فعبر عن هذا بتمثيل ما ~~يستكثرونه، وهو قوله قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي و «الكلمات» : هي ~~المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، ومعلومات الله سبحانه لا تناهى، ~~والبحر متناه، ضرورة، وقرأ الجمهور: «تنفد» بالتاء من فوق، وقرأ عمرو بن ~~عبيد «ينفد» بالياء وقرأ ابن مسعود وطلحة: قبل أن تقضي كلمات ربي، وقوله ~~مدادا أي زيادة، وقرأ الجمهور: «مدادا» وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ~~ومجاهد والأعرج «مدادا» ، فالمعنى لو كان البحر مدادا تكتب به معلومات الله ~~عز وجل، لنفد قبل أن يستوفيها، وكذلك إلى ما شئت من العدد، وإنما أنا بشر ~~مثلكم لم أعط إلا ما أوحي إلي وكشف لي، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: ~~«ينفد» بالياء من تحت، وقرأ الباقون بالتاء، وقوله قل إنما أنا بشر مثلكم ~~المعنى: إنما أنا بشر ينتهي علمي إلى حيث يوحى إلي ومهم ما يوحى إلي، أنما ~~إلهكم إله واحد، وكان كفرهم بعبادة الأصنام فلذلك خصص هذا الفصل مما أوحي ~~إليه، ثم أخذ في الموعظة، والوصاة البينة الرشد، ويرجوا على بابها، وقالت ~~فرقة: يرجوا بمعنى يخاف، وقد تقدم القول في هذا المقصد، فمن كان يؤمن بلقاء ~~ربه وكل موقن بلقاء ربه، فلا محالة أنه بحالتي خوف ورجاء، فلو عبر بالخوف ~~لكان المعنى تاما على جهة التخويف والتحذير، وإذا عبر بالرجاء فعلى جهة ~~الإطماع وبسط النفوس إلى إحسان الله تعالى، أي فمن كان يرجوا النعيم المؤبد ~~من ربه فليعمل وباقي الآية بين في الشرك بالله تعالى، وقال ابن جبير في ~~تفسيرها لا يرائي ms2301 في عمله وقد روي حديث أنها نزلت في الرياء، حين سئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عمن يجاهد ويحب أن يحمده الناس، وقال معاوية بن أبي ~~سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن. PageV03P547 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة مريم # هذه السورة مكية بإجماع إلا السجدة منها فقالت فرقة هي مكية وقالت فرقة ~~هي مدنية. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب ~~إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) # وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) ~~يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) # اختلف الناس في الحروف التي في أوائل السور على قولين فقالت فرقة: هو سر ~~الله في القرآن لا ينبغي أن يعرض له، يؤمن بظاهره ويترك باطنه. وقال ~~الجمهور بل ينبغي أن يتكلم فيها وتطلب معانيها فإن العرب قد تأتي بالحرف ~~الواحد دالا على كلمة وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم اختلف هذا الجمهور ~~على أقوال قد استوفينا ذكرها في سورة البقرة، ونذكر الآن ما يختص بهذه ~~السورة. قال ابن عباس وابن جبير والضحاك هذه حروف دالة على أسماء من أسماء ~~الله تعالى الكاف من «كبير» ، وقال ابن جبير أيضا الكاف من «كاف» ، وقال ~~أيضا هي من «كريم» فمقتضى أقواله أنها دالة على كل اسم فيه كاف من أسمائه ~~تعالى. قالوا والهاء من «هاد» ، والياء من «علي» وقيل من «حكيم» ، وقال ~~الربيع بن أنس هي من «يأمن» لا يجير ولا يجار عليه. قال ابن عباس والعين من ~~«عزيز» وقيل من «عليم» وقيل من «عدل» ، والصاد من «صادق» وقال قتادة بل ~~كهيعص بجملته اسم للسورة، وقالت فرقة بل هي اسم من أسماء الله تعالى. # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي، ~~فهذا يحتمل أن تكون الجملة من أسماء ms2302 الله تعالى ويحتمل أن يريد علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أن ينادي الله تعالى بجميع الأسماء التي تضمنها كهيعص، ~~كأنه أراد أن يقول «يا كريم يا هادي يا علي يا عزيز يا صادق» اغفر، فجمع ~~هذا كله باختصار في قوله يا كهيعص. وقال ابن المستنير وغيره كهيعص عبارة عن ~~حروف المعجم، ونسبه الزجاج إلى أكثر أهل اللغة، أي هذه الحروف منها ذكر ~~رحمت ربك عبده زكريا وعلى هذا يتركب قول من يقول ارتفع ذكر بأنه خبر عن ~~كهيعص، وهي حروف تهج يوقف عليها بالسكون. وقرأ الجميع كاف بإثبات الألف ~~والفاء. وقرأ نافع الهاء والياء وبين الكسر والفتح ولا يدغم الدال PageV04P003 # في الذال، وقرأ ابن كثير ونافع أيضا بفتح الهاء والياء، وقرأ الحسن بن ~~أبي الحسن بضم الهاء وفتح الياء، وروي عنه ضم الياء، وروي عنه أنه قرأ كاف ~~بضم الفاء. # قال أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس ~~بالضم الخالص الذي يوجب القلب، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وقرأ ~~عاصم بكسرها، وقرأت فرقة بإظهار النون من عين وهي قراءة حفص عن عاصم وهو ~~القياس إذ هي حروف منفصلة، وقرأ الجميع غيره بإخفاء النون جعلوها في حكم ~~الاتصال، وقرأ الأكثر بإظهار الدال من صاد، وقرأ أبو عمرو بإدغامه في الذال ~~من قوله ذكر، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإظهار هذه الحروف كلها وتخليص ~~بعضها من بعض. وارتفع قوله ذكر فيما قالت فرقة بقوله كهيعص وقد تقدم وجه ~~ذلك، وقالت فرقة: ارتفع على خبر ابتداء تقديره «هذا ذكر» ، وقالت فرقة: ~~ارتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره فيما أوحي إليك ذكر، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن وابن يعمر «ذكر رحمة ربك» بفتح الذال والكاف والراء على معنى هذا ~~المتلو ذكر «رحمة» بالنصب، هذه حكاية أبي الفتح. وحكى أبو عمرو الداني عن ~~ابن يعمر أنه قرأ «ذكر رحمة» بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة و ~~«عبده» نصب ب «الرحمة» التقدير ذكر أن رحم ربك عبده» ، ومن ms2303 قال في الكلام ~~تقديم وتأخير فقد تعسف. وقرأ الجمهور «زكرياء» بالمد، وقرأ الأعمش ويحيى ~~وطلحة «زكريا» بالقصر وهما لغتان وفيه لغات غيرهما. وقوله نادى معناه ~~بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى «إخفائه» هذا النداء، فقال ابن جريج ذلك ~~لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء، ومنه قول النبي عليه السلام «خير ~~الذكر الخفي» وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي ~~يزكو بها البشر. وفي «الدعاء» الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من ~~الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء وأما دعاء زكريا وطلبه فكان في ~~أمر دنياوي وهو طلب الولد فإنما إخفاؤه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون ~~على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك، ويقال وصف ~~بالخفاء لأنه كان في جوف الليل. ووهن معناه ضعف، والوهن في الشخص أو الأمر ~~الضعف وقرأ الأعمش «وهن» بكسر الهاء واشتعل مستعارة للشيب من اشتعال النار ~~على التشبيه به. # وشيبا نصب على المصدر في قول من رأى اشتعل بمعنى شاب، وعلى التمييز في ~~قول من لا يرى ذلك بل رآه فعلا آخر، فالأمر عنده كقولهم: تفقأت شحما ~~وامتلأت غيظا. وقوله ولم أكن بدعائك رب شقيا شكر لله تعالى على سالف أياديه ~~عنده معناه أي قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن ~~يشفع آخره أوله. وقوله تعالى: وإني خفت الموالي الآية، اختلف الناس في ~~المعنى الذي من أجله خاف الموالي، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح ~~خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق من ذلك، وروى قتادة والحسن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «يرحم الله أخي زكرياء ما كان عليه ممن ~~يرث ماله» . وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع ~~الدين، فطلب وليا يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز ~~أن يسأل «زكريا» من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث. # قال القاضي أبو محمد عبد ms2304 الحق بن عطية رضي الله عنه: وهذا يؤيد قول النبي ~~عليه السلام «إنا PageV04P004 # معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة» ، ويوهنه ذكر «العاقر» . ~~والأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة المال، ويحتمل قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم «إنا معشر الأنبياء لا نورث» أن لا يريد به العموم بل على أنه ~~غالب أمرهم فتأمله، والأظهر الأليق «بزكريا» عليه السلام أن يريد وراثة ~~العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة، ألا ترى أنه إنما طلب وليا، ولم يخصص ~~ولدا فبلغه الله أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله يرثني ~~يريد المال، وقوله ويرث من آل يعقوب يريد العلم والنبوة. وقال السدي: # رغب «زكريا» في الولد. وخفت من الخوف هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا ~~التفسير، وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن ~~العاصي وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم «خفت» بفتح الخاء والفاء ~~وشدها وكسر التاء على إسناد الفعل إلى الموالي والمعنى على هذا انقطع ~~أوليائي وماتوا، وعلى هذه القراءة فإنما طلب وليا يقول بالدين، والموالي ~~بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. وقوله من ورائي أي من بعدي في الزمن ~~فهم الولاء على ما بيناه في سورة الكهف، وقال أبو عبيدة في هذه الآية أي من ~~بين يدي ومن أمامي وهذا قلة تحرير. وقرأ ابن كثير «من ورائي» بالمد والهمز ~~وفتح الياء، وقرأ أيضا ابن كثير «من وراي» بالياء المفتوحة مثل عصاي، ~~والباقون همزوا ومدوا وسكنوا الياء. و «العاقر» من النساء التي لا تلد من ~~غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال. # ومنه قول عامر بن الطفيل: # لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا فما عذري لدى كل محضر # و «زكريا» عليه السلام لما رأى من حاله إنما طلب وليا ولم يصرح بولد لبعد ~~ذلك عنده بسبب المرأة، ثم وصف الولي بالصفة التي هي قصده وهو أن يكون ~~وارثا. وقالت فرقة: بل طلب الولد ثم شرط أن تكون الإجابة في أن يعيش ms2305 حتى ~~يرثه تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد لكن يخترم فلا يتحصل منه الغرض ~~المقصود. وقرأ الجمهور «ويرثني» برفع الفعلين على معنى الصفة للولي وقرأ ~~أبو عمرو والكسائي «يرثني ويرث» بجزم الفعلين، وهذا على مذهب سيبويه ليس هو ~~جواب «هب» إنما تقديره «إن تهبه يرثني» ، والأول أصوب في المعنى لأنه طلب ~~وارثا موصوفا، ويضعف الجزم أنه ليس كل موهوب يرث. وقرأ علي بن أبي طالب ~~وابن عباس وغيرهما «يرثني وارث من آل يعقوب» ، قال أبو الفتح هذا هو ~~التجريد، التقدير: يرثني منه أو به وارث، وقرأ مجاهد «يرثني ويرث» بنصب ~~الفعلين، وقرأت فرقة «يرثني أو يرث من آل يعقوب» على التصغير. وقوله من آل ~~يعقوب يريد يرث منهم الحكمة والحبورة والعلم والنبوءة والميراث في هذه كلها ~~استعارة ورضيا معناه مرضي فهو فعيل بمعنى مفعول. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 7 الى 11] # يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب ~~أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل لي آية ~~قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) PageV04P005 # المعنى قيل له بإثر دعائه يا زكريا إنا نبشرك بغلام يولد لك اسمه يحيى ~~وقرأ الجمهور «بشرك» بفتح الباء وكسر الشين مشددة، وقرأ أصحاب ابن مسعود ~~«نبشرك» بسكون الباء وضم الشين، قال قتادة: سمي يحيى لأن الله أحياه ~~بالنبوءة والإيمان، وقال بعضهم سمي بذلك لأن الله أحيا له الناس بالهدى. ~~وقوله سميا معناه في اللغة لم نجعل له مشاركا في هذا الاسم، أي لم يتسم قبل ~~ب يحيى وهذا قول قتادة وابن عباس وابن أسلم والسدي، وقال مجاهد وغيره سميا ~~معناه مثلا ونظيرا وهذا كأنه من المساماة والسمو، وفي هذا بعد لأنه لا يفضل ~~على إبراهيم وموسى اللهم إلا أن يفضل ms2306 في خاص بالسؤود والحصر. وقال ابن عباس ~~معناه لم تلد العواقر مثله. وقول زكرياء أنى يكون لي غلام اختلف الناس فيه ~~فقالت فرقة: إنما كان طلب الولي دون تخصيص ولد فلما بشر بالولد استفهم عن ~~طريقه مع هذه الموانع منه، وقالت فرقة: إنما كان طلب الولد وهو بحال يرجو ~~الولد فيها بزواج غير العاقر أو تسر، ولم تقع إجابته إلا بعد مدة طويلة صار ~~فيها إلى حال من لا يولد له فحينئذ استفهم وأخبر عن نفسه ب الكبر والعتو ~~فيه. وقالت فرقة: بل طلب الولد فلما بشر به لحين الدعوة تفهم على جهة ~~السؤال لا على جهة الشك كيف طريق الوصول إلى هذا وكيف نفذ القدر به؟ لا أنه ~~بعد عنده هذا في قدرة الله. و «العتي» و «العسي» المبالغة في الكبر أو يبس ~~العود أو شيب الرأس أو عقيدة ما ونحو هذا، وقرأ حمزة والكسائي «عتيا» بكسر ~~العين والباقون بضمها، وقرأ ابن مسعود «عتيا» بفتح العين، وحكى أبو حاتم أن ~~ابن مسعود قرأ «عسيا» بضم العين وبالسين وحكاها الداني عن ابن عباس أيضا، ~~وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: ما أدري أكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في الظهر والعصر ولا أدري أكان يقرأ عتيا أو «عسيا» بالسين. # وحكى الطبري عن السدي أنه قال: نادى جبريل زكرياء إن الله يبشرك بغلام ~~اسمه يحيى فلقيه الشيطان فقال له إن ذلك الصوت لم يكن لملك وإنما كان ~~لشيطان فحينئذ قال زكرياء أنى يكون لي غلام، ليثبت أن ذلك من عند الله، و ~~«زكريا» هو من ذرية هارون عليه السلام، وقال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ~~ابن بضع وسبعين سنة وقيل ابن سبعين وقال الزجاج: ابن خمس وستين فقد كان غلب ~~على ظنه أنه لا يولد له. # وقوله قال كذلك قيل إن المعنى قال له الملك كذلك فليكن الوجود كما قيل لك ~~قال ربك خلق الغلام علي هين، أي غير بدع فكما خلقتك من قبل وأخرجتك من عدم ms2307 ~~إلى وجود كذلك أفعل الآن، وقال الطبري: معنى قوله كذلك أي الأمران اللذان ~~ذكرت من المرأة العاقر والكبرة هو كذلك ولكن قال ربك قال القاضي والمعنى ~~عندي قال الملك كذلك أي على هذه الحال قال ربك هو علي هين. وقرأ الجمهور ~~«وقد خلقتك» ، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك» . وقوله ولم تك شيئا أي ~~موجودا، قال زكرياء رب اجعل لي آية علامة أعرف بها صحة هذا وكونه من عندك. ~~وروي أن زكرياء عليه السلام لما عرف ثم طلب الآية بعد ذلك عاقبة الله تعالى ~~بأن أصابه بذلك السكوت عن كلام الناس، وذلك وإن لم يكن عن مرض خرس أو نحوه ~~ففيه على كل حال عقاب. ما روي عن ابن زيد أن PageV04P006 # زكرياء لما حملت زوجة منه يحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو مع ذلك ~~يقرأ التوراة ويذكر الله، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه، ويحتمل على هذا أن ~~يكون قوله اجعل لي آية معناه علامة أعرف بها أن الحمل قد وقع، وبذلك فسر ~~الزجاج. ومعنى قوله سويا فيما قال الجمهور صحيحا من غير علة ولا خرس، وقال ~~ابن عباس أيضا ذلك عائد على «الليالي» أراد كاملات مستويات، وقوله فخرج على ~~قومه المعنى أن الله تعالى أظهر الآية بأن خرج زكرياء من محرابه وهو موضع ~~مصلاة، والمحراب أرفع المواضع والمباني إذ هي تحارب من ناوأها ثم خص بهذا ~~الاسم مبنى الصلاة، وكانوا يتخذونها فيما ارتفع من الأرض، واختلف الناس في ~~اشتقاقه، فقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان ~~والشهوات، وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب بفتح الراء كأن ملازمه يلقى منه ~~حربا وتعبا ونصبا، وفي اللفظ بعد هذا نظر. وقوله فأوحى قال قتادة وابن ~~منبه: كان ذلك بإشارة، وقال مجاهد: بل بأن كتبه في التراب. # قال القاضي أبو محمد: وكلا الوجهين وحي. وقوله أن سبحوا، أن مفسرة بمعنى ~~«أي» ، وسبحوا قال قتادة: معناه صلوا، والسبحة الصلاة، وقالت فرقة: بل ~~أمرهم بذكر الله وقول سبحان الله. # وقرأ طلحة ms2308 «أن سبحوه» بضمير، وباقي الآية بين ويقال «وحي وأوحى» بمعنى ~~واحد. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 12 الى 15] # يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة ~~وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ~~ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) # المعنى فولد له وقال الله تعالى للمولود يا يحيى، وهذا اختصار ما يدل ~~الكلام عليه. # والكتاب التوراة بلا اختلاف لأنه ولد قبل عيسى ولم يكن الإنجيل موجودا ~~عند الناس. وقوله بقوة أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه ~~ثم أخبر الله تعالى فقال وآتيناه الحكم صبيا، واختلف في الحكم، فقالت فرقة ~~الأحكام والمعرفة بها، وصبيا يريد شابا لم يبلغ حد الكهول. # وقال الحسن الحكم النبوءة، وفي لفظة صبي على هذا تجوز واستصحاب حال، ~~وقالت فرقة الحكم الحكمة، وروى معمر في ذلك أن الصبيان دعوه وهو طفل إلى ~~اللعب فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التي آتاه الله عز وجل وهو صبي ~~أهم لذاته اللعب. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن ~~«أوتي الحكم صبيا» ، وقوله وحنانا عطف على قوله الحكم وزكاة عطف عليه، أعمل ~~في جميع ذلك آتيناه، ويجوز أن يكون قوله وحنانا عطفا على قوله صبيا، أي ~~وبحال حنان منا وتزكية له والحنان الرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور ~~المفسرين، وهو تفسير اللغة. وهو فعل من أفعال النفس ويقال حنانك وحنانيك، ~~فقيل هما لغتان بمعنى واحد، وقيل حنانيك تثنية الحنان. وقال عطاء بن أبي ~~رباح حنانا من لدنا بمعنى تعظيما من لدنا. والحنان في كلام العرب أيضا ما ~~عظم من الأمور في ذات الله تعالى، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر ~~بلال بن رباح «والله لئن قتلتم هذا PageV04P007 # العبد لأتخذن قبره حنانا» . وقد روي عن ابن عباس أنه قال «والله ما أدري ~~ما الحنان» . و «الزكاة» التطهير والتنمية في وجوه الخير والبر. و «التقي» ~~فعيل من تقوى الله عز وجل، ms2309 وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن ~~عمرو عن النبي عليه السلام أنه قال «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب ~~إلا ما كان من يحيى بن زكرياء» . وقال قتادة: إن يحيى عليه السلام لم يعص ~~الله قط بصغيرة ولا بكبيرة ولا هم بامرأة، وقال مجاهد: كان طعام يحيى العشب ~~وكان للدمع في خده مجار ثابتة ومن الشواهد في الحنان قول امرئ القيس: ~~[الوافر] # وتمنحها بنو شمجى بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان # وقال النابغة: [الطويل] # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقال الآخر: [منذر بن إبراهيم الكلبي] [الطويل] # فقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف # وقوله تعالى: وبرا بوالديه # الآية، «البر» الكثير البر. و «الجبار» المتكبر كأنه يجبر الناس على ~~أخلاقه والنخلة الجبارة العظيمة العالية. و «العصي» أصله عصوي فعول بمعنى ~~فاعل. وروي أن يحيى بن زكرياء عليه السلام لم يواقع معصية صغيرة ولا كبيرة ~~كما تقدم. وقوله وسلام # قال الطبري وغيره: معناه وأمان، والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي ~~أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان وهي أقل درجاته ~~وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في ~~غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله وعظيم الهول، وذكر الطبري ~~عن الحسن أن عيسى ويحيى التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى: ادع لي ~~فأنت خير مني. فقال عيسى: بل أنت ادع لي فأنت خير مني سلم الله عليك وأنا ~~سلمت على نفسي. # قال القاضي أبو محمد: قال أبي، رضي الله عنه: انتزع بعض العلماء من هذه ~~الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال إذلاله في التسليم على نفسه ومكانته من ~~الله التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن ~~يسلم عليه عليه السلام لكل وجه. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 16 الى 20] # واذكر في الكتاب مريم إذ ms2310 انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ~~(19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) # هذه ابتداء قصة ليست من الأولى، والخطاب لمحمد عليه السلام. والكتاب # القرآن، PageV04P008 # ومريم # هي بنت عمران أم عيسى أخت أم يحيى واختلف الناس لم انتبذت # والانتباذ التنحي. فقال السدي انتبذت # لتطهر من حيض، وقال غيره لتعبد الله وهذا أحسن، وذلك أن مريم كانت وقفا ~~على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك. وقوله شرقيا # يريد في جهة الشرق من مساكن أهلها، وسبب كونه في الشرق أنهم كانوا يعظمون ~~جهة المشرق ومن حيث تطلق الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من ~~سواها، حكاه الطبري. وحكي عن ابن عباس أنه قال إني لأعلم الناس لم اتخذ ~~النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله عز وجل إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا # فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة، وقال بعض الناس «الحجاب» هي اتخذته لتستتر به ~~عن الناس لعبادتها. فقال السدي كان من جدرات، وقيل من ثياب، وقال بعض ~~المفسرين اتخذت المكان بشرقي المحراب، و «الروح» جبريل، وقيل عيسى، حكى ~~الزجاج القولين. فمن قال إنه جبريل قدر الكلام فتمثل هو لها، ومن قال إنه ~~عيسى قدر الكلام فتمثل الملك لها، قال النقاش ومن قرأ «روحنا» مشددة النون ~~جعله اسم ملك من الملائكة ولم أر هذه القراءة لغيره. واختلف الناس في نبوة ~~مريم فقيل كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك، وقيل لم تكن نبية وإنما ~~كلمها مثال بشر ورؤيتها لملك، كما رئي جبريل في صفة دحية وفي سؤاله عن ~~الإسلام والأول أظهر. وقوله تعالى أعوذ بالرحمن # الآية، المعنى قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا لما رأته قد خرق ~~الحجاب الذي اتخذته، فأساءت به الظن أعوذ بالرحمن منك إن كنت # ذا تقى، قال أبو وائل علمت أن «التقي» ذو نهية، ms2311 وقال وهب بن منبه «تقي» ~~رجل فاجر كان في ذلك الزمن في قومها فلما رأته متسورا عليها ظنته إياه ~~فاستعاذت بالرحمن منه، حكى هذا مكي وغيره، وهو ضعيف ذاهب مع التخرص، فقال ~~لها جبريل عليه السلام إنما أنا رسول ربك لأهب لك # ، جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ الجمهور «لأهب» ~~كما تقدم، وقرأ عمرو ونافع «ليهب» بالياء أي ليهب الله لك، واختلف عن نافع. ~~وفي مصحف ابن مسعود «ليهب الله لك» ، فلما سمعت مريم ذلك واستشعرت ما طرأ ~~عليها استفهمت عن طريقه وهي لم يمسها بشر بنكاح ولم تكن زانية. و «البغي» ، ~~المجاهرة المنبهرة في الزنا فهي طالبة له بغوى على وزن فعول كبتول وقتول ~~ولو كانت فعيلا لقوي أن يلحقها هاء التأنيث فيقال بغية. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 21 الى 23] # قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع ~~النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) # المعنى قال لها الملك كذلك هو كما وصفت ولكن قال ربك ويحتمل أن يريد على ~~هذه الحال قال ربك والمعنى متقارب والآية العبرة المعرضة للنظر، والضمير في ~~قوله لنجعله للغلام، ورحمة منا معناه طريق هدى لعالم كثير، فينالون الرحمة ~~بذلك، ثم أعلمها بأن الأمر قد قضي وانتجز، PageV04P009 # و «الأمر» هنا واحد الأمور وليس بمصدر أمر يأمر وروي أن جبريل عليه ~~السلام حين قاولها هذه المقاولة «نفخ في جيب درعها» فسرت النفخة بإذن الله ~~حتى حملت منها قاله وهب بن منبه وغيره، وقال ابن جريج: نفخ في جيب درعها ~~وكمها وقال أبي بن كعب «دخل الروح المنفوخ من فمها» فذلك قوله تعالى: ~~فحملته أي حملت الغلام، ويذكر أنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلما أحست بذلك ~~وخافت تعنيف الناس وأن يظن بها الشر «انتبذت به» أي تنحت مكانا بعيدا حياء ~~وفرارا على وجهها، وروي في هذا أنها فرت ms2312 إلى بلاد مصر أو نحوها قاله وهب بن ~~منبه، وروي أيضا أنها خرجت إلى موضع يعرف (ببيت لحم) بينه وبين إيلياء ~~أربعة أميال و «أجاءها» معناه، فاضطرها وهو تعدية جاء بالهمزة وقرأ شبل بن ~~عزرة ورويت عن عاصم «فاجأها» من المفاجأة وفي مصحف أبي بن كعب «فلما أجاءها ~~المخاض» . # وقال زهير: [الوافر] # وجار سار معتمدا إليكم ... أجاءته المخافة والرجاء # وقرأ الجمهور «المخاض» بفتح الميم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه بكسرها ~~وهو «الطلق وشدة الولادة وأوجاعها» ، روي أنها بلغت إلى موضع كان فيه «جذع ~~نخلة» بال يابس في أصله مذود بقرة على جرية ماء فاشتد بها الأمر هنالك ~~واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما ~~رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه، يا ليتني ~~مت ولم يجر علي هذا القدر، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعاصم وأبو عمرو ~~وجماعة «مت» بضم الميم، وقرأ الأعرج وطلحة ويحيى والأعمش «مت» بكسرها ~~واختلف عن نافع، وتمنت مريم الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها الشر في ~~دينها وتعير فيفتنها ذلك وهذا مباح، وعلى هذا الحد تمناه عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وجماعة من الصالحين ونهي النبي عليه السلام عن تمني الموت إنما هو ~~لضر نزل بالبدن وقد أباحه عليه السلام في قوله: «يأتي على الناس زمان يمر ~~الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه» . # قال القاضي أبو محمد: لأنه زمن فتن يذهب بالدين، وكنت نسيا أي شيئا ~~متروكا محتقرا، و «النسي» في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى ~~فلا يتألم لفقده، كالوتد والحبل للمسافر ونحوه، ويقال «نسي» بكسر النون و ~~«نسي» بفتحها، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ حمزة وحده بالفتح، واختلف عن ~~عاصم، وكقراءة حمزة، قرأ طلحة ويحيى والأعمش، وقرأ محمد بن كعب القرظي ~~بالهمز «نسئا» بكسر النون، وقرأ نوف البكالي «نسأ» بفتح النون، وحكاها أبو ~~الفتح والداني عن محمد بن كعب، وقرأ بكر بن حبيب «نسا» بشد السين ms2313 وفتح ~~النون دون همز، وقال الشنفري: [الطويل] # كأن لها في الأرض نسا تقصه ... إذا ما غذت وإن تحدثك تبلت # وحكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى، ~~فجاءتها أختها زائرة فقالت «يا مريم أشعرت أني حملت» ، قالت لها مريم ~~«أشعرت أنت أني حملت» ، قالت لها «وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك» ~~وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم، قال السدي ~~فذلك قوله تعالى مصدقا بكلمة من الله [آل عمران: 39] وفي هذا كله ضعف ~~فتأمله. وكذلك PageV04P010 # ذكر الطبري من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف ~~النجار كان يخدم معها المسجد وطول في ذلك فاختصرته لضعفه، وهذه القصة تقتضي ~~أنها حملت واستمرت حاملا على عرف البشر واستحيت من ذلك ومرت بسببه وهي حامل ~~وهو قول جمهور المتأولين، وروي عن ابن عباس أنه قال ليس إلا أن حملت فوضعت ~~في ساعة واحدة والله أعلم. وظاهر قوله فأجاءها المخاض يقتضي أنها كانت على ~~عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر ولذلك قيل لا يعيش ~~ابن ثمانية أشهر حفظا لخاصية عيسى عليه السلام وقيل ولدته لسبعة وقيل لستة. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 24 الى 26] # فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع ~~النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من ~~البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) # قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وابن عباس والحسن وزيد بن حبيش ~~ومجاهد والجحدري وجماعة «فناداها من تحتها» على أن «من» فاعل ينادي والمراد ~~ب «من» عيسى، قال أي ناداها المولود قاله مجاهد والحسن وابن جبير وأبي بن ~~كعب، وقال ابن عباس المراد ب «من» جبريل ولم يتكلم حتى أتت به قومها وقاله ~~علقمة والضحاك وقتادة، ففي هذا آية لها وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة ~~للعادة التي لله فيها مراد ms2314 عظيم لا سيما والمنادي عيسى فإنه يبين به عذر ~~مريم ولا تبقى بها استرابة، فلذلك كان النداء أن لا يقع حزن، وقرأ نافع ~~وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والبراء بن عازب والضحاك وعمرو بن ميمون وأهل ~~الكوفة وأهل المدينة وابن عباس أيضا والحسن «من تحتها» بكسر الميم على أنها ~~لابتداء الغاية واختلفوا، فقال بعضهم: المراد عيسى، وقالت فرقة: المراد ~~جبريل المحاور لها قبل، قالوا: وكان في سعة من الأرض أخفض من البقعة التي ~~كانت هي عليها وأبين وأظهر، وعليه كان الحسن بن أبي الحسن يقسم وقرأ علقمة ~~وزر بن حبيش «فخاطبها من تحتها» ، وقرأ ابن عباس «فناداها ملك من تحتها» . ~~وقوله ألا تحزني تفسير النداء ف «أن» مفسرة بمعنى أي، و «السري» من الرجال ~~العظيم الخصال السيد، و «السري» أيضا الجدول من الماء، وبحسب هذا اختلف ~~الناس في هذه الآية فقال قتادة وابن زيد: أراد جعل تحتك عظيما من الرجال له ~~شأن، وقال الجمهور أشار لها إلى الجدول الذي كان قرب جذع النخلة، وروي أن ~~الحسن فسر الآية فقال أجل لقد جعله الله سريا كريما، فقال عبيد بن عبد ~~الرحمن الحميري يا أبا سعيد إنما يعني ب «السري» الجدول، وقال الحسن لهذه ~~وأشباهها أحب قربك ولكن غلبنا عليك الأمراء ومن الشاهد في «السري» قول ~~لبيد. [الكامل] # فتوسطا عرض السري فصدعا ... مسجورة متجاورا قلامها # ثم أمر بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع، وقالت فرقة ~~بل كانت النخلة مطعمة رطبا، وقال السدي كان الجذع مقطوعا وأجرى النهر تحتها ~~لحينه، والظاهر من الآية أن عيسى PageV04P011 # هو المكلم لها وأن الجذع كان يابسا وعلى هذا تكون آيات تسليها وتسكن ~~إليها. والباء في قوله بجذع زائدة مؤكدة قال أبو علي: كما يقال ألقى بيده ~~أي ألقى يده. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وأنشد الطبري: [الطويل] # بواد يمان ينبت السدر صدره ... وأسفله بالمزج والشبهان # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم ~~والجمهور ms2315 من الناس «تساقط» بفتح التاء وشد السين يريد النخلة، وقرأ البراء ~~بن عازب والأعمش «يساقط» بالياء يريد «الجذع» ، وقرأ حمزة وحده «تساقط» ~~بفتح التاء وتخفيف السين، وهي قراءة مسروق وابن وثاب وطلحة وأبي عمرو ~~بخلاف، وقرأت فرقة «يساقط» بالياء على ما تقدم من إرادة النخلة أو «الجذع» ~~. وقرأ عاصم في رواية حفص «تساقط» بضم التاء وتخفيف السين، وقرأت فرقة ~~«يساقط» بالياء، وقرأ أبو حيوة «يسقط» بالياء، وروي عنه «يسقط» بضم الياء ~~وقرأ أيضا «تسقط» ، وحكى أبو علي في الحجة أنه قرىء «يتساقط» بياء وتاء، ~~وروي عن مسروق «تسقط» بضم التاء وكسر القاف، وكذلك عن أبي حيوة، وقرأ أبو ~~حيوة أيضا «يسقط» بفتح الياء وضم القاف، «رطب جني» بالرفع، ونصب رطبا يختلف ~~بحسب معاني القراءات المذكورة، فمرة يسند الفعل إلى الجذع ومرة إلى الهز، ~~ومرة إلى النخلة وجنيا معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهو من جنيت الثمرة. ~~وقرأ طلحة بن سليمان «جنيا» بكسر الجيم، وقد استدل بعض الناس من شيء ~~للنفساء خيرا من التمر والرطب، وقال محمد بن كعب: كان طب عجوة، وقد استدل ~~بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما فإن الله تعالى قد وكل ~~ابن آدم إلى سعي ما فيه لأنه أمرت مريم بهز الجذع لترى آية، وكانت الآية ~~تكون بأن لا تهز هي. وحكى الطبري عن ابن زيد أنه قال «قال لها عيسى: لا ~~تحزني، فقالت وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند ~~الناس يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا [مريم: 23] ، فقال لها عيسى: ~~أنا أكفيك الكلام» . وقوله فكلي واشربي وقري الآية، قرأ الجمهور «وقري» ~~بفتح القاف، وحكى الطبري قراءة «وقري» بكسر القاف، وقرة العين مأخوذة من ~~القر وذلك أنه يحكى أن دمع الفرح بارد المس ودمع الحزن سخن المس، وضعفت ~~فرقة هذا وقالت: الدمع كله سخن وإنما معنى قرة العين أن البكاء الذي يسخن ~~العين ارتفع إذ لا حزن بهذا الأمر الذي قرت به ms2316 العين. وقال الشيباني قري ~~عينا معناه نامي، حضها على الأكل والشرب والنوم. # وقوله عينا نصب على التمييز، والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فينقل ذلك ~~إلى ذي العين وينصب الذي كان فاعلا في الحقيقة على التفسير، ومثله طبت نفسا ~~وتفقأت شحما وتصببت عرقا، وهذا كثير. وقرأ الجمهور «ترين» وأصله ترءيين ~~حذفت النون للجزم، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم قلبت الياء الأولى ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف والياء، فحذفت الألف ~~فجاء ترى وعلى هذا! النحو هو قول الأفوه: [السريع] أما ترى رأسي أزرى به ثم ~~دخلت النون الثقيلة، فكسرت الياء لاجتماع ساكنين منها ومن النون، وإنما ~~دخلت النون هنا PageV04P012 # بتوطئة «ما» كما توطئ لدخولها أيضا لام القسم. وقرأ أبو عمرو فيما روي ~~عنه «ترءين» بالهمزة، وقرأ طلحة وأبو جعفر وشبية «ترين» بسكون الياء وفتح ~~النون خفيفة، قال أبو الفتح: وهي شاذة، ومعنى هذه الآية أن الله تعالى ~~أمرها على لسان جبريل أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة ~~البشر وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها، ~~وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول ~~الجمهور. وقالت فرقة معنى فقولي بالإشارة لا بالكلام وإلا فكأن التناقض بين ~~في أمرها. وقرأ ابن عباس وأنس بن مالك «إني نذرت للرحمن وصمت» . وقال قوم ~~معناه صوما عن الكلام إذ أصل الصوم الإمساك ومنه قول الشاعر: [البسيط] «خيل ~~صيام» وأخرى غير صائمة وقال ابن زيد والسدي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك ~~عن الأكل والكلام، وقرأت فرقة «إني نذرت للرحمن صمتا» ولا يجوز في شرعنا أن ~~ينذر أحد صمتا، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق والكلام. قال ~~المفسرون: أمرت مريم بهذا ليكفيها عيسى الاحتجاج. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 27 الى 28] # فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ~~ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) # روي ms2317 أن مريم عليها السلام لما اطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت أن الله ~~سيبين عذرها أتت به تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه، روي ~~أن قومها خرجوا في طلبها فلقوها وهي مقبلة به. و «الفري» العظيم الشنيع، ~~قاله مجاهد والسدي، وأكثر استعماله في السوء وهو من الفرية، فإن جاء الفري ~~بمعنى المتقن فمأخوذ من فريت الأديم للإصلاح وليس بالبين، وأما قولهم في ~~المثل جاء يفري الفري فمعناه بعمل عظيم من العمل في قول أو فعل مما قصد ضرب ~~المثل له وهو مستعمل فيما يختلف ويفعل، و «الفري» من الأسقية الجديد، وقرأ ~~أبو حيوة «شيئا فريا» بسكون الراء، واختلف المفسرون في معنى قوله عز وجل، ~~يا أخت هارون، فقالت فرقة كان لها أخ اسمه هارون لأن هذا الاسم كان كثيرا ~~في بني إسرائيل، تبركا باسم هارون أخي موسى، وروى المغيرة بن شعبة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى أهل نجران في أمر من الأمور فقال له ~~النصارى إن صاحبك يزعم أن مريم «أخت هارون» وبينهما في المدة ستمائة سنة، ~~قال المغيرة فلم أدر ما أقول فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذكرت ذلك له. فقال ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين، ~~فالمعنى أنه اسم وأفق اسما، وقال السدي وغيره: بل نسبوها إلى «هارون» أخي ~~موسى لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول من قبيلة يا أخا فلانة ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم «إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم» ، وقال كعب ~~الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين إن مريم ليست ب «أخت لهارون» أخي موسى، ~~فقالت عائشة كذبت فقال لها يا أم المؤمنين إن كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قاله فهو أصدق وخير، وإلا فإني أجد PageV04P013 # بينهما من المدة ستمائة سنة، قال فسكتت. وقال قتادة: كان في ذلك الزمن في ~~بني إسرائيل رجل عابد منقطع إلى الله يسمى «هارون» فنسبوها إلى أخوته من ~~حيث كانت على ms2318 طريقته قبل إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة ~~الصالحة ما كنت أهلا لما أتيت به. وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمن رجل ~~فاجر اسمه «هارون» فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ذكره الطبري ولم ~~يسم قائله، والمعنى ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت ~~بها؟ و «البغي» التي تبغي الزنا أي تطلبه، أصلها بغوي فعول وقد تقدم ذكر ~~ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 29 الى 33] # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله ~~آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) # التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام ولم يرد في هذه الآية ~~أنها نطقت ب إني نذرت للرحمن صوما [مريم: 26] وإنما ورد أنها «أشارت إليه» ~~فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها ب «قولي» إنما أريد به الإشارة، ويروى أنهم ~~لما أشارت إلى الطفل قالوا استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها ~~على جهة التقرير كيف نكلم من كان في المهد صبيا وإنما هي في معنى هو ويحتمل ~~أن تكون الناقصة والأظهر أنها التامة وقد قال أبو عبيدة كان هنا لغو، وقال ~~الزجاج والفراء من شرطية في قوله من كان (ع) ونظير كان هذه قول رؤبة: ~~[الرجز] # أبعد ان لاح بك القتير ... والرأس قد كان له شكير # وصبيا إما خبر كان على تجوز وتخيل في كونها ناقصة، وإما حال يعمل فيه ~~الاستقرار المقدر في الكلام. وروي أن المهد يراد به حجر أمه قال لهم عيسى ~~من مرقده إني عبد الله الآية وروي أنه قام متكئا على يساره وأشار إليهم ~~بسبابته اليمنى، والكتاب هو الإنجيل ويحتمل أن يريد التوراة والإنجيل، ~~ويكون الإيتاء فيهما مختلفا، وآتاني معناه قضى بذلك وأنفذه في سابق حكمه ~~وهذا نحو قوله ms2319 تعالى أتى أمر الله [النحل: 1] ، وغير هذا. وأمال الكسائي ~~«آتاني وأوصاني» ، والباقون لا يميلون، قال أبو علي الإمالة في آتاني أحسن ~~لأن في أوصاني مستعليا. ومباركا قال مجاهد معناه نفاعا، وقال سفيان معلم ~~خير وقيل آمرا بمعروف ناهيا عن منكر، وقال رجل لبعض العلماء ما الذي أعلن ~~من علمي قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به ~~أنبياءه. وأسند النقاش عن الضحاك أنه قال مباركا معناه قضاء للحوائج (ع) ~~وقوله مباركا يعم هذه الوجوه وغيرها. وبالصلاة والزكاة قيل هما المشروعتان ~~في البدن والمال، وقيل زكاة الرؤوس في الفطر، وقيل «الصلاة» الدعاء والزكاة ~~التطهير PageV04P014 # من كل عيب ونقص ومعصية. وقرأ «دمت» بضم الدال عاصم وجماعة، وقرأ «دمت» ~~بكسرها أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وجماعة، وقرأ الجمهور «وبرا» بفتح ~~الباء وهو الكثير البر ونصبه على قوله مباركا، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز ~~وجماعة «برا» بكسر الباء فقال بعضها نصبه على العطف على قوله مباركا فكأنه ~~قال وذا بر فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه، وقال بعضها نصبه بقوله وأوصاني أي ~~«وأوصاني برا بوالدتي» حذف الجار كأنه يريد «وأوصاني ببر والدتي» . وحكى ~~الزهراوي هذه القراءة «وبر» بالخفض عطفا على الزكاة، وقوله بوالدتي بيان ~~لأنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها. و «الجبار» المتعظم وهي خلق ~~مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من أحد إلا ~~مكروها، وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع، يأكل الشجر ويلبس الشعر ~~ويجلس على التراب ويأوي حيث جنه الليل لا مسكن له. قال قتادة وكان يقول: ~~سلوني فإن لين القلب صغير في نفسي. وقد تقدم ذكر تسليمه على نفسه وإذلاله ~~في ذلك، وذكر المواطن التي خصها لأنها أوقات حاجة الإنسان إلى رحمة الله. ~~وقال مالك بن أنس رضي الله عنه في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر أخبر ~~عيسى بما قضي من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت. # وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام ms2320 عيسى أذعنوا ~~وقالوا إن هذا الأمر عظيم. # وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد إلى ~~حالة الأطفال حتى مشى على عادة البشر. وقالت فرقة: إن عيسى كان أوتي الكتاب ~~وهو في ذلك السن وكان يصوم ويصلي وهذا في غاية الضعف مصرح بجهالة قائله. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 34 الى 36] # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) # المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى ذلك الذي منه قصة عيسى ~~ابن مريم وإنما قدرنا في الكلام قل يا محمد لأنه يجيء في الآية بعد، «وأن ~~الله ربي وربكم» هذه مقالة بشر وليس يقتضي ظاهر الآية قائلا من البشر سوى ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقد يحتمل أن يكون قوله ذلك عيسى إلى قوله فيكون ~~إخبارا لمحمد اعتراضا أثناء كلام عيسى، ويكون قوله «وأن» بفتح الألف عطفا ~~على قوله الكتاب [مريم: 30] . وقد قال وهب بن منبه: عهد عيسى إليهم «أن ~~الله ربي وربكم» ، ومن كسر الألف عطف على قوله إني عبد الله [مريم: 30] ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعامة الناس «قول الحق» برفع ~~القول على معنى هذا قول الحق. وقرأ عاصم وابن عامر وابن أبي إسحاق «قول ~~الحق» بنصب القول على المصدر. قال أبو عبد الرحمن المقري: كان يجالسني ضرير ~~ثقة فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقرأ «قول الحق» نصبا، ~~قال أبو عبد الرحمن: وكنت أقرأ بالرفع فجنبت فصرت أقرأ بهما جميعا. وقرأ ~~عبد الله بن مسعود «قال الله» بمعنى كلمة الله، وقرأ عيسى «قال الحق» ، ~~وقرأ نافع والجمهور «يمترون» بالياء على الكناية عنهم، وقرأ نافع أيضا وأبو ~~عبد الرحمن وداود بن أبي هند «تمترون» بالتاء على الخطاب لهم، والمعنى ~~تختلفون أيها اليهود والنصارى فيقول PageV04P015 # بعضهم هو لزنية ونحو هذا ms2321 وهم اليهود، ويقول بعضهم هو الله تعالى فهذا هو ~~امتراؤهم، وسيأتي شرح ذلك من بعد هذا. وقوله ما كان لله أن يتخذ معناه ~~النفي وهذا هو معنى هذه الألفاظ حيث وقعت ثم يضاف إلى ذلك بحسب حال المذكور ~~فيها إما نهي وزجر كقوله تعالى: ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ~~أن يتخلفوا [التوبة: 120] ، وإما تعجيز كقوله تعالى ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها [النمل: 60] ، وإما تنزيه كهذه الآية. ومن ولد، دخلت من مؤكدة للجحد ~~لنفي الواحد فما فوقه مما يحتله نظير هذه العبارة إذا لم تدخل «من» ، ~~وقوله، قضى أمرا، أي واحدا من الأمور وليس بمصدر أمر يأمر، فمعنى قضى أوجد ~~أو أخرج من العدم، وهذه التصاريف في هذه الأفعال من مضي واستقبال هي بحسب ~~تجوز العرب واتساعها، وقد تقدم القول في كن فيكون. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~ونافع «وأن الله» بفتح الألف وذلك عطف على قوله هذا قول الحق، «وأن الله ~~ربي» ، كذلك وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «وإن» بكسر الألف وذلك بين ~~على الاستئناف وقرأ أبي بن كعب «إن الله» بكسر الألف دون واو. وقوله ~~فاعبدوه وقف ثم ابتدأ هذا صراط أي ما أعلمتكم به عن الله تعالى من وحدانيته ~~ونفي الولد عنه وغير ذلك مما يتنزه عنه طريق واضح مفض إلى النجاة ورحمته. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 37 الى 40] # فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع ~~بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها وإلينا يرجعون (40) # هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد عليه السلام بأن بني إسرائيل اختلفوا ~~أحزابا أي فرقا، وقوله من بينهم معناه أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا ~~المختلفين. وروي في هذا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعة ~~أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم بأن يبينوا ms2322 أمر عيسى فقال ~~أحدهم: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات ثم صعد، فقال له ~~الثلاثة كذبت واتبعه اليعقوبية، ثم قيل للثلاثة فقال أحدهم: عيسى ابن الله ~~فقال له الاثنان كذبت واتبعه النسطورية، ثم قيل للاثنين فقال أحدهم عيسى ~~أحد ثلاثة الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فقال له الرابع كذبت واتبعه ~~الإسرائيلية، فقيل للرابع فقال عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم فاتبع ~~كل واحد من الأربعة فريق من بني إسرائيل ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون وقتلوا ~~وظهرت اليعقوبية على الجميع. وروي أن في ذلك نزلت إن الذين يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم ~~بعذاب أليم [آل عمران: 21] . و «الويل» الحزن والثبور، وقيل ويل واد في ~~جهنم، ومشهد يوم عظيم هو مشهد يوم القيامة ويحتمل أن يراد ب مشهد يوم عظيم ~~يوم قتل المؤمنون حين اختلف الأحزاب، وقد أشار إلى هذا المعنى قتادة، وقوله ~~أسمع بهم وأبصر، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم يرجعون إلينا ويرون ما نصنع بهم ~~من العذاب، فإن إعراضهم حينئذ يزول ويقبلون على الحقيقة حين لا PageV04P016 # ينفعهم الإقبال عليها وهم في الدنيا صم عمي إذ لا ينفعهم النظر مع ~~إعراضهم، ثم قال: لكنهم اليوم في الدنيا في ضلال وهو جهل المسلك، و ~~«المبين» في نفسه وإن لم يبين لهم، وحكى الطبري عن أبي العالية أنه قال ~~أسمع بهم وأبصر، وهي بمعنى الأمر لمحمد عليه السلام أي أسمع الناس اليوم ~~وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب إذا أتوا محشورين مغلوبين، ~~وقوله وأنذرهم يوم الحسرة، الآية، الخطاب أيضا في هذه الآية لمحمد عليه ~~السلام والضمير في أنذرهم لجميع الناس، واختلف في يوم الحسرة فقال الجمهور ~~هو يوم ذبح الموت، وفي هذا حديث صحيح، وقع في البخاري وغيره، أن الموت يجاء ~~به في صورة كبش أملح، وفي بعض الطرق كأنه كبش أملح، وقال عبيد بن عمير كأنه ~~دابة فيذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادى: يا أهل ms2323 الجنة خلود لا موت ~~ويا أهل النار خلود لا موت، ويروى أن أهل النار يشرئبون خوفا على ما هم ~~فيه. و «الأمر المقضي» ، هو ذبح الكبش الذي هو مثال الموت وهذا عند حذاق ~~العلماء، كما يقال: تدفن الغوائل وتجعل الترات تحت القدم، ونحو ذلك، وعند ~~ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها، وقال ابن زيد وغيره يوم الحسرة هو ~~يوم القيامة، وذلك أن أهل النار قد حصلوا من أول أمرهم في سخط الله وأمارته ~~فهم في حال حسرة، و «الأمر المقضي» على هذا هو الحتم عليهم بالعذاب وظهور ~~إنفاذ ذلك عليهم، وقال ابن مسعود يوم الحسرة حين يرى الكفار مقاعدهم التي ~~فاتتهم في الجنة لو كانوا مؤمنين، ويحتمل أن يكون يوم الحسرة اسم جنس لأن ~~هذه حسرات كثيرة في مواطن عدة، ومنها يوم الموت ومنها وقت أخذ الكتاب ~~بالشمال وغير ذلك. وقوله وهم في غفلة، يريد في الدنيا الآن وهم لا يؤمنون ~~كذلك. وقوله نرث، تجوز وعبارة عن فناء المخلوقات وبقاء الخالق فكأنها ~~وراثة، وقرأ عاصم ونافع وأبو عمرو والحسن والأعمش «يرجعون» بالياء، وقرأ ~~الأعرج «ترجعون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى ~~«يرجعون» بالياء من تحت مفتوحة وكسر الجيم، وحكى عنهم أبو عمرو الداني ~~«ترجعون» بالتاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 41 الى 46] # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن ~~الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ~~فتكون للشيطان وليا (45) # قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ~~(46) # قوله: واذكر بمعنى واتل وشهر، لأن الله تعالى هو الذاكر، والكتاب هو ~~القرآن وهذا وشبهه من لسان الصدق الذي أبقاه الله عليهم، و «الصديق» ، فعيل ~~بناء ms2324 مبالغة من الصدق، وقرأ أبو البرهسم «إنه كان صادقا» ، والصدق عرفه في ~~اللسان وهو مطرد في الأفعال والخلق، ألا ترى أنه يستعار لما لا يعقل فيقال ~~صدقني الطعام كذا وكذا قفيزا، ويقال عود صدق للصلب الجيد، فكان إبراهيم ~~عليه السلام يوصف PageV04P017 # بالصدق على العموم في أفعاله وأقواله وذلك يغترق صدق اللسان الذي يضاد ~~الكذب، وأبو بكر رضي الله عنه وصف ب «صديق» لكثرة ما صدق في تصديقه ~~بالحقائق وصدق في مبادرته إلى الإيمان وما يقرب من الله تعالى، و «الصديق» ~~مراتب ألا ترى أن المؤمنين صديقون لقوله تعالى: الذين آمنوا بالله ورسله ~~أولئك هم الصديقون [الحديد: 19] . وقوله يا أبت # ، اختلف النحاة في التاء من أبت # ، فمذهب سيبويه أنها عوض من ياء الإضافة والوقوف عنده عليها بالهاء، ~~ومذهب الفراء أن يوقف عليها بالتاء، لأن الياء التي للإضافة عنده منوية ~~وجمهور القراء على كسر التاء، وفي مصحف ابن مسعود «وا أبت» بواو للنداء، ~~وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر. «يا أبت» بفتح التاء، ووجهها أنه أراد ~~«يا أبتا» فحذف الألف وترك الفتحة دالة عليها، ووجه آخر أن تكون التاء ~~المقحمة كالتي في قوله يا طلحة وفي هذا نظر وقد لحن هارون هذه القراءة، ~~والذي لا يسمع ولا يبصر # ، هو الصنم ولو سمع وأبصر كما هي حالة الملائكة وغيرهم ممن عبد لم يحسن ~~عبادتها، لكن بين إبراهيم عليه السلام بنفي السمع والبصر شنعة الرأي في ~~عبادتها وفساده. # وقوله قد جاءني يدل على أن هذه المقاولة هي بعد أن نبىء، و «الصراط ~~السوي» ، معناه الطريق المستقيم، وهو طريق الإيمان. وقوله يا أبت لا تعبد ~~الشيطان، مخاطبة بر واستعطاف على حالة كفره. # وقوله لا تعبد الشيطان يحتمل أن يكون أبوه ممن عبد الجن ويحتمل أن يجعل ~~طاعة الشيطان المعنوي في عبادة الأوثان والكفر بالله عبادة له. و «العصي» ، ~~فعيل من عصى يعصي إذا خالف الأمر، وقوله أخاف أن يمسك قال الطبري وغيره ~~أخاف بمعنى أعلم. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أنه خوف على بابه، ms2325 وذلك أن إبراهيم ~~عليه السلام لم يكن في وقت هذه المقاولة يائسا من إيمان أبيه، فكان يرجو ~~ذلك وكان يخاف أن لا يؤمن ويتمادى على كفره إلى الموت فيمسه العذاب. و ~~«الولي» الخالص المصاحب القريب بنسب أو مودة، قال آزر وهو تارخ أراغب أنت ~~عن آلهتي، والرغبة ميل النفس، فقد تكون الرغبة في الشيء وقد تكون عنه، ~~وقوله أراغب رفع بالابتداء وأنت فاعل به يسد مسد الخبر وحسن ذلك وقربه ~~اعتماد «راغب» على ألف الاستفهام، ويجوز أن يكون «راغب» خبرا مقدما وأنت ~~ابتداء والأول أصوب وهو مذهب سيبويه. وقوله عن آلهتي، يريد الأصنام وكان ~~فيما روي ينحتها وينجرها بيده ويبيعها ويحض عليها فقرر ابنه إبراهيم على ~~رغبته عنها على جهة الإنكار عليه ثم أخذ يتوعده، وقوله لأرجمنك اختلف فيه ~~المتأولون، فقال السدي وابن جريج والضحاك: معناه بالقول، أي لأشتمنك ~~واهجرني أنت إذا شئت مدة من الدهر، أو سالما حسب الخلاف الذي سنذكره. وقال ~~الحسن بن أبي الحسن: معناه لأرجمنك بالحجارة، وقالت فرقة: # معناه لأقتلنك، وهذان القولان بمعنى واحد، وقوله واهجرني على هذا التأويل ~~إنما يترتب بأنه أمر على حياله كأنه قال: إن لم تنته لأقتلنك بالرجم، ثم ~~قال له واهجرني أي مع انتهائك كأنه جزم له الأمر بالهجرة وإلا فمع الرجم لا ~~تترتب الهجرة ومليا معناه دهرا طويلا مأخوذ من الملوين وهما الليل والنهار ~~وهذا قول الجمهور والحسن ومجاهد وغيرهما فهو ظرف، وقال ابن عباس وغيره مليا ~~معناه سليما منا سويا فهو حال من إبراهيم عليه السلام، وتلخيص هذا أن يكون ~~بمعنى قوله مستبدا بحالك غنيا عني مليا بالاكتفاء. PageV04P018 # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 47 الى 50] # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون ~~من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم ~~من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) # قرأ أبو البرهسم «سلاما عليك» ms2326 بالنصب، واختلف أهل العلم في معنى تسليمه ~~عليه، فقال بعضهم هي تحية مفارق وجوزوا تحية الكافر وأن يبدأ بها. وقال ~~الجمهور: ذلك التسليم بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية، قال الطبري معناه ~~أمنة مني لك، وهذا قول الجمهور وهم لا يرون ابتداء الكافر بالسلام، وقال ~~النقاش: حليم خاطب سفيها كما قال، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، ورفع ~~السلام بالابتداء وجاز ذلك مع نكرته لأنها نكرة مخصصة فقربت من المعرفة ~~ولأنه في موضع المنصوب الذي هو سلمت سلاما وهذا كما يجوز ذلك في ما هو في ~~معنى الفاعل كقولهم شر أهر ذا ناب، هذا مقال سيبويه. وقوله تعالى سأستغفر ~~معناه سأدعو الله تعالى في أن يهديك فيغفر لك بإيمانك وهذا أظهر من أن ~~يتأول على إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم أنه لم يعلم أن الله لا يغفر ~~لكافر، وقد يجوز أن يكون إبراهيم عليه السلام أول نبي أوحي إليه أن لا يغفر ~~لكافر، لأن هذه العقيدة إنما طريقها السمع، فكانت هذه المقالة منه لأبيه ~~قبل أن يوحى إليه ذلك، وإبراهيم عليه السلام إنما تبين له في أبيه أنه عدو ~~الله بأحد وجهين إما بموته على الكفر كما روي وإما بأن أوحي إليه تعسف ~~الحتم عليه، وقال مكي عن السدي: أخره بالاستغفار إلى السحر، وهذا تعسف، ~~وإنما ذكر ذلك في أمر يعقوب وبنيه وأما هذا فوعد باستغفار كثير مؤتنف ~~فالسين متمكنة. # و «الحفي» ، المبتهل المتلطف وهذا شكر من إبراهيم لنعم الله تعالى عليه، ~~ثم أخبره أنه يعتزلهم أي يصير عنهم بمعزل، ويروى أنهم كانوا بأرض كوثا فرحل ~~إبراهيم عليه السلام حتى نزل الشام وفي سفرته تلك لقي الجبار الذي أخدم ~~هاجر بسارة الحديث بطوله، وتدعون بمعنى تعبدون، وقوله عسى، ترج، في ضمنه ~~خوف شديد، وقوله فلما اعتزلهم إلى آخر الآية، إخبار من الله تعالى لمحمد ~~عليه السلام أنه لما رحل عن بلد أبيه وقومه عوضه الله من ذلك ابنه إسحاق ~~وابنه يعقوب وجعل له الولد تسلية وشدا لعضده، وإسحاق أصغر من إسماعيل، ms2327 ولما ~~حملت هاجر بإسماعيل غارت سارة فحملت ب إسحاق هذا فيما روي، وقوله ووهبنا ~~لهم من رحمتنا يريد العلم والمنزلة والشرف في الدنيا والنعيم في الآخرة، كل ~~ذلك من رحمة الله، و «لسان الصدق» هو الثناء الباقي عليهم آخر الأبد، قاله ~~ابن عباس. واللسان في كلام العرب المقالة الذائعة كانت في خير أو شر ومنه ~~قول الشاعر: [البسيط] # إني أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا كذب فيها ولا سخر # وقال آخر: [الوافر] «ندمت على لسان فات مني» PageV04P019 # وإبراهيم الخليل وبنوه معظمون في جميع الأمم والملل صلى الله عليهم ~~أجمعين. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 51 الى 55] # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ~~(53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) ~~وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) # هذا أمر من الله عز وجل بذكر موسى بن عمران عليه السلام على جهة التشريف، ~~له وأعلمه ب إنه كان مخلصا، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ~~«مخلصا» بكسر اللام وهي قراءة الجمهور أي أخلص نفسه لله، وقرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم «مخلصا» بفتح اللام وهي قراءة أبي رزين ويحيى وقتادة أي ~~أخلصه الله للنبوءة والعبادة كما قال تعالى إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ~~[ص: 46] . # و «الرسول» من الأنبياء الذي يكلف تبليغ أمة، وقد يكون نبيا غير رسول، ~~وقوله وناديناه هو تكليم الله تعالى، والطور الجبل المشهور بالشام، وقوله ~~الأيمن صفة للجانب، وكانت على يمين موسى بحسب وقوفه فيه، وإلا فالجبل نفسه ~~لا يمنة له ولا يسرة ولا يوصف بشيء من ذلك إلا بالإضافة إلى ذي يمين ويسار، ~~ويحتمل أن يكون قوله الأيمن مأخوذا من اليمن كأنه قال الأبرك والأسعد، فيصح ~~على هذا أن يكون صفة للجانب وللجبل بجملته. وقوله، وقربناه نجيا، قال ~~الجمهور هو تقريب التشريف بالكلام والنبوءة، وقال ابن عباس: بل أدني موسى ms2328 ~~من الملكوت ورفعت له الحجب حتى سمع صريف الأقلام وقاله ميسرة، وقال سعيد: ~~أردفه جبريل، و «النجي» ، فعيل من المناجاة وهي المسارة بالقول، وقال قتادة ~~نجيا معناه نجا بصدقة وهذا مختل، وإنما «النجي» المنفرد بالمناجاة، وكان ~~هارون عليه السلام أسن من موسى وطلب من الله أن يشد أزره بنبوته ومعونته ~~فأجابه الله تعالى إلى ذلك وعدها في نعمه عليه، وقوله تعالى: واذكر في ~~الكتاب إسماعيل، هو أيضا من لسان الصدق والشرف المضمون بقاؤه على آل ~~إبراهيم عليه السلام، وإسماعيل هو أبو العرب اليوم وذلك أن اليمنية ~~والمضرية ترجع إلى ولد إسماعيل وهو الذي أسكنه أبوه بواد غير ذي زرع وهو ~~الذبيح في قوله الجمهور وقالت فرقة الذبيح إسحاق. # قال القاضي أبو محمد: والأول يترجح بجهات منها قول الله تبارك وتعالى، ~~ومن وراء إسحاق يعقوب فولد قد بشر أبواه أنه سيكون منه ولد هو حفيد لهم كيف ~~يؤمر بعد ذلك بذبحه وهذه العدة قد تقدمت وجهة أخرى وهي أن أمر الذبح لا ~~خلاف بين العلماء أنه كان بمنى عند مكة وما روي قط أن إسحاق دخل تلك ~~البلاد، وإسماعيل بها نشأ وكان أبوه يزور مرارا كثيرة يأتي من الشام ويرجع ~~من يومه على البراق وهو مركب الأنبياء، وجهة أخرى وهي قول النبي عليه ~~السلام «أنا ابن الذبيحين» وهو أبوه عبد الله لأنه فدي بالإبل من الذبح، ~~والذبيح الثاني هو أبوه إسماعيل، وجهة أخرى وهي الآيات في سورة الصافات ~~وذلك أنه لما فرغ من ذكر الذبح وحاله، قال وبشرناه بإسحاق [الصافات: 112] ، ~~فترتيب تلك الآيات يكاد ينص على أن PageV04P020 # الذبيح غير إسحاق، ووصفه الله تعالى ب «صدق الوعد» لأنه كان مبالغا في ~~ذلك، روي أنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه ~~وليلته فلما كان في اليوم الآخر جاء الرجل فقال له ما زلت هنا في انتظارك ~~منذ أمس. وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة وهذا بعيد غير صحيح والأول أصح، ~~وقد فعل مثله نبينا محمد صلى الله ms2329 عليه وسلم قبل أن يبعث، ذكره النقاش ~~وخرجه الترمذي وغيره، وذلك في مبايعة وتجارة وقيل وصفه ب «صدق الوعد» ~~لوفائه بنفسه في أمر الذبح إذ قال ستجدني إن شاء الله صابرا [الكهف: 69] ~~وقال سفيان بن عيينة: أسوأ الكذب إخلاف الميعاد ورمي الأبرياء بالتهم، وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «العدة دين فناهيك بفضيلة الصدق» في هذا ~~وأهله، يريد بهم قومه وأمته، قاله الحسن، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وكان ~~يأمر قومه» . وقوله مرضيا أصله مرضويا لقيت الواو وهي ساكنة الياء فأبدلت ~~ياء وأدغمت ثم كسرت الضاد للتناسب في الحركات، وقرأ ابن أبي عبلة «وكان عند ~~ربه مرضوا» . # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 56 الى 58] # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) ~~أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ~~ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) # إدريس عليه السلام هو من أجداد نوح عليه السلام، وهو أول نبي بعث إلى أهل ~~الأرض، فيما روي، من بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم وكان خياطا، ووصفه الله ~~ب «الصدق» والوجه أن يحمل ذلك على العموم في الأحاديث والأعمال. قال ابن ~~مسعود هو الياس بعث إلى قومه بأن يقولوا لا إله إلا الله. # ويعملوا ما شاؤوا فأبوا فأهلكوا، والأشهر أنه لم يبعث بإهلاك أمة وإنما ~~نبىء فقط واختلف الناس في قوله ورفعناه مكانا عليا. # فقال جماعة من العلماء هو رفع النبوءة والتشريف والمنزلة وهو في السماء ~~كما سائر الأنبياء، وقالت فرقة: بل رفع إلى السماء، قال ابن عباس: كان ذلك ~~بأمر الله كما رفع عيسى وهنالك مات، وقاله مجاهد إلا أنه قال: ولم يمت، ~~وكذلك قال وهب وقال كعب الأحبار لابن عباس كان له خليل من الملائكة فحمله ~~على جناحه وصعد به حتى بلغ السماء الرابعة فلقي هنالك ملك الموت فقال له ~~إنه قيل لي اهبط إلى السماء الرابعة ms2330 فاقبض فيها روح إدريس وإني لأعجب كيف ~~يكون هذا، فقال له الملك الصاعد هذا إدريس معي فقبض روحه وروي أن هذا كله ~~كان في السماء السادسة قاله ابن عباس، وكذلك هي رتبته في حديث الإسراء في ~~بعض الروايات وحديث أنس بن مالك وأبي هريرة في الإسراء يقتضي أنه في السماء ~~الرابعة. وقوله تعالى: أولئك الذين أنعم الله عليهم الإشارة ب أولئك إلى من ~~تقدم ذكره، وقوله من ذرية آدم يريد إدريس ونوحا وممن حمل مع نوح إبراهيم ~~عليه السلام، ومن ذرية إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومن ذرية إسرائيل ~~موسى وهارون وزكرياء ويحيى ومريم. وقوله. PageV04P021 # وممن هدينا، معناه وأولئك ممن هدينا، لأن هدى الله قد ناله غير هؤلاء. ~~واجتبينا معناه اصطفينا واخترنا وكأنه من جبيت المال إذا جمعته ومنه جباية ~~المال وكأن جابيه يصطفيه، وقرأ الجمهور «إذا تتلى» بالتاء من فوق وقرأ نافع ~~وشيبة، وأبو جعفر «إذا يتلى» بالياء، و «الآيات» هنا الكتب المنزلة، وسجدا ~~نصب على الحال لأن مبدأ السجود سجود، وقرأ عمر بن الخطاب والجمهور «بكيا» ، ~~قالت فرقة: هو جمع باك كما يجمع عاث وجاث على عثي وجثي، وقالت فرقة: هو ~~مصدر بمعنى البكاء التقدير وبكو بكيا واحتج الطبري ومكي لهذا القول بأن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه روي أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال «هذا السجود ~~فأين البكي» يعني البكاء، واحتجاجهم بهذا فاسد لأنه يحتمل أن يريد عمر رضي ~~الله عنه «فأين الباكون» ، فلا حجة فيه لهذا وهذا الذي ذكروه عن عمر ذكره ~~أبو حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن مسعود ويحيى والأعمش ~~«وبكيا» بكسر الباء وهو مصدر على هذه القراءة لا يحتمل غير ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 59 الى 63] # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) ~~إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات ~~عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا ms2331 سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا من كان تقيا (63) # «الخلف» بفتح اللام القرن يأتي بعد آخر يمضي، والابن بعد الأب، وقد ~~يستعمل في سائر الأمور. # «والخلف» بسكون اللام مستعمل إذا كان الآتي مذموما هذا مشهور كلام العرب ~~وقد ذكر عن بعضهم أن الخلف والخلف بمعنى واحد وحجة ذلك قول الشاعر: # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # وقرأ الجمهور «الصلاة» بالإفراد، وقرأ الحسن «أضاعوا الصلوات» بالجمع، ~~وكذلك في مصحف ابن مسعود، والمراد ب «الخلف» من كفر أو عصى بعد من بني ~~إسرائيل، وقال مجاهد: المراد النصارى خلفوا بعد اليهود وقال محمد بن كعب ~~ومجاهد وعطاء: هم قوم من أمة محمد آخر الزمان، أي يكون في هذه الأمة من هذه ~~صفته لا أنهم المراد بهذه الآية، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال «كان الخلف بعد ستين سنة» ، وهذا عرف إلى يوم القيامة ~~وتتجدد أيضا المبادئ، واختلف الناس في «إضاعة الصلاة» منهم، فقال محمد بن ~~كعب القرظي وغيره: «كانت إضاعة كفر وجحد بها» . وقال القاسم بن مخيمرة وعبد ~~الله بن مسعود: «كانت إضاعة أوقاتها والمحافظة على أوانها» وذكره الطبري عن ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في حديث طويل. والشهوات عموم وكل ما ذكر من ~~ذلك فمثال، و «الغي» الخسران والحصول في الورطات ومنه قول الشاعر: [الطويل] # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما PageV04P022 # وبه فسر ابن زيد هذه الآية، وقد يكون «الغي» أيضا بمعنى الضلال فيكون على ~~هذا هنا حذف مضاف تقديره «يلقون جزاء الغي» ، وبهذا فسر الزجاج. وقال عبد ~~الله بن عمرو وابن مسعود «غي» واد في جهنم وبه وقع التوعد في هذه الآية، ~~وقيل «غي وآثام، نيران في جهنم» رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي عليه ~~السلام. وقوله إلا من تاب استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع، وقوله وآمن ~~يقتضي أن الإضافة أولا هي إضاعة كفر هذا مع اتصال ms2332 الاستثناء، وعليه فسر ~~الطبري. وقرأ الجمهور «يدخلون» بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الحسن كل ما في ~~القرآن «يدخلون» بفتح الياء وضم الخاء. وقوله جنات عدن، وقرأ جمهور الناس ~~«جنات عدن» بنصب الجنات على البدل من قوله يدخلون الجنة، وقرأ الحسن وعيسى ~~بن عمر وأبو حيوة «جنات» برفعها على تقدير تلك جنات، وقرأ علي بن صالح ~~«جنة» على الإفراد والنصب وكذلك في مصحف ابن مسعود وقرأها الأعمش، و ~~«العدن» الإقامة المستمرة. قوله بالغيب أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم، وفي ~~هذا مدح لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذ لم يعاينوا. # و «المأتي» مفعول على بابه، والآتي هو الإنجاز والفعل الذي تضمنه الوعد، ~~وكان إتيانه إنما يقصد به «الوعد» الذي تقدمه. وقالت جماعة من المفسرين: هو ~~مفعول في اللفظ بمعنى فاعل بمعنى آت وهذا بعيد، والنظر الأول أصوب، و ~~«اللغو» ، الساقط من القول، وهو أنواع مختلفة كلها ليست في الجنة، وقوله ~~إلا سلاما، استثناء منقطع، المعنى لكن يسمعون كلاما هو تحية الملائكة لهم ~~في كل الأوقات. وقوله بكرة وعشيا، يريد في التقدير أي يأتيهم طعامهم مرتين ~~في مقدار اليوم والليلة من الزمن، ويروى أن أهل الجنة تنسد لهم الأبواب ~~بقدر الليل في الدنيا فهم يعرفون البكرة عند انفتاحها والعشي عند انسدادها، ~~وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشيا لكن يؤتى به على قدر ما كانوا يشتهون في ~~الدنيا، وقد ذكر نحوه قتادة، أن تكون مخاطبة بما تعرفه العرب وتستغربه في ~~رفاهة العيش، وجعل ذلك عبارة عن أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه. وقال الحسن: ~~خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش وذلك أن كثيرا من العرب إنما ~~كان يجد الطعام المرة في اليوم وهي غايته، وكان عيش أكثرهم من شجر البرية ~~ومن الحيوان ونحوه ألا ترى قول الشاعر: [المنسرح] # عصرته نطفة تضمنها ... لصب توقى مواقع السبل # أو وجبة من جناة أشكلة ... إن لم يزغها بالقوس لم تنل # الوجبة الأكلة في اليوم. وقرأ الجمهور «نورث» بسكون الواو، وقرأ الأعمش ~~«نورثها» ، وقرأ ms2333 الحسن والأعرج وقتادة «نورث» بفتح الواو وشد الراء. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 64 الى 65] # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا (64) رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل ~~تعلم له سميا (65) # قرأ الجمهور «وما نتنزل» بالنون كأن جبريل عنى نفسه والملائكة، وقرأ ~~الأعرج وما «يتنزل» بالياء على PageV04P023 # أنه خبر من الله أن جبريل لا يتنزل، قال هذا التأويل بعض المفسرين، ويرده ~~قوله ما بين أيدينا لأنه لا يطرد معه وإنما يتجه أن يكون خبرا من جبريل أن ~~القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. # ورويت قراءة الأعرج بضم الياء، وقرأ ابن مسعود «إلا بقول ربك» ، وقال ابن ~~عباس وغيره: سبب هذه الآية، أن النبي عليه السلام أبطأ عنه جبريل مرة فلما ~~جاءه قال «يا جبريل قد اشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا» ، فنزلت ~~هذه الآية. وقال مجاهد والضحاك: سببها أن جبريل تأخر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند قوله في السؤالات المتقدمة في سورة الكهف «غدا أخبركم» حتى ~~فرح بذلك المشركون واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء جبريل ونزلت ~~هذه في ذلك المعنى، فهي كالتي في الضحى، وهذه الواو التي في قوله وما نتنزل ~~هي عاطفة جملة كلام على أخرى وواصلة بين القولين وإن لم يكن معناهما واحدا. ~~وحكى النقاش عن قوم أن قوله وما نتنزل متصل بقوله إنما أنا رسول ربك لأهب ~~لك غلاما زكيا # [مريم: 19] ، وهذا قول ضعيف، وقوله ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ~~لفظ يحتاج إلى ثلاث مراتب، واختلف المفسرون فيها، فقال أبو العالية «ما بين ~~الأيدي» في الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى، «وما خلف» الآخرة من وقت ~~البعث وما بين ذلك ما بين النفختين. وقال ابن جريج «ما بين الأيدي» هو ما ~~مر من الزمن قبل إيجاد من في الضمير، «وما خلف» هو ما بعد موتهم إلى ~~استمرار الآخرة ms2334 وما بين ذلك هو مدة الحياة. # قال القاضي أبو محمد: والآية إنما المقصد بها الإشعار بملك الله تعالى ~~لملائكة وأن قليل تصرفهم وكثيرة إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان، ~~إنما هو بحكمته إذ الأمكنة له وهم له، فلو ذهب بالآية إلى أن المراد ب «ما ~~بين الأيدي وما خلف» الأمكنة التي فيها تصرفهم، والمراد ب ما بين ذلك هم ~~أنفسهم ومقاماتهم لكان وجهها كأنه قال نحن مقيدون بالقدرة لا ننتقل ولا ~~نتتزل إلا بأمر ربك. وقال ابن عباس وقتادة فيما روي وما أراه صحيحا عنهما ~~«ما بين الأيدي هي الآخرة وما خلف هو الدنيا» ، وهذا مختل المعنى إلا على ~~التشبيه بالمكان لأن ما بين اليد إنما هو ما تقدم وجوده في الزمن بمثابة ~~التوراة والإنجيل من القرآن وقول أبي العالية إنما يتصور في بني آدم وهذه ~~المقالة هي للملائكة فتأمله. وقوله وما كان ربك نسيا أي ممن يلحقه نسيان ~~بعثنا إليكم في وقت المصلحة به فإنما ذلك عن قدر له أي فلا تطلب أنت يا ~~محمد الزيارة أكثر مما شاء الله هذا ما تقتضيه قوة الكلام على التأويل ~~الواحد أو فلا تهتم يا محمد بتأخيري ولا تلفت لفرح المشركين بذلك على ~~التأويل الثاني ونسيا فعيل من النسيان والذهول عن الأمور، وقالت فرقة نسيا ~~هنا معناه تاركا، ع: وفي هذا ضعف لأنه إنما نفي النسيان مطلقا فيتمكن ذلك ~~في النسيان الذي هو نقص وأما الترك فلا ينتفي مطلقا ألا ترى قوله تعالى: ~~وتركهم في ظلمات [البقرة: 17] وقوله وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ~~[الكهف: 99] فلو قال نسيك أو نحوه من التقييد لصح حمله على الترك، ولا حاجة ~~بنا أن نقول إن التقييد في النية لأن المعنى الآخر أظهر. وقرأ ابن مسعود ~~«وما بين ذلك وما نسيك ربك» ، وروى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه ~~فهي عافيته فاقبلوا» ثم تلا هذه الآية ms2335 وقوله رب بدل من قوله وما كان ربك، ~~وقوله فاعبده واصطبر لعبادته أمر بحمل تكاليف الشرع وإشعار ما بصعوبتها ~~كالجهاد PageV04P024 # والحج والصدقات فهي شريعة تحتاج إلى اصطبار أعاننا الله عليها بمنه. وقرأ ~~الجمهور «هل تعلم» بإظهار اللام، وقرأ علي بن نصر عن أبي عمرو بإدغام اللام ~~في التاء وهي قراءة عيسى والأعمش والحسن وابن محيصن قال أبو علي: سيبويه ~~يجيز إدغام اللام في الطاء والتاء والدال والثاء والضاد والزاي والسين، ~~وقرأ أبو عمرو «وهل ثوب» بإدغامها في الثاء وإدغامها في التاء أحق لأنها ~~أدخل معها في الفم ومن إدغامها في التاء ما روي من قول مزاحم العقيلي: ~~[الطويل] # فذر ذا ولكن هل تعين متيما ... على ضوء برق آخر الليل ناصب # وقوله سميا، قال قوم: وهو ظاهر اللفظ معناه موافقا في الاسم وهذا يحسن ~~فيه أن يريد بالاسم ما تقدم من قوله رب السماوات والأرض وما بينهما أي هل ~~تعلم من يسمى بهذا ويوصف بهذه الصفة؟ # وذلك أن الأمم والفرق لا يسمون بهذا الاسم وثنا ولا شيئا سوى الله تعالى، ~~وأما الألوهية والقدرة وغير ذلك فقد يوجه السمي فيها وذلك باشتراك لا بمعنى ~~واحد. وقال ابن عباس وغيره: قوله سميا معناه مثيلا أو شبيها أو نحو ذلك، ~~وهذا قول حسن، وكأن السمي بمعنى المسامي والمضاهي فهو من السمو، وهذا القول ~~يحسن في هذه الآية ولا يحسن فيما تقدم في ذكر يحيى عليه السلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 66 الى 69] # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) # الإنسان اسم للجنس يراد به الكافر، وروي أن سبب هذه الآية هو أن رجالا من ~~قريش كانوا يقولون هذا ونحوه، وذكر أن القائل هو أبي بن خلف جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعظم مرفت فنفخ فيه وقال أيبعث هذا وكذب ms2336 وسخر، وقيل إن ~~القائل هو العاصي بن وائل، وقرأ الأعرج وأبو عمرو «أإذا مامت» بالاستفهام ~~الظاهر، وقرأت فرقة «إذا» دون ألف استفهام وقد تقدم هذا مستوعبا، وقرأت ~~فرقة بكسر الميم، وقرأت فرقة «مت» بضمها. واللام في قوله لسوف مجلوبة على ~~الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى كأن قائلا قال للكافر إذا مت يا فلان لسوف ~~تخرج حيا فقرر الكافر على الكلام على جهة الاستبعاد وكرر اللام حكاية للقول ~~الأول. وقرأ جمهور الناس «أخرج» بضم الهمزة وفتح الراء، وقرأ الحسن بخلاف ~~وأبو حيوة «أخرج» بفتح الهمزة وضم الراء. وقوله أولا يذكر احتجاج خاطب الله ~~تعالى به نبيه عليه السلام ردا على مقالة الكافر. وقرأ نافع وعاصم وابن ~~عامر «ويذكر» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «يذكر» بشد الذال ~~والكاف، وقرأ أبي بن كعب «يتذكر» ، والنشأة الأولى والإخراج من العدم إلى ~~الوجود أوضح دليل على جواز البعث من القبور ثم قرر ذلك وأوجبه السمع، وقوله ~~ولم يك شيئا دليل على أن المعدوم لا يسمى شيئا وقال أبو علي الفارسي أراد ~~شيئا موجودا. # قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية فتأملها وقوله فو ربك الآية ~~وعيد يكون ما نفوه على PageV04P025 # أصعب وجوهه، والضمير في قوله لنحشرنهم عائد للكفار القائلين ما تقدم، ثم ~~أخبر أنه يقرن بهم الشياطين المغوين لهم. وقوله جثيا جمع جاث كقاعد وقعود ~~وجالس وجلوس وأصله جثووا وليس في كلام العرب واو متطرفة قبلها ضمة فوجب ~~لذلك أن تعل، ولم يعتد هاهنا بالساكن الذي بينهما لخفته وقلة حوله فقلبت ~~ياء فجاء جثويا فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم ~~أدغمت ثم كسرت التاء للتناسب بين الكسرة والياء. وقرأ الجمهور «جثيا» و ~~«صليا» [مريم: 70] بضم الجيم والصاد، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش «جثيا» و ~~«صليا» [ذاته] بكسر الجيم والصاد وأخبر الله تعالى أنه يحضر هؤلاء المنكرين ~~للبعث مع الشياطين فيجثون حول جهنم وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه ~~كالأسير. # ونحوه قال قتادة جثيا معناه على ركبهم وقال ابن زيد: الجثي ms2337 شر الجلوس، و ~~«الشيعة» الفرقة المرتبطة بمذهب واحد المتعاونة فيه كأن بعضهم يشيع بعضا أي ~~ينبه، ومنه تشييع النار بالحطب وهو وقدها به شيئا بعد شيء، ومنه قيل للشجاع ~~مشيع القلب فأخبر الله أنه ينزع من كل شيعة أعتاها وأولاها بالعذاب فتكون ~~تلك مقدمتها إلى النار. قال أبو الأحوص: المعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر ~~جرما، ثم أخبر تعالى في الآية بعد، أنه أعلم بمستحقي ذلك وأبصر لأنه لم تخف ~~عليه حالهم من أولها إلى آخرها. وقرأ بعض الكوفيين ومعاذ بن مسلم وهارون ~~القاري «أيهم» بالنصب، وقرأ الجمهور «أيهم» بالرفع، إلا أن طلحة والأعمش ~~سكنا ميم «أيهم» واختلف الناس في وجه رفع «أي» ، فقال الخليل رفعه على ~~الحكاية بتقدير الذي يقال فيه من أجل عتوه «أيهم» أشد وقرنه بقول الشاعر: ~~[الكامل] # ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم # أي فأبيت يقال في لا حرج ولا محروم. ورجح الزجاج قول الخليل وذكر عنه ~~النحاس أنه غلط سيبويه في قوله في هذه المسألة، قال سيبويه: ويلزم على هذا ~~أن يجوز أضرب السارق الخبيث أي الذي يقال له ع: وليس بلازم من حيث هذه ~~أسماء مفردة والآية جملة وتسلط الفعل على المفرد أعظم منه على الجملة، ~~ومذهب سيبويه أن «أيهم» مبني على الضم إذ هي أخت «الذي ولما» وخالفتهما في ~~جواز الإضافة فيها فأعربت لذلك، فلما حذف من صلتها ما يعود عليها ضعفت ~~فرجعت إلى البناء، وكأن التقدير «أيهم» هو أشد. قال أبو علي: حذف ما الكلام ~~مفتقر إليه فوجب البناء، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، قال ~~أبو علي: معنى ذلك أنه معمل في موضع من كل شيعة إلا أنه ملغى لأنه لا تعلق ~~جملة إلا أفعال الشك كظننت ونحوها مما لم يتحقق وقوعه، وقال الكسائي لننزعن ~~أريد به لننادين فعومل معاملة الفعل المراد فلم يعمل في «أي» ، وقال المبرد ~~«أيهم» متعلق ب شيعة فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تشايعوا «أيهم» أشد ~~كأنهم يتبارون إلى هذا ويلزمه أن يقدر مفعولا ms2338 ل «ننزع» محذوفا. وقرأ طلحة ~~بن مصرف «أيهم أكبر» . وعتيا مصدر أصله عتووا وعلل بما علل جثيا وروى أبو ~~سعيد الخدري «أنه يندلق عنق من النار فيقول إني أمرت بكل جبار عنيد» ~~فتلتقطهم الحديث. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 70 الى 72] # ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن منكم إلا واردها كان على ~~ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) PageV04P026 # أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئا غير موضعه لأنا قد أحطنا علما بكل أحد ~~فالأولى بصلي النار نعرفه، و «الصلي» مصدر صلي يصلى إذا باشره قال ابن ~~جريج: المعنى أولى بالخلود، وقوله وإن منكم إلا واردها قسم، والواو تقتضيه، ~~ويفسره قول النبي عليه السلام «من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا ~~تحلة القسم» . وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة «وإن منهم» بالهاء على إرادة ~~الكفار فلا شغب في هذه القراءة، وقالت فرقة من الجمهور القارئين منكم ~~المعنى قل لهم يا محمد فإنما المخاطب منكم الكفرة وتأويل هؤلاء أيضا سهل ~~التناول، وقال الأكثر المخاطب العالم كله ولا بد من «ورود» الجميع، ~~واختلفوا في كيفية «ورود» المؤمنين فقال ابن مسعود وابن عباس وخالد بن ~~معدان وابن جريج وغيرهم: # «ورود» دخول لكنها لا تعدو على المؤمنين ثم يخرجهم الله منها بعد معرفتهم ~~بحقيقة ما نجوا منه، وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن ~~الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت فلا بد أن نردها، فأما أنا فينجيني الله ~~منها، وأما أنت فما أظنه ينجيك. وقالوا: في القرآن أربعة أوراد معناها ~~الدخول هذه أحدها، وقوله تعالى: يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار [هود: ~~98] ، وقوله ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا [مريم: 86] ، وقوله إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [الأنبياء: 98] ، وقالوا كان ~~من دعاء بعض السلف «اللهم أدخلني النار سالما وأخرجني منها غانما» . وروى ~~جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه قال «الورود في هذه ms2339 الآية هو ~~الدخول» . وأشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر، وقالت فرقة ~~بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب كما تقول وردت الماء إذا جئته، وليس يلزم أن ~~تدخل فيه، قال وحسب المؤمنين بهذا هؤلاء ومنه قوله تعالى: ولما ورد ماء ~~مدين [القصص: 23] ، وروت فرقة أن الله تعالى يجعل يوم القيامة النار جامدة ~~الأعلى كأنها اهالة. فيأتي الخلق كلهم، برهم وفاجرهم، فيقفون عليها ثم تسوخ ~~بأهلها ويخرج المؤمنون الفائزون لم ينلهم ضر، قالوا فهذا هو «الورود» ، ~~وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا يدخل النار أحد من أهل ~~بدر والحديبية» ، فقالت يا رسول الله وأين قول الله وإن منكم إلا واردها، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فمه ثم ننجي الذين اتقوا» ، ورجح ~~الزجاج هذا القول بقوله تعالى: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون [الأنبياء: 101] ع: وهذا ضعيف وليس هذا موضع نسخ وقال عبد الله بن ~~مسعود: ورودهم هو جوازهم على الصراط وذلك أن الحديث الصحيح تضمن «أن الصراط ~~مضروب على جسر جهنم فيمر الناس كالبرق وكالريح وكالجواد من الخيل على مراتب ~~ثم يسقط الكفار في جهنم وتأخذهم كلاليب» ، قالوا فالجواز على الصراط هو ~~«الورود» الذي تضمنته هذه الآية، وقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي ~~تصيب في دار الدنيا، وفي الحديث «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» ، وفي ~~الحديث «الحمى حظ كل مؤمن من النار» ، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لرجل مريض عاده من الحمى: إن الله تعالى يقول هي ناري ~~أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الآخرة فهذا هو الورود. و «الحتم» ~~الأمر المنفذ المجزوم، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس «ثم ننجي» بفتح الثاء من PageV04P027 # «ثم» على الظرف، وقرأ ابن أبي ليلى «ثمة» بفتح الثاء وهاء السكت، وقرأ ~~نافع وابن كثير وجمهور من الناس «ننجي» بفتح النون الثانية وشد الجيم، وقرأ ~~يحيى والأعمش «ننجي» بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأت ms2340 فرقة «نجي» ~~بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وقرأ علي بن أبي طالب «ثم» بفتح الثاء ~~«ننجي» بالحاء غير منقوطة. والذين اتقوا معناه اتقوا الكفر، وقال بعض ~~العلماء لا يضيع أحد بين الإيمان والشفاعة. ونذر دالة على أنهم كانوا فيها، ~~والظلم هنا هو ظلم الكفر، وقد تقدم القول في قوله جثيا، وقرأ ابن عباس ~~«الذين اتقوا منها ونترك الظالمين» . # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 73 الى 75] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا ~~(74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) # قرأ الأعرج وابن محيصن وأبو حيوة «يتلى» بالياء من تحت، وسبب هذه الآية ~~أن كفار قريش لما كان الرجل منهم يكلم المؤمن في معنى الدين فيقرأ المؤمن ~~عليه القرآن ويبهره بآيات النبي عليه السلام، كان الكافر منهم يقول إن الله ~~إنما يحسن لأحب الخلق إليه وإنما ينعم على أهل الحق ونحن قد أنعم الله ~~علينا دونكم فنحن أغنياء وأنتم فقراء ونحن أحسن مجلسا وأجمل شارة فهذا ~~المعنى ونحوه هو المقصود بالتوقيف في قوله أي الفريقين، وقرأ نافع وابن ~~عامر «مقاما» بفتح الميم ولا مقام لكم [الأحزاب: 13] بالفتح أيضا، وهو ~~المصدر من قام أو الظرف منه أي موضع القيام، وهذا يقتضي لفظ المقام إلا أن ~~المعنى في هذه الآية يحرز أنه واقع على الظرف فقط، وقرأ أبي في مقام أمين ~~[الدخان: 51] بضم الميم، وقرأ ابن كثير «مقاما» بضم الميم وهو ظرف من أقام ~~وكذلك أيضا يجيء المصدر منه مثل مجراها ومرساها [هود: 41] وقرأ في مقام ~~أمين [الدخان: 51] «ولا مقام لكم» [الأحزاب: 13] بالفتح، وقرأ أبو عمرو ~~وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم جميعهن بالفتح، وروى حفص عن عاصم «لا مقام ~~لكم» بالضم. و «الندي» والنادي المجلس فيه الجماعة ومنه قول حاتم الطائي: # فدعيت في أولى ms2341 الندي ... ولم ينظر إلي بأعين خزر # وقوله وكم مخاطبة من الله تعالى لمحمد خبر يتضمن كسر حجتهم واحتقار أمرهم ~~لأن التقدير: # هذا الذي افتخروا به لا قدر له عند الله وليس بمنج لهم فكم أهلك الله من ~~الأمم لما كفروا وهم أشد من هؤلاء وأكثر أموالا وأجمل منظرا. و «القرن» ~~الأمة يجمعها العصر الواحد، واختلف الناس في قدر المدة التي إذا اجتمعت ~~لأمة سميت تلك الأمة قرنا، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد ~~تقدم القول في هذا غير مرة، و «الأثاث» المال العين والعرض والحيوان وهو ~~اسم عام واختلف هل هو جمع أو إفراد. # فقال الفراء: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالمتاع، وقال خلف الأحمر: ~~هو جمع واحده أثاثة كحمامة وحمام ومنه قول الشاعر: [الوافر] PageV04P028 # أشاقتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الزي الجميل من الأثاث # وأنشد أبو العباس: [الوافر] # لقد علمت عرينة حيث كانت ... بأنا نحن أكثرهم أثاثا # وقرأ نافع بخلاف وأهل المدينة «وريا» بياء مشددة، وقرأ ابن عباس فيما روي ~~عنه وطلحة «وريا» بياء مخففة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ~~والكسائي «ورءيا» بهمزة بعدها ياء على وزن رعيا، ورويت عن نافع وابن عامر ~~رواها أشهب عن نافع وقرأ أبو بكر عن عاصم «وريئا» بياء ساكنة بعدها همزة ~~وهو على القلب وزنه فلعا وكأنه من راع وقال الشاعر: [الطويل] # وكل خليل راءني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد # فأما القراءتان المهموزتان فهما من رؤية العين الرئي اسم المرئي والظاهر ~~للعين كالطحن والسقي، قال ابن عباس الرئي المنظر قال الحسن «وريا» معناه ~~صورا وأما المشددة الياء فقيل هي بمعنى المهموزة إلا أن الهمزة خففت لتستوي ~~رؤوس الآي، وذكر منذر بن سعيد عن بعض أهل العلم أنه من «الري» في السقي ~~كأنه أراد أنهم خير منهم بلادا وأطيب أرضا وأكثر نعما إذ جملة النعم إنما ~~هي من الري والمطر، وأما القراءة المخففة الياء فضعيفة الوجه، وقد قيل هي ~~لحن، وقرأ سعيد بن جبير ms2342 ويزيد البربري وابن عباس أيضا «وزيا» بالزاي وهو ~~بمعنى الملبس وهيئته تقول زييت بمعنى زينت، وأما قوله قل من كان في الضلالة ~~الآية فقول يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون بمعنى الدعاء والابتهال كأنه يقول ~~الأضل منا أو منكم «مد» الله له أي أملى له حتى يؤول ذلك إلى عذابه، ~~والمعنى الآخر أن يكون بمعنى الخبر كأنه يقول من كان ضالا من الأمم فعادة ~~الله فيه أنه «يمد» له ولا يعاجله حتى يفضي ذلك إلى عذابه في الآخرة، ~~فاللام في قوله فليمدد على المعنى الأول لام رغبة في صيغة الأمر، وعلى ~~المعنى الثاني لام أمر دخلت في معنى الخبر ليكون أوكد وأقوى وهذا موجود في ~~كلام العرب وفصاحتها. # قوله عز وجل: # حتى إذا رأوا ما يوعدون ... # حتى في هذه الآية حرف ابتداء دخلت على جملة وفيها معنى الغاية، وإذا شرط، ~~وجوابها في قوله فسيعلمون والرؤية رؤية العين، والعذاب والساعة بدل من ما ~~التي وقعت عليها PageV04P029 # رأوا وإما هي المدخلة للشك في أول الكلام والثانية عطف عليها، والعذاب ~~يريد به عذاب الدنيا ونصرة المؤمنين عليهم، و «الجند» النصرة والقائمون ~~بأمر الحرب، وشر مكانا بإزاء قولهم خير مقاما [مريم: 73] وأضعف جندا بإزاء ~~قولهم أحسن نديا [مريم: 72] قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 76 الى 80] # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~مردا (76) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب ~~أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ~~(79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) # ولما ذكر ضلالة الكفرة وارتباكهم في الافتخار بنعم الدنيا وعماهم عن ~~الطريق المستقيم عقب ذلك بذكر نعمته على المؤمنين في أنهم يزيدهم هدى في ~~الارتباط إلى الأعمال الصالحة والمعرفة بالدلائل الواضحة وزيادة العلم ~~دأبا. قال الطبري عن بعضهم المعنى بناسخ القرآن ومنسوخه ع: وهذا مثال وقوله ~~والباقيات الصالحات إشارة إلى ذلك الهدى الذي يزيدهم الله تعالى أي وهذه ~~النعم على هؤلاء خير عند الله ثوابا وخير ms2343 مرجعا. والقول في زيادة الهدى سهل ~~بين الوجوه، وأما الباقيات الصالحات فقال بعض العلماء هو كل عمل صالح يرفع ~~الله به درجة عامله، وقال الحسن هي «الفرائض» ، وقال ابن عباس هي «الصلوات ~~الخمس» وروي عن النبي عليه السلام «أنها الكلمات المشهورات سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . وقد قال رسول الله عليه ~~السلام لأبي الدرداء «خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فهن ~~الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة» . وروي عنه عليه السلام أنه قال يوما ~~«خذوا جنتكم» قالوا يا رسول الله أمن عدو حضر قال «من النار» قالوا ما هي ~~يا رسول الله، قال «سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» ، وهن ~~الباقيات الصالحات» . وكان أبو الدرداء يقول إذا ذكر هذا الحديث: لأهللن، ~~ولأكبرن الله، ولأسبحنه حتى إذا رآني الجاهل ظنني مجنونا، وقوله أفرأيت ~~الذي كفر الآية، الفاء في قوله أفرأيت عاطفة بعد ألف الاستفهام وهي عاطفة ~~جملة على جملة، والذي كفر يعني به العاصي بن وائل السمهي، قاله جمهور ~~المفسرين، وكان خبره أن خباب بن الأرت كان قينا في الجاهلية فعمل له عملا ~~واجتمع له عنده دين فجاءه يتقاضاه فقال له العاصي لا أنصفك حتى تكفر بمحمد، ~~فقال خباب: لا أكفر بمحمد حتى يمييتك الله ثم يبعثك، قال العاصي: أو مبعوث ~~أنا بعد الموت؟ قال خباب نعم، قال: فإنه إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد ~~وعند ذلك أقضيك دينك، فنزلت الآية في ذلك، وقال الحسن نزلت الآية في الوليد ~~بن المغيرة المخزومي وقد كانت للوليد أيضا أقوال تشبه هذا الغرض، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو «وولدا» على معنى اسم الجنس بفتح الواو واللام وكذلك في ~~سائر ما في القرآن إلا في سورة نوح ماله وولده [نوح: 21] فإنما قرأ بضم ~~الواو وسكون اللام، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كل القرآن، ~~وقرأ حمزة والكسائي «وولدا» بضم الواو وسكون اللام وكذلك في جميع القرآن، ~~وقرأ ابن مسعود «ولدا» بكسر الواو ms2344 وسكون اللام، واختلف مع ضم الواو فقال ~~بعضهم: هو جمع «ولد كأسد وأسد» واحتجوا بقول الشاعر: [مجزوء الكامل] # فلقد رأيت معاشرا ... قد ثمروا مالا وولدا # وقال بعضهم هو بمعنى الولد واحتجوا بقول الشاعر: [الطويل] # فليت فلانا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كان ولد حمار # قال أبو علي في قراءة حمزة والكسائي ما كان منه مفردا قصد به المفرد، وما ~~كان منه جمعا قصد PageV04P030 # الجمع، وقال الأخفش: الولد الابن والابنة، والولد الأهل والوالد وقال ~~غيره: والولد بطن الذي هو منه، حكاه أبو علي في الحجة، وقوله أطلع الغيب ~~توقيف والألف للاستفهام وحذفت ألف الوصل للاستغناء عنها، واتخاذ العهد ~~معناه بالإيمان والأعمال الصالحة، وكلا زجر ورد، ثم أخبر تعالى أن قول هذا ~~الكافر سيكتب على معنى حفظه عليه ومعاقبته به. وقرأ «سنكتب» بالنون أبو ~~عمرو والحسن وعيسى، وقرأ عاصم والأعمش «سيكتب» بياء مضمومة، ومد العذاب هو ~~إطالته وتعظيمه وقوله ما يقول أي هذه الأشياء التي سمى أنه يؤتاها في ~~الآخرة يرث الله ما له منها في الدنيا فإهلاكه وتركه لها، فالوراثة مستعارة ~~ويحتمل أن يكون خيبته في الآخرة كوراثة ما أمل. وفي حرف ابن مسعود «ونرثه ~~ما عنده» ، وقال النحاس نرثه ما يقول معناه نحفظه عليه لنعاقبه، ومنه قول ~~النبي عليه السلام «العلماء ورثة الأنبياء» أي حفظة ما قالوا فكأن هذا ~~المجرم يورث هذا المقالة. وقوله فردا يتضمن ذلته وقلة انتصاره. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 81 الى 87] # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~(83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا (85) # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا (87) # اتخذ افتعل من أخذ لكنه يتضمن إعدادا من المتخذ وليس ذلك في أخذ، والضمير ~~في اتخذوا لعبادة الأوثان والآلهة الأصنام وكل ما عبد من دون الله، ومعنى ~~قوله عزا العموم في ms2345 النصرة والمنفعة وغير ذلك من وجوه الخير، وقوله كلا زجر ~~وردع، وهذا المعنى لازم ل كلا فإن كان القول المردود منصوصا عليه بان ~~المعنى، وإن لم يكن منصوصا عليه فلا بد من أمر مردود يتضمنه القول كقوله عز ~~وجل كلا إن الإنسان ليطغى [العلق: 6] فإن قوله علم الإنسان ما لم يعلم ~~[العلق: 5] يتضمن مع ما قبله أن الإنسان يزعم من نفسه ويرى أن له حولا ما ~~ولا يتفكر جدا في أن الله علمه ما لم يعلم وأنعم عليه بذلك وإلا كان معمور ~~جهل، وقرأ الجمهور «كلا» على ما فسرناه، وقرأ أبو نهيك «كلا» بفتح الكاف ~~والتنوين حكاه عنه أبو الفتح وهو نعت ل آلهة وحكى عنه أبو عمرو الداني ~~«كلا» بضم الكاف والتنوين وهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه سيكفرون تقديره ~~يرفضون أو ينكرون أو يجحدون أو نحوه، واختلف المفسرون في الضمير الذي في ~~سيكفرون وفي بعبادتهم فقالت فرقة: الأول للكفار والثاني للمعبودين والمعنى ~~أنه سيجيء يوم القيامة من الهول على الكفار والشدة ما يدفعهم إلى جحد الكفر ~~وعبادة الأوثان، وذلك كقوله تعالى حكاية عنهم والله ربنا ما كنا مشركين ~~[الأنعام: 23] وقالت فرقة: الأول للمعبودين والثاني للكفار والمعنى أن الله ~~تعالى يجعل للأصنام حياة تنكر بها ومعها عبادة الكفار وأن يكون لها من ذلك ~~ذنب، وأما المعبود من الملائكة وغيرهم فهذا منهم بين. وقوله ضدا معناه ~~يجيئهم منهم خلاف ما كانوا أملوه فيؤول ذلك بهم إلى ذلة ضد ما أملوه من ~~العز وهذه صفة عامة، وقال قتادة ضدا معناه قرناء، وقال ابن عباس: PageV04P031 # معناه أعوانا، وقال لضحاك: أعداء، وقال ابن زيد: بلاء، وقيل غير هذا مما ~~لفظ القرآن أعم منه وأجمع للمعنى المقصود، والضد هنا مصدر وصف به الجمع كما ~~يوصف به الواحد، وحكى الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ «كل» بالرفع ورفعها ~~بالابتداء، وقوله ألم تر أنا أرسلنا الشياطين الآية، الرؤية في الآية رؤية ~~القلب، وأرسلنا معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم فكله تسليط وهو مثل ~~قوله نقيض ms2346 له شيطانا وتعديته ب على دال على أنه تسليط، وتؤزهم معناه تغليهم ~~وتحركهم إلى الكفر والضلال قال قتادة تزعجهم إزعاجا، قال ابن زيد: تشليهم ~~أشلاء ومنه أزير القدر وهو غليانه وحركته ومنه الحديث أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «فوجدته يصلي وهو يبكي ولصدره أزيز كأزيز المرجل» وقوله فلا ~~تعجل عليهم أي لا تستبطىء عذابهم وتحب تعجيله، وقوله نعد لهم عدا أي مدة ~~نعمتهم وقبيح أعمالهم لنصيرهم إلى العذاب إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة، ~~قال ابن عباس: نعد أنفاسهم. # قال القاضي أبو محمد: وما تضمنته هذه الألفاظ من الوعيد بعذاب الآخرة هو ~~العامل في قوله يوم ويحتمل أن يعمل فيه لفظ مقدر تقديره واذكر أو احذر ونحو ~~هذا، و «الحشر» الجمع، وقد صار في عرف ألفاظ الشرع البعث من القبور، وقرأ ~~الحسن يوم «يحشر المتقون ويساق المجرمون» ، وروي عنه «ويسوق المجرمين» ~~بالياء. و «المتقون» هم المؤمنون الذين قد غفر لهم، وظاهر هذه الوفادة أنها ~~بعد انقضاء الحساب، وإنما هي النهوض إلى الجنة، وكذلك سوق المجرمين إنما هو ~~لدخول النار. ووفدا قال المفسرون معناه ركبانا وهي عادة الوفود لأنهم سراة ~~الناس وأحسنهم شكلا فشبه أهل الجنة بأولئك لا أنهم في معنى الوفادة إذ هو ~~مضمن الانصراف، وإنما المراد تشبيههم بالوفد هيئة وكرامة، وروي عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه أنهم يجيئون ركبانا على النوق المحلاة بحلية الجنة ~~خطمها من ياقوت وزبرجد ونحو هذا، وروي عن عمر بن قيس الملائي أنهم يركبون ~~على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن، وروي «أنهم يركب كل أحد ~~منهم ما أحب فمنهم من يركب الإبل ومن يركب الخيل ومن يركب السفن فتجيء ~~عائمة بهم» ، وقد ورد في الضحايا أنها مطاياكم إلى الجنة، وفي أكثر هذا ~~بعد، لكن ذكرناه بحسب الجمع للأقوال و «السوق» يتضمن هوانا لأنهم يحفزون من ~~ورائهم، و «الورد» العطاش قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن، وهم القوم ~~الذين يحتفزون من عطشهم لورود لماء، ويحتمل أن يكون المصدر ms2347 المعنى نوردهم ~~وردا وهكذا يجعله من رأى في القرآن أربعة أوراد في النار وقد تقدم ذكر ذلك ~~في هذه السورة، واختلف المتأولون في الضمير في قوله يملكون فقالت فرقة: هو ~~عائد على المجرمين، أي لا يملكون أن يشفع لهم ولا سبيل لهم إليها، وعلى هذا ~~التأويل فهم المشركون خاصة، ويكون قوله إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ~~استثناء منقطعا، أي لكن من اتخذ عهدا يشفع له، والعهد على هذا الإيمان قال ~~ابن عباس: العهد لا إله إلا الله. وفي الحديث «يقول الله تعالى يوم القيامة ~~من كان له عندي عهد فليقم» وفي الحديث «خمس صلوات كتبهن الله على العباد ~~فمن جاء بهن تامة كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة» . والعهد أيضا ~~الإيمان وبه فسر قوله لا ينال عهدي الظالمين [البقرة: 124] ويحتمل أن يكون ~~«المجرمون» يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم لا يملكون الشفاعة إلا العصاة ~~المؤمنون فإنهم يشفع فيهم فيكون الاستثناء متصلا، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني PageV04P032 # فيمن قال لا إله إلا الله» فيقول يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي. وقالت ~~فرقة: الضمير في قوله لا يملكون للمتقين، قوله إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ~~أي إلا من كان له عمل صالح مبرز يحصل به في حيز من يشفع وقد تظاهرت ~~الأحاديث بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون، روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن في أمتي رجلا يدخل الله بشفاعته الجنة أكثر ~~من بني تميم» ، قال قتادة: وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين، وقال بعض ~~هذه الفرقة معنى الكلام إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا أي لا يملك المتقون ~~الشفاعة إلا لهده الصنيفة فيجيء من في التأويل الواحد للشافعين، وفي الثاني ~~للمشفوع فيهم، وتحتمل الآية أن يراد ب من محمد عليه السلام وبالشفاعة ~~الخاصة لمحمد العامة للناس، ويكون الضمير في يملكون لجميع أهل الموقف، ألا ~~ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون ms2348 الشفاعة حتى تصير إليه فيقوم إليها مدلا، ~~فالعهد على هذا النص على أمر الشفاعة، وقوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا [الإسراء: 79] . # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 88 الى 96] # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سيجعل لهم الرحمن ودا (96) # الضمير في قالوا للكفار من العرب في قولهم للملائكة بنات الله وللنصارى ~~ولكل من كفر بهذا النوع من الكفر، وقوله جئتم شيئا بعد الكناية عنهم بمعنى ~~قل لهم يا محمد، و «الإد» الأمر الشنيع الصعب وهي الدواهي والشنع العظيمة، ~~ويروى عن النبي عليه السلام أن هذه المقالة أول ما قيلت في العالم شاك ~~الشجر وحدثت، وفي نسخة، وحدثت مرائره واستعرت جهنم وغضبت الملائكة وقرأ ~~الجمهور، «إدا» بكسر الهمزة، وقرأ أبو عبد الرحمن «أدا» بفتح الهمزة، ويقال ~~إد وأد وآد بمعنى، وقرأ ابن كثير هنا وفي حم عسق «تكاد» بالتاء «يتفطرن» ~~بياء وتاء وفتح الطاء وشدها، ورواها حفص عن عاصم، وقرأ أبو عمرو وعاصم في ~~رواية أبي بكر «تكاد» بالتاء «ينفطرن» بياء ونون وكسر الطاء، وقرأ نافع ~~والكسائي «يكاد» بالياء على زوال علامة التأنيث «يتفطرن» بالياء والتاء وشد ~~الطاء وفتحها في الموضعين، وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل أبي عمرو وفي ~~عسق مثل ابن كثير وقال أبو الحسن الأخفش «تكاد» بمعنى تريد، وكذلك قوله ~~تعالى أكاد أخفيها [طه: 15] وأنشد على أن كاد بمعنى أراد قول الشاعر: ~~[الكامل] # كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من زمن الصبابة ما مضى # ولا حجة في هذا البيت وهذا قول قلق، وقال الجمهور: إنما هي استعارة لشنعة ~~الأمر أي هذا حقه لو PageV04P033 # فهمت الجمادات قدره وهذا المعنى مهيع للعرب فمنه قول جرير: [الكامل] # لما أتى خبر الزبير ms2349 تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع # ومنه قول الآخر: [الطويل] # ألم تر صدعا في السماء مبينا ... على ابن لبينى الحارث بن هشام # وقال الآخر: [الوافر] # وأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام # والانفطار الانشقاق على غير رتبة مقصودة والهد الانهدام والتفرق في سرعة، ~~وقال محمد بن كعب: # كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، وقوله وما ينبغي نفي على جهة ~~التنزيه له عن ذلك، وقد تقدم ذكر هذا المعنى، وأقسام هذا اللفظ في هذه ~~السورة، وقوله إن كل من في السماوات الآية إن نافية بمعنى ما، وقرأ الجمهور ~~«آتي الرحمن» بالإضافة، وقرأ طلحة بن مصرف «آت الرحمن» بتنوين «آت» والنصب ~~في النون، وقرأ ابن مسعود «لما آتى الرحمن» ، واستدل بعض الناس بهذه الآية ~~على أن الولد لا يكون عبدا وهذا انتزاع بعيد، وعبدا حال، ثم أخبر تعالى عن ~~إحاطته ومعرفته بعبيده فذكر الإحصاء، ثم كرر المعنى بغير اللفظ، وقرأ ابن ~~مسعود «لقد كتبهم وعدهم» ، وفي مصحف أبي «لقد أحصاهم فأجملهم عددا» وقوله ~~عدا تأكيد للفعل وتحقيق له، وقوله فردا يتضمن معنى قلة النصر والحول والقوة ~~لا مجير له مما يريد الله به وقوله سيجعل لهم الرحمن ودا ذهب أكثر المفسرين ~~إلى أن هذا هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من عباده حسبما في الحديث ~~المأثور، وقال عثمان بن عفان إنها بمنزلة قول النبي عليه السلام «من أسر ~~سريرة ألبسه الله رداءها» ، وفي حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ما من عبد إلا وله في السماء صيت فإن كان حسنا وضع في الأرض ~~حسنا وإن سيئا وضع كذلك» . # وقال عبد الرحمن بن عوف: إن الآية نزلت فيه وذلك أنه لما هاجر بمكة ~~استوحش بالمدينة فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية في ~~ذلك، أي ستستقر نفوس المؤمنين ويودون حالهم ومنزلتهم، وذكر النقاش أنها ~~نزلت في علي بن أبي طالب، قال ابن الحنفية: لا تجد مؤمنا إلا وهو يحب عليا ~~وأهل بيته، وقرأ ms2350 الجمهور «ودا» بضم الواو، وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتح ~~الواو، ويحتمل أن تكون الآية متصلة بما قبلها في المعنى، أي إن الله تعالى ~~لما أخبر عن إتيان كل من في السماوات والأرض في حالة العبودية والانفراد ~~أنس المؤمنين بأنه سيجعل لهم في ذلك اليوم ودا وهو ما يظهر عليهم من كرامته ~~لأن محبة الله لعبد إنما هي ما يظهر عليه من نعمه وأمارات غفرانه له. # قوله عز وجل: ### || [سورة مريم (19) : الآيات 97 الى 98] # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) PageV04P034 # الضمير في «يسرنا» للقرآن، وهذا كقوله حتى توارت بالحجاب [ص: 32] لأن ~~المعنى يقتضي المراد وإن لم يتقدم ذكره، ووقع التيسير في كونه بلسان محمد ~~عليه السرم وبلغته المفهومة المبينة، وبشارة المتقين هي الجنة والنعيم ~~الدائم والعز في الدنيا، و «القوم اللد» هم قريش ومعناه مجادلين مخاصمين ~~بباطل، والألد الخاصم المبالغ في ذلك، وقال مجاهد لدا فجارا ع: وهذا عندي ~~فجور الخصومة ولا يلد إلا المبطل. والألد والألوى، بمعنى واحد، وفي الحديث ~~«أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم» ثم لما وصفهم الله تعالى بأنهم ~~لد وهي صفة سوء بحكم الشرع والحق وجب أن يفسد عليهم بالوعيد والتمثيل ~~بإهلاك من كان أشد منهم وألد وأعظم قدرا ما كان يسرهم في أنفسهم من الوصف ~~بلد فإن العرب لجهالتها وعتوها وكفرها كانت تتمدح باللد وتراه إدراكا ~~وشهامة فمن ذلك قوله الشاعر: # [الخفيف] # إن تحت الأحجار حزما وعزما ... وخصيما ألد ذا مغلاق # فمثل لهم بإهلاك من قبلهم ليحتقروا أنفسهم، ويبين صغر شأنهم وعبر ~~المفسرون عن «اللد» بالفجرة وبالظلمة وتلخيص معناها ما ذكرناه و «القرن» ~~الأمة، و «الركز» الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم وإنما هو صوت الحركات ~~وخشفتها ومنه قول لبيد: # فتوجست ركز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها # فكأنه يقول أو تسمع من أخبارهم قليلا أو كثيرا أو طرفا خفيا ضعيفا وهذا ~~يراد به ms2351 من تقدم أمره من الأمم ودرس خبره، وقد يحتمل أن يريد هل بقي لأحد ~~منهم كلام أو تصويب بوجه من الوجوه فيدخل في هذا من عرف هلاكه من الأمم. PageV04P035 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة طه # (هذه السورة مكية) قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) # الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ~~وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله ~~إلا هو له الأسماء الحسنى (8) # اختلف الناس في قوله طه بحسب اختلافهم في كل الحروف المتقدمة في أوائل ~~السور إلا قول من قال هناك إن الحروف إشارة إلى حروف المعجم كما تقول أ. ب. ~~ج. د. فإنه لا يترتب هنا لأن ما بعد طه من الكلام لا يصح أن يكون خبرا عن ~~طه واختصت أيضا طه بأقوال لا تترتب في أوائل السور المذكورة، فمنها قول من ~~قال طه اسم من أسماء محمد عليه السلام، وقوله من قال طه معناه «يا رجل ~~بالسريانية» وقيل بغيرها من لغات العجم، وحكي أنها لغة يمنية في عك وأنشد ~~الطبري: [الطويل] # دعوت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا # ويروي مزايلا وقال الآخر: [البسيط] # إن السفاهة طه من خلائقكم ... لا بارك الله في القوم الملاعين # وقالت فرقة: سبب نزول الآية إنما هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتحمله من مشقة الصلاة حتى كانت قدماه تتورم ويحتاج إلى الترويح بين قدميه ~~فقيل له طا الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح، فالضمير في طه للأرض ~~وخففت الهمزة فصارت ألفا ساكنة، وقرأت «طه» وأصله طأ فحذفت الهمزة وأدخلت ~~هاء السكت، وقرأ ابن كثير وابن عامر «طه» بفتح الطاء والهاء وروي ذلك عن ~~قالون عن نافع، وو روي عن يعقوب عنه كسرهما، وروي عنه بين الكسر والفتح، ~~وأمالت ms2352 فرقة، والتفخيم لغة الحجاز والنبي عليه السلام، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي بكسر الطاء والهاء، وقرأ أبو عمرو «طه» بفتح الطاء وكسر الهاء، ~~وقرأت فرقة «طه» بفتح الطاء وسكون الهاء، وقد تقدمت، وروي عن الضحاك وعمرو ~~بن فائد أنهما PageV04P036 # قرأ «طاوي» . وقوله لتشقى قالت فرقة: معناه لتبلغ من نفسك في العبادة ~~والقيام في الصلاة، وقالت فرقة: إنما سبب الآية أن قريش لما نظرت إلى عيش ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وشظفه وكثرة عبادته قالت: إن محمدا مع ربه في ~~شقاء فنزلت الآية رادة عليهم، أي إن الله لم ينزل القرآن ليجعل محمدا شقيا ~~بل ليجعله أسعد بني آدم بالنعيم المقيم في أعلى المراتب، فالشقاء الذي ~~رأيتم هو نعيم النفس ولا شقاء مع ذلك ع: فهذا التأويل أعم من الأول في لفظة ~~الشقاء، وقوله إلا تذكرة يصح أن ينصب على البدل من موضع لتشقى ويصح أن ينصب ~~بفعل مضمر تقديره لكن أنزلناه تذكرة، ويخشى يتضمن الإيمان والعمل الصالح إذ ~~الخشية باعثة على ذلك، وقوله تنزيلا نصب على المصدر، وقوله ممن خلق الأرض ~~والسماوات العلى صفة أقامها مقام الموصوف، وأفاد ذلك العبرة والتذكرة ~~وتحقير الأوثان وبعث النفوس على النظر، والعلى جمع عليا فعلى. وقوله الرحمن ~~رفع بالابتداء ويصح أن يكون بدلا من الضمير المستقر في خلق. وقوله استوى ~~قالت فرقة: هو بمعنى استولى، وقال أبو المعالي وغيره من المتكلمين: هو ~~بمعنى استواء القهر والغلبة، وقال سفيان الثوري: فعل فعلا في العرش سماه ~~استواء وقال الشعبي وجماعة غيره: هذا من متشابه القرآن يؤمن به ولا يعرض ~~لمعناه، وقال مالك بن أنس لرجل سأله عن هذا الاستواء فقال له مالك: ~~الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه ~~عني، فأدبر السائل وهو يقول يا أبا عبد الله لقد سألت عنها أهل العراق وأهل ~~الشام فما وفق أحد توفيقك. # قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو المعالي قول من قال لا يتكلم في تفسيرها ~~بأن قال إن كل مؤمن يجمع على أن ms2353 لفظة الاستواء ليست على عرفها في معهود ~~الكلام العربي، فإذا فعل هذا فقد فسر ضرورة ولا فائدة في تأخره عن طلب ~~الوجه والمخرج البين، بل في ذلك البأس على الناس وإيهام للعوام، وقد تقدم ~~القول في مسألة الاستواء. وقوله له ما في السماوات الآية تماد في الصفة ~~المذكورة المنبهة على الخالق المنعم، وفي قوله ما تحت الثرى قصص في أمر ~~الحوت ونحوه اختصرته لعدم صحته، والآية مضمنة أن كل موجود محدث فهو لله ~~بالملك والاختراع ولا قديم سواه تعالى. والثرى التراب الندي، وقوله وإن ~~تجهر بالقول معناه وإن كنتم أيها الناس إذا أردتم إعلام أحد بأمر أو مخاطبة ~~أوثانكم وغيرها فأنتم تجهرون بالقول فإن الله الذي هذه صفاته يعلم السر ~~وأخفى فالمخاطبة ب تجهر لمحمد عليه السلام وهي مراد بها جميع الناس إذ هي ~~آية اعتبار، واختلف الناس في ترتيب السر وما هو أخفى منه، فقالت فرقة السر ~~هو الكلام الخفي الخافت كقراءة السر في الصلاة، و «الأخفى» هو ما في النفس، ~~وقالت فرقة هو ما في النفس متحصلا، و «الأخفى» هو ما سيكون فيها في ~~المستأنف، وقالت فرقة السر هو ما في نفوس البشر وكل ما يمكن أن يكون فيها ~~في المستأنف بحسب الممكنات من معلومات البشر، و «الأخفى» هو ما من معلومات ~~الله لا يمكن أن يعلمه البشر البتة ع: فهذا كله معلوم لله عز وجل. # وقد تؤول على بعض السلف أنه جعل وأخفى فعلا ماضيا وهذا ضعيف، والأسماء ~~الحسنى يريد بها التسميات التي تضمنتها المعاني التي هي في غاية الحسن ووحد ~~الصفة مع جمع الموصوف لما كانت التسميات لا تعقل، وهذا جار مجرى مآرب أخرى ~~[طه: 18] ويا جبال أوبي معه [سبأ: 10] PageV04P037 # وغيره، وذكر أهل العلم أن هذه الأسماء هي التي قال فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل ~~الجنة» وذكرها الترمذي وغيره مسندة. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 9 الى 14] # وهل أتاك حديث موسى ms2354 (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي يا موسى ~~(11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى (13) # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) # هذا الاستفهام هو توقيف مضمنه تنبيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، ~~وهذا كما تبدأ الرجل إذا أردت إخباره بأمر غريب فتقول أعلمت كذا وكذا، ثم ~~تبدأ تخبره. والعامل في إذ ما تضمنه قوله حديث من معنى الفعل، وتقديره وهل ~~أتاك ما فعل موسى إذ رأى نارا أو نحو هذا، وكان من قصة موسى عليه السلام ~~أنه رحل من مدين بأهله بنت شعيب وهو يريد أرض مصر وقد طالت مدة جنايته ~~هنالك فرجا خفاء أمره، وكان فيما يزعمون رجلا غيورا فكان يسير الليل بأهله ~~ولا يسير النهار مخافة كشفة الناس فضل عن طريقه في ليلة مظلمة وندية ويروى ~~أنه فقد الماء فلم يدر أين يطلبه فبينما هو كذلك وقد قدح بزنده فلم يور ~~شيئا إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا أي أقيموا، وذهب هو إلى النار فإذا هي ~~مضطرمة في شجرة خضراء يانعة قيل كانت من عناب، وقيل من عوسج، وقيل من ~~عليقة، فلما دنا منها تباعدت منه ومشت، فإذا رجع عنها اتبعته فلما رأى ذلك ~~أيقن أن هذا أمر من أمور الله تعالى الخارقة للعادة، وانقضى أمره كله في ~~تلك الليلة، هذا قول الجمهور وهو الحق. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: ~~أقام في ذلك الأمر حولا ومكثه أهله ع: وهذا غير صحيح عن ابن عباس وضعيف في ~~نفسه. وآنست معناه أحسست ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف] # آنست نبأة وروعها القن ... ناص ليلا وقد دنا الإمساء # والنار على البعد لا تحس إلا بالأبصار، فلذلك فسر بعضهم اللفظ برأيت، و ~~«آنس» أعم من رأى، لأنك تقول آنست من فلان خيرا أو شرا. و «القبس» الجذوة ~~من النار تكون على رأس ms2355 العود أو القصبة أو نحوه، و «الهدى» أراد الطريق، أي ~~لعلي أجد ذا هدى أي مرشدا لي أو دليلا، وإن لم يكن مخبرا. و «الهدى» يعم ~~هذا كله وإنما رجا موسى عليه السلام هدى نازلته فصادف الهدى على الإطلاق، ~~وفي ذكر قصة موسى بأسرها في هذه السورة تسلية للنبي عما لقي في تبليغه من ~~المشقات وكفر الناس فإنما هي له على جهة التمثيل في أمره. وروي عن نافع ~~وحمزة «لأهله امكثوا» بضمة الهاء وكذلك في القصص، وكسر الباقون الهاء ~~فيهما. وقوله تعالى فلما أتاها الضمير عائد على النار، وقوله نودي كناية عن ~~تكليم الله له، وفي نودي ضمير يقوم مقام الفاعل، وإن شئت جعلته موسى إذ قد ~~جرى ذكره، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «إني» بكسر الألف على ~~الابتداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «أني» بفتح الألف PageV04P038 # على معنى «لأجل أني» أنا ربك فاخلع نعليك، ونودي قد توصل بحرف الجر وأنشد ~~أبو علي: # [الكامل] # ناديت باسم ربيعة بن مكدم ... ان المنوه باسمه الموثوق # واختلف المتأولون في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين، فقالت فرقة ~~كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرح النجاسة، وقالت فرقة بل كانت نعلاه من جلد ~~بقرة ذكي لكن أمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس وتمس قدماه تربة الوادي، ~~وتحتمل الآية معنى آخر هو الأليق بها عندي، وذلك أن الله تعالى أمره أن ~~يتواضع لعظم الحال التي حصل فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعلان ويبلغ ~~الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه، ~~ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها، والمقدس معناه المطهر، وطوى معناه ~~مرتين مرتين، فقالت فرقة معناه قدس مرتين، وقالت فرقة معناه طويته أنت، أي ~~سرت به، أي طويت لك الأرض مرتين من طيك، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة ~~والكسائي «طوى» بالتنوين على أنه اسم المكان، وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو «طوى» على أنه اسم البقعة دون تنوين، وقرأ هؤلاء كلهم بضم الطاء، ms2356 وقرأ ~~أبو زيد عن أبي عمرو بكسر الطاء، وقرأت فرقة «طاوي» وقالت فرقة هو اسم ~~الوادي، و «طوى» على التأويل الأول بمنزلة قولهم ثنى وثنى أي مثنيا، وقرأ ~~السبعة غير حمزة «وأنا اخترتك» ويؤيد هذه القراءة تناسبها مع قوله أنا ربك ~~وفي مصحف أبي بن كعب «وأني اخترتك» ، وقرأ حمزة «وأنا اخترناك» بالجمع وفتح ~~الهمزة وشد النون، والآية على هذا بمنزلة قوله سبحان الذي أسرى بعبده ~~[الإسراء: 1] ثم قال وآتينا [الإسراء: 2] فخرج من إفراد إلى جمع، وقرأت ~~فرقة وإنا اخترناك» يكسر الألف. # قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت أبا الفضل بن ~~الجوهري يقول: لما قيل لموسى فاستمع وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع ~~يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع وكان كل لباسه صوفا. ~~وقرأت فرقة «بالواد المقدس طاوي» وقوله وأقم الصلاة لذكري يحتمل أن يريد ~~لتذكيري فيها أو يريد لأذكرك في عليين بها فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة ~~إلى الفاعل أو إلى المفعول واللام لام السبب، وقالت فرقة معنى قوله لذكري ~~أي عند ذكري إذا ذكرتني وأمري لك بها، فاللام على هذا بمنزلتها في قوله أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس [الإسراء: 78] وقرأت فرقة «للذكرى» ، وقرأت فرقة ~~«لذكرى» بغير تعريف، وقرأت فرقة «للذكر» . # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 15 الى 18] # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا يصدنك عنها ~~من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي ~~عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) # في قوله إن الساعة آتية تحذير ووعيد، أي اعبدني فإن عقابي وثوابي ~~بالمرصاد، والساعة في PageV04P039 # هذه الآية القيامة بلا خلاف، وقرأ ابن كثير والحسن وعاصم «أكاد أخفيها» ~~بفتح الهمزة بمعنى أظهرها أي أنها من صحة وقوعها وتيقن كونه تكاد تظهر لكن ~~تنحجب إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول خفيت الشيء بمعنى أظهرته ومنه قول ~~امرئ القيس: [الطويل] # خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من ms2357 سحاب مجلب # ومنه قوله أيضا: [المتقارب] # فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن توقدوا الحرب لا نقعد # قال أبو علي: المعنى أزيل خفاءها، وهو ما تلف به القربة ونحوها، وقرأ ~~الجمهور «أخفيها» بضم الهمزة، واختلف المتأولون في معنى الآية فقالت فرقة: ~~معناه أظهرها وأخفيت من الأضداد، وهذا قول مختل، وقالت فرقة معناه، أكاد ~~أخفيها من نفسي على معنى العبارة عن شدة غموضها على المخلوقين، فقالت فرقة: ~~المعنى إن الساعة آتية أكاد وتم الكلام بمعنى أكاد أنفذها لقربها وصحة ~~وقوعها ثم استأنف الإخبار بأنه يخفيها، وهذا قلق، وقالت فرقة أكاد زائدة لا ~~دخول لها في المعنى بل تضمنت الآية الإخبار بأن الساعة آتية وأن الله يخفي ~~وقت إتيانها عن الناس، وقالت فرقة أكاد بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها ~~عنكم لتجزى كل نفس بما تسعى واستشهد قائل هذه المقالة بقول الشاعر: ~~[الكامل] كادت وكدت وتلك خير إرادة وقد تقدم هذا المعنى، وقالت فرقة أكاد ~~على بابها بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جار على استعارة العرب ~~ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع ~~بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ قوله تعالى في إبهام وقتها ~~فقال أكاد أخفيها حتى لا تظهر البتة ولكن ذلك لا يقع ولا بد من ظهورها، هذا ~~تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين وهو الأقوى عندي، ورأى بعض ~~القائلين بأن المعنى أكاد أخفيها من نفسي ما في القول من القلق فقالوا معنى ~~من نفسي من تلقائي ومن عندي ع وهذا رفض للمعنى الأول ورجوع إلى هذا القول ~~الذي اخترناه أخيرا فتأمله، واللام في قوله لتجزى متعلقة ب آتية وهكذا ~~يترتب الوعيد. وتسعى معناه تكسب وتجترح، والضمير في قوله عنها يريد عن ~~الإيمان بالساعة فأوقع الضمير عليها، ويحتمل أن يعود على الصلاة [طه: 14] ~~وقالت فرقة المراد عن لا إله إلا الله ع: وهذا متجه، والأولان أبين وجها. ~~وقوله فتردى معناه تهلك، والردى الهلاك ومنه قوله دريد بن الصمة: [الطويل] ms2358 # تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي # وهذا الخطاب كله لموسى عليه السلام وكذلك ما بعده، وقال النقاش: الخطاب ب ~~فلا يصدنك لمحمد عليه السلام وهذا بعيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «أكاد ~~أخفيها من نفسي» وعلى هذه القراءة تركب ذلك القول المتقدم، وقوله عز وجل ~~وما تلك بيمينك يا موسى تقرير مضمنه التنبيه وجمع النفس PageV04P040 # لتلقي ما يورد عليها وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل، وقوله بيمينك من ~~صلة تلك وهذا نظير قول الشاعر يزيد بن ربيعة: [الطويل] # عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق # قال ابن الجوهري: وروي في بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة ~~العصا إلى نفسه في ذلك الموطن فقيل له ألقها [طه: 19] ليرى منها العجب ~~فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تضاف إليه، وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه ~~«عصاي» بكسر الياء مثل غلامي، وقرأت فرقة «عصى» وهي لغة هذيل ومنه قول أبي ~~ذؤيب: [الكامل] سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم وقرأ الجمهور «عصاي» بفتح الياء، ~~وقرأ ابن أبي إسحاق «عصاي» بياء ساكنة، ثم ذكر موسى عليه السلام من منافع ~~عصاه عظمها وجمهورها، وأجمل سائر ذلك، وقرأ الجمهور «وأهش» بضم الهاء ~~والشين المنقوطة ومعناه أخبط بها الشجر حتى ينتثر بها الورق للغنم، وقرأ ~~إبراهيم النخعي «وأهش» بكسر والمعنى كالذي تقدم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس ~~«وأهس» بضم الهاء والسين غير المنقوطة ومعناه أزجر بها وأخوف، وقرأت فرقة ~~«على غنمي» بالجر، وقرأت «غنمي» فأوقع الفعل على الغنم، وقرأت «غنمي» بسكون ~~النون ولا أعرف لها وجها، وقوله أخرى فوحد مع # تقدم الجمع وهو المهيع في توابع جمع ما لا يعقل والكناية عنه فإن ذلك ~~يجرى مجرى الواحدة المؤنثة كقوله تعالى: الأسماء الحسنى [طه: 8] وكقوله يا ~~جبال أوبي معه [سبأ: 10] وقد تقدم القول في هذا المعنى غير مرة، وعصا موسى ~~عليه السلام هي التي كان أخذها من بيت عصا الأنبياء الذي كان عند شعيب حين ~~اتفقا على الرعية، ms2359 وكانت عصا آدم هبط بها من الجنة وكانت من العير الذي في ~~ورق الريحان وهو الجسم المستطيل في وسطها وقد تقدم شرح أمرها فيما مضى. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 19 الى 35] # قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف ~~سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية ~~أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) # اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) ~~واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) # واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في ~~أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) # ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) # لما أراد الله تعالى أن يدربه في تلقي النبوءة وتكاليفها أمره بإلقاء ~~العصا فألقاها موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها، وكانت عصا ذات شعبتين فصار ~~الشعبتان لها فما وصارت حية تسعى أي تنتقل PageV04P041 # وتمشي وتلتقم الحجارة، فلما رآها موسى رأى عبرة فولى مدبرا ولم يعقب، ~~فقال الله تعالى له: خذها ولا تخف وذلك أنه أوجس في نفسه خيفة أي لحقه ما ~~يلحق البشر، وروي أن موسى تناولها بكمي جبته فنهي عن ذلك، فأخذها بيده ~~فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي سيرتها الأولى ثم أمره الله عز وجل أن يضم ~~يده إلى جنبه وهو الجناح استعارة ومجازا ومنه قول الراجز: [الرجز] «أضمه ~~للصدر والجناح» وبعض الناس يقولون الجناح اليد وهذا كله صحيح على طريق ~~الاستعارة، ألا ترى أن جعفر بن أبي طالب يسمى ذا الجناحين بسبب يديه حين ~~أقيمت له الجناحان مقام اليدين شبه بجناح الطائر وكل مرعوب من ظلمة أو ~~نحوها فإنه إذا ضم يده إلى جناحه فتر رعبه وربط جأشه فجمع الله لموسى عليه ~~السلام تفتير الرعب مع الآية في اليد، وروي أن يد موسى خرجت بيضاء تشف ~~وتضيء كأنها شمس. وقوله من غير سوء، أي من غير برص ولا مثلة بل هو أمر ~~ينحسر ويعود لحكم الحاجة إليه. وقوله لنريك من آياتنا ms2360 الكبرى يحتمل أن يريد ~~وصف الآيات بالكبر على ما تقدم من قوله الأسماء الحسنى [طه: 8] ، ومآرب ~~أخرى [طه: 18] ونحوه، ويحتمل أن يريد تخصيص هاتين الآيتين فإنهما أكبر ~~الآيات كأنه قال لنريك الكبرى فهما معنيان، ثم أمره تبارك وتعالى بالذهاب ~~إلى فرعون وهو مصعب بن الريان في بعض ما قيل، وقيل غير هذا، ولا صحة لشيء ~~من ذلك. وطغى معناه تجاوز الحد في فساد، وقوله قال رب اشرح لي صدري الآية، ~~لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون علم أنها الرسالة وفهم قدر التكليف ~~فدعا الله في المعونة إذ لا حول له إلا به. واشرح لي صدري معناه «لفهم ما ~~يرد علي من الأمور والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة التي ~~جعلها في فيه حين جربه فرعون» . وروي في ذلك أن فرعون أراد قتل موسى وهو ~~طفل حين مد يده إلى لحية فرعون، فقالت له امرأته إنه لا يعقل، فقال بل هو ~~يعقل وهو عدو لي، فقالت له نجربه، قال أفعل، فدعت بجمرات من نار وبطبق فيه ~~ياقوت فقالا إن أخذ الياقوت علمنا أنه يعقل وإن أخذ النار عذرناه فمد موسى ~~يده إلى جمرة فأخذها فلم تعد على يده، فجعلها في فمه فأحرقته وأورث لسانه ~~عقدة في كبره أي حبسة ملبسة في بعض الحروف قال ابن الجوهري «كف الله تعالى ~~النار عن يده لئلا تقول النار طبعي واحترق لسانه لئلا يقول موسى مكانتي» ~~وموسى عليه السلام إنما طلب من حل العقدة قدر أن يفقه قوله، فجائزا أن يكون ~~ذلك كله زال، وجائزا أن يكون بقي منه القليل، فيجتمع أن يؤتى هو سؤله وأن ~~يقول فرعون، ولا يكاد يبين، ولو فرضناه زال جملة لكان قول فرعون سبا لموسى ~~بحالته القديمة. و «الوزير» المعين القائم بوزر الأمور وهو ثقلها ويحتمل ~~الكلام أن طلب الوزير من أهله على الجملة ثم أبدل هارون من الوزير المطلوب، ~~ويحتمل أن يريد واجعل هارون وزيرا، فإنما ابتدأ الطلب فيه فيكون على هذا ~~مفعولا أولا ب ms2361 اجعل. وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى بأربعة أعوام، ~~وقرأ ابن عامر وحده «أشدد» بفتح الهمزة و «أشركه» بضمها على أن موسى أسند ~~هذه الأفعال إلى نفسه، ويكون الأمر هنا لا يريد به النبوءة بل يريد تدبيره ~~ومساعيه لأن النبوءة لا يكون لموسى أن يشرك فيها بشرا، وقرأ الباقون «أشدد» ~~بضم الهمزة «وأشرك» على معنى الدعاء في شد الأزر وتشريك هارون في النبوءة ~~وهذه هي الوجه لأنها تناسب ما تقدم من الدعاء وتعضدها آيات غير هذه بطلبه ~~تصديق هارون إياه. PageV04P042 # و «الأزر» بمعنى الظهر قاله أبو عبيدة كأنه قال شد به عوني واجعله مقاومي ~~فيما أحاوله وقال امرؤ القيس: # [الطويل] # بمحنية قد آزر الضال نبتها ... فجر جيوش غانمين وخيب # أي قاومه وصار في طوله، وفتح أبو عمرو وابن كثير الياء من أخي وسكنها ~~الباقون وروي عن نافع «وأشركهو» بزيادة واو في اللفظ بعد الهاء ثم جعل موسى ~~عليه السلام ما طلب من نعم الله تعالى سببا يلزم كثيرة العبادة والاجتهاد ~~في أمر الله، وقوله كثيرا نعت لمصدر محذوف تقديره تسبيحا كثيرا. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 36 الى 39] # قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا ~~إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) # المعنى قال الله تعالى: قد أعطيت يا موسى طلبتك في شرح الصدر وتيسير ~~الأمر وحل العقدة إما بالكل وإما على قدر الحاجة في الإفقاه، وإتيان هذا ~~السؤال منة من الله عز وجل فقرن إليها عز وجل قديم منته عنده على جهة ~~التوقيف عليها ليعظم اجتهاده وتقوى بصيرته. وكان من قصة موسى فيما روي أن ~~فرعون ذكر له أن خراب ملكه يكون على يدي غلام من بني إسرائيل فأمر بقتل كل ~~مولود يولد لبني إسرائيل، ثم إنه رأى مع أهل مملكته أن فناء بني إسرائيل ~~يعود على القبط بالضرر إذ هم ms2362 كانوا عملة الأرض والصناع ونحو هذا، فعزم على ~~أن يقتل الولدان سنة ويستحييهم سنة، فولد هارون في سنة الاستحياء فكانت أمه ~~آمنة، ثم ولد موسى في العالم الرابع سنة القتل فخافت أمه عليه الذبح فبقيت ~~مهتمة فأوحى الله إليها، قيل بملك جاء لها وأخبرها وأمرها، قال بعض من روى ~~هذا ولم تكن نبية لأنا نجد في الشرع ورواياته أن الملائكة قد كلمت من لم ~~يكن نبيا، وقال بعضهم بل كانت أم موسى نبية بهذا الوحي، وقالت فرقة بل كان ~~هذا الوحي رؤيا رأتها في النوم، وقالت فرقة بل هو وحي إلهام وتسديد كوحي ~~الله إلى النحل وغير ذلك فأهمها الله إلى أن اتخذت تابوتا فقذفت فيه موسى ~~راقدا في فراش، ثم قذفته في يم النيل، وكان فرعون جالسا في موضع يشرف على ~~النيل إذ رأى تابوتا فأمر به، فسيق إليه وامرأته معه ففتح فرحمته امرأته ~~وطلبته لتتخذه ابنا فأباح لها ذلك وروي أن التابوت جاء في الماء إلى ~~المشرعة التي كان جواري امرأة فرعون يستقين فيها الماء فأخذن التابوت ~~وجلبنه إليها فأخرجته وأعلمت فرعون وطلبته منه ثم إنها عرضته للرضاع فلم ~~يقبل امرأة، فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف يعرض للمراضع، فكلما عرضت ~~عليه امرأة أباها. وكانت أمه حين ذهب عنها في النيل بقيت مغمومة فؤادها ~~فارغ إلا من همه فقالت لأخته اطلبي أمره في المدينة عسى أن يقع لنا منه ~~خبر، فبينما الأخت تطوف إذ بصرت به وفهمت أمره فقالت لهم أنا أدلكم على أهل ~~بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فتعلقوا بها وقالوا أنت تعرفين هذا الصبي، ~~فقالت لا، غير أني أعلم من أهل هذا البيت PageV04P043 # الحرص على التقرب إلى الملكة والجد في خدمتها ورضاها، فتركوها، وسألوها ~~الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها، فسرت آسية امرأة فرعون وقالت ~~لها كوني معي في القصر، فقالت لها ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي، ~~قالت نعم فأحسنت إلى ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنو إسرائيل بهذا ~~الرضاع، ms2363 والسبب من الملكة، وأقام موسى حتى كمل رضاعه فأرسلت إليها آسية أن ~~جيئي بولدي ليوم كذا، وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالتحف والهدايا ~~واللباس، فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل ثياب فسرت به ودخلت على ~~فرعون ليراه ويهبه فرآه وأعجبه وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون ~~وجذبها، فاستشاط فرعون وقال هذا عدو لي وأمر بذبحه، فنا شدته فيه امرأته ~~وقالت إنه لا يعقل، فقال فرعون بل يعقل فاتفقا على تجربته بالجمر والياقوت ~~حسبما ذكرناه آنفا في حل العقدة، فنجاه الله من فرعون ورجع إلى أمه فشب ~~عندها فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع، وكان فتى جلدا فاضلا كاملا ~~فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرضاع وكان يحميهم ويكون ضلعه معهم وهو ~~يعلم من نفسه أنه منهم ومن صميمهم، فكانت بصيرته في حمايتهم وكيدة، وكان ~~يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل. ثم إن قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي نزلت ~~وذكرها في موضعها مستوعب، فخرج موسى عليه السلام من مصر حتى وصل إلى مدين، ~~فكان من أمره مع شعيب ما هو في موضعه مستوعب يختص منه بهذا الموضع أنه تزوج ~~ابنته الصغرى على رعية الغنم عشر سين، ثم إنه اعتزم الرحيل بزوجته إلى بلاد ~~مصر فجاء في طريقه فضل في ليلة مظلمة فرأى النار حسبما تقدم ذكره، فعدد ~~الله تعالى على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطف الله تعالى ~~به في كل فصل وتخليصه له من قصة إلى أخرى، وهذه الفتون التي فتنه بها أي ~~اختبره وخلصه حتى صلح للنبوءة وسلم لها. وقوله ما يوحى إبهام # يتضمن عظم الأمر وجلالته في النعم وهذا نحو قوله تعالى إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى [النجم: 16] وهو كثير في القرآن والكلام، وأن في قوله أن اقذفيه بدل ~~من ما والضمير الأول في اقذفيه عائد على موسى وفي الثاني على التابوت، ~~ويجوز أن يعود على «موسى» . وقوله فليلقه اليم خبر خرج في صغية الأمر إذ ~~الأمر أقطع الأفعال وأوجبها، ms2364 ومنه قول النبي عليه السلام «قوموا فلأصل لكم» ~~فأخبر الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير، ومن حيث خرج الفعل مخرج ~~الأمر حسن جوابه كذلك، و «والعدو» الذي هو لله ولموسى كان فرعون ولكن أم ~~موسى أخبرت به على الإبهام ولذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين. ثم أخبر ~~تعالى موسى أنه «ألقى عليه محبة» منه فقال بعض الناس أراد محبة آسية لأنها ~~كانت من الله وكانت سبب حياته. # وقالت فرقة: أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده، وكان حظ ~~موسى منه في غاية الوفر. وقالت فرقة: أعطاه جمالا يحبه به كل من رآه، وقالت ~~فرقة: أعطاه ملاحة العينين، وهذان القولان فيهما ضعف وأقوى الأقوال أنه ~~القبول. وقرأ الجمهور و «لتصنع» بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغدى ~~وتطعم وتربى، وقرأ أبو نهيك «ولتصنع» بفتح التاء، قال ثعلب معناه لتكون ~~حركتك وتصرفك على عين مني، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «ولتصنع» بسكون اللام ~~على الأمر للغالب وذلك متجه. وقوله على عيني معناه بمرأى مني وأمر مدرك ~~مبصر مراعى. # قوله عز وجل: PageV04P044 ### || [سورة طه (20) : الآيات 40 الى 41] # إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ~~ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) # العامل في إذ فعل مضمر تقديره ومننا إذ، وتقدم تفسير هذه الآية في القصص ~~المذكور آنفا. # وقرأت فرقة «تقر» بفتح القاف، وقرأت فرقة بكسر القاف والنفس التي قتل هي ~~نفس القبطي الذي كان يقاتل الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه، والغم هم ~~النفس وكان هم موسى بأمر من طلبه ليثأر به. # وقوله فتناك فتونا معناه خلصناك تخليصا، هذا قول جمهور المفسرين. وقالت ~~فرقة معناه اختبرناك وعلى هذا التأويل لا يراد إلا ما اختبر به موسى بعد ~~بلوغه وتكليفه وما كان قبل ذلك فلا يدخل في اختبار موسى وعدة سنية في أهل ~~مدين عشرة ms2365 أعوام لأنه إنما قضى أوفى الأجلين وقوله على قدر أي بميقات محدود ~~للنبوة التي قد أرداها الله بك ومنه قول الشاعر: [البسيط] # نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر # واصطنعتك معناه جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان، وقوله لنفسي ~~إضافة تشريف، وهكذا كما تقول بيت الله ونحوه والصيام لي وعبر ب «النفس» عن ~~شدة القرب وقوة الاختصاص. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 42 الى 46] # اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى ~~(43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن ~~يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) # أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون وخاطب ~~موسى وحده تشريفا له ويحتمل أن هارون أوحي إليه مع ملك أن ينفذ، وبآياتي ~~معناه بعلاماتي التي أعطيتكموها من معجزة وآية ووحي وأمر ونهي كالتوراة، ~~وتنيا معناه تضعفا وتبطيا تقول ونا فلان في أمر كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف ~~ومنه قول الشاعر: [المضارع] # فما أنا بالواني ... ولا الضرع الغمر # والونى الكلال والفتور والفشل في البهائم والإنس، وفي مصحف ابن مسعود ~~«ولا تهنا في ذكري» معناه ولا تلينا من قولك هين لين والقول اللين قالت ~~فرقة: معناه كنياه وقالت فرقة بل أمرهما بتحسين الكلمة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الوجه، وذلك أن كل من يريد دعاء إنسان إلى ~~أمر يكرهه فإنما الوجه أن يحرر في عبارته بالمعنى الذي يريد حتى لا يخل به ~~ولا يحز منه، ثم يجتهد بعد ذلك في أن تكون عبارته لطيفة ومقابلته لينة وذلك ~~أجلب للمراد فأمر الله تعالى موسى وهارون أن يسلكا مع فرعون إكمال PageV04P045 # الدعوة في لين من القول. وقوله لعله معناه على رجائكما وطمعكما فالتوقع ~~فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر وقرأ الجمهور «يفرط» بفتح الياء وضم الراء ~~ومعناه يعجل ويسرع بمكروه فينا ومنه فارط في الماء وهو الذي يتقدم ms2366 القوم ~~إليه قال الشاعر القطامي عمير بن شييم: [البسيط] # واستعجلوا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجل فراط لوراد # وقالت فرقة «يفرط» بضم الياء وكسر الراء ومعناه يشتط في إذايتنا، وقرأ ~~ابن محيصن «يفرط» بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع ~~إلينا. # قوله عز وجل: إنني معكما أسمع وأرى. يريد بالنصر والمعونة والقدرة على ~~فرعون، وهذا كما تقول الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه وأسمع وأرى ~~عبارتان عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية تبارك الله رب العالمين. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 47 الى 49] # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك ~~بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب ~~على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا موسى (49) # المعنى أتيا # فرعون فأعلماه أنكما رسولاي إليه وعبر بفرعون تحقيرا له إذ كان هو يدعي ~~الربوبية ثم أمرا يدعوته إلى أن يبعث معهما بني إسرائيل ويخرجهم من غل خدمة ~~القبط وقد تقدم في هذه الآية دعاؤه إلى الإيمان وهذه جملة ما دعي إليه ~~فرعون الإيمان وإرسال بني إسرائيل، والظاهر أن رسالته إليه ليست على حد ~~إرساله إلى بني إسرائيل، وتعذيب بني إسرائيل كان ذبح أولادهم وتسخيرهم ~~وإذلالهم والآية التي أحالا عليها هي العصا واليد وقالا جئناك والجائي بها ~~موسى تجوزا من حيث كانا مشركين وقوله عليه السلام من اتبع الهدى يحتمل أن ~~يكون آخر كلام وفصله فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية كأنهما رغبا بها ~~عنه وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من القول فسلما على متبع الهدى ~~وفي هذا توبيخ له ع: وعلى هذه الجهة استعمل الناس هذه الآية في مخاطبتهم ~~ومحاوراتهم ويحتمل أن يكون في درج القول متصلا بقوله إنا قد أوحي إلينا ~~فيقوى على هذا أن يكون خبرا بأن السلامة للمهتدين، وهذان المعنيان قالت كل ~~واحد منهما فرقة، لكن دون هذا التلخيص، وقالوا السلام بمعنى السلامة وعلى ~~بمعنى اللام أي السلام ms2367 ل من اتبع الهدى ولما فرغا من المقالة التي أمر بها ~~عن قوله وتولى خاطبهما، وفي سرد هذه الآية حذف يدل عليه ظاهر الكلام تقديره ~~فأتياه فلما قالا جميع ما أمرا به قال لهما فرعون فمن ربكما وقوله يا موسى ~~بعد جمعه مع هارون في الضمير، نداء بمعنى التخصيص والتوقيف إذ كان صاحب عظم ~~الرسالة ولزيم الآيات. PageV04P046 # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 50 الى 52] # قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الأولى ~~(51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) # استبد موسى صلى الله عليه وسلم من حيث خصه في السؤال ثم أعلمه من صفات ~~الله تعالى بأن لا شرك لفرعون فيه ولا بوجه مجاز واختلف المفسرون في قوله ~~الذي أعطى كل شيء خلقه فقالت فرقة معناه أعطى الذكران من كل الحيوان نوعه ~~وخلقته أنثى ثم هدى للإتيان، وقالت فرقة بل المعنى أعطى كل موجود من ~~مخلوقاته خلقته وصورته، أي أكمل ذلك له وأتقنه ثم هدى أي يسر كل شيء ~~لمنافعه ومرافقه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشرف معنى وأعم في الموجودات، وقرأت ~~فرقة «خلقه» بفتح اللام ويكون المفعول الثاني ب أعطى مقدرا تقديره كماله أو ~~خلقته، وقول فرعون فما بال القرون الأولى يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما ~~تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد ما بال القرون ~~الأولى ولم يوجد أمرك عندها، فرد موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى، ~~ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من ~~سلف من الناس روغانا في الحجة وحيدة وقال «البال» الحال فكأنه سألهم عن ~~حالهم كما جاء في الحديث «يهديكم الله ويصلح بالكم» . وقال النقاش إنما قال ~~فرعون فما بال القرون الأولى لما سمع مؤمن آله يا قوم إني أخاف عليكم مثل ~~يوم الأحزاب [غافر: 30] مثل دأب قوم نوح وعاد» الآية ورد موسى العلم إلى ~~الله تعالى لأنه ms2368 لم تأته التوراة بعد. وقوله في كتاب يريد في اللوح المحفوظ ~~أو فيما كتبه الملائكة من أحوال البشر. وقرأت فرقة «لا يضل» بفتح الياء ~~وكسر الضاد واختلف في معنى هذه القراءة فقالت فرقة هو ابتداء الكلام تنزيه ~~لله تعالى عن هاتين الصفتين وقد كان الكلام تم في قوله في كتاب ويضل معناه ~~ينتلف ويعمه، وقالت فرقة بل قوله لا يضل ربي ولا ينسى من صفات الكتاب أي إن ~~الكتاب لا يغيب عن الله تعالى، تقول العرب ضلني الشيء إذا لم أجده وأضللته ~~أنا ومنه قول النبي صلى الله عليه حكاية عن الإسرائيلي الذي طلب أن يحرق ~~بعد موته «لعلي أضل الله» الحديث، وينسى أظهرها ما فيه أن يعود ضميره إلى ~~الله تعالى ويحتمل أن يعود إلى الكتاب في بعض التأويلات يصفه بأنه لا ينسى ~~أي لا يدع شيئا، فالنسيان هنا استعارة كما قال في موضع آخر إلا أحصاها ~~[الكهف: 49] فوصفه بالإحصاء من حيث حصرت فيه الحوادث. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 53 الى 56] # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى (54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد ~~أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) PageV04P047 # انظر إن هذا الأشياء التي ذكرها موسى عليه السلام هي مما تقضي بداية ~~العقول أن فرعون وكل بشر بعيد منها لأنه لو قال هو القادر الرازق المريد ~~العالم ونحو هذا من العبارات لأمكن فرعون أن يغالط فيقول أنا أفعل هذا كله ~~فإنما أتاه موسى عليه السلام بصفات لا يمكنه أن يقول إن ذلك له وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «مهادا» بكسر الميم وبألف، والمهاد قيل هو ~~جمع مهد، وقيل اسم مفرد كفرش وفراش، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «جعل لكم ~~الأرض مهدا» بفتح الميم وسكون الهاء، وقوله سلك بمعنى نهج ولحب، و «السبل» ~~الطرق، وقوله فأخرجنا به يحتمل أن يكون كلام موسى ms2369 تم عند قوله وأنزل من ~~السماء ماء ثم وصل الله تعالى كلام موسى بإخباره لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والمراد الخلق أجمع، فهذه الآيات المنبهة عليها، و «الأزواج» هنا بمعنى ~~الأنواع، وقوله شتى نعت للأزواج أي مختلفات، وقوله كلوا وارعوا بمعنى هي ~~صالحة لأن يؤكل منها وترعى الغنم فيها فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه ~~أرجى الأفعال وأهدأها للنفوس، والنهى جمع نهية والنهية العقل الناهي عن ~~القبائح، وقوله تعالى منها خلقناكم يريد من الأرض، وهذا من حيث خلق آدم من ~~تراب. وقوله وفيها نعيدكم يريد بالموت والدفن أو الفناء كيف كان وقوله ~~ومنها نخرجكم يريد بالبعث ليوم القيامة، وقوله تعالى ولقد أريناه إخبار ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم عن فرعون، وهذا يؤيد أن الكلام من قوله فأخرجنا ~~إنما هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله كلها عائد على الآيات التي ~~رآها لا أنه رأى كل آية لله، وإنما المعنى أن الله تعالى أراه آيات ما بكما ~~لها فأضاف الآيات إلى ضمير العظمة تشريفا لها، وقوله تعالى: وأبى يقتضي ~~تكسب فرعون وهذا هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 57 الى 59] # قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله ~~فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم ~~يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) # هذه المقاولة من فرعون تدل على أن أمر موسى قد كان قوي وكثر متبعوه من ~~بني إسرائيل ووقع أمره في نفوس الناس، وذلك أنها مقاولة من يحتاج إلى الحجة ~~لا من يصدع بأمر نفسه، وأرضهم هي أرض مصر، وقرأت فرقة «لا نخلفه» بالرفع، ~~وقرأت فرقة «لا نخلفه» بالجزم على جواب الأمر، ونحن تأكيد للضمير من حيث ~~احتاج الكلام إلى العطف عليه أكد، وموعدا مفعول أول ل فاجعل، ومكانا مفعول ~~ثان هذا الذي اختار أبو علي ومنع أن يكون مكانا معمولا لقوله موعدا لأنه قد ~~وصف وهذه الأسماء العاملة عمل الفعل إذا نعتت أو ms2370 عطف عليها أو أخبر عنها أو ~~صغرت أو جمعت وتوغلت في الاسمية بمثل هذا لم تعمل ولا تعلق بها شيء هو ~~منها، وقد يتوسع في الظروف فتعلق بعد ما PageV04P048 # ذكرنا كقوله عز وجل: ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ~~[غافر: 10] ، فقوله إذ [غافر: 10] معلق بقوله لمقت الله [غافر: 10] وهو قد ~~أخبر عنه وإنما جاز هذا في الظروف خاصة، وكذلك منع أبو علي أن يكون قوله ~~مكانا قصيا على الظرف الساد مسد المفعول. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر ومنع قوم أن يكون مكانا نصب على ~~المفعول الثاني بتخلفه، وجوزه جماعة من النحاة ووجهه أن يتسع في أن يخلف ~~الوعد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي «سوى» بكسر السين، وقرأ ابن ~~عامر وعاصم وحمزة «سوى» بضمها، والجمهور نون الواو، وقال أبو الفتح ترك ~~الصرف هنا مشكل والذي ينبغي أن يكون محمولا على الوقف، وقرأت فرقة «سوى» ~~ذكره أبو عمرو عن ابن أبي عبلة ومعنى «سوى» أي عدلا ونصفة قال أبو علي: ~~فكأنه قال «مكانا» قربه منكم قربه منا (ع) إنما أراد أن حالنا فيه مستوية ~~فيعم ذلك القرب وأن تكون المنازل فيه واحدة في تعاطي الحق أي لا يعترضكم ~~فيه الرياسة وإنما تقصد الحجة. وسوى لغة في سوى ومن هذه اللفظة قول الشاعر ~~[موسى ابن جابر الحنفي] [الطويل] # وإن أبانا كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر # وقالت فرقة مستويا من الأرض لا وهد فيه ولا نشز، وقالت فرقة معناه سوى ~~مكانا هذا فقال موسى موعدكم يوم الزينة اتسع في الظرف من قرأه برفع «يوم» ~~فجعله خبرا، وقرأ الحسن والأعمش والثقفي «يوم» بالنصب على الظرف والخبر ~~مقدر، وروي أن يوم الزينة كان عيدا لهم ويوما مشهورا وصادف يوم عاشوراء ~~وكان يوم سبت وقيل هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم. وقوله وأن يحشر ~~الناس عطف على الزينة فهو في موضع خفض، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على ~~تقدير وموعدكم أن يحشر الناس، ويقلق ms2371 عطفه على «اليوم» ، وفيه نظر، وقرأ ~~الجمهور «حشر الناس» رفعا وقرأ ابن مسعود والخدري وجماعة «يحشر الناس» بفتح ~~الياء وضم الشين ونصب «الناس» وقرأت فرقة «نحشر الناس» بالنون. والحشر ~~الجمع ومعناه نحشر الناس لمشاهده المعارضة والتهيؤ لقبول الحق حيث كان. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 60 الى 64] # فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على ~~الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح ~~اليوم من استعلى (64) # المعنى فجمع السحرة ووعدهم وأمرهم بالإعداد لموسى، وروي أمرهم، فهذا هو ~~كيده، ثم أتى فرعون بجمعه وأهل دولته والسحرة معه وكانت عصابة لم يخلق الله ~~أسحر منها وجاء أيضا موسى عليه السلام ببني إسرائيل معه فقال موسى للسحرة ~~ويلكم وهذه مخاطبة محذرة ندبهم في هذه الآية إلى PageV04P049 # قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب وقرأ ابن عباس ونافع وعاصم وأبو ~~عمرو وابن عامر «فيسحتكم» بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~«فيسحتكم» بضم الياء وهما لغتان بمعنى يقال سحت وأسحت إذا أهلك وأذهب ومنه ~~قول الفرزدق: [الطويل] # وعض زماني يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف # فهذا من أسحت فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في ~~نفوسهم من مهابته أمر شديد فتنازعوا أمرهم والتنازع يقتضي اختلافا كان ~~بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق، وقال بعضهم هو مبطل، وقال بعضهم ~~إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع ~~الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في ~~أمر موسى. # وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا إن هذان لساحران ع ~~والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثم تنازع، والنجوى ~~السرار والمساررة أي كان ms2372 كل رجل يناجي من يليه، ثم جعلوا ذلك سرا مخافة ~~فرعون أن يتبين فيهم ضعفا لأنهم لم يكونوا حينئذ مصممين على غلبة موسى بل ~~كان ظنا من بعضهم، وقوله تعالى: إن هذان لساحران الآية، قرأ نافع وابن عامر ~~وحمزة والكسائي «إن» مشددة النون «هذان» بألف ونون مخففة للتثنية. وقرأ أبو ~~عمرو وحده «إن هذين لساحران» وقرأ ابن كثير «إن هذان» بتخفيف نون «إن» ~~وتشديد نون «هذان لسحران» ، وقرأ حفص عن عاصم «إن» بالتخفيف «هذان» خفيفة ~~أيضا «لساحران» ، وقرأت فرقة «إن هذان إلا ساحران» ، وقرأت فرقة «إن ذان ~~لساحران» ، وقرأت فرقة «ما هذان إلا ساحران» ، وقرأت فرقة «إن هذان» بتشديد ~~النون من «هذان» . فأما القراءة الأولى فقالت فرقة قوله «إن» بمعنى نعم كما ~~روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته: «إن الحمد لله» فرفع ~~الحمد وقال ابن الزبير إن وراكبها حين قال له الرجل فأبعد الله ناقة حملتني ~~إليك ويلحق هذا التأويل أن اللام لا تدخل في خبر الابتداء وهو مما يجوز في ~~الشعر ومنه قول الشاعر: [الرجز] # أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه # وذهبت فرقة إلى أن هذه الآية على لغة بلحارث وهو إبقاء ألف التثنية في ~~حال النصب والخفض فمن ذلك قول الشاعر [هوبر الحارثي] : [الطويل] # تزود منها بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم # وقال الآخر: [الطويل] # فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لنا باه الشجاع لصمها # وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الفراء الألف في «هذان» دعامة ~~وليست بمجلوبة للتثنية وإنما هي ألف هذا تركبت في حال التثنية كما تقول ~~الذي ثم تزيد في الجمع نونا وتترك الياء في حال الرفع والنصب والخفض وقال ~~الزجاج في الكلام ضمير تقديره إنه هذان لساحران. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل دخول اللام في الخبر وقال بعض ~~النحاة ألف «هذان» PageV04P050 # مشبهة هنا بألف تفعلان وقال ابن كيسان لما كان هذا بحال واحدة في رفعه ~~ونصبه وخفضه تركت تثنيته هنا كذلك، ms2373 وقالت جماعة، منهم عائشة رضي الله عنها ~~وأبو بكر، هذا مما لحن الكاتب فيه وأقيم بالصواب وهو تخفيف النون من أن ع ~~وهذه الأقوال معترضة إلا ما قيل من أنها لغة، و «إن» بمعنى أجل ونعم أو ~~«إن» في الكلام ضميرا وأما من قرأ «إن» خفيفة فهي عن سيبويه المخففة من ~~الثقيلة ويرتفع بعدها الاسم ويقول الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا ~~ووجه سائر القراءات بين. وعبر كثير من المفسرين عن «الطريقة» بالسادة وأنها ~~يراد بها أهل العقل والسن والحجى وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي ~~سيدهم والأظهر في «الطريقة» هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي هي ~~عليها، والمثلى تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة. وقرأ جمهور القراء «فأجمعوا» ~~بقطع الألف وكسر الميم على معنى أنقذوا وأعزموا، وقرأ أبو عمرو وحده ~~«فاجمعوا» من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض، وقرأ ابن كثير «ثم» بفتح ~~الميم «ايتوا» بسكون الياء، وقرأ أيضا في رواية شبل عنه بكسر الميم «ثم ~~ايتوا» ، قال أبو علي وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من «ثم» ، وقرأ الجمهور ~~«ثم ائتوا» بفتح الميم وبهمزة بعد الألف، قوله صفا حال أي مصطفين وتداعوا ~~إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم، وأفلح معناه ظفر ببغيته واستعلى معناه طلب ~~العلو في أمره وسعى سعيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 65 الى 69] # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) # خير السحرة موسى عليه السلام في أن يبتدىء بالإلقاء أو يتأخر بعدهم، وروي ~~أنهم كانوا سبعين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا ثلاثين ألف ساحر، وروي أنهم ~~كانوا خمسة عشر ألف، وروي أنهم كانوا تسعمائة، ثلاثمائة من الفيوم ~~وثلاثمائة من الفرما وثلاثمائة من الإسكندرية وكان مع ms2374 كل رجل منهم حبل وعصى ~~قد استعمل فيها السحر، وقوله فإذا هي للمفاجأة كما تقول خرجت فإذا زيد، وهي ~~التي تليها الأسماء، وقرأت فرقة «عصيهم» بكسر العين، وقرأت فرقة «عصيهم» ~~بضمها، وقرأت فرقة «يخيل» على بناء الفعل للمفعول فقوله أنها في موضع رفع ~~على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن والثقفي «تخيل» بضم التاء المنقوطة وكسر ~~الياء وإسناد الفعل إلى الحبال والعصي، فقوله أنها مفعول من أجله ع والظاهر ~~من الآيات والقصص في كتب المفسرين أن الحبال والعصي كانت تنتقل بحيل السحر ~~وبدس الأجسام الثقيلة المياعة فيها وكان تحركها يشبه تحرك الذي له إرادة ~~كالحيوان، وهو السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان، وذهب قوم ~~إلى أنها لم تكن تتحرك لكنهم سحروا أعين الناس وكان الناظر يخيل إليه أنها ~~تتحرك وتنتقل ع وهذا يحتمل والله أعلم أي ذلك كان، وقوله تعالى: فأوجس ~~عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في أمر على شيء يسوءه، وظاهر ~~الأمر كله الصلاح، فهذا الفعل من أفعال النفس PageV04P051 # يسمى الوجيس وعبر المفسرون عن أوجس بأضمر وهذه العبارة أعم من الوجيس ~~بكثير. وخيفة يصح أن يكون أصلها خوفة قلبت الواو ياء للتناسب، وخوف موسى ~~عليه السلام إنما كان على الناس أن يضلوا لهول ما رأى والأول أصوب أنه أوجس ~~على الجملة وبقي ينتظر الفرج، وقوله أنت الأعلى أي الغالب لمن ناوأك في هذا ~~المقام، وقرأ جمهور القراء «تلقف» بالجزم على جواب الأمر وبشد القاف، وقرأ ~~ابن عامر وحده «تلقف» وهو في موضع الحال ويصح أن يكون من الملقى على اتساع ~~ويصح أن يكون من الملقى وهي العصا وهذه حال، وإن كانت لم تقع بعد كقوله ~~تعالى: هديا بالغ الكعبة [المائدة: 95] وهذا كثير. وقرأ حفص عن عاصم «تلقف» ~~بسكون اللام وتخفيف القاف وأنث الفعل وهو مسند إلى ما في اليمين من حيث ~~كانت العصا مرادة بذلك، وروى البزي عن ابن كثير أنه كان يشدد التاء من ~~«تلقف» كأنه أراد تتلقف فأدغم، وأنكر أبو ms2375 علي هذه القراءة ع ويشبه أن ~~قارئها إنما يلتزمها في الوصل حيث يستغنى عن جلب ألف، وقرأ الجمهور «كيد ~~ساحر» برفع الكيد، وقرأ حمزة والكسائي «كيد سحر» ، وقرأت فرقة «كيد» بالنصب ~~«سحر» وهذا على أن «ما» كافة و «كيد» منصوب ب صنعوا، ورفع «كيد» على أن ~~«ما» بمعنى الذي. ويفلح معناه يبقى ويظفر ببغيته، وقالت فرقة معناه أن ~~الساحر يقتل حيث ثقف ع وهذا جزاء من عدم الفلاح. وقرأت فرقة «أين أتى» ~~والمعنى بهما متقارب، وروي من قصص هذه الآية أن فرعون، لعنه الله، جلس في ~~عليه له طولها ثمانون ذراعا والناس تحته في بسيط وجاء سبعون ألف ساحر ~~فألقوا من حبالهم وعصيهم ما فيه وقر ثلاثمائة بعير فهال الأمر. # ثم إن موسى عليه السلام ألقى عصاه من يده فاستحالت ثعبانا وجعلت تنمو حتى ~~روي أنها عبرت النهر بذنبها، وقيل البحر، وفرعون في هذا يضحك ويرى أن ~~الاستواء حاصل، ثم أقبلت تأكل الحبال والعصي حتى أفنتها ففرت نحو فرعون ~~ففزع عند ذلك وقال يا موسى فمد موسى يده إليها فرجعت عصى كما كانت فنظر ~~السحرة وعلموا الحق ورأوا الحبال والعصي فآمنوا رضي الله عنهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 70 الى 71] # فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) # في خلال هذه الآيات تقدير وحذف يدل عليه ظاهر القول فالمقدر من ذلك هنا ~~فألقى موسى عصاه فالتقمت كل ما جاؤوا به أو نحو هذا، وروي أن السحرة لما ~~رأوا العصا لا أثر فيها للسحر ثم رأت انقلابها حية وأكلها للحبال والعصي ثم ~~رجوعها إلى حالها وعدم الحبال والعصي أيقنوا بنبوءة موسى وأن الأمر من عند ~~الله تعالى وقدم هارون قبل موسى لتستوي رؤوس آي السور فنقل معنى السحرة ~~وهذا كقوله عز وجل: أزواجا من نبات شتى [طه: 53] تأخر شتى إنما هو لتستوي ms2376 ~~رؤوس الآي، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع «آمنتم» على الخبر، ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «ءامنتم» بهمزة PageV04P052 # بعدها مدة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «أأمنتم» بهمزتين، وقوله ~~قبل أن آذن لكم مقاربة منه وبعض إذعان. وقوله من خلاف يريد قطع اليد اليمنى ~~مع الرجل اليسرى، قوله في جذوع النخل اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست ~~على حد قولك ركبت على الفرس، وقوله أينا يريد نفسه ورب موسى عليه السلام، ~~وقال الطبري يريد نفسه وموسى عليه السلام والأول أذهب مع مخرفة فرعون. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 72 الى 73] # قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ~~إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما ~~أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) # قال السحرة لفرعون لما تدعوهم لن نؤثرك أي نفضلك ونفضل السلامة منك على ~~ما رأينا من حجة الله تعالى وآياته البينات وعلى الذي فطرنا هذا على قول ~~جماعة أن الواو في قوله والذي فطرنا عاطفة، وقالت فرقة هي واو القسم، ~~وفطرنا معناه خلقنا واخترعنا فافعل يا فرعون ما شئت وإنما قضاؤك في هذه ~~الحياة الدنيا والآخرة من وراء ذلك لنا بالنعيم ولك بالعذاب وهؤلاء السحرة ~~اختلف الناس هل نفذ فيهم وعيد فرعون فقالت طائفة صلبهم على الجذوع كما قال ~~فأصبح القوم سحرة وأمسوا شهداء بلطف الله لهم وبرحمته، وقالت فرقة إن فرعون ~~لم يفعل ذلك وقد كان الله تعالى وعد موسى أنه ومن معه الغالبون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله محتمل وصلب السحرة وقطعهم لا يدفع في أن ~~موسى ومن معه غلب إلا بظاهر العموم والانفصال عن ذلك بين وقوله: وما ~~أكرهتنا عليه من السحر قالت فرقة أرادوا ما ضمهم إليه من معارضة موسى ~~وحملهم عليه من ذلك، وقالت فرقة بل كان فرعون قديما يأخذ ولدان الناس ~~بتعليم السحر ويجبرهم على ذلك فأشار السحرة إلى ذلك. وقولهم ms2377 خير وأبقى رد ~~على قوله أينا أشد عذابا وأبقى [طه: 71] . # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 74 الى 76] # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) # قالت فرقة هذه الآية بجملتها من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له ~~والبيان فيما فعلوه، وقالت فرقة بل هي من كلام الله تعالى لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم تنبيها على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة وتحذيرا قد ضمنت ~~القصة المذكورة مثاله. و «المجرم» الذي اكتسب الخطايا والجرائم، وقوله لا ~~يموت فيها ولا يحيى مختص بالكافر فإنه معذب عذابا ينتهي به إلى الموت ثم لا ~~يجهز عليه فيستريح، بل يعاد جلده ويجدد عذابه، فهو لا يحيى حياة هنية، وأما ~~من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي PageV04P053 # فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة في غمرة قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز ~~عليهم ولا يجدد عذابهم فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار. وفي الحديث الصحيح ~~«أنهم يماتون إماتة» وهذا هو معناه لأنه لا يموت في الآخرة. والدرجات العلى ~~هي القرب من الله تعالى وتزكى معناه أطاع الله تعالى وأخذ بأزكى الأمور ~~وتأتل التكسب في لفظة تزكى فإنه بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 77 الى 79] # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ~~(78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) # هذا استئناف إخبار عن موسى من أمر موسى وبينه وبين مقال السحرة المتقدم ~~مدة من الزمان حدثت فيها لموسى وفرعون حوادث، وذلك أن فرعون لما انقضى أمر ~~السحرة وغلب موسى وقوي أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل فأقام موسى ~~على وعده حتى غدره فرعون ونكث وأعلمه أنه لا يرسلهم معه، فبعث الله حينئذ ~~الآيات المذكورة في غير ms2378 هذه الآيات الجراد والقمل إلى آخرها كلما جاءت آية ~~وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف القول فإذا انكشف نكث حتى تأتي ~~أخرى، فلما كانت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بني إسرائيل من ~~مصر في الليل هاربا. و «السرى» سير الليل، وأن في قوله أن أسر يجوز أن تكون ~~مفسرة لا موضع لها من الإعراب كقوله عز وجل: وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~[ص: 10] ويجوز أن تكون الناصبة للأفعال وتكون في موضع نصب ب أوحينا وقوله ~~تعالى بعبادي إضافة تشريف لنبي إسرائيل، وكل الخلق عباد الله، ولكن هذا ~~كقوله تعالى: # ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29] ، وروي من قصص هذه الآية أن بني إسرائيل ~~لما أشعرهم موسى عليه السلام بليلة الخروج استعاروا من معارفهم من القبط ~~حليا وثيابا وكل أحد ما اتفق له. # ويروى أن موسى أذن لهم في ذلك وقال لهم: «إن الله سينفلكموها» ، ويروى ~~أنهم فعلوا ذلك دون إذنه عليه السلام وهو الأشبه به وسيأتي في جمع الحلي ما ~~يؤيد ذلك، ويروى أن بني إسرائيل عجنوا زادهم ليلة سراهم ووضعوه ليختمر ~~فأعجلهم موسى عليه السلام في الخروج فطبخوه فطيرا فهي سنتهم في ذلك العام ~~إلى هلم، ويروى أن موسى عليه السلام نهض ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف إنسان ~~فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم ~~ونهض وراءه فأوحي إلى موسى أن يقصد البحر فخرج بنو إسرائيل فرأوا أن العذاب ~~من ورائهم والبحر من أمامهم وموسى يثق بصنع الله تعالى فلما رآهم فرعون قد ~~هبطوا نحو البحر طمع فيهم، وكان مقصدهم إلى موضع منقطع فيه الفحوص والطرق ~~الواسعة، واختلف الناس في عدد جند فرعون فقيل كان في خيله سبعون ألف أدهم ~~ونسبة ذلك من سائر الألوان، وقيل أكثر من هذا مما اختصرته لقلة صحته، فلما ~~وصل موسى البحر وقارب فرعون لحاقه وقوي فزع بني إسرائيل أوحى الله تعالى ~~إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر [الشعراء: 63] ، ويروى أن الوحي إليه بذلك ms2379 ~~كان متقدما وهو ظاهر الآية، ويروى أنه إنما أوحي إليه ذلك في موطن وقوعه ~~واتصل PageV04P054 # الكلام في هذه الآية على جهة وصف الحال وضم بعض الأمور إلى بعض فضرب موسى ~~عليه السلام البحر فانفلق اثنتي عشرة فرقة، طرقا واسعة بينها حيطان ماء ~~واقف فدخل موسى عليه السلام بعد أن بعث الله تعالى ريح الصبا، فجففت تلك ~~الطرق حتى يبست، ودخل بنو إسرائيل ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم ~~في البحر فرأى الماء على تلك الحال فجزع قومه واستعظموا الأمر، فقال لهم ~~إنما انفلق لي من هيبتي، وهاهنا كمل إضلاله لهم وحمله الله تعالى على ~~الدخول وجاء جبريل عليه السلام راكبا على فرس أنثى فدخل، فأتبعها فرس فرعون ~~وتتابع الناس حتى تكاملوا في البحر فانطبق عليهم، فسمع بنو إسرائيل انطباق ~~البحر وهم قد خرجوا بأجمعهم من البحر فعجبوا وأخبرهم موسى أن فرعون وقومه ~~قد هلكوا فيه، فطلبوا مصداق ذلك، فلفظ البحر الناس وألقى الله تعالى فرعون ~~على فجوة من الأرض بدرعه المعروفة له. # قال القاضي أبو محمد: فهذا اختصار قصص هذه الآية بحسب ألفاظها وقد مضى ~~أمر غرق فرعون بأوعب من هذا في موضع اقتضاه. وقوله تعالى: يبسا مصدر وصف ~~به، وقرأ بعض الناس «يابسا» وأشار إلى ذكره الزجاج، وقرأ حمزة وحده «لا تخف ~~دركا» وذلك إما على جواب الأمر وإما على نهي مستأنف، وقرأ الجمهور «لا ~~تخاف» وذلك على أن يكون «لا تخاف» حالا من موسى عليه السلام، ويحتمل أن ~~يكون صفة الطريق بتقدير لا يخاف فيه أي يكون بهذه الصفة ومعنى هذا القول ~~«لا تخاف دركا» من فرعون وجنوده ولا تخشى غرقا من البحر، وقرأ أبو عمرو ~~فيما روي عنه «فاتبعهم» بتشديد التاء وتبع، واتبع إنما يتعدى إلى مفعول ~~واحد كقوله شويت واشتويت وحفرت واحتفرت وفديت وافتديت فقوله بجنوده إما أن ~~تكون الباء مع ما جرته في موضع الحال كما تقول خرج زيد بسلاحه وإما أن تكون ~~لتعدي الفعل إلى مفعول ثان إذ لا يتعدى دون حرف جر ms2380 إلا إلى واحد. وقرأ ~~الجمهور «فأتبعهم» بسكون التاء وهذا يتعدى إلى مفعولين، فالباء على هذا إما ~~زائدة والتقدير «فأتبعهم فرعون جنده» ، وإما أن تكون بالحال ويكون المفعول ~~الثاني مقدرا كأنك قلت رؤساءه أو عزمه ويجوز هذا، والأول أظهر. وقرأت فرقة ~~«فغشيهم» ، وقرأت فرقة «فغشاهم الله» ، وقوله ما غشيهم إبهام أهول من النص ~~على قدر «ما» ، وهذا كقوله إذ يغشى السدرة ما يغشى [النجم: 16] وأضل فرعون ~~قومه يعني من أول أمره إلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله وما هدى [طه: ~~79] مقابلة لقول فرعون وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 80 الى 82] # يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا ~~عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل ~~عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى (82) # ظاهر هذه الآية أن هذا القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم ~~التي عدد الله تعالى عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة ~~وحوادث ولكن يخص الله تعالى بالذكر ما يشاء من PageV04P055 # ذلك. ويحتمل أن تكون هذه المقالة خوطب بها معاصر ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، المعنى هذا فعلنا بأسلافكم ويكون قوله تعالى: كلوا بتقدير قيل ~~لهم كلوا، وتكون الآية على هذا اعتراضا في أثناء قصة موسى المقصد به توبيخ ~~هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول ~~أظهر وأبين. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «نجينا وواعدنا ~~ونزلنا ورزقناكم» إلا أن أبا عمرو قرأ «وعدناكم» بغير ألف في كل القرآن، ~~وقرأ حمزة والكسائي «أنجيت وواعدت ونزلنا ورزقتكم» . وقوله وواعدناكم قيل ~~هي لغة في وعد لا تقتضي فعل اثنين ع وإن حملت على المعهود فلأن التلقي ~~والعزم على ذلك كالمواعدة، وقصص هذه الآية أن الله تعالى لما أنجى بني ~~إسرائيل وغرق فرعون وعد بني إسرائيل وموسى أن يصيروا إلى ms2381 جانب طور سيناء ~~ليكلم فيه موسى ويناجيه بما فيه صلاحهم بأوامرهم ونواهيهم، فلما أخذوا في ~~السير تعجل موسى عليه السلام للقاء ربه حسبما يأتي ذكره، وقالت فرقة هذا ~~الطور هو الذي كلم فيه موسى أولا حيث رأى النار وكان في طريقه من الشام إلى ~~مصر، وقالت فرقة ليس به والطور الجبل الذي لا شعرا فيه وقوله الأيمن إما أن ~~يريد اليمن وإما أن يريد اليمين بالإضافة إلى ذي يمين إنسان أو غيره. والمن ~~والسلوى طعامهم، وقد مضى في البقرة استيعاب تفسيرهما، وقوله تعالى: من ~~طيبات يريد الحلال الملذ لأن المعنى في هذا الموضع قد جمعهما واختلف الناس ~~ما القصد الأول بلفظة الطيب في القرآن، فقال مالك رحمه الله الحلال، وقال ~~الشافعي ما يطيب للنفوس، وساق إلى هذا الخلاف تفقههم في الخشاش والمستقذر ~~من الحيوان. وتطغوا معناه تتعدون الحد وتتعسفون كالذي فعلوا ع. وقرأ جمهور ~~الناس «فيحل» بكسر الحاء «ومن يحلل» بكسر اللام، وقرأ الكسائي وحده «فيحل» ~~بضم الحاء «ومن يحلل» بضم اللام فمعنى الأول فيجب ومعنى الثاني فيقع وينزل، ~~وهوى معناه سقط من علو إلى أسفل ومنه قول خنافر: # فهوى هوي العقاب قال القاضي أبو محمد: وإن لم يكن سقوطا فهو شبيه بالساقط ~~والسقوط حقيقة قول الآخر: [الوافر] هوي الدلو أسلمه الرشاء ويشبه الذي وقع ~~في طامة أو ورطة بعد أن كان بنجوة منها بالساقط فالآية من هذا أي «هوي» في ~~جهنم وفي سخط الله، وقيل أخذ الفعل من لفظ الهاوية وهو قعر جهنم، ولما حذر ~~الله تعالى غضبه والطغيان في نعمه فتح باب الرجاء للتائبين، والتوبة فرض ~~على جميع الناس بقوله تعالى في سورة النور: # وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون [النور: 31] . والناس فيه على مراتب ~~إما مواقع الذنب وقدرته على ذلك باقية فتوبته الندم على ما مضى والإقلاع ~~التام عن مثله في المستقبل، وإما الذي واقع الذنب ثم زالت قدرته عن مواقعته ~~لشيخ أو آفة فتوبته الندم واعتقاد الترك أن لو كانت قدرة، وأما من لم يواقع ~~ذنبا ms2382 فتوبته العزم على ترك كل ذنب والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره ~~وهي توبة مقيدة، وإذا تاب المرء ثم عاود الذنب بعد مدة فيحتمل عند حذاق أهل ~~السنة أن لا يعيد الله تعالى عليه الذنب الأول لأن التوبة قد كانت مجبة، ~~ويحتمل أن يعيده لأنها توبة لم يواف بها، واضطرب الناس في قوله ثم اهتدى من ~~حيث PageV04P056 # وجدوا الهدى ضمن الإيمان والعمل، فقالت فرقة معناه لم يشك في إيمانه، ~~وقالت فرقة معناه ثم استقام، وقالت فرقة معناه ثم لزم الإسلام حتى يموت ~~عليه، وقالت فرقة ثم أخذ بسنة نبيه، وقالت فرقة معناه أمر بسنته، وقالت ~~فرقة معناه والى أهل البيت ع وهذه كلها تخصيص واحد منها دون ما هو من نوعه ~~بعيد ليس بالقوي، والذي يقوى في معنى ثم اهتدى أن يكون ثم حفط معتقداته من ~~أن يخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان ~~وغير العمل، ورب مؤمن عمل صالحا قد أوبقه عدم الاهتداء كالقدرية والمرجئة ~~وسائر أهل البدع والخوارج فمعنى ثم اهتدى ثم مشى في عقائد الشرع على طريق ~~قويم جعلنا الله منهم بمنه ع وفي حفظ المعتقدات ينحصر عظم أمر الشرع. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 83 الى 86] # وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب ~~لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى ~~إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم ~~العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) # قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى ~~جانب الطور الأيمن حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل ~~والآجل رأى علي جهة الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادرا إلى أمر الله تعالى، ~~وحرصا على القرب منه وشوقا إلى مناجاته، واستخلف هارون على بني إسرائيل ~~وقال لهم موسى تسيرون إلى جانب ms2383 الطور، فلما انتهى موسى عليه السلام وناجى ~~ربه زاده في الأجل عشرا، وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره ~~موسى أنهم على الأثر فيقع الإعلام له بما صنعوا وقرأت فرقة «أولاي» بياء ~~مفتوحة. وقوله على أثري يحتمل أن يكون في موضع رفع خبرا بعد خبر، ويحتمل أن ~~يكون في موضع نصب في موضع الحال، وقرأت فرقة «على أثري» بفتح الهمزة ~~والثاء، وقرأت فرقة «إثري» بكسر الهمزة وسكون الثاء، وأعلمه موسى عليه ~~السلام أنه إنما استعجل طلب الرضى فأعلمه الله تعالى أنه قد فتن بني ~~إسرائيل، أي اختبرهم بما صنعه السامري. ويحتمل أن يريد ألقيناهم في فتنة، ~~أي في ميل مع الشهوات ووقوع في اختلاف كلمة، ومن بعدك أي من بعد فراقك لهم، ~~وقرأت فرقة «وأضلهم السامري» على إسناد الفعل إلى السامري وقرأت فرقة ~~«وأضلهم السامري» بضم اللام على الابتداء والإخبار عن السامري بأنه «أضل» ~~القوم، والقراءة الأولى أكثر وأشد في تذنيب السامري والسامري رجل من بني ~~إسرائيل يقال إنه كان ابن خال موسى، وقالت فرقة لم يكن من بني إسرائيل بل ~~كان أصله من العجم من أهل كرمان والأول أصح، وكان قصص السامري أنه كان ~~منافقا عنده حيل وسحر وقبض القبضة من أثر جبريل عليه السلام وعلم ما أقدره ~~الله عليه لفتنة القوم أنه يتهيأ له بتلك القبضة ما يريد مما يجوز على الله ~~تعالى لأنه لو ادعى النبوءة مع ذلك العجل لما صح ولا جاز أن يخور ولا أن ~~تتم الحيلة فيه لكنه لما ادعى له الربوبية وعلامات كذبه قائمة لائحة صحت ~~الفتنة به وجاز ذلك على الله تعالى كقصة الدجال الذي تخرق له العادات لأنه ~~مدعي الربوبية ولو كان مدعي نبوءة لما صح شيء من ذلك. فلما رأى السامري ~~موسى مدعا ورأى سفه بني إسرائيل في طلبهم من موسى آلهة حين مروا PageV04P057 # على قوم يعبدون أصناما على صفة البقر، وقيل كانت بقرا حقيقة علم أنه ~~سيفتنهم من هذه الطريق، فيروى أنه قال لهم إن الحلي الذي عندكم ms2384 من مال ~~القبط قبيح بكم حبسه ولكن اجمعوه عندي حتى يحكم الله لكم فيه، وقيل إن ~~هارون عليه السلام أمرهم بجمعه ووضعه في حفرة حتى يجيء موسى ويستأذن فيه ~~ربه، وقيل بل كان المال الذي جمعوه للسامري مما لفظ البحر من أموال القبط ~~الغارقين مع فرعون، فروي مع هذا الاختلاف أن الحلي اجتمع عند العجل وأنه ~~صاغ العجل وألقى القبضة فيه فخار، وروي وهو الأصح الأكثر أنه ألقى الناس ~~الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل وهذا وجه فتنة ~~الله تعالى لهم، وعلى هذا تقول انخرقت للسامري عادة وأما على أن يصوغه فلم ~~تتخرق له عادة وإنما فتنوا حينئذ بخواره فقط وذلك الصوت قد تولد في الأجرام ~~بالصنعة فلما أخبره الله تعالى رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا عليهم من حيث ~~له قدرة على تغيير منكرهم أسفا أي حزينا من حيث علم أنه موضع عقوبة مأموله ~~فدفعها ولا بد منها، والأسف في كلام العرب متى كان من ذي قدرة على من دونه ~~فهو غضب، ومتى كان من الأقل على الأقوى فهو حزن، وتأمل ذلك فهو مطرد إن شاء ~~الله عز وجل. # قوله عز وجل: # قال يا قوم ألم يعدكم # .... # وبخ موسى عليه السلام قومه بهذه المقالة و «الوعد الحسن» هو ما وعدهم من ~~الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن ~~تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى به أهل طاعته، وقوله وعدا إما أن ~~يكون نصبا على المصدر والمفعول الثاني مقدرا، وإما أن يكون بمعنى الموعود ~~ويكون هو المفعول الثاني بعينه، ثم وقفهم على أعذار لم تكن ولا تصح لهم وهي ~~طول «العهد» حتى يتبين لهم خلف في الموعد أو إرادة غضب الله تعالى. وذلك ~~كله لم يكن ولكنهم عملوا عمل من لم يتدين وسمي العذاب «غضبا» من حيث هو عن ~~الغضب، والغضب إن جعل بمعنى الإرادة فهو صفة ذات وإن جعل ظهور النقمة ~~والعقاب فهو صفة فعل ms2385 فهو من المتردد بين الحالين قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 87 الى 88] # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي (88) # وقرأ نافع وعاصم «بملكنا» بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي «بملكنا» بضمة، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «بملكنا» بكسرة، قال أبو علي هذه لغات ع ~~ظاهر هذا الكلام أنها بمعنى واحد ولكن إن أبا علي وغيره قد فرق بين معانيها ~~فأما ضم الميم فمعناه على قول أبي علي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بقوته ~~وسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري وليس المعنى أن لهم ~~ملكا وإنما هذا كقول ذي الرمة: [البسيط] # لا يشتكي سقط منها وقد رقصت ... بها المفاوز حتى ظهرها حدب # إذ لا تكون منها سقطة فتشتكي، قال وهذا كقوله تعالى: لا يسئلون الناس ~~إلحافا [البقرة: 273] أي ليس منهم سؤال فيكون منهم إلحاف ع وهذا كله في هذه ~~الأمثلة غير متيقن من قول أبي علي وإنما PageV04P058 # مشى في ذلك على أثر الزجاج دون تعقب وقد شرحت هذا المعنى في سورة البقرة ~~في تفسير لا يسئلون الناس إلحافا [البقرة: 273] وبين أن هذه الآية ليست ~~كهذه الأمثلة لأنهم لم يرفعوا الإخلاف فيها والأمثلة فيها رفع الوجهين، ~~وأما فتح الميم فهو مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ~~ولا وفقنا له بل غلبتنا أنفسنا، وأما كسر الميم فقد كثر استعماله فيما ~~تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان ومعناها كمعنى التي ~~قبلها والمصدر مضاف في الوجهين إلى الفاعل والمفعول مقدر أي «بملكنا ~~الصواب» ، وهذا كما قد يضاف أحيانا إلى المفعول والفاعل مقدر كقوله تعالى: ~~بسؤال نعجتك [ص: 24] ومن دعاء الخير، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص ~~عن عاصم «حملنا» بضم الحاء وشد الميم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~«حملنا» بفتح الحاء والميم. و «الأوزار» الأثقال، وتحتمل هذه التسمية أن ~~تكون ms2386 من حيث هي ثقيلة الأجرام، ويحتمل أن يكون من حيث آمنوا في قذفها وظهر ~~لهم أن ذلك هو الحق فكانت آثاما لمن حملها. وقوله فكذلك ألقى أي فكما قذفنا ~~نحن فكذلك أيضا ألقى السامري ما كان بيده ع وهذه الألفاظ تقتضي أن العجل لم ~~يصغه السامري، ثم أخبر الله تعالى عن فعل السامري بقوله تعالى: فأخرج لهم ~~عجلا جسدا، ومعنى قوله جسدا أي شخصا لا روح فيه، وقيل معنى جسدا لا يتغذى. ~~و «الخوار» صوت البقر، وقالت فرقة كان هذا العجل يخور ويمشي ع وهكذا تكون ~~الفتنة من قبل الله تعالى قاله ابن عباس، وقالت فرقة إنما خار مرة واحدة. ~~ثم لم يعد وقالت فرقة إنما كان خواره بالريح كانت تدخل من دبره وتخرج من ~~فيه فيصوت لذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 89 الى 91] # أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال ~~لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا ~~أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) # الضمير في قوله فقالوا لبني إسرائيل، أي قالوا حين قال كبارهم لصغارهم ~~وهذا إشارة إلى العجل. قوله تعالى فنسي يحتمل أن يكون من كلام بني إسرائيل ~~أي فنسي موسى ربه وإلهه فذهب يطلبه في غير موضعه، ويحتمل أن يكون قوله فنسي ~~إخبارا من الله تعالى عن السامري، أي نسي دينه وطريق الحق ع فالنسيان في ~~التأويل الأول بمعنى الذهول، وفي الثاني بمعنى الترك، ثم قرن تعالى مواضع ~~خطاهم بقوله تعالى: أفلا يرون المعنى أفلم يتبين هؤلاء الذين ضلوا أن هذا ~~العجل إنما هو جماد لا يتكلم ولا يرجع قولا ولا يضر ولا ينفع، وهذه خلال لا ~~يخفى معها الحدوث والعجز لا أن هذه الخلال لو حصلت له أوجبت كونه إلها ~~وقرأت فرقة «أن لا يرجع» برفع العين، «وأن» على هذه القراءة مخففة من ~~الثقيلة والتقدير أنه لا يرجع، وقرأت فرقة «أن لا يرجع» «وأن» على ms2387 هذه ~~القراءة هي الناصبة، وأخبر عز وجل أن هارون قد كان قال لهم في أول حال ~~العجل يا قوم إنما هي فتنة وبلاء وتمويه من السامري وإنما ربكم الرحمن الذي ~~له القدرة والعلم والخلق والاختراع فاتبعوني إلى الطور الذي واعدكم الله ~~تعالى إليه PageV04P059 # وأطيعوا أمري في ما ذكرته لكم وقرأت فرقة «إنما وإن ربكم الرحمن» بكسر ~~الهمزتين، وقرأت فرقة «إنما» بالكسر «وأن» بالفتح، والقراءة الوسطى ضعيفة ~~فقال بنوا إسرائيل حين وعظهم هارون وندبهم إلى الحق لن نبرح عابدين لهذا ~~الإله، عاكفين عليه أي لازمين له والعكوف الانحناء على الشيء من شدة ~~ملازمته ومنه قول الراجز: [الرجز] عكف النبيط يلعبون الفنزجا قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 92 الى 94] # قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) ~~قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) # في سرد القصص اقتضاب يدل عليه ما ذكره تقديره فرجع موسى فوجد الأمر كما ~~ذكره الله تعالى له فجعل يؤنب هارون بهذه المقالة، وقرأ الجمهور «تتبعن» ~~بحذف الياء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بإثباتها في الوصل ويقف ابن كثير ~~بالياء وأبو عمرو بغير ياء، ويحتمل قوله ألا تتبعن أي بني إسرائيل نحو جبل ~~الطور فيجيء اعتذار هارون أي لو فعلت ذلك مشت معي طائفة وأقامت طائفة على ~~عبادة العجل فيتفرق الجمع فخفت لومك على التفرق، ويحتمل قوله ألا تتبعن أي ~~لا تسير بسيري وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد ويجيء اعتذار هارون بمعنى ~~أن الأمر كان متفاقما فلو تقويت عليه وقع القتال واختلاف الكلمة فكان ~~تفريقا بين بني إسرائيل وإنما لا ينت جهدي. وقوله تعالى: ألا تتبعن بمعنى ~~ما منعك أن تتبعني، واختلف الناس في وجه دخول «لا» فقالت فرقة هي زائدة، ~~وذهب حذاق النحاة إلى أنها مؤكدة وأن في الكلام فعلا مقدرا كأنه قال ما ~~منعك ذلك أو حضك أو نحو هذا على «أن لا تتبعن» ، وما قبل وما ms2388 بعد يدل على ~~هذا ويقتضيه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم «يبنؤم» يحتمل أن ~~يريد يا بن أما فحذف الألف تخفيفا ويحتمل أن يجعل الاسمين اسما واحدا وبناه ~~كخمسة عشر، وقرأ ابن كثير عن عاصم وحمزة والكسائي «يا بن أم» بالكسر على ~~حذف الياء تخفيفا وهو شاذ لأنها ليست كالياء في قولك يا غلامي وإنما هي ~~كالياء في قولك يا غلام غلامي وهذه ياء لا تحذف، ويحتمل أن يجعل الاسمين ~~اسما واحدا ثم أضاف إلى نفسه فحذف الياء كما تحذف من الأسماء المفردة إذا ~~أضيفت نحو يا غلام، وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه ع وهذا ~~ضعيف، وقالت فرقة كان شقيقه وإنما دعاه بالأم لأن التداعي بالأم أشفق وأشد ~~استرحاما، وأخذ موسى عليه السلام بلحية هارون غضبا وكان حديد الخلق عليه ~~السلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 95 الى 97] # قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن ~~تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) PageV04P060 # المعنى قال موسى مخاطبا للسامري فما خطبك يا سامري، وقوله «ما خطبك» كما ~~تقول ما شأنك وما أمرك، لكن لفظة الخطب تقتضي انتهارا لأن الخطب مستعمل في ~~المكاره فكأنه قال ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك، و ~~«السامري» قيل هو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، وقيل هو منسوب إلى قرية ~~يقال لها سامرة ع وهي معروفة اليوم ببلاد مصر، وقيل اسمه موسى بن ظفر. # وقرأت فرقة «بصرت» بضم الصاد على معنى صارت بصيرتي بصورة ما فهو كطرفت ~~وشرفت، وقرأت فرقة «بصرت» بكسر الصاد، فيحتمل أن يراد من البصيرة ويحتمل أن ~~يراد من البصر وذلك أن في أمر السامري ما زاده على الناس بالبصر وهو وجه ~~جبريل عليه السلام ms2389 وفرسه وبالبصيرة وهو ما علمه من أن القبضة إذا نبذها مع ~~الحلي جاءه من ذلك ما يريد، وقرأ الجمهور «يبصروا» بالياء يريد بني ~~إسرائيل، وقرأ حمزة والكسائي «تبصروا» بالتاء من فوق يريد موسى مع بني ~~إسرائيل، وقرأ الجمهور «فقبضت قبضة» بالضاد منقوطة بمعنى أخذت بكفي مع ~~الأصابع، وقرأ ابن مسعود وابن الزبير وأبي بن كعب وغيرهم «فقبصت قبصة» ~~بالصاد غير منقوطة بمعنى أخذت بأصابعي فقط، وقرأ الحسن بخلاف عنه «قبضة» ~~بضم القاف. و «الرسول» جبريل عليه السلام، و «الأثر» هو تراب تحت حافر ~~فرسه، وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن السامري ولدته أمه ~~عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل عليه السلام يغذوه ويحميه حتى كبر ~~وشب فميزه بذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقوله فنبذتها أي على الحلي فكان منها ~~ما تراه وهذا محذوف من اللفظ تقتضيه الحال والمخاطبة، ثم قال وكذلك سولت لي ~~نفسي أي وكما حدث ووقع قويت لي نفسي وجعلته لي سولا وإربا حتى فعلته، وكان ~~موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو وحي فعاقبه باجتهاد ~~نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته ~~وأن لا يواكلوا ولا يناكحوا ونحو هذا، وعلمه مع ذلك وجعل له أن يقول مدة ~~حياته لا مساس أي لا مماسة ولا إذاية. وقرأ الجمهور «لا مساس» بكسر الميم ~~وفتح السين على النصب بالتبرئة وهو اسم يتصرف ومنه قول النابغة: [المتقارب] # فأصبح من ذاك كالسامري، ... إذ قال موسى له لا مساسا # ومنه قول رؤبة: [الرجز] حتى يقول الأزد لا مساسا واستعماله على هذا كثير. ~~وقرأ أبو حيوة «لا مساس» بفتح الميم وكسر السين وهو معدول عن المصدر كفجار ~~ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ودراك ونحوه والشبه صحيح من حيث هي ~~معدولات PageV04P061 # وفارقه في أن هذه عدلت عن الأمر، ومساس وفجار عدلت عن المصدر ومن هذا قول ~~الشاعر: # تميم كرهط السامري وقوله: [الطويل] ألا لا يريد السامري مساس وقرأ ~~الجمهور ms2390 «تخلفه» بفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو «لن تخلفه» بكسر اللام على معنى لن تستيطع الروغان عنه والحيدة فتزول ~~عن موعد العذاب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف «لن نخلفه» بالنون، قال أبو ~~الفتح المعنى لن نصادفه مخلفا ع وكلها بمعنى الوعيد والتهديد. ثم وبخه عليه ~~السلام بقوله: وانظر إلى إلهك الذي أي انظر صنيعك وتغيرنا له وردنا الأمر ~~فيه إلى الواجب. وقرأت فرقة «ظلت» بفتح الظاء على حذف اللام الواحدة، وقرأت ~~فرقة «ظلت» بكسر الظاء على نقل حركة اللام إلى الظاء ثم حذفها بعد ذلك نحو ~~قول الشاعر: [أبو زبيد الطائي] [الوافر] # خيلا ان العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس # أراد احسسن فنقلت حركة السين إلى الحاء ثم حذفت تخفيفا، وفي بعض الروايات ~~حسين. وقرأت فرقة «ظللت» ، وظل معناه أقام يفعل الشيء نهارا، ولكنها قد ~~تستعمل في الدائب ليلا ونهارا بمثابة طفق. # وعاكفا معناه ملازما حدبا. وقرأت فرقة «لنحرقنه» بتخفيف الراء بمعنى ~~بالنار، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس «لنحرقنه» بضم الراء ~~وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافع وغيره «لنحرقنه» بضم النون ~~وكسر الراء وشدها وهذا تضعيف مبالغة لا تعدية وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار ~~وتحتمل بالمبرد، وفي مصحف أبي وعبد الله بن مسعود «لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم ~~لننسفنه» ، وهذه القراءة مع رواية من روى أن العجل صار لحما ودما، وعلى هذه ~~الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جمادا من ذهب فإنما هو ~~حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعارا لتفريقه في اليم ~~مذابا. # وقرأت فرقة «لننسفنه» بكسر السين، وقرأت فرقة «لننسفنه» بضم السين. و ~~«النسف» تفريق الريح الغبار وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف. ~~واليم غمر الماء من بحر وغيره وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يم، ونسفا ~~تأكيد بالمصدر، واللام في قوله: لنحرقنه لام القسم، وفي هذه الآية من القصص ~~أن موسى ms2391 عليه السلام برد العجل حتى رجع كالغبار ثم ذراه في البحر ثم أمر ~~بني إسرائيل أن يشرب جميعهم من الماء فكلما شرب من كان في قلبه حب العجل ~~خرج على شاربه من الذهب فضيحة له، وقال مكي رحمه الله وأسند أن موسى عليه ~~السلام كان مع السبعين في المناجاة وحينئذ وقع أمر العجل وأن الله تعالى ~~أعلم موسى بذلك فكلمه موسى عنهم وجاء بهم حتى سمع لفظ بني إسرائيل حول ~~العجل فحينئذ أعلمهم موسى ع وهذه رواية، الجمهور على خلافها وإنما تعجل ~~موسى عليه السلام وحده فوقع أمر العجل ثم جاءه موسى وصنع ما صنع بالعجل ثم ~~خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني إسرائيل وأن يطلعهم أيضا ~~على أمر المناجاة فكان لموسى عليه السلام نهضتان والله أعلم. # قوله عز وجل: PageV04P062 ### || [سورة طه (20) : الآيات 98 الى 102] # إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك ~~من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل ~~يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) يوم ~~ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) # هذه مخاطبة من موسى عليه السلام لجميع بني إسرائيل مبينا لهم، وقوله ~~تعالى: وسع كل شيء علما بمعنى وسع علمه كل شيء. وعلما تمييز، وهذا كقوله ~~تفقأت شحما وتصببت عرقا، والمصدر في الأصل فاعل ولكن يسند الفعل إلى غيره ~~وينصب هو على التمييز، وقرأ مجاهد وقتادة «وسع كل شيء» بفتح السين وشدها ~~بمعنى خلق الأشياء وكثرها بالاختراع فوسعها موجودات، وقوله تعالى: كذلك نقص ~~مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل هذا ~~في خبر العجل كذلك نقص عليك فكأنه قال هكذا نقص عليك فكأنها تعديد نعمته، ~~وقوله ما قد سبق يريد به ما قد سبق مدة محمد صلى الله عليه وسلم، و «الذكر» ~~القرآن، وقرأت فرقة «يحمل» بفتح الميم وشدها. وقوله من أعرض عنه يريد ~~بالكفر به ms2392 والتكذيب له، و «الوزر» الثقل وهو هاهنا ثقل العذاب بدليل قوله ~~تعالى: # خالدين فيه وحملا تمييز، ويوم ظرف، ويوم الثاني بدل منه وقرأ الجمهور ~~«ينفخ» بضم الياء وبناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة «ينفخ» بفتح الياء وبناء ~~الفعل للفاعل، أي ينفخ الملك. وقرأ أبو عمرو وحده «ننفخ» بالنون أي بأمرنا ~~وهذه القراءة تناسب قوله ونحشر. وقرأ الجمهور «في الصور» بسكون الواو، ~~ومذهب الجمهور أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وبهذا جاءت الأحاديث، وقالت ~~فرقة «الصور» جمع صورة كثمرة وثمر. وقرأ ابن عياض «ينفخ في الصور» بفتح ~~الواو وهذه صريحة في بعث الأجساد من القبور، وقرأت فرقة هي الجمهور «ونحشر» ~~بالنون، وقرأت فرقة «ويحشر» بالياء، وقرأت فرقة «ويحشر» بضم الياء ~~«المجرمون» على المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف ~~وقوله: زرقا اختلف الناس في معناه، فقالت فرقة يحشرهم أول قيامهم سود ~~الألوان زرق العيون تشويه ما ثم يعمون بعد ذلك وهي مواطن، وقالت فرقة إنهم ~~يحشرون عطاشا والعطش الشديد يرد سواد العين إلى البياض فكأنهم بيض سواد ~~عيونهم من شدة العطش، وقالت فرقة أراد زرق الألوان وهي غاية في التشويه ~~لأنهم يجيئون كلون الرماد، ومهيع كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق ومنه ~~زرقة الماء قال الشاعر: # [زهير بن أبي سلمى] [الطويل] # فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم # ومنه قولهم سنان أزرق لأنه نحو ذلك اللون. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 103 الى 107] # يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي ~~نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) PageV04P063 # أي «يتخافت» المجرمون بينهم أي يتسارون، المعنى أنهم لهول المطلع وشدة ~~ذهاب أذهانهم قد عزب عنهم قدر المدة التي لبثوها، واختلف الناس فيما ذا، ~~فقالت فرقة في دار الدنيا ومدة العمر، وقالت فرقة في الأرض مدة البرزخ، ~~وقالت فرقة ما بين النفختين في الصور، وأمثلهم طريقة معناه أثبتهم ms2393 يقينا ~~وأعلمهم بالحقيقة بالإضافة إليهم فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر ~~لبثهم والضمير في قوله تعالى: # ويسئلونك قيل إن رجلا من ثقيف سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يكون ~~أمرها يوم القيامة، وقيل بل سأله عن ذلك جماعة من المؤمنين، وقد تقدم معنى ~~«النسف» ، وروي أن الله تعالى يرسل على الجبال ريحا فتدكدكها حتى تكون ~~كالعهن المنفوش [القارعة: 5] ثم يتوالى عليها حتى يعيدها كالهباء المنبث ~~فذلك هو النسف وقوله تعالى: فيذرها يحتمل أن يريد مواضعها، ويحتمل أن يريد ~~ذلك التراب الذي نسفه، لأنه إنما يقع على الأرض باعتدال حتى تكون الأرض ~~كلها مستوية، و «القاع» المستوي من الأرض المعتدل الذي لا نشز فيه ومنه قول ~~ضرار بن الخطاب: لتكونن بالبطاح قريش، بقعة القاع في أكف الماء. و «الصفصف» ~~نحوه في المعنى، و «العوج» ما يعتري اعتدال الأرض من الأخذ يمنة ويسرة بحسب ~~النشز من جبل وطرق وكدية ونحوه، و «الأمت» ما يعتري الأرض من ارتفاع ~~وانخفاض، يقال مد حبله حتى ما ترك فيه أمتا فكأن «الأمت» في الآية العوج في ~~السماء تجاه الهواء، و «العوج» في الآية مختص بالعرض وفي هذا نظر. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 108 الى 111] # يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ~~(108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم ~~وقد خاب من حمل ظلما (111) # المعنى يوم ننسف الجبال يتبع الخلق داعي الله إلى المحشر وهذا نحو قوله ~~تعالى مهطعين إلى الداع [القمر: 8] وقوله تعالى لا عوج له يحتمل أن يريد ~~الإخبار به أي لا شك فيه ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل أن يريد لا محيد ~~لأحد عن اتباعه والمشي نحو صوته. و «الخشوع التطامن والتواضع وهي الأصوات ~~استعارة بمعنى الخفاء والاستسرار ومعنى للرحمن أي لهيبته وهول مطلع قدرته، ~~و «الهمس» الصوت الخفي الخافت وقد يحتمل ms2394 أن يريد «بالهمس» المسموع تخافتهم ~~بينهم وكلامهم السر، ويحتمل أن يريد صوت الأقدام وأن أصوات النطق ساكنة. ~~ومن في قوله إلا من يحتمل أن يكون الاستثناء متصلا وتكون من في موضع نصب ~~يراد بها المشفوع له فكأن المعنى إلا من أذن له الرحمن في أن يشفع له، ~~ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا على تقدير «لكن من أذن له الرحمن يشفع» ، ~~ف من في PageV04P064 # موضع نصب بالاستثناء ويصح أن يكون في موضع رفع كما يجوز الوجهان في قولك ~~ما في الدار أحد إلا حمارا وإلا حمار والنصب أوجه ومن على هذه التأويلات ~~للشافع ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه. وقوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم قالت فرقة يريد الملائكة، وقالت فرقة يريد خلقه أجمع، وقد تقدم القول ~~في ترتيب «ما بين اليد وما خلف» في غير موضع على أن جماعة من المفسرين ~~قالوا في هذه الآية ما خلفهم الدنيا وما بين أيديهم أمر الآخرة والثواب ~~والعقاب، وهذا بأن نفرضها حالة وقوف حتى نجعلها كالأجرام وأما إن قدرناها ~~في نسق الزمان فالأمر على العكس بحكم ما بيناه قبل. وعنت معناه ذلت، ~~والعاني الأسير ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النساء: «هن عوان ~~عندكم» وهذه حالة الناس يوم القيامة. وقال طلق بن حبيب: أراد سجود الناس ~~على الوجوه والآراب السبعة. # قال القاضي أبو محمد: وإن كان روي هذا أن الناس يوم القيامة سجودا وجعل ~~هذه الآية إخبارا فهو مستقيم وإن كان أراد سجود الدنيا فإنه أفسد نسق ~~الآية، والقيوم بناء مبالغة من قيامه عز وجل على كل شيء بما يجب فيه، وخاب ~~معناه لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل ~~بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك على الإطلاق، وخيبة المعاصي مقيدة بوقت ~~وحد في العقوبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 112 الى 114] # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك ~~أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد ms2395 لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ~~(113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدني علما (114) # قوله تعالى: ومن يعمل من الصالحات عادل لقوله من حمل ظلما [طه: 111] ، ~~وفي قوله من الصالحات تيسير في الشرع لأنها من التي للتبعيض، و «الظلم» أعم ~~من «الهضم» وهما يتقاربان في المعنى ويتداخلان، ولكن من حيث تناسقا في هذه ~~الآية ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما بمعنى، فقالوا «الظلم» أن تعظم عليه ~~سيئاته وتكثر أكثر مما يجب، و «الهضم» أن ينقض حسناته ويبخسها، وكلهم قرأ ~~فلا يخاف ظلما على الخبر، غير ابن كثير فإنه قرأ «فلا يخف» على النهي، ثم ~~قال تعالى: # وكذلك أنزلناه أي كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد ~~كذلك حذرنا هؤلاء أمرنا وأنزلناه قرآنا عربيا وتوعدنا فيه بأنواع من الوعيد ~~لعلهم بحسب توقع البشر وترجيهم يتقون الله ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون ~~نعمه عندهم وما حذرهم من أليم عقابه، هذا تأويل فرقة في قوله أو يحدث لهم ~~ذكرا وقالت فرقة معناه أو يكسبهم شرفا ويبقي عليهم إيمانهم ذكرا صالحا في ~~الغابرين، وقرأ الحسن البصري «أو يحدث» ساكنة الثاء، وقرأ مجاهد «أو نحدث» ~~بالنون وسكون الثاء ولا وجه للجزم إلا على أن يسكن حرف الإعراب استثقالا ~~لحركته، وهذا نحو قول جرير ولا يعرفكم العرب. وقوله فتعالى الله الملك الحق ~~ختم للقول لأنه لما قدم صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن ~~تلطفه PageV04P065 # بهم ختم ذلك بهذه الكلمة وجعل بعد ذلك الأمر بنوع آخر من القول وقوله ~~تعالى: ولا تعجل بالقرآن قالت فرقة سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يخاف وقت تكلم جبريل له أن ينسى أول القرآن فكان يقرأ قبل أن يستتم جبريل ~~عليه السلام الوحي فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله تعالى: لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16] وقالت فرقة سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا أوحي إليه القرآن ms2396 أمر بكتبه للحين فأمره الله تعالى في هذه الآية أن ~~يتأنى حتى يفسر له المعاني وتقرر عنده، وقالت فرقة سبب الآية أن امرأة شكت ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها لطمها فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينكما القصاص ثم نزلت الرجال قوامون على النساء [النساء: 34] ، ~~ونزلت هذه بمعنى الأمر بالتثبت في الحكم بالقرآن حتى يبين والله أعلم. وقرأ ~~الجمهور «من قبل أن يقضي إليك وحيه» ، وقرأ عبد الله بن مسعود «من قبل أن ~~نقضي إليك وحيه» . وباقي الآية بين رغبة في خير. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 115 الى 117] # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) # قال الطبري المعنى وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ويخالفوا رسلي ~~ويطيعوا إبليس فقدما فعل ذلك أبوهم آدم ع وهذا التأويل ضعيف، وذلك أن يكون ~~آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء، وآدم إنما عصى بتأويل ففي هذا ~~غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم وأما الظاهر في هذه الآية، إما أن يكون ~~ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن لا يعجل بالقرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي ~~فعوقب لتكون أشد في التحذير وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم. و ~~«العهد» هنا في معنى الوصية، و «نسي» معناه ترك، والنسيان الذهول لكن هنا ~~أنه لا يتعلق بالناسي عقاب، وقرأ الأعمش «فنسي» بسكون الياء ووجهها طلب ~~الخفة، و «العزم» المضي على المعتقد في أي شيء كان، وآدم عليه السلام كان ~~معتقدا لأن لا يأكل من الشجرة لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده، ~~وعبر بعض المفسرين عن العزم هنا بالصبر وبالحفظ وبغير ذلك مما هو أعم من ~~حقيقة العزم والشيء الذي ms2397 عهد إلى آدم هو أن يقرب الشجرة وأعلم مع ذلك أن ~~إبليس عدو له، وقال أبو أمامة لو أن أحلام بني آدم وضعت منذ خلق الله إلى ~~يوم القيامة ووضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال ~~الله له ولم نجد له عزما وقوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة ابتداء قصة، ~~والعامل، في إذ فعل مضمر وقد تقدم استيعاب هذه القصة لكن نذكر من ذلك ما ~~تقتضيه ألفاظ هذه الآية، فالملائكة قيل كان جميعهم مأمور بذلك وقيل بل فرقة ~~فاضلة منهم عددهم اثنان وعشرون، و «السجود» الذي أمروا به سجود كرامة لآدم ~~وعبادة لله تعالى، وقوله تعالى: إلا إبليس الاستثناء متصل في قول من جعل ~~إبليس من الملائكة، ومنقطع في قول من قال هو من قبيلة غير الملائكة PageV04P066 # يقال لها الجن. وقوله تعالى: فلا يخرجنكما أي لا يقع منكما طاعة له في ~~إغوائه فيكون ذلك سبب خروجكما من الجنة ثم خصص بقوله فتشقى من حيث كان ~~المخاطب أولا والمقصود في الكلام، وقيل بل ذلك لأن الله تعالى جعل الشقاء ~~في معيشة الدنيا في حيز الرجال وروي أن آدم لما أهبط هبط معه ثور أحمر فكأن ~~يحرث ويمسح العرق فهذا هو الشقاء الذي خوف منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 118 الى 121] # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) ~~فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) ~~فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ~~ربه فغوى (121) # المعنى إن لك يا آدم نعمة تامة وعطية مستمرة أن لا يصيبك جوع ولا عري ولا ~~ظمأ ولا بروز للشمس يؤذيك وهو الضحاء، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ~~«وإنك لا تظمأ» بكسر الألف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم «وأنك» بفتح الألف، ~~وجعل الله تعالى الجوع في هذه الآية مع العري والظمأ مع الضحاء وكأن عرف ~~الكلام أن يكون الجوع ms2398 مع الظمأ المتناسب والعري مع الضحاء لأنها تتضاد إذ ~~العري يمس بسببه البرد والحر يفعل ذلك بالضاحي، وهذه الطريقة مهيع في كلام ~~العرب أن تفرق النسب ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إقفال # وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس حافظة لنسب وأن ركوب الخيل ~~للصيد وغيره من الملاذ يناسب تبطن الكاعب، ومن الضحاء قول الشاعر: [الطويل] # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحي وأما بالعشي فيخصر # و «وسوسة الشيطان» قيل كانت دون مشافهة، إلقاء في النفس، وقيل بل كان ~~بالمشافهة والمخاطبة وهو ظاهر القصة من غير ما موضع وكان دخوله إلى الجنة ~~فيما روي في فم الحية، وكان آدم عليه السلام قد قال الله تعالى له لا تأكل ~~من هذه الشجرة وعين له شجرة قد تقدم الخلاف في جنسها فلما وصفها له إبليس ~~بأنها شجرة الخلد وملك لا يبلى أي من أكلها كان ملكا مخلدا عمد آدم إلى غير ~~تلك التي نهي عنها من جنسها فأكلها بتأويل أن النهي كان في تلك المعينة، ~~وقيل بل تأول أن النهي إنما كان على الندب لا على التحريم البت، وسارعت إلى ~~ذلك حواء وكانت معه في النهي فلما رآها آدم قد أكلت أكل فطارت عنهما ~~ثيابتها وظهر تبري الأشياء منهما وبدت سوءاتهما، وطفقا معناه وجعلا يفعلان ~~ذلك دائما، ويخصفان معناه يلفقان ويضمان شيئا إلى شيء فكانا يستتران بالورق ~~وروي أنه كان ورق التين، ثم PageV04P067 # نص تبارك وتعالى على آدم أنه عصى و «غوى» معناه ضل من الغي الذي هو ضد ~~الرشد ومنه قول الشاعر: [الطويل] # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # وقرأت فرقة «وأنك» بفتح الألف عطفا على قوله ألا تجوع وقرأت فرقة و «إنك» ~~عطفا على قوله إن لك. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 122 الى 126] # ثم اجتباه ربه فتاب عليه ms2399 وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ~~(126) # اجتباه معناه تخيره واصطفاه، و «تاب عليه» معناه رجع به من حال المعصية ~~إلى حال الندم وهداه لصلاح الأقوال والأعمال وأمضى عقوبته عز وجل في إهباطه ~~من الجنة. وقوله اهبطا مخاطبة لآدم وحواء، ثم أخبرهما بقوله جميعا أن إبليس ~~والحية يهبطان معهما وأخبرهما بأن العداوة بينهم وبين أنسالهم إلى يوم ~~القيامة. وعدو يوصف به الواحد والاثنان والجميع، وقوله تعالى: فإما يأتينكم ~~مني هدى شرط وجوابه في قوله فمن اتبع وما بعده إلى آخر القسم الثاني. و ~~«الهدى» معناه دعوة شرعي ثم أعلمهم أنه من اتبع هداه وآمن به فإنه «لا يضل» ~~في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وأن من أعرض عن ذكر الله وكفر به فإن له ~~معيشة ضنكا والضنك النكد الشاق من العيش أو المنازل أو مواطن الحرب ونحو ~~هذا، ومنه قول عنترة وإن نزلوا بضنك أنزل، وصف به الواحد والجمع ذلك من ~~وعيد لهم ثم أخبر عن حالة أخرى هي أيضا في يوم القيامة وهي حشرهم عميا، ثم ~~يجيء قوله ولعذاب الآخرة أشد وأبقى [طه: 127] معنى هذا الذي ذكرناه من ~~المعيشة والعمى ونحوه هو عذابه في الآخرة وهو أشد وأبقى [طه: 127] من كل ما ~~يقع عليه الظن والتخيل، فكأنه ذكر نوعا من عذاب الآخرة ثم أخبر أن عذاب ~~الآخرة أشد وأبقى. وقرأت فرقة «ونحشره» بالنون، وقرأت فرقة «ويحشره» بالياء ~~وقرأت فرقة «ويحشره» بسكون الراء، وقرأت فرقة «أعمى» بالإمالة، وقالت فرقة ~~العمى هنا هو عمى البصيرة عن الحجة. # قال القاضي أبو محمد: ولو كان هذا لم يخش الكافر لأنه كان أعمى البصيرة ~~ويحشر كذلك، وقالت فرقة العمى عمى البصرع وهذا هو الأوجه مع أن عمى البصيرة ~~حاصل في الوجهين، وأما قوله ونحشر ms2400 المجرمين يومئذ زرقا [طه: 102] فمن رآه ~~في العينين فلا بد أن يتأول فيها مع هذه إما أنها في طائفتين أو في موطنين، ~~وقوله تعالى: كذلك أتتك ذلك إشارة إلى العمى الذي حل به، أي مثل هذا في ~~الدنيا أن أتتك آياتنا PageV04P068 # فنسيتها # والنسيان في هذه الآية بمعنى الترك ولا مدخل للذهول في هذا الموضع، وتنسى ~~بمعنى تترك في العذاب وروي أن هذه الآية نزلت في المرشي. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 127 الى 130] # وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) ~~أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات ~~لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) # المعنى وكما وصفنا من أليم الأفعال نجزي المسرفين المتعدين الكفار بالله ~~عز وجل، وقوله ولعذاب الآخرة إن كانت معيشة الضنك في الدنيا أو البرزخ فجاء ~~هذا وعيدا في الآخرة بعد وعيد، وإن كانت المعيشة في الآخرة فأكد الوعيد ~~بعينه هذا القول، الذي جعل به عذاب الآخرة فوق كل عذاب يتخيله الإنسان أو ~~يقع في الدنيا، ثم ابتدأ يوبخهم ويذكرهم العبر بقوله أفلم يهد، لهم وقرأت ~~فرقة «يهد» بالياء بمعنى يتبين، واختلفت هذه الفرقة في الفاعل فقال بعضها ~~الفاعل كم وهذا قول كوفي، ونحاة البصرة لا يجيزونه لأن «كم» لها صدر ~~الكلام، وفي قراءة ابن مسعود «أفلم يهد لهم من أهلكنا» فكأن هذه القراءة ~~تناسب ذلك التأويل في كم وقال بعضهم الفاعل الله عز وجل، والمعنى أفلم يهد ~~لهم ما جعل الله لهم من الآيات والعبر فأضاف الفعل إلى الله عز وجل بهذا ~~الوجه قاله الزجاج، وقال بعضهم الفاعل مقدر الهدى أو الأمرع أو النظر أو ~~الاعتبار هذا أحسن ما يقدر به عندي، وقرأت فرقة «نهد» بالنون وهذه القراءة ~~تناسب تأويل من قال في التي قبلها الفاعل الله ms2401 تعالى. وكم على هذه الأقوال ~~نصب ب أهلكنا، ثم قيد القرون بأنهم يمشي هؤلاء الكفرة في مساكنهم فإنما ~~أراد عادا أو ثمود أو الطوائف التي كانت قريش تجوز على بلادهم في المرور ~~إلى الشام وغيره، وقرأت فرقة «يمشون» بفتح الياء، وقرأت فرقة «يمشون» بضم ~~الياء وفتح الميم وشد الشين، والنهى جمع نهية وهو ما ينهى الإنسان عن فعل ~~القبيح، ثم أعلم عز وجل قبله أن العذاب كان يصير لهم لزاما لولا كلمة سبقت ~~من الله تعالى في تأخيره عنهم إلى أجل مسمى عنده فتقدير الكلام ولولا كلمة ~~سبقت في التأخير وأجل مسمى لكان العذاب لزاما كما تقول لكان حتما أو واجبا ~~واقعا لكنه قدم وأخر لتشتبه رؤوس الآي. واختلف الناس في الأجل فيحتمل أن ~~يريد يوم القيامة والعذاب المتوعد به على هذا هو عذاب جهنم، ويحتمل أن يريد ~~ب «الأجل» موت كل واحد منهم فالعذاب على هذا هو ما يلقى في قبره وما بعده، ~~ويحتمل أن يريد بالآجال يوم بدر فالعذاب على هذا هو قتلهم بالسيف وبكل ~~احتمال مما ذكرناه، قالت فرقة، وفي صحيح البخاري، أن يوم بدر وهو اللزام ~~وهو البطشة الكبرى، ثم أمره تعالى بالصبر على أقوالهم إنه ساحر وإنه كاهن ~~وإنه كذاب إلى غير ذلك، والمعنى لا تحفل بهم فإنهم مدركة الهلكة وكون ~~اللزام يوم بدر أبلغ في آيات نبينا عليه السلام وقوله تعالى: وسبح بحمد ربك ~~قال أكثر المتأولين هذه إشارة إلى الصلوات PageV04P069 # الخمس قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل غروبها صلاة العصر ومن آناء الليل ~~العتمة وأطراف النهار المغرب والظهر. وقالت فرقة آناء الليل المغرب ~~والعشاء، وأطراف النهار الظهر وحدها، ويحتمل اللفظ أن يراد قول سبحان الله ~~وبحمده من بعد صلاة الصبح إلى ركعتي الضحى وقبل غروب الشمس فقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: «من سبح قبل غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت بذنوبه» ع وسمى ~~الطرفين أطرافا على أحد وجهين إما على نحو فقد صغت قلوبكما: وإما على أن ~~يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف ms2402 وهي التي جمع، وأما من قال أطراف النهار ~~لصلاة الظهر وحدها فلا بد له من أن يتمسك بأن يكون النهار للجنس كما قلنا ~~أو نقول إن النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال ولكل قسم طرفان فعند الزوال ~~طرفان الآخر من القسم الأول والأول من القسم الآخر فقال عن الطرفين أطرافا ~~على نحو فقد صغت قلوبكما، وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل والآناء ~~جمع أنى وهي الساعة من الليل ومنه قول الهذلي: # حلو ومر كعطف القدح مر به ... في كل أنى حداة الليل تنتقل # وقالت فرقة في الآية إشارة إلى نوافل، فمنها آناء الليل ومنها قبل طلوع ~~الشمس وركعتا الفجر والمغرب أطراف النهار، وقرأ الجمهور «لعلك ترضى» بفتح ~~التاء أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم «لعلك ترضى» أي لعلك تعطى ما يرضيك. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 131 الى 133] # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) # قال بعض الناس سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل به ~~ضيف فلم يكن عنده شيء فبعث إلى يهودي ليسلفه شعيرا فأبى اليهودي إلا برهن ~~فبلغ الرسول بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال «والله إني لأمين في ~~السماء وأمين في الأرض» فرهنه درعه فنزلت الآية في ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا معترض أن يكون سببا لأن السورة مكية والقصة ~~المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه مات ودرعه ~~مرهونة بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها ~~وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم ~~بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض ~~عن أموالهم ms2403 وما في أيديهم من الدنيا إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي، ~~وقوله ولا تمدن عينيك أبلغ من ولا تنظر، لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ~~ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. و «الأزواج» الأنواع فكأنه ~~قال إلى ما متعنا به أقواما منهم وأصنافا. وقوله تعالى: زهرة الحياة الدنيا ~~شبه نعم هؤلاء الكفار PageV04P070 # بالزهر وهو ما اصفر من النور، وقيل «الزهر» النور جملة لأن الزهر له منظر ~~ثم يضمحل فكذلك حال هؤلاء، ونصب زهرة يجوز أن ينصب على الحال وذلك أن ~~تعرفها ليس بمحض، وقرأت فرقة «زهرة» بسكون الهاء، وفرقة «زهرة» بفتح الهاء ~~ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن ذلك إنما هو ليختبرهم به ويجعله ~~فتنة لهم وأمرا يجازون عليه بالسوء لفساد تقلبهم فيه، ورزق الله تعالى الذي ~~أحله للمتقين من عباده خير وأبقى أي رزق الدنيا خير ورزق الآخرة أبقى وبين ~~أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة وتمثيلها معهم ~~ويصطبر عليها ويلازمها ويتكفل هو برزقه لا إله إلا هو، وأخبره أن العاقبة ~~الأولى التقوى وفي حيزها فثم نصر الله في الدنيا ورحمته في الآخرة، وهذا ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل في عمومه جميع أمته. وروي أن عروة ~~بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر ~~إلى منزله فدخله وهو يقرأ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا الآية إلى قوله ~~وأبقى، ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحمكم الله، وكان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بهذه الآية، وقرأ الجمهور ~~«نحن نرزقك» بضم القاف، وقرأت فرقة «نزرقك» بسكونها، ثم أخبر تعالى عن ~~طوائف من الكفار قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم، لولا يأتينا بآية من ~~ربه أي بعلامة مما اقترحناها عليه وبما يبهر ويضطر. # قال القاضي أبو محمد: ورسل الله إنما اقترنت معهم آيات معرضة للنظر ~~محفوفة بالبراهين العقلية ليضل ms2404 من سبق في علم الله تعالى ضلاله ويهتدي من ~~سبق في علم الله تعالى هداه، فوبخهم الله تعالى بقوله أولم تأتهم بينة ما ~~في الصحف الأولى يعني التوراة أعظم شاهد وأكبر آية له. وقرأ نافع وأبو عمرو ~~وحفص عن عاصم «تأتهم» على لفظة بينة وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم «يأتهم» ~~بالياء على المعنى، وقرأت فرقة «بينة ما» بالإضافة إلى ما وقرأت فرقة ~~«بينة» بالتنوين، وما على هذه القراءة فاعلة ب «تأتي» ، وقرأ الجمهور «في ~~الصحف» بضم الحاء، وقرأت فرقة «في الصحف» بسكونها. # قوله عز وجل: ### || [سورة طه (20) : الآيات 134 الى 135] # ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من ~~أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # أخبر الله تعالى نبيه عليه السلام أنه لو أهلك هذه الأمة الكافرة قبل ~~إرساله إليهم محمدا لقامت لهم حجة ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا الآية. وروى ~~أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «يحتج على الله تعالى ~~يوم القيامة ثلاثة الهالك في الفترة والمغلوب على عقله والصبي الصغير فيقول ~~المغلوب على عقله رب لم تجعل لي عقلا ويقول الصبي نحوه ويقول الهالك في ~~الفترة رب لم ترسل إلي رسولا ولو جاءني لكنت أطوع خلقك لك» قال «فترفع لهم ~~نار ويقال لهم ردوها» قال «فيردها من كان في علم الله تعالى أنه سعيد ويكع ~~عنها الشقي فيقول الله تعالى إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم» أما الصبي PageV04P071 # والمغلوب على عقله فبين أمرهما وأما صاحب الفترة فليس ككافر قريش قبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأن كفار قريش وغيرهم ممن علم وسمع عن نبوة ~~ورسالة في أقطار الأرض فليس بصاحب فترة والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال ~~أبي وأبوك في النار ورأى عمرو بن لحي في النار إلى غير هذا مما يطول ذكره، ~~وأما صاحب الفترة يفرض أنه آدمي لم يطرأ إليه أن الله تعالى بعث رسولا ms2405 ولا ~~دعا إلى دين وهذا قليل الوجود اللهم إلا أن يشد في أطراف الأرض والمواضع ~~المنقطعة عن العمران. و «الذل والخزي» مقترنان بعذاب الآخرة، ثم أمر الله ~~تعالى نبيه أن يتوعدهم ويحملهم ونفسه على التربص وانتظار الفرج. و «التربص» ~~التأني، والصراط الطريق. وقرأت فرقة «السوي» ، وقرأت فرقة «السوء» فكأن هذه ~~القراءة قسمت الفريقين أي ستعلمون هذا من هذا وقرأت فرقة «السوي» بشد الواو ~~وفتحها، وقرأت فرقة «السوؤى» بضم السين وهمزة على الواو على وزن فعلى، ~~واهتدى معناه رشد. PageV04P072 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأنبياء # هذه السورة مكية بإجماع وكان عبد الله بن مسعود يقول الكهف، ومريم، وطه، ~~والأنبياء من العتاق الأول وهي من تلادي يريد من قديم ما كسبت وحفظت من ~~القرآن كالمال التلاد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) # روي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يبني جدارا فمر به ~~آخر في يوم نزول هذه السورة فقال الذي كان يبني الجدار ماذا نزل اليوم من ~~القرآن؟ فقال الآخر نزل اليوم اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون فنفض ~~يده من البنيان وقال والله لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب، وقوله تعالى: ~~اقترب للناس حسابهم عام في جميع الناس، المعنى وإن كان المشار إليه في ذلك ~~الوقت كفار قريش ويدل على ذلك ما بعد من الآيات، وقوله وهم في غفلة معرضون ~~يريد الكفار. # قال القاضي أبو محمد: ويتجه من هذه الألفاظ على العصاة من المؤمنين ~~قسطهم، وقوله ما يأتيهم وما بعده مختص بالكفار، وقوله من ذكر من ربهم محدث ~~قالت فرقة المراد منا ينزل من القرآن ومعناه محدث نزوله وإتيانه إياهم لا ~~هو في نفسه، وقالت فرقة المراد ب «الذكر» أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في أمر الشريعة ووعظه وتذكيره فهو محدث على الحقيقة وجعله من ربه من حيث إن ms2406 ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا ما هو من عند ~~الله، وقالت فرقة «الذكر» الرسول نفسه واحتجت بقوله تعالى قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات [الطلاق: 11] فهو محدث على ~~الحقيقة ويكون، قوله استمعوه بمعنى استمعوا إليه، وقوله تعالى: # وهم يلعبون جملة في موضع الحال أي أسماعهم في حال لعب فهو غير نافع ولا ~~واصل النفس. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 3 الى 4] # لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع ~~العليم (4) # قوله تعالى: لاهية حال بعد حال، واختلف النحاة في إعراب قوله وأسروا ~~النجوى الذين PageV04P073 # ظلموا # فذهب سيبويه رحمه الله إلى أن الضمير في أسروا فاعل وأن الذين بدل منه ~~وقال رحمه الله لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن، وقال أبو عبيدة وغيره ~~الواو والألف علامة أن الفاعل مجموع كالتاء في قولك قامت هند والذين فاعل ب ~~أسروا وهذا على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقالت فرقة الضمير فاعل والذين ~~مرتفع بفعل مقدر تقديره أسرها الذين أو قال الذين ع والوقوف على النجوى في ~~هذا القول وفي الأول أحسن ولا يحسن في الثاني، وقالت فرقة الذين مرتفع على ~~خبر ابتداء مضمر تقديره هم الذين ظلموا، والوقف مع هذا حسن، وقالت فرقة ~~الذين في موضع نصب بفعل تقديره أعني الذين، وقالت فرقة الذين في موضع خفض ~~بدل من «الناس» [الأنبياء: 1] ع وهذه أقوال ضعيفة ومعنى أسروا النجوى ~~تكلموا بينهم في السر والمناجاة بعضهم لبعض، وقال أبو عبيدة أسروا أظهروا ~~وهو من الأضداد، ثم بين تعالى الأمر الذي يتناجون به وهو قول بعضهم لبعض هل ~~هذا إلا بشر مثلكم، ثم قال بعضهم لبعض على جهة التوبيخ في الجهالة أفتأتون ~~السحر أي ما يقول شبهوه بالسحر، المعنى أفتتبعون السحر وأنتم تبصرون أي ~~تدركون أنه سحر وتعلمون ذلك، كأنهم قالوا تضلون على بينة ومعرفة، ثم أمر ms2407 ~~الله تعالى نبيه أن يقول لهم وللناس جميعا قال ربي يعلم القول في السماء ~~والأرض أي يعلم أقوالكم هذه وهو بالمرصاد في المجازاة عليها. وقرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو وابن عامر «قل ربي» ، وقرأ حمزة والكسائي «قال ربي يعلم» ~~على معنى الخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، واختلف عن عاصم، قال ~~الطبري رحمه وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الإهماز. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 5 الى 8] # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) # لما اقتضت الآية التي قبل هذه أنهم قالوا إن ما عنده سحر، عدد الله في ~~هذه جميع ما قالته طوائفهم ووقع الإضراب بكل مقالة عن المتقدمة لها ليتبين ~~اضطراب أمرهم، فهو إضراب عن جحد متقدم لأن الثاني ليس بحقيقة في نفسه، و ~~«الأضغاث» الأخلاط وأصل الضغث القبضة المختلطة من العشب والحشيش، فشبه ~~تخليط الحلم بذلك، وهو ما لا يتفسر ولا يتحصل، ثم حكى من قال قول شاعر وهي ~~مقالة فرقة عامية منهم لأن نبلاء العرب لم يخف عليهم بالبديهة أن مباني ~~القرآن ليست مباني شعر ثم حكى اقتراحهم وتمنيهم آية تضطرهم وتكون في غاية ~~الوضوح كناقة صالح وغيرها، وقولهم كما أرسل الأولون دال على معرفتهم بإتيان ~~الرسل الأمم المتقدمة. وقوله تعالى: ما آمنت قبلهم مقدرا كلام يدل عليه ~~المعنى، تقديره والآية التي طلبوا عادتنا أن القوم إن كفروا بها عاجلناهم. ~~وما آمنت قرية من القرى التي نزلت بها هذه النازلة أفهذه كانت تؤمن وقوله ~~تعالى: أهلكناها جملة في موضع الصفة ل قرية PageV04P074 # والجملة إذا اتبعت النكرات فهي صفة لها وإذا اتبعت المعارف فهي أحوال ~~منها، وقوله وما أرسلنا قبلك إلا رجالا رد على فرقة منهم كانوا يستبعدون أن ~~يبعث الله من البشر رسولا يشف ms2408 على نوعه من البشر بهذا القدر من الفضل، فمثل ~~الله تعالى في الرد عليهم بمن سبق من الرسل من البشر، وقرأ الجمهور «يوحى» ~~على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حفص عن عاصم «نوحي» بالنون، ثم أحالهم على ~~سؤال أهل الذكر من حيث لم يكن عند قريش كتاب ولا إثارة من علم، واختلف ~~الناس في أهل الذكر من هم، فروى عبد الله بن سلام أنه قال أنا من أهل ~~الذكر، وقالت فرقة هم أهل القرآن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا موضع ينبغي أن يتأمل، وذلك أن الذكر هو كل ما ~~يأتي من تذكير الله تعالى عباده فأهل القرآن أهل ذكر، وهذا ما أراد علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه، وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن ~~يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت لأنهم كانوا خصومهم، وإنما أحيلوا على سؤال ~~أخبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد عليه ~~السلام فتجيء شهادتهم بأن الرسل قديما من البشر لا مطعن فيها لازمة لكفار ~~قريش وقوله تعالى: وما جعلناهم جسدا قيل الجسد من الأشياء يقع على ما لا ~~يتغذى، ومنه قوله تعالى: عجلا جسدا [الأعراف: 148] . # فمعنى هذا ما جعلناهم أجسادا لا تتغذى، وقيل الجسد يعم المتغذي وغير ~~المتغذي. والمعنى ما جعلناهم أجسادا وجعلناهم مع ذلك لا يأكلون الطعام ~~كالجمادات أو كالملائكة، ف جعلناهم جسدا على التأويل الأول منفي، وعلى ~~الثاني موجب، والنفي واقع على صفته. وقوله تعالى: لا يأكلون الطعام كناية ~~عن الحدث، ثم نفى عنهم الخلد لأنه من صفات القديم وكل محدث فغير خالد في ~~دار الدنيا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 9 الى 12] # ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ~~وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) # هذا وعيد في ضمن وصفه تعالى سيرته في الأنبياء من أنه يصدق مواعيدهم ~~فكذلك يصدق لمحمد عليه ms2409 السلام ولأصحابه ما وعدهم من النصر وظهور الكلمة ~~وقوله تعالى: ومن نشاء معناه من المؤمنين بهم، و «المسرفون» الكفار ~~المفرطون في غيهم وكفرهم وكل من ترك الإيمان مفرط مسرف، ثم وبخهم تعالى ~~بقوله: لقد أنزلنا الآية و «الكتاب» القرآن. وقوله تعالى: فيه ذكركم يحتمل ~~أن يكون في الذكر الذي أنزله الله تعالى إليكم بأمر دينكم وآخرتكم ونجاتكم ~~من عذابه، فأضاف الذكر إليهم حيث هو في أمرهم ويحتمل أن يريد فيه شرفكم ~~وذكركم آخر الآية. كما تذكر عظام الأمور، وفي هذا تحريض ثم تأكد التحريض ~~بقوله أفلا تعقلون وحركهم ذلك إلى النصر، ثم مثل لهم على جهة التوعد بمن ~~سلف من الأمم المعذبة، وكم للتكثير وهي في موضع نصب ب قصمنا ومعناه أهلكنا، ~~وأصل القصم الكسر في الأجرام فإذا استعير للقوم أو القرية ونحوه فهو PageV04P075 # ما يشبه الكسر وهو إهلاكهم وأوقع هذه الأمور على «القرية» والمراد أهلها ~~وهذا مهيع كثير، ومنه ما آمنت قبلهم من قرية [الأنبياء: 6] وغيره وقوله ~~تعالى: وأنشأنا أي خلقنا وبثثنا أمة أخرى غير المهلكة، وقوله تعالى: فلما ~~أحسوا وصف عن قرية من القرى المجملة أولا قيل كانت باليمن تسمى حصورا بعث ~~الله تعالى إلى أهلها رسولا فقتلوه، فأرسل الله تعالى بخت نصر صاحب بني ~~إسرائيل فهزموا جيشه مرتين، فنهض في الثالثة بنفسه فلما مزقهم وأخذ القتل ~~فيهم ركضوا هاربين، ويحتمل أن لا يريد بالآية قرية بعينها وأنه واصف حال كل ~~قرية من القرى المعذبة وأن أهل كل قرية كانوا إذا أحسوا العذاب من أي نوع ~~كان أخذوا في الفرار. وأحسوا باشروه بالحواس، و «الركض» تحريك القدم على ~~الصفة المعهودة، فالفار والجاري بالجملة راكض إما دابة وإما الأرض تشبيها ~~بالدابة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 13 الى 16] # لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا ~~يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا ~~خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) # يحتمل قوله تعالى: لا تركضوا إلى آخر الآية ms2410 أن يكون من قول رجال بخت نصر ~~على الرواية المتقدمة فالمعنى على هذا أنهم خدعوهم واستهزؤوا بهم بأن قالوا ~~للهاربين منهم لا تفروا وارجعوا إلى مواضعكم لعلكم تسئلون صلحا أو جزية أو ~~أمرا يتفق عليه، فلما انصرفوا أمر بخت نصر أن ينادى فيهم يا لثارات النبي ~~المقتول فقتلوا بالسيف عن آخرهم ع، هذا كله مروي، ويحتمل أن يكون لا تركضوا ~~إلى آخر الآية من كلام ملائكة العذاب، على التأويل الآخر أن الآيات وصف قصة ~~كل قرية وأنه لم يرد تعيين حصورا ولا غيرها، فالمعنى على هذا أن أهل هذه ~~القرى كانوا باغترارهم يرون أنهم من الله تعالى بمكان وأنه لو جاءهم عذاب ~~أو أمر لم ينزل بهم حتى يخاصموا أو يسألوا عن وجع تكذيبهم لنبيهم فيحتجون ~~هم عند ذلك بحجج تنفعهم في ظنهم، فلما نزل العذاب دون هذا الذي أملوه ~~وركضوا فارين نادتهم الملائكة على وجه الهزء بهم لا تركضوا وارجعوا لعلكم ~~تسئلون كما كنتم تطمعون بسفه آرائكم، ثم يكون قوله حصيدا أي بالعذاب تركضوا ~~كالحصيد، و «الإتراف» التنعيم، ودعواهم معناه دعاؤهم وكلامهم أي لم ينطقوا ~~بغير التأسف، والحصيد يشبه بحصيد الزرع بالمنجل الذي ردهم الهلاك كذلك، ~~وخامدين أي موتى دون أزواج مشبهين بالنار إذا طفيت، ولما فرغ وصف هذا الحال ~~وضع الله تعالى السامعين بقوله وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ~~أي ظن هؤلاء الذين نزل بهم ما نزل وكما تظنون أنتم أيها الكفرة الآن ففي ~~الآية وعيد بهذا الوجه والمعنى إنما خلقنا هذا كله ليعتبر به وينظر فيه ~~ويؤمن بالله بحسبه، قال بعض الناس تسئلون معناه تفهمون وتفقهون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير لا يعطيه اللفظ، وقالت فرقة تسئلون ~~معناه شيئا من أموالكم وعرض دنياكم على وجه الهزء. PageV04P076 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 17 الى 18] # لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) # ظاهر هذه الآية الرد على ms2411 من قال من الكفار أمر مريم وما ضارعه من الكفر ~~تعالى الله عن قول المبطلين، و «اللهو» في هذه الآية المرأة وروي أنها في ~~بعض لغات العرب تقع على الزوجة، وأن في قوله إن كنا فاعلين يحتمل أن تكون ~~الشرطية بمعنى لو كنا أي ولسنا كذلك، وللمتكلمين هنا اعتراض وانفصال ويحتمل ~~أن تكون نافية بمعنى ما وكل هذا قد قيل، و «الحق» عام في القرآن والرسالة ~~والشرع وكل ما هو حق، والباطل أيضا عام كذلك ويدمغه معناه يصيب دماغه وذلك ~~مهلك في البشر فكذلك الحق يهلك الباطل، والويل الخزي والهم وقيل هو اسم واد ~~في جهنم فهو المراد في هذه الآية وهذه مخاطبة للكفار الذين وصفوا الله ~~تعالى بما لا يجوز عليه ولا يليق به تعالى الله عن قولهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 19 الى 20] # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ~~(19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) # قوله تعالى: وله يحتمل أن يكون ابتداء كلام يحتمل أن يكون معادلا لقوله ~~ولكم الويل [الأنبياء: 18] كأنه تقسيم الأمر في نفسه أي للمختلقين هذه ~~المقالة الويل ولله تعالى من في السماوات والأرض واللام في له لام الملك، ~~وقوله تعالى: من في السماوات يعم الملائكة والنبيين وغيرهم، ثم خصص من هذا ~~العموم من أراد تشريفه من الملائكة بقوله تعالى: ومن عنده لأن «عند» هنا ~~ليست في المسافات إنما هي تشريف في المنزلة فوصفهم تعالى بأنهم لا يستكبرون ~~عن عبادة الله ولا يسأمونها ولا يكلون فيها. والحسير من الإبل المعيي ومنه ~~قول الشاعر: [الطويل] . # لهن الوجى لم يكن عونا على النوى ... ولا كان منها طالع وحسير # وحسر واستحسر بمعنى واحد، وهذا موجود في كثير من الأفعال وإن كان الباب ~~في استفعل أن يكون لطلب الشيء، وقوله تعالى: لا يفترون، روي عن كعب الأحبار ~~أنه قال جعل الله التسبيح كالنفس وطرف العين للبشر منهم دائبا دون أن ~~يلحقهم فيه سآمة، وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى ms2412 الله عليه وسلم ~~بينما هو جالس مع أصحابه إذ قال «أتسمعون ما أسمع» قالوا: ما نسمع من شيء ~~يا رسول الله، قال «إني لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع ~~راحة إلا وفيه ملك ساجد أو قائم» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 21 الى 24] # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ~~(23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) PageV04P077 # هذه أم التي هي بمنزلة ألف الاستفهام، وهي هاهنا تقرير وتوقيف، ومذهب ~~سيبويه أنها بمنزلة بل مع ألف الاستفهام، كأن في القول إضرابا عن الأول ~~ووقفهم الله تعالى هل اتخذوا آلهة يحيون ويخترعون، أي ليست آلهتكم كذلك فهي ~~غير آلهة لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة. وقرأت فرقة ~~«ينشرون» بضم الياء بمعنى يحيون غيرهم، وقرأت فرقة «ينشرون» بمعنى يحيونهم ~~وتدوم حياتهم يقال نشر الميت وأنشره الله تعالى، ثم بين تعالى أمر التمانع ~~بقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وذلك بأنه كان يبغي بعضهم على بعض ~~ويذهب بما خلق، واقتضاب القول في هذا أن الإلهين لو فرضا فوقع بينهما ~~الاختلاف في تحريك جرم وتسكينه فمحال أن تتم الإرادتان ومحال أن لا تتم ~~جميعا، وإذا تمت الواحدة كان صاحب الأخرى عاجزا، وهذا ليس بإله، وجواز ~~الاختلاف عليهما بمنزلة وقوعه منهما ونظر آخر وذلك أن كل جزء يخرج من العدم ~~إلى الوجود فمحال أن يتعلق به قدرتان، فإذا كانت قدرة أحدهما موجدة بقي ~~الآخر فضلا لا معنى له في ذلك الجزء، ثم يتمادى النظر هكذا جزءا جزءا ثم ~~نزه تعالى نفسه عما وصفه أهل الجهالة والكفر، ثم وصف نفسه تعالى بأنه لا ~~يسئل عما يفعل وهذا وصف يحتمل معنيين: إما أن يريد أنه بحق ملكه وسلطانه لا ~~يعارض ولا يسأل عن شيء يفعله ms2413 إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء، وإما أن يريد ~~أنه محكم الأفعال واضع كل شيء موضعه فليس في أفعاله موضع سؤال ولا اعتراض، ~~وهؤلاء من البشر يسألون لهاتين العلتين لأنهم ليسوا مالكين ولأنهم في ~~أفعالهم خلل كثير، ثم قررهم تعالى ثانية على اتخاذ الآلهة، وفي تكرار هذا ~~التقرير مبالغة في نكره وبيان فساده، وفي هذا التقرير زيادة على الأول وهي ~~قوله تعالى: من دونه فكأنهم قررهم هنا على قصد الكفر بالله عز وجل، ثم ~~دعاهم إلى الحجة والإتيان بالبرهان. وقوله تعالى: هذا ذكر من معي وذكر من ~~قبلي يحتمل أن يريد به هذا جميع الكتب المنزلة قديمها وحديثها، أي ليس فيها ~~برهان على اتخاذ آلهة من دون الله، بل فيها ضد ذلك، ويحتمل أن يريد هذا ~~القرآن والمعنى فيه ذكر الأولين والآخرين، فذكر الآخرين بالدعوة وبيان ~~الشرع لهم وردهم على طريق النجاة، وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في ~~أمورهم، ومعنى الكلام على هذا التأويل عرض القرآن في معرض البرهان أي هاتوا ~~برهانكم فهذا برهاني أنا ظاهر في ذكر من معي وذكر من قبلي وقرأت فرقة «هذا ~~ذكر من» «وذكر من» بالإضافة فيهما، وقرأت فرقة «هذا ذكر من» بالإضافة «وذكر ~~من قبلي» بتنوين «ذكر» الثاني وكسر الميم من قوله تعالى: من قبلي وقرأ يحيى ~~بن سعيد وابن مصرف بالتنوين في «ذكر من» في الموضعين وكسر الميم من قوله ~~«من» في الموضعين، وضعف أبو حاتم هذه القراءة كسر الميم في الأولى ولم ير ~~لها وجها، ثم حكم عليهم تعالى بأن أكثرهم لا يعلمون الحق لإعراضهم عنه وليس ~~المعنى فهم معرضون لأنهم لا يعلمون بل المعنى فهم معرضون ولذلك لا يعلمون ~~الحق وقرأ الحسن وابن محيصن «الحق» بالرفع على معنى هذا القول هو الحق ~~والوقف على هذه القراءة على لا يعلمون. PageV04P078 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 25 الى 28] # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~(25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ms2414 بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) # لما أخبرهم تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم أتبع ذلك بإعلامهم أنه ما ~~أرسل قط رسولا إلا أوحى إليه أن الله تعالى فرد صمد، وهذه عقيدة لم تختلف ~~فيها النبوات، وإنما اختلفت في الأحكام. وقرأ حمزة والكسائي «نوحي» بنون ~~مضمومة، وقرأ الباقون «يوحى» بياء مضمومة. واختلف عن عاصم ثم عدد بعد ذلك ~~نوعا آخر من كفرهم وذلك أنهم مع اتخاذهم آلهة كانوا يقربون بالله تعالى هو ~~الخالق الرازق إلا أنهم قال بعضهم اتخذ الملائكة بنات، وقال نحو هذه ~~المقالة النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام، واليهود في عزير، فجاءت هذه ~~الآية رادة على جميعهم منبهة عليهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالة الكفرة ~~وأضرب عن مقالهم ونص ما هو الأمر في نفسه بقوله بل عباد مكرمون وهذه عبارة ~~تشمل الملائكة وعزيرا وعيسى. وقوله تعالى: لا يسبقونه بالقول عبارة عن حسن ~~طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر، وقوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم أي ما تقدم من أفعالهم وأعمالهم، والحوادث التي لها إليهم تنسب وما ~~تأخر، ثم أخبر تعالى أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع له، قال ~~بعض المفسرين لأهل لا إله إلا الله، «والمشفق» البالغ في الخوف المحترق من ~~الفزع على أمر ما. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 29 الى 30] # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) ~~أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) # المعنى من يقل منهم كذا أن لو قاله وليس منهم من قال هذا، وقال بعض ~~المفسرين المراد بقوله ومن يقل الآية، إبليس. # قال القاضي أبو محمد: هذا ضعيف لأن إبليس لم يرو قط أنه ادعى ربوبية، ~~وقرأ الجمهور «نجزيه» بفتح النون، وقرأ أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد ~~«نجزيه» ms2415 بضم النون والهاء ووجهها أن المعنى نجعلها تكتفي به من قولك أجزاني ~~الشيء ثم خففت الهمزة ياء. وقوله تعالى: كذلك أي كجزائنا هذا القائل جزاؤنا ~~الظالمين، ثم وقفهم على عبرة دالة على وحدانية الله جلت قدرته، و «الرتق» ~~الملتصق بعضه ببعض المبهم الذي لا صدع فيه ولا فتح ومنه امرأة رتقاء، ~~واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: كانتا رتقا ففتقناهما فقالت فرقة كانت ~~السماء ملتصقة بعضها ببعض والأرضون كذلك ففتقهما الله تعالى سبعا PageV04P079 # سبعا، وعلى هذين القولين ف «الرؤية» الموقف عليها رؤية القلب، وقالت فرقة ~~السماء قبل المطر رتق والأرض قبل النبات رتق ففتقهما تعالى بالمطر والنبات، ~~كما قال الله تعالى والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع [الطارق: 11- 12] ~~وهذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة بمحسوس بين ويناسب قوله ~~وجعلنا من الماء كل شيء حي أي من الماء الذي أوجده الفتق فيظهر معنى الآية ~~ويتوجه الاعتبار، وقالت فرقة السماء والأرض رتق بالظلمة وفتقهما الله تعالى ~~بالضوء ع و «الرؤية» على هذين القولين رؤية العين، والأرض هنا اسم الجنس ~~فهي جمع، وقرأ الجمهور «رتقا» بسكون التاء، والرتق مصدر وصف به كالزور ~~والعدل، وقرأ الحسن والثقفي وأبو حيوة «كانتا رتقا» بفتح التاء وهو اسم ~~المرتوق كالنفض والنفض والخبط والخبط وقال كانتا من حيث هما نوعان ونحوه ~~قول عمرو بن شيم. ألم يحزنك أن جبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا. # وقوله كانتا في القولين الأولين بمنزلة قولك كان زيد حيا، أي لم يكن، وفي ~~القولين الآخرين بمنزلة قولك كان زيدا عالما أي وهو كذلك، وقرأ ابن كثير ~~وحده «ألم ير» بإسقاط الواو. وقوله وجعلنا من الماء كل شيء حي بين أنه ليس ~~على عموم فإن الملائكة والجن قد خرجوا عن ذلك، ولكن الوجه أن يحمل على أعم ~~ما يمكن فالحيوان أجمع والنبات على أن الحياة فيه مستعارة داخل في هذا، ~~وقالت فرقة المراد ب «الماء» المني في جميع الحيوان، ثم وقفهم على ترك ~~الإيمان توبيخا وتقريعا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات ms2416 31 الى 33] # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ~~(31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق ~~الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) # «الرواسي» جمع راسية أي ثابتة يقال رسا يرسو إذا ثبت واستقر ولا يستعمل ~~إلا في الأجرام الكبار كالجبال والسفينة ونحوه، ويروى أن الأرض كانت تكفأ ~~بأهلها حتى ثقلها الله تعالى بالجبال فاستقرت، و «الميد» التحرك، و ~~«الفجاج» الطرق المتسعة في الجبال وغيرها، وسبلا جمع سبيل، والضمير في قوله ~~تعالى: فيها يحتمل أن يعود على الرواسي ويحتمل أن يعود على الأرض وهو أحسن، ~~ويهتدون معناه في مسالكهم وتصرفهم، و «السقف» ما علا، و «الحفظ» هنا عام في ~~الحفظ من الشياطين ومن الرمي وغير ذلك من الآفات، وآياتها كواكبها ~~وأمطارها، والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك مما يشبه، وقرأت فرقة «وهم عن ~~آيتها» بالإفراد الذي يراد به الجنس، و «الفلك» الجسم الدائر دورة اليوم ~~والليلة فالكل في ذلك سابح متصرف، وعن بعض المفسرين أن الكلام فيما هو ~~الفلك فقال بعضهم كحديد الرحى، وقال بعضهم كالطاحونة مما لا ينبغي التسور ~~عليه، غير أنا نعرف أن الفلك جسم يستدير. # ويسبحون معناه يتصرفون، وقالت فرقة «الفلك» موج مكفوف ورأوا قوله يسبحون ~~من السباحة وهو العوم. PageV04P080 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 34 الى 35] # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) # قيل إن سبب هذه الآية أن بعض المسلمين قال إن محمدا لن يموت وإنما هو ~~مخلد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكره ونزلت هذه الآية والمعنى ~~لم نخلد أحدا ولا أنت لا نخلدك وينبغي أن لا ينتقم أحد من المشركين عليك في ~~هذا أهم مخلدون إن مت أنت فيصح لهم انتقام، وقيل إن سبب الآية أن كفار مكة ~~طعنوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه بشر وأنه يأكل الطعام ويموت ~~فكيف يصح إرساله ms2417 فنزلت الآية رادة عليهم، وألف الاستفهام داخلة في المعنى ~~على جواب الشرط وقدمت في أول الجملة لأن الاستفهام له صدر الكلام والتقدير ~~أفهم الخالدون إن مت، والفاء في قوله «فإن» عاطفة جملة على جملة، وقرأت ~~فرقة «مت» بضم الميم، وفرقة «مت» بكسرها، وقوله كل نفس عموم يراد به ~~الخصوص، والمراد كل نفس مخلوفة، و «الذوق» هاهنا مستعار، ونبلوكم معناه ~~نختبركم وقدم الشر لأن الابتداء به أكثر ولأن العرب من عادتها أن تقدم ~~الأقل والأردى فمنه قوله تعالى: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة [الكهف: 49] ومنه ~~قوله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات [فاطر: 32] ~~فبدأ في تقسيم أمة محمد بالظلم وقال الطبري عن ابن عباس أنه جعل الخير و ~~«الشر» هنا عاما في الغنى والفقر والصحة والمرض والطاعة والمعصية والهدى ~~والضلالة. # قال القاضي أبو محمد: إن المراد من الخير و «الشر» هنا ما يصح أن يكون ~~فتنة وابتلاء وذلك خير المال وشره وخير الدنيا في الحياة وشرها، وأما الهدى ~~والضلال فغير داخل في هذا ولا الطاعة ولا المعصية لأن من هدى فليس نفس هداه ~~اختبار بل قد تبين خبره، فعلى هذا ففي الخير والشر ما ليس فيه اختبار، كما ~~يوجد أيضا اختبار بالأوامر والنواهي، وليس بداخل في هذه الآية. وفتنة معناه ~~امتحانا وكشفا، ثم أخبر عز وجل عن الرجعة إليه والقيام من القبور، وفي قوله ~~وإلينا ترجعون وعيد، وقرأت فرقة «ترجعون» بضم التاء، وقرأت فرقة «ترجعون» ~~بفتحها، وقرأت فرقة «يرجعون» بالياء مضمومة على الخروج من الخطاب إلى ~~الغيبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 36 الى 38] # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون (36) خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون ~~(37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) # روي أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام رأيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، في المسجد PageV04P081 # فاستهزآ به فنزلت الآية بسببهما، وظاهر الآية أن كفار قريش وعظماءهم ~~يعمهم ms2418 هذا المعنى من أنهم ينكرون أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر ~~آلهتهم وذكره لهم بفساد، وإن بمعنى ما وفي الكلام حذف تقديره يقولون أهذا ~~الذي وقوله يذكر لفظة تعم المدح والذم لكن قرينة المقال أبدا تدل على ~~المراد من الذكر وتم ما حكي عنهم في قوله تعالى: آلهتكم، ثم رد عليهم بأن ~~قرن بإنكارهم ذكر الأصنام كفرهم بذكر الله أي فهم أحق وهم المخطئون. وقوله ~~تعالى: بذكر أي بما يجب أن يذكر به ولا إله إلا الله منه. # وقوله بذكر الرحمن روي أن الآية نزلت حين أنكروا هذه اللفظة وقالوا ما ~~نعرف الرحمن إلا في اليمامة، وظاهر الكلام أن الرحمن قصد به العبارة عن ~~الله تعالى كما لو قال وهم بذكر الله وهذا التأويل أغرق في ضلالهم وخطاهم. ~~وقوله تعالى: خلق الإنسان من عجل، توطئة للرد عليهم في استعجالهم العذاب ~~وطلبهم آية مقترحة وهي مقرونة بعذاب مجهز إن كفروا بعد ذلك، ووصف تعالى ~~الإنسان الذي هو اسم الجنس بأنه «خلق من عجل» وهذا على جهة المبالغة كما ~~تقول للرجل البطال أنت من لعب ولهو وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«لست من دد ولا دد مني» ، وهذا نحو قول الشاعر: # وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان على الفم # كأنه مما كانوا أهل ضرب الهام، وملازمة الضرب قال إنهم من الضرب ع وهذا ~~التأويل يتم به معنى الآية المقصود في أن ذمت عجلتهم وقيل لهم على جهة ~~الوعيد إن الآيات ستأتي فلا تستعجلون وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: خلق ~~الإنسان من عجل إنه على المقلوب كأنه أراد خلق العجل من الإنسان على معنى ~~أنه جعل طبيعة من طبائعه وجزءا من أخلاقه ع وهذا التأويل ليس فيه مبالغة ~~وإنما هو إخبار مجرد وإنما حمل قائليه عليه عدمهم وجه التجوز والاستعارة في ~~أن يبقى الكلام على ترتيبه ونظير هذا القلب الذي قالوه قول العرب: إذا طلعت ~~الشعرى استوى العود على الحرباء، وكما قالوا عرضت ms2419 الناقة على الحوض وكما ~~قال الشاعر: [البسيط] # حسرت كفي على السربال آخذه ... فردا يخر على أيدي المفدينا # وأما المعنى في تأويل من رأى الكلام من المقلوب فكالمعنى الذي قدمناه، ~~وقالت فرقة من المفسرين قوله خلق الإنسان من عجل إنما أراد أن آدم عليه ~~السلام خلقه الله تعالى في آخر ساعة من يوم الجمعة فتعجل به قبل مغيب ~~الشمس، وروى بعضهم أن آدم عليه السلام قال يا رب أكمل خلقي فإن الشمس على ~~الغروب أو غربت ع وهذا قول ضعيف ومعناه لا يناسب معنى الآية، وقالت فرقة ~~العجل الطين والمعنى خلق آدم من طين. وأنشد النقاش: والنخل ينبت بين الماء ~~والعجل. وهذا أيضا ضعيف ومعناه مباين لمعنى الآية، وقالت فرقة معنى قوله ~~خلق الإنسان من عجل أي بقوله كن فهو حال عجلة وهذا أيضا ضعيف وفيه تخصيص ~~ابن آدم بشيء كل مخلوق يشاركه فيه، وليس في هذه الأقوال ما يصح معناه ~~ويلتئم مع الآية إلا القول الأول، وقرأت فرقة «خلق» على بناء الفعل ~~للمفعول، وقرأت فرقة «خلق الإنسان» على معنى خلق الله الإنسان، فمعنى الآية ~~بجملتها خلق الإنسان من عجل على معنى التعجب من تعجل PageV04P082 # هؤلاء المقصودين بالرد، ثم توعدهم بقوله سأريكم آياتي أي سآتي ما يسوءكم ~~إذا دمتم على كفركم، يريد يوم بدر وغيره، ثم فسر استعجالهم بقولهم متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين وكأن استفهامهم على جهة الهزء والتكذيب، وقوله إن ~~كنتم صادقين يريدون محمدا صلى الله عليه وسلم ومن آمن به لأن المؤمنين ~~كانوا يتوعدونهم على لسان الشرع وموضع متى رفع عند البصريين وقال بعض ~~الكوفيين موضعه نصب على الظرف والعامل فعل مقدر تقديره يكون أو يجيء والأول ~~أصوب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 39 الى 41] # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ~~ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) ~~ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41) # حذف ms2420 جواب لو إيجازا لدلالة الكلام عليه وأبهم قدر العذاب لأنه أبلغ وأهيب ~~من النص عليه وهذا محذوف نحو قوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو ~~قطعت به الأرض [الرعد: 31] ، ويقدر المحذوف في جواب هذه الآية لما استعجلوه ~~ونحوه، وقوله حين لا يكفون عن وجوههم النار يريد يوم القيامة، وذكر ~~«الوجوه» خاصة لشرفها من الإنسان وأنها موضع حواسه وهو أحرص على الدفاع ~~عنه، ثم ذكر «الظهور» ليبين عموم النار لجميع أبدانهم، وقوله بل تأتيهم ~~استدراك مقدر قبله نفي تقديره أن الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم بل تأتيهم ~~بغتة، والضمير للساعة التي تصيرهم إلى العذاب ويحتمل أن يكون ل النار، ~~وقرأت فرقة «يأتيهم» بالياء على أن الضمير للوعد «فيبهتهم» بالياء أيضا، ~~والبغتة الفجأة من غير مقدمة، وينظرون معناه يؤخرون ثم آنس تعالى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بما جرى على سائر الأنبياء من استهزاء قومهم بهم وحلول ~~العذاب بالمستهزئين، و «حاق» معناه نزل وحل وهي مستعملة في العذاب ~~والمكاره، وقوله ما كانوا فيه محذوف تقديره جزاء ما كانوا أو نحوه ومع هذا ~~التأنيس الذي لمحمد صلى الله عليه وسلم وعيد للكفرة وضرب مثل لهم بمن سلف ~~من الأمم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 42 الى 44] # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم ~~لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) ~~بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) # المعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفرة المستهزئين بك وبما جئت به الكافرين ~~بذكر الرحمن PageV04P083 # الجاهلين به قل لهم على جهة التوبيخ والتقريع من يحفظكم، و «كلأ» معناه ~~حفظ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال «اكلأ لنا الفجر» وفي آخر ~~الكلام تقدير محذوف كأنه قال ليس لهم مانع ولا كالىء وعلى هذا النفي تركبت ~~بل في قوله بل هم عن ذكر ربهم معرضون ثم يقضي عليهم التقدير في ms2421 أنه لا مانع ~~لهم من الله بأن كشف أمر آلهتهم والمعنى أيظنون أن آلهتهم التي هي بهذه ~~الصفة تمنعهم من دوننا بل ما يمنعهم أحد إلا نحن، وقوله تعالى: ولا هم منا ~~يصحبون يحتمل تأويلين أحدهما يجارون ويمنعون، والآخر ولا هم منا يصحبون ~~بخير ولا تزكية ونحو هذا، وفي الكلام تقدير بعد محذوف كأنه قال ليس ثم شيء ~~من هذا كله بل ضل هؤلاء لأنا متعناهم ومتعنا آباءهم فنسوا عقاب الله وظنوا ~~أن حالهم لا تبيد والمعنى طال العمر في رخاء ثم وقفهم الله تعالى على مواضع ~~العبر في الأمم وفي البشر بحسب الخلاف والأطراف، والرؤية في قوله يرون رؤية ~~العين تتبعها رؤية القلب، ونأتي معناه بالقدرة والبأس، والأرض عامة في ~~الجنس. وقوله من أطرافها إما أن يريد فيما يخرب من المعمور فذلك نقص للأرض ~~وإما أن يريد موت البشر فهو تنقص للقرون ويكون المراد حينئذ نأتي أهل ~~الأرض، وقال قوم النقص من الأطراف موت العلماء ثم وقفهم على جهة التوبيخ ~~أهم يعلمون من غلب أهل الأرض قهر الكل بسلطانه وعظمته أي إن ذلك محال بين ~~بل هم مغلوبون مقهورون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 45 الى 46] # قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن ~~مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) # المعنى قل أيها المقترحون المتشططون إنما أنذركم بوحي يوحيه الله إلى ~~وبدلالات على العبر التي نصبها الله تعالى لينظر فيها كنقصان الأرض من ~~أطرافها وغيره ولم أبعث بآية مضطرة ولا ما تقترحون، ثم قال ولا يسمع بمعنى ~~وأنتم معرضون عما أنذر به فهو غير نافع لكم ومثل أمرهم ب الصم، وقرأ جمهور ~~القراء «ولا يسمع» بالياء وإسناد الفعل إلى الصم وقرأ ابن عامر وحده «ولا ~~تسمع» بضم التاء وكسر الميم ونصب «الصم» ، وقرأت فرقة «ولا تسمع» بتاء ~~مضمومة وفتح الميم وبناء الفعل للمفعول والفرقتان نصبت الدعاء، وقرأت فرقة ~~«ولا يسمع الصم الدعاء» بإضافة «الصم» إلى «الدعاء» وهي قراءة ms2422 ضعيفة وإن ~~كانت متوجهة، ثم خاطب تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم متوعدا لهم بقوله ~~ولئن مستهم نفحة، والنفحة الخطرة والمسة كما تقول نفح بيده إذا قال بها ~~هكذا ضاربا إلى جهة، ومنه نفحة الطيب كأنه يخطر خطرات على الحاسة، ومنه نفح ~~له من عطايا إذا أجراه منها نصيبا، ومنه نفح الفرس برجله إذا ركض، والمعنى ~~ولئن مس هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم ليندمن وليقرن بظلمهم. # قوله عز وجل: PageV04P084 ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 47 الى 50] # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ~~وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون ~~(49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) # لما توعدهم بنفحة من عذاب الدنيا عقب ذلك بتوعد بوضع الموازين وإنما ~~جمعها وهو ميزان واحد من حيث لكل أحد وزن يخصه ووحد القسط وهو جاء بلفظ ~~الموازين مجموعا من حيث القسط مصدر وصف به كما تقول قوم عدل ورضى وقرأت ~~فرقة «القصط» بالصاد، وقوله تعالى: ليوم القيامة أي لحساب يوم القيامة أو ~~لحكم يوم القيامة فهو بتقدير حذف مضاف والجمهور على أن الميزان في يوم ~~القيامة بعمود وكفتين توزن به الأعمال ليبين المحسوس المعروف عندهم، والخفة ~~والثقل متعلقة بأجسام ويقرنها الله تعالى يومئذ بالأعمال فإما أن تكون صحف ~~الأعمال أو مثالات تخلق أو ما شاء الله تعالى. وقرأ نافع وحده «مثقال» ~~بالرفع على أن تكون كان تامة، وقرأ جمهور الناس «مثقال» بالنصب على معنى ~~وإن كان الشيء أو العمل، وقرأ الجمهور «أتينا» على معنى جئنا، وقرأ ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما «آتينا» على معنى «وآتينا» من المواتاة ولا يقدر تفسير ~~آتينا بأعطينا لما تعدت بحرف جر. # قال القاضي أبو محمد: ويوهن هذه القراءة أن بدل الواو المفتوحة همزة ليس ~~بمعروف وإنما يعرف ذلك في المضمومة والمكسورة، وفي قوله وكفى بنا حاسبين ~~توعد، ثم عقب بالتمثيل بأمر موسى عليه السلام، والفرقان فيما ms2423 قالت فرقة ~~التوراة وهي الضياء والذكر، وقرأ ابن كثير وحده «ضيئاء» بهمزتين قبل الألف ~~وبعدها، وقرأ الباقون «ضياء» بهمزة واحدة بعد الألف، وقرأ ابن عباس «ضياء» ~~بغير واو وهي قراءة عكرمة والضحاك وهذه القراءة تؤيد قول من قال المراد ~~بذلك كله التوراة، وقالت فرقة الفرقان هو ما رزقه الله من نصر وظهور حجة ~~وغير ذلك مما فرق بين أمره وأمر فرعون، و «الضياء» التوراة و «الذكر» بمعنى ~~التذكرة، وقوله تعالى: بالغيب يحتمل ثلاث تأويلات أحدها في غيبهم وخلواتهم ~~وحيث لا يطلع عليهم أحد وهذا أرجحها، والثاني أنهم يخشون الله تعالى على أن ~~أمره تعالى غائب وإنما استدلوا بدلائل لا بمشاهدة، والثالث أنهم يخشون الله ~~ربهم بما أعلمهم به مما غاب عنهم من أمر آخرتهم ودنياهم. و «الإشفاق» أشد ~~الخشية والساعة القيامة، وقوله تعالى: وهذا إشارة إلى القرآن، وأنزلناه إما ~~أن يكون بمعنى أتيناه كما تقول أنزل السلطان فلانا بمكان كذا إذا أثبته له، ~~وإما أن يتعلق النزول بالملك، ثم وقفهم الله تعالى تقريرا وتوبيخا هل يصح ~~لهم إنكار بركته وما فيه من الدعاء إلى الله تعالى وإلى صالح العمل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 51 الى 58] # ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ~~ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ~~(53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم ~~أنت من اللاعبين (55) # قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ~~(56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) PageV04P085 # الرشد عام في هدايته إلى رفض الأصنام وفي هدايته في أمر الكوكب والشمس ~~والقمر وغير ذلك من النبوءة فما دونها، وقال بعضهم معناه وفق للخير صغيرا ~~وهذا كله متقارب، ومن قبل معناه من قبل موسى وهارون، فبهذه الإضافة هو قبل ~~كما هي نسبة نوح منه، قوله وكنا به عالمين مدح ل إبراهيم أي بأنه يستحق ms2424 ما ~~أهل له وهذا نحو قوله تعالى: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] ~~والعامل في إذ قوله آتينا والتماثيل الأصنام لأنها كانت على صورة الإنسان ~~من خشب، و «العكوف» الملازمة للشيء وقوله فطرهن عبارة عنها كأنها تعقل وهذه ~~من حيث لها طاعة وانقياد وقد وصفت من مواضع بما يوصف به من يعقل، وقوله ~~تالله لأكيدن الآية، روي أنه حضرهم عيد لهم فعزم قوم منهم على إبراهيم في ~~حضوره طمعا منهم أن يستحسن شيئا من أخبارهم فمشى معهم فلما كان في الطريق ~~أثنى عزمه على التخلف عنهم فقعد وقال لهم إني سقيم فمر به جمهورهم ثم قال ~~في خلوة من نفسه وتالله لأكيدن أصنامكم وسمعه قوم من ضعفتهم ممن كان يسير ~~في آخر الناس، وقوله بعد أن تولوا مدبرين معناه إلى عيدهم ثم انصرف إبراهيم ~~عليه السلام إلى بيت أصنامهم فدخله ومعه قدوم فوجد الأصنام وقفت أكبرها أول ~~ثم الذي يليه فالذي يليه وقد جعلوا أطعمتهم في ذلك اليوم بين يدي الأصنام ~~تبركا لينصرفوا من ذلك العيد إلى أكله، فجعل عليه السلام يقطعها بذلك ~~القدوم حتى أفسد أشكالها كلها حاشى الكبير فإنه تركه بحاله وعلق القدوم من ~~يده وخرج عنها، وجذاذا معناه قطعا صغارا، والجذ القطع. وقرأ الجمهور ~~«جذاذا» بضم الجيم، وقرأ الكسائي وحده بكسرها، وقرأ ابن عباس وأبو نهيك ~~وأبو السمال بفتحها وهي لغات والمعنى واحد، وقوله فجعلهم ونحوه معاملة ~~للأصنام بحال من يعقل من حيث كانت تعبد وتنزل منزلة من يعقل، والضمير في ~~إليه أظهر ما فيه أنه عائد على «إبراهيم» أي فعل هذا كله توخيا منه أن يعقب ~~ذلك منهم رجعة إليه وإلى شرعه ويحتمل أن يعود الضمير على الكبير المتروك ~~ولكن يضعف ذلك دخول الترجي في الكلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 59 الى 63] # قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم ~~يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) ~~قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال ms2425 بل فعله كبيرهم هذا ~~فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) # المعنى فانصرفوا من عيدهم فرأوا ما حدث بآلهتهم فأكبروا ذلك وحينئذ قالوا ~~من فعل هذا على جهة البحث والإنكار، وقالوا الثانية الضمير فيها للقوم ~~الضعفة الذي سمعوا إبراهيم حين قال وتالله PageV04P086 # لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57] واختلف في وجه رفع قوله إبراهيم فقالت فرقة هو مرتفع ~~بتقدير النداء كأنهم أرادوا الذي يقال له عند ما يدعى يا إبراهيم، وقالت ~~فرقة رفعة على إضمار الابتداء تقديره هو إبراهيم. # قال القاضي أبو محمد: والأول أرجح، وقال الأستاذ أبو الحجاج الإشبيلي ~~الأعلم هو رفع على الإهمال ع لما رأى وجوه الرفع كأنها لا توضح المعنى الذي ~~قصدوه ذهب إلى رفعه بغير شيء كما قد يرفع التجرد والعرو عن العوامل ~~الابتداء ع والوجه عندي أنه مفعول لم يسم فاعله على أن يجعل إبراهيم غير ~~دال على الشخص بل تجعل النطق به دالا على بناء هذه اللفظة وهذا كما تقول ~~زيد وزن فعل أو زيد ثلاثة أحرف فلم تدخل بوجه على الشخص بل دللت بنطقك على ~~نفس اللفظة وعلى هذه الطريقة تقول قلت إبراهيم ويكون مفعولا صحيحا أنزلته ~~منزلة قول وكلام فلا يتعذر بعد ذلك أن بني الفعل للمفعول، وقوله على أعين ~~الناس يريد في الحفل وبمحضر الجمهور، وقوله يشهدون يحتمل أن يراد به ~~الشهادة عليه يريدون بفعله أو بقوله لأكيدن [الأنبياء: 57] ويحتمل أن يريد ~~به المشاهدة أي يشاهدون عقوبته أو غلبته المؤدية إلى عقوبته، المعنى فجاء ~~إبراهيم حين أوتي به فقالوا له أنت فعلت هذا بالآلهة فقال لهم إبراهيم عليه ~~السلام بل فعله كبيرهم هذا على معنى الاحتجاج عليهم أي إنه غار من أن يعبد ~~وتعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، وقالت فرقة هي الأكثر إن هذا الكلام ~~قاله إبراهيم عليه السلام لأنها كذبة في ذات الله تؤدي إلى خزي قوم كافرين ~~والحديث الصحيح يقتضي ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم، «لم يكذب ~~إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله إني سقيم [الصافات: 89] وقوله بل فعله كبيرهم ms2426 ~~هذا وقوله للملك هي أختي» ثم تطرق إلى موضع خزيهم بقوله فسئلوهم إن كانوا ~~ينطقون على جهة التوقيف ع وذهبت فرقة إلى نفي الكذب عن هذه المقالات، وقالت ~~فرقة معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم يكذب إبراهيم» أي لم يقل ~~كلاما ظاهره الكذب أو يشبه الكذب وذهبت إلى تخريج هذه المقالات فخرجت هذه ~~الآية على معنى أنه أراد تعليق فعل الكبير بنطق الآخرين كأنه قال بل هو ~~الفاعل إن نطق هؤلاء ولم يخرج الخبر، على أن الكبير فعل ذلك، وفي الكلام ~~تقديم على هذا التأويل في قوله فسئلوهم وذهب الفراء إلى جهة أخرى بأن قال ~~قوله فعله ليس من الفعل وإنما هو فلعله على جهة التوقع حذف اللام على قولهم ~~عله بمعنى لعله ثم خففت اللام ع وهذا تكلف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 64 الى 70] # فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤسهم ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ~~ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا ~~حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأخسرين (70) PageV04P087 # المعنى فظهر لهم ما قال إبراهيم من أن الأصنام التي قد أهلوها للعبادة ~~ينبغي أن تسأل وتستفسر «فقالوا إنكم الظالمون» في توقيف هذا الرجل على هذا ~~الفعل وأنتم معكم من تسألون، ثم ارتكبوا في ضلالهم ورأوا بالفكرة وبديهة ~~العقل أن الأصنام لا تنطق فسامهم ذلك حتى نطقوا عنه إلى موضع قيام الحجة ~~عليهم، وقوله تعالى: نكسوا على رؤسهم استعارة للذي يرتطم في غيه كأنه منكوس ~~رأسه فهي أقبح هيئة للإنسان وكذلك هذا هو في أسوأ حالات النظر فقالوا ~~لإبراهيم حين نكسوا في حيرتهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي فما بالك تدعو ~~إلى ذلك فوجد إبراهيم عليه السلام عند هذه المقالة موضع الحجة ووقفهم موبخا ~~على عبادتهم تماثيل لا تنفع بذاتها ولا تضر ms2427 ثم حقر شأنها وأزرى بها في قوله ~~أف لكم وقرأ ابن كثير «أف لكم» بالفتح، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية أبي بكر «أف لكم» بالكسر وترك التنوين فيهما، وقرأ نافع وحفص عن ~~عاصم «أف» بالكسر والتنوين وأف لفظة تقال عند المستقذرات من الأشياء ~~فيستعار ذلك للمكروه من المعاني كهذا وغيره فلما غلبهم إبراهيم عليه السلام ~~من جهة النظر والحجة نكسوا رؤوسهم وأخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق ~~الغشم والغلبة ف قالوا حرقوه وروي أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد ~~من أعراب فارس أي من باديتها فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى ~~يوم القيامة، وقوله تعالى: إن كنتم فاعلين تحريض كما تقول أعزم على كذا إن ~~كنت عازما، وروي أنهم لما أجمع رأيهم على تحريقه حبسه نمرود الملك وأمر ~~بجمع الحطب فجمع في مدة أشهر وكان المريض يجعل على نفسه نذرا إن هو برىء أن ~~يجمع كذا وكذا حزمة حتى اجتمع من الحطب مما تبرع به الناس ومما جلب الملك ~~من أهل الرساتيق كالجبل من الحطب ثم أضرم نارا فلما أرادوا طرح إبراهيم فيه ~~لم يقدروا على القرب منه، فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال لهم أنا أصنع لكم ~~آلة يلقى بها في النار، فعلمهم صنعة المنجنيق، ثم أخرج إبراهيم عليه السلام ~~فشد رباطا ووضع في كفه المنجنيق ورمي به فوقع في النار وقد قيل لها كوني ~~بردا وسلاما فاحترق الحبل الذي ربط به فقط. # وروي أن جبريل عليه السلام جاءه وهو في الهواء فقال له ألك حاجة فيروى ~~أنه قال له أما إليك فلا. # ويروى أنه قال له إني خليل وإنما أطلب حاجتي من خليلي لا من رسوله فقال ~~الله تعالى: يا إبراهيم قطعت الواسطة بيني وبينك لأقطعنها بيني وبين النار، ~~يا نار. # وروي أنه حين خوطبت النار خمدت كل نار في الأرض. # وروي أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم. # وروي أن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذلك البغل. # وروي ms2428 أن العضرفوط والخطافة والضفدع كانوا ينقلون الماء لتطفأ النار فأبقى ~~الله على هذه الوقاية وسلط الله على تلك الأخرى النوائب والأيدي وقال بعض ~~العلماء إن الله تعالى لو لم يقل وسلاما لهلك إبراهيم من برد النار. # قال القاضي أبو محمد: وقد أكثر الناس في قصص حرق إبراهيم وذكروا تحديد ~~مدة بقائه في النار PageV04P088 # وصورة بقائه ما رأيت اختصاره لقلة صحته، والصحيح من ذلك أنه ألقي في ~~النار فجعلها الله تعالى عليه بردا وسلاما فخرج منها سالما وكانت أعظم آية. # وروي أنهم قالوا إنها نار مسحورة لا تحرق فرموا فيها شيخا منهم فاحترق. # وروي أن العيدان أينعت وأثمرت له هنالك ثمارها التي كانت أصولها، وقوله ~~وسلاما معناه وسلامة، وقال بعضهم هي تحية من الله تعالى لإبراهيم (ع) : ~~وهذا ضعيف وكان الوجه أن يكون مرفوعا، و «الكيد» هو ما أرادوه من حرقه ~~وكانوا في خسارة من كفرهم وغلبته لهم وحرق الشيخ الذي جربوا به النار. # وروي أن الملك بنى بناء واطلع منه على النار فرأى إبراهيم عليه السلام ~~ومعه ناس فعجب وسأل هل طرح معه أحد فقيل له فناداه فقال من أولئك فقال هم ~~ملائكة ربي ع والمروي في هذا كثير غير صحيح. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 71 الى 73] # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) # روي أن إبراهيم عليه السلام لما أخرج من النار أحضره النمرود وكلمه ثم ~~ختم الله عليه بالكفر فلج وقال لإبراهيم في بعض قوله يا إبراهيم أين جنود ~~ربك الذي تزعم، فقال له سيريك فعل أضعف جنوده، فبعث الله تعالى على نمرود ~~وأصحابه سحابة من بعوض، فأكلتهم عن آخرهم ودوابهم حتى كانت العظام تلوح ~~بيضا، ودخلت منها بعوضة في رأس نمرود فكان رأسه يضرب بالعيدان ودام يعذبه ~~بها زمانا طويلا وهلك منها وخرج إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوط من ms2429 تلك ~~الأرض مهاجرين وهي كوثا من العراق ومع إبراهيم ابنة عمه سارة زوجته، وفي ~~تلك السفرة لقي الجبار الذي رام أخذها منه واختلف الناس في الأرض التي بورك ~~فيها ولجأ إليها إبراهيم ولوط عليهما السلام، فقالت فرقة هي مكة وذكروا قول ~~الله تعالى: للذي ببكة مباركا [آل عمران: 96] وقال الجمهور من أرض الشام ~~وهي الأرض التي بارك فيها أما من جهة الآخرة فبالنبوءة وأما من جهة الدنيا ~~ففي أطيب بلاد الله أرضا وأعذبها ماء وأكثرها ثمرة ونعمة وهو الموضع ~~المعروف بسكنى إبراهيم وعقبه. # وروي أنه ليس في الأرض ماء عذب إلا وأصله وخروجه من تحت صخرة بيت المقدس ~~ع وهذا ضعيف وهي أرض المحشر وبها مجمع الناس وبها ينزل عيسى ابن مريم وبها ~~يهلك المسيح الدجال. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال يوما في خطبته: إنه كان بالشام ~~جند وبالعراق جند وباليمن جند فقال رجل يا رسول الله خر لي فقال عليك ~~بالشام فإن الله تعالى قد تكفل لي بالشام وأهله فمن بقي فليلحق مأمنه وليس ~~بعدره، وقال عمر لكعب الأحبار ألا تتحول إلى المدينة، فقال يا أمير ~~المؤمنين إني أجد في كتاب الله تعالى المنزل أن الشام كنز الله من أرضه ~~وبها كنزه من عباده. PageV04P089 # وروي أن إبراهيم ولوطا هاجرا من كوثا ومرا بمصر وليست بالطريق ولكنهم ~~نكبوا خوف الإتباع حتى جاؤوا الشام فنزل إبراهيم السبع من أرض فلسطين وهي ~~برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة، وإسحاق بن إبراهيم ويعقوب ولد إسحاق و ~~«النافلة» العطية كما تقول نفلني الإمام كذا ونافلة الطاعة كأنها عطية من ~~الله تعالى لعباده يثيبهم عليها، وقالت فرقة الموهوب إسحاق و «النافلة» ~~يعقوب والأول أبين، ويهدون معناه يرشدون غيرهم و «الإقام» مصدر وفي هذا ~~نظر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 74 الى 77] # ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) ونوحا ~~إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه ms2430 وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) # التقدير وآتينا لوطا آتيناه فهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، و ~~«الحكم» فصل القضاء بين الناس، والخبائث إتيان الرجال وضراطهم في مجالسهم ~~إلى غير ذلك من كفرهم، وقوله تعالى في نوح من قبل بالإضافة إلى إبراهيم ~~ولوط، والكرب العظيم الغرق وما نال قومه من الهلكة بدعائه عليهم الذي ~~استجيب، وقوله تعالى: ونصرناه لما كان جل نصرته النجاة وكانت غلبة قومه ~~بغير يديه بل بأمر أجنبي منه حسن أن يكون «نصرناه من» ولا يتمكن هنا «على» ~~كما يتمكن في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، مع قومه ع وذكر هؤلاء الأنبياء ~~عليهم السلام ضرب مثل لقصة محمد صلى الله عليه وسلم، مع قومه ونجاة ~~الأنبياء وهلاك مكذبيهم ضمنها توعد للكفار من قريش. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 78 الى 79] # وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) # المعنى «واذكر داود وسليمان» هكذا قدره جماعة من المفسرين. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي ويقوى أن يكون المعنى وآتينا داود عطفا ~~على قوله تعالى: # ولوطا آتيناه حكما وعلما [الأنبياء: 74] والمعنى على هذا التأويل متسق، ~~وسليمان هو ابن داود وداود من بني إسرائيل وكان ملكا عدلا نبيا يحكم بين ~~الناس فوقعت بين يديه هذه النازلة، وكان ابنه إذ ذاك قد كبر وكان يجلس على ~~الباب الذي يخرج منه الخصوم وكانوا يدخلون إلى داود على باب آخر PageV04P090 # فتخاصم إلى داود عليه السلام رجل له زرع وقيل كرم ع والحرث يقال فيهما ~~وهو في الزرع أبعد عن الاستعارة، دخلت حرثه غنم رجل آخر فأفسدت عليه، فرأى ~~داود عليه السلام أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فقالت فرقة على أن يبقى ~~كرمه بيده، وقالت فرقة بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم ~~ع فيشبه على هذا ms2431 القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت، وعلى ~~القول الثاني رآها تقاوم الحرث وغلته ع ولا يظن بداود عليه السلام إلا أن ~~حكمه بنظر متوجه فلما خرج الخصمان على سليمان عليه السلام تشكى له صاحب ~~الغنم فجاء سليمان إلى داود فقال يا نبي الله إنك حكمت بكذا وإني رأيت ما ~~هو أوفق بالجميع، قال وما هو، قال أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ~~ويصلحه حتى يعود كما كان ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع ~~بمرافقها من لبن وصوف ونسل وغير ذلك فإذا كمل الحرث وعاد إلى حاله صرف كل ~~واحد مال صاحبه فرجعت الغنم إلى ربها، والحرث إلى ربه، فقال داود. وفقت يا ~~بني وقضى بينهما بذلك. ع ولا شك أن سليمان رأى أن ما يتحمله صاحب الغنم من ~~فقد مرافق غنمه تلك المدة ومن مؤونة إصلاح الحرث يوازي ما فسد في الحرث ~~وفضل حكمه حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقى ملك كل واحد منهما على متاعه وتبقى ~~نفسه بذلك طيبة ع وذهبت فرقة إلى أن هذه النازلة لم يكن الحكم فيها باجتهاد ~~وإنما حكم داود بوحي وحكم سليمان بوحي نسخ الله تعالى به حكم داود وجعلت ~~فرقة ومنها ابن فورك، قوله تعالى: ففهمناها سليمان أي فهمناه القضاء الفاصل ~~الناسخ الذي أراد الله تعالى أن يستقر في النازلة ع وتحتاج هذه الفرقة في ~~هذا اللفظة إلى هذا التعب ويبقى لها المعنى بعد قلقا، وقال جمهور الأمة إن ~~حكمهما كان باجتهاد، وأدخل العلماء هذه الآية في كتبهم على مسألة اجتهاد ~~العالمين فينبغي أن نذكر هنا تلخيص مسألة الاجتهاد، اختلف أهل السنة في ~~العالمين فما زاد يفتيان من الفروع والأحكام في المسألة فيختلفان، فقالت ~~فرقة الحق في مسائل الفروع في طرف واحد عند الله تعالى وقد نصب على ذلك ~~أدلة وحمل المجتهدين على البحث عنها والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة ~~في المسألة فهو المصيب على الإطلاق وله أجران أجر في الاجتهاد وأجر في ~~الإصابة، ومن ms2432 لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده، مخطئ في أن لم يصب العين فله ~~أجر وهو غير معذور، وهذا هو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه «إذا ~~اجتهد العالم فأخطأ فله أجر» وكذلك أيضا يدخل في قوله عليه السلام «إذا ~~اجتهد العالم فأخطأ» ، العالم يجتهد فيخالف نصا يمر به كقول سعيد بن المسيب ~~في النكاح إنه العقد في مسألة التحليل للزوج المطلق ونحوه وهذا يجمع بين ~~قوله «إذا اجتهد العالم فأخطأ» وبين قوله «كل مجتهد مصيب» أي أخطأ العين ~~المطلوب وأصاب في اجتهاده، ورأت هذه الفرقة أن العالم المخطئ لا إثم عليه ~~في خطئه وإن كان غير معذور، وقالت فرقة الحق في طرف واحد، ولم ينصب الله ~~تعالى عليه دليلا، بل وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه، أصابه ومن ~~أخطأ فهو معذور ومأجور، ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبد بالاجتهاد فقط، ~~وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه الحق في مسائل الفروع في ~~الطرفين وكل مجتهد مصيب والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه والدليل على هذه ~~المقالة ممن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على ~~قوله دون مخالف قوله، ومنه رد مالك رحمه الله للمنصور عن حمل الناس على ~~الموطأ إلى كثير من هذا PageV04P091 # المعنى، وإذا قال عالم في أمر ما حلال فذلك هو الحق فيما يخص بذلك العالم ~~عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله # ، فأما من قال إن الحق في طرف فرأى مسألة داود وسليمان مطردة على قوله ~~وأن سليمان صادف العين المطلوبة وهي التي فهم، ومن رأى الحق في الطرفين رأى ~~أن سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي هي أرجح، لا أن الأولى خطأ ~~وعلى هذا يحملون قول النبي صلى الله عليه وسلم، «إذا اجتهد العالم فأخطأ» ~~أي فأخطأ الأفضل ع وكثير ما يكون بين الأقوال في هذه المسائل قليل تباين ~~إلا أن ذلك الشفوف يشرف القول، وكثيرا ما يبين الفضل بين القولين بأدنى نظر ~~ومسائل ms2433 الفروع تخالف مسائل الأصول في هذا ومسألة المجتهدين في نفسها مسألة ~~أصل، والفرق بين مسائل الفروع ومسائل الأصول أن مسائل الأصول الكلام فيها ~~إنما هو في وجود شيء ما كيف هو كقولنا يرى الله تعالى يوم القيامة، وقالت ~~المعتزلة لا يرى، وكقولنا الله واحد، وقالت النصارى ثلاثة، وهكذا هل ~~للمسائل عين أو ليس لها عين مطلوبة. # ومسائل الفروع إنما الكلام فيها على شيء متقرر الوجود كيف حكمه من تحليل ~~أو تحريم ونحو هذا، والأحكام خارجة عن ذات وجوده وإنما هي بمقاييس ~~واستدلالات، وتعتبر مسائل الفروع بأنها كل ما يمكن أن ينسخ بعضه ببعض ~~ومسائل الأصول ما لو تقرر الوجه الواحد لم يصح أن يطرأ الآخر ناسخا عليه. # قال القاضي أبو محمد: ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة إلا أن هذه النبذة ~~تليق بالآية ويقتضيها حرصنا على الإيجاز، ويتعلق بالآية فصل آخر لا بد من ~~ذكره وهو رجوع الحاكم بعد قضاء من اجتهاد إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول، ~~فإن داود عليه السلام، فعل ذلك في هذه النازلة، واختلف فقهاء المذهب ~~المالكي في القاضي يحكم في قضية ثم يرى بعد ذلك أن غير ما حكم به أصوب ~~فيريد أن ينقض الأول ويقضي بالثاني، فقال عبد الملك ومطرف في الواضحة ذلك ~~له ما دام في ولايته، فأما إن كانت ولاية أخرى فليس ذلك له وهو بمنزلة غيره ~~من القضاة، وهذا هو ظاهر قول مالك رحمه الله في المدونة، وقال سحنون في ~~رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس ذلك له وقاله ابن عبد ~~الحكم قالا ويستأنف الحكم بما قوي عنده أحرى من ذي قبل، قال سحنون إلا أن ~~يكون نسي الأقوى عنده أو وهم فحكم بغيره فله نقضه، وأما إن حكم بحكم وهو ~~الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوي عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل له إلى نقض ~~الأول، قال سحنون في كتاب ابنه وقال أشهب في كتاب ابن المواز إن كان رجوعه ~~إلى الأصوب في مال فله نقض ms2434 الأول وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له ~~نقضه، وقد تقدم القول في الحرث روت فرقة أنه كان زرعا وروت فرقة أنه كان ~~كرما. و «النفش» تسرب البهائم في الزرع وغيرها بالليل والهمل تسربها في ذلك ~~بالنهار والليل، قال ابن سيده لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل ~~ومضى الحكم في الإسلام بتضمين أرباب النعم ما أفسدت بالليل لأن على أهلها ~~أن يثقفوها وعلى أهل الزرع وغيرهم حفظها بالنهار هذا هو مقتضى الحديث في ~~ناقة البراء بن عازب وهو مذهب مالك وجمهور الأمة، ووقع في كتاب ابن سحنون ~~أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد ~~التي هي زروع متصلة غير محظرة وبساتين كذلك فيضمن أرباب الغنم ما أفسدت من ~~ليل أو نهار ع كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد بعيد ~~لأنها ولا بد تفسد وقال أبو حنيفة في ذلك لا ضمان وأدخله في PageV04P092 # عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار فقاس جميع أفعالها ~~على جرحها. وقوله تعالى: # وكلا آتينا حكما وعلما تأول قوم منهم أن داود لم يخطىء في هذه النازلة بل ~~فيها أوتي الحكم، والعلم، وقالت فرقة بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه ~~مدحه الله تعالى بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة، وقوله ~~وكنا فاعلين مبالغة في الخير وتحقيق له، وفي اللفظ معنى، وكان ذلك في حقه ~~وعند مستوجبه منا فكأنه قال وكنا فاعلين لأجل استجابة ذلك، وحذف اختصارا ~~لدلالة ظاهر القول عليه على ما حذف منه. وقوله تعالى: لحكمهم يريد «داود ~~سليمان» والخصمين لأن الحكم يضاف إلى جميعهم وإن اختلفت جهات الإضافة. ~~وقرأت فرقة «لحكمهما» واختلف الناس في قوله تعالى: يسبحن فذهبت فرقة وهي ~~الأكثر إلى أنه قول سبحان الله وذهبت فرقة، منها منذر بن سعيد إلى أنه ~~بمعنى يصلين معه بصلاته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 80 الى 81] # وعلمناه صنعة ms2435 لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان ~~الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ~~(81) # عدد الله تعالى على البشر أن علم داود صنعة الدروع فكان يصنعها أحكم صنعة ~~لتكون وقاية من الحرب وسبب نجاة من العدو، و «اللبوس» في اللغة السلاح فمنه ~~الدرع والسيف والرمح وغير ذلك ومنه قول الشاعر [عامر بن الحليس] : [الكامل] # ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي لقاح مجفل # يعني الرمح. وقرأ نافع والجمهور «ليحصنكم» بالياء على معنى ليحصنكم داود ~~واللبوس، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم «لتحصنكم» بالتاء على معنى الصنعة أو ~~الدروع التي أوقع عليها اللبوس، وقرأ أبو بكر عن عاصم «لنحصنكم» على معنى ~~رد الفعل إلى الله تعالى، ويروى أنه كان الناس قبل تتخذ القوي لباسا من ~~صفائح الحديد فكان ثقله يقطع بأكثر الناس، وقرأت فرقة «الريح» بالنصب على ~~معنى وسخرنا لسليمان الريح، وقرأت فرقة «الريح» بالرفع على الابتداء والخبر ~~في المجرور قبله، ويروى أن الريح العاصفة تهب على سرير سليمان الذي فيه ~~بساطه وقد مد حول البساط بالخشب والألواح حتى صنع سرير يحمل جميع عسكره ~~وأقواته، فتقله من الأرض في الهواء، ثم تتولاه الريح الرخاء بعد ذلك، ~~فتحمله إلى حيث أراد سليمان. وقوله تعالى: إلى الأرض التي باركنا فيها ~~اختلف الناس فيها، فقالت فرقة هي أرض الشام وكانت مسكنه وموضع ملكه، وخصص ~~في هذه الآية انصرافه في سفراته إلى أرضه لأن ذلك يقتضي سيره إلى المواضع ~~التي سافر إليها، و «البركة» في أرض الشام بينة الوجوه، وقال بعضهم إن ~~العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب في الإسراع إلى الوطن والرخاء ~~كانت في البداءة، حيث أصاب، أي حيث يقصده بأن ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب ~~رأي، وقال منذر بن سعيد في الآية تقديم وتأخير والكلام تام عند قوله إلى ~~الأرض، وقوله التي باركنا فيها صفة ل الريح ع ويحتمل أن يريد PageV04P093 # الأرض التي يسير إليها سليمان عليه السلام كائنة ما كانت، وذلك أنه ms2436 لم ~~يكن يسير إلى أرض إلا أصلحها وقتل كفارها وأثبت فيها الإيمان وبث فيها ~~العدل. ولا بركة أعظم من هذا، فكأنه قال إلى أي أرض باركنا فيها بعثنا ~~سليمان إليها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 82 الى 84] # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) ~~وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ~~(84) # يحتمل أن يكون قوله تعالى: يغوصون في موضع نصب على معنى وسخرنا، ويحتمل ~~أن يكون في موضع رفع على الابتداء، ويتناسب هذا مع القراءتين المتقدمتين في ~~قوله تعالى: ولسليمان الريح [سبأ: 12] بالنصب والرفع وقوله تعالى: يغوصون ~~جمع على معنى من لا على لفظها. # و «الغوص» الدخول في الماء والأرض والعمل دون ذلك البنيان وغيره من ~~الصنائع والخدمة ونحوه، وقوله تعالى: وكنا لهم حافظين قيل معناه من إفسادهم ~~ما صنعوه فإنهم كان لهم حرص على ذلك لولا ما حال الله تعالى: «بينهم وبين ~~ذلك» ، وقيل معناه عادين وحاصرين أي لا يشذ عن علمنا وتسخيرنا أحد منهم ~~وقوله: وأيوب أحسن ما فيه النصب بفعل مضمر تقديره واذكر أيوب، وفي قصص أيوب ~~عليه السلام طول واختلاف من المفسرين، وتلخيص ذلك أنه روي أن أيوب عليه ~~السلام، كان نبيا مبعوثا إلى قوم، وكان كثير المال من الإبل والبقر والغنم، ~~وكان صاحب البثنية من أرض الشام يغمر كذلك مدة، ثم إن الله تعالى، لما أراد ~~محنته وابتلاءه، أذن لإبليس في أن يفسد ماله، فاستعان بذريته فأحرقوا ماله ~~ونعمه أجمع، فكان كلما أخبر بشيء من ذلك حمد الله تعالى وقال هي عارية ~~استردها صاحبها والمنعم بها، فلما رأى إبليس ذلك جاء فأخبر بعجزه عنه، وأذن ~~الله له في إهلاكه بنيه وقرابته ففعل ذلك أجمع، فدام أيوب على شكره وصبره، ~~فأخبره إبليس بعجزه، فأذن الله له في إصابته في بدنه وحجر عليه لسانه ~~وعينيه وقلبه، فجاءه إبليس وهو ساجد، فنفخ ms2437 في أنفه نفخة احترق بدنه منها ~~وجعلها الله تعالى أكلة في بدنه، فلما عظمت وتقطع أخرجه الناس من بينهم ~~وجعلوه على سباطة ولم يبق معه بشر حاشى زوجته، ويقال كانت بنت يوسف الصديق، ~~وقيل اسمها رحمة، وقيل في أيوب إنه من بني إسرائيل، وقيل من الروم من قرية ~~عيصو، فكانت زوجته تسعى عليه وتأتيه يأكل وتقوم عليه، فدام في هذا العذاب ~~مدة طويلة قيل ثلاثين سنة، وقيل ثماني عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل تسعة ~~أعوام، وقيل ثلاثة، وهو في كل ذلك صابر شاكر، حتى جاءه فيما روي ثلاثة ممن ~~كان آمن به فوقذوه بالقول وأنبوه ونجهوه. وقالوا ما صنع بك ربك هذا إلا ~~لخبث باطنة فيك، فراجعهم أيوب في آخر قولهم بكلام مقتضاه أنه ذليل لا يقدر ~~على إقامة حجة ولا بيان ظلامة، فخاطبه الله تعالى معاتبا على هذه المقالة ~~ومبينا أنه لا حجة لأحد مع الله ولا يسأل عما يفعل ثم عرفه تعالى بأنه قد ~~أذن في صلاح حاله وعاد عليه بفضله، فدعا أيوب عند ذلك فاستجيب له، ويروى أن ~~أيوب لم يزل PageV04P094 # صابرا لا يدعو في كشف ما به، وكان فيما روي تقع منه الدود فيردها بيده، ~~حتى مر به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به، فتألم لذلك ودعا حينئذ فاستجيب له، ~~وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها فأنبع الله تعالى له عينا وأمر بالشرب ~~منها فبرىء باطنه، وأمر بالاغتسال فبرىء ظاهره، ورد إلى أفضل جماله، وأتي ~~بأحسن الثياب، وهب عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحثي منها في ثوبه فناداه ~~الله تعالى يا أيوب ألم أغنيتك عن هذا، قال بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن ~~بركتك، فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته فلم تره على السباطة فجزعت وظنت أنه ~~أزيل عنها، وجعلت تتوله فقال لها ما شأنك أيتها المرأة فهابته لحسن هيئته، ~~وقالت إني فقدت مريضا كان لي في هذا الموضع ومعالم المكان قد تغيرت، ~~وتأملته في أثناء المقاولة، فرأت أيوب، فقالت له أنت ms2438 أيوب، فقال لها نعم ~~واعتنقها وبكى فروي أنه لم يفارقها حتى أراه الله تعالى جميع ماله حاضرا ~~بين يديه، واختلف الناس في أهله وولده بأعيانهم وجعل مثلهم له عدة في ~~الآخرة، وقيل بل أتى جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال وقوله تعالى: وذكرى ~~للعابدين أي وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله تعالى إلا مؤمن والذكرى ~~إنما هي في محنته والرحمة في زوال ذلك، وقوله أني مسني الضر تقديره «بأني ~~مسني» فحذف الجار وبقيت أني في موضع نصب، وروي أن سبب محنة أيوب أنه دخل مع ~~قوم على ملك جار عليهم فأغلظ له القوم ولين له أيوب القول خوفا منه على ~~ماله، فعاقبه الله تعالى على ذلك، وروي أنه كان يقال له ما لك لا تدعو في ~~العافية فكان يقول إني لأستحيي من الله تعالى أن أسأله زوال عذابه حتى يمر ~~علي # فيه ما مر من الرخاء، وأصابه البلاء فيما روي وهو ابن ثمانين سنة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 85 الى 86] # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم ~~من الصالحين (86) # المعنى واذكر إسماعيل وهو إسماعيل بن إبراهيم الخليل وهو أبو العرب ~~المعروفين اليوم في قول بعضهم وإدريس هو خنوخ وهو أول نبي بعثه الله تعالى ~~من بني آدم وروي أنه كان خياطا وكان يسبح الله تعالى عند إدخال الإبرة ~~ويحمده عند إخراجها و «ذو الكفل» كان نبيا. # وروي أنه بعث إلى رجل واحد وقيل لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا، وروي ~~أن أليسع جمع بني إسرائيل فقال من يتكفل لي بصيام النهار وقيام الليل وأن ~~لا يغضب وأوليه النظر للعباد بعدي، فقام إليه شاب فقال أنا لك بذلك فراجعه ~~ثلاثا في كل ذلك يقول أنا لك بذلك فاستعمله، فلما مات أليسع قام بالأمر ~~فجاء إبليس ليغضبه وكان لا ينام إلا في القائلة فكان يأتيه وقت القائلة ~~أياما فيوقظه ويشتكي ظلامته ويقصد تضييق صدره فلم يضق به صدرا ومضى معه ~~لينصفه بنفسه فلما ms2439 رأى إبليس ذلك غلس عنه وكفاه الله شره فسمي ذا الكفل ~~لأنه تكفل بأمر فوفى به وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: PageV04P095 ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 87 الى 88] # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين (88) # التقدير واذكر «ذا النون» ، والنون الحوت وصاحبه يونس بن متى عليه ~~السلام، ونسب إلى الحوت الذي التقمه على الحالة التي يأتي ذكرها في موضعها ~~الذي يقتضيه وهو نبي من أهل نينوى وهذا هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، «من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب» ، وفي حديث آخر «لا ~~ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» ، وهذا الحديث وقوله «لا ~~تفضلوني على موسى» يتوهم أنهما يعارضان قوله عليه السلام على المنبر «أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر» . والانفصال عن هذا بوجهين أحدهما ذكره الناس وهو أن ~~يكون قوله «أنا سيد ولد آدم» متأخرا في التاريخ وأنها منزلة أعلمه الله ~~تعالى بها لم يكن علمها وقت تلك المقالات الأخر، والوجه الثاني وهو عندي ~~أحرى مع حال النبي عليه السلام، أنه إنما نهي عن التفضيل بين شخصين مذكورين ~~وذهب مذهب التواضع ولم يزل سيد ولد آدم ولكنه نهى أن يفضل على موسى كراهية ~~أن تغضب لذلك اليهود فيزيد نفارها عن الإيمان، وسبب الحديث يقتضي هذا، وذلك ~~أن يهوديا قال لا والذي فضل موسى على العالمين، فقال له رجل من الأنصار ~~تقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ولطمه فشري الأمر ~~وارتفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن تفضيله على موسى ونهى عليه ~~السلام عن تفضيله على يونس لئلا يظن أحد بيونس نقص فضيلة بسبب ما وقع له، ~~فنهيه عليه السلام عن التفضيل على شخص معين وقوله في حديث ثالث «لا تفضلوا ~~بين الأنبياء» . وهذا كله مع قوله «أنا ms2440 سيد ولد آدم» وإطلاق الفضل له دون ~~اقتران بأحد، بين صحيح وتأمل هذا، فإنه يلوح وقد قال عمر رضي الله عنه ~~للحطيئة امدح ممدوحك ولا تفضل بعض الناس على بعض. # قال القاضي أبو محمد: ولفظة سيد ولفظة خير شيئان، فهذا مبدأ جمع آخر بين ~~الأحاديث يذهب ما يظن من التعارض، وقوله مغاضبا قيل إنه غاضب قومه حين طال ~~عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه وقد كان الله تعالى أمره بملازمتهم ~~والصبر على دعائهم فكان ذنبه في مخالفة هذا الأمر، وروي أنه كان شابا فلم ~~يحمل أثقال النبوءة وتفسخ تحتها كما يتفسخ الربع تحت الحمل ولهذا قيل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا تكن كصاحب الحوت [القلم: 48] أي اصبر ودم على ~~الشقاء بقومك، وقالت فرقة إنما غاضب الملك الذي كان على قومه ع وهذا نحو من ~~الأول فيما يلحق منه يونس عليه السلام، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره إنما ~~ذهب مغاضبا ربه واستفزه إبليس، ورووا في ذلك أن يونس لما طال عليه أمر قومه ~~طلب من الله تعالى عذابهم فقيل له إن العذاب يجيئهم يوم كذا، فأخبرهم يونس ~~بذلك فقالوا إن رحل عنا فالعذاب نازل وإن أقام بيننا لم نبال، فلما كان سحر ~~ذلك اليوم قام يونس فرحل فأيقنوا بالعذاب فخرجوا بأجمعهم إلى البراز، ~~وفرقوا بين صغار البهائم وأمهاتها وتضرعوا وتابوا، فرفع الله تعالى عنهم ~~العذاب وبقي يونس في موضعه الذي خرج إليه فنظر فلما عرف أنهم لم يعذبوا ~~ساءه أن عدوه كاذبا وقال والله لا انصرفت PageV04P096 # إليهم أبدا. وروي أنه كان من دينهم قتل الكذاب فغضب حينئذ على ربه وخرج ~~على وجهه حتى دخل في سفينة في البحر ع وفي هذا القول من الضعف ما لا خفاء ~~به مما لا يتصف به نبي، واختلف الناس في قوله تعالى: فظن أن لن نقدر عليه ~~فقالت فرقة استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان أن لا يقدر الله عليه بمعاقبة ع ~~وهذا قول مردود، وقالت فرقة ظن أن لن يضيق عليه في ms2441 مذهبه من قوله تعالى: ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [الإسراء: 30] ، وقالت فرقة هو من القدر، أي ظن ~~أن لن يقدر الله عليه بعقوبة، وقالت فرقة الكلام بمعنى الاستفهام، أي أفظن ~~أن لن يقدر الله عليه، وحكى منذر بن سعيد أن بعضهم قرأ «أفظن» بالألف، وقرأ ~~الزهري «تقدر» بضم النون وفتح القاف وشد الدال، وقرأ الحسن «يقدر» وعنه ~~أيضا «نقدر» ، وبعد هذا الكلام حذف كثير اقتضب لبيانه في غير هذه الآية، ~~المعنى فدخل البحر وكذا حتى التقمه الحوت وصار في ظلمة جوفه، واختلف الناس ~~في جمع الظلمات ما المراد به فقالت فرقة ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة ~~الحوت، وقالت فرقة ظلمة البحر وظلمة الحوت التقم الحوت الأول الذي التقم ~~يونس ع ويصح أن يعبر ب الظلمات عن جوف الحوت الأول فقط كما قال في غيابات ~~الجب وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ، وروي أن يونس سجد في جوف الحوت حين ~~سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر ثم قال في دعائه «اللهم إني قد اتخذت لك ~~مسجدا في موضع لم يتخذه أحد قبلي» وأن مفسرة نحو قوله تعالى أن امشوا [ص: ~~6] وفي هذا نظر وقوله تعالى: من الظالمين يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة ~~قومه والصبر عليهم هذا أحسن الوجوه وقد تقدم ذكر غيره فاستجاب الله تعالى ~~له وأخرجه إلى البر، ووصف هذا يأتي في موضعه، والغم ما كان ناله حين التقمه ~~الحوت، وقرأ جمهور القراء «ننجي» بنونين الثانية ساكنة، وقرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر «نجي» بنون واحدة مضمومة وشد الجيم، ورويت عن أبي عمرو، وقرأت فرقة ~~«ننجي» بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة والجيم مشددة، فأما القراءة ~~الأولى والثالثة فبينتان الأولى فعلها معدى بالهمزة والأخرى بالتضعيف، وأما ~~القراءة الوسطى التي هي بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة وياء ساكنة فقال أبو ~~علي لا وجه لها وإنما هي وهم من السامع، وذلك أن عاصما قرأ «ننجي» والنون ~~الثانية لا يجوز إظهارها لأنها تخفى مع هذه الحروف يعني الجيم وما جرى ~~مجراها فجاء ms2442 الإخفاء يشبهها بالإدغام، ويمتنع أن يكون الأصل «ننجي» ثم يدعو ~~اجتماع النونين إلى إدغام إحداهما في الجيم لأن اجتماع المثلين إنما يدعو ~~إلى ذلك إذا كانت الحركة فيهما متفقة، ويمتنع أن يكون الأصل «نجي» وتسكن ~~الياء ويكون المفعول الذي لم يسم فاعله المصدر كأنه قال «نجي # » النجاء المؤمنين لأن هذه لا تجيء إلا في ضرورة فليست في كتاب الله ~~والشاهد فيها قول الشاعر: [الوافر] # ولو ولدت قفيزة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا # وأيضا فإن الفعل الذي يبنى للمفعول إذا كان ماضيا لم يسكن آخره ع ~~والمصاحف فيها نون واحدة كتبت كذلك من حيث النون الثانية مخفية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 89 الى 90] # وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ~~ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) PageV04P097 # تقدم أمر زكرياء عليه السلام في سورة مريم، وإصلاح الزوجة قيل بأن جعلها ~~ممن تحمل وهي عاقر قاعد فحاضت وحملت وهذا هو الذي يشبه الآية وقيل بأن أزيل ~~بذاء كان في لسانها ع وهذا ضعيف وعموم اللفظ يتناول جميع وجوه الإصلاح، ~~وقرأت فرقة «يدعوننا» ، وقرأت فرقة «يدعونا» ، وقرأت فرقة «رغبا» بفتح ~~الراء والغين «ورهبا» كذلك، وقرأت فرقة بضم الراء فيهما وسكون الغين ~~والهاء، وقرأت فرقة بفتح الراء وسكون الغين والهاء، والمعنى أنهم يدعون في ~~وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء، ورهبة وخوف في حال واحدة لأن الرغبة ~~والرهبة متلازمان، وقال بعض الناس الرغب أن ترفع بطون الأكف نحو السماء ~~والرهب أن ترفع ظهورها ع وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين ~~بيديه، فالرغب من حيث هو طلب يحسن معه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه ~~إذ هي موضع الإعطاء وبها يتملك، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ~~ذلك والإشارة إلى إذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه و «الخشوع» التذلل بالبدن ~~المتركب على التذلل بالقلب. # قوله عز وجل: ### || [سورة ms2443 الأنبياء (21) : الآيات 91 الى 95] # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ~~(91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم ~~كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا ~~له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) # المعنى واذكر التي أحصنت وهي مريم بنت عمران أم عيسى، و «الفرج» فيما قال ~~الجمهور وهو ظاهر القرآن الجارحة المعروفة وفي إحصانها هو المدح، وقالت ~~فرقة الفرج هنا هو فرج ثوبها الذي منه نفخ الملك وهذا ضعيف، وأما نفخ الولد ~~فيها فقال كثير من العلماء إنما نفخ في جيب درعها وأخاف الروح إضافة الملك ~~إلى المالك، وابنها هو عيسى ابن مريم عليه السلام، وأراد تعالى أنه جعل ~~مجموع قصة عيسى وقصة مريم من أولها إلى آخرها آية لمن اعتبر ذلك، وللعالمين ~~يريد لمن عاصره فيما بعد ذلك، وقوله تعالى: إن هذه أمتكم يحتمل الكلام أن ~~يكون منقطعا خطابا لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر عن الناس أنهم ~~تقطعوا ثم وعد وأوعد، ويحتمل أن يكون متصلا أي جعلنا مريم وابنها آية ~~للعالمين بأن بعث لهم بملة وكتاب وقيل لهم إن هذه أمتكم أي دعي الجميع إلى ~~الإيمان بالله تعالى وعبادته، ثم أخبر تعالى أنهم بعد ذلك اختلفوا وتقطعوا ~~أمرهم ثم فرق بين المحسن والمسيء فذكر المحسن بالوعد أي فمن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فهو بنعيمه مجازى وذكر المسيء في PageV04P098 # قوله، وحرام إلى آخر الآية فتأمل الوعيد فيها على كل قول تذكرة فإنه بين، ~~و «الكفران» مصدر كالكفر ومنه قول الشاعر: [الطويل] # رأيت أناسا لا تنام جدودهم ... وجدي ولا كفران لله نائم # واختلف القراء في قوله تعالى وحرام، فقرأ عكرمة وغيره «وحرم» بفتح الحاء ~~وكسر الراء، وقرأ جمهور السبعة و «حرام» ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم، و «حرم» بكسر الحاء وسكون الراء، وقرأ ابن العباس بخلاف عنه «وحرم» ~~بفتح الحاء وسكون الراء، وقرأت فرقة «وحرم» بفتح الحاء وشد الراء، ms2444 وقرأت ~~فرقة «وحرم» بضم الحاء وكسر وشدها، وقرأ قتادة ومطر الوارق «وحرم» بفتح ~~الحاء وضم الراء، والمستفيض من هذه القراءات قراءة من قرأ و «حرم» ، وقراءة ~~من قرأ و «حرام» وهما مصدران بمعنى نحو الحل والحلال، فأما معنى الآية ~~فقالت فرقة «حرام وحرم» معناه جزم وحتم فالمعنى وحتم على قرية أهلكناها ~~أنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون بل هم صائرون إلى العقاب، ~~وقال بعض هذه الفرقة الإهلاك هو بالطبع على القلوب ونحوه والرجوع هو إلى ~~التوبة والإيمان، وقالت فرقة المعنى وحرام أي ممتنع، و «حرم» كذلك، على ~~قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون وقالوا لا زائدة في الكلام واختلفوا في ~~الإهلاك والرجوع بحسب القولين المذكورين، قال أبو علي يحتمل أن يرتفع ~~«حرام» بالابتداء والخبر رجوعهم ولا زائدة، ويحتمل أن يرتفع «حرام» على خبر ~~الابتداء كأنه قال والإقالة والتوبة «حرام» ثم يكون التقدير «بأنهم لا ~~يرجعون» فتكون لا على بابها كأنه قال هذا عليهم ممتنع بسبب كذا فالتحريم في ~~الآية بالجملة ليس كتحريم الشرع الذي إن شاء المنهي ركبه. # قال القاضي أبو محمد: ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بين وذلك أنه ذكر من ~~عمل صالحا وهو مؤمن ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا ~~يحشرون إلى رب ولا يرجعون إلى معاد فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم ~~فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء أي وممتنع على الكفرة المهلكين أن لا يرجعون ~~بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه فتكون لا على بابها والحرام على ~~بابه وكذلك الحرم فتأمله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 96 الى 97] # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق ~~فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ~~ظالمين (97) # تحتمل حتى في هذه الآية أن تكون متعلقة بقوله وتقطعوا [الأنبياء: 93] ~~وتحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تعلق ب يرجعون [الأنبياء: 95] وتحتمل ~~أن تكون حرف ابتداء وهو الأظهر ms2445 بسبب إذا لأنها تقتضي جوابا وهو المقصود ~~ذكره، واختلف هنا في الجواب، فقالت فرقة الجواب قوله اقترب الوعد PageV04P099 # والواو زائدة، وقالت فرقة منها الزجاج وغيره الجواب في قوله يا ويلنا ~~التقدير قالوا يا ويلنا وليست الواو بزائدة، والذي أقول إن الجواب في قوله ~~فإذا هي شاخصة وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون ~~به وحرم عليهم امتناعه، وقرأ الجمهور «فتحت» بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر ~~وحده «فتحت» بتثقيلها، وروي أن يأجوج ومأجوج يشرفون في كل يوم على الفتح ~~فيقولون غدا نفتح ولا يردون المشيئة إلى الله تعالى فإذا كان غدا وجدوا ~~الردم كأوله حتى إذا أذن الله تعالى في فتحه قال قائلهم غدا نفتحه إن شاء ~~الله فيجدونه كما تركوه قريب الانفتاح فيفتحونه حينئذ، وقرأ عاصم وحده ~~«يأجوج ومأجوج» بالهمز، وقرأ الجمهور بالتسهيل، وقد تقدم في سورة الكهف ~~توجيه ذلك وكثير من حال يأجوج ومأجوج فغنيناها هنا عن إعادة ذلك. و «الحدب» ~~كل متسنم من الأرض كالجبل والظرب والكدية والقبر ونحوه. وقالت فرقة المراد ~~بقوله، وهم يأجوج ومأجوج لأنهم يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويعمون الأرض وذلك ~~أنهم من الكثرة بحيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «يقول الله تعالى ~~يوم القيامة لآدم أخرج بعث النار من ذريتك فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعين» قال ففزع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «إن منكم رجلا ~~ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل» ويروى أن الرجل منهم لا يموت حتى يولد له ألف ~~بين رجل وامرأة وقالت فرقة المراد بقوله وهم جميع العالم وإنما هو تعريف ~~بالبعث من القبور وقرأ ابن مسعود «من كل جدث» وهذه القراءة تؤيد هذا ~~التأويل وينسلون معناه يسرعون في تطامن ومنه قول الشاعر: [الرمل] # عسلان الذئب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل # وقرأت فرقة بكسر السين، وقرأت بضمها، وأسند الطبري عن أبي سعيد قال يخرج ~~يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحدا إلا قتلوه إلا أهل الحصون فيمرون على بحيرة ~~طبرية فيمر ms2446 آخرهم فيقول كان هنا مرة ما، قال فيبعث الله عليهم النغف حتى ~~تكسر أعناقهم فيقول أهل الحصون لقد هلك أعداء الله فيدلون رجلا ينظر فيجدهم ~~قد هلكوا قال فينزل الله تعالى من السماء ماء فيقذف بهم في البحر فيطهر ~~الأرض منهم، وفي حديث حذيفة نحو هذا وفي آخره قال وعند ذلك طلوع الشمس من ~~مغربها، وروي أن ابن عباس رأى صبيانا يلعبون وينزوا بعضهم على بعض فقال ~~هكذا خروج يأجوج ومأجوج. # وقوله تعالى: واقترب الوعد الحق يريد يوم القيامة، وروي في الحديث «أن ~~الرجل ليتخذ الفلو بعد يأجوج ومأجوج فلا يبلغ منفعته حتى تقوم الساعة» ، ~~وقوله تعالى: هي، مذهب سيبويه أنها ضمير القصة كأنه قال فإذا القصة أو ~~الحادثة شاخصة أبصار وجوز الفراء أن تكون ضمير الأبصار تقدمت لدلالة الكلام ~~ويجيء ما يفسرها وأنشد على ذلك: [الطويل] # فلا وأبيها لا تقول حليلتي ... ألا فرعني مالك بن أبي كعب # والشخوص بالعين إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعتري من الخوف المفرط أو ~~علة أو نحوه، وقوله: يا ويلنا تقديره يا ويلنا لقد كانت بنا غفلة عما وجدنا ~~الآن وتبينا الآن من الحقائق ثم تركوا الكلام الأول ورجعوا إلى نقد ما كان ~~يداخلهم من تعهد الكفر وقصد الإعراض فقالوا بل كنا ظالمين. PageV04P100 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 98 الى 99] # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء ~~آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) # هذه مخاطبة لكفار مكة أي إنكم وأصنامكم حصب جهنم والحصب ما توقد به ~~النار، إما لأنها تحصب به أي ترمى وإما أن تكون لغة في الحطب إذا رمي وأما ~~قبل أن يرمى به فلا يسمى حصبا إلا بتجوز، وقرأ الجمهور «حصب» بالصاد ~~مفتوحة، وسكنها ابن السميفع وذلك على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول، وقرأ ~~علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعائشة وابن الزبير «حطب جهنم» بالطاء، وقرأ ~~ابن عباس «حضب» جهنم بالضاد منقوطة مفتوحة وسكنها كثير غيره، والحضب أيضا ~~ما ms2447 يرمى به في النار لتوقد به والمحضب العود الذي تحرك به النار أو الحديدة ~~أو نحوه ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # فلا تك في حربنا محضبا ... لتجعل قومك شتى شعوبا # وقوله وما تعبدون يريد الأصنام وحرقها في النار على جهة التوبيخ لعابدها ~~ومن حيث تقع «ما» لمن يعقل في بعض المواضع اعترض في هذه الآية عبد الله بن ~~الزبعرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال إن عيسى وعزيرا ونحوهما قد ~~عبدوا من دون الله فيلزم أن يكونوا حصبا لجهنم فنزلت إن الذين سبقت ~~[الأنبياء: 101] ثم قرر الأمر بالإشارة إلى الأصنام التي أرادها في قوله ما ~~تعبدون، فقال لو كان هؤلاء آلهة وعبر عن الأصنام ب هؤلاء من حيث هي عندهم ~~بحال من يعقل، و «الورود» في هذه الآية ورود الدخول. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 100 الى 103] # لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ~~(102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون (103) # الضمير في لهم عائد على من يعقل ممن توعد، و «الزفير» صوت المعذب وهو ~~كنهيق الحمير، وشبهه إلا أنه من الصدر، وقوله: لا يسمعون قالت فرقة معناه ~~لا يسمعون خيرا ولا سارا من القول، وقالت فرقة إن عذابهم أن يجعلوا في ~~توابيت في داخل توابيت أخرى فيصيرون هنالك لا يسمعون شيئا ولما اعترض ابن ~~الزبعرى بأمر عيسى ابن مريم وعزير نزلت إن الذين سبقت لهم منا الحسنى مبينة ~~أن هؤلاء ليسوا تحت المراد لأنهم لم يرضوا ذلك ولا دعوا إليه، والحسنى يريد ~~كلمة الرحمة والحتم بالتفضيل، و «الحسيس» الصوت وهو بالجملة ما يتأدى إلى ~~الحس من حركة الأجرام وهذه صفة لهم بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن ~~في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه، PageV04P101 # والفزع الأكبر عام في كل هول يكون في يوم القيامة فكأن يوم القيامة ms2448 ~~بجملته هو الفزع الأكبر وإن خصص بشيء من ذلك فيجب أن يقصد لأعظم هوله، قالت ~~فرقة في ذلك هو ذبح الموت، وقالت فرقة هو وقوع طبق جهنم على جهنم، وقالت ~~فرقة هو الأمر بأهل النار إلى النار، وقالت فرقة هو النفخة الآخرة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وما قبله من الأوقات أشبه أن يكون فيها الفزع ~~لأنها وقت لترجم الظنون وتعرض الحوادث، فأما وقت ذبح الموت ووقوع الطبق ~~فوقت قد حصل فيه أهل الجنة في الجنة فذلك فزع بين إلا أنه لا يصيب أحدا من ~~أهل الجنة فضلا عن الأنبياء، اللهم إلا أن يريد لا يحزنهم الشيء الذي هو ~~عند أهل النار فزع أكبر، فأما إن كان فزعا للجميع فلا بد مما قلنا من أنه ~~قبل دخول الجنة وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى يعم كل مؤمن. # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال عثمان منهم ع ولا مرية ~~أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة وقوله تعالى: ~~وتتلقاهم الملائكة يريد بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي هذا يومكم الذي ~~وعدتم فيه الثواب والنعيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 104 الى 105] # يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون (105) # قرأت فرقة «نطوي» بنون العظمة، وقرأت فرقة «يطوي السماء» بياء مفتوحة على ~~معنى يطوي الله تعالى، وقرأ فرقة «تطوى السماء» بتاء مضمومة ورفع «السماء» ~~على ما لم يسم فاعله، واختلف الناس في السجل فقالت فرقة هو ملك يطوي الصحف، ~~وقالت فرقة السجل رجل كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ع وهذا كله وما ~~شاكله ضعيف، وقالت فرقة السجل الصحيفة التي يكتب فيها، والمعنى كطي السجل ~~أي كما يطوى السجل من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول ~~ويحتمل أن يكون المصدر ms2449 مضافا إلى الفاعل، أي كما يطوي السجل الكتاب الذي ~~فيه، فكأنه قال يوم نطوي السماء كالهيئة التي فيها طي السجل للكتاب، ففي ~~التشبيه تجوز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «السجل» بشد السين وسكون الجيم ~~وتخفيف اللام وفتح أبو السمال السين فقرأ «السجل» وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن ~~جرير «السجل» بضم السين وشدها وضم الجيم، وقرأ الجمهور «للكتاب» ، وقرأ ~~حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «للكتب» وقوله تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده ~~يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون خبرا عن البعث أي كما اخترعنا الخلق أولا على ~~غير مثال كذلك ننشئهم تارة أخرى فنبعثهم من القبور، والثاني أن يكون خبرا ~~عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا، ويؤيد ~~هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يحشر الناس يوم ~~القيامة حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده» وقوله تعالى: كما بدأنا ~~الكاف متعلقة بقوله نعيده، وقوله إنا كنا فاعلين تأكيد للأمر بمعنى PageV04P102 # أن الأمر واجب في ذلك، وقالت فرقة الزبور اسم يعم جميع الكتب المنزلة ~~لأنه مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته، قالت هذه الفرقة والذكر أراد به ~~اللوح المحفوظ، وقال بعضهم الذكر الذي في السماء، وقالت فرقة الزبور هو اسم ~~زبور داود، والذكر أراد به التوراة، وقالت فرقة الزبور ما بعد التوراة من ~~الكتب، والذكر التوراة، وقرأ حمزة وحده «الزبور» بضم الزاي، وقالت فرقة ~~الأرض أراد بها أرض الدنيا أي كل ما يناله المؤمنون من الأرض، وقالت فرقة ~~أراد أرض الجنة، واستشهدت بقوله تعالى وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء [الزمر: 74] وقالت فرقة إنما أراد ~~بهذه الآية الإخبار عما كان صنعه مع بني إسرائيل أي فاعلموا أنا كما وفينا ~~لهم بما وعدناهم فكذلك ننجز لكم ما وعدناكم من النصرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 106 الى 109] # إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) ~~قل إنما يوحى إلي أنما ms2450 إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل ~~آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) # قالت فرقة الإشارة بقوله في هذا إلى هذه الآيات المتقدمة، وقالت فرقة ~~الإشارة إلى القرآن بجملته، و «العبادة» تتضمن الإيمان بالله تعالى، وقوله ~~إلا رحمة للعالمين قالت فرقة عم العالمين وهو يريد من آمن فقط، وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليس برحمة على من كفر به ومات على الكفر، وقالت ~~فرقة «العالمون» عام ورحمته للمؤمنين بينة وهي للكافرين بأن الله تعالى رفع ~~عن الأمم أن يصيبهم ما كان يصيب القرون قبلهم من أنواع العذاب المستأصلة ~~كالطوفان وغيره. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام أن يكون معناه «وما أرسلناك للعالمين ~~إلا رحمة» أي هو رحمة في نفسه وهذا بين أخذ به من أخذ، وأعرض عنه من أعرض، ~~وقوله تعالى آذنتكم على سواء معناه عرفتكم بنذارتي وأردت أن تشاركوني في ~~معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى، ثم أعلمهم بأنه لا يعرف تعيين ~~وقت لعقابهم بل هو مترقب في القرب والبعد وهذا أهول وأخوف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأنبياء (21) : الآيات 110 الى 112] # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ~~(112) # الضمير في قوله إنه عائد على الله عز وجل، وفي هذه الآية تهديد أي يعلم ~~جميع الأشياء الواقعة منكم وهو بالمرصاد في الجزاء عليها، وقرأ يحيى بن ~~عامر «وإن أدري لعله وإن أدري أقريب» بفتح الياء فيهما وأنكر ابن مجاهد فتح ~~هذه الياء ووجهه أبو الفتح، قوله لعله الضمير فيه عائد على الإملاء لهم PageV04P103 # وصفح الله تعالى عن عذابهم وتمادي النعمة عليهم، وفتنة معناه امتحان ~~وابتلاء، و «المتاع» ، ما يستمتع به مدة الحياة الدنيا، ثم أمره تعالى أن ~~يقول على جهة الدعاء رب احكم بالحق والدعاء هنا بهذا فيه توعد، أي إن الحق ~~إنما هو في نصرتي عليكم، وأمر الله تعالى ms2451 له بهذا الدعاء دليل على الإجابة ~~والعدة بها، وقرأت فقر «رب احكم» وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «رب» بالرفع على ~~المنادى المفرد وقرأت فرقة «ربي أحكم» على وزن أفعل وذلك على الابتداء ~~والخبر، وقرأت فرقة «ربي أحكم» على وزن أنه فعل ماض، ومعاني هذه القراءات ~~بينة، ثم توكل في آخر الآية واستعان بالله تعالى، وقرأ جمهور القراء «قل ~~رب» ، وقرأ عاصم فيما روي عنه «قال رب» ، وقرأ ابن عامر وحده «يصفون» ~~بالياء، وقرأ الباقون والناس «تصفون» بالتاء من فوق على المخاطبة. PageV04P104 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحج # هذه السورة مكية سوى ثلاث آيات قوله هذان خصمان [الحج: 19] إلى تمام ثلاث ~~آيات قاله ابن عباس ومجاهد، وروي أيضا عن ابن عباس أنهن أربع آيات إلى قوله ~~عذاب الحريق [الحج: 9] ، وقال الضحاك هي مدينة، وقال قتادة سورة الحج مدنية ~~إلا أربع آيات من قوله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته [الحج: 25] إلى قوله عذاب يوم عقيم [الحج: 55] فهن ~~مكيات، وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات، وقال الجمهور مختلطة فيها مكي ~~ومدني وهذا هو الأصح والله أعلم لأن الآيات تقتضي ذلك. وروي عن أنس بن مالك ~~أنه قال: نزل أول السورة في السفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى ~~بها فاجتمع الناس إليه، فقال «أتدرون أي يوم هذا؟» فبهتوا، فقال: «يوم يقول ~~الله يا آدم أخرج بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين» قال: ~~فاغتم الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبشروا فمنكم رجل ومن ~~يأجوج ومأجوج ألف رجل» الحديث. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل ~~كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد (2) # صدر الآية تحذير لجميع العالم ثم أوجب الخبر وأكده بأمر زلزلة القيامة ms2452 ~~وهي إحدى شرائطها وسماها «شيئا» إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها فيستسهل لذلك ~~أن تسمى شيئا. # وهي معدومة إذ اليقين بها يشبهها بالموجودات وأما على المآل أي هي إذا ~~وقعت شيء عظيم فكأنه لم يطلق الاسم الآن بل المعنى أنها إذا كانت فهي حينئذ ~~شيء عظيم، والزلزلة التحريك العنيف وذلك مع نفخة الفزع ومع نفخة الصعق ~~حسبما تضمن حديث أبي هريرة من ثلاث نفخات ومن لفظ الزلزلة قول الشاعر: ~~[الخفيف] # يعرف الجاهل المضلل أن ... الدهر فيه النكراء والزلزال PageV04P105 # فيحتمل أن تكون «الزلزلة» في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال ~~تعالى مستهم البأساء والضراء وزلزلوا [البقرة: 214] وكما قال عليه السلام ~~«اللهم اهزمهم وزلزلهم» ، والجمهور على أن زلزلة الساعة هي كالمعهودة في ~~الدنيا إلا أنها في غاية الشدة، واختلف المفسرون في «الزلزلة» المذكورة هل ~~هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم القيامة ~~على جميع العالم؟ # فقال الجمهور هي في الدنيا والضمير في ترونها # عائد عندهم على الزلزلة وقوى قولهم إن الرضاع والحمل إنما هو في الدنيا، ~~وقالت فرقة «الزلزلة» في القيامة واحتجت بحديث أنس المذكور آنفا إذ قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية ثم قال «إنه اليوم الذي يقول الله ~~تعالى فيه لآدم أخرج بعث النار» . # ع وهذا الحديث لا حجة فيه لأنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من ~~فصول يوم القيامة فنص ذكره وهذا من الفصاحة، والضمير عند هذه الفرقة عائد ~~على الساعة أي يوم يرون ابتداءها في الدنيا، فيصح لهم بهذا التأويل أن لا ~~يلزمهم وجود الرضاع والحمل في يوم القيامة ولو أعادوه على الزلزلة فسد ~~قولهم بما يلزمهم، على أن النقاش ذكر أن المراد ب كل ذات حمل # من مات من الإناث وولدها في جوفها. ع وهذا ضعيف و «الذهول» الغفلة عن ~~الشيء بطريان ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره وقال ابن ms2453 زيد المعنى تترك ~~ولدها للكرب الذي نزل بها، وقرأ ابن أبي عبلة «تذهل» بضم التاء وكسر الهاء ~~ونصب «كل» وألحق الهاء في «مرضع» لأنه أراد فاعلات ذلك في ذلك اليوم فأجراه ~~على الفعل وأما إذا أخبرت عن المرأة بأن لها طفلا ترضعه فإنما تقول مرضع ~~مثل حامل قال علي بن سليمان هذه الهاء في مرضعة # ترد على الكوفيين قولهم إن الهاء لا تكون فيما لا تلبس له بالرجال، وحكى ~~الطبري أن بعض نحويي الكوفة قال أم الصبي مرضعة، وترى الناس سكارى # تشبيه لهم، أي من الهم، ثم نفى عنهم السكر الحقيقي الذي هو من الخمر قاله ~~الحسن وغيره، وقرأ جمهور القراء «سكارى» بضم السين وثبوت الألف وكذلك في ~~الثاني وهذا هو الباب فمرة جعله سيبويه جمعا ومرة جعله اسم جمع، وقرأ أبو ~~هريرة بفتح السين فيهما وهذا أيضا قد يجيء في هذه الجموع قال أبو الفتح هو ~~تكسير، وقال أبو حاتم هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي «سكرى» في الموضعين، ~~ورواه عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ~~قراءة ابن مسعود وحذيفة وأصحاب عبد الله، قال سيبويه وقوم يقولون «سكرى» ~~جعلوه مثل مرضى لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان، ثم جعلوا روبى مثل سكرى ~~وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب، قال أبو علي ويصح أن يكون «سكرى» جمع ~~سكر كزمن وزمنى وقد حكى سيبويه رجل سكر بمعنى سكران فتجيء «سكرى» حينئذ ~~لتأنيث الجمع كالعلامة في طائفة لتأنيث الجمع، وقرأ سعيد بن جبير «وترى ~~الناس سكرى وما هم بسكارى» بالضم والألف، وحكى المهدوي عن الحسن أنه قرأ ~~الناس «سكارى وما هم بسكرى» ، وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة بن عمرو بن ~~جرير في الموضعين «سكرى» بضم السين، قال أبو الفتح هو اسم مفرد كالبشرى ~~وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عن هذا، وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير ~~وأبو هريرة وأبو نهيك «وترى» بضم التاء «الناس» بالنصب قال وإنما هي محسبة، ~~ورويت هذه القراءة «ترى الناس» ms2454 بضم التاء والسين أي ترى جماعة الناس. PageV04P106 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 3 الى 5] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه ~~أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ~~مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم ~~نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) # قوله تعالى ومن الناس الآية، قال ابن جريح نزلت في النضر بن الحارث وأبي ~~بن خلف وقيل في أبي جهل بن هشام ثم هي بعد تتناول كل من اتصف بهذه الصفة، و ~~«المجادلة» المحاجة والموادة مؤخوذة من الجدل وهو الفتل والمعنى في قدرة ~~الله تعالى وصفاته، وكان سبب الآية كلام من ذكر وغيرهم في أن الله تعالى لا ~~يبعث الموتى ولا يقيم الأجساد من القبور، و «الشيطان» هنا هو مغويهم من ~~الجن ويحتمل أن يكون الشيطان من الإنس والإنحاء على متبعيه، و «المريد» ~~المتجرد من الخير للشر ومنه الأمرد، وشجرة مردى أي عارية من الورق، وصرح ~~ممرد أي مملس من زجاج، وصخرة مرداء أي ملساء. والضمير في عليه عائد على ~~الشيطان قاله قتادة ويحتمل أن يعود على المجادل وأنه في موضع رفع على ~~المفعول الذي لم يسم فاعله وأنه الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها وقيل ~~هي مكررة للتأكيد فقط وهذا معترض بأن الشيء لا يؤكد إلا بعد تمامه وتمام ~~«أن» الأولى إنما هو بصلتها في قوله السعير وكذلك لا يعطف ولسيبويه في مثل ~~هذا أنه بدل، وقيل أنه خبر ابتداء محذوف تقديره فشأنه أنه يضله وقدره أبو ~~علي فله أن يضله. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن الضمير في ms2455 أنه الأولى للشيطان وفي ~~الثانية لمن الذي هو المتولي، وقوله ويهديه بمعنى يدله على طريق ذلك وليست ~~بمعنى الإرشاد على الإطلاق، وقرأ أبو عمرو «إنه من تولاه فإنه يضله» بالكسر ~~فيهما، وقوله تعالى: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث الآية هذا ~~احتجاج على العالم بالبداءة الأولى وضرب الله تعالى في هذه الآية مثلين إذا ~~اعتبرهما الناظر جوز في العقل البعثة من القبور، ثم ورد خبر الشرع بوجوب ~~ذلك ووقوعه، و «الريب» الشك، وقوله تعالى: # إن كنتم شرط مضمنه التوفيق، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «البعث» بفتح العين ~~وهي لغة في البعث عند البصريين وهي عند الكوفيين تخفيف بعث وقوله تعالى: ~~فإنا خلقناكم من تراب يريد آدم ثم سلط الفعل عليهم من حيث هم من ذريته، ~~وقوله تعالى: ثم من نطفة يريد المني الذي يكون من البشر، و «النطفة» تقع ~~على قليل الماء وكثيره، وقال النقاش المراد نطفة آدم، وقوله تعالى: ثم من ~~علقة، يريد من الدم تعود النطفة إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعلق، ~~الدم العبيط وقيل العلق، الشديد الحمرة فسمي الدم لذلك، وقوله تعالى: ثم من ~~مضغة يريد بضعة لحم على قدر ما يمضغ، وقوله PageV04P107 # تعالى: مخلقة معناه متممة البنية، وغير مخلقة غير متممة أي التي تستسقط ~~قاله مجاهد وقتادة والشعبي وأبو العالية فاللفظة بناء مبالغة من خلق ولما ~~كان الإنسان فيه أعضاء متباينة وكل واحد منها مختص بخلق حسن في جملته تضعيف ~~الفعل لأن فيه خلقا كثيرة، وقرأ ابن أبي عبلة «مخلقة» بالنصب «وغير» بالنصب ~~في الراء ويتصل بهذا الموضوع من الفقه أن العلماء اختلفوا في أم الولد إذا ~~أسقطت مضغة لم تصور هل تكون أم ولد بذلك فقال مالك والأوزاعي وغيرهما: هي ~~أم ولد بالمضغة إذا علم أنها مضغة الولد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا حتى ~~يتبين فيه خلق ولو عضو واحد، وقوله تعالى: لنبين قالت فرقة معناه لنبين أمر ~~البعث فهو اعتراض بين الكلامين، وقرأت هذه الفرقة بالرفع في «نقر» ، المعنى ~~ونحن ms2456 نقر وهي قراءة الجمهور، وقالت فرقة لنبين معناه بكون المضغة غير مخلقة ~~وطرح النساء إياها كذلك نبين للناس أن المناقل في الرحم هي هكذا، وقرأت هذه ~~الفرقة «ونقر» بالنصب وكذلك قرأت «ونخرجكم» بالنصب وهي رواية المفضل عن ~~عاصم، وحكى أبو عمرو الداني أن رواية المفضل هذه هي بالياء في «يقر» وفي ~~«يخرجكم» والرفع على هذا التأويل سائغ ولا يجوز النصب على التأويل الأول، ~~وقرأ ابن وثاب «ما نشاء» بكسر النون، و «الأجل المسمى» هو مختلف بحسب جنين ~~جنين فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حيا، وقوله تعالى: طفلا اسم الجنس ~~أي أطفالا، واختلف الناس في «الأشد» من ثمانية عشر إلى ثلاثين، إلى اثنين ~~وثلاثين، إلى ستة وثلاثين، إلى أربعين، إلى خمسة وأربعين، واللفظ تقال ~~باشتراك، فأشد الإنسان على العموم غير أشد اليتيم الذي هو الاحتلام، و ~~«الأشد» في هذه الآية يحتمل المعنيين، والرد إلى أرذل العمر هو حصول ~~الإنسان في زمانة واختلال قوة حتى لا يقدر على إقامة الطاعات واختلال عقل ~~حتى لا يقدر على إقامة ما يلزمه من المعتقدات، وهذا أبدا يلحق مع الكبر وقد ~~يكون أرذل العمر في قليل من السن بحسب شخص ما لحقته زمانة وقد ذكر عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه أرذل العمر خمسة وسبعون سنة وهذا فيه نظر وإن صح ~~عن علي رضي الله عنه فلا يتوجه إلا أن يريد على الأكثر فقد نرى كثيرا أبناء ~~ثمانين سنة ليسوا في أرذل العمر، وقرأ الجمهور «العمر» مشبعة وقرأ نافع ~~«العمر» مخففة الميم واختلف عنه، قوله تعالى: لكيلا يعلم أي لينسى معارفه ~~وعلمه الذي كان معه فلا يعلم من ذلك شيئا فهذا مثال واحد يقضي للمعتبر به ~~أن القادر على هذه المناقل المتقن لها قادر على إعادة تلك الأجساد التي ~~أوجدها بهذه المناقل إلى حالها الأولى. # قوله عز وجل: # ومن الناس من يعبد ... PageV04P108 # هذا هو المثال الذي يعطي للمعتبر فيه جواز بعث الأجساد وذلك أن إحياء ~~الأرض بعد موتها بين فكذلك الأجساد، ms2457 وهامدة معناه ساكنة دارسة بالية ومنه ~~قيل همد الثوب إذا بلي، قال الأعشى: # [الكامل] # قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ... وأرى ثيابك باليات همدا # واهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء، وربت ~~معناه نشزت وارتفعت ومنه الربوة وهو المكان المرتفع، وقرأ جعفر بن القعقاع ~~«وربأت» بالهمز، ورويت عن أبي عمرو وقرأها عبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس ~~وهي غير وجيهة ووجهها أن تكون من ربأت القوم إذا علوت شرفا من الأرض طليعة ~~فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو، و «الزوج» النوع، و «البهيج» فعيل من ~~البهجة وهي الحسن قاله قتادة وغيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 6 الى 10] # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل ~~الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت ~~يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) # قوله تعالى: ذلك إشارة إلى كون ما تقدم ذكر ف ذلك ابتداء، وخبره بأن أي ~~هو بأن الله تعالى «حق» محيي قادر وقوله وأن الساعة آتية ليس بسبب لما ذكر ~~لكن المعنى أن الأمر مرتبط بعضه ببعض أو على تقدير: والأمر أن الساعة، ~~وقوله تعالى: ومن الناس الآية، الإشارة بقوله ومن الناس إلى القوم المتقدم ~~ذكرهم، وحكى النقاش عن محمد بن كعب أنه قال نزلت الآية في الأخنس بن شريق ~~وكرر هذه على جهة التوبيخ فكأنه يقول فهذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ~~ومن الناس مع ذلك من يجادل فكأن الواو واو الحال والآية المتقدمة الواو ~~فيها واو عطف جملة الكلام على ما قبلها، والآية على معنى الإخبار وهي هاهنا ~~مكررة للتوبيخ، وثاني حال من ضمير في يجادل ولا يجوز أن تكون من من لأنها ~~ابتداء والابتداء إنما عمله الرفع لا النصب وإضافة ثاني غير معتد ms2458 بها لأنها ~~في معنى الانفصال إذ تقديرها ثانيا عطفه، وقوله ثاني عطفه عبارة عن المتكبر ~~المعرض قاله ابن عباس وغيره، ع: وذلك أن صاحب الكبر يرد وجهه عما يتكبر عنه ~~فهو يرد وجهه يصعر خده ويولي صفحته ويلوي عنقه ويثني عطفه وهذه هي عبارات ~~المفسرين، والعطف الجانب وقرأ الحسن «عطفه» بفتح العين والعطف السيف لأن ~~صاحبه يتعطفه أي يصله بجنبه، وقرأ الجمهور «ليضل» بضم الياء، وقرأ مجاهد ~~وأهل مكة بفتح الياء، وكذلك قرأ أبو عمرو، و «الخزي» الذي توعد به النضر بن ~~الحارث في أسره يوم بدر وقتله بالصفراء، و «الحريق» طبقة من طبقات جهنم، ~~وقوله تعالى: ذلك بما قدمت يداك بمعنى يقال له ونسب التقديم إلى اليدين إذ ~~هما آلتا الاكتساب واختلف في الوقف على قوله يداك فقيل لا يجوز لأن ~~التقدير: وبأن الله أي وأن الله هو العدل فيك بجرائمك وقيل يجوز بمعنى ~~والأمر أن الله تعالى ليس بظلام و «العبيد» هنا ذكروا في معنى مكسنتهم وقلة ~~قدرتهم فلذلك جاءت هذه الصيغة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 11 الى 13] # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من ~~دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعوا لمن ضره ~~أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) PageV04P109 # هذه الآية نزلت في أعراب وقوم لا يقين لهم كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له ~~اتفاقات حسان من نمو ماله وولد ذكر يرزقه وغير ذلك قال هذا دين جيد وتمسك ~~به لهذه المعاني، وإن كان الأمر بخلاف، تشاءم به وارتد كما صنع العرنيون ~~وغيرهم، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وقوله تعالى: على ~~حرف معناه على انحراف منه عن العقيدة البيضاء أو على شفى منها معدى للزهوق، ~~و «الفتنة» : # الاختبار، وقوله تعالى: انقلب على وجهه عبارة للمولي عن الأمور وخسارته ~~الدنيا والآخرة، أما الدنيا فبالمقادير التي جرت ms2459 عليه، وأما الآخرة ~~فبارتداده وسوء معتقده، وقرأ مجاهد وحميد والأعرج «خاسرا الدنيا والآخرة» ~~نصبا على الحال، وقوله تعالى: ما لا يضره يريد الأوثان، ومعنى يدعوا يعبد، ~~ويدعو أيضا في ملماته، واختلف الناس في قوله تعالى: يدعوا لمن ضره فقالت ~~فرقة من الكوفيين اللام مقدمة على موضعها وإنما التقدير «يدعو من لضره» ، ~~ويؤيد هذا التأويل أن عبد الله بن مسعود قرأ «يدعو من ضره» ، وقال الأخفش ~~يدعوا يمعنى يقول، و «من» مبتدأ وضره مبتدأ، وأقرب خبره، والجملة صلة، وخبر ~~من محذوف والتقدير يقول لمن ضره أقرب منه نفعه إله وشبه هذا، يقول عنترة: ~~«يدعون عنتر والرماح كأنها» ع وهذا القول فيه نظر فتأمل إفساده للمعنى إذ ~~لم يعتقد الكافر قط أن ضر الأوثان أقرب من نفعها واعتذار أبي علي هنا مموه، ~~وأيضا فهو لا يشبه البيت الذي استشهد به، وقيل المعنى في يدعوا يسمى، وهذا ~~كالقول الذي قبله، إلا أن المحذوف آخرا مفعول تقديره إلها، وقال الزجاج ~~يجوز أن يكون يدعوا في موضع الحال وفيه هاء محذوفة والتقدير ذلك هو الضلال ~~البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى ~~الذي، أي الذي هو الضلال البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا، قال أبو علي ~~ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو الضلال البعيد يدعو أو يدعوه، ~~فيوقف على هذا، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو ~~الضلال البعيد يدعوا فيكون قوله ذلك موصولا بقوله ذلك هو الضلال البعيد ~~ويكون يدعوا عاملا في قوله ذلك ع كون ذلك بمعنى الذي غير سهل وشبهه المهدوي ~~بقوله تعالى: وما تلك بيمينك يا موسى [طه: 17] وقد يظهر في الآية أن يكون ~~قوله يدعوا متصلا بما قبله، ويكون فيه معنى التوبيخ كأنه قال يدعوا من لا ~~يضر ولا ينفع. ثم كرر يدعوا على جهة التوبيخ غير معدى إذ عدي أول الكلام ثم ~~ابتدأ الإخبار بقوله لمن ضره واللام مؤذنة بمجيء القسم والثانية ms2460 التي في ~~لبئس لام القسم وإن كان أبو علي مال إلى أنها لام الابتداء والثانية لام ~~اليمين، ويظهر أيضا في الآية أن يكون المراد يدعو من ضره ثم علق الفعل ~~باللام وصح أن يقدر هذا الفعل من الأفعال التي تعلق وهي أفعال النفس كظننت ~~وخشيت، وأشار أبو علي إلى هذا ورد عليه، والعشير القريب المعاشر في الأمور، ~~وذهب الطبري إلى أن المراد بالمولى والعشير هو الإنسان الذي يعبد الله على ~~حرف ويدعو الأصنام، والظاهر أن المراد ب المولى والعشير هو الوثن الذي ضره ~~أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد والله أعلم. PageV04P110 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 14 الى 17] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن ~~الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ~~فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك ~~أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) # لما ذكر تبارك وتعالى حالة من يعبده على حرف [الحج: 11] وسفه رأيهم ~~وتوعدهم بخسارة الآخرة عقب ذلك بذكر مخالفيهم من أهل الإيمان وذكر ما وعدهم ~~به من إدخاله إياهم الجنة، ثم أخذت الآية في توبيخ أولئك الأولين وإسلامهم ~~إلى رأيهم وإحالتهم على ما فيه عنتهم وليس فيه راحتهم كأنه يقول هؤلاء ~~العابدون على حرف صحبهم القلق وظنوا أن الله تبارك وتعالى لن ينصر محمدا ~~وأتباعه ونحن إنما أمرناهم بالصبر وانتظار وعدنا فمن ظن غير ذلك، فليمدد ~~بسبب وليختنق ولينظر هل يذهب بذلك غيظه، قال هذا المعنى قتادة وهذا على جهة ~~المثل السائر قولهم دونك الحبل فاختنق، يقال ذلك للذي يريد من الأمر ما لا ~~يمكنه، و «السبب» الحبل، و «النصر» معروف، إلا أن أبا عبيدة ذهب به إلى ~~معنى الرزق كما قالوا أرض منصورة أي ممطورة وكما قال الشاعر: [الطويل] ms2461 # وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ... ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره # وقال: وقف بنا سائل من بني أبي بكر فقال من ينصرني ينصره الله، والسماء ~~على هذه الأقوال الهواء علوا فكأنه أراد سقفا أو شجرة أو نحوه وقال ابن زيد ~~السماء هي المعروفة، وذهب إلى معنى آخر كأنه قيل لمن يظن أن الله تعالى لا ~~ينصر محمدا إن كانت تظن ذلك فامدد بسبب إلى السماء واقطعه إن كنت تقدر على ~~ذلك فإن عجزت فكذلك لا تقدر على قطع سبب محمد صلى الله عليه وسلم إذ نصرته ~~من هنالك والوحي الذي يأتيه. # قال القاضي أبو محمد: و «القطع» على هذا التأويل ليس بالاختناق بل هو جزم ~~السبب، وفي مصحف ابن مسعود «ثم ليقطعه» بهاء، والجمهور على أن القطع هنا هو ~~الاختناق، وقال الخليل: وقطع الرجل إذا اختنق بحبل أو نحوه ثم ذكر الآية، ~~وتحتمل الآية معنى آخر وهو أن يراد به الكفار وكل من يغتاظ بأن ينصره الله ~~ويطمع أن لا ينصر قيل له من ظن أن هذا لا ينصر فليمت كمدا هو منصور لا ~~محالة فليختنق هذا الظان غيظا وكمدا ويؤيد هذا أن الطبري والنقاش قالا: ~~ويقال نزلت في نفر من بني أسد وغطفان قالوا نخاف أن ينصر محمد فينقطع الذي ~~بيننا وبين حلفائنا من يهود من المنافع، والمعنى الأول الذي قيل فيه ~~للعابدين على حرف [الحج: 11] ليس بهذا ولكنه بمعنى من قلق واستبطأ النصر ~~وظن أن محمدا لا ينصر فليختنق سفاهة إذ تعدى الأمر الذي حد له في الصبر ~~وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في PageV04P111 # ينصره عائد على من والمعنى من كان من المتقلقين من المؤمنين. ع والضمير ~~في التأويل الذي ذكرناه في أن يراد الكفار لا يعود إلا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقط، وقالت فرقة: الضمير عائد على الدين والقرآن، وقرأ أبو عمرو ~~وابن عامر «ليقطع فلينظر» بكسر اللام فيهما على الأصل وهي قراءة الجمهور، ~~وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون اللام فيهما في لام ms2462 الأمر في كل القرآن مع ~~الواو والفاء و «ثم» ، واختلف عن نافع وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وعيسى، ع ~~أما الواو والفاء إذا دخلا على الأمر فحكى سيبويه أنهم يرونها كأنها من ~~الكلمة، فسكون اللام تخفيف وهو أفصح من تحريكها، وأما «ثم» فهي كلمة مستقلة ~~فالوجه تحريك اللام بعدها ع وقد رأى بعض النحويين الميم من «ثم» بمنزلة ~~الواو والفاء، وقوله تعالى: ما يغيظ يحتمل أن تكون ما بمعنى الذي، وفي يغيظ ~~عائد عليها، ويحتمل أن تكون مصدرية حرفا فلا عائد عليها، و «الكيد» هو مده ~~السبب ع وأبين وجوه هذه الآية أن تكون مثلا ويكون «النصر» المعروف و ~~«القطع» الاختناق والسماء الارتفاع في الهواء بسقف أو شجرة ونحوه فتأمله، ~~وقوله تعالى: وكذلك أنزلناه إلى شهيد المعنى وكما وعدنا بالنصر وأمرنا ~~بالصبر كذلك أنزلنا القرآن آية بينة لمن نظر واهتدى لا ليقترح معها ويستعجل ~~القدر، وقال الطبري: المعنى وكما بينت حجتي على من جحد قدرتي على إحياء ~~الموتى كذلك أنزلناه والضمير في أنزلناه عائد على القرآن، وجاءت هذه ~~الضمائر هكذا وإن لم يتقدم ذكر لشهرة المشار إليه نحو قوله تعالى: حتى ~~توارت بالحجاب [ص: 32] وغيره، وقوله تعالى: وأن في موضع خير الابتداء ~~والتقدير والأمر أن الله يهدي من يريد، وهداية الله تعالى هي خلقه الرشاد ~~والإيمان في نفس الإنسان، ثم أخبر الله تعالى عن فعله بالفرق المذكورين وهم ~~المؤمنون بمحمد عليه السلام وغيره، واليهود والصابئون وهم قوم يعبدون ~~الملائكة ويستقبلون القبلة ويوحدون الله ويقرؤون الزبور قاله قتادة ~~والنصارى والمجوس وهم عبدة النار والشمس والقمر، والمشركون وهم عبدة ~~الأوثان، قال قتادة الأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن وخبر إن قوله ~~تعالى الله يفصل بينهم، ثم دخلت إن على الخبر مؤكدة وحسن ذلك لطول الكلام ~~فهي وما بعدها خبر إن الأولى، وقرن الزجاج هذه الآية. بقول الشاعر: ~~[البسيط] # إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم # نقله من الطبري ع وليس هذا البيت كالآية لأن الخبر في البيت في قوله ms2463 ترجى ~~الخواتيم وإن الثانية وجملتها معترضة بين الكلامين، ثم تم الكلام كله في ~~قوله تعالى: القيامة واستأنف الخبر عن إن الله على كل شيء شهيد عالم به ~~وهذا خبر مستأنف للفصل بين الفرق وفصل الله تعالى بين هذه الفرق هو إدخال ~~المؤمنين الجنة والكافرين النار. # قوله عز وجل: PageV04P112 ### || [سورة الحج (22) : الآيات 18 الى 22] # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن ~~يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم (19) يصهر ~~به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) # ألم تر تنبيه من رؤية القلب، وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جمع لله ~~وخضوعها، وذكر في الآية كل ما عبد الناس إذ في المخلوقات أعظم مما قد ذكر ~~كالرياح والهواء ف من في السماوات الملائكة، ومن في الأرض من عبد من البشر، ~~والشمس كانت تعبدها حمير وهم قوم بلقيس، والقمر كانت كنانة تعبده قاله ابن ~~عباس، وكانت تميم تعبد الدبران، وكانت لخم تعبد المشتري، وكانت طيىء تعبد ~~الثريا وكانت قريش تعبد الشعرى، وكانت أسد تعبد عطارد، وكانت ربيعة تعبد ~~المرزم، والجبال والشجر منها النار وأصنام الحجارة والخشب، والدواب فيها ~~البقر وغير ذلك مما عبد من الحيوان كالديك ونحوه، و «السجود» في هذه الآية ~~هو بالخضوع والانقياد للأمر كما قال الشاعر «ترى الأكم فيه سجدا للحوافر» . ~~وهذا مما يتعذر فيه السجود المتعارف، وقال مجاهد: سجود هذه الأشياء هو ~~بظلالها، وقال بعضهم سجودها هو بظهور الصنعة فيها. ع: وهذا وهم وإنما خلط ~~هذه الآية بآية التسبيح وهناك يحتمل أن يقال هي بآثار الصنعة، وقوله تعالى: ~~وكثير حق عليه العذاب يحتمل أن يكون معطوفا على ما تقدم، أي وكثير حق عليه ~~العذاب يسجد، ms2464 أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره ونحو ~~ذلك، قاله مجاهد، وقال: سجوده بظله ويحتمل أن يكون رفعا بالابتداء مقطوعا ~~مما قبله وكأن الجملة معادلة لقوله وكثير من الناس لأن المعنى أنهم مرحومون ~~بسجودهم ويؤيد هذا قوله تعالى بعد ذلك ومن يهن الله الآية وقرأ جمهور الناس ~~«من مكرم» بكسر الراء، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الراء على معنى من موضع ~~كرامة أو على أنه مصدر كمدخل، وقرأ الجمهور «والدواب» مشددة الباء، وقرأ ~~الزهري وحده بتخفيف الباء وهي قليلة ضعيفة وهي تخفيف على غير قياس كما ~~قالوا ظلت وأحست وكما قال علقمة: [البسيط] # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم # أراد بسبائب الكتان وأنشد أبو علي في مثله: [الكامل] # حتى إذا ما لم أجد غير الشر ... كنت امرأ من مالك بن جعفر # وهذا باب إنما يستعمل في الشعر فلذلك ضعفت هذه القراءة وقوله تعالى: هذان ~~خصمان الآية، اختلف الناس في المشار إليه بقوله هذان فقال قيس بن عباد ~~وهلال بن يساف: نزلت هذه الآية في المتبارزين يوم بدر وهم ستة: حمزة، وعلي، ~~وعبيدة بن الحارث، برزوا لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ~~وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين ~~يدي الله تعالى، وأقسم أبو ذر على هذا القول ع ووقع أن الآية فيهم في صحيح ~~البخاري، وقال ابن عباس: الإشارة PageV04P113 # إلى المؤمنين وأهل الكتاب وذلك أنه وقع بينهم تخاصم فقالت اليهود نحن ~~أقوم دينا منكم ونحو هذا، فنزلت الآية، وقال عكرمة: المخاصمة بين الجنة ~~والنار، وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن وعاصم والكلبي: ~~الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم ع وهذا قول تعضده الآية، وذلك أنه ~~تقدم قوله وكثير من الناس المعنى هم مؤمنون ساجدون، ثم قال وكثير حق عليه ~~العذاب ثم أشار إلى هذين الصنفين بقوله هذان خصمان والمعنى أن الإيمان ~~وأهله والكفر وأهله خصمان مذ كانا إلى ms2465 قيام الساعة بالعداوة والجدال ~~والحرب، وقوله تعالى: خصمان يريد طائفتين لأن لفظة خصم هي مصدر يوصف به ~~الجمع والواحد ويدل على أنه أراد الجمع قوله اختصموا فإنها قراءة الجمهور، ~~وقرأ ابن أبي عبلة «اختصما في ربهم» وقوله في ربهم معناه في شأن ربهم ~~وصفاته وتوحيده، ويحتمل أن يريد في رضاء ربهم وفي ذاته، ثم بين حكمي ~~الفريقين فتوعد تعالى الكفار بعذاب جهنم، وقطعت معناه جعلت لهم بتقدير، كما ~~يفصل الثوب، وروي أنها من نحاس وقيل ليس شيء من الحجارة والفلز أحر منه إذا ~~حمي، وروي في صب الحميم وهو الماء المغلي أنه تضرب رؤوسهم ب «المقامع» ~~فتنكشف أدمغتهم فيصب الحميم حينئذ، وقيل بل يصب الحميم أولا فيفعل ما وصف، ~~ثم تضرب ب «المقامع» بعد ذلك، والحميم الماء المغلي، ويصهر معناه يذاب، ~~وقيل معناه يعصر وهذه # العبارة قلقة، وقيل معناه ينضج ومنه قول الشاعر «تصهره الشمس ولا ينصهر» ~~وإنما يشبه فيمن قال يعصر. # أنه أراد الحميم يهبط كل ما يلقى في الجوف ويكشطه ويسلته، وقد روى أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسلته ويبلغ به قدميه ويذيبه، ثم ~~يعاد كما كان، وقرأ الجمهور «يصهر» وقرأت فرقة «يصهر» بفتح الضاد وشد ~~الهاء، و «المقمعة» بكسر الميم مقرعة من حديد يقمع بها المضروب، وقوله: # أرادوا روي فيه أن لهب النار إذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار ~~فيريدون الخروج فيضربون ب «المقامع» وتردهم الزبانية و «من» في قوله منها ~~الابتداء الغاية، وفي قوله من غم يحتمل أن تكون لبيان الجنس ويحتمل أن تكون ~~لابتداء غاية أيضا وهي بدل من الأولى. وقوله: وذوقوا هنا محذوف تقديره ~~ويقال لهم: ذوقوا والحريق فعيل بمعنى مفعل أي محرق، وقرأ الجمهور «هذان» ~~بتخفيض النون، وقرأ ابن كثير وحده «هذان» بتشديد النون، وقرأها شبل وهي لغة ~~لبعض العرب في المبهمات، كاللذان، وهذان وقد ذكر ذلك أبو علي. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 23 الى 25] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ms2466 تحتها الأنهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب ~~من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) PageV04P114 # هذه الآية معادلة لقوله: فالذين كفروا [الحج: 19] وقرأ الجمهور «يحلون» ~~بضم الياء وشد اللام من الحلي، وقرأ ابن عباس «يحلون» بفتح الياء واللام ~~وتخفيفها، يقال حلي الرجل وحليت المرأة إذا صارت ذات حلي وقيل هي من قولهم ~~لم يحل فلان بطائل، ومن في قوله من أساور هي لبيان الجنس ويحتمل أن تكون ~~للتبعيض، و «الأساور» جمع سوار وإسوار بكسر الهمزة، وقيل أساور جمع أسورة ~~وأسورة جمع سوار، وقرأ ابن عباس من «أسورة من ذهب» ، و «اللؤلؤ» الجوهر ~~وقيل صغاره وقيل كباره والأشهر أنه اسم للجوهر، وقرأ نافع وعاصم في رواية ~~أبي بكر «ولؤلؤا» بالنصب عطفا على موضع الأساور لأن التقدير يحلون أساور، ~~وهي قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب والأعرج وأبي جعفر وعيسى بن عمر، ~~وحمل أبو الفتح نصبه على إضمار فعل، وقرأ الباقون من السبعة و «لؤلؤ» ~~بالخفض عطفا إما على لفظ الأساور ويكون اللؤلؤ في غير الأساور، وإما على ~~الذهب لأن الأساور أيضا تكون «من ذهب» و «لؤلؤ» قد جمع بعضه إلى بعض، ورويت ~~هذه القراءة عن الحسن بن أبي الحسن وطلحة وابن وثاب والأعمش وأهل مكة، ~~وثبتت في الإمام ألف بعد الواو قاله الجحدري، وقال الأصمعي: ليس فيها ألف، ~~وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم همز الواو الثانية دون الأولى، وروى المعلى ~~بن منصور عن أبي بكر عن عاصم ضد ذلك، قال أبو علي: همزهما وتخفيفهما وهمز ~~إحداهما دون الأخرى جائز كله، وقرأ ابن عباس «ولئلئا» بكسر اللامين، وأخبر ~~عنهم بلباس الحرير لأنها من أكمل حالات الآخرة، وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» ، وقال ابن عباس: ~~لا تشبه أمور الآخرة ms2467 أمور الدنيا إلا في الأسماء فقط وأما الصفات فمتباينة، ~~والطيب من القول لا إله إلا الله وما جرى معها من ذكر الله تعالى وتسبيحه ~~وتقديسه وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب فإنها لا تسمع فيها ~~لاغية، وصراط الحميد هو طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه، ويحتمل أن ~~يريد ب الحميد نفس الطريق فأضاف إليه على حد إضافته في قوله «دار الآخرة» ~~[الأنعام: 32، يوسف: 109، النحل: 30] ، وقوله تعالى: إن الذين كفروا ويصدون ~~الآية، قوله ويصدون تقديره وهم يصدون وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي ~~وقالت فرقة الواو زائدة ويصدون خبر إن وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما ~~الخبر محذوف مقدر عند قوله والباد تقديره خسروا أو هلكوا، وجاء يصدون ~~مستقبلا إذ هو فعل يديمونه كما جاء قوله تعالى: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~[الرعد: 28] ونحوه، وهذه الآية نزلت عام الحديبية حين صد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن المسجد الحرام وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع ~~إلا أن يراد صدهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث، وقالت فرقة ~~المسجد الحرام أرادوا به مكة كلها ع وهذا صحيح لكنه قصد بالذكر المهم ~~المقصود من ذلك، وقرأ جمهور الناس «سواء» بالرفع وهو على الابتداء والعاكف ~~خبره، وقيل الخبر سواء وهو مقدم وهو قول أبي علي والمعنى الذي جعلناه للناس ~~قبلة أو متعبدا، وقرأ حفص عن عاصم «سواء» بالنصب وهي قراءة الأعمش وذلك ~~يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مفعولا ثانيا ل «جعل» ويرتفع «العاكف» به لأنه ~~مصدر في معنى مستو أعمل عمل اسم الفاعل، والوجه الثاني أن يكون حالا من ~~الضمير في «جعلنا» وقرأت فرقة «سواء» بالنصب «العاكف» بالخفض عطفا على ~~الناس. والعاكف، المقيم في البلد، والباد، القادم عليه من غيره، وقرأ PageV04P115 # ابن كثير في الوصل والوقف «البادي» بالياء. ووقف أبو عمرو بغير ياء، ووصل ~~بالياء، وقرأ نافع «الباد» بغير ياء في الوصل والوقف في رواية المسيبي، ~~وأبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس، وروى ورش الوصل بالياء، ms2468 وقرأ عاصم وابن ~~عامر وحمزة والكسائي بغير ياء وصلا ووقفا، وهي في الإمام بغير ياء، وأجمع ~~الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام واختلفوا في مكة، فذهب عمر بن ~~الخطاب وابن عباس ومجاهد وجماعة معهم إلى أن # الأمر كذلك في دور مكة وأن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن ~~يؤويه شاء أو أبى، وقال: ذلك سفيان الثوري وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر ~~الأول، قال ابن سابط: وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل ~~بابا فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما ~~أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس الأبواب، وقال جمهور من ~~الأمة منهم مالك: ليست الدور كالمسجد ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، ~~وعلى هذا هو العمل اليوم، وهذا الاختلاف الأول متركب على الاختلاف في مكة ~~هل هي عنوة كما روي عن مالك والأوزاعي، أو صلح كما روي عن الشافعي، فمن ~~رآها صلحا فإن الاستواء في المنازل عنده بعيد، ومن رآها عنوة أمكنه أن يقول ~~الاستواء فيها، قرره الأئمة الذين لم يقطعوها أحدا وإنما سكنى من سكن من ~~قبل نفسه. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم «وهل ترك لنا ~~عقيل منزلا» ، يقتضي أن لا استواء وأنها متملكة ممنوعة على التأويلين في ~~قوله عليه السلام لأنه تؤول بمعنى أنه ورث جميع منازل أبي طالب وغيره، ~~وتؤول بمعنى أنه باع منازل بني هاشم حين هاجروا ومن الحجة لتملك أهلها ~~دورهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية دارا للسجن ~~بأربعة آلاف، ويصح مع ذلك أن يكون الاستواء في وقت الموسم للضرورة والحاجة ~~فيخرج الأمر حينئذ عن الاعتبار بالعنوة والصلح، وقوله تعالى: بإلحاد قال ~~أبو عبيدة الباء زائدة ومنه قول الشاعر: # بواد يمان ينبت الشت صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان # ومنه قول الأعشى: # ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وهذا كثير ويجوز أن يكون التقدير ومن يرد فيه ~~الناس بإلحاد و «الإلحاد» الميل، وهذا ms2469 الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من ~~الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ~~ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا في مكة، هذا قول ابن مسعود ~~وجماعة من الصحابة وغيرهم، وقال ابن عباس: «الإلحاد» في هذه الآية الشرك، ~~وقال أيضا: هو استحلال الحرام وحرمته، وقال مجاهد: هو العمل السيء فيه، ~~وقال عبد الله بن عمرو: قول لا والله وبلى والله بمكة من الإلحاد، وقال ~~حبيب بن أبي ثابت: الحكرة بمكة من الإلحاد بالظلم. ع. والعموم يأتي على هذا ~~كله، وقرأت فرقة «ومن يرد» من الورود حكاه الفراء، والأول أبين وأعم وأمدح ~~للبقعة، ومن شرط جازمة للفعل وذلك منع من عطفها على الذين والله المستعان. # قوله عز وجل: PageV04P116 ### || [سورة الحج (22) : الآيات 26 الى 28] # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ~~(28) # المعنى واذكر إذ بوأنا، و «بوأ» هي تعدية باء بالتضعيف، و «باء» معناه ~~رجع فكأن المبوئ يرد المبوأ إلى المكان، واستعملت اللفظة بمعنى سكن، ومنه ~~قوله تعالى: نتبوأ من الجنة حيث نشاء [الزمر: 74] وقال الشاعر: # كم من أخ لي صالح ... بوأته بيدي لحدا # واللام في قوله تعالى: لإبراهيم قالت فرقة هي زائدة، وقالت فرقة بوأنا ~~نازلة منزلة فعل يتعدى باللام كنحو جعلنا ع والأظهر أن يكون المفعول الأول ~~ب بوأنا محذوفا تقديره الناس أو العالمين، ثم قال لإبراهيم بمعنى له كانت ~~هذه الكرامة وعلى يديه بوؤا، والبيت هو الكعبة، وكان فيما روي قد جعله الله ~~تعالى متعبدا لآدم عليه السلام، ثم درس بالطوفان، وغيره فلما جاءت مدة ~~إبراهيم أمره الله تعالى ببنائه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ~~ريحا فكشف له عن أساس آدم، فرفع قواعده عليه. ms2470 وقوله أن لا تشرك هي مخاطبة ~~لإبراهيم عليه السلام، في قول الجمهور حكيت لنا بمعنى قيل له لا تشرك، وقرأ ~~عكرمة «ألا يشرك» بالياء على نقل معنى القول الذي قيل له، قال أبو حاتم: ~~ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى لأن لا يشرك ع يحتمل أن تكون ~~«أن» في قراءة الجمهور مفسرة، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وفي الآية ~~طعن على من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعد، وأنتم ~~لم تفوا بل أشركتم، وقالت فرقة: الخطاب من قوله أن لا تشرك لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج ع والجمهور على أن ذلك لإبراهيم ~~وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ~~ذلك، و «القائمون» ، هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة: أعظمها. وهي ~~القيام والركوع والسجود، وقرأ جمهور الناس «وأذن» بشد الذال، وقرأ الحسن بن ~~أبي الحسن وابن محيصن «وآذن» بمدة وتخفيف الذال وتصحف هذا على ابن جني، ~~فإنه حكى عنها «وأذن» فعل ماض وأعرب عن ذلك بأن جعله عطفا على بوأنا، وروي ~~أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالأذان بالحج قال يا رب وإذا ناديت فمن ~~يسمعني؟ فقيل له ناد يا إبراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي ~~قبيس وقيل على حجر المقام ونادى: أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا ~~البيت فحجوا واختلفت الروايات في ألفاظه عليه السلام واللازم أن يكون فيها ~~ذكر البيت والحج، وروي أنه يوم نادى أسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في ~~أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك، ~~فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير، وقرأ جمهور الناس «بالحج» ~~بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها، ورجالا، جمع راجل ~~كتاجر وتجار، وقرأ عكرمة وابن عباس وأبو مجلز وجعفر بن محمد «رجالا» بضم ~~الراء وشد الجيم، ككاتب وكتاب، وقرأ عكرمة أيضا ms2471 وابن أبي إسحاق «رجالا» بضم ~~الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية PageV04P117 # الجمع ورويت عن مجاهد، وقرأ مجاهد «رجالى» على وزن فعالى فهو كمثل كسالى، ~~و «الضامر» ، قالت فرقة أراد بها الناقة ع وذلك أنه يقال ناقة ضامر. # ومنه قول الأعشى: # عهدي بها في الحي قد ذرعت ... هيفاء مثل المهرة الضامر # فيجيء قوله يأتين مستقيما على هذا التأويل، وقالت فرقة «الضامر» هو كل ما ~~اتصف بذلك من جمل أو ناقة وغير ذلك ع وهذا هو الأظهر لكنه يتضمن معنى ~~الجماعات أو الرفاق فيحسن لذلك قوله يأتين وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون» ~~وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، وفي تقديم رجالا تفضيل للمشاة في الحج، ~~قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حججت ما شيا فإني سمعت ~~الله تعالى يقول: «يأتونك رجالا» وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل ~~ماشيين، واستدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج ~~بالبحر ساقط ع قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا ع وهذا تأسيس لا ~~أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر ~~فيأتيها الناس بالسفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا ~~وإما على ضامر فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس ~~بالكثير ولا القوي، فأما إذا اقترن به عدو أو خوف أو هول شديد أو مرض يلحق ~~شخصا ما، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ~~ليس بسبيل يستطاع، وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما ظاهره أن ~~الوجوب لا يسقطه شيء من هذه الأعذار ع وهذا ضعيف و «الفج» الطريق الواسعة، ~~و «العميق» معناه البعيد. وقال الشاعر: [الطويل] # إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة ... يمد بها في السير أشعث شاحب # و «المنافع» في هذه الآية التجارة في قول أكثر المتأولين ابن عباس وغيره، ~~وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأجر ومنافع الآخرة، ms2472 وقال مجاهد بعموم ~~الوجهين وقوله تعالى: اسم الله، يصح أن يريد بالاسم هاهنا المسمى بمعنى ~~ويذكروا الله على تجوز في هذه العبارة إلا أن يقصد ذكر القلوب، ويحتمل أن ~~يريد بالاسم التسميات وذكر الله تعالى إنما هو بذكر أسمائه ثم بذكر القلب ~~السلطان والصفات، وهذا كله على أن يكون الذكر بمعنى حمده وتقديسه شكرا على ~~نعمته في الرزق ويؤيده قوله عليه السلام «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله ~~تعالى» ، وذهب قوم إلى أن المراد ذكر اسم الله تعالى على النحر والذبح، ~~وقالوا إن في ذكر «الأيام» دليلا على أن الذبح في الليل لا يجوز، وهو مذهب ~~مالك وأصحاب الرأي، وقال ابن عباس «الأيام المعلومات» هي أيام العشر ويوم ~~النحر وأيام التشريق، وقال ابن سيرين: بل أيام العشر فقط، وقالت فرقة: أيام ~~التشريق، ذكره القتبي، وقالت فرقة فيها مالك وأصحابه: بل المعلومات يوم ~~النحر ويومان بعده وأيام التشريق الثلاثة هي معدودات فيكون يوم النحر ~~معلوما لا معدودا واليومان بعده معلومان معدودان والرابع معدود لا معلوم ع ~~وحمل هؤلاء على هذا التفصيل أنهم أخذوا ذكر اسم الله هنا على الذبح للأضاحي ~~والهدي وغيره، فاليوم الرابع لا يضحى فيه عند مالك وجماعة وأخذوا التعجل ~~والتأخر بالنفر في PageV04P118 # الأيام المعدودات فتأمل هذا، يبين لك قصدهم، ويظهر أن تكون المعدودات ~~والمعلومات بمعنى أن تلك الأيام الفاضلة كلها ويبقى أمر الذبح وأمر ~~الاستعجال لا يتعلق بمعدود ولا بمعلوم وتكون فائدة قوله معلومات ومعدودات ~~[البقرة: 184، آل عمران: 24] التحريض على هذه الأيام وعلى اغتنام فضلها أي ~~ليست كغيرها فكأنه قال: هي مخصوصات فلتغتنم. وقوله، فكلوا ندب، واستحب أهل ~~العلم للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بأكثرها مع تجويزهم الصدقة ~~بالكل وأكل الكل، والبائس الذي قد مسه ضر الفاقة وبؤسها، يقال: بأس الرجل ~~يبؤس وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم تكن فقرا، ومنه قوله عليه ~~السلام، «لكن البائس سعد بن خولة» ، والمراد في هذه الآية أهل الحاجة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 29 ms2473 الى 31] # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن ~~يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين ~~به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق (31) # اختلفت القراءة في سكون اللام في قوله تعالى: ليقضوا وليوفوا وليطوفوا ~~وفي تحريك جميع ذلك بالكسر وفي تحريك «ليقضوا» وتسكين الاثنين وقد تقدم في ~~قوله: فليمدد [الحج: 15، مريم: 75] بسبب توجيه جميع ذلك، و «التفث» ما ~~يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه وإزالة شعث ونحوه من إقامة الخمس ~~من الفطرة حسب الحديث وفي ضمن ذلك قضاء جميع مناسكه إذ لا يقضى التفث إلا ~~بعد ذلك، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر «وليوفوا» بفتح الواو وشد الفاء، ~~ووفى وأوفى لغتان مستعملتان في كتاب الله تعالى، وأوفى أكثر. و «النذور» ما ~~معهم من هدي وغيره، والطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو ~~من واجبات الحج، قال الطبري لا خلاف بين المتأولين في ذلك، قال مالك: هو ~~واجب يرجع تاركه من وطنه إلا أن يطوف طواف وداع فإنه يجزئه منه. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل بحسب الترتيب أن تكون الإشارة إلى طواف ~~الوداع إذ المستحسن أن يكون ولا بد، وقد أسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة ~~قال: سألت زهيرا عن قوله تعالى: وليطوفوا بالبيت العتيق فقال: هو طواف ~~الوداع، وقال مالك في الموطأ واختلف المتألون في وجه صفة البيت ب العتيق، ~~فقال مجاهد والحسن العتيق القديم يقال سيف عتيق وقد عتق الشيء، قال الفقيه ~~الإمام القاضي: وهذا قول يعضده النظر إذ هو أول بيت وضع للناس إلا أن ابن ~~الزبير قال: سمي عتيقا لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة بمنعه إياه منهم ~~وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نظر مع الحديث، وقالت ~~فرقة: سمي عتيقا لأنه لم ms2474 يملك موضعه قط، وقالت فرقة: سمي عتيقا لأن الله ~~تعالى يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ~~يرده التصريف، وقيل: سمي عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان، قاله ابن جبير، ~~ويحتمل أن يكون العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال PageV04P119 # عمر بن الخطاب رضي الله عنه «حملت على فرس عتيق» الحديث ونحوه قولهم كلام ~~حر وطين حر، وقوله تعالى: ذلك يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير فرضكم ذلك ~~أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير امتثلوا ذلك ونحو هذا ~~الإضمار، وأحسن الأشياء مضمرا أحسنها مظهرا ونحو هذه الإشارة البليغة قول ~~زهير: [البسيط] # هذا وليس كمن يعطي بخطته ... وسط الندى إذا ما قائل نطقا # والحرمات المقصودة هاهنا في أفعال الحج المشار إليها في قوله ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره، ~~ووعد على تعظيمها بعد ذلك تحريضا، وتحريصا، ثم لفظ الآية بعد ذلك يتناول كل ~~حرمة لله تعالى في جميع الشرع. وقوله تعالى: فهو خير، ظاهره أنها ليست ~~للتفضيل وإنما هي عدة بخير، ويحتمل أن يجعل خير للتفضيل على تجوز في هذا ~~الموضع، وقوله تعالى: أحلت إشارة إلى ما كانت العرب تفعله من تحريم أشياء ~~برأيها كالبحيرة والسائبة فأذهب الله تعالى ذلك وأحل لهم جميع الأنعام إلا ~~ما يتلى عليهم في كتاب الله تعالى. في غير موضع ثم أمرهم باجتناب الرجس من ~~الأوثان والكلام يحتمل معنيين أحدهما أن تكون من لبيان الجنس فيقع نهيه عن ~~رجس الأوثان فيقع نهيها في غير هذا الموضع، والمعنى الثاني أن تكون من ~~لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأ الذي منه يلحقهم ~~إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي ~~كانت للأوثان فيكون هذا مما يتلى عليهم، ومن قال من للتبعيض قلب معنى الآية ~~ويفسده، والمروي عن ابن عباس وابن جريج أن الآية نهي عن عبادة الأوثان، ~~والزور، عام في ms2475 الكذب والكفر وذلك أن كل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور، ~~وقال ابن مسعود وابن جريج: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عدلت ~~شهادة الزور بالشرك» ، وتلا هذه الآية، والزور مشتق من الزور وهو الميل ~~ومنه في جانب فلان زور ويظهر أن الإشارة في زور أقوالهم في تحريم وتحليل ~~مما كانوا قد شرعوه في الأنعام، وحنفاء، معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق ~~بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل، وحنفاء ~~نصب على الحال، وقال قوم حنفاء معناه حجاجا ع وهذا تخصيص لا حجة معه، وغير ~~مشركين، يجوز أن يكون حالا أخرى، ويجوز أن يكون صفة لقول حنفاء ثم ضرب ~~تعالى مثلا للمشرك بالله أظهره في غاية السقوط وتحمل والانبتات من النجاة ~~بخلاف ما ضرب للمؤمن في قوله فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى [البقرة: 256] ومنه قول علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن ~~رسول الله فلأن أخر من السماء إلى الأرض أهون علي من أن أكذب عليه، الحديث. ~~وقرأ نافع وحده «فتخطفه الطير» بفتح الخاء وشد الطاء على حذف تاء التفعل ~~وقرأ الباقون «فتخطفه» بسكون الخاء وتخفيف الطاء، وقرأ الحسن فيما روي عنه ~~«فتخطفه» بكسر التاء والخاء وفتح الطاء مشددة، وقرأ أيضا الحسن وأبو رجاء ~~بفتح التاء وكسر الخاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش # «من السماء تخطفه» بغير فاء وعلى نحو قراءة الجماعة وعطف المستقبل على ~~الماضي لأنه بتقدير فهو تخطفه الطير، وقرأ أبو جعفر، «الرياح» ، و «السحيق» ~~البعيد ومنه قولهم أسحقه الله ومنه قوله عليه السلام «فسحقا فسحقا» ومنه ~~نخلة سحوق للبعيدة في السماء. PageV04P120 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 32 الى 35] # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى ~~أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم ~~الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر ~~المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ms2476 والصابرين على ما أصابهم ~~والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) # التقدير في هذا الموضع الأمر ذلك، و «الشعائر» جمع شعيرة وهي كل شيء لله ~~تعالى، فيه أمر أشعر به وأعلم، قالت فرقة: قصد ب «الشعائر» في هذه الآية ~~الهدي والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها تسميتها والاهتبال بأمرها والمغالاة ~~بها قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة، وعود الضمير في «إنها» على التعظمة ~~والفعلة التي يتضمنها الكلام، وقرأ «القلوب» بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر ~~الذي هو تقوى، ثم اختلف المتألون في قوله لكم فيها منافع الآية، فقال مجاهد ~~وقتادة: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم ~~يبعثها ربها هديا فإذا بعثها فهو «الأجل المسمى» ، وقال عطاء بن أبي رباح: ~~أراد في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، و «الأجل» ~~نحرها وتكون ثم لترتيب الجمل، لأن المحل قبل الأجل ومعنى الكلام عند هاتين ~~الفرقتين ثم محلها إلى موضع النحر فذكر البيت لأنه أشرف الحرم وهو المقصود ~~بالهدي وغيره، وقال ابن زيد وابن عمر والحسن ومالك: # «الشعائر» في هذه الآية مواضع الحج كلها ومعالمه بمنى وعرفة والمزدلفة ~~والصفا والمروة والبيت وغير ذلك، وفي الآية التي تأتي أن البدن من الشعائر، ~~و «المنافع» التجارة وطلب الرزق، ويحتمل أن يريد كسب الأجر والمغفرة، وبكل ~~احتمال قالت فرقة و «الأجل» الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة وقوله، محلها ~~مأخوذ من إحلال المحرم ومعناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة ب البيت ~~العتيق، ف البيت على هذا التأويل مراد بنفسه، قاله مالك في الموطأ، ثم أخبر ~~تعالى أنه جعل لكل أمة من الأمم المؤمنة منسكا أي موضع نسك وعبادة وهذا على ~~أن المنسك ظرف كالمذبح ونحوه، ويحتمل أن يريد به المصدر، كأنه قال عبادة ~~ونحو هذا، والناسك العابد، وقال مجاهد: سنة في هراقة دماء الذبائح، وقرأ ~~معظم القراء «منسكا» بفتح السين وهو من نسك ينسك بضم السين في المستقبل، ~~وقرأ حمزة والكسائي «منسكا» بكسر السين قال أبو علي: الفتح أولى لأنه إما ~~المصدر ms2477 وإما المكان وكلاهما مفتوح والكسر في هذا من الشاذ في اسم المكان أن ~~يكون مفعل من فعل يفعل مثل مسجد من سجد يسجد، ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه ~~أن الكسائي سمعه من العرب. وقوله ليذكروا اسم الله معناه أمرناهم عند ~~ذبائحهم بذكر الله وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك، ثم رجع اللفظ من الخبر ~~عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه فالإله واحد لجميعكم بالأمر كذلك في ~~الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له، وأسلموا معناه لحقه ولوجهه ولإنعامه آمنوا ~~وأسلموا، ويحتمل أن يريد الاستسلام ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يبشر بشارة على الإطلاق وهي أبلغ من المفسرة لأنها مرسلة مع نهاية ~~التخيل، PageV04P121 # والمخبتين المتواضعين الخاشعين من المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأرض ~~والمخبت المتواضع الذي مشيه متطامن كأنه في حدود من الأرض وقال عمرو بن أوس ~~المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهين اللين، وقال ~~مجاهد: هم المطمئنون بأمر الله، ووصفهم تعالى بالخوف والوجل عند ذكر الله، ~~وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ووصفهم بالصبر وبإقامة ~~الصلاة وإدامتها، وقرأ الجمهور «الصلاة» بالخفض، وقرأ ابن أبي إسحاق ~~«الصلاة» بالنصب على توهم النون وأن حذفها للتخفيف، ورويت عن أبي عمرو، ~~وقرأ الأعمش «والمقيمين الصلاة» بالنون والنصب في «الصلاة» ، وقرأ الضحاك ~~«والمقيم الصلاة» ، وروي أن هذه الآية، قوله وبشر المخبتين نزلت في أبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 36 الى 37] # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ~~كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) # البدن جمع بدنة وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة، قاله عطاء وغيره وسميت بذلك ~~لأنها تبدن أي ms2478 تسمن، وقيل بل هذا الاسم خاص بالإبل، وقالت فرقة البدن جمع ~~بدن بفتح الدال والباء ثم اختلفت، فقال بعضها البدن مفرد اسم جنس يراد به ~~العظيم السمين من الإبل والبقر، ويقال للمسلمين من الرجال بدن، وقال بعضها ~~البدن جمع بدنة كثمرة وثمر، وقرأ الجمهور «والبدن» ساكنة الدال، وقرأ أبو ~~جعفر وشيبة والحسن وابن أبي إسحاق «البدن» بضم الدال، فيحتمل أن يكون جمع ~~بدنة كثمر، وعدد الله تعالى في هذه الآية نعمته على الناس في هذه البدن، ~~وقد تقدم القول في «الشعائر» ، و «الخير» قيل فيه ما قيل في المنافع التي ~~تقدم ذكرها والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة، وقوله، عليها يريد عند ~~نحرها، وقرأ جمهور الناس «صواف» بفتح الفاء وشدها جمع صافة أي مصطفة في ~~قيامها، وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري وشقيق وسليمان ~~التيمي والأعرج «صوافي» جمع صافية أي خالصة لوجه الله تعالى لا شركة فيها ~~لشيء كما كانت الجاهلية تشرك، وقرأ الحسن أيضا «صواف» بكسر الفاء وتنوينها ~~مخففة وهي بمعنى التي قبلها لكن حدفت الياء تخفيفا على غير قياس وفي هذا ~~نظر، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر محمد بن علي «صوافن» ~~بالنون جمع صافنة وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب، والصافن ~~من الخيل الرافع لفراهيته إحدى يديه وقيل إحدى رجنيه ومنه قوله تعالى: ~~الصافنات الجياد [ص: 31] . # وقال عمرو بن كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا PageV04P122 # ووجبت، معناه سقطت بعد نحرها، ومنه وجبت الشمس، ومنه قول أوس بن حجر: ألم ~~تكسف الشمس والبدر والكواكب للجبل الواجب، وقوله «كلوا» ندب، وكل العلماء ~~يستحب أن يأكل الإنسان من هديه وفيه أجر وامتثال إذ كان أهل الجاهلية لا ~~يأكلون من هديهم، وقال مجاهد وإبراهيم والطبري: هي إباحة، والقانع، السائل ~~يقال قنع الرجل يقنع قنوعا إذا سأل، بفتح النون في الماضي، وقنع بكسر النون ~~يقنع قناعة فهو قنع إذا تعفف واستغنى، قاله الخليل ومن الأول قول الشماخ: # لمال المرء يصلحه فيغني ms2479 ... مفاقره أعف من القنوع # فمحرور القول من أهل العلم قالوا القانع السائل والمعتر المتعرض من غير ~~سؤال، قاله محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن بن أبي ~~الحسن، وعكست فرقة هذا القول، حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال القانع ~~المستغني بما أعطيه والمعتر المتعرض، وحكي عنه أنه قال القانع المتعفف ~~والمعتر السائل، وحكي عن مجاهد أنه قال القانع الجار وإن كان غنيا، وقرأ ~~أبو رجاء «القنع» فعلى هذا التأويل معنى الآية أطعموا المتعفف الذي لا يأتي ~~متعرضا والمتعرض، وذهب أبو الفتح بن جني إلى أنه أراد القانع فحذف الألف ~~تخفيفا وهذا بعيد لأن توجيه على ما ذكرته آنفا أحسن وإنما يلجأ إلى هذا إذا ~~لم توجد مندوحة، وقرأ أبو رجاء وعمرو بن عبيد «المعتري» والمعنى واحد، وروي ~~عن أبي رجاء «والمعتر» بتخفيف الراء وقال الشاعر: [الطويل] # لعمرك ما المعتر يغشى بلادنا ... لنمنعه بالضائع المتهضم # وذهب ابن مسعود إلى أن الهدي أثلاث، وقال جعفر بن محمد عن أبيه: أطعم ~~القانع والمعتر ثلثا، والبائس الفقير ثلثا، وأهلي ثلثا، وقال ابن المسيب: ~~ليس لصاحب الهدي منه إلا الربع وهذا كله على جهة الاستحسان لا على الفرض، ~~ثم قال كذلك أي كما أمرناكم فيها بهذا كله سخرناها لكم، ولعلكم، ترج في ~~حقنا وبالإضافة إلى نظرنا، وقوله، ينال عبارة مبالغة وتوكيد وهي بمعنى لن ~~يرتفع عنده ويتحصل سبب ثواب، وقال ابن عباس إن أهل الجاهلية كانوا يضرجون ~~البيت بالدماء فأراد المؤمنون فعل ذلك فنهى الله عن ذلك ونزلت هذه الآية، ~~والمعنى ولكن ينال الرفعة عنده والتحصيل حسنة لديه، التقوى، أي الإخلاص ~~والطاعات، وقرأ مالك بن دينار والأعرج وابن يعمر والزهري، «تنال وتناله» ، ~~بتاء فيهما، والتسمية والتكبير على الهدي والأضحية هو أن يقول الذابح باسم ~~الله والله أكبر، وروي أن قوله وبشر المحسنين، نزلت في الخلفاء الأربعة ~~حسبما تقدم في التي قبلها فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 38 الى 40] # إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله ms2480 لا يحب كل خوان كفور (38) أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوي عزيز (40) PageV04P123 # روي أن هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر ~~من هاجر إلى أرض الحبشة أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ~~ويغتال ويغدر فنزلت هذه الآية إلى قوله كفور، ووكد فيها بالمدافعة ونهى ~~أفصح نهي عن الخيانة والغدر، وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر «يدافع» «ولولا ~~دفاع» ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير «يدفع» «ولولا دفع» ، وقرأ عاصم وابن عامر ~~وحمزة والكسائي «يدافع» «ولولا دفع» ، قال أبو علي أجريت «دافع» في هذه ~~القراءة مجرى «دفع» كعاقبت اللص وطابقت النعل فجاء المصدر دفعا، قال أبو ~~الحسن والأخفش: أكثر الكلام أن الله «يدفع» ويقولون دافع الله عنك إلا أن ~~دفع أكثر. # قال القاضي أبو محمد: فحسن في الآية يدافع لأنه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ~~ويؤذيهم فتجيء معارضته ودفعه مدافعة عنهم، وحكى الزهراوي أن دفاعا مصدر دفع ~~كحسبت حسابا، ثم أذن الله تعالى في قتال المؤمنين لمن قاتلهم من الكفار ~~بقوله أذن وصورة الإذن مختلفة بحسب القراءات فبعضها أقوى من بعض، فقرأ نافع ~~وحفص عن عاصم «أذن» بضم الألف «يقاتلون» بفتح التاء، أي في أن يقاتلهم ~~فالإذن في هذه القراءة ظاهر أنه في مجازات، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ~~والحسن والزهري «أذن» بفتح الألف «يقاتلون» بكسر التاء، فالإذن في هذه ~~القراءة في ابتداء القتال، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «أذن» بفتح الألف ~~«يقاتلون» بكسر التاء، وقرأ ابن عامر بفتح الألف والتاء جميعا، وهي في مصحف ~~ابن مسعود «أذن للذين يقاتلون في سبيل الله» بكسر التاء، وفي مصحف أبي ~~«أذن» بضم الهمزة «للذين قاتلوا» ، وكذلك قرأ طلحة والأعمش إلا أنهما فتحا ~~همزة «أذن» وقوله بأنهم ظلموا ms2481 معناه كان الإذن بسبب أنهم ظلموا، قال ابن ~~جريج: وهذه الآية أول ما نقض الموادعة، قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند ~~هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقال أبو بكر الصديق لما ~~سمعتها علمت أنه سيكون قتال، وقال مجاهد الآية في مؤمنين بمكة أرادوا ~~الهجرة إلى المدينة فمنعوا وما بعد هذا في الآية يرد هذا القول لأن هؤلاء ~~منعوا الخروج لا أخرجوا، ثم وعد تعالى بالنصر في قوله وإن الله على نصرهم ~~لقدير، وقوله الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق يريد كل من نبت به مكة وآذاه ~~أهلها حتى أخرجوا بإذايتهم طائفة إلى الحبشة وطائفة إلى المدينة، ونسب ~~الإخراج إلى الكفار لأن الكلام في معرض تقرير الذنب وإلزامه، وقوله إلا أن ~~يقولوا ربنا الله استثناء منقطع ليس من الأول هذا قول سيبويه ولا يجوز عنده ~~فيه البدل وجوزه أبو إسحاق، والأول أصوب، وقوله ولولا دفع الله الآية تقوية ~~للأمر بالقتال وذكر الحجة بالمصلحة فيه وذكر أنه متقدم في الاسم وبه صلحت ~~الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال أذن في القتال فليقاتل المؤمنون ~~ولولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة، هذا أصوب تأويلات الآية، ~~ثم ما قيل بعد من مثل الدفاع تبع للجهاد، وقال مجاهد ولولا دفع الله ظلم ~~قوم بشهادات العدول ونحو هذا، ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المعنى ولولا دفع الله بأصحاب محمد الكفار ~~عن التابعين فمن بعدهم وهذا كله فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق ~~بما تقدم من الآية، وقالت فرقة PageV04P124 # ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء ونحوه وهذا وما شاكله مفسد لمعنى ~~الآية وذلك أن الآية تقتضي ولا بد مدفوعا من الناس ومدفوعا عنه فتأمله، ~~وقرأ نافع وابن كثير «لهدمت» مخففة الدال، وقرأ الباقون «لهدمت» مشددة وهذه ~~تحسن من حيث هي صوامع كثيرة ففي هدمها تكرار وكثرة كما قال بروج مشيدة ~~[النساء: 78] فثقل الياء وقال قصر مشيد [الحج: 45] فخفف لكونه ms2482 فردا وغلقت ~~الأبواب [يوسف: 43] ومفتحة لهم الأبواب [ص: 50] و «الصومعة» موضع العبادة ~~وزنها فوعلة وهي بناء مرتفع منفرد حديد الأعلى، والأصمع من الرجال الحديد ~~القول وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين، قاله ~~قتادة، ثم استعمل في مئذنة المسلمين والبيع كنائس النصارى واحدتها بيعة قال ~~الطبري: وقيل هي كنائس اليهود ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك، و ~~«الصلوات» مشتركة لكل ملة واستعير الهدم للصلوات من حيث تعطل، أو أراد ~~وموضع صلوات، وذهبت فرقة إلى أن الصلوات اسم لشنائع اليهود وأن اللفظة ~~عبرانية عربت وليست بجمع صلاة، وقال أبو العالية الصلوات مساجد الصابئين، ~~واختلفت القراءة فيها فقرأ جمهور الناس «صلوات» بفتح الصاد واللام وبالتاء ~~بنقطتين وذلك إما بتقدير ومواضع صلوات وإما على أن تعطيل الصلاة هدمها، ~~وقرأ جعفر بن محمد «صلوات» بفتح الصاد وسكون اللام، وقرأت فرقة بكسر الصاد ~~وسكون اللام حكاها ابن جني، وقرأ الجحدري فيما روي عنه «وصلوات» بتاء ~~بنقطتين من فوق وبضم الصاد واللام على وزن فعول قال وهي مساجد # النصارى، وقرأ الجحدري والحجاج بن يوسف «وصلوب» بضم الصاد واللام وبالباء ~~على أنه جمع صليب، وقرأ الضحاك والكلبي «وصلوث» بضم الصاد واللام وبالثاء ~~منقوطة ثلاثا قالوا وهي مساجد اليهود، وقرأت فرقة «صلوات» بفتح الصاد وسكون ~~اللام، وقرأت فرقة «صلوات» بضم الصاد واللام حكاها ابن جني، وقرأت فرقة ~~«صلوثا» بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء، وحكى ابن جني أن خارج باب ~~الموصل بيوتا يدفن فيها النصارى يقال لها «صلوت» ، وقرأ عكرمة ومجاهد ~~«صلويثا» بكسر الصاد وسكون اللام وكسر الواو وقصر الألف بعد الثاء قال ~~القاضي: وذهب خصيف إلى أن هذه الأسماء قصد بها متعبدات الأمم، و «الصوامع» ~~للرهبان ع وقيل للصابئين، و «البيع» للنصارى، و «الصلوات» لليهود و ~~«المساجد» للمسلمين والأظهر أنها قصد بها المبالغة بذكر المتعبدات وهذه ~~الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها إلا البيعة فإنها مختصة بانصارى في عرف ~~لغة العرب، ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر ~~ولم ms2483 يذكر في هذه المجوس ولا أهل الاشتراك لأن هؤلاء ليس لهم ما تجب حمايته ~~ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع، وقوله يذكر فيها الضمير عائد على ~~جميع ما تقدم ثم وعد الله تعالى بنصره نصرة دينه وشرعه، وفي ذلك حض على ~~القتال والجد فيه ثم الآية تعم كل من نصر حقا إلى يوم القيامة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 41 الى 44] # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح ~~وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) PageV04P125 # قالت فرقة: هذه الآية في الخلفاء الأربعة ومعنى هذا التخصيص أن هؤلاء ~~خاصة مكنوا في الأرض من جملة الذين يقاتلون المذكورين في صدر الآية، ~~والعموم في هذا كله أبين وبه يتجه الأمر في جميع الناس، وإنما الآية آخذة ~~عهدا على كل من مكنه الله، كل على قدر ما مكن، فأما الصلاة والزكاة فكل ~~مأخوذ بإقامتها وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكل بحسب قوته والآية ~~أمكن ما هي في الملوك، و «المعروف» والمنكر يعمان الإيمان والكفر فما ~~دونهما، وقالت فرقة: نزلت هذه الآية في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ~~من الناس وهذا على أن الذين بدل من قوله يقاتلون [الحج: 39] أو على أن ~~الذين تابع ل من في قوله من ينصره [الحج: 40] ، وقوله ولله عاقبة الأمور ~~توعد للمخالف عن هذه الأوامر التي تقتضيها الآية لمن مكن، وقوله وإن يكذبوك ~~يعني قريشا وهذه آية تسلية للنبي عليه السلام ووعيد لقريش، وذلك أنه مثلهم ~~بالأمم المكذبة المعذبة وأسند فعلا فيه علامة التأنيث إلى قوم من حيث أراد ~~الأمة والقبيلة ليطرد القول في عاد وثمود وقوم نوح هم أول أمة كذبت نبيها ~~ثم أسند التكذيب في موسى عليه السلام إلى من لم يسم من حيث لم يكذبه قومه ~~بل كذبه القبط وقومه به مؤمنون، و ms2484 «أمليت» ، معناه فأمهلت وكأن الإمهال أن ~~تمهل من تنوي فيه المعاقبة، وأنت في حين إمهالك عالم بفعله. و «النكير» ، ~~مصدر كالعذير بمعنى الإنكار والإعذار وهو في هذه المصادر بناء مبالغة فمعنى ~~هذه الآية فكما فعلت بهذه الأمم كذلك أفعل بقومك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 45 الى 48] # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر ~~مشيد (45) أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون ~~بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ~~ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) # «كأين» هي كاف التشبيه دخلت على «أي» قاله سيبويه وقد أوعبت القول في هذه ~~اللفظة وقراءتها في سورة آل عمران في قوله وكأين من نبي قاتل [آل عمران: ~~146] ، وهي لفظة إخبار وقد تجيء استفهاما، وحكى الفراء «كأين مالك» ، وقرأت ~~فرقة «أهلكناها» ، وقرأت فرقة «أهلكتها» ، بالإفراد والمراد أهل القرية ~~وظالمة معناه بالكفر، وخاوية، معناه خالية ومنه خوى النجم إذا خلا من ~~النور، ونحوه ساقطة على عروشها، والعروش السقوف والمعنى أن السقوف سقطت ثم ~~وقعت الحيطان عليها فهي PageV04P126 # على العروش، وبئر، قيل هو معطوف على «العروش» وقيل على «القرية» وهو ~~أصوب، وقرأت فرقة «وبيئر» بهمزة وسهلها الجمهور، وقرأت فرقة «معطلة» بفتح ~~الميم وسكون العين وفتح الطاء وتخفيفها، والجمهور على «معطلة» بضم الميم ~~وفتح العين وشد الطاء، و «المشيد» المبني بالشيد وهو الجص، وقيل «المشيد» ~~المعلى بالآجر ونحو. فمن الشيد قول عدي بن زيد: # شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور # شاد، بنى، بالشيد والأظهر في البيت أنه أراد علاه بالمرمر. وقالت فرقة في ~~هذه الآية إن مشيد معناه معلى محصنا، وجملة معنى الآية تقتضي أنه كان كذلك ~~قبل خرابه ثم وبخهم على الغفلة وترك الاعتبار بقوله، أفلم يسيروا في الأرض ~~أي في البلاد فينظروا في أحوال الأمم المكذبة المعذبة، وهذه ms2485 الآية تقتضي أن ~~العقل في القلب وذلك هو الحق ولا ينكر أن للدماغ اتصالا بالقلب يوجب فساد ~~العقل متى اختل الدماغ، فتكون، نصب بالفاء في جواب الاستفهام صرف الفعل من ~~الجزم إلى النصب، وقوله فإنها لا تعمى الأبصار، لفظ مبالغة كأنه قال: ليس ~~العمى عمى العين وإنما العمى حق العمى عمى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى ~~ولكن المقصد ما ذكرناه، وهذا كقوله عليه السلام، «ليس الشديد بالصرعة وليس ~~المسكين بهذا الطواف» . والضمير في فإنها للقصة ونحوها من التقدير وقوله ~~التي في الصدور، مبالغة كقوله يقولون بأفواههم [آل عمران: 167] كما تقول: ~~نظرت إليه بعيني ونحو هذا، والضمير في يستعجلونك لقريش، وقوله ولن يخلف ~~الله وعده، وعد ووعيد وإخبار بأن كل شيء إلى وقت محدود، و «الوعد» هنا مقيد ~~بالعذاب فلذلك ورد في مكروه، وقوله وإن يوما عند ربك كألف سنة، قالت فرقة: ~~معناه وإن يوما من أيام عذاب الله كألف سنة مما تعدون من هذه لطول العذاب ~~وبؤسه، فكأن المعنى فما أجهل من يستعجل هذا وقالت فرقة معناه وإن يوما عند ~~الله لإحاطته فيه وعلمه وإنفاذه قدرته كألف سنة عندكم ع وهذا التأويل يقتضي ~~أن عشرة آلاف سنة وإلى ما لا نهاية له من العدد في حكم الألف ولكنهم قالوا ~~ذكر الألف لأنه منتهى العدد دون تكرار فاقتصر عليه ع وهذا التأويل لا يناسب ~~الآية، وقالت فرقة: إن المعنى أن اليوم عند الله كألف سنة من هذا العدد، من ~~ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «إني لأرجو أن تؤخر أمتي نصف يوم» ، ~~وقوله «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم» ذلك خمسمائة سنة، ~~ومنه قول ابن عباس: مقدار الحساب يوم القيامة ألف سنة فكأن المعنى وإن طال ~~الإمهال فإنه في بعض يوم من أيام الله وكرر قوله وكأين لأنه جلب معنى آخر ~~ذكر أولا القرى المهلكة دون إملاء بل بعقب التكذيب ثم ثنى بالمهملة لئلا ~~يفرح هؤلاء بتأخير العذاب عنهم، وقرأت فرقة «تعدون» بالتاء، وقرأت فرقة ~~«يعدون» بالياء على ms2486 الغائب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 49 الى 54] # قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك ~~أصحاب الجحيم (51) وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) PageV04P127 # المعنى قل يا محمد إنما أنا لكم نذير عذاب ليس إلي أن أعجل عذابا ولا أن ~~أؤخره عن وقته، ثم قسم حالة المؤمنين والكافرين بأن للمؤمنين سترة ذنوبهم ~~ورزقه إياهم في الجنة، و «الكريم» صفة نفي المذام، كما تقول ثوب كريم، وأن ~~للكافرين المعاجزين عذاب الجحيم وهذا كله مما أمره أن يقوله، أي هذا معنى ~~رسالتي لا ما تتمنون أنتم، وقوله سعوا معناه تحيلوا وكادوا من السعاية، و ~~«الآيات» : # القرآن، أو كادوه بالتكذيب وسائر أقوالهم، وقرأت فرقة، «معاجزين» ، ~~ومعناه مغالبين كأنهم طلبوا عجز صاحب الآيات والآيات تقتضي تعجيزهم فصارت ~~مفاعلة، وعبر بعض الناس في تفسير معاجزين بظانين أنهم يفلتون الله وهذا ~~تفسير خارج عن اللفظة، وقرأت فرقة «معجزين» بغير ألف وبشد الجيم ومعناه ~~معجزين الناس أي جاعلوهم بالتثبيط عجزة عن الإيمان وقال أبو علي: «معجزين» ~~ناسبين أصحاب النبي إلى العجز كما تقول فسقت فلانا وزنيته إذا نسبته إلى ~~ذلك، وقوله وما أرسلنا الآية تسلية للنبي عليه السلام عن النازلة التي ألقى ~~الشيطان فيها في أمنية النبي عليه السلام، وتمنى معناه المشهور أراد وأحب، ~~وقالت فرقة هو معناها في الآية، والمراد أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما ~~تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقاربة قومه وكونهم متبعين له ~~قالوا: فلما تمنى رسول الله من ذلك ما لم يقضه الله وجد ms2487 الشيطان السبيل، ~~فحين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم في مسجد مكة وقد حضر المسلمون ~~والمشركون بلغ إلى قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: ~~20] ألقى الشيطان تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى قال الكفار هذا ~~محمد يذكر آلهتنا بما نريد وفرحوا بذلك، فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس ~~أجمعون إلا أمية بن خلف فإنه أخذ قبضة من تراب ثم رفعها إلى جبهته وقال ~~يكفيني هذا، قال البخاري: هو أمية بن خلف، وقال بعض الناس: هو الوليد بن ~~المغيرة، وقال بعض الناس: هو أبو أحيحة سعيد بن العاصي ثم اتصل بمهاجرة ~~الحبشة أن أهل مكة اتبعوا محمدا ففرحوا بذلك وأقبل بعضهم فوجد ألقية ~~الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد ارتبكوا وافتتنوا، وقالت فرقة تمنى معناه تلا ~~والأمنية التلاوة ومنه قول الشاعر: [الطويل] # تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر # ومنه قول الآخر: [الطويل] «تمنى داود الزبور على رسل» وتأولوا قوله تعالى ~~«إلا أماني» أي إلا تلاوة، وقالت هذه الفرقة في معنى سبب «إلقاء الشيطان» ~~في تلاوة النبي عليه السلام ما تقدم آنفا من ذكر الله. PageV04P128 # قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث الذي فيه هن الغرانقة وقع في كتب ~~التفسير ونحوها ولم يدخله البخاري ولا مسلم ولا ذكره في علمي مصنف مشهور بل ~~يقتضي مذهب أهل الحديث أن «الشيطان ألقى» ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ~~ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة، ثم ~~اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه ووسوس في ~~قلبه حتى خرجت تلك الألفاظ على لسانه، ورووا أنه نزل إليه جبريل بعد ذلك ~~فدراسه سورة النجم فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له جبريل ~~لم آتك بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «افتريت على الله وقلت ما ~~لم يقل لي» وجعل يتفجع ويغتم فنزلت هذه ms2488 الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول، ~~ع وحدثني أبي رضي الله عنه أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من ~~قال: هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ ~~وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 20] وصوب صوته من ~~صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا محمد ~~قرأها ع وتمنى على هذا التأويل بمعنى تلا ولا بد، وقد روي نحو هذا التأويل ~~عن الإمام أبي المعالي ع و «الرسول» أخص من النبي وكثير من الأنبياء لم ~~يرسلوا وكل رسول نبي، و «النسخ» في هذه الآية الإذهاب، كما تقول نسخت الشمس ~~الظل وليس يرفع ما استقر من الحكم، ع وطرق الطبري وأشبع الإسناد في أن ~~إلقاء الشيطان كان على لسان النبي عليه السلام واختلفت الروايات في الألفاظ ~~ففي بعضها تلك الغرانقة، وفي بعضها تلك الغرانيق، وفي بعضها وإن شفاعتهن ~~وفي بعضها منها الشفاعة ترتجى ع والغرانيق معناه السادة العظام الأقدار، ~~ومنه قول الشاعر: # «أهلا بصائدة الغرانق» وقوله ليجعل ما يلقي الشيطان الآية، اللام في قوله ~~ليجعل متعلقة بقوله فينسخ الله و «الفتنة» الامتحان والاختبار، والذين في ~~قلوبهم مرض هم، عامة الكفار، والقاسية قلوبهم خواص منهم عتاة كأبي جهل ~~والنضر وعقبة، و «الشقاق» ، البعد عن الخير، والضلال والكون في شق الصلاح، ~~وبعيد، معناه أنه انتهى بهم وتعمق فرجعتهم منه غير مرجوة، والذين أوتوا ~~العلم هم أصحاب محمد رسول الله عليه السلام، والضمير في أنه عائد على ~~القرآن و «تخبت» معناه تتطامن وتخضع وهو مأخوذ من الخبت وهو المطمئن من ~~الأرض، وقرأت فرقة «لهاد» بغير ياء بعد الدال، وقرأت فرقة: «لهادي» بياء، ~~وقرأت فرقة «لهاد» بالتنوين وترك الإضافة وهذه الآية معادلة لقوله، قبل وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 55 الى 62] # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة ms2489 بغتة أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم (55) الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) ~~والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن ~~الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم ~~(59) # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور (60) ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن ~~الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ~~وأن الله هو العلي الكبير (62) PageV04P129 # «المرية» الشك، والضمير في قوله منه قالت فرقة هو عائد على القرآن، وقالت ~~فرقة: على محمد عليه السلام، وقالت فرقة: على ما ألقى الشيطان [الحج: 52] ، ~~وقال سعيد بن جبير أيضا على سجود النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم، ~~والساعة، قالت فرقة: أراد يوم القيامة، «واليوم العقيم» ، يوم بدر، وقالت ~~فرقة: الساعة، موتهم أو قتلهم في الدنيا كيوم بدر ونحوه، و «اليوم العقيم» ~~، يوم القيامة، ع وهذان القولان جيدان لأنهما أحرزا التقسيم ب أو ومن جعل ~~الساعة و «اليوم العقيم» ، يوم القيامة، فقد أفسد رتبة أو، وسمي يوم ~~القيامة أو يوم الاستئصال عقيما لأنه لا ليلة بعده ولا يوم، والأيام كأنها ~~نتائج لمجيء واحد إثر واحد، فكأن آخر يوم قد عقم وهذه استعارة، وجملة هذه ~~الآية توعد، وقوله الملك يومئذ لله، السابق منه أنه في يوم القيامة من حيث ~~لا ملك فيه لأحد من ملوك الدنيا، ويجوز أن يريد به يوم بدر ونحوه من حيث ~~ينفذ فيه قضاء الله وحده ويبطل ما سواه ويمضي حكمه فيمن أراد تعذيبه، فأما ~~من تأوله في يوم القيامة فاتسق له قوله فالذين آمنوا إلى قوله مهين، ومن ~~تأوله في يوم بدر ونحوه جعل قوله «فالذين آمنوا» ، ابتداء خبر عن حالهم ~~المتركبة على حالهم في ذلك اليوم العقيم من الإيمان والكفر. وقوله والذين ~~هاجروا في ms2490 سبيل الله الآية ابتداء معنى آخر وذلك أنه لما مات بالمدينة ~~عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين ~~أفضل ممن مات حتف أنفه فنزلت هذه الآية مسوية بينهم في أن الله تعالى يرزق ~~جميعهم رزقا حسنا وليس هذا بقاض بتساويهم في الفضل، وظاهر الشريعة أن ~~المقتول أفضل، وقال بعض الناس: المقتول والميت في سبيل الله شهيدان، ولكن ~~للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله، و «الرزق الحسن» ، يحتمل أن يريد به ~~رزق الشهداء عند ربهم في البرزخ ويحتمل أن يريد بعد يوم القيامة في الجنة، ~~وقرأت فرقة، «مدخلا» ، بضم الميم من أدخل فهو محمول على الفعل المذكور، ~~وقرأت فرقة «مدخلا» بفتح الميم من دخل فهو محمول على فعل مقدر تقديره ~~فيدخلون مدخلا، وأسند الطبري عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرا ~~على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفى فرأى ميل الناس ~~مع جنازة القتيل، فقال: أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه فو ~~الذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرؤوا قول الله تعالى والذين ~~هاجروا في سبيل الله الآية، إلى قوله حليم وقوله تعالى: ذلك، إلى قوله ~~الكبير المعنى الأمر ذلك، ثم أخبر تعالى عمن عاقب من المؤمنين من ظلمه من ~~الكفرة ووعد المبغي PageV04P130 # عليه بأنه ينصره وسمى الذنب في هذه الآية باسم العقوبة كما تسمى العقوبة ~~كثيرا باسم الذنب وهذا كله تجوز واتساع، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من ~~المؤمنين لقيهم كفار في أشهر الحرم فأبى المؤمنون من قتالهم وأبى المشركون ~~إلا القتال فلما اقتتلوا جد المؤمنون ونصرهم الله، فنزلت هذه الآية فيهم، ~~وقوله ذلك بأن الله يولج الليل في النهار، معناها نصر الله أولياءه ومن بغي ~~عليه بأنه القادر على العظائم الذي لا تضاهى قدرته فأوجزت العبارة بأن أشار ~~ب ذلك إلى النصر وعبر عن القدرة بتفصيلها فذكر منها مثلا لا يدعى لغير الله ~~تعالى، وجعل تقصير الليل وزيادة النهار وعكسهما ms2491 إيلاجا تجوزا وتشبيها، ~~وقوله ذلك بأن الله هو الحق معناه نحو ما ذكرناه، وقرأت فرقة «وأن» بفتح ~~الألف، وقرأت فرقة «وإن» بكسر الألف، وقرأت فرقة «تدعون» بالتاء من فوق، ~~وقرأت فرقة «يدعون» ، والإشارة بما يدعى من دونه، قالت فرقة هي إلى ~~الشيطان، وقالت فرقة هي إلى الأصنام والعموم هنا حسن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 63 الى 65] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ~~(63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) ألم ~~تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء ~~أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65) # ألم تر تنبيه وبعده خبر أن الله تعالى أنزل من السماء ماء فظلت الأرض ~~تخضر عنه، وقوله فتصبح الأرض بمنزلة قوله فتضحي أو فتصير عبارة عن ~~استعجالها إثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ورفع قوله فتصبح من حيث ~~الآية خبر والفاء عاطفة وليست بجواب لأن كونها جوابا لقوله ألم تر فاسد ~~المعنى، وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلا بمكة وتهامة ومعنى هذا أنه ~~أخذ قوله فتصبح مقصودا به صباح ليلة المطر وذهب إلى أن ذلك الاخضرار في ~~سائر البلاد يتأخر. # قال القاضي أبو محمد: وقد شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر بعد قحط ~~وأصبحت تلك الأرض التي تسقيها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف دقيق، وقرأ ~~الجمهور «مخضرة» ، و «اللطيف» المحكم للأمور برفق، واللام في له ما في ~~السماوات لام الملك والمعنى الذي لا حاجة به إلى شيء هكذا هو على الإطلاق، ~~وقوله سخر لكم ما في الأرض يريد من الحيوان والمعادن وسائر المرافق، وقرأ ~~الجمهور «والفلك» بالنصب، وذلك يحتمل وجهين من الإعراب أحدهما أن يكون عطفا ~~على ما بتقدير وسخر الفلك، والآخر أن يكون عطفا على المكتوبة بتقدير وإن ~~الفلك وقوله، تجري على الإعراب الأول. في موضع الحال، وعلى الإعراب الثاني ~~في موضع ms2492 الخبر. وقرأت فرقة «والفلك» بالرفع فتجري خبر على هذه القراءة. ~~قوله: بإذنه يحتمل أن يريد يوم القيامة كأن طي السماء ونقض هذه الهيئة ~~كوقوعها، ويحتمل أن يريد بذلك الوعيد لهم في أنه إن أذن في سقوط لكسفها ~~عليهم سقطت، ويحتمل أن PageV04P131 # يعود قوله إلا بإذنه على «الإمساك» لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه، ~~فكأنه أراد إلا بإذنه فيه يمسكها، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 66 الى 69] # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) لكل أمة ~~جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى ~~مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم ~~القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) # الإحياء والإماتة في هذه الآية ثلاث مراتب وسقط منها الموت الأول الذي نص ~~عليه في غيرها إلا أنه بالمعنى في هذه، و «المنسك» المصدر فهو بمعنى ~~العبادة والشرعة، وهو أيضا موضع النسك، وقرأت فرقة بفتح السين وفرقة بكسرها ~~وقد تقدم القول فيه في هذه السورة وقوله هم ناسكوه يعطي أن المنسك المصدر ~~ولو كان الموضع لقيل هم ناسكون فيه، وروت فرقة أن هذه الآية نزلت بسبب جدال ~~الكفار في أمر الذبائح، وقولهم للمؤمنين تأكلون ما ذبحتم فهو من قتلكم ولا ~~تأكلون ما قتل الله من الميتة فنزلت الآية بسبب هذه المنازعة، وقوله فلا ~~ينازعنك هذه البينة من الفعل والنهي تحتمل معنى التخويف، وتحتمل معنى ~~احتقار الفاعل وأنه أقل من أن يفاعل وهذا هو المعنى في هذه الآية، وقال أبو ~~إسحاق: المعنى فلا تنازعهم فينازعوك ع وهذا التقدير الذي قدر إنما يحسن مع ~~معنى التخويف، وإنما يحسن أن يقدر هنا فلا يد لهم بمنازعتك، فالنهي إنما ~~يراد به معنى من غير اللفظ، كما يراد في قولهم لا أرينك هاهنا أي لا تكن ~~هاهنا، وقرأت فرقة «فلا ينزعنك» ، وقوله في الأمر معناه على التأويل أن ~~المنسك الشرعة لا ينازعنك في الدين والكتاب ونحوه، وعلى أن المنسك موضع ~~الذبح ms2493 على ما روت الفرقة المذكورة من أن الآية نزلت في الذبائح يكون الأمر ~~الذبح، و «الهدى» في هذه الآية الإرشاد، وقوله وإن جادلوك الآية موادعة ~~محضة نسختها آية السيف، وباقي الآية وعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 70 الى 72] # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم ~~بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) # لما أخبر تعالى في الآية قبلها أنه يحكم بين الناس يوم القيامة فيما ~~اختلفوا فيه أتبع ذلك الخبر بأن PageV04P132 # عنده علم كل شيء ليقع الحكم في معلوم، فخرجت العبارة على طريق التنبيه ~~على علم الله تعالى وإحاطته وإن ذلك كله في كتاب وهو اللوح المحفوظ وقوله: ~~إن ذلك على الله يسير، يحتمل أن تكون الإشارة إلى كون ذلك في كتاب وكونه ~~معلوما، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الحكم في الاختلاف. ثم ذكر تعالى على ~~جهة التوبيخ فعل الكفرة في أنهم يعبدون من الأصنام من دون الله ما لم ينزل ~~الله فيه حجة ولا برهانا. و «السلطان» ، الحجة حيث وقع في القرآن، وقوله ~~وما للظالمين من نصير، توعد، والضمير في عليهم عائد على كفار قريش، والمعنى ~~أنهم كانوا إذا سمعوا القرآن من النبي عليه السلام أو من أحد من أصحابه ~~وسمعوا ما فيه من رفض آلهتهم والدعاء إلى التوحيد عرفت المساءة في وجوههم ~~والمنكر من معتقدهم وعداوتهم وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتالي، ~~والمعنى أنهم يكادون يسطون دهرهم أجمع، وأما في الشاذ من الأوقات فقد سطا ~~بالتالين نحو ما فعل بعبد الله بن مسعود وبالنبي عليه السلام حين أغاثه، ~~وحل الأمر أبو بكر، وبعمر حين أجاره العاصي بن وائل وأبي ذر وغير ذلك، ~~والسطو إيقاع بمباطشة ms2494 أو أمر بها، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم على ~~جهة الوعيد والتقريع أفأنبئكم أي أخبركم بشر من ذلكم والإشارة ب ذلكم إلى ~~السطو ثم ابتدأ ينبىء كأن قائلا قال له وما هو قال النار أي نار جهنم، ~~وقوله وعدها الله الذين كفروا، يحتمل أن يكون أراد أن الله تعالى وعدهم ~~بالنار فيكون الوعد في الشر ونحو ذلك لما نص عليه، ولم يجىء مطلقا، ويحتمل ~~أن يكون أراد أن الله تعالى وعد النار بأن يطعمها الكفار فيكون الوعد على ~~بابه إذ الذي يقتضيه تسرعها إلى الكفار وقولها هل من مزيد ونحوه أن ذلك من ~~مسارها، والمصير مفعل من صار إذا تحول من حال إلى حال ع، ويقتضي كلام ~~الطبري في هذه الآية أن الإشارة ب ذلكم هي إلى أصحاب محمد التالين ثم قال: ~~ألا أخبركم بأكره إليكم من هؤلاء أنتم الذين وعدتم النار وأسند نحو هذا ~~القول إلى قائل لم يسمه وهذا كله ضعيف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 73 الى 74] # يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) # الخطاب بقوله يا أيها الناس قيل هو خطاب يعم العالم، وقيل هو خطاب ~~للمؤمنين حينئذ الذين أراد الله تعالى أن يبين عندهم خطأ الكافرين ولا شك ~~أن المخاطب هم ولكنه خطاب يعم جميع الناس. # متى نظره أحد في عبادة الأوثان توجه له الخطاب واختلف المتأولون في فاعل، ~~ضرب، من هو فقالت فرقة: المعنى ضرب أهل الكفر مثلا لله أصنامهم وأوثانهم ~~فاستمعوا أنتم أيها الناس لأمر هذه الآلهة، وقالت فرقة: ضرب الله مثلا لهذه ~~الأصنام وهو كذا وكذا، فالمثال والمثل في القول الأول هي الأصنام والذي جعل ~~له المثال الله تعالى، والمثال في التأويل الثاني هو في الذباب وأمره والذي ~~جعل له هي الأصنام، ومعنى ضرب أثبت وألزم ms2495 وهذا كقوله ضربت عليهم الذلة [آل ~~عمران: 112] ، PageV04P133 # وكقولك ضربت الجزية، وضرب البعث، ويحتمل أن يكون «ضرب المثل» من الضريب ~~الذي هو المثل ومن قولك هذا ضرب هذا فكأنه قال مثل مثل، وقرأت فرقة «يدعون» ~~بالياء من تحت والضمير للكفار، وقرأت فرقة «يدعون» بالياء على ما لم يسم ~~فاعله والضمير للأصنام، وبدأ تعالى ينفي الخلق والاختراع عنهم من حيث هي ~~صفة ثابتة له مختصة به، فكأنه قال ليس لهم صفتي ثم ثنى بالأمر الذي بلغ بهم ~~غاية التعجيز، وذكر تعالى أمر سلب الذباب لأنه كان كثيرا محسوسا عند العرب، ~~وذلك أنهم كانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك وكانوا ~~متألمين من هذه الجهة فجعلت مثلا، و «الذباب» جمعه أذبة في القليل وذبان في ~~الكثير كغراب وأغربة وغربان ولا يقال ذبابات إلا في الديون لا في الحيوان، ~~واختلف المتأولون في قوله تعالى، ضعف الطالب والمطلوب، فقالت فرقة أراد ب ~~الطالب الأصنام وب المطلوب الذباب، أي أنهم ينبغي أن يكونوا طالبين لما ~~يسلب من طيبهم على معهود الأنفة من الحيوان، وقالت فرقة معناه ضعف الكفار ~~في طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام، وضعف الأصنام في إعطاء ذلك ~~وإنالته ع ويحتمل أن يريد ضعف الطالب وهو الذباب في استلابه ما على الأصنام ~~وضعف الأصنام في أن لا منفعة لهم وعلى كل قول، فدل ضعف الذباب الذي هو ~~محسوس مجمع عليه وضعف الأصنام عن هذا المجمع على ضعفه على أن الأصنام في ~~أحط رتبة وأخس منزلة، وقوله ما قدروا الله حق قدره، خطاب للناس المذكورين، ~~والضمير في قدروا للكفار والمعنى ما وفوه حقه من التعظيم والتوحيد ثم أخبر ~~بقوة الله وعزته وهما صفتان مناقضتان لعجز الأصنام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : الآيات 75 الى 77] # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) # روي أن هذه الآية إلى قوله ms2496 الأمور نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة أأنزل ~~عليه الذكر من بيننا الآية فأخبر الله تعالى أنه يصطفي أي يختار من ~~الملائكة رسلا إلى الأنبياء وغيرهم حسبما ورد في الأحاديث ومن الناس وهم ~~الأنبياء المبعثون لإصلاح الخلق الذين اجتمعت لهم النبوءة والرسالة. # وقوله ما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن إحاطة علمه بهم وحقيقتها ما ~~قبلهم من الحوادث وما بعدهم، والأمور، جمع أمر ليس يراد به المصدر ثم أمر ~~الله تعالى المؤمنين بعبادته وخص «الركوع والسجود» بالذكر تشريفا للصلاة، ~~واختلف الناس هل في هذه الآية سجدة؟ ومذهب مالك أنه لا يسجد هنا، وقوله ~~وافعلوا الخير، ندب، فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها من غير هذا الموضع، ~~وقوله لعلكم ترج في حق المؤمنين كقوله لعله يتذكر أو يخشى [طه: 44] و ~~«الفلاح» في هذه الآية نيل البغية وبلوغ الأمل. PageV04P134 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحج (22) : آية 78] # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) # قالت فرقة: هذه آية أمر الله تعالى فيها بالجهاد في سبيله وهو قتال ~~الكفار، وقالت فرقة: بل هي أعم من هذا وهو جهاد النفس وجهاد الكافرين وجهاد ~~الظلمة وغير ذلك، أمر الله تعالى عباده بأن يفعلوا ذلك في ذات الله حق فعله ~~ع والعموم حسن وبين أن عرف اللفظة تقتضي القتال في سبيل الله، وقال هبة ~~الله وغيره: # إن قوله حق جهاده وقوله في الأخرى، حق تقاته [آل عمران: 102] ، منسوخ ~~بالتخفيف إلى الاستطاعة ع ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول ~~الأمر فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعا ثابتا فيقال إنه نسخ بالتخفيف، ~~وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق، واجتباكم معناه تخيركم، وقوله وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج معناه من تضييق يريد في شرعة الملة، وذلك أنها ~~حنيفية سمحة ms2497 ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم بل فيها التوبة والكفارات ~~والرخص ونحو هذا مما كثر عده، والحرجة الشجر الملتف المتضايق، ورفع الحرج ~~لجمهور هذه الأمة ولمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسراق ~~وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس ~~في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله ومع صحة اليقين ~~وجودة العزم ليس بحرج، وقوله ملة، نصب بفعل مضمر تقديره بل جعلها أو نحوه ~~من أفعال الإغراء، وقال الفراء هو نصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال كملة ~~وقيل هو كما ينصب المصدر، وقوله هو سماكم، قال ابن زيد الضمير ل إبراهيم ~~والإشارة إلى قوله ومن ذريتنا أمة مسلمة لك [البقرة: 128] ، وقال ابن عباس ~~وقتادة ومجاهد الضمير لله تعالى، ومن قبل، معناه في الكتب القديمة وفي هذا، ~~في القرآن، وهذه اللفظة تضعف قول من قال: الضمير، ل إبراهيم ولا يتوجه إلا ~~على تقدير محذوف من الكلام مستأنف، وقوله ليكون الرسول شهيدا عليكم أي ~~بالتبليغ، وقوله وتكونوا شهداء على الناس أي بتبليغ رسلهم إليهم على ما ~~أخبركم نبيكم، وأسند الطبري إلى قتادة أنه قال: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه ~~إلا نبي، كان يقال للنبي أنت شهيد على أمتك وقيل لهذه وتكونوا شهداء على ~~الناس، وكان يقال للنبي ليس عليك حرج وقيل لهذه وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج، وكان يقال للنبي سل تعط وقيل لهذه ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] ثم أمر ~~تعالى ب الصلاة المفروضة أن تقام ويدام عليها بجميع حدودها، وب الزكاة أن ~~تؤدى كما أنعم عليكم، فافعلوا كذا ثم أمر ب «الاعتصام بالله» أي بالتعلق به ~~والخلوص له وطلب النجاة منه، ورفض التوكل على سواه، والمولى في هذه الآية ~~الذي يليكم نصره وحفظه، وباقي الآية بين. PageV04P135 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المؤمنون # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو ~~معرضون (3) والذين ms2498 هم للزكاة فاعلون (4) # والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) # أخبر الله تعالى عن فلاح المؤمنين وأنهم نالوا البغية وأحرزوا البقاء ~~الدائم، وروي عن كعب الأحبار أن الله تعالى لما خلق جنة عدن قال لها تكلمي ~~فقالت قد أفلح المؤمنون، وروي عن مجاهد أن الله تعالى لما خلق الجنة وأتقن ~~حسنها قال قد أفلح المؤمنون، وقرأ طلحة بن مصرف «قد أفلح المؤمنون» بضم ~~الحاء يريد قد أفلحوا، وهي قراءة مردودة، وروي عنه «قد أفلح» بضم الهمزة ~~وكسر اللام، ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين فقال الذين هم في صلاتهم خاشعون ~~والخشوع التطامن وسكون الأعضاء والوقار، وهذا إنما يظهر ممن في قلبه خوف ~~واستكانة، وروي عن بعض العلماء أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: ~~لو خشع هذا خشعت جوارحه، وروي أن سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يلتفتون ~~في صلاتهم يمنة ويسرة فنزلت هذه الآية وأمروا أن يكون بصر المصلي حذاء ~~قبلته أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، وروي عن ابن سيرين وغيره أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يلتفت في صلاته إلى السماء فنزلت الآية في ~~ذلك، واللغو سقط القول وهذا يعم جميع ما لا خير فيه ويجمع آداب الشرع، ~~وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكأن الآية فيها موادعة، وقوله ~~والذين هم للزكاة فاعلون ذهب الطبري وغيره إلى أنها الزكاة المفروضة في ~~الأموال، وهذا بين، ويحتمل اللفظ أن يريد ب «الزكاة» الفضائل كأنه أراد ~~الأزكى من كل فعل، كما قال تعالى خيرا منه زكاة وأقرب رحما [الكهف: 81] ~~وقوله والذين هم لفروجهم حافظون صفة العفة، وقوله إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم الآية، يقتضي تحريم الزنا والاستمناء ومواقعة البهائم وكل ذلك ~~في قوله، وراء ذلك ويريد وراء هذا الحد الذي حد، ومعنى ما ملكت أيمانهم من ~~النساء ولما كان حافظون بمعنى محجزون حسن استعمال على، و «العادي» الظالم. PageV04P136 # قوله ms2499 عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 8 الى 11] # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) ~~أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # قرأ جمهور الناس «لأماناتهم» بالجمع، وقرأ ابن كثير «لأمانتهم» بالإفراد، ~~والأمانة العهد تجمع كل ما تحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا، ~~وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حفظه والقيام به، ~~والأمانة أعم من العهد، إذ كل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو ~~معتقد، وقد تعن أمانة فيما لم يعهد فيه تقدم، وهذا إذا أخذناهما بنسبتهما ~~إلى العبد، فإن أخذناهما من حيث هما عهد الله إلى عباده وأمانته التي حملهم ~~كانا في رتبة واحدة وقرأ الجمهور «صلواتهم» ، وقرأ حمزة والكسائي «صلاتهم» ~~بالإفراد، وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجمع، والمحافظة على الصلاة ~~رقب أوقاتها والمبادرة إلى وقت الفضل فيها، والوارثون يريد الجنة، وروي من ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل لكل إنسان ~~مسكنا في الجنة ومسكنا في النار، فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون ~~منازل الكفار ويحصل الكفار في مساكنهم في النار، ويحتمل أن يسمي تعالى ~~الحصول على الجنة وراثة من حيث حصلوها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على ~~الوجهين، والفردوس، مدينة الجنة وهي جنة الأعناب، واللفظة، فيما قال مجاهد، ~~رومية عربت، والعرب تقول للكروم فراديس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأم حارثة: إنها جنان كثيرة وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 12 الى 14] # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~(13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) # هذا ابتداء كلام والواو في أوله عاطفة جملة الكلام على جملة وإن تباينت ~~في المعاني، واختلف المفسرون في قوله الإنسان فقال قتادة وغيره: أراد آدم ~~عليه السلام لأنه استل من الطين ع ms2500 ويجيء الضمير في قوله ثم جعلناه عائدا ~~على ابن آدم وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر وأن المعنى لا يصلح إلا له، نظير ~~ذلك حتى توارت بالحجاب [ص: 32] وغيره، وقال ابن عباس وغيره المراد بقوله ~~الإنسان ابن آدم، وسلالة من طين صفوة الماء ع وهذا على أنه اسم الجنس ~~ويترتب فيه أنه سلالة من حيث كان الكل عن آدم أو عن أبويه المتغذيين بما ~~يكون من الماء والطين وذلك السبع الذي جعل الله رزق ابن آدم فيها، وسيجيء ~~قول ابن عباس فيها إن شاء الله، وعلى هذا يجيء قول ابن عباس: إن «السلالة» ~~هي صفوة الماء يعني المني، وقال مجاهد سلالة من طين: مني آدم ع وهذا نبيل ~~إذ آدم طين PageV04P137 # وذريته من سلالة، وما يكون عن الشيء فهو سلالته، وتختلف وجوه ذلك الكون ~~فمنه قولهم للخمر سلالة لأنها سلالة العنب ومنه قول الشاعر: [الطويل] # إذا أنتجت منها المهار تشابهت ... على العود إلا بالأنوف سلائله # ومن اللفظ قول هند بنت النعمان بن بشير: # سليلة أفراس تجللها بغل ومنه قول الآخر [حسان بن ثابت] : [الطويل] # فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ... سلالة فرج كان غير حصين # وهذه الفرقة يترتب مع قولها عود الضمير في «جعلنا وأنشأنا» ، والنطفة تقع ~~في اللغة على قليل الماء وعلى كثيره، وهي هنا لمني ابن آدم، و «القرار ~~المكين» من المرأة هو موضع الولد، و «المكين» المتمكن فكأن القرار هو ~~المتمكن في الرحم، والعلقة الدم الغريض، والمضغة بضعة اللحم قدر ما يمضغ، ~~وقرأ الجمهور عظاما في الموضعين، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ~~«عظما» بالإفراد في الموضعين، وقرأ السلمي وقتادة والأعرج والأعمش بالإفراد ~~أولا وبالجمع في الثاني، وقرأ مجاهد وأبو رجاء وإبراهيم بن أبي بكير بعكس ~~ذلك، وفي قراءة ابن مسعود، «ثم جعلنا المضغة عظاما وعصبا فكسوناه لحما» ، ~~واختلف الناس في «الخلق الآخر» ، فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية ~~والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه، وقال ابن عباس أيضا: خروجه إلى ~~الدنيا، وقال قتادة عن ms2501 فرقة: # نبات شعره، وقال مجاهد: كمال شبابه وقال ابن عباس أيضا: تصرفه في أمور ~~الدنيا. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو عام في ~~هذا وغيره من وجوه من النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها آخر، وأول رتبة ~~من كونه آخر هي نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه آخر تحصيله المعقولات، ~~و «تبارك» مطاوع بارك فكأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة، وهذه ~~الآية يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله آخر قال فتبارك ~~الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت، ويروى ~~أن قائل ذلك معاذ بن جبل، ويروى أن قائل ذلك هو عبد الله بن أبي سرح وبهذا ~~السبب ارتد، وقال أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد وفيه نزلت: # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله [الأنعام: 93] ، الآية وقوله أحسن الخالقين ~~معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئا خلقه ومنه قول الشاعر: [الكامل] # ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، فقال ابن جريج: إنما قال ~~الخالقين لأنه تعالى قد أذن لعيسى في أن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك، ولا ~~تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفية الاختراع والإيجاد من ~~العدم، ومن هذه الآية قول ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة ~~القدر فقالوا الله أعلم، فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس، فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن الله خلق PageV04P138 # السماوات سبعا، والأرضين سبعا، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، ~~فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال: أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى به هذا ~~الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة ~~فأراد ابن عباس بقوله خلق ابن آدم من سبع هذه الآية، وبقوله ms2502 جعل رزقه في ~~سبع قوله فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة ~~وأبا [عبس: 27] الآية السبع منها لابن آدم والأب للأنعام والقضب يأكله ابن ~~آدم ويسمن منه النساء هذا قول، وقيل القضب البقول لأنها تقضب فهي رزق ابن ~~آدم، وقيل القضب والأب للأنعام والستة الباقية لابن آدم والسابعة هي ~~الأنعام إذ هي من أعظم رزق ابن آدم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 15 الى 20] # ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا ~~فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر ~~فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من ~~نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) # وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) # ذلك إشارة إلى ما ذكر من هذه الأحوال، وقرأ ابن أبي عبلة «لمايتون» ~~بالألف، وتبعثون معناه من قبوركم أحياء، وهذا خبر بالبعث والنشور، و ~~«الطريق» كل ما كان طبقات بعضه فوق بعض، ومنه طارقت نعلي، ويريد ب «السبع ~~الطرائق» السماوات، ويجوز أن تكون «الطرائق» بمعنى المبسوطات من طرقت ~~الشيء، وقوله تعالى: وما كنا عن الخلق غافلين نفي عام في إتقان خلقهم وعن ~~مصالحهم وعن أعمالهم، وقوله تعالى: ماء بقدر، قال بعض العلماء أراد المطر، ~~وقال بعضهم إنما أراد الأنهار الأربعة سيحان وجيحان والفرات والنيل، ~~والصواب أن هذا كله داخل تحت الماء الذي أنزله الله تعالى، وقال مجاهد: ليس ~~في الأرض ماء إلا وهو من السماء ويمكن أن يقيد هذا بالعذب وإلا فالأجاج ~~ثابت في الأرض مع القحط والعذب يقل مع القحط، وأيضا فالأحاديث تقتضي الماء ~~الذي كان قبل خلق السماوات والأرض، ولا محالة أن الله قد جعل في الأرض ماء ~~وأنزل من السماء ماء، وقوله، بقدر، أي على مقدار مصلح لأنه لو كثر أهلك، ~~فأنشأنا، معناه فأوجدنا وخلقنا، وذكر تعالى «النخيل والأعناب» لأنها ثمرة ~~الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما قاله الطبري، ولأنهما أيضا أشرف الثمار ~~فذكرها مثالا ms2503 تشريفا لها وتنبيها عليها، وقوله لكم فيها يحتمل أن يعود ~~الضمير على الجنات فيريد حينئذ جميع أنواع الفاكهة، ويحتمل أن يعود على ~~النخيل والأعناب خاصة، إذ فيها مراتب وأنواع والأول أعم لسائر الثمرات، ~~وقوله وشجرة عطف على قوله جنات ويريد بها الزيتونة وهي كثيرة في طور سيناء ~~من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم فيه موسى عليه السلام قاله ابن عباس ~~وغيره، و «الطور» الجبل في كلام العرب وقيل هو مما عرب من كلام العجم ~~واختلف في سيناء فقال قتادة معناه الحسن ويلزم على هذا التأويل أن ينون ~~«الطور» وقال مجاهد معناه مبارك، وقال معمر عن فرقة معناه ذو شجر ع ويلزمهم ~~أن ينون «الطور» ، وقال PageV04P139 # الجمهور هو اسم الجبل كما تقول جبل أحد، وسيناء، اسم مضاف إليه الجبل، ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير «سيناء» بكسر السين، وقرأ الباقون وعمر بن ~~الخطاب «سيناء» بفتح السين، وكلهم بالمد، فعلى فتح السين لا ينصرف الاسم ~~بوجه، وعلى كسر السين فالهمزة كهمزة حرباء ولم يصرف في هذه الآية لأنه جعل ~~اسم بقعة أو أرض، وقرأ الجمهور، «تنبت» بفتح التاء وضم الباء فالتقدير تنبت ~~ومعها الدهن كما تقول خرج زيد بسلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تنبت» بضم ~~التاء واختلف في التقدير على هذه القراءة، فقالت فرقة الباء زائدة وهذا ~~كقوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] وهذا المثال عندي معترض ~~وإن كان أبو علي ذكره وكقول الشاعر: [الرجز] # نحن بني جعدة أرباب الفلج ... نضرب بالبيض ونرجو بالفرج # ونحو هذا. وقالت فرقة: التقدير «تنبت» جناها ومعه الدهن فالمفعول محذوف ~~قاله أبو علي الفارسي أيضا وقد قيل نبت وأنبت بمعنى فيكون الفعل كما مضى في ~~قراءة الجمهور والأصمعي ينكر البيت ويتهم قصيدة زهير التي فيها أنبت البقل، ~~وقرأ الزهري والحسن والأعرج «تنبت» برفع التاء ونصب الباء قال أبو الفتح هي ~~باء الحال أي تنبت ومعها دهنها وفي قراءة ابن مسعود تخرج بالدهن وهي أيضا ~~باء الحال وقرأ زر بن حبيش «تنبت» بضم التاء وكسر ms2504 الباء «الدهن» بحذف الباء ~~ونصبه وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب «بالدهان» بالألف والمراد في هذه ~~الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة ~~عنها ويدخل في معنى الزيتونة شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار وقرأت ~~فرقة، «وصبغ» ، وقرأت فرقة «وأصباغ» بالجمع، وقرأ عامر بن عبد قيس، «ومتاعا ~~للآكلين» ، قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 21 الى 22] # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) # الأنعام هي الإبل والبقر والضأن والمعز و «العبرة» في خلقتها وسائر ~~اخبارها، وقرأ الجمهور «نسقيكم» بضم النون من أسقى، ورويت عن عاصم، وقرأ ~~نافع وعاصم وابن عامر «نسقيكم» بفتح النون من سقى، فمن الناس من قال هما ~~لغتان بمعنى، ومنهم من قال سقيته إذا أعطيته للشفة وأسقيته إذا جعلت له ~~سقيا لأرض أو ثمرة ونحوه، فكأن الله تعالى جعل الأنعام لعبيده سقيا يشربون ~~وينتجعون، وقرأ أبو جعفر «تسقيكم» بالتاء من فوق أي تسقيكم الأنعام، و ~~«المنافع» الحمل عليها وجلودها وأصوافها وأوبارها وغير ذلك مما يطول عده، ~~وفلك # ، السفن واحدها فلك الحركات في الواحد كحركات قفل والحركات في الجمع ~~كحركات أسد وكتب. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 23 الى 26] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد ~~أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ~~(24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما ~~كذبون (26) PageV04P140 # هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأهلكوا، ففي ضمن ذلك ~~الوعيد بأن يحل بهؤلاء نحو ما حل بأولئك، و «نوح» عليه السلام أول نبي أرسل ~~إلى الناس وإدريس أول من نبي ولم يرسل، والملأ الأشراف لأنهم عنهم يصدر ~~الملأ وهو جمع القوم، وفي قوله «هؤلاء» استبعاد بعثة ms2505 البشر وهم قوم مقرون ~~بالملائكة وذلك لا شك متقرر عندهم من بقايا نبوءة آدم وإدريس وغيرهما. ولم ~~يكن عن علم صحيح ولا معرفة بأخبار نبوءة والجنة الجنون، فتربصوا معناه ~~فاصبروا وانتظروا هلاكه، وحتى حين معناه إلى وقت ولم يعينوه وإنما أرادوا ~~إلى وقت يريحكم القدر منه، ثم إن نوحا عليه السلام دعا على قومه حين يئس ~~منهم وإن كان دعاؤه في هذه الآية ليس بنص وإنما هو ظاهر من قوله بما كذبون ~~فهذا يقتضي طلبه العقوبة وأما النصرة بمجردها فكانت تكون بردهم إلى ~~الإيمان، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن «رب انصرني» برفع الباء وكذلك «رب احكم» ~~وشبهه. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 27 الى 30] # فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور ~~فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني ~~منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) # قد تقدم القول في صفة السفينة وقدرها في سورة هود، والفلك هنا مفرد لا ~~جمع، وقوله تعالى بأعيننا عبارة عن الإدراك، هذا مذهب الحذاق، ووقفت ~~الشريعة على أعين وعين ولا يجوز أن يقال عينان من حيث لم توقف الشريعة على ~~التثنية ووحينا معناه في كيفية العمل ووجه البيان، وذلك أن جبريل عليه ~~السلام نزل إلى نوح فقال له اصنع كذا وكذا لجميع حكم السفينة وما تحتاج ~~إليه واستجن الكفار نوحا لا دعائه النبوءة بزعمهم أنها دعوى وسخروا منه ~~لعمله السفينة على غير مجرى، ولكونها أول سفينة إن صح ذلك، وقوله، أمرنا، ~~يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى أن نأمر الماء بالفيض ويحتمل أن يريد واحد ~~الأمور أي هلاكنا للكفرة، وقد تقدم القول في معنى قوله وفار التنور والصحيح ~~من الأقوال فيه أنه تنور الخبز وأنها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح ~~عليه ms2506 السلام وقوله فاسلك معناه فادخل ومنه قول الشاعر: [البسيط] # حتى سلكن الشوى منهن في مسلك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج PageV04P141 # وقول الآخر: [الوافر] # وكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب # يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص عن عاصم «من كل» بتنوين «كل» ، وقرأ ~~الباقون وأبو بكر عن عاصم بإضافة «كل» دون تنوين و «الزوجان» كل ما شأنه ~~الاصطحاب من كل شيء كالذكر والأنثى من الحيوان ونحو النعال وغيرها كل واحد ~~زوج للآخر هذا موقع اللفظة في اللغة، والعدديون يوقعون الزوج على الاثنين ~~وعلى هذا أمر استعمال العامة للزوج، وقوله وأهلك يريد قرابته ثم استثنى من ~~سبق عليه القول بأنه كافر وهو ابنه وامرأته، ثم أمر نوح عليه السلام أن لا ~~يراجع ربه ولا يخاطبه شافعا في أحد من الظالمين، والإشارة إلى من استثنى إذ ~~العرف من البشر الحنو على الأهل، ثم أمره تعالى بأن يحمد ربه على النجاة من ~~الظلمة عند استوائه وتمكنه في الفلك، ثم أمره بالدعاء في بركة المنزل، وقرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر «منزلا» بفتح الميم وكسر الزاي وهو موضع النزول، ~~وقرأ الباقون وحفص عن عاصم «منزلا» وهو مصدر بمعنى الإنزال بضم الميم وفتح ~~الزاي، ويجوز أن يراد موضع النزول وقوله إن في ذلك لآيات، خطاب لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم أي أن فيما جرى على هذه الأمم لعبرا ودلائل لمن له نظر ~~وعقل، ثم أخبر أنه تعالى يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار ~~قريش بهذا الإخبار، وإن عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة واللام لام ~~تأكيد، والفراء يقول إن نافية واللام بمعنى إلا ولمبتلين معناه لمصيبين ~~ببلاء ومختبرين اختبارا يؤدي إلى ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 31 الى 34] # ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا ~~وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم ms2507 يأكل ~~مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخاسرون (34) # قال الطبري رحمه الله: إن هذا «القرن» هم ثمود و «رسولهم» صالح. # قال القاضي أبو محمد: وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أنهم ~~لم يهلكوا بصيحة، وفي هذا احتمالات كثيرة والله أعلم، وأترفناهم معناه ~~نعمناهم وبسطنا لهم الآمال والأرزاق، ومقالة هؤلاء أيضا تقتضي استبعاد بعثة ~~البشر وهذه الطائفة وقوم نوح لم يذكر في هذه الآيات أن المعجزة ظهرت لهم ~~وأنهم كذبوا بعد وضوحها ولكن ذلك مقدر معلوم وإن لم تعين لنا المعجزة ~~والعقاب لا يتعلق بأحد إلا بعد تركه الواجب عليه، ووجوب الاتباع إنما هو ~~بعد قيام الحجة على المرء أو على من هو المقصد، والجمهور كالعرب في معجزة ~~القرآن والأطباء لعيسى، والسحرة لموسى، فبقيام الحجة على هؤلاء قامت على ~~جميع من وراءهم. PageV04P142 # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 35 الى 39] # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات ~~لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) ~~إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني ~~بما كذبون (39) # قوله أيعدكم استفهام بمعنى التوقيف على جهة الاستبعاد وبمعنى الهزء بهذا ~~الوعد. # وأنكم الثانية بدل من الأولى عند سيبويه وفيه معنى تأكيد الأولى وكررت ~~لطول الكلام، وكأن المبرد أبى عبارة البدل لكونه من غير مستقل إذ لم يذكر ~~خبر «أن» الأولى والخبر عند سيبويه محذوف تقديره أنكم تبعثون إذا متم، وهذا ~~المقدر هو العامل في إذا وفي قراءة عبد الله بن مسعود «أيعدكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون» بحذف أنكم الأولى، ويعنون بالإخراج النشور ~~من القبور، وقوله هيهات هيهات استبعاد، وهذه كلمة لها معنى الفعل، التقدير ~~بعد كذا، فطورا تلي الفاعل دون لام تقول هيهات مجيء زيد أي بعد ذلك، ومنه ~~قول جرير: [الطويل] # فأيهات أيهات العقيق ومن به ... وأيهات خل بالعقيق نواصله # وأحيانا يكون الفاعل محذوفا وذلك ms2508 عند اللام كهذه الآية، التقدير بعد ~~الوجود لما توعدون، ومن حيث كانت هذه اللفظة بمعنى الفعل أشبهت الحروف مثل ~~صه وغيرها، فلذلك بنيت على الفتح، وهذه قراءة الجماعة بفتح التاء وهي مفرد ~~سمي به الفعل في الخبر، أي بعد، كما أن شتان اسم افترق وعرف تسمية الفعل أن ~~يكون في الأمر كصه وحسن، وقرأ أبو جعفر «هيهات هيهات» بكسر التاء غير ~~منونة، وقرأها عيسى بن عمر وأبو حيوة بخلاف عنه «هيهات هيهات» بتاء مكسورة ~~منونة وهي على هاتين القراءتين عند سيبويه جمع «هيهات» وكان حقها أن تكون ~~هيهاتي» إلا أن ضعفها لم يقتض إظهار الياء فقال سيبويه رحمه الله هي مثل ~~بيضات أراد في أنها جمع فظن بعض النحاة أنه أراد في اتفاق المفرد فقال واحد ~~«هيهات» هيهة وليس كما قال، وتنوين عيسى على إرادة التنكير وترك التعريف، ~~وقرأ عيسى الهمداني «هيهات» بتاء ساكنة وهي على هذا جماعة لا مفرد، وقرأها ~~كذلك الأعرج، ورويت عن أبي عمرو وقرأ أبو حيوة «هيهات» بتاء مرفوعة منونة ~~وهذا على أنه اسم معرب مستقل وخبره توعدون أي البعد لوعدكم، كما تقول النجح ~~لسعيكم، وروي عن أبي حيوة «هيهات» بالرفع دون تنوين، وقرأ خالد بن إلياس ~~«هيهاتا هيهاتا» بالنصب والتنوين والوقف على «هيهات» من حيث هي مبنية ~~بالهاء، ومن قرأ بكسر التاء وقف بالتاء، وفي اللفظة لغات «هيها وهيهات ~~وهيهان وأيهات وهيهات وهيهاتا وهيهاء» قال رؤبة، «هيهاه» من منخرق «هيهاوه» ~~، وقرأ ابن أبي عبلة «هيهات هيهات ما توعدون» بغير لام، وقولهم إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا أرادوا أنه لا وجود لنا غير هذا الوجود، وإنما تموت منا ~~طائفة فتذهب وتجيء طائفة جديدة، وهذا كفر الدهرية وبمؤمنين معناه بمصدقين، ~~ثم دعا عليهم نبيهم وطلب عقوبتهم على تكذيبهم. PageV04P143 # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 40 الى 44] # قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء ~~فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من ~~أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا ms2509 كل ما جاء أمة رسولها ~~كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) # المعنى قال الله لهذا النبي الداعي عما قليل يندم قومك على كفرهم حين لا ~~ينفعهم الندم، ومن ذكر الصيحة ذهب الطبري إلى أنهم قوم ثمود، وقوله بالحق ~~معناه بما استحقوا من أفعالهم وبما حق منا في عقوبتهم، و «الغثاء» ما يحمله ~~السيل من زبده ومعتاده الذي لا ينتفع به فيشبه كل هامد وتالف بذلك و «بعدا» ~~منصوب بفعل مضمر متروك إظهاره ثم أخبر تعالى عن أنه «أنشأ» بعد هؤلاء أمما ~~كثيرة كل أمة بأجل في كتاب لا تتعداه في وجودها وعند موتها وتترا مصدر ~~بمنزلة فعلى مثل الدعوى والعدوى ونحوها، وليس تترى بفعل وإنما هو مصدر من ~~تواتر الشيء، وقرأ الجمهور «تترا» كما تقدم ووقفهم بالألف، وحمزة والكسائي ~~يميلانها، قال أبو حاتم هي ألف تأنيث، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تترا» ~~بالتنوين ووقفهما بالألف وهي ألف إلحاق قال ابن سيده يقال جاءو «تترا ~~وتترا» أي متواترين التاء مبدلة من الواو على غير قياس لأن قياس إبدال ~~الواو تاء إنما هو في افتعل وذلك نحو اتزر واتجه، وقوله أتبعنا بعضهم بعضا ~~أي في الإهلاك، وقوله وجعلناهم أحاديث يريد أحاديث مثل، وقلما يستعمل الجعل ~~حديثا إلا في الشر. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 45 الى 48] # ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى فرعون وملائه ~~فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) # ثم هنا على بابها لترتيب الأمور واقتضاء المهلة، و «الآيات» التي جاء بها ~~موسى وهارون هي اليد والعصا اللتان اقترن بهما التحدي وهما «السلطان ~~المبين» ، ويدخل في عموم اللفظ سائر آياتهما كالبحر والمرسلات الست، وأما ~~غير ذلك مما جرى بعد الخروج من البحر فليست تلك لفرعون بل هي خاصة ببني ~~إسرائيل. و «الملأ» هنا الجمع يعم الأشراف وغيرهم، و «استكبروا» ، معناه عن ~~الإيمان بموسى وأخيه لأنهم أنفوا من ذلك، وعالين، معناه قاصدين للعلو ~~بالظلم والكبرياء، ms2510 وقوله عابدون معناه خامدون متذللون، ومن هنا قيل لعرب ~~الحيرة العباد لأنهم دخلوا من بين العرب في طاعة كسرى، هذا أحد القولين في ~~تسميتهم والطريق المعبد المذلل وعلو هؤلاء هو الذي ذكر الله تعالى في قوله ~~تلك PageV04P144 # الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا # [القصص: 83] ومن المهلكين يريد بالغرق. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 49 الى 51] # ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) # الكتاب التوراة، ولعلهم يريد بني إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك ~~فرعون والقبط، والترجي في «لعل» في حيز البشر أي كان من فعلنا معهم ما يرجو ~~معه ابن آدم إيمانهم وهداهم والقضاء قد حتم بما حتم، وابن مريم، عيسى عليه ~~السلام وقصتهما كلها آية عظمى بمجموعها وهي آيات مع التفصيل وأخذها من كلا ~~الوجهين متمكن، و «آوى» معناه ضم واستعمل اللفظة في الأماكن أي أقررناهما، ~~و «الربوة» المرتفع من الأرض، وقرأ جمهور الناس «ربوة» بضم الراء، وقرأ ~~عاصم وابن عامر بفتحها وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن، وقرأ ابن عباس ~~ونصر عن عاصم بكسرها، وقرأ محمد بن إسحاق «رباوة» بضم الراء، وقرأ الأشهب ~~العقيلي بفتحها، وقرأت فرقة بكسرها وكلها لغات قرىء بها، و «القرار» ، ~~التمكن فمعنى هذا أنها مستوية بسيطة للحرث والغراسة قاله ابن عباس، وقال ~~قتادة «القرار» هنا الحبوب والثمار، ومعنى الآية أنها من البقاع التي كملت ~~خصالها فهي أهل أن يستقر فيها وقد يمكن أن يستقر على الكمال في البقاع التي ~~ماؤها آبار فبين بعد أن ماء هذه الربوة يرى معينا جاريا على وجه الأرض قاله ~~ابن عباس وهذا كمال الكمال، و «المعين» ، الظاهر الجري للعين فالميم زائدة ~~وهو الذي يعاين جريه لا كالبئر ونحوه، وكذلك أدخل الخليل وغيره هذه اللفظة ~~في باب. ع، ي، ن، وقد يحتمل أن تكون من قولهم معن الماء إذا كثر، ms2511 ومنه ~~قولهم المعن المعروف والجود، فالميم فاء الفعل، وأنشد الطبري على هذا قول ~~عبيد بن الأبرص: # واهية أو معين ممعن ... وهضبة دونها لهوب # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله هاجر لو تركت زمزم ~~لكانت عينا معينا، وهذا يحتمل الوجهين، وهذه الربوة هي الموضع الذي فرت ~~إليه مريم حين استحيت في قصة عيسى عليه السلام وهو الذي قيل لها فيه قد جعل ~~ربك تحتك سريا [مريم: 24] هذا قول بعض المفسرين واختلف الناس في موضع ~~الربوة فقال ابن المسيب سعيد: هي الغوطة بدمشق وهذا أشهر الأقوال لأن صفة ~~الغوطة أنها ذات قرار ومعين على الكمال، وقال أبو هريرة هي الرملة من ~~فلسطين وأسنده الطبري عن كريب البهزي عن النبي عليه السلام، ويعارض هذا ~~القول أن الرملة ليس يجري بها ماء البتة وذكره الطبري وضعف القول به، وقال ~~كعب الأحبار «الربوة» بيت المقدس وزعم أن في التوراة أن بيت المقدس أقرب ~~الأرض إلى السماء وأنه يزيد على أعلى الأرض ثمانية عشر ميلا. ع ويترجح أن ~~«الربوة» بيت لحم من بيت المقدس لأن ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان ~~الإيواء، وقال ابن زيد «الربوة» بأرض مصر وذلك أنها ربا يجيء فيض النيل ~~إليها فيملأ الأرض ولا ينال تلك الربا وفيها القرى وبها نجاتها ع ويضعف هذا ~~القول أنه لم يرو أن عيسى عليه السلام ومريم كانا بمصر ولا PageV04P145 # حفظت لهما بهما قصة وقوله يا أيها الرسل، يحتمل أن يكون معناه وقلنا يا ~~أيها الرسل فتكون هذه بعض القصص التي ذكر وكيفما حول المعنى فلم يخاطبوا قط ~~مجتمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره، وقالت فرقة: الخطاب بقوله يا أيها ~~الرسل لمحمد عليه السلام، ثم اختلفت فقال بعضها: أقامه مقام الرسل كما قال: ~~الذين قال لهم الناس، وقيل غير هذا مما لا يثبت مع النظر، والوجه في هذا أن ~~يكون الخطاب لمحمد وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزا أن هذه المقالة قد خوطب ~~بها كل نبي أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم ms2512 الكون عليها وهذا كما تقول لتاجر ~~يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا فأنت تخاطبه بالمعنى، وقد اقترن بذلك أن ~~هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، وقال الطبري: الخطاب بقوله يا أيها الرسل ~~لعيسى، وروي أنه كان يأكل من غزل أمه، والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل ~~البرية، ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقدير لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~والطيبات هنا الحلال ملذة وغير ذلك، وفي قوله إني بما تعملون عليم تنبيه ما ~~على التحفظ وضرب من الوعيد بالمباحثة صلى الله على جميع رسله وأنبيائه وإذا ~~كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 52 الى 56] # وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) # قرأ عاصم وحمزة والكسائي «وإن» بكسر الألف وشد النون، وقرأ ابن عامر ~~«وأن» بفتح الألف وتخفيف «أن» ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «وأن هذه» ~~بفتح الألف وتشديد «أن» ، فالقراءة الأولى بينة على القطع، وأما فتح الألف ~~وتشديد النون فمذهب سيبويه أنها متعلقة بقوله، آخرا فاتقون على تقدير ولأن، ~~أي فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون وهذا عنده نحو قوله عز ~~وجل: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا [الجن: 18] . و «أن» عنده في ~~موضع خفض وهي عند الخليل في موضع نصب لما زال الخافض، وقد عكس هذا الذي ~~نسبت إليهما بعض الناس، وقال الفراء «أن» متعلقة بفعل مضمر تقديره واعلموا ~~أو واحفظوا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق «أمة واحدة» بالرفع على البدل، وقرأ ~~نافع وعاصم وأبو عمرو «أمة واحدة» بالنصب على الحال وقيل على البدل من هذه ~~وفي هذا نظر، وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى: يا أيها الرسل [المؤمنون: 51] ~~، إنما هو مخاطبة لجميعهم وأنه بتقرير حضورهم وتجيء هذه الآية بعد ذلك ~~بتقدير وقلنا للناس، وإذا قدرت ms2513 أيها الرسل [المؤمنون: 51] مخاطبة لمحمد ~~عليه السلام قلق اتصال هذه واتصال قوله فتقطعوا، أما أن قوله وأنا ربكم ~~فاتقون وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون بالمعنى فيحسن بعد ذلك اتصال ~~فتقطعوا، ومعنى «الأمة» هنا الملة والشريعة والإشارة بهذه إلى الحنيفية ~~السمحة ملة إبراهيم عليه السلام وهو دين الإسلام، وقوله فتقطعوا يريد الأمم ~~أي افترقوا وليس بفعل مطاوع كما تقول تقطع الثوب بل هو فعل متعد بمعنى ~~قطعوا PageV04P146 # ومثاله تجهمني الليل وتخوفني السير وتعرقني الزمن، وقرأ نافع «زبرا» بضم ~~الزاي جمع زبور، وقرأ الأعمش وأبو عمرو بخلاف «زبرا» بضم الزاي وفتح الباء، ~~فأما القراءة الأولى فتحتمل معنيين أحدهما أن الأمم تنازعت أمرها كتبا ~~منزلة فاتبعت فرقة الصحف وفرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل ثم حرف ~~الكل وبدل، وهذا قول قتادة، والثاني أنهم تنازعوا أمرهم كتبا وضعوها ~~وضلالات ألفوها وهذا قول ابن زيد، وأما القراءة الثانية فمعناها فرقا كزبر ~~الحديد، ثم ذكر تعالى أن كل فريق منهم معجب برأيه وضلالته وهذه غاية الضلال ~~لأن المرتاب بما عنده ينظر في طلب الحق ومن حيث كان ذكر الأمم في هذه الآية ~~مثالا لقريش خاطب محمدا عليه السلام في شأنهم متصلا بقوله فذرهم أي فذر ~~هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم و «الغمرة» ، ما عمهم من ضلالهم وفعل بهم ~~فعل الماء الغمر لما حصل فيهم، وقرأ أبو عبد الرحمن «في غمراتهم» ، وحتى ~~حين أي إلى وقت فتح فيهم غير محدود وفي هذه الآية موادعة منسوخة بآية ~~السيف، ثم وقفهم على خطأ رأيهم في أن نعمة الله عندهم بالمال ونحوه إنما هي ~~لرضاه عن حالهم وبين تعالى أن ذلك إنما هو إملاء واستدراج، وخبر «أن» في ~~قوله نسارع بنون العظمة، وفي الكلام على هذه القراءة ضمير عائد تقديره لهم ~~به، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة «يسارع» بالياء من تحت وكسر الراء بمعنى ~~أن إمدادنا يسارع ولا ضمير مع هذه القراءة إلا ما يتضمن الفعل، وروي عن أبي ~~بكرة المذكور «يسارع» بفتح الراء، وقرأ الحر النحوي ms2514 «نسرع» بالنون وسقوط ~~الألف، والخيرات هنا يعم الدنيا، وقوله بل لا يشعرون وعيد وتهديد، والشعور ~~مأخوذ من الشعار وهو ما بلي الإنسان من ثيابه. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى 61] # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) ~~والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # لما فرغ ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك ذكر المؤمنين ووعدهم وذكرهم بأبلغ ~~صفاتهم، و «الإشفاق» أبلغ التوقع والخوف، ومن، في قوله من خشية هي لبيان ~~جنس الإشفاق، والإشفاق إنما هو من عذاب الله، و «من» ، في قوله «من عذاب» ~~هي لابتداء غاية و «الآيات» تعم القرآن وتعم العبر والمصنوعات التي لله ~~وغير ذلك مما فيه نظر واعتبار وفي كل شيء له آية، ثم ذكرهم تعالى من الطرف ~~الآخر وهو نفي الإشراك لأن لكفار قريش أن يقولوا ونحن نؤمن بآيات ربنا ~~ويريدون نصدق بأنه المخترع الخالق فذكر تعالى نفي الإشراك الذي لا حظ لهم ~~فيه بسبب أصنامهم، وقوله والذين يؤتون ما آتوا على قراءة الجمهور، يعطون ما ~~أعطوا وقال الطبري: يريد الزكاة المفروضة وسائر الصدقة، وروي نحوه عن ابن ~~عمر ومجاهد ع وإنما ضمهم إلى هذا التخصيص أن العطاء مستعمل في المال على ~~الأغلب، قال ابن عباس وابن جبير: هو عام في جميع أعمال البر، وهذا أحسن ~~كأنه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعة الله PageV04P147 # ما بلغه جهدهم، وقرأت عائشة أم المؤمنين وابن عباس وقتادة والأعمش «يأتون ~~ما أتوا» ومعناه يفعلون ما فعلوا ورويت هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذهبت فرقة إلى أن معناه من المعاصي، وذهبت فرقة إلى أن ذلك في جميع ~~الأعمال طاعتها ومعصيتها وهذا أمدح، وأسند الطبري عن عائشة أنها قالت يا ~~رسول الله قوله تعالى يؤتون ما آتوا هي في الذي يزني ويسرق قال «لا يا بنت ~~أبي بكر بل هي في الرجل يصوم ويتصدق وقلبه ms2515 وجل يخاف أن لا يتقبل منه» . # قال القاضي أبو محمد: ولا نظر مع الحديث، و «الوجل» نحو الإشفاق والخوف ~~وصورة هذا الوجل أما المخلط فينبغي أن يكون أبدا تحت خوف من أن يكون ينفذ ~~عليه الوعيد بتخليطه، وأما التقي والتائب فخوفه أمر الخاتمة وما يطلع عليه ~~بعد الموت، وفي قوله تعالى أنهم إلى ربهم راجعون تنبيه على الخاتمة، وقال ~~الحسن: معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البر ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من ~~عذاب ربهم ع وهذه عبارة حسنة، وروي عن الحسن أيضا أنه قال: المؤمن يجمع ~~إحسانا وشفقة والمنافق يجمع إساءة وأمنا، وقرأ الجمهور «أنهم» بفتح الألف ~~والتقدير بأنهم أو لأنهم أو من أجل أنهم ويحتمل أن يكون قوله وجلة عاملة في ~~«أن» من حيث إنها بمعنى خائفة. # وقرأ الأعمش «إنهم» بالكسر على إخبار مقطوع في ضمنه تخويف، ثم أخبر تعالى ~~عنهم بأنهم يبادرون إلى فعل الخيرات، وقرأ الجمهور «يسارعون» ، وقرأ الحر ~~النحوي «يسرعون وأنهم إليها سابقون» ، وهذا قول بعضهم في قوله لها، وقالت ~~فرقة: معناه وهم من أجلها سابقون، فالسابق على هذا التأويل هو إلى رضوان ~~الله تعالى وعلى الأول هو إلى الخيرات، وقال الطبري عن ابن عباس: المعنى ~~سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها ورجحه الطبري بأن اللام متمكنة في ~~المعنى. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 62 الى 64] # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) # قوله تعالى: ولا نكلف نفسا إلا وسعها نسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ~~ما لا يطاق على الحقيقة، وتكليف ما لا يطاق أربعة أقسام، ثلاثة حقيقة ورابع ~~مجازي وهو الذي لا يطاق للاشتغال بغيره مثل الإيمان للكافر والطاعة للعاصي ~~وهذا التكليف باق وهو تكليف أكثر الشريعة، وأما الثلاثة فورد الاثنان منها ~~وفيها وقع النسخ المحال عقلا في نازلة أبي لهب ms2516 والمحال عادة في قوله تعالى: ~~إن تبدوا ما في أنفسكم [البقرة: 284] ، والثالث لم يرد فيه شيء وهو النوع ~~المهلك لأن الله تعالى لم يكلفه عباده، فأما قتل القاتل ورجم الزاني ~~فعقوبته بما فعل وقد مضى القول مستوعبا موجزا في مسألة تكليف ما لا يطاق في ~~سورة البقرة وفي قولنا ناسخ نظر من جهة التواريخ، وما نزل بالمدينة وما نزل ~~بمكة والله المعين، وقوله تعالى: ولدينا كتاب أظهر ما قيل فيه أنه أراد ~~كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وفي الآية على هذا التأويل تهديد ~~وتأنيس من الحيف والظلم، وقالت فرقة الإشارة بقوله ولدينا كتاب إلى القرآن. PageV04P148 # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يحتمل والأول أظهر، وقوله في غمرة يريد ~~في ضلال قد غمرها كما يفعل الماء الغمر بما حصل فيه، وقوله من هذا، يحتمل ~~أن يشير إلى القرآن، ويحتمل أن يشير إلى كتاب الإحصاء، ويحتمل أن يشير إلى ~~الأعمال الصالحة المذكورة قبل، أي هم في غمرة من اطراحها وتركها ويحتمل أن ~~يشير إلى الدين بجملته أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وكل تأويل من هذه ~~قالته فرقة، وقوله تعالى: ولهم أعمال من دون ذلك الإشارة بذلك إلى الغمرة ~~والضلال المحيط بهم فمعنى الآية بل هم ضالون معرضون عن الحق ولهم مع ذلك ~~سعايات فساد فوسمهم تعالى بحالتي شر، قال هذا المعنى قتادة وأبو العالية، ~~وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعماهم فيه، وقالت فرقة ~~الإشارة بذلك إلى قوله: من هذا فكأنه قال: لهم أعمال من دون الحق، وقال ~~الحسن بن أبي الحسن ومجاهد: إنما أخبر بقوله ولهم أعمال عما يستأنف من ~~أعمالهم أي أنهم لهم أعمال من الفساد يستعملونها، وحتى حرف ابتداء لا غير، ~~وإذا والثانية التي هي جواب تمنعان من أن تكون حتى غاية ل عاملون، و ~~«المترف» هو المنعم في الدنيا الذي هو منها في سرف وهذه حال شائعة في رؤساء ~~الكفرة من كل أمة ويجأرون معناه يستغيثون بصياح كصياح البقر وكثر استعمال ~~الجؤار في البشر ms2517 ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # يراوح من صلوات المليك ... فطورا سجودا وطورا جؤارا # وذهب مجاهد وغيره إلى أن هذا العذاب المذكور هو الوعيد بيوم بدر وفيه نفذ ~~على مترفيهم والضمير في قوله إذا هم يحتمل أن يعود على «المترفين» فقط ~~لأنهم صاحوا حين نزل بهم الهزم والقتل يوم بدر، ويحتمل أن يعود على الباقين ~~بعد المعذبين وقد حكى ذلك الطبري عن ابن جريج قال: # المعذبون قتلى بدر والذين يجأرون قتلى مكة لأنهم ناحوا واستغاثوا. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 65 الى 68] # لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم ~~على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) أفلم يدبروا القول ~~أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) # المعنى يقال لهم يوم العذاب وعند حلوله لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون وهذا القول يجوز أن يكون حقيقة، أي تقول ذلك لهم الملائكة ويحتمل أن ~~يكون مجازا أي لسان الحال يقول ذلك، وهذا على أن الذين يجأرون هم المعذبون، ~~وأما على قول ابن جريج فلا يحتمل أن تقول ذلك الملائكة، وقوله قد كانت ~~آياتي تتلى عليكم يريد بها القرآن، وتنكصون معناه ترجعون وراءكم وهذه ~~استعارة للإعراض والإدبار عن الحق، وقرأ علي بن أبي طالب «على أدباركم ~~تنكصون» بضم الكاف وبذكر الإدبار بدل أعقاب، ومستكبرين حال، والضمير في به ~~قال الجمهور: هو عائد على الحرم والمسجد وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في ~~الأمر، والمعنى أنكم تعتقدون في نفوسكم أن لكم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق ~~على الناس والمنازل عند الله فأنتم تستكبرون لذلك وليس الاستكبار من الحق، ~~وقالت فرقة: PageV04P149 # الضمير عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات والمعنى يحدث لكم سماع آياتي ~~كبرا وطغيانا. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول جيد وذكر منذر بن سعيد أن الضمير ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بما بعده كأن الكلام ثم في قوله ~~مستكبرين ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم، سامرا تهجرون، وقوله سامرا حال ~~وهو مفرد بمعنى ms2518 الجمع يقال قوم سمر وسمر وسامر ومعناه سهر الليل مأخوذ من ~~السمر وهو ما يقع على الأشخاص من ضوء القمر فكانت العرب تجلس للسمر تتحدث ~~وهذا أوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب، ~~وقرأ الجمهور «سامرا» ، وقرأ أبو رجاء «سمارا» ، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن ~~محيصن «سمرا» ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الكامل] # من دونهم إن جئتهم سمرا ... عزف القيان ومجلس غمر # فكانت قريش سمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، وقرأ الجمهور ~~«تهجرون» بفتح التاء وضم الجيم واختلف المتأولون في معناها فقال ابن عباس: ~~معناها تهجرون الحق وذكر الله وتقطعونه من الهجر المعروف، وقال ابن زيد: من ~~هجر المريض إذا هذى أي تقولون اللغو من القول وقاله أبو حاتم، وقرأ نافع ~~وحده من السبعة «تهجرون» بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل المدينة وابن ~~محيصن وابن عباس أيضا ومعناه يقولون الفحش والهجر والعضاية من القول وهذه ~~إشارة إلى سبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاله ابن عباس أيضا ~~وغيره، وفي الحديث «كنت نهيتكم عن زيادة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا» ، ~~وقرأ ابن محيصن وابن أبي نهيك «تهجرون» بضم التاء وفتح الهاء وشد الجيم ~~مكسورة وهو تضعيف هجر وتكثير الهجر والهجر على المعنيين المتقدمين، وقال ~~ابن جني: لو قيل إن المعنى أنكم تبالغون في المهاجرة حتى أنكم وإن كنتم ~~سمرا بالليل فكأنكم تهجرون في الهاجرة على غاية الافتضاح لكان وجها. # قال القاضي أبو محمد: ولا تكون هذه القراءة تكثير «تهجرون» بضم التاء، ~~وكسر الجيم لأن أفعل لا يتعدى ولا يكثر بتضعيف إذ التضعيف والهمزة متعاقبان ~~ثم وبخهم على إعراضهم بعد تدبر القول لأنهم بعد التدبر والنظر الفاسد، قال ~~بعضهم شعر وبعضهم سحر وسائر ذلك، وقوله أم جاءهم كذلك توبيخ أيضا والمعنى ~~أأبدع لهم أمر لم يكن في الناس قبلهم بل قد جاء الرسل قبل كنوح وإبراهيم ~~وإسماعيل وفي هذا التأويل من التجوز أن جعل سالف الأمم «آباء» إذ الناس في ~~الجملة آخرهم من أولهم، ms2519 ويحتمل اللفظ معنى آخر على أن يراد ب آباءهم ~~الأولين من فرط من سلفهم في العرب فكأنه قال: أفلم يدبروا القول أم جاءهم ~~أمر غريب من عند الله لم يأت آباءهم فبهر عقولهم ونبت أذهانهم عن أمر من ~~أمور الله غريب في سلفهم والمعنى الأول أبين. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 69 الى 71] # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون (70) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن ~~فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) PageV04P150 # هذا أيضا توبيخ والمعنى ألم يعرفوه صادقا مدة عمره ولم يقع منهم قط إنكار ~~لمعرفة وجه محمد صلى الله عليه وسلم وإنما أنكروا صدقه، وقوله أم يقولون به ~~جنة توبيخ أيضا لأن الفرق بين الحكمة وفصل الخطاب الذي جاء به وبين كلام ذي ~~الجنة لا يخفى على ذي فطرة، ثم بين تعالى حاله عليه السلام في مجيئه بالحق، ~~وقوله تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم قال ابن جريج وأبو صالح الحق الله ~~تعالى ع وهذا ليس من نمط الآية، وقال غيرهما الحق هنا الصواب والمستقيم ع ~~وهذا هو الأجرى على أن يكون المذكور قبل الذي جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ويستقيم على هذا فساد السماوات والأرض ومن فيهن لو كان بحكم هوى ~~هؤلاء، وذلك أنهم جعلوا لله شركاء وأولادا ولو كان هذا حقا لم تكن لله ~~الصفات العالية، ولو لم تكن له لم تكن الصنعة والقدرة كما هي، وكان فساد ~~السماوات والأرض ومن فيهن، ومن قال إن الحق في الآية الله تعالى بشعت له ~~لفظة اتبع وصعب عليه ترتيب الفساد المذكور في الآية لأن لفظة الاتباع على ~~كلا الوجهين إنما هي استعارة بمعنى أن تكون أهواؤهم يصوبها الحق ويقررها ~~فنحن نجد الله تعالى قد قرر كفر أمم وأهواءهم فليس في ذلك فساد سماوات، ~~وأما الحق نفسه الذي هو الصواب فلو كان طبق أهوائهم لفسد كل شيء فتأمله، ~~وقرأ ابن وثاب «ولو ms2520 اتبع» بضم الواو وقال أبو الفتح: الضم في هذه الواو ~~قليل والوجه تشبيهها بواو الجمع كقوله اشتروا الضلالة [البقرة: 16] وقوله ~~بذكرهم يحتمل أن يريد بوعظهم والبيان لهم قاله ابن عباس، وقرأ قتادة ~~«نذكرهم» بنون مضمومة وذال مفتوحة وكسر الكاف مشددة ويحتمل أن يريد بشرفهم، ~~وهو مروي، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق «بل أتيتهم بذكرهم» بضم تاء ~~المتكلم، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا «بل أتيتهم» خطابا لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقرأ الجمهور «بل أتينهم بذكرهم» وروي عن أبي عمرو و «آتيناهم» بالمد ~~بمعنى أعطيناهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 72 الى 75] # أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى ~~صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو ~~رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) # هذا توبيخ لهم كأنه قال: أم سألتهم مالا فقلقوا بذلك واستثقلوا من أجله، ~~وقرأ حمزة والكسائي «خراجا فخراج» وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ~~«خرجا فخراج» وقرأ ابن عامر «خرجا فخرج» وهو المال الذي يجيء ويؤتى به ~~لأوقات محدودة، قال الأصمعي: الخرج الجعل مرة واحدة والخراج ما تردد لأوقات ~~ما، ع وهذا فرق استعمالي وإلا فهما في اللغة بمعنى، وقد قرىء «خراجا» في ~~قصة ذي القرنين وقوله PageV04P151 # فخراج ربك يريد ثوابه سماه «خراجا» من حيث كان معادلا للخراج في هذا ~~الكلام، ويحتمل أن يريد فخراج ربك رزق ربك ويؤيد هذا قوله وهو خير ~~الرازقين، والصراط المستقيم، دين الإسلام و «ناكبون» معناه عادلون ومعرضون ~~ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القحط ومن الله عليهم بالخصب ورحمهم ~~بذلك لبقوا على كفرهم وللجوا في طغيانهم، وهذه الآية نزلت في المرة التي ~~أصابت قريشا فيها السنون المجدبة والجوع الذي دعا به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قوله اللهم سبعا كسني يوسف الحديث. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 76 الى 77] # ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا ms2521 فتحنا ~~عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) # هذا إخبار من الله تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع، ~~هذا قول روي عن ابن عباس وابن جريج أن «العذاب» هو الجوع والجدب المشهور ~~نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها والباب والمتوعد به يوم بدر، ~~وهذا القول يرده أن الجدب الذي نالهم إنما كان بعد وقعة بدر وروي أنهم لما ~~بلغهم الجهد جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألست تزعم يا ~~محمد أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء ~~بالجوع وقد أكلنا العهن فنزلت الآية، واستكانوا معناه انخفضوا وتواضعوا، ~~ويحتمل أن يكون من السكون ويلزمه أن يكون «استكنوا» ووجهه أن فتحة الكاف ~~مطلت فتولدت منه الألف ويعطي التصريف أنه من «كان» وأن وزنه استفعل وعلى ~~الأول وزنه افتعل وكونه من «كان» أبين والمعنى فما طلبوا أن يكونوا لربهم ~~أي طاعة وعبيد خير، وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: إذا أصاب الناس من ~~قتل السلطان بلاء فإنما هي نقمة فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن ~~استقبلوها بالاستغفار واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ هذه الآية ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون و «العذاب الشديد» ، إما ~~يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم وإما توعد بعذاب غير معين وهو الصواب لما ~~ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة، وروي عن مجاهد أن العذاب والباب الشديد هو كله ~~مجاعة قريش. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن كأن الأخذ كان في صدر الأمر ثم فتح الباب ~~عند تناهيه حيث أبلسوا وجاء أبو سفيان، والملبس: الذي قد نزل به شر ويئس من ~~زواله ونسخه بخير. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 78 الى 83] # وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف ~~الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا ms2522 وعظاما أإنا لمبعوثون (82) # لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) PageV04P152 # ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس تعديدها استدلال بها على عظيم قدرته وأنها ~~لا يعزب عنها أمر البعث ولا يعظم وأنشأ بمعنى اخترع والسمع مصدر فلذلك وحد ~~وقيل أراد الجنس، والأفئدة القلوب وهذه إشارة إلى النطق والعقل وقوله قليلا ~~نعت لمصدر محذوف تقديره شكرا قليلا ما تشكرون وذهبت فرقة إلى أنه أراد ~~قليلا منكم من يشكر أي يؤمن ويشكر حق الشكر. # قال الفقيه الإمام القاضي: والأول أظهر وذرأ معناه بث وخلق، وقوله وإليه ~~فيه حذف مضاف أي إلى حكمه وقضائه، وتحشرون يريد البعث، وقوله وله اختلاف ~~الليل والنهار أي له القدرة التي عنها ذلك، والاختلاف هنا التعاقب، والكون ~~خلفة، ويحتمل أن يكون الذي هو المغايرة البينة، وقوله بل إضراب والجحد مقدر ~~كأنه قال ليس لهم نظر في هذه الآيات أو نحو هذا، والأولون يشير به إلى ~~الأمم الكافرة كعاد وثمود، وقوله لمبعوثون أي لمعادون أحياء وقولهم وآباؤنا ~~أي حكى المقالة عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم آباء من حيث ~~النوع واحد وإن حكى ذلك عن الأولين فالأمر مستقيم فيهم، و «الأساطير» قيل ~~هي جمع أسطورة كأعجوبة وأعاجيب وأحدوثة وأحاديث وقيل هي جمع سطر وأسطار ~~وأساطير. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 84 الى 89] # قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون ~~(85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~(88) # سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) # أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا ~~الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة ~~رسوله، وقرأ الجميع في الأول لله بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو ~~عمرو وحده «لله» جوابا على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، «لله» جوابا على ~~المعنى كأنه قال في السؤال ms2523 لمن ملك السماوات السبع إذ قولك لمن هذه الدار؟ ~~وقولك من مالك هذه الدار؟ واحد في المعنى ثم جعل التوبيخ مدرجا بحسب وضوح ~~الحجة شيئا شيئا فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف ~~على السماوات السبع، والعرش، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر ~~وهذا بحسب وضوح الحجة، وفي قوله تعالى: أفلا تتقون وعيد، ثم وقف على ملكوت ~~كل شيء وفي الإقرار بهذا التزام كل ما تقع به الغلبة في الاحتجاج، فوقع ~~التوبيخ بعد في غاية البلاغة بقوله فأنى تسحرون ومعنى «أنى» كيف ومن أين، ~~وفي هذا تقرير سحرهم وهو سؤال عن الهيئة التي سحروا بها، والسحر هنا مستعار ~~لهم وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير PageV04P153 # مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة تسحرون معناه ~~تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن «العظيم» برفع الميم وملكوت ~~مصدر في بناء مبالغة والإجارة المنع من الإنسان والمعنى أن الله إذا منع ~~أحدا فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحدا فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما ~~نفذ من قضائه لا يعارض ذلك شيء ولا يحيله عن مجراه. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 90 الى 92] # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ~~(91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) # المعنى ليس الأمر كما يقولون من نسبتهم إلى الله تعالى ما لا يليق به بل ~~أتيناهم وقرأ ابن أبي إسحاق «بل آتيناك» على الخطاب لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، ولكاذبون يراد فيما ذكروا الله تعالى به من الصاحبة والولد والشريك، ~~وفي قوله تعالى: وما كان معه من إله دليل على التمانع وهذا هو الفساد الذي ~~تضمنه قوله ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] والجزء ~~المخترع محال أن يتعلق به قدرتان فصاعدا أو يختلف الإلهان في ms2524 إرادة فمحال ~~نفوذهما ومحال عجزهما فإذا نفذت إرادة الواحد فهو العالي والآخر ليس بإله، ~~فإذا قيل نقدرهما لا يختلفان في إرادة قيل ذلك بفرض، فإذا جوزه الكفار قامت ~~الحجة فإن ما التزم جوازه جرى ما التزم وقوعه، وقوله إذا جواب لمحذوف ~~تقديره لو كان معه إله إذا لذهب وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن ~~عاصم «عالم» بكسر الميم اتباعا للمكتوبة في قوله سبحان الله، وقرأ الباقون ~~وأبو بكر عن عاصم «عالم» بالرفع والمعنى هو «عالم» قال الأخفش: الجر أجود ~~ليكون الكلام من وجه واحد قال أبو علي: ووجهه الرفع إن الكلام قد انقطع. # قال الفقيه الإمام القاضي: والابتداء عندي أبرع والفاء في قوله فتعالى ~~عاطفة بالمعنى كأنه قال: # علم الغيب والشهادة فتعالى وهذا كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته ويحتمل ~~أن يكون المعنى فأقول تعالى عما يشركون على إخبار مؤتنف، والغيب ما غاب عن ~~الناس والشهادة ما شهدوه. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 93 الى 98] # قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) ~~وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن ~~أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) # وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) # أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة ~~إن كان قضي أن يرى ذلك، PageV04P154 # و «إن» شرط و «ما» زائدة، وتريني جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا ~~تفارق «إما» عند المبرد، ويجوز عن سيبويه أن تفارق فيقال إما تريني لكن ~~استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب ~~الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في ~~جودة الخاتمة، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في ~~يوم بدر، وقوله ثانيا اعتراض بين الشرط وجوابه، وقوله ادفع بالتي هي أحسن ~~الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها، لهذا فهو حكم باق في الأمة ~~أبدا ms2525 وما فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم ~~فمنسوخ بالقتال، وقوله نحن أعلم بما يصفون يقتضي أنها آية موادعة، وقال ~~مجاهد «الدفع بالتي هي أحسن» هو السلام يسلم عليه إذا لقيه، وقال الحسن: ~~والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه ويصفح عما يكره. # قال الفقيه الإمام القاضي: هذه الطرفان وفي هذه الآية عدة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أي اشتغل بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا وأمره بالتعوذ من ~~الشيطان في «همزاته» وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، ~~وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة، فلذلك اتصلت ~~بهذه الآية، وقال ابن زيد: «همز الشيطان» الجنون. # قال الفقيه الإمام القاضي: وفي مصنف أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، همزه ونفخه ونفثه» قال أبو داود ~~همزة الموتة وهي الجنون ونفخه الكبر ونفشه السحر. # قال الفقيه الإمام القاضي: والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ ~~منها في الآية، والتعوذ من الجنون أيضا وكيد، وفي قراءة أبي بن كعب «رب ~~عائذا بك من همزات الشياطين وعائذا بك رب أن يحضرون» ، وقوله أن يحضرون أن ~~يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز فإذا لم ~~يكن حضور فلا همز. # قال الفقيه الإمام القاضي: وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز ~~الخيل وهمز الناس باللسان وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة، سئل بذلك عن ~~اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 99 الى 102] # حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت ~~كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ثقلت موازينه فأولئك ~~هم المفلحون (102) # حتى في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام ~~محذوف، والأول أبين لأن ما بعدها هو المعني ms2526 به المقصود ذكره، والضمير في ~~قوله أحدهم للكفار، وقوله ارجعون معناه إلى الحياة الدنيا، وجمع الضمير ~~يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيما على نحو PageV04P155 # إخباره تعالى عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع، وإما أن تكون استغاثة ~~بربه أولا ثم خاطب ملائكة العذاب بقوله ارجعون، وقال الضحاك هي في المشرك، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لعائشة «إذا عاين المؤمن قالت الملائكة ~~نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدما إلى الله وأما الكافر فيقول ~~ارجعون لعلي أعمل صالحا، وقرأ الحسن والجمهور «لعلي» بسكون الياء، وقرأ ~~طلحة بن مصرف «لعلي» بفتح الياء، وكلا رد وزجر وهي من كلام الله تعالى، ~~وقوله إنها كلمة هو قائلها يحتمل ثلاثة معان: أحدها الإخبار المؤكد بأن هذا ~~الشيء يقع ويقول هذه الكلمة، والآخر أن يكون المعنى إنها كلمة لا تغني أكثر ~~من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث، والثالث أن تكون إشارة إلى أنه لو ~~رد لعاد فتكون آية ذم لهم، والضمير في ورائهم للكفار أي يأتي بعد موتهم ~~حاجز من المدة و «البرزخ» ، في كلام العرب الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار ~~لما عدا ذلك فهو هنا للمدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، هذا إجماع من ~~المفسرين، وقرأ الجمهور «في الصور» وهو القرن، وقرأ ابن عباس «الصور» بفتح ~~الواو جمع صورة، ويوم مضاف إلى يبعثون وقوله فلا أنساب بينهم يومئذ اختلف ~~المتأولون في صفة ارتفاع الأنساب فقال ابن عباس وغيره: هذا في النفخة ~~الأولى وذلك أن الناس بأجمعهم يموتون فلا يكون بينهم نسب في ذلك الوقت وهم ~~أموات. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول ~~الحشر، وقال ابن مسعود وغيره: إنما المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام ~~الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت ~~بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها فالمعنى فلا أنساب وروي عن ~~قتادة أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك ms2527 اليوم ممن يعرف لأنه يخاف ~~أن تكون له عنده مظلمة وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته ~~وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا ~~حديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في ~~القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل حسن وهو مروي المعنى عن ابن عباس ~~و «ثقل الموازين» هو الحسنات، والثقل والخفة إنما يتعلق بأجرام يخترع الله ~~فيها ذلك وهي فيما روي براءات. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 103 الى 108] # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح ~~وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها ~~تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) # قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) # جمع «الموازين» من حيث الموزون جمع وهي الأعمال ع ومعنى الوزن إقامة ~~الحجة على الناس PageV04P156 # بالمحسوس على عادتهم وعرفهم، ووزن الكافر على أحد وجهين: إما أن يوضع ~~كفره في كفة فلا يجد شيئا يعادله في الكفة الأخرى، وإما أن توضع أعماله من ~~صلة رحم ووجه بر في كفة الحسنات ثم يوضع كفره في الكفة الأخرى فتخف أعماله، ~~و «لفح النار» إصابتها بالوهج والإحراق، وقرأ أبو حيوة «كلحون» بغير ألف ~~والكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان، وهذا يعتري الإنسان عند المباطشة مع ~~الغضب، ويعتري الرؤوس عند النار، وقد شبه عبد الله بن مسعود ما في هذه ~~الآية مما يعتري رؤوس الكباش إذا شيطت بالنار فإنها تكلح ومنه كلوح الكلب ~~والأسد ويستعار للزمن والخطوب. وقوله ألم تكن آياتي قبله محذوف تقديره يقال ~~لهم، و «الآيات» هنا القرآن وأخبر عنهم تعالى أنهم إذا سمعوا هذا التقرير ~~أذعنوا وأقروا على أنفسهم وسلموا بقولهم غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ~~وقرأ الجمهور «شقوتنا» بكسر الشين دون ألف بعد القاف وهي قراءة الحرميين، ~~وقرأ الحمزة والكسائي «شقاوتنا» بفتح الشين وألف ms2528 بعد القاف وهي قراءة ابن ~~مسعود، وخير عاصم في الوجهين وهما مصدران من شقي يشقى، ثم تدرجوا من ~~الإقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم ذلوا لأن الإقرار بالذنب اعتذار ~~وتنصل، فوقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله تعالى: اخسؤا ~~فيها ولا تكلمون وجاء ولا تكلمون بلفظ نهي وهم لا يستطيعون الكلام على ما ~~روي فهذا مبالغة في المنع، ويقال إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا، وحكى ~~الطبري حديثا طويلا في مقاولة تكون بين الكفار وبين مالك خازن النار، ثم ~~بينهم وبين ربهم وآخرها هذه الكلمة اخسؤا فيها قال فتنطبق عليهم جهنم ويقع ~~اليأس ويبقون ينبح بعضهم في وجه بعض. # قال الفقيه الإمام القاضي: واختصرت هذا الحديث لعدم صحته لكن معناه صحيح ~~عافانا الله من ناره بمنه، وقوله اخسؤا زجر يستعمل في زجر الكلاب، ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد اخسأ فلن تعدو قدرك. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 109 الى 111] # إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) ~~إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) # قرأ هارون «أنه كان» بفتح الألف وهي قراءة أبي بن كعب، وروي أن في مصحف ~~أبي بن كعب «أن كان» وهذا كله متعاضد، وفي قراءة ابن مسعود «تكلمون كان ~~فريق» بغير «إنه» وهذه تعضد كسر الألف من «إنه» لأنها استئناف، وهذه الهاء ~~هي مبهمة ضمير للأمر، والكوفيون يسمونها المجهولة وهي عبارة فاسدة، وهذه ~~الآية كلها مما يقال للكفار على جهة التوبيخ، و «الفريق» المشار إليه كل ~~مستضعف من المؤمنين يتفق أن تكون حاله مع كفار في مثل هذه الحال، ونزلت ~~الآية في كفار قريش مع صهيب وبلال وعمار ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى ~~مجراهم قديما وبقية الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي «سخريا» بضم السين، ~~وقرأ الباقون «سخريا» بكسرها، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري، ~~وقال ذلك أبو PageV04P157 # زيد الأنصاري ms2529 إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة وغيره: إن ضم السين من ~~«السخرة» والتخديم وكسر السين من السخر وهو الاستهزاء ومنه قول الأعشى: ~~[البسيط] # إني أتاني حديث لا أسر به ... من علو لا كذب فيه ولا سخر # قال أبو علي قراءة كسر السين أوجه لأنه بمعنى الاستهزاء والكسر فيه أكثر ~~وهو أليق بالآية ألا ترى إلى قوله: وكنتم منهم تضحكون. # قال القاضي أبو محمد: ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [الزخرف: 32] لما تخلص الأمر للتخديم، قال يونس إذا ~~أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد تخلص الاستهزاء فالضم والكسر، ~~وقرأ أصحاب عبد الله والأعرج وابن أبي إسحاق كل ما في القرآن بضم السين، ~~وقرأ الحسن وأبو عمرو كل ما في القرآن بالكسر إلا التي في الزخرف فإنهما ~~ضما السين كما فعل الناس لأنها من التخديم، وأضاف «الإنسان» إلى «الفريق» ~~من حيث كان بسببهم والمعنى أن اشتغالهم بالهزء بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم، ~~وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «أنهم هم الفائزون» بفتح ~~الألف، ف جزيتهم عامل في «أن» ، ويجوز أن يعمل في مفعول محذوف ويكون ~~التقدير لأنهم، وقرأ حمزة والكسائي وخارجة عن نافع «إنهم» بكسر الألف ~~فالمفعول الثاني ل «جزية» مقدر تقديره الجنة أو الرضوان، والفائزون ~~المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز النجاة من هلكة إلى ~~نعمة. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 112 الى 115] # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل ~~العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) # قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر «قال كم لبثتم» و «قل إن لبثتم» ، ~~وقرأ حمزة والكسائي فيهما «قل لكم لبثتم» و «قل إن لبثتم» ، وروى البزي عن ~~ابن كثير «قل كم» على الأمر «قال إن» على الخبر، وأدغم أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي التاء، والباقون لا يدغمون. فمعنى الأول إخبار ms2530 عن الله بوقفهم ~~بالسؤال عن المدة ثم يعلمهم آخرا بلبثهم قليلا، ومعنى الثانية الأمر لواحد ~~منهم مشار إليه بمعنى يقال لأحدهم قل كذا فإذا قال غير القويم قيل له «قل ~~إن لبثتم» ، ومعنى رواية البزي التوقيف ثم الإخبار وفي المصاحف قال فيهما ~~إلا في مصحف الكوفة فإن فيه «قل» بغير الألف، وقوله في الأرض قال الطبري ~~معناه في الدنيا أحياء وعن هذا وقع السؤال ونسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا ~~يوما أو بعض يوم. # قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض من هذا توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة ~~أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل، وقال جمهور المتأولين معناه في جوف التراب ~~أمواتا. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث، وكان ~~قوله إنهم لا يقومون من PageV04P158 # التراب قيل لهم لما قاموا كم لبثتم؟ وقوله آخرا وأنكم إلينا لا ترجعون ~~يقتضي ما قلناه، وعدد نصب ب كم على التمييز، وقرأ الأعمش «عددا سنين» ~~بتنوين «عددا» ، وقال مجاهد أرادوا ب العادين الملائكة، وقال قتادة أرادوا ~~أهل الحساب. # قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر اللفظ أنهم أرادوا سل من يتصف بهذه ~~الصفة، ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها لأن النائم والميت لا يعد الحركة فيقدر ~~له الزمن، وقوله إن لبثتم إلا قليلا مقصده على القول بأن اللبث في الدنيا، ~~أي قليل القدر في جنب ما تعذبون، وعلى القول بأن اللبث في القبور معناه أنه ~~قليل إذ كل آت قريب ولكنكم كذبتم به إذ كنتم لا تعلمون إذ لم ترغبوا في ~~العلم والهدى، وعبثا معناه باطلا لغير غاية مرادة، وقرأ الجمهور «ترجعون» ~~بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ حمزة والكسائي «ترجعون» بفتح التاء وكسر الجيم ~~والمعنى فيهما بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة المؤمنون (23) : الآيات 116 الى 118] # فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع ~~الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ~~(117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # المعنى فتعالى الله عن ms2531 مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد ومن حسابهم ~~أنهم لا يرجعون، أي تنزه الله عن تلك الأمور وتعالى عنها، وقرأ ابن محيصن ~~«الكريم» برفع صفة للرب، ثم توعد جلت قدرته عبدة الأصنام بقوله: ومن يدع مع ~~الله الآية والوعيد قوله فإنما حسابه عند ربه والبرهان الحجة وظاهر الكلام ~~أن من شرط وجوابه في قوله: فإنما حسابه عند ربه وقوله: لا برهان له به في ~~موضع الصفة وذهب قوم إلى أن الجواب في قوله لا برهان وهذا هروب من دليل ~~الخطاب من أن يكون ثم داع له البرهان. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا تحفظ مما لا يلزم ويلحقه حذف الفاء من ~~جواب الشرط وهو غير فصيح قاله سيبويه، وفي حرف عبد الله «عند ربك» وفي حرف ~~أبي عند الله وروي أن فيه «على الله» ، ثم حتم وأكد أن الكافر لا يبلغ ~~أمنيته ولا ينجح سعيه، وقرأ الجمهور «إنه» بكسر الألف، وقرأ الحسن وقتادة ~~«أنه» بفتحها، والمعنى أنه إذ لا يذكر ولا يفلح يؤخر حسابه وعذابه حتى يلقى ~~ربه. وقرأ الحسن «يفلح» بفتح الياء واللام، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالدعاء في المغفرة والرحمة والذكر له تعالى بأنه خير الراحمين لأن كل ~~راحم فمتصرف على إرادة الله وتوقيفه وتقديره لمقدار هذه الرحمة، ورحمته ~~تعالى لا مشاركة لأحد فيها، وأيضا فرحمة كل راحم في أشياء وبأشياء حقيرات ~~بالإضافة إلى المعاني التي تقع فيها رحمة الله تعالى من الاستنقاذ من ~~النار، وهيئة نعيم الجنة وعلى ما في الحديث فرحمة كل راحم بمجموعها كلها ~~جزء من مائة رحمة الله جلت قدرته: إذ بث في العالم واحدة وأمسك عنده تسعة ~~وتسعين، وقرأ ابن محيصن «رب اغفر» بضم الباء. PageV04P159 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النور # هذه السورة كلها مدنية. # قوله عز وجل: ### || سورة النور (24) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين ms2532 الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) # قوله سورة قرأ الجمهور، «سورة» بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر ومجاهد «سورة» ~~بالنصب، وروي ذلك أيضا عن عمر بن عبد العزيز وعن أبي الدرداء، فوجه الرفع ~~خبر ابتداء مضمر تقديره هذه سورة، أو ابتداء وخبره مقدم تقديره فيما يتلى ~~عليكم، ويحتمل أن يكون قوله «سورة» ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد ~~النكرة المحضة، فحسن الابتداء لذلك ويكون الخبر في قوله: الزانية وفيما بعد ~~ذلك، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات ~~مسرودة لها بدء وختم ولكن يلحق هذا القول: إن كون الابتداء هو الخبر ليس ~~بالبين إلا أن نقدر الخبر في السورة بأسرها وهذا بعيد في القياس، وقول ~~الشاعر «فارس ما تركوه» ، ووجه النصب إضمار فعل قدره بعضهم اتلوا سورة أو ~~نحوه، وجعله بعضهم أنزلنا سورة أنزلناها، وقال الفراء هي حال من الهاء ~~والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه، وقرأ جمهور الناس «وفرضناها» ~~بتخفيف الراء، ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وجوهه إذ هو مشبه بالفرض في ~~الأجرام، وقرأ مجاهد وغيره وأبو عمرو وابن كثير وعمر بن عبد العزيز وابن ~~مسعود «وفرضناها» بشد الراء ومعناه جعلناها فرائض فرائض، فمن حيث تردد ذلك ~~ضعف الفعل للمبالغة والتكثير، وقرأ الأعمش «وفرضناها لكم» ، وحكى الزهراوي ~~عن بعض العلماء أنه قال كل ما في السورة من أمر ونهي فرض لا حض بهذه ~~اللفظة، و «الآيات البينات» أمثالها ومواعظها وأحكامها، وقال الزهراوي ~~المعنى ليس فيها مشكل تأويلها موافق لظاهرها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم، وقوله لعلكم أي على توقع البشر ورجائهم، ~~وقرأ جمهور الناس «الزانية» بالرفع، وقرأ عيسى الثقفي «الزانية» بالنصب وهو ~~أوجه عند سيبويه لأنه عنده كقولك زيدا أضرب، ووجه الرفع عنده خبر ابتداء ~~تقديره فيما يتلى عليكم الزانية والزاني، وأجمع الناس على PageV04P160 # الرفع، وإن كان القياس عند سيبويه النصب، وأما الفراء والمبرد والزجاج ~~فإن الرفع عندهم هو الأوجه والخبر في قوله فاجلدوا لأن المعنى ms2533 الزانية ~~والزاني مجلودان بحكم الله تعالى وهذا قول جيد وهو قول أكثر النحاة، وإن ~~شئت قدرت الخبر ينبغي أن يجلدا، وقرأ ابن مسعود «والزان» بغير ياء، وقدمت ~~الزانية في اللفظ من حيث كان في ذلك الزمن زنى النساء أفشى وكان لأمراء ~~العرب وبغايا الوقت رايات وكن مجاهرات بذلك وإذا العار بالنساء ألحق إذ ~~موضعهن الحجبة والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما، والألف واللام في ~~قوله: الزانية والزاني للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة وهذه ~~الآية باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وجماعة ~~العلماء على عموم هذه الآية وأن حكم المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في ~~الناسخ فقالت فرقة الناسخ السنة المتواترة في الرجم، وقالت فرقة بل القرآن ~~الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأه عمر في المنبر بمحضر الصحابة: ~~«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» ، وقال إنا قرأناه في كتاب الله، ~~واتفق الجميع على أن لفظه رفع وبقي حكمه، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن ~~راهويه ليس في هذه الآية نسخ بل سنة الرجم جاءت بزيادة، فالمحصن، على رأي ~~هذه الفرقة يجلد ثم يرجم، وهو قول علي بن أبي طالب وفعله بشراحة ودليلهم ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ، ويرد ~~عليهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث رجم ولم يجلد، وبه قال جمهور الأمة ~~إذ فعله كقوله رفع الجلد عن المحصن وقال ابن سلام وغيره هذه الآية خاصة في ~~البكرين. # قال الفقيه الإمام القاضي: لأنه لم يبق من هذا حكمه إلا البكران واستدلوا ~~على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» ~~، وبقوله «على ابنك جلد مائة» ، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج الإماء ~~والعبيد وغيرهم منها، وقد تقدم بسط كثير من هذه المعاني في سورة النساء، و ~~«الجلد» يكون والمجلود قاعد، عند مالك ولا يجزىء عنده إلا في في الظهر، ~~وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف وهو قول علي بن ms2534 أبي ~~طالب ويفرق الضرب على كل الأعضاء، وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها ~~في الزنى والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل، ويترجح قول مالك رحمه ~~الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم «البينة أو حد في ظهرك» ، وقول عمر: أو ~~لأوجعن مثناك، ويعرى الرجل عند مالك والنخعي وأبي عبيدة بن الجراح وابن ~~مسعود وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي وغيرهم يرون أن يضرب على قميص وهو ~~قول عثمان وابن مسعود أيضا، وأما المرأة فتستر قولا واحدا، وقرأ الجمهور ~~«رأفة» همزة ساكنة على وزن فعلة، وقرأ ابن كثير «رأفة» على وزن فعله بفتح ~~العين، وقرأ عاصم أيضا «رأفة» على وزن فعالة كسآمة وكآبة، وهذه مصادر ~~أشهرها الأولى من رأف إذا أرق ورحم، وقرأ الجمهور «تأخذكم» بالتاء من فوق، ~~وقرأ أبو عبد الرحمن «يأخذكم» بالياء من تحت واختلف الناس في الرأفة المنهي ~~عنها فيم هي فقال أبو مجلز ولا حق بن حميد ومجاهد وعكرمة وعطاء هي في إسقاط ~~الحد أي أقيموه، ولا بد وهذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما ومن رأيهم أن ~~الضرب في الزنا والفرية والخمر على نحو واحد، وقال قتادة وابن المسيب ~~وغيرهما «الرأفة» المنهي عنها هي في تخفيف الضرب عن الزناة، ومن رأيهم أن ~~يخفف ضرب الخمر والفرية، ويشتد ضرب الزنا، وقال سليمان بن يسار PageV04P161 # نهي عن الرأفة في الوجهين، وقال أبو مجلز إنا لنرجم المحدود ولكن لا نسقط ~~الحد. # قال الفقيه الإمام القاضي: وقول النبي عليه السلام في السوط دون هذا، ضرب ~~من الرأفة وقال عمر اضرب ولا تبدين إبطك، واتفق الناس على أن الضرب سوط بين ~~سوطين، وقال الزهري ضرب الزنا والفرية مشدد لأنهما بمعنى واحد وضرب الخمر ~~مخفف، وقوله في دين الله بمعنى في الإخلال بدين الله أي بشرعه، ويحتمل أن ~~يكون «الدين» هنا بمعنى الحكم، ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله: إن ~~كنتم تؤمنون بالله وهذا كما تقول لرجل تحضه إن كنت رجلا فافعل كذا أي هذه ~~أفعال الرجال وقوله وليشهد ms2535 عذابهما طائفة من المؤمنين، المقصد بالآية ~~الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، فلا خلاف أن «الطائفة» كلما كثرت ~~فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف الناس في أقل ما يجزىء فقال الحسن بن أبي ~~الحسن لا بد من حضور عشرة رأى أن هذا العدد عقد خارج عن الآحاد وهي أقل ~~الكثرة. # وقال ابن زيد وغيره لا بد من حضور أربعة، ورأوا أن شهادة الزنا كذلك وأن ~~هذا باب منه، وقال الزهري «الطائفة» ثلاثة فصاعدا، وقال عطاء وعكرمة لا بد ~~من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة، وقال مجاهد: يجزىء الواحد ~~ويسمى طائفة إلى الألف، وقاله ابن عباس ونزعا بقوله تعالى: فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة [التوبة: 122] ، وقوله: وإن طائفتان [الحجرات: 9] ونزلت في ~~تقاتل رجلين، واختلف العلماء في التغريب، وقد غرب الصديق إلى فدك وهو رأي ~~عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وأبي بن كعب ولكن عمر بعد نفى رجلا ~~فلحق بالروم فقال لا أنفي أحدا بعدها، وفيه عن مالك قولان، ولا يرى تغريب ~~النساء والعبيد واحتج بقوله عليه السلام «لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ~~ذي محرم» ، وممن أبى التغريب جملة أصحاب الرأي، وقال الشافعي ينفى البكر ~~رجلا كان أو امرأة ونفى علي امرأة إلى البصرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 3] # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين (3) # في هذه الآية أربعة أوجه من التأويل: أحدها أن يكون مقصد الآية تشنيع ~~وتبشيع أمره وأنه محرم على المؤمنين واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ~~ويريد بقوله لا ينكح أي لا يطأ فيكون النكاح بمعنى الجماع وردد القصة ~~مبالغة وآخذا من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشرك والمشركة من حيث الشرك ~~أعم في المعاصي من الزنا، فالمعنى الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من ~~المسلمين أو من هي أخس منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن ~~النكاح في هذه الآية ms2536 الوطء، وأنكر ذلك الزجاج وقال لا يعرف النكاح في كتاب ~~الله إلا بمعنى التزويج، وليس كما قال، وفي القرآن حتى تنكح زوجا غيره ~~[البقرة: 230] وقد بينه النبي عليه السلام أنه بمعنى الوطء، وذكر الطبري ما ~~ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ولكن غير ملخص ولا ~~مكمل. والثاني أن تكون الآية نزلت في قوم مخصوصين وهذا قول روي معناه عن ~~عبد الله بن عمر وعن ابن عباس وأصحابه قالوا وهم قوم كانوا يزنون PageV04P162 # في جاهليتهم ببغايا مشهورات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا، ~~فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق على من ارتسم ~~بزواجهن فنزلت الآية بسببهن، والإشارة ب الزاني إلى أحد أولئك حمل عليه اسم ~~ازنى الذي كان في الجاهلية وقوله لا ينكح أي لا يتزوج، وفي الآية على هذا ~~التأويل معنى التفزع عليهم وفي ذلك توبيخ كأنه يقول أي مصاب الزاني لا يريد ~~أن يتزوج إلا زانية أو مشركة أي تنزع نفوسهم إلى هذه الخسائس لقلة ~~انضباطهم، ويرد على هذا التأويل الإجماع على أن الزانية لا يجوز أن يتزوجها ~~مشرك، ثم قوله وحرم ذلك على المؤمنين أي نكاح أولئك البغايا، فيزعم أهل هذا ~~التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله على أمة محمد عليه السلام ومن ~~أشهرهن عناق البغي وكان الذي هم بتزويجها يلقب دولدل كان يستخرج ضعفة ~~المسلمين من مكة سرا ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنى وأراد التزويج، ~~واستأذن في ذلك النبي عليه السلام، فنزلت الآية ولما دعته وأبى قالت له: أي ~~تبور والله لأفضحنك، وذكر الطبري أن من البغايا المذكورات أم مهزول جارية ~~السائب بن أبي السائب المخزومي، ويقال فيها أم مهزم وأم غليظ جارية صفوان ~~بن أمية، وحنة القبطية، جارية العاصي بن وائل، ومزنة جارية مالك بن عميلة ~~بن سباق، وخلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان ~~المخزومي، وشريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة، وفرنتا ~~جارية هلال ms2537 بن أنس، وغيرهن ممن كانت لهن رايات تعرف منازلهن بها، وكذلك كان ~~بالمدينة إماء عبد الله بن أبي وغيره مشهورات، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه ~~قال في سياق هذا التأويل كانت بيوت في الجاهلية تسمى المواخير، كانوا ~~يؤجرون فيها فتياتهم وكانت بيوتا معلومة للزنى، فحرم الله ذلك على ~~المؤمنين، ويحتمل أن يكون هذا الكلام في التأويل الذي ذكرته قبل هذا، وواحد ~~المواخير ماخور ومنه قول بعض المحدثين في كل واد هبطن فيه دسكرة في كل نشز ~~صعدن فيه ماخور. والتأويل الثالث تأويل ذكره الزجاج وغيره عن الحسن وذلك ~~أنه قال المراد الزاني المحدود والزانية المحدودة تزوج غير محدودة فرد علي ~~بن أبي طالب نكاحهما، وقوله وحرم ذلك يريد الزنى، وحكى الزهراوي في هذا ~~حديثا من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينكح ~~الزاني المجلود إلا مثله» وهذا حديث لا يصح، وقول فيه نظر، وإدخال «المشرك» ~~في الآية يرده، وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى الكتابية فلا ~~حيلة في لفظ المشرك، ورابع قول روي عن سعيد بن المسيب وذلك أنه قال: هذا ~~حكم كان في الزنى عامة أن لا يتزوج زان إلا زانية ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك ~~بقوله تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم [النور: 32] وروي ترتيب هذا النسخ أيضا ~~عن مجاهد، إلا أنه قال إن التحريم إنما كان في أولئك النفر خاصة لا في ~~الزناة عامة، ذكر ذلك عنهما أبو عبيدة في ناسخه وذكر عن مجاهد أنه قال: حرم ~~نكاح أولئك البغايا على أولئك النفر. # قال الفقيه الإمام القاضي: وذكر الإشراك في الآية يضعف هذه المناحي، وقرأ ~~أبو البرهسم «وحرم الله ذلك على المؤمنين» ، واختلف فيمن زنا بامرأة ثم ~~أراد نكاحها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر وجابر بن عبد الله وطاوس ~~وابن الحسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة وابن عباس ومالك PageV04P163 # والثوري والشافعي ومنعه ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة وقالوا لا ~~يزالان زانيين ما اجتمعا. # قوله عز وجل: ### || [سورة ms2538 النور (24) : الآيات 4 الى 5] # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) # هذه الآية نزلت في القاذفين، فقال سعيد بن جبير كان سببها ما قيل في ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل نزلت بسبب القذفة عاما لا في تلك ~~النازلة، وذكر الله تعالى في الآية قذف النساء من حيث هواهم، ورميهن ~~بالفاحشة أبشع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، ~~وإجماع الأمة على ذلك وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه ~~وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع، وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنفس ~~المحصنات فهي تعم بلفظها الرجال والنساء ويدل على ذلك قوله تعالى: ~~والمحصنات من النساء [النساء: 24] ، والجمهور على فتح الصاد من «المحصنات» ~~، وكسرها يحيى بن وثاب. والمحصنات العفائف في هذا الموضع لأن هذا هو الذي ~~يجب به جلد القاذف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام، وفي هذه ~~النازلة الحرية ومنه قول حسان: حصان رزان، البيت، ومنه قوله تعالى: والتي ~~أحصنت فرجها [الأنبياء: 91] ، وذكر الله من صفات النساء المنافية للرمي ~~بالزنا ولتخرج من ذلك من ثبت عليها الزنى وغير ذلك ممن لم تبلغ الوطء من ~~النساء حسب الخلاف في ذلك وعبر عن القذف ب «الرمي» ، من حيث معتاد الرمي ~~أنه مؤذ كالرمي بالحجر والسهم فلما كان قول القاذف مؤذيا جعل رميا، وهذا ~~كما قيل وجرح اللسان كجرح اليد، والقذف والرمي معنى واحد، وشدد الله تعالى ~~على القاذف بأربعة شهداء رحمة بعباده وسترا لهم، وقرأ جمهور الناس «بأربعة ~~شهداء» على إضافة الأربعة إلى الشهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو ~~زرعة وابن جريج «بأربعة» بالتنوين و «شهداء» على هذا، إما بدل وإما صفة ~~للأربعة وإما حال وإما تمييز وفي هذين نظر إذ الحال من نكرة والتمييز ~~مجموع، وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر، وقد ms2539 ~~حسن أبو الفتح هذه القراءة ورجحها على قراءة الجمهور، وحكم شهادة الأربعة ~~أن تكون على معاينة مبالغة كالمرود في المكحلة في موطن واحد فإن اضطرب منهم ~~واحد جلد الثلاثة والقاذف كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أمر ~~المغيرة بن شعبة وذلك أنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه ~~نافع، وقال الزهراوي عبد الله بن الحارث وزياد أخوهما لأم، وهو مستلحق ~~معاوية وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها ~~كاملة، فجلد عمر الثلاثة المذكورين، و «الجلد» الضرب والمجالدة المضاربة في ~~الجلود، أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف وغيره ومنه قول قيس ~~بن الخطيم: [الطويل] # أجالدهم يوم الحديقة حاسرا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب # ونصب ثمانين على المصدر وجلدة على التمييز، ثم أمر تعالى أن لا تقبل ~~للقذفة PageV04P164 # المحدودين شهادة أبدا وهذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم ~~«فاسقون» أي خارجون عن طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح ~~بعد القذف فإنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في ~~القاذف: جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع ~~وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح ~~القاضي وإبراهيم النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد ~~شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ~~ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل ~~في ريد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة توبته ~~فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن ~~يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن ~~القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة من ~~إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن ms2540 ~~يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى ~~تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب ~~وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، ~~قال # الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأجل في الإثبات موقوفة، ورجح ~~القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف ~~وحد وبقي على عدالته. وتابوا معناه رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره ~~قول مالك واختلف أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز ~~شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء ~~من الأشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته ~~في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز ~~شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلا، ورويا ~~هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في ~~الزنا. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 6 الى 10] # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) # لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون [النور: 4] تناول ظاهرها الأزواج ~~وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى ~~آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني» ، وفي ألفاظ سعد ~~روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك ms2541 هلال بن أمية الواقفي فرمى ~~زوجته بشريك PageV04P165 # ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضربه حد القذف، ~~فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ~~وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا ~~أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وولدت غلاما كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرا بمصر وهو لا يعرف ~~لنفسه أبا. ثم جاءه أيضا عويمر العجلاني فرمى امرأته ولا عن. والمشهور أن ~~نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي، و «الأزواج» في هذا الحكم يعم ~~المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص ~~الحرة بدفع حد القذف عن نفسه، وقرأ الجمهور «أربع شهادات» بالنصب وهو ~~كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله فشهادة ورفع «الشهادة» على خبر ابتداء ~~تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا ~~وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله بالله من ~~صلة شهادات، ويجوز أن يكون من صلة فشهادة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~«أربع» بالرفع وذلك على خبر قوله فشهادة قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن ~~الشهادة ليست ب أربع شهادات وبالله على هذه القراءة من صلة شهادات، ولا ~~يجوز أن يكون من صلة «شهادة» لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي ~~هو أربع شهادات، وقوله: إنه لمن الكاذبين في قول من نصب «أربع شهادات» يجوز ~~أن تكون من صلة «شهادة» وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع ~~المفعول به، ومن رفع «أربع شهادات» فقوله إنه لمن الكاذبين من صلة شهادات ~~لعلة الفصل المتقدمة في قوله بالله، وقرأ حفص عن عاصم «والخامسة» بالنصب في ~~الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن ~~والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما ms2542 «والخامسة» بالرفع، فأما من نصب فإن كان من ~~قراءته نصب قوله «أربع شهدات» فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، ~~وإن كان يقرأ «أربع» بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه ~~متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله «والخامسة» فإن كان ~~يقرأ «أربع» بالرفع فقوله «والخامسة» عطف على ذلك، وإن كان يقرأ «أربع» ~~بالنصب فإنه حمل قوله «والخامسة» على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم ~~عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر: [الكامل] ~~ومشجج أما سواد قذاله البيت على قوله: «إلا رواكد جمرهن هباء» لأن المعنى ~~ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله «والخامسة» في الأولى، وإنما خلاف ~~السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله أن تشهد أربع والخامسة على القطع ~~والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده «أن لعنة» و «أن غضب» ، وقرأ الأعرج ~~والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى «أن لعنة» و «أن غضب الله» وهذا على إضمار ~~الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر: «في فتية كسيوف الهند، البيت» ، ~~وقرأ باقي السبعة «أن لعنة الله» «وأن غضب الله» بتشديد النون فيهما ونصب ~~«اللعنة والغضب» ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد ~~بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى. PageV04P166 # قال الفقيه الإمام القاضي: لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله ~~«أن غضب» قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها ~~الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى علم أن سيكون [المزمل: ~~20] وقوله: أفلا يرون ألا يرجع [طه: 89] وأما قوله تعالى # : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [النجم: 39] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال ~~وأما قوله: أن بورك من في النار [النمل: 8] ف بورك على معنى الدعاء فلم يجز ~~دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى. و «العذاب المدرأ» في قول جمهور العلماء ~~الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي ms2543 وأنه لا حد عليها ~~إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج. # قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر حديث الموقفة في الخامسة حين تلكأت ثم ~~مرت في لعانها أنها كانت تحد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر ~~من عذاب الآخرة وجعلت «اللعنة» للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد ~~باللعنة وجعل «الغضب» الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم ~~كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أعلم. # قال الفقيه الإمام القاضي: ولا بد أن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق ~~بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك ~~وأصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده، وكذلك ~~مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى ~~اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأن الحيض يأتي على ~~الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد ~~إلا بخمس سنين، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملا ولا يعلل ذلك ~~لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعانا بل يحد الزوج، وقاله ~~ابن القاسم وروي عنه أيضا أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول ~~بالاستبراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ~~ذلك حيضة. وقال أيضا مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي ~~المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب ~~بعد العصر تغليظا بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل ~~تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وإن كانت صغيرة لا تحمل لا عن هو ~~لدفع الحد ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا ~~حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي ~~لا تحمل، والمستحب من ms2544 ألفاظ اللعان أن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول ~~الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول ~~في الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أن يقول ~~كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول ~~بالله الذي لا إله إلا هو، وأما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا ~~الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة: لا يقول وزنت من حيث يمكن ~~أن تغصب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وإنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم ~~تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإن منع جهلهما من ترتيب هذه الألفاظ ~~وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أبي صفرة أنه قال ~~اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال: ~~فأحدث طلاقا، PageV04P167 # ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة ولا يحتاج معها إلى تفريق ~~حاكم وابن أبي صفرة هذا ليس بعيد يزاحم به الجمهور. ومذهب الشافعي أن ~~الفرقة حاصلة إثر لعان الزوج وحده، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تفريق إلا ~~بحكم السلطان بعد لعانهما، فإن مات أحدهما بعد تمام لعانهما وقبل حكم ~~القاضي ورثه الآخر، ومذهب المدونة أن اللعان حكم تفريقه حكم الطلاق ويعطى ~~لغير المدخول بها نفس الصداق، وفي مختصر ابن الجلاب لا شيء لها وهذا على أن ~~تفريق اللعان فسخ، وقال ابن القصار تفريق اللعان عندنا فسخ وتحريم اللعان ~~أبدي بإجماع فيما أحفظ من مذهب مالك رحمه الله، ومن فقهاء الكوفة وغيرهم من ~~لا يراه متأبدا، وإن أكذب نفسه بعد اللعان لم ينتفع بذلك، وروي عن عبد ~~العزيز بن أبي سلمة أنه إن أكذب نفسه بعد اللعان كان خاطبا من الخطاب، وإن ~~تقدمت المرأة في اللعان فقال ابن القاسم لا تعيد، وقال أشهب تعيد، والجواب ~~في قوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته الآية محذوف تقديره لكشف الزناة ms2545 بأيسر ~~من هذا، ولأخذهم بعذاب من عنده، أو نحو هذا من المعاني التي أوجب تقديرها ~~إبهام الجواب. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 11] # إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) # هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها وما اتصل بذلك من أمر «الإفك» ، وفي البخاري في غزوة بني المصطلق ~~عن عائشة قالت وأنزل الله العشر الآيات ثم أنزل الله ما قرىء في براءتي ~~فكأنها عدت ما تختص بها. و «الإفك» الزور والكذب، والأفاك الكذاب، و ~~«الإفك» قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شبه ~~الكذب واختصار حديث «الإفك» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعائشة في ~~غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع قال ابن إسحاق كانت سنة ست، وقال ابن ~~عقبة كانت سنة أربع فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل شعرت بضياعه ~~وجعلت تطلبه، وسار الناس يومئذ فوجدته وانصرفت فلم تجد أحدا، وكانت شابة ~~قليلة اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه فلما لم تجد أحدا ~~اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع عنها فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا ~~قول صفوان بن المعطل إنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك أنه تخلف وراء الجيش ~~لحفظ الساقة وقيل اتفاقا فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها، فاسترجع وقال ~~ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفت هاهنا، ونزل عن ناقته وتنحى عنها ~~حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل ~~«الإفك» في مقالتهم وكل الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه عبد الله بن أبي ابن ~~سلول المنافق وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، ~~هذا اختصار الحديث وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم وهو في مسلم أكمل ~~وكان صفوان صاحب ساقة رسول الله صلى ms2546 الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته وكان ~~من خيار الصحابة قال لما سمع ما قال الناس فيه: سبحان الله والله ما كشفت ~~كنف أنثى قط. PageV04P168 # قال الفقيه الإمام القاضي: أراد بزنى، ويدل على ذلك حديثه المروي مع ~~امرأته وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنيه «لهما أشبه به من ~~الغراب بالغراب» ، وقيل كان حصورا لا يأتي النساء ذكره ابن إسحاق من طريق ~~عائشة، وقتل شهيدا رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمن عمر، ~~وقيل في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية، وقوله عصبة رفع على ~~البدل من الضمير في جاؤ وخبر إن في قوله لا تحسبوه والتقدير إن فعل الذين، ~~وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون عصبة خبر إن و «العصبة» ~~الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره ولا يقال عصبة لأقل من ~~عشرة ولم يسم من أهل «الإفك» إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله وجهل الغير ~~قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان وقال ألا إنهم ~~كانوا عصبة كما قال الله تعالى. # وقوله لا تحسبوه خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله بل هو خير لكم يريد ~~أنه تبرئة في الدنيا وترفيع من الله تعالى في أن نزل وحيه بالبراءة من ذلك ~~وأجر جزيل في الآخرة وموعظة للمؤمنين في غابر الزمن، ونقمة من المفترين في ~~الدنيا والآخرة، ففي ذلك شفاء وخير وهذه خمسة أوجه، والضمير في قوله منهم ~~عائد على العصبة المذكورة، واكتسب مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على ~~اعتمال وقصد فهو أبلغ في التذنيب، وكسب مستعمل في الخير وذلك أن حصوله مغن ~~عن الدلالة على اعتمال فيه، وقد تستعمل كسب في الوجهين ومثله: # فحملت برة واحتملت فجاره، والإشارة بقوله والذي تولى كبره إلى عبد الله ~~بن أبي ابن سلول، والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور وهو ~~ظاهر الحديث، وروي عن عائشة رضي الله عنها أن حسان بن ms2547 ثابت دخل عليها يوما ~~وقد عمي فأنشدها مدحه فيها: [الطويل] # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت له عائشة: لا لكنك لست كذلك تريد أنه وقع في الغوافل فأنشد: ~~[الطويل] # فإن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي # فلما خرج قال لها مسروق أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله ~~بالعذاب على توليه كبر الإفك، فقالت عائشة أي عذاب أشد من العمى، وضرب ~~الحد؟ وفي بعض الروايات وضربه بالسيف ع فأما قولها عن الحد فإن حسان وحمنة ~~ومسطحا حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق وذكره الترمذي وأما ضربه بالسيف فإن صفوان ~~بن المعطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه ~~وقال: # [الطويل] # تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر # فأخذ جماعة صفوان ولببوه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان أو استوهبه إياه وهذا يقتضي أن حسان ~~من تولى الكبر، وقال قوم الإشارة ب الذي إلى البادي بهذه الفرية والذي ~~اختلقها ف لكل واحد منهم ما اكتسب وللبادي المفتري عذاب عظيم، وهو على هذا ~~غير معين وهذا قول الضحاك والحسن وقال أبو زيد وغيره هو عبد الله بن أبي، ~~وقرأ PageV04P169 # جمهور الناس «كبره» بكسر الكاف، وقرأ حميد والأعرج ويعقوب والزهري وأبو ~~رجاء والأعمش وابن أبي عبلة «كبره» بضم الكاف وهما مصدران من كبر الشيء ~~عظم، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن تقول هذا كبر القوم أي كبيرهم ~~سنا أو مكانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة ~~«الكبر الكبر» ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم: [المنسرح] # تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدا تكاد تنقصف # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 12 الى 13] # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ~~(12) لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء ms2548 فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون (13) # الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشى من تولى الكبر ويحتمل دخولهم ~~في الخطاب، وفي هذا عتاب للمؤمنين أي كان الإنكار واجبا عليهم، والمعنى أنه ~~كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم وإذا كان ذلك ~~يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد لفضلهما، وروي أن هذا ~~النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت ~~له يا أبا أيوب أسمعت ما قيل؟ فقال نعم وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب ~~تفعلين ذلك؟ قالت لا والله، قال فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم ~~فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم، والضمير ~~في قوله: جاؤ لأولئك الذين تولوا الكبر وإذا كانوا عند الله كذبة فهي ~~الحقيقة فيهم وعند هذا حدوا، ولم يرو في شهير الدواوين أن عبد الله بن أبي ~~حد، ويشبه ذلك لأنه لم تقم عليه بالمقالة بينة لنفاقه وتستره، وإنما كان ~~يخوض فيه مع من يذيعه ولا يسأل عن شهادته كما قال عروة أخبرت أنه كان يقره ~~ويستمعه ويستوشيه. # قال الفقيه الإمام القاضي: ولكن النبي عليه السلام استعذر منه على المنبر ~~ووقذه بالقول ووقع في أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطول في مسلم في جملة ~~حديث الإفك. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 14 الى 18] # ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ~~إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) # هذا عتاب من الله تعالى بليغ ذكر أن حالتهم التي وقع فيها جميعهم من ~~تعاطيهم الحديث وإن لم PageV04P170 # يكن المخبر ولا المخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من لسان إلى ~~لسان والإفاضة في ms2549 الحديث هو الذي وقع العتاب فيه، وقرأ محمد بن السميفع «إذ ~~تلقونه» بضم التاء وسكون اللام وضم القاف من لإلقاء، وهذه قراءة بينة وقرأ ~~أبي بن كعب وابن مسعود «إذ تتلقونه» بضم التاء من التلقي بتاءين، وقرأ ~~جمهور السبعة «إذ تلقونه» بحذف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام وهو ~~أيضا من التلقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «إتلقونه» بإدغام الذال في ~~التاء، وقرأ ابن كثير «إذ تلقونه» بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء وهذه ~~قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين وليس كالإدغام في قراءة من قرأ فلا ~~«تناجوا ولا تنابزوا» لأن لدونة الألف الساكنة وكونها حرف لين حسنت هنالك ~~ما لا يحسن مع سكون الدال، وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنها وهي أعلم ~~الناس بهذا الأمر «إذ تلقونه» بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، ومعنى هذه ~~القراءة من قول العرب ولق الرجل ولقا إذا كذب قال ابن سيده في المحكم قرىء ~~«إذ تلقونه» وحكى أهل اللغة أنها من ولق إذا كذب فجاؤوا بالمتعدي شاهدا على ~~غير المتعدي وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه فحذف حرف الجر ووصل بالضمير، وحكى ~~الطبري وغيره أن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو إسراعك بالشيء بعد ~~الشيء كعدو في إثر عدو وكلام في إثر كلام يقال ولق في سيره إذا أسرع ومنه ~~قول الشاعر: # «جاءت به عنس من الشام تلق» # وقوله تعالى: وتقولون بأفواهكم مبالغة وإلزام وتأكيد. # والضمير في قوله وتحسبونه للحديث والخوض فيه والإذاعة له، وقوله تعالى: ~~ولولا إذ سمعتموه إلى حكيم، عتاب لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن ~~تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل وأن تنزهوا الله ~~تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه السلام وأن تحكموا على هذه المقالة ~~بأنها بهتان، وحقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه والغيبة أن ~~يقال في الإنسان ما فيه. ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة وأن ~~مفعول من أجله بتقدير «كراهية أن» ms2550 ونحوه، وقوله: إن كنتم مؤمنين توقيف ~~وتأكيد كما تقول ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلا وسائر الآية بين ~~وعليم حكيم صفتان تقتضيهما الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 19 الى 20] # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله رؤف رحيم (20) # قال مجاهد وابن زيد الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين عبد الله بن أبي ~~ومن أشبهه، وهي خاصة في أمر عائشة رضي الله عنها ع فحبهم شياع الفاحشة في ~~المؤمنين متمكن على وجهه لعداوتهم في أهل الإيمان، و «عذابهم الأليم» في ~~الدنيا الحدود، وفي الآخرة النار، وقالت فرقة وقولها الأظهر الآية عامة في ~~كل قاذف منافقا كان أو مؤمنا ع فالقاذف المؤمن لا يتصف بحب شياع الفاحشة في ~~المؤمنين PageV04P171 # جملة لكنه يحبها لمقذوفه، وكذلك آخر لمقذوفه، وآخر حتى تشيع الفاحشة من ~~مجموع فعلهم فهم لها محبون بهذا الوجه من حيث أحب كل واحد جزءا من شياعها، ~~والعذاب الأليم في الدنيا الحدود وفي الآخرة يحتمل وجهين أحدهما أن يكون ~~القاذف متوعدا من بين العصاة بعذاب الآخرة لا يزيله الحد، حسب مقتضى حديث ~~عبادة بن الصامت ويكون أمره كأمر المحاربين إذا صلبوا لهم خزي في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب، والوجه الثاني أن يحكم بأن الحد مسقط عذاب الآخرة حسب ~~حديث عبادة بن الصامت وأن قوله والآخرة لا يريد به عموم القذفة بل يريد إما ~~المنافقين وإما من لم يتب، وقال الطبري معناه إن مات مصرا غير تائب، وقوله ~~والله يعلم معناه البريء من المذنب وسائر الأمور، وحجة الحكمة في ستركم ~~والتغليظ في الوعيد والعذاب على قاذفيكم، وقوله: ولولا فضل الله الآية جواب ~~لولا محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره لفضحكم بذنوبكم ولعذبكم فيما أفضتم ~~فيه من قول الباطل والبهتان. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 21] # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء ms2551 والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) # هذا الخطاب عام لجميع المؤمنين، وخطوات جمع خطوة وهي ما بين القدمين في ~~المشي فكأن المعنى لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة، وقال منذر ~~بن سعيد يجوز أن يكون خطوات جمع خطأ من الخبيثة، وسهلت الهمزة فنطق بها ~~خطوات وقرأ بضم الطاء من «خطوات» الجمهور، وقرأ بسكونها عاصم والأعمش، وقرأ ~~الجمهور «ما زكى» ، بتخفيف الكاف أي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشدا، وقرأ ~~أبو حيوة والحسن «زكى» بشد الكاف أي تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي ~~بفضله لا بأعمالكم وتحرزكم من المعاصي، ثم ذكر تعالى أنه يزكي من يشاء ممن ~~سبقت له السعادة وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له، ثم أخبر بأنه ~~سميع لجميع أقوالهم وكلامهم من قذف وغيره، عليم بحق ذلك من باطله لا يجوز ~~عليه في ذلك وهم ولا غلط. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 22] # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم (22) # المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة ~~الصديق ومسطح بن أثاثة، وذلك أنه كان ابن خالته وكان من المهاجرين البدريين ~~المساكين وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل اسمه عوف ~~ومسطح لقب، وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته، فلما وقع أمر PageV04P172 # الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة ~~أبدا، فجاءه مسطح فاعتذر وقال إنما كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول، ~~فقال له أبو بكر لقد ضحكت وشاركت فيما قيل ومر على يمينه، فنزلت الآية، ~~وقال الضحاك وابن عباس إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في ~~الإفك وقالوا والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة فنزلت ms2552 الآية في جميعهم ~~والأول أصح، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بأن لا يغتاظ «ذو ~~فضل وسعة» فيحلف أن لا ينفع من هذه صفته غابر الدهر، ورأى الفقهاء من حلف ~~ألا يفعل سنة من السنن أو مندوبا وأبد ذلك أنها جرحة في شهادته ذكره الباجي ~~في المنتقى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «أيكم المتألي على الله لا ~~يفعل المعروف» ، ويأتل معناه يحلف وزنها يفتعل من الألية وهي اليمين، وقالت ~~فرقة معناه يقصر من قولك ألوت في كذا إذا قصرت فيه، ومنه قوله تعالى: لا ~~يألونكم خبالا، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن أسلم «ولا يتأل» وهذا ~~وزنه يتفعل من الألية بلا خلاف وهي في المصحف ياء تاء لام، فلذلك ساغ هذا ~~الخلاف لأبي جعفر وزيد فروياه، وذكر الطبري أن خط المصحف مع قراءة الجمهور ~~فظاهر قوله إن ثم ألفا قبل التاء، و «الفضل والسعة» هنا هي المال، وقوله ~~تعالى: ألا تحبون الآية تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله لكم عن ذنوبكم ~~فذلك أغفر لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قول النبي عليه السلام «من لا ~~يرحم لا يرحم» فروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال إني ~~لأحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح النفقة والإحسان الذي كان يجري عليه، ~~قالت عائشة وكفر عن يمينه، وقرأ ابن مسعود وسفيان بن حسين «ولتعفوا ~~ولتصفحوا» بالتاء من فوق فيهما، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ~~بعض الناس هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل من حيث لطف الله فيها بالقذفة ~~العصاة بهذا اللفظ، قال القاضي أبو محمد وإنما تعطي الآية تفضلا من الله في ~~الدنيا وإنما الرجاء في الآخرة، أما أن الرجاء في هذه الآية بقياس أي إذا ~~أمر «أولي السعة» بالعفو فطرد هذا التفضل بسعة رحمته لا رب سواه، وإنما ~~آيات الرجاء قوله تعالى: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر: 53] . ~~وقوله تعالى: الله لطيف بعباده [الشورى: ms2553 19] . وسمعت أبي رضي الله عنه يقول ~~إن أرجى آية في كتاب الله عندي قوله تعالى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا [الأحزاب: 47] . وقد قال تعالى في آية أخرى: والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل ~~الكبير [الشورى: 22] . فشرح الفضل الكبير في هذه الآية وبشر بها المؤمنين ~~في تلك، وقال بعضهم أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى: ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى [الضحى: 5] . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ~~ببقاء أحد من أمته في النار. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 23 الى 25] # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم ~~عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~(24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) PageV04P173 # قال سعيد بن جبير إن هذه الآية التي تضمنت لعن القاذف وتوعده الشديد إنما ~~هي خاصة في رماة عائشة، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما بل هذه لجميع أزواج ~~النبي عليه السلام، غلظ الله أمر رميهن لمكانهن من الدين، فلعن قاذفهن ولم ~~يقرن بآخر الآية توبة ع وقاذف غيرهن له اسم الفسق، وذكرت له التوبة، وقالت ~~جماعة من العلماء بل هي في شأن عائشة إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه ~~الصفة، وقال بعض هذه الفرقة إن هذه الآية نزلت أولا في القاذفين، ثم نزلت ~~بعد ذلك الآية التي صدرت في السورة التي فيها التوبة، وقد تقدم القول في ~~المحصنات ما معناه، و «اللعنة» في هذه الآية الإبعاد وضرب الحد واستيحاش ~~المؤمنين منهم وهجرهم. لهم وزوالهم عن رتبة العدالة، وعلى من قال إن هذه ~~الآية خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أبي وأشباهه وفي ~~ضمن رمي المحصنة رمي الرجل معها وقد يكون مؤمنا، والعامل في قوله يوم فعل ~~مضمر يقتضيه «العذاب» أي يعذبونه يوم أو نحو هذا، وأخبر الله تعالى أن ~~جوارحهم تشهد عليهم ذلك من ms2554 أعظم الخزي والتنكيل فيشهد اللسان وقلب المنافق ~~لا يريد ما يشهد به، وتشهد الأيدي والأرجل كلاما يقدرها الله عليه، وقرأ ~~جمهور السبعة «تشهد» بالتاء من فوق وقرأ حمزة والكسائي «يشهد» بالياء و ~~«الدين» في هذه الآية الجزاء ومنه قول الشاعر: # [شهل بن شيبان الزماني] [الهزج] # ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا # أي جازيناهم كما فعلوا مثل المثل كما تدين تدان، وقرأ جمهور الناس «الحق» ~~بالنصب على الصفة للدين، وقرأ مجاهد «الحق» بالرفع على الصفة لله عز وجل ~~وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب «يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم» بتقديم ~~الصفة على الموصوف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله يعلمون أن ~~الله هو الحق المبين يقوي قول من ذهب إلى أن الآية في المنافقين عبد الله ~~بن أبي وغيره وذلك أن كل مؤمن ففي الدنيا يعلم أن الله هو الحق المبين وإلا ~~فليس بمؤمن. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 26] # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) # اختلف المتأولون في الموصوف في هذه الآية ب «الخبيث والطيب» ، فقال ابن ~~عباس ومجاهد والضحاك وقتادة هي الأقوال والأفعال ثم اختلفت هذه الجماعة ~~فقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات «الخبيثات» لا يقولها ويرضاها إلا ~~الخبيثات من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه وكذلك الطيبات للطيبين وقال ~~بعضها المعنى الكلمات والفعلات الخبيثات لا تليق وتلصق عند رمي الرامي وقذف ~~القاذف إلا بالخبيثين من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه، وقال ابن زيد ~~الموصوف بالخبيث والطيب PageV04P174 # النساء والرجال، وإنما الآية على نحو التي تقدمت وهي قوله تعالى: الزاني ~~لا ينكح إلا زانية [النور: 3] الآية فمعنى هذا، التفريق بين حكم عبد الله ~~بن أبي وأشباهه وبين حكم النبي عليه السلام وفضلاء صحابته وأمته، أي النبي ~~عليه السلام طيب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة وأولئك خبيثون فهم أهل ~~النساء الخبائث. # قال الفقيه الإمام القاضي: وبهذه الآية قيل لأزواج النبي صلى الله ms2555 عليه ~~وسلم الطيبات المبرءات، وقوله أولئك إشارة إلى «الطيبين» المذكورين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 27 الى 28] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما ~~تعملون عليم (28) # سبب هذه الآية فيما ذكر الطبري بسند عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار ~~قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحالة التي لا أحب أن يراني أحد ~~عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك ~~الحال فنزلت هذه الآية، ثم هي عامة في الأمة غابر الدهر من حيث هذه النازلة ~~تختص بكل أحد في نفسه وبيت الإنسان، هو البيت الذي لا أحد معه فيه أو البيت ~~الذي فيه زوجه أو أمته، وما عدا فهو غير بيته، قال ابن مسعود وغيره ينبغي ~~للإنسان أن لا يدخل البيت الذي فيه أمه إلا بعد الاستيناس، وروي في ذلك ~~حديث عن النبي عليه السلام أن رجلا قال يا رسول الله استأذن على أمي قال ~~نعم قال إنما هي أمي ولا خادم لها غيري، قال «أتحب أن تراها عريانة» قال ~~لا، قال «فاستأذن عليها وكذلك كل ذات محرم منه لأنه لا ينبغي أن يراهن ~~عاريات» ، وقالت زينب امرأة ابن مسعود كان ابن مسعود إذا جاء منزله تنحنح ~~مخافة أن يهجم على ما يكره، وتستأنسوا معناه تستعملوا أي تستعلموا من في ~~البيت وتستبصروا، تقول آنست إذا علمت عن حس وإذا أبصرت ومنه قوله تعالى: ~~آنستم منهم رشدا [النساء: 6] ، وقوله آنست نارا [القصص: 29] ومنه قول حسان ~~بن ثابت «أنظر خليلي بباب جلق هل تؤنس دون البلقاء من أحد» وقول الحارث ~~أنست نباة البيت، ووزن آنس أفعل واستأنس وزنه استفعل فكأن المعنى في ~~«تستأنسون» تطلبون ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن ~~يعلم أمر ms2556 البيت الذي يريد دخوله فذلك يكون بالاستئذان على من فيه أو بأن ~~يتنحنح ويستشعر بنفسه بأي وجه أمكنه ويتأنى قدر ما يتحفظ ويدخل إثر ذلك، ~~وذهب الطبري في تستأنسوا إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم ~~بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شهر بكم. # قال الفقيه الإمام القاضي: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس، وذكر ~~الطبري عن ابن عباس أنه كان يقرأ «حتى تستأذنوا وتسلموا» وهي قراءة أبي بن ~~كعب وحكاها أبو حاتم «حتى تسلموا وتستأذنوا» قال ابن عباس تستأنسوا خطأ أو ~~وهم من الكتاب. PageV04P175 # قال الفقيه الإمام القاضي: مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها تستأنسوا وصح ~~الإجماع فيها من لدن مدة عثمان رضي الله عنه فهي التي لا يجوز خلافها، ~~والقراءة ب «يستأذنوا» ضعيفة، وإطلاق الخطأ والوهم على الكتاب في لفظ أجمع ~~الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس والأشبه أن يقرأ «تستأذنوا» على التفسير، ~~وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة برواية ولكن قد روي عن ابن عباس أنه قال ~~تستأنسوا معناه «تستأذنوا» ، ومما ينفي هذا القول عن ابن عباس أن تستأنسوا ~~متمكنة في المعنى بينة الوجه في كلام العرب، وقد قال عمر للنبي عليه ~~السلام: استأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة الحديث المشهور وذلك ~~يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم فكيف يخطىء ابن عباس رضي الله ~~عنه أصحاب الرسول في مثل هذا، وحكى الطبري أيضا بسند عن ابن جريج عن ابن ~~عباس وعكرمة والحسن بن أبي الحسن أنهم قالوا نسخ واستثني من هذه الآية ~~الأولى قوله بعد ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة [النور: 9] ع ~~وهذا أيضا لا يترتب فيه نسخ ولا استثناء لأن الآية الأولى في البيوت ~~المسكونة والآية الثانية في المباحة وكأن من ذهب إلى الاستثناء رأى الأولى ~~عامة، وصورة الاستئذان أن يقول الرجل السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن له دخل ~~وإن أمر بالرجوع انصرف وإن سكت عنه استأذن ثلاثا ثم ينصرف ms2557 بعد الثلاث، فأما ~~ثبوت ما ذكرته من صورة الاستئذان فروى الطبري أن رجلا جاء إلى بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال آلج أو أنلج فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأمة له يقال لها روضة، «قولي لهذا يقول السلام عليكم ادخل» فسمعه ~~الرجل فقالها فقال له النبي عليه السلام «ادخل» . وروي أن ابن عمر آذته ~~الرمضاء يوما فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت ~~المرأة ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها قولي ادخل، فقالت ذلك، فدخل ~~فكأنه توقف لما قالت بسلام لاحتمال اللفظ أن تريد ادخل بسلامك لا بشخصك، ثم ~~لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وأما ثبوت الرجوع بعد الاستئذان ~~ثلاثا فلحديث أبي موسى الأشعري الذي استعمله مع عمر وشهد به لأبي موسى أبو ~~سعيد الخدري ثم أبي بن كعب الحديث المشهور، وقال عطاء بن أبي رباح ~~الاستئذان واجب على كل محتلم وسيأتي ذكر هذا، وروى أبو هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «رسول الرجل إذنه» أي إذا أرسل في أحد فقد أذن له ~~في الدخول وقوله: ذلكم خير لكم تم الكلام عنده، وقوله: لعلكم تذكرون معناه ~~فعلنا ذلك بكم ونبهناكم لعلكم والضمير في قوله تجدوا فيها للبيوت التي هي ~~بيوت الغير، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال معنى قوله فإن لم تجدوا فيها ~~أحدا إن لم يكن لكم فيها متاع وضعف الطبري هذا التأويل وكذلك هو في غاية ~~الضعف، وكأن مجاهدا رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن. إذا كان ~~فيها للداخل متاع، ورأى لفظة المتاع: متاع البيت الذي هو البسط والثياب ~~وهذا كله ضعيف وأسند الطبري عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين لقد ~~طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ~~ارجع فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى: هو أزكى لكم وقوله تعالى: والله بما ~~تعملون عليم توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي ~~والنظر ms2558 إلى ما لا يحل ولغيرهم مما يقع في محظور. # قوله عز وجل: PageV04P176 ### || [سورة النور (24) : آية 29] # ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون (29) # روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر فكان لا يأتي ~~موضعا خربا ولا مسكونا إلا سلم واستأذن فنزلت هذه الآية أباح الله فيها رفع ~~الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد، لأن العلة إنما هي في الاستئذان خوف ~~الكشفة على الحرامات فإذا زالت العلة زال الحكم، ومثل أهل التأويل من هذه ~~البيوت أمثلة فقال محمد بن الحنيفة وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في طرق ~~المسافرين، قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل ~~وفيها متاع لهم أي استمتاع بمنفعتها، ومثل عطاء في بيوت غير مسكونة بالخرب ~~التي يدخلها الإنسان للبول والغائط ففي هذا أيضا متاع، وقال ابن زيد ~~والشعبي هي حوانيت القيساريات والسوق، وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم ~~فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم، ع هذا قول غلط قائله لفظ المتاع، وذلك أن ~~بيوت القيسارية محظورة بأموال الناس غير مباحة لكل من أراد دخولها بإجماع، ~~ولا يدخلها إلا من أذن له بها، بل أربابها موكلون بدفع الناس عنها، وقال ~~محمد بن الحنفية أيضا أراد تعالى دور مكة، وهذا على القول بأنها غير متملكة ~~وأن الناس شركاء فيها وأن مكة أخذت عنوة، وهذا هو في هذه المسألة القول ~~الضعيف، يرده قوله عليه السلام «وهل ترك لنا عقيل منزلا» وقوله «من دخل دار ~~أبي سفيان» «ومن دخل داره» وغير ذلك من وجوه النظر وباقي الآية بين ظاهره ~~التوعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 30 الى 31] # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن ms2559 أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) # قوله قل للمؤمنين بمنزلة قوله إنهم، فقوله يغضوا جواب الأمر، وقال ~~المازني المعنى قل لهم غضوا يغضوا. ويلحق هذين من الاعتراض أن الجواب خبر ~~من الله وقد يوجد من لا يغض وينفصل بأن المراد يكونون في حكم من يغض، وقوله ~~من أبصارهم أظهر ما في من أن تكون للتبعيض وذلك أن أول نظرة لا يملكها ~~الإنسان وإنما يغض فيما بعد ذلك فقد وقع التبعيض، ويؤيد هذا التأويل ما روي ~~من قوله عليه السلام لعلي بن أبي طالب «لا تتبع النظرة فإن الأولى لك وليست ~~لك الثانية» الحديث. # وقال جرير بن عبد الله سألت النبي عليه السلام عن نظرة الفجأة فقال «اصرف ~~بصرك» ويصح أن تكون من لبيان الجنس، ويصح أن تكون لابتداء الغاية، والبصر ~~هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من ~~جهته ووجب التحذير منه، و «حفظ الفروج» يحتمل أن يريد في الزنى ويحتمل أن ~~يريد في ستر العورة والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام، وبهذه الآية حرم ~~العلماء دخول PageV04P177 # الحمام بغير مئزر وقال أبو العالية كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا ~~إلا هذه الآيتين فإنه يعني التستر. # قال الفقيه الإمام الإمام القاضي: ولا وجه لهذا التخصيص عندي وباقي الآية ~~بين وظاهره التوعد، وقوله تعالى: وقل للمؤمنات الآية أمر الله تعالى النساء ~~في هذه الآية بغض البصر عن كل ما يكره من جهة الشرع النظر إليه، وفي حديث ~~أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم ~~مكتوم فقال النبي عليه السلام «احتجبن» فقلنا: أعمى، فقال النبي عليه ~~السلام «أفعمياوان أنتما» ؟ # ومن تحتمل ما تقدم في الأولى، ms2560 و «حفظ الفروج» يعم الفواحش وستر العورة ~~وما دون ذلك مما فيه حفظ، وأمر الله تعالى بأن لا يبدين زينتهن للناظرين ~~إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، ~~فاختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب، وقال سعيد ~~بن جبير الوجه والثياب، وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي الوجه ~~والكفان والثياب، وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة ظاهر الزينة هو ~~الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن ~~تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف ~~الذراع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آخر عن عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر لي في محكم ألفاظ الآية أن المرأة ~~مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء ~~في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ~~ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه فغالب الأمر أن الوجه بما فيه ~~والكفين يكثر فيهما الظهور، وهو الظاهر في الصلاة، ويحسن بالحسنة الوجه أن ~~تستره إلا من ذي حرمة «محرمة» ، ويحتمل لفظ الآية أن الظاهر من الزينة لها ~~أن تبديه ولكن يقوي ما قلناه الاحتياط ومراعاة فساد الناس فلا يظن أن يباح ~~للنساء من إبداء الزينة إلا ما كان بذلك الوجه والله الموفق للصواب برحمته، ~~وقرأ الجمهور «وليضربن» بسكون اللام التي هي للأمر، وقرأ أبو عمر في رواية ~~عباس عنه و «ليضربن» بكسر اللام على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر في ~~«ليذهب وليضرب» ، وإنما تسكينها كتسكين عضد وفخذ، وسبب هذه الآية أن النساء ~~كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر قال ~~النقاش كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر ~~الله تعالى ب «الخمار على الجيوب» وهيئة ms2561 ذلك يستر جميع ما ذكرناه، وقالت ~~عائشة رضي الله عنها: رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن ~~إلى أكثف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب. # ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها ~~وما هنالك فشقته عليها وقالت إنما يضرب بالكثيف الذي يستر، ومشهور القراءة ~~ضم الجيم من «جيوبهن» ، وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء كقراءتهم ذلك ~~في بيوت وشيوخ ذكره الزهراوي. # قوله عز وجل: # ولا يبدين زينتهن إلا ... PageV04P178 # المعنى في هذه الآية ولا يقصدن ترك الإخفاء للزينة الباطنة كالخلخال ~~والأقراط ونحوه ويطرحن مؤونة التحفظ إلا مع من سمي وبدأ تعالى ب «البعولة» ~~وهم الأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنى به المحارم وسوى ~~بينهم في إبداء الزينة ولكنهم تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس ~~البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، ~~وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج، وقوله ~~أو نسائهن يعني جميع المؤمنات فكأنه قال أو صنفهن، ويدخل في هذا الإماء ~~المؤمنات ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وكتب عمر رضي الله ~~عنه إلى أبي عبيدة: «أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء ~~المسلمين فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة. ~~قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال: # أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله ~~وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله: # أو ما ملكت أيمانهن يدخل فيه الإماء الكتابيات ويدخل فيه العبيد عند ~~جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، ~~وقال ابن عباس وجماعة من العلماء لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها ونحو ~~ذلك إلا أن يكون وغدا، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك اليمين وأباحته بأن ~~يكون من التابعين غير أولي الإربة وفي بعض ms2562 المصاحف «ملكت أيمانكم» فيدخل ~~فيه عبد الغير، وقوله أو التابعين يريد الأتباع ليطعموا المفسول من الرجال ~~الذين لا إربة لهم في الوطء فهي شرطان، ويدخل في هذه الصفة المجبوب ~~والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته ونحو هذا هو الغالب ~~في هذه الأصناف، ورب مخنث لا ينبغي أن يكشف، ألا ترى إلى حديث هند، ونهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كشفه على النساء لما وصف بادنة بنت غيلان ~~بن معتب، وتأمل ما روي في أخبار الدلال المخنث وكذلك الحمقى والمعتوهون ~~فيهم من لا ينبغي أن يكشف، والذي «لا إربة له» من الرجال قليل والإربة ~~الحاجة إلى الوطء، وعبر عن هذا بعض المفسرين، قال هو الذي يتبعك لا يريد ~~إلا الطعام وما تأكله، وقرأ عاصم وابن عامر «غير» بالنصب وهو على الحال من ~~الذكر الذي في التابعين، وقرأ الباقون «غير» بالخفض على النعت ل التابعين ~~والقول فيها كالقول في غير المغضوب [الفاتحة: 7] وقوله أو الطفل اسم جنس ~~بمعنى الجمع ويقال طفل ما لم يراهق الحلم، ويظهروا معناه يطلعون بالوطء، ~~والجمهور على سكون الواو من «عورات» ، وروي عن ابن عامر فتح الواو، وقال ~~الزجاج الأكثر سكون الواو، كجوزات وبيضات لثقل الحركة على الواو والياء، ~~ومن قرأ بالفتح فعلى الأصل في فعلة وفعلات. # قوله عز وجل: # ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ... PageV04P179 # أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه قال: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من ~~فضة واتخذت جزعا فجعلت في ساقيها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع ~~الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية، وسماع هذه الزينة أشد تحريكا ~~للشهوة من إبدائها، ذكره الزجاج، قال مكي رحمه الله ليس في كتاب الله آية ~~أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع، وقرأ ~~عبد الله بن مسعود «ليعلم ما سر من زينتهن» ، ثم أمر عز وجل بالتوبة مطلقة ~~وقد قيد توبة الكفار بالإخلاص وبالانتهاء في آية أخرى، وتوبة أهل الذمة ~~بالتبيين، يريد لأمر محمد عليه السلام وأمر بهذه ms2563 التوبة مطلقة عامة من كل ~~شيء صغير وكبير، وقرأ الجمهور «أيه» بفتح الهاء، وقرأ ابن عامر «أيه» بضم ~~الهاء ووجهه أن تجعل الهاء كأنها من نفس الكلمة فيكون إعراب المنادى فيها، ~~وضعف أبو علي ذلك جدا، وبعضهم يقف «أيه» وبعضهم يقف «أيها» بالألف، وقوى ~~أبو علي الوقف بالألف لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام ~~فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على محلي ~~[المائدة: 1] من قوله غير محلي الصيد [المائدة: 1] ، والاختلاف الذي ذكرناه ~~في أيها المؤمنون كذلك هو في أيها الساحر [الزخرف: 49] وأيه الثقلان ~~[الرحمن: 31] قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 32] # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم (32) # وقوله تعالى: وأنكحوا الأيامى هذه المخاطبة لكل من تصور أن ينكح في نازلة ~~ما، فهم المأمورون بتزويج من لا زوج له وظاهر الآية أن المرأة لا تتزوج إلا ~~بولي، والأيم يقال للرجل وللمرأة ومنه قول الشاعر: # «لله در بني على أيم منهم وناكح» ، ولعموم هذا اللفظ قالت فرقة إن هذه ~~الآية ناسخة لحكم قوله تعالى: والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك ~~على المؤمنين [النور: 3] وقوله: والصالحين يريد للنكاح، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن «من عبيدكم» والجمهور على «عبادكم» والمعنى واحد إلا أن قرينة ~~الترفيع بالنكاح يؤيد قراءة الجمهور، وهذا الأمر بالإنكاح يختلف بحسب شخص ~~شخص، ففي نازلة يتصور وجوبه، وفي نازلة الندب وغير ذلك وهذا بحسب ما قيل في ~~النكاح، ثم وعد الله تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضى الله عنهم ~~واعتصاما من معاصيه، وقال ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح، وقال عمر رضي ~~الله عنه عجبي ممن لا يطلب الغنى بالنكاح وقد قال تعالى: إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله، قال النقاش هذه الآية حجة على من قال إن القاضي يفرق ~~بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة لأن الله قال يغنهم ~~ولم يقل يفرق ms2564 بينهما، وهذا انتزاع ضعيف، وليست هذه الآية حكما فيمن عجز عن ~~النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما وعد به مع التفرق في قوله: وإن يتفرقا ~~يغن الله كلا من سعته [النساء: 13] ونفحات رحمة الله مأمولة في كل حال ~~موعود بها، وقوله: واسع عليم صفتان نحو المعنى الذي فيه القول أي واسع ~~الفضل عليم بمستحق التوسعة والإغناء. PageV04P180 # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 33 الى 34] # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد ~~أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين ~~(34) # «استعف» وزنه استفعل ومعناه طلب أن يكون عفيفا، فأمر الله تعالى في هذه ~~الآية كل من يتعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعف، ثم لما كان ~~أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله، فعلى هذا التأويل ~~يعم الأمر بالاستعفاف كل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر، وقالت جماعة من ~~المفسرين «النكاح» في هذه الآية اسم ما يمهر وينفق في الزواج كاللحاف ~~واللباس لما يلتحف به ويلبس، قال القاضي وحملهم على هذا قوله تعالى: حتى ~~يغنيهم الله من فضله، فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال ~~الذي يتزوج به، وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف وذلك ضعيف، ثم ~~أمر الله تعالى المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك، وطلب المملوك ~~الكتابة وعلم سيده منه خيرا، قال النقاش سببها أن غلاما لحويطب بن عبد ~~العزى سأل مولاه الكتابة فأبى عليه، وقال مكي هو صبيح القبطي غلام حاطب بن ~~أبي بلتعة، ولفظ الكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد ونحوه من مصادر ~~فاعل، والمكاتبة مفاعلة من حيث هذا يكتب على نفسه وهذا على نفسه، واختلف ~~الناس هل هذا ms2565 الأمر بالكتابة على الوجوب أو على الندب على قولين، فمذهب ~~مالك رحمه الله أن ذلك على الندب، وقال عطاء ذلك واجب وهو ظاهر قول عمر ~~لأنس بن مالك في سيرين حين سأل سيرين الكتابة فتلكأ أنس فقال عمر كاتبه أو ~~لأضربنك بالدرة، وهو قول عمرو بن دينار والضحاك، واختلف الناس في المراد ب ~~«الخير» ، فقالت فرقة: هو المال ولم تر على سيد عبد أن يكاتب إلا إذا علم ~~أن له مالا يؤدي منه أو من التجر فيه، وروي عن ابن عمر وسلمان أنهما أبيا ~~من كتابة عبدين رغبا في الكتابة ووعدا باسترفاق الناس، فقال كل واحد منهما ~~لعبده أتريد أن تطعمني أوساخ الناس، وقال مالك إنه ليقال «الخير» القوة ~~والأداء، وقال الحسن بن أبي الحسن «الخير» هو صدق الموعد وقلة الكذب ~~والوفاء وإن لم يكن للعبد مال، وقال عبيدة السلماني «الخير» هو الصلاح في ~~الدين ع وهذا في ضمنه القول الذي قبله، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ~~وحرمة العتق إنما يتلبس بها بعد الأداء هذا قول جمهور الأمة، وقال ابن ~~مسعود إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم، وقال علي بن أبي طالب العتاقة ~~تجري فيه بأول نجم، وقوله تعالى: وآتوهم، قال المفسرون هو أمر لكل مكاتب أن ~~يضع للعبد من مال كتابته، واستحسن ذلك علي بن أبي طالب أن يكون ذلك ربع ~~الكتابة، قال الزهراوي وروي ذلك عن النبي عليه السلام، واستحسن الحسن بن ~~أبي الحسن وابن مسعود ثلثها وقال قتادة عشرها، ورأى عمر بن الخطاب أن يكون ~~ذلك من أول نجومه مبادرة إلى الخير خوف أن لا يدرك آخرها، ورأى مالك رحمه ~~الله وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم، وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ~~ربما عجز العبد، فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وضيعته، وهي شبه ~~الصدقة، وهذا قول عبد الله بن عمر، ورأى مالك رحمه الله هذا الأمر على ~~الندب ولم ير لقدر الوضعية حدا، ورأى الشافعي وغيره الوضيعة واجبة يحكم ms2566 بها ~~الحاكم على المكاتب PageV04P181 # وعلى ورثته، وقال الحسن والنخعي وبريدة إنما الخطاب بقوله تعالى: وآتوهم ~~للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم، ~~وقال زيد بن أسلم إنما الخطاب لولاة الأمور بأن يعطوا المكاتبين من مال ~~الصدقة حظهم وهو الذي تضمنه قوله تعالى: وفي الرقاب [البقرة: 177] . # ولا تكرهوا فتياتكم على ... # روي أن سبب هذه الآية هو أن عبد الله بن أبي ابن سلول كانت له أمة تسمى ~~مسيكة، وقيل معادة، فكان يأمرها بالزنا والكسب به، فشكت ذلك إلى النبي عليه ~~السلام، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين وقوله: إن أردن تحصنا ~~راجع إلى «الفتيات» ، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يتصور ويمكن ~~أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه وإذا كانت الفتاة لا تريد ~~التحصن، فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي ~~مريدة للزنا، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وذهب هذا النظر عن كثير ~~من المفسرين فقال بعضهم قوله: إن أردن راجع إلى الأيامى [النور: 32] في ~~قوله: وأنكحوا الأيامى منكم، وقال بعضهم هذا الشرط في قوله: إن أردن ملغى ~~ونحو هذا مما ضعف والله الموفق للصواب برحمته، وعرض الحياة الدنيا، في هذه ~~الآية الشيء الذي تكتسبه الأمة بفرجها ومعنى باقي الآية بين فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم، بهن، وقد يتصور الغفران والرحمة بالمكرهين بعد أن ~~تقع التوبة من ذلك، فالمعنى غفور لمن تاب، وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد ~~الله وابن جبير «لهن غفور رحيم» بزيادة «لهن» ، ثم عدد تعالى على المؤمنين ~~نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيما ضرب لهم من أمثال الماضين ~~من الأمم، ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه وفيما ذكر لهم من المواعظ، وقرأ ~~جمهور الناس «مبينات» بفتح الياء أي بينها الله تعالى وأوضحها، وقرأ الحسن ~~وطلحة وعاصم والأعمش «مبينات» بكسر الياء أي بينت الحق وأوضحته. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 35] # الله نور السماوات والأرض ms2567 مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) # «النور» في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر ويستعمل فيما صح من ~~المعاني ولاح فيقال منه PageV04P182 # كلام له نور ومنه الكتاب المنير ومنه قول الشاعر: [الكامل] # نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا # والله تعالى ليس كمثله شيء فبين أنه ليس كالأضواء المدركة ولم يبق للآية ~~معنى إلا أنه أراد الله ذو نور السماوات والأرض أي بقدرته أنارت أضواؤها ~~واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول ~~الملك نور الأمة أي به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز وهو ~~في صفة الله تعالى حقيقة محضة، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا ~~هاديا لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات تبارك الله لا ~~رب سواه، وقالت فرقة التقدير دين الله نور السماوات والأرض، قال ابن عباس ~~هادي أهل السماوات والأرض والأول أعم للمعاني وأوضح مع التأمل، وقرأ عبد ~~الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي الله «نور» بفتح النون ~~والواو المشددة وفتح الراء على أنه فعل، وروي أن اليهود لما نزلت هذه الآية ~~جسموا في تأويلها واعترضوا محمدا عليه السلام بأن قالوا كيف هو نور الأرض ~~والسماء بيننا وبينه، فنزلت حينئذ مثل نوره كمشكاة الآية أي ليس الأمر كما ~~ظننتم وإنما هو نور بأنه قوام كل شيء وخالقه وموجده مثل نوره كذا وكذا، ~~واختلف المتأولون في الضمير في نوره على من يعود، فقال كعب الأحبار وابن ~~جبير هو عائد على محمد عليه السلام أي مثل نور محمد، وقال أبي بن كعب وابن ~~جبير والضحاك هو عائد على المؤمنين، وفي قراءة أبي بن كعب «مثل نور ~~المؤمنين» ، وروي أن في قراءته «نور المؤمن» ms2568 ، وروي أن فيها «مثل نور من ~~آمن به» ، وقال الحسن هو عائد على القرآن والإيمان، قال مكي بن أبي طالب ~~وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله والأرض. # قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، ~~وفيها تقطع المعنى المراد بالآية، وقالت فرقة الضمير في نوره عائد على ~~الله، ثم اختلفت هذه الفرقة في المراد ب «النور» الذي أضيف إلى الله تعالى ~~إضافة خلق إلى خالق كما تقول سماء الله وناقة الله، فقال بعضها هو محمد، ~~وقال بعضها هو المؤمن، وقال بعضها هو الإيمان والقرآن، وهذه الأقوال متجهة ~~مطرد معها المعنى فكأن اليهود لما تأولوا الله نور السماوات والأرض بمعنى ~~الضوء، قيل لهم ليس كذلك وإنما هو نور فإنه قوام كل شيء وهاديه مثل نوره في ~~محمد أو في القرآن، والإيمان كمشكاة وهي الكوة غير النافذة فيها القنديل ~~ونحوه. # وهذه الأقوال الثلاثة تطرد فيها مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل، ~~فعلى قول من قال الممثل به محمد عليه السلام، وهو قول كعب الحبر، فرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، هو «المشكاة» أو صدره، والمصباح هو النبوءة وما ~~يتصل بها من عمله وهداه، والزجاجة قلبه و «الشجرة المباركة» هي الوحي ~~والملائكة رسل إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين، والآيات ~~التي تضمنها الوحي، وعلى قول من قال الممثل به المؤمن وهذا قول أبي بن كعب، ~~ف «المشكاة» صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزجاجة قلبه و «الشجرة» ~~القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها، قال أبي فهو PageV04P183 # على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، ومن قال ~~إن الممثل به القرآن والإيمان فتقدير الكلام مثل نوره الذي هو الإيمان في ~~صدر المؤمن في قلبه كمشكاة، أي كهذه الجملة وهذا القول ليس في مقابلة ~~التشبيه كالأولين، لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان، وتحتمل الآية معنى آخر ~~ليس فيه مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل بل وقع التشبيه فيه جملة ~~بجملة كهذه الجملة ms2569 من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ ~~صفات النور الذي بين أيدي الناس، أي فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو ~~منتهاكم أيه البشر، و «المشكاة» الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن ~~جبير وسعيد بن عياض وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر ~~إنارة من غيرها، وقال مجاهد «المشكاة» العمود الذي يكون المصباح على رأسه، ~~وقال أبو موسى «المشكاة» الحديدة أو الرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف ~~الزجاجة، وقال مجاهد أيضا «المشكاة» الحدائد التي يعلق بها القنديل، والأول ~~أصح هذه الأقوال، وقوله في زجاجة لأنه جسم شفاف المصباح فيه أنور منه في ~~غير الزجاج، والمصباح الفتيل بناره وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمرو ~~الداني الألف من «مشكاة» فكسر الكاف التي قبلها، وقرأ نصر بن عاصم «في ~~زجاجة» بفتح الزاي، و «الزجاجة» كذلك وهي لغة، وقوله: كأنها كوكب دري أي في ~~الإنارة والضوء وذلك يحتمل معنين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن ~~يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور، قال ~~الضحاك «الكوكب الدري» الزهرة، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم «دري» بضم ~~الدال وشد الياء. # ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما ~~أن يكون أصله دريء مهموز من الدرء وهو الدفع وخففت الهمزة، وقرأ حمزة وأبو ~~بكر عن عاصم «دريء» بالهمزة وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها تدفع بعضها بعضا ~~أو بمعنى أن بهاءها يدفع خفاءها، وفعيل بناء لا يوجد في الأسماء إلا في ~~قولهم مريق للعصفور وفي السرية إذا اشتقت من السرو، ووجه هذه القراءة أبو ~~علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي «دريء» على وزن فعيل بكسر الفاء ~~من الدرء وهذه متوجهة، وقرأ قتادة «دريء» بفتح الدال والهمز قال أبو الفتح ~~وهذا عزيز وإنما حفظ منه السكينة بشد الكاف، وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء ~~ونصر بن عاصم «دري» بفتح ms2570 الدال دون همزة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى «توقد» بضم التاء أي ~~الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن «توقد» بفتح التاء ~~والواو وشد القاف وضم الدال أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو أيضا وابن كثير ~~«توقد» بفتح التاء والدال أي المصباح، وقرأ عاصم فيما روى عنه إسماعيل ~~«يوقد» بالياء المرفوعة على معنى يوقد المصباح، قال أبو الفتح وقرأ السلمي ~~والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة «يوقد» بفتح الياء والواو والقاف والمشددة ~~ورفع الدال أصله يتوقد، وقوله من شجرة أي من زيت شجرة، و «المباركة» ~~المنمأة، و «الزيتون» من أعظم الثمار نماء واطراد أفنان وغضارة ولا سيما ~~بالشام والرمان كذلك والعيان يقضي بذلك، وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي ~~عمرو بن أمية «ابن شمس» : [الخفيف] # ليت شعري مسافر بن أبي عمرو ... «وليت» يقولها المحزون PageV04P184 # بورك الميت الغريب كما بو ... رك الرمان والزيتون # وقوله تعالى: لا شرقية ولا غربية قرأ الجمهور فيهما بالخفض عطفا على ~~زيتونة، وقرأ الضحاك «لا شرقية ولا غربية» بالرفع، واختلف المتأولون في ~~معناه، فقال ابن عباس فيما حكى عنه الطبري معناه أنها شجرة في دوحة قد ~~أحاطت بها فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول لا يصح عندي عن ابن عباس لأن الوجود ~~يقتضي أن الشجرة التي تكون بهذه الصفة ينفسد جناها، وقال الحسن ليست هذه ~~الشجرة من شجر الدنيا وإنما هو مثل ضربه الله لنوره ولو كانت في الدنيا ~~لكانت إما شرقية وإما غربية، وقال ابن زيد أراد أنها من شجر الشام لأن شجر ~~الشام هي أفضل الشجر وهي «الأرض المباركة» ، وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ~~وغيرهم المعنى في قوله: # لا شرقية ولا غربية أنها في منكشف من الأرض تصيبها الشمس طول النهار ~~تستدير عليها أي فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، ~~وقوله: يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار مبالغة في صفة صفائه ms2571 وحسنه ~~وجودته، وقرأ الجمهور «تمسسه» بالتاء من فوق، وقرأ ابن عباس والحسن بالياء ~~من تحت، وقوله: نور على نور أي هذه كلها معاون تكامل بها هذا النور الممثل ~~به وفي هذا الموضع تم المثال، ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من ~~عباده وذكر تفضله في ضرب الأمثال للعباد ليقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى ~~الإيمان. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 36 الى 37] # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) # الباء في بيوت تضم وتكسر، واختلف في الفاء من قوله في فقيل هي متعلقة ب ~~مصباح [النور: 35] قال أبو حاتم وقيل متعلقة ب يسبح المتأخر، فعلى هذا ~~التأويل يوقف على عليم [النور: 38] قال الرماني هي متعلقة ب يوقد [النور: ~~35] واختلف الناس في البيوت التي أرادها بقوله تعالى: في بيوت أذن الله أن ~~ترفع فقال ابن عباس والحسن ومجاهد هي المساجد المخصوصة لله تعالى التي من ~~عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح، وقال الحسن بن أبي الحسن أراد بيت ~~المقدس وسماه بيوتا من حيث فيه مواضيع يتحيز بعضها عن بعض. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويؤثر، أن عادة بني إسرائيل في وقيد بيت ~~المقدس كانت غاية في التهمم به، وكان الزيت منتخبا مختوما على ظروفه قد صنع ~~صنعة وقدس حتى لا يجزى الوقيد بغيره، فكان لهذا ونحوه أضوأ بيوت الأرض، ~~وقال عكرمة أراد بيوت الإيمان على الإطلاق مساجد ومساكن فهي التي يستصبح ~~فيها بالليل للصلاة وقراءة العلم، وقال مجاهد أراد بيوت النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ~~يقوي أنها المساجد وقوله: أذن بمعنى أمر وقضى، وحقيقة الإذن العلم والتمكين ~~دون حظر فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان PageV04P185 # أقوى، وترفع، قيل معناه تبنى وتعلى، قاله مجاهد وغيره فذلك كنحو قوله ~~تعالى: وإذ ms2572 يرفع إبراهيم القواعد [البقرة: 127] وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة» ، وفي هذا ~~المعنى أحاديث، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره معناه تعظم ويرفع شأنها، ~~وذكر اسمه تعالى، هو بالصلاة والعبادة قولا وفعلا، وقرأ ابن كثير وعاصم ~~«يسبح» بفتح الباء المشددة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم «يسبح» بكسر الباء، ~~ف رجال على القراءة الأولى مرتفع بفعل مضمر يدل عليه يسبح تقديره يسبحه ~~رجال، فهذا عند سيبويه نظير قول الشاعر: «لبيك يزيد ضارع لخصومة» أي يبكيه ~~ضارع، ورجال على القراءة الثانية مرتفع ب يسبح الظاهر، وروي عن يحيى بن ~~وثاب أنه قرأ «تسبح» بالتاء من فوق، و «الغدو والآصال» قال الضحاك أراد ~~الصبح والظهر، وقال ابن عباس أراد ركعتي الضحى والعصر وإن ركعتي الضحى لفي ~~كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص، وقرأ أبو مجلز «والإيصال» ، ثم وصف ~~تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم لرضاه لا يشغلهم عن ~~الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا، وقال كثير من الصحابة نزلت هذه الآية ~~في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا ~~إليها، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة ~~فقال هؤلاء الذين أراد الله تعالى بقوله: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله، وروي ذلك عن ابن مسعود، وإقام، مصدر من أقام يقيم أصله أقوام نقلت ~~حركة الواو إلى القاف فبقيت ساكنة والألف ساكنة فحذفت للالتقاء، فجاء إقام، ~~بعض النحويين هو مصدر بنفسه قد لا يضاف وقيل لا يجوز أقمته إقاما، وإنما ~~يستعمل مضافا، ذكره الرماني وقال بعضهم من حيث رأوه لا يستعمل إلا مضافا ~~ألحقت به هاء عوضا من المحذوف فجاء إقامة، فهم إذا أضافوه حذفوا العوض ~~لاستغنائهم عنه بأن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، والزكاة هنا عند ابن ~~عباس الطاعة لله، وقال الحسن هي الزكاة المفروضة في المال، و «اليوم ~~المخوف» الذي ذكره تعالى، هو يوم ms2573 القيامة، واختلف الناس في تقلب القلوب ~~والأبصار كيف هو، فقالت فرقة يرى الناس الحقائق عيانا فتتقلب قلوب الشاكين ~~ومعتقدي الضلال عن معتقداتها إلى اعتقاد الحق على وجهه وكذلك الأبصار وقالت ~~فرقة هو تقلبها على جمر جهنم. # قال الفقيه الإمام القاضي: ومقصد الآية إنما هو وصف هول يوم القيامة، ~~فأما القول الأول فليس يقتضي هولا وأما الثاني فليس التقلب في جمر جهنم في ~~يوم القيامة وإنما هو بعده. # وإنما معنى الآية عندي أن ذلك اليوم لشدة هوله ومطلعه، القلوب والأبصار ~~فيه مضطربة قلقة متقلبة من طمع في النجاة إلى طمع ومن حذر هلاك إلى حذر، ~~ومن نظر في هول إلى النظر في الآخر، والعرب تستعمل هذا المعنى في الحروب ~~ونحوها ومنه قول الشاعر: «بل كان قلبك في جناحي طائر» ومنه قول بشار كان ~~فؤاده كرة تنزى، ومنه قول الآخر: «إذا حلق النجيد وصلصل الحديد» وهذا كثير. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 38 الى 40] # ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير ~~حساب (38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات ~~في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) PageV04P186 # اللام في قوله ليجزيهم متعلقة بفعل مضمر تقديره فعلوا ذلك ويسروا لذلك ~~ونحو هذا، ويحتمل أن تكون متعلقة ب يسبح [النور: 36] وقوله أحسن ما عملوا ~~فيه حذف مضاف تقديره ثواب أحسن ثم وعدهم عز وجل بالزيادة من فضله على ما ~~تقتضيه أعمالهم، فأهل الجنة أبدا في مزيد، ثم ذكر أنه يرزق من يشاء ويخصه ~~بما يشاء من رحمته دون حساب ولا تعديد، وكل تفضل لله فهو بغير حساب، وكل ~~جزاء على عمل فهو بحساب، ولما ذكر الله تعالى فيما تقدم من هذه الآية حالة ~~الإيمان والمؤمنين وتنويره ms2574 قلوبهم عقب ذلك بذكر الكفرة وأعمالهم فمثل لها ~~ولهم تمثيلين: الأول منهما يقتضي حال أعمالهم في الآخرة من أنها غير نافعة ~~ولا مجدية، والثاني يقتضي حالها في الدنيا من أنها في الغاية من الضلال ~~والغمة التي مآلها ما ذكر من تناهي الظلمة في قوله أو كظلمات، و «السراب» ~~ما ترقرق من الهواء في الهجير في فيافي الأرض المنبسطة وأوهم الناظر إليه ~~على البعد أنه ماء، سمي بذلك لأنه ينسرب كالماء فكذلك أعمال الكافر يظن في ~~دنياه أنه نافعته فإذا كان يوم القيامة لم يجدها شيئا فهي كالسراب الذي ~~يظنه الرائي العطشان ماء فإذا قصده وأتعب نفسه بالوصول إليه لم يجد شيئا، و ~~«القيعة» جمع قاع كجيرة وجار والقاع المنخفض البساط من الأرض ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في مانع زكاة الأنعام «فيبطح لها بقاع قرقر» ، ~~وقيل القيعة مفرد، وهو بمعنى القاع، وقرأ مسلم بن محارب «بقيعات» ، وقرأ ~~أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف «الظمآن» بفتح الميم وطرح حركة الهمزة على ~~الميم وترك الهمزة، وقوله حتى إذا جاءه لم يجده شيئا يريد شيئا نافعا في ~~العطش، أو يريد شيئا موجودا على العموم ويريد ب جاءه جاء موضعه الذي تخيله ~~فيه ويحتمل أن يعود الضمير في جاءه على «السراب» ، ثم يكون في الكلام بعد ~~ذلك متروك يدل عليه الظاهر تقديره فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ويحتمل الضمير أن يعود على العمل الذي يدل عليه ~~قوله أعمالهم ويكون تمام المثل في قوله ماء ويستغني الكلام عن متروك على ~~هذا التأويل، لكن يكون في المثل إيجاز واقتضاب لوضوح المعنى المراد به، ~~وقوله ووجد الله عنده أي بالمجازاة، والضمير في عنده عائد على العمل، وباقي ~~الآية بين فيه توعد وسرعة الحساب من حيث هو يعلم لا تكلف فيه وقوله تعالى: ~~أو كظلمات عطف على قوله كسراب، وهذا المثال الأخير تضمن صفة أعمالهم في ~~الدنيا، أي إنهم من الضلال ونحوه في مثل هذه الظلمة المجتمعة من هذه ms2575 ~~الأشياء، وذهب بعض الناس إلى أن في هذا المثال أجزاء تقابل أجزاء من الممثل ~~فقال «الظلمات» الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة، و «البحر اللجي» صدر ~~الكافر وقلبه، و «اللجي» معناه ذو اللجة، وهي معظم الماء وغمره واجتماع ما ~~به أشد لظلمته، و «الموج» هو الضلال والجهالة التي غمرت قلبه والفكر ~~المعوجة، و «السحاب» هو شهوته في الكفر وإعراضه عن الإيمان وما رين به على ~~قلبه. PageV04P187 # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا التأويل سائغ وإن لا يقدر هذا التقابل ~~سائغ، وقرأ سفيان بن حسين «أو كظلمات» بفتح الواو، وقرأ جمهور السبعة ~~«سحاب» بالرفع والتنوين «ظلمات» بالرفع، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل ~~«سحاب» بالرفع والتنوين «ظلمات» بالخفض على البدل من «ظلمات» الأول، وقرأ ~~ابن أبي بزة عن ابن كثير «سحاب» بغير تنوين على الإضافة على الظلمات، وقوله ~~إذا أخرج يده لم يكد يراها لفظ يقتضي مبالغة الظلمة، واختلف الناس في هذا ~~اللفظ هل يقتضي أن هذا الرجل المقدر في هذه الأحوال وأخرج يده رأى يده ولم ~~يرها البتة، فقالت فرقة لم يرها جملة وذلك أن «كاد» معناها قارب فكأنه قال ~~إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، وهذا يقتضي نفي الرؤية جملة، وقالت فرقة بل ~~رآها بعد عسر وشدة وكان أن لا يراها ووجه ذلك أن «كاد» إذا صحبها حرف النفي ~~وجب الفعل الذي بعدها وإذا لم يصحبها انتفى الفعل ع وهذا لازم متى كان حرف ~~النفي بعد «كاد» داخلا على الفعل الذي بعدها، تقول: كاد زيد يقوم، فالقيام ~~منفي فإذا قلت كاد زيد أن لا يقوم فالقيام واجب واقع، # وتقول كاد النعام يطير، فهذا يقتضي نفي الطيران عنه، فإذا قلت كاد النعام ~~أن يطير وجب الطيران له، فإذا كان حرف النفي مع «كاد» فالأمر محتمل مرة ~~يوجب الفعل ومرة ينفيه، تقول المفلوج لا يكاد يسكن فهذا كلام صحيح تضمن نفي ~~السكون، وتقول رجل متكلم لا يكاد يسكن، فهذا كلام صحيح يتضمن إيجاب السكون ~~بعد جهد ونادرا ومنه قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون ms2576 [البقرة: 71] ~~نفي مع كاد تضمن وجوب الذبح، وقوله في هذه الآية لم يكد يراها نفي مع كاد ~~يتضمن في أحد التأويلين، نفي الرؤية، ولهذا ونحوه قال سيبويه رحمه الله إن ~~أفعال المقاربة لها نحو آخر بمعنى أنها دقيقة التصرف، وقوله تعالى: ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور قالت فرقة يريد في الدنيا، أي من لم يهده ~~الله لم يهتد، وقالت فرقة أراد في الآخرة أي من لم يرحمه الله وينور حاله ~~بالعفو والرحمة فلا رحمة له، والأول أبين وأليق بلفظ الآية، وأيضا فذلك ~~لازم نور الآخرة إنما هو لمن نور قلبه في الدنيا وهدى، وقد قررت الشريعة أن ~~من مر لآخرته على كفره فهو غير مرحوم ولا مغفور له. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 41 الى 42] # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله المصير (42) # ألم تر تنبيه، و «الرؤية» رؤية الفكر، قال سيبويه كأنه قال انتبه الله ~~يسبح له من في السماوات، والتسبيح هنا التعظيم والتنزيه فهو من العقلاء ~~بالنطق وبالصلاة من كل ذي دين، واختلف في تسبيح الطير وغير ذلك مما قد ورد ~~الكتاب بتسبيحه، فالجمهور على أنه تسبيح حقيقي وقال الحسن وغيره هو لفظ ~~تجوز وإنما تسبيحه بظهور الحكمة فيه، فهو لذلك يدعو إلى التسبيح، وقال ~~المفسرون قوله من في السماوات والأرض عامة لكل شيء من له عقل وسائر ~~الجمادات، لكنه لما اجتمع ذلك عبر عنه ب من تغليبا لحكم من يعقل، وصافات ~~معناه مصطفة في الهواء، وقرأ الأعرج «والطير» بنصب الراء، وقرأ الحسن و ~~«الطير صافات» مرفوعتان وقوله: كل قد علم صلاته وتسبيحه قال الحسن المعنى PageV04P188 # كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه فهو يثابر عليها، قال مجاهد «الصلاة» ~~للبشر و «التسبيح» لما عداهم، وقالت فرقة المعنى كل قد علم صلاة الله ~~وتسبيح الله اللذين أمر بهما وهدى إليهما فهذه إضافة ms2577 خلق إلى خالق، وقال ~~الزجاج وغيره المعنى كل قد علم الله صلاته وتسبيحه فالضميران للكل، وقرأت ~~فرقة «علم صلاته وتسبيحه» بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله ~~ذكرها أبو حاتم، وقرأ الجمهور «يفعلون» بالياء على معنى المبالغة في وصف ~~قدرة الله وعلمه بخلقه، وقرأ عيسى والحسن «تفعلون» بالتاء من فوق ففيه ~~المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وإعلام بعد بكون ~~الملك على الإطلاق له وتذكيره بأمر المصير إليه والحشر يقوي أمر التخويف من ~~الله تعالى وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود «والله بصير بما تفعلون» . # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 43 الى 44] # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج ~~من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ~~من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل والنهار إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) # «الرؤية في هذه الآية رؤية عين والتقدير أن أمر الله وقدرته، ويزجي معناه ~~يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل ومدافعته كالسحاب والإبل ~~المزاحف كما قال الفرزدق «على مزاحيف تزجيها مخارير» ، والبضاعة المزجاة ~~التي تحتاج من الشفاعة والتحسين إلى ما هو كسوق الثقيل، ومنه قول حبيب في ~~الشيب، «ونحن نزجيه» ، وسيبويه أبدا يقول في كلامه فأنت تزجيه إلى كذا أي ~~تسوقه ثقيلا متباطئا، وقوله يؤلف بينه أي بين مفترق السحاب نفسه لأن مفهوم ~~السحاب يقتضي أن بينه فروجا، وهذا كما تقول جلست بين الدور ولو أضيفت «بين» ~~إلى مفرد لم يصح إلا أن تريد آخر، لا تقول جلست بين الدار إلا أن تريد وبين ~~كذا، وورش عن نافع لا يهمز «يولف» وقالون عن نافع والباقون يهمزون «يؤلف» ~~وهو الأصل، و «الركام» الذي يركب بعضه بعضا ويتكاثف، والعرب تقول إن الله ~~تعالى إذا جعل السحاب ركاما بالريح عصر بعضه بعضا فخرج الودق منه ومن ذلك ~~قوله تعالى: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا [النبأ: 14] ومن ms2578 ذلك قول حسان ~~بن ثابت: [الكامل] # كلتاهما حلب العصير ... فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصل # ويروى للمفصل بكسر الميم وبفتح الصاد، فالمفصل واحد المفاصيل والمفصل ~~اللسان ويروى بالقاف، أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت به أي هذه من عصر ~~العنب وهذه من عصر السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبد الله بن الحسن ~~العنبري للقوم الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان، ~~والودق المطر ومنه قول الشاعر: [المتقارب] # فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها PageV04P189 # وقرأ جمهور الناس «من خلاله» وهو جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ ابن عباس ~~والضحاك «من خلله» ، وقرأ عاصم والأعرج «وينزل» على المبالغة والجمهور على ~~التخفيف، وقوله من جبال فيها من برد قيل تلك حقيقة وقد جعل الله تعالى في ~~السماء جبالا من برد وقالت فرقة ذلك مجاز وإنما أراد وصف كثرته وهذا كما ~~تقول عند فلان جبال من المال وجبال من العلم أي في الكثرة مثل الجبال، وحكي ~~عن الأخفش تقديره زيادة من في قوله: من برد وهو قول ضعيف، ومن في قوله من ~~السماء هي لابتداء الغاية، وفي قوله «من الجبال» هي للتبعيض، وفي قوله من ~~برد هي لبيان الجنس، و «السنا» ، مقصور، الضوء والسناء، ممدود، المجد ~~والارتفاع في المنزلة، وقرأ الجمهور «سنا» بالقصر، وقرأ طلحة بن مصرف ~~«سناء» بالمد والهمز. # وقرأ طلحة أيضا «برقة» بضم الباء وفتح الراء وهي جمع «برقة» بضم الباء ~~وسكون الراء فعلة وهي القدر من البرق كلقمة ولقم وغرفة وغرف، وقرأ الجمهور ~~«يذهب» بفتح الياء، وقرأ أبو جعفر «يذهب» بضمها من أذهب كأن التقدير يذهب ~~النفوس بالأبصار نحو قوله تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] ويحتمل أن يكون مثل ~~قوله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم [الحج: 25] فالباء زائدة دالة على فعل ~~يناسبها ثم اقتضت لفظ الآية الإخبار عن تقبله الليل والنهار والإتيان بهذا ~~بعد هذا دون توطئة هو الذي تعجز عنه الفصحاء حتى يقع منهم التخليق في ~~الألفاظ والتوطئة بالكلام وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات ms2579 45 الى 50] # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ~~(45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) # أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك ~~هم الظالمون (50) # هذه آية اعتبار، وقرأ حمزة والكسائي «والله خالق كل» على الإضافة، وقرأ ~~الجمهور «والله خلق كل» ، و «الدابة» كل من يدب من الحيوان أي تحرك منتقلا ~~أمامه قدما، ويدخل فيه الطير إذ قد يدب ومنه قول الشاعر: «دبيب قطا البطحاء ~~في كل منهل» ، ويدخل فيه الحوت وفي الحديث «دابة من البحر مثل الظرب» ، ~~وقوله من ماء قال النقاش أراد أمنية الذكور، وقال جمهور النظرة أراد أن ~~خلقة كل حيوان أن فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين، وعلى هذا يتخرج ~~قول النبي عليه السلام للشيخ الذي سأل في غزاة بدر ممن أنتما؟ فقال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم «نحن من ماء ... » الحديث، و «المشي علي البطن» للحيات ~~والحوت ونحوه من الدود وغيره، و «على الرجلين» PageV04P190 # للإنسان والطير إذا مشى، و «الأربع» لسائر الحيوان، وفي مصحف أبي بن كعب ~~«ومنهم من يمشي على أكثر» فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم ~~يثبته الإجماع، لكن قال النقاش: إنما اكتفى لقول بذكر ما يمشي على أربع عن ~~ذكر ما يمشي على الأكثر لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوام ~~مشيه وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه ~~إلى جميعها. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي ~~محتاج إليها في تنقل الحيوان وفي كلها ms2580 تتحرك في تصرفه وقوله آيات مبينات ~~يعم كل ما نصب الله تعالى من آية وصنعه للعبرة وكل ما نص في كتابه من آية ~~تنبيه وتذكير وأخبر تعالى أنه أنزل الآيات، ثم قيد الهداية إليها لأنها من ~~قبله لبعض دون بعض، وقوله تعالى: ويقولون آمنا بالله الآية نزلت في ~~المنافقين وسببها فيما روي أن رجلا من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين ~~رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان المنافق مبطلا فأبى من ذلك ودعا اليهود إلى كعب بن الأشرف ~~فنزلت هذه الآية فيه، وأسند الزهراوي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال من ~~دعاه خصمه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم، ومذعنين أي مظهرين ~~للانقياد والطاعة وهم إنما فعلوا ذلك حيث أيقنوا بالنجح وأما إذا طلبوا بحق ~~فهم عنه معرضون ثم وقفهم تعالى على أسباب فعلهم توقيف توبيخ أي ليقروا مما ~~يوبخ به أو مما يمدح به فهو بليغ جدا ومنه قول جرير «ألستم خير من ركب ~~المطايا» البيت، ثم حكم عليهم بأنهم هم الظالمون وقال: أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله من حيث الرسول إنما يحكم بأمر الله وشرعه والميل الحيف. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 51 الى 54] # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل ~~لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) # وقرأ الجمهور «قول» بالنصب، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن ~~وابن أبي إسحاق «قول» بالرفع، واختلف عنهما قال أبو الفتح شرط كان أن يكون ~~اسمها أعرف من خبرها فقراءة الجمهور أقوى، والمعنى إنما كان الواجب أن ~~يقوله ms2581 المؤمنون إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله سمعنا وأطعنا فكأن هذه ليست ~~إخبارا عن ماضي زمن وإنما كقول الصديق: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى ~~شرعه ودينه، وقرأ الجمهور «ليحكم» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو جعفر ~~والجحدري وخالد بن الياس والحسن «ليحكم» PageV04P191 # على بناء الفعل للمفعول، والمفلحون البالغون آمالهم في دنياهم وآخرتهم، و ~~«جهد اليمين» بلوغ الغاية في تعقيدها وليخرجن # معناه إلى الغزو وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دعوا إلى الله ورسوله ~~وقوله: قل لا تقسموا طاعة معروفة # يحتمل معاني أحدها النهي عن القسم الكاذب إذ عرف أن طاعتهم دغلة رديئة. # فكأنه يقول لا تغالطوا فقد عرف ما أنتم عليه، والثاني أن يكون المعنى لا ~~تتكلفوا القسم طاعة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأجدى عليكم، وفي هذا ~~الوجه إبقاء عليهم، والثالث أن يكون المعنى لا تقنعوا بالقسم طاعة تعرف ~~منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم، والرابع أن يكون المعنى لا تقنعوا ~~لأنفسكم بإرضائنا بالقسم، طاعة الله معروفة وشرعه وجهاد عدوه مهيع لائح، ~~وقوله إن الله خبير # متصل بقوله: لا تقسموا # ، وطاعة معروفة # ، اعتراض بليغ، وقوله قل أطيعوا الله الآية مخاطبة لأولئك المنافقين ~~وغيرهم من الكفار وكل من يتعتى عن أمر محمد عليه السلام، وقوله تولوا معناه ~~تتولوا محذوف التاء الواحدة يدل على ذلك، قوله: وعليكم ما حملتم ولو جعلنا ~~تولوا فعلا ماضيا وقدرنا في الكلام خروجا من خطاب الحاضر إلى ذكر الغائب ~~لاقتضى الكلام أن يكون بعد ذلك وعليهم ما حملوا، والذي حمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة وإعمال الجهد في ~~إنذارهم، والذي حمل الناس هو السمع والطاعة واتباع الحق وباقي الآية بين، ~~وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع في رواية ورش «ويتقهي» بياء بعد الهاء ~~قال أبو علي وهو الوجه. # وقرأ قالون عن نافع «ويتقه» بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء، وقرأ أبو عمرو ms2582 ~~وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر «ويتقه» جزما للهاء، وقرأ حفص عن عاصم ~~ويتقه بسكون وكسر الهاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 55 الى 57] # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~(55) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا ~~تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) # قرأ الجمهور «استخلف» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~والأعرج، «استخلف» على بناء الفعل للمفعول، وروي أن سبب هذه الآية أن أحد ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من ~~الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد ~~عليه السلام، وقوله في الأرض يريد في البلاد التي تجاورهم والأصقاع التي ~~قضى بامتدادهم إليها، و «استخلافهم» هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها كما ~~جرى في الشام وفي العراق وخراسان PageV04P192 # والمغرب، وقال الضحاك في كتاب النقاش هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي لأنهم أهل الإيمان وعمل الصالحات، وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» . # قال الفقيه الإمام القاضي: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، ~~واللام في قوله ليستخلفنهم لام القسم، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر ~~«ليبدلنهم» بفتح الباء وشد الدال، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ~~والحسن وابن محيصن بسكون الباء وتخفيف الدال، وجاء في معنى تبديل خوفهم ~~بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه: ما يأتي علينا يوم ~~نأمن فيه ونضع السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تغبرون إلا ~~قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة» ، وقوله ~~يعبدونني فعل مستأنف أي هم يعبدونني، قوله ومن كفر يحتمل أن يريد كفر هذه ms2583 ~~النعم إذا وقعت ويكون «الفسق» على هذا غير المخرج عن الملة، قال بعض الناس ~~في كتاب الطبري ظهر ذلك في قتلة عثمان رضي الله عنه، ويحتمل أن يريد الكفر ~~والفسق المخرجين عن الملة وهو ظاهر قول حذيفة بن اليمان فإنه قال كان على ~~عهد النبي نفاق وقد ذهب ولم يبق إلا كفر بعد إيمان، ولما قدم تعالى شرط عمل ~~الصالحات بينها في هذه الآية، فنص على عظمها وهي إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وعم بطاعة الرسول لأنها عامة لجميع الطاعات، ولعلكم معناه في حقكم ~~ومعتقدكم، ثم أنحى القول على الكفرة بأن نبه على أنهم ليسوا بمفلتين من ~~عذاب الله، وقرأ جمهور السبعة «لا تحسبن» بالتاء على المخاطبة للنبي عليه ~~السلام، وقرأها الحسن بن أبي الحسن بفتح السين، وقرأ حمزة وابن عامر «لا ~~يحسبن» بالياء قال أبو علي، وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن يكون التقدير لا ~~يحسبن محمد والآخر أن يسند الفعل إلى الذين كفروا والمفعول أنفسهم، وأعجز ~~الرجل، إذا ذهب في الأرض فلم يقدر عليه ثم أخبر بأن «مأواهم النار» وأنها ~~بئس الخاتمة والمصير. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 58] # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) # قال ابن عمر الذين ملكت يراد به الرجال خاصة، وقال أبو عبد الرحمن السلمي ~~يراد به النساء خاصة وسبيل الرجال يستأذنوا في كل وقت، وحكى الزهراوي عن ~~أبي عمر ونحوه، وقيل الرجال والنساء كلهم مراد ورجحه الطبري، وقرأ الجمهور ~~الناس «الحلم» بضم اللام وكان أبو عمرو يستحسنها، وهذه الآية محكمة قال ابن ~~عباس تركها الناس وكذلك ترك الناس قوله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~[الحجرات: 113] فأبى الناس إلا أن الأكرم هو الأنسب. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه العبارة بترك إغلاظ وزجر ms2584 إذ لم تلتزم حق ~~الالتزام، وإلا فما قال الله PageV04P193 # هو المعتقد في ذلك العلماء المكتوب في تواليفهم، أعني في أن الكرم التقوى ~~وأما أمر الاستئذان فإن تغيير المباني والحجب أغنت عن كثير من الاستئذان، ~~وصيرته على حد آخر، وأين أبواب المنازل اليوم من مواضع النوم وقد ذكر ~~المهدوي عن ابن عباس أنه قال كان العمل بهذه الآية واجبا إذ كانوا لا غلق ~~ولا أبواب ولو عادت الحال لعاد الوجوب. # قال الفقيه الإمام القاضي: فهي الآن واجبة في كثير من مساكن المسلمين في ~~البوادي والصحارى ونحوها، ومعنى الآية عند جماعة من العلماء أن الله تعالى ~~أدب عباده بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم والأطفال الذين لم يبلغوا إلا ~~أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات ~~الثلاثة وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري ~~في المضاجع، وهي عند الصباح لأن الناس في ذلك الوقت عراة في مضاجعهم وقد ~~ينكشف النائم، فمن مشى ودخل وخرج فحكمه أن يستأذن لئلا يطلع على ما يجب ~~ستره، وكذلك في وقت القائلة وهي الظهيرة لأن النهار يظهر فيها إذا علا ~~واشتد حره، وبعد العشاء لأنه وقت التعري للنوم والتبدل للفراش، وأما غير ~~هذه الأوقات التي هي عروة أي ذات انكشاف، فالعرف من الناس التحرز والتحفظ ~~فلا حرج في دخول هذه الصنيفة بغير إذن إذ هم طوافون يمضون ويجيئون لا يجد ~~الناس بدا من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة «طوافين» وقال الحسن إذا أبات الرجل ~~خادمه معه فلا استئذان عليه ولا في هذه الأوقات الثلاثة، وقوله بعضكم على ~~بعض بدل من قوله طوافون وثلاث عورات نصب على الظرف لأنهم لم يؤمروا ~~بالاستئذان ثلاثا إنما أمروا بالاستئذان ثلاث مواطن، فالظرفية في ثلاث ~~بينة، قرأ جمهور السبعة «ثلاث عورات» برفع «ثلاث» وهذا على الابتداء، وقرأ ~~حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «ثلاث عورات» بنصب «ثلاث» ، وهذه على البدل ~~من الظرف في قوله ثلاث مرات، وهذا البدل إنما يصح معناه بتقدير أوقات «ثلاث ms2585 ~~عورات» فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعورات جمع عورة وبابه في ~~الصحيح أن يجيء على فعلات بفتح العين كجفنة وجفنات ونحو ذلك وسكنوا العين ~~في المعتل كبيضة وبيضات وجوبة وجوبات ونحوه لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم ~~يفتح لذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 59 الى 60] # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك ~~يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء اللاتي لا ~~يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن ~~خير لهن والله سميع عليم (60) # المعنى أن الأطفال أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح ~~لهم الأمر في غير ذلك من الأوقات، ثم أمر تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا ~~بلغوا الحلم على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت وهذا بيان من الله عز ~~وجل، وقوله: والقواعد، يريد النساء اللائي قد أسنن وقعدن عن الولد PageV04P194 # واحدتهن قاعد. وقال ربيعة هي هنا التي تستقذر من كبرها، قال غيره وقد ~~تقعد المرأة عن الولد وفيها مستمتع فلما كان الغالب من النساء أن ذوات هذا ~~السن لا مذهب للرجل فيهن أبيح لهن ما لم يبح لغيرهن. # وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب إذ علة التحفظ مرتفعة منهن، وقرأ ابن ~~مسعود «أن يضعن من ثيابهن» وهي قراءة أبي وروي عن ابن مسعود أيضا «من ~~جلابيبهن» ، والعرب تقول امرأة واضع للتي كبرت فوضعت خمارها، ثم استثني ~~عليهن في وضع الثياب أن لا يقصدن به التبرج وإبداء الزينة، فرب عجوز يبدو ~~منها الحرص على أن يظهر لها جمال ونحو هذا مما هو أقبح الأشياء وأبعده عن ~~الحق، و «التبرج» طلب البدو والظهور إلخ ... والظهور للعيون ومنه بروج ~~مشيدة [النساء: 78] وأصل ذلك بروج السماء والأسوار، والذي أبيح وضعه لهذه ~~الصنيفة الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، قاله ابن مسعود وابن جبير ~~وغيرهما، ثم ذكر تعالى أن تحفظ الجميع منهن واستعفافهن عن وضع الثياب ~~والتزامهن ما يلزمه الشباب من الستر أفضل لهن وخير، ms2586 وقرأ ابن مسعود «وأن ~~يعففن» بغير سين، ثم ذكر تعالى أنه سميع لما يقول كل قائل وقائلة، عليم ~~بمقصد كل أحد في قوله، وفي هاتين الصفتين توعد، وتحذير والله الموفق للصواب ~~برحمته. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 61] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # اختلف الناس في المعنى الذي رفع الله فيه «الحرج» عن الأصناف الثلاثة، ~~فظاهر الآية وأمر الشريعة أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر ~~وتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص، ~~فالحرج مرفوع عنهم في هذا. فأما ما قال الناس في هذا «الحرج» هنا فقال ابن ~~زيد هو الحرج في الغزو أي لا حرج عليهم في تأخرهم، وقوله: ولا على أنفسكم ~~الآية معنى مقطوع من الأول، وقالت فرقة الآية كلها في معنى المطاعم قال ~~وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار فبعضهم ~~كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى ولانبساط الجلسة من الأعرج ~~ولرائحة المريض وعلاته وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت الآية مؤيدة، وبعضهم ~~كان يفعل ذلك تحرجا من غبن أهل الأعذار إذ هم مقصرون في الأكل عن درجة ~~الأصحاء لعدم الرؤية في الأعمى وللعجز عن المزاحمة في الأعرج ولضعف المريض ~~فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم، وقال ابن عباس في كتاب PageV04P195 # الزهراوي إن أهل هذه الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس لأجل عذرهم فنزلت ~~الآية مبيحة لهن، وقال ابن عباس أيضا الآية من أولها إلى آخرها إنما نزلت ~~بسبب أن الناس، لما نزلت ms2587 ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 188] ~~قالوا لا مال أعز من الطعام وتحرجوا من أن يأكل أحد مع هؤلاء فيغبنهم في ~~الأكل فيقع في أكل المال بالباطل، وكذلك تحرجوا عن أكل طعام القرابات لذلك ~~فنزلت الآية مبيحة جميع هذه المطاعم ومبينة تلك إنما هي في التعدي والقمار ~~وكل ما يأكله المرء من مال الغير والغير كاره أو بصفة فاسدة ونحوه، وقال ~~عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قوله في الأصناف الثلاثة إنما نزلت ~~بسبب أن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو، خلفوا أهل العذر في منازلهم ~~وأموالهم، فكان أهل العذر يتجنبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية مبيحة لهم ~~أكل الحاجة من طعام الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك، وقيل كان الرجل ~~إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب بهم إلى بيت قرابته فتحرج ~~أهل الأعذار من ذلك، فنزلت الآية وذكر الله تعالى بيوت القرابات وسقط منها ~~بيوت الأبناء، فقال المفسرون ذلك داخل في قوله من بيوتكم لأن بيت ابن الرجل ~~بيته، وقرأ طلحة بن مصرف «إمهاتكم» بكسر الهمزة وقوله: أو ما ملكتم مفاتحه ~~يعني ما حزتم وصار في قبضتكم، فعظمه ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه وذلك ~~هو تأويل الضحاك ومجاهد، وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء ~~والعبيد والأجراء بالمعروف، وقرأ جمهور الناس «ملكتم» بفتح الميم واللام، ~~وقرأ سعيد بن جبير «ملكتم» بضم الميم وكسر اللام وشدها، وقرأ جمهور الناس ~~«مفاتحه» ، وقرأ سعيد بن جبير «مفاتيحه» بياء بين التاء والحاء الأولى على ~~جمع مفتح والثانية على جمع مفتاح، وقرأ قتادة «ملكتم مفاتحه» وقرن تعالى في ~~هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة لأن قرب المودة لصيق، قال معمر: ~~قلت لقتادة ألا أشرب من هذا الجب؟ قال أنت لي صديق فما هذا الاستئذان؟ قال ~~ابن عباس في كتاب النقاش الصديق أوكد من القرابة، ألا ترى إلى استغاثة ~~الجهنميين فما لنا من شافعين ولا صديق حميم [الشعراء: 100] وقوله ليس عليكم ~~جناح أن ms2588 تأكلوا جميعا أو أشتاتا رد لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل ~~أفرادا البتة، قاله الطبري، ومن ذلك قول بعض الشعراء: [الطويل] # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي # وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه فنزلت هذه ~~الآية مبينة سنة الأكل ومذهبة كل ما خلفها من سنة العرب، ومبيحة من أكل ~~المنفرد ما كان عند العرب محرما نحت به نحو كرم الخلق فأفرطت في إلزامه وأن ~~إحضار الأكيل لحسن ولكن بأن لا يحرم الانفراد، وقال بعض أهل العلم هذه ~~الآية منسوخة بقوله عليه السلام: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» وبقوله ~~تعالى: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا [النور: 27] وبقوله عليه ~~السلام من حديث ابن عمر «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» الحديث، ثم ختم ~~الله تعالى الآية بتبيينه سنة السلام في البيوت، واختلف المتأولون في أي ~~البيوت أراد، فقال إبراهيم النخعي أراد المساجد، والمعنى سلموا على # من فيها من صنفكم فهذا كما قال لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 128] ~~فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء السلام على رسول الله ~~وقيل السلام عليكم يريد الملائكة ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين قوله PageV04P196 # تحية مصدر ووصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه ~~والكاف من قوله كذلك كاف تشبيه وذلك إشارة إلى هذه السنن أي كهذا الذي وصف ~~يطرد تبيين الآيات لعلكم تعقلونها وتعملون بها، وقال بعض الناس في هذه ~~الآية إنها منسوخة بآية الاستئذان الذي أمر به الناس وهي المقدمة في ~~السورة، فإذا كان الإذن محجورا فالطعام أحرى، وكذلك أيضا فرضت فرقة نسخا ~~بينها وبين قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 188] . # قال الفقيه الإمام القاضي: والنسخ لا يتصور في شيء من هذه الآيات بل هي ~~كلها محكمة، أما قوله ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 188] ففي ~~التعدي والخدع والإغرار واللهو والقمار ونحوه، وأما هذه الآية ففي إباحة ~~هذه ms2589 الأصناف التي يسرها استباحة طعامها على هذه الصفة، وأما آية الإذن فعلة ~~إيجاب الاستئذان خوف الكشف فإذا استأذن الرجل خوف الكشفة ودخل المنزل ~~بالوجه المباح صح له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة وليس يكون في الآية ~~نسخ فتأمله. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : آية 62] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم (62) # إنما في هذه الآية للحصر اقتضى المعنى لأنه لا يتم إيمان إلا بأن يؤمن ~~المرء بالله ورسوله وبأن يكون من الرسول سامعا غير معنت في أن يكون الرسول ~~يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ونحو ذلك، و «الأمر ~~الجامع» يراد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، فأدب ~~الإسلام اللازم في ذلك إذا كان الأمر حاضرا أن لا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، ~~فإذا ذهب بإذن ارتفع عنه الظن السيء، والإمام الذي يرتقب إذنه في هذه الآية ~~هو إمام الإمرة، وقال مكحول والزهري الجمعة من «الأمر الجامع» وإمام الصلاة ~~ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة، إذا كان يرى المستأذن، ومشى بعض ~~الناس دهرا على استئذان إمام الصلاة وروي أن هرم بن حيان كان يخطب فقام رجل ~~فوضع يده على أنفه وأشار إلى هرم بالاستئذان فأذن له فلما قضيت الصلاة كشف ~~عن أمره أنه إنما ذهب لغير ضرورة. # فقال هرم اللهم أخر رجال السوء لزمان السوء. # قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر الآية إنما يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة ~~الذي هو في مقعد النبوة فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من ~~أمور الدين، فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه لأنه وكيل على جزء من ~~أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يأذن لمن ~~عرف منه صحة العذر وهم الذين ms2590 يشاء، وروي أن هذه الآية نزلت في وقت حفر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خندق المدينة وذلك أن بعض المؤمنين كان يستأذن ~~لضرورة، وكان المنافقون يذهبون دون PageV04P197 # استئذان فأخرج الله تعالى الذين لا يستأذنون عن صنيفة المؤمنين وأمر ~~النبي عليه السلام أن يأذن للمؤمن الذي لا تدعوه ضرورة إلى حبسه وهو الذي ~~يشاء ثم أمره بالاستغفار لصنفي المؤمنين من أذن له ومن لم يؤذن له وفي ذلك ~~تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة النور (24) : الآيات 63 الى 64] # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ~~ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) # هذه الآية مخاطبة لجميع معاصري رسول الله. وأمرهم الله أن لا يجعلوا ~~مخاطبة رسول الله في النداء كمخاطبة بعضهم لبعض فإن سيرتهم كانت التداعي ~~بالأسماء وعلى غاية البداوة وقلة الاهتبال، فأمرهم الله تعالى في هذه الآية ~~وفي غيرها أن يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشرف أسمائه وذلك هو ~~مقتضى التوقير والتعزيز، فالمنبغي في الدعاء أن يقول يا رسول الله، وأن ~~يكون ذلك بتوقير وخفض صوت وبر، وأن لا يجري ذلك على عادتهم بعضهم في بعض ~~قاله مجاهد، وغيره، وقال ابن عباس المعنى في هذه الآية إنما هو لا تحسبوا ~~دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه. # قال الفقيه الإمام القاضي: ولفظ الآية يدفع هذا المعنى. # والأول أصح ثم أخبرهم تعالى أن المتسللين منهم لواذا قد علمهم. واللواذ ~~الروغان والمخالفة وهو مصدر لاوذ وليس بمصدر لاذ لأنه كان يقال له لياذا ~~ذكره الزجاج وغيره، ثم أمرهم بالحذر من عذاب الله ونقمته إذا خالفوا عن ~~أمره، وقوله يخالفون عن أمره معناه يقع خلافهم بعد أمره وهذا كما تقول كان ~~المطر عن ريح وعن هي لما عدا ms2591 الشيء والفتنة في هذا الموضع الإخبار بالرزايا ~~في الدنيا وبالعذاب الأليم في الآخرة ولا بد للمنافقين من أحد هذين ملكا ~~وخلفا، ثم أخبرهم أنه قد علم ما أهل الأرض والسماء عليه وخص منهم بالذكر ~~المخاطبين لأن ذلك موضع الحجة عليهم وهم به أعني وقوله: ويوم يرجعون يجوز ~~أن يكون معمولا لقوله يعلم ويجوز أن يكون التقدير والعلم الظاهر لكم أو نحو ~~هذا يوم فيكون النصب على الظرف، وقرأ الجمهور «يرجعون» بضم الياء وفتح ~~الجيم، وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمرو «يرجعون» بفتح الياء ~~وكسر الجيم، وقال عقبة بن عامر الجهني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~هذه الآية خاتمة النور فقال «والله بكل شيء بصير» وباقي الآية بين. PageV04P198 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفرقان # هذه السورة مكية في قول الجمهور وقال الضحاك هي مدنية وفيها آيات مكية ~~قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [الفرقان: 68] الآيات. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) الذي له ملك ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا (2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) # تبارك وزنه تفاعل وهو مطاوع بارك من البركة، وبارك فاعل من واحد معناه ~~زاد، وتبارك فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل في غيره، ولذلك لم يصرف منه ~~مستقبل ولا اسم فاعل، وهو صفة فعل أي كثرت بركاته ومن جملتها إنزال كتابه ~~الذي هو الفرقان بين الحق والباطل، وصدر هذه السورة إنما هو رد على مقالات ~~كانت لقريش، فمن جملتها قولهم إن القرآن افتراه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وإنه ليس من عند الله فهو رد على هذه المقالة، وقرأ الجمهور «على عبده» ، ~~وقرأ عبد الله بن الزبير «على عباده» . # والضمير في قوله ليكون يحتمل أن ms2592 يكون وهو عبده المذكور وهذا تأويل ابن ~~زيد، ويحتمل أن يكون ل الفرقان، وأما على قراءة ابن الزبير فهو ل الفرقان ~~لا يحتمل غير ذلك إلا بكره، وقوله للعالمين عام في كل إنسي وجني عاصره أو ~~جاء بعده وهو متأيد من غير ما موضع من الحديث المتواتر وظاهر الآيات، و ~~«النذير» المحذر من الشر والرسول من عند الله نذير، وقد يكون نذيرا ليس ~~برسول كما روي في ذي القرنين وكما ورد في رسل الله إلى الجن فإنهم نذر ~~وليسوا برسل الله. # وقوله الذي له ملك السماوات الآية هي من الرد على قريش في قولهم إن لله ~~شريكا، وفي قولهم اتخذ البنات، وفي قولهم في التلبية إلا شريك هو لك، وقوله ~~خلق كل شيء، هو عام في كل مخلوق وتقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة والأزمان ~~والمقادير والمصلحة والإتقان، ثم عقب تعالى ذكر هذه الصفات التي هي ~~للألوهية بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لهم هذه الصفات، فالعقل ~~يعطي أنهم ليسوا بآلهة وقوله، وهم يخلقون، يحتمل أن يريد يخلقهم الله ~~بالاختراع والإيجاد، ويحتمل أن يريد يخلقهم PageV04P199 # البشر بالنحت والنجارة وهذا التأويل أشد إبداء لخساسة الأصنام، وخلق ~~البشر تجوز ولكن العرب تستعمله ومنه قول زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري # وهذا من قولهم خلقت الجلد إذا عملت فيه رسوما يقطع عليها والفري هو أن ~~يقطع على ترك الرسوم، وقوله، موتا ولا حياة يريد إماتة ولا إحياء، و ~~«النشور» بعث الناس من القبور. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 4 الى 6] # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ~~(5) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) # المراد ب الذين كفروا قريش وذلك أن بعضهم قال هذا إفك وكذب افتراه محمد ~~واختلف المتأولون في «القوم» المعينين على زعم قريش، فقال مجاهد أشاروا إلى ~~قوم من ms2593 اليهود، وقال ابن عباس أشاروا إلى عبيد كانوا للعرب من الفرس أحدهم ~~أبو فكيهة مولى الحضرميين وجبر ويسار وعداس وغيرهم، ثم أخبر الله تعالى ~~عنهم أنهم ما جاؤ إلا إفكا وزورا أي ما قالوا إلا باطلا وبهتانا، و «الزور» ~~تحسين الباطل هذا عرفه وأصله التحسين مطلقا، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ~~فأردت أن أقدم بين يدي أبي بكر مقالة كنت زورتها. وقوله. وقالوا أساطير ~~الأولين، قال ابن عباس يعني بذلك قول النضر بن الحارث، وذلك أن كل ما في ~~القرآن من ذكر أساطير الأولين فإنما هو بسبب قول النضر ابن الحارث حسب ~~الحديث المشهور في ذلك ثم رموا محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه اكتتبها وقرأ ~~طلحة بن مصرف «اكتتبها» بضم التاء الأولى وكسر الثانية على معنى اكتتبت له، ~~ذكرها أبو الفتح، وقرأ طلحة «تتلى» بتاء بدل الميم، ثم أمره تعالى أن يقول ~~إن الذي أنزله هو الله الذي يعلم سر جميع الأشياء التي في السماوات والأرض ~~ثم أعلم بأنه غفور رحيم ليرجي كل سامع في عفوه ورحمته مع التوبة والإنابة، ~~والمعنى أن الله غفور رحيم في إبقائه على أهل هذه المقالات. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 7 الى 10] # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) # الضمير في قوله قالوا لقريش، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مجلس PageV04P200 # مشهور، ذكره ابن إسحاق في السير وغيره، مضمنة أن سادتهم عتبة بن ربيعة ~~وغيره اجتمعوا معه فقالوا يا محمد إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا، وإن ~~كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجعوا في ms2594 باب الاحتجاج عليه فقالوا له ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام ~~وتقف بالأسواق وتريد التماس الرزق، أي إن من كان رسول الله مستغن عن جميع ~~ذلك، ثم قالوا له سل ربك أن ينزل معك ملكا ينذر معك أو يلقي إليك كنزا تنفق ~~منه، أو يرد لك جبال مكة ذهبا أو تزال الجبال ويكون مكانها جنات تطرد فيها ~~المياه، وأشاعوا هذه المحاجة فنزلت الآية وكتبت اللام مفردة من قولهم «ما ~~ل» هذا إما لأن على المصحف قطع لفظه فاتبعه الكاتب، وإما لأنهم رأوا أن ~~حروف الجر بابها الانفصال نحو «في ومن وعلى وعن» . وقرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «يأكل منها» بالياء، وقرأ حمزة والكسائي «نأكل ~~منها» بالنون وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف وسليمان بن مهران، ثم أخبر ~~تعالى عنهم وهم الظالمون الذين أشير إليهم أنهم قالوا حين يئسوا من محمد ~~صلى الله عليه وسلم إن تتبعون إلا رجلا مسحورا أي قد سحر فهو لا يرى ~~مراشده، ويحتمل مسحورا أن يكون من السحر وهي الرؤية فكأنهم ذهبوا إلى ~~تحقيره، أي رجلا مثلكم في الخلقة، ذكره مكي وغيره، ثم نبهه الله تعالى ~~مسليا عن مقالتهم فقال انظر كيف ضربوا لك الأمثال بالمسحور والكاهن والساحر ~~وغيره فضلوا أي أخطئوا الطريق فلا يجدون سبيل هداية ولا يطيقونه لالتباسهم ~~بضده من الضلال، وقوله تعالى: تبارك الذي الآية رجوع بأمور محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى الله تعالى، أي هذه جهتك لا هؤلاء الضالون في أمرك، والإشارة ~~في ذلك قال مجاهد هي إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا، وقال ~~ابن عباس هي إلى أكله الطعام ومشيه في الأسواق، وقال الطبري والأول أظهر. # قال القاضي أبو محمد: لأن هذا التأويل الثاني يوهم أن الجنات والقصور ~~التي في هذه الآية هي في الدنيا وهذا تأويل الثعلبي وغيره، ويرد ذلك قوله ~~تعالى بعد ذلك بل كذبوا بالساعة [الفرقان: 11] والكل محتمل، وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر وحفص ونافع وأبي عمرو وحمزة ms2595 والكسائي «ويجعل» بالجزم على ~~العطف على موضع الجواب في قوله جعل لأن التقدير «تبارك الذي إن يشأ يجعل» . ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم أيضا وابن كثير وابن عامر «ويجعل» بالرفع والاستئناف، ~~وهي قراءة مجاهد، ووجوه العطف على المعنى في قوله جعل لأن جواب الشرط هو ~~موضع الاستئناف، ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر قد تقع موقع جواب ~~الشرط، وقرأ عبد الله بن موسى وطلحة بن سليمان «ويجعل» بالنصب وهو على ~~تقدير «أن» في صدر الكلام، قال أبو الفتح هي على جواب الجزاء بالواو وهي ~~قراءة ضعيفة، وأدغم الأعرج ويجعل لك وروي ذلك عن ابن محيصن، و «القصور» ~~البيوت المبنية بالجدرات قاله مجاهد وغيره، وكانت العرب تسمي ما كان من ~~الشعر والصوف والقصب بيتا، وتسمي ما كان بالجدرات قصرا لأنه قصر عن ~~الداخلين والمستأذنين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 11 الى 14] # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان ~~بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) PageV04P201 # المعنى ليس بهم في تكذيبك ومشيك في الأسواق بل إنهم كفرة لا يفقهون الحق، ~~فقوله بل ترك لنفس اللفظ المتقدم لا لمعناه على ما تقتضيه «بل» في مشهور ~~معناها، وأعتدنا جعلنا معدا، والعتاد ما يعد من الأشياء، و «السعير» طبق من ~~أطباق. جهنم، وقوله إذا رأتهم يريد جهنم، إذا اقتضاها لفظ السعير ولفظ ~~رأتهم يحتمل الحقيقة ويحتمل المجاز على معنى صارت منهم على قدر ما يرى ~~الرائي من البعد إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة، ويحتمل المجاز، في هذا ~~ذكر الطبري وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ بين عيني جهنم مقعده من النار» ، فقيل يا رسول الله أو لجهنم ~~عينان؟ فقال: «اقرؤا إن شئتم إذا رأتهم من مكان بعيد الآية، وروي في بعض ~~الآثار أن البعد الذي تراهم منه مسيرة خمسمائة سنة، وقوله سمعوا لها ms2596 تغيظا ~~لفظ فيه تجوز وذلك أن التغيظ لا يسمع وإنما المسموع ألفاظ دالة على التغيظ، ~~وهي لا شك احتدامات في النار كالذي يسمع في نار الدنيا إذا اضطربت، ونسبة ~~هذا المسموع الذي في الدنيا من ذلك نسبة الإحراق من الإحراق وهي سبعون درجة ~~كما ورد في الصحيح، و «الزفير» صوت ممدود كصوت الحمار المرجع في نهيقه، قال ~~النقاش «الزفير» آخر صوت الحمار عند نهيقه، قال عبيد بن عمير إن جهنم لتزفر ~~زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر ثم ترعد فرائصه، «والمكان الضيق» منها، هو ~~يقصد إلى التضييق عليهم في المكان من النار وذلك نوع من التعذيب، قال صلى ~~الله عليه وسلم «إنهم ليكرهون في النار كما يكره الوتد في الحائط» أي يدعون ~~لزا وعنفا، وقال ابن عباس تضيق عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وقرأ ابن ~~كثير وعبيد عن أبي عمرو «ضيقا» بتخفيف الياء والباقون يشددون ومقرنين معناه ~~مربوط بعضهم إلى بعض، وروي أن ذلك بسلاسل من نار، والقرينان من الثيران ما ~~قرنا بحبل للحرث ومنه قول الشاعر: [الطويل] # إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي ... فلا بد يوما من قوى أن تجدما # وقرأ أبو شيبة المهري صاحب معاذ بن جبل رحمه الله «مقرنون» بالواو وهي ~~قراءة شاذة، والوجه قراءة الناس، وقوله ثبورا مصدر وليس بالمدعو، ومفعول ~~دعوا محذوف تقديره دعوا من لا يجيبهم أو نحو هذا من التقديرات، ويصح أن ~~يكون «الثبور» هو المدعو كما تدعى الحسرة والويل، والثبور قال ابن عباس هو ~~الويل، وقال الضحاك هو الهلاك ومنه قول ابن الزبعرى: [الخفيف] # إذا أجاري الشيطان في سنن الغ ... ي ومن مال ميله مثبور # وقوله لا تدعوا إلى آخر الآية معناه يقال لهم على معنى التوبيخ والإعلام ~~بأنهم يخلدون أي لا تقتصروا على حزن واحد بل أحزنوا كثيرا لأنكم أهل لذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 15 الى 16] # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) ~~لهم فيها ما يشاؤن خالدين ms2597 كان على ربك وعدا مسؤلا (16) PageV04P202 # المعنى قل يا محمد لهؤلاء الكفرة هم بسبيل مصير إلى هذه الأحوال من ~~النار، أذلك خير أم جنة الخلد؟ وهذا على جهة التوقيف والتوبيخ، ومن حيث كان ~~الكلام استفهاما جاز فيه مجيء لفظ التفضيل بين الجنة والنار في الخير لأن ~~الموقف جائز له أن يوقف محاورة على ما يشاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو ~~بالخطأ، وإنما يمنع سيبويه وغيره من التفضيل بين شيئين لا اشتراك بينهما في ~~المعنى الذي فيه تفضيل إذا كان الكلام خبرا لأنه فيه محالية، وأما إذا كان ~~استفهاما فذلك سائغ، وقيل الإشارة بقوله أذلك إلى الجنات التي تجري من ~~تحتها الأنهار وإلى القصور التي في قوله تبارك الذي إن شاء جعل لك ~~[الفرقان: 10] ، وهذا على أن يكون الجعل في الدنيا وقيل الإشارة بقوله أذلك ~~خير إلى الكنز والجنة التي ذكر الكفار. # قال الفقيه الإمام القاضي: والأصح إن شاء الله أن الإشارة بقوله أذلك إلى ~~النار كما شرحناه آنفا، والمتقون في هذه الآية من اتقى الشرك فإنه داخل في ~~الوعد، ثم تختلف المنازل في الوعد بحسب تقوي المعاصي، وقوله وعدا مسؤلا ~~يحتمل معنيين وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وابن زيد إنه مسؤول لأن ~~المؤمنين سألوه أو يسألونه، وروي أن الملائكة سألت الله نعيم المتقين ~~فوعدهم بذلك، قال محمد بن كعب هو قول الملائكة ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم، والمعنى الثاني ذكره الطبري عن بعض أهل العربية أن يريد وعدا واجبا ~~قد حتمه فهو لذلك معد أن يسأل ويقتضي وليس يتضمن هذا التأويل أن أحدا سأل ~~الوعد المذكور. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 17 الى 19] # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد ~~كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا (19) # المعنى ms2598 واذكر يوم، والضمير في يحشرهم للكفار، وقوله وما يعبدون يريد به ~~كل شيء عبد من دون الله فغلب العبارة عما لا يعقل من الأوثان لأنها كانت ~~الأغلب وقت المخاطبة، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص والأعرج وأبو جعفر ~~«يحشرهم» «فيقول» بالياء، وفي قراءة عبد الله «وما يعبدون من دونك» ، وقرأ ~~الأعرج «نحشرهم» بكسر الشين وهي قليل في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل ~~بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين، وهذه الآية تتضمن الخبر عن ~~أن الله يوبخ الكفار في القيامة بأن يوقف المعبودين على هذا المعنى ليقع ~~الجواب بالتبري من الذنب فيقع الخزي على الكافرين، واختلف الناس في الموقف ~~المجيب في هذه الآية، فقال جمهور المفسرين هو كل من ظلم بأن عبد ممن PageV04P203 # يعقل كالملائكة وعزير وعيسى وغيرهم، وقال الضحاك وعكرمة الموقف المجيب ~~الأصنام التي لا تعقل يقدرها الله تعالى يومئذ على هذه المقالة ويجيء خزي ~~الكفرة لذلك أبلغ، وقرأ جمهور الناس «نتخذ» بفتح النون وذهبوا بالمعنى إلى ~~أنه من قول من يعقل وأن هذه الآية بمعنى التي في سورة سبأ: ويوم يحشرهم ~~جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم [سبأ: 40- 41] ، وكقول عيسى عليه السلام وما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به [المائدة: 117] ، ومن أولياء في هذه القراءة في موضع المفعول به، ~~وقرأ أبو جعفر والحسن وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء ونصر بن علقمة ~~ومكحول وزيد بن علي وحفص بن حميد «نتخذ» بضم النون، وتذهب هذه مذهب من يرى ~~أن الموقف المجيب الأوثان ويضعف هذه القراءة دخول من في قوله من أولياء، ~~اعترض بذلك سعيد بن جبير، وغيره، قال أبو الفتح من أولياء في موضع الحال ~~ودخلت من زائدة لمكان النفي المتقدم كما تقول ما اتخذت زيدا من وكيل، وقرأ ~~علقمة «ما ينبغي» بسقوط «كان» وثبوتها أمكن في المعنى، لأنهم أخبروا على ~~حال كانت في الدنيا ووقت الإخبار لا عمل فيه، وفسر هذا المجيب بحسب الخلاف ~~فيه ms2599 الوجه في ضلال الكفار كيف وقع، وأنه لما متعهم الله تعالى بالنعم ~~الدنياوية وأدرها لهم ولأسلافهم الأحقاب الطويلة نسوا الذكر أي ما ذكر به ~~الناس على ألسنة الأنبياء، وبورا، معناه هلكا، والبوار الهلاك واختلف في ~~لفظة بور، فقالت فرقة هو مصدر يوصف به الجمع والواحد ومنه قول ابن الزبعرى: ~~[الخفيف] # يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور # وقالت فرقة هي جمع بائر وهو الذي قد فارقه الخير فحصل بذلك في حكم الهلاك ~~باشره الهلاك بعد أو لم يباشر، قال الحسن البائر الذي لا خير فيه، وقوله ~~تعالى: فقد كذبوكم الآية خطاب من الله تعالى بلا خلاف، فمن قال إن المجيب ~~الأصنام كان معنى هذه إخبار الكفار أن أصنامهم قد كذبوهم، وفي هذه الأخبار ~~خزي وتوبيخ، والفرقة التي قالت إن المجيب هو الملائكة وعزير وعيسى ونحوهم ~~اختلفت في المخاطب بهذه الآية، فقالت فرقة المخاطب الكفار على جهة التقريع ~~والتوبيخ وقالت فرقة المخاطب هؤلاء المعبودون أعلمهم الله تعالى أن الكفار ~~بأفعالهم القبيحة قد كذبوا هذه المقالة وزعموا أن هؤلاء هم الأولياء من دون ~~الله، وقالت فرقة خاطب الله تعالى المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أي كذبوكم أيها المؤمنون الكفار فيما تقولونه من التوحيد والشرع، وقرأ ابن ~~كثير وأبو بكر عن عاصم «بما يقولون فما يستطيعون» بالياء فيهما، وقرأ حفص ~~عن عاصم «بما تقولون فما تستطيعون» بالتاء فيهما، وقرأ الباقون وأبو بكر ~~أيضا عن عاصم والناس «تقولون» بالتاء من فوق «فما يستطيعون» بالياء من تحت، ~~ورجحها أبو حاتم، وقرأ أبو حيوة «يقولون» بالياء، من تحت «فما تستطيعون» ~~بالتاء من فوق، وقال مجاهد الضمير في «يستطيعون» هو للمشركين، قال الطبري ~~وفي مصحف ابن مسعود، «فما يستطيعون لك صرفا» ، وفي قراءة أبي بن كعب «لقد ~~كذبوك فما يستطيعون لك» ، قال أبو حاتم في حرف عبد الله «لكم صرفا» على جمع ~~الضمير، وصرفا معناه رد التكذيب أو العذاب أو ما اقتضاه المعنى بحسب الخلاف ~~المتقدم، وقوله ومن يظلم منكم ms2600 نذقه،، قيل هو خطاب للكفار، وقيل للمؤمنين، ~~والظلم هنا الشرك قاله الحسن وابن جريج # وقد يحتمل أن يعم غيره من المعاصي، وفي حرف أبي «ومن يكذب منكم نذقه ~~عذابا كبيرا» . PageV04P204 # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 20 الى 21] # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا ~~عتوا كبيرا (21) # هذه الآية رد على كفار قريش في استبعادهم أن يكون من البشر رسول وقولهم ~~مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق [الفرقان: 7] فأخبر الله ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته أنه لم يرسل قبل في سائر الدهر نبيا ~~إلا بهذه الصفة، والمفعول ب أرسلنا محذوف يدل عليه الكلام تقديره رجالا أو ~~رسلا، وعلى هذا المحذوف المقدر يعود الضمير في قوله إلا إنهم وذهبت فرقة ~~إلى أن قوله ليأكلون الطعام كناية عن الحدث، وقرأ جمهور الناس «ويمشون» ~~بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين، وقرأ علي وعبد الرحمن وابن مسعود ~~«يمشون» بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة بمعنى يدعون إلى المشي ~~ويحملون عليه، وقرأ أبو عبد الرحمن بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة ~~وهي بمعنى يمشون ومنه قول الشاعر: [الطويل] # أمشي بأعطان المياه وأبتغي ... قلائص منها صعبة وركوب # ثم أخبر عز وجل أن السبب في ذلك أن الله تعالى أراد أن يجعل بعض العبيد ~~فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، ~~والغني فتنة للفقير، والفقير الشاكر فتنة للغني، والرسول المخصوص بكرامة ~~النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، وقد ~~تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب، والتوقيف ب أتصبرون خاص للمؤمنين ~~المحقين فهو لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه جعل إمهال الكفار فتنة ~~للمؤمنين أي اختبارا ثم وقفهم هل يصبرون أم لا، ثم أعرب قوله وكان ربك ~~بصيرا عن ms2601 الوعد للصابرين والوعيد للعاصين، ثم أخبر عن مقالة الكفار لولا ~~أنزل علينا الملائكة الآية، وقوله يرجون قال أبو عبيدة وقوم معناه يخافون ~~والشاهد لذلك قول الهذلي: [الطويل] # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل # قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر لي أن الرجاء في هذه الآية والبيت على ~~بابه لأن خوف لقاء الله تعالى مقترن أبدا برجائه، فإذا نفي الرجاء عن أحد ~~فإنما أخبر عنه أنه مكذب بالبعث لنفي الخوف والرجاء، وفي ذكر الكفار بنفي ~~الرجاء تنبيه على غبطة ما فاتهم من رجاء الله تعالى، وأما بيت الشعر ~~المذكور فمعناه عندي لم يرج دفعها ولا الانفكاك عنها فهو لذلك يوطن على ~~الصبر ويجد في شغله، ولما تمنت كفار قريش رؤية ربهم أخبر تعالى عنهم أنهم ~~عظموا أنفسهم وسألوا ما ليسوا به بأهل، وعتوا، معناه صعبوا عن الحق ~~واشتدوا، ويقال عتو وعتي على الأصل، وعتي معلول باستثقال الضم على الواو ~~فقلبت ياء ثم كسر ما قبلها طلب التناسب. PageV04P205 # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 22 الى 26] # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) # المعنى في هذه الآية أن الكفار لما قالوا لولا أنزل علينا الملائكة ~~[الفرقان: 21] ، أخبر الله تعالى أنهم يوم يرون الملائكة إنما هو يوم ~~القيامة، وقد كان أول الآية يحتمل أن يريد يوم تفيض أرواحهم، لكن آخرها ~~يقتضي أن الإشارة إلى يوم القيامة، وأمر العوامل في هذه الظروف بين إذا ~~تأمل فاختصرناه لذلك، ومعنى هذه الآية أن هؤلاء الذين تمنوا نزول الملائكة ~~لا يعرفون ما قدر الله في ذلك فإنهم يوم يرون الملائكة هو شر لهم ولا بشرى ~~لهم بل لهم الخسار ولقاء المكروه ويومئذ، خبر لا بشرى لأن الظروف تكون ~~إخبارا عن المصادر. # الضمير في قوله ويقولون، قال ms2602 الحسن وقتادة والضحاك ومجاهد هو «للملائكة» ~~، المعنى وتقول الملائكة للمجرمين حجرا محجورا عليكم البشرى، أي حراما ~~محرما. والحجر الحرام ومنه قول المتلمس جرير بن عبد المسيح: [البسيط] # حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام الا تلك الدهاريس # وقال مجاهد أيضا وابن جريج إن الضمير في قوله ويقولون هو للكفار المجرمين ~~قال ابن جريج كانت العرب إذا كرهوا شيئا قالوا حجرا، قال مجاهد حجرا عوذا، ~~يستعيذون من الملائكة. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يكون المعنى ويقولون حرام محرم ~~علينا العفو، وقد ذكر أبو عبيدة أن هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها من ~~خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا المعنى هو مقصد بيت المتلمس الذي تقدم، ~~أي هذا الذي حننت إليه ممنوع. وقرأ الحسن وأبو رجاء «حجرا» بضم الحاء، ~~والناس على كسرها، ثم أخبر تعالى عما يأتي عليه قضاؤه وفعله فقال حكاية عن ~~يوم القيامة وقدمنا أي قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، ~~وقيل هو قدوم الملائكة أسنده إليه لأنه عن أمره، وحسنت لفظة قدمنا لأن ~~القادم على شيء مكروه لم يقدره ولا أمر به مغير له مذهب، وأما قول الراجز: # وقدم الخوارج الضلال ... إلى عباد ربنا فقالوا: # إن دماءكم لنا حلال فالقدوم فيه على بابه، ومعنى الآية وقصدنا إلى ~~أعمالهم التي هي في الحقيقة لا تزن شيئا إذ لا نية PageV04P206 # معها فجعلناها على ما تستحق لا تعد شيئا وصيرناها هباء منثورا أي شيئا لا ~~تحصيل له، والهباء هي الأجرام المستدقة الشائعة في الهواء التي لا يدركها ~~حس إلا حين تدخل الشمس على مكان ضيق يحيط به الظل كالكوة أو نحوها، فيظهر ~~حينئذ فيما قابل الشمس أشياء تغيب وتظهر فذلك هو الهباء، ووصفه في هذه ~~الآية ب «منثور» ، ووصفه في غيرها ب «منبث» ، فقالت فرقة هما سواء، وقالت ~~فرقة المنبث أرق وأدق من المنثور لأن المنثور يقتضي أن غيره نثره كسنابك ~~الخيل والرياح أو هدم حائط أو كنس ms2603 ونحو ذلك، والمنبث كأنه هو انبث من دقته، ~~وقال ابن عباس الهباء المنثور، ما تسفي به الرياح وتبثه، وروي عنه أنه قال ~~أيضا الهباء الماء المهراق والأول أصح والعرب تقول أهبات الغبار والتراب ~~ونحوه إذا بثثته وقال الشاعر [الحارث بن حلزة اليشكري] : [الخفيف] # وترى خلفها من الربع والوق ... ع منينا كأنه أهباء # ومعنى هذه الآية جعلنا أعمالهم لا حكم لها ولا منزلة، ثم أخبر عز وجل بأن ~~مستقر أهل الجنة خير من مستقر أهل النار، وجاءت خير، هاهنا للتفضيل بين ~~شيئين لا شركة بينهما، فذكر الزجاج وغيره في ذلك أنه لما اشتركا في أن هذا ~~مستقر وهذا مستقر فضل الاستقرار الواحد. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن هذه الألفاظ التي فيها عموم ما يتوجه ~~حكمها من جهات شتى، نحو قولك أحب وأحسن وخير وشر يسوغ أن يجاء بها بين ~~شيئين لا شركة بينهما، فتقول السعد في الدنيا أحب إلي من الشقاء إذ قد يوجد ~~بوجه ما من يستحب الشقاء كالمتعبد والمغتاظ وكذلك في غيرها، فإذا كانت أفعل ~~في معنى بين أن الواحد من الشيئين لا حظ له فيه بوجه فسد الإخبار بالتفضيل ~~به، كقولك الماء أبرد من النار، ومن هذا إنك تقول في ياقوتة ومدرة وتشير ~~إلى المدرة هذه أحسن وخير وأحب وأفضل من هذه، ولو قلت هذه ألمع وأشد شراقة ~~من هذه لكان فاسدا، وقوله مقيلا ذهب ابن عباس والنخعي وابن جريج إلى أن ~~حساب الخلق يكمل في وقت ارتفاع النهار، ويقيل أهل الجنة في الجنة وأهل ~~النار في النار فالمقيل من القائلة. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن اللفظة إنما تضمنت تفضيل الجنة ~~جملة، فالعرب تفضل البلاد بحسن المقيل لأن وقت القائلة يبدو فساد هواء ~~البلاد، فإذا كان بلد في وقت فساد الهواء حسنا جاز الفضل ومن ذلك قول ~~الأسود بن يعفر الإيادي: [الكامل] # أرض تخيرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أم دواد # وقوله ويوم تشقق السماء بالغمام يريد يوم القيامة عند انفطار السماء ~~ونزول الملائكة ms2604 ووقوع الجزاء بحقيقة الحساب، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ~~«تشقق» بشد الشين والقاف، وقرأ الباقون بتخفيف الشين، وقوله بالغمام أي ~~يشقق عنه، والغمام سحاب رقيق أبيض جميل لم يره البشر بعد إلا ما جاء في ~~تظليل بني إسرائيل، وقرأ جمهور القراء «ونزل الملائكة» بضم النون وشد الزاي ~~المكسورة ورفع «الملائكة» على مفعول لم يسم فاعله، وقرأ أبو عمرو في رواية ~~عبد الوهاب «ونزل» بتخفيف الزاي المكسورة، قال أبو الفتح وهذا غير معروف ~~لأن «نزل» لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا «للملائكة» ، ووجهه أن يكون مثل ~~زكم PageV04P207 # الرجل وجن فإنه لا يقال إلا أزكمه الله وأجنه وهذا باب سماع لا قياس، ~~وقرأ أبو رجاء «ونزل الملائكة» بفتح النون وشد الزاي وقرأ الأعمش، «وأنزل ~~الملائكة» وكذلك قرأ ابن مسعود، وقرأ أبي بن كعب «ونزلت الملائكة» ، وقرأ ~~ابن كثير وحده «وننزل الملائكة» بنونين وهي قراءة أهل مكة، فرويت عن أبي ~~عمرو «ونزل الملائكة» بإسناد الفعل إليها، وقرأت فرقة «وتنزل الملائكة» ، ~~وقرأ أبي بن كعب أيضا «وتنزلت الملائكة» ، ثم قرر أن «الملك الحق هو يومئذ ~~للرحمن» ، إذ قد بطل في ذلك اليوم كل ملك وعسره على الكافرين توجه بدخول ~~النار عليهم فيه وما في خلال ذلك من المخاوف، وقوله على الكافرين، دليله أن ~~ذلك اليوم سهل على المؤمنين وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~الله ليهون القيامة على المؤمنين حتى أخف عليهم من صلاة مكتوبة صلوها» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 27 الى 31] # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ~~ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ~~وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا (30) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا (31) # قوله ويوم ظرف العامل فيه فعل مضمر، وعض اليدين هو فعل النادم الملهوف ~~المتفجع، وقال ابن عباس وجماعة من المفسرين الظالم في هذه ms2605 الآية عقبة بن ~~أبي معيط وذلك أنه كان أسلم أو جنح إلى الإسلام وكان أبي بن خلف الذي قتله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد خليلا لعقبة فنهاه عن الإسلام ~~فقبل نهيه فنزلت الآية فيهما ف الظالم عقبة. و «فلان» أبي وفي بعض الروايات ~~عن ابن عباس أن الظالم أبي فإنه كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه ~~عقبة فأطاعه. # قال الفقيه الإمام القاضي: ومن أدخل في هذه الآية أمية بن خلف فقد وهم ~~إلا على قول من يرى الظالم اسم جنس، وقال مجاهد وأبو رجاء الظالم اسم جنس و ~~«فلان» الشيطان. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر أن الظالم عام وأن مقصد الآية تعظيم يوم ~~القيامة وذكر هوله بأنه يوم تندم فيه الظلمة وتتمنى أن لو لم تطع في دنياها ~~خلانها الذين أمروهم بالظلم، فلما كان خليل كل ظالم غير خليل الآخر وكان كل ~~ظالم يسمي رجلا خاصا به عبر عن ذلك ب «فلان» الذي فيه الشياع التام ومعناه ~~واحد من الناس، وليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يعينه ويحرضه، هذا في ~~الأغلب ويشبه أن سبب الآية وترتب هذا المعنى كان عقبة وأبيا، وقوله مع ~~الرسول يقوي ذلك بأن يجعل تعريف الرسول للعهد والإشارة إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وعلى التأويل الأول التعريف بالجنس، وكلهم قرأ «يا ليتني» ساكنة ~~الياء غير أبي عمرو فإنه حرك الياء في «ليتني اتخذت» ورواها أبو خليد عن ~~نافع مثل أبي عمرو، و «السبيل» المتمناة هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ~~ذي نهية تنبيه على تجنب قرين PageV04P208 # السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة مشهورة، وقوله يا ويلتى ~~التاء فيه عوض من الياء في يا ويلي والألف هي التي في قولهم يا غلاما وهي ~~لغة، وقرأت فرقة بإمالة يا ويلتى قال أبو علي وترك الإمالة أحسن لأن أصل ~~هذه اللفظة الياء يا ويلتى فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفا فرارا من الياء، ~~فمن أمال رجع إلى الذي فر ms2606 منه أولا، والذكر، هو ما ذكر به الإنسان أمر ~~آخرته من قرآن أو موعظة ونحوه، وقوله: وكان الشيطان للإنسان خذولا يحتمل أن ~~يكون من قول الظالم ويحتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله تعالى على جهة ~~الدلالة على وجه ضلالتهم والتحذير من الشيطان الذي بلغهم ذلك المبلغ، وقوله ~~تعالى: وقال الرسول، حكاية عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الدنيا ~~وتشكيه ما يلقى من قومه، هذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وقالت فرقة هو حكاية ~~عن قول ذلك في الآخرة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «قومي» بتحريك الياء ~~والباقون بسكونها، ومهجورا يحتمل أن يريد مبعدا مقصيا من الهجر بفتح الهاء ~~وهذا قول ابن زيد، ويحتمل أن يريد مقولا فيه الهجر بضم الهاء إشارة إلى ~~قولهم شعر وكهانة وسحر وهذا قول مجاهد وإبراهيم النخعي. # قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد منبه للمؤمنين على ملازمة المصحف وأن ~~لا يكون الغبار يعلوه في البيوت ويشتغل بغيره، وروى أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال «من علق مصحفا ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقا به ~~يقول هذا اتخذني مهجورا افصل يا رب بيني وبينه» ، ثم سلاه عن فعل قومه بأن ~~أعلمه أن غيره من الرسل كذلك امتحن بأعداء في زمنه، أي فاصبر كما صبروا ~~وعدوا يراد به الجمع، تقول هؤلاء عدو لي فتصف به الجمع والواحد والمؤنث ثم ~~وعده تعلق بقوله: وكفى بربك هاديا ونصيرا والباء في بربك للتأكيد على الأمر ~~إذ المعنى اكتف بربك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 32 الى 34] # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) ~~الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) # روي عن ابن عباس وغيره أن كفار قريش قالوا في بعض معارضتهم لو كان هذا ~~القرآن من عند الله لنزل جملة كما نزل التوراة والإنجيل وقوله كذلك يحتمل ~~أن يكون من ms2607 قول الكفار إشارة إلى التوراة والإنجيل، ويحتمل أن يكون من ~~الكلام المستأنف وهو أولى ومعناه كما نزل أردناه فالإشارة إلى نزوله متفرقة ~~وجعل الله تعالى السبب في نزوله متفرقا تثبيت فؤاد محمد عليه السلام ~~وليحفظه، وقال مكي والرماني من حيث كان أميا لا يكتب وليطابق الأسباب ~~المؤقتة فنزل في نيف على عشرين سنة، وكان غيره من الرسل يكتب فنزل إليه ~~جملة، وقرأ عبد الله بن مسعود «ليثبت» بالياء، والترتيل التفريق بين الشيء ~~المتتابع ومنه قولهم ثغر رتل ومنه ترتيل القراءة، وأراد الله تعالى أن ينزل ~~القرآن في النوازل والحوادث التي قدرها وقدر نزوله فيها، ثم أخبر تعالى ~~نبيه أن هؤلاء الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة PageV04P209 # منهم كتمثيلهم في هذه بالتوراة والإنجيل إلا جاء القرآن بالحق في ذلك ~~بالجلية ثم هو أحسن تفسيرا وأفصح بيانا وتفصيلا، ثم توعد الكفار بما ينزل ~~بهم يوم القيامة من الحشر على وجوههم إلى النار وذهب الجمهور، إلى أن هذا ~~المشي على الوجوه حقيقة، وروي في ذلك من طريق أنس بن مالك حديث أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له رجل يا رسول الله كيف يقدرون على المشي على ~~وجوههم، وقال إن الذي أقدرهم على المشي على أرجلهم قادر أن يمشيهم على ~~وجوههم، وقالت فرقة المشي على الوجوه استعارة للذلة المفرطة والهوان والخزي ~~وقوله تعالى: شر مكانا القول فيه كالقول في قوله خير مستقرا [الفرقان: 24] ~~. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 35 الى 39] # ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) ~~وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثال ~~وكلا تبرنا تتبيرا (39) # هذه الآية التي ذكر فيها الأمم هي تمثيل لهم وتوعد أن يحل بهم ما حل ~~بهؤلاء المعذبين، والكتاب التوراة، والوزير المعين، وهو من تحمل الوزر أي ~~ثقل الحال أو من الوزر الذي ms2608 هو الملجأ، والقوم الذين كذبوا هم فرعون وملؤه ~~من القبط، ثم حذف من الكلام كثير دل عليه ما بقي، وتقدير المحذوف فأديا ~~الرسالة فكذبوهما فدمرناهم. وقرأ علي بن أبي طالب ومسلمة بن محارب ~~«فدمرانهم» أي كونا سبب ذلك، قال أبو الفتح ألحق نون التوكيد ألف التثنية ~~كما تقول اضربان زيدا. # قال الفقيه الإمام القاضي: وروي عن علي رضي الله عنه «فدمراهم» ، وحكى ~~عنهم أبو عمرو الداني «فدمرناهم» بكسر الميم خفيفة، قال وروي عنه «فدمروا ~~بهم» على الأمر لجماعة وزيادة باء، والذي فسر أبو الفتح وهم وإنما القراءة ~~«فدمرا بهم» بالباء، وكذلك المهدوي، ونصب قوله وقوم نوح بفعل مضمر يدل عليه ~~أغرقناهم، وقوله الرسل وهم إنما كذبوا نوحا فقط معناه أن الأمة التي تكذب ~~نبيا واحدا ففي ضمن ذلك تكذيب جميع الأنبياء فجاءت العبارة بما يتضمنه ~~فعلهم تغليظا في القول عليهم، وقوله آية أي علامة على سطوة الله تعالى بكل ~~كافر بأنبيائه، وعاد وثمود يصرف، وجاء هاهنا مصروفا، وقرأ ابن مسعود وعمرو ~~بن ميمون والحسن وعيسى «وعادا» مصروفا «وثمود» غير مصروف، واختلف الناس في ~~أصحاب الرس فقال ابن عباس هم قوم ثمود، وقال قتادة هم أهل قرية من اليمامة ~~يقال لها الرس والفلج، وقال مجاهد هم أهل قرية فيها بير عظيمة إلخ ... يقال ~~لها الرس، وقال كعب ومقاتل والسدي الرس بير بأنطاكية الشام قتل فيها صاحب ~~ياسين، وقال الكلبي أصحاب الرس قوم بعث إليهم نبي فأكلوه، وقال قتادة أصحاب ~~الرس وأصحاب ليكة قومان أرسل إليهما PageV04P210 # شعيب عليه السلام، وقاله وهب بن منبه وقال علي رضي الله عنه في كتاب ~~الثعلبي أصحاب الرس قوم عبدوا شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، رسوا نبيهم في ~~بير حفروه له في حديث طويل، والرس في اللغة كل محفور من بير أو قبر أو معدن ~~ومنه قول الشاعر [النابغة الجعدي] : [المتقارب] # سبقت إلى فرط بأهل ... تنابلة يحفرون الرساسا # وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الرس ~~المشار إليهم في ms2609 هذه الآية قوم أخذوا نبيهم فرسوه في بير وأطبقوا عليه ~~صخرة، قال فكان عبد أسود قد آمن به يجيء بطعام إلى تلك البير فيعينه الله ~~على تلك الصخرة إلى أن ضرب الله يوما على أذن ذلك الأسود بالنوم أربع عشرة ~~سنة وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا به في حديث طويل، قال الطبري فيمكن أنهم ~~كفروا به بعد ذلك فذكرهم الله في هذه الآية، وقوله وقرونا بين ذلك كثيرا ~~إبهام لا يعلم حقيقته إلا الله عز وجل وقد تقدم شرح القرن وكم هو، ومن هذا ~~اللفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى، ويروى أن ابن عباس ~~قاله، «كذب النسابون من فوق عدنان لأن الله تعالى أخبر عن كثير من الخلق ~~والأمم ولم يحد» ، ثم قال تعالى إن كل هؤلاء «ضرب له الأمثال» ، ليهتدي فلم ~~يهتد، «فتبره» الله أي أهلكه، والتبار الهلاك ومنه تبر الذهب أي المكسر ~~المفتت، وكذلك يقال لفتات الرخام والزجاج تبر، وقال ابن جبير إن أصل الكلمة ~~نبطي ولكن العرب قد استعملته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 40 الى 44] # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا ~~لا يرجون نشورا (40) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله ~~رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه ~~وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا (44) # قال ابن عباس وابن جريج والجماعة الإشارة إلى مدينة قوم لوط وهي سدوم ~~بالشام، ومطر السوء حجارة السجيل، وقرأ أبو السمال «السوء» بضم السين ~~المشددة، ثم وقفهم على إعراضهم وتعرضهم لسخط الله بعد رؤيتهم العبرة من تلك ~~القرية، ثم حكم عليهم أنهم إذا رأوا محمدا صلى الله عليه وسلم استهزؤوا به ~~واستحقروه وأبعدوا أن يبعثه الله رسولا، فقالوا على جهة الاستهزاء أهذا ~~الذي بعث الله رسولا وفي ms2610 بعث ضمير يعود على الذي حذف اختصارا وحسن ذلك في ~~الصلة، ثم أنس النبي صلى الله عليه وسلم عن كفرهم بقوله أرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه الآية، والمعنى لا تتأسف عليهم ودعهم لرأيهم ولا تحسب أنهم على ما يجب ~~من التحصيل والعقل بل هم كالأنعام في الجهل بالمنافع وقلة التحسس للعواقب، ~~ثم حكم بأنهم أضل سبيلا من حيث لهم الفهم وتركوه، و «الأنعام» لا سبيل لهم PageV04P211 # إلى فهم المصالح، ومن حيث جهالة هؤلاء وضلالتهم في أمر أخطر من الأمر ~~الذي فيه جهالة الأنعام، وقوله اتخذ إلهه هواه معناه جعل هواه مطاعا فصار ~~كالإله والهوى قائد إلى كل فساد لأن النفس أمارة بالسوء وإنما الصلاح إذا ~~ائتمرت للعقل، وقال ابن عباس الهوى الإله يعبد من دون الله ذكره الثعلبي، ~~وقيل الإشارة بقوله إلهه هواه إلى ما كانوا عليه من أنهم كانوا يعبدون حجرا ~~فإذا وجدوا أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الثاني الذي وقع هواهم عليه، قال ~~أبو حاتم وروي عن رجل من أهل المدينة قال ابن جني هو الأعرج إلهه هواه ~~والمعنى اتخذ شمسا يستضيء بها هواه إذ الشمس يقال لها إلهة وتصرف ولا تصرف، ~~و «الوكيل» القائم على الأمر الناهض به. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 45 الى 47] # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) # ألم تر معناه انتبه، والرؤية هاهنا رؤية القلب، وأدغم عيسى بن عمر ربك ~~كيف، قال أبو حاتم والبيان أحسن، ومد الظل بإطلاق هو بين أول الإسفار إلى ~~بزوغ الشمس ومن بعد مغيبها مدة يسيرة فإن في هذين الوقتين على الأرض كلها ~~ظل ممدود على أنها نهار، وفي سائر أوقات النهار ظلال متقطعة والمد والقبض ~~مطرد فيها وهو عندي المراد في الآية والله أعلم، وفي الظل الممدود ما ذكر ~~الله في هواء الجنة لأنها لما كانت لا شمس فيها ms2611 كان ظلها ممدودا أبدا. # وتظاهرت أقوال المفسرين على أن مد الظل هو من الفجر إلى طلوع الشمس وهذا ~~معترض بأن ذلك في غير نهار بل في بقايا الليل لا يقال له ظل، وقوله تعالى: ~~ولو شاء لجعله ساكنا أي ثابتا غير متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل الشمس ونسخها ~~إياه وطردها له من موضع إلى موضع دليلا عليه مبينا لوجوده ولوجه العبرة ~~فيه، حكى الطبري أنه لولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء إذ الأشياء إنما تعرف ~~بأضدادها وقوله قبضا يسيرا يحتمل أن يريد لطيفا أي شيئا بعد شيء لا في مرة ~~واحدة ولا بعنف، قال مجاهد، ويحتمل أن يريد معجلا وهذا قول ابن عباس ويحتمل ~~أن يريد سهلا قريب المتناول، قال الطبري ووصف الليل باللباس تشبيها من حيث ~~يستر الأشياء ويغشاها، و «السبات» ضرب من الإغماء يعتري اليقظان مرضا، فشبه ~~النائم به، والسبت الإقامة في المكان فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه، و ~~«النشور» في هذا الموضع الإحياء شبه اليقظة به ليتطابق الإحياء مع الإماتة ~~والتوفي اللذين يتضمنهما النوم والسبات ويحتمل أن يريد ب «النشور» وقت ~~انتشار وتفرق لطلب المعايش وابتغاء فضل الله، وقوله النهار نشورا وما قبله ~~من باب ليل نائم ونهار صائم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 48 الى 52] # وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~(48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد ~~صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) ولو شئنا لبعثنا في ~~كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) PageV04P212 # قرأت فرقة «الرياح» ، وقرأت فرقة «الريح» على الجنس، فهي بمعنى الرياح ~~وقد نسبنا القراءة في سورة الأعراف وقراءة الجمع أوجه لأن عرف الريح متى ~~وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة فإنما هي ~~رياح، لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرق وتأتي لينة من هاهنا وهاهنا، ~~وشيئا إثر شيء، وريح العذاب خرجت لا تتداءب وإنما تأتي جسدا واحدا، ألا ms2612 ترى ~~أنها تحطم ما تجد وتهدمه، قال الرماني جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح ~~الجنوب والصبا والشمال وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور. # قال القاضي أبو محمد: يرد على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبت ~~الريح اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، واختلف القراء في «النشر» ، في ~~النون والباء وغير ذلك اختلافا قد ذكرناه في سورة الأعراف، ونشرا معناه ~~منتشرة متفرقة و «الطهور» بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضته في ماء ~~السماء وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهرا مطهرا وفيما كثرت فيه ~~التغايير، كماء الورد وعصير العنب أن يكون طاهرا ولا مطهرا، ووصف «البلدة» ~~ب «الميت» لأنه جعله كالمصدر الذي يوصف به المذكر والمؤنث وجاز ذلك من حيث ~~البلدة بمعنى البلد، وقرأ طلحة بن مصرف «لننشىء به بلدة ونسقيه» بضم النون ~~وهي قراءة الجمهور ومعناه نجعله لهم سقيا، هذا قول بعض اللغويين في أسقى ~~قالوا وسقى معناه للشفة، وقال الجمهور سقى وأسقى بمعنى واحد وينشد على ذلك ~~بيت لبيد: [الوافر] # سقى قومي بني نجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال # وقرأ أبو عمرو «ونسقيه» بفتح النون وهي قراءة ابن مسعود وابن أبي عبلة ~~وأبي حيوة، ورويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأناسي، قيل هو جمع إنسان ~~والياء المشددة بدل من النون في الواحد قاله سيبويه، وقال المبرد هو جمع ~~إنسي وكان القياس أن يكون أناسية كما قالوا في مهلبي ومهالبة، وحكى الطبري ~~عن بعض اللغويين في جمع إنسان أناسين بالنون كسر حان وبستان، وقرأ يحيى بن ~~الحارث «أناسي» بتخفيف الياء، والضمير في صرفناه قال ابن عباس ومجاهد هو ~~عائد على الماء المنزل من السماء، المعنى أن الله تعالى جعل إنزال الماء ~~تذكرة بأن يصرفه عن بعض المواضع إلى بعض المواضع وهذا كله في كل عام بمقدار ~~واحد، وقاله ابن مسعود، وقوله على هذا التأويل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~أي في قولهم بالأنواء والكواكب قاله عكرمة، وقيل كفورا على ms2613 الإطلاق لما ~~تركوا التذكر، وقال ابن عباس الضمير في صرفناه للقرآن وإن كان لم يتقدم له ~~ذكر لوضوح الأمر ويعضد ذلك قوله بعد ذلك، وجاهدهم به، وعلى التأويل الأول ~~الضمير في به يراد به القرآن على نحو ما ذكرناه، وقال ابن زيد يراد به ~~الإسلام، وقرأ عكرمة «صرفنا» بتخفيف الراء، وقرأ حمزة والكسائي والكوفيون ~~«ليذكروا» PageV04P213 # بسكون الذال، وقرأ الباقون «ليذكروا» بشد الذال والكاف، وفي قوله ولو ~~شئنا الآية اقتضاب يدل عليه ما ذكر تقديره ولكنا أفردناك بالنذارة وحملناك ~~فلا تطع الكافرين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 53 الى 57] # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا ~~وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك ~~قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا (55) وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من ~~أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) # اضطرب الناس في تفسير هذه الآية فقال ابن عباس أراد بحر السحاب والبحر ~~الذي في الأرض، ورتبت ألفاظ الآية على ذلك، وقال مجاهد البحر العذب هو مياه ~~الأنهار الواقعة في البحر «الأجاج» وقوعها فيه هو مرجها. قال و «البرزخ» و ~~«الحجر» هو حاجز في علم الله لا يراه البشر، وقاله الزجاج، وقالت فرقة معنى ~~مرج أدام أحدهما في الآخر، وقال ابن عباس خلى أحدهما على الآخر ونحو هذا من ~~الأقوال التي تتداعى مع بعض ألفاظ الآية، والذي أقول به في الآية إن المقصد ~~بها التنبيه على قدرة الله تعالى وإتقان خلقه للأشياء في أن بث في الأرض ~~مياها عذبة كثيرة من أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج وجعل الأجاج ~~خلالها، فتلقى البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب ~~في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، ~~وهو قوله مرج ومنه مريج أي مختلط مشتبك، ومنه مرجت عهودهم في الحديث ~~المشهور، و «البحران» ms2614 يريد بهما جميع الماء العذب وجميع الماء الأجاج، كأنه ~~قال مرج نوعي الماء والبرزخ والحجر هو ما بين البحرين من الأرض واليبس، ~~قاله الحسن، ومنه القدرة التي تمسكها مع قرب ما بينهما في بعض المواضع، ~~وبكسر الحاء قرأ الناس كلهم هنا والحسن بضم الحاء في سائر القرآن، و ~~«الفرات» الصافي اللذيذ المطعم، و «البرزخ» الحاجز بين الشيئين، وقرأ ~~الجمهور «هذا ملح» وقرأ طلحة بن مصرف «هذا ملح» بكسر اللام وفتح الميم، قال ~~أبو حاتم هذا منكر في القراءة، قال ابن جني أراد مالحا وحذف الألف كبرد ~~وبرد، و «الأجاج» أبلغ ما يكون من الملوحة، وقوله تعالى: وهو الذي خلق من ~~الماء الآية، هو تعديد النعمة على الناس في إيجادهم بعد العدم، والتنبيه ~~على العبرة في ذلك وتعديد النعمة في التواشج الذي جعل بينهم من النسب ~~والصهر، وقوله من الماء إما أن يريد أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من ~~الماء، وإما أن يريد نطف الرجال وكل ذلك قالته فرقة، والأول أفصح وأبين، و ~~«النسب والصهر» معنيان يعمان كل قربى تكون بين كل آدميين، ف «النسب» هو أن ~~يجتمع إنسان مع آخر في أب أو في أم قرب ذلك أو بعد، و «الصهر» تواشج ~~المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج ثم الأحماء والأصهار يقع ~~عاما لذلك كله، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه «النسب» ما لا يحل نكاحه ~~«والصهر» ما يحل نكاحه وقال الضحاك «الصهر» قرابة الرضاع. PageV04P214 # قال القاضي أبو محمد: وذلك عندي وهم أوجبه أن ابن عباس قال حرم من النسب ~~سبع ومن الصهر خمس، وفي رواية أخرى من الصهر سبع يريد قول الله تعالى: حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~[النساء: 23] ، فهذا هو من النسب. ثم يريد ب «الصهر» قوله تعالى: وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ~~وحلائل أبنائكم الذين من ms2615 أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين [النساء: 23] ، ثم ~~ذكر المحصنات، ومجمل هذا أن ابن عباس أراد حرم من الصهر مع ما ذكر معه فقصد ~~مما ذكر إلى عظمه وهو الصهر لأن الرضاع صهر وإنما الرضاع عديل النسب يحرم ~~منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه، ومن روى وحرم من الصهر خمس ~~أسقط من الآية الجمع بين الأختين والمحصنات وهن ذواتي الأزواج، وحكى ~~الزهراوي قولا أن «النسب» من جهة البنين «والصهر» من جهة البنات. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا حسن وهو في درج ما قدمته، وقال ابن سيرين ~~نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي لأنه جمعه معه نسب وصهر ~~فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة. وقوله وكان ربك قديرا هي كان التي ~~للدوام قبل وبعد لا أنها تعطي مضيا فقط، ثم ذكر تعالى خطأهم في عبادتهم ~~أصناما لا تملك لهم ضرا ولا نفعا وقوله وكان الكافر على ربه ظهيرا فيه ~~تأويلان: أحدهما أن «الظهير» المعين فتكون الآية بمعنى توبيخهم على ذلك من ~~أن الكفار يعينون على ربهم غيرهم من الكفرة والشيطان بأن يطيعوه ويظاهروه، ~~وهذا هو تأويل مجاهد والحسن وابن زيد، والثاني ذكره الطبري أن يكون ~~«الظهير» فعيلا، من قولك ظهرت الشيء إذا طرحته وراء ظهرك واتخذته ظهريا، ~~فيكون معنى الآية على هذا التأويل احتقار الكفرة، والكافر في هذه الآية اسم ~~الجنس وقال ابن عباس بل هو معين أراد به أبا جهل بن هشام. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن أبا جهل سبب الآية ولكن اللفظ عام ~~للجنس كله. وقوله تعالى وما أرسلناك الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~أي لا تهتم بهم ولا تذهب نفسك حسرات حرصا عليهم فإنما أنت رسول تبشر ~~المؤمنين بالجنة وتنذر الكفرة النار ولست بمطلوب بإيمانهم أجمعين، ثم أمره ~~تعالى بأن يحتج عليهم مزيلا لوجوه التهم بقوله ما أسئلكم عليه من أجر أي لا ~~أطلب مالا ولا نفعا يختص بي، وقوله إلا من شاء الظاهر فيه أنه استثناء ~~منقطع، والمعنى ms2616 مسؤولي ومطلوبي من شاء أن يهتدي ويؤمن ويتخذ إلى رحمة ربه ~~طريق نجاة، قال الطبري المعنى لا أسألكم أجرا إلا إنفاق المال في سبيل الله ~~فهو المسئول وهو السبيل إلى الرب. # قال الفقيه الإمام القاضي: فالاستثناء على هذا كالمتصل، وكأنه قال إلا ~~أجر من شاء والتأويل الأول أظهر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 58 الى 60] # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ~~أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) PageV04P215 # المعنى قل لهم يا محمد هذه المقالة التي لا ظن يتطرق إليك معها ولا تهتم ~~بهم وبشر وأنذر وتوكل على المتكفل بنصرك وعضدك في كل أمرك، ثم وصف تعالى ~~نفسه الصفة التي تقتضي التوكل في قوله الحي الذي لا يموت إذ هذا المعنى ~~يختص بالله تعالى دون كل ما لدينا مما يقع عليه اسم حي، وقوله وسبح بحمده ~~قل سبحان الله وبحمده أي تنزيهه واجب وبحمده أقول. # قال القاضي أبو محمد: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال في كل ~~يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، فهذا ~~معنى وسبح بحمده وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان، الحديث، وقوله ~~وكفى به توعد وإزالة كل عن محمد صلى الله عليه وسلم في همه بهم، وقوله وما ~~بينهما مع جمعه السماوات قبل سائغ من حيث عادل لفظ الأرض لفظ السماوات ~~ونحوه قول عمرو بن شييم: [الوافر] # ألم يحزنك أن جبال قيس ... وتغلب قد تباينتا انقطاعا # من حيث عادلت جبالا جبالا، ومنه قول الآخر: [الكامل] # إن المنية والحتوف كلاهما ... يوفي المخارم يرقبان سواد # وقوله في ستة أيام اختلفت الرواية في اليوم الذي ابتدأ الله فيه الخلق، ~~فأكثر الروايات على يوم الأحد، وفي مسلم وفي كتاب الدلائل يوم السبت، وبين ~~بكون ذلك في ستة أيام وضع ms2617 الإناءة والتمهل في الأمور لأن قدرته تقضي أنه ~~يخلقها في طرفة عين لو شاء لا إله إلا هو، وقد تقدم القول في الاستواء، ~~وقوله الرحمن يحتمل أن يكون رفعه بإضمار مبتدأ أي هو الرحمن ويحتمل أن يكون ~~بدلا من الضمير في قوله استوى وقرأ زيد بن علي بن الحسين «الرحمن» بالخفض، ~~وقوله فسئل به خبيرا فيه تأويلان: أحدهما فسئل عنه وخبيرا على هذا منصوب ~~إما بوقوع السؤال عليه والمعنى، اسأل جبريل والعلماء وأهل الكتب المنزلة، ~~والثاني أن يكون المعنى كما تقول لو لقيت فلانا لقيت به البحر كرما أي لقيت ~~منه والمعنى فاسأل الله عن كل أمر، وخبيرا على هذا منصوب إما بوقوع السؤال ~~وإما على الحال المؤكدة كما قال وهو الحق مصدقا [البقرة: 91] ، وليست هذه ~~بحال منتقلة إذ الصفة العلية لا تتغير، ولما ذكر في هذه الآية «الرحمن» ~~كانت قريش لا تعرف هذا في أسماء الله، وكان مسيلمة كذاب اليمامة تسمى ب ~~«الرحمن» فغالطت قريش بذلك وقالت إن محمدا يأمر بعبادة «الرحمن» اليمامة ~~فنزل قوله تعالى: وإذا قيل لهم الآية، وقولهم وما الرحمن استفهام عن مجهول ~~عندهم ف ما على بابها المشهور، وقرأ جمهور القراء «تأمرنا» بالتاء أي أنت ~~يا محمد، وقرأ حمزة والكسائي والأسود بن يزيد وابن مسعود «يأمرنا» بالياء ~~من تحت إما على إرادة محمد والكناية عنه بالغيبة، وإما على إرادة رحمان ~~اليمامة، وقوله: وزادهم نفورا أي أضلهم هذا اللفظ ضلالا لا يختص به حاشى ما ~~تقدم منهم. PageV04P216 # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 61 الى 63] # تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63) # لما جعلت قريش سؤالها عن الله تعالى وعن اسمه الذي هو الرحمن سؤالا عن ~~مجهول نزلت هذه الآية مصرحة بصفاته التي تعرف به وتوجب الإقرار بربوبيته، و ~~«البروج» هي التي علمتها العرب بالتجربة وكل ms2618 أمة مصحرة وهي المشهورة عند ~~اللغويين وأهل تعديل الأوقات وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل القمر ~~التي ذكرها الله تعالى في قوله والقمر قدرناه منازل [يس: 39] والعرب تسمي ~~البناء المرتفع المستغني بنفسه برجا تشبيها ببروج السماء. ومنه قوله تعالى: ~~ولو كنتم في بروج مشيدة [النساء: 78] . وقال الأخطل: [البسيط] # كأنها برج رومي يشيده ... لز بجص وآجور وأحجار # وقال بعض الناس في هذه الآية التي نحن فيها «البروج» القصور في الجنة، ~~وقال الأعمش: كان أصحاب عبد الله يقرؤونها «في السماء قصورا» ، وقيل ~~«البروج» الكواكب العظام حكاه الثعلبي عن أبي صالح، وهذا نحو ما بيناه إلا ~~أنه غير ملخص، وأما القول بأنها قصور في الجنة فقول يحط غرض الآية في ~~التنبيه على أشياء مدركات تقوم بها الحجة على كل منكر لله أو جاهل به. وقرأ ~~الجمهور «سراجا» وهي الشمس، وقرأ حمزة والكسائي وعبد الله بن مسعود وعلقمة ~~والأعمش «سرجا» وهو اسم جميع الأنوار ثم خص القمر بالذكر تشريفا، وقرأ ~~النخعي وابن وثاب والأعمش «سرجا» بسكون الراء، قال أبو حاتم روى عصمة عن ~~الحسن «وقمرا» بضم القاف ساكنة الميم ولا أدري ما أراد إلا أن يكون عنى ~~جمعا كثمر وثمر وقال أبو عمرو وهي قراءة الأعمش والنخعي، وقوله خلفة أي هذا ~~يخلف هذا، وهذا يخلف هذا، ومن هذا المعنى قول زهير: [الطويل] # بها العين والأرآم يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم # ومن هذا قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف ~~دأبا [يزيد بن معاوية] : [المديد] # ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا # خلفة حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جلق بيعا # في بيوت وسط دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا # وقال مجاهد خلفة من الخلاف، هذا أبيض وهذا أسود، وما قدمناه أقوى، وقال ~~مجاهد وغيره من النظار لمن أراد أن يذكر أي يعتبر بالمصنوعات ويشكر الله ~~على نعمه عليه في العقل والفهم والفكر، PageV04P217 # وقال عمر بن الخطاب والحسن وابن عباس معناه لمن أراد أن يذكر ما فاته ms2619 من ~~الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه، وقرأ حمزة وحده ~~«يذكر» بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة والنخعي، وقرأ ~~الباقون «يذكر» بشد الذال، وفي مصحف أبي بن كعب «يتذكر» بزيادة تاء، ثم قال ~~تعالى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا جاء بصفة عباده الذين هم أهل التذكر ~~والشكور، و «العباد» والعبيد بمعنى إلا أن العباد يستعمل في مواضع التنويه، ~~وسمي قوم من عبد القيس العباد لأن كسرى ملكهم دون العرب، وقيل لأنهم تألهوا ~~مع نصارى الحيرة فصاروا عباد الله وإليهم ينسب عدي بن زيد العبادي، وقرأ ~~الحسن بن أبي الحسن «وعبد الرحمن» ، ذكره الثعلبي، وقوله الذين يمشون على ~~الأرض عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم نذكر من ذلك العظم لا سيما وفي ~~الانتقال في الأرض هي معاشرة الناس وخلطتهم ثم قال، هونا، بمعنى أمره كله ~~هون أي لين، قال مجاهد، بالحلم والوقار، وقال ابن عباس بالطاعة والعفاف ~~والتواضع، وقال الحسن حلما إن جهل عليهم لم يجهلوا، وذهبت فرقة إلى أن هونا ~~مرتبط بقوله يمشون على الأرض أي المشي هو هون، ويشبه أن يتأول هذا على أن ~~تكون أخلاق ذلك الماشي هونا مناسبة لمشية فيرجع القول إلى نحو ما بيناه ~~وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئيب ~~أطلس. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفا في مشيه كأنما يمشي في ~~صبب وهو عليه السلام الصدر في هذه الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم «من مشى ~~منكم في طمع فليمش رويدا» إنما أراد في عقد نفسه ولم يرد المشي وحده، ألا ~~ترى أن المبطلين المتحيلين بالدين تمسكوا بصورة المشي فقط حتى قال فيهم ~~الشاعر ذما لهم [أبي جعفر المنصور] : [مجزوء الرمل] # كلهم يمشي رويدا ... كلهم يطلب صيدا # وقال الزهري سرعة المشي تذهب ببهاء الوجه. # قال القاضي أبو محمد: يريد الإسراع الحثيث لأنه يخل بالوقار والخير في ~~التوسط وقال زيد بن أسلم كنت أسأل عن تفسير ms2620 قوله الذين يمشون على الأرض ~~هونا فما وجدت في ذلك شفاء، فرأيت في النوم من جاءني فقال هم الذين لا ~~يريدون أن يفسدوا في الأرض. # قال الفقيه الإمام القاضي: فهذا تفسير في الخلق، وهونا معناه رفقا وقصدا، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «أجب حبيبك هونا ما» الحديث وقوله وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. اختلف في تأويل ذلك، فقالت فرقة ينبغي ~~للمخاطب أن يقول للجاهل سلاما بهذا اللفظ أي سلمنا سلاما وتسليما ونحو هذا، ~~فيكون العامل فيه فعلا من لفظه على طريقة النحويين، والذي أقول إن قالوا هو ~~العامل في سلاما لأن المعنى قالوا هذا اللفظ، وقال مجاهد معنى سلاما قولا ~~سديدا، أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين ف قالوا على هذا التأويل ~~عامل في قوله سلاما على طريقة النحويين وذلك أنه بمعنى قولا، وهذه الآية ~~كانت قبل آية السيف فنسخ منها ما يختص الكفرة وبقي أدبها في المسلمين إلى ~~يوم القيامة، وذكر سيبويه النسخ في هذه الآية في كتابه وما تكلم على نسخ ~~سواه، ورجح به أن المراد السلامة لا التسليم لأن المؤمنين لم يؤمروا قط ~~بالتسليم على الكفار والآية مكية فنسختها آية السيف. PageV04P218 # قال الفقيه الإمام القاضي: ورأيت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي ~~كان من المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يوما بمحضر المأمون ~~وعنده جماعة: كنت أرى عليا في النوم فكنت أقول له من أنت؟ فكان يقول علي بن ~~أبي طالب، فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عبورها، فكنت أقول له ~~إنما تدعي هذا الأمر بإمرة ونحن أحق به منك، فما رأيت له في الجواب بلاغة ~~كما يذكر عنه، فقال المأمون وبماذا جاوبك قال: فكان يقول لي سلاما سلاما، ~~قال الراوي وكان إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت ~~فنبه المأمون على الآية من حضره وقال هو والله يا عمي علي بن أبي طالب وقد ~~جاوبك بأبلغ جواب فحزن إبراهيم واستحيا ms2621 وكانت رؤياه لا محالة صحيحة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 64 الى 66] # والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) # هذه آية فيها تحريض على القيام بالليل للصلاة، قال الحسن لما فرغ من وصف ~~نهارهم وصف في هذه ليلهم، وقال بعض الناس من صلى العشاء الآخرة وشفع وأوتر ~~فهو داخل في هذه الآية. # قال الفقيه الإمام القاضي: إلا أنه دخول غير مستوفى، وقرأ أبو البرهسم ~~«سجودا وقياما» ، ومدحهم تعالى بدعائه في صرف عذاب جهنم من حيث ذلك دليل ~~على صحة عقدهم وإيمانهم ومن حيث أعمالهم بحسبه، وغراما معناه ملازما، وقيل ~~مجحفا ومنه غرام الحب ومنه المغرم ومنه قول الأعشى: # [الخفيف] # إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي # وقول بشر بن أبي حازم: [المتقارب] # ويوم النسار ويوم الجفار ... كانا عناء وكانا غراما # وقرأ جمهور الناس «مقاما» بضم الميم من الإقامة، ومنه قول الشاعر: «حيوا ~~المقام وحيوا ساكن الدار» ، وقرأت فرقة «مقاما» بفتح الميم من قام يقوم ~~فجهنم ضد مقام كريم والأول أفصح وأشهر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 67 الى 70] # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) # اختلف المفسرون في هذه الآية التي في الإنفاق، فعبارة أكثرهم أن الذي لا ~~يسرف هو المنفق في PageV04P219 # الطاعة، وإن أسرف، والمسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، وأن ~~المقتر هو الذي يمنع حقا عليه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال ~~عون بن عبد الله بن عتبة «الإسراف» أن تنفق مال غيرك. # ونحو هذه الأقوال التي هي غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة ms2622 والمعصية ~~بالإسراف والتقتير فيه نظر، والوجه أن يقال إن النفقة في المعصية أمر قد ~~حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون ~~منزهون عن ذلك، وإنما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، ~~فأدب الشرع فيها أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر أو عيالا ونحو هذا ~~وأن لا يضيق أيضا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو ~~القوام، أي المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخفة ظهره وصبره ~~وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها، ولهذا ترك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك وسط بنسبة جلده ~~وصبره في الدين ومنع غيره من ذلك، ونعم ما قال إبراهيم النخعي وهو الذي لا ~~يجيع ولا يعري ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف، وقال يزيد بن حبيب هم ~~الذين لا يلبسون الثياب للجمال ولا يأكلون طعاما للذة، وقال عبد الملك بن ~~مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ فقال له عمر ~~الحسنة بين السيئتين، ثم تلا الآية، وقال عمر بن الخطاب كفى بالمرء سرفا ~~ألا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ~~«يقتروا» بضم الياء وكسر التاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد وحفص عن ~~عاصم «يقتروا» بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وفتح ~~التاء، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة وعاصم بخلاف، وقرأ أبو عبد الرحمن ~~بضم الياء وفتح التاء، وقرأ أبو عمرو «والناس قواما» بفتح القاف، أي ~~معتدلا، وقرأ حسان بن عبد الرحمن بكسر القاف أي مبلغا وسدادا وملاك حال، ~~وقواما خبر كان واسمها مقدر أي الإنفاق، وجوز الفراء أن يكون اسمها قوله ~~بين ذلك. وقوله تعالى: والذين لا يدعون الآية إخراج لعباده المؤمنين من ~~صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان وقتلهم النفس بوأد البنات وغير ذلك من ~~الظلم والاغتيال والغارات وبالزنا الذي كان عندهم مباحا، ms2623 وفي نحو هذه الآية ~~قال عبد الله بن مسعود: قلت يوما يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل ~~لله ندا وهو خلقك، قلت ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم ~~أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية. # قال الفقيه الإمام القاضي: والقتل والزنا يدخل في هذه الآية العصاة من ~~المؤمنين ولهم من الوعيد بقدر ذلك، «والحق» الذي تقتل به النفس هو قتل ~~النفس والكفر بعد الإيمان، و «الزنا» بعد الإحصان، والكفر الذي لم يتقدمه ~~إيمان في الحربيين، و «الأثام» في كلام العرب العقاب وبه فسر ابن زيد ~~وقتادة هذه الآية ومنه قول الشاعر: [الوافر] # جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام # أي جزاء وعقوبة، وقال عكرمة وعبد الله بن عمرو ومجاهد إن أثاما واد في ~~جهنم هذا اسمه وقد جعله الله عقابا للكفرة، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة ~~والكسائي «يضاعف ويخلد» جزما، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر والحسن «يضعف» بشد ~~العين وطرح الألف وبالجزم في «يضعف ويخلد» ، وقرأ طلحة بن سليمان PageV04P220 # «نضعف» بضم النون وكسر العين المشددة «العذاب» نصب «ويخلد» جزم وهي قراءة ~~أبي جعفر وشيبة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «يضاعف ويخلد» بالرفع فيهما، ~~وقرأ طلحة بن سليمان «وتخلد» بالتاء على معنى مخاطبة الكافر بذلك، وروي عن ~~أبي عمرو «ويخلد» بضم الياء من تحت وفتح اللام قال أبو علي وهي غلط من جهة ~~الرواية «ويضاعف» بالجزم بدل من يلق قال سيبويه مضاعفة العذاب هي الأثام ~~قال الشاعر: # «متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا» . البيت وقوله إلا من تاب الآية لا خلاف ~~بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني واختلفوا في القاتل من ~~المسلمين، فقال جمهور العلماء له التوبة وجعلت هذه الفرقة قاعدتها قوله ~~تعالى: ويغفر ما دون ذلك [النساء: 48] فجعل القاتل في المشيئة كسائر ~~التائبين من الذنوب، ويتأولون الخلود الذي في آية القتل في سورة النساء ~~بمعنى الدوام ms2624 إلى مدة كخلد الدول ونحوه، وروى أبو هريرة في أن التوبة لمن ~~قتل حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل إن هذه الآية نزلت في وحشي ~~قاتل حمزة، وقاله سعيد بن جبير، وقال ابن عباس وغيره لا توبة للقاتل، قال ~~ابن عباس وهذه الآية إنما أريد بالتوبة فيها المشركون وذلك أنها لما نزلت ~~إلا من تاب الآية، ونزلت قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله [الزمر: 53] ، فما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحه ~~بها وبسورة الفتح، وقال غير ابن عباس ممن قال بأن لا توبة للقاتل إن هذه ~~الآية منسوخة بآية سورة النساء قاله زيد بن ثابت، ورواه أيضا سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس، وقال أبو الجوزاء صحبت ابن عباس ثلاث عشرة سنة فما شيء من ~~القرآن إلا سألته عنه فما سمعته يقول إن الله تعالى يقول لذنب لا أغفره ~~وقوله تعالى: يبدل الله سيئاتهم حسنات. معناه يجعل أعمالهم بدل معاصيهم ~~الأول طاعة فيكون ذلك سببا لرحمة الله إياهم قاله ابن عباس وابن جبير وابن ~~زيد والحسن، ورد على من قال هو في يوم القيامة، وقد ورد حديث في كتاب مسلم ~~من طريق أبي يقتضي أن الله تعالى يبدل يوم القيامة لمن يريد المغفرة من ~~الموحدين بدل سيئات حسنات، وذكره الترمذي والطبري وهذا تأويل ابن المسيب في ~~هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وهو معنى كرم العفو، وقرأ ابن أبي عبلة «يبدل» ~~بسكون الباء وتخفيف الدال. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 71 الى 74] # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون ~~الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) # أكد بهذه الألفاظ أمر التوبة والمعنى ومن تاب فإنه قد تمسك بأمر وثيق ~~وهكذا، كما تقول لمن PageV04P221 # تستحسن قوله في أمره لقد قلت يا ms2625 فلان قولا، فكذلك الآية معناها مدح ~~المتاب كأنه قال فإنه يجد بابا للفرج والمغفرة عظيما، ثم استمرت الآيات في ~~وصف عباد الله المؤمنين بأن نفى عنهم شهادة الزور، ويشهدون في هذا الموضع ~~ظاهر معناها يشاهدون ويحضرون، والزور كل باطل زور وزخرف فأعظمه الشرك وبه ~~فسر الضحاك وابن زيد، ومنه الغناء، وبه فسر مجاهد، ومنه الكذب، وبه فسر ابن ~~جريج، وقال علي بن أبي طالب ومحمد بن علي المعنى لا يشهدون بالزور فهو من ~~الشهادة لا من المشاهدة والزور الكذب. # قال الفقيه الإمام القاضي: والشاهد بالزور حاضره ومؤديه جرأة، فالمعنى ~~الأول أعم لكن المعنى الثاني أغرق في المعاصي وأنكى، و «اللغو» كل سقط من ~~فعل أو قول يدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك، ويدخل في ذلك سفه المشركين ~~وأذاهم للمؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر، وكراما معناه معرضين ~~مستحين يتجافون عن ذلك ويصبرون على الأذى فيه، وروي أن عبد الله بن مسعود ~~سمع غناء فأسرع في مشيه وذهب فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~لقد أصبح ابن أم عبد كريما، وقرأ الآية. # قال الفقيه الإمام القاضي: وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرمه أن يغير، ~~وحدود التغيير معروفة وقوله تعالى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ذكروا ~~بالقرآن آخرتهم ومعادهم وقوله: لم يخروا عليها صما وعميانا يحتمل تأويلين: ~~أحدهما أن يكون المعنى لم يكن خرورهم بهذه الصفة بل يكون سجدا وبكيا، وهذا ~~كما تقول لم يخرج زيد للحرب جزعا أي إنما خرج جريئا مقدما. وكأن الذي يخر ~~أصم وأعمى هو المنافق، أو الشاك، والتأويل الثاني ذهب إليه الطبري وهو أن ~~يخروا صما وعميانا هي صفة للكافر وهي عبارة عن إعراضهم وجهدهم في ذلك، وقرن ~~ذلك بقوله قعد فلان يشتمني وقام فلان يبكي وأنت لم تقصد الإخبار بقعود ولا ~~قيام وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وكان المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر ~~فإذا أعرض وضل كان ذلك خرورا وهو السقوط على غير نظام ولا ترتيب ms2626 وإن كان قد ~~شبه به الذي يخر ساجدا، ولكن أصله أنه على غير ترتيب، ثم مدح المؤمنين حال ~~الدعاء إليه في أن يقر العيون بالأهل والذرية، و «قرة العين» يحتمل أن تكون ~~من القرار، ويحتمل أن تكون من القر، وهو الأشهر لأن دمع السرور بارد ودمع ~~الحزن سخن، فمن هذا يقال أقر الله عينك وأسخن الله عين العدو، و «قرة ~~العين» في الأزواج والذرية أن يراهم الإنسان مطيعين لله تعالى قاله ابن ~~عباس والحسن وحضرمي، وبين المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنه كان في أول ~~الإسلام يهتدي الأب والابن كافر والزوج والزوجة كافرة فكانت قرت عيونهم في ~~إيمان أحبابهم، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والحسن «ذرياتنا» ، وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى «ذريتنا» بالإفراد. وقوله تعالى: للمتقين ~~إماما قيل هو جمع، آم مثل قائم وقيام وقيل هو مفرد اسم جنس أي اجعلنا يأتم ~~بنا المتقون، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة وهذا هو قصد ~~الداعي، قال إبراهيم النخعي لم يطلبوا الرياسة بل أن يكونوا قدوة في الدين ~~وهذا حسن أن يطلب ويسعى له. # قوله عز وجل: PageV04P222 ### || [سورة الفرقان (25) : الآيات 75 الى 77] # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها ~~حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف ~~يكون لزاما (77) # قرأ أبي كعب «يجازون» بألف، والغرفة من منازل الجنة وهي الغرفة فوق الغرف ~~وهو اسم الجنة كما قال: [الهزج] # ولولا الحبة السمراء ... لم نحلل بواديكم # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «ويلقون» بضم الياء وفتح اللام وشد القاف ~~وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والحسن، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم ~~وطلحة ومحمد اليماني ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم «ويلقون» بفتح ~~الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، واختلف عن عاصم وقوله حسنت مستقرا ومقاما ~~معادل لقوله في جهنم ساءت وقوله: قل ما يعبؤا بكم الآية أمر لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم أن يخاطب بذلك، وما تحتمل النفي ms2627 وتحتمل التقرير والكلام في نفسه ~~يحتمل تأويلات أحدها أن تكون الآية إلى قوله لولا دعاؤكم خطابا لجميع الناس ~~فكأنه قال لقريش منهم أي ما يبالي الله بكم ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم ~~إياه أن لو كانت إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله. قال تعالى: وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] . وقال النقاش وغيره المعنى لولا ~~استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك فذلك هو عرف الناس المرعي فيهم، وقرأ ~~ابن الزبير وغيره «فقد كذب الكافرون» وهذا يؤيد أن الخطاب بما يعبأ هو ~~لجميع الناس، ثم يقول لقريش فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب ~~والتكذيب الذي هو سبب العذاب لزاما، والثاني أن يكون الخطاب بالآيتين لقريش ~~خاصة أي ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم الأصنام آلهة دونه فإن ذلك يوجب ~~تعذيبكم، والثالثة وهو قول مجاهد أي ما يعبأ ربكم بكم لولا أن دعاكم إلى ~~شرعه فوقع منكم الكفر والإعراض. # قال القاضي أبو محمد: والمصدر في هذا التأويل مضاف إلى المفعول وفي ~~الأولين مضاف إلى الفاعل ويعبؤا مشتق من العبء، وهو الثقل الذي يعبأ ويرتب ~~كما يعبأ الجيش، وقرأ ابن الزبير «وقد كذبت الكافرون فسوف» ، قال ابن جني ~~قرأ ابن الزبير وابن عباس إلخ ... «فقد كذب الكافرون» ، قال الزهراوي وهي ~~قراءة ابن مسعود قال وهي على التفسير وأكثر الناس على أن «اللزام» المشار ~~إليه في هذا الموضع هو يوم بدر وهو قول أبي بن كعب وابن مسعود، والمعنى ~~فسوف يكون جزاء التكذيب، وقالت فرقة هو تعوذ بعذاب الآخرة، وقال ابن مسعود ~~اللزام التكذيب نفسه أي لا تعطون توبة ذكره الزهراوي، وقال ابن عباس أيضا ~~«اللزام» الموت وهذا نحو القول ببدر وإن أراد به متأول الموت المعتاد في ~~الناس عرفا فهو ضعيف، وقرأ جمهور الناس «لزاما» بكسر اللام من لوزم وأنشد ~~أبو عبيدة لصخر الغي: [الوافر] # فإما ينجوا من حتف أرض ... فقد لقيا حتوفهما لزاما # وقرأ أبو السمال «لزاما» لفتح اللام من لزم والله المعين. PageV04P223 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ms2628 الشعراء # هذه السورة مكية كلها فيما قال جمهور الناس، وقال مقاتل منها مدني الآية ~~التي تذكر فيها الشعراء وقوله تعالى: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل [الشعراء: 197] . # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ~~(3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (9) # تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور مستوعبا، وتلك رفع بالابتداء ~~وهو وخبره ساد مسد الخبر عن طسم في بعض التأويلات، والإشارة ب تلك هي بحسب ~~الخلاف في طسم وعلى بعض الأقوال تكون تلك إشارة إلى حاضر وذلك موجود في ~~الكلام، كما أن هذه قد تكون الإشارة بها إلى غائب معهود كأنه حاضر، والكتاب ~~المبين القرآن، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «طسم» بكسر الطاء، ~~وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بفتحها وبإدغام النون من سين في ~~الميم، وقرأ حمزة وحده بإظهارها وهي قراءة أبي جعفر، ورويت عن نافع، وروى ~~يعقوب عن أبي جعفر ونافع قطع كل حرف منها على حدة، قال أبو حاتم الاختيار ~~فتح الطاء وإدغام آخر سين في أول ميم، فتصير الميم متعلقة، وقوله لعلك ~~الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم لما كان من القلق والحرص على إيمانهم ~~فكان من شغل البال في حيز الخوف على نفسه، و «الباخع» القاتل والمهلك بالهم ~~قاله ابن عباس والناس ومن ذلك قول ذي الرمة: [الطويل] # ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر # وخوطب «بلعل» على ما في نفوس البشر من توقع الهلاك في مثل تلك الحال، ~~ومعنى الآية أي لا تهتم يا محمد ms2629 بهم وبلغ رسالتك وما عليك من إيمانهم فإن ~~ذلك بيد الله. لو شاء لآمنوا، وقوله «أن لا» مفعول من أجله. وقوله تعالى: ~~إن نشأ شرط وما في الشرط من الإبهام هو في هذه الآية في حيزنا، وأما PageV04P224 # الله تعالى فقد علم أنه لا ينزل عليهم آية اضطرار وإنما جعل الله تعالى ~~آية الأنبياء والآيات الدالة عليه معرضة للنظر والفكر ليهتدي من سبق في ~~علمه هداه ويضل من سبق ضلاله وليكون للنظر تكسب به يتعلق الثواب والعقاب، ~~وآية الاضطرار تدفع جميع هذا أن لو كانت، وقرأ «تنزل» بفتح النون وشد الزاي ~~أبو جعفر ونافع وشيبة والأعرج وعاصم والحسن، وقرأ أبو عمرو وأهل البصرة ~~بسكون النون وتخفيف الزاي، وروى هارون عن أبي عمرو «يشأ ينزل» بالياء فيهما ~~والخضوع للآية المنزلة كان يترتب بأحد وجهين إما بخوف هلاك في مخالفة الأمر ~~المقترن بها كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإما أن تكون من الوضوح وبهر ~~العقول، بحيث يقع الإذعان لها وانقياد النفوس، وكل هذين لم يأت به نبي، ~~ووجه ذلك ما ذكرناه، وهو توجيه منصوص للعلماء. وقرأ طلحة «فتظل أعناقهم» ~~وهو المراد في قراءة الجمهور وجعل الماضي موضع المستقبل إشارة إلى تقوية ~~وقوع الفعل، وقوله تعالى: أعناقهم يحتمل تأويلين أحدهما: وهو قول مجاهد ~~وأبي زيد والأخفش، أي يريد جماعاتهم، يقال جاءني عنق من الناس أي جماعة، ~~ومنه قول الشاعر: [مجزوء الكامل] # إن العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا # وعليه حمل قول أبي محجن: # واكتم السر فيه ضرب العنق ولهذا قيل عتق رقبة ولم يقل عتق عنق فرارا من ~~الاشتراك قاله الزهراوي، فعلى هذا التأويل ليس في قوله خاضعين موضع قول، ~~والتأويل الآخر أن يريد الأعناق الجارحة المعلمة وذلك أن خضوع العنق ~~والرقبة هو علامة الذلة والانقياد ومنه قول الشاعر: [الكامل] # وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار # فعلى هذا التأويل يتكلم على قوله خاضعين كيف جمعه جمع من يعقل، وذلك ~~متخرج على نحوين من كلام العرب: أحدهما أن الإضافة إلى من يعقل ms2630 أفادت حكم ~~من يعقل كما تفيد الإضافة إلى المؤنث تأنيث علامة المذكر، ومنه قول الأعشى: # «كما شرقت صدر القناة من الدم» وهذا كثير، والنحو الآخر أن الأعناق لما ~~وصفت بفعل لا يكون إلا مقصودا للبشر وهو الخضوع، إذ هو فعل يتبع أمرا في ~~النفس، جمعها فيه جمع من يعقل وهذا نظير قوله تعالى: أتينا طائعين [فصلت: ~~11] . وقوله: رأيتهم لي ساجدين [يوسف: 4] . وقرأ ابن أبي عبلة «لها خاضعة» ~~ثم عنف الكفار ونبه على سوء فعلهم بقوله: وما يأتيهم الآية، وقوله محدث ~~يريد محدث الإتيان، أي مجيء القرآن للبشر كان شيئا بعد شيء. وقالت فرقة ~~يحتمل أن يريد ب «الذكر» محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى في آية ~~أخرى: قد أنزل الله إليكم ذكرا [الطلاق: 10] . فيكون وصفه بالمحدث متمكنا. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أفصح. PageV04P225 # وقوله تعالى: فقد كذبوا فسيأتيهم. الآية وعيد بعذاب الدنيا والآخرة، ~~ويقوى أنه وعيد بعذاب الدنيا لأن ذلك قد نزل بهم كبدر وغيرها، ولما كان ~~إعراضهم عن النظر في الصانع والإله من أعظم كفرهم وكانوا يجعلون الأصنام ~~آلهة ويعرضون عن الذكر في ذلك، نبه على قدرة الله وأنه الخالق المنشئ الذي ~~يستحق العبادة بقوله أولم يروا إلى الأرض الآية، و «الزوج» النوع والصنف، و ~~«الكريم» الحسن المتقن قاله مجاهد وقتادة، ويراد الأشياء التي بها قوام ~~الأمور والأغذية والنباتات، ويدخل في ذلك الحيوان لأنه عن إنبات ومنه قوله ~~تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17] . قال الشعبي الناس من نبات ~~الأرض فمن صار إلى الجنة فهو كريم ومن صار إلى النار فبضد ذلك وقوله تعالى: ~~وما كان أكثرهم مؤمنين. # حتم على أكثرهم بالكفر ثم توعد تعالى بقوله: وإن ربك لهو العزيز الرحيم. ~~يريد عز في نقمته من الكفار ورحم مؤمني كل أمة، وقال نحو هذا ابن جريج، وفي ~~لفظة الرحيم وعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 10 الى 19] # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) ~~قال رب إني أخاف ms2631 أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) # قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا ~~وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين (19) # التقدير واذكر إذ نادى ربك موسى وسوق هذه القصة تمثيل لكفار قريش ~~لتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، وقوله أن ائت يجوز في أن أن تكون مفسرة ~~لا موضع لها من الإعراب بمنزلة أي، ويجوز أن تكون غيرها وهي في موضع نصب ~~بتقدير بأن ائت، وقوله ألا يتقون معناه قل لهم فجمع في هذه العبارة من ~~المعاني نفي التقوى عنهم وأمرهم بالتقوى، وقرأ الجمهور «يتقون» بالياء من ~~تحت، وقرأ عبد الله بن مسلم وحماد بن سلمة وأبو قلابة «تتقون» بالتاء من ~~فوق على معنى قل لهم، ولعظيم نخوة فرعون وتألهه وطول مدته وما أشربت القلوب ~~من مهابته قال عليه السلام إني أخاف أن يكذبون. وقرأ جمهور الناس «ويضيق» ~~بالرفع و «ينطلق» كذلك، وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى ذلك بالنصب فيهما، فقراءة ~~الرفع هي إخبار من موسى بوقوع ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه، وبهذا رجح أبو ~~علي هذه القراءة، وقراءة النصب تقتضي أن ذلك داخل تحت خوفه وهو عطف على ~~يكذبون، وكان في خلق موسى عليه السلام حد وكان في لسانه حبسة بسبب الجمرة ~~في طفولته، وحكى أبو عمرو عن الأعرج أنه قرأ بنصب «ويضيق» وبرفع «ينطلق» ، ~~وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تطلب لها ألفاظ ~~محررة، فإذا كان هذا في وقت ضيق صدر ولم ينطلق اللسان، وقد قال موسى عليه ~~السلام واحلل عقدة من لساني [طه: 27] فالراجح قراءة الرفع، وقوله تعالى: ~~فأرسل إلى هارون معناه يعينني ويؤازرني، وكان هارون عليه السلام فصيحا واسع ~~الصدر، فحذف بعض المراد من القول إذ باقيه دال عليه، ثم ذكر موسى خوفه PageV04P226 # القبط من أجل ذنبه، وهو قتله الرجل الذي وكزه، ms2632 قاله قتادة ومجاهد والناس، ~~فخشي أن يستقاد منه لذلك فقال الله عز وجل له كلا ردا لقوله إني أخاف أي لا ~~تخف ذلك فإني لم أحملك ما حملتك إلا وقد قضيت بنصرك وظهورك وأمر موسى ~~وهارون بخطاب لموسى فقط، لأن هارون ليس بمكلم بإجماع، ولكن قال لموسى ~~«اذهبا» أي أنت وأخوك، والآيات تعم جميع ما بعثهما الله به وأعظم ذلك العصا ~~بها وقع العجز، وبالآيتين تحدى موسى عليه السلام، ولا خلاف في أن موسى عليه ~~السلام هو الذي حمله الله أمر النبوة وكلها، وأن هارون كان نبيا رسولا ~~معينا له وزيرا، وقوله إنا معكم إما على أن يجعل الاثنين جماعة، وإما أن ~~يريدهما، والمبعوث إليهم وبني إسرائيل، وقوله مستمعون على نحو التعظيم ~~والجبروت التي لله تعالى، وصيغة قوله مستمعون تعطي اهتبالا بالأمر ليس في ~~صيغة قوله «سامعون» ، وإلا فليس يصف الله تعالى بطلب الاستماع، وإنما القصد ~~إظهار التهمم ليعظم أنس موسى أو تكون الملائكة بأمر الله إياها تستمع، ~~وقوله تعالى: نا رسول رب العالمين # هو على أن العرب أجرت الرسول مجرى المصدر في أن وصفت به الجمع والواحد ~~والمؤنث، ومن ذلك قول الهذلي: # ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر # ومنه قول الشاعر: وإن كان مولدا. # إن التي أبصرتها ... سحرا تكلمني رسول # وقوله أن أرسل معنا بني إسرائيل معناه سرح، فهو من الإرسال الذي هو بمعنى ~~الإطلاق، وكما تقول أرسلت الحجر من يدي، وكان موسى مبعوثا إلى فرعون في ~~أمرين: أحدهما أن يرسل بني إسرائيل ويزيل عنهم ذل العبودية والغلبة، ~~والثاني أن يؤمن ويهتدي وأمر بمكافحته ومقاومته في الأول، ولم يؤمر بذلك في ~~الثاني على ما بلغ من أمره، وبعث بالعبادات والشرع إلى بني إسرائيل فقط، ~~هذا قول بعض العلماء، وقول فرعون لموسى ألم نربك هو على جهة المن عليه ~~والاحتقار، أي ربيناك صغيرا ولم نقتلك في جملة من قتلنا، ولبثت فينا سنين، ~~فمتى كان هذا الذي تدعيه، وقرأ جمهور القراء «من عمرك» بضم الميم، وقرأ أبو ~~عمرو «عمرك» ms2633 بسكونها، ثم قرره على قتل القبطي بقوله وفعلت فعلتك والفعلة ~~بفتح الفاء المرة من الفعل، وقرأ الشعبي «فعلتك» بكسر الفاء وهي هيئة ~~الفعل، وقوله وأنت من الكافرين، يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يريد وقتلت ~~القبطي وأنت في قتلك إياه من الكافرين إذ هو نفس لا يحل قتله قاله الضحاك، ~~أو يريد وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد، وهذان بمعنى ~~واحد في حق لفظ الكفر، وإنما اختلفا باشتراك لفظ الكفر والثاني أن يكون ~~بمعنى الهزء على هذا الدين فأنت من الكافرين بزعمك قاله السدي، والثالث هو ~~قول الحسن أن يريد وأنت من الكافرين الآن يعني فرعون بالعقيدة التي كان ~~يبثها فيكون الكلام مقطوعا من قوله وفعلت فعلتك وإنما هو إخبار مبتدأ كان ~~من الكافرين وهذا الثاني أيضا يحتمل أن يريد به كفر النعمة. # قال القاضي أبو محمد: وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي ~~وبين رجوعه نبيا إلى فرعون إحدى عشر سنة غير أشهر. PageV04P227 # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 20 الى 28] # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي ~~حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ~~(22) قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) # قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) قال إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن ~~كنتم تعقلون (28) # القائل هنا هو موسى عليه السلام والضمير في قوله فعلتها لقتله القبطي، ~~وقوله إذا صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ، وقوله وأنا من الضالين قال ~~ابن زيد معناه من الجاهلين بأن وكزتي إياه تأتي على نفسه، وقال أبو عبيدة ~~معناه من الناسين لذلك، ونزع بقوله تعالى أن تضل إحداهما، وفي قراءة عبد ~~الله بن مسعود وابن عباس «وأنا من الجاهلين» ويشبه أن تكون هذه القراءة على ~~جهة التفسير، وقوله حكما يريد النبوة وحكمتها، وقرأ عيسى «حكما» بضم ms2634 الحاء ~~والكاف، وقوله وجعلني من المرسلين درجة ثانية للنبوة فرب نبي ليس برسول، ثم ~~حاجه عليه السلام في منه عليه بالتربية وترك القتل بقوله وتلك نعمة تمنها ~~علي أن عبدت بني إسرائيل، واختلف الناس في تأويل هذا الكلام، فقال قتادة ~~هذا منه على جهة الإنكار عليه أن تكون نعمة كأنه يقول أو يصح لك أن تعتمد ~~على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم، أي ليست نعمة لأن ~~الواجب كان ألا يقتلني وألا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل والخدمة وغير ذلك، ~~وقرأ الضحاك «وتلك نعمة ما لك أن تمنها» ، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل، ~~وقال الأخفش قيل ألف الاستفهام محذوفة والمعنى «أو تلك» وهذا لا يجوز إلا ~~إذا عادلتها أم كما قال «تروح من الحي أم تبتكر» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول تكلف، قول موسى عليه السلام تقرير بغير ~~ألف وهو صحيح كما قال قتادة والله المعين، وقال السدي والطبري هذا الكلام ~~من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة، كأنه يقول وتربيتك نعمة علي ~~من حيث عبدت غيري وتركتني ولكن ذلك لا يدفع رسالتي. # قال القاضي أبو محمد: ولكل وجه ناحية من الاحتجاج فالأول ماض في طريق ~~المخالفة لفرعون ونقض كلامه كله، والثاني مبد من موسى عليه السلام أنه منصف ~~من نفسه معترف بالحق، ومتى حصل أحد المجادلين في هذه الرتبة وكان خصمه في ~~ضدها غلب المتصف بذلك وصار قوله أوقع في النفوس، ولما لم يجد فرعون في هذا ~~الطريق من تقريره على التنزيه وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في قوله ~~«رسول رب العالمين» فاستفهمه استفهاما عن مجهول من الأشياء قال مكي كما ~~يستفهم عن الأجناس، فلذلك استفهم ب ما وقد ورد له استفهام «بمن» في موضع ~~آخر، ويشبه أنها مواطن، فأتى موسى عليه السلام بالصفات التي تبين للسامع ~~أنه لا مشاركة لفرعون فيها وهي ربوبية السماوات والأرض، وهذه PageV04P228 # المجادلة من فرعون تدل على أن موسى عليه السلام دعاه إلى التوحيد فقال ~~فرعون عند ms2635 ذلك ألا تستمعون على وجه الإغراء والتعجب من شنعة المقالة، إذ ~~كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك وهذه ضلالة ~~منها في مصر وديارها إلى اليوم بقية فزاد موسى في البيان بقوله ربكم ورب ~~آبائكم الأولين، فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون وقرأ جمهور الناس على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حميد الأعرج ~~ومجاهد «أرسل» على بناء الفعل للفاعل، فزاد موسى عليه السلام في بيان ~~الصفات التي تظهر نقص فرعون وتبين له أنه في غاية البعد عن القدرة عليها ~~وهي ربوبية المشرق والمغرب، ولم يكن لفرعون إلا ملك مصر من البحر إلى أسوان ~~وأرض الإسكندرية، وفي قراءة ابن مسعود وأصحابه «رب المشارق والمغارب وما ~~بينهما» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 29 الى 37] # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشيء ~~مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ~~فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك ~~بكل سحار عليم (37) # لما انقطع فرعون في الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب، وهذه أبين علامات ~~الانقطاع، فتوعد موسى عليه السلام بالسجن حين أعياه خطابه، وفي توعده ~~بالسجن ضعف لأنه خارت طباعه معه، وكان فيما روي يفزع منه فزعا شديدا حتى ~~كان لا يمسك بوله، وروي أن سجنه كان أشد من القتل في مطبق لا ينطلق منه ~~أبدا فكان مخوفا. # قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة دار النبود إلى اليوم، وكان عند موسى ~~عليه السلام من أمر الله تعالى ما لا يفزعه توعد فرعون فقال له موسى على ~~جهة اللطف به والطمع في إيمانه أولو جئتك بشيء مبين يتضح لك معه صدقي، ~~أفكنت تسجنني، فلما سمع فرعون ذلك طمع أن يجد أثناءه موضع معارضة فقال له ~~فأت به إن كنت من الصادقين فألقى موسى ms2636 عصاه من يده وكانت من عصي الجنة ~~وكانت عصى آدم عليه السلام، ويروى أنها كانت من غير ورقة الريحان، وكانت ~~عند شعيب عليه السلام في جملة عصي الأنبياء فأعطاها لموسى عليه السلام عند ~~رعايته له الغنم على صورة قد تقدم ذكرها دلت على نبوة موسى وكان لها في ~~رأسها شعبتان فثم كان فم الحية وغير ذلك من قصص هذه، ونزع يده من جيبه فإذا ~~هي تتلألأ كأنها قطعة من الشمس، فلما رأى فرعون ذلك هاله ولم يكن له فيه ~~مدفع غير أنه فزع إلى رميه بالسحر، وطمع، لعلو علم السحر في ذلك الوقت ~~وكثرته، أن يكون فيه سبب لمقاومة موسى فأوهم قومه وأتباعه أن موسى عليه ~~السلام ساحر، ثم استشارهم في أمره وأغراهم به في قوله يريد أن يخرجكم من PageV04P229 # أرضكم بسحره # فأشاروا عليه بتأخير أمره وأمر أخيه وجمع السحرة لمقاومته، وروي أنهم ~~أشاروا بسجنه وهو كان الإرجاء عندهم، و «الإرجاء» التأخير ولم يشيروا بقتله ~~لأن حجته نيرة وضلالتهم في ربوبية فرعون مبينة فخشوا الفتنة وطمعوا أن يغلب ~~بحجة تقنع العوام، و «الحاشر» الجامع، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم «بكل ~~سحار» ، وهو بناء المبالغة وقرأ عاصم أيضا والأعمش «بكل ساحر» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 38 الى 44] # فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) ~~لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ~~أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ~~(42) # قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة ~~فرعون إنا لنحن الغالبون (44) # «اليوم» هو يوم الزينة، وقيل كان يوم كسر خليج النيل، فهو كان يوم الزينة ~~على وجه الدهر بمصر، وقال ابن زيد إن هذا الجمع كان بالإسكندرية، وقوله ~~لعلنا نتبع السحرة ليس معناه نتبعهم في السحر إنما أراد نتبعهم في نصرة ~~ديننا وملتنا والإبطال على معارضتنا، وقرأ الأعرج وأبو عمرو «أين لنا» على ~~الاستفهام، وقرأ عيسى «نعم» بكسر العين، والتقريب الذي ms2637 وعدهم به فرعون هو ~~الجاه الزائد على العطاء الذي طلبوه والقرب من الملك الذي كان عندهم إلههم، ~~واختلف الناس في عدد السحرة، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وكانوا مجموعين من ~~مدائن مصر ريف النيل وهي كانت بلاد السحر الفرما وأنصناء وغير ذلك ومعظمهم ~~كان من الفرما، والحبال والعصي كانت أوقار إبل، وقولهم بعزة فرعون يحتمل ~~وجهين أحدهما القسم كأنهم أقسموا بعزة فرعون، كما تقول بالله إني لأفعل كذا ~~وكذا، فكان قسمهم بعزة فرعون غير مبرور، والآخر أن يكون على جهة التعظيم ~~لفرعون إذ كانوا يعبدونه والتبرك باسمه كما تقول ابتدأت بعمل شغل بسم الله ~~«وعلى بركة الله» . ونحو هذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 45 الى 51] # فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) ~~قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن ~~لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) # قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) # تقدم في غير هذه السورة ما ذكر الناس في عظم الحية حين ألقى موسى عصاه، ~~وفي هذه الآيات متروك كثير يدل عليه الظاهر، وقد ذكر في مواضع أخر وهي خوف ~~موسى من ظهور سحرهم واسترهابهم للناس وتخييلهم في حبالهم وعصيهم أنها تسعى ~~بقصد، ثم إن الحية التي خلق الله في العصا التقمت تلك PageV04P230 # الحبال والعصي عن آخرها وأعدمها الله تعالى في جوفها وعادت العصا إلى ~~حالها حين أخذ موسى بالفرجة التي في رأسها فأدخل يده في فمها فعادت عصا ~~بإذن الله عز وجل. وقرأ جمهور القراء «تلقف» بفتح التاء خفيفة واللام وشد ~~القاف، وقرأ حفص عن عاصم «تلقف» بسكون اللام وتخفيف القاف، وروى البزي ~~وفليح عن ابن كثير شد التاء وفتح اللام وشد القاف، ويلزم على هذه القراءة ~~إذا ابتدأ أن يجلب همزة الوصل وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة ~~كما لا تدخل على أسماء ms2638 الفاعلين، وقوله ما يأفكون، أي ما يكذبون معه وبسببه ~~في قولهم إنها معارضة لموسى ونوع من فعله، والإفك الكذب، ثم إن السحرة لما ~~رأوا العصا، خالية من صناعة السحر ورأوا فيها بعد من أمر الله ما أيقنوا ~~أنه ليس في قوة بشر أذعنوا ورأوا أن الغنيمة هي الإيمان والتمسك بأمر الله ~~عز وجل فسجدوا كلهم لله عز وجل مقرين بوحدانيته وقدرته، ووصلوا إيمانهم ~~بسبب موسى وهارون، وصرحوا بأن ذلك على أيديهما لأن قولهم «رب العالمين» مغن ~~فلم يكرروا البيان في قولهم رب موسى وهارون إلا لما ذكرناه فلما رأى فرعون ~~وملؤه إيمان السحرة وقامت الحجة بإيمان أهل علمهم ومظنة نصرتهم وقع فرعون ~~في الورطة العظمى، فرجع إلى السحرة بهذه الحجة الأخرى، فوقفهم موبخا على ~~إيمانهم بموسى قبل إذنه، وفي هذه اللفظة مقاربة عظيمة وبعض إذعان لأن ~~محتملاتها أنهم لو طلبوا إذنه في ذلك أذن، ثم توعدهم بقطع الأيدي والأرجل ~~من خلاف والصلب في جذوع النخل فقالوا له لا ضير أي لا يضرنا ذلك مع ~~انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه. # وروي أنه أنفذ فيهم ذلك الوعيد وصلبهم على النيل، قال ابن عباس أصبحوا ~~سحرة وأمسوا شهداء، وقولهم أن كنا أول المؤمنين يريدون من القبط وصنيفتهم ~~وإلا فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، وقرأ الناس «أن كنا» بفتح الألف، وقرأ ~~أبان بن تغلب «إن» بكسر الألف بمعنى أن طمعهم إنما هو بهذا الشرط. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 52 الى 62] # وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا ~~لجميع حاذرون (56) # فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني ~~إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون (61) # قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) # ثم إن الله عز وجل لما أراد إظهار أمره في نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون ~~وقومه أمر موسى أن يخرج بني إسرائيل ليلا من مصر، وأخبر أنهم سيتبعون وأمره ~~بالسير تجاه ms2639 البحر، وأمره بأن يستعير بنو إسرائيل حلي القبط وأموالهم وأن ~~يستكثروا من أخذ أموالهم كيف ما استطاعوا هذا فيما رواه بعض المفسرين، ~~وأمره باتخاذ خبز الزاد، فروي أنه أمر باتخاذه فطيرا لأنه أبقى وأثبت، وروي ~~أن الحركة أعجلتهم عن اختمار خبز الزاد، وخرج موسى عليه السلام ببني ~~إسرائيل سحرا فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر، فكان الرجل ~~من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول موسى هكذا أمرت، فلما أصبح ~~فرعون وعلم بسرى موسى ببني إسرائيل خرج في أثرهم وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه ~~العساكر، فروي أنه لحقه ومعه PageV04P231 # ستمائة ألف أدهم من الخيل حاشى سائر الألوان، وروي أن بني إسرائيل كانوا ~~ستمائة ألف وسبعين ألفا قاله ابن عباس والله أعلم بصحته، وإنما اللازم من ~~الآية الذي يقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم من بني إسرائيل وأن ~~فرعون تبعه بأضعاف ذلك العدد، قال ابن عباس كان مع فرعون ألف جبار كلهم ~~عليه تاج وكلهم أمير خيل، و «الشرذمة» الجمع القليل المحتقر، وشرذمة كل شيء ~~بقيته الخسيسة وأنشد أبو عبيدة: «تخذين في شراذم النعال» . # وقال الآخر: [الرجز] # جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منها النواق # وقوله لغائظون يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية وتفلتهم منهم ~~تلك الليلة على ما روي، قال أبو حاتم، وقرأ من لا يؤخذ عنه «لشر ذمة ~~قليلون» وليست هذه موثوقة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «حذرون» وهو جمع حذر ~~وهو المطبوع على الحذر وهو هاهنا غير عامل، وكذلك هو في قول أبي أحمر: # [السريع] # هل ينسئن يومي إلى غيره ... أنى حوالى وإني حذر # واختلف في عمل فعل فقال سيبويه إنه عامل وأنشد: [الكامل] # حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار # وادعى اللاحقي تدليس هذا البيت على سيبويه، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة ~~والكسائي «حاذرون» وهو الذي أخذ يحذر، وقال عباس بن مرداس: [الوافر] # وإني حاذر أنهي سلاحي ... إلى أوصال ذيال صنيع # وقرأ ابن أبي عمارة وسميط بن ms2640 عجلان «حادرون» بالدال غير منقوطة من قولهم ~~عين حدرة أي معينة فالمعنى ممتلئون غضبا وأنفة، والضمير في قوله فأخرجناهم ~~عائد على القبط، و «الجنات والعيون» بحالتي النيل في أسوان إلى رشيد قاله ~~ابن عمر وغيره، و «الكنوز» قيل هي إشارة إلى الأموال التي احتجنوها قال ~~مجاهد لأنهم لم ينفقوها قط في طاعة، وقيل هي إشارة إلى كنوز المعظم ومطالبه ~~وهي باقية إلى اليوم، «والمقام الكريم» قال ابن لهيعة هو الفيوم، وقيل يعني ~~به المنابر، وقيل مجالس الأمراء والحكام، وقال النقاش المساكن الحسان، وقرأ ~~الأعرج وقتادة بضم الميم من «مقام» ، وتوريث بني إسرائيل يحتمل مقصدين: ~~أحدهما أنه تعالى ورثهم هذه الصفة من أرض الشام، والآخر أنه ورثهم مصر ولكن ~~بعد مدة طويلة من الدهر قاله الحسن، على أن التواريخ لم تتضمن ملك بني ~~إسرائيل في مصر ومشرقين، معناه عند شروق الشمس، أي حين دخلوا فيه، وقيل ~~معناه نحو الشرق، وقرأ الحسن «فاتبعوهم» بصلة الألف وشد التاء، والجمهور ~~على قطع الألف وسكون التاء، فلما لحق فرعون بجمعه جمع موسى وقرب منهم ورأت ~~بنو إسرائيل العدد القوي وراءهم والبحر أمامهم ساءت ظنونهم وقالوا لموسى ~~عليه السلام على جهة التوبيخ والجفاء إنا لمدركون أي هذا رأيك، فرد عليهم ~~قولهم وزجرهم وذكر وعد الله له بالهداية PageV04P232 # والظفر، وقرأ الجمهور «إنا لمدركون» ، وقرأ الأعرج وابن عمير «إنا ~~لمدركون» بفتح الدال وشد الراء ومعناها يتتابع علينا حتى نفنى، وقرأ حمزة ~~«تريء الجمعان» بكسر الراء بمد ثم بهمز، وروي مثله عن عاصم، وروي أيضا عنه ~~مفتوحا ممدودا، والجمهور يقرؤونه مثل تداعى وهذا هو الصواب، لأنه تفاعل، ~~قال أبو حاتم وقراءة حمزة في هذا الحرف محال، وحمل عليه، قال وما روي عن ~~الأعمش وابن وثاب خطأ. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 63 الى 68] # فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ~~(63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا ~~الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) # وإن ربك ms2641 لهو العزيز الرحيم (68) # لما عظم البلاء على بني إسرائيل أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك ~~لأنه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل فعله وإلا فضرب ~~العصا ليس بفالق للبحر ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة ~~الله واختراعه، ولما انفلق البحر صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني ~~إسرائيل، ووقف الماء ساكنا كالجبل العظيم، وروي عن ابن جريج والسدي وغيرهما ~~أن بني إسرائيل ظن كل فريق منهم أن الباقي قد غرق، فأمر الله الماء فصار ~~كالشراجب والطيقان وراء بعضهم بعضا فتأنسوا وأزلفنا معناه قربنا، وقرأ ابن ~~عباس عن أبي بن كعب «وأزلقنا» بالقاف ونسبها أبو الفتح إلى عبد الله بن ~~الحارث، وقرأ أبو حيوة والحسن «زلفنا» بغير ألف وذلك أن فرعون لما وصل إلى ~~البحر وقد دخل بنو إسرائيل قيل إنه صمم ومخرق، بأن قال لي انفرق، فدخل على ~~ذلك، وقيل بل كع وهم بتدبير الانصراف فعرض جبريل على فرس وديق فمضى وراءه ~~حصان فرعون، فدخل على نحو هذا وتبعه الناس، وروي أن الله تعالى جعل ملائكة ~~تسوق قومه حتى حصولهم في البحر، ثم إن موسى وقومه خرجوا إلى البر من تلك ~~الطرق ولما أحسوا باتباع فرعون وقومه فزعوا من أن يخرج وراءهم، فهم موسى ~~بخلط البحر فحينئذ قيل له، اترك البحر رهوا، ولما تكامل جند فرعون وهو ~~مقدمهم بالخروج انطبق عليهم البحر وغرقوا، ودخل موسى عليه السلام البحر ~~بالطول. وخرج في الضفة التي دخل منها بعد مسافة وكان بين موضع دخوله وموضع ~~خروجه أوعار وجبال ولا تسلك إلا على تخليق الأيام، وكان ذلك في يوم ~~عاشوراء، وقال النقاش البحر الذي انفلق لموسى نهر النيل بين إيلة ومصر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود إن شاء الله، وقوله تعالى: إن في ذلك ~~تنبيه على موضع العبرة، وقوله وإن ربك لهو العزيز الرحيم أي عز في نقمته من ~~الكفار ورحم المؤمنين من كل أمة وقد مضى كثير مما يلزم ms2642 من قصة موسى عليه ~~السلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 77] # واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) # قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) ~~أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) PageV04P233 # هذه القصة تضمنت الإعلام بغيب والإيمان بما قطع أن محمدا عليه السلام لم ~~يكن يعرفه ثم ظهر على لسانه في ذلك ما في الكتب المتقدمة، وليست هذه الآية ~~مثالا لقريش إلا في أمر الأصنام فقط لأنه ليس فيها تكذيب وعذاب، وقول ~~إبراهيم عليه السلام ما تعبدون استفهام بمعنى التقرير، والصنم ما كان من ~~الأوثان على صورة ابن آدم من حجر أو عود أو غير ذلك، و «نظل» عرفها في فعل ~~للشيء نهارا وبات عرفها في فعله ليلا، وطفق عامة للوجهين، ولكن قد تجيء ظل ~~بمعنى العموم وهذا الموضع من ذلك، و «العكوف» اللزوم، ومنه المعتكف، ومنه ~~قول الراجز: «عكف النبيط يلعبون الفنزجا» . ثم أخذ إبراهيم عليه السلام ~~يوقفهم على أشياء يشهد العقل أنها بعيدة من صفات الله، وقرأ الجمهور بفتح ~~الياء من «يسمعونكم» ، وقرأ قتادة بضمها من أسمع وبكسر الميم والمفعول على ~~هذه القراءة محذوف، وقرأ جماعة من القراء إذ تدعون بإظهار الذال والتاء، ~~وقرأ الجمهور إذ تدعون بإدغام الذال في التاء بعد القلب ويجوز فيه قياس ~~مذكر، ولم يقرأ به وطرد القياس أن يكون اللفظ به «إذ ددعون» والذي منع من ~~هذا اللفظ اتصال الدال الأصلية بالفعل فكثرت المماثلات، وقولهم بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون، أقبح وجوه التقليد لأنه على ضلالة وفي أمر بين خلافه ~~وعظيم قدره، فلما صرحوا لإبراهيم عليه السلام عن عدم نظرهم وأنه لا حجة لهم ~~خاطبهم ببراءته من جميع ما عبد من دون الله وعداوته لذلك وعبر عن بغضته ~~واطراحه لكل معبود سوى الله تعالى بالعداوة إذ هي تقتضي التغيير ومحو ~~الرسم، وقيل في الكلام قلب لأن ms2643 الأصنام لا تعادي وإنما هو عاداها، وقوله ~~إلا رب العالمين قالت فرقة هو استثناء متصل لأن في بغضته الأقدمين من قد ~~عبد الله، وقالت فرقة هو استثناء منقطع لأنه إنما أراد عبادة الأوثان من كل ~~قرن منهم، ولفظة عدو تقع للجميع والمفرد والمؤنث والمذكر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 78 الى 87] # الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو ~~يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين (82) # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا ~~تخزني يوم يبعثون (87) # أتى إبراهيم عليه السلام في هذه الأوصاف التي وصف الله عز وجل بها ~~بالصفات التي المتصف بها يستحق الألوهية وهي الأوصاف الفعلية التي تخص ~~البشر، ومنها يجب أن يفهم ربه عز وجل وهذا حسن الأدب PageV04P234 # في العبارة، والكل من عند الله تعالى، وقوله يطعمني ويسقين تعديد للنعمة ~~في الرزق، وقال أبو بكر الوراق في كتاب الثعلبي يطعمني بلا طعام ويسقيني ~~بلا شراب، كما قال النبي عليه السلام «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين، ~~وأسند إبراهيم المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله عز وجل. وهذا حسن الأدب في ~~العبارة والكل من عند الله تعالى، وهذا كقول الخضر عليه السلام: أن فأردت ~~ها أن عيبها. وقال جعفر الصادق إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة، وقرأ ~~الجمهور هذه الأفعال «يهدين» بغير ياء، وقرأ نافع وابن أبي إسحاق «يهدين» ، ~~وكذلك ما بعده وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة وهذا دليل على ~~شدة خوفه مع منزلته وخلته، وقوله خطيئتي، ذهب فيه أكثر المفسرين إلى أنه ~~أراد كذباته الثلاث، قوله هي أختي في شأن سارة، وقوله إني سقيم [الصافات: ~~89] ، وقوله بل فعله كبيرهم [الأنبياء: 63] ، وقالت فرقة أراد ب «الخطيئة» ~~اسم الجنس فدعا في كل أمره من غير تعيين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أظهر عندي لأن تلك الثلاث قد خرجها كثير ms2644 من ~~العلماء على المعارض، وهي وإن كانت كذبات بحكم قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، وبحكم ما في حديث الشفاعة من قوله في ~~شأن إبراهيم نفسي نفسي فهي في مصالح وعون شرع وحق، وقرأ الجمهور «خطيئتي» ~~بالإفراد، وقرأ الحسن «خطاياي» بالجمع، و «الحكم» الذي دعا فيه إبراهيم هو ~~الحكمة والنبوة، ودعاء إبراهيم في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام. و ~~«لسان الصدق» في الآخرين هو الثناء وخلد المكانة بإجماع من المفسرين، وكذلك ~~أجاب الله دعوته، فكل ملة تتمسك به وتعظيمه وهو على الحنيفية التي جاء بها ~~محمد صلى الله عليه وسلم، قال مكي وقيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في آخر ~~الزمان من يقوم بالحق فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم ~~على اللفظ، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أن تبين له بموته على ~~الكفر أنه عدو لله، أي محتوم عليه وهو عن الموعدة المذكورة في غير هذه ~~الآية، وفي قراءة أبي بن كعب «واغفر لي ولأبوي إنهما كانا من الضالين» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 88 الى 95] # يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت ~~الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون ~~(92) # من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) ~~وجنود إبليس أجمعون (95) # يوم بدل من الأولى في قوله يوم يبعثون [الشعراء: 87] والمعنى يوم لا ينفع ~~إعلاق بالدنيا ومحاسنها فقصد من ذلك العظم والأكثر لأن المال والبنين هي ~~زينة الحياة الدنيا، وقوله بقلب سليم معناه خالص من الشرك والمعاصي، وعلق ~~الدنيا المتروكة وإن كانت مباحة كالمال والبنين، قال سفيان هو الذي يلقى ~~ربه وليس في قلبه شيء غيره. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكن السليم من الشرك هو ~~الأهم، وقال الجنيد PageV04P235 # بقلب لديغ من خشية الله ms2645 والسليم اللديغ، وأزلفت معناه قربت، و «الغاوون» ~~التي برزت لهم الجحيم هم المشركون بدلالة أنهم خوطبوا في أمر الأصنام، ~~والقول لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هو على جهة التقريع والتوبيخ ~~والتوقيف على عدم نصرتهم نحوه، وقرأ الأعمش «فبرزت» بالفاء والجمهور ~~بالواو، وقرأ مالك بن دينار «وبرزت» بفتح الراء والزاي ورفع «الجحيم» ، ثم ~~أخبر عن حال يوم القيامة من أن الأصنام تكبكب في النار أي تلقى كبة واحدة ~~ووصل بها ضمير من يعقل من حيث ذكرت بعبادة، وكانت يسند إليها فعل من يعقل، ~~وقيل الضمير في قوله «هم» للكفار، والغاوون الشياطين، و «كبكب» مضاعف من كب ~~هذا قول الجمهور وهو الصحيح لأن معناها واحد، والتضعيف في الفعل بين مثل صر ~~وصرصر وغير ذلك، والغاوون الكفرة الذين شملتهم الغواية، وجنود إبليس نسله ~~وكل من يتبعه لأنهم جند له وأعوان. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 96 الى 104] # قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم ~~برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) # ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) # ثم وصف تعالى أن أهل النار يختصمون فيها ويتلاومون ويأخذون في شأنهم ~~بجدال، ومن جملة قولهم لأصنامهم على جهة الإقرار وقول الحق قسم تالله إن ~~كنا إلا ضالين في أن نعبدكم ونجعلكم سواء مع الله تعالى الذي هو رب ~~العالمين وخالقهم ومالكهم، ثم عطفوا يردون الملامة على غيرهم أي ما أضلنا ~~إلا كبراؤنا وأهل الجرم والجرأة والمكانة، ثم قالوا على جهة التلهف والتأسف ~~حين رأوا شفاعة الملائكة والأنبياء والعلماء نافعة في أهل الإيمان عموما، ~~وشفاعة الصديق في صديقه خاصة فما لنا من شافعين ولا صديق حميم وفي هذه ~~اللفظة منبهة على محل الصديق من المرء، قال ابن جريج شافعين من الملائكة ~~وصديق من الناس. # قال القاضي أبو محمد: ولفظة «الشفيع» تقتضي رفعة مكانه، ولفظ «الصديق» ~~يقتضي ms2646 شدة مساهمة ونصرة، وهو فعيل من صدق الود، و «الحميم» الولي والقريب ~~الذي يخصك أمره ويخصه أمرك وحامة الرجل خاصته وباقي الآية بين قد مضى. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآيات من قوله تعالى: يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون [الشعراء: 88] هي عندي منقطعة من كلام إبراهيم عليه السلام وهي إخبار ~~من الله عز وجل، تعلق بصفة ذلك اليوم الذي وقف إبراهيم عليه السلام عنده في ~~دعائه أن لا يخزى فيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى 122] # كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني ~~لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (109) # فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما ~~علمي بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما ~~أنا بطارد المؤمنين (114) # إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ~~ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) # ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) PageV04P236 # أسند كذبت إلى «القوم» وفيه علامة التأنيث من حيث القوم في معنى الأمة ~~والجماعة، وقوله المرسلين من حيث من كذب نبيا واحدا، كذب جميع الأنبياء إذ ~~قولهم واحد ودعوتهم سواء، وقوله أخوهم يريد في النسب والمنشأ لا في الدين، ~~وأمين معناه على وحي الله ورسالته، وقرأ ابن كثير وعاصم «أجري» ساكنة ~~الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة بفتح الياء في كل القرآن، ثم رد عليهم ~~الأمر بالتقوى والدعاء إلى طاعته تحذيرا ونذارة وحرصا عليهم فذهب أشرافهم ~~إلى استنقاص أتباعه بسبب صغار الناس الذين اتبعوه وضعفائهم، وهذا كفعل قريش ~~في شأن عمار بن ياسر وصهيب وغيرهما، وقال بعض الناس الأرذلون الحاكة، ~~والحجامون والأساكفة، وفي هذا عندي على جهة المثال أي أهل الصنائع الخسيسة ~~لا أن هذه الصنائع ms2647 المذكورة خصت بهذا، والأرذلون جمع الأرذل ولا يستعمل إلا ~~معرفا أو مضافا أو ب «من» . # قال القاضي أبو محمد: ويظهر من الآية أن مراد «قوم نوح» بنسبة الرذيلة ~~إلى المؤمنين تهجين أفعالهم لا النظر في صنائعهم، يدل على ذلك قول نوح ما ~~علمي الآية، لأن معنى كلامه ليس في نظري وعلمي بأعمالهم ومعتقداتهم فائدة ~~إنما أقنع بظاهرهم وأجتزئ به، ثم حسابهم على الله تعالى، وهذا نحو قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس» الحديث بجملته، وقرأ جمهور ~~الناس «واتبعك» على الفعل الماضي، وقرأ ابن السميفع اليماني وسعيد بن أسعد ~~الأنصاري «وأتباعك» على الجمع، ونسبها أبو الفتح إلى ابن مسعود والضحاك ~~وطلحة، قال أبو عمرو وهي قراءة ابن عباس والأعمش وأبي حيوة، وقرأ عيسى بن ~~عمر الهمذاني «لو يشعرون» بالياء من تحت، وإعراب قوله «وأتباعك» إما جملة ~~في موضع الحال وإما عطف على الضمير المرفوع وحسن لك الفصل بقوله لك، وقولهم ~~من المرجومين، يحتمل أن يريدوا بالحجارة، ويحتمل أن يريدوا بالقول والشتم ~~ونحوه، وهو شبيه برجم الحجارة، وهو من الرجم بالغيب والظن ونحو ذلك، وقوله ~~«افتح» معناه احكم، والفتاح القاضي بلغة يمنية، والفلك السفينة وجمعها فلك ~~أيضا، وقد تقدم بسط القول في هذا الجمع في سورة الأعراف، والمشحون معناه ~~المملوء بما ينبغي له من قدر ما يحمل، وباقي الآية بين. PageV04P237 # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 123 الى 140] # كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم ~~رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (127) # أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا ~~بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما ~~تعلمون (132) # أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا ~~خلق الأولين (137) # وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (139) وإن ms2648 ربك لهو العزيز الرحيم (140) # عاد قبيلة، وانصرف للخفية، وقيل هو اسم أبيهم وخاطبهم «هود» عليه السلام ~~بمثل مخاطبة سائر الرسل، ثم كلمهم فيما انفردوا به من الأفعال التي اقتضتها ~~أحوالهم فقال أتبنون على جهة التوبيخ، «والريع» المرتفع من الأرض، ومنه قول ~~المسيب ابن عباس يصف ظعنا: [الكامل] # في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع يلوح كأنه سحل # والسحل الثوب الأبيض ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] # طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ... ندى ليله في ريشه يترقرق # ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # وبهماء قفر تجاوزتها ... إذا خب في ريعها آلها # ويقال «ريع» بكسر الراء ويقال «ريع» بفتحها، وبها قرأ ابن أبي عبلة وعبر ~~بعض المفسرين عن الريع بالطريق وبعضهم بالفج وبعضهم بالثنية الصغيرة. # قال القاضي أبو محمد: وجملة ذلك أنه المكان المشرف وهو الذي يتنافس البشر ~~في مبانيه، و «الآية» ، البنيان، قال ابن عباس آية علم، قال مجاهد أبراج ~~الحمام، قال النقاش وغيره القصور الطوال، و «المصانع» جمع مصنع وهو ما صنع ~~وأتقن في بنائه من قصر مشيد ونحوه، قال قتادة هي ما خد للماء، وقوله لعلكم ~~تخلدون إما أن يريد على أملكم ورجائكم، وإما أن يريد الاستفهام على معنى ~~التوبيخ والهزء بهم، وقرأ الجمهور «تخلدون» بفتح التاء وضم اللام، وقرأ ~~قتادة «تخلدون» بضم التاء وفتح اللام يقال خلد الشيء وأخلده غيره وقرأ أبي ~~وعلقمة «لعلكم تخلدون» بضم التاء وفتح الخاء وفتح اللام وشدها، وروي عن ~~أبي، «كأنكم تخلدون» وروي عن ابن مسعود «كي تخلدون» ، و «البطش» الأخذ ~~بسرعة وقوة، و «الجبار» المتكبر، ومنه قولهم نخلة جبارة إذا كانت لا تدرك ~~علوا. PageV04P238 # ومنه قوله عليه السلام في المرأة التي أبت أن تتنحى عن طريقه «إنها ~~جبارة» ، ومنه الجبروت فالمعنى أنكم كفار الغضب، لكم السطوات المفرطة، ~~والبوادر من غير تثبت، ثم ذكرهم عليه السلام بأيادي الله قبلهم فيما منحهم ~~من الأنعام والذرية والجنات والمياه المطردة فيها، ثم خوفهم عذاب الله ~~تعالى في الدنيا فكانت مراجعتهم أن سووا بين وعظه وتركه الوعظ، وقرأ ابن ~~محيصن «أوعت» بإدغام ms2649 الظاء في التاء، ثم قالوا إن هذا إلا خلق الأولين، ~~واختلفت القراءة في ذلك، فقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر «خلق» بضم اللام ~~فالإشارة بهذا إلى دينهم وعبادتهم وتخرقهم في المصانع، أي هذا الذي نحن ~~عليه خلق الناس وعادتهم وما بعد ذلك بعث ولا تعذيب كما تزعم أنت، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو قلابة «خلق الأولين» بضم الخاء وسكون اللام ~~ورواها الأصمعي عن نافع، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو «وخلق الأولين» بفتح ~~الخاء وسكون اللام وهي قراءة ابن مسعود وعلقمة والحسن، وهذا يحتمل وجهين: ~~أحدهما وما هذا الذي تزعمه إلا اختلاق الأولين من الكذبة قبلك وكذبهم فأنت ~~على منهاجهم، والثاني أن يريدوا وما هذه البنية التي نحن عليها إلا البنية ~~التي عليها الأولون حياة وموت وما ثم بعث ولا تعذيب، وكل معنى مما ذكرته ~~تحتمله كل قراءة، وروى علقمة عن ابن مسعود «إلا اختلاق الأولين» وباقي ~~الآية قد مضى تفسيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 141 الى 159] # كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم ~~رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (145) # أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها ~~هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون ~~(150) # ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) ~~قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) # ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين ~~(157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (159) # ثمود قبيلة عربية وتصرف على مقصد الحي أو القبيلة، وقرأ بالوجهين، ~~الجمهور بغير صرف وابن وثاب وغيره بالصرف، وصالح أخوهم في النسب والأنبياء ~~من العرب أربعة هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام، وإسماعيل عليه السلام ~~عربي اللسان سرياني النسب وهو أبو ms2650 العرب الموجودين اليوم، وقوله أتتركون في ~~ما هاهنا تخويف لهم بمعنى أتطمعون أن تقروا في النعم على معاصيكم، و ~~«الهضيم» معناه اللين الرطب و «الطلع» الكفرى وهو عنقود التمر قبل أن يخرج ~~من الكم في أول نباته فكأن الإشارة إلى أن طلعها يثمر ويرطب، قال ابن عباس ~~إذا أينع وبلغ فهو هضيم وقال الزهري PageV04P239 # «الهضيم» الرخص اللطيف أول ما يخرج، وقال الزجاج هو فيما قيل الذي رطبه ~~بغير نوى، وقال الضحاك «الهضيم» معناه المنضد بعضه على بعض. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور «تنحتون» بكسر الحاء، وقرأ ~~عيسى بفتحها، وذكر أنها لغة قال أبو عمرو وهي قراءة الحسن وأبي حيوة، وقرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر «فارهين» وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، ~~وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «فرهين» ، وقرأ مجاهد «متفرهين» على وزن ~~متفعلين، واللفظة مأخوذة من الفراهة وهي جودة منظر الشيء وخبرته وقوته ~~وكماله في نوعه فمعنى الآية كيسين متهممين قاله ابن عباس، وقال مجاهد ~~شرهين. وقال ابن زيد أقوياء وقال أبو عمرو بن العلاء آشرين بطرين، وذهب عبد ~~الله بن شداد إلى أنه بمعنى مستفرهين أي مبالغين في استجادة الفاره من كل ~~ما تصنعونه وتشتهونه، وقوله ولا تطيعوا أمر المسرفين خاطب به جمهور قومه ~~وعنى، ب المسرفين كبراءهم وأعلام الكفر والإضلال فيهم، وقولهم من المسحرين ~~فيه تأويلان: أحدهما مأخوذ من السحر بكسر السين أي قد سحرت فأنت لذلك مخبول ~~لا تنطق بقويم، والثاني أنه مأخوذ من السحر بفتح السين وهي الرئة وبسببها ~~يقال انفتح سحره. وقيل السحر قصبة الرئة بما يتعلق بها من كبد وغيره، أي ~~أنت ابن آدم لا يصح أن تكون رسولا عن الله، وما بعده في الآية يقوي هذا ~~التأويل ومن اللفظة قول لبيد: [الطويل] # فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر # ويقال للاغتداء التسحير ومنه قول امرئ القيس: # «ونسحر بالطعام وبالشراب» # ثم اقترحوا عليه «آية» وروي أنهم اقترحوا خروج ناقة من جبل من جبالهم، ~~وقصتها في هذه ms2651 الآية وجيزة وقد مضت مستوعبة، فلما خرجت الناقة قال لهم هذه ~~ناقة لها شرب، وهو الحظ من الماء، وقرأ ابن أبي عبلة «لها شرب ولكم شرب» ~~بضم الشين فيهما، وقد تقدم قصص ورود الناقة، و «السوء» عقرها، وتوعدهم عليه ~~بعذاب ظاهر أمره أنه أراد في الدنيا وكذلك استمر الوجود، ونسب «عقرها» إلى ~~جميعهم مع اختصاص قدار الأحمر بعقرها من حيث اتفقوا على ذلك رأيا وتدبيرا، ~~وقوله فأصبحوا نادمين لما ظهر لهم تغيير ألوانهم حسبما كان صالح أخبرهم ~~ندموا، ورأوا أن الأمر على ما أخبر به حتى نزل بهم العذاب، وكانت صيحة خمدت ~~لها أبدانهم وانشقت قلوبهم وماتوا عن آخرهم وصبت عليهم حجارة خلال ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 160 الى 175] # كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني ~~لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (164) # أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل ~~أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) ~~قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) # فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا ~~الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (174) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) PageV04P240 # قال النقاش إن في مصحف ابن مسعود وأبي وحفصة «إذ قال لهم لوط» وسقط ~~«أخوهم» ، واختصرت الياء في الخط واللفظ من قوله وأطيعون مراعاة لرؤوس الآي ~~أن تتناسب، ثم وقفهم على معصيتهم البشعة في إتيان الذكران وترك فروج ~~الأزواج والمعنى ويذر ذلك العاصي في حين معصيته لا أن معناه تركوا النساء ~~جملة، وفي قراءة ابن مسعود «ما أصلح لكم ربكم» وعادون، معناه ظالمون ~~مرتكبون للحظر. فتوعدوه بالإخراج من أرضه وداره فلا يتهم عند ذلك واقتصر ~~على الإخبار بأنه قال لعملهم، و «القلى» بغض الشيء وتركه، ثم دعا في النجاة ~~فنجاه الله بأن أمره بالرحلة ليلا، ms2652 وكانت امرأته كافرة تعين عليه قومه ~~فأصابها حجر فهلكت فيمن هلك، وقوله في الغابرين معناه في الباقين، فإما أن ~~يريد في الباقين من لداتها وأهل سنها وهذا تأويل أبي عبيدة، وإما أن يريد ~~في الباقين في العذاب النازل بهم وهذا تأويل قتادة، والمشهور في غبرانها ~~بمعنى بقي، وغابر الزمان مستقبله، ولكن الأعشى قد استعمل غابر الزمان بمعنى ~~ماضيه في شعر المنافرة المشهور، وقال الزهراوي يقال للذاهب غابر وللباقي ~~غابر، و «التدمير» الإهلاك بإمطار الحجارة وبذلك جرت السنين في رجم اللوطي ~~وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 176 الى 191] # كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني ~~لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (180) # أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي ~~خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين (185) # وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه ~~فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (190) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) # قال النقاش في مصحف ابن مسعود وأبي وحفصة «إذ قال لهم أخوهم شعيب» ، ~~قالوا ولا وجه لمراعاة النسب وإنما هو أخوهم من حيث هو رسولهم وآدمي مثلهم، ~~وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر «أصحاب ليكة» على وزن فعلة هنا وفي ص، وقرأ ~~الباقون «الأيكة» وهي الدوحة الملتفة من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر ~~معروف له غضارة تألفه الحمام والقماري ونحوها، وقال قتادة كان شجرهم هذا ~~دوما، و «ليكة» اسم PageV04P241 # البلد في قراءة ذلك قاله بعض المفسرين، ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام، ~~وذهب قوم إلى أنها مسهلة من «الأيكة» وأنها وقعت في المصحف هنا وفي سورة ص ~~بغير ألف، وقال أبو علي سقوط ذلك من ms2653 المصحف لا يرجح النطق بها هكذا، لأن ~~المصحف اتبع فيه تسهيل اللفظ، فكما سقطت الألف من اللفظ سقطت من الخط نحو ~~سقوط الواو من قوله سندع الزبانية [العلق: 18] ، لما سقطت من اللفظ، وأما ~~ترجيح القراءة في «ليكة» بفتح التاء في موضع الجر فلا يقتضيه ما في المصحف ~~وهي قراءة ضعيفة، ويدل على ضعفها أن سائر القرآن غير هذين الموضعين مجمع ~~فيه على «الأيكة» بالهمز والألف والخفض، وكانت مدن القوم سبعة فيما روي ولم ~~يكن شعيب منهم، فلذلك لم يذكر هنا بأنه أخ لهم وإنما كان من بني مدين ولذلك ~~ذكر بأخوتهم، وجاءت الألفاظ في دعاء كل واحد من هؤلاء الأنبياء واحدة ~~بعينها إذ كان الإيمان المدعو إليه معنى واحدا بعينه، وفي قولهم عليهم ~~السلام ألا تتقون عرض رقيق وتلطف كما قال تعالى: فقل هل لك إلى أن تزكى ~~[النازعات: 18] . وكانت معصيتهم المضافة إلى كفرهم بخس الموازين وتنقص ~~أموال الناس بذلك، و «القسطاس» المعتدل من الموازين وهو بناء مبالغة من ~~القسط، وذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن معنى قوله وزنوا بالقسطاس عدلوا أموركم ~~بميزان العدل الذي جعله الله لعباده، وقرأ الجمهور «بالقسطاس» بضم القاف من ~~«القسطاس» ، وقرأ عيسى وأهل الكوفة بكسرها، وتعثوا معناه تفسدون يقال عثا ~~إذا أفسد، والجبلة القرون، والخليقة الماضية وقال الشاعر [الكامل] # والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبله # وقرأ جمهور الناس «والجبلة» بكسر الجيم والباء، وقرأ ابن محيصن والحسن ~~بخلاف «والجبلة» بضمها، و «الكسف» القطع واحدها كسفة كتمرة وتمر، ويوم ~~الظلة هو يوم عذابهم وصورته فيما روي أن الله امتحنهم بحر شديد، فلما كان ~~في ذلك اليوم غشي بعض قطرهم سحاب فجاء بعضهم إلى ظله فأحس فيه بردا وروحا ~~فتداعوا إليه، حتى تكاملوا فيه فاضطرمت عليهم تلك السحابة نارا فأحرقتهم من ~~عند آخرهم، وللناس في حديث يوم الظلة تطويلات لا تثبت، والحق أنه عذاب جعله ~~الله ظلة عليهم، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال من حدثك ما عذاب يوم ~~الظلة فقد كذب، وباقي الآية بين. # قوله ms2654 عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 199] # وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون ~~من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) # أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) # الضمير في إنه للقرآن، أي إنه ليس بكهانة ولا سحر وإنما هو من عند الله ~~تعالى، والروح الأمين، جبريل عليه السلام بإجماع، ونزل باللفظ العربي ~~والمعاني الثابتة في الصدور والمصاحف، وعلى ذلك كله يعود الضمير في به و ~~«اللسان» ، عبارة عن اللغة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم PageV04P242 # في رواية حفص «نزل» خفيفة الزاي «الروح» رفع، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن ~~عاصم وحمزة والكسائي بشد الزاي «الروح» نصبا ورجحها أبو حاتم بقوله تعالى: ~~فإنه نزله على قلبك [البقرة: 97] . وبقوله لتنزيل رب العالمين. وقوله، به ~~في موضع الحال كقوله تعالى: وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به [المائدة: ~~61] ، وقوله: على قلبك إشارة إلى حفظه إياه، وعلل النزول على قلبه بكونه من ~~المنذرين لأنه لا يمكن أن ينذر به إلا بعد حفظه، وقوله: بلسان يمكن أن ~~تتعلق الباء ب نزل به وهذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يسمع ~~من جبريل حروفا عربية وهو القول الصحيح، وتكون صلصلة الجرس صفة لشدة الصوت ~~وتداخل حروفه وعجلة مورده وإغلاظه، ويمكن أن يتعلق بقوله لتكون وتمسك بهذا ~~من رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع مثل صلصلة الجرس يتفهم له منه ~~القرآن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف مقتضاه أن بعض ألفاظ القرآن من لدن ~~النبي عليه السلام وهذا مردود، وقوله وإنه لفي زبر الأولين، أي في كتبهم ~~يريد القرآن أنه مذكور في الكتب المنزلة القديمة منبه عليه مشار إليه، وقرأ ~~الجمهور «زبر» بضم الباء، وقرأ الأعمش بسكونها ثم احتج عليهم بأنهم كان ~~ينبغي أن يصحح عندهم أمره كون علماء بني إسرائيل يعلمونه كعبد الله بن سلام ~~ونحوه قاله ms2655 ابن عباس ومجاهد، وقال ابن عباس أيضا فيما حكى عنه الثعلبي أن ~~أهل مكة بعثوا إلى الأحبار بيثرب يسألونهم عن النبي عليه السلام فقالوا هذا ~~زمانه ووصفوا نعته ثم خلطوا في أمر محمد عليه السلام فنزلت الآية في ذلك. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا كون الآية مكية، وقال مقاتل هذه الآية ~~مدنية، فمن قال إنها مكية ذهب إلى أن علماء بني إسرائيل ذكروا في التوراة ~~صفة النبي الأمي فهذه الإشارة إلى ذلك وكلهم قرأ يكن بالياء آية نصبا غير ~~ابن عامر فإنه قرأ «تكن» بالتاء من فوق «آية» رفعا وهي قراءة عاصم الجحدري، ~~وقرأ جمهور الناس «أن يعلمه» بالياء من تحت، وقرأ الجحدري «تعلمه» بالتاء ~~من فوق، ثم سلى محمدا صلى الله عليه وسلم عن صدود قومه عن الشرع بأن أخبر ~~أن هذا القرآن العربي لو سمعوه من أعجمي أي من حيوان غير ناطق أو من جماد، ~~و «الأعجم» كل ما لا يفصح، ما كانوا يؤمنون أي قد ختم الكفر عليهم فلا سبيل ~~إلى إيمانهم، والأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب يقال ~~له أعجم، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم «جرح العجماء جبار» ، وأسند الطبري عن عبد الله بن مطيع أنه قال حين ~~قرأ هذه الآية وهو واقف بعرفة: جملي هذا أعجم فلو أنزل عليه ما كانوا ~~يؤمنون، والعجمي هو الذي نسبه في العجم وإن كان أفصح الناس، وقرأ الحسن ~~«الأعجميين» . قال أبو حاتم أراد جمع الأعجمي المنسوب، وقال بعض النحويين ~~«الأعجمون» جمع أعجم أضيف فقويت بالإضافة رتبته في الأسماء فجمع وليس ~~بأعجمي النسبة إلى العجم، وقرأ جمهور الناس «أو لم يكن» بالياء «لهم آية» ~~بالنصب، وقرأ «أو ليس لم يكن آية» ابن مسعود، والأعمش، وفي مصحف أبي «أليس» ~~بغير واو، وقرأت فرقة «تكن» بالتاء من فوق «آية» رفعا، وقرأ بعض من قرأ ~~بالياء «آية» بالنصب وسائرهم بالرفع، وقد مضى ذكرها في السبع وذكر الطبري ~~أن الضمير في قوله ms2656 وإنه لتنزيل عائد على الذكر في قوله ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم [الأنبياء: 2] . PageV04P243 # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 200 الى 209] # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ~~(201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) ~~أفبعذابنا يستعجلون (204) # أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى ~~وما كنا ظالمين (209) # الإشارة بذلك إلى ما يتحصل لسامع الآية المتقدمة من الحتم عليهم بأنهم لا ~~يؤمنون وهي قوله تعالى: ولو نزلناه على بعض الأعجمين [الشعراء: 198] ، ~~وسلكناه معناه أدخلناه، والضمير فيه للكفر الذي يتضمنه قوله ما كانوا به ~~مؤمنين [الشعراء: 198] قاله الحسن. قال الرماني لا وجه لهذا لأنه لم يجر ~~ذكره وإنما الضمير للقرآن وإحضاره بالبال، وحكى الزهراوي أن الضمير للتكذيب ~~المفهوم وحكاه الثعلبي، وقرأ ابن مسعود «كذلك جعلناه في قلوب» ، وروي عنه ~~«نجعله» ، و «المجرمون» أراد بهم مجرمي كل أمة، أي إن هذه عادة الله تعالى ~~فيهم، أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب فلا ينفعهم الإيمان بعد تلبس العذاب ~~بهم وهذا على جهة المثال لقريش أي هؤلاء كذلك، وكشف الغيب ما تضمنته هذه ~~الآية يوم بدر، وقرأ الجمهور «فيأتيهم» بالياء أي العذاب، وقرأ الحسن بن ~~أبي الحسن «فتأتيهم» بالتاء من فوق يعني الساعة، وفي قراءة أبي بن كعب ~~«فيروه بغتة» ومن قول كل أمة معذبة هل نحن منظرون أي مؤخرون، وهذا على جهة ~~التمني منهم والرغبة حيث لا تنفع الرغبة، ثم رجع لفظ الآية إلى توبيخ قريش ~~على استعجالهم عذاب الله تعالى في طلبهم سقوط السماء كسفا وغير ذلك وقولهم ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم أين ما تعدنا أي إنه لا ينبغي لهم ذلك لأن عذابنا ~~بالمرصاد إذا حان أجله، ثم خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بإقامة الحجة ~~عليهم في أن مدة الإرجاء والإمهال والإملاء لا تغني مع نزول العذاب بعدها ~~ووقوع النقمة، وذلك في قوله تعالى: أفرأيت إن ms2657 متعناهم الآية، قال عكرمة ~~سنين يريد عمر الدنيا، ولأبي جعفر المنصور، قصة في هذه الآية، ثم أخبر ~~تعالى أنه لم يهلك قرية من القرى إلا بعد إرسال من ينذرهم عذاب الله عز وجل ~~ذكرى لهم وتبصرة وإقامة حجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وذكرى ~~عند الكسائي نصب على الحال، ويصح أن يكون في موضع نصب على المصدر، وهو قول ~~الزجاج، ويصح أن يكون في موضع رفع على خبر الابتداء تقديره ذلك ذكرى، ثم ~~نفى عن جهته عز وجل الظلم إذ هو مما لا يليق به. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 210 الى 216] # وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن ~~السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) ~~وأنذر عشيرتك الأقربين (214) # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون (216) # لما كان بعض ما قال الكفار إن هذا القرآن كهانة نزلت هذه الآية مكذبة ~~لذلك أي ما تنزلت به PageV04P244 # الشياطين # لأنها قد عزلت عن السمع الذي كانت تأخذ له مقاعدها، وقوله وما ينبغي لهم ~~أي ما يمكنهم، وقد تجيء هذه اللفظة عبارة عما لا يمكن وعبارة عما لا يليق ~~وإن كان ممكنا، ولما جاء الله بالإسلام حرس السماء بالشهب الجارية إثر ~~الشياطين فلم يخلص شيطان بشيء يلقيه كما كان يتفق لهم في الجاهلية، وقرأ ~~الجمهور «الشياطين» ، وروي عن الحسن أنه قرأ «الشياطون» وهي قراءة مردودة، ~~قال أبو حاتم هي غلط منه أو عليه وحكاها الثعلبي أيضا عن ابن السميفع، وذكر ~~عن يونس بن حبيب أنه قال سمعت أعرابيا يقول دخلت بساتين من ورائها بساتون ~~قال يونس فقلت ما أشبه هذه بقراءة الحسن، ثم وصى عز وجل نبيه عليه السلام ~~بالثبوت على توحيد الله تعالى وأمره بنذارة عشيرته تخصيصا لهم إذ العشيرة ~~مظنة المقاربة والطواعية. وإذ يمكنه معهم من الإغلاظ عليهم ما لا يحتمله ~~غيرهم فإن البر بهم في مثل هذا الحمل عليهم والإنسان غير متهم على ms2658 عشيرته. ~~وكان هذا التخصيص مع الأمر العام بنذارة العالم، وروي عن ابن جريج أن ~~المؤمنين من غير عشيرته في ذلك الوقت نالهم من هذا التخصيص وخروجهم منه ~~فنزلت واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، ولما أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهذه النذارة عظم موقع الأمر عليه وصعب ولكنه تلقاه بالجلد، وصنع ~~أشياء مختلفة كلها بحسب الأمر، فمن ذلك أنه أمر عليا رضي الله عنه بأن يصنع ~~طعاما وجمع عليه بني جده عبد المطلب وأراد نذارتهم ودعوتهم في ذلك الجمع ~~وظهر منه عليه السلام بركة في الطعام، قال علي وهم يومئذ أربعون رجلا ~~ينقصون رجلا أو يزيدونه، فرماه أبو لهب بالسحر فوجم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وافترق جمعهم من غير شيء، ثم جمعهم كذلك ثانية وأنذرهم ووعظهم ~~فتضاحكوا ولم يجيبوا، ومن ذلك أنه نادى عمه العباس وصفية عمته وفاطمة ابنته ~~وقال لهم: «لا أغني عنكم من الله شيئا إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد» في ~~حديث مشهور، ومن ذلك أنه صعد على الصفا أو أبي قبيس ونادى «يا بني عبد مناف ~~وا صباحاه» فاجتمع إليه الناس من أهل مكة فقال يا بني فلان حتى أتى، على ~~بطون قريش جميعا، فلما تكامل خلق كثير من كل بطن. قال لهم «أرأيتم لو ~~أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد الغارة عليكم أكنتم مصدقي» قالوا نعم، ~~فإنا لم نجرب عليك كذبا، فقال لهم «فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد» ، ~~فقال له أبو لهب ألهذا جمعتنا تبا لك سائر اليوم فنزلت تبت يدا أبي لهب ~~[المسد: 1] السورة، و «العشيرة» قرابة الرجل وهي في الرتبة تحت الفخذ وفوق ~~الفصيلة، وخفض الجناح استعارة معناه لين الكلمة وبسط الوجه والبر، والضمير ~~في عصوك عائد على عشيرته من حيث جمعت رجالا فأمره الله بالتبري منهم وفي ~~هذه الآية موادعة نسختها آية السيف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشعراء (26) : الآيات 217 الى 226] # وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في ~~الساجدين (219) إنه هو ms2659 السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~(221) # تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء ~~يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما ~~لا يفعلون (226) # قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة «فتوكل» بالفاء وكذلك في مصاحف أهل ~~المدينة والشام، PageV04P245 # والجمهور بالواو وكذلك في سائر المصاحف، وأمره الله تعالى بالتوكل عليه ~~في كل أمره، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة ~~المذكورتان في أواخر قصص الأمم المذكورة في هذه السورة، وضمنها نصر كل نبي ~~على الكفرة والتهمم بأمره والنظر إليه، وقوله الذي يراك حين تقوم # ، يراك # عبارة عن الإدراك، وظاهر الآية أراد قيام الصلاة، ويحتمل أن يريد سائر ~~التصرفات وهو تأويل مجاهد وقتادة، وقوله في الساجدين قيل يريد أهل الصلاة ~~أي صلاتك مع المصلين، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وقال أيضا مجاهد يريد ~~تقلبك أي تقليبك عينك وأبصارك الساجدين حين تراهم من وراء ظهرك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى أجنبي هنا، وقال ابن عباس أيضا وقتادة ~~أراد تقلبك في المؤمنين فعبر عنهم ب الساجدين، وقال ابن جبير أراد الأنبياء ~~أي تقلبك كما تقلب غيرك من الأنبياء، وقوله تعالى: هل أنبئكم معناه قل لهم ~~يا محمد هل أخبركم على من تنزل الشياطين وهذا استفهام توقيف وتقرير، و ~~«الأفاك» الكذاب، و «الأثيم» الآثم. ويريد الكهنة لأنهم كانوا يتلقون من ~~الشياطين الكلمة الواحدة التي سمعت من السماء، فيخلطون معها مائة كذبة، ~~فإذا صدقت تلك الكلمة كانت سبب ضلالة لمن سمعها، وقوله يلقون يعني ~~الشياطين، ويقتضي ذلك أن الشيطان المسترق أيضا كان يكذب إلى ما سمع هذا في ~~الأكثر، ويحتمل الضمير في يلقون أي يكون للكهنة فإفكهم وحالهم التي تقتضي ~~نفي كلامهم عن كلام كتاب الله عقب ذلك بذكر الشعراء وحالهم لينبه على بعد ~~كلامهم من كلام القرآن، إذ قال في القرآن بعض الكفرة إنه شعر، وهذه الكناية ~~هي عن شعراء الجاهلية، حكى النقاش عن السدي أنها في ابن الزبعرى وأبي سفيان ~~بن الحارث ms2660 وهبيرة بن أبي وهب ومسافع الجمحي وأبي عزة وأمية بن أبي الصلت. # قال القاضي أبو محمد: والأولان ممن تاب رضي الله عنهما، ويدخل في الآية ~~كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور، وقرأ نافع ~~«يتبعهم» بسكون التاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنه، وقرأ ~~الباقون بشد التاء وكسر الباء، واختلف الناس في قوله الغاوون، فقال ابن ~~عباس هم الرواة وقال ابن عباس أيضا هم المستحسنون لأشعارهم المصاحبون لهم، ~~وقال عكرمة هم الرعاع الذين يتبعون الشاعر ويتغنمون إنشاده وهذا أرجح ~~الأقوال، وقال مجاهد وقتادة الغاوون الشياطين، وقوله في كل واد يهيمون ~~عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله وتحسينهم القبيح ~~وتقبيحهم الحسن قاله ابن عباس وغيره، وقوله، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، ~~ذكر لتعاطيهم وتعمقهم في مجاز الكلام حتى يؤول إلى الكذب، وفي هذا اللفظ ~~عذر لبعضهم أحيانا فإنه يروى أن النعمان بن عدي لما ولاه عمر بن الخطاب ~~ميسان وقال لزوجته الشعر المشهور عزله عمر فاحتج عليه بقوله تعالى: وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون فدرأ عنه عمر الحد في الخمر، وروى جابر ابن عبد الله ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من مشى سبع خطوات في شعر كتب من ~~الغاوين ذكره أسد بن موسى وذكره النقاش. # قوله عز وجل: PageV04P246 ### || [سورة الشعراء (26) : آية 227] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله ~~بن رواحة وكل من اتصف بهذه الصفة، ويروى عن عطاء بن يسار وغيره أن هؤلاء شق ~~عليهم ما ذكر قبل في الشعراء وذكروا ذلك للنبي عليه السلام فنزلت آية ~~الاستثناء بالمدينة، وقوله وذكروا الله كثيرا يحتمل أن يريد في أشعارهم وهو ~~تأويل ابن زيد، ويحتمل أن يريد أن ذلك خلق لهم وعبادة وعادة قاله ابن عباس، ~~وهذا كما قال لبيد حين طلب منه شعره ms2661 إن الله أبدلني بالشعر القرآن خيرا منه ~~وكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدح من غير حق ولا يرتدع عن قول دنيء فهم ~~داخلون في هذه الآية وكل تقي منهم يكثر من الزهد ويمسك عن كل ما يعاب فهو ~~داخل في الاستثناء، وقوله وانتصروا إشارة إلى ما قاله من الشعر علي وغيره ~~في قريش قال قتادة وفي بعض القراءة، «وانتصروا بمثل ما ظلموا» ، وباقي ~~الآية وعيد للظلمة كفار مكة وتهديد لهم، وعمل ينقلبون في أي لتأخيره. PageV04P247 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النمل # هذه السورة مكية. # قوله عز وجل: ### || سورة النمل (27) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) # أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) # تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وكل الأقوال مترتب هاهنا، ~~وعلى القول بأنها حروف من أسماء الله تعالى فالأسماء هنا لطيف وسميع وكونها ~~إشارة إلى نوع حروف المعجم أبين الأقوال، وعطف «الكتاب» على القرآن وهما ~~لمسمى واحد من حيث هما صفتان لمعنيين، فالقرآن لأنه اجتمع والكتاب لأنه ~~يكتب، وقرأ ابن أبي عبلة «وكتاب مبين» بالرفع، وقوله هدى وبشرى يحتمل أن ~~يكون في موضع نصب على المصدر، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء ~~مضمر تقديره ذلك هدى وبشرى. ثم وصف تعالى المؤمنين بالأوصاف الخليقة بهم، ~~وإقامة الصلاة إدامتها وأداؤها على وجهها، والزكاة هنا يحتمل أن- تكون غير ~~المفروضة لأن السورة مكية قديمة، ويحتمل أن تكون المفروضة من غير تفسير، ~~وقيل الزكاة هنا بمعنى الطهارة من النقائص وملازمة مكارم الأخلاق، وتكرار ~~الضمير في قوله وهم بالآخرة هم يوقنون للتأكيد، ثم ذكر تعالى الكفرة الذين ~~لا يؤمنون بالبعث، والإشارة إلى قريش، وقوله زينا لهم أعمالهم يحتمل أن ~~يريد أنه تعالى جعل عقابهم على كفرهم أن حتم عليهم الكفر وحبب إليهم الشرك، ~~وزينه بإن خلقه واخترعه ms2662 في نفوسهم، ومع ذلك اكتسابهم وحرصهم، وهذا على أن ~~تكون الأعمال المزينة كفرهم وطغيانهم ويحتمل أن الأعمال المزينة هي الشريعة ~~التي كان الواجب أن تكون أعمالهم، فأخبر الله تعالى على جهة الذكر لنقصهم ~~أنه بفضله ونعمته زين الدين وبينه، ورسم الأعمال والتوحيد لكن هؤلاء ~~يعمهون، ويعرضون، والعمه الحيرة والتردد في الضلال، ثم توعدهم تعالى ب سوء ~~العذاب، فمن ناله شيء في الدنيا بقي عليه عذاب الآخرة. # ومن لم ينله عذاب الدنيا كان سوء عذابه في موته وفيما بعده، والأخسرون ~~جمع أخسري لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف فتقوى رتبته في الأسماء. PageV04P248 # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 6 الى 9] # وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا ~~سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن ~~بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا ~~الله العزيز الحكيم (9) # «تلقى» تفعل مضاعف لقي يلقى ومعناه تعطى، كما قال وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم [فصلت: 35] قال الحسن المعنى أنك لتقبل القرآن. # قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه يفيض عليه فضل الله ويعتمد به فيقلبه ~~صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية رد على كفار قريش في قولهم إن القرآن من ~~تلقاء محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله، ومن لدن، معناه من عنده ومن ~~جهته، و «الحكيم» ذو الحكمة في معرفته، حيث يجعل رسالاته وفي غير ذلك لا ~~إله إلا هو، ثم قص تعالى خبر موسى، والتقدير اذكر إذ قال موسى وكان من أمر ~~موسى عليه السلام أنه حين خرج بزوجه بنت شعيب عليه السلام يريد مصر وقد قرب ~~وقت نبوته مشوا في ليلة ظلماء ذات برد ومطر ففقدوا النار ومسهم البرد ~~واشتدت عليهم الظلمة وضلوا الطريق وأصلد زناد موسى عليه السلام، فبينما هو ~~في هذه الحالة إذ رأى نارا على بعد، وآنست معناه رأيت، ومنه قول حسان بن ~~ثابت: [المنسرح] # انظر ms2663 خليلي بباب جلق هل تؤنس ... دون البلقاء من أحد # فلما رأى موسى ذلك قال لأهله ما في الآية. # ومشى نحوها فلما دنا منها رأى النار في شجرة سمر خضراء وهي لا تحرقها، ~~وكلما قرب هو منها بعدت هي منه، وكان ذلك نورا من نور الله عز وجل ولم يكن ~~نارا في نفسها لكن ظنه موسى نارا فناداه الله عز وجل عند ذلك، وسمع موسى ~~عليه السلام النداء من جهة الشجرة وأسمعه الله كلامه والخبر الذي رجاه موسى ~~عليه السلام هو الإعلام بالطريق، وقوله بشهاب قبس شبه النار التي تؤخذ في ~~طرف عود أو غيره ب «الشهاب» ، ثم خصصه بأنه مما اقتبس، إذ الشهب قد تكون من ~~غير اقتباس، و «القبس» اسم لقطعة النار تقتبس في عود أو غيره كما القبض اسم ~~ما يقبض ومنه قول أبي زيد: [المنسرح] # في كفة صعدة مشقفة ... فيها سنان كشعلة القبس # ومنه قول الآخر: «من شاء من نار الجحيم اقتبسا» وأصل الشهاب الكوكب ~~المنقض في أثر مسترق السمع وكل من يقال له شهاب من المنيرات فعلى التشبيه، ~~قال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب وكلامه معترض، و «القبس» يحتمل أن ~~يكون اسما غير صفة ويحتمل أن يكون صفة، فعلى كونه اسما غير صفة أضاف إليه ~~بمعنى بشهاب اقتبسته أو اقتبسه، وعلى كونه صفة يكون ذلك كإضافة الدار إلى ~~الآخرة والصلاة إلى الأولى وغير ذلك، وقرأ الجمهور بإضافة «شهاب» إلى «قبس» ~~وهي قراءة الحسن وأهل المدينة ومكة والشام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~«بشهاب قبس» بتنوين «شهاب» فهذا على الصفة. PageV04P249 # ويجوز أن يكون «القبس» مصدر قبس يقبس كما الجلب مصدر جلب يجلب وقال أبو ~~الحسن: # الإضافة أجود وأكثر في القراءة كما تقول دار آجر وسوار ذهب حكاه أبو علي، ~~وتصطلون معناه تستدفئون من البرد، والضمير في جاءها للنار التي رآها موسى، ~~وقوله أن بورك يحتمل أن تكون أن مفسرة، ويحتمل أن تكون في موضع نصب على ~~تقدير «بأن بورك» ، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على ms2664 تقدير نودي أنه قاله ~~الزجاج، وقوله بورك معناه قدس وضوعف خيره ونمي، والبركة مختصة بالخير، ومن ~~هذا قول أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب: # بورك الميت الغريب كما بو ... رك ينع الرمان والزيتون # وبارك متعد بغير حرف تقول العرب باركك الله وقوله من في النار اضطرب ~~المتأولون فيه فقال ابن عباس وابن جبير والحسن وغيرهم: أراد عز وجل نفسه ~~وعبر بعضهم في هذا القول عبارات مردودة شنيعة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: ~~أراد النور، وقال الحسن وابن عباس: أراد بمن حولها الملائكة وموسى. # قال القاضي أبو محمد: فأما قول الحسن وغيره فإنما يتخرج على حذف مضاف ~~بمعنى بورك من قدرته وسلطانه في النار والمعنى في النار على ظنك وما حسبت، ~~وأما القول بأن من للنور فهذا على أن يعبر على النور بمن من حيث كان من نور ~~الله ويحتمل أن تكون من الملائكة لأن ذلك النور الذي حسبه موسى نارا لم يخل ~~من الملائكة، ومن حولها يكون لموسى عليه السلام وللملائكة المطيفين به، ~~وقرأ أبي بن كعب «أن بوركت النار» ، كذا حكى أبو حاتم وحكى ابن جني أنه قرأ ~~«تباركت النار ومن حولها» ، وحكى الداني أبو عمرو أنه قرأ «ومن حولها من ~~الملائكة» ، قال: وكذلك قرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وقوله تعالى: وسبحان ~~الله رب العالمين يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى، ويحتمل أن يكون ~~خطابا لمحمد عليه السلام اعتراضا بين الكلامين، والمقصد به على كلا الوجهين ~~تنزيه الله تعالى مما عسى أن يخطر ببال في معنى النداء من الشجرة وكون ~~قدرته وسلطانه في النار وعود من عليه، أي هو منزه في جميع هذه الحالات عن ~~التشبيه والتكييف، قال الثعلبي: وإنما الأمر كما روي أن في التوراة جاء ~~الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من فاران، المعنى ظهرت أوامره ~~بأنبيائه في هذه الجهات وفاران جبل مكة، وباقي الآية إعلام بأنه الله تعالى ~~والضمير في إنه للأمر والشأن. # قال الطبري: ويسميها أهل الكوفة المجهولة وأنسه بصفاته ms2665 من العزة، أي لا ~~خوف معي، والحكمة، أي لا نقص في أفعالي. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 10 الى 12] # وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون ~~وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) # أمره الله عز وجل بهذين الأمرين تدريبا له في استعمالهما، وفي الكلام حذف ~~تقديره فألقى العصا PageV04P250 # فلما رآها تهتز، وأمال «رآها» بعض القراء، و «الجان» الحيات لأنها تجن ~~أنفسها أي تسترها، وقالت فرقة: # الجان صغار الحيات وعصا موسى صارت حية ثعبانا وهو العظيم فإنها شبهت ب ~~«الجان» في سرعة الاضطراب، لأن الصغار أكثر حركة من الكبار، وعلى كل قول ~~فإن الله خلق في العصا حياة وغير أوصافها وأعراضها فصارت حية، وقرأ الحسن ~~والزهري وعمرو بن عبيد «جأن» بالهمز فلما أبصر موسى عليه السلام هول ذلك ~~المنظر ولى فارا، قال مجاهد ولم يرجع وقال قتادة: ولم يلتفت. # قال القاضي أبو محمد: و «عقب» الرجل إذا ولى عن أمر ثم صرف بدنه أو وجهه ~~إليه كأنه انصرف على عقبيه وناداه الله مؤنسا ومقويا على الأمر: يا موسى لا ~~تخف فإن رسلي الذين اصطفيتهم للنبوة لا يخافون عندي، ومعي، فأخذ موسى الحية ~~فرجعت عصا ثم صارت له عادة، واختلف الناس في الاستثناء في قوله تعالى إلا ~~من ظلم، فقال مقاتل وغيره: الاستثناء متصل وهو من الأنبياء، وروى الحسن أن ~~الله تعالى قال لموسى: أخفتك بقتلك النفس، وقال الحسن أيضا: كانت الأنبياء ~~تذنب فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب فكيف بنا، وقال ابن جريج: لا يخيف الله ~~الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه، قال كثير من ~~العلماء: لم يعر أحد من البشر من ذنب إلا ما روي عن يحيى بن زكرياء. # قال القاضي أبو محمد: وأجمع العلماء أن الأنبياء ms2666 عليهم السلام معصومون من ~~الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل واختلف فيما عدا هذا، فعسى أن يشير ~~الحسن وابن جريج إلى ما عدا ذلك، وفي الآية على هذا التأويل حذف اقتضى ~~الإيجاز والفصاحة ترك نصه تقديره فمن ظلم ثم بدل، وقال الفراء وجماعة: ~~الاستثناء منقطع وهو إخبار عن غير الأنبياء كأنه قال: لكن من ظلم من الناس ~~ثم تاب فإني غفور رحيم، وقالت فرقة: إلا بمعنى الواو. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا وجه له، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد ~~بن أسلم «ألا من ظلم» على الاستفتاح، وقوله ثم بدل حسنا معناه عملا صالحا ~~مقترنا بتوبة، وهذه الآية تقتضي حتم المغفرة للتائب، وأجمع الناس على ذلك ~~في التوبة من الشرك، وأهل السنة في التائب من المعاصي على أنه في المشيئة ~~كالمصر، لكن يغلب الرجاء على التائب والخوف على المصر، وقوله تعالى: ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] عمت الجميع من التائب والمصر، وقالت ~~المعتزلة لمن يشاء [النساء: 48] معناه للتائبين. # قال القاضي أبو محمد: وذلك مردود من لفظ الآية لأن تفصيلها بين الشرك ~~وغيره كان يذهب فائدته إذ الشرك يغفر للتائب وما دونه كذلك على تأويلهم فما ~~فائدة التفصيل في الآية وهذا احتجاج لازم فتأمله، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ~~«حسنا بعد سوء» بفتح الحاء والسين وهي قراءة مجاهد وابن أبي ليلى، وقرأ ~~محمد بن عيسى الأصبهاني «حسنى» مثل فعلى، ثم أمر تعالى موسى بأن يدخل يده ~~في جيب جبته لأنها لم يكن لها كم فيما قال ابن عباس، وقال مجاهد كانت مدرعة ~~صوف إلى بعض يده، و «الجيب» الفتح في الثوب لرأس الإنسان، وروي أن يد موسى ~~عليه السلام كانت تخرج تلألأ كأنها قطعة نور، ومعنى إدخال اليد في الجيب ضم ~~الآية إلى موسى وإظهار تلبسها به لأن المعجزات من شروطها أن يكون لها اتصال PageV04P251 # بالآتي بها، وقوله من غير سوء أي من غير برص ولا علة وإنما هي آية تجيء ~~وتذهب، وقوله في تسع آيات، ms2667 متصل بقوله ألق وأدخل، وفيه اقتضاب وحذف تقديره ~~نمهد ونيسر ذلك لك في جملة تسع آيات، وهي العصا واليد والطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم والطمسة والحجر، وفي هذين الأخيرين اختلاف والمعنى ~~تجيء بهن إلى فرعون وقومه. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 13 الى 14] # فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14) # الضمير في قوله جاءتهم لفرعون وقومه، ومبصرة معناه معها الإبصار والوضوح، ~~وهذا على نحو قولهم: نهار صائم وليل قائم ونائم، وقرأ قتادة وعلي بن الحسين ~~«مبصرة» بفتح الميم والصاد، وظاهر قوله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم حصول الكفر عنادا وهي مسألة قولين هل يجوز أن يقع أم لا؟ فجوزت ذلك ~~فرقة وقالت يجوز أن يكون الرجل عارفا إلا أنه يجحد عنادا ويموت على معرفته ~~وجحوده فهو بذلك في حكم الكافر المخلد، قالوا وهذا حكم إبليس وحكم حيي بن ~~أخطب وأخيه حسبما روي عنهما. # قال الفقيه الإمام القاضي: وإن عورض هذا المثال فرض إنسان ويجوز ذلك فيه ~~وقالت فرقة لا يصح لوجهين: # أحدهما أن هذا لا يجوز وقوعه من عاقل، والوجه الآخر أن المعرفة تقتضي أن ~~تحل في القلب، وذلك إيمان وحكم الكفر لا يلحقه إلا بأن يحل بالقلب كفر، ولا ~~يصح اجتماع الضدين في محل واحد، قالوا: ويشبه في هذا العارف الجاحد أن يسلب ~~عند الموافاة تلك المعرفة ويحل بدلها الكفر. # قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر عندي في هذه الآية وكل ما جرى مجراها أن ~~هؤلاء الكفرة كانوا إذا نظروا في آيات موسى عليه السلام أعطتهم عقولهم أنها ~~ليست تحت قدرة البشر وحصل لهم اليقين أنها من عند الله تعالى، فيغلبهم ~~أثناء ذلك الحسد ويتمسكون بالظنون في أنه سحر وغير ذلك مما يختلج في الظن ~~بحسب كل آية، ويلجون في عماهم فيضطرب ذلك اليقين ويدفعونه في كل حيلة من ~~التحيل لربوبية فرعون وغير ذلك، حتى يستلب ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربا، ~~وحكمه حكم المستلب ms2668 في وجوب عذابهم، وظلما معناه على غير استحقاق للجحد، و ~~«العلو» في الأرض أعظم آفة على طالبه. قال الله تعالى: تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا [القصص: 83] . ثم عجبه ~~تعالى من عقاب المفسدين قوم فرعون وسوء منقلبهم حين كذبوا موسى وفي هذا ~~تمثيل لكفار قريش إذ كانوا مفسدين مستعلين، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش ~~«ظلما وعليا» ، وحكى أبو عمرو الداني عنهم وعن أبان بن تغلب أنهم كسروا ~~العين من «عليا» . PageV04P252 # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 15 الى 17] # ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) # هذا ابتداء قصص فيه غيوب وعبر وليس بمثال لقريش، وداود من بني إسرائيل ~~وكان ملكا وورث سليمان ملكه ومنزلته من النبوءة بمعنى صار إليه ذلك بعد موت ~~أبيه فسمي ميراثا تجوزا، وهذا نحو قولهم العلماء ورثة الأنبياء، وحقيقة ~~الميراث في المال والأنبياء لا تورث أموالهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ، ويحتمل قوله عليه السلام ~~«إنا معشر الأنبياء لا نورث» أن يريد به أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم ~~وإن كان فيهم من ورث ماله كزكرياء على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: ~~إنا معشر المسلمين إنما شغلنا العبادة، فالمراد أن ذلك فيه فعل الأكثر، ~~ومنه ما حكى سيبويه أنا معشر العرب أقرى الناس لضيف. وقوله علمنا منطق ~~الطير إخبار بنعمة الله عندهما في أن فهمهما من أصوات الطير المعاني التي ~~نفوسها، وهذا نحو ما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يسمع أصوات الحجارة ~~بالسلام وسليمان عليه السلام حكى عن البلبل أنه قال: أكلت نصف تمرة فعلى ~~الدنيا العفاء إلى كثير من هذا النوع وقال قتادة والشعبي وغيره: إنما كان ~~هذا الأمر ms2669 في الطير خاصة والنملة طائر قد يوجد له الأجنحة، قال الشعبي: ~~وكذلك كانت هذه القائلة ذات جناحين، وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان ~~وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جنود سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس ~~وفي البعث في الأمور فخص لكثرة مداخلته ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير ~~متردد ترداد أمر الطير، والنمل حيوان فطن قوي شمام جدا يدخر القرى ويشق ~~الحب بقطعتين لئلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت شقين ~~ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي سائره عدة، وقوله وأوتينا من كل شيء ~~معناه يصلح لنا ونتمناه وليست على العموم، ثم ردد شكر فضل الله تعالى، ثم ~~قص تعالى حال سليمان فقال: # وحشر لسليمان أي جمع واختلف الناس في مقدار جند سليمان عليه السلام ~~اختلافا شديدا لم أر ذكره لعدم صحة التحديد، غير أن الصحيح أن ملكه كان ~~عظيما ملأ الأرض وانقادت له المعمورة وكان كرسيه يحمل أجناده من الإنس ~~والجن، وكانت الطير تظله من الشمس ويبعثها في الأمور، وكان له في الكرسي ~~الأعظم موضع يخصه، ويوزعون معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويكفون، وقال قتادة ~~فكان لكل صنف وزعة في رتبهم ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها ~~فرب وقت كان يسير فيه في الأرض، ومنه قول الحسن الصبري حين ولي قضاء ~~البصرة: لا بد للحاكم من وزعة، ومنه قول أبي قحافة حين وصفت له الجارية في ~~يوم الفتح أنها ترى سوادا أمامه فارس قد نهد من الصف فقال لها: ذلك الوازع، ~~ومنه قول الشاعر [النابغة الذبياني] : [الطويل] # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع # أي كاف. PageV04P253 # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 18 الى 19] # حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأدخلني برحمتك ms2670 في عبادك الصالحين (19) # ظاهر هذه الآية أن سليمان وجنوده كانوا مشاة في الأرض، وبذلك يتفق حطم ~~النمل، ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح وأحست النمل بنزولهم في ~~واد النمل، وأمال أبو عمرو الواو من واد، والجميع فخم، وبالإمالة قرأ ابن ~~إسحاق، وقرأ المعتمر بن سليمان عن أبيه «النمل» بضم الميم كالسمر، و «قالت ~~نملة» بالضم كسمرة، وروي عنه ضم النون والميم من «النمل» ، وقال نوف ~~البكالي: # كانت تلك النملة على قدر الذئاب وقالت فرقة: بل كانت صغارا. # قال القاضي أبو محمد: والذي يقال في هذا أن النمل كانت نسبتها من ذلك ~~الخلق نسبة هذا النمل منا فيحتمل أن كان الخلق كله أكمل، وهذه النملة قالت ~~هذا المعنى الذي لا يصلح له إلا هذه العبارة قولا فهمه عنها النمل، فسمعها ~~سليمان على بعده، وجاءت المخاطبة كمن يعقل، لأنها أمرتهم بما يؤمر به من ~~يعقل، وروي أنه كان على ثلاثة أميال فتبسم من قولها، والتبسم ضحك الأنبياء ~~في غالب أمرهم لا يليق بهم سواه، وكان تبسمه سرورا، واختلف بما كان، فقالت ~~فرقة بنعمة الله في إسماعه وإفهامه ونحو ذلك، وقالت فرقة بثناء النملة عليه ~~وعلى جنوده في أن نفت عنهم تعمد القبيح من الفعل فجعلت الحطم وهم لا ~~يشعرون، وقرأ شهر بن حوشب «مسكنكم» بسكون السين على الإفراد، وفي مصحف أبي ~~«مساكنكن» ، وضاحكا نصب على الحال، وقرأ محمد بن السميفع «ضحكا» وهو نصب ~~على المصدر إما ب «تبسم» على مذهب المبرد إذ هو في معنى ضحك، وإما بتقدير ~~ضحك على مذهب سيبويه، وقرأ جمهور القراء «لا يحطمنكم» بشد النون وسكون ~~الحاء، وقرأ أبو عمرو وفي رواية عبيد «لا يحطمنكم» بسكون النون وهي قراءة ~~ابن أبي إسحاق، وقرأ الحسن وأبو رجاء «لا يحطمنكم» بضم الياء وفتح الحاء ~~وكسر الطاء وشدها وشد النون وعنه أيضا «يحطمنكم» بفتح الياء وكسر الحاء ~~والطاء وشدها، وقرأ الأعمش وطلحة «لا يحطمكم» مخففة بغير نون، وفي مصحف أبي ~~بن كعب «لا يحطمنكن» مخففة النون التي قبل الكاف، ثم ms2671 دعا سليمان إلى ربه في ~~أن يعينه الله تعالى ويفرغه إلى شكر نعمته وهذا هو معنى «إيزاع الشكر» ، ~~وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 20 الى 23] # وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال ~~أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) PageV04P254 # اختلف الناس في معنى «تفقده الطير» ، فقالت فرقة ذلك بحسب ما تقتضيه ~~العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير، وقالت فرقة: بل ~~«تفقد الطير» لأن الشمس دخلت من موضع الهدهد حين غاب، فكان ذلك سبب تفقد ~~الطير ليبين من أين دخلت الشمس، وقال عبد الله بن سلام إنما طلب الهدهد ~~لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض، لأنه كان نزل في مفازة ~~عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها كانت تشف له وكان ~~يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة تسلخ عنه وجه ~~الأرض كما تسلخ شاة قاله ابن عباس فيما روي عن أبي سلام وغيره، وقال في ~~كتاب النقاش كان الهدهد مهندسا، وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يقول ~~هذا فقال له: قف يا وقاف كيف يرى الهدهد باطن الأرض وهو لا يرى الفخ حين ~~يقع فيه. فقال له ابن عباس رضي الله عنه: إذا جاء القدر عمي البصر. وقال ~~وهب بن منبه: # كانت الطير تنتاب سليمان كل يوم من كل نوع واحد نوبة معهودة ففقد الهدهد، ~~وقوله ما لي لا أرى إنما مقصد الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه ~~وهو أن لا يراه فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، ~~والاستفهام الذي في قوله ما لي، ناب مناب الألف التي تحتاجها أم، ثم توعده ~~عليه ms2672 السلام بالعذاب، وروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير ~~كان بأن تنتف، قال ابن جريج: ريشه أجمع، وقال يزيد بن رومان: جناحاه، وروى ~~ابن وهب أنه بأن تنتف أجمع وتبقى بضعة تنزو، و «السلطان» الحجة حيث وقع في ~~القرآن، قاله عكرمة عن ابن عباس، وقرأ ابن كثير وحده «ليأتينني» بنونين، ~~وفعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا عن العاصين وعقابا على إخلاله بنوبته ~~ورتبته، وقرأ جمهور القراء، «فمكث» بضم الكاف، وقرأ عاصم وحده «فمكث» ~~بفتحها، ومعناه في القراءتين أقام، والفتح في الكاف أحسن لأنها لغة القرآن ~~في قوله ماكثين [الكهف: 3] إذ هو من مكث بفتح الكاف، ولو كان من مكث بضم ~~الكاف لكان جمع مكيث، والضمير في «مكث» يحتمل أن يكون لسليمان أو ل الهدهد، ~~وفي قراءة ابن مسعود «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أبي بن كعب «فتمكث» ثم ~~قال أحطت وقوله غير بعيد كما في مصاحف الجمهور يريد به في الزمن والمدة، ~~وقوله أحطت أي علمت علما تاما ليس في علمك، واختلف القراء في سبإ، فقرأ ~~جمهور القراء «سبأ» بالصرف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سبأ» بفتح الهمزة ~~وترك الصرف، وقرأ الأعمش «من سبإ» بالكسر وترك الصرف وروى ابن حبيب عن ~~اليزيدي «سبا» بألف ساكنة، وقرأ قنبل عن النبال بسكون الهمزة، فالأولى على ~~أنه اسم رجل وعليه قول الشاعر: [البسيط] # الواردون وتيم في ذرى سبإ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس # وقال الآخر: «من سبأ الحاضرين مآرب» ، وهذا على أنها قبيلة والثانية على ~~أنها بلدة، قاله الحسن PageV04P255 # وقتادة، وكلا القولين قد قيل، ولكن روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من حديث فروة بن مسيك وغيره أنه اسم رجل ولد عشرة من الولد تيامن منهم ستة، ~~وتشاءم أربعة، وخفي هذا الحديث على الزجاج فخبط عشوى، والثالثة على البناء ~~والرابعة والخامسة لتوالي الحركات السبع فسكن تخفيفا للتثقيل في توالي ~~الحركات، وهذه القراءة لا تبنى على الأولى بل هي إما على الثانية أو ~~الثالثة، وقرأت فرقة «بنبإ» وقرأت فرقة ms2673 دون تنوين على الإضافة، وقرأت فرقة ~~«بنبإ» بالألف مقصورة، وقوله وأوتيت من كل شيء مبالغة أي مما تحتاج المملكة ~~قال الحسن: من كل أمر الدنيا، ووصف عرشها بالعظم في الهيئة ورتبة السلطان، ~~وروي عن نافع الوقف على عرش ف عظيم على هذا يتعلق بما بعده، وهذه المرأة هي ~~بلقيس بنت شراحيل فيما قال بعضهم، وقيل بنت الفشرح، وقيل كانت أمها جنية، ~~وأكثر بعض الناس في قصصها بما رأيت اختصاره لعدم صحته وإنما اللازم من ~~الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وكانت كافرة من قوم ~~كفار. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 24 الى 28] # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ~~والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ~~(26) قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ~~ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) # كانت هذه الأمة أمة تعبد الشمس لأنهم كانوا زنادقة فيما روي، وقيل كانوا ~~مجوسا يعبدون الأنوار، وقوله ألا يسجدوا إلى قوله العظيم ظاهره أنه من قول ~~الهدهد، وهو قول ابن زيد وابن إسحاق ويعترض بأنه غير مخاطب، فكيف يتكلم في ~~معنى شرع، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى اعتراضا بين الكلامين وهو ~~الثابت مع التأمل، وقراءة التشديد في «ألا» تعطي أن الكلام للهدهد، وقراءة ~~التخفيف تمنعه وتقوي الآخر حسبما يتأمل إن شاء الله، وقرأ جمهور القراء ~~«ألا يسجدوا» ف «أن» في موضع نصب على البدل من أعمالهم وفي موضع خفض على ~~البدل من السبيل أو يكون التقدير لأن لا يسجدوا ف «أن» متعلقة إما ب «زين» ~~وإما ب «صدهم» ، واللام الداخلة على «أن» داخلة على مفعول له، وقرأ ابن ~~عباس وأبو جعفر والزهري وأبو عبد الرحمن والحسن والكسائي وحميد: «ألا» على ~~جهة الاستفتاح ووقف الكسائي من هذه الفرقة على يا، ثم يبتدىء «اسجدوا» ، ~~واحتج ms2674 الكسائي لقراءته هذه بأنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~موضع سجدة. # قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة مقدر فيها النداء والمنادى محذوف ~~تقديره إن جعلناه اعتراضا يا هؤلاء ويجيء موضع سجدة، وإن جعلناه من كلام ~~الهدهد يا قوم أو يا عقلاء ونحو هذا ومنه قول الشاعر: # «ألا يا سلمي» يا دار مي على البلا إلخ.. البيت، ونحو قول الآخر وهو ~~الأخطل: [الطويل] # ألا يا أسلمي يا هند هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر PageV04P256 # ومنه قول الآخر: # فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطة ... فقلت سمعنا فاسمعي واصمتي # ويحتمل قراءة من شدد: «ألا» أن يجعلها بمعنى التخصيص، ويقدر هذا النداء ~~بعدها ويجيء في الكلام إضمار كثير ولكنه متوجه، وسقطت الألف كما كتبت في يا ~~عيسى ويا قوم، وقرأ الأعمش «هل لا يسجدون» ، وفي حرف عبد الله بن مسعود ~~«ألا هل تسجدون» بالتاء، وفي قراءة أبي: # «ألا هل تسجدوا» بالتاء أيضا، والخبء الخفي من الأمور وهو من خبأت الشيء، ~~و «خبء» السماء مطرها، و «خبء» الأرض كنوزها ونباتها، واللفظة بعد هذا تعم ~~كل خفي من الأمور وبه فسر ابن عباس، وقرأ جمهور الناس «الخبء» بسكون الباء ~~والهمز، وقرأ أبي بن كعب «الخب» بفتح الباء وترك الهمز، وقرأ عكرمة «الخبا» ~~بألف مقصورة، وحكى سيبويه أن بعض العرب يقلب الهمزة إذا كانت في مثل هذا ~~مفتوحة وقبلها ساكن يقلبها ألفا، وإذا كانت مضمومة وقبلها ساكن قلبها واوا، ~~وإذا كانت مكسورة قلبها ياء ومثل سيبويه ذلك بالوثا والوثو والوثي، وكذلك ~~يجيء الخبء في حال النصب وتقول اطلعت على الخبي وراقني الخبو وقرأ جمهور ~~القراء «يخفون» و «يعلنون» بياء الغائب. # قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد، وقرأ ~~الكسائي وعاصم في رواية حفص «تخفون وما تعلنون» بتاء الخطاب، وهذه القراءة ~~تعطي أن الآية من خطاب الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ~~أبي بن كعب «ألا يسجدوا والله الذي يخرج الخبء ms2675 من السماوات والأرض ويعلم ~~سركم وما تعلنون» ، وخصص العرش بالذكر في قوله رب العرش العظيم لأنه أعظم ~~المخلوقات، وما عداه في ضمنه وقبضته، ثم إن سليمان عليه السلام أخر أمر ~~الهدهد إلى أن يبين له حقه من باطله فسوفه بالنظر في ذلك وأمر بكتاب فكتب ~~وحمله إياه وأمره بإلقائه إلى القوم والتولي بعد ذلك، وقال وهب بن منبه ~~أمره بالتولي حسن أدب، ليتنحى حسبما يتأدب به مع الملوك بمعنى وكن قريبا ~~حتى ترى مراجعاتهم، وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه أي ألقه ~~وارجع، قال وقوله فانظر ماذا يرجعون في معنى التقديم على قوله ثم تول. # قال القاضي أبو محمد: واتساق رتبة الكلام أظهر أي «ألقه ثم تول» وفي خلال ~~ذلك فانظر وإنما أراد أن يكل الأمر إلى علم ما في الكتاب دون أن تكون ~~للرسول ملازمة ولا إلحاح. # وقرأ نافع «فألقه» بكسر الهاء، وفرقة «فألقه» بضمها، وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر والكسائي بإشباع ياء بعد الكسرة في الهاء، وروى عنه ورش بياء بعد ~~الهاء في الوصل، وقرأ قوم بإشباع واو بعد الضمة، وقرأ البزي عن أبي عمرو ~~وعاصم وحمزة «فألقه» بسكون الهاء، وروي عن وهب بن منبه في قصص هذه الآية أن ~~الهدهد وصل فألفى دون هذه الملكة حجب جدرات فعمد إلى كوة كانت بلقيس صنعتها ~~لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها فدخل منها ورمى الكتاب ~~على بلقيس وهي فيما يروى نائمة، فلما انتبهت وجدته فراعها وظنت أنه قد دخل ~~عليها أحد ثم قامت فوجدت حالها كما عهدته فنظرت إلى الكوة PageV04P257 # تهمما بأمر الشمس فرأت الهدهد فعلمت أمره ثم جمعت أهل ملكها وعلية قومها ~~فخاطبتهم بما يأتي بعد. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 29 الى 34] # قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها ~~الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا ~~قوة ms2676 وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) # قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) # في هذا الموضع اختصار لما يدل ظاهر القول عليه تقديره فألقى الكتاب ~~وقرأته وجمعت له أهل ملكها، والملأ أشراف الناس الذين ينوبون مناب الجميع، ~~ووصفت «الكتاب بالكرم» إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته ~~إجلالا لسليمان، وهذا قول ابن زيد، وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه ~~بالخاتم، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كرم الكتاب ختمه» ~~وإما إن أرادت أنه بدىء بسم الله ف كريم ضد أجذم كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «كل كلام لم يبدأ باسم الله تعالى فهو أجذم، ثم أخذت تصف ~~لهم ما في الكتاب فيحتمل اللفظ أنه نص الكتاب موجزا بليغا وكذلك كتب ~~الأنبياء وقدم فيه العنوان وهي عادة الناس على وجه الدهر، ثم سمى الله ~~تعالى، ثم أمرهم بأن لا يعلوا عليه طغيانا وكفرا وأن يأتوه مسلمين، ويحتمل ~~أنها قصدت إلى اقتضاب معانيه دون ترتيبه فأعلمتهم إنه من سليمان وأن معنى ~~ما فيه كذا وكذا، وقرأ أبي «وأن بسم الله» بفتح الهمز وتخفيف النون وحذف ~~الهاء، وقرأ ابن أبي عبلة «أنه» من «وأنه» بفتح الهمزة فيهما، وفي قراءة ~~عبد الله «وأنه من سليمان» بزيادة، وبسم الله الرحمن الرحيم، استفتاح شريف ~~بارع المعنى معبر عنه بكل لغة وفي كل شرع، و «أن» في قوله تعالى: ألا تعلوا ~~علي يحتمل أن تكون رفعا على البدل من كتاب، أو نصبا على معنى «بأن لا ~~تعلوا» ، أو مفسرة بمنزلة أي قاله سيبويه، وقرأ وهب بن منبه «أن لا تغلوا» ~~بالغين منقوطة، قال أبو الفتح رواها وهب عن ابن عباس وهي قراءة الأشهب ~~العقيلي ذكرها الثعلبي ثم أخذت في حسن الأدب مع رجالها ومشاورتهم في أمرها ~~وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر فكيف في هذه النازلة الكبرى، فراجعها ~~الملأ بما يقر عينها من إعلامهم إياها ب «القوة ms2677 والبأس» أي وذلك مبذول إليك ~~فقاتلي إن شئت، ثم سلموا الأمر إلى نظرها وهذه محاورة حسنة من الجميع، وفي ~~قراءة عبد الله «ما كنت قاضية أمرا» بالضاد من القضاء، وذكر مجاهد في عدد ~~أجنادها أنها كان لها اثنا عشر ألفا، قيل تحت يد كل واحد منهم مائة ألف. # قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وذكر غيره نحوه فاختصرته لبعد الصحة ~~عنه، ثم أخبرت بلقيس عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها، وفي ~~الكلام خوف على قومها وحيطة لهم واستعظام لأمر سليمان عليه السلام، وقالت ~~فرقة إن وكذلك يفعلون من قول بلقيس تأكيدا منها للمعنى الذي أرادته، وقال ~~ابن عباس: هو من قول الله تعالى معرفا لمحمد عليه السلام وأمته ومخبرا به. PageV04P258 # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 35 الى 37] # وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمان ~~قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ~~(36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم ~~صاغرون (37) # روي أن بلقيس قالت لقومها إني أجرب هذا الرجل بهدية أعطيه فيها نفائس ~~الأموال وأغرب عليه بأمور المملكة، فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال ~~فعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين ~~فينبغي أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر بعض الناس ~~في تفصيلها فرأيت اختصار ذلك لعدم صحته، واختبرت علمه فيما روي بأن بعثت ~~إليه قدحا فقالت املأه لي ماء ليس من الأرض ولا من السماء، وبعثت إليه درة ~~فيها ثقب محلزق وقالت يدخل سلكها دون أن يقربها إنس ولا جان، وبعثت أخرى ~~غير مثقوبة وقالت يثقب هذه غير الإنس والجن، فملأ سليمان القدح من عرق ~~الخيل، وأدخلت السلك دودة. وثقبت الدرة أرضة ماء، وراجع سليمان مع رد ~~الهدية بما في الآية وعبر عن «المرسلين» ب جاء وبقوله ارجع لما أراد به ~~الرسول الذي يقع على الجمع والإفراد والتأنيث والتذكير، وقرأ ms2678 ابن مسعود ~~«فلما جاؤوا سليمان» وقرأ «ارجعوا» ، ووعيد سليمان لهم مقترن بدوامهم على ~~كفرهم، وذكر مجاهد أنها بعثت في هديتها بعدد كثير من العبيد بين غلام ~~وجارية وجعلت زيهم واحدا وجربته في التفريق بينهم. # قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بتجربة في مثل هذا الأمر الخطير، وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو «أتمدونني» بنونين وياء في الوصل، وقرأ ابن عامر ~~وعاصم والكسائي «أتمدونن» بغير ياء في وقف ووصل، وقرأ جمزة «أتمدوني» بشد ~~النون وإثبات الياء، وقرأ عاصم «فما آتان الله» بكسر النون دون ياء، وقرأ ~~فرقة «آتاني» بياء ساكنة، وقرأ أبو عمرو ونافع «آتاني» بياء مفتوحة، ثم ~~توعدهم بالجنود والغلبة والإخراج أذلاء والمعنى إن لم يسلموا، وقرأ عبد ~~الله «لا قيل لهم بهم» على جمع ضمير الجنود. ولا قبل معناه لا طاقة ولا ~~مقاومة. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 38 الى 40] # قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال ~~عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) ~~قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) # القائل سليمان عليه السلام والملؤا المنادى جمعه من الإنس والجن، واختلف ~~المتأولون في PageV04P259 # غرضه في استدعاء «عرشها» فقال قتادة ذكر له بعظم وجودة فأراد أخذه قبل أن ~~يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم، و «الإسلام» على هذا التأويل الدين، ~~وهو قول ابن جريج، وقال ابن زيد استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله ~~وليغرب عليها، ومسلمين في هذا التأويل بمعنى مستسلمين وهو قول ابن عباس ~~وذكره صلة في العبارة لا تأثير لاستسلامهم في غرض سليمان، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى الإسلام، وظاهر هذه الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد ~~مجيء هديتها ورده إياها، وقد بعث الهدهد بالكتاب وعلى هذا جمهور المفسرين، ms2679 ~~وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال هذه المقالة هي ابتداء النظر في صدق ~~الهدهد من كذبه لما قال له ولها عرش عظيم [النمل: 23] قال سليمان أيكم ~~يأتيني بعرشها ثم وقع في ترتيب القصص تقديم وتأخير. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح وروي أن عرشها كان من ذهب وفضة ~~مرصعا بالياقوت والجوهر وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق، وقرأ ~~الجمهور «قال عفريت» ، وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي «قال عفرية» ، ورويت عن ~~أبي بكر الصديق، وقرأت فرقة «قال عفر» بكسر العين، وكل ذلك لغات فيه وهو من ~~الشياطين القوي المارد والتاء في عفريت زائدة، وقد قالوا تعفرت الرجل إذا ~~تخلق بخلق الإذاية، قال وهب بن منبه اسم هذا العفريت كودا، وروي عن ابن ~~عباس أنه صخر الجني ومن هذا الاسم قول ذي الرمة: [البسيط] # كأنه كوكب في إثر عفرية ... مصوب في سواد الليل منقضب # وقوله قبل أن تقوم من مقامك قال مجاهد وقتادة وابن منبه معناه قبل قيامك ~~من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقت الظهر في كل يوم، وقيل معناه ~~قيل أن تستوي من جلوسك قائما، وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك، قال ابن جبير وقتادة قبل أن يصل إليك من يقع طرفك ~~عليه في أبعد ما ترى، وقال مجاهد معناه قبل أن يحتاج إلى التغميض أي مدة ما ~~يمكنك أن تمد بصرك دون تغميض وذلك ارتداد. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يقابلان قول من قال إن القيام هو من ~~مجلس الحكم، ومن قال إن القيام هو من الجلوس، فيقول في ارتداد الطرف هو أن ~~يطرف أي قبل أن تصلح عينيك وتفتحهما، وذلك أن الثاني تعاطى الأقصر في المدة ~~ولا بد. وقوله لقوي أمين معناه «قوي» على حمله أمين على ما فيه، ويروى أن ~~بلقيس لما فصلت من بلدها متوجهة إلى سليمان تركت العرش تحت أقفال وثقاف ~~حصين فلما علم سليمان بانفصالها أراد أن يغرب ms2680 عليها بأن تجد عرشها عنده ~~ليبين لها أن ملكه لا يضاهى، فاستدعى سوقه فدعا الذي عنده علم من التوراة ~~وهو الكتاب المشار إليه باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمن أن ~~لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرش حتى نبع بين يدي سليمان ~~عليه السلام وقيل بل جيء به في الهواء. قال مجاهد وكان بين سليمان وبين ~~العرش كما بين الكوفة والحيرة، وحكى الرماني أن العرش حمل من مأرب إلى ~~الشام في قدر رجع البصر. # قال القاضي أبو محمد: وهي مسيرة شهرين للمجد، وقول مجاهد: أشهر، وروي أن ~~الجن كانت PageV04P260 # تخبر سليمان بمناقل سيرها فلما قربت قال أيكم يأتيني بعرشها، واختلف ~~المفسرون في الذي عنده علم من الكتاب من هو، فجمهور الناس على أنه رجل صالح ~~من بني إسرائيل اسمه «آصف بن برخيا» روي أنه صلى ركعتين ثم قال يا نبي الله ~~أمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش فما رد سليمان بصره إلا وهو ~~عنده، وقال قتادة اسمه بليخا، وقال إبراهيم النخعي هو «جبريل عليه السلام» ~~، وقال ابن لهيعة هو الخضر وحكى النقاش عن جماعة أنهم سمعوا أنه ضبة بن آد ~~جد بني ضبة من العرب، قالوا وكان رجلا فاضلا يخدم سليمان على قطعة من خيله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة بل هو سليمان عليه ~~السلام والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال هو أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك، كأن سليمان عليه السلام استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره ~~أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك واستدل قائل هذا القول بقول سليمان. هذا ~~من فضل ربي، واستدل أيضا بهذا القول مناقضه إذ في كلا الأمرين على سليمان ~~فضل من الله تعالى، وعلى القول الأول المخاطبة لسليمان، ولفظ، آتيك، يحتمل ~~أن يكون فعلا مستقبلا، ويحتمل أن يكون اسم فاعل، وفي الكلام حذف تقديره ~~فدعا باسم الله فجاء العرش بقدرة الله فلما رآه سليمان مستقرا عنده ms2681 جعل ~~يشكر نعمة ربه بعبارة فيها تعليم للناس وهي عرضة للاقتداء بها والاقتباس ~~منها، وقال ابن عباس المعنى أأشكر على السرير وسوقه أم أكفر إذ رأيت من هو ~~دوني في الدنيا أعلم مني وظهر العامل في الظرف من قوله مستقرا وهذا المقدر ~~أبدا في كل ظرف جاء هنا مظهرا وليس في كتاب الله تعالى مثله. وباقي الآية ~~بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 41 الى 44] # قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما ~~جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) ~~وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ~~ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) # أراد سليمان عليه السلام في هذا «التنكير» تجربة ميزها ونظرها وليزيد في ~~الإغراب عليها، وروت فرقة أن الجن أحست من سليمان أو ظنت به أنه ربما تزوج ~~بلقيس، فكرهوا ذلك وعابوها عنده بأنها غير عاقلة ولا مميزة وبأن رجلها ~~كحافر دابة، فجرب عقلها وميزها بتنكير عرشها، وجرب أمر رجلها بأمر الصرح، ~~لتكشف عن ساقيها عنده، وقرأ أبو حيوة «تنظر» بضم الراء، و «تنكير العرش» ~~تغيير وضعه وستر بعضه، ونحو هذا، وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك تنكيره بأن ~~زيد فيه ونقص منه، ويعترض هذا بأن من حقها على هذا أن تقول ليس به وتكون ~~صادقة، وقولها كأنه هو، تجوز فصيح ونحوه قول الله تعالى: # كأنه ولي حميم [فصلت: 34] . وقال الحسن بن الفضل شبهوا عليها فشبهت عليهم ~~ولو قالوا هذا عرشك لقالت نعم، وفي الكلام حذف تقديره كأنه هو، وقال سليمان ~~عند ذلك وأوتينا العلم من قبلها PageV04P261 # الآية، وهذا منه على جهة تعديد نعم الله، وإنما قال ذلك لما علمت هي ~~وفهمت، ذكر هو نعمة الله عليه وعلى آبائه، وقوله تعالى: وصدها الآية، يحتمل ~~أن يكون من قول الله ms2682 تعالى إخبارا لمحمد عليه السلام والصاد ما كانت تعبد ~~أي عن الإيمان ونحوه. وقال الرماني عن التفطن للعرش، لأن المؤمن يقظ ~~والكافر خشيب أو يكون الصاد سليمان عليه السلام قاله الطبري، أو يكون الصاد ~~الله عز وجل. ولما كان صدها بمعنى منعها، تجاوز على هذا التأويل بغير حرف ~~جر وإلا فبابه ألا يتعدى إلا ب «عن» ، وقرأ جمهور الناس «إنها بكسر الهمزة، ~~وقرأ سعيد بن جبير وابن أبي عبلة «أنها» بفتح الهمزة وهو على تقدير ذلك ~~أنها، أو على البدل من ما، قال محمد بن كعب القرظي وغيره ولما وصلت بلقيس ~~أمر سليمان الجن فصنعت له صرحا وهو الصحن من غير سقف وجعلته مبنيا كالصهريج ~~وملىء ماء وبث فيه السمك والضفادع وطبق بالزجاج الأبيض الشفاف، وبهذا جاء ~~صرحا، وصرح # أيضا كل بناء عال، وكل هذا من التصريح وهو الإعلان البالغ، وجعل لسليمان ~~في وسطه كرسي، فلما وصلت إليه بلقيس يل لها ادخلي # إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأت اللجة وفزعت وظنت أنها قصد بها ~~الغرق وعجبت من كون كرسيه على الماء ورأت ما هالها ولم يكن لها بد من ~~امتثال الأمر ف «كشفت عن ساقيها» ، فرأى سليمان ساقيها سليمة مما قالت الجن ~~غير أنها كثيرة الشعر، فلما بلغا هذا الحد، قال لها سليمان نه صرح ممرد من ~~قوارير # ، و «الممرد» المحكوك المملس، ومنه الأمرد والشجرة المرداء التي لا ورق ~~عليها والممرد أيضا المطول، ومنه قيل للحصن مارد، وعند ذلك استسلمت بلقيس ~~وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم، فروي أن سليمان تزوجها عند ذلك ~~وأسكنها الشام قاله الضحاك، وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش تزوجها ~~وردها إلى ملكها باليمن وكان يأتيها على الريح كل يوم مرة، فولدت له غلاما ~~سماه داوود مات في حياته، وع # ظرف، وقيل حرف بني على الفتح، وأما إذا أسكنت العين فلا خلاف أنه حرف جاء ~~لمعنى وقرأ ابن كثير وحده في رواية أبي الأخريط «عن سأقيها» بالهمز قال أبو ~~علي وهي ضعيفة ms2683 وكذلك يضعف الهمز في قراءة قنبل «يكشف عن سأق» فأما همز ~~السؤق وعلى سؤقه فلغة مشهورة في همز الواو التي قبلها ضمة حكى أبو علي أن ~~أبا حية النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة وأنشد «لحب المؤقدان إلى موسى» ~~ووجهها أن الضمة تقوم على الواو إذ لا حائل بينهما، وقرأ ابن مسعود «عن ~~رجليها» ، وروي أن سليمان عليه السلام لما أراد زوال شعر ساقيها أشفق من ~~حمل الموسى عليها وقيل إنها قالت ما مسني حديد قط فأمر الجن بالتلطف في ~~زواله. # فصنعوا النورة ولم تكن قبل الأمم، وهذه الأمور التي فعلها سليمان عليه ~~السلام من سوق العرش وعمل الصرح وغير ذلك قصد بذلك معاياتها والإغراب ~~عليها، كما سلكت هي قبل سبيل ملوك الدنيا في ذلك بأن أرسلت الجواري ~~والغلمان واقترحت في أمر القدح والذرتين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 45 الى 47] # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) PageV04P262 # هذه الآية على جهة التمثيل لقريش، وأن من قوله أن اعبدوا الله، يحتمل أن ~~تكون مفسرة ويحتمل أن تكون في موضع نصب تقديره «بأن اعبدوا الله» ، وفريقان ~~يريد بهما من آمن بصالح ومن كفر به، و «اختصاصهم» تنازعهم وجدلهم، وقد ذكره ~~الله تعالى في سورة الأعراف، ثم إن صالحا تلطف بقومه وترفق بهم في الخطاب ~~فوقفهم على خطيئتهم في استعجال العذاب قبل الرحمة والمعصية لله تعالى قبل ~~الطاعة وفي أن يكون اقتراحهم وطلبهم يقتضي هلاكهم، ثم حضهم على ما هو أيسر ~~من ذلك وأعود بالخير وهو الإيمان وطلب المغفرة ورجاء الرحمة فخاطبوه عند ~~ذلك بقول سفساف معناه تشاء منا بك، قال المفسرون: وكانوا في قحط فجعلوه ~~لذات صالح وأصل «الطيرة» ما تعارفه أهل الجهل من زجر الطير وشبهت العرب ما ~~عن بما طار حتى سمي ما حصل ms2684 الإنسان في قرعة طائرا، ومنه قوله تعالى ألزمناه ~~طائره في عنقه [الإسراء: 13] ، وخاطبهم صالح ببيان الحق أي طائركم على ~~زعمكم وتسميتكم وهو حظكم في الحقيقة من تعذيب أو إعفاء هو عند الله وبقضائه ~~وقدره وإنما أنتم قوم تختبرون، وهذا أحد وجوه الفتنة، ويحتمل أن يريد بل ~~أنتم قوم تولعون بشهواتكم وهذا معنى قد تعورف استعمال لفظ الفتنة فيه ومنه ~~قولك: فتن فلان بفلان، وشاهد ذلك كثير. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 48 الى 51] # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا ~~بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ~~ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا ~~دمرناهم وقومهم أجمعين (51) # ذكر الله تعالى في هذه الآية تسعة رجال كانوا من أوجه القوم وأفتاهم ~~وأغناهم وكانوا أهل كفر ومعاص جمة، جملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون، قال ~~عطاء بن أبي رباح: بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الأثر المروي: قطع الدنانير والدراهم من ~~الفساد في الأرض، والمدينة مجتمع ثمود وقريتهم، و «الرهط» من أسماء الجمع ~~القليلة، العشرة فما دونها رهط، ف تسعة رهط كما تقول تسعة رجال، وهؤلاء ~~المذكورون كانوا أصحاب قدار عاقر الناقة وقد تقدم في غير هذا الموضع ما ذكر ~~في أسمائهم، وقوله تقاسموا حكى الطبري أنه يجوز أن يكون فعلا ماضيا في موضع ~~الحال كأنه قال متقاسمين أي متحالفين بالله، وكان في قوله لنبيتنه، ويؤيد ~~هذا التأويل أن في قراءة عبد الله «ولا يصلحون تقاسموا» بسقوط قالوا، ~~ويحتمل وهو تأويل الجمهور أن يكون تقاسموا فعل أمر أشار بعضهم على بعض بأن ~~يتحالفوا على هذا الفعل ب «صالح» ، ف تقاسموا هو قولهم على PageV04P263 # هذا التأويل وهذه الألفاظ الدالة على قسم أو حلف تجاوب باللام وإن لم ~~يتقدم قسم ظاهر فاللام في لنبيتنه جواب ذلك، وقرأ جمهور القراء «لنبيتنه» ~~بالنون، «ثم لنقولن» بنون وفتح اللام، وقرأ الأعمش وطلحة وابن ms2685 وثاب ~~«ليبيتنه» بالياء مضمومة فيهما «ثم ليقولن» بالياء وضم اللام، وفي قراءة ~~عبد الله «ثم لتقسمن ما شهدنا» ، وقرأ حمزة والكسائي «لتبيتنه» بالتاء «ثم ~~لتقولن» بالتاء وضم اللام وهي قراءة الحسن وحميد، فهذا ذكر الله فيه المعنى ~~الذي أرادوه، لا بحسب لفظهم، وروي في قصص هذه الآية أن هؤلاء التسعة لما ~~كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب ~~اتفق هؤلاء التسعة فتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلا فيقتلوه وأهله ~~المختصين به، قالوا فإن كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان ~~صادقا كنا قد عجلناه قبلنا وشفينا نفوسنا، قال الداودي. فجاؤوا واختفوا ~~لذلك في غار قريب من داره، فروي أنه انحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا، وروي ~~أنه طبقت عليهم الغار فهلكوا فيه حين هلك قومهم، وكل فريق لا يعلم بما جرى ~~على الآخر، وكانوا قد بنوا على جحود الأمر من قرابة صالح الذين يمكن أن ~~يغضبوا له فهذا كان أمرهم، و «المكر» نحو الخديعة، وسمى الله تعالى عقوبتهم ~~باسم ذنبهم وهذا مهيع ومنه قوله تعالى: يستهزئ بهم [البقرة: 15] وغير ذلك، ~~وقرأ الجمهور «مهلك» بضم الميم وفتح اللام، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~بفتحهما، وروي عنه فتح الميم وكسر اللام، و «العاقبة» حال تقتضيها البدأة ~~وتؤدي إليها بواجب، ويعني بالأهل، كل من آمن معه قاله الحسن، وقرأ جمهور ~~القراء «إنا دمرناهم» بكسر الألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «أنا دمرناهم» ~~بفتح الهمزة وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، ف كان على قراءة الكسر في ~~الألف تامة، وإن قدرت ناقصة فخبرها محذوف أو يكون الخبر كيف مقدما لأن صدر ~~الكلام لها ولا يعمل على هذا «انظر» ، في كيف لكن يعمل في موضع الجملة ~~كلها، وهي في قراءة الفتح ناقصة وخبرها «أنا» ويجوز أن يكون الخبر كيف ~~وتكون «أنا» بدلا من العاقبة، ويجوز أن تكون كان تامة «وأنا» بدلا من ~~العاقبة، ووقع تقرير السؤال ب كيف عن جملة قوله كان عاقبة مكرهم أنا ~~دمرناهم ms2686 وليس بمحض سؤال ولكنه حقه أن يسأل عنه، و «التدمير» الهلاك. # ويحتمل أن تتقدر كان تامة على قراءة الفتح، وغيره أظهر، وقرأ أبي بن كعب ~~«أن دمرناهم» فهذه تؤيد قراءة الفتح في «أنا» . # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 52 الى 58] # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم ~~تبصرون (54) أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون ~~(55) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون (56) # فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فساء مطر المنذرين (58) PageV04P264 # «إخواء البيوت» وخرابها مما أخبر الله تعالى به في كل الشرائع أنه مما ~~يعاقب به الظلمة وفي التوراة: # ابن آدم لا تظلم يخرب بيتك، وخاوية نصب على الحال التي فيها الفائدة، ~~ومعناها خالية قفرا، قال الزجاج وقرئت «خاوية» بالرفع وذلك على الابتداء ~~المضمر أي «هي خاوية» ، أو على الخبر عن تلك، وبيوتهم بدل أو على خبر ثان، ~~وهذه البيوت المشار إليها هي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عام تبوك «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين» الحديث، ثم ~~قال تعالى ولوطا تقديرة «واذكر لوطا» ، والفاحشة إتيان الرجال في الأدبار، ~~وتبصرون معناه بقلوبكم أنها خطيئة وفاحشة، وقالت فرقة تبصرون بأبصاركم ~~لأنهم كانوا ينكشفون بفعل ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض، واختلف القراء في ~~قوله أإنكم وقد تقدم، وقرأ جمهور الناس «جواب» نصبا، وقرأ الحسن وابن أبي ~~إسحاق «جواب» بالرفع، ونسب ابن جني قراءة النصب إلى الحسن وفسرها في الشاذ، ~~وأخبر الله تعالى عن قوم لوط أنهم تركوا في جوابهم طريق الحجة وأخبروا ~~بالمبالغة فتأمروا بإخراجه وإخراج من آمن معه ثم ذموهم بمدحه، وهي «التطهر» ~~من هذه الدناءة التي أصفقوا هم عليها قال قتادة هابوهم والله بغير عيب، ~~وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «قدرناها» بتخفيف الدال، وقرأ جمهور القراء ~~«قدرناها» ms2687 بشد الدال، الأولى بمعنى جعلناها وحصلناها والثانية بمعنى ~~قدرناها عليها من القضاء والقدر، و «الغابرون» ، الباقون في العذاب، وغبر ~~بمعنى بقي، وقد يجيء أحيانا في بعض كلام العرب يوهم أنه بمعنى مضى، وإذا ~~تؤمل توجه حمله على معنى البقاء، و «المطر» الذي مطر عليهم هي حجارة السجيل ~~أهلكت جميعهم، وهذه الآية أصل لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية، وبها ~~تأنس لأن الله تعالى عذبهم على كفرهم به وأرسل عليهم الحجارة لمعصيتهم ولم ~~يقس هذا القول على الزنا فيعتبر الإحصان. # بل قال مالك وغيره يرجمان في اللوطية أحصنا أو لم يحصنا وإنما ورد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «اقتلوا الفاعل والمفعول به» فذهب من ذهب إلى ~~رجمهما بهذه الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 59 الى 61] # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) أمن ~~خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما ~~كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض ~~قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع ~~الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) # قرأ أبو السمال «قل» بفتح اللام وكذلك في آخر السورة وهذا ابتداء تقرير ~~وتنبيه لقريش وهو PageV04P265 # بعد يعم كل مكلف من الناس جميعا، وافتتح ذلك بالقول بحمده وتحميده ~~وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوءة والإيمان، فهذا اللفظ عام ~~لجميعهم من بني آدم، وكان هذا صدر خطبة للتقرير المذكور. وقال ابن عباس ~~العباد المسلم عليهم هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واصطفاهم لنبيه. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الاختصاص توبيخ للمعاصرين من الكفار، وقال ~~الفراء الأمر بالقول في هذه الآية هو للوط عليه السلام. # قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة من الفراء رحمه الله، ثم وقف قريشا ~~والعرب على جهة التوبيخ على موضع التباين بين الله عز وجل وبين الأوثان ~~والأنصاب، وقرأ جمهور الناس «تشركون» بالتاء من فوق، وحكى المهدوي ms2688 عن أبي ~~عمرو وعاصم «يشركون» بالياء من تحت، وفي هذا التفضيل بلفظة خير أقوال، ~~أحدها أن التفضيل وقع بحسب معتقد المشركين إذ كانت تعتقد أن في آلهتها خيرا ~~بوجه ما، وقالت فرقة في الكلام حذف مضاف في موضعين التقدير أتوحيد الله خير ~~أم عبادة ما تشركون، «فما» في هذه الآية بمعنى الذي، وقالت فرقة «ما» ~~مصدرية وحذف المضاف إنما هو أولا تقديره أتوحيد الله خير أم شرككم، وقيل ~~خير هنا ليست بأفعل إنما هي فعل كما تقول الصلاة خير دون قصد تفضيل. # قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم أن هذه الألفاظ التي تعم معاني كثيرة كخير ~~وشر وأحب ونحو ذلك قد يقع التفضيل بها بين أشياء متباينة لأن المتباينات ~~قدر بما اشترك فيها ولو بوجه ضعيف بعيد، وأيضا فهذا تقرير والمجادل يقرر ~~خصمه على قسمين أحدهما فاسد، ليرى وقوعه وقد استوعبنا هذا فيما مضى، وقالت ~~فرقة تقدير هذه الآية «الله ذو خير أما تشركون» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا النوع من الحذف بعيد تأوله، وقرأ الحسن وقتادة ~~وعاصم «يشركون» بالياء من تحت، وقرأ أهل المدينة ومكة والكوفة بالتاء من ~~فوق وقوله تعالى. أمن خلق وما بعدها من التوقيفات، توبيخ لهم وتقرير على ما ~~لا مندوحة لهم عن الإقرار به، وقرأ الجمهور «أمن» بشد الميم وهي «أم» دخلت ~~على «من» ، وقرأ الأعمش «أمن» بفتح الميم مسهلة وتحتمل هذه القراءة أن تكون ~~«أمن» استفهاما فتكون في معنى «أم من» المتقدمة، ويحتمل أن تكون الألف ~~للاستفهام ومن ابتداء وتقدير الخير يكفر بنعمته ويشرك به ونحو هذا من ~~المعنى، و «الحدائق» مجتمع الشجر من الأعناب والنخيل وغير ذلك، قال قوم لا ~~يقال حديقة إلا لما عليه جدار قد أحدق به، وقال قوم يقال ذلك كان جدارا أو ~~لم يكن لأن البياض محدق بالأشجار والبهجة الجمال والنضرة، وقرأ ابن أبي ~~عبلة «ذوات بهجة» بجمع «ذات» وفتح الهاء من «بهجة» ، ثم أخبر على جهة ~~التوقيف أنه ما كان للبشر أي ما يتهيأ لهم ولا يقع تحت ms2689 قدرهم أن ينبتوا ~~شجرها، لأن ذلك بإخراج شيء من العدم إلى الوجود، وقد تقدم ترتيب القراءة في ~~الهمزتين من قوله «أإلاه» وأ إذا وأ إنك لأنت يوسف» ، قال أبو حاتم القراءة ~~باجتماع الهمزتين محدثة. لا توجد في كلام العرب ولا قرأ بها قارئ عتيق، ~~ويعدلون يجوز أن يراد به يعدلون عن طريق الحق أن يجورون في فعلهم، ويجوز أن ~~يراد يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلا ومثيلا، وخلالها معناه بينها ~~وأثناءها، و «الرواسي» الجبال، رسا الشيء يرسو إذا ثبت وتأصل، و «البحران» ~~، الماء العذب بجملته والماء الأجاج بجملته، و «الحاجز» ما جعل الله بينهما ~~من حواجز الأرض وموانعها على رقتها في بعض المواضع ولطافتها PageV04P266 # التي لولا قدرة الله تعالى لغلب الملح العذب وكل ما مضى من القول في ~~تأويل في قوله مرج البحرين [الفرقان: 53] فهو مترتب هاهنا وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 62 الى 66] # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم ~~إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما ~~يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم ~~منها عمون (66) # وقفهم في هذه الآية على المعاني التي تبين لكل عاقل أنه لا مدخل لصنم ولا ~~لوثن فيها وهي عبر ونعم، فالحجة قائمة بها من الوجهين، وقوله تعالى: يجيب ~~المضطر معناه بشرط إن شاء على المعتقد في الإجابة، لكن المضطر لا يجيبه متى ~~أجيب إلا الله عز وجل، والسوء عام في كل ضر يكشفه الله تعالى عن عباده، ~~وقرأ الحسن «ويجعلكم» بياء على صيغة المستقبل ورويت عنه بنون، وكل قرن خليف ~~للذي قبله. # وقرأ جمهور القراء «تذكرون» بالتاء ms2690 على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده ~~والحسن والأعمش بالياء على الغيب، و «الظلمات» عام لظلمة الليل التي هي ~~الحقيقة في اللغة ولظلمة الجهل والضلال والخوف التي هي مجازات وتشبيهات ~~وهذا كقول الشاعر: # «تجلت عمايات الرجال عن الصبا» وكما تقول أظلم الأمر وأنار، وقد تقدم ~~اختلاف القراء في قوله نشرا، وقرأ الحسن وغيره، «يشركون» بالياء على ~~الغيبة، وقرأ الجمهور «تشركون» على المخاطبة، و «بدء الخلق» اختراعه ~~وإيجاده، والخلق هنا المخلوق من جميع الأشياء لكن المقصود بنو آدم من حيث ~~ذكر الإعادة، و «الإعادة» البعث من القبور ويحتمل أن يريد ب الخلق مصدر خلق ~~يخلق ويكون في يبدؤا ويعيد استعارة للإتقان والإحسان كما تقول فلان يبدي ~~ويعيد في أمر كذا وكذا إذا كان يتقنه، والرزق من السماء بالمطر ومن الأرض ~~بالنبات، هذا مشهور ما يحسه البشر، وكم لله من لطف خفي، ثم أمر عز وجل نبيه ~~أن يوقفهم على أن الغيب مما انفرد الله بعلمه ولذلك سمي غيبا لغيبه عن ~~المخلوقين، ويروى أن هذه الآية من قولهم قل لا يعلم، إنما نزلت لأن الكفار ~~سألوا وألحوا عن وقت القيامة التي يعدهم محمد فنزلت هذه الآية فيها التسليم ~~لله تعالى وترك التحديد، فأعلم عز وجل أنه لا يعلم وقت الساعة سواه فجاء PageV04P267 # بلفظ يعم الساعة وغيرها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون أيان يبعثون ~~وبهذه الآية احتجت عائشة رضي الله عنها على قولها ومن زعم أن محمدا يعلم ~~الغيب فقد أعظم الفرية، والمكتوبة في قوله تعالى: # إلا الله بدل من من، وقرأ جمهور الناس «أيان» بفتح الهمزة، وقرأ أبو عبد ~~الرحمن السلمي «إيان» بكسرها وهما لغتان، وقرأ جمهور القراء «بل ادارك» ~~أصله تدارك أدغمت التاء في الدال بعد أن أبدلت ثم احتيج إلى ألف الوصل، ~~وقرأ أبي بن كعب فيما روي عنه «تدارك» ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «بل ~~أدرك» على وزن افتعل وهي بمعنى تفاعل، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار ~~«بل ادرك» بفتح الام ولا همزة تشديد الدال دون ms2691 الف، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وأبو جعفر وأهل مكة، «بل أدرك» وقرأ مجاهد «أم أدرك» بدل «بل» ، وفي ~~مصحف أبي بن كعب «أم تدارك علمهم» ، وقرأ ابن عباس «بل أدرك» وقرأ ابن عباس ~~أيضا «بل آدارك» بهمزة ومدة على جهة الاستفهام، وقرأ ابن محيصن «بل آدرك» ~~على الاستفهام ونسبها أبو عمرو الداني إلى ابن عباس والحسن. # فأما قراءة الاستفهام فهي على معنى الهزء بالكفرة والتقرير لهم على ما هو ~~في غاية البعد عنهم أي أعلموا أمر الآخرة وأدركها علمهم؟ وأما القراءات ~~المتقدمة فتحتمل معنيين أحدهما «بل أدرك علمهم» أي تناهى كما تقول أدرك ~~النبات وغيره وكما تقول هذا ما أدرك علمي من كذا وكذا فمعناه قد تتابع ~~وتناهى علمهم بالآخرة إلى أن لا يعرفوا لها مقدارا فيؤمنوا، وإنما لهم ظنون ~~كاذبة أو إلى أن لا يعرفوا لها وقتا وكذلك «أدرك وتدارك» وسواها وإن جملت ~~هذه القراءة معنى التوقيف والاستفهام ساغ وجاء إنكارا لأن أدركوا شيئا ~~نافعا، والمعنى الثاني «بل أدرك» بمعنى يدرك أي إنهم في الآخرة يدرك علمهم ~~وقت القيامة، ويرون العذاب والحقائق التي كذبوا بها وأما في الدنيا فلا. ~~وهذا هو تأويل ابن عباس ونحى إليه الزجاج، فقوله في الآخرة على هذا التأويل ~~ظرف، وعلى التأويل الأول في بمعنى الباء، و «العلم» قد يتعدى بحرف الجر ~~تقول علمي يزيد كذا ومنه قول الشاعر: [الطويل] وعلمي بإسدام المياه # .... # البيت ثم وصفهم عز وجل بأنهم في شك منها ثم أردف بصفة هي أبلغ من الشك ~~وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، وعمون أصله عميون كحذرون وغيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 67 الى 74] # وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون (67) لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما ~~يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) # قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ms2692 (72) وإن ربك لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ~~(74) # استبعد الكفار أن تبعث الأجساد والرمم من القبور واستملحوا ذلك فذكر ذلك ~~عنهم على جهة الرد PageV04P268 # عليهم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير «أ. ذا. أ. نا» مهموز، غير أن أبا عمرو ~~يمد وابن كثير لا يمد، وقرأ عاصم وحمزة «أإذا أإنا» بهمزتين فيهما، وقرأ ~~نافع «إذا» مكسورة الألف «أنا.» ممدوة الألف، وقرأ الباقون «آيذا» ممدودة ~~«إننا» بنونين وكسر الألف، ثم ذكر الكفار أن هذه المقالة مما قد وعد بها ~~قبل وردوا على جميع الأنبياء وجعلوها من الأساطير، ثم وعظهم تعالى بحال من ~~كذب من الأمم فأمر نبيه أن يأمرهم بالسير والتطلع على حال مجرمي الأمم ~~وبالحذر أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وهذا التحذير يقتضيه المعنى، ثم سلى ~~نبيه عليه السلام عنهم، وهذا بحسب ما كان عنده من الحرص عليهم الاهتمام ~~بأمرهم، وقرأ ابن كثير «في ضيق» بكسر الضاد ورويت عن نافع، وقرأ الباقون ~~بفتحها و «والضيق» و «الضيق» مصدران بمعنى واحد، وكره أبو علي أن يكون ~~«ضيق» كهين ولين مسهلة من ضيق قال: لأن ذلك يقتضي أن تقام الصفة مقام ~~الموصوف، ثم ذكر استعجال قريش بأمر الساعة والعذاب بقولهم متى هذا الوعد، ~~على معنى التعجيز للواعد به، فأمر تعالى نبيه أن يتوعدهم بأنه عسى أن يأذن ~~الله في أن يقرب منهم بعض ما استعجلوه من الساعة والعذاب. # وردف معناه قرب وأزف قاله ابن عباس وغيره، ولكنها عبارة عما يجيء بعد ~~الشيء قريبا منه ولكونه بمعنى هذه الأفعال الواقعة تعدى بحرف وإلا فبابه أن ~~يتجاوز بنفسه، وقرأ الجمهور بكسر الدال، وقرأ الأعرج «ردف» بفتح الدال، ~~وقرأ جمهور الناس، «تكن» من أكن وقرأ ابن محيصن وابن السميفع «تكن» من كن ~~وهما بمعنى. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 75 الى 82] # وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) إن هذا القرآن يقص ~~على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ms2693 (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ~~(77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) فتوكل على الله إنك ~~على الحق المبين (79) # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت ~~بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا ~~وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا ~~لا يوقنون (82) # التاء في غائبة للمبالغة، أي ما من شيء في غائبة الغيب والخفاء إلا في ~~كتاب عند الله عز وجل وفي مكنون علمه، ثم نبه تعالى على إن هذا القرآن أخبر ~~بني إسرائيل بأكثر الأشياء التي كان بينهم الخلاف في صفتها فجاءت في القرآن ~~على وجهها، ثم وصفه تعالى بأنه هدى ورحمة للمؤمنين، كما أنه عمى على ~~الكافرين المحتوم عليهم ومعنى ذلك أن كفرهم استتب مع قيام الحجة ووضوح ~~الطريق فكثر عماهم بهذه الجهة ثم أخبر أن ذلك كله بقضاء من الله وحكم قضاه ~~فيهم وبينهم، ثم أمره بالتوكل عليه والثقة بالله وبأنه على الحق أي إنك ~~الجدير بالنصرة والظهور، ثم سلاه عنهم وشبههم ب الموتى من PageV04P269 # حيث الفائدة في القول لهؤلاء وهؤلاء معدومة فشبههم مرة ب الموتى ومرة ب ~~الصم، قال العلماء: # الميت من الأحياء هو الذي يلقى الله بكفره. # قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: واحتجت عائشة رضي الله عنها في ~~إنكارها أن النبي صلى الله عليه وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية، ونظرت هي ~~في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية وقد صح أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال «ما أنتم بأسمع منهم» فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد عليه ~~السلام في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي ~~من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم. # وقد عورضت هذه الآية بالسلام على القبور وبما روي في ذلك من أن الأرواح ~~تكون على شفير القبور ms2694 في أوقات قالوا: فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير معارض للآية لأن السلام على القبور ~~إنما هو عبادة وعند الله الثواب عليها وهو تذكير للنفس بحالة الموت وبحالة ~~الموتى في حياتهم، وإن جوزنا مع هذا أن الأرواح في وقت على القبور فإن سمع ~~فليس الروح بميت وإنما المراد بقوله إنك لا تسمع الموتى الأشخاص الموجودة ~~مفارقة لأرواحها، وفيها تقول خرقت العادة لمحمد عليه السلام في أهل القليب ~~وذلك كنحو قوله صلى الله عليه وسلم في الموتى «إذا دخل عليهم الملكان إنهم ~~يسمعون خفق النعال» ، وقرأ ابن كثير «ولا يسمع» بالياء من تحت «الصم» رفعا ~~ومثله في الروم، وقرأ الباقون «تسمع» بالتاء «الصم» نصبا، وقرأ جمهور ~~القراء «بهادي العمي» بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة «بهاد ~~العمي» بتنوين الدال ونصب «العمي» ، وقرأ حمزة وحده «وما أنت تهدي العمي» ~~بفعل مستقبل وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن يعمر، وفي مصحف عبد الله «وما ~~أن تهدي العمي» ، ومعنى قوله وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من ~~الأرض، إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله تعالى في ذلك ~~أي حتمه عليهم، وقضاؤه وهذا بمنزلة قوله تعالى: حقت كلمة العذاب [الزمر: ~~71] فمعنى الآية وإذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه لهم من ~~العذاب أخرج لهم دابة من الأرض، وروي أن ذلك حين ينقطع الخير ولا يؤمر ~~بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يبقى منيب ولا تائب، كما أوحى الله إلى نوح ~~أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، ووقع، عبارة عن الثبوت واللزوم وفي ~~الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط وإن لم تعين الأولى ~~وكذلك الدجال. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر الأحاديث والروايات أن الشمس آخرها لأن ~~التوبة تنقطع معها وتعطي الحال أن الإيمان لا يبقى إلا في أفراد وعليهم تهب ~~الريح التي لا تبقي إيمانا وحينئذ ينفخ في الصور، ونحن نروي أن الدابة ms2695 تسم ~~قوما بالإيمان وتجد أن عيسى ابن مريم يعدل بعد الدجال ويؤمن الناس به وهذه ~~الدابة روي أنها تخرج من جبل الصفا بمكة قاله عبد الله بن عمر، وقال عبد ~~الله بن عمرو نحوه، وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وروي ~~عن قتادة أنها تخرج في تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار ~~تنور نوح عليه السلام، وروى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنها تخرج ثلاث PageV04P270 # خرجات، وروي أنها دابة مزغبة شعراء، وروي عن ابن عمر أنها على خلقة ~~الآدميين وهي في السحاب وقوائمها في الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل ~~حيوان، وذكر الثعلبي عن أبي الزبير نحوه، وروي أنها دابة مبثوث نوعها في ~~الأرض فهي تخرج في كل بلد وفي كل قوم، فعلى هذا التأويل دابة إنما هو اسم ~~جنس، وحكى النقاش عن ابن عباس أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي ~~اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة، وقرأ جمهور الناس «تكلمهم» من ~~الكلام، وفي مصحف أبي «تنبئهم» ، وفسرها عكرمة بتسمهم قال قتادة: وفي بعض ~~القراءة تحدثهم. # وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جريج «تكلمهم» بكسر اللام من الكلم وهو الجرح، ~~قال أبو الفتح: وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وقال ابن ~~عباس: كلا والله تفعل تكلمهم وتكلمهم. # قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا أنها تمر على الناس فتسم الكافر في ~~جبهته وتزجره وتشتمه وربما حطمته وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه ويعرف بعد ~~ذلك الإيمان والكفر من أثرها، وقرأ جمهور القراء «إن الناس» بكسر «إن» وقرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم «أن» بفتح الألف، وفي قراءة عبد الله «تكلمهم بأن» ~~وهذا تصديق للفتح، وعلى هذه القراءة يكون قوله أن الناس إلى آخر القراءة من ~~تمام كلام الدابة، وروي ذلك عن ابن عباس ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الله ~~عز وجل. # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 83 الى 87] # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا ms2696 فهم يوزعون (83) حتى إذا جاؤ ~~قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) ووقع القول ~~عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في الصور ففزع ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين (87) # المعنى واذكر يوم، وهذا تذكير بيوم القيامة ونحشر نجمع، ومن كل أمة يريد ~~من كل قرن من الناس متقدم، لأن كل عصر لم يخل من كفرة بالله من لدن تفرق ~~بني آدم، و «الفوج» الجماعة الكثيرة من الناس والمعنى ممن حاله أنه مكذب ~~بآياتنا، ويوزعون معناه يكفون في السوق أي يحبس أولهم على آخرهم، قال قتادة ~~وغيره: ومنه وازع الجيش، وفيه يقول عبد الشارق بن عبد العزى: [الوافر] # فجاؤوا عارضا بردا وجئنا ... كمثل السيل نركب وازعينا # ثم أخبر تعالى عن توقيفه الكفرة يوم القيامة وسؤالهم على جهة التوبيخ ~~أكذبتم الآية، ثم قال أما ذا كنتم تعملون على معنى استيفاء الحجج، أي إن ~~كان لكم عمل أو حجة فهاتوها، وقرأ أبو حيوة «أما ذا كنتم تعملون» بتخفيف ~~الميم، ثم أخبر عن وقوع القول عليهم أي نفوذ العذاب وحتم القضاء وأنهم لا ~~ينطقون بحجة لأنها ليست لهم وهذا في موطن من مواطن القيامة وفي فريق من ~~الناس لأن القرآن يقتضي أنهم يتكلمون بحجج في غير هذا الموطن. PageV04P271 # ثم ذكر تعالى الآية في الليل وكونه وقت سكون واتداع لجميع الحيوان والمهم ~~من ذلك بنو آدم، وكون النهار مبصرا أي ذا إبصار، وهذا كما تقول ليل قائم ~~ونهار صائم، ومعنى ذلك يقام فيه ويصام، فكذلك هذا، معناه يبصر فيه فهو لذلك ~~ذو إبصار، ثم تجوز بأن قيل مبصرا فهو على النسب كعيشة راضية، و «الآيات» في ~~ذلك هي للمؤمنين والكافرين، هي آية لجميعهم في نفسها، لكن من حيث الانتفاع ~~بها والنظر النافع إنما هو للمؤمنين فلذلك خصوا بالذكر، ثم ذكر تعالى يوم ~~ينفخ في الصور، وهو القرن ms2697 في قول جمهور الأمة، وهو مقتضى الأحاديث، وقال ~~مجاهد: هو كهيئة البوق، وقالت فرقة: «الصور» جمع صورة كتمرة وتمر وجمرة ~~وجمر والأول أشهر، وفي الأحاديث المتداولة أن إسرافيل عليه السلام هو صاحب ~~«الصور» وأنه قد جثا على ركبته الواحدة وأقام الأخرى وأمال خده والتقم ~~القرن ينتظر متى يؤذن له في النفخ، وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي ~~نفخة الفزع، وروى أبو هريرة أن الملك له في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع ~~وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من ~~القبور، وقالت فرقة إنما هي نفختان كأنهم جعلوا الفزع والصعق في نفخة ~~واحدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ~~[الزمر: 68] وقالوا: أخرى لا يقال إلا في الثانية. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح، وأخرى [الزمر: 68] يقال في ~~الثالثة ومنه قول ربيعة بن مكدم: [الكامل] «ولقد شفعتهما بآخر ثالث» ومنه ~~قوله تعالى: ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 20] . # وأما قول الشاعر: [مجزوء الكامل] # جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه # فيحتمل أن يريد به ثانيا وثالثا فلا حجة فيه، وقال تعالى: ففزع وهو أمر ~~لم يقع بعد إشعارا بصحة وقوعه وهذا معنى وضع الماضي موضع المستقبل، وقوله ~~تعالى: إلا من شاء الله استثناء فيمن قضى الله تعالى من ملائكته وأنبيائه ~~وشهداء عبيده أن لا ينالهم فزع النفخ في الصور، قال أبو هريرة: هي في ~~الشهداء، وذكر الرماني أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مقاتل: هي ~~في جبريل عليه السلام وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وإذا كان الفزع الأكبر ~~لا ينالهم فهم حريون أن لا ينالهم هذا. # قال القاضي أبو محمد: على أن هذا في وقت ترقب وذلك في وقت أمن إذ هو ~~إطباق جهنم على أهلها، وقرأ جمهور القراء «وكل آتوه» على وزن فاعلوه، وقرأ ~~حمزة وحفص عن عاصم «أتوه» على صيغة الفعل الماضي وهي قراءة ابن مسعود وأهل ~~الكوفة، وقرأ قتادة «أتاه» على الإفراد اتباعا للفظ «كل» وإلى ms2698 هذه القراءة ~~أشار الزجاج ولم يذكرها، و «الداخر» المتذلل الخاضع، قال ابن زيد وابن ~~عباس: «الداخر» الصاغر، وقرأ الحسن «دخرين» بغير ألف، وتظاهرت الروايات بأن ~~الاستثناء في هذه الآية إنما أريد به الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ~~وهم أهل للفزع لأنهم بشر لكن فضلوا بالأمن في ذلك اليوم. PageV04P272 # قوله عز وجل: ### || [سورة النمل (27) : الآيات 88 الى 93] # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ~~إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ~~آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون (90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت ~~أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) # وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (93) # هذا وصف حال الأشياء يوم القيامة عقب النفخ في الصور، و «الرؤية» هي ~~بالعين وهذه الحال «للجبال» هي في أول الأمر تسير وتموج وأمر الله تعالى ~~ينسفها ويفتها خلال ذلك فتصير كالعهن، ثم تصير في آخر الأمر هباء منبثا، و ~~«الجمود» ، التضام والتلزز في الجوهر، قال ابن عباس جامدة قائمة، ونظيره ~~قول الشاعر [النابغة] : [الطويل] # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج # وصنع الله مصدر معرف والعامل فيه فعل مضمر من لفظه، وقيل هو نصب على ~~الإغراء بمعنى انظروا صنع الله، و «الإتقان» الإحسان في المعمولات وأن تكون ~~حسانا وثيقة القوة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «يفعلون» بالياء ~~وقرأ الباقون «تفعلون» بالتاء على الخطاب، و «الحسنة» الإيمان، وقال ابن ~~عباس والنخعي وقتادة: هي لا إله إلا الله، وروي عن علي بن الحسين أنه قال: ~~كنت في بعض خلواتي فرفعت صوتي ب «لا إله إلا الله» فسمعت قائلا يقول إنها ~~الكلمة التي قال الله فيها من جاء بالحسنة فله خير منها وقوله خير منها ~~يحتمل ms2699 أن يكون للتفضيل، ويكون في قوله منها حذف مضاف تقديره خير من قدرها ~~واستحقاقها، بمعنى أن الله تعالى تفضل عليه فوق ما تستحق حسنته، قال ابن ~~زيد: يعطى بالواحدة عشرا والداعية إلى هذا التقدير أن الحسنة لا يتصور ~~بينها وبين الثواب تفضيل، ويحتمل أن يكون خبر ليس للتفضيل بل اسم للثواب ~~والنعمة، ويكون قوله تعالى: منها لابتداء الغاية، أي هذا الخير الذي يكون ~~له هو من حسنته وبسببها، وهذا قول الحسن وابن جريج، وقال عكرمة: ليس شيء ~~خيرا من لا إله إلا الله، وإنما له الخير منها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر «من فزع» بالإضافة، ثم اختلفوا في فتح الميم وكسرها من ~~يومئذ فقرأ أكثرهم بفتح الميم على بناء الظرف لما أضيف إلى غير متمكن، وقرأ ~~إسماعيل بن جعفر عن نافع بكسر الميم على إعمال الإضافة، وذلك أن الظروف إذا ~~أضيفت إلى غير متمكن جاز بناؤها وإعمال الإضافة فيها. # ومن ذلك قول الشاعر [النابغة الذبياني] : [الطويل] # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع PageV04P273 # فإنه يروى «على حين» بفتح النون و «على حين» بكسرها، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي «من فزع» بالتنوين وترك الإضافة ولا يجوز مع هذه القراءة إلا فتح ~~الميم من «يومئذ» ، و «السيئة» التي هي في هذه الآية هي الكفر والمعاصي ~~فيمن ختم الله تعالى عليه من أهل المشيئة بدخول النار، و «كبت» معناه جعلت ~~تلي النار، وجاء هذا كبا من حيث خلقتها في الدنيا تعطي ارتفاعها، وإذا كبت ~~الوجوه فسائر البدن أدخل في النار إذ الوجه موضع الشرف والحواس، وقوله هل ~~تجزون بمعنى يقال لهم ذلك وهذا على جهة التوبيخ، وقوله إنما أمرت بمعنى قل ~~يا محمد لقومك إنما أمرت، والبلدة المشار إليها مكة، وقرأ جمهور الناس ~~«الذي حرمها» ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود «التي حرمها» ، وأضاف في هذه ~~الآية التحريم إلى الله تعالى من حيث ذلك بقضائه وسابق علمه وأضافه النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم في قوله «إن ms2700 إبراهيم حرم مكة وإني حرمت ~~المدينة» ، من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته فليس بين ~~الآية والحديث تعارض، وفي قوله حرمها تعديد نعمته على قريش في رفع الله ~~تعالى عن بلدهم الغارات والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب، وقوله وله كل ~~شيء معناه بالملك والعبودية، وقرأ جمهور الناس «أن أتلو» عطفا على قوله أن ~~أكون وقرأ ابن مسعود «وأن اتل القرآن» بمعنى وقيل لي اتل القرآن و «اتل» ~~معناه تابع بقراءتك بين آياته واسرده وتلاوة القرآن سبب الاهتداء إلى خير ~~كثير، وقوله فمن اهتدى معناه من تكسب الهدى والإيمان ونظر نظرا ينجيه ف ~~لنفسه سعيه. # قال القاضي أبو محمد: فنسبة الهدى والضلال إلى البشر في هذه الآية إنما ~~هي بالتكسب والحرص والحال التي يقع عليها الثواب والعقاب والكل أيضا من ~~الله تعالى بالاختراع، وقوله سيريكم آياته توعد بعذاب الدنيا كبدر، والفتح، ~~ونحوه وبعذاب الآخرة، وقرأ جمهور القراء «عما يعملون» ، وقرأ نافع وابن ~~عامر وحفص عن عاصم عما «تعملون» بالتاء من فوق على مخاطبتهم. PageV04P274 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القصص # هذه السورة مكية. إلا قوله عز وجل: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد [القصص: 85] ، نزلت هذه بالجحفة في وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة، قاله ابن سلام وغيره، وقال مقاتل: فيها من المدني الذين ~~آتيناهم الكتاب [القصص: 52] إلى قوله لا نبتغي الجاهلين [القصص: 55] . # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) # تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما أغنى عن الإعادة، فمن قال ~~إن هذه الحروف من أسماء الله تعالى قال إن الطاء من الطول الذي لله تعالى ~~والسين من السلام والميم من المنعم أو الرحيم ونحو هذا، وقوله تعالى: تلك ~~يتقدر موضعها ms2701 بحسب كل قول من الأقوال في الحروف، فمن جعل طسم مثالا لحروف ~~المعجم جاءت الإشارة ب تلك إلى حروف المعجم، ومن قطعها قال تلك في موضع ~~هذه، وساغ هذا من حيث لم تكن حاضرة عتيدة بل هي أقوال ينقضي بعضها شيئا ~~فشيئا فسائغ أن يقال في الإشارة إليها تلك. # قال القاضي أبو محمد: والأصل أن تلك إشارة إلى ما غاب و «هذه» إشارة إلى ~~ما حضر، وقد تتداخل متى كان في الغيبة حصول وثقة به تقوم مقام الحضور- ومتى ~~كان في الحضور بعد ما يقوم مقام الغيبة فمن ذلك قوله تعالى وما تلك بيمينك ~~يا موسى [طه: 17] لما كان موسى لا يرى ربه تعالى، فهو وعصاه في منزل غيب، ~~فساغ ذلك، ومن النقيض قول المؤلف لكتاب ونحوه هذا كتاب وما جرى هذا المجرى ~~فتتبعه فهو كثير فيشبه في آياتنا هذه أن تكون تلك بمنزلة هذه آيات الكتاب ~~المبين، ويشبه أن تكون متمكنة من حيث الآيات كلها وقت هذه المخاطبة لم تكن ~~عتيدة، ونتلوا معناه نقص ونتابع القصص، وخص تعالى بقوله لقوم يؤمنون من حيث ~~هم المنتفعون بذلك دون غيرهم فخصوا تشريفا، وعلا في الأرض من علو الطغيان ~~والتغلب، وقوله في الأرض يريد في أرض مصر وموضع ملكه، PageV04P275 # ومتى جاءت الأرض هكذا عامة فإنما يراد بها الأرض التي تشبه قصة القول ~~المسوق لأن الأشياء التي تعم الأرض كلها قليلة والأكثر ما ذكرناه، و ~~«الشيع» الفرق، وكان هذا الفعل من فرعون بأن جعل القبط ملوكا مستخدمين، ~~وجعل بني إسرائيل عبيدا مستخدمين، وهم كانوا الطائفة المستضعفة، ويذبح مضعف ~~للمبالغة والعبارة عن تكرار الفعل، وقال قتادة كان هذا الفعل من فرعون بأنه ~~قال له كهنته وعلماؤه إن غلاما لبني إسرائيل يفسد ملكك، وقال السدي: رأى في ~~ذلك رؤيا- فأخذ بني إسرائيل يذبح الأطفال سنين فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد ~~يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء وولد موسى في عام ~~الذبح، وقرأ جمهور القراء «يذبح» بضم الياء وكسر الباء على التكثير، وقرأ ~~أبو حيوة، ms2702 وابن محيصن بفتح الياء وسكون الذال، قال وهب بن منبه: بلغني أن ~~فرعون ذبح في هذه المحاولة سبعين ألفا من الأطفال، وقال النقاش: جميع ما ~~قتل ستة عشر طفلا. # قال الفقيه الإمام القاضي: طمع بجهله أن يرد القدر وأين هذا المنزع من ~~قول النبي عليه السلام «فلن تقدر عليه» يعني ابن صياد، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 5 الى 7] # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~(5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~(6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) # المعنى يستضعف فرعون ونحن نريد أن ننعم ونعظم المنة على أولئك ~~المستضعفين، و «الأئمة» ولاة الأمور قاله قتادة ونجعلهم الوارثين يريد أرض ~~مصر والشام، وقرأ الأعمش «ولنمكن» بلام، وقرأ الجمهور «ونري فرعون» بضم ~~النون وكسر الراء وفتح الياء ونصب فرعون، وقرأ حمزة والكسائي «ويرى» بالياء ~~وفتح الراء وسكون الياء على الفعل الماضي وإسناد الفعل إلى فرعون ومن بعده ~~والمعنى ويقع فرعون وقومه وجنوده فيما خافوه وحذروه من جهة بني إسرائيل ~~وظهورهم، وهامان هو وزير فرعون وأكبر رجاله، فذكر لمحله من الكفر ولنباهته ~~في قومه فله في هذا الموضع صغار ولعنة لا شرف، وهذا «الوحي» إلى أم موسى ~~قالت فرقة: كان قولا في منامها، وقال قتادة: كان إلهاما، وقالت فرقة: كان ~~بملك تمثل لها وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك لها على ~~نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص في الحديث المشهور وغير ذلك مما روي من ~~تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وجملة أمر أم موسى أنها علمت أن الذي ~~وقع في نفسها هو من عند الله ووعد منه، يقتضي ذلك قوله تعالى بعد: فرددناه ~~إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق [القصص: 13] وهذا ~~معنى قوله لتكون من المؤمنين [القصص: 10] أي بالوعد، وقال ms2703 السدي وغيره: ~~أمرت أن ترضعه عقب الولادة وتصنع به ما في الآية. لأن PageV04P276 # الخوف كان عقب كل ولادة، وقال ابن جريج: أمرت برضاعه أربعة أشهر في بستان ~~فإذا خافت أن يصيح لأن لبنها لا يكفيه، صنعت به هذا. # قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر إلا أن الآخر يعضده أمران: أحدهما قوله ~~فإذا خفت عليه و «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان، والآخر أنه لم يقبل ~~المراضع والطفل إثر ولادته لا يعقل ذلك، اللهم إلا أن يكون هذا منه بأن ~~الله تعالى حرمها عليه وجعله يأباها بخلاف سائر الأطفال، وقرأ عمرو بن عبد ~~الواحد «أن أرضعيه» بكسر النون وذلك على حذف الهمزة عبطا لا تخفيفا، ~~والتخفيف القياسي فتح النون قاله ابن جني، ونسب المهدوي هذه القراءة إلى ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه واليم جمهور الماء ومعظمه، والمراد نيل ~~مصر، وروي في قصص هذه الآية أن أم موسى واسمها يوحانه أخذته ولفته في ثيابه ~~وجعلت له تابوتا صغيرا وسدته عليه بقفل وعلقت مفتاحه عليه وأسلمته ثقة ~~بالله وانتظارا لوعده فلما غاب عنها عاودها بثها وأسفت عليه وأقنطها ~~الشيطان فاهتمت به وكادت تفتضح وجعلت الأخت تقصه أي تطلب أثره. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 8 الى 11] # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين (8) وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به ~~عن جنب وهم لا يشعرون (11) # «الالتقاط» اللقاء على غير قصد وروية، ومنه قول الشاعر [نقادة الأسدي] : ~~[الرجز] # ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا # إلا الحمام القمر والغطاطا ... فهن يلغطن به إلغاطا # ومنه اللغطة وآل فرعون أهله وجملته، وروي أن آسية امرأة فرعون رأت ~~التابوت يعوم في اليم فأمرت بسوقه وفتحته فرأت فيه صبيا صغيرا فرحمته ~~وأحبته، وقال السدي: ms2704 إن جواريها كان لهن في القصر على النيل فرضة يدخل ~~الماء فيها إلى القصر حتى ينلنه في المرافق والمنافع فبينا هن يغسلن في تلك ~~الفرضة إذ جاء التابوت فحملنه إلى مولاتهن، وقال ابن إسحاق: رآه فرعون يعوم ~~فأمر بسوقه وآسية جالسة معه فكان ما تقدم، وقوله تعالى: ليكون لهم عدوا ~~وحزنا هي لام العاقبة لا أن المقصد بالالتقاط كان لأن يكون عدوا، وقرأ ~~الجمهور «وحزنا» بفتح الحاء والزاي. # وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش «وحزنا» بضم الحاء وسكون ~~الزاي، و «الخاطئ» متعمد الخطأ، والمخطئ الذي لا يتعمده، واختلف المتأولون ~~في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون قرت PageV04P277 # عين لي ولك، فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاط التابوت لما أشعرت فرعون به ~~سبق إلى وهمه أنه من بني إسرائيل وأن ذلك قصد به ليخلص من الذبح فقال علي ~~بالذباحين فقالت امرأته ما ذكر فقال فرعون: أما لي فلا، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له» ، وقال السدي: ~~بل ربته حتى درج فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل وأخذه في يده ~~فمد موسى يده ونتف لحية فرعون فهم حينئذ بذبحه وحينئذ خاطبته بهذا وجربته ~~له في الجمرة والياقوتة فاحترق لسانه وعلق العقدة، وقوله لا يشعرون أي بأنه ~~الذي يفسد الملك على يديه قال قتادة وغيره، وقرأ ابن مسعود «لا تقتلوه قرة ~~عين لي ولك» قدم وأخر، وقوله وأصبح عبارة عن دوام الحال واستقرارها وهي ~~كظل، ومنه قول أبي سفيان للعباس يوم الفتح: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم ~~عظيما يريد استقرت حاله عظيما. وقرأ جمهور الناس «فارغا» من الفراغ واختلف ~~في معنى ذلك فقال ابن عباس: «فارغا» من كل شيء إلا من ذكر موسى، وقال مالك: ~~هو ذهاب العقل. # قال الفقيه الإمام القاضي: نحو قوله وأفئدتهم هواء [إبراهيم: 43] وقالت ~~فرقة «فارغا» من الصبر، وقال ابن زيد «فارغا» من وعد الله تعالى ووحيه ~~إليها أي تناسته بالهم وفتر أثره في نفسها ms2705 وقال لها إبليس فررت به من قتل ~~لك فيه أجر وقتلته بيدك، وقال أبو عبيدة «فارغا» من الحزن إذ لم يغرق، وقرأ ~~فضالة بن عبد الله ويقال ابن عبيد والحسن «فزعا» من الفزع بالفاء والزاي، ~~وقرأ ابن عباس «قرعا» بالقاف والراء من القارعة وهي الهم العظيم، وقرأ بعض ~~الصحابة رضي الله عنهم «فرغا» بالفاء المكسورة والراء الساكنة والغين ~~المنقوطة ومعناها ذاهبا هدرا تالفا من الهم والحزن، ومنه قول طليحة الأسدي ~~في حبال أخيه: [الطويل] # فإن تك قتلى قد أصيبت نفوسهم ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال # أي هدرا تالفا لا يتبع، وقرأ الخليل بن أحمد «فرغا» بضم الفاء والراء. ~~وقوله تعالى: إن كادت لتبدي به أي أمر ابنها، وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «كادت أم موسى أن تقول وا ابناه وتخرج صائحة على وجهها» و ~~«الربط على القلب» تأنيسه وتقويته، ومنه قولهم للشجاع والصابر في المضايق: ~~رابط الجأش، قال قتادة: وربط على قلبها بالإيمان، وقوله لتكون من المؤمنين ~~أي من المصدقين بوعد الله وما أوحى إليها به، ثم قالت لأخت موسى طمعا منها ~~وطلبا، قصيه، والقص طلب الأثر، فيروى أن أخته خرجت في سكك المدينة تبحث ~~مختفية بذلك فرأته عند قوم من حاشية امرأة فرعون يطلبون به امرأة ترضعه حين ~~لم يقبل المراضع، وعن جنب أي عن ناحية من غير قصد ولا قرب يشعر لها به، ~~يقال فيه جنب وجناب وجنابة ومن جناب قول الشاعر: [الطويل] # لقد ذكرتني عن جناب حمامة ... بعسفان أهلي فالفؤاد حزين # ومن جنابة قول الأعشى: [الطويل] # أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث عن عطائي جامدا # قال الفقيه الإمام القاضي: وكأن معنى هذه الألفاظ عن مكان جنب أي عن بعد ~~ومعنى الآية عن بعد لم تدن منه فيشعر لها، وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن عبدة: ~~[الطويل] PageV04P278 # فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب # وقرأ قتادة «عن جنب» بفتح الجيم وسكون النون وهي قراءة الحسن والأعرج، ~~وقرأ «عن جانب» النعمان بن ms2706 سالم، وقرأ الجمهور «عن جنب» بضم الجيم والنون، ~~وقوله وهم لا يشعرون، معناه أنها أخته وأنها من جملة لطائف الله تعالى له ~~ولأمه حسب الوعد الذي أوحي إليها، ويقال: بصرت الشيء وأبصرته بمعنى واحد ~~متقارب، قال المهدوي: وقيل عن جنب معناه عن شوق وهي لغة لجذام يقولون جنبت ~~إلى لقائك أي اشتقت إليه، وقال قتادة: معنى عن جنب أنها تنظر إليه كأنها لا ~~تريده. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 12 الى 15] # وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها ~~رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي ~~من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ~~(15) # قوله تعالى: وحرمنا يقتضي أن الله تعالى خصه من الامتناع من ثدي النساء ~~بما يشد به عن عرف الأطفال وهو تحريم تنقيص، والمراضع جمع مرضع واستعمل دون ~~هاء التأنيث لأنه لا يلتبس بالرجال. # وقوله تعالى: من قبل معناه من أول أمره، وقبل مبني، والضمير في «قالت» ~~لأخت موسى قال النقاش اسمها مريم، ويكفلونه، معناه يحسنون تربيته وإرضاعه، ~~وعلم القوم أن مكلمتهم من بني إسرائيل وكان ذلك عرف بني إسرائيل أن يكونوا ~~مراضع وخدمة، وقوله وهم له ناصحون يحتمل أن الضمير يعود على الطفل ويحتمل ~~أن يعود على الملك الذي كان الطفل في ظاهر أمره من جملته، وقال ابن جريج: ~~إن القوم تأولوا أنها أعادت الضمير على الطفل فقالوا لها إنك قد عرفته ~~فأخبرينا من هو فقالت: ما أردت إلا أنهم ناصحون للملك، فتخلصت منهم بهذا ~~التأويل. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يعود الضمير على الطفل ولكن يكون ~~النصح له بسبب الملك وحرصا على التزلف إليه ms2707 والتقرب منه، وفي الكلام هنا ~~حذف يقتضيه الظاهر وهو أنها حملتهم إلى أم موسى وكلموها في ذلك فدرت عليه ~~وقبلها وحظيت بذلك وأحسن إليها وإلى أهل بيتها، و «قرت عينها» أي سرت بذلك، ~~وروي أن فرعون قال لها: ما سبب قبول هذا الطفل؟ فقالت إني طيبة الرائحة ~~طيبة اللبن ودمع الفرح بارد ودموع الهم حرى سخنة فمن هذا المعنى قيل قرت ~~العين وسخنت، وقرأ يعقوب «نقر» بنون مضمومة وكسر القاف، ووعد الله المشار ~~إليه وهو الذي أوحاه إليها أولا إما بملك وإما بمنامة وإما بإلهام حسب ~~اختلاف المفسرين في ذلك، والقول بالإلهام يضعف أن يقال فيه وعد، وقوله ~~تعالى: أكثرهم PageV04P279 # يريد القبط، و «الأشد» ، جمع شدة كنعمة وأنعم، هذا قول سيبويه وقال غيره: ~~«الأشد» جمع شد وقالت فرقة «الأشد» اسم مفرد وليس بجمع، واختلف في قدر ~~الأشد من السنين، فقالت فرقة: بلوغ الحلم وهي نحو خمسة عشر عاما، وقالت ~~فرقة: ثمانية عشر عاما، وقال السدي: عشرون، وقالت فرقة: خمسة وعشرون، وقالت ~~فرقة: ثلاثون، وقال مجاهد وابن عباس: ثلاثة وثلاثون، وقالت فرقة عظيمة: ستة ~~وثلاثون، وقال مجاهد وقتادة «الاستواء» أربعون سنة، وقال مكي وقيل هو ستون ~~سنة وهذا ضعيف، و «الأشد» شدة البدن واستحكام أسره وقوته، واستوى معناه ~~تكامل عقله وحزمه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين، و «الحكم» الحكمة، و ~~«العلم» ، والمعرفة بشرع إبراهيم عليه السلام وهي مقدمة نبوته عليه السلام، ~~واختلف المتألون في قوله تعالى ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فقال ~~السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون وكان يركب مراكبه ~~حتى أنه كان يدعى موسى بن فرعون، فقالوا فركب فرعون يوما وسار إلى مدينة من ~~مدائن مصر يقال لها منف ثم علم موسى بركوب فرعون فركب بعده ولحق بتلك ~~المدينة في وقت القائلة وهو حين الغفلة، قاله ابن عباس وقال أيضا هو ما بين ~~العشاء والعتمة، وقال ابن إسحاق بل المدينة مصر نفسها، وكان موسى في هذا ~~الوقت قد بدت منه مجاهرة لفرعون ms2708 وقومه بما يكرهون فكان مختفيا بنفسه متخوفا ~~منهم فدخل متنكرا حذرا مغتفلا للناس، وقال ابن زيد: بل كان فرعون قد نابذه ~~وأخرجه من المدينة وغاب عنها سنين فنسي أمره وجاء هو والناس على غفلة ~~بنسيانهم لأمره وبعد عهدهم به، وقيل كان يوم عيد، وقوله تعالى: يقتتلان في ~~موضع الحال أي مقتتلين، وشيعته بنو إسرائيل، وعدوه القبط، وذكر الأخفش سعيد ~~«استعانه» بالعين غير معجمة وبالنون وهي تصحيف لا قراءة، وذكر الثعلبي أن ~~الذي من شيعته هو السامري وأن الآخر طباخ فرعون، وقوله هذا وهذا حكاية حال ~~قد كانت حاضرة ولذلك عبر ب هذا عن غائب ماض، «والوكز» الضرب باليد مجموعا ~~كعقد ثلاثة وسبعين، وقرأ ابن مسعود «فلكزه» والمعنى واحد، إلا أن اللكز في ~~اللحا، والوكز على القلب، وحكى الثعلبي أن في مصحف ابن مسعود «فنكزه» ~~بالنون والمعنى واحد، «وقضى عليه» ، معناه قتله مجهزا، وكان موسى عليه ~~السلام لم يرد قتل القبطي لكن وافقت وكزته الأجل وكان عنها موته فندم ورأى ~~أن ذلك من نزغ الشيطان في يده، وأن الغضب الذي اقترنت به تلك الوكزة كان من ~~الشيطان ومن همزه، ونص هو عليه السلام على ذلك وبهذا الوجه جعله من عمله ~~وكان فضل قوة موسى ربما أفرط في وقت غضبه بأكثر مما يقصد. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 16 الى 18] # قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب ~~بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب ~~فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) # ثم إن ندم موسى حمله على الخضوع لربه والاستغفار عن ذنب باء به عنده ~~تعالى فغفر الله خطأه ذلك. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر. PageV04P280 # قال القاضي أبو محمد: ولم يزل عليه السلام يعتمد ذلك على نفسه مع علمه ~~بأنه قد غفر حتى أنه في القيامة يقول «وقتلت نفسا لم أؤمر بقتلها» حسبما صح ~~في حديث الشفاعة، ثم قال عليه السلام لربه ms2709 معاهدا رب بنعمتك علي وبسبب ~~إحسانك وغفرانك فأنا ملتزم ألا أكون معينا للمجرمين هذا أحسن ما تؤول. # وقال الطبري إنه قسم أقسم بنعمة الله تعالى عنده ويضعفه صورة جواب القسم ~~فإنه غير متمكن في قوله فلن أكون، والقسم لا يتلقى ب «لن» ، والفاء تمنع أن ~~تنزل «لن» منزلة «لا» أو «ما» فتأمله، واحتج الطبري بأن في قراءة عبد الله ~~«فلا تجعلني ظهيرا» . # قال الفقيه الإمام القاضي: واحتج أهل العلم والفضل بهذه الآية في خدمة ~~أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمرهم ورأوا أنها تتناول ذلك، نص عليه عطاء ~~بن أبي رباح وغيره، وقوله تعالى فأصبح عبارة عن كونه دائم الخوف في كل ~~أوقاته كما تقول: أصبح زيد عالما، ويترقب معناه عليه رقبة من فعله في القتل ~~فهو متحسس، قال ابن عباس: فمر وهو بحالة الترقب وإذا ذلك الإسرائيلي الذي ~~قاتل القبطي بالأمس يقاتل آخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس ~~واكتتم فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه بمعنى صاح به مستغيثا ومنه قول ~~الشاعر [سلامة بن جندل] : [البسيط] # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له فرع الظنابيب # فلما رأى موسى قتاله لآخر أعظم ذلك وقال له معاتبا ومؤنبا إنك لغوي مبين ~~وكانت إرادة موسى مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي فلما دنا منهما خشي الإسرائيلي ~~وفزع منه وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته التي رأى بالأمس فناداه بالفضيحة ~~وشهر أمر المقتول. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 19 الى 21] # فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما ~~قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون ~~بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب ~~نجني من القوم الظالمين (21) # قرأ جمهور القراء «يبطش» ، وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء وهما لغتان، ~~فقال الإسرائيلي ms2710 لموسى معنى الآية بلسانه وفر منه فشهر أمر القتيل، ~~والجبابرة شأنهم قتل الناس بغير حق فلذلك جعله الإسرائيلي كذلك ونفى عنه ~~الإصلاح، قال الشعبي: من قتل رجلين فهو جبار، ولما اشتهر أن موسى قتل ~~القتيل وكان قول الإسرائيلي يغلب على النفوس تصديقه على موسى مع ما كان ~~لموسى من المقدمات أتى رأي فرعون وملئه على قتل موسى وذبحه، وغلب على نفس ~~فرعون أنه المشار إليه بفساد المملكة فأنفذ فيه من يطلبه من جنده ويأتي به ~~للقتل فخرج على الطريق الأعظم، وأخذ رجل يقال إنه مؤمن آل فرعون ويقال إنه ~~غيره PageV04P281 # في بنيات الطريق قصد إلى موضع موسى فبلغه قولهم له إن الملأ الآية، ويسعى ~~معناه يسرع في مشيه قاله الزجاج وغيره وهو دون الجري، وقال ابن جريج: معناه ~~يعمل وليس بالشد. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه نزعة مالك رحمه الله في سعي الجمعة ~~والأول عندي أظهر في هذه الآية: ويأتمرون وزنه يفتعلون ويفتعلون يأتي كثيرا ~~بمعنى يتفاعلون، ومنه ازدوج بمعنى تزاوج، وذهل ابن قتيبة إلى أنه بمعنى ~~يأمر بعضهم بعضا وقال: لو كان ذلك لكان يتأمرون. # قال الفقيه الإمام القاضي: وذهب عنه أن يفتعل بمعنى يتفاعل وفي القرآن ~~وأتمروا بينكم بمعروف [الطلاق: 6] ، وقد قال النمر بن تولب: [المتقارب] # أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر # وأنشد الطبري: [الكامل] # ما تأتمر فينا فأمرك في ... يمينك أو شمالك # ومنه قول ربيعة بن جشم: [المقارب] # أجار بن كعب كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر # فخرج موسى عليه السلام وأفلت القوم فلم يجده أحد منهم وخرج بحكم فزعه ~~ومبادرته إلى الطريق المؤدية إلى مدين وهي مدينة قوم شعيب عليه السلام، ~~وكان موسى لا يعرف تلك الطريق، ولم يصحب أحدا، فركب مجهلتها واثقا بالله ~~تعالى ومتوكلا عليه، قال السدي ومقاتل: فروي أن الله تعالى بعث إليه جبريل، ~~وقيل ملكا غيره، فسدده إلى طريق مدين وأعطاه عصا يقال هي كانت عصاه، وروي ~~أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم في مدين وهو أصح وأكثر، ms2711 وبين مدين ومصر ~~مسيرة ثمانية أيام قاله ابن جبير والناس، وكان ملك مدين لغير فرعون، وحكى ~~الطبري عن ابن جريج أو ابن أبي نجيح، شك الطبري أنه قال: إن الذي أراد أن ~~يبطش هو الإسرائيلي فنهاه موسى عن ذلك بعد أن قال له إنك لغوي مبين [القصص: ~~18] ففزع الإسرائيلي عند ذلك من موسى وخاطبه بالفضح وكان موسى من الندامة ~~والتوبة في حد لا يتصور معه أن يريد البطش بهذا الفرعوني الآخر، وروى ابن ~~جريج أن اسم الرجل الساعي من أقصى المدينة شمعون، وقال ابن إسحاق: شمعان. # قال الفقيه القاضي أبو محمد: والثبت في هذا ونحوه بعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 22 الى 24] # ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ~~ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم ~~تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) PageV04P282 # ولما خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا حافيا لا شيء معه، رأى حاله ~~وعدم معرفته بالطريق وخلوه من الزاد وغيره فأسند أمره إلى الله تعالى وقال ~~عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، وهذه الأقوال منه تقتضي أنه كان عارفا ~~بالله تعالى عالما بالحكمة والعلم الذي آتاه الله تعالى، وتوجه، رد وجهه ~~إليها، وتلقاء معناه ناحية، أي إلى الجهة التي يلقى فيها الشيء المذكور، ~~وسواء السبيل معناه وسطه وقويمه، وفي هذا الوقت بعث الله تعالى الملك ~~المسدد حسبما ذكرناه قبل وقال مجاهد: أراد ب سواء السبيل طريق مدين وقال ~~الحسن: أراد سبيل الهدى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أبدع ونظيره قول الصديق عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «هذا الذي يهديني السبيل» الحديث، فمشى عليه السلام حتى ورد مدين ~~أي بلغها، و «وروده الماء» معناه بلغه لا أنه دخل فيه، ولفظة «الورود» قد ~~تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الإطلال ms2712 عليه والبلوغ إليه ~~وإن لم يدخل فيه فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه، وهذه الوجوه في ~~اللفظة تتأول في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها [مريم: 71] ، ومدين لا ~~ينصرف إذ هي بلدة معروفة، و «الأمة» الجمع الكثير، ويسقون معناه ماشيتهم، ~~ومن دونهم، معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها فوصل إلى «المرأتين» قبل ~~وصوله إلى الأمة وهكذا هما من دونهم بالإضافة إليه، وتذودان معناه تمنعان ~~وتحبسان، ومنه قوله عليه السلام «فليذادن رجال عن حوضي» الحديث، وشاهد ~~الشعر في ذلك كثير، وفي بعض المصاحف «امرأتين حابستين تذودان» ، واختلف في ~~المذود، فقال عباس وغيره تذودان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء، ~~وقال قتادة تذودان الناس عن غنمهما، فلما رأى موسى عليه السلام انتزاح ~~المرأتين قال ما خطبكما أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب ~~إنما هو في مصاب أو مضطهد أو من يشفق عليه أو يأتي بمنكر من الأمر فكأنه ~~بالجملة في شر فأخبرتاه بخبرهما، وأن أباهما شيخ كبير فالمعنى أنه لا ~~يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على ~~مزاحمة الأقوياء وأن عادتهما التأتي حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى، وحينئذ ~~تردان، وقالت فرقة كانت الآبار مكشوفة وكان زحم الناس يمنعهما، فلما أراد ~~موسى أن يسقي لهما زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغلب الذي ~~كان منه، وصفته إحداهما بالقوة، وقالت فرقة: بل كانت آبارهم على أفواهها ~~حجارة كبار وكان ورود المرأتين تتبع ما في صهاريج الشرب من الفضلات التي ~~تبقى للسقاة وأن موسى عليه السلام عمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من ~~غيرها وكان حجرها لا يرفعه إلا سبعة، قاله ابن زيد، وقال ابن جريج: عشرة، ~~وقال ابن عباس: ثلاثون، وقال الزجاج: أربعون، فرفعه موسى وسقى للمرأتين، ~~فعن رفع الصخرة وصفته بالقوة، وقيل إن بئرهم كانت واحدة وإنه رفع عنها ~~الحجر بعد انفصال السقاة إذ كانت عادة المرأتين شرب الفضلات، وقرأ الجمهور ~~«نسقي» بفتح النون، وقرأ طلحة «نسقي» ms2713 بضمها، وقرأ أبو عمرو وابن عامر «حتى ~~يصدر» بفتح الياء وضم الدال وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وقتادة، وقرأ ~~الباقون «يصدر» بضم الياء وكسر الدال على حذف المفعول تقديره مواشيهم وحذف ~~المفعول PageV04P283 # كثير في القرآن والكلام، وهي قراءة الأعرج وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق ~~وعيسى، والرعاء جمع راع، وتولى موسى عليه السلام إلى ظل سمرة قاله ابن ~~مسعود، وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، ولم ~~يصرح بسؤال، هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله، قال ~~ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع واخضر لونه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه ~~بظهره، ورئيت خضرة البقل في بطنه وإنه لأكرم الخلق يومئذ على الله، وروي ~~أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدمه، وفي هذا معتبر وحاكم بهوان الدنيا ~~على الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 25 الى 27] # فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت ~~لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) قالت ~~إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) # في هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر قدره ابن إسحاق فذهبتا إلى أبيهما ~~سريعتين وكانت عادتهما الإبطاء في السقي فحدثتاه بما كان من أمر الرجل الذي ~~سقى لهما فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل الصغرى، أن تدعوه له فجاءت على ما في ~~هذه الآية، وروي أن اسم إحداهما ليا والأخرى شرفا، وروي أن اسم زوجة موسى ~~منهما صفورة، وقيل إن اسمها صوريا، وقال وهب: زوجه الكبرى، وروي عن النبي ~~عليه السلام أنه زوجه الصغرى، وذكره الثعلبي ومكي من طريق أبي ذر، وقال ~~النقاش: ويقال كانتا توأمتين، وولدت الأولى قبل الأخرى بنصف نهار، وقوله ms2714 ~~تمشي حال من إحداهما، وقوله على استحياء أي خفرة قد سترت وجهها بكم درعها ~~قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال عمرو بن ميمون: لم تكن سلفعا من ~~النساء ولاجة خراجة، واختلف الناس في الرجل الداعي لموسى عليه السلام من ~~هو، فقال الجمهور هو شعيب عليه السلام وهما ابنتاه، وقال الحسن: هو ابن أخي ~~شعيب واسمه ثروان، وقال أبو عبيدة: يثرون، وقيل هو رجل صالح ليس من شعيب ~~بنسب، وقيل إن المرأتين إنما كان مرسلهما عمهما وهو كان صاحب الغنم وهو ~~المزوج ولكن عبر عن العم بالأب في جميع الأمر إذ هو بمثابته، وروي أن موسى ~~عليه السلام لما جاءته بالرسالة أجاب فقام يتبعها إلى أبيها فهبت ريح ضمت ~~قميصها إلى بدنها فوصفت عجيزتها فتحرج موسى من النظر إليها فقال لها ارجعي ~~خلفي وأرشديني الطريق ففهمت عنه فذلك سبب وصفها له بالأمانة قاله ابن عباس، ~~فوصل موسى عليه السلام إلى داعيه فقص عليه أمره من أوله إلى آخره فأنسه ~~بقوله لا تخف نجوت من القوم الظالمين وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون. # فلما فرغ كلامهما قالت الابنة التي ذهبت عنه يا أبت استأجره الآية، فلما ~~وصفته بالقوة والأمانة PageV04P284 # قال لها أبوها ومن أين عرفت هذا منه؟ فقالت: أما قوته ففي رفع الصخرة ~~وأما أمانته ففي تحرجه من النظر إلي وقت هبوب الريح، قاله ابن عباس وقتادة ~~وابن زيد وغيرهم، فقال له عند ذلك الأب إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي قال ~~ابن عباس فزوجه التي دعته، و «تأجر» ، معناه تثيب وقال مكي في هذه الآية ~~خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمر وجعل المهر ~~إجارة ودخل ولم ينقد شيئا. # قال القاضي أبو محمد: أما التعيين فيشبه أنه كان في أثناء حال المراوضة ~~وإنما عرض الأمر مجملا وعين بعد ذلك، وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما ~~يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه فإما رسماه، وإلا فهو من وقت العقد وأما ~~النكاح بالإجارة فظاهر ms2715 من الآية، وهذا أمر قد قرره شرعنا وجرى به في حديث ~~الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن، وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك خاص، ~~وبعضهم إلى أنه منسوخ، ولم يجوز مالك رحمه الله النكاح بالإجارة، وجوزها ~~ابن حبيب وغيره إذا كانت الأجرة تصل إلى الزوجة قبل ومن لفظ شعيب عليه ~~السلام حسن في لفظ العقود في النكاح، أنكحه إياها أكثر من أنكحها إياه وهذا ~~معترض، وجعل شعيب «الثمانية الأعوام» شرطا ووكل العامين إلى المروءة. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 28 الى 32] # قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول ~~وكيل (28) فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون (29) فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ~~(31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب ~~فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) # لما فرغ كلام شعيب قرره موسى عليه السلام وكرر معناه على جهة التوثق في ~~أن الشرط إنما وقع في ثمان حجج، وأيما استفهام نصبه ب قضيت وما صلة ~~للتأكيد، وقرأ الحسن «أيما» بسكون الياء، وقرأ ابن مسعود «أي الأجلين ما ~~قضيت» ، وقرأ الجمهور «فلا عدوان» بضم العين وقرأ أبو حيوة «فلا عدوان» ~~بكسر العين، والمعنى لا تبعة علي من قول ولا فعل، و «الوكيل» الشاهد القائم ~~بالأمر، قال ابن زيد: ولما كمل هذا النكاح بينهما أمر شعيب موسى أن يسير ~~إلى بيت له فيه عصي وفيه هذه العصا، فروي أن العصا وثبت إلى موسى فأخذها ~~وكانت عصا آدم وكانت من عير ورقة الريحان، فروي أن شعيبا أمره بردها ms2716 ففعل ~~وذهب يأخذ غيرها، فوثبت إليه، وفعل ذلك ثالثة، فلما رأى شعيب ذلك علم أنه ~~يرشح للنبوءة فتركها له، PageV04P285 # وقيل إنما تركها له لأنه أمر موسى بتركها، فأبى موسى ذلك فقال له شعيب: ~~نمد إليها جميعا فمن طاوعته فهي له، فمد إليها شعيب يده فثقلت، ومد إليها ~~موسى فخفت ووثبت إليه، فعلما أن هذا من الترشيح، وقال عكرمة: إن عصا موسى ~~إنما دفعها إليه جبريل ليلا عند توجهه إلى مدين، وقوله تعالى فلما قضى موسى ~~الأجل، قال سعيد بن جبير سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى، فقلت ~~لا أدري حتى أقدم على حبر العرب أعني ابن عباس، فقدمت عليه فسألته، فقال ~~قضى أكملهما وأوفاهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال وفى فعدت ~~فأعلمت النصراني، فقال صدق هذا والله العالم، وروي عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين، وحكى الطبري ~~عن مجاهد أنه قضى عشرا وعشرا بعدها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وفي قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام ~~لما قضى الأجل أراد أن يسير بأهله إلى مصر بلده وقومه وقد كان لا محالة أحس ~~بالترشيح للنبوءة فسار وكان رجلا غيورا لا يصحب الرفاق، فلما جاء في بعض ~~طريقه في ليلة مظلمة مردة حرة قال النقاش كانت ليلة جمعة فقدوا النار وأصلد ~~الزند وضلوا الطريق واشتد عليهم الخصر، فبينا هو كذلك إذ رأى نارا وكان ذلك ~~نورا من الله تعالى قد التبس بشجرة قال وهب كانت عليقا وقال قتادة عوسجا. # وقيل زعرورا، وقيل سمرة، قاله ابن مسعود و «آنس» معناه أحس والإحساس هنا ~~بالبصر ومن هذه اللفظة قوله تعالى: فإن آنستم منهم رشدا [النساء: 6] ومنها ~~قول حسان: [المنسرح] # انظر خليلي بباب جلق هل ت ... ونس دون البلقاء من أحد # وكان هذا الأمر كله في جانب الطور وهو جبل معروف بالشام، والطور كل جبل، ~~وخصصه قوم بأنه الذي لا ينبت فلما رأى موسى النار ms2717 سر فقال لأهله أقيموا فقد ~~رأيت نارا لعلي آتيكم منها بخبر عن الطريق أين هو أو جذوة وهي القطعة من ~~النار في قطعة عود كبيرة لا لهب لها إنما هي جمرة ومن ذلك قول الشاعر [ابن ~~مقبل] : [البسيط] # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذا غير خوار ولا دعر # قال القاضي أبو محمد: وأحسب أن أصل «الجذوة» أصول الشجر وأهل البوادي ~~أبدا يوقدونها، فتلك هي الجذوة حقيقة، ومنه قول السلمي يصف الصلى: [الطويل] # حمى حب هذا النار حب خليلتي ... وحب الغواني فهي دون الحبائب # وبدلت بعد البان والمسك شقوة ... دخان الجذا في رأس أشحط شاحب # وقرأ الجمهور «جذوة» بكسر الجيم، وقرأ حمزة والأعمش «جذوة» بضمها، وقرأ ~~عاصم «جذوة» بفتحها، وهي لغات والصلى حر النار، وتصطلون تفتعلون منه أبدلت ~~التاء طاء، فلما أتى موسى عليه السلام ذلك الضوء الذي رآه وهو في تلك ~~الليلة ابن أربعين سنة نبىء عليه السلام، فروي أنه كان يمشي إلى ذلك النور ~~فكان يبعد منه تمشي به الشجرة وهي خضراء غضة حتى نودي، و «الشاطئ» والشط ~~ضفة PageV04P286 # الوادي، وقوله الأيمن يحتمل أن يكون من اليمن صفة للوادي أو للشاطىء، ~~ويحتمل أن يكون المعادل لليسار فذلك لا يوصف به الشاطئ إلا بالإضافة إلى ~~موسى في استقباله مهبط الوادي أو يعكس ذلك وكل هذا قد قيل، و «بركة البقعة» ~~هي ما خصت به من آيات الله تعالى وأنواره وتكليمه لموسى عليه السلام، ~~والناس على ضم الباء من «بقعة» ، وقرأ بفتحها أبو الأشهب، قال أبو زيد: ~~سمعت من العرب: هذه بقعة طيبة بفتح الباء، وقوله تعالى من الشجرة يقتضي أن ~~موسى عليه السلام سمع ما سمع من جهة الشجرة، وسمع وأدرك غير مكيف ولا محدد، ~~وقوله تعالى أن يا موسى يحتمل أن تكون أن مفسرة ويحتمل أن تكون في موضع نصب ~~بإسقاط حرف الجر، وقرأت فرقة «أني أنا الله» بفتح «أني» ، ثم أمره الله ~~تعالى بإلقاء العصا، فألقاها فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب «الجان» وهو ~~صغير الحيات فجمعت هول ms2718 الثعبان ونشاط الجان، هذا قول بعضهم، وقالت فرقة: بل ~~«الجان» يعم الكبير والصغير وإنما شبه ب «الجان» جملة العصا لاضطرابها فقط، ~~وولى موسى عليه السلام فزعا منها، وو لم يعقب، معناه لم يرجع على عقبه، من ~~توليه فقال الله تعالى يا موسى أقبل فأقبل وقد آمن بتأمين الله إياه، ثم ~~أمره بأن يدخل يده في جيبه وهو فتح الجبة من حيث يخرج رأس الإنسان، وروي أن ~~كم الجبة كان في غاية الضيق فلم يكن له جيب تدخل يده إلا في جيبه، و «سلك» ~~معناه أدخل ومنه قول الشاعر: [البسيط] # حتى سلكن الشوا منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج # وقوله تعالى: من غير سوء أي من غير برص ولا مثلة. # وروي أن يده كانت تضيء كأنها قطعة شمس، وقوله تعالى: واضمم إليك جناحك من ~~الرهب ذهب مجاهد وابن زيد إلى أن ذلك حقيقة، أمره بضم عضده وذراعه وهو ~~الجناح إلى جنبه ليخف بذلك فزعه، ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في أوقات ~~فزعه أن يقوى قلبه، وذهبت فرقة إلى أن ذلك على المجاز والاستعارة وأنه أمره ~~بالعزم على ما أمر به وأنه كما تقول العرب اشدد حيازيمك واربط جأشك، أي شمر ~~في أمرك ودع الرهب، وذلك لما كثر تخوفه في غير ما موطن قاله أبو علي، وقوله ~~تعالى فذانك برهانان قال مجاهد والسدي: هي إشارة إلى العصا واليد، وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو والناس «الرهب» بفتح الراء والهاء، وقرأ عاصم وقتادة ~~«الرهب» بسكون الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم أيضا «الرهب» بضم ~~الراء وسكون الهاء، وقرأ الجحدري «الرهب» بضم الراء والهاء، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو «فذانك» بشد النون، وقرأ الباقون «فذانك» بتخفيف النون، وقرأ شبل ~~عن ابن كثير «فذانيك» بياء بعد النون المخففة، أبدل إحدى النونين ياء كراهة ~~التضعيف، وقرأ ابن مسعود «فذانيك» بالياء أيضا مع شد النون وهي لغة هذيل، ~~وحكى المهدوي أن لغتهم تخفيف النون و «برهانان» ، حجتان ومعجزتان، وباقي ~~الآية بين. # قوله عز ms2719 وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 33 الى 39] # قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ~~ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ~~(35) فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) # وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على ~~الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) ~~واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) PageV04P287 # كان موسى عليه السلام قد امتحن بمخاوف فطلب شد العضد بأخيه هارون لأنه ~~كان فصيح اللسان سجيح الخلق، وقرأ الجمهور «ردءا» بالهمز، وقرأ نافع وحده ~~«ردا» بتنوين الدال دون همز وهي قراءة أبي جعفر والمدنيين وذلك على التخفيف ~~من ردء، والردء الوزر المعين والذي يسند إليه في الأمر، وذهبت فرقة إلى ~~أنها من معنى الزيادة كما قال الشاعر [القرطبي] : [الطويل] # وأسمر خطي كأن كعوبه ... نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر # وهذا على ترك الهمز وأن يكون وزنه فعلا، وقرأ الجمهور «يصدقني» بالجزم ~~وذلك على جواب فأرسله، وقرأ عاصم وحمزة «يصدقني» أي مصدقا فهو صفة للردء أو ~~حال، و «شد العضد» استعارة في المعونة والإنهاض، وقرأ الحسن بضم العين من ~~«عضد» ، وقرأ عيسى بن عمر بفتح العين والضاد، و «السلطان» ، الحجة، وقوله ~~بآياتنا يحتمل أن تتعلق الباء بقوله ونجعل لكما أو ب يصلون وتكون باء ~~السبب، ويحتمل أن تتعلق بقوله الغالبون أي تغلبون بآياتنا، والآيات هي ~~معجزاته عليه السلام، ولما كذبوه ورموه بالسحر قارب موسى عليه السلام في ~~احتجاجه وراعه تكذيبهم فرد الأمر إلى الله عز وجل وعول على ما سيظهره في ~~شأنهم وتوعدهم بنقمة الله تعالى منهم، وقرأ ms2720 ابن كثير «قال موسى» بغير واو، ~~وقرأ غيره وجميع السبعة «وقال» بواو، وقرأ الجمهور «تكون» بالتاء، وقرأ ~~حمزة والكسائي «يكون» ، بالياء على التذكير إذ هي بمنزلة العاقب فهي كالصوت ~~والصيحة والوعظ والموعظة، واستمر فرعون في طريق مخرقته على قومه وأمر هامان ~~بأن يطبخ له الآجر وأن يبني له صرحا أي سطحا في أعلى الهواء، وليس الصرح ~~إلا ما له سطح، ويحتمل أن يكون الإيقاد على الطين كالبرامي، وترجى بذلك ~~بزعمه أن يطلع في السماء، فروي عن السدي أنه بناه أعلى ما يمكن ثم صعد فيه ~~ورمى بالنبل فردها الله تعالى إليه مخضوبة بالدم ليزيدهم عمى وفتنة، فقال ~~فرعون حينئذ: إني قتلت إله موسى، ثم قال وإني لأظنه من الكاذبين يريد في أن ~~موسى أرسله مرسل، فالظن على بابه وهو معنى إيجاب الكفر بمنزلة التصميم على ~~التكذيب، وقرأ حمزة والكسائي ونافع «لا يرجعون» ، وقرأ الباقون والحسن ~~وخالد «لا يرجعون» بضم الياء وفتح الجيم. PageV04P288 # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 40 الى 43] # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) ولقد آتينا موسى الكتاب ~~من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) # «نبذناهم» معناه طرحناهم، ومنه نبذ النواة ومنه قول الشاعر: # نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا من نعالك باليا # وقوم فرعون وإن كانوا ساروا إلى البحر ودخلوه باختيارهم فإن ما ضمهم من ~~القدر السابق السائق هو نبذ الله تعالى إياهم فيه، واليم بحر القلزم في قول ~~أكثر الناس، وقالت فرقة: كان غرقهم في نيل مصر والأول أشهر، وقوله تعالى: ~~وجعلناهم أئمة يدعون عبارة عن حالهم وأفعالهم وخاتمتهم، أي هم بذلك ~~كالداعين إلى النار وهم فيه أئمة من حيث اشتهروا وبقي حديثهم، فهم قدوة لكل ~~كافر وعات إلى يوم القيامة، والمقبوحين الذين يقبح كل أمرهم قولا لهم وفعلا ~~بهم، قال ابن عباس: هم الذين قبحوا بسواد ms2721 الوجوه وزرق العيون، ويوم ظرف ~~مقدم، وقوله تعالى: من بعد ما أهلكنا القرون الأولى إخبار بأنه أنزل ~~التوراة على موسى بعد هلاك فرعون وقومه وبعد هذه الأمم التي قد تقدم ذكرها ~~من عاد وثمود وقرية قوم لوط وغيرها، والقصد بهذا الإخبار التمثيل لقريش بما ~~تقدم في غيرها من الأمم، وقالت فرقة: إن الآية مضمنة أن إنزال التوراة على ~~موسى هو بعد أن رفع الله تعالى عذاب الأمم فلم تعذب أمة بعد نزول التوراة ~~إلا القرية التي مسخت قردة، فيما روي، وقوله بصائر نصب على الحال، أي طرائق ~~هادية، وقوله تعالى: لعلهم يتذكرون أي على ترجي البشر وما يعطيه تأميل من ~~أمل الأمر، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ما أهلك الله تعالى أمة بعذاب ~~منذ أنزل إلى الأرض غير القرية التي مسخت قردة وهم الذين تعدوا في السبت، ~~وهذا التعذيب من سبب شرع موسى فكأنه لا ينقص فضيلة التوراة برفع العذاب عن ~~الأرض. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 44 الى 46] # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ~~ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا ~~عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن ~~رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) # المعنى ولم تحضر يا محمد هذه الغيوب التي تخبر بها ولكنها صارت إليك ~~بوحينا أي فكان الواجب PageV04P289 # أن يسارع إلى الإيمان بك ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها زمنا ~~زمنا فعزبت حلومهم واستحكمت جهالتهم وضلالتهم، وقضينا معناه أبعدنا وصيرنا، ~~والأمر يعني النبوءة، وقالت فرقة: # يعني ما أعلمه به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن يلتئم معه ما بعده من قوله: ولكنا ~~أنشأنا قرونا، و «الثاوي» المقيم، وقوله وما كنت بجانب الطور يريد وقت ~~إنزال التوراة إلى موسى. # وقوله تعالى: إذ نادينا، روي عن أبي هريرة أنه نودي يومئذ ms2722 من السماء يا ~~أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني وغفرت لكم قبل أن تسألوني، فحينئذ قال ~~موسى عليه السلام: اللهم اجعلني من أمة محمد، فالمعنى إذ نادينا بأمرك ~~وأخبرنا بنبوتك وقوله رحمة نصب على المصدر أو مفعول من أجله، وقوله ولكن ~~مرتبط بقوله وما كنت أي ولكن جعلناك وأنفذنا أمرك قديما رحمة من ربك أو ~~يكون المعنى ولكن أعلمناك ونبأناك رحمة منا لك وإفضالا، وقرأ الناس «رحمة» ~~بالنصب، وقرأ عيسى «رحمة» بالرفع، ويريد بالقوم الذين لم يأتهم نذير معاصر ~~به من العرب، وباقي الآية بين، وقال الطبري: معنى قوله إذ نادينا بأن ~~سأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 47 الى 50] # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا ~~لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران ~~تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين (50) # «المصيبة» عذاب في الدنيا على كفرهم، وجواب لولا محذوف يقتضيه الكلام ~~تقديره لعاجلناهم بما يستحقونه، وقال الزجاج: تقديره لما أرسلنا الرسل، ~~وقوله جاءهم الحق يريد القرآن ومحمدا عليه السلام، والمقالة التي قالتها ~~قريش لولا أوتي مثل ما أوتي موسى كانت من تعليم اليهود لهم قالوا لهم لم لا ~~يأتي بآية باهرة كالعصا واليد ونتق الجبل وغير ذلك، فعكس الله عليهم قولهم ~~ووقفهم على أنه قد وقع منهم في تلك الآيات ما وقع من هؤلاء في هذه، فالضمير ~~في يكفروا لليهود، وقرأ الجمهور «ساحران» والمراد بهما موسى وهارون قاله ~~مجاهد، وقال الحسن: موسى وعيسى وقال ابن عباس: موسى ms2723 ومحمد، وقال الحسن ~~أيضا: عيسى ومحمد عليهما السلام، والأول أظهر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~«سحران» والمراد PageV04P290 # بهما التوراة والإنجيل، قال عكرمة، وقال ابن عباس: التوراة والقرآن، وقرأ ~~ابن مسعود «سحران اظاهرا» وهي قراءة طلحة والضحاك. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بما أوتي موسى أمر محمد الذي في ~~التوراة كأنه يقول وما يطلبون بأن يأتي ب مثل ما أوتي موسى وهم قد كفروا في ~~التكذيب بك بما أوتيه موسى من الإخبار بك، وقوله إنا بكل كافرون يؤيد هذا ~~التأويل، وتظاهرا معناه تعاونا، وقوله تعالى: قل فأتوا بكتاب من عند الله ~~الآية، هذه حجة أمره الله تعالى أن يصدع بها، أي أنتم أيها المكذبون بهذه ~~الكتب التي قد تضمنت الأمر بالعبادات ومكارم الأخلاق ونهت عن الكفر ~~والنقائص ووعد الله تعالى مع ذلك الثواب عليها الجزيل إن كان تكذيبهم لمعنى ~~وبحال صحة فأتوا بكتاب من عند الله يهدي أكثر من هدي هذه أتبعه معكم، ثم ~~قال تعالى فإن لم يستجيبوا لك وهو قد علم أنهم لا يستجيبون على معنى ~~الإيضاح لفساد حالهم، وسياق القياس البين لأنهم متبعون لأهوائهم، ثم عجب ~~تعالى من ضلال من تبع هواه بغير هداية ولغير مقصد نير وقرر على ذلك على جهة ~~البيان أي لا أحد أضل منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 51 الى 55] # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله ~~هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا ~~من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة ~~السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) # الذين وصل لهم القول هم قريش قاله مجاهد وغيره، وقال أبو رفاعة القرظي: ~~نزلت في اليهود في عشرة أنا أحدهم ذكره الطبري، وقال الجمهور: معناه واصلنا ~~لهم في القرآن وتابعناه موصولا بعضه ببعض في المواعظ والزجر والدعاء إلى ~~الإسلام، قال الحسن وفي ذكر الأمم ms2724 المهلكة وصلت لهم قصة بقصة حسب مرور ~~الأيام، وذهب مجاهد أن معنى وصلنا فصلنا أي جعلناه أوصالا من حيث كان ~~أنواعا من القول في معان مختلفة، ومعنى اتصال بعضه ببعض حاصل من جهة أخرى ~~لكن إنما عدد عليهم هاهنا تقسيمه في أنواع من القول، وذهب الجمهور إلى أن ~~هذا التوصيل الذي وصل لهم القول معناه وصل المعاني من الوعظ والزجر وذكر ~~الآخرة وغير ذلك، وذهبت فرقة إلى أن الإشارة بتوصيل القول إنما هي إلى ~~الألفاظ أي إلى الإعجاز، فالمعنى ولقد وصلنا لهم قولا معجزا على نبوتك. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى الأول تقديره ولقد وصلنا لهم قولا تضمن ~~معاني من تدبرها اهتدى، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «ولقد وصلنا» بتخفيف ~~الصاد، وقوله لعلهم يتذكرون أي في طمع البشر، وظاهر الأمر عندهم وبحسبهم، ~~ثم ذكر تعالى القوم الذين آمنوا من أهل الكتاب مباهيا بهم قريشا، واختلف ~~إلى من الإشارة، فقيل إلى جماعة من اليهود أسلمت وكانت تلقى من الكفار أذى، ~~وقيل إلى بحيرا PageV04P291 # الراهب، وقال الزهراوي: إلى النجاشي، وقيل: إلى سلمان وابن سلام، وأسند ~~الطبري عن علي بن أبي رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب فيهم أبو ~~رفاعة يعني أباه فأسلموا فأوذوا فنزلت فيهم هذه الآية، والضمير في قبله ~~يحتمل أن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يعود على القرآن، ~~وما بعد يؤيد هذا، قوله وإذا يتلى عليهم وقولهم إنا كنا من قبله مسلمين ~~يريدون الإسلام المتحصل لهم من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، وأجرهم ~~مرتين معناه على ملتين وبحظوة شريعتين، وهذا المعنى هو الذي قال فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتيهم أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب ~~آمن بنبيه وآمن بي، والعبد الناصح في عبادة ربه وخدمة سيده، ورجل كانت له ~~أمة فأدبها وعلمها ثم أعتقها وتزوجها» وقوله تعالى: بما صبروا عام في صبرهم ~~على ملتهم ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك من أنواع ~~الصبر، وقوله تعالى: ms2725 ويدرؤن معناه يدفعون هذا وصف لمكارم الأخلاق أي ~~يتعاقبون ومن قال لهم سوءا لا ينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهذه ~~آية مهادنة وهي في صدر الإسلام وهي مما نسخته آية السيف وبقي حكمها فيما ~~دون الكفر يتعاطاها أمة محمد إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ومما رزقناهم ~~ينفقون مدح لهم بالنفقة في الطاعات وعلى رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات ~~ونحوها، واللغو سقط القول، والقول يسقط لوجوه يعز حصرها، فالفحش لغو، والسب ~~لغو، واليمين لغو حسب الخلاف فيها، وكلام مستمع الخطبة لغو، والمراد من هذا ~~في هذه الآية ما كان سبا وأذى فأدب أهل الإسلام الإعراض عنه، والقول على ~~جهة التبري لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وقال ابن زيد اللغو هاهنا ما كان بنو ~~إسرائيل كتبوه في التوراة مما ليس من عند الله. # قال القاضي أبو محمد: فهذه المهادنة هي لبني إسرائيل الكفار منهم، وسلام ~~عليكم في هذا الموضع ليس المقصود بها التحية، لكنه لفظ التحية قصد به ~~المتاركة، وهو لفظ مؤنس مستنزل لسامعه إذ هو في عرف استعماله تحية. # قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، ولا نبتغي الجاهلين معناه لا نطلبهم ~~للجدال والمراجعة والمسابة. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 56 الى 58] # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) ~~وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الوارثين (58) # أجمع جل المفسرين على أن قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت إنما نزلت في ~~شأن أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة وابن المسيب ~~وغيرهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم PageV04P292 # دخل عليه وهو يجود بنفسه فقال له: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد ~~لك بها عند الله» ، وكان بحضرته عبد ms2726 الله بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام ~~فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب؟ فقال أبو طالب: يا محمد ~~لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك، ثم قال أبو طالب: ~~أنا على ملة عبد المطلب والأشياخ، فتفجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج ~~عنه فمات أبو طالب على كفره فنزلت هذه الآية، قال أبو روق: قوله تعالى: ~~ولكن الله يهدي من يشاء، إشارة إلى العباس، والضمير في قوله وقالوا لقريش، ~~قال ابن عباس والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل وقصد الإخبار بأن العرب ~~تنكر عليهم رفض الأوثان وفراق حكم الجاهلية فتخطفهم من أرضهم، وقوله والهدى ~~معناه على زعمك، وحكى الثعلبي أنه قال له إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن ~~إن اتبعناك تخطفنا العرب فقطعهم الله تعالى بالحجة، أي أليس كون الحرم لكم ~~مما يسرناه وكففنا عنكم الأيدي فيه فكيف بكم لو أسلمتم واتبعتم ديني وشرعي، ~~وروي عن أبي عمرو «نتخطف» بضم الفاء، و «أمن الحرم» هو أن لا يغزى ولا يؤذى ~~فيه أحد، وقوله تعالى يجبى إليه ثمرات كل شيء أي تجمع وتجلب، وقرأ نافع ~~وحده «تجبى» بالتاء من فوق، وقرأ الباقون «يجبى» بياء من تحت، ورويت التاء ~~من فوق عن أبي عمرو وأبي جعفر وشيبة بن نصاح، وقوله تعالى: كل شيء، يريد ~~مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم، وليس العموم فيه على الإطلاق، وقرأ أبان بن ~~تغلب «ثمرات» بضم الثاء والميم، ثم توعد تعالى قريشا بضرب المثل بالقرى ~~المهلكة، أي فلا تغتروا بالحرم والأمن والثمرات التي تجبى، فإن الله تعالى ~~يهلك الكفرة على ما سلف في الأمم، وبطرت معناه سفهت وأشرت وطغت قاله ابن ~~زيد وغيره، ومعيشتها نصب على التفسير مثل قوله سفه نفسه [البقرة: 130] وقال ~~الأخفش هو إسقاط حرف الجر أي بطرت في معيشتها ثم أحالهم على الاعتبار في ~~خراب ديار الأمم المهلكة كحجر ثمود وغيره وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 59 الى ms2727 61] # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين (61) # إن كانت الإرادة ب القرى المدن التي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ف ~~«أم القرى» مكة، وإن كانت الإرادة القرى بالإطلاق في كل زمن ف أمها في هذا ~~الموضع أعظمها وأفضلها الذي هو بمثابة مكة في عصر محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وإن كانت أم القرى كلها أيضا من حيث هي أول ما خلق من الأرض ومن حيث فيها ~~البيت، ومعنى الآية أن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب ~~إلا بعد نذارة وبعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، و «الظلم» هنا يجمع ~~الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد وبالجملة وضع الباطل موضع الحق، ثم خاطب ~~تعالى قريشا محقرا لما كانوا يفخرون به من مال PageV04P293 # وبنين وغير ذلك من قوة لم تكن عند محمد صلى الله عليه وسلم ولا عند من ~~آمن به فأخبر تعالى قريشا أن ذلك متاع الدنيا الفاني وأن الآخرة وما فيها ~~من النعم التي أعدها الله لهؤلاء المؤمنين خير وأبقى، ثم وبخهم بقوله ~~تعالى: أفلا تعقلون، وقرأ الجمهور «أفلا يعقلون» بالياء، وقرأ أبو عمرو ~~وحده بالتاء من فوق، وروي عنه بالياء، كذا قال أبو علي في الحجة، وذلك خلاف ~~ما حكى أبو حاتم والناس، فإن نافعا يقرأ بالتاء من فوق وهي قراءة الأعرج ~~والحسن وعيسى، ثم زادهم توبيخا بقوله أفمن وعدناه وعدا حسنا الآية، وقوله ~~أفمن وعدناه يعم معناها جميع العالم لكن اختلف الناس فيمن نزلت، فقال ~~مجاهد: # الذي وعد الوعد الحسن هو محمد عليه السلام وضده أبو جهل، وقال مجاهد ~~أيضا: نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل في علي وأبي جهل، وقال قتادة: نزلت عامة ~~في المؤمن ms2728 والكافر كما معناها عام. # قال القاضي أبو محمد: ونزولها عام بين الاتساق بما قبله من توبيخ قريش، ~~ومن المحضرين، معناه في عذاب الله قاله مجاهد وقتادة، ولفظة «محضرين» مشيرة ~~إلى سوق بجبر، وقرأ طلحة «أمن وعدناه» بغير فاء، وقرأ مسروق «أفمن وعدناه ~~نعمة منا فهو لاقيها» . # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 62 الى 64] # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) # التقدير واذكر يوم، وهذا النداء يحتمل أن يكون بواسطة، ويحتمل بغير ذلك، ~~والضمير المتصل «بينادي» لعبدة الأصنام والإشارة إلى قريش وكفار العرب ~~وقوله أين، على جهة التقريع والتوبيخ وقوله شركائي أي على قولكم وزعمكم. # قال القاضي أبو محمد: ولما كان هذا السؤال مسكتا لهم مبهتا فكأنه لا ~~متعلق لجمهور الكفرة إلا ب «المغوين» لهم والأعيان، الرؤوس منهم وبالشياطين ~~المغوين فكأن هذه الصنيفة المغوية إنما أتت الكفرة على علم فالقول عليها ~~متحقق وكلمة العذاب ماضية لكنهم طمعوا في التبري من كل أولئك الكفرة ~~الأتباع فقالوا ربنا هؤلاء إنما أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهاد لنا ولهم ~~وأرادوا هم اتباعنا وأحبوا الكفر كما أحببناه. # فنحن نتبرأ إليك منهم وهم لم يعبدونا إنما عبدوا غيرنا. # قال القاضي أبو محمد: فهذا التوقيف يعم جميع الكفرة، والمجيبون هم كل مغو ~~داع إلى الكفر من الشياطين ومن الإنس الرؤساء والعرفاء والسادة في الكفر، ~~وقرأ الجمهور «غوينا» بفتح الواو، يقال غوى الرجل يغوى بكسر الواو، وروي عن ~~ابن عامر وعاصم «غوينا» بكسر الواو، ثم أخبر تعالى أنه يقال للكفرة ~~العابدين للأصنام الذين اعتقدوهم آلهة ادعوا شركاءكم أي الأصنام التي كنتم ~~تزعمون أنهم شركاء لله، PageV04P294 # وأضاف الشركاء إليهم لما كان ذلك الاسم بزعمهم ودعواهم، فيهذا القول من ~~الاختصاص أضاف الشركاء إليهم، ثم أخبر أنهم دعوهم فلم يكن في الجمادات ما ~~يجيب ورأى الكفار العذاب، وقوله ms2729 تعالى: لو أنهم كانوا يهتدون ذهب الزجاج ~~وغيره من المفسرين إلى أن جواب لو محذوف تقديره لما نالهم العذاب ولما ~~كانوا في الدنيا عابدين للأصنام ففي الكلام على هذا التأويل تأسف عليهم، ~~وذلك محتمل مع تقديرنا الجواب لما كانوا عابدين للأصنام وفيه مع تقديرنا ~~الجواب لما نالهم العذاب نعمة منا، وقالت فرقة لو متعلقة بما قبلها تقديره ~~فودوا لو أنهم كانوا يهتدون. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 65 الى 68] # ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ ~~فهم لا يتساءلون (66) فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من ~~المفلحين (67) وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون (68) # هذا النداء أيضا كالأول في احتماله الواسطة من الملائكة، وهذا النداء ~~أيضا للكفار يوقفهم على ما أجابوا به المرسلين الذين دعوهم إلى الله تعالى ~~فتعمى عليهم الأنباء أي أظلمت لهم الأمور فلم يجدوا خبرا يخبرون به مما لهم ~~فيه نجاة، وساق الفعل في صيغة المضي لتحقق وقوعه وأنه يقين، والماضي من ~~الأفعال متيقن فلذلك توضع صيغته بدل المستقبل المتيقن وقوعه وصحته، و ~~«عميت» معناه أظلمت جهاتها وقرأ الأعمش «فعميت» بضم العين وشد الميم، وروي ~~في بعض الحديث: كان الله في عماء، وذلك قبل أن يخلق الأنوار وسائر ~~المخلوقات، والأنباء جمع نبأ، وقوله تعالى فهم لا يتساءلون معناه فيما قال ~~مجاهد وغيره بالأرحام والمتات الذي عرفه في الدنيا أن يتساءل به لأنهم قد ~~أيقنوا أن كلهم لا حيلة له ولا مكانة. # ويحتمل أن يريد أنهم لا يتساءلون عن الأنباء ليقين جميعهم أنه لا حجة ~~لهم، ثم انتزع تعالى من الكفرة من تاب من كفره وآمن بالله ورسله وعمل ~~بالتقوى، ورجى عز وجل فيهم أنهم يفوزون ببغيهم ويبقون في النعيم الدائم ~~وقال كثير من العلماء «عسى» من الله واجبة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم ~~من «عسى» أنها ترجية لا واجبة، وفي كتاب الله عز وجل ms2730 عسى ربه إن طلقكن ~~[التحريم: 5] ، وقوله تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار الآية، قيل سببها ما ~~تكلمت به قريش من استغراب أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقول بعضهم لولا ~~نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] فنزلت هذه الآية ~~بسبب تلك المنازع، ورد الله تعالى عليهم وأخبر أنه يخلق من عباده وسائر ~~مخلوقاته ما يشاء وأنه يختار لرسالته من يريد ويعلم فيه المصلحة ثم نفى أن ~~يكون الاختيار للناس في هذا ونحوه، هذا قول جماعة من المفسرين أن ما نافية ~~أي ليس لهم تخير على الله تعالى فتجيء الآية كقوله تعالى وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله الآية [الأحزاب: 36] . PageV04P295 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد ويختار الله تعالى الأديان والشرائع ~~وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام ونحوها في العبادة، ويؤيد هذا ~~التأويل قوله تعالى: سبحان الله وتعالى عما يشركون، وذهب الطبري إلى أن ما ~~في قوله تعالى ويختار ما كان مفعولة ب يختار قال: # والمعنى أن الكفار كانوا يختارون من أموالهم لأصنامهم أشياء فأخبر الله ~~تعالى أن الاختيار إنما هو له وحده يخلق ويختار من الرسل والشرائع ما كان ~~خيرة للناس لا كما يختارون هم ما ليس إليهم ويفعلون ما لم يؤمروا به. # قال القاضي أبو محمد: واعتذر الطبري عن الرفع الذي أجمع القراء عليه في ~~قوله تعالى: ما كان لهم الخيرة بأقوال لا تتحصل وقد رد الناس عليه في ذلك، ~~وذكر عن الفراء أن القاسم بن معن أنشده بيت عنترة: [البسيط] # أمن سمية دمع العين تذريف ... لو كان ذا منك قبل اليوم معروف # وقرن الآية بهذا البيت والرواية في البيت لو أن ذا ولكن على ما رواه ~~القاسم يتجه في بيت عنترة أن يكون الأمر والشأن مضمرا في كان وذلك في الآية ~~ضعيف، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها مجرور وفي هذا كله نظر، ~~والوقف على ما ذهب إليه جمهور الناس في قوله ويختار وعلى ما ذهب إليه ~~الطبري ms2731 لا يوقف على ذلك ويتجه عندي أن يكون ما مفعولة إذا قدرنا كان تامة ~~أي أن الله تعالى يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: لهم ~~الخيرة جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم ~~لو قبلوا وفهموا. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 69 الى 73] # وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا هو له ~~الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا ~~تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) # ذكر تعالى في هذه الآيات أمورا يشهد عقل كل مفطور بأن الأصنام لا شركة ~~لها فيها، فمنها علم ما في النفوس وما يجيش بالخواطر، وتكن معناه تستر، ~~وقرأ ابن محيص «تكن» بفتح التاء وضم الكاف، وعبر عن القلب ب «الصدر» من حيث ~~كان محتويا عليه، ومعنى الآية أن الله تعالى يعلم السر والإعلان، ثم أفرد ~~نفسه بالألوهية ونفاها عن سواه، وأخبر أن الحمد له في الدنيا والآخرة إذ له ~~الصفات التي تقتضي ذلك، والحكم في هذا الموضع القضاء والفصل في الأمور، ثم ~~أخبر بالرجعة إليه والحشر، ثم أمر تعالى نبيه أن يوقفهم على أمر الليل ~~والنهار وما منح الله فيهما من المصالح والمرافق وأن يوقفهم على PageV04P296 # إيجاده تعالى بتقليب الليل والنهار، وأنه لو مد أحدهما سرمدا لما وجد من ~~يأتي بالآخر، و «السرمد» من الأشياء الدائم الذي لا ينقطع، وقرأت فرقة هي ~~الجمهور «بضياء» بالياء، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل «بضئاء» بهمزتين ~~وضعفه أبو علي، ثم ذكر عز وجل انقسام الليل والنهار على السكون وابتغاء ~~الفضل بالمشي والتصرف وهذا هو الغالب في أمر الليل والنهار، فعدد النعمة ~~بالأغلب وإن وجد من ms2732 يسكن بالنهار ويبتغي فضل الله بالليل فالشاذ النادر لا ~~يعتد به، وقال بعض الناس: قوله تعالى جعل لكم الليل والنهار إنما عبر به عن ~~الزمان لم يقصد لتقسيم، أي في هذا الوقت الذي هو ليل ونهار يقع السكون ~~وابتغاء الفضل، وقوله ولعلكم أي على نظر البشر من يرى هذا التلطف والرفق ~~يرى أن ذلك يستدعي الشكر ولا بد. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 74 الى 75] # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة ~~شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~(75) # التقدير «واذكر يوم يناديهم» وكرر هذا المعنى إبلاغا وتحذيرا وهذا النداء ~~هو عند ظهور كل ما وعد الرحمن على ألسنة المرسلين من وجوب الرحمة لقوم ~~والعذاب لآخرين ومن خضوع كل جبار وذلة الكل لعزة رب العالمين. # فيتوجه حينئذ توبيخ الكفار فيقول الله تعالى لهم: أين شركائي على معنى ~~التقريع، ثم أخبر تعالى أنه يخرج في ذلك اليوم من كل أمة شهيدا يميز بينه ~~وبين الناس وهذا هو النزع أن يميز بين شيئين فينتزع أحدهما من الآخرة، وقال ~~مجاهد: أراد ب «الشهيد» النبي الذي يشهد على أمته وقال الرماني: وقيل أراد ~~عدولا من الأمم وخيارا. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهم حملة الحجة الذين لا يخلو منهم زمان، و ~~«الشهيد» على هذا التأويل، اسم الجنس وفي هذا الموضع حذف يدل عليه الظاهر ~~تقديره يشهد على الأمة بخيرها وشرها فيحق العذاب على من شهد عليه بالكفر ~~ويقال لهم على جهة استبراء الحجة والاعذار في المحاورة هاتوا برهانكم على ~~حق بأيديكم إن كان لكم، فيسقط حينئذ في أيديهم ويعلمون أن الحق متوجه لله ~~عليهم في تعذيبهم، وينتلف لهم ما كانوا بسبيله في الدنيا من كذب مختلق وزور ~~في قولهم هذه آلهتنا للأصنام وفي تكذيبهم للرسل وغير ذلك، ومن هذه الآية ~~انتزع قول القاضي عند إرادة الحكم أبقيت لك حجة. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 76 الى 77] # إن قارون كان من قوم ms2733 موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) PageV04P297 # قارون اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف واختلف الناس في قرابة قارون من موسى ~~عليه السلام فقال ابن إسحاق هو عمه، وقال ابن جريج وإبراهيم النخعي هو ابن ~~عمه لحا، وهذا أشهر، وقيل هو ابن خالته، وهو بإجماع رجل من بني إسرائيل كان ~~ممن آمن بموسى وحفظ التوراة وكان من أقرأ الناس لها، وكان عند موسى من عباد ~~المؤمنين ثم إنه لحقه الزهو والإعجاب فبغى على قومه بأنواع من البغي من ذلك ~~كفره بموسى واستخفافه به ومطالبته له فيما قال ابن عباس بأنه عمد إلى امرأة ~~مومسة ذات جمال وقال لها أنا أحسن إليك وأخلطك بأهلي على أن تجيئي في ملإ ~~بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون اكفني أمر موسى فإنه يعترضني في نفسي، ~~فجاءت المرأة فلما وقفت على الملإ أحدث الله تعالى لها توبة، فقالت يا بني ~~إسرائيل إن قارون قال لي كذا وكذا، ففضحته في جميع القصة، وبرأ الله تعالى ~~موسى من مطالبته، وقيل بل قالت المرأة ذلك عن موسى فلما بلغه الخبر وقف ~~المرأة بمحضر ملإ من بني إسرائيل فقالت يا نبي الله كذبت عليك وإنما دعاني ~~قارون إلى هذه المقالة وكان من بغيه أنه زاد في ثيابه شبرا على ثياب الناس، ~~قاله شهر بن حوشب، إلى غير ذلك مما يصدر عمن فسد اعتقاده، وكان من أعظم ~~الناس مالا وسميت أمواله «كنوزا» إذ كان ممتنعا من أداء الزكاة وبسبب ذلك ~~عادى موسى عليه السلام أول عداوته، و «المفاتح» ظاهرها أنها التي يفتح بها ~~ويحتمل أن يريد بها الخزائن والأوعية الكبار، قاله الضحاك لأن المفتح في ~~كلام العرب الخزانة. # قال القاضي أبو محمد: وأكثر المفسرون في شأن قارون فروي ms2734 عن خيثمة أنه ~~قال: نجد في الإنجيل مكتوبا أن مفاتيح قارون كانت من جلود الإبل وكان ~~المفتاح من نصف شبر وكانت وقر ستين بعيرا أو بغلا لكل مفتاح كنز. # قال الفقيه الإمام القاضي: وروي غير هذا مما يقرب منه ذلك كله ضعيف ~~والنظر يشهد بفساد هذا ومن كان الذي يميز بعضها عن بعض وما الداعي إلى هذا ~~وفي الممكن أن ترجع كلها إلى ما يحصى ويقدر وعلى حصره بسهولة وكان يلزم على ~~هذا المعنى أن تكون «مفاتيح» بياء وهي قراءة الأعمش والذي يشبه إنما هو أن ~~تكون «المفاتيح» من الحديد ونحوه وعلى هذا «تنوء بالعصبة» إذا كانت كثيرة ~~لكثرة مخازنه وافتراقها من المواضع أو تكون «المفاتيح» الخزائن، قال أبو ~~صالح كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا وأما قوله «تنوء» فمعناه تنهض ~~بتحامل واشتداد ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل] # ينؤن ولم يكسبن إلا قنازعا ... من الريش تنواء النعاج الهزائل # ومنه قول الآخر يصف راميا: [الرجز] # حتى إذا ما اعتدلت مفاصله ... وناء في شق الشمال كاهله # والوجه أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح المثقلة لها وكذلك قال كثير من ~~المتأولين المراد هذا لكنه PageV04P298 # قلب كما تفعل العرب كثيرا، فمن ذلك قول الشاعر: [الوافر] # فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق # ومن ذلك قول الآخر [خداش بن زهير] : [الطويل] # وتركب خيل لا هوادة بينها ... وتشفي الرماح بالضياطرة الحمر # وهذا البيت لا حجة فيه إذ يتجه على وجهه فتأمله، ومن ذلك قول الآخر: # فما كنت في الحرب العوان مغمزا ... إذا شب حر وقودها أجدالها # وقال سيبويه والخليل التقدير «لتنيء العصبة» فجعل بدل ذلك تعدية الفعل ~~بحرف الجر كما تقول ناء الحمل وأنأته ونؤت به، بمعنى جعلته ينوء والعرب ~~تقول ناء الحمل بالبعير إذا أثقله. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يسند «تنوء» إلى المفاتح مجازا ~~لأنها تنهض بتحامل إذا فعل ذلك الذي ينهض بها وهذا مطرد في قولهم ناء الحمل ~~بالعير ونحوه فتأمله، واختلف الناس في «العصبة» كم هي فقال ابن عباس ms2735 ثلاثة، ~~وقال قتادة من العشرة إلى الأربعين، وقال مجاهد خمسة عشر حملا، وقيل أحد ~~عشر حملا على إخوة يوسف وقيل أربعون، وقرأ بديل بن ميسرة «لينوء» بالياء ~~ووجهها أبو الفتح على أنه يقرأ «مفاتحه» جمعا وذكر أبو عمرو الداني أن بديل ~~بن ميسرة قرأ «ما إن مفتاحه» على الإفراد فيستغنى على هذا عن توجيه أبي ~~الفتح، وقوله تعالى: إذ قال له قومه، متعلق بقوله فبغى، ونهوه عن الفرح ~~المطغي الذي هو انهماك وانحلال نفس وأشر وإعجاب، و «الفرح» هو الذي تخلق ~~دائما بالفرح، ولا يجب في هذا الموضع صفة فعل لأنه أمر قد وقع فمحال أن ~~يرجع إلى الإرادة وإنما هو لا يظهر عليهم بركته ولا يبهم رحمته، ثم وصوه أن ~~يطلب بماله رضى الله تعالى ويقدم لآخرته، وقوله تعالى: ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا، اختلف المتأولون فيه فقال ابن عباس والجمهور: معناه لا تضيع عمرك ~~في أن لا تعمل عملا صالحا في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا ~~فنصيب الإنسان وعمله الصالح فيها فينبغي أن لا يهمله. # قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة. # وقال الحسن وقتادة: معناه ولا تضيع أيضا حظك من دنياك في تمتعك بالحلال ~~وطلبك إياه ونظرك لعاقبة دنياك. # قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به ~~وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من ~~الشدة، وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغ. وقال مالك: هو الأكل ~~والشرب بلا سرف. وحكى الثعلبي أنه قيل أرادوا بنصيبه الكفن. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا وعظ متصل كأنهم قالوا لا تنس أنك تترك ~~جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر: [الطويل] # نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوى فيهما وحنوط PageV04P299 # وقوله وأحسن كما أحسن الله إليك أمر بصلة المساكين وذوي الحاجة وباقي ~~الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 78 الى 79] # قال إنما أوتيته على علم ms2736 عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) ~~فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما ~~أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) # القائل قارون لما وعظه قومه وندبوه إلى اتقاء الله تعالى في المال الذي ~~أعطاه تفضلا منه عليه أخذته العزة بالإثم فأعجب بنفسه، وقال لهم على جهة ~~الرد عليهم والروغان عما ألزموه فيه إنما أوتيته على علم عندي، ولكلامه هذا ~~وجهان يحتملهما وبكل واحد منهما قالت فرقة من المفسرين فقال الجمهور منهم ~~إنه ادعى أن عنده علما استوجب به أن يكون صاحب ذلك المال وتلك النعمة، ثم ~~اختلفوا في العلم الذي أشار إليه ما هو، فقال بعضهم علم التوراة وحفظها، ~~قالوا وكانت هذه مغالطة ورياء، وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم ~~بالتجارب ووجوه تثمير المال فكأنه قال أوتيته بإدراكي وبسعيي، وقال ابن ~~المسيب: # أراد علم الكيمياء، وقال ابن زيد وغيره: إنما أراد أوتيته على علم من ~~الله وتخصيص من لدنه قصدني به أي فلا يلزمني فيه شيء مما قلتم، ثم جعل قوله ~~عندي كما تقول في معتقدي وعلى ما أراه. # قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى الاحتمالين معا فقد نبه القرآن على خطئه ~~في اغتراره وعارض منزعه بأن من معلومات الناس المتحققة عندهم أن الله تعالى ~~قد أهلك من الأمم والقرون والملوك من هو أشد من قارون قوة وأكثر جمعا إما ~~للمال وإما للحاشية والغاشية، وقوله تعالى: أولم يعلم يرجح أن قارون تشبع ~~بعلم نفسه على زعمه، وقوله تعالى: ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون، قال محمد ~~بن كعب: هو كلام متصل بمعنى ما قبله، والضمير في ذنوبهم عائد على من أهلك ~~من القرون، أي أهلكوا ولم يسأل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم أي كل واحد إنما يكلم ~~ويعاقب بحسب ما يخصه، وقالت فرقة: هو إخبار مستأنف عن حال يوم القيامة أن ~~المجرمين لا يسألون عن ذنوبهم، قال قتادة ذلك ms2737 لأنهم يدخلون النار بغير ~~حساب، وقال قتادة أيضا ومجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن ذنوبهم لأنهم ~~يعرفونهم بسيماهم من السواد والتشويه ونحو ذلك قوله تعالى: يعرف المجرمون ~~بسيماهم [الرحمن: 41] . # قال الفقيه الإمام القاضي: وفي كتاب الله تعالى آيات تقتضي أن الناس يوم ~~القيامة يسألون كقوله تعالى: وقفوهم إنهم مسؤلون [الصافات: 24] وغير ذلك، ~~وفيه آيات تقتضي أنه لا يسأل أحد كقوله تعالى: فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ~~ولا جان [الرحمن: 39] ، وغير ذلك، فقال الناس في هذا إنها مواطن وطوائف، ~~وذلك من قوله محتمل ويشبه عندي أن تكون الآيات التي توجب السؤال إنما يراد ~~بها أسئلة التوبيخ والتقرير والتي تنفي السؤال يراد بها أسئلة الاستفهام ~~والاستخبار على جهة الحاجة إلى علم ذلك من المسئولين، أي أن ذلك لا يقع لأن ~~العلم بهم محيط وسؤال التوبيخ غير معتد به، ثم أخبر تعالى أن قارون «خرج ~~على قومه» وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينة الدنيا، قال جابر ~~ومجاهد: خرج في PageV04P300 # ثياب حمر، وقال ابن زيد: خرج هو وجملته في ثياب معصفرة، وقيل: في ثياب ~~الأرجوان، وقيل غير هذا، وأكثر المفسرون في تحديد زينة قارون وتعيينها بما ~~لا صحة له فاختصرته، وباقي الآية في اغترار الجهلة والأغمار من الناس بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 80 الى 82] # وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه ~~بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من ~~الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) # أخبر الله تعالى عن الذين أوتوا العلم والمعرفة بالله تعالى وبحق طاعته ~~والإيمان به أنهم زجروا الأغمار الذين تمنوا حال قارون وحملوهم على الطريقة ~~المثلى من أن النظر والتمني إنما ينبغي أن يكون في أمر الآخرة، وأن حالة ~~المؤمن العامل الذي ينتظر ثواب الله ms2738 تعالى خير من حال كل ذي دنيا، ثم أخبر ~~تعالى عن هذه النزعة وهذه القوة في الخير والدين أنها لا يلقاها أي يمكن ~~فيها ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه، وهذا هو جماع الخير ~~كله، والضمير من يلقاها عائد على ما لم يتقدم له ذكر من حيث الكلام دال ~~عليه، فذلك يجري مجرى توارت بالحجاب [ص: 32] وكل من عليها فان [الرحمن: 26] ~~وقال الطبري الضمير عائد على الكلمة قوله ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ~~أي لا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون وعنهم تصدر، وروي في «الخسف» بقارون ~~وبداره أن موسى عليه السلام لما أمضه فعل قارون به وتعديه عليه ورميه بأمر ~~المرأة وغير ذلك من فعله به استجار الله تعالى وبكى وطلب النصرة فأوحى الله ~~تعالى إليه لا تهتم فإني أمرت الأرض أن تطيعك في قارون وأهله وخاصته ~~وأتباعه، فقال موسى للأرض خذيهم فأخذت منهم إلى الركب فاستغاثوا يا موسى يا ~~موسى، فقال خذيهم فأخذتهم شيئا شيئا وهم يستغيثون به كل مرة وهو يلج إلى أن ~~تم الخسف بهم، فأوحى الله تعالى إليه يا موسى استغاثوا بك فلم ترحمهم لو بي ~~استغاثوا أو إلي تابوا لرحمتهم وكشفت ما بهم، وقال قتادة ومالك بن دينار: ~~روي لنا أنه يخسف به كل يوم قامة فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. و «الفئة» ~~الجماعة الناصرة التي يفيء إليها الإنسان الطالب للنصرة، وقصة قارون هي بعد ~~جوازهم اليم لأن الرواة ذكروا أنه كان ممن حفظ التوراة وكان يقرؤها، ثم ~~أخبر تعالى عن حال الذين تمنوا مكانه بالأمس وندمهم واستشعارهم أن الحول ~~والقوة لله تعالى. # وقوله ويكأن مذهب سيبويه والخليل أن «وي» حرف تنبيه، وهي منفصلة من «كأن» ~~لكن أضيفت في الكتاب لكثرة الاستعمال، والمعنى أنهم نبهوا من خاطبوه ثم ~~قالوا بين الاخبار وعلى جهة التعجب PageV04P301 # والتثبت كأن الله يبسط، وقال أبو حاتم وجماعة من النحويين «ويك» هي ويلك ~~حذفت اللام منها لكثرة الاستعمال وجرت في الكلام كذلك ومنه قول عنترة: ~~[الكامل] ms2739 # ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # فكأن المعنى ويلك اعلم أن الله ونحو هذا من الإضمار، وقالت فرقة من ~~النحويين ويكأن بجملتها دون تقدير انفصال كلمة بمنزلة قولك ألم تر أن. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويقوى الانفصال فيها على ما قاله سيبويه لأنها ~~تجيء مع «أن» ، ومع «أن» وأنشد سيبويه # ويكأن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر # وهذا البيت لزيد بن عمرو بن نفيل، وقرأ الأعمش «لولا من الله» بحذف «أن» ~~وروي عنه «لولا من» برفع النون وبالإضافة إلى الله تعالى، وقرأ الجمهور ~~«لخسف» بضم الخاء وكسر السين، وقرأ عاصم بفتح الخاء والسين، وقرأ الأعمش ~~وطلحة بن مصرف «لا نخسف» كأنه فعل مضارع أريد به أن الأرض كانت تبتلعه، ~~وروي عن الكسائي أنه كان يقف على «وي» ، ويبتدىء «كأن» ، وروي عنه الوصل ~~كالجماعة، وروي عن أبي عمرو أنه كان يقف «ويك» ويبتدىء «أن الله» وعلى هذا ~~المعنى قال الحسن إن شئت «ويكأن» أو «يكإن» بفتح الهمزة وبكسرها، وكذلك في ~~ويكأنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 83 الى 85] # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) # هذا إخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يراد به ~~إخبار جميع العالم وحضهم على السعي بحسب ما تضمنته الآية، وهذا الحض يتصمن ~~الإنحاء على حال قارون ونظرائه، والمعنى أن الآخرة ليست في شيء من أمر ~~قارون إنما هي لمن صفته كذا وكذا، و «العلو» المذموم هو بالظلم ولا ~~الانتحاء والتجبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن تريد أن يكون شراك ~~نعلك أفضل من شراك نعل أخيك، و «الفساد» يعم وجوه الشر، ومما قال العلماء ~~هو ms2740 أخذ المال بغير حق والعاقبة للمتقين، خبر منفصل جزم معناه إما في الدنيا ~~وإلا ففي الآخرة ولا بد، ثم وصف تعالى أمر جزاء الآخرة أنه من جاء بعمل ~~صالح فله خير من القدر الذي يقتضي النظر أنه مواز لذلك العمل هذا على أن ~~نجعل «الحسنة» للتفضيل، وفي القول حذف مضاف أي من ثوابها الموازي لها ~~ويحتمل أن تكون من لابتداء الغاية أي له خير بسبب حسنته ومن أجلها. PageV04P302 # وأخبر تعالى أن السيئة لا يضاعف جزاؤها فضلا منه ورحمة، وقوله تعالى: إن ~~الذي فرض عليك القرآن، معناه أنزله عليك وأثبته، والفرض أصله عمل فرضة في ~~عود أو نحوه فكأن الأشياء التي تثبت وتمكن وتبقى تشبه ذلك الفرض، وقال ~~مجاهد معناه أعطاك القرآن وقالت فرقة في هذا القول حذف مضاف، والمعنى «فرض ~~عليك أحكام القرآن» ، واختلف المتأولون في معنى قوله لرادك إلى معاد، فقال ~~جمهور المتأولين: أراد إلى الآخرة، أي باعثك بعد الموت، فالآية على هذا ~~مقصدها إثبات الحشر والإعلام بوقوعه، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري ~~وغيرهما: «المعاد» الجنة وقال ابن عباس أيضا وجماعة: «المعاد» الموت. # قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن الآية على هذا واعظة ومذكرة، وقال ابن ~~عباس أيضا ومجاهد «المعاد» مكة، وهذه الآية نزلت في الجحفة مقدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة، قال أبو محمد: فالآية على هذا ~~معلمة بغيب قد ظهر للأمة ومؤنسة بفتح، و «المعاد» الموضع الذي يعاد إليه ~~وقد اشتهر به يوم القيامة لأنه معاد الكل، وقوله تعالى: قل ربي أعلم الآية، ~~آية متاركة للكفار وتوبيخ، وأسند الطبري في تفسير قوله لرادك إلى معاد قال ~~إلى الجنة، قال وسماها معادا إما من حيث قد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الإسراء وغيره وإما من حيث قد كان فيها آدم عليه السلام فهي معاد ~~لذريته. # قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما قال هذا من حيث تعطي لفظة «المعاد» أن ~~المخاطب قد كان في حال يعود إليها وهذا وإن كان مما يظهر في ms2741 اللفظ فيتوجه ~~أن يسمى معادا ما لم يكن المرء قط فيه تجوزا، ولأنها أحوال تابعة للمعاد ~~الذي هو النشور من القبور. # قوله عز وجل: ### || [سورة القصص (28) : الآيات 86 الى 88] # وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا ~~تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء ~~هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) # قال بعض المفسرين: قوله تعالى: وما كنت ترجوا الآية ابتداء كلام مضمنه ~~تعديد النعمة على محمد صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى رحمه رحمة لم ~~يحتسبها ولا بلغها أمله، وقال بعضهم بل هو متعلق بقوله تعالى إن الذي فرض ~~عليك القرآن [القصص: 85] أي وأنت بحال من لا يرجو ذلك، وقوله تعالى: يلقى ~~إليك عبارة عن تقليده النبوءة وتبليغ القرآن. كما تقول: ألقى فلان إلى فلان ~~بالرياسة ونحو هذا، وقوله تعالى: إلا رحمة نصب على استثناء منقطع، و ~~«الظهير» المعين أي اشتد يا محمد في تبليغك ولا تلن ولا تفشل فتكون معونة ~~للكافرين بهذا الوجه أي بالفتور عنهم، وقوله تعالى: ولا يصدنك، أي بأقوالهم ~~وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوه وامض لشأنك، وقرأ يعقوب «ولا يصدنك» بجزم PageV04P303 # النون، وقوله وادع إلى ربك، وجميع الآيات تتضمن المهادنة والموادعة، وهذا ~~كله منسوخ بآية السيف، وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليه من تعظيم أوثانهم وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمر ~~الغرانيق، وقوله تعالى: ولا تدع مع الله إلها آخر نهي عما هم بسبيله، فهم ~~المراد وإن عري اللفظ من ذكرهم، وقوله تعالى: إلا وجهه قالت فرقة: هي عبارة ~~عن الذات، المعنى هالك إلا هو، قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي رحمه ~~الله، وقال الزجاج: إلا إياه، وقال سفيان الثوري: # المراد إلا ذا وجهه، أي ما عمل لذاته ومن طاعته وتوجه به نحوه ومن هذا ~~قول الشاعر: ms2742 # «رب العباد إليه الوجه والعمل» ومنه قول القائل أردت بفعلي وجه الله ~~تعالى ومنه قوله عز وجل: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه [الأنعام: 52] وقوله تعالى: له الحكم أي فصل القضاء وإنفاذ القدرة في ~~الدنيا والآخرة، وقوله: وإليه ترجعون إخبار بالحشر والعودة من القبور، وقرأ ~~الجمهور «ترجعون» بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ عيسى «ترجعون» بفتح التاء ~~وكسر الجيم، وقرأ أبو عمرو بالوجهين. PageV04P304 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العنكبوت # هذه السورة مكية. إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن ~~من كان من المسلمين بمكة، وفي هذا الفصل اختلاف وهذا أصح ما قيل فيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) # تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وقرأ ورش «ألم احسب» بفتح ~~الميم من غير همز بعدها وذلك على تخفيف الهمزة وإلقاء حركتها على الميم، ~~وهذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش ~~يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن ~~يمكن الله الكفرة من المؤمنين قال مجاهد وغيره، فنزلت هذه الآية مسلية ~~ومعلمة أن هذه هي سيرة الله تعالى في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة ليعلم ~~الصادق ويري ثواب الله له ويعلم الكاذب ويري عقابه إياه. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه ~~الجماعة فهي بمعناها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها ~~بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين ~~بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض ~~وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر ~~العدو في كل ثغر، وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: نزلت هذه الآية في عمار ms2743 ~~بن ياسر إذ كان يعذب في الله تعالى ونظرائه، وقال الشعبي: سبب الآية ما ~~كلفه المؤمنون من الهجرة، فهي الفتنة التي لم يتركوا دونها، لا سيما وقد ~~لحقهم بسببها أن اتبعهم الكفار وردوهم وقاتلوهم، فقتل من قتل ونجا من نجا، ~~وقال السدي: # نزلت في مسلمين كانوا بمكة وكرهوا الجهاد والقتال حين فرض على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المدينة، و «حسب» ، معناه ظن، وأن نصب ب «حسب» وهي ~~والجملة التي بعدها تسد مسد مفعولي «حسب» وأن الثانية في موضع نصب على ~~تقدير إسقاط حرف الخفض تقديره «بأن يقولوا» ، ويحتمل أن يقدر «لأن يقولوا» ~~، والمعنى في الباء واللام مختلف وذلك أنه في الباء كما تقول تركت زيدا ~~بحاله، PageV04P305 # وهي في اللام بمعنى من أجل أن حسبوا أن إيمانهم علة للترك، والذين من ~~قبلهم، يريد بهم المؤمنين مع الأنبياء في سالف الدهر، وقرأ الجمهور ~~«فليعلمن» بفتح الياء واللام الثانية، ومعنى ذلك ليظهرن عليهم ويوجدن منهم ~~ما علمه أزلا، وذلك أن علمه بذلك قديم وإنما هذه عبارة عن الإيجاد بالحالة ~~التي تضمنها العلم القديم، والصدق والكذب على بابهما أي من صدق فعله قوله ~~ومن كذبه ونظير هذا قول زهير: # [البسيط] # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا # قال النقاش، قيل إن الإشارة ب صدقوا هي إلى مهجع مولى عمر بن الخطاب لأنه ~~أول قتيل قتل من المؤمنين يوم بدر، وقالت فرقة: إنما هي استعارة وإنما أراد ~~بها الصلابة في الدين أو الاضطراب فيه وفي جهاد العدو ونحو هذا، وقرأ علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه «فليعلمن» بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة ~~تحتمل ثلاثة معان أحدها أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين ~~بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى يوقفهم على ما كان ~~منهم، والثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا تقديره ليعلمن الناس أو العالم ~~هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم، هؤلاء في الخير وهؤلاء في ~~الشر، وذلك في الدنيا والآخرة، والثالث أي يكون ذلك ms2744 من العلامة أي لكل ~~طائفة علما تشهر به، فالآية على هذا ينظر إليها قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها» وعلى كل معنى منها ففيها وعد ~~للمؤمنين الصادقين ووعيد للكافرين، وقرأ الزهري الأولى كقراءة الجمهور ~~والثانية كقراءة علي رضي الله عنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 4 الى 7] # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجوا ~~لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) # أم معادلة للألف في قوله أحسب [العنكبوت: 1] وكأنه عز وجل قرر الفريقين، ~~قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون وقرر الكافرين الذين يعملون السيئات ~~في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقاب الله ويعجزونه، ~~وقوله تعالى: الذين يعملون السيئات، وإن كان الكفار المراد الأول بحسب ~~النازلة التي الكلام فيها فإن لفظ الآية يعم كل عاص وعامل سيئة من المسلمين ~~وغيرهم، وقوله ساء ما يحكمون يجوز أن يكون ما بمعنى الذي فهي في موضع رفع، ~~ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير ساء حكما يحكمونه، وقال ابن كيسان: ما ~~مع يحكمون في موضع المصدر كأنه قال: ساء حكمهم، وفي هذه الآية وعيد للكفرة ~~الفاتنين، وتأنيس وعده بالنصر للمؤمنين PageV04P306 # المفتونين المغلوبين، ثم أخبر تعالى عن الحشر والرجوع إلى الله تعالى في ~~القيامة بأنه آت إذ قد أجله الله تعالى وأخبر به، وفي قوله من كان يرجوا ~~لقاء الله، تثبيت، أي من كان على هذا الحق فليوقن بأنه آت وليتزيد بصيرة، ~~وقال أبو عبيدة يرجوا هاهنا بمعنى يخاف، والصحيح أن الرجاء هاهنا على بابه ~~متمكنا، قال الزجاج: المعنى لقاء ثواب الله، وقوله تعالى: وهو السميع ~~العليم، معناه لأقوال كل فرقة، والعليم معناه بالمعتقدات التي لهم، وقوله ~~تعالى: ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إعلام بأن كل واحد مجازى بفعله فهو إذا ~~له، ms2745 وهو حظه الذي ينبغي أن لا يفرط فيه فإن الله غني عن جهاده و «غني عن ~~العالمين» بأسرهم، وهاتان الآيتان نبذ على سؤال الطائفة المرتابة المترددة ~~في فتنة الكفار التي كانت تنكر أن ينال الكفار المؤمنين بمكروه وترتاب من ~~أجل ذلك، فكأنهم قيل لهم من كان يؤمن بالبعث فإن الأمر حق في نفسه، والله ~~تعالى بالمرصاد، أي هذه بصيرة لا ينبغي لأحد أن يعتقدها لوجه أحد، وكذلك من ~~جاهد فثمرة جهاده له فلا يمن بذلك على أحد، وهذا كما يقول المناظر عند سوق ~~حجته من أراد أن يرى الحق فإن الأمر كذا وكذا ونحو هذا فتأمله، وقيل: معنى ~~الآية ومن جاهد المؤمنين ودفع في صدر الدين فإنما جهاده لنفسه لا لله فالله ~~غني. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره المفسرون وهو ضعيف، وقوله تعالى: ~~والذين آمنوا الآية إخبار عن المؤمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من ~~البدار إلى الله تعالى رفع بهم عز وجل وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن ~~الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار إلى الحصول في هذه المرتبة ع و «السيئات» ، ~~الكفر وما اشتمل عليه ويدخل في ذلك المعاصي من المؤمنين مع الأعمال ~~الصالحات واجتناب الكبائر، وفي قوله عز وجل ولنجزينهم أحسن حذف مضاف تقديره ~~ثواب أحسن الذي كانوا يعملون. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 8 الى 11] # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي ~~في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا ~~معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا ~~وليعلمن المنافقين (11) # قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه الآية، روي عن قتادة وغيره أنها نزلت ~~في شأن سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه هاجر فحلفت أمه أن لا تستظل بظل حتى يرجع ~~إليها ويكفر بمحمد فلج ms2746 هو في هجرته، ونزلت الآية، وقيل نزلت في عياش بن أبي ~~ربيعة، وذلك أنه اعتراه في دينه نحو من هذا بعد أن خدعه أبو جهل ورده إلى ~~أمه الحديث في كتاب السيرة، ولا مرية أنها نزلت فيمن كان من المؤمنين بمكة ~~يشقى بجهاد أبويه في شأن الإسلام أو الهجرة فكان القصد بهذه الآية النهي عن ~~طاعة الأبوين في مثل هذا، لعظم الأمر PageV04P307 # وكثرة الخطر فيه مع الله تعالى، ثم إنه لما كان بر الوالدين وطاعتهما من ~~الأمر الذي قررته الشريعة وأكدت فيه وكان من القوي عندهم الملتزم قدم الله ~~تعالى النهي عن طاعتهما، وقوله ووصينا الإنسان بوالديه حسنا على معنى أنا ~~لا نخل ببر الوالدين لكنا لا نسلطه على طاعة الله لا سيما في معنى الإيمان ~~والكفر وقوله: حسنا يحتمل أن ينتصب على المفعول، وفي ذلك تجوز ويسهله كونه ~~عاما لمعان، كما تقول وصيتك خيرا أو وصيتك شرا، عبر بذلك عن جملة ما قلت ~~له، ويحسن ذلك دون حرف جر كون حرف الجر في قوله بوالديه لأن المعنى ووصينا ~~الإنسان بالحسن في فعله، مع والديه، ونظير هذا قول الشاعر: [الرجز] # عجبت من دهماء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا # خيرا بها فكأننا جافونا ويحتمل أن يكون المفعول الثاني في قوله بوالديه ~~وينتصب حسنا بفعل مضمر تقديره يحسن حسنا، وينتصب انتصاب المصدر، والجمهور ~~على ضم الحاء وسكون السين، وقرأ عيسى «حسنا» بفتحهما، وقال الجحدري في ~~الإمام مكتوب «بوالديه إحسانا» قال أبو حاتم يعني «في الأحقاف» ، وقال ~~الثعلبي في مصحف أبي بن كعب «إحسانا» ، ووجوه إعرابه كالذي تقدم في قراءة ~~من قرأ «حسنا» . وقوله تعالى: إلي مرجعكم وعيد في طاعة الوالدين في معنى ~~الكفر، ثم كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين، ليحرك النفوس إلى ~~نيل مراتبهم، وقوله تعالى: لندخلنهم في الصالحين مبالغة على معنى في الذين ~~هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته وإذا تحصل للمؤمنين هذا الحكم تحصل ثمره ~~وجزاؤه وهو الجنة، وقوله تعالى: ومن الناس الآية إلى قوله المنافقين نزلت ms2747 ~~في قوم من المسلمين كانوا بمكة مختفين بإسلامهم، قال ابن عباس: فلما خرج ~~كفار قريش إلى بدر أخرجوا مع أنفسهم طائفة من هؤلاء فأصيب بعضهم فقال ~~المسلمون كانوا أصحابنا وأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم [النساء: 97] ، قال فكتبت لمن بقي بمكة بهذه الآية ~~أي لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة وردوهم إلى مكة ~~فنزلت فيهم هذه الآية، ومن الناس من يقول آمنا بالله الآية، فكتب المسلمون ~~إليهم بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم ثم إن ربك للذين هاجروا ~~من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم [النحل: 110] ~~، فكتب لهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم ~~فنجا من نجا وقتل من قتل، وقال ابن زيد: نزل قوله تعالى: جعل فتنة الناس ~~الآية في منافقين كفروا لما أوذوا، وقوله تعالى: جعل فتنة الناس كعذاب الله ~~أي صعب عليه أذى الناس حين صده وكان حقه أن لا يلتفت إليه وأن يصبر له في ~~جنب نجاته من عذاب الله، ثم أزال تعالى موضع تعلقهم ومغالطتهم أن جاء نصر، ~~ثم قررهم على علم الله تعالى بما في صدورهم أي لو كان يقينا تاما وإسلاما ~~خالصا لما توقفوا ساعة ولركبوا كل هول إلى هجرتهم ودار نبيهم وقوله تعالى: ~~وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين، تفسيره على حد ما تقدم في ~~نظيره، وهنا انتهى المدني في هذه السورة. PageV04P308 # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 12 الى 15] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) ~~فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15) # روي أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة، وقيل بل كانت شائعة من كفار ~~قريش قالوا لأتباع النبي صلى الله ms2748 عليه وسلم ادخلوا في أمرنا وأقروا ~~بآلهتنا واعبدوها معنا ونحن ليقيننا أنه لا بعث بعد الموت ولا رجوع نتضمن ~~لكم حمل خطاياكم فيما دعوناكم إليه إن كان في ذلك درك كما تزعمون، وقولهم ~~ولنحمل إخبار أنهم يحملون خطاياهم على جهة التشبيه بالثقل ولكنهم أخرجوه في ~~صيغة الأمر لأنها أوجب وأشد تأكيدا في نفس السامع من المجازاة وهذا نحو قال ~~الشاعر [مدثار بن شيبان النمري] : # [الوافر] # فقلت ادعي وأدع فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان # ولكونه خبرا حسن تكذيبهم فيه، فأخبر الله عز وجل أن ذلك باطل وأنهم لو ~~فعلوه لم ينحمل عن أحد من هؤلاء المغترين بهم شيء من خطاياه التي تختص به، ~~وقرأ الجمهور «ولنحمل» بجزم اللام، وقرأ عيسى ونوح القاري «ولنحمل» بكسر ~~اللام وقرأ داود بن أبي هند «من خطيهم» بفتح الطاء وكسر الياء وحكى عنه أبو ~~عمرو أنه قرأ «من خطيئاتهم» بكسر الطاء وهمزة وتاء بعد الألف، وقال مجاهد: ~~الحمل هو من الحمالة لا من الحمل على الظهر. # ثم أخبر تعالى عن أولئك الكفرة أنهم يحملون أثقالهم من كفرهم الذي ~~يجترحونه ويتلبسون به، وأثقالا مع أثقالهم يريد ما يلحقهم من إغوائهم ~~لعامتهم وأتباعهم فأنه يلحق كل داع إلى ضلالة كفل منها حسب الحديث المشهور، ~~«أيما داع إلى هدى فاتبع عليه فله مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم ~~شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة» الحديث. # قال القاضي أبو محمد: وهي وإن كانت من أثقالهم فلكونها بسبب غيرهم وعن ~~غير كفر تلبسوه فرق بينها وبين أثقالهم ولم ينسبها إلى غيرهم بل جعلها في ~~رتبة أخرى فقط فهم فيها إنما يزرون بوزر أنفسهم، وقد يترتب حمل أثقال الغير ~~بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه يقتص للمظلوم بأن يعطى من حسنات ~~ظالمه فإن لم يبق للظالم حسنة أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه» ، وقوله ~~تعالى: # وليسئلن، يريد على جهة التوبيخ والتقريع لا على جهة الاستفهام ~~والاستعلام، ويفترون، معناه يختلقون من الكفر ودعوى الصاحبة والولد لله ms2749 ~~تعالى وغير ذلك، وقوله تعالى: ولقد أرسلنا نوحا الآية PageV04P309 # قصة فيها تسلية لمحمد عليه السلام عما تضمنته الآيات قبلها من تعنت قومه ~~وفتنتهم للمؤمنين وغير ذلك، وفيها وعيد لهم بتمثيل أمرهم بأمر قوم نوح، ~~والواو في قوله ولقد عاطفة جملة كلام على جملة، والقسم فيها بعيد، وقوله ~~تعالى: أرسلنا، فلبث، هذا العطف بالفاء يقتضي ظاهره أنه لبث هذه المدة ~~رسولا يدعو، وقد يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته في قومه من لدن ~~مولده إلى غرق قومه، وأما على التأويل الأول فاختلف في سنيه التي بعث ~~عندها، فقيل أربعون، وقيل ثمانون، وقال عون بن أبي شداد: # ثلاثمائة وخمسون، وكذلك يحتمل أن تكون وفاته عليه السلام عند غرق قومه ~~بعد ذلك بيسير. # وقد روي أنه عمر بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين عاما وأنه عاش ألف سنة وستمائة ~~وخمسين سنة، وقوله تعالى: فأخذهم الطوفان يقتضي أنه أخذ قومه فقط، وقد ~~اختلف في ذلك فقالت فرقة: إنما غرق في الطوفان طائفة من الأرض وهي المختصة ~~بقوم نوح، وقالت فرقة: هي الجمهور: إنما غرقت المعمورة كلها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو ظاهر الأمر لاتخاذه السفينة ولبعثه الطير ~~يرتاد زوال الماء ولغير ذلك من الدلائل، وبقي أن يعترض هذا بأن يقال كيف ~~غرق الجميع والرسالة إلى البعض، فالوجه في ذلك أن يقال: إن اختصاص نبي بأمة ~~ليس هو بأن لا يهدي غيرها ولا يدعوها إلى توحيد الله تعالى، وإنما هو بأن ~~لا يؤخذ بقتال غيرها ولا ببث العبادات فيهم، لكن إذا كانت نبوة قائمة هذه ~~المدة الطويلة والناس حولها يعبدون الأوثان ولم يكن الناس يومئذ كثيرا بحكم ~~القرب من آدم فلا محالة أن دعاءه إلى توحيد الله كان قد بلغ الكل فنالهم ~~الغرق لإعراضهم وتماديهم، والطوفان العظيم الطامي، ويقال ذلك لكل طام خرج ~~عن العادة من ماء أو نار أو موت ومنه قول الشاعر: # فجاءهم طوفان موت جارف و «طوفان» وزنه فعلان بناء مبالغة من طاف يطوف إذا ~~عم من كل جهة، ولكنه كثر استعماله ms2750 في الماء خاصة وقوله تعالى: وهم ظالمون، ~~يريد بالشرك، وأصحاب السفينة قد تقدم في غير هذه السورة الاختلاف في عددهم، ~~وهم بنوه وقوم آمنوا معه، والضمير في قوله وجعلناها يحتمل أن يعود على ~~السفينة ويحتمل أن يعود على العقوبة، ويحتمل أن يعود على النجاة، والآية ~~هنا العبرة على قدرة الله تعالى في شدة بطشه، قال قتادة: أبقاها آية على ~~الجودي. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 16 الى 17] # وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون (17) # يجوز أن يكون إبراهيم معطوفا على «نوح» ، ويجوز أن يكون معطوفا على ~~الضمير في «أنجيناه» [العنكبوت: 15] ، ويجوز أن ينصبه فعل تقديره «واذكر ~~إبراهيم» .، وهذه القصة أيضا تمثيل PageV04P310 # لقريش، وكان نمرود وأهل مدينته عبدة أصنام فدعاهم إبراهيم إلى توحيد الله ~~تعالى وعبادته، ثم قرر لهم ما هم عليه من الضلال، وقرأ جمهور الناس، ~~«تخلقون إفكا» ، وقرأ ابن الزبير وفضيل «إفكا» على وزن فعل وهو مصدر كالكذب ~~والضحك ونحوه، واختلف في معنى تخلقون فقال ابن عباس هو نحت الأصنام وخلقها. ~~سماها إفكا توسعا من حيث يفترون بها الإفك في أنها آلهة، وقال مجاهد: هو ~~اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك، وقرأ عبد الرحمن السلمي وعون ~~العقيلي وقتادة وابن أبي ليلى «وتخلقون إفكا» بفتح الخاء وشد اللام وفتحها، ~~و «الإفك» على هذه القراءة الكذب ثم وقفهم على جهة الاحتجاج عليهم بأمر ~~تفهمه عامتهم وخاصتهم وهو أمر الرزق، فقرر أن الأصنام لا ترزق، وأمر ~~بابتغاء الخير عند الله تعالى وخصص الرزق لمكانته من الخلق فهو جزء يدل على ~~جنسه كله، ويقال شكرت لك وشكرتك بمعنى واحد، ثم أخبرهم بالمعاد والحشر ~~إليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 18 الى 20] # وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) ~~أولم ms2751 يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله ~~على كل شيء قدير (20) # في قوله تعالى وإن تكذبوا الآية وعيد، أي قد كذب غيركم وعذب وإنما على ~~الرسول البلاغ، وكل أحد بعد ذلك مأخوذ بعمله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~بخلاف عنه «أو لم تروا» بالتاء، وقرأ الباقون «أو لم يروا» بالياء، الأولى ~~على المخاطبة والثانية على الحكاية عن الغائب. # وقرأ الجمهور «يبدىء» وقرأ عيسى وأبو عمرو بخلاف والزهري «يبدأ» وهذه ~~الإحالة على ما يظهر مع الأحيان من إحياء الأرض والنبات وإعادته ونحو ذلك ~~مما هو دليل على البعث من القبور والحشر، ويحتمل أن يريد أولم يروا ~~بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعد الله الأجسام بعد الموت وهو تأويل قتادة، ~~وقال الربيع ابن أنس: كيف يبدأ خلق الإنسان ثم يعيده إلى أحوال أخر حتى إلى ~~التراب، وقال مقاتل الخلق في هذه الآية الليل والنهار، ثم أمر تعالى نبيه، ~~ويحتمل أن يكون إبراهيم، ويحتمل أن يكون محمدا، إن كان في قصة إبراهيم ~~اعتراض بين كلامين بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج بالسير في الأرض والنظر في ~~كل قطر وفي كل أمة قديما وحديثا، فإن ذلك يوجد أن لا خالق إلا الله تعالى ~~ولا يبتدىء بالخلق سواه، ثم ساق على جهة الخبر أن الله تعالى يعيد وينشىء ~~نشأة القيام من القبور، وقرأت فرقة «النشأة» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~«النشاءة» على وزن الفعالة وهي قراءة الأعرج، وهذا كما تقول رأفة ورافة، ~~وقرأ الباقون «النشأة» على وزن الفعلة، وقرأ الزهري «النشة» بشين مشددة في ~~جميع القرآن، والبعث من القبور يقوم دليل العقل على جوازه وأخبرت الشرائع ~~وقوعه ووجوده. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 21 الى 23] # يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ~~ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا ~~بآيات الله ولقائه أولئك ms2752 يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) PageV04P311 # المعنى ييسر من يشاء لأعمال من حق عليه العذاب وييسر من يشاء لأعمال من ~~سبقت له الرحمة فيتعلق الثواب والعقاب بالاكتساب المقترن بالاختراع الذي ~~لله تعالى في أعمال العبد، ثم أخبر أن إليه المنقلب وأن البشر ليس بمعجز ~~ولا مفلت في الأرض ولا في السماء، ويحتمل أن يريد ب السماء الهواء علوا أي ~~ليس للإنسان حيلة صعد أو نزل حكى نحوه الزهراوي ويحتمل أن يريد السماء ~~المعروفة أي لستم بمعجزين في الأرض ولا ولو كنتم في السماء، وقال ابن زيد ~~معناه ولا من في السماء معجز إن عصى ونظروه على هذا بقول حسان بن ثابت: ~~[الوافر] # أمن يهجو رسول الله منا ... ويمدحه وينصره سواء # والتأويل الأوسط أحسنها. # ونحوه قول الأعشى: [الطويل] # ولو كنت في جب ثمانين قامة ... ولقيت أسباب السماء بسلم # ليعتورنك القول حتى تهزه ... وتعلم أني لست عنك بمحرم # و «الولي» أخص من «النصير، وقرأ يحيى بن الحارث وابن القعقاع «ييسوا» من ~~غير همز، قال قتادة ذم الله تعالى قوما هانوا عليه فقال أولئك يئسوا من ~~رحمتي. # قال القاضي أبو محمد: وما تقدم من قوله تعالى أولم يروا كيف [العنكبوت: ~~19] إلى هذه الآية المستأنفة، يحتمل أن يكون خطابا لمحمد ويكون اعتراضا في ~~قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون خطابا لإبراهيم ومحاورة لقومه، وعند آخر ذلك ~~ذكر جواب قومه. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 24 الى 25] # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) # قرأ الجمهور «جواب» بالنصب، وقرأ الحسن «جواب» بالرفع، وكذلك قرأ سالم ~~الأفطس، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم لما بين إبراهيم الحجج وأوضح أمر الدين ~~رجعوا معه إلى الغلبة والقهر والغشم وعدوا عن طريق الاحتجاج حين لم يكن لهم ~~قبل ms2753 به فتأمروا في قتله أو تحريقه بالنار، وأنفذوا أمر تحريقه حسبما قد ~~اقتص في غير هذا الموضع، «وأنجاه الله» تعالى من نارهم بأن جعلها عليه بردا ~~وسلاما، قال كعب PageV04P312 # الأحبار: ولم تحرق النار إلا الحبل الذي أو ثقوه به، وجعل ذلك آية وعبرة ~~ودليلا على وحدانيته لمن شرح صدره ويسره للإيمان أي هذا الصنف ينتفع بالآية ~~والكفار هي عليهم عمى وإن كانت في نفسها آية للكل، ثم ذكر تعالى أن إبراهيم ~~عليه السلام قررهم على أن اتخاذهم الأوثان والأنصاب إنما كان اتباعا من ~~بعضهم لبعض وحفظا لموداتهم ومحباتهم الدنياوية، وأنهم يوم القيامة يجحد ~~بعضهم بعضا ويتلاعنون لأن توادهم كان على غير تقوى، والأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين، وقرأ عاصم في رواية الأعمش عن أبي بكر عنه «مودة» ~~بالرفع «بينكم» بالنصب وهي قراءة الحسن وأبي حيوة. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي في رواية المفضل «مودة» بترك التنوين ~~والرفع «بينكم» بالخفض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو ~~عمرو في رواية أبي زيد «مودة بينكم» بالتنوين والنصب ونصب «بين» ، وقرأ ~~حمزة «مودة» بالنصب وترك التنوين والإضافة إلى «بين» ، فأما قراءتا الرفع ~~في «مودة» فوجههما أن يكون «ما» بمعنى الذي وفي قوله اتخذتم ضمير عائد على ~~الذي، وهذا الضمير هو مفعول أول ل اتخذتم، وأوثانا مفعول ثان، و «مودة» خبر ~~«إن» في قراءة من نونها، وفي قراءة من لم ينونها ويجوز أن تكون «ما» كافة ~~ولا يكون في قوله اتخذتم ضمير ويكون قوله أوثانا مفعولا لقوله اتخذتم ثم ~~يقتصر عليه، ويقدر الثاني آلهة أو نحوه، كما يقدر قوله تعالى إن الذين ~~اتخذوا العجل [الأعراف: 152] أي إلها سينالهم غضب [الأعراف: 152] ، ويكون ~~قوله «مودة» خبر ابتداء تقديره هو مودة وفي هذه التأويلات مجاز واتساع في ~~تسمية الأوثان «مودة» أو يكون ذلك على حذف مضاف، وأما من نصب مودة فعلى أن ~~«ما» كافة وعلى خلو اتخذتم من الضمير والاقتصار على المفعول الواحد كما ~~تقدم ويكون نصب «المودة» على المفعول من ms2754 أجله، ومن أضاف «المودة» إلى ~~«البين» في القراءتين بالنصب والرفع تجوز في ذلك وأجرى الظرف مجرى الأسماء، ~~ومن نصب «بينكم» في قراءتي الرفع والنصب في «مودة» فكذلك يحتمل أن ينتصب ~~انتصاب الظروف ويكون معلقا ب «مودة» وكذلك في الحياة الدنيا ظرف أيضا متعلق ~~ب «مودة» وهو مصدر عمل في ظرفين من حيث افترقا بالمكان والزمان ولو كانا ~~لواحد منهما لم يجز ذلك، تقول رأيت زيدا أمس في السوق ولا تقول رأيت زيدا ~~أمس البارحة اللهم إلا أن يكون أحد الظرفين جزءا للآخر، رأيت زيدا أمس ~~عشية، ويجوز أن ينتصب «بينكم» على أنه صفة ل «مودة» ، فهنا محذوف مقدر ~~تقديره «مودة» ثابتة «بينكم» ، وفي الظرف ضمير عائد على «مودة» لما حذفت ~~ثابتة استقر الضمير في الظرف نفسه، وقوله في الحياة الدنيا ظرف في موضع ~~الحال من الضمير الكائن في بينكم بعد حذف ثابتة فهذه الحال متعلقة ب «مودة» ~~وجاز تعلقها بها، وهي قد وصفت لأن معنى الفعل فيها، وإن وصفت فلا يمتنع أن ~~يعمل معنى الفعل إلا في المفعول، فأما في الظرف والحال فيعمل، قال مكي: ~~ويجوز أن يكون في الحياة صفة ثابتة ل «مودة» ويكون فيها مقدر مستقرة وفيها ~~ضمير ثان عائد إلى «مودة» فالتقدير على هذا مودة ثابتة بينكم مستقرة في ~~الحياة الدنيا. # قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون قوله «مودة» في قراءة من نصب مفعولا ~~ثانيا لقوله اتخذتم ويكون في ذلك اتساع فتأمله، وفي مصحف أبي بن كعب «مودة ~~بينهم» بالهاء وفي مصحف ابن مسعود «إنما مودة بينكم» . PageV04P313 # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 26 الى 28] # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين (28) # فآمن معناه فصدق وهو فعل يتعدى بالباء وباللام والقائل إني مهاجر هو ~~إبراهيم عليه السلام قاله ms2755 قتادة والنخعي. # وقالت فرقة: هو لوط عليه السلام، ومما صح من القصص أن إبراهيم ولوطا ~~هاجرا من قريتهما كوثا وهي في سواد الكوفة من أرض بابل إلى بلاد الشام ~~فلسطين وغيرها، وقال ابن جريج: إلى حران، ثم أمرا بعد إلى الشام وفي هذه ~~الهجرة كانت سارة في صحبة إبراهيم واعتراهما أمر الملك، والمهاجر، النازع ~~عن الأمر وهو في عرف الشريعة من ترك وطنه رغبة في رضى الله تعالى، وقد ذهب ~~بهذا الاسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح، وقوله العزيز ~~الحكيم مع الهجرة إليه، صفتان بليغتان يقتضي استحقاق التوكل عليه، وفي قوله ~~إلى ربي، حذف مضاف كأنه يقول إلى رضى ربي أو نحو هذا، وإسحاق بن إبراهيم هو ~~الذي بشر به في شيخه، وبشر ب يعقوب من ورائه فهو ولد إسحاق، والكتاب اسم ~~الجنس أي جعل الله تعالى في ذرية إبراهيم جميع الكتب المنزلة التوراة ~~والإنجيل والزبور والقرآن، وعيسى عليه السلام من ذريته، وقوله أجره في ~~الدنيا، يريد في حياته وبحيث أدرك ذلك وسر به، والأجر الذي آتاه الله هو ~~العافية من النار ومن الملك الجائر والعمل الصالح والثناء الحسن قاله ~~مجاهد، وأن كل أمة تتولاه، قاله ابن جريج، والولد الذي قرت به العين بحسب ~~طاعة الله، قاله الحسن ثم أخبر عنه أنه في الآخرة في عداد الصالحين الذين ~~نالوا رضى الله وفازوا برحمته وكرامته العليا، وقوله تعالى ولوطا نصب بفعل ~~مضمر تقديره واذكر لوطا، والفاحشة إتيان الرجال في الأدبار وهي معصية ~~ابتدعها قوم لوط. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 29 الى 31] # أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) قال رب ~~انصرني على القوم المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا ~~مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) # تقدم القول في القرآن في أإنكم، واختلف الناس في قطع السبيل المشار إليه ~~هاهنا، فقالت فرقة: PageV04P314 # كان قطع الطريق بالسلب ms2756 فاشيا فيهم، وقال ابن زيد: كانوا يقطعون الطرق على ~~الناس لطلب الفاحشة فكانوا يخيفون، وقالت فرقة: بل أراد قطع سبيل النسل في ~~ترك النساء وإتيان الرجال، وقالت فرقة: أراد أنهم لقبح الأحدوثة عنهم ~~يقطعون سبل الناس عن قصدهم في التجارات وغيرها، و «النادي» المجلس الذي ~~يجتمع فيه الناس وهو اسم جنس لأن الأندية في المدن كثيرة فكأنه قال وتأتون ~~في اجتماعكم حيث اجتمعتم. # واختلف الناس في المنكر، فقالت فرقة كانوا يحذفون الناس بالحصباء ~~ويستخفون بالغريب والخاطر عليهم وروته أم هاني عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكانت حلقهم مهملة لا يربطهم دين ولا مروءة، وقال مجاهد ومنصور: كانوا ~~يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضا، وقال القاسم بن محمد: # منكرهم أنهم كانوا يتفاعلون في مجالسهم، ذكره الزهراوي، وقال ابن عباس ~~كانوا يتضارطون ويتصافعون في مجالسهم، وقال مجاهد أيضا: كان أمرهم لعب ~~الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والحذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم ~~وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالتناهي ~~واجب، فلما وقفهم لوط على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب واللجاج فقالوا ~~ائتنا بالعذاب، أي أن ذلك لا يكون ولا تقدر عليه، وهم لم يقولوا هذا إلا ~~وهم مصممون على اعتقاد كذبه، وليس يصح في الفطرة أن يكون معاند يقول هذا، ~~ثم استنصر لوط عليه السلام ربه عليهم، فبعث ملائكة لعذابهم ورجمهم بالحاصب ~~فجاؤوا إبراهيم أولا مبشرين بإسحاق ومبشرين بنصرة لوط على قومه، وكان ~~لقاؤهم لإبراهيم على الصورة التي بينت في غير هذه الآية، فلفظة «البشرى» في ~~هذه الآية تتضمن أمر إسحاق ونصرة لوط، ولما أخبره بإهلاك القرية على ظلمهم ~~أشفق إبراهيم على لوط فعارضهم بأمره حسبما يأتي. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 32 الى 35] # قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت ~~من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا ~~تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت ms2757 من الغابرين (33) إنا منزلون ~~على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها ~~آية بينة لقوم يعقلون (35) # روي عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام لما علم من قبل الملائكة أن قرية ~~لوط تعذب أشفق على المؤمنين فجادل الملائكة وقال لهم: أرأيتم إن كان فيهم ~~مائة بيت من المؤمنين أتتركونهم، قالوا ليس فيهم ذلك، فجعل ينحدر حتى انتهى ~~إلى عشرة أبيات، فقال له الملائكة ليس فيهم عشرة ولا خمسة ولا ثلاثة ولا ~~اثنان، فحينئذ قال إبراهيم إن فيها لوطا فراجعوه حينئذ بأنا نحن أعلم بمن ~~فيها أي لا تخف أن يقع حيف على مؤمن، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ~~«لننجينه» بفتح النون الوسطى وشد الجيم و «منجوك» بفتح النون وشد الجيم. PageV04P315 # وقرأ حمزة والكسائي «لننجينه» بسكون النون وتخفيف الجيم، «ومنجوك» ، ~~بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «لننجينه» ~~بالتشديد و «منجوك» بالتخفيف، وقرأت فرقة «لننجينه» بسكون النون الأخيرة من ~~الكلمة وهذا إنما يجيء على أنه خفف النون المشددة وهو يريدها، وامرأة لوط ~~هذه كانت كافرة تعين عليه وتنبه على أضيافه، و «الغابر» الباقي ومعناه من ~~الغابرين في العذاب، وقالت فرقة من الغابرين أي ممن عمر وبقي من الناس وعسا ~~في كفره، والضمير في بهم في الموضعين عائد على الأضياف الرسل، وذلك من ~~تخوفه لقومه عليهم فلما أخبروه بما هم فيه فرج عنه، وقرأ عامة القراء «سيء» ~~بكسر السين، وقرأ عيسى وطلحة بضمها، و «الرجز» ، العذاب، وقوله: بما كانوا ~~يفسقون، أي عذابهم بسبب فسقهم، وكذلك كل أمة عذبها الله، فإنما عذبها على ~~الفسوق والمعصية لكن بأن يقترن ذلك بالكفر الذي يوجب عذاب الآخرة، وقرأ أبو ~~حيوة والأعمش «يفسقون» بكسر السين، وقوله تعالى: ولقد تركنا منها أي من ~~خبرها وما بقي من أثرها، ف «من» لابتداء الغاية ويصح أن تكون للتبعيض على ~~أن يريد ما ترك من بقايا بناء القرية ومنظرها، و «الآية» موضع العبرة ~~وعلامة القدرة ومزدجر النفوس عن الوقوع في ms2758 سخط الله تعالى، وقرأ جمهور ~~القراء «منزلون» بتخفيف الزاي، وقرأ ابن عامر «منزلون» بشد الزاي وهي قراءة ~~الحسن وعاصم بخلاف عنهما، وقرأ الأعمش «إنا مرسلون» بدل منزلون، وقرأ ابن ~~محيصن «رجزا» بضم الراء. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 36 الى 38] # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) # نصب شعيبا بفعل مضمر يحسن مع إلى تقديره بعثنا أو أرسلنا، فأمر شعيب ~~بعبادة الله تعالى والإيمان بالبعث واليوم الآخر ومع الإيمان به يصح رجاؤه، ~~وذهب أبو عبيدة إلى أن المعنى وخافوا، وتعثوا، معناه تفسدون، يقال عثا يعثو ~~وعث يعث وعاث يعيث وعثى يعثي إذا فسد، وأهل مدين قوم شعيب هذا على أنها اسم ~~البلدة، وقيل مدين اسم القبيلة وأصحاب الأيكة وغيرهم، وقيل هم بعضهم ومنهم ~~وذلك أن معصيتهم في أمر الموازين والمكاييل كانت واحدة. # والرجفة ميد الأرض بهم وزلزلتها عليهم وتداعيها بهم وذلك نحو من الخسف، ~~ومنه الإرجاف بالأخبار، و «الجثوم» في هذا الموضع تشبيه، أي كان همودهم على ~~الأرض كالجثوم الذي هو للطائر والحيوان، ومنه قول لبيد: [الكامل] # فغدوت في غلس الظلام وطيره ... غلب على خضل العضاة جثوم PageV04P316 # وقوله وعادا منصوب بفعل مضمر تقديره واذكر عادا، وقيل هو معطوف على ~~الضمير في قوله فأخذتهم، وقال الكسائي هو معطوف على قوله ولقد فتنا الذين ~~من قبلهم [العنكبوت: 3] ، وقرأ، «وثمودا» عاصم وأبو عمرو وابن وثاب، وقرأ ~~«وثمود» بغير تنوين أبو جعفر وشيبة والحسن، وقرأ ابن وثاب «وعاد وثمود» ~~بالخفض والتنوين، ثم دل عز وجل على ما يعطي العبرة في بقايا مساكنهم ورسوم ~~منازلهم ودثور آثارهم، وقرأ الأعمش «تبين لكم مساكنهم» دون «من» ، وقوله ~~تعالى: وزين لهم عطف جملة من الكلام على جملة، والسبيل، هي طريق الإيمان ~~بالله ورسله، ومنهج النجاة من النار، وقوله، مستبصرين، قال ابن عباس ومجاهد ms2759 ~~والضحاك معناه لهم بصيرة في كفرهم وإعجاب به وإصرار عليه فذمهم بذلك، وقيل ~~لهم بصيرة في أن الرسالة والآيات حق لكنهم كانوا مع ذلك يكفرون عنادا ~~ويردهم الضلال إلى مجاهله ومتالفه، فيجري هذا مجرى قوله تعالى في غيرهم ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [النمل: 14] ، وتزيين الشيطان هو بالوسواس ~~ومناجاة ضمائر الناس، وتزيين الله تعالى الشيء هو بالاختراع وخلق محبته ~~والتلبس به في نفس العبد. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 39 الى 40] # وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما ~~كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من ~~أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) # نصب قارون إما بفعل مضمر تقديره اذكر وإما بالعطف على ما تقدم، وقارون من ~~بني إسرائيل وهو الذي تقدمت قصته في الكنوز وفي البغي على موسى بن عمران ~~عليه السلام، وفرعون مشهور، وهامان وزيره، وهو من القبط، و «البينات» ~~المعجزات والآيات الواضحة، وسابقين، معناه مفلتبن من أخذنا وعقابنا، وقيل ~~معناه سابقين أولياءنا، وقيل معناه ما كانوا سابقين الأمم إلى الكفر، أي قد ~~كانت تلك عادة أمم مع رسل، والذين أرسل عليهم الحاصب قال ابن عباس: هم قوم ~~لوط. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يدخل قوم عاد في «الحاصب» لأن تلك ~~الريح لا بد أنها كانت تحصبهم بأمور مؤذية، و «الحاصب» هو العارض من ريح أو ~~سحاب إذا رمى بشيء، ومنه قول الأخطل: # [الكامل] # ترمي العضاة بحاصب من ثلجها ... حتى يبيت على العضاة جفالا # ومنه قول الفرزدق: [البسيط] # مستقبلين شمال الشام تضربهم ... بحاصب كنديف القطن منثور PageV04P317 # والذين أخذتهم الصيحة قوم ثمود، قاله ابن عباس وقال قتادة: هم قوم شعيب، ~~و «الخسف» كان بقارون، قاله ابن عباس. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يكون أصحاب الرجفة في هذا النوع من ~~العذاب، والغرق كان في قوم نوح، وبه فسر ابن عباس وفي فرعون وحزبه، وبه فسر ~~قتادة، وظلمهم أنفسهم ms2760 كان بالكفر ووضع العبادة في غير موضعها وقدم المفعول ~~على يظلمون للاهتمام وهذا نحو إياك نعبد [الفاتحة: 5] وغيره، وحكى الطبري ~~عن قتادة أن رجفة قوم شعيب كان صيحة أرجفتهم على هذا مع ثمود. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 41 الى 43] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون (43) # شبه تعالى الكفار في عبادتهم الأصنام وبنائهم جميع أمورهم على ذلك ب ~~العنكبوت التي تبني وتجتهد وأمرها كلها ضعيف متى مسته أدنى هابة أذهبته ~~فكذلك أمر أولئك وسعيهم مضمحل لا قوة له ولا معتمد، ومن حديث ذكره النقاش ~~«العنكبوت شيطان مسخه الله تعالى فاقتلوه» ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال: «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه يورث الفقر» ، وقوله لو كانوا ~~يعلمون، أي يعلمون أن هذا مثلهم وأن حالهم ونسبتهم من الحق هذه الحال، ~~وقوله إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء. # قرأ أبو عمرو وسلام «يعلم ما» بالإدغام، وقرأ عامة القراء بالفك، وقرأ ~~الجمهور «تدعون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وعاصم بخلاف «يدعون» بالياء ~~من تحت على الغيبة، فأما موضع ما من الإعراب فقيل معناه أن الله يعلم الذين ~~يدعون من دونه من جميع الأشياء أن حالهم هذه وأنهم لا قدرة لهم، وقيل قوله ~~إن الله يعلم إخبار تام، وقوله وهو العزيز الحكيم متصل به، واعترض بين ~~الكلامين ما يدعون من دونه من شيء، وذلك على هذا النحو من النظر يحتمل ~~معنيين أحدهما أن تكون ما نافية أي لستم تدعون شيئا له بال ولا قدر ولا ~~خلاق فيصلح أن يسمى شيئا وفي هذا تعليق يعلم وفيه نظر، الثاني أن تكون ما ~~استفهاما كأنه قرر على جهة التوبيخ على هذا المعبود من جميع الأشياء ما هو ~~إذ لم يكن الله تعالى أي ليس ms2761 لهم على هذا التقرير جواب مقنع البتة، ف من ~~على القول الأول والثالث للتبعيض المجرد، وعلى القول الوسط هي زائدة في ~~الجحد ومعناها التأكيد، وقال أبو علي ما استفهام نصب ب يدعون ولا يجوز ~~نصبها ب يعلم، والتقدير أن الله يعلم أوثانا تدعون من دونه أو غيره لا يخفى ~~ذلك عليه، وقوله وتلك الأمثال إشارة إلى هذا المثل ونحوه، ونضربها مأخوذ من ~~الضرب PageV04P318 # أي النوع كما تقول هذان من ضرب واحد وهذا ضريب هذا أي قرينه وشبهه، فكأن ~~ضرب المثل هو أن يجعل للأمر الممثل ضريب، وباقي الآية بين. وقرأت فرقة ~~«يدعون» بالياء من تحت، وقرأت فرقة «تدعون» بالتاء على المخاطبة، وقال ~~جابر: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إلا العالمون: «العالم من عقل ~~عن الله فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته» . # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 44 الى 45] # خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) # نبه في ذكر خلق السماوات والأرض على أمر يوقع الذهن على صغر قدر الأوثان ~~وكل معبود من دون الله، وقوله تعالى: بالحق أي بالواجب النير لا للعبث ~~واللعب، بل ليدل على سلطانه ويثبت شرائعه ويضع الدلالات لأهلها ويعم ~~بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عدا، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام ~~بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أوحي إليه، وإقامة الصلاة أي إدامتها ~~والقيام بحدودها ثم أخبر حكما منه إن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن ~~الفحشاء والمنكر. # قال الفقيه الإمام القاضي: وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من ~~الخشوع والإخبات وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة، وأن قلبه ~~وإخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى ~~فاطرد ذلك في أقواله وأعماله وانتهى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكد يفتر من ~~ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا ms2762 معنى هذا الإخبار لأن ~~صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى ~~الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى وحق ~~لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. # قال الفقيه الإمام القاضي: فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ~~ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل فتلك ~~تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله ~~تركته الصلاة يتمادى على بعده وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود ~~وابن عباس والحسن والأعمش قولهم «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم ~~تزده من الله إلا بعدا» . وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذلك غير صحيح السند، سمعت أبي رضي الله عنه يقوله فإذا قررناه ونظرنا ~~معناه فغير جائز أن نقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها ~~معصية، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله تعالى بل تتركه ~~في حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر تبعده، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك ~~البعد الذي كان بسبيله، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله تعالى، وقيل ~~لابن مسعود إن فلانا كثير الصلاة، فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها، وقرأ ~~الربيع بن أنس «إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر» ، وقال ~~ابن عمر الصلاة هاهنا PageV04P319 # القرآن، وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي: إن الصلاة تنهى ما ~~دمت فيها. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه عجمة وأنى هذا مما روى أنس بن مالك قال: ~~كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئا من ~~الفواحش والسرقة إلا ركبه، فقيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «إن ~~صلاته ستنهاه» ، فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ألم أقل لكم» ms2763 ؟ وقوله تعالى: ولذكر الله أكبر قال ابن عباس وأبو ~~الدرداء وسلمان وابن مسعود وأبو قرة: معناه، ولذكر الله إياكم أكبر من ~~ذكركم إياه، وقيل معناه ولذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن ~~الفحشاء والمنكر، قال ابن زيد وقتادة معناه ولذكر الله أكبر من كل شيء، ~~وقيل لسلمان أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن ولذكر الله أكبر. ومنه ~~حديث الموطأ عن أبي الدرداء «ألا أخبركم بخير أعمالكم؟» الحديث، وقيل معناه ~~ولذكر الله كبير كأنه يحض عليه في هذين التأويلين الأخيرين. # قال الفقيه الإمام القاضي: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق ~~أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر. # فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة لأن ~~الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر مراقب، وثواب ذلك الذكر أن يذكره الله تعالى ~~كما في الحديث «ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه» ، والحركات التي في ~~الصلاة لا تأثير لها في نهي، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب ~~وتفرغه إلا من الله تعالى، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى، وذكر ~~الله تعالى العبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ~~ربه، قال الله عز وجل فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] ، وباقي الآية ضرب من ~~التوعد والحث على المراقبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : آية 46] # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) # قرأ الجمهور «إلا» على الاستثناء، وقرأ ابن عباس «ألا» بفتح الهمزة ~~وتخفيف اللام، واختلف المفسرون في المراد بهذه الآية، فقال ابن زيد: معناها ~~«لا تجادلوا» من آمن بمحمد من أهل الكتاب فكأنه قال أهل الكتاب المؤمنين ~~إلا بالتي هي أحسن أي الموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك، ~~وقوله تعالى على هذا التأويل إلا الذين ظلموا يريد به من بقي على كفره ~~منهم، كمن كفر وغدر من ms2764 قريظة والنضير وغيرهم، والآية على هذا محكمة غير ~~منسوخة، وقال مجاهد: المراد ب أهل الكتاب اليهود والنصارى الباقون على ~~دينهم أمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم إلا بالتي هي أحسن من الدعاء ~~إلى الله تعالى والتنبيه على آياته، وأن يزال معهم عن طريق الإغلاظ ~~والمخاشنة، وقوله على هذا التأويل إلا الذين ظلموا معناه ظلموكم وإلا فكلهم ~~ظلمة على الإطلاق يراد بهم من لم يؤد جزية PageV04P320 # الحرب، ومن قال وصرح بأن لله ولدا أو له شريك أو يده مغلولة، فالآية على ~~هذا منسوخة في مهادنة من لم يحارب، قال قتادة هي منسوخة بقول الله تعالى ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29] . # قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يتوجه في معنى الآية إنما يتضح مع معرفة ~~الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ~~ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك، وكانت اليهود ~~بمكة وفيما جاورها فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر ~~الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجة إلا بالحسنى ~~دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، ~~وإما بقول، وإما بإذاية محمد صلى الله عليه وسلم، وإما بإعلان كفر فاحش ~~كقول بعضهم عزير ابن الله ونحو هذا، فإن هذه الصنيفة استثني لأهل الإسلام ~~مقارضتها بالتغيير عليها والخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بعد ~~بآية القتال والجزية وهذا قول قتادة وقوله تعالى: وقولوا آمنا الآية، قال ~~أبو هريرة كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية فيفسرونها بالعربية ~~للمسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ~~ونحن له مسلمون. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق ~~وإما أن تصدقوا بباطل» . # قوله عز ms2765 وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 47 الى 49] # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) # تقدم في الآية التي قبل هذه ما يتضمن نزول شرع وكتاب من عند الله على ~~أنبياء قبل محمد عليه السلام فحسن لذلك عطف كذلك أنزلنا على ما في المضمر، ~~أي وكما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا إليك، والكتاب القرآن، وقوله فالذين ~~آتيناهم الكتاب يريد التوراة والإنجيل، أي فالذين كانوا في عصر نزول الكتاب ~~وأوتوه حينئذ يؤمنون به أي كانوا مصدقين بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، ~~فالضمير في به عائد على القرآن، ثم أخبر عن معاصري محمد صلى الله عليه وسلم ~~أن منهم أيضا من يؤمن به ولم يكونوا آمنوا بعد، ففي هذا إخبار بغيب بينه ~~الوجود بعد ذلك، ثم أنحى على الجاحدين من أمة قد آمن سلفها في القديم ~~وبعضها في الحديث، وحصل الجاحدون في أخس رتبة من الضلال، ويشبه أن يراد ~~أيضا في هذا الإنحاء كفار قريش مع كفار بني إسرائيل، ثم بين تعالى الحجة ~~على «المبطلين» المرتابين ما وضح أن مما يقوي نزول هذا القرآن من عند الله ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء به في غاية الإعجاز والطول والتضمن للغيوب ~~وغير ذلك وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتابا ولا يخط حرفا ولا سبيل ~~له PageV04P321 # إلى العلم، فإنه لو كان ممن يقرأ لارتاب المبطلون وكان لهم في ارتيابهم ~~متعلق، وأما ارتيابهم مع وضوح هذه الحجة فظاهر فساده، وقال مجاهد: كان أهل ~~الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا لا يخط ولا يقرأ كتابا فنزلت هذه الآية، ~~وذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى كتب وأسند أيضا حديثا إلى أبي كبشة السلولي ms2766 مضمنه أنه عليه ~~السلام قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه، ~~وقوله تعالى: بل هو آيات بينات إضراب عن مقدر من الكلام يقتضيه ما تقدم ~~كأنه قال: ليس الأمر كما حسبوا بل هو وهذا الضمير يحتمل أن يعود على ~~القرآن، ويؤيده أن في قراءة ابن مسعود «بل هي آيات» ، ويحتمل أن يعود على ~~محمد صلى الله عليه وسلم ويؤيده أن قتادة قرأ «بل هو آية بينة» على ~~الإفراد، وقال: المراد النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يعود على أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم في أنه لم يتل ولا خط، وبكل احتمال قالت فرقة، ~~وكون هذا كله آيات أي علامات في صدور العلماء من المؤمنين بمحمد، يراد به ~~مع النظر والاعتبار. والظالمون والمبطلون، قيل يعم لفظهما كل مكذب بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم، قاله ~~مجاهد، وقال قتادة: المبطلون اليهود. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 50 الى 52] # وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا ~~نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في ~~السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) # الضمير في قالوا لقريش ولبعض اليهود، لأنهم كانوا يعلمون قريشا مثل هذه ~~الحجة يقولون: لم لا يأتيكم بمثل ما جاء به موسى من العصا وغيرها، وقرأ ابن ~~كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وعلي بن نضر عن أبي عمرو «آية من ~~ربه» ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم «آيات من ربه» ، فأمر ~~الله تعالى نبيه أن يعلم أن هذا الأمر بيد الله عز وجل ولا يستنزله ~~الاقتراح ولا التمني وأنه بعث نذيرا ولم يؤمر بغير ذلك، وفي مصحف أبي بن ~~كعب «قالوا لو ما يأتينا بآيات من ms2767 ربه قل إنما الآيات» ، ثم احتج عليهم في ~~طلبهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات ومعجز للجن والإنس فقال: أولم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب، ثم قرر ما فيه من «الرحمة والذكرى» ~~للمؤمنين، فقوله أولم يكفهم، جواب لمن قال لولا أنزل، وحكى الطبري أن هذه ~~الآية نزلت بسبب قوم من المؤمنين كتبوا عن اليهود بطائق أخبروهم بشيء من ~~التوراة فكتبوه، فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «كفى بها ~~ضلالة قوم أن رغبوا عما آتاهم به نبيهم إلى ما أتى به غيره» ، ونزلت الآية ~~بسببه. PageV04P322 # قال الفقيه الإمام القاضي: والتأويل الأول أجرى مع نسق الآيات، ثم أمر ~~تعالى نبيه بالإسناد إلى أمر الله تعالى وأن يجعله حسبه شهيدا وحاكما بينه ~~وبينهم بعلمه وتحصيله جميع أمورهم، وقوله بالباطل، يريد بالأصنام والأوثان ~~وما يتبع أمرها من المعتقدات، والباطل، هو أن يفعل فعل يراد به أمر ما، ~~وذلك الأمر لا يكون عن ذلك الفعل، والأصنام أريد بأمرها الأكمل والأنجح في ~~زعم عبادها وليس الأكمل والأنجح إلا رفضها فهي إذا باطل، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 53 الى 55] # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) # قوله ويستعجلونك بالعذاب يراد به كفار قريش في قولهم ائتنا بما تعدنا، ~~وغير ذلك من استدعائهم على جهة التعجيز والتكذيب عذاب الله الذي يتوعدهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم به، ثم أخبر تعالى أنه يأتيهم بغتة أي فجأة وهذا ~~هو عذاب الدنيا وهو الذي ظهر يوم بدر في السنين السبع. # ثم ذكر تعالى أن تأخره إنما هو حسب الأجل المقدور السابق، وقال المفسرون ~~عن الضحاك: أن «الأجل المسمى» في هذه الآية الآجال.. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف يرده النظر، والآجال لا محالة أجل ~~مسمى ولكن ليس هذا موضعها، ثم توعدهم تبارك وتعالى بعد عذاب الآخرة في ms2768 قوله ~~يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، كرر فعلهم وقبحه، وأخبر أن ~~وراءهم إحاطة جهنم بهم وقال عكرمة فيما حكى الطبري إن جهنم هاهنا أراد بها ~~البحر. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقوله تعالى: يوم يغشاهم ظرف يعمل ~~فيه قوله «محيطة» ، ويغشاهم معناه يغطيهم من كل جهة من جهاتهم، وقرأ نافع ~~وعاصم وحمزة والكسائي «ويقول» أي ويقول الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر «ونقول» بالنون، فإما أن تكون نون العظمة أو نون جماعة الملائكة، وقرأ ~~ابن مسعود «ويقال» بياء وألف وهي قراءة ابن أبي عبلة، وقوله تعالى: ذوقوا ~~توبيخ، وتشبيه مس العذاب بالذوق، ومنه قوله ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~[الدخان: 49] ، ومنه قول أبي سفيان: ذق عقق ونحو هذا كثير، وقوله تعالى: ما ~~كنتم تعملون أي بما في أعمالكم من اكتسابكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 56 الى 59] # يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة ~~الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من ~~الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) PageV04P323 # هذه الآيات نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة، فأخبرهم ~~تعالى بسعة أرضه وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب، بل الصواب ~~أن تلتمس عبادة الله في أرضه، وقال ابن جبير وعطاء ومجاهد: إن الأرض التي ~~فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق، ~~وقاله مالك، وقال مطرف بن الشخير قوله إن أرضي واسعة # عدة بسعة الرزق في جميع الأرض، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر «يا ~~عبادي» بفتح الياء، وقرأ ابن عامر وحده «إن أرضي» بفتح الياء أيضا، وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكونها، وكذلك قرأ نافع وعاصم «أرضي» ساكنة، ~~وقوله تعالى: # فإياي # منصوب بفعل مقدر يدل عليه الظاهر تقديره فإياي # اعبدوا فاعبدون # على الاهتمام أيضا في التقديم، وقوله تعالى: كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون تحقير لأمر ms2769 الدنيا ومخاوفها كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في ~~خروجه من وطنه أنه يموت أو يجوع ونحو هذا، فحقر الله تعالى شأن الدنيا، أي ~~أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله عز وجل والهجرة ~~إليه أولى ما يمتثل، وقرأ الجمهور «ترجعون» بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم ~~بالياء من تحت وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، وقرأ أبو حيوة «كل نفس ذائقة» ~~بالتنوين «الموت» بالنصب، ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضا منه ~~تعالى، وذكر الجزاء الذي ينالونه، وقرأ جمهور القراء «لنبوئنهم» من المباءة ~~أي لننزلنهم ولنمكننهم ليدوموا فيها، وغرفا مفعول ثان لأنه فعل يتعدى إلى ~~مفعولين، وقرأ حمزة والكسائي «لنثوينهم» من أثوى يثوي وهو معدى ثوى بمعنى ~~أقام وهي قراءة على بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود والربيع بن خيثم ~~وابن وثاب وطلحة، وقرأها بعضهم «لنثوينهم» بفتح الثاء وتشديد الواو معدى ~~بالتضعيف لا بالهمزة، فقوله غرفا نصب بإسقاط حرف الجر التقدير في غرف، وقرأ ~~يعقوب «لنبوينهم» بالياء من تحت، وروي عن ابن عامر «غرفا» بضم الغين ~~والراء، ثم وصفهم تعالى بالصبر والتوكل وهاتان جماع الخير كله أي الصبر على ~~الطاعات وعن الشهوات. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 60 الى 63] # وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء ~~عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) # كأين بمعنى كم، وهذه الآية أيضا تحريض على الهجرة لأن بعض المؤمنين فكر ~~في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة وقالوا غربة في بلد لا دار لنا فيه ~~ولا عقار ولا من يطعم فمثل لهم بأكثر الدواب التي تتقوت ولا تدخر ولا تروي ~~في رزقها، المعنى فهو يرزقكم أنتم، ففضلوا طاعته ms2770 على كل PageV04P324 # شيء، وقوله تعالى: لا تحمل يجوز أن يريد من الحمل أي لا تستقل ولا تنظر ~~في ادخار، وقاله ابن مجلز ومجاهد وعلي بن الأقمر. # قال الفقيه الإمام القاضي: والادخار ليس من خلق الموقنين، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لابن عمر: «كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ~~يخبئون رزق سنة بضعف اليقين» ، ويجوز أن يريد من الحمالة أي لا تتكفل ~~لنفسها ولا تروي فيه، ثم خاطبه تعالى بأمر الكفار وإقامة الحجة عليهم بأنهم ~~إن سئلوا عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة لم يكن لهم إلا التسليم ~~بأنها لله تعالى، ويؤفكون معناه يصرفون، ونبه تعالى على خلق السماوات وخلق ~~الأرض وتسخير الكواكب وذكر عظمها فاقتضى ذلك ما دونه، ثم نبه على «بسط ~~الرزق» وقدره لقوم، وإنزال المطر من السماء، وهذه عبر كفيلة لمن تأمل ~~بالنجاة والمعتقد الأقوم، ثم أمر تعالى نبيه بحمده على جهة التوبيخ لعقولهم ~~وحكم عليهم بأن أكثرهم لا يعقلون ولا يتسدد منهم نظر. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 64 الى 67] # وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) # وصف الله تعالى الدنيا في هذه الآية بأنها لهو ولعب أي ما كان منها لغير ~~وجه الله تعالى، فأما ما كان لله فهو من الآخرة، وأما أمور الدنيا التي هي ~~زائدة على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات فإنما هو لهو ~~ولعب، وتأمل ذلك في المطاعم والملابس والأقوال والمكتسبات وغير ذلك، وانظر ~~أن حالة الغني والفقير في الأمور الضرورية واحدة كالتنفس في الهواء وسد ~~الجوع وستر العورة وتوقي الحر والبرد وهذه عظم أمر العيش، والحيوان والحياة ~~بمعنى واحد، وهو عند الخليل وسيبويه مصدر كالهيمان ونحوه، ms2771 والمعنى لا موت ~~فيها قاله مجاهد وهو حسن، ويقال أصله حييان فبدلت إحداهما واوا لاجتماع ~~المثلين، ثم وقفهم تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم، فإن كل بشر ~~ينسى كل صنم وغيره ويتمسك بالدعاء والرغبة إلى الله تعالى، وقوله إذا هم ~~يشركون أي يرجعون إلى ذكر أصنامهم، وتعظيمها، وقوله ليكفروا نصب بلام كي، ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «وليتمتعوا» بكسر اللام، وقرأ ابن ~~كثير وحمزة والكسائي «وليتمتعوا» بسكون اللام على صيغة الأمر التي هي ~~للوعيد والتهديد، والواو على هذا عاطفة جملة كلام، لا عاطفة فعل على فعل ~~وفي مصحف أبي بن كعب «فتمتعوا فسوف تعلمون» ، وفي قراءة ابن مسعود «لسوف ~~تعلمون» باللام، ثم عدد تعالى على كفار قريش نعمته عليهم في الحرم في أنه ~~جعله لهم آمنا لا خوف فيه من أحوال العرب وغارتهم وسوء أفعالهم من القتل ~~وأخذ الأموال ونحوه، وذلك هو «التخطف» الذي كان الناس بسبيله، ثم قررهم على ~~جهة التوبيخ PageV04P325 # على إيمانهم بالباطل وكفرهم بالله وبنعمته، وقرأ جمهور القراء «يؤمنون» ~~بالياء من تحت وكذلك «يكفرون» ، وقرأهما بالتاء من فوق الحسن وأبو عبد ~~الرحمن. # قوله عز وجل: ### || [سورة العنكبوت (29) : الآيات 68 الى 69] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين (69) # قررهم عز وجل على حال من افترى على الله كذبا أو كذب بآياته، وهذه كانت ~~حالهم وأعلمهم أنه لا أحد أظلم منهم، وهذا في ضمنه وعيد شديد، ثم بين ~~الوعيد أيضا بالتقرير على أمر جهنم، و «المثوى» موضع الإقامة، وألفاظ هذه ~~الآيات في غاية الاقتضاب والإيجاز وجمع المعاني، ثم ذكر تعالى حال أوليائه ~~والمجاهدين فيه، وقرر ذلك بذكر الكفرة والظلمة ليبين تباين الحالتين، وقوله ~~فينا، معناه في مرضاتنا وبغية ثوابنا. قال السدي وغيره: نزلت هذه الآية قبل ~~فرض القتال. # قال الفقيه الإمام القاضي: فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عام في ~~دين الله وطلب مرضاته، قال ms2772 الحسن بن أبي الحسن: الآية في العباد، وقال عياش ~~وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعلمون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ~~عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم» ، ونزع بعض العلماء بقوله تعالى: واتقوا ~~الله ويعلمكم الله [البقرة: 282] ، وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا ~~عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، وقال أبو سليمان الداراني: ~~ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على ~~المبطلين وقمع الظالمين، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه ~~مجاهدة النفوس في طاعة الله عز وجل وهو الجهاد الأكبر، قاله الحسن وغيره ~~وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد ~~الأكبر» ، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا ~~فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله يقول والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا، وقال الضحاك: معنى الآية والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل ~~الثبوت على الإيمان، و «السبل» هاهنا يحتمل أن تكون طرق الجنة ومسالكها، ~~ويحتمل أن تكون سبل الأعمال المؤدية إلى الجنة والعقائد النيرة، قال يوسف ~~بن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال وحب التزيد والتفهيم، وهذا هو أن ~~يجازى العبد على حسنة بازدياد حسنة وبعلم يقتدح من علم متقدم وهي حال من ~~رضي الله عنه، وباقي الآية وعد، و «مع» تحتمل أن تكون هنا اسما ولذلك دخلت ~~عليها لام التأكيد، ويحتمل أن تكون حرفا ودخلت اللام لما فيها من معنى ~~الاستقرار كما دخلت في «إن زيدا لفي الدار» . # كمل تفسير سورة العنكبوت والحمد لله رب العالمين PageV04P326 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الروم # هذه السورة مكية. ولا خلاف أحفظه في ذلك. # قوله عز وجل: ### || سورة الروم (30) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) # بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد ms2773 الله لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) # تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما فيه كفاية، وقرأ الجمهور ~~«غلبت» بضم الغين وقالوا معنى الآية أنه طرأ بمكة أن الملك كسرى هزم جيش ~~ملك الروم قال مجاهد: في الجزيرة وهو موضع بين العراق والشام، وقال عكرمة: ~~وهي بين بلاد العرب والشام، وقال مقاتل: بالأردن وفلسطين، فلما طرأ ذلك سر ~~الكفار فبشر الله عباده بأن الروم سيغلبون في بضع سنين وتكون الدولة لهم في ~~الحرب، وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة وعبد الله بن ~~عمر «غلبت» الروم بفتح الغين واللام، وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما ~~كان أن الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر المسلمون فبشر الله تعالى ~~عباده بأنهم سيغلبون أيضا في بضع سنين، ذكر هذا التأويل أبو حاتم، والرواية ~~الأولى والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيغلبون» أنه بفتح الياء ~~يريد به الروم، وروي عن ابن عمرو أنه قرأ أيضا «سيغلبون» بضم الياء، وفي ~~هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به، وأدنى الأرض معناه أقرب ~~الأرض، فإن كانت الوقعة في أذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة وهي ~~التي ذكر امرؤ القيس في قوله: [الطويل] # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال # وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت ~~بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم، قال أبو حاتم: وقرىء «أداني الأرض» ، وقرأ ~~جمهور الناس «غلبهم» بفتح اللام كما يقال أحلب حلبا لك شطره، وقرأ ابن عمر ~~بسكونها وهما مصدران بمعنى واحد وأضيف إلى المفعول، وروي في قصص هذه الآية ~~عن ابن عباس وغيره أن الكفار لما فرحوا بمكة بغلب الروم بشر الله نبيه ~~والمؤمنين بأن PageV04P327 # الروم سيغلبون في بضع سنين أي من الثلاثة إلى التسعة على مشهور قول ~~اللغويين. كأنه تبضيع العشرة أي تقطيعها وقال أبو عبيدة: من الثلاث إلى ~~الخمس، وقوله مردود، فلما بشرهم بذلك ms2774 خرج أبو بكر الصديق إلى المسجد فقال ~~لهم: أسركم إن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون في ~~بضع سنين فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب تعال يا أبا ~~فصيل يعرضون بكنيته بالبكر فلنتناحب، أي نتراهن، في ذلك فراهنهم أبو بكر ~~قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار وجعل الرهن خمس قلائص، والأجل ثلاث ~~سنين، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له «إن البضع إلى التسعة ~~ولكن زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل» ، ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة ~~والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم في أثناء الأجل، فروي عن أبي سعيد الخدري ~~أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن ~~الخبر بذلك وصل يوم بيعة الرضوان، روي نحوه عن قتادة، وفي كلا اليومين كان ~~نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم ~~وهمهم أن تغلب وكون المشركين من قريش على ضد ذلك إنما هو أن الروم أهل كتاب ~~كالمسلمين، والفرس أهل الأوثان أو نحوه من عبادة النار ككفار قريش والعرب. # قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطر من محبة أن ~~يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤنة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل ~~هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه ~~وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله ~~بملك يستأصله ويريحهم منه. وسنين، يجمع كجمع من يعقل عوضا من النقص الذي في ~~واحده لأن أصل سنة سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج ~~عن قياسه ونمطه ثم أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة ~~وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدره، فقال لله الأمر أي إنفاذ الأحكام من ~~قبل ومن بعد أي من بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء القوم، وقبل وبعد ظرفان ~~بنيا ms2775 على الضم لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليه وصارا متضمنين ما حذف ~~فخالفا معرب الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبينا وخصا بالضم لشبههما ~~بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر أو أضيف زال بناؤه، وكذلك هما فضما كما ~~المنادى مبني على الضم، وقيل في ذلك أيضا أن الفتح تعذر فيهما لأنه حالهما ~~في إظهار ما أضيفا إليه، وتعذر الكسر لأنه حالهما عند إضافتهما إلى ~~المتكلم، وتعذر السكون لأن ما قبل أحدهما ساكن، فلم يبق إلا الضم فبنيا ~~عليه، ومن العرب من يقول «من قبل ومن بعد» بالخفض والتنوين. # قال الفراء: ويجوز ترك التنوين فيبقى كما هو في الإضافة وإن حذف المضاف، ~~وقوله تعالى: # ويومئذ يحتمل أن يكون عطفا على القبل والبعد، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة ~~الماضي والمستقبل والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر، ويحتمل ~~أن يكون الكلام تم في قوله بعد، ثم استأنف عطف جملة أخبر فيها أن يوم غلبت ~~الروم الفرس يفرح المؤمنون بنصر الله، وعلى هذا الاحتمال مشى المفسرون، ~~والنصر الذي يفرح به المؤمنون يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس ~~وهي نصرة الإسلام بحكم السببين اللذين قد ذكرتهما، ويحتمل أن يشار فيه إلى ~~نصر يخص المؤمنين على عدوهم وهذا أيضا غيب أخبر به وأخرجه الوجود إما يوم ~~بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل PageV04P328 # أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من ~~أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم، وقوله تعالى: وعد الله نصب ~~على المصدر المؤكد، وقوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون يريد الكفار من قريش ~~والعرب، أي لا يعلمون أن الأمور من عند الله وأن وعده لا يخلف وأن ما يورده ~~نبيه حق. # قال القاضي أبو محمد: هذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل، وقد حكى الطبري ~~وغيره روايات يردها النظر أو قول الجمهور، من ذلك أن بعضهم قال إنما نزلت ~~وعد الله لا يخلف الله وعده بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر ms2776 بذلك، وهذا ~~يقتضي أن الآية مدنية والسورة مكية بإجماع ونحو هذا من الأقوال. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 7 الى 8] # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) أولم يتفكروا ~~في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) # وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا، واختلف الناس في معنى ظاهرا فقالت فرقة معناه بينا ~~أي ما أدته إليهم حواسهم فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم، وقال ابن عباس ~~والحسن والجمهور: معناه ما فيه الظهور والعلو في الدنيا من إتقان الصناعات ~~والمباني ومظان كسب الأموال والفلاحات ونحو هذا، وقالت فرقة: معناه ذاهبا ~~زائلا أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة ومثل هذه اللفظة ~~قول الهذلي: # وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # وقال سعيد بن جبير: إن قوله ظاهرا من الحياة الدنيا إشارة إلى ما يعلم من ~~قبل الكهنة مما يسترقه الشياطين، وقال الروماني: كل ما يعلم بأوائل العقول ~~فهو الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن. # قال القاضي أبو محمد: وفيه تقع الغفلة وتقصير الجهال، ثم وصفهم ب ~~«الغفلة» والإعراض عن أمر الآخرة وكرر الضمير تأكيدا، وغفلة الكافر هي على ~~الكمال والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه يأخذ من هذه الآية ~~بحظ، نور الله قلوبنا بهداه، ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنهم قد فكروا ~~فلم تنفعهم الفكرة والنظر إذ لم يكن على سداد، وقوله تعالى: في أنفسهم ~~يحتمل معنيين: أحدهما أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم ليستدلوا ~~بذلك على الخالق المخترع، ثم أخبر عقب هذا المعنى بأن الحق هو السبب في خلق ~~السماوات والأرض، فيفهم على طريقة الإيجاز والاختصار أن من فكر في نفسه علم ~~حقيقة هذا الخبر ووقف عليه ببصيرة نفسه، والمعنى الثاني أن تكون النفس ظرفا ~~للفكرة في خلق السماوات والأرض فيكون قوله ms2777 في أنفسهم تأكيدا لقوله يتفكروا ~~كما تقول انظر بعينك واسمع بأذنك، فقولك بأذنك تأكيد، وقوله إلا بالحق أي ~~بسبب المنافع التي هي حق واجب يريد من PageV04P329 # الدلالة عليه والعبادة له دون فتور، والانتصاب للعبرة ومنافع الأرزاق ~~وغير ذلك، وأجل عطف على «الحق» أي وبأجل مسمى وهو يوم القيامة، ففي الآية ~~إشارة إلى البعث والنشور وفساد بنية من في هذا العالم، ثم أخبر عن كثير من ~~الناس أنهم كفرة بذلك المعنى فعبر عنه بلقاء الله لأن لقاء الله هو عظم ~~الأمر وفيه النجاة أو الهلكة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : آية 9] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) # هذا أيضا توقيف وتوبيخ على أنهم ساروا ونظروا، أي إن ذلك لم ينفعهم حين ~~لم يعملوا بحسب العبرة وخوف العاقبة. # قال القاضي أبو محمد: ولا يتوجه للكفرة أن يعارض منهم من لم يسر فيقول لم ~~أسر لأن كافة من سار من الناس قد نقلت إلى من لم يسر فاستوت المعرفة وحصل ~~اليقين للكل، وقامت الحجة، وهذا بين، وقوله تعالى: وأثاروا الأرض يريد ~~بالمباني والحرث والحروب، وسائر الحوادث التي أحدثوها هي كلها إثارة للأرض ~~بعضها حقيقة وبعضها تجوز لأن إثارة أهل الأرض والحيوان والمتاع، إثارة ~~للأرض، وقرأ أبو جعفر «وآثاروا» بمد الهمزة قال ابن مجاهد: ليس هذا بشيء، ~~قال أبو الفتح: وجهها أنه أشبع فتحة الهمزة فنشأت ألف ونحوه قول ابن هرمة: ~~[الوافر] # فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح # قال وهذا من ضرورة الشعر لا يجيء في القرآن، وقرأ أبو حيوة «وآثروا ~~الأرض» بالمد بغير ألف بعد الثاء من الأثرة، والضمير في عمروها الأول ~~للماضين والثاني للحاضرين والمعاصرين، وباقي الآية بين يتضمن الوعد ~~والتخويف من عدل الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 10 الى 13] # ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات ms2778 الله وكانوا بها يستهزؤن ~~(10) الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) # قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «عاقبة» بالرفع على أنها اسم كان والخبر ~~يجوز أن يكون السواى ويجوز أن يكون أن كذبوا وتكون السواى على هذا مفعولا ب ~~أساؤا وإذا كان السواى خبرا PageV04P330 # ف أن كذبوا مفعول من أجله ولا يصح تعلقه ب أساؤا لأن في ذلك فصلا بين ~~الصلة والموصول بخبر كان، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «عاقبة» ~~بالنصب على أنها خبر مقدم واسم كان أحد ما تقدم، والسواى مصدر كالرجعى ~~والفتيا والشورى، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف تقديره الخلة السوأى أو الخلال ~~السوأى قال أبو حاتم هذه قراءة العامة بالمد على الواو وفتح الهمزة وياء ~~التأنيث فبعض القراء فخم وبعضهم أمال، وقرأ الحسن «السوى» بشد الواو دون ~~همز، وقرأ الأعمش وابن مسعود «السوء» بالتذكير، وروي عن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه أنه قال «السوء والسوأى» اقرأ بما شئت، قال ابن عباس أساؤا هنا ~~بمعنى كفروا والسواى هي النار والتكذيب بآيات الله، تعالى غير الاستهزاء ~~بها فلذلك عدد عليهم الفعلين، ثم أخبر تعالى إخبارا مطلقا لجميع العالم ~~بالحشر والبعث من القبور، وقرأ طلحة وابن مسعود «يبدىء» بضم الياء وكسر ~~الدال، وقرأ جمهور القراء «ترجعون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ~~عن عاصم بالياء، وقوله ويوم منصوب ب يبلس، والإبلاس الكون في شر مع اليأس ~~من الخير في ذلك الشر بعينه، فإبلاسهم هو في عذاب الله تعالى، وقرأ عامة ~~القراء بكسر اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، بفتحها، وأبلس الربع إذا بلي وكأنه يئس من العمارة ومنه قول ~~العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا # وقرأ عامة القراء «ولم يكن لهم» بالياء من تحت، وروي عن نافع «تكن» ~~بالتاء من فوق، و «الشركاء» المشار إليهم هم الأصنام أي ms2779 الذين كانوا ~~يجعلونهم شركاء لله بزعمهم. # وقوله وكانوا معناه يكونون عند معاينتهم أمر الله وفساد حال الأصنام فعبر ~~عنه بالماضي لتيقن الأمر وصحة وقوعه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 14 الى 18] # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ~~فأولئك في العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله ~~الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) # يتفرقون معناه في المنازل والأحكام والجزاء، قال قتادة: فرقة والله لا ~~اجتماع بعدها، ويحبرون معناه ينعمون، قاله مجاهد، والحبرة والحبور السرور ~~والتنعم، وقال يحيى بن أبي كثير: # يحبرون معناه يسمعون الأغاني، وهذا نوع من الحبرة، وقال ابن عباس يحبرون ~~يكرمون وفي المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم ينظرون العبرة ومنه بيت أبي ذؤيب: ~~[الطويل] # فراق كقيص السن فالصبر انه ... لكل أناس عبرة وحبور PageV04P331 # هذا على هذه الرواية، ويروى عثرة وحبور، وهي أكثر وذكر تعالى «الروضة» ~~لأنها من أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل النبت الأخضر وجن وما ~~كان منها في المرتفع من الأرض كان أحسن، ومنه قول الأعشى: [البسيط] # وما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسل هطل # ومنه قول كثير: [الطويل] # فما روضة طيبة الثرى ... تمج الندا جثجاثها وعرارها # قال الأصمعي: ولا يقال «روضة» حتى يكون فيها ماء يشرب منه، ومحضرون معناه ~~مجموعون له لا يغيب أحد عنه، وقوله تعالى: فسبحان الله خطاب للمؤمنين ~~بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات، كأنه يقول إذ هذه الفرق ~~هكذا من النعمة والعذاب فجدوا أيها المؤمنون في طريق الفوز برحمة الله، ~~وقال ابن عباس وقتادة وبعض الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على أربع صلوات: ~~المغرب والصبح والعصر والظهر، قالوا والعشاء هي الآخرة في آية أخرى في زلفا ~~من الليل [هود: 114] وفي ذكر أوقات العورة، وقال ابن عباس أيضا وفرقة من ~~الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على الصلوات الخمس لأن قوله تعالى حين تمسون ~~يتضمن الصلاتين، ms2780 وقوله وله الحمد في السماوات والأرض اعتراض بين الكلامين ~~من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته، وقرأ عكرمة «حينا تمسون وحينا ~~تصبحون» والمعنى حين تمسون فيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 19 الى 22] # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون (19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) # الحي والميت في هذه الآية يستعمل حقيقة ويستعمل مجازا، فالحقيقة المني ~~يخرج منه الإنسان والبيضة يخرج منها الطائر وهذه بعينها ميتة تخرج من حي ~~وما جرى هذا المجرى، وبهذا المعنى فسر ابن عباس وابن مسعود وقال الحسن: ~~المعنى المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. # قال الفقيه الإمام القاضي: وروي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قرأ هذه الآية عند ما كلمته بالإسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ~~والمجاز إخراج النبات الأخضر من الأرض وإخراج الطعم من النبات وما جرى هذا ~~المجرى، ومثل بعد إحياء الأرض بالمطر بعد موتها PageV04P332 # بالدثور والعطش، ثم بعد هذا الأمثلة القاضية بتجويز بعث الأجساد عقلا ساق ~~الخبر بأن كذلك خروجنا من القبور. وقرأت فرقة «يخرجون» بالياء من تحت، وقرأ ~~عامة القراء «تخرجون» بالتاء المضمومة، وقرأ الحسن وابن وثاب والأعمش وطلحة ~~بفتح التاء وضم الراء، ومن في قوله ومن آياته أن خلقكم للتبعيض، وقال خلقكم ~~من حيث خلق أباهم آدم قاله قتادة، وتنتشرون معناه تتصرفون وتتفرقون في ~~الأغراض والأسفار ونحوها، وقوله من أنفسكم يحتمل أن يريد خلقه حواء من ضلع ~~آدم فحمل ذلك على جميع النساء من حيث أمهم مخلوقة من نفس آدم، أي من ذات ~~شخصه، ويحتمل أن يريد من نوعكم ومن جنسكم، و «المودة والرحمة» على بابها ~~المشهور من التواد والتراحم، هذا هو البليغ، وقال مجاهد ms2781 والحسن وعكرمة: عنى ~~ب «المودة» الجماع وب «الرحمة» الولد، ثم نبه تعالى على خلق السماوات ~~والأرض واختلاف اللغات والألوان وهذه عظم مواقع العبرة من هذه الآيات، ~~وقوله وألوانكم يحتمل أن يريد البياض والسواد وغيرهما، ويحتمل أن يريد ضروب ~~بني آدم وأنواعهم نعم وأشخاص الأخوة ونحوهم تختلف بالألوان ونعم الألسنة ~~وبذلك تصح الشهادات والمداينات وتقع الفروق والتعيين فهكذا تبين النعمة، ~~وقرأ جمهور القراء «للعالمين» بفتح اللام، وقرأ حفص عن عاصم «للعالمين» ~~بكسر اللام فالأولى على أن هذه الآية هي نفسها منصوبة لجميع العالم ~~والثانية على معنى أن أهل الانتفاع بالنظر فيها إنما هم أهل العلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 23 الى 25] # ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي ~~به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم ~~السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) # ذكر تعالى النوم بالليل والنهار وعرف النوم إنما هو بالليل وحده، ثم ذكر ~~الابتغاء من فضله كأنه فيهما وإنما معنى ذلك أنه عم بالليل والنهار فسمى ~~الزمان وقصد من ذلك تعديد آية النوم وتعديد آية ابتغاء الفضل فإنهما آيتان ~~تكونان في ليل ونهار، والعرف يجيز كل واحدة من النعمتين أي محلها من الأغلب ~~وقال بعض المفسرين في الكلام تقديم وتأخير. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف وإنما أراد أن يرتب النوم لليل ~~والابتغاء للنهار ولفظ الآية لا يعطي ما أراد، وقوله تعالى: يريكم فعل ~~مرتفع لما حذفت «أن» التي لو كانت لنصبته فلما حل الفعل محل الاسم أعرب ~~بالرفع. # ومنه قول طرفة: [الطويل] # ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي PageV04P333 # قال الرماني: وتحتمل الآية أن يكون التقدير ومن آياته آية يريكم البرق ~~وحذفت الآية لدلالة من عليها ومنه قول الشاعر: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # التقدير ms2782 فمنها تارة أموت. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا على أن من للتبعيض كسائر هذه الآيات، ~~ويحتمل في هذه وحدها أن تكون من لابتداء الغاية فلا يحتاج إلى تقدير «أن» ~~ولا إلى تقدير «آية» ، وإنما يكون الفعل مخلصا للاستقبال وقوله خوفا وطمعا، ~~قال قتادة خوفا للمسافر وطمعا للمقيم. # قال الفقيه الإمام القاضي: ولا وجه لهذا التخصيص ونحوه بل فيه الخوف ~~والطمع لكل بشر، قال الضحاك: الخوف من صواعقه والطمع في مطره، وقوله تعالى: ~~أن تقوم السماء والأرض معناه تثبت، كقوله تعالى وإذا أظلم عليهم قاموا ~~[البقرة: 20] وهذا كثير، وقيل هو فعل مستقبل أحله محل الماضي ليعطي فيه ~~معنى الدوام الذي هو في المستقبل، والدعوة من الأرض هي البعث ومن الأرض حال ~~للمخاطبين كأنه قال: خارجين من الأرض، ويجوز أن يكون من الأرض صفة للدعوة. # قال الفقيه الإمام القاضي: ومن، عندي هاهنا لانتهاء الغاية كما تقول ~~دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل، والوقف في هذه الآية عند نافع ~~ويعقوب الحضرمي على دعوة، والمعنى بعد إذا أنتم تخرجون من الأرض، وهذا على ~~أن من لابتداء الغاية، والوقف عند أبي حاتم على قوله من الأرض، وهذا على أن ~~من لانتهاء الغاية، قال مكي: والأحسن عند أهل النظر أو الوقف في آخر الآية ~~لأن مذهب الخليل وسيبويه في إذا الثانية أنها جواب الأولى كأنه قال: ثم إذا ~~دعاكم خرجتم وهذا أسد الأقوال. # وقرأ حمزة والكسائي «تخرجون» بفتح التاء، وقرأ الباقون «تخرجون» بضم ~~التاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 26 الى 28] # وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) # اللام في له الأولى لام الملك، وفي الثانية لام تعدية ل «قنت» إذ «قنت» ~~بمعنى خضع في طاعته ms2783 وانقياده، وهذه الآية ظاهر لفظها العموم في القنت ~~والعموم في كل من يعقل، وتعميم ذلك في المعنى لا يصح لأنه خبر، ونحن نجد ~~كثيرا من الجن والإنس لا يقنت في كثير من المعتقد والأعمال، فلا بد أن عموم PageV04P334 # ظاهر هذه الآية معناه الخصوص، واختلف المتأولون في هذا الخصوص أين هو، ~~فقال ابن عباس وقتادة: هو في القنت والطاعة وذلك أن جميع من يعقل هو قانت ~~لله في معظم الأمور من الحياة والموت والرزق والقدرة ونحو ذلك، وبعضهم يبخل ~~بالعبادة وبالمعتقدات فلا يقنت فيها فكأنه قال كل له قانتون في معظم الأمور ~~وفي غالب الشأن، وقال ابن زيد ما معناه: إن الخصوص هو في الأعيان المذكورين ~~كأنه قال وله من في السماوات والأرض من ملك ومؤمن، وقوله يبدؤا الخلق معناه ~~ينشئه ويخرجه من العدم، وجاء الفعل بصيغة الحال لما كان في هذا المعنى ما ~~قد مضى كآدم وسائر القرون وفيه ما يأتي في المستقبل، فكانت صيغة الحال تعطي ~~هذا كله، ويعيده معناه يبعثه من القبور وينشئه تارة أخرى، واختلف المتأولون ~~في قوله وهو أهون عليه، فقال ابن عباس والربيع بن خيثم: المعنى وهو هين ~~ونظيره قول الشاعر: (لعمرك ما أدري وأني لأوجل) بمعنى لوجل، وقول الآخر ~~(بيت دعائمه أعز وأطول) ، وقولهم في الأذان الله أكبر وقال الآخر وهو ~~الشافعي: # فتلك سبيل لست فيها بأوحد واستشهد بهذا البيت أبو عبيدة وهذا شاهده كثير، ~~وفي مصحف ابن مسعود «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف و «كل هين عليه» ، ~~وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة: المعنى وهو أيسر عليه، وإن كان الكل من ~~اليسر عليه في حيز واحد وحال متماثلة، ولكن هذا التفضيل بحسب معتقد البشر ~~وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون علينا ~~من البداءة للتمرن والاستغناء عن الروية التي كانت في البدأة، وهذان ~~القولان الضمير فيهما عائد على الله تعالى، وقالت فرقة أخرى: الضمير في ~~عليه عائد على الخلق. # قال الفقيه الإمام القاضي: فهذا بمعنى المخلوق ms2784 فقط، وعلى التأويلين ~~الأولين يصح أن يكون المخلوق أو يكون مصدرا من خلق، فقال الحسن بن أبي ~~الحسن إن الإعادة أهون على المخلوق من إنشائه لأنه في إنشائه يصير من حالة ~~إلى حالة، من نطفة إلى علقة إلى مضغة ونحو هذا، وفي الإعادة إنما يقوم في ~~حين واحد، فكأنه قال وهو أيسر عليه، أي أقصر مدة وأقل انتقالا، وقال بعضها: ~~المعنى «وهو أهون» على المخلوق أن يعيد شيئا بعد إنشائه، أي فهذا عرف ~~المخلوقين فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب الخالق. # قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي عود الضمير على الله تعالى ~~ويؤيده قوله تعالى وله المثل الأعلى لما جاء بلفظ فيه استعارة واستشهاد ~~بالمخلوق على الخالق وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم خلص جانب العظمة بأن ~~جعل له المثل الأعلى الذي لا يتصل به تكييف ولا تماثل مع شيء و «العزة ~~والحكمة» ، صفتان موافقتان لمعنى الآية، فبهما يعيد وينفذ أمره في عباده ~~كيف شاء، ثم بين تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا ~~المثل، ومعناه أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم فإنكم لا ~~تشركونهم في أموالكم ومهم أموركم، ولا في شيء على جهة استواء المنزلة، وليس ~~من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم أو يقاسموكم إياها في حياتكم كما ~~يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم فكيف تقولون إن من عبيده وملكه شركاء في ~~سلطانه وألوهيته، وتثبتون في جانبه ما لا يليق بكم PageV04P335 # عندكم بجوانبكم، هذا تفسير ابن عباس والجماعة. # وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير، وقرأ الناس «كخيفتكم أنفسكم» ~~بنصب السين، وقرأ ابن أبي عبلة «أنفسكم» بضمها، وقرأ الجمهور «نفصل» بالنون ~~حملا على رزقناكم، وقرأ عباس عن أبي عمرو «يفصل» بالياء حملا على ضرب لكم ~~مثلا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 29 الى 32] # بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ~~ناصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها ms2785 لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين ~~إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) # الإضراب ب بل هو عما تضمنه معنى الآية المتقدمة، كأنه يقول: ليس لهم حجة ~~ولا معذرة فيما فعلوا من تشريكهم مع الله تعالى، بل اتبعوا أهواءهم جهالة ~~وشهوة وقصدا لأمر دنياهم، ثم قرر على جهة التوبيخ لهم على من يهدي إذا أضل ~~الله، أي لا هادي لأهل هذه الحال، ثم أخبر أنه لا ناصر لهم، ثم أمر تعالى ~~نبيه عليه السلام بإقامة وجهه للدين المستقيم وهو دين الإسلام، وإقامة ~~الوجه هي تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين، وذكر الوجه لأنه ~~جامع حواس الإنسان وأشرفه، وحنيفا، معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان ~~المحرفة المنسوخة، وقوله فطرت الله نصب على المصدر، كقوله صبغة الله ~~[البقرة: 138] وقيل هو نصب بفعل مضمر تقديره اتبع والتزم فطرت الله، واختلف ~~الناس في «الفطرة» هاهنا، فذكر مكي وغيره في ذلك جميع ما يمكن أن تصرف هذه ~~اللفظة عليه وفي بعض ذلك قلق، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها ~~الخلقة والهيئة في نفس الطفل التي هي معدة مهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله ~~تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه قال فأقم وجهك ~~للدين الذي هو الحنيف وهو فطرت الله الذي على الإعداد له فطر البشر لكن ~~تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه» الحديث، فذكر الأبوين: إنما هو مثال ~~للعوارض التي هي كثيرة وقوله تعالى: لا تبديل لخلق الله يحتمل تأويلين: # أحدهما أن يريد بها هذه الفطرة المذكورة أي اعلم أن هذه الفطرة لا تبديل ~~لها من جهة الخلق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، والآخران أن يكون ~~قوله لا تبديل لخلق الله إنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول ~~أقم وجهك للدين الذي ms2786 من صفته كذا وكذا فإن هؤلاء الكفار قد خلق الله لهم ~~الكفر ولا تبديل لخلق الله أي إنهم لا يفلحون، وقال مجاهد: المعنى لا تبديل ~~لدين الله، وهو قول ابن جبير والضحاك وابن زيد والنخعي. PageV04P336 # قال القاضي أبو محمد: وهذا معناه لا تبديل للمعتقدات التي هي في الدين ~~الحنيف فإن كل شريعة هي عقائدها، وذهب بعض المفسرين في هذه الآية إلى ~~تأويلات منها قول عكرمة، وقد روي عن ابن عباس لا تبديل لخلق الله معناه ~~النهي عن خصاء الفحول من الحيوان، ومنها قول بعضهم في الفطرة الملة على أنه ~~قد قيل في الفطرة الدين وتأول قوله فطر الناس على الخصوص أي المؤمنين، وقيل ~~«الفطرة» هو العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين أخرجهم نسما من ~~ظهره، ونحوه حديث معاذ بن جبل حين مر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال ~~يا معاذ ما قوام هذه الأمة؟ قال: الإخلاص وهو الفطرة التي فطر الله الناس ~~عليها، والصلاة وهي الدين والطاعة وهي العصمة فقال عمر: صدقت، والقيم بناء ~~مبالغة من القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، وقوله منيبين يحتمل أن يكون ~~حالا من قوله فطر الناس عليها لا سيما على رأي من رأى أن ذلك خصوص في ~~المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله «أقم وجهك» وجمعه لأن الخطاب بإقامة ~~الوجه للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته، نظيرها قوله يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء [الطلاق: 1] ، والمنيب الراجع المخلص المائل إلى جهة ما بوده ~~ونفسه، و «المشركون» المشار إليهم في هذه الآية هم اليهود والنصارى، قاله ~~قتادة وقال ابن زيد: هم اليهود، وقالت عائشة وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. # قال الفقيه الإمام القاضي: فلفظة الإشراك على هذا فيها تجوز فإنهم صاروا ~~في دينهم فرقا، و «الشيع» الفرق واحدها «شيعة» ، وقوله كل حزب بما لديهم ~~فرحون معناه أنهم مفتونون بآرائهم معجبون بضلالهم، وذلك أضل لهم، وقرأت ~~فرقة «فارقوا دينهم» بالألف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 33 الى 35] # وإذا ms2787 مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم ~~أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) # هذا ابتداء إنحاء على عبدة الأصنام المشركين بالله عز وجل غيره بين الله ~~تعالى لهم أنهم كسائر البشر في أنهم إذا مسهم ضر دعوا الله وتركوا الأصنام ~~مطرحة ولهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع، ف إذا أذاقهم رحمته أي باشرهم أمره ~~بها، والذوق مستعار، إذا طائفة تشرك به أصناما ونحو هذا، وإذا للمفاجأة ~~فلذلك صلحت في جواب إذا الأولى بمنزلة الفاء وهذه الطائفة هي عبدة الأصنام. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين إذا جاءهم ~~فرج بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين أو بحذق آرائهم وغير ذلك لأن فيه قلة شكر ~~لله تعالى، ويسمى تشريكا مجازا، وقوله تعالى ليكفروا اللام لام كي، وقالت ~~فرقة هي لام الأمر على جهة الوعيد والتهديد، وأما قوله تعالى: فتمتعوا فأمر ~~على جهة الوعيد، والتقدير قل لهم يا محمد فتمتعوا وقرأ أبو العالية ~~«فيتمتعوا» بياء قبل التاء وذلك عطف على ليكفروا أي لتطول أعمارهم PageV04P337 # على الكفر، وفي حرف ابن مسعود «فليتمتعوا» ، وروي عن أبي العالية ~~«فيمتعوا» بضم الياء دون تاء أولى، وفي مصحف ابن مسعود «تمتعوا» هكذا قال ~~هارون، وقرأ عامة الناس «تعلمون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو العالية ~~«يعلمون» بالياء على ذكر الغائب. # وقوله أم بمعنى بل وألف الاستفهام كأنه أضرب عن صدر الكلام ورجع إلى هذه ~~الحجة، و «السلطان» هنا البرهان من رسول أو كتاب ونحوه، والسلطان في كلام ~~العرب جمع سليط كرغيف ورغفان وغدير وغدران فهو مأخوذ من التسلط والتغلب، ~~ولزم هذا الاسم في العرب الرئيس لأنه سليط بوجه الحق ولزمه اسم جمع من حيث ~~أنواع الغلبة والملك عنده، وقال قوم: هو اسم مفرد وزنه فعلان، وقوله تعالى: # فهو يتكلم معناه أن يظهر حجتهم وينطق بشركهم قاله قتادة، فيقوم ذلك مقام ~~الكلام، كما قال تعالى هذا كتابنا ms2788 ينطق عليكم بالحق [الجاثية: 29] . # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 36 الى 38] # وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) # لما ذكر تعالى حالة الناس متى تأتيهم شدة وضر ونجوا منه إلى سعة ذكر في ~~هذه الآية الأمر أيضا من الطرف الآخر بأن تنال الرحمة ثم تعقب الشدة فلهم ~~في الرتبة الأولى تضرع ثم إشراك وقلة شكر، ولهم في هذه فرج وبطر ثم قنط ~~ويأس، وكل أحد يأخذ من هذه الخلق بقسط، والمقل والمكثر إلا من ربطت الشريعة ~~جأشه ونهجت السنة سبيله وتأدب بأدب الله تعالى، فصبر عند الضراء، وشكر عند ~~السراء، ولم يبطر عند النعمة، ولا قنط عند الابتلاء، وقوله تعالى: بما قدمت ~~أيديهم أي إن الله يمتحن الأمم ويصيب منهم عند فشو المعاصي وظهور المناكر، ~~وكذلك قد يصاب شخص بسوء أعماله يسيء وحده ويصاب وحده، وفي الأغلب يعفو الله ~~عن كثير، و «القنط» اليأس الصريح، وقرأ أبو عمرو وجماعة «يقنطون» بكسر ~~النون، وقرأ نافع والحسن وجماعة «يقنطون» بفتحها، وجواب الشرط في قوله إن ~~تصبهم قوله إذا هم يقنطون وذلك أنها للمفاجأة لا يبتدأ بها، فهي بمنزلة ~~الفاء لا يبتدأ بها ويجاب بها الشرط، وأما «إذا» التي للشرط أو التي فيها ~~معنى الشرط فهما يبدأ بهما ولا يكون فيهما جواب الشرط، ثم ذكر تعالى الأمر ~~الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله على حال وهو أن الله تعالى يخص من يشاء ~~من عباده ببسط الرزق ويقدر على من شاء منهم فينبغي لكل عبد أن يكون راجيا ~~ما عند ربه، ثم أمر تعالى نبيه أمرا تدخل الأمة فيه وهذا على جهة الندب إلى ~~إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن: ~~حقه المواساة في اليسر ms2789 وقول ميسور في العسر. # قال الفقيه الإمام القاضي: ومعظم ما قصد أمر المعونة بالمال ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV04P338 # «في المال حق سوى الزكاة وذلك للمسكين وابن السبيل حق» وبين أن حق هذين ~~إنما هو في المال وغير ذلك معهما لا غناء له وكذلك يلزم القريب المعدم الذي ~~يقضي حقه أن يقضي أيضا حق قريبه في جودة العشرة ووجه الله هنا جهة عبادته ~~ورضاه والمفلحون الفائزون ببغيتهم البالغون لآمالهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 39 الى 41] # وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (40) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ~~الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) # قرأ جمهور القراء «وما آتيتم» بمعنى وما أعطيتم، وقرأ ابن كثير «ما ~~أتيتم» بغير مد بمعنى ما فعلتم كما تقول أتيت صوابا وأتيت خطأ، وأجمعوا على ~~المد في قوله وما آتيتم من زكاة. و «الربا» الزيادة، واختلف المتأولون في ~~معنى هذه الآية فقال ابن عباس وابن جبير وطاوس: هذه آية نزلت في هبات ~~الثواب. # قال الفقيه الإمام القاضي: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه ~~كالسلم وغيره فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله ~~تعالى، وقال ابن عباس أيضا وإبراهيم النخعي: نزلت في قوم يعطون قراباتهم ~~وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم وليزيدوا في أموالهم على ~~جهة النفع، وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحدا وخف به ~~لينتفع في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزى به الخدمة فلا يربوا عند الله. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله قريب جزء من التأويل الأول، ويحتمل ~~أن يكون معنى هذه الآية النهي عن الربا في التجارات لما حض عز وجل على نفع ~~ذوي ms2790 القربى والمساكين وابن السبيل أعلم أن ما فعل المرء من ربا ليزداد به ~~مالا وفعله ذلك إنما هو في أموال الناس فإن ذلك «لا يربوا عند الله» ولا ~~يزكو بل يتعلق فيه الإثم ومحق البركة، وما أعطى الإنسان من زكاة تنمية ~~لماله وتطهيرا يريد بذلك وجه الله تعالى فذلك هو الذي يجازى به أضعافا ~~مضاعفة على ما شاء الله تعالى له، وقال السدي: نزلت هذه الآية في ربا ثقيف ~~لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش، وقرأ جمهور القراء السبعة ~~«ليربو» بالياء وإسناد الفعل إلى الربا، وقرأ نافع وحده «لتربوا» بضم التاء ~~على وزن تفعلوا بمعنى تكونوا ذوي زيادة، وهذه قراءة ابن عباس وأهل المدينة ~~الحسن وقتادة وأبي رجاء والشعبي، قال أبو حاتم هي قراءتنا، وقرأ أبو مالك ~~«لتربوها» بضمير المؤنث، و «المضعف» الذي هو ذو أضعاف من الثواب كما المؤلف ~~الذي له آلاف، وكما تقول أخصب إذا كان ذا خصب. وهذا كثير، ومنه أربى ~~المتقدم في قراءة من قرأ «لتربوا» بضم التاء، ثم كرر مخاطبة الكفرة في أمر ~~أوثانهم فذكر أفعال الله تعالى التي لا شريك له فيها وهي الخلق والرزق ~~والإماتة والإحياء ولا يمكن أن ينكر ذلك عاقل، ووقف الكفار على جهة التقرير ~~والتوبيخ هل من شركائهم أي الذين PageV04P339 # جعلوهم شركاء من يفعل شيئا من ذلك، وهذا الترتيب ب ثم هو في الآحاد شيئا ~~بعد شيء، ومن هنا أدخل الفقهاء الولد مع أبيه في تعقب الأحباس إذا كان ~~اللفظ على أعقابهم ثم على أعقاب أعقابهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالتهم في ~~الإشراك، وقرأ الجمهور «يشركون» بالياء من تحت، وقرأ الأعمش وابن وثاب ~~بالتاء من فوق، ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب المعاصي ~~في قوله ظهر الفساد في البر والبحر، واختلف الناس في معنى البر والبحر في ~~هذه الآية، فقال مجاهد «البر» البلاد البعيدة من البحر، و «البحر» السواحل ~~والمدن التي على ضفة البحر والأنهار الكبار، وقال قتادة «البر» الفيافي ~~ومواضع القبائل وأهل ms2791 الصحاري، و «البحر» المدن جمع بحرة. # قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول الحديث ولقد أجمع أهل هذه البحرة على ~~أن يتوجوه، ومما يؤيد هذا أن عكرمة قرأ «في البر والبحور» ، ورويت عن ابن ~~عباس، وقال مجاهد أيضا: ظهور الفساد في البر قتل أحد ابني آدم لأخيه، وفي ~~البحر أخذ السفن غضبا، وقال بعض العباد البر اللسان والبحر القلب، وقال ~~الحسن بن أبي الحسن البر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا هو القول الصحيح وظهور الفساد فيهما هو ~~بارتفاع البركات ونزول رزايا وحدوث فتن وتغلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد ~~في البر والبحر، قال ابن عباس: الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم ~~وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة الأعمال إلا يدفع الله عنها هذه، ~~والأمر بالعكس في أهل المعاصي وبطر النعمة، وكذلك كان أمر البلاد في وقت ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قد كان الظلم عم الأرض برا وبحرا، وقد جعل ~~الله هذه الأشياء ليجازي بها على المعاصي فيذيق الناس عاقبة إذنابهم لعلهم ~~يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى، وقوله تعالى: بما كسبت تقديره ~~جزاء ما كسبت، ويحتمل أن تتعلق الباء ب ظهر أي كسبهم المعاصي في البر ~~والبحر هو نفس الفساد الظاهر، والترجي في «لعل» هو بحسب معتقداتنا وبحسب ~~نظرنا في الأمور، وقرأ عامة القراء والناس «ليذيقهم» بالياء، وقرأ قنبل عن ~~ابن كثير والأعرج وأبو عبد الرحمن السلمي «لنذيقهم» بالنون ومعناهما بين، ~~وقرأ أيضا أبو عبد الرحمن «لتذيقهم» بالتاء من فوق. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 42 الى 44] # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين ~~(42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ ~~يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) # هذا تنبيه لقريش وأمر لهم بالاعتبار ms2792 فيمن سلف من الأمم وفي سوء عواقبهم ~~بكفرهم وإشراكهم، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه، والمعنى اجعل ~~قصدك ومسعاك للدين أي لطريقه ولأعماله واعتقاداته، والقيم أصله قيوم اجتمعت ~~الواو والياء وسبقت الياء وهي ساكنة فأبدلت الواو ياء وأدغمت PageV04P340 # الأولى في الثانية، ثم حذره تعالى من يوم القيامة تحذيرا يعم العالم ~~وإياهم القصد، ولا مرد له معناه ليس فيه رجوع لعمل ولا لرغبة ولا عنه مدخل، ~~ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب اللفظ، ويصدعون ~~معناه يتفرقون بعد جمعهم، وهذا هو التصدع والمعنى يتفرقون إلى الجنة وإلى ~~النار، ثم قسم الفريقين بأحكام تلحقهم من أعمال في الدنيا ثم عبر عن ~~«الكفر» ب «عليه» وهي تعطي الثقل والمشقة وعن العمل الصالح باللام التي هي ~~كلام الملك، ويمهدون معناه يوطئون ويهيئون وهي استعارة منقولة من الفرش ~~ونحوها إلى الأحوال والمراتب، وقال مجاهد: هذا التمهيد هو للقبر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 45 الى 47] # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) ومن ~~آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~(47) # اللام في قوله ليجزي متعلقة ب يصدعون [الروم: 43] ، ويجوز أن تكون متعلقة ~~بمحذوف تقديره ذلك أو فعل ذلك ليجزي وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله ~~تعالى من كفر [الروم: 44] وعمل صالحا [الروم: 44] ، وقوله تعالى: لا يحب ~~الكافرين ليس الحب بمعنى الإرادة ولكنه بمعنى لا يظهر عليهم أمارات رحمته ~~ولا يرضاه لهم دينا ونحو هذا، ثم ذكر تعالى من آياته أشياء يقضي كل عقل ~~بأنها لا مشاركة للأوثان فيها وهو ما في الريح من المنافع وذلك أنها بشرى ~~بالمطر، ويذيق الله بها المطر ويلقح بها الشجر وغير ذلك ويجري بها السفن في ~~البحر ويبتغي الناس بها فضل الله في التجارات في البحر وفي ذرو الأطعمة ms2793 ~~وغير ذلك، ثم أنس محمدا بأن ضرب له مثل من أرسل من الأنبياء، وتوعد قريشا ~~بأن ضرب لهم مثل من هلك من الأمم الذين أجرموا وكذبوا الأنبياء، ثم وعد ~~محمدا وأمته النصر إذ أخبر أنه جعله قا # عليه تبارك وتعالى، وقا # خبران # قدمه اهتماما لأنه موضع فائدة الجملة، وبعض القراء في هذه الآية وقف على ~~قوله قا # وجعله من الكلام المتقدم ثم استأنف جملة من قوله لينا نصر المؤمنين # ، وهذا قول ضعيف لأنه لم يدر قدما عرضه في نظم الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 48 الى 50] # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر ~~إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير (50) # «الإثارة» تحريكها من سكونها وتسييرها، وبسطه في السماء هو نشره في ~~الآفاق، و «الكسف» PageV04P341 # القطع، وقرأ جمهور القراء «كسفا» بفتح السين، وقرأ ابن عباس «كسفا» بسكون ~~السين وهي قراءة الحسن وأبي جعفر والأعرج وهما بناءان للجمع كما يقال وسدر ~~بسكون الدال وسدر بفتح الدال، وقال مكي: من أسكن السين فمعناه يجعل السحاب ~~قطعة واحدة، والودق الماء يمطر ومنه قول الشاعر: [المتقارب] # فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها # وخلاله الفطور الذي بين بعضه وبعض لأنه متخلخل الأجزاء، وقرأ الجمهور «من ~~خلاله» بكسر الخاء وألف بعد اللام جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ علي بن أبي ~~طالب وابن عباس والضحاك والحسن بخلاف عنه «من خلله» وهم اسم جنس، والضمير ~~في خلاله يحتمل أن يعود على السحاب ويحتمل أن يعود على الكسف في قراءة من ~~قرأ بسكون السين، وذكر الضمير مراعاة اللفظ لا لمعنى الجمع، كما تقول هذا ~~تمر جيد ومن الشجر الأخضر نارا، ومن قرأ «كسفا» بفتح السين فلا يعيد الضمير ~~إلا على السحاب فقط، وقوله ms2794 تعالى: من قبله تأكيد أفاد سرعة تقلب قلوب البشر ~~من الإبلاس إلى الاستبشار وذلك أن قوله من قبل أن ينزل عليهم يحتمل الفسحة ~~في الزمان أي من قبل بكثير كالأيام ونحوه فجاء قوله من قبله بمعنى أن ذلك ~~متصل بالمطر فهو تأكيد مفيد، وقرأ يعقوب وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه «ينزل» ~~مخففة، وقرأت عامة القراء بالتثقيل في الزاي، وقرأ ابن مسعود عليهم ~~«لمبلسين» بسقوط من قبله والإبلاس الكون في حال سوء مع اليأس من زوالها، ثم ~~عجبه يراد بها جميع الناس من أجل رحمة الله وهي المطر، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو «أثر» بالإفراد، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «آثار» بالجمع، ~~واختلف عن عاصم، وقرأ سلام «إلى إثر» بكسر الهمزة وسكون الثاء، وقوله كيف ~~يحي يحتمل أن يكون الضمير الذي في الفعل للأثر، ويحتمل أن يكون لله تعالى ~~وهو أظهر، وقرأت فرقة «كيف تحيى» بالتاء المفتوحة «الأرض» بالرفع، وقرأ ~~الجحدري وابن السميفع وأبو حيوة «تحيي» بتاء مضمومة على أن إسناد الفعل إلى ~~ضمير الرحمة «الأرض» نصبا، قال أبو الفتح: قوله «كيف تحيى» جملة منصوبة ~~الموضع على الحال حملا على المعنى كأنه قال محيية، وهذه الحياة والموت ~~استعارة في القحط والإعشاب، ثم أخبر تعالى على جهة القياس والتنبيه عليه ~~بالبعث والنشور، وقوله على كل شيء عموم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 51 الى 53] # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فإنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهاد العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) # ثم أخبر تعالى عن حال تقلب ابن آدم في أنه بعيد الاستبشار بالمطر أن بعث ~~الله ريحا فاصفر بها النبات ظلوا يكفرون قلقا منهم وقلة توكل وتسليم لله ~~تعالى، والضمير في «رأوه» للنبات كما قلنا أو للأثر وهو حوة النبات الذي ~~أحييت به الأرض وقال قوم هو للسحاب، وقال قوم هو للريح، وهذا كله ضعيف، ~~واللام في لئن مؤذنة بمجيء القسم، ms2795 وفي لظلوا لام القسم، وقوله «ظلوا» فعل ~~ماض نزله منزلة PageV04P342 # المستقبل واستنابه منابه لأن الجزاء هنا لا يكون إلا بفعل مستقبل لكن ~~يستعمل الماضي بدل المستقبل في بعض المواضع توثيقا لوقوعه، وقوله تعالى: ~~فإنك لا تسمع الموتى الآية استعارة للكفار وقد تقدم القول على مثل هذه ~~الآية في سورة النمل، وكلهم قرأ «ولا تسمع» بتاء مضمومة ونصب «الصم» ، وقرأ ~~ابن كثير وعباس عن أبي عمرو «يسمع» بياء مفتوحة الصم رفعا، وقرأ الجمهور ~~«بهادي العمي» بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة «بهاد» بالتنوين ~~«العمي» نصبا، وقوله إن تسمع إلا من يؤمن معناه إن نسمع إسماعا ينفع ويجدي، ~~وأما سماع الكفرة فغير مجد فاستويا، وقوله تعالى: عن ضلالتهم لما كانت ~~الهداية تتضمن الصرف عديت ب عن كما تتعدى صرفت ومعنى الآية ليس في قدرتك يا ~~محمد ولا عليك أن تهدي، وقرأ ابن أبي عبلة «من ضلالتهم» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 54 الى 56] # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون (56) # وهذه أيضا عبر بين فيها أن الأوثان لا مدخل لها فيها. # وقرأ جمهور القراء والناس بضم الضاد في «ضعف» ، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها ~~وهي قراءة ابن مسعود وأبي رجاء، والضم أصوب، وروي عن ابن عمر أنه قرأ على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح فردها عليه بالضم، وقال كثير من اللغويين: ~~ضم الضاد في البدن وفتحها في العقل، وروي عن أبي عبد الرحمن والجحدري ~~والضحاك أنهم ضموا الضاد في الأول والثاني وفتحو «ضعفا» ، وقرأ عيسى بن عمر ~~«من ضعف» بضمتين، وهذه الآية إنما يراد بها حال الإنسان، و «الضعف» الأول ~~هو كون الإنسان من ماء مهين، و «القوة» بعد ذلك ms2796 الشبيبة، وقوة الأسر، و ~~«الضعف» الثاني الهرم والشيخ هذا قول قتادة وغيره، ثم أخبر تعالى عن يوم ~~القيامة أن المجرمين يقسمون لجاجا منهم وتسورا على ما لا علم لهم به أنهم ~~ما لبثوا تحت التراب غير ساعة وهذا إتباع لتحيلهم الفاسد ونظرهم في ذلك ~~الوقت على نحو ما كانوا في الدنيا يتبعون ذلك، ويؤفكون عن الحق أي يصرفون ~~وقيل المعنى ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها لما عاينوا من أمر الآخرة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يضعفه قوله تعالى: كذلك كانوا يؤفكون إذ لو ~~أراد تقليل الدنيا بالإضافة إلى الآخرة لكان منزعا سديدا وكان قولهم ساعة ~~تجوزا في القدر والموازنة، ثم أخبر تعالى عن الذين أوتوا العلم والإيمان ~~أنهم يقفون في تلك الحال على حق ويعرفون أنه الوعد المتقرر في الدنيا، وقال ~~بعض المفسرين: إنما أراد أوتوا الإيمان والعلم ففي الكلام تقديم وتأخير. PageV04P343 # قال الفقيه الإمام القاضي: ولا يحتاج إلى هذا بل ذكر العلم يتضمن الإيمان ~~ولا يصف الله بعلم من لم يعلم كل ما يوجب الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعد ذلك ~~تنبيها عليه وتشريفا لأمره كما قال تعالى: فاكهة ونخل ورمان [الرحمن: 68] ~~فنبه على مكان الإيمان وخصه بالذكر تشريفا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الروم (30) : الآيات 57 الى 60] # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا ~~للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم ~~إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن ~~وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # هذا إخبار عن هول يوم القيامة وشدة أحواله على الكفرة في أنهم لا ينفعهم ~~الاعتذار ولا يعطون عتبى وهي الرضى، ويستعتبون بمعنى يعتبون كما تقال يملك ~~ويستملك، والباب في استفعل أنه طلب الشيء وليس هذا منه لأن المعنى كان يفسد ~~إذا كان المفهوم منه ولا يطلب منهم عتبى. # وقرأ عاصم والأعمش «ينفع» بالياء كما قال تعالى فمن جاءه موعظة من ربه ~~[البقرة: 275] وحسن هذا أيضا بالتفرقة ms2797 التي بين الفعل وما أسند إليه كما ~~قال الشاعر: [الطويل] # وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والديار البلاقع # ثم أخبر تعالى عن قسوة قلوبهم وعجرفة طباعهم في أنه ضرب لهم كل مثل وبين ~~عليهم بيان الحق ثم هم مع ذلك الآية والمعجزة يكفرون ويلجون ويعمهون في ~~كفرهم، ويصفون أهل الحق بالإبطال، ثم أخبر تعالى أن هذا إنما هو من طبعه ~~وختمه على قلوب الجهلة الذين قد حتم عليهم الكفر في الأزل، وذهب أبو عبيدة ~~إلى أنه من قولهم طبع السيف أي صدىء أشد صدأ، ثم أمر نبيه بالصبر وقوى نفسه ~~لتحقيق الوعد ونهاه عن الاهتزاز لكلامهم والتحرك واضطراب النفس لأقوالهم إذ ~~هم لا يقين لهم ولا بصيرة، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب «يستحقنك» بحاء غير ~~معجمة وقاف من الاستحقاق، والجمهور على الخاء المعجمة والفاء من الاستخفاف، ~~إلا أن ابن أبي إسحاق ويعقوب سكنا النون من «يستخفنك» ، وروي أن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه كان في صلاة الفجر فناداه رجل من الخوارج بأعلى صوته ~~فقرأ هذه الآية: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين [الزمر: 65] ، فعلم علي رضي الله عنه مقصده في هذا ~~وتعريضه به فأجابه وهو في الصلاة بهذه الآية: # فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. PageV04P344 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة لقمان # هذه السورة مكية غير آيتين قال قتادة أولهما: ولو أنما في الأرض من شجرة ~~أقلام والبحر يمده من بعده [لقمان: 27] إلى آخر الآيتين، وقال ابن عباس ~~ثلاث آيات أولهن ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام [لقمان: 27] . # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين ms2798 (6) # تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور وفي ترتيب تلك مع كل قول منها، ~~والحكيم يصح أن يكون من الحكمة ويصح أن يكون من الحكم، وقرأ جمهور القراء ~~«هدى ورحمة» بالنصب على الحال من المبهم، ولا يصح أن تكون من الكتاب لأنه ~~مضاف إليه، وقرأ حمزة والكسائي «هدى ورحمة» بالرفع على تقدير هو هدى، وخصصه ~~للمحسنين من حيث لهم نفعه وهم نظروه بعين الحقيقة وإلا فهو هدى في نفسه، ~~وفي قراءة ابن مسعود «هدى وبشرى للمؤمنين» ، ثم وصف تعالى المحسنين بأنهم ~~الذين عندهم اليقين بالبعث وبكل ما جاء به الرسول، وعندهم إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة ومن صفتهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله ~~جبريل عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ~~الحديث. وقوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث روي أنها نزلت في قرشي ~~اشترى جارية مغنية تغني بهجاء محمد صلى الله عليه وسلم وسبه فنزلت الآية في ~~ذلك، وقيل إنه ابن خطل وروي عن أبي أمامة الباهلي بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «شراء المغنيات وبيعهن حرام» وقرأ هذه الآية، وقال في هذا المعنى ~~أنزلت علي هذه الآية، وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ~~ومجاهد، وقال الحسن لهو الحديث المعازف والغناء، وقال بعض الناس نزلت في ~~النضر بن الحارث لأنه اشترى كتب رستم واسبندياد وكان يخلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول أنا أحسن حديثا من محمد، وقال ~~قتادة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش ~~وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الأباطيل. PageV04P345 # قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات ~~شراء لها على حد قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى [البقرة: ~~16، 175] ، وقد قال مطرف: شراء لهو الحديث استحبابه، قال قتادة ولعله لا ~~ينفق فيه مالا ولكن سماعه هو شراؤه، وقال الضحاك لهو الحديث الشرك، وقال ~~مجاهد أيضا لهو ms2799 الحديث الطبل وهذا ضرب من الغناء. # قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث منضاف ~~إلى كفر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا، والتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة ~~والمجاز على ما بينا، ولهو الحديث كل ما يلهي من غناء وخنى ونحوه، والآية ~~باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا ~~الآيات هزوا ولا عليهم هذا الوعيد، بل ليعطل عبادة ويقطع زمانا بمكروه، ~~وليكون من جملة العصاة والنفوس الناقصة تروم تتميم ذلك النقص بالأحاديث وقد ~~جعلوا الحديث من القربى، وقيل لبعضهم أتمل الحديث؟ قال: إنما يمل العتيق. # قال الفقيه الإمام القاضي: يريد القديم المعاد، لأن الحديث من الأحاديث ~~فيه الطرافة التي تمنع من الملل، وقرأ نافع وعاصم والحسن وجماعة «ليضل» بضم ~~الياء. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتحها، وفي حرف أبي «ليضل الناس عن سبيل الله» ~~، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «ويتخذها» بالنصب عطفا على ليضل، وقرأ ~~الباقون «ويتخذها» بالرفع عطفا على يشتري، والضمير في يتخذها يحتمل أن يعود ~~على الكتاب المذكور أولا ويحتمل أن يعود على السبيل، ويحتمل أن يعود على ~~الأحاديث لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث، وكذلك سبيل الله اسم جنس ولكل ~~وجه من الحديث وجه يليق به من السبيل. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 7 الى 11] # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) ~~خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ~~ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من ~~السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق ~~الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) # هذا دليل على كفر الذي نزلت فيه هذه الآية التي قبلها، و «الوقر» في ~~الأذن ms2800 الثقل الذي يعسر إدراك المسموعات، وجاءت البشارة بالعذاب من حيث قيدت ~~ونص عليها، ولما ذكر عز وجل حال هؤلاء الكفرة وتوعدهم بالنار على أفعالهم، ~~عقب بذكر المؤمنين وما وعدهم به من جنات النعيم ليبين الفرق، ووعد الله ~~منصوب على المصدر، وحقا مصدر مؤكد، وقوله تعالى: بغير عمد ترونها يحتمل PageV04P346 # أن يعود الضمير على السماوات فيكون المعنى أن السماء بغير عمد وأنها ترى ~~كذلك، وهذا قول الحسن والناس، وترونها على هذا القول في موضع نصب على ~~الحال، ويحتمل أن يعود الضمير على «العمد» فيكون ترونها صفة للعمد في موضع ~~خفض، ويكون المعنى أن السماء لها عمد لكن غير مرئية قاله مجاهد ونحا إليه ~~ابن عباس، والمعنى الأول أصح والجمهور عليه، ويجوز أن تكون ترونها في موضع ~~رفع على القطع ولا عمد ثم، و «الرواسي» هي الجبال التي رست أي ثبتت في ~~الأرض، وقوله: أن تميد بمعنى لئلا تميد، والميد التحرك يمنة ويسرة وما قرب ~~من ذلك، وقوله تعالى: من كل زوج أي من كل نوع، و «الزوج» في اللغة النوع ~~والصنف وليس بالذي هو ضد الفرد، وقوله تعالى: كريم يحتمل أن يريد مدحه من ~~جهة إتقان صنعه وظهور حسن الرتبة والتحكيم للصنع فيه فيعم حينئذ جميع ~~الأنواع لأن هذا المعنى في كلها، ويحتمل أن يريد مدحه بكرم جوهره وحسن ~~منظره ومما تقضي له النفوس بأنه أفضل من سواه حتى يستحق الكرم، فتكون ~~الأزواج على هذا مخصوصة في نفائس الأشياء ومستحسناتها، ولما كان عظم ~~الموجودات كذلك خصص الحجة بها. وقوله: «أنبتنا» يعم جميع أنواع الحيوان ~~وأنواع النبات والمعادن، ثم وقف تعالى الكفار على جهة التوبيخ وإظهار الحجة ~~على أن هذه الأشياء هي مخلوقات الله تعالى، ثم سألهم أن يوجده ما خلق ~~الأوثان والأصنام وغيرهم ممن عبد، أي أنهم لن يخلقوا شيئا، بل هذا الذي ~~قريش فيه ضلال مبين، فذكرهم بالصفة التي تعم معهم سواهم ممن فعل فعلهم من ~~الأمم، وقوله: ماذا يجوز أن تكون «ما» استفهاما في موضع رفع بالابتداء و ~~«ذا» ms2801 خبرها بمعنى الذي والعائد محذوف، ويجوز أن تكون «ما» مفعولة ب «أروني» ~~و «ذا» و «ما» بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره في الوجهين خلقه. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 12 الى 13] # ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ~~إن الشرك لظلم عظيم (13) # لقمان رجل حكيم بحكمة الله تعالى وهي الصواب في المعتقدات والفقه في ~~الدين والعقل، واختلف هل هو نبي مع ذلك أو رجل صالح فقط، فقال بنبوءته ~~عكرمة والشعبي، وقال بصلاحه فقط مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول «لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن ~~اليقين أحب الله فأحبه فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم ~~بالحق، فقال يا رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء وإن عزمت علي فسمعا ~~وطاعة فإنك ستعصمني وكان قاضيا في بني إسرائيل نوبيا أسود مشقق الرجلين ذا ~~مشافر» ، قاله سعيد بن المسيب ومجاهد وابن عباس، وقال له رجل كان قد رعى ~~معه الغنم ما بلغ بك يا لقمان ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعني، ~~وقال ابن المسيب: كان من سودان مصر من النوبة، وقال خالد بن الربيع: كان ~~نجارا، وقيل كان خياطا، وقيل كان راعيا، وحكم لقمان كثيرة مأثورة، قيل له ~~وأي الناس شر؟ قال الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئا. PageV04P347 # وقوله تعالى: أن اشكر يجوز أن تكون أن في موضع نصب على إسقاط حرف الجر أي ~~«بأن اشكر لله» ، ويجوز أن تكون مفسرة أي كانت حكمته دائرة على الشكر لله ~~ومعانيه وجميع العبادات والمعتقدات داخلة في شكر الله تعالى، ثم أخبر تعالى ~~أن الشاكر حظه عائد عليه وهو المنتفع بذلك، والله تعالى غني عن الشكر فلا ~~ينفعه شكر العباد حميد في نفسه فلا يضره كفر الكافرين وحميد بمعنى محمود أي ~~هو مستحق ذلك ms2802 بذاته وصفاته، وقوله وإذ قال يحتمل أن يكون التقدير واذكر إذ ~~قال، ويحتمل أن يكون التقدير «وآتيناه الحكمة إذ قال» واختصر ذلك لدلالة ~~المتقدم عليه واسم ابنه ثاران، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة ~~والكسائي وأبو بكر عن عاصم «يا بني» بالشد والكسر في الياء في الثلاثة على ~~إدغام إحدى الياءين في الأخرى، وقرأ حفص والمفضل عن عاصم «يا بني» بالشد ~~والفتح في الثلاثة على قولك يا بنيا ويا غلاما، وقرأ ابن أبي برة عن ابن ~~كثير «يا بني» بسكون الياء، ويا بني إنها [لقمان: 16] بالكسر، ويا بني أقم ~~الصلاة [لقمان: 17] بفتح الياء، وروى عنه قنبل بالسكون في الأولى والثالثة ~~وبكسر الوسطى وظاهر قوله إن الشرك لظلم عظيم أنه من كلام لقمان، ويحتمل أن ~~يكون خبرا من الله تعالى منقطعا من كلام لقمان متصلا به في تأكيد المعنى، ~~ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الانعام: ~~82] أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم، فأنزل ~~الله تعالى إن الشرك لظلم عظيم فسكن إشفاقهم. # قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون ذلك خبرا من الله ~~تعالى، وقد يسكن الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة ~~والسداد. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 14 الى 15] # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر ~~لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) # هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان، ووجه الطبري ذلك بأنها من معنى ~~كلام لقمان ومما قصده، وذلك غير متوجه لأن كون الآيتين في شأن سعد بن أبي ~~وقاص حسب ما أذكره بعد يضعف أن تكون مما قالها لقمان، وإنما الذي يشبه أنه ~~اعتراض أثناء الموعظة وليس ذلك بمفسد للأول منها ولا للآخر، بل لما فرغ من ms2803 ~~هاتين الآيتين عاد إلى الموعظة على تقدير إضمار وقال أيضا لقمان ثم اختصر ~~ذلك لدلالة المتقدم عليه، وهذه الآية شرك الله تعالى الأم والوالد منها في ~~رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل ودرجة ذكر الرضاع فتحصل ~~للأم ثلاث مراتب وللأب واحدة، وأشبه ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين ~~قال له رجل من أبر؟ «قال: أمك. قال ثم من؟ قال: ثم أمك. قال ثم من؟ قال: ثم ~~أمك. قال ثم من؟ قال ثم أباك» فجعل له الربع من المبرة كالآية. وهنا على ~~وهن معناه ضعفا على ضعف، وقيل إشارة إلى مشقة الحمل ومشقة الولادة بعده، ~~وقيل إشارة إلى ضعف الولد وضعف الأم معه، ويحتمل أن PageV04P348 # أشار إلى تدرج حالها في زيادة الضعف، فكأنه لم يعين ضعفين بل كأنه قال ~~حملته أمه والضعف يتزيد بعد الضعف إلى أن ينقضي أمره، وقرأ عيسى الثقفي ~~«وهنا على وهن» بفتح الهاء، ورويت عن أبي عمرو وهما بمعنى واحد، وقرأ جمهور ~~الناس «وفصاله» ، وقرأ الحسن وأبو رجاء والجحدري ويعقوب «وفصله» ، وأشار ب ~~«الفصال» إلى تعديد مدة الرضاع فعبر عنه بغايته، والناس مجمعون على العامين ~~في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات، وأما في تحريم اللبن فحددت فرقة ~~بالعامين لا زيادة ولا نقص، وقالت فرقة العامان وما اتصل بهما من الشهر ~~ونحوه إذا كان متصل الرضاع في حكم واحد يحرم، وقالت فرقة إن فطم الصبي قبل ~~العامين وترك اللبن فإن ما شرب بعد ذلك في الحولين لا يحرم، وقوله تعالى: ~~أن اشكر يحتمل أن يكون التقدير «بأن اشكر» ، ويحتمل أن تكون مفسرة، وقال ~~سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى. ومن دعا لوالديه ~~في دبر الصلوات فقد شكرهما، وقوله تعالى: إلي المصير توعد أثناء الوصية، ~~وقوله تعالى: وإن جاهداك الآية روي أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن ~~أبي وقاص وذلك أن أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية لما أسلم حلفت أن لا تأكل ~~ولا تشرب ms2804 حتى يفارق دينه ويرجع إلى دين قومه فلج سعد في الإسلام، وكانت هي ~~إذا أفرط عليها الجوع والعطش شحوا فاها، ويروى شجروا فاها، أي فتحوه بعود ~~ونحوه وصبوا ما يرمقها، فلما طال ذلك ورأت أن سعدا لا يرجع أكلت، ففي هذه ~~القصة نزلت الآيات، قاله سعد بن أبي وقاص والجماعة من المفسرين. # قال الفقيه الإمام القاضي: فمطلب الآية الأولى الأمر ببر الوالدين ~~وتعظيمه، ثم حكم بأن ذلك لا يكون في الكفر والمعاصي، وجملة هذا الباب أن ~~طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم ~~طاعتهما في المباحات وتستحسن في ترك الطاعات الندب، ومنه أمر جهاد الكفاية ~~والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب لكن ~~يعلل بخوف هلكة عليها ونحوه مما يبيح قطع الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب، ~~وخالف الحسن في هذا الفصل فقال إن منعته أمه من شهود العشاء الآخرة شفقة ~~فلا يطعها، وقوله وصاحبهما في الدنيا معروفا يعني الأبوين الكافرين أي ~~صلهما بالمال وادعهما برفق، ومنه قول أسماء بنت أبي بكر الصديق للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها، وقيل أمها من الرضاعة، فقالت: يا ~~رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال نعم. وراغبة قيل معناه ~~عن الإسلام. # قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي أنها راغبة في الصلة وما كانت ~~لتقدم على أسماء لولا حاجتها، ووالدة أسماء هي قتيلة بنت عبد عزى بن عبد ~~أسعد وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام. # وقوله تعالى: واتبع سبيل من أناب إلي، وصية لجميع العالم كأن المأمور ~~الإنسان، وأناب معناه، مال ورجع إلى الشيء، وهذه سبيل الأنبياء والصالحين، ~~وحكى النقاش أن المأمور سعد والذي أناب أبو بكر، وقال: إن أبابكر لما أسلم ~~أتاه سعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة وسعيد والزبير فقالوا آمنت؟ قال ~~نعم، فنزلت فيه أمن هو قانت آناء الليل [الزمر: 9] فلما سمعها الستة آمنوا ~~فأنزل الله PageV04P349 # تعالى فيهم ms2805 والذين اجتنبوا الطاغوت [الزمر: 17] إلى قوله أولئك الذين ~~هداهم الله [الزمر: 18] . # ثم توعد عز وجل بالبعث من القبور والرجوع إليه للجزاء والتوقيف على صغير ~~الأعمال وكبيرها. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 16 الى 19] # يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) ولا ~~تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) ~~واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) # المعنى وقال لقمان يا بني، وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه ~~بقدر قدرة الله تعالى وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن «الخردلة» يقال ~~إن الحس لا يقدر لها ثقلا إذ لا ترجح ميزانا، وقد نطقت هذه الآية بأن الله ~~تعالى قد أحاط بها علما. وقوله مثقال حبة عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة، ~~وتصلح للأعمال أي ما تزنه على جهة المماثلة قدر حبة، وظاهر الآية أنه أراد ~~شيئا من الأشياء خفيا قدر حبة، ويؤيد ذلك ما روي من أن ابن لقمان سأل أباه ~~عن الحبة تقع في مقل البحر يعلمها الله، فراجعه لقمان بهذه الآية. وذكر ~~كثير من المفسرين أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات، ويؤيد ذلك قوله يأت ~~بها الله أي لا تفوت، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف منضاف ~~ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى، وفي القول الآخر ليس ترجية ولا تخويف. ومما ~~يؤيد قول من قال هي من الجواهر قراءة عبد الكريم الجزري «فتكن» بكسر الكاف ~~وشد النون من الكن الذي هو الشيء المغطى، وقرأ جمهور القراء «إن تك» بالتاء ~~من فوق «مثقال» بالنصب على خبر «كان» واسمها مضمر تقديره مسألتك على ما ~~روي، أو المعصية أو الطاعة على القول الثاني. ولهذا المقدر هو الضمير في ~~إنها. وقرأ ms2806 نافع وحده بالتاء أيضا «مثقال» بالرفع على اسم «كان» وهي ~~التامة، وأسند إلى المثقال فعلا فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث ~~هو منه وهذا كقول الشاعر: [الطويل] # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر. وقوله فتكن في صخرة، قيل أراد الصخرة التي ~~عليها الأرض والحوت والماء وهي على ظهر ملك وقيل هي صخرة في الريح. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف لا يثبته سند، وإنما معنى الكلام ~~المبالغة والانتهاء في التفهيم، أي أن قدرته تنال ما يكون في تضاعيف صخرة ~~وما يكون في السماء وفي الأرض. وقرأ قتادة «فتكن» بكسر الكاف والتخفيف من ~~وكن يكن، وتقدمت قراءة عبد الكريم «فتكن» . وقوله يأت بها الله إن أراد ~~الجواهر فالمعنى يأت بها إن احتيج إلى ذلك أو كانت رزقا ونحو هذا، وإن أراد ~~الأعمال فمعناه يأت بذكرها وحفظها فيجازي عليها بثواب أو عقاب. ولطيف خبير ~~صفتان لائقتان بإظهار غرائب PageV04P350 # القدرة، ثم وصى ابنه بعظم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل هو في نفسه ويزدجر عن المنكر وهنا ~~هي الطاعات والفضائل أجمع، وقوله واصبر على ما أصابك يقتضي حضا على تغيير ~~المنكر وإن نال ضررا فهو إشعار بأن المغير يؤذي أحيانا، وهذا القدر هو على ~~جهة الندب والقوة في ذات الله، وأما على اللزوم فلا. وقوله تعالى إن ذلك من ~~عزم الأمور يحتمل أن يريد مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن ~~يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم والسالكين طريق النجاة، ~~والأول أصوب، وبكليهما قالت طائفة. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ~~وابن محيصن «ولا تصاعر» ، وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر والحسن ومجاهد ~~وأبو جعفر «ولا تصعر» ، وقرأ الجحدري «ولا تصعر» بسكون الصاد والمعنى ~~متقارب، و «الصعر» الميل ومنه قول الأعرابي: «وقد أقام الدهر صعري بعد أن ~~أقمت صعره» ، ومنه قول عمرو بن حنى التغلبي: [الطويل] # وكنا ms2807 إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوم # أي فتقوم أنت، قاله أبو عبيدة، وأنشد الطبري «فتقوما» وهو خطأ لأن قافية ~~الشعر مخفوضة، وفي بيت آخر أقمنا له من خده المتصعر. فمعنى الآية ولا تمل ~~خدك للناس كبرا عليهم ونخوة وإعجابا واحتقارا لهم وهذا هو تأويل ابن عباس ~~وجماعة، ويحتمل أن يريد أيضا الضد، أي «ولا تصاعر خدك» سؤالا ولا ضراعة ~~بالفقر، والأول أظهر بدلالة ذكر الاختيال والفخر بعد، وقال مجاهد «ولا ~~تصعر» أراد به الإعراض هجرة بسبب إحنة، والمرح النشاط، والمشي مرحا هو في ~~غير شغل ولغير حاجة، وأهل هذا الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال ~~في مشيه وقد قال عليه السلام «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم ~~القيامة» ، وقال: «بينما رجل من بني إسرائيل يجر ثوبه خيلاء خسف به فهو ~~يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» ، وقال مجاهد «الفخور» هو الذي يعدد ما ~~أعطى ولا يشكر الله تعالى. # قال الفقيه الإمام القاضي: وفي الآية الفخر بالنسب وغير ذلك، ولما نهاه ~~عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله من القصد في ~~المشي وهو أن لا يتخرق في إسراع ولا يواني في إبطاء وتضاؤل على نحو ما قال ~~القائل: [مجزوء الرمل] # كلنا نمشي رويد ... كلنا يطلب صيد # غير عمرو بن عبيد وأن لا يمشي مختالا متبخترا ونحو هذا مما ليس في قصد، و ~~«غض الصوت» أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه، ثم عارض ممثلا بصوت ~~الحمير على جهة التشبيه، أي تلك هي التي بعدت عن الغض فهي أنكر الأصوات، ~~فكذلك كل ما بعد عن الغض من أصوات البشر فهو في طريق تلك وفي الحديث «إذا ~~سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا» ، وقال ~~سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير، وقال عطاء: صياح الحمير ~~دعاء على الظلمة، وأنكر معناه أقبح وأخشن، وأنكر عبارة تجمع المذام اللاحقة ~~للصوت الجهير، وكانت العرب تفتخر بجهارة الصوت الجهير على خلق الجاهلية ms2808 ~~ومنه قول الشاعر يمدح آخر: [المتقارب] PageV04P351 # جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النعم # ويعدو على الأين عدو الظليم ... ويعلو الرجال بخلق عمم # فنهى الله تعالى عن هذه الخلق الجاهلية، وقوله لصوت الحمير أراد ب ~~«الصوت» اسم الجنس، ولذلك جاء مفردا، وقرأ ابن أبي عبلة «أنكر الأصوات ~~أصوات الحمير» بالجمع في الثاني دون لام، والغض رد طمحان الشيء كالنظر ~~وزمام الناقة والصوت وغير ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 20 الى 21] # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) # هذه آية تنبيه على الصنعة الدالة على الصانع، وذلك أن تسخير هذه الأمور ~~العظام كالشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والحيوان والنبات إنما هو ~~بمسخر ومالك، وقرأ يحيى بن عمارة وابن عباس «وأصبغ» بالصاد على بدلها من ~~السين لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا، ~~والجمهور قراءتهم بالسين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم والحسن والأعرج ~~وأبو جعفر وابن نصاح وغيرهم «نعمه» جمع نعمة كسدرة وسدر بفتح الدال، و ~~«الظاهرة» هي الصحة وحسن الخلقة والمال وغير ذلك، و «الباطنة» المعتقدات من ~~الإيمان ونحوه والعقل. # قال ابن عباس «الظاهرة» الإسلام وحسن الخلقة، و «الباطنة» ما يستر من ~~سيىء العمل، وفي الحديث قيل يا رسول الله قد عرفنا الظاهرة فما الباطنة؟ ~~قال: ستر ما لو رآك الناس عليه لقتلوك. # قال الفقيه الإمام القاضي: ومن «الباطنة» التنفس والهضم والتغذي وما لا ~~يحصى كثرة، ومن «الظاهرة» عمل الجوارح بالطاعة. قال المحاسبي رحمه الله ~~«الظاهرة» تعم الدنيا و «الباطنة» تعم العقبى، وقرأ جمهور الناس «نعمة» على ~~الإفراد، فقال مجاهد المراد لا إله إلا الله، وقال ابن عباس أراد الإسلام، ~~والظاهر عندي أنه اسم جنس كقوله تعالى: وإن ms2809 تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~[إبراهيم: 34، النحل: 18] ، ثم عارض بالكفرة منها على فساد حالهم وهم ~~المشار إليهم بقوله تعالى: ومن الناس، وقال النقاش: الإشارة إلى النضر بن ~~الحارث ونظرائه لأنهم كانوا ينكرون الله ويشركون الأصنام في الألوهية، فذلك ~~جدالهم، وبغير علم أي لم يعلمهم من يقبل قوله ولا عندهم هدى قلب ولا نور ~~بصيرة يقيمون بها حجة ولا يتبعون بذلك كتابا بأمر الله يقر بأنه وحي، بل ~~ذلك دعوى منهم وتخرص، وإذا دعوا إلى اتباع وحي الله رجعوا إلى التقليد ~~المحض بغير حجة فسلكوا طريق الآباء، ثم وقف الله تعالى وهم المراد بالتوفيق ~~على اتباعهم دين آبائهم أيكون وهم بحال من يصير إلى عذاب السعير فكان ~~القائل منهم يقول هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير فدخلت ~~ألف التوقيف على حرف العطف كما كان اتساق الكلام فتأمله. PageV04P352 # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 22 الى 26] # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله ~~عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ~~إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) # لما ذكر تعالى حال الكفرة أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين ليبين الفرق وتتحرك ~~النفوس إلى طلب الأفضل، وقرأت عامة القراء «يسلم» بسكون السين وتخفيف ~~اللام. # وقرأ عبد الله بن مسلم وأبو عبد الرحمن «يسلم» بفتح السين وشد اللام ~~ومعناه يخلص ويوجه ويستسلم به، و «الوجه» هنا الجارحة استعير للمقصود لأن ~~القاصد للشيء فهو مستقبله بوجهه فاستعير ذلك للمقاص، و «المحسن» الذي جمع ~~القول والعمل، وهو الذي شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل ~~عن الإحسان، و «العروة الوثقى» استعارة للأمر المنجي الذي لا يخاف عليه ~~استحالة ولا إخلال والعرى موضع التعليق فكأن المؤمن متعلق بأمر الله فشبه ms2810 ~~ذلك بالعروة، والأمور جمع أمر وليس بالمضاد للنهي، ثم سلى عز وجل نبيه عن ~~موجدته لكفر قومه وإعراضهم فأمره أن لا يحزن لذلك بل يعمد لما كلفه من ~~التبليغ ويرجع الكل إلى الله تعالى، وقرأت فرقة «يحزنك» من الرباعي، وقرأت ~~فرقة «يحزنك» من الثلاثي، و «ذات الصدور» ما فيها والقصد من ذلك إلى ~~المعتقدات والآراء، ومن ذلك قولهم «الذئب مغبوط بذي بطنه» ، ومنه قول أبي ~~بكر رضي الله عنه «ذو بطن بنت خارجة» ، والمتاع القليل هو العمر في الدنيا، ~~و «العذاب الغليظ» معناه المغلظ المؤلم، ثم أقام عليهم الحجة في أمر ~~الأصنام بأنهم يقرون بأن الله تعالى خالق المخلوقات ويدعون مع ذلك إلها ~~غيره، والمعنى قل الحمد لله على ظهور الحجة عليكم، وقوله تعالى: بل أكثرهم ~~إضراب عن مقدر تقديره ليس دعواهم بحق ونحو هذا، وقوله أكثرهم على أصله لأن ~~منهم من شذ فعلهم كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس، وورقة بن نوفل، ويحتمل أن ~~تكون الإشارة أيضا إلى من هو معد أن يسلم، ثم أخبر على جهة الحكم وفصل ~~القضية بأن الله له ملك السماوات والأرض وما فيها، أي وأقوال هؤلاء لا معنى ~~لها ولا حقيقة، والغني الذي لا حاجة به في وجوده وكماله إلى شيء ولا نقص ~~بجهة من الجهات، والحميد المحمود أي كذلك هو بذاته وصفاته. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 27 الى 28] # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن ~~الله سميع بصير (28) # روي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن اليهود قالت يا محمد كيف عنينا بهذا ~~القول وما أوتيتم PageV04P353 # من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] ونحن قد أوتينا التوراة فيها كلام الله تعالى وأحكامه ~~وعندك أنها تبيان كل شيء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «التوراة ~~قليل من كثير» ونزلت هذه الآية، وهذا هو القول الصحيح، والآية مدنية وقال ~~قوم: ms2811 سبب الآية أن قريشا قالت سيتم هذا الكلام لمحمد وينجسر فنزلت هذه ~~الآية، وقال السدي: قالت قريش ما أكثر كلام محمد فنزلت. # قال الفقيه الإمام القاضي: والغرض منها الإعلام بكثرة كلمات الله تعالى ~~وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، ~~لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، وأيضا فإن الآية إنما تضمنت أن كلمات ~~الله لم تكن لتنفد، وليس تقتضي الآية أنها تنفد بأكثر من هذه «الأقلام» ~~والبحور، قال أبو علي: المراد ب «الكلمات» والله أعلم ما في المقدور دون ما ~~أخرج منه إلى الوجود، وذهبت فرقة إلى أن «الكلمات» هنا إشارة إلى ~~المعلومات. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ينحو إلى الاعتزال من حيث يرون في ~~الكلام أنه مخلوق وهذه الآية بحر نظر، نور الله تعالى قلوبنا بهداه، وقرأ ~~أبو عمرو وحده من السبعة وابن أبي إسحاق وعيسى «والبحر» بالنصب عطفا على ~~«ما» التي هي اسم «أن» ، وقرأ جمهور الناس و «البحر» بالرفع على أنه ابتداء ~~وخبره في الجملة التي بعده لأن تقديرها هذه، حاله كذا، قدرها سيبويه وقال ~~بعض النحويين هو عطف على «أن» لأنها في موضع رفع بالابتداء، وقرأ جمهور ~~الناس «يمده» من مد وقرأ الحسن بن أبي الحسن «يمده» من أمد، وقالت فرقة هما ~~بمعنى واحد، وقالت فرقة مد الشيء بعضه بعضا وأمد الشيء ما ليس منه، فكأن ~~«الأبحر السبعة» المتوهمة ليست من البحر الموجود، وقرأ جعفر بن محمد ~~«والبحر مداده» وهو مصدر، وقرأ ابن مسعود «وبحر يمده» ، وقرأ الحسن «ما نفد ~~كلام الله» ، ثم ذكر تعالى أمر الخلق والبعث أنه في الجميع وفي شخص واحد ~~بالسواء لأنه كله بكن فيكون قاله مجاهد. # وحكى النقاش أن هذه الآية في أبي بن خلف وأبي الأسود ونبيه ومنبه ابني ~~الحجاج وذلك أنهم قالوا يا محمد إنا نرى الطفل يخلق بتدرج وأنت تقول الله ~~يعيدنا دفعة واحدة فنزلت الآية بسببهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 29 الى 30] # ألم تر أن الله ms2812 يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله ~~هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) # هذا تنبيه خوطب به محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به جميع العالم، وهذه ~~عبرة تدل على الخالق المخترع أن يكون الليل بتدرج والنهار كذلك فما قصر من ~~أحدهما زاد في الآخر ثم بالعكس ينقسم بحكمة بارئ العالم لا رب غيره، ويولج ~~معناه يدخل، و «الأجل المسمى» القيامة التي تنتقض فيها هذه البنية وتكور ~~الشمس، وقرأ جمهور القراء «بما تعملون» بالتاء من فوق، وقرأ عباس عن أبي ~~عمرو «يعملون» بالياء، وقوله تعالى: ذلك بأن الله هو الحق الإشارة ب ذلك ~~إلى هذه العبرة وما جرى PageV04P354 # مجراها، ومعنى هو الحق أي صفة الألوهية له حق، فيحسن في القول تقدير ذو، ~~وكذلك الباب متى أخبر بمصدر عن عين فالتقدير ذو كذا وحق مصدر ومنه قول ~~الشاعر: # فإنما هي إقبال وإدبار وهذا كثير ومتى قلت كذا وكذا حق فإنما معناه اتصاف ~~كذا بكذا حق، وقوله وأن ما يدعون من دونه يصح أن يريد الأصنام وتكون بمعنى ~~الذي ويكون الإخبار عنها ب الباطل على نحو ما قدمناه في الحق، ويصح أن تكون ~~ما مصدرية كأنه قال وأن دعاءكم من دونه آلهة الباطل أي الفعل الذي لا يؤدي ~~إلى الغاية المطلوبة به، وقرأ الجمهور «تدعون» بالتاء من فوق، وقرأ «يدعون» ~~بالياء ابن وثاب والأعمش وأهل مكة ورويت عن أبي عمرو، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 31 الى 32] # ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ~~فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) # الرؤية في قوله ألم تر رؤية العين يتركب عليها النظر والاعتبار، والمخاطب ~~محمد صلى الله ms2813 عليه وسلم والمراد الناس أجمع، والفلك جمع وواحد بلفظ واحد، ~~وقرأ موسى بن الزبير «الفلك» بضم اللام، وقوله بنعمت الله يحتمل أن يريد ما ~~تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات، فالباء للأرزاق، ويحتمل أن يريد ~~الريح وتسخير الله البحر ونحو هذا، فالباء باء السبب، وقرأ الجمهور «بنعمة» ~~، وقرأ الأعرج ويحيى بن يعمر «بنعمات» على الجمع، وقرأ ابن أبي عبلة ~~«بنعمات» بفتح النون وكسر العين، وذكر تعالى من صفة المؤمن «الصبار» و ~~«الشكور» لأنهما عظم أخلاقه الصبر على الطاعات وعلى النوائب وعلى الشهوات، ~~والشكر على الضراء والسراء، وقال الشعبي الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه ~~الآخر، واليقين الإيمان كله. و «غشي» غطى، أو قارب، و «الظلل» السحاب، وقرأ ~~محمد بن الحنفية «الظلال» ومنه قول النابغة الجعدي يصف البحر: [الوافر] # يماشيهن أخضر ذو ظلال ... على حافاته فلق الدنان # ووصف تعالى في هذه الآية حالة البشر الذين لا يعتبرون حق العبرة، والقصد ~~بالآية تبيين آية تشهد العقول بأن الأوثان والأصنام لا شرك لها فيه ولا ~~مدخل وقوله تعالى: فمنهم مقتصد قال الحسن منهم مؤمن يعرف حق الله تعالى في ~~هذه النعم. # وقال مجاهد: يريد فمنهم مقتصد على كفره أي منهم من يسلم الله ويفهم نحو ~~هذا من القدرة وإن ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها بسيرته ونشأته، والختار ~~القبيح الغدر وذلك أن نعم الله تعالى على PageV04P355 # العباد كأنها عهود ومنن يلزم عنها أداء شكرها فمن كفر ذلك وجحد به فكأنه ~~ختر وخان، ومن «الختر» قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر] # وإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر # وقال الحسن: «الختار» هو الغدار، وكفور بناء مبالغة. # قوله عز وجل: ### || [سورة لقمان (31) : الآيات 33 الى 34] # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب ms2814 غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير (34) # يجزي معناه يقضي، والمعنى لا ينفعه بشيء ولا يدفع عنه، وهو جاز جملة في ~~موضع الصفة، أي ولا يجزي مولود قد كان في الدنيا يجزي، والغرور التطميع بما ~~لا يتحصل، والغرور الشيطان، بذلك فسر مجاهد والضحاك وقال هو الأمل ~~والتسويف، وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة «الغرور» بضم العين، وقال سعيد بن ~~جبير: معنى الآية أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، وقرأ الجمهور «يجزي» ~~بفتح الياء من جزا، وقرأ عكرمة «يجزي» بضم الياء على ما لم يسم فاعله، وحكى ~~ابن مجاهد قراءة «لا يجزىء» بضم الياء والهمز وفي رفع «مولود» اضطراب من ~~النحاة قال المهدوي: ولا يكون مبتدأ لأنه نكرة وما بعده صفة له فيبقى بغير ~~خبر. # وقرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عبلة ويعقوب «ولا يغرنكم» خفيفة النون، ~~وقوله تعالى: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ذكر النقاش أن رجلا سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الخمس وروي أنه سأل عن بعضها عن جنين ~~وعما يكسب ونحو هذا فنزلت الآية حاصرة لمفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا ~~الله تعالى ولن تجد من المغيبات شيئا إلا هذه أو ما يعيده النظر، والتأويل ~~إليها، وعلم الساعة مصدر مضاف إلى المفعول، أي كل ما شأنه أن يعلم من أمر ~~الساعة ولكن الذي استأثر الله تعالى به هو علم الوقت وغير ذلك قد أعلم ببعض ~~منه، وكذلك نزول الغيث أمر قد استأثر الله تعالى بتفصيله وعلم وقته الخاص ~~به، وأمر الأجنة كذلك، وأفعال البشر وجميع كسبهم كذلك وموضع موت كل بشر ~~كذلك إلا الأصقاع والموضع الخاص بالجسد، وقرأ ابن أبي عبلة «بأية أرض» بفتح ~~الياء وزيادة تاء تأنيث، وعليم خبير صفتان متشابهتان لمعنى الآية، وقال ابن ~~مسعود: كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الخمس ثم تلا الآية، وقرأ «وينزل» ~~خفيفة أهل الكوفة وأبو عمرو وعيسى، وقرأ «وينزل» بالتثقيل نافع وأبو جعفر ~~وعاصم وشيبة، وذكر أبو حاتم في ترجيح التثقيل ms2815 رؤيا (انتهى) . PageV04P356 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة السجدة # هذه السورة مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون [السجدة: 18] إلى تمام ثلاث آيات، ويأتي تفسيرها، ~~وقال جابر بن عبد الله: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام حتى يقرأ ~~الم «السجدة» و «تبارك» [الملك: 1] . # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل ~~هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) الله ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # تنزيل يصح أن يرتفع بالابتداء والخبر لا ريب ويصح أن يرتفع على أنه خبر ~~ابتداء، وهو إما الحروف المشار إليها على بعض الأقوال في أوائل السور، وإما ~~ذلك تنزيل أو نحو هذا من التقدير بحسب القول في الحروف وقوله تعالى: لا ريب ~~فيه أي هو كذا في نفسه ولا يراعى ارتياب الكفرة، وقوله من رب العالمين ~~متعلق ب تنزيل، ففي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يتعلق بقوله لا ريب أي ~~لا شك فيه من جهة الله تعالى وإن وقع شك للفكرة فذلك لا يراعى، والريب الشك ~~وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله ريب المنون [الطور: 30] وقوله أم يقولون ~~إضراب، كأنه قال بل أيقولون، وافتراه اختلقه، ثم رد تعالى على مقالتهم هذه ~~وأخبر أنه الحق من عند الله، واللام في قوله لتنذر يجوز أن تتعلق بما ~~قبلها، ولا يجوز الوقف على قوله من ربك ويجوز أن تتعلق بفعل مضمر تقديره ~~أنزله لتنذر فيوقف حينئذ على قوله من ربك، وقوله ما أتاهم من نذير أي لم ~~يباشرهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العرب، وقوله تعالى: وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير [فاطر: 24] يعم من بوشر من النذر ومن سمع به فالعرب من الأمم ms2816 ~~التي خلت فيها النذر على هذا الوجه لأنها علمت بإبراهيم وبنيه ودعوتهم وهم ~~ممن لم يأتهم نذير مباشر لهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ~~ومقاتل: المعنى لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، ~~وقوله تعالى: في ستة أيام يقضي بأن يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه ~~شيء، وتظاهرت الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدئ يوم الأحد، وخلق آدم يوم ~~الجمعة آخر الأشياء فهذا مستقيم مع هذه الآية. PageV04P357 # ووقع في كتاب مسلم أن الخلق ابتدئ يوم السبت، فهذا يخالف الآية اللهم إلا ~~أن يكون أراد في الآية جميع الأشياء غير آدم، ثم يكون يوم الجمعة هو الذي ~~لم يخلق فيه شيء مما بين السماء والأرض، لأن آدم لم يكن حينئذ مما بينهما، ~~وقد تقدم القول في قوله: استوى على العرش بما فيه كفاية، وثم في هذا الموضع ~~لترتيب الجمل لأن الاستواء كان بعد أن لم يكن، وهذا على المختار في معنى ~~استوى ونفي «الشفاعة» محمول على أحد وجهين: إما عن الكفرة وإما نفي الشفعاء ~~من ذاتهم على حد شفاعة الدنيا لأن شفاعة الآخرة إنما هي بعد إذن من الله ~~تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : آية 5] # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) # الأمر اسم جنس لجميع الأمور، والمعنى ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما ~~يشاؤه، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سير فيه ~~السير المعروف من البشر ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة هذا ~~أحد الأقوال، وهو قول مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك، وقال مجاهد ~~أيضا: إن المعنى أن الضمير في مقداره عائد على «التدبير» ، أي كان مقدار ~~التدبير المنقضي في يوم ألف سنة لو دبرها البشر، وقال مجاهد أيضا المعنى أن ~~الله تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من عندنا وهو اليوم عنده ~~فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، ms2817 فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة ثم ~~تصير إليه آخرا لأن عاقبة الأمور إليه، وقيل المعنى يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض في مدة الدنيا ثم يعرج إليه يوم القيامة ويوم القيامة مقداره ألف ~~سنة من عندنا وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله وشنعته حسبما في سورة ~~«سأل سائل» وسنذكر هنالك ما فيه من الأقوال والتأويل إن شاء الله، وحكى ~~الطبري في هذه الآية عن بعضهم أنه قال قوله في يوم إلى آخر الآية متعلق ~~بقوله قبل هذا في ستة أيام [السجدة: 4] ومتصل به أي أن تلك الستة كل واحد ~~منها من ألف سنة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف مكرهة ألفاظ هذه الآية عليه ~~رادة له الأحاديث التي بينت أيام خلق الله تعالى المخلوقات، وحكي أيضا عن ~~ابن زيد عن بعض أهل العلم أن الضمير في مقداره عائد على العروج، والعروج ~~الصعود، والمعارج الأدراج التي يصعد عليها، وقالت فرقة معنى الآية يدبر أمر ~~الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم وذلك قدر ألف سنة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أيضا ضعيف وظاهر عود الضمير في إليه على ~~اسم الله تعالى كما قال ذاهب إلى ربي [الصافات: 99] وكما قال «مهاجر إلى ~~ربي» ، وهذا كله بريء من التحيز، وقيل إن الضمير يعود على السماء لأنها قد ~~تذكر، وقرأ جمهور الناس «تعدون» بالتاء، وقرأ الأعمش والحسن بخلاف عنه ~~«يعدون» بالياء من تحت. # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : الآيات 6 الى 11] # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ ~~خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ ~~فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا ~~أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) PageV04P358 # قالت فرقة أراد ب الغيب الآخرة، وب الشهادة الدنيا، وقيل أراد ب الغيب ما ms2818 ~~غاب عن المخلوقين وب الشهادة ما شوهد من الأشياء فكأنه حصر بهذه الألفاظ ~~جميع الأشياء، وقرأ جمهور الناس «خلقه» بفتح اللام على أنه فعل ماض، ومعنى ~~أحسن أتقن وأحكم فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها، ومن هذا ~~المعنى ما قال ابن عباس وعكرمة: ليست است القرد بحسنة ولكنها متقنة محكمة، ~~والجملة في خلقه يحتمل أن تكون في موضع نصب صفة ل كل أو في موضع خفض صفة ل ~~شيء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «خلقه» بسكون اللام وذلك منصوب على ~~المصدر، والضمير فيه إما عائد على الله تعالى وإما على المفعول، ويصح أن ~~يكون بدلا من كل وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن أحسن بمعنى ألهم، ~~وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [طه: 50] أي ألهم ~~الرجل إلى المرأة، والجمل إلى الناقة، وهذا قول فيه بعد ورجحه الطبري، وقرأ ~~جمهور الناس «وبدأ» ، وقرأ الزهري «وبدا خلق الإنسان» بألف دون همزة وبنصب ~~القاف وذلك على البدل لا على التخفيف. # قال الفقيه الإمام القاضي: كأنه أبدل الياء من بدى ألفا، وبدى لغة ~~الأنصار، وقال ابن رواحة: # [الرجز] # «بسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا» # والإنسان آدم عدد أمره على بنيه إذ خلقه خلق لهم من حيث هو منسلهم، و ~~«النسل» ما يكون عن الحيوان من الولد كأنه مأخوذ من نسل الشيء إذا خرج من ~~موضعه، ومنه قوله تعالى: وهم من كل حدب ينسلون [الأنبياء: 96] ومنه نسل ريش ~~الطائر إذا تساقط، و «السلالة» من سل يسل فكأن الماء يسل من الإنسان ومن ~~ذلك قول الشاعر: [الطويل] # فجاءت به عضب الأديم غضنفرا ... سلالة فرج كان غير حصين # و «المهين» الضعيف، مهن الإنسان إذا ضعف وذل، وقوله ونفخ عبارة عن إفاضة ~~الروح في جسد آدم، والضمير في روحه لله تعالى، وهي إضافة ملك إلى مالك وخلق ~~إلى خالق، ثم أظهر تعديد النعم عليهم في أن خصهم في قوله لكم بضمير السمع ms2819 ~~والأبصار والأفئدة وهي لمن تقدم ذكره أيضا كما خص آدم بالتسوية ونفخ الروح ~~وهو لجميع ذريته، وهذا كله إيجاز واقتضاب وترك لما يدل عليه المنطوق به. PageV04P359 # ويحتمل أن يكون الإنسان في هذه الآية اسم الجنس، وقوله تعالى: قليلا صفة ~~لمصدر محذوف، وهو في موضع الحال حين حذف الموصوف به، والضمير في قالوا ~~للكفار الجاحدين البعث من القبور والمستبعدين لذلك دون حجة ولا دليل. وموضع ~~إذا نصب بما في قوله إنا لفي خلق جديد لأن معناه لنعاد، واختلفت القراءة في ~~أإذا وقد تقدم استيعاب ذكره في غير هذا الموضع. وقرأ جمهور القراء «ضللنا» ~~بفتح اللام، وقرأ ابن عامر وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب «ضللنا» بكسر اللام ~~والمعنى تلفنا وتقطعت أوصالنا فذهبنا حتى لم نوجد، ومنه قول الأخطل: ~~[الكامل] # كنت القذا في متن أكدر مزبد ... قذف الأتي به فضل ضلالا # ومنه قول النابغة: # فآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل # أي متلفوه دفنا، ومنه قول امرئ القيس: «تضل المداري في مثنى ومرسل» . ~~وقرأ الحسن البصري «صللنا» بالصاد غير منقوطة وفتح اللام، قال الفراء وتروى ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعناه صرنا من الصلة وهي الأرض اليابسة ~~الصلبة، ويجوز أن يريد به من التغير كما يقال صل اللحم، ورويت هذه القراءة ~~عن ابن عباس وأبان بن سعيد بن العاصي، وقرأ الحسن أيضا «صللنا» بالصاد غير ~~منقوطة وكسر اللام، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة «ضللنا» بضم الضاد وكسر ~~اللام وشدها، وقولهم إنا لفي خلق جديد أي إنا لفي هذه الحالة نعاد ويجدد ~~خلقنا. وقوله تعالى: بل إضراب عن معنى استفهامهم كأنه قال ليسوا مستفهمين ~~«بل هم كافرون» جاحدون بلقاء الله تعالى، ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم ~~بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت ~~الذي يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين الأولى والآخرة، ويتوفاكم معناه ~~يستوفيكم. # ومنه قول الشاعر: [الرجز] # أزيني الأردم ليسوا من أحد ... ولا توفيهم قريش في العدد # وملك الموت ms2820 اسمه عزرائيل وتصرفه كله بأمر الله وبخلقه واختراعه وروي في ~~الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله روحها دون ملك. # قال الفقيه الإمام القاضي: كأنه يعدم حياتها، وكذلك الأمر في بني آدم إلا ~~أنه نوع شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم، وكذلك أيضا غلظ العذاب ~~على الكافرين بذلك، وروي عن مجاهد: أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين ~~يدي الإنسان يأخذ من حيث أمر. # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : الآيات 12 الى 15] # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم ~~هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) إنما يؤمن بآياتنا ~~الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) PageV04P360 # قوله تعالى: لو ترى تعجيب لمحمد وأمته من حال الكفرة وما حل بهم، وجواب ~~لو محذوف لأن حذفه أهول إذ يترك الإنسان فيه مع أقصى تخيله، والمجرمون هم ~~الكافرون بدليل التوعد بالنار وبدليل قولهم إنا موقنون أي أنهم كانوا في ~~الدنيا غير موقنين، وتنكيس الرؤوس هو من الذل واليأس والهم بحلول العذاب ~~وتعلق نفوسهم بالرجعة إلى الدنيا، وفي القول محذوف تقديره يقولون ربنا ~~وقولهم أبصرنا وسمعنا أي ما كنا نخبر به في الدنيا فكنا مكذبين به، ثم ~~طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه لو شاء لهدى ~~الناس أجمعين بأن يلطف بهم لطفا يؤمنون به ويخترع الإيمان في نفوسهم، هذا ~~مذهب أهل السنة، وقال بعض المفسرين تعرض عليهم آية يضطرهم بها إلى الإيمان. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول بعض المعتزلة، إلا أن من أشرنا إليه ~~من المفسرين لم يقدر قدر القول ولا مغزاه ولذلك حكاه، والذي يقود المعتزلة ~~إلى هذه المقالة أنهم يرون أن من يقدر على اللطف بإنسان حتى يؤمن ولا يفعل ~~فإن ذلك ليس من الحكمة ms2821 ولا من الأمر المستقيم، والكلام على هذه المسألة ~~يطول وله تواليفه، والجنة الشياطين، وقوله فذوقوا بمعنى يقال لهم ذوقوا، ~~ونسيتم معناه تركتم، قاله ابن عباس وغيره، وفي الكلام حذف مضاف تقديره عمل ~~أو عدة ونحوه، وقوله إنا نسيناكم سمى العقوبة باسم الذنب، وقوله بما كنتم ~~تعملون أي بتكسبكم الآثام، ثم أثنى عز وجل على القوم الذين يؤمنون بآياته ~~ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم بخلاف ~~ما يصنع الكفر من الإعراض عند التذكير وقول الهجر وإظهار التكبر. وهذه ~~السجدة من عزائم سجود القرآن، وقال ابن عباس: السجود هنا بمعنى الركوع، وقد ~~روي عن ابن جريج ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا ~~أقيمت الصلاة خرجوا من المسجد فكان الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن ~~تكون الآية مدنية، وأيضا فمن مذهب ابن عباس أن القارئ للسجدة يركع واستدل ~~بقوله وخر راكعا وأناب [ص: 24] . # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : الآيات 16 الى 20] # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ~~(16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) ~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا ~~فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~النار الذي كنتم به تكذبون (20) PageV04P361 # جفا الرجل الموضع إذا تركه، و «تجافى الجنب» عن مضجعه إذا تركه وجافى ~~الرجل جنبه عن مضجعه، ومنه في الحديث «ويجافي بضبعيه» أي يبعدهما عن الأرض ~~وعن يديه، فقوله تتجافى جنوبهم أي تبعد وتزول، ومنه قول عبد الله بن رواحة: ~~[الطويل] # نبي تجافى جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # ويروى يبيت يجافي، قال الزجاج والرماني: التجافي التنحي إلى جهة فوق. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول حسن، وكذلك في الصفح عن المخطي في سب ~~ونحوه، و «الجنوب» جمع جنب، و «المضجع» موضع الاضطجاع للنوم، وقال ms2822 أنس بن ~~مالك: أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال عطاء وأبو سلمة ~~أراد صلاة العشاء الآخرة، وقال أبو محمد: وكانت الجاهلية ينامون من أول ~~المغرب ومن أي وقت شاء الإنسان فجاء انتظار وقت العشاء الآخرة غريبا شاقا، ~~وقال أنس بن مالك أيضا: أراد انتظار العشاء الآخرة لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقال ~~الضحاك: «تجافي الجنب» هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة وهذا قول ~~حسن يساعده لفظ الآية، وقال الجمهور من المفسرين: أراد بهذا التجافي صلاة ~~النوافل بالليل. # قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى هذا التأويل أكثر الناس، وهو الذي فيه ~~المدح، وفيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قيام الليل ثم يستشهد ~~بالآية، ذكره الطبري عن معاذ بن جبل، ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جزوا ~~بإخفاء فدل ذلك على أن العمل إخفاء أيضا وهو قيام الليل، وقوله يدعون يحتمل ~~أن يكون في موضع الحال من الموصوفين، أي في وقت التجافي، ويحتمل أن يكون ~~صفة مستأنفة، أي تتجافى جنوبهم وهم أيضا في كل أحوالهم يدعون ليلهم ~~ونهارهم. و «الخوف» من عذاب الله، و «الطمع» في ثواب الله. وينفقون قيل ~~معناه الزكاة المفروضة وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة وهذا القول ~~أمدح، ثم ذكر تعالى وعدهم من النعيم بما لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك، ~~وقرأ حمزة وحده «أخفي» بسكون الياء كأنه قال أخفي أنا وهي قراءة الأعمش، ~~وروي عنه «ما أخفيت لهم من قرة أعين» ، وقرأ عبد الله «ما نخفي لهم» بالنون ~~مضمومة، وروى المفضل عن الأعمش «ما يخفى لهم» بالياء المضمومة وفتح الفاء، ~~وقرأ محمد بن كعب «ما أخفى» بفتح الهمزة، أي ما أخفى الله، وقرأ جمهور ~~الناس «أخفي» بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، وما يحتمل أن تكون بمعنى ~~الذي، فعلى القراءة الأولى فثم ضمير محذوف تقديره أخفيه، وعلى قراءة ~~الجمهور فالضمير الذي لم يسم فاعله يجري في العودة على الذي، ويحتمل ms2823 أن ~~تكون استفهاما، فعلى القراءة الأولى فهي في موضع نصب ب «أخفي» وعلى القراءة ~~الثانية هي في موضع رفع بالابتداء، وقرة أعين ما تلذه وتشتهيه وهي مأخوذة ~~من القر كما PageV04P362 # أن سخنة العين مأخوذة من السخانة، وأصل هذا فيما يزعمون أن دمع الفرح ~~بارد ودمع الحزن سخن، وفي معنى هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال الله عز وجل: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر. واقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. # وقال ابن مسعود: «في التوراة مكتوب على الله للذين تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» . وقرأ ابن مسعود ~~وأبو هريرة وأبو الدرداء، «قرات» على الجمع، وقوله جزاء بما كانوا يعملون ~~أي بتكسبهم، وقوله تعالى: أفمن كان مؤمنا الآية، روي عن عطاء بن يسار أنها ~~نزلت في علي بن أبي طالب: والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنهما تلاحيا ~~فقال له الوليد: أنا أبسط منك لسانا وأحد سنانا وأرد للكتيبة، فقال له علي ~~بن أبي طالب: اسكت فإنك فاسق، فنزلت الآية. # وذكر الزجاج والنحاس وغيرهما أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، وعلى ~~هذا يلزم أن تكون الآية مكية، لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق ~~مكة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، ويعترض القول الآخر بإطلاق ~~اسم الفسق على الوليد وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان فيه ~~أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن حتى نزلت فيه إن جاءكم فاسق ~~بنبإ [الحجرات: 6] ويحتمل أيضا أن تطلق الشريعة ذلك عليه لأنه كان على طرف ~~مما يبغي وهو الذي شرب الخمر في خلافة عثمان وصلى الصبح بالناس أربعا ثم ~~التفت وقال: أتريدون أن أزيدكم ونحو هذا مما يطول ذكره. ثم قسم الله تعالى ~~المؤمنين والفاسقين الذين فسقهم بالكفر ms2824 لأن التكذيب الذي في آخر الآية ~~يقتضي ذلك، وقرأ طلحة «جنة» بالإفراد، وقرأ أبو حيوة «نزلا» بإسكان الزاي، ~~والجمهور على ضمها وسائر باقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : الآيات 21 الى 22] # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) # الضمير في قوله لنذيقنهم لكفار قريش، أعلم الله تعالى أنه يصيبهم بعذاب ~~دون عذاب الآخرة، واختلف المتأولون في تعيين العذاب الأدنى، فقال إبراهيم ~~النخعي ومقاتل: هم السنون التي أجاعهم الله تعالى فيها، وقال ابن عباس وأبي ~~بن كعب: هو مصائب الدنيا من الأمراض ونحوها وقاله ابن زيد، وقال ابن مسعود ~~والحسن بن علي هو القتل بالسيف كبدر وغيرها. # قال الفقيه الإمام القاضي: فيكون على هذا التأويل الراجع غير الذي يذوق ~~بل الذي يبقى بعده وتختلف رتبتا ضمير الذوق مع ضمير «لعل» ، وقال أبي بن ~~كعب أيضا هي البطشة، واللزام، والدخان. # وقال ابن عباس أيضا عنى بذلك الحدود. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويتجه على هذا التأويل أن تكون في فسقة ~~المؤمنين، وقال مجاهد: عنى PageV04P363 # بذلك عذاب القبر، ثم قال تعالى: ومن أظلم على جهة التعجب، والتقدير أي لا ~~أحد أظلم ممن هذه صفته، وهي بخلاف ما تقدم في صفة المؤمنين من أنهم إذا ~~ذكروا بآيات الله خروا سجدا، ثم توعد تعالى المجرمين وهم المتجاسرون على ~~ركوب الكفر والمعاصي بالنقمة، وظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وحكى الطبري عن ~~يزيد بن رفيع أنه قال: إن قول الله تعالى في القرآن إنا من المجرمين ~~منتقمون إنما هو في أهل القدر. # قال الفقيه الإمام القاضي: يريد القائلين بأن الأمر أنف، وأن أفعال العبد ~~من قبله، قال ثم قرأ يزيد بن رفيع إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في ~~النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر. [القمر 47- 49] . # قال الفقيه الإمام القاضي: في هذا المنزع من البعد ما لا خفاء به، وروى ~~معاذ بن جبل عن ms2825 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد ~~أجرم، من عقد لواء في غير حق، ومن عق والديه، ومن نصر ظالما» . # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : الآيات 23 الى 25] # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) # قرأ الناس «في مرية» بكسر الميم، وقرأ الحسن بضمها، واختلف المتأولون في ~~الضمير الذي في لقائه على من يعود فقال أبو العالية الرياحي وقتادة: يعود ~~على موسى، والمعنى لا تكن في شك من أن تلقى موسى، أي في ليلة الإسراء، وهذا ~~قول جماعة من السلف، وقاله المبرد حين امتحن أبا إسحاق الزجاج بهذه ~~المسألة، وقالت فرقة الضمير عائد على الكتاب أي أنه لقي موسى حين لقيه ~~موسى، والمصدر في هذا التأويل يصح أن يكون مضافا للفاعل بمعنى لقي الكتاب ~~موسى، ويصح أن يكون مضافا إلى المفعول بمعنى لقي الكتاب- بالنصب- موسى، ~~وقال الحسن الضمير عائد على ما يتضمنه القول من الشدة والمحنة التي لقي ~~موسى، وذلك أن إخباره بأنه آتى موسى الكتاب كأنه قال ولقد آتينا موسى هذا ~~العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقي هو من المحنة بالناس، وكأن ~~الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة معناه فلا تكن في شك من ~~لقائه في الآخرة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة الضمير عائد على ~~ملك الموت [السجدة: 11] الذي تقدم ذكره، وقوله فلا تكن في مرية من لقائه ~~اعتراض بين الكلامين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضا ضعيف، و «المرية» الشك، والضمير في ~~جعلناه يحتمل أن يعود على موسى، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يعود على الكتاب ~~وأئمة جمع إمام وهو الذي يقتدى PageV04P364 # به وأصله خيط البناء وجمهور النحويين على «أئمة» بياء وتخفيف الهمزة، إلا ~~ابن أبي إسحاق فإنه جوز اجتماع الهمزتين وقرأ «أئمة» ، وقرأ جمهور ms2826 القراء ~~«لما صبروا» بفتح اللام وشد الميم، وقرأ حمزة والكسائي «لما» بكسر اللام ~~وتخفيف الميم وهي قراءة ابن مسعود وطلحة والأعمش، فالأولى في معنى الظرف ~~والثانية كأنه قال لأجل صبرهم، ف «ما» مصدرية، وفي القراءتين معنى المجازاة ~~أي جعلهم أئمة جزاء على صبرهم عن الدنيا وكونهم موقنين بآيات الله وأوامره ~~وجميع ما تورده الشريعة، وقرأ ابن مسعود «بما صبروا» . وقوله تعالى: إن ربك ~~الآية، حكم يعم جميع الخلق، وذهب بعض المتأولين إلى تخصيص الضمير وذلك ~~ضعيف. # قوله عز وجل: ### || [سورة السجده (32) : الآيات 26 الى 30] # أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات أفلا يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به ~~زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن ~~كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ~~(29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # يهد معناه يبين قاله ابن عباس، وقرأ جمهور الناس «يهد» بالياء فالفاعل ~~الله تعالى في قول فرقة، والرسول في قول فرقة، كأنه قال «أو لم يبين لهم ~~الهدى» ، وجوز الكوفيون أن يكون الفاعل كم، ولا يجوز ذلك عند البصريين ~~لأنها في الخبر على حكمها في الاستفهام في أنها لا يعمل فيها ما قبلها، ~~وقرأ أبو عبد الرحمن «نهد» بالنون وهي قراءة الحسن وقتادة، فالفاعل الله ~~تعالى، وكم في موضع نصب، فعند الكوفيين ب «نهد» وعند البصريين ب أهلكنا، ~~على القراءتين جميعا، وقرأ جمهور الناس «يمشون» بفتح الياء وتخفيف الشين، ~~وقرأ ابن السميفع اليماني «يمشون» بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، وقرأ ~~عيسى بن عمر «يمشون» بضم الياء وسكون الميم وشين مضمومة مخففة، والضمير في ~~يمشون يحتمل أن يكون للمخاطبين بالتنبيه المحتج عليهم، ويحتمل أن يكون ~~للمهلكين، ف يمشون في موضع الحال، أي أهلكوا وهم ماشون في مساكنهم، والضمير ~~في يسمعون للمنبهين، ومعنى هذه الآية إقامة الحجة على الكفرة بالأمم ~~السالفة الذين كفروا فأهلكوا، ثم أقام عز وجل الحجة ms2827 عليهم في معنى الإيمان ~~بالقدرة وبالبعث بأن نبههم على إحياء الأرض الموات بالماء والنبات، و ~~«السوق» هو بالسحاب، وإن كان سوق بنهر فأصله من السحاب والجرز الأرض ~~العاطشة التي قد أكلت نباتها من العطش والغيظ، ومنه قيل للأكول جروز. قالة ~~الشاعر: # خب جروز وإذا جاع بكى ومن عبر عنها بأنها الأرض التي لا تنبت فإنها عبارة ~~غير مخلصة، وعم تعالى كل أرض هي بهذه PageV04P365 # الصفة لأن الآية فيها والعبرة بينة، وقال ابن عباس أيضا وغيره الأرض ~~الجرز أرض أبين من اليمن، وهي أرض تشرب بسيول لا بمطر، وجمهور الناس على ضم ~~الراء، وقال الزجاج وتقرأ «الجرز» بسكون الراء، ثم خص تعالى «الزرع» بالذكر ~~تشريفا ولأنه عظم ما يقصد من النبات، وإلا فعرف أكل الأنعام إنما هو من غير ~~الزرع، لكنه أوقع الزرع موقع النبات على العموم، ثم فصل ذلك بأكل الأنعام ~~وبني آدم، وقرأ أبو بكر بن عياش وأبو حيوة «يأكل» بالياء من تحت، وقرأ ابن ~~مسعود «يبصرون» ، وقرأ جمهور الناس «تبصرون» بالتاء من فوق، ثم حكي عن ~~الكفرة أنهم يستفتحون ويستعجلون فصل القضاء بينهم وبين الرسول على معنى ~~الهزء والتكذيب، والفتح الحكم هذا قول جماعة من المفسرين، وهذا أقوى ~~الأقوال، وقالت فرقة الإشارة إلى فتح مكة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف يرده الإخبار بأن الكفرة لا ينفعهم ~~الإيمان، فلم يبق إلا أن يكون الفتح إلا إما حكم الآخرة، وهذا قول مجاهد، ~~وإما فصل في الدنيا كبدر ونحوها. وقوله تعالى: # قل يوم الفتح إشارة إلى الفتح الأول حسب محتملاته، فالألف واللام في ~~الفتح الثاني للعهد، ويوم ظرف، والعامل فيه ينفع، وينظرون معناه يؤخرون، ثم ~~أمره تعالى بالإعراض عن الكفار وانتظار الفرج، وهذا مما نسخته آية السيف. ~~وقوله تعالى: إنهم منتظرون أي العذاب، بمعنى هذا حكمهم وإن كانوا لا ~~يشعرون، وقرأ محمد بن السميفع «منتظرون» بفتح الظاء أي للعذاب النازل بهم. PageV04P366 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأحزاب # هذه السورة مدنية بإجماع فيما علمت وكذلك قال المهدوي وغيره. # قوله عز وجل: ms2828 ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) # قوله: اتق معناه دم على التقوى، ومتى أمر أحد بشيء هو به متلبس فإنما ~~معناه الدوام في المستقبل على مثل الحالة الماضية، وحذره تعالى من طاعة ~~الكافرين وهم الملجون بالكفر والمنافقين، وهم المظهرون للإيمان وهم لا ~~يبطنونه، وسبب الآية أنهم كانوا يتسخبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالطلبات والإرادات ربما كان في إرادتهم سعي على الشرع وهم يدخلونها مدخل ~~النصائح، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلقه العظيم وحرصه على ~~استئلافهم ربما لا ينهم في بعض الأمور، فنزلت الآية بسبب ذلك تحذيرا له ~~منهم وتنبيها على عداوتهم والنوازل في طلباتهم كثيرة محفوظة، وقوله إن الله ~~كان عليما حكيما تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي لا عليك منهم ولا من ~~إيمانهم فالله عليم بما ينبغي لك حكيم في هدي من شاء وإضلال من شاء، ثم ~~أمره تعالى باتباع ما يوحى إليه وهو القرآن الحكيم والاقتصار على ذلك، ~~وقوله تعالى: إن الله كان بما تعملون خبيرا توعد ما، وقرأ أبو عمرو وحده ~~«يعملون» بالياء، والتوعد على هذه القراءة للكافرين والمنافقين أبين، وقوله ~~كان في هاتين الآيتين هي التي تقتضي الدوام، أي كان ويكون، وليست الدالة ~~على زمن مخصوص للمضي، ثم أمره تعالى بالتوكل على الله في جميع أمره وأعلمه ~~أن ذلك كاف مقنع، والباء في قوله بالله زائدة على مذهب سيبويه، وكأنه قال ~~«وكفى الله» ، وهي عنده نحو قولهم: بحسبك أن تفعل، وغيره يراها غير زائدة ~~متعلقة ب كفى على أنه بمعنى اكتف بالله، و «الوكيل» القائم بالأمر المغني ~~فيه عن كل شيء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : آية 4] # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم وما جعل ms2829 أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل (4) # اختلف الناس في السبب في قوله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ~~فقال ابن عباس PageV04P367 # سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمدا له قلبان، لأنه ربما كان في شيء ~~فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فنفاه الله تعالى ~~عنه، وقال ابن عباس أيضا بل سببه أنه كان في قريش في بني فهر رجل فهم يدعي ~~أن له قلبين ويقال له ذو القلبين، قال الثعلبي وهو ابن معمر وكان يقول: أنا ~~أذكى من محمد وأفهم، فلما وقعت هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب ~~بحديث كالمختل، فنزلت الآية بسببه ونفيا لدعواه، وقيل إنه كان ابن خطل، قال ~~الزهري جاء هذا اللفظ على جهة المثل في زيد بن حارثة والتوطئة لقوله تعالى: ~~وما جعل أدعياءكم أبناءكم، أي كما ليس لأحد قلبان كذلك ليس دعيه ابنه. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر من الآية أنها بجملتها نفي لأشياء كانت ~~العرب تعتقدها في ذلك الوقت وإعلام بحقيقة الأمر، فمنها أن بعض العرب كانت ~~تقول: إن الإنسان له قلبان قلب يأمره وقلب ينهاه، وكان تضاد الخواطر يحملها ~~على ذلك، ومن هذا قول الكميت: [الطويل] # تذكر من أنا ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الثلة الإبل # والناس حتى الآن يقولون إذا وصفوا أفكارهم في شيء ما يقول لي أحد قلبي ~~كذا ويقول الآخر كذا، وكذا كانت العرب تعتقد الزوجة إذا ظوهر منها بمنزلة ~~الأم وتراه طلاقا وكانت تعتقد الدعي المتبني ابنا فأعلم الله تعالى أنه لا ~~أحد بقلبين، ويكون في هذا أيضا طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم، أي ~~إنما هو قلب واحد، فإما حله إيمان وإما حله كفر لأن درجة النفاق كأنها ~~متوسطة يؤمن قلب ويكفر الآخر، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد، وعلى ~~هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية متى نسي شيئا أو وهم يقول على جهة ~~الاعتذار ما جعل الله لرجل ms2830 من قلبين في جوفه، أي إذا نسي قلبه الواحد يذكره ~~الآخر، وكذلك أعلم أن الزوجة لا تكون أما وأن الدعي لم يجعله ابنا، وقرأ ~~نافع وابن كثير «اللاء» دون ياء، وروي عن أبي عمرو وابن جبير «اللاي» بياء ~~ساكنة بغير همز، وقرأ ورش بياء ساكنة مكسورة من غير همز، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي وابن عامر وطلحة والأعمش بهمزة مكسورة بعدها ياء، وقرأ ابن عامر ~~«تظاهرون» بشد الظاء وألف، وقرأ عاصم والحسن وأبو جعفر وقتادة «تظاهرون» ~~بضم التاء وتخفيف الظاء، وأنكرها أبو عمرو وقال: إنما هذا في المعاونة. # قال القاضي أبو محمد: وليس بمنكر ولفظة ظهار تقتضيه، وقرأ الكسائي وحمزة ~~وأبو بكر عن عاصم «تظاهرون» بفتح التاء والظاء مخففة، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو «تظهرون» بشد الظاء والهاء دون ألف، وقرأ يحيى بن وثاب «تظهرون» ~~بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء، وفي مصحف أبي بن كعب «تتظهرون» بتاءين، ~~وكانت العرب تطلق تقول أنت مني كظهر أمي فنزلت الآية وأنزل الله تعالى ~~كفارة الظهار، وتفسير الظهار وبيانه أثبتناه في سورة المجادلة، وقوله وما ~~جعل أدعياءكم أبناءكم الآية سببها أمر زيد بن حارثة كانوا يدعونه زيد بن ~~محمد، وذلك أنه كان عبدا لخديجة، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأقام معه مدة ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه فقال لهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم- وذلك قبل البعث-: «خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء» ، ~~فخيراه فاختار الرق مع محمد على حريته وقومه، فقال محمد عليه السلام: «يا ~~معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه» ، فرضي بذلك أبوه وعمه PageV04P368 # وانصرفا. وقوله تعالى: بأفواهكم تأكيد لبطلان القول، أي أنه لا حقيقة له ~~في الوجود إنما هو قول فقط، وهذا كما تقول أنا أمشي إليك على قدم، فإنما ~~تؤكد بذلك المبرة وهذا كثير، ويهدي معناه يبين، فهو يتعدى بغير حرف جر، ~~وقرأ قتادة «يهدي» بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال، والسبيل هو سبيل الشرع ~~والإيمان، وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص يقفون ms2831 «السبيلا» ~~ويطرحونها في الوصل، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالألف وصلا ووقفا، وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة بغير ألف وصلا ووقفا، وهذا كله في غير هذا الموضع، واتفقوا ~~هنا خاصة على طرح الألف وصلا ووقفا لمكان ألف الوصل التي تلقى اللام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 5 الى 6] # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) # أمر الله تعالى في هذه الآية بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب فمن جهل ~~ذلك فيه كان مولى وأخا في الدين، فقال الناس زيد بن حارثة وسالم مولى أبي ~~حذيفة إلى غير ذلك. # وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية ثم قال: أنا ممن لا يعرف أبوه ~~فأنا أخوكم في الدين ومولاكم، قال الراوي: ولو علم والله أن أباه حمارا لا ~~نتمى إليه. # قال الفقيه الإمام القاضي: ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة نفيع بن ~~الحارث، وأقسط معناه أعدل، وقال قتادة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال من ادعى إلى غير أبيه متعمدا حرم الله عليه الجنة، وقوله تعالى: ~~وليس عليكم جناح الآية رفع للحرج عمن وهم ونسي وأخطأ فجرى على العادة من ~~نسبة زيد إلى محمد وغير ذلك مما يشبهه، وأبقى الجناح في التعمد مع النهي ~~المنصوص، وقوله تعالى: وكان الله غفورا رحيما يريد لما مضى من فعلهم في ~~ذلك، ثم هي صفتان لله تعالى تطرد في كل شيء، وقالت فرقة «خطأهم» فيما كان ~~سلف من قولهم ذلك. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف لا يتصف ذلك بخطأ إلا بعد النهي ~~وإنما «الخطأ» هنا بمعنى النسيان وما كان مقابل العمد، وحكى الطبري عن ~~قتادة أنه قال: «الخطأ» الذي رفع الله ms2832 تعالى فيه الجناح أن تعتقد في أحد ~~أنه ابن فلان فتنسبه إليه وهو في الحقيقة ليس بابنه، والعمد هو أن تنسبه ~~إلى فلان وأنت تدري أنه ابن غيره، والخطأ مرفوع عن هذه الأمة عقابه، وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه» . ~~وقال صلى الله عليه وسلم: «ما أخشى عليكم النسيان. وإنما أخشى PageV04P369 # العمد» . وقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين الآية أزال الله تعالى بها ~~أحكاما كانت في صدر الإسلام منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي ~~على ميت عليه دين، فذكر الله تعالى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فجمع هذا ~~أن المؤمن يلزم أن يحب النبي أكثر من نفسه حسب حديث عمر بن الخطاب، ويلزمه ~~أن يمتثل أوامره أحبت نفسه ذلك أو كرهت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين نزلت هذه الآية: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالا فلورثته، ~~ومن ترك دينا أو ضياعا، فعلي، أنا وليه، اقرؤوا إن شئتم النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم» . وقال بعض العلماء العارفين هو أولى بهم من أنفسهم ~~لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويؤيد هذا قوله عليه السلام «أنا آخذ بحجزكم ~~عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش» . وشرف تعالى أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين في حرمة النكاح وفي المبرة وحجبهن ~~رضي الله عنهن بخلاف الأمهات، قال مسروق قالت امرأة لعائشة رضي الله عنها: ~~يا أمه، فقالت لست لك بأم وإنما أنا أم رجالكم، وفي مصحف أبي بن كعب ~~«وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم» ، وقرأ ابن عباس «من أنفسهم وهو أب لهم ~~وأزواجه أمهاتهم» ، وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها، فقيل له إنها في مصحف ~~أبي فسأله فقررها أبي وأغلظ لعمر، وقد قيل في قول لوط عليه السلام: هؤلاء ~~بناتي [هود: 78] إنما أراد المؤمنات، أي تزوجوهن، ثم حكم بأن أولي الأرحام ~~أحق مما كانت الشريعة قررته من التوارث بأخوة ms2833 الإسلام وبالهجرة، فإنه كان ~~بالمدينة توارث في صدر الإسلام بهذين الوجهين اختلفت الرواية في صفته وليس ~~لمعرفته الآن حكم فاختصرته، ورد الله تعالى المواريث على الأنساب الصحيحة، ~~وقوله تعالى: في كتاب الله يحتمل أن يريد القرآن، ويحتمل أن يريد اللوح ~~المحفوظ، وقوله تعالى: من المؤمنين متعلق ب أولى الثانية، وهذه الأخوة ~~والهجرة التي ذكرنا، وقوله تعالى: # إلا أن تفعلوا يريد الإحسان في الحياة والصلة والوصية عند الموت، قاله ~~قتادة والحسن وعطاء وابن الحنفية، وهذا كله جائز أن يفعل مع الولي على ~~أقسامه، والقريب الكافر يوصى له بوصية، واختلف العلماء هل يجعل هو وصيا، ~~فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر في ذلك إلى السلطان بعض، منهم مالك بن أنس رضي ~~الله عنه، وذهب مجاهد وابن زيد والرماني وغيره إلى أن المعنى إلى أوليائكم ~~من المؤمنين. # قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يعضد هذا المذهب، وتعميم لفظ الولي أيضا ~~حسن كما قدمناه، إذ ولاية النسب لا تدفع في الكافر، وإنما يدفع أن يلقى ~~إليه بالمودة كولي الإسلام. # والكتاب الذي سطر ذلك فيه يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا، ومسطورا من قولك ~~سطرت الكتاب إذا أثبته إسطارا ومنه قول العجاج «في الصحف الأولى التي كان ~~سطرا» ، قال قتادة وفي بعض القراءة «كان ذلك عند الله مكتوبا» . # قوله عز وجل: PageV04P370 ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 7 الى 9] # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين ~~عذابا أليما (8) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) # إذ يحتمل أن تكون ظرفا لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت ~~هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ ~~والشرائع، فتكون إذ متعلقة بقوله كان ذلك في الكتاب مسطورا، [الأحزاب: 6] ، ~~ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين ~~من الأول، وهذا ms2834 «الميثاق» المشار إليه قال الزجاج وغيره إنه الذي أخذ عليهم ~~وقت استخراج البشر من صلب آدم كالذر، قالوا فأخذ الله تعالى حينئذ ميثاق ~~النبيين بالتبليغ وبتصديق بعضهم بعضا وبجميع ما تتضمنه النبوءة، وروي نحوه ~~عن أبي بن كعب، وقالت فرقة بل أشار إلى أخذ الميثاق على كل واحد منهم عند ~~بعثه وإلى إلقاء الرسالة إليه وأوامرها ومعتقداتها، وذكر الله تعالى ~~النبيين جملة، ثم خصص بالذكر أفرادا منهم تشريفا وتخصيصا، إذ هؤلاء الخمسة ~~صلى الله عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو ~~العزم، ذكره الثعلبي، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفا خاصا له ~~أيضا، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في ~~البعث» ، وكرر «أخذ الميثاق» لمكان الصفة التي وصف بها قوله غليظا إشعار ~~بحرمة هذا الميثاق وقوتها، واللام في قوله ليسئل متعلقة ب أخذنا، ويحتمل أن ~~تكون لام كي، أي بعثت الرسل وأخذت عليها المواثيق في التبليغ لكي يجعل الله ~~خلقه فرقتين، فرقة صادقة يسألها عن صدقها على معنى إقامة الحجة والتقرير ~~كما قال لعيسى عليه السلام «أأنت قلت للناس» فتجيبه بأنها قد صدقت الله في ~~إيمانها وجميع أفعالها فيثيبها على ذلك، وفرقة كفرت فينالها ما أعد لها من ~~العذاب الأليم ويحتمل أن تكون اللام في قوله ليسئل لام الصيرورة، أي أخذ ~~المواثيق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا والأول أصوب، والصدق في هذه ~~الآية يحتمل أن يكون المضاد للكذب في القول، ويحتمل أن يكون من صدق الأفعال ~~واستقامتها، ومنه عود صدق وصدقني السيف والمال، وقال مجاهد الصادقين في هذه ~~الآية أراد بهم الرسل، أي يسألهم عن تبليغهم، وقال أيضا أراد المؤدين ~~المبلغين عن الرسل وهذا كله محتمل، وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ~~الآيات إلى قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك [الأحزاب: 28] . # نزلت في شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من أمر بني قريظة، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير من موضعهم عند ms2835 المدينة إلى خيبر، ~~فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود، وخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشا ~~إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرضوهم على ذلك، وأجمعت قريش السير ~~إلى المدينة، ونهض اليهود إلى غطفان وبني أسد ومن أمكنهم من أهل نجد ~~وتهامة، فاستنفروهم إلى ذلك، فتحزب الناس وساروا إلى المدينة، واتصل الخبر ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفر الخندق حول ديار بالمدينة وحصنه، وكان ~~أمرا لم تعهده العرب، وإنما كان من أعمال فارس والروم، وأشار به سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه، فورد الأحزاب من قريش وكنانة والأحابيش في نحو عشرة ~~آلاف PageV04P371 # عليهم أبو سفيان بن حرب، ووردت غطفان وأهل نجد عليهم عيينة بن حصن بن ~~حذيفة بن بدر الفزاري، ووردت بنو عامر وغيرهم عليهم عامر ابن الطفيل، إلى ~~غير هؤلاء، فحصروا المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على ما قال بن ~~إسحاق، وقال مالك كانت سنة أربع، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الهدنة وعاقدوه على أن لا يلحقه منهم ضرر، فلما تمكن ~~هذا الحصار داخلهم بنو النضير، فغدروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا ~~عهوده، وصاروا له حزبا مع الأحزاب، فضاق الحال على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين، ونجم النفاق وساءت الظنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يبشر ويعد النصر، وألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين ويئسوا من الظفر ~~بمنعة الخندق وبما رأوا من جلد المؤمنين، وجاء رجل من قريش اسمه نوفل بن ~~الحارث، وقيل غير هذا، فاقتحم الخندق بفرسه فقتل فيه، فكان ذلك حاجزا ~~بينهم، ثم إن الله تعالى بعث الصبا لنصرة نبيه عليه السلام على الكفار، ~~وهجمت بيوتهم، وأطفأت نارهم، وقطعت حبالهم، وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها ~~قرار، وبعث الله مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل مثل فعلها، وتلقي الرعب ~~في قلوب الكفرة حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة للحصر، فانصرفوا ~~خائبين فهذه الجنود التي لم تر. وقرأ الحسن «وجنودا» بفتح ms2836 الجيم، وقرأ ~~الجمهور «تعملون» بالتاء فكأن في الآية مقابلة لهم، أي أنتم لم تروا جنوده ~~وهو بصير بأعمالكم يبين في هذا القدرة والسلطان، وقرأ أبو عمرو وحده ~~«يعملون» بالياء على معنى الوعيد للكفرة، وقرأ أبو عمرو أيضا بالتاء وهما ~~حسنتان، وروي عن أبي عمرو «لم يروها» بالياء من تحت، قال أبو حاتم قراءة ~~العامة «لم تروها» بالتاء من فوق، «يعملون» بالياء من تحت، وروي عن الحسن ~~ونافع «تعلمون» بالتاء مكسورة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 10 الى 12] # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) ~~وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~(12) # إذ هذه لا بد من الأولى في قوله: إذ جاءتكم [الأحزاب: 9] ، وقوله تعالى: ~~من فوقكم يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن، ومن أسفل منكم يريد مكة وسائر ~~تهامة، قاله مجاهد وقيل «من فوق وأسفل» هنا إنما يراد به ما يختص ببقعة ~~المدينة، أي نزلت طائفة في أعلى المدينة وطائفة في أسفلها، وهذه عبارة عن ~~الحصر، وزاغت معناه مالت عن مواضعها، وذلك فعل الواله الفزع المختبل، وأدغم ~~الأعمش إذ زاغت وبين الذال الجمهور وكل حسن، وبلغت القلوب الحناجر عبارة ~~عما يجده الهلع من ثوران نفسه وتفرقها شعاعا ويجد كأن حشوته وقلبه يصعد ~~علوا لينفصل، فليس بلوغ القلوب الحناجر حقيقة بالنقلة بل يشير لذلك وتجيش ~~فيستعار لها بلوغ الحناجر، وروى أبو سعيد الخدري أن المؤمنين قالوا يوم ~~الخندق: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله، قال: «نعم، ~~قولوا: اللهم استر عوراتنا، PageV04P372 # وأمن روعاتنا» ، فقالوها فضرب الله تعالى وجوه الكفار بالريح فهزمهم، ~~وقوله وتظنون بالله الظنونا أي تكادون تضطربون وتقولون ما هذا الخلف ~~للموعد، وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها وأما ~~المنافقون فجلحوا ونطقوا، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ~~والأعمش وطلحة «الظنونا» بالألف في الوصل والوقف، وذلك اتباع ms2837 لخط المصحف، ~~وعلته تعديل رؤوس الآي وطرد هذه العلة أن يلازم الوقف، وقد روي عن أبي عمرو ~~أنه كان لا يصل، فكان لا يوافق خط المصحف وقياس الفواصل، وقرأ أبو عمرو ~~أيضا وحمزة في الوصل والوقف «الظنون» بغير ألف وهذا هو الأصل، وقرأ ابن ~~كثير والكسائي وعاصم وأبو عمرو بالألف في الوقف وبحذفها في الوصل، وعللوا ~~الوقف بتساوي رؤوس الآي على نحو فعل العرب في القوافي من الزيادة والنقص. ~~وقوله تعالى: هنالك ظرف زمان، والعامل فيه ابتلي، ومن قال إن العامل فيه ~~وتظنون فليس قوله بالقوي لأن البدأة ليست متمكنة، وابتلي معناه اختبر ~~وامتحن الصابر منهم من الجازع، وزلزلوا معناه حركوا بعنف، وقرأ الجمهور ~~«زلزالا» بكسر الزاي، وقرأها «زلزالا» بالفتح الجحدري، وكذلك زلزالها في ~~إذا زلزلت [الزلزلة: 1] وهذا الفعل هو مضاعف زل أي زلزلة غيره، ثم ذكر الله ~~تعالى قول المنافقين والمرضى القلوب ونبه عليهم على جهة الذم لهم، وروي عن ~~يزيد بن رومان أن معتب بن قشير قال: يعدنا محمد أن نفتتح كنوز كسرى وقيصر ~~ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا إلا غرورا، أي ~~أمرا يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، وقال غيره من المنافقين نحو هذا ~~فنزلت الآية فيهم، وقولهم الله ورسوله إنما هو على جهة الهزء كأنهم يقولون ~~على زعم هذا الذي يدعي، أنه رسول يدل على هذا أن من المحال أن يكون ~~اعتقادهم أن ذلك الوعد هو من الله تعالى ومن رسوله ثم يصفونه بالغرور بل ~~معناه على زعم هذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 13 الى 15] # وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم ~~النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو ~~دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ~~(14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا ~~(15) # هذه المقالة روي أن بني حارثة قالوها، ms2838 ويثرب قطر محدود، المدينة في طرف ~~منه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وحفص عن عاصم ومحمد اليماني والأعرج «لا ~~مقام لكم» بضم الميم، والمعنى لا موضع إقامة، وقرأ الباقون «لا مقام» بفتح ~~الميم بمعنى لا موضع قيام، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة وأبي رجاء والحسن ~~وقتادة والنخعي وعبد الله بن مسلم وطلحة، والمعنى في حومة القتال وموضع ~~الممانعة. # فارجعوا معناه إلى منازلكم وبيوتكم وكان هذا على جهة التخذيل عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والفريق المستأذن روي أن أوس بن قيظي استأذن في ~~ذلك عن اتفاق من عشيرته فقال إن بيوتنا عورة PageV04P373 # أي منكشفة للعدو، وقيل أراد خالية للسراق، ويقال أعور المنزل إذا انكشف ~~ومنه قول الشاعر: # له الشدة الأولى إذا القرن أعورا قال ابن عباس «الفريق» بنو حارثة، وهم ~~كانوا عاهدوا الله إثر أحد لا يولون الأدبار، وقرأ ابن عباس وابن يعمر ~~وقتادة وأبو رجاء «عورة» بكسر الواو فيهما وهو اسم فاعل، قال أبو الفتح صحة ~~الواو في هذه شاذة لأنها متحركة قبلها فتحة، وقرأ الجمهور «عورة» ساكنة ~~الواو على أنه مصدر وصف به، و «البيت المعمور» هو المنفرد المعرض لمن شاءه ~~بسوء، فأخبر الله تعالى عن بيوتهم أنها ليست كما ذكروه وأن قصدهم الفرار، ~~وأن ما أظهروه من أنهم يريدون حماية بيوتهم وخاصة نفوسهم ليس كذلك، وأنهم ~~إنما يكرهون نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون حربه وأن يغلب ولو ~~دخلت المدينة من أقطارها واشتد الخوف الحقيقي، ثم سئلوا الفتنة والحرب ~~لمحمد وأصحابه لطاروا إليها وأتوها محبين فيها «ولم يتلبثوا» في بيوتهم ~~لحفظها إلا يسيرا، قيل قدر ما يأخذون سلاحهم، وقرأ الحسن البصري ثم «سولوا ~~الفتنة» بغير همز وهي من سال يسال كخاف يخاف لغة في سال العين فيها واو. # وحكى أبو زيد هما يتساولان، وروي عن الحسن «سيسلوا الفتنة» ، وقرأ مجاهد ~~«سويلوا» بالمد، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «لاتوها» بمعنى فجاؤوها، ~~وقرأ عاصم وأبو عمرو «لآتوها» بمعنى لأعطوها من أنفسهم وهي قراءة حمزة ~~والكسائي ms2839 فكأنها رد على السؤال ومشبهة له، قال الشعبي: وقرأها النبي عليه ~~السلام بالمد، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا عاهدوا على أن لا يفروا ~~وروي عن يزيد بن رومان أن هذه الإشارة إلى بني حارثة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهم مع بني سلمة كانتا الطائفتين اللتين همتا ~~بالفشل يوم أحد، ثم تابا وعاهدا على أن لا يقع منهم فرار فوقع يوم الخندق ~~من بني حارثة هذا الاستئذان وفي قوله تعالى: وكان عهد الله مسؤلا توعد، ~~والأقطار: النواحي، أحدها قطر وقتر، والضمير في بها يحتمل المدينة ويحتمل ~~الفتنة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 16 الى 18] # قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين ~~منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) # أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن يخاطبهم بتوبيخ، فأعلمهم بأن الفرار ~~لا ينجيهم من القدر، وأعلمهم أنهم لا يمتعون في تلك الأوطان كثيرا، بل ~~تنقطع أعمارهم في يسير من المدة، و «القليل» الذي استثناه هي مدة الآجال ~~قاله الربيع بن خثيم، ثم وقفهم على عاصم من الله يسندون إليه، ثم حكم بأنهم ~~لا يجدون ذلك ولا ولي ولا نصير من الله عز وجل، وقرأت فرقة «يمتعون» ~~بالياء، وقرأت فرقة «تمتعون» بالتاء PageV04P374 # على المخاطبة، ثم وبخهم بأن الله يعلم المعوقين وهم الذين يعوقون الناس ~~عن نصرة الرسول ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك، ويسعون على الدين، ~~وتقول عاقني أمر كذا وعوقني إذا بالغت وضعفت الفعل، وأما «القائلون» فاختلف ~~الناس في حالهم، فقال ابن زيد وغيره أراد من كان من المنافقين، يقول ~~لإخوانه في النسب وقرابته هلم إلينا أي إلى المنازل والأكل والشرب وترك ~~القتال، وروي أن جماعة منهم فعلت ذلك، وروي أن رجلا من المؤمنين رجع إلى ~~داره فوجد أخا له ms2840 منافقا بين يديه رغيف وشواء وتين، فقال له: تجلس هكذا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، فقال له أخوه: هلم إلى ما أنا ~~فيه يا فلان ودعنا من محمد فقد والله هلك وما له قبل بأعدائه، فشتمه أخوه ~~وقال: والله لأعرفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فوجد الآية قد نزلت. وقالت فرقة بل أراد من كان من المنافقين ~~يداخل كفار قريش من العرب فإنه كان منهم من داخلهم وقال لهم هلم إلينا أي ~~إلى المدينة فإنكم تغلبون محمدا وتستأصلونه، فالإخوان على هذا هم في الكفر ~~والمذهب السوء، وهلم معناه: الدعاء إلى الشيء، ومن العرب من يستعملها على ~~حد واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والجميع، وهذا على أنها اسم فعل، هذه لغة ~~أهل الحجاز، ومنهم من يجريها مجرى الأفعال فيلحقها الضمائر المختلفة فيقول ~~هلم وهلمي وهلموا، وأصل هلم هالمم نقلت حركة الميم إلى اللام فاستغني عن ~~الألف وأدغمت الميم في الميم لسكونها فجاء هلم، وهذا مثل تعليل رد من أردد، ~~والبأس القتال، وإلا قليلا معناه إلا إتيانا قليلا، وقلته يحتمل أن يكون ~~لقصر مدته وقلة أزمنته، ويحتمل أن يكون لخساسته وقلة غنائه وأنه رياء ~~وتلميع لا تحقيق. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : آية 19] # أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى ~~عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم ~~يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) # أشحة، جمع شحيح ونصبه على الحال من القائلين [الأحزاب: 18] ، أو من فعل ~~مضمر دل عليه المعوقين [الأحزاب: 18] ، أو من الضمير في يأتون [الأحزاب: ~~18] أو على الذم، وقد منع بعض النحاة أن يعمل في هذه الحال المعوقين ~~[الأحزاب: 18] والقائلين [الأحزاب: 18] لمكان التفريق بين الصلة والموصول ~~بقوله ولا يأتون البأس [الأحزاب: 18] وهو غير داخل في الصلة، وهذا الشح قيل ~~هو بأنفسهم يشحون على المؤمنين بها، وقيل هو بإخوانهم، وقيل بأموالهم في ~~النفقات في سبيل الله، وقيل ms2841 بالغنيمة عند القسم. والصواب تعميم الشح أن ~~يكون بكل ما فيه للمؤمنين منفعة. وقوله تعالى: # فإذا جاء الخوف قيل معناه فإذا قوي الخوف من العدو وتوقع أن يستأصل جميع ~~أهل المدينة لاذ هؤلاء المنافقون بك ينظرون نظر الهلع المختلط كنظر الذي ~~يغشى عليه فإذا ذهب ذلك الخوف العظيم وتنفس المخنق سلقوا أي خاطبوا مخاطبة ~~بليغة، يقال خطيب سلاق ومسلاق ومسلق ولسان أيضا PageV04P375 # كذلك إذا كان فصيحا مقتدرا، وقرأ ابن أبي عبلة «صلقوكم» بالصاد ووصف ~~الألسنة ب «الحدة» لقطعها المعاني ونفوذها في الأقوال، وقالت فرقة معنى ~~قوله تعالى: فإذا جاء الخوف، أي إذا كان المؤمنون في قوة وظهور وخشي هؤلاء ~~المنافقون سطوتك يا محمد بهم رأيتهم يصانعون وينظرون إليك نظر فازع منك ~~خائف هلع، فإذا ذهب خوفك عنهم باشتغالك بعدو ونحوه كما كان مع الأحزاب ~~سلقوكم حينئذ، واختلف الناس في المعنى الذي فيه يسلقون، فقال يزيد بن رومان ~~وغيره: ذلك في أذى المؤمنين وسبهم وتنقص الشرع ونحو هذا، وقال قتادة: ذلك ~~في طلب العطاء من الغنيمة والإلحاح في المسألة. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يترتبان مع كل واحد من التأويلين ~~المتقدمين في الخوف، وقالت فرقة السلق هو في مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من ~~القول على جهة المصانعة والمخاتلة، وقوله تعالى: أشحة حال من الضمير في ~~سلقوكم، وقوله على الخير يدل على عموم الشح في قوله أولا أشحة عليكم، وقيل ~~في هذا معناه أشحة على مال الغنائم، وهذا مذهب من قال إن الخير في كتاب ~~الله تعالى حيث وقع فهو بمعنى المال، وقرأ ابن أبي عبلة «أشحة» بالرفع، ثم ~~أخبر تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا ولا كمل تصديقهم، وجمهور المفسرين على أن ~~هذه الإشارة إلى منافقين لم يكن لهم قط إيمان، ويكون قوله فأحبط الله أي ~~أنها لم تقبل قط، فكانت كالمحبطة، وحكى الطبري عن ابن زيد عن أبيه أنه قال ~~نزلت في رجل بدري نافق بعد ذلك ووقع في هذه المعاني فأحبط الله عمله في بدر ~~وغيرها. # قال الفقيه الإمام ms2842 القاضي: وهذا فيه ضعف، والإشارة ب ذلك في قوله وكان ~~ذلك على الله يسيرا يحتمل أن تكون إلى إحباط عمل هؤلاء المنافقين، ويحتمل ~~أن تكون إلى جملة حالهم التي وصف من شحهم ونظرهم وغير ذلك من أعمالهم، أي ~~أن أمرهم يسير لا يبالي به ولا له أثر في دفع خير ولا جلب شر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 20 الى 21] # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا (21) # الضمير في يحسبون للمنافقين، والمعنى أنهم من الجزع والفزع بحيث رحل ~~الأحزاب وهزمهم الله تعالى وهؤلاء يظنون أنها من الخدع وأنهم لم يذهبوا بل ~~يريدون الكرة إلى غلب المدينة، ثم أخبر تعالى عن معتقد هؤلاء المنافقين أن ~~ودهم لو أتى الأحزاب وحاصروا المدينة أن يكونوا هم قد خرجوا إلى البادية في ~~جملة الأعراب وهم أهل العمود والرحيل من قطر إلى قطر، ومن كان من العرب ~~مقيما بأرض مستوطنا فلا يسمون أعرابا وغرضهم من البداوة أن يكونوا سالمين ~~من القتال، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف «لو أنهم بدى في الأعراب» شديدة ~~الدال منونة وهو جمع باد كغاز وغزى، وروي عن ابن PageV04P376 # عباس «لو أنهم بدوا» ، وقرأ أهل مكة ونافع وابن كثير والحسن «يسألون» أي ~~من ورد عليهم، وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش «يسلون» خفيفة بغير همز على نحو ~~قوله سل بني إسرائيل [البقرة: 211] وقرأ الجحدري وقتادة والحسن بخلاف عنه ~~«يساءلون» أي يسأل بعضهم بعضا. قال الجحدري «يتساءلون» ، ثم سلى الله تعالى ~~عنهم وحقر شأنهم بأن أخبر أنهم لو حضروا لما أغنوا ولما «قاتلوا إلا قتالا ~~قليلا» لا نفع له، قال الثعلبي هو قليل من حيث هو رياء من غير حسبة ولو كان ~~لله لكان كثيرا، ثم أخبر تعالى على جهة الموعظة بأن كل مسلم ومدع في ~~الإسلام لقد ms2843 كان يجب أن يقتدي بمحمد عليه السلام حين قاتل وصبر وجاد بنفسه. ~~وقرأ جمهور الناس «إسوة» بكسر الهمزة، وقرأ عاصم وحده «أسوة» بضم الهمزة ~~وهما لغتان معناه قدوة، وتأسى الرجل إذا اقتدى، ورجاء الله تعالى تابع ~~للمعرفة به، ورجاء اليوم الآخر ثمرة العمل الصالح، وذكر الله كثيرا من خير ~~الأعمال، فنبه عليه، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «يحسبون الأحزاب قد ذهبوا ~~فإذا وجدوهم لم يذهبوا ودوا لو أنهم بادون في الأعراب» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 22 الى 24] # ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ~~ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله ~~كان غفورا رحيما (24) # وصف الله تعالى المؤمنين حين رأوا تجمع الأحزاب لحربهم وصبرهم على الشدة ~~وتصديقهم وعد الله تعالى على لسان نبيه، واختلف في مراد المؤمنين بوعد الله ~~ورسوله لهم، فقالت فرقة: أرادوا ما أعلمهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين أمر بحفر الخندق فإنه أعلمهم بأنهم سيحصرون وأمرهم بالاستعداد لذلك ~~وأعلمهم بأنهم سينصرون من بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله فسلموا لأول الأمر وانتظروا آخره، وقالت فرقة: أرادوا بوعد ~~الله ما نزل في سورة البقرة من قوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم ~~مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب [البقرة: 214] . # قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يكون المؤمنون نظروا في هذه الآية، ~~وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أمرهم بحفر الخندق، وأشاروا ~~بالوعد إلى جميع ذلك، وهي مقالتان إحداهما من الله والأخرى من رسوله، ~~وزيادة الإيمان هي في أوصافه لا في ذاته لأن ثبوته وإبعاد الشكوك عنه ~~والشبه زيادة في أوصافه، ms2844 ويحتمل أن يريد إيمانهم بما وقع وبما أخبر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مما لم يقع فتكون الزيادة في هذا الوجه فيمن يؤمن ~~به لا في نفس الإيمان، وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بواو جمع، و ~~«التسليم» الانقياد لأمر الله تعالى كيف جاء، ومن ذلك ما ذكرناه من أن ~~المؤمنين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند اشتداد ذلك الخوف: يا ~~رسول الله إن هذا أمر عظيم فهل من شيء نقوله؟ فقال: PageV04P377 # «قولوا: اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا» ، فقالها المسلمون في تلك ~~الضيقات. ثم أثنى الله على رجال من المؤمنين عاهدوا الله تعالى على ~~الاستقامة التامة فوفوا وقضوا نحبهم، أي نذرهم وعهدهم، و «النحب» في كلام ~~العرب النذر، والشيء الذي يلتزمه الإنسان، ويعتقد الوفاء به، ومنه قول ~~الشاعر: «قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر» ، المعنى أنه التزم الصبر إلى موت ~~أو فتح فمات ومن ذلك قول جرير: [الطويل] # بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب # أي على أمر عظيم التزم القيام، كأنه خطر عظيم وشبهه، وقد يسمى الموت ~~نحبا، وبه فسر ابن عباس هذه الآية، وقال الحسن قضى نحبه مات على عهد، ويقال ~~للذي جاهد في أمر حتى مات قضى فيه نحبه، ويقال لمن مات قضى فلان نحبه، وهذا ~~تجوز كأن الموت أمر لا بد للإنسان أن يقع به فسمي نحبا، لذلك فممن سمى ~~المفسرون أنه أشير إليه بذلك أنس بن النضر عم أنس بن مالك، وذلك أنه غاب عن ~~بدر فساءه ذلك وقال: لئن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا ليرين ~~الله ما أصنع، فلما كانت أحد أبلى بلاء حسنا حتى قتل ووجد فيه نيف على ~~ثمانين جرحا، فقالت فرقة: إن هذه الإشارة هي إلى أنس بن النضر ونظرائه ممن ~~استشهد في ذات الله تعالى، وقال مقاتل والكلبي الرجال الذين صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة، وقالت فرقة: الموصوفون ~~بقضاء النحب هم جماعة من أصحاب ms2845 رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوا بعهود ~~الإسلام على التمام، فالشهداء منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالجنة منهم، إلى من حصل في هذه المرتبة ممن لم ينص عليه، ~~ويصحح هذه المقالة ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على المنبر ~~فقال له أعرابي: يا رسول الله من الذي قضى نحبه؟ فسكت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ساعة، ثم دخل طلحة بن عبيد الله على باب المسجد وعليه ثوبان أخضران ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل؟ فقال: ها أنا ذا يا رسول ~~الله، قال: هذا ممن قضى نحبه. # قال القاضي أبو محمد: فهذا أدل دليل على أن النحب ليس من شروطه الموت، ~~وقال معاوية بن أبي سفيان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«طلحة ممن قضى نحبه» ، وروت هذا المعنى عائشة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقوله تعالى: ومنهم من ينتظر يريد ومنهم من ينتظر الحصول في أعلى ~~مراتب الإيمان والصلاح وهو بسبيل ذلك وما بدلوا وما غيروا، ثم أكد بالمصدر، ~~وقرأ ابن عباس على منبر البصرة «ومنهم من بدل تبديلا» ، رواه عنه أبو نصرة، ~~وروى عنه عمرو بن دينار «ومنهم من ينتظر وآخرون بدلوا تبديلا» ، واللام في ~~قوله تعالى: ليجزي لام الصيرورة والعاقبة، ويحتمل أن تكون لام كي، وتعذيب ~~المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم والتوبة موازية لتلك ~~الإدامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان: إقامة على نفاق، أو توبة ~~منه، وعنهما ثمرتان تعذيب، أو رحمة، فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من ~~هاتين، وواحدة من هاتين، ودل ما ذكر على ما ترك ذكره ويدلك على أن معنى ~~قوله «ليعذب» ليديم على النفاق قوله إن شاء ومعادلته بالتوبة وبحرف أو ولا ~~يجوز أحد أن إن شاء يصح في تعذيب منافق على نفاقه بل قد حتم الله على نفسه ~~بتعذيبه. PageV04P378 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 25 الى 27] # ورد ms2846 الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ~~وكان الله قويا عزيزا (25) وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ~~وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا (27) # عدد الله تعالى في هذه الآية نعمه على المؤمنين في هزم الأحزاب وأن الله ~~تعالى ردهم بغيظهم لم يشفوا منه شيئا ولا نالوا مرادا، وكفى كل من كان مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الأحزاب، وروي أن المراد ب المؤمنين ~~هنا علي بن أبي طالب وقوم معه عنوا للقتال وبرزوا ودعوا إليه وقتل علي رجلا ~~من المشركين اسمه عمرو بن عبد ود، فكفاهم الله تعالى مداومة ذلك وعودته بأن ~~هزم الأحزاب بالريح والملائكة وصنع ذلك بقوته وعزته. # قال أبو سعيد الخدري: حبسنا يوم الخندق فلم نصل الظهر ولا العصر ولا ~~المغرب ولا العشاء حتى كان بعد هوى من الليل كفينا وأنزل الله تعالى، وكفى ~~الله المؤمنين القتال، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام وصلى ~~الظهر فأحسنها ثم كذلك حتى صلى كل صلاة بإقامة. وقوله تعالى: وأنزل الذين ~~ظاهروهم يريد بني قريظة بإجماع من المفسرين، قال الرماني وقال الحسن الذين ~~أنزلوا من صياصيهم بنو النضير، وقال الناس: هم بنو قريظة، وذلك أنهم لما ~~غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهروا الأحزاب عليه أراد الله تعالى ~~النقمة منهم، فلما ذهب الأحزاب جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت ~~الظهر فقال: يا محمد إن الله تعالى يأمرك بالخروج إلى بني قريظة، فنادى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وقال لهم: «لا يصلين أحد العصر إلا ~~في بني قريظة» ، فخرج الناس إليها ووصلها قوم من الصحابة بعد العشاء وهم لم ~~يصلوا العصر وقوفا مع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فلم يخطئهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك، وصلى قوم في الطريق ورأوا أن قول النبي صلى ms2847 ~~الله عليه وسلم إنما خرج مخرج التأكيد فلم يخطئهم أيضا، وحاصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بني قريظة خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد بن ~~معاذ الأوسي، وكان بينهم وبين الأوس حلف فرجوا حنوه عليهم، فحكم فيهم سعد ~~بأن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية والعيال والأموال، وأن تكون الأرض والثمار ~~للمهاجرين دون الأنصار، فقالت له الأنصار في ذلك، فقال: أردت أن تكون لهم ~~أموال، كما لكم أموال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم ~~بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجالهم ~~فأخرجوا أرسالا وضرب أعناقهم وهم من الثمانمائة إلى التسعمائة، وسيق فيهم ~~حيي بن أخطب النضري وهو الذي كان أدخلهم في الغدر برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما ذهب الأحزاب دخل عندهم وفاء لهم، فأخذه الحصر حتى نزل فيمن نزل ~~على حكم سعد، فلما نزل وعليه حلتان فقاحيتان ويداه مجموعة إلى عنقه أبصر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: والله يا محمد أما PageV04P379 # والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد اجتهدت، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم ~~قال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله وقدره ملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم ~~تقدم فضربت عنقه، وفيه يقول جبل بن حوال الثعلبي: [الطويل] # لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل # لأجهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل # وظاهروهم معناه عاونوهم، وقرأ عبد الله بن مسعود «آزروهم» وهي بمعنى ~~ظاهروهم و «الصياصي» : الحصون، واحدها صيصية وهي كل ما يمتنع به، ومنه يقال ~~لقرون البقر الصياصي، والصياصي أيضا: شوك الحاكة، وتتخذ من حديد، ومنه قول ~~دريد بن الصمة: [الطويل] كوقع الصياصي في النسيج الممدد والفريق المقتول: ~~الرجال المقاتلة، والفريق المأسور: العيال والذرية، وقرأ الجمهور «وتأسرون» ~~بكسر السين، وقرأ أبو حيوة «تأسرون» بضم السين، وقوله وأورثكم استعارة من ~~حيث حصل ذلك لهم بعد موت الآخرين من قبلهم، وقوله وأرضا لم تطؤها، ms2848 يريد بها ~~البلاد التي فتحت على المسلمين بعد كالعراق والشام ومكة فوعد الله تعالى ~~بها عند فتح حصون بني قريظة وأخبر أنه قد قضى بذلك قاله عكرمة، وذكر الطبري ~~عن فرق أنهم خصصوا ذلك، فقال الحسن بن أبي الحسن: أراد الروم وفارس، وقال ~~قتادة: # كنا نتحدث أنها مكة، وقال يزيد بن رومان ومقاتل وابن زيد: هي خيبر، وقالت ~~فرقة اليمن. # قال الفقيه الإمام القاضي: ولا وجه لتخصيص شيء من ذلك دون شيء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 28 الى 29] # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ~~فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) # اختلف الناس في سبب هذه الآية، فقالت فرقة سببها غيرة غارتها عائشة، وقال ~~ابن زيد وقع بين أزواجه عليه السلام تغاير ونحوه مما شقي هو به فنزلت الآية ~~بسبب ذلك، ويسر الله له أن يصرف إرادته في أن يؤوي إليه من يشاء، وقال ابن ~~الزبير: نزل ذلك بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أزواجه النفقة ~~وتشططن في تكليفه منها فوق وسعه، وقالت فرقة بل سبب ذلك أنهن طلبن منه ~~ثيابا وملابس وقالت واحدة: لو كنا عند غير النبي لكان لنا حلي ومتاع. وقال ~~بعض الناس: هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوتها عليهن ~~وتخييرهن بين الدنيا والآخرة وأمر الطلاق مرجا فلو اخترن أنفسهن نظر هو كيف ~~يسرحهن وليس فيها تخييرهن في الطلاق، لأن التخيير يتضمن ثلاث تطليقات وهو ~~قد قال وأسرحكن سراحا جميلا وليس مع بت الطلاق سراح جميل، وقالت فرقة: بل ~~هي آية تخيير فاخترنه ولم يعد ذلك PageV04P380 # طلاقا وهو قول عائشة أيضا. واختلف الناس في التخيير إذا اختارت المرأة ~~نفسها، فقال مالك: هي طالق ثلاثا ولا مناكرة للزوج بخلاف التمليك، وقال ~~غيره هي طلقة بائنة، وقال بعض الصحابة إذا خير الرجل امرأته فاختارته فهي ~~طلقة وهذا مخالف جدا، وقوله تعالى: إن ms2849 كنتن تردن الحياة الدنيا أي إن كانت ~~عظم همتكن ومطلبكن الدنيا أي التعمق فيها والنيل من نعيمها وزينة الدنيا ~~المال والبنون. فتعالين دعاء، وأمتعكن معناه أعطيكن المتاع الذي ندب الله ~~تعالى له في قوله ومتعوهن [البقرة: 236] ، وأكثر الناس على أنها من المندوب ~~إليه، وقالت فرقة هي واجبة، والسراح الجميل يحتمل أن يكون ما دون بت الطلاق ~~ويحتمل أن يكون في بقاء جميل المتعقد وحسن العشرة وجميل الثناء وإن كان ~~الطلاق باتا وأعد معناه يسر وهيأ و «المحسنات» الطائعات لله والرسول. # قال الفقيه الإمام القاضي: وأزواج النبي اللواتي نزلت فيهن تسع، خمس من ~~قريش، عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت ~~أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأربع من غير قريش، ~~ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وزينب بنت ~~جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. # قال الفقيه الإمام القاضي: وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما خرج من إيلائه الشهر ونزلت عليه هذه الآية بدأ بعائشة وقال: «يا عائشة ~~إني ذاكر لك أمرا ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك» ثم تلا عليها ~~الآية، فقالت له: وفي أي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار ~~الآخرة، قالت وقد علم أن أبوي لا يأمراني بفراقه ثم تتابع أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم على مثل قول عائشة فاخترن الله ورسوله رضي الله عنهن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 30 الى 32] # يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك ~~على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها ~~مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن ~~اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) # قال أبو رافع كان عمر كثيرا ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في الصبح، ~~فكان إذا بلغ يا نساء النبي رفع ms2850 بها صوته، فقيل له فقال أذكرهن العهد. وقرأ ~~الجمهور «من يأت» بالياء وكذلك «من يقنت» حملا على لفظ من، وقرأ عمرو بن ~~فائد الجحدري ويعقوب «من تأت» و «من تقنت» بالتاء من فوق حملا على المعنى، ~~وقال قوم: «الفاحشة» إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة ~~فهي سائر المعاصي كل ما يستفحش، وإذا وردت موصوفة بالبيان فهي عقوق الزوج ~~وفساد عشرته، ولذلك يصفها بالبيان إذ لا يمكن سترها، والزنا وغيره هو مما ~~يتستر به ولا يكون مبينا، ولا محالة أن الوعيد واقع على ما PageV04P381 # خفي منه وما ظهر. وقالت فرقة بل قوله بفاحشة مبينة تعم جميع المعاصي، ~~وكذلك الفاحشة كيف وردت. ولما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط ~~الوحي وفي منزل أوامر الله تعالى ونواهيه قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب ~~مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب، والإشارة بالفاحشة ~~إلى الزنا وغيره، وقرأ ابن كثير وشبل وعاصم «مبينة» بالفتح في الياء، وقرأ ~~نافع وأبو عمرو وقتادة «مبينة» بكسر الياء، وقرأت فرقة «يضعف» بالياء على ~~إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه خارجة «نضاعف» ~~بالنون المضمومة ونصب «العذاب» وهي قراءة ابن محيصن، وهذه مفاعلة من واحد ~~كطارقت النعل وعاقبت اللص، وقرأ نافع وحمزة والكسائي «يضاعف» بالياء وفتح ~~العين، «العذاب» رفعا، وقرأ أبو عمرو «يضعف» على بناء المبالغة بالياء ~~«العذاب» رفعا وهي قراءة الحسن وابن كثير وعيسى، وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~«نضعف» بالنون وكسر العين المشددة «العذاب» نصبا وهي قراءة الجحدري. وقوله ~~ضعفين معناه أن يكون العذاب عذابين، أي يضاف إلى عذاب سائر الناس عذاب آخر ~~مثله، وقال أبو عبيدة وأبو عمرو، وفيما حكى الطبري عنهما، بل يضاعف إليه ~~عذابان مثله فتكون ثلاثة أعذبة وضعفه الطبري، وكذلك هو غير صحيح وإن كان له ~~باللفظ تعلق احتمال ويكون الأجر مرتين مما يفسد هذا القول لأن العذاب في ~~الفاحشة بإزاء الأجر في الطاعة، والإشارة بذلك إلى تضعيف العذاب. ويقنت ~~معناه يطيع ويخضع ms2851 بالعبودية قاله الشعبي وقتادة، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم ~~وأبو عمرو وابن عامر «يقنت» بالياء، «وتعمل» بالتاء، و «نؤتها» بالنون، وهي ~~قراءة الجمهور، قال أبو علي أسند «يقنت» إلى ضمير فلما تبين أنه المؤنث حمل ~~فيما يعمل على المعنى، وقرأ حمزة والكسائي كل الثلاثة المواضع بالياء حملا ~~في الأولين على لفظ من وهي قراءة الأعمش وأبي عبد الرحمن وابن وثاب، وقرأ ~~الأعمش «فسوف يؤتها الله أجرها» ، و «الاعتداد» التيسير والإعداد، و «الرزق ~~الكريم» الجنة، ويجوز أن يكون في ذلك وعد دنياوي، أي أن رزقها في الدنيا ~~على الله وهو كريم من حيث ذلك هو حلال وقصد وبرضى من الله في نيله، وقال ~~بعض المفسرين العذاب الذي توعد به ضعفين هو عذاب الدنيا ثم عذاب الآخرة ~~وكذلك الأجر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، اللهم إلا أن يكون أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا ترفع عنهن حدود الدنيا عذاب الآخرة على ما هي عليه حال الناس ~~بحكم حديث عبادة بن الصامت، وهذا أمر لم يرو في أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا حفظ تقرره. ثم خاطبهن الله تعالى بأنهن لسن كأحد من نساء عصرهن ~~فما بعد، بل هن أفضل بشرط التقوى لما منحهن من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ~~ونزول القرآن في لحفهن، وإنما خصص لأن فيمن تقدم آسية ومريم فتأمله، وقد ~~أشار إلى هذا قتادة ثم نهاهن الله تعالى عما كانت الحال عليه في نساء العرب ~~من مكالمة الرجال برخيم القول، و «لا تخضعن» معناه ولا تلن، وقد يكون ~~الخضوع في القول في نفس الألفاظ ورخامتها، وإن لم يكن المعنى مريبا، والعرب ~~تستعمل لفظة الخضوع بمعنى الميل في الغزل ومنه قول ليلى الأخيلية حين قال ~~لها الحجاج: هل رأيت قط من توبة شيئا تكرهينه، قالت: لا والله أيها الأمير ~~إلا أنه أنشدني يوما شعرا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشدته: [الطويل] PageV04P382 # وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل # الحكاية، وقال ابن زيد: ms2852 خضوع القول ما يدخل في القلوب الغزل، وقرأ ~~الجمهور «فيطمع» بالنصب على أنه نصب بالفاء في جواب النهي، وقرأ الأعرج ~~وأبان بن عثمان «فيطمع» بالجزم وكسر للالتقاء وهذه فاء عطف محضة وكأن النهي ~~دون جواب ظاهر، وقراءة الجمهور أبلغ في النهي لأنها تعطي أن الخضوع سبب ~~الطمع، قال أبو عمرو الداني قرأ الأعرج وعيسى بن عمر «فيطمع» بفتح الياء ~~وكسر الميم، و «المرض» في هذه الآية قال قتادة هو النفاق، وقال عكرمة الفسق ~~والغزل وهذا أصوب، وليس للنفاق مدخل في هذه الآية، والقول المعروف هو ~~الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : آية 33] # وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) # قرأ الجمهور «وقرن» بكسر القاف، وقرأ عاصم ونافع «وقرن» بالفتح، فأما ~~الأولى فيصح أن تكون من الوقار تقول وقر يقر فقرن مثل عدن أصله أو قرن، ~~ويصح أن تكون من القرار وهو قول المبرد تقول قررت بالمكان بفتح القاف ~~والراء أقر فأصله أقررن حذفت الراء الواحدة تخفيفا، كما قالوا في ظللت ظلت ~~ونقلوا حركتها إلى القاف واستغني عن الألف، وقال أبو علي: بل أعل بأن أبدلت ~~الراء ياء ونقلت حركتها إلى القاف ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الراء ~~بعدها، وأما من فتح القاف فعلى لغة العرب قررت بكسر الراء أقر بفتح القاف ~~في المكان وهي لغة ذكرها أبو عبيد في الغريب المصنف، وذكرها الزجاج وغيره، ~~وأنكرها قوم، منهم المازني وغيره، قالوا وإنما يقال قررت بكسر الراء من قرت ~~العين، وأما من القرار فإنما هو من قررت بفتح الراء، وقرأ عاصم «في بيوتكن» ~~بكسر الباء، وقرأ ابن أبي عبلة «واقررن» بألف وصل وراءين الأولى مكسورة، ~~فأمر الله تعالى في هذه الآية نساء النبي بملازمة بيوتهن ونهاهن عن التبرج ~~وأعلمهن أنه فعل الجاهلية الأولى، وذكر الثعلبي وغيره أن عائشة رضي الله ~~عنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى ms2853 تبل خمارها، وذكر أن سودة قيل لها ~~لم لا تحجين ولا تعمرين كما يفعل أخواتك، فقالت قد حججت واعتمرت وأمرني ~~الله تعالى أن أقر في بيتي قال الراوي: فو الله ما خرجت من باب حجرتها حتى ~~خرجت جنازتها. # قال القاضي أبو محمد: وبكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها ~~أيام الجمل وحينئذ قال لها عمار: إن الله أمرك أن تقري في بيتك، و «التبرج» ~~، إظهار الزينة والتصنع بها ومنه البروج لظهورها وانكشافها للعيون، واختلف ~~الناس في الجاهلية الأولى فقال الحكم بن عيينة ما بين آدم ونوح وهي ~~ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة، وقال الكلبي وغيره ما بين نوح ~~وإبراهيم، وقال ابن عباس ما بين نوح وإدريس وذكر قصصا، وقالت فرقة ما بين ~~موسى وعيسى، وقال عامر الشعبي ما بين عيسى ومحمد، وقال أبو العالية هو زمان ~~سليمان وداود كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين. PageV04P383 # قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي ~~لحقتها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة ~~لأنهم كانوا لا غيرة عندهم فكان أمر النساء دون حجبة وجعلها أولى بالإضافة ~~إلى حالة الإسلام، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى، وقد مر اسم الجاهلية على ~~تلك المدة التي قبيل الإسلام فقالوا جاهلي في الشعراء، وقال ابن عباس في ~~البخاري سمعت أبي في الجاهلية يقول إلى غير هذا، والرجس اسم يقع على الإثم ~~وعلى العذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت، ~~ونصب أهل البيت على المدح أو على النداء المضاف، أو بإضمار أعني، واختلف ~~الناس في أهل البيت من هم، فقال عكرمة ومقاتل وابن عباس هم زوجاته خاصة لا ~~رجل معهن، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقالت فرقة: هي الجمهور أهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين، وفي هذا ~~أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله ms2854 ~~صلى الله عليه وسلم: «نزلت هذه الآية في خمسة في وفي علي وفاطمة والحسن ~~والحسين» رضي الله عنهم، ومن حجة الجمهور قوله عنكم ويطهركم بالميم، ولو ~~كان النساء خاصة لكان عنكن. # قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر إلي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، ف ~~أهل البيت زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وهذه الآية تقضي أن الزوجات من أهل ~~البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن، أما أن أم سلمة قالت نزلت هذه الآية ~~في بيتي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فدخل ~~معهم تحت كساء خيبري وقال «هؤلاء أهل بيتي» ، وقرأ الآية وقال اللهم «أذهب ~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» ، قالت أم سلمة فقلت: وأنا يا رسول الله، فقال ~~«أنت من أزواج النبي وأنت إلي خير» ، وقال الثعلبي قيل هم بنو هاشم فهذا ~~على أن البيت يراد به بيت النسب، فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم ~~وروي نحوه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 34 الى 35] # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ~~(34) إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) # اتصال هذه الألفاظ التي هي واذكرن تعطي أن أهل البيت [الأحزاب: 33] ~~نساؤه، وعلى قول الجمهور هي ابتداء مخاطبة أمر الله تعالى أزواج النبي عليه ~~السلام على جهة الموعظة وتعديد النعمة بذكر ما يتلى في بيوتهن، ولفظ الذكر ~~هنا يحتمل مقصدين كلاهما موعظة وتعديد نعمة: أحدهما أن يريد PageV04P384 # اذكرن أي تذكرنه واقدرنه قدره وفكرن في أن من هذه حاله ينبغي أن تحسن ~~أفعاله. والآخر أن يريد اذكرن بمعنى احفظن واقرأن والزمنه الألسنة، فكأنه ~~يقول واحفظوا أوامر الله ونواهيه، وذلك هو الذي يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله، وذلك مؤد بكن إلى الاستقامة، وو الحكمة هي سنة الله على لسان ms2855 نبيه ~~دون أن يكون في قرآن متلو، ويحتمل أن يكون وصفا للآيات، وفي قوله تعالى: ~~لطيفا تأنيس وتعديد لنعمه، أي لطف بكن في هذه النعمة، وقوله خبيرا تحذير ~~ما، وقوله تعالى: إن المسلمين والمسلمات الآية روي عن أم سلمة أنها قالت: ~~إن سبب هذه الآية أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: # يا رسول الله يذكر الله تعالى الرجال في كتابه في كل شيء ولا يذكرنا، ~~فنزلت الآية في ذلك، وروى قتادة أن نساء من الأنصار دخلن على أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقلن لهن: ذكركن الله في القرآن ولم يذكر سائر النساء ~~بشيء فنزلت الآية في ذلك، وروي عن ابن عباس أن نساء النبي قلن ما له تعالى ~~يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات، فنزلت الآية في ذلك، وبدأ تعالى بذكر ~~الإسلام الذي يعم الإيمان وعمل الجوارح، ثم ذكر الإيمان تخصيصا وتنبيها على ~~أنه عظم الإسلام ودعامته، و «القانت» : العابد المطيع، و «الصادق» معناه: ~~فيما عوهد عليه أن يفي به ويكمله، و «الصابر» : عن الشهوات وعلى الطاعات في ~~المكره والمنشط، و «الخاشع» : الخائف لله المستكين لربوبيته الوقور، و ~~«المتصدق» : بالفرض والنفل، وقيل هي في الفرض خاصة، والأول أمدح، و ~~«الصائم» كذلك: في الفرض والنفل، و «حفظ الفرج» هو: # من الزنا وشبهه وتدخل مع ذلك الصيانة من جميع ما يؤدي إلى الزنا أو هو في ~~طريقه، وفي قوله: # الحافظات حذف ضمير يدل عليه المتقدم تقديره والحافظاتها، وفي الذاكرات ~~أيضا مثله، و «المغفرة» هي ستر الله ذنوبهم والصفح عنها، و «الأجر العظيم» ~~الجنة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 36 الى 37] # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون على ms2856 المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا (37) # قوله تعالى: وما كان لفظه النفي ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا، وهذه ~~العبارة «ما كان» و «ما ينبغي» ونحوها تجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا ~~يكون، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا كقوله تعالى: ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها [النمل: 60] ، وربما كان العلم بامتناعه شرعا كقوله وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله [الشورى: 51] ، وربما كان حظره بحكم شرعي كهذه الآية، وربما كان ~~في المندوبات كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل ونحو هذا، وسبب ~~هذه الآية فيما قال قتادة وابن عباس ومجاهد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطب زينب بنت جحش فظنت أن الخطبة لنفسه فلما PageV04P385 # بين أنه إنما يريدها لزيد بن حارثة كرهت وأبت فنزلت الآية فأذعنت زينب ~~حينئذ وتزوجته، وقال ابن زيد إنما نزلت بسبب أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ~~ذلك هي وأخوها، وقالا إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا ~~غيره، فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد، والخيرة مصدر بمعنى ~~التخير، وهذه الآية في ضمن قوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~[الأحزاب: 6] وهذه الآية تقوى في قوله تعالى: # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة [القصص: 68] أن تكون ما ~~نافية لا مفعولة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ~~والأعرج وعيسى «أن تكون» بالتاء على لفظ الخيرة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~والأعمش وأبو عبد الرحمن «أن يكون» على معنى الخيرة وأن تأنيثها غير حقيقي، ~~وقوله في الآية الأخرى ما كان لهم الخيرة [القصص: 68] دون علامة تأنيث يقوي ~~هذه القراءة التي بالياء، ثم توعد عز وجل وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ~~ضل، وهذا العصيان يعم الكفر فما دونه، وكل عاص يأخذ من الضلال بقدر معصيته، ~~ثم عاتب تعالى نبيه ms2857 بقوله: وإذ تقول الآية، واختلف الناس في تأويل هذه ~~الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم الطبري وغيره إلى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب وهي في عصمة زيد وكان ~~حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد ~~فراقها ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظما بالشرف قال له: ~~اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك وهو يخفي الحرص على طلاق زيد ~~إياها وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف، ~~وقالوا خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالة الناس في ذلك فعاتبه الله ~~تعالى على جميع هذا، وقرأ ابن أبي عبلة «ما الله مظهره» ، وقال الحسن: ما ~~نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أشد عليه من هذه الآية، وقال هو ~~وعائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه ~~الآية لشدتها عليه، وروى ابن زيد في نحو هذا القول أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم طلب زيدا في داره فلم يجده ورأى زينب حاسرة فأعجبته فقال سبحان الله ~~مقلب القلوب. # قال القاضي أبو محمد: وروي في هذه القصة أشياء يطول ذكرها، وهذا الذي ~~ذكرناه مستوف لمعانيها، وذهب قوم من المتأولين إلى أن الآية لا كبير عتب ~~فيها، ورووا عن علي بن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى الله ~~إليه أن زيدا يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها له، فلما تشكى زيد ~~للنبي صلى الله عليه وسلم خلق زينب وأنها لا تطيعه وأعلمه بأنه يريد طلاقها ~~قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: «اتق الله» أي ~~في أقوالك و «أمسك عليك زوجك» وهو يعلم أنه سيفارقها وهذا هو الذي أخفى في ~~نفسه ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم من أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms2858 أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو ~~مولاه وقد أمره بطلاقها فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس ~~في أمر قد أباحه الله تعالى له وإن قال أمسك مع علمه أنه يطلق وأعلمه أن ~~الله أحق بالخشية أي في كل حال، وقوله: أنعم الله عليه يعني بالإسلام وغير ~~ذلك، وقوله: وأنعمت عليه يعني بالعتق وهو زيد بن حارثة، وزينب هي بنت جحش، PageV04P386 # وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعلم ~~تعالى أنه زوجها منه لما قضى زيد وطره منها لتكون سنة للمسلمين في أزواج ~~أدعيائهم وليتبين أنها ليست كحرمة النبوة، وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لزيد: ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب علي، قال فذهبت ووليتها ~~ظهري توقيرا للنبي صلى الله عليه وسلم وخطبتها ففرحت، وقالت ما أنا بصانعة ~~شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوجها النبي صلى الله ~~عليه وسلم ودخل بها، و «الوطر» : الحاجة والبغية، والإشارة هنا إلى الجماع، ~~وروى جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم «وطرا زوجتكها» . # قال الفقيه الإمام القاضي: وذهب بعض الناس من هذه الآية ومن قول شعيب إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين [القصص: 7] إلى أن ترتيب هذا المعنى في ~~المهور ينبغي أن يكون أنكحه إياها فيقدم ضمير الزوج لما في الآيتين، وهذا ~~عندي غير لازم لأن الزوج في الآية مخاطب فحسن تقديمه، وفي المهور الزوجان ~~غائبان فقدم من شئت فلم يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال وأنهم القوامون، وقوله ~~تعالى: وكان أمر الله مفعولا فيه حذف مضاف تقديره وكان حكم أمر الله أو ~~مضمن أمر الله، وإلا فالأمر قديم لا يوصف بأنه مفعول، ويحتمل على بعد أن ~~يكون الأمر واحد الأمور أي التي شأنها أن تفعل، وروي أن عائشة وزينب ~~تفاخرتا، فقالت عائشة: أنا التي سبقت صفتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الجنة ms2859 في سرقة حرير، وقالت زينب: أنا التي زوجني الله من فوق سبع ~~سماوات. # وقال الشعبي: كانت زينب تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأدل ~~عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن أن جدي وجدك واحد وأن الله أنكحك ~~إياي من السماء وأن السفير في ذلك جبريل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 38 الى 44] # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (40) يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) # هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة، أعلمهم أنه لا حرج على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في نيل ما فرض الله له وأباحه من تزويج زينب بعد زيد، ~~ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء من أن ينالوا ما أحل ~~الله لهم، وحكى الثعلبي عن مقاتل وابن الكلبي أن الإشارة إلى داود عليه ~~السلام حيث جمع الله بينه وبين من فتن بها، وسنة نصب على المصدر أو على ~~إضمار فعل تقديره الزم أو PageV04P387 # نحوه. أو على الإغراء كأنه قال فعليه سنة الله، والذين خلوا هم الأنبياء ~~بدليل وصفهم بعد بقوله الذين يبلغون رسالات الله، وأمر الله في الآية أي ~~مأمورات الله والكائنات عن أمره فهي مقدورة، وقوله قدرا فيه حذف مضاف، أي ~~ذا قدر، وقرأ ابن مسعود «الذين بلغوا رسالات الله، وقوله ولا يخشون أحدا ~~إلا الله تعريض بالعتاب الأول في خشية النبي عليه السلام الناس، ثم رد ~~الأمر كله إلى الله وأنه المحاسب على جميع الأعمال والمعتقدات وكفى به لا ~~إله إلا ms2860 هو، ويحتمل أن يكون حسيبا بمعنى محسب أي كافيا، وقوله تعالى: ما ~~كان محمد أبا أحد من رجالكم إلى قوله تعالى: كريما أذهب الله تعالى في هذه ~~الآية ما وقع في نفوس منافقين وغيرهم من نقد تزويج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زينب زوجة دعيه زيد بن حارثة لأنهم كانوا استعظموا أن تزوج زوجة ابنه، ~~فنفى القرآن تلك البنوة وأعلم أن محمدا لم يكن في حقيقة أمره أبا أحد من ~~رجال المعاصرين له، ولم يقصد بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن له ولد فيحتاج إلى الاحتجاج بأمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر ~~الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين ومن احتج بذلك فإنه تأول نفي البنوة عنه ~~بهذه الآية على غير ما قصد بها، وقرأ ابن أبي عبلة وبعض الناس «ولكن رسول ~~الله» بالرفع على معنى هو رسول الله، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم والأعرج ~~وعيسى «رسول الله» بالنصب على العطف على أبا، وهؤلاء قرؤوا «ولكن» ~~بالتخفيف، وقرأت فرقة «ولكن» بشد النون ونصب «رسول» على أنه اسم «لكن» ~~والخبر محذوف، وقرأ عاصم وحده والحسن والشعبي والأعرج بخلاف «وخاتم» بفتح ~~التاء بمعنى أنهم به ختموا فهو كالخاتم والطابع لهم، وقرأ الباقون والجمهور ~~«خاتم» بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم أي جاء آخرهم، وروت عائشة أنه عليه ~~السلام قال: «أنا خاتم الأنبياء» بفتح التاء، وروي عنه عليه السلام أنه ~~قال: «أنا خاتم ألف نبي» ، وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفا وسلفا ~~متلقاة على العموم التام مقتضية نصا أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، ~~وما ذكره القاضي ابن الطيب في كتابه المسمى بالهداية من تجويز الاحتمال في ~~ألفاظ هذه الآية ضعيف، وما ذكره الغزالي في هذه الآية وهذا المعنى في كتابه ~~الذي سماه بالاقتصاد إلحاد عندي وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ~~ختم محمد صلى الله عليه وسلم النبوءة، فالحذر الحذر منه والله الهادي ~~برحمته، وقرأ ابن مسعود «من رجالكم ولكن نبينا ختم النبيين» ، قال ms2861 الرماني ~~ختم به عليه السلام الاستصلاح فمن لم يصلح به فميئوس من صلاحه، وقوله ~~تعالى: وكان الله بكل شيء عليما والمقصد به هنا علمه تعالى بما رآه الأصلح ~~بمحمد وبما قدره في الأمر كله، ثم أمر تعالى عباده بأن يذكروه ذكرا كثيرا، ~~وجعل تعالى ذلك دون حد ولا تقدير لسهولته على العبد ولعظم الأجر فيه، قال ~~ابن عباس لم يعذر أحد في ترك ذكر الله إلا من غلب على عقله، وقال الكثير أن ~~لا تنساه أبدا، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «أكثروا ~~ذكر الله حتى يقولوا مجنون» ، وقوله تعالى: وسبحوه بكرة وأصيلا أراد في كل ~~الأوقات مجدد الزمان بطرفي نهاره وليله، وقال قتادة والطبري وغيره الإشارة ~~إلى صلاة الغداة وصلاة العصر. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه الآية مدنية فلا تعلق بها لمن زعم أن ~~الصلاة إنما فرضت أولا صلاتين في طرفي النهار، والرواية بذلك ضعيفة، ~~والأصيل من العصر إلى الليل، ثم عدد تعالى على عباده PageV04P388 # نعمته في الصلاة عليهم وصلاة الله تعالى على العبد هي رحمته له وبركته ~~لديه ونشره عليه الثناء الجميل، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين، وروت ~~فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله كيف صلاة الله على ~~عباده؟ قال «سبوح قدوس رحمتي سبقت غضبي» . # قال الفقيه الإمام القاضي: واختلف في تأويل هذا القول، فقيل إن هذا كله ~~من كلام الله وهي صلاته على عباده، وقيل سبوح قدوس هو من كلام محمد تقدمت ~~بين يدي نقطة باللفظ الذي هو صلاة الله وهو رحمتي سبقت غضبي، وقدم عليه ~~السلام هذا من حيث فهم من السائل أنه توهم في صلاة الله تعالى على عباده ~~وجها لا يليق بالله عز وجل، فقدم التنزيه لله والتعظيم بين يدي أخباره، ~~وقوله ليخرجكم أي صلاته وصلاة ملائكته لكي يهديكم وينقذكم من الكفر إلى ~~الإيمان، ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيسا لهم، وقوله يوم يلقونه قيل ~~يوم القيامة المؤمن تحييه الملائكة ب «السلام» ومعناه السلامة ms2862 من كل مكروه، ~~وقال قتادة يوم دخولهم الجنة يحيي بعضهم بعضا بالسلام، أي سلمنا وسلمت من ~~كل مخوف، وقيل تحييهم الملائكة يومئذ، و «الأجر الكريم» ، جنة الخلد في ~~جواره تبارك وتعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 45 الى 49] # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) # هذه الآية فيها تأنيس للنبي عليه السلام وللمؤمنين وتكريم لجميعهم، ~~وشاهدا، معناه على أمتك بالتبليغ إليهم وعلى سائر الأمم في تبليغ أنبيائهم ~~ونحو ذلك ومبشرا معناه للمؤمنين، برحمة الله تعالى وبالجنة، ونذيرا معناه ~~للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد، قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا فبعثهما إلى اليمن وقال ~~«اذهبا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا فإنه قد أنزل علي» وقرأ الآية. ~~والدعاء إلى الله تعالى هو تبليغ التوحيد والأخذ به ومكافحة الكفرة. # وبإذنه معناه هنا بأمره إياك وتقديره ذلك في وقته وأوانه، وسراجا منيرا ~~استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه فكأن المهديين به والمؤمنين يخرجون به من ~~ظلمة الكفر، وقوله وبشر الواو عاطفة جملة على جملة والمعنى منقطع من الذي ~~قبله، أمره الله تعالى بأن يبشر المؤمنين بالفضل الكبير من الله. # قال القاضي أبو محمد: قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه من أرجى آية عندي في ~~كتاب الله تعالى لأن الله تعالى أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده ~~فضلا كبيرا، وقد بين تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله تعالى: والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو PageV04P389 # الفضل الكبير # [الشورى: 22] ، فالآية التي في هذه السورة خبر والتي في حم عسق [الشورى: ~~1] تفسير لها، وقوله ms2863 تعالى: ولا تطع الكافرين والمنافقين نهي له عن السماع ~~منهم في أشياء كانوا يطلبونها مما لا يجب وفي أشياء كانوا يدخلونها مدخل ~~النصائح وهي غش إلى نحو هذا المعنى، وقوله تعالى: # ودع أذاهم يحتمل معنيين: أحدهما أن يأمره بترك أن يؤذيهم هو ويعاقبهم ~~فكأن المعنى واصفح عن زللهم ولا تؤذهم فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، ~~ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين وناسخه آية السيف، والمعنى ~~الثاني أن يكون قوله ودع أذاهم بمعنى أعرض عن أقوالهم وما يؤذونك به، ~~فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل، وهذا تأويل مجاهد. ثم أمره تعالى ~~بالتوكل عليه، وأنسه بقوله وكفى بالله وكيلا، ففي قوة الكلام وعد بنصر ~~وتقدم القول في كفى بالله، والوكيل الحافظ القائم على الأمر، ثم خاطب تعالى ~~المؤمنين بحكم الزوجة تطلق قبل البناء، واستدل بعض الناس بقوله ثم طلقتموهن ~~وبمهلة ثم على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، وأن من طلق المرأة قبل ~~نكاحها وإن عينها فإن ذلك لا يلزمه، وقال هذا نيف على ثلاثين من صاحب وتابع ~~وإمام، سمى البخاري منهم اثنين وعشرين، وقالت طائفة عظيمة من أهل العلم: إن ~~طلاق المعينة الشخص أو القبيل أو البلد لازم قبل النكاح، فمنهم مالك وجميع ~~أصحابه وجمع عظيم من علماء الأمة، وقرأ جمهور القراء «تمسوهن» ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وطلحة وابن وثاب «تماسوهن» والمعنى فيهما الجماع وهذه العدة إنما ~~هي لاستبراء الرحم وحفظ النسب في الحمل، فمن لم تمس فلا يلزم ذلك فيها، ~~وقرأ جمهور الناس «تعتدونها» بشد الدال على وزن تفتعلونها من العدد، وروى ~~ابن أبي بزة عن أبي بكر «تعتدونها» بتخفيف ضمة الدال من العدوان، كأنه قال ~~فما لكم عدة تلزمونها عدوانا وظلما لهن، والقراءة الأولى أشهر عن أبي بكر، ~~وتخفيف الدال وهم من ابن أبي بزة، ثم أمر تعالى بتمتيع المطلقة قبل البناء، ~~واختلف الناس في المتعة، فقالت فرقة هي واجبة، وقالت فرقة هي مندوب إليها ~~منهم مالك وأصحابه، وقالت فرقة المتعة للتي لم يفرض ms2864 لها ونصف المهر للتي ~~فرض لها، وقال سعيد بن المسيب: بل المتعة كانت لجميعهن بهذه الآية، ثم نسخت ~~آية البقرة بالنصف لمن فرض لها ما تضمنته هذه الآية من المتعة. # وهذه الآية خصصت آيتين إحداهما، والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ~~فخصصت هذه الآية من لم يدخل بها، وكذلك خصصت من ذوات الثلاثة الأشهر، وهن ~~من قعدن عن المحيض، ومن لم يحضن من صغر المطلقات قبل البناء، و «السراح ~~الجميل» هو الطلاق تتبعه عشرة حسنة وكلمة طيبة دون مشادة ولا أذى. # قوله عز وجل: PageV04P390 ### || [سورة الأحزاب (33) : آية 50] # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) # قرأ الجمهور «اللاتي» بالتاء من فوق، وقرأ الأعمش «اللايي» بياءين من ~~تحت، وذهب ابن زيد والضحاك في تفسير قوله إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن إلى أن المعنى أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها ~~وأباح له تعالى كل النساء بهذا الوجه وأباح له ملك اليمين وبنات العم ~~والعمة والخال والخالة ممن هاجر معه، وخصص هؤلاء بالذكر تشريفا وتنبيها ~~منهن إذ قد تناولهن على تأويل ابن زيد قوله تعالى: أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن، وأباح له الواهبات خاصة له فهو على تأويل ابن زيد إباحة مطلقة في ~~جميع النساء حاشى ذوات المحارم، لا سيما على ما ذكر الضحاك أن في مصحف ابن ~~مسعود «وبنات خالاتك واللاتي هاجرن معك» ، ثم قال بعد هذه ترجي من تشاء ~~منهن [الأحزاب: 51] أي من هذه الأصناف كلها، ثم تجري الضمائر بعد ذلك على ~~العموم إلى قوله تعالى: # ولا أن تبدل بهن [الأحزاب: 52] فيجيء هذا الضمير مقطوعا من الأول عائدا ~~على أزواجه التسع فقط ms2865 على الخلاف في ذلك، وتأول غير ابن زيد قوله أحللنا لك ~~أزواجك اللاتي آتيت أجورهن أن الإشارة إلى عائشة وحفصة ومن في عصمته ممن ~~تزوجها بمهر، وأن ملك اليمين بعد حلال له، وأن الله تعالى أباح له مع ~~المذكورات بنات عمه وعماته وخاله وخالاته ممن هاجر معه والواهبات خاصة له، ~~فيجيء الأمر على هذا التأويل أضيق على النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا ~~التأويل ما قاله ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أي ~~الناس شاء وكان ذلك يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها ~~النساء إلا من سمى سر نساؤه بذلك. # قال الفقيه الإمام القاضي: لأن ملك اليمين إنما يفعله في النادر من الأمر ~~وبنات العم والعمات والخال والخالات يسير، ومن يمكن أن يتزوج منهن محصور ~~عند نسائه، لا سيما وقد قيد ذلك شرط الهجرة معه والواهبة أيضا من النساء ~~قليل، فلذلك سر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بانحصار الأمر، ثم يجيء ~~قوله تعالى: ترجي من تشاء منهن [الأحزاب: 51] إشارة إلى من تقدم ذكره، ثم ~~يجيء قوله ولا أن تبدل بهن من أزواج [الأحزاب: 52] إشارة إلى أزواجه اللاتي ~~تقدم النص عليهن بالتحليل فيأتي الكلام متسقا مطردا أكثر من اطراده على ~~التأويل الأول، و «الأجور» المهور، وقوله مما أفاء الله عليك أي رده إليك ~~في الغنائم، يريد وعلى أمتك لأنه فيء عليه، و «ملك اليمين» أصله الفيء من ~~الغنائم أو ما تناسل ممن سبي والشراء من الحربيين كالسباء، ومباح السباءة ~~هو من الحربيين، ولا يجوز سبي من له عهد ولا تملكه، ويسمى سبي الخبثة، ~~وقوله تعالى: وبنات عمك الآية، يريد قرابته، وروي عن أم هاني بنت أبي طالب ~~أنها قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثم ~~نزلت هذه الآية فحرمني عليه لأني لم أهاجر معه وإنما كنت من الطلقاء، وقرأ ~~جمهور الناس «إن وهبت» بكسر الألف وهذا يقتضي استئناف الأمور، إن وقع فهو ~~حلال له، على ms2866 أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال لم تكن عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. PageV04P391 # فأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد، وقرأ الحسن البصري وأبي بن كعب ~~والثقفي والشعبي، «أن وهبت» بفتح الألف فهي إشارة إلى ما وقع من الهبات قبل ~~نزول الآيات. # قال الفقيه الإمام القاضي: وكسر الألف يجري مع تأويل ابن زيد الذي ~~قدمناه، وفتح الألف يجري مع التأويل الآخر، ومن قرأ بفتح الألف قال الإشارة ~~إلى من وهب نفسه من النساء للنبي صلى الله عليه وسلم على الجملة، قال ابن ~~عباس فيما حكى الطبري هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين هي أم ~~شريك، وقال عروة والشعبي هي زينب بنت خزيمة أم المساكين، وقال أيضا عروة بن ~~الزبير خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمي ممن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وامرأة مؤمنة وهبت» دون «إن» ، وقوله ~~تعالى: خالصة لك أي هبة النساء أنفسهن خالصة ومزية لا يجوز أن تهب المرأة ~~نفسها لرجل، وأجمع الناس على أن ذلك لا يجوز، وأن هذا اللفظ من الهبة لا ~~يتم عليه نكاح إلا ما روي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف أنهم ~~قالوا: إذا وهبت فأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز. # قال الفقيه الإمام القاضي: فليس في قولهم إلا تجويز العبارة ولفظة الهبة، ~~وإلا فالأفعال التي اشترطها هي أفعال النكاح بعينه. # قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر من لفظ أبي بن كعب أن معنى قوله خالصة ~~لك يراد به جميع هذه الإباحة لأن المؤمنين قصروا على مثنى وثلاث ورباع، ~~وقوله تعالى: قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم يريد الولي والشاهدين ~~والمهر والاقتصار على أربع قاله قتادة ومجاهد، وقال أبي بن كعب هو مثنى ~~وثلاث ورباع، وقوله تعالى لكيلا أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لكيلا ~~يكون عليك حرج ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك في شيء، ثم ms2867 أنس تعالى الجميع من ~~المؤمنين بغفرانه ورحمته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 51 الى 52] # ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل ~~بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء ~~رقيبا (52) # ترجي معناه تؤخر وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «ترجيء» ~~بالهمز، وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي «ترجي» بغير همز وهما لغتان ~~بمعنى، وتؤوي معناه تضم وتقرب وقال المبرد هو معدى رجى يرجو تقول رجى الرجل ~~وأرجيته جعلته ذا رجاء، ومعنى هذه الآية أن الله فسح لنبيه فيما يفعله في ~~جهة النساء، والضمير في منهن عائد على من تقدم ذكره من الأصناف حسب الخلاف ~~المذكور في ذلك، وهذا الإرجاء والإيواء يحتمل معاني، منها أن معناه في ~~القسم أن تقرب من شئت في PageV04P392 # القسمة لها من نفسك، وتؤخر عنك من شئت، وتكثر لمن شئت، وتقل لمن شئت، لا ~~حرج عليك في ذلك، فإذا علمن هن أن هذا هو حكم الله تعالى لك وقضاؤه زالت ~~الأنفة والتغاير عنهن ورضين وقرت أعينهن وهذا تأويل مجاهد وقتادة والضحاك. # قال الفقيه الإمام القاضي: لأن سبب هذه الآيات إنما كان تغايرا وقع بين ~~زوجات النبي صلى الله عليه وسلم عليه فشقي بذلك، ففسح الله له وأنبهن بهذه ~~الآيات، وقال أبو رزين وابن عباس المعنى في طلاق من شاء ممن حصل في عصمته ~~وإمساك من شاء، قال أبو زيد: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم ~~بطلاق بعض نسائه فقلن له أقسم لنا ما شئت فكان ممن أرجى سودة وجويرية وصفية ~~وأم حبيبة وميمونة وآوى إليه عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب وقال الحسن بن أبي ~~الحسن المعنى في تزويج من شاء من النساء وترك من شاء، وقالت ms2868 فرقة المعنى في ~~ضم من شاء من الواهبات وتأخير من شاء. # قال القاضي أبو محمد: وعلى كل معنى فالآية معناها التوسعة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والإباحة له، قالت عائشة: لما قرأ علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذه الآية قلت ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. # قال الفقيه الإمام القاضي: وذهب هبة الله في الناسخ والمنسوخ له إلى أن ~~قوله ترجي من تشاء الآية ناسخ لقوله لا يحل لك النساء من بعد الآية، وقال ~~ليس في كتاب الله تعالى ناسخ تقدم المنسوخ إلا هذا. # قال الفقيه الإمام القاضي: وكلامه يضعف من جهات، وقوله عز وجل ومن ابتغيت ~~ممن عزلت فلا جناح عليك يحتمل معاني: أحدها أن تكون من للتبعيض، أي من ~~إرادته وطلبته نفسه ممن قد كنت عزلته فلا جناح عليك في رده إلى نفسك ~~وإيوائه إليه بعد عزلته، ووجه ثان وهو أن يكون مقويا ومؤكدا لقوله ترجي من ~~تشاء وتؤوي من تشاء فيقول بعد ومن ابتغيت ممن عزلت فذلك سواء فلا جناح عليك ~~في جمعه، وهذا كما تقول من لقيك ممن لم يلقك جميعهم لك شاكر وأنت تريد من ~~لقيك ومن لم يلقك، وهذا المعنى يصح أن يكون في معنى القسم، ويصح أن يكون في ~~الطلاق والإمساك وفي الواهبات، وبكل واحد قالت فرقة. وقرأ جمهور الناس «ذلك ~~أدنى أن تقر أعينهن» برفع «الأعين» ، وقرأ ابن محيصن «أن تقر أعينهن» بضم ~~التاء ونصب «الأعين» ، وقوله بما آتيتهن أي من نفسك ومالك، وقرأ جمهور ~~الناس «كلهن» بالرفع على التأكيد للضمير في يرضين ولم يجوز الطبري غير هذا، ~~وقرأ جويرية بن عابد بالنصب على التأكيد في آتيتهن. # قال الفقيه الإمام القاضي: والمعنى أنهن يسلمن لله ولحكمه وكن قبل لا ~~يتسامحن بينهن للغيرة ولا يسلمن للنبي صلى الله عليه وسلم أنفة، نحا إلى ~~هذا المعنى ابن زيد وقتادة، وقوله تعالى: والله يعلم ما في قلوبكم خبر عام، ~~والإشارة به هنا إلى ما كان في قلب رسول الله صلى ms2869 الله عليه وسلم من محبة ~~شخص دون شخص، وكذلك يدخل في المعنى أيضا المؤمنون. وقوله حليما صفة تقتضي ~~صفحا وتأنيسا في هذا المعنى، إذ هي خواطر وفكر لا يملكها الإنسان في ~~الأغلب، واتفقت الروايات على أنه PageV04P393 # عليه السلام عدل بينهن في القسمة حتى مات ولم يمتثل ما أبيح له ضبطا ~~لنفسه وأخذا بالفضل، غير أن سودة وهبت نوبتها لعائشة تقمنا لمسرة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: لا يحل لك النساء من بعد قيل كما قدمنا ~~إنها خطرت عليه النساء إلا التسع اللواتي كن عنده، فكأن الآية ليست متصلة ~~بما قبلها، قال ابن عباس وقتادة لما هجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهرا، وآلى منهن ثم خرج وخيرهن فاخترن الله ورسوله، جازاهن الله بأن حظر ~~عليه النساء غيرهن وقنعه بهن وحظر عليه تبديلهن، ونسخ بذلك ما أباحه له قبل ~~من التوسعة في جميع النساء، وقال أبي بن كعب وعكرمة قوله لا يحل لك النساء ~~من بعد أي من بعد الأصناف التي سميت، ومن قال إن الإباحة كانت له مطلقة قال ~~هنا لا يحل لك النساء معناه لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا تأويل فيه بعد، وإن كان روي عن مجاهد، ~~وكذلك روي أن تبدل اليهوديات والنصرانيات بالمسلمات، وهذا قول أبي رزين ~~وسعيد بن جبير، وقال أبي بن كعب من بعد يعني لا يحل لك العمات والخالات ~~ونحو ذلك، وأمر مع ذلك بأن لا يتبدل بأزواجه التسع منه من أن يطلق منهن ~~ويتزوج غيرهن قاله الضحاك، وقيل بمن تزوج وحصل في عصمته أي لا يبدلها بأن ~~يأخذ زوجة إنسان ويعطيه هو زوجته قال ابن زيد وهذا شيء كانت العرب تفعله. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف أنكره الطبري وغيره في معنى ~~الآية، وما فعلت العرب قط هذا، وما روي من حديث عيينة بن حصن أنه دخل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فقال من هذه الحميراء؟ فقال رسول ~~الله ms2870 صلى الله عليه وسلم: هذه عائشة، فقال عيينة: يا رسول الله إن شئت نزلت ~~لك عن سيدة العرب جمالا ونسبا فليس بتبديل ولا أراد ذلك وإنما احتقر عائشة ~~لأنها كانت صبية فقال هذا القول، وقرأ أبو عمرو بخلاف «لا تحل» بالتاء على ~~معنى جماعة النساء، وقرأ الباقون «لا يحل» بالياء من تحت على معنى جميع ~~النساء وهما حسنان لأن تأنيث لفظ النساء ليس بحقيقي، وقوله تعالى: ولو ~~أعجبك حسنهن، قال ابن عباس نزل ذلك بسبب أسماء بنت عميس أعجبت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين مات عنها جعفر بن أبي طالب وفي هذه اللفظة أعجبك ~~حسنهن دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها، وقد أراد المغيرة ~~بن شعبة زواج امرأة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «انظر إليها فإنه ~~أجدر أن يؤدم بينكما» وقال عليه السلام لآخر: «انظر إليها فإن في أعين ~~الأنصار شيئا» ، قال الحميدي يعني «صغرا» ، وقال سهل بن أبي حثمة رأيت محمد ~~بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك على أجار من أجاجير المدينة فقلت له أتفعل ~~هذا؟ فقال نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ألقى الله في قلب أحدكم ~~خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها» ، وقوله تعالى: إلا ما ملكت يمينك ما في ~~موضع رفع بدل من النساء، ويجوز أن تكون في موضع نصب على الاستثناء، وفي ~~النصب ضعف، ويجوز أن تكون ما مصدرية والتقدير إلا ملك يمينك وملك بمعنى ~~مملوك، وهو في موضع نصب لأنه استثناء من غير الجنس الأول، و «الرقيب» فعيل ~~بمعنى فاعل أي راقب. # قوله عز وجل: PageV04P394 ### || [سورة الأحزاب (33) : آية 53] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن ms2871 تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) # هذه الآية تضمنت قصتين إحداهما الأدب في أمر الطعام والجلوس والثانية في ~~أمر الحجاب، فأما الأولى فالجمهور من المفسرين على أن سببها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها فدعا الناس، فلما ~~طعموا، قعد نفر في طائفة من البيت فثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكانهم فخرج ليخرجوا لخروجه، ومر على حجر نسائه ثم عاد فوجدهم في مكانهم ~~وزينب في البيت معهم، فلما دخل وراءهم انصرف فخرجوا عند ذلك، قال أنس بن ~~مالك: فأعلم أو أعلمته بانصرافهم فجاء، فلما وصل الحجرة أرخى الستر بيني ~~وبينه ودخل، ونزلت الآية بسبب ذلك، وقال قتادة ومقاتل في كتاب الثعلبي: إن ~~هذا السبب جرى في بيت أم سلمة والأول أشهر، وقال ابن عباس: نزلت في ناس من ~~المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل ~~الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وقال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا ~~أدب أدب الله تعالى به الثقلاء، وقال ابن أبي عائشة في كتاب الثعلبي: بحسبك ~~من الثقلاء إن الشرع لم يحتملهم، وأما آية الحجاب فقال أنس بن مالك وجماعة ~~سببها أمر القعود في بيت زينب، القصة المذكورة آنفا، وقالت فرقة بل في بيت ~~أم سلمة، وقال مجاهد سبب آية الحجاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ~~معه قوم وعائشة معهم فمست يدها يد رجل منهم فنزلت آية الحجاب بسبب ذلك، ~~وقالت عائشة وجماعة سبب الحجاب كلام عمر وأنه كلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مرارا في أن يحجب نساءه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل ~~وكان عمر يتابع فخرجت سودة ليلة لحاجتها وكانت امرأة تفرع النساء طولا ~~فناداها عمر قد عرفناك يا سودة حرصا على الحجاب. # وقالت له زينب بنت جحش: عجبنا لك يا ابن الخطاب تغار علينا والوحي ينزل ~~في ms2872 بيوتنا، فما زال عمر يتابع حتى نزلت آية الحجاب، وقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وافقت ربي في ثلاث: منها الحجاب، ومقام إبراهيم، وعسى ربه إن ~~طلقكن الحديث، وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من ~~شاء إلى دار الدعوة ينتظر طبخ الطعام ونضجه في حديث أنس، وكذلك إذا فرغوا ~~منه جلسوا، كذلك فنهى الله تعالى المؤمنين عن أمثال ذلك في بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله تعالى ~~لهم في ذلك فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج ~~الطعام، وناظرين معناه منتظرين وإناه مصدر أنى الشيء يأنى إذا فرغ وحان ~~آنا، ومنه قول الشاعر: [الوافر] # تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل خاتمة تمام PageV04P395 # وقرأ الجمهور بفتح النون من «إناه» وأمالها حمزة والكسائي، ثم أكد المنع ~~وحصر وقت الدخول بأن يكون عند الإذن، ثم أمر تعالى بعد الطعام بأن يفترق ~~جمعهم وينتشر، وقوله ولا مستأنسين عطف على قوله غير ناظرين وغير منصوبة على ~~الحال من الكاف والميم في لكم أي ناظرين ولا مستأنسين، وقرأ ابن أبي عبلة ~~«غير» بكسر الراء وجوازه على تقدير «غير ناظرين إناه أنتم» ، وقرأ الأعمش ~~«آناءه» على جمع «أنى» بمدة بعد النون، وقرأت فرقة «فيستحيي» بإظهار الياء ~~المكسورة قبل الساكنة، وقرأت فرقة «فيستحيي» بسكون الياء دون ياء مكسورة ~~قبلها، وقوله والله لا يستحيي معناه لا يقع منه ترك قوله الحق ولما كان ذلك ~~يقع من البشر لعلة الاستحياء نفي عن الله تعالى العلة الموجبة لذلك في ~~البشر، وقوله تعالى: وإذا سألتموهن متاعا الآية هي آية الحجاب، و «المتاع» ~~عام في جميع ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة من المواعين وسائر ~~المرافق للدين والدنيا، وقوله ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن يريد من الخواطر ~~التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال، وقوله تعالى: وما ~~كان لكم أن تؤذوا رسول الله الآية روي أنها نزلت بسبب أن ms2873 بعض الصحابة قال: ~~لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتأذى به، هكذا كنى عنه ابن عباس ببعض الصحابة، وحكى مكي عن ~~معمر أنه قال هو طلحة بن عبيد الله. # قال الفقيه الإمام القاضي: لله در ابن عباس، وهذا عندي لا يصح على طلحة، ~~الله عاصمه منه، وروي أن رجلا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة وحفصة بعد خنيس بن حذافة ما بال محمد ~~يتزوج نساءنا والله لو مات لأجلنا السهام على نسائه فنزلت الآية في هذا، ~~وحرم الله تعالى نكاح أزواجه بعده وجعل لهن حكم الأمهات، ولما توفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ثم رجعت زوج عكرمة بن أبي جهل قتيلة ~~بنت الأشعث بن قيس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجها ولم يبن ~~بها فصعب ذلك على أبي بكر الصديق وقلق منه فقال له عمر: # مهلا يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنه لم يخيرها ولا أرخى ~~عليها حجابا وقد أبانتها منه ردتها مع قومها، فسكن أبو بكر، وذهب عمر إلى ~~أن لا يشهد جنازة زينب بنت جحش إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب، فدلته ~~أسماء بنت عميس على سترها في النعش في القبة وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد ~~الحبشة فصنعه عمر، وروي أن ذلك صنع في جنازة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 54 الى 55] # إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) لا جناح عليهن ~~في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ~~ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا ~~(55) # قوله تعالى: إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما توبيخ ~~ووعيد لمن تقدم به التعريض في الآية قبلها ممن أشير ms2874 إليه بقوله ذلكم أطهر ~~لقلوبكم [الأحزاب: 53] ومن أشير إليه في PageV04P396 # قوله وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله [الأحزاب: 53] فقيل لهم في هذه إن ~~الله يعلم ما تخفونه من هذه المعتقدات والخواطر المكروهة ويجازيكم عليها، ~~ثم ذكر تعالى الإباحة فيمن سمي من القرابة إذ لا تقضي أحوال البشر إلا ~~مداخلة من ذكر وكثرة ترداده وسلامة نفسه من أمر الغزل لما تتحاماه النفوس ~~من ذوات المحارم، فمن ذلك الآباء والأولاد والإخوة وأبناؤهم وأبناء ~~الأخوات، وقوله: ولا نسائهن دخل فيه الأخوات والأمهات وسائر القرابات ومن ~~يتصل من المتصرفات لهن، هذا قول جماعة من أهل العلم، ويؤيد قولهم هذه ~~الإضافة المخصصة في قوله نسائهن وقال ابن زيد وغيره إنما أراد جميع النساء ~~المؤمنات وتخصيص الإضافة إنما هو في الإيمان، وقوله تعالى: ولا ما ملكت ~~أيمانهن قالت طائفة من الإماء دون العبيد، وقالت طائفة من العبيد والإماء، ~~ثم اختلفت هذه الطائفة، فقالت فرقة: ما ملكت من العبيد دون من ملك سواهن، ~~وقالت فرقة: بل من جميع العبيد كان في ملكهن أو في ملك غيرهن، والكاتب إذا ~~كان معه ما يؤدي فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب الحجاب دونه، ~~وفعلت ذلك أم سلمة مع مكاتبها نبهان، ذكره الزهراوي، وقالت فرقة دخل ~~الأعمام في الآباء، وقال الشعبي وعكرمة لم يذكرهم لإمكان أن يصفوا ~~لأبنائهم، وكذلك الخال وكرها أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها، ~~واختلف المتأولون في المعنى الذي رفع فيه الجناح بهذه الآية فقال قتادة هو ~~الحجاب، أي أبيح لهذه الأصناف الدخول على النساء دون حجاب ورؤيتهن، وقال ~~مجاهد ذلك في رفع الجلباب وإبداء الزينة، ولما ذكر تعالى الرخصة في هذه ~~الأصناف وانجزمت الإباحة عطف بأمرهن بالتقوى عطف جملة على جملة وهذا في ~~نهاية البلاغة والإيجاز، كأنه قال اقتصرن على هذا واتقين الله تعالى فيه أن ~~تتعدينه إلى غيره، ثم توعد تعالى بقوله واتقين الله إن الله كان على كل شيء ~~شهيدا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 56 الى 58] # إن ms2875 الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) # هذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام وذكر منزلته منه وطهر بها سوء ~~فعل من استصحب في جهته فكرة سوء في أمر أزواجه ونحو ذلك، وقوله يصلون، قالت ~~فرقة الضمير فيه لله وللملائكة، وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته فلا ~~يصحبه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب عند النبي صلى الله عليه وسلم: من ~~أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ضل، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «بئس الخطيب أنت» قالوا لأنه ليس لأحد من البشر أن يجمع ذكر الله ~~تعالى مع غيره في ضمير واحد ولله تعالى أن يفعل من ذلك ما شاء، وقالت فرقة: ~~في الكلام حذف تقديره إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون، ودل الظاهر ~~من القول على ما ترك، وليس في الآية اجتماع في ضمير، وقالت فرقة: بل جمع ~~الله PageV04P397 # تعالى الملائكة مع نفسه في ضمير وذلك جائز للبشر فعله، ولم يقل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «بئس الخطيب أنت» لهذا المعنى وإنما قاله لأن الخطيب ~~وقف على «ومن يعصهما» وسكت سكتة، ومما يؤيد هذا أن في كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم في مصنف أبي داود «ومن يعصهما» فجمع ذكر الله تعالى مع رسوله في ~~ضمير، ومما يؤيد القول الأول أن في كتاب مسلم «بئس الخطيب أنت قل ومن يعص ~~الله ورسوله» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتمل أن يكون لما خطأه في وقفه وقال له «بئس ~~الخطيب أنت» (أصلح له بعد ذلك جميع كلامه لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ~~ضمير غيره أولى لا محالة فقال له: # «بئس الخطيب أنت» لموضع) خطأه في الوقف وحمله على الأولى في فصل ~~الضميرين. وإن كان جمعهما جائزا، وقرأ ms2876 الجمهور «وملائكته» بنصب التاء عطفا ~~على المكتوبة، وقرأ ابن عباس «وملائكته» رفعا عطفا على الموضع قبل دخول إن ~~وفي هذا نظر، وصلاة الله رحمة منه وبركة، وصلاة الملائكة دعاء، وصلاة ~~المؤمنين دعاء وتعظيم، والصلاة على رسول الله في كل حين من الواجبات وجوب ~~السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه، وقال عليه ~~السلام: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود» وصفتها ما ورد ~~عنه عليه السلام في كتاب الطبري من طريق ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية ~~قال له قوم من الصحابة: هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه فكيف نصلي ~~عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ~~وآل إبراهيم وارحم محمدا وآل محمد كما رحمت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم ~~في العالمين إنك حميد مجيد» وفي بعض الروايات زيادة ونقص هذا معناه، وقرأ ~~الحسن «يا أيها الذين آمنوا فصلوا عليه» وهذه الفاء تقوي معنى الشرط أي صلى ~~الله فصلوا أنتم، كما تقول أعطيتك فخذ، وفي حرف عبد الله «صلوا عليه كما ~~صلى الله عليه وسلموا تسليما» ، وقوله تعالى: إن الذين يؤذون الله الآية، ~~قال الجمهور معناه بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه ووصفه بما لا ~~يليق به، وفي الحديث قال الله شتمني عبدي فقال إن لي ولدا وكذبني فقال إنه ~~لن يبعث، وقال عكرمة معناه بالتصوير والتعريض لفعل ما لا يفعله إلا الله ~~بنحت الصور وخلقها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله ~~المصورين» ، وقالت فرقة ذلك على حذف مضاف تقديره يؤذون أولياء الله، وإذاية ~~الرسول هي بما يؤذيه من الأقوال في غير معنى واحد من الأفعال أيضا، قال ابن ~~عباس نزلت في الذين طعنوا عليه حين اتخذ صفية بنت حيي. # قال الفقيه الإمام القاضي: والطعن في تأمير أسامة إذاية له عليه السلام، ~~ولعنوا معناه أبعدوا من كل خير، وإذاية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا ~~بالأفعال والأقوال القبيحة والبهتان والكذب ms2877 الفاحش المختلف، وروي أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال يوما لأبي بن كعب: إني قرأت هذه الآية البارحة ~~ففزعت منها والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات الآية والله إني لأضربهم ~~وأنهرهم، فقال له: اي يا أمير المؤمنين لست منهم إنما أنت معلم ومقوم، وذكر ~~أبو حاتم أن عمر بن الخطاب قرأ «إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات» ثم قال ~~يا أبي كيف تقرأ هذه الآية فقرأها كما قال عمر. PageV04P398 # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : آية 59] # يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) # لما كانت عادة العربيات التبذل في معنى الحجبة وكن يكشفن وجوههن كما يفعل ~~الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكر فيهن أمر الله ~~تعالى رسوله عليه السلام بأمرهن بإدناء الجلابيب، ليقع سترهن ويبين الفرق ~~بين الحرائر والإماء، فيعرف الحرائر بسترهن فكيف عن معارضتهن من كان غزلا ~~أو شابا وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الصعدات لرؤية النساء ~~ومعارضتهن ومراودتهن، فنزلت الآية بسبب ذلك، و «الجلباب» ثوب أكبر من ~~الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء واختلف الناس في صورة ~~إدنائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر ~~منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة وذلك أن تلويه فوق ~~الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم ~~الوجه، وقوله تعالى: ذلك أدنى أن يعرفن أي على الجملة بالفرق حتى لا يختلطن ~~بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرية، وليس ~~المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي، وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت ~~قنعها الذرة محافظة على زي الحرائر، وباقي الآية ترجية ولطف وحظ على التوبة ~~وتطميع في رحمة الله تعالى، وفيها تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا ~~الأمر المشروع. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 60 الى ms2878 62] # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا (62) # اللام في قوله تعالى: لئن هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في لنغرينك هي ~~لام القسم، وتوعد الله تعالى هذه الأصناف في هذه الآية، وقرن توعده بقرينة ~~متابعتهم وتركهم الانتهاء، فقالت فرقة: إن هذه الأصناف لم تنته ولم ينفذ ~~الله تعالى عليها هذا الوعيد، فهذه الآية دليل على بطلان القول بإنفاذ ~~الوعيد في الآخرة، وقالت فرقة: إن هذه الأصناف انتهت وتستر جميعهم بأمرهم ~~وكفوا وما بقي من أمرهم أنفذ الله تعالى وعيدا بإزائه، وهو مثل نهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم إلى غير ذلك مما أحله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمنافقين من الإذلال في إخراجهم من المسجد وما نزل فيهم ~~في سورة براءة وغير ذلك، فهم لم يمتثلوا الانتهاء جملة ولا نفذ عليهم ~~الوعيد كاملا. والمنافقون صنف يظهر الإيمان ولا يبطنه، والذين في قلوبهم ~~مرض هو الغزل وحب الزنا قاله عكرمة، ومنه قوله تعالى: # فيطمع الذي في قلبه مرض [الأحزاب: 32] والمرجفون في المدينة هم قوم من ~~المنافقين كانوا PageV04P399 # يتحدثون بغزو العرب المدينة وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيغلب، ~~ونحو هذا مما يرجفون به نفوس المؤمنين، فيحتمل أن تكون هذه الأصناف مفترقة ~~بعضها من بعض، ويحتمل أن تكون داخلة في جملة المنافقين، لكنه نص على هاتين ~~الطائفتين وهو قد ضمهم عموم لفظة النفاق تنبيها عليهم وتشريدا بهم وغضا ~~منهم، و «نغرينك» معناه نحضك عليهم بعد تعيينهم لك، قال ابن عباس المعنى ~~لنسلطنك عليهم، وقال قتادة لنحرشنك بهم، وقوله تعالى: ثم لا يجاورونك فيها ~~أي بعد الإغراء لأنك تنفيهم بالإخافة والقتل، وقوله إلا قليلا يحتمل أن ~~يريد إلا جوارا قليلا أو وقتا قليلا، ويحتمل أن يريد إلا عددا قليلا، كأنه ~~قال إلا أقلاء، وقوله تعالى: ملعونين يجوز أن ms2879 ينتصب على الذم قاله الطبري، ~~ويجوز أن يكون بدلا من أقلاء الذي قدرناه قبل في أحد التأويلات، ويجوز أن ~~يكون حالا من الضمير في يجاورونك كأنه قال ينتفون ملعونين، فلما تقدر لا ~~يجاورونك تقدير ينتفون، حسن هذا، واللعنة الإبعاد، وثقفوا معناه حصروا وقدر ~~عليهم، وأخذوا معناه أسروا، والأخيذ الأسير ومنه قول العرب أكذب من الأخيذ ~~الصيحان، وقرأ جمهور الناس «وقتلوا» بشد التاء، ويؤيد هذا المصدر بعدها، ~~وقرأت فرقة بتخفيف التاء والمصدر على هذه القراءة على غير قياس، قال الأعمش ~~كل ما في القرآن غير هذا الموضع فهو «قتلوا» بالتخفيف، وقوله تعالى: سنة ~~الله نصب على المصدر، ويجوز فيه الإغراء على بعد، والذين خلوا هم منافقو ~~الأمم وقوله ولن تجد لسنة الله تبديلا أي من مغالب يستقر تبديله فيخرج على ~~هذا تبديل العصاة والكفرة، ويخرج عنه أيضا ما يبدله الله من سنة بسنة ~~بالنسخ. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 63 الى 68] # يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا (67) # ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) # سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة متى هي فلم يجب في ذلك ~~بشيء، ونزلت الآية آمرة بأن يرد العلم فيها إلى الله تعالى إذ هي من مفاتيح ~~الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، ثم توعد العالم بقربها في قوله وما ~~يدريك الآية، أي فينبغي أن تحذر، وقريبا ظرف لفظه واحد جمعا، وإفرادا، ~~ومذكرا ومؤنثا، ولو كان صفة للساعة لكان قريبة، ثم توعد تعالى الكافرين ~~بعذاب لا ولي لهم منه ولا ناصر، وقوله تعالى: يوم يجوز أن يكون متعلقا بما ~~قبله والعامل يجدون، وهذا تقدير الطبري، ويجوز أن يكون العامل فيه يقولون ~~ويكون ظرفا للقول. # وقرأ الجمهور ms2880 «تقلب وجوههم» على المفعول الذي لم يسم فاعله بضم التاء وشد ~~اللام المفتوحة، وقرأ أبو حيوة «تقلب» بفتح التاء بمعنى تتقلب، وقرأ ابن ~~أبي عبلة «تتقلب» بتاءين، وقرأ خارجة وأبو حيوة «نقلب» بالنون، وقرأ عيسى ~~بن عمر الكوفي «تقلب» بكسر اللام وضم التاء أي تقلب السعير. وبنصب الوجوه ~~في PageV04P400 # هاتين القراءتين، فيتمنون يومئذ الإيمان وطاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم ~~التمني، ثم لاذوا بالتشكي من كبرائهم في أنهم أضلوهم، وقرأ جمهور الناس ~~«سادتنا» وهو جمع سيد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن عامر وحده من السبعة ~~وأبو عبد الرحمن وقتادة وأبو رجاء والعامة في المسجد الجامع بالبصرة ~~«ساداتنا» على جمع الجمع، والسبيلا مفعول ثان لأن «أضل» معدى بالهمزة، وضل ~~يتعدى إلى مفعول واحد فيما هو مقيم كالطريق والمسجد وهي سبيل الإيمان ~~والهدى، ثم دعوا بأن يضاعف العذاب للكبراء المضلين أي عن أنفسهم وعمن ~~أضلوا، وقرأ عاصم وابن عامر وحذيفة بن اليمان والأعرج بخلاف عنه «لعنا ~~كبيرا بالباء من الكبر، وقرأ الجمهور والباقون «لعنا كثيرا» بالثاء ذات ~~الثلاث والكثرة أشبه بمعنى اللعنة من الكبر أي العنهم مرات كثيرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 69 الى 71] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ~~وكان عند الله وجيها (69) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز ~~فوزا عظيما (71) # الذين آذوا موسى هم قوم من بني إسرائيل، واختلف الناس في الإذاية التي ~~كانت وبرأه الله منها، فقالت فرقة هي قصة قارون، وإدخاله المرأة البغي في ~~أن تدعي على موسى ثم تبرئتها له وإشهارها بداخلة قارون، وقد تقدمت القصة في ~~ذكر قارون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي أن موسى وهارون خرجا من ~~فحص التيه إلى جبل مات هارون فيه، فجاء موسى وحده، فقال قوم هو قتله، فبعث ~~الله تعالى ملائكة حملوا هارون حتى طافوا به في أسباط بني إسرائيل ورأوا ms2881 ~~آية عظيمة دلتهم على صدق موسى ولم يكن فيه أثر، وروي أنه حيي فأخبرهم بأمره ~~وببراءة موسى، وقال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة هي ما تضمنه حديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك أنه كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه ~~السلام يتستر كثيرا ويخفي بدنه فقال قوم هود آدر أو أبرص أو به آفة فاغتسل ~~موسى يوما وحده وجعل ثيابه على حجر ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى يقول ثوبي ~~حجر ثوبي حجر، فمر في أتباعه على ملأ من بني إسرائيل، فرواه سليمان مما ظن ~~به، الحديث بطوله خرجه البخاري فبرأه الله مما قالوا و «الوجيه» المكرم ~~الوجه، وقرأ الجمهور «وكان عند الله» ، وقرأ ابن مسعود «وكان عبد الله» ، ~~ثم وصى عز وجل المؤمنين بالقول السداد، وذلك يعم جميع الخيرات، وقال عكرمة: ~~أراد لا إله إلا الله، و «السداد» يعم جميع هذا وإن كان ظاهر الآية يعطي ~~أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافا للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة ~~المؤمنين، ثم وعد تعالى بأنه يجازي على القول السديد بإصلاح الأعمال وغفران ~~الذنوب، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: PageV04P401 ### || [سورة الأحزاب (33) : الآيات 72 الى 73] # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان ~~الله غفورا رحيما (73) # اختلف الناس في الأمانة فقال ابن مسعود هي أمانات المال كالودائع ونحوها، ~~وروي عنه أنه في كل الفرائض وأشدها أمانة المال، وذهبت فرقة، هي الجمهور، ~~إلى أنه كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، فالشرع كله ~~أمانة، قال أبي بن كعب من الأمانة ان ائتمنت المرأة على فرجها، وقال أبو ~~الدرداء غسل الجنابة أمانة، ومعنى الآية إنا عرضنا على هذه المخلوقات ~~العظام أن تحمل الأوامر والنواهي وتقتضي الثواب إن أحسنت والعقاب إن أساءت ~~فأبت هذه المخلوقات وأشفقت، ويحتمل أن يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها، ~~ويحتمل أن ms2882 يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة، ويروى أنها قالت «رب ~~ذرني مسخرة لما شئت أتيت طائعة فيه ولا تكلني إلى نظري وعملي ولا أريد ~~ثوابا» ، وحمل الإنسان الأمانة أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم ~~لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه، وهذا هو تأويل ابن عباس وابن جبير، وقال الحسن ~~حملها معناه خان فيها والآية في الكافر والمنافق. # قال الفقيه الإمام القاضي: والعصاة على قدرهم، وقال ابن عباس والضحاك ~~وغيره الإنسان آدم تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته ~~من الجنة، وروي أن الله تعالى قال له: «يا آدم إني عرضت الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها فتحملها أنت بما ~~فيها» . قال: وما فيها؟ قال: «إن أحسنت أجرت وإن أسأت عوقبت» ، قال نعم قد ~~حملتها. قال ابن عباس فما بقي له قدر ما بين الأولى إلى العصر حتى عصى ربه، ~~وقال ابن عباس وابن مسعود الإنسان ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه وكان قد ~~تحمل الأمانة لأبيه أن يحفظ الأهل بعده، وكان آدم سافر إلى مكة في حديث ~~طويل ذكره الطبري وغيره، وقال بعضهم الإنسان النوع كله وهذا حسن مع عموم ~~الأمانة، وقال الزجاج معنى الآية إنا عرضنا الأمانة في نواهينا وأوامرنا ~~على هذه المخلوقات فقمن بأمرنا وأطعن فيما كلفناها وتأبين من حمل المذمة في ~~معصيتنا، وحمل الإنسان المذمة فيما كلفناه من أوامرنا وشرعنا. # قال الفقيه الإمام القاضي: والإنسان على تأويله الكافر والعاصي، وتستقيم ~~هذه الآية مع قوله تعالى: أتينا طائعين [فصلت: 11] فعلى التأويل الأول الذي ~~حكيناه عن الجمهور يكون قوله تعالى: # أتينا طائعين [فصلت: 11] إجابة لأمر أمرت به، وتكون هذه الآية إباية ~~وإشفاقا من أمر عرض عليها وخيرت فيه، وروي أن الله تعالى عرض الأمانة على ~~هذه المخلوقات فأبت، فلما عرضها الله تعالى على آدم قال: أنا أحملها بين ~~أذني وعاتقي، فقال الله تعالى له: إني سأعينك قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه ~~عما لا يحل لك ولفرجك لباسا ms2883 فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. # قال الفقيه الإمام القاضي: وفي هذا المعنى أشياء تركتها اختصارا لعدم ~~صحتها، وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة ~~السماوات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطيقها وأنها لو تكلمت PageV04P402 # لأبتها وأشفقت فعبر عن هذا المعنى بقوله إنا عرضنا الآية، وهذا كما تقول ~~عرضت الحمل على البعير فأباه وأنت تريد بذلك قايست قوته بثقل الحمل فرأيت ~~أنها تقصر عنه، وقوله ليعذب الله اللام لام العاقبة لأن الإنسان لم يحمل ~~ليقع العذاب لكن حمل فصار الأمر وآل إلى أن يعذب من نافق ومن أشرك وأن يتوب ~~على من آمن وقرأ الجمهور و «يتوب» بالنصب عطفا على قوله ليعذب وقرأ الحسن ~~بن أبي الحسن و «يتوب» بالرفع على القطع والاستئناف، وباقي الآية بين. # نجزت السورة والحمد لله. PageV04P403 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة سبأ # هذه السورة مكية واختلف في قوله تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل ~~إليك من ربك هو الحق [سبأ: 6] الآية، فقالت فرقة هي مكية، والمراد المؤمنون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة هي مدنية والمراد من أسلم بالمدينة ~~من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأشباهه. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) # الألف واللام في الحمد لاستغراق الجنس، أي الحمد على تنوعه هو لله تعالى ~~من جميع جهات الفكرة، ثم جاء بالصفات التي تستوجب المحامد وهي ملكه جميع ما ~~في السماوات والأرض، وعلمه المحيط بكل شيء وخبرته بالأشياء إذ وجودها إنما ~~هو به جلت قدرته ورحمته بأنواع خلقه وغفرانه لمن سبق في علمه أن يغفر له من ~~مؤمن، وقوله تعالى: وله الحمد في الآخرة يحتمل أن تكون الألف واللام للجنس ~~أيضا وتكون الآية خبرا، ms2884 أي أن الحمد في الآخرة هو له وحده لإنعامه وإفضاله ~~وتغمده وظهور قدرته وغير ذلك من صفاته، ويحتمل أن تكون الألف واللام فيه ~~للعهد والإشارة إلى قوله تعالى: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10] أو إلى قوله وقالوا ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده [الزمر: 74] ويلج معناه يدخل، ومنه قول شاعر: ~~[الطويل] # رأيت القوافي يتلجن هوالجا ... تضايق عنها أن تولجها الابر # ويعرج معناه يصعد، وهذه الرتب حصرت كلما يصح علمه من شخص أو قول أو معنى، ~~وقرأ أبو عبد الرحمن «وما ينزل من السماء» بضم الياء وفتح النون وشد الزاي. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 3 الى 5] # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق ~~كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) PageV04P404 # روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، وقال اللات والعزى ما ثم ~~ساعة تأتي ولا قيامة ولا حشر فأمر الله تعالى نبيه أن يقسم بربه مقابلة ~~لقسم أبي سفيان قبل ردا وتكذيبا وإيجابا لما نفاه وأجاز نافع الوقف على بلى ~~وقرأ الجمهور «لتأتينكم» بالتاء من فوق، وحكى أبو حاتم قراءة «ليأتينكم» ~~بالياء على المعنى في البعث. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بخلاف «عالم» بالخفض على البدل من ربي، ~~وقرأ نافع وابن عامر «عالم» بالرفع على القطع، أي هو عالم، ويصح أن يكون ~~«عالم» رفع بالابتداء وخبره لا يعزب وما بعده، ويكون الإخبار بأن العالم لا ~~يعزب عنه شيء إشارة إلى أنه قد قدر وقتها وعلمه والوجه الأول أقرب، وقرأ ~~حمزة والكسائي «علام» على المبالغة وبالخفض على البدل ويعزب معناه يغيب ~~ويبعد، وبه فسر مجاهد وقتادة، وقرأ جمهور القراء «لا يعزب» بضم الزاي، وقرأ ~~الكسائي وابن وثاب «لا يعزب» بكسرها وهما لغتان، ومثقال ذرة معناه ms2885 مقدار ~~الذرة، وهذا في الأجرام بين وفي المعاني بالمقايسة وقرأ الجمهور «ولا أصغر ~~ولا أكبر» عطفا على قوله مثقال وقرأ نافع والأعمش وقتادة «أصغر وأكبر» ~~بالنصب عطفا على ذرة ورويت عن أبي عمرو، وفي قوله تعالى: إلا في كتاب مبين ~~ضمير تقديره إلا هو في كتاب مبين، والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ، واللام ~~من قوله تعالى: ليجزي يصح أن تكون متعلقة، بقوله تعالى: لتأتينكم ويصح أن ~~تكون متعلقة بقوله لا يعزب، ويصح أن تكون متعلقة بما في قوله إلا في كتاب ~~مبين من معنى الفعل لأن المعنى إلا أثبته في كتاب مبين، و «المغفرة» تغمد ~~الذنوب، و «الرزق الكريم» الجنة والذين معطوف على الذين الأول أي وليجزي ~~الذين سعوا، ومعاجزين معناه محاولين تعجيز قدرة الله فيهم، وقرأ الجحدري ~~وابن كثير «معجزين» دون ألف أي معجزين قدرة الله تعالى بزعمهم، وقال ابن ~~الزبير: معناه مثبطين عن الإيمان من أراده مدخلين عليه العجز في نشاطه وهذا ~~هو سعيهم في الآيات، ثم بين تعالى جزاء الساعين كما بين قبل جزاء المؤمنين، ~~وقرأ عاصم في رواية حفص «أليم» بالرفع على النعت للعذاب، وقرأ الباقون ~~«أليم» بالكسر على النعت، ل رجز، و «الرجز» العذاب السيء جدا، وقرأ ابن ~~محيصن «من رجز» بضم الراء. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 6 الى 8] # ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) # قال الطبري والثعلبي وغيرهما ويرى معطوف على ما قبله من الأفعال والظاهر ~~أنه فعل مستأنف وأن PageV04P405 # الواو إنما عطفت جملة على جملة وكأن المعنى الإخبار بأن أهل العلم يرون ~~الوحي المنزل على محمد حقا وأنه يهدي إلى صراط الله، وقوله الذي أنزل مفعول ~~ب يرى، والحق مفعول ثان وهو عماد، والذين أوتوا العلم قيل هم ms2886 من أسلم من ~~أهل الكتاب. # وقال قتادة هم أمة محمد المؤمنون به كان من كان، ويهدي معناه يرشد، و ~~«الصراط» الطريق، وأراد طريق الشرع والدين، ثم حكي عن الكفار مقالتهم التي ~~قالوها على جهة التعجب والهزء، أي قالها بعضهم لبعض كما يقول الرجل لمن ~~يريد أن يعجبه: هل أدلك على أضحوكة ونادرة فلما كان البعث عندهم من البعيد ~~المحال جعلوا من يخبر به في حيز من يتعجب منه، والعامل في إذا فعل مضمر ~~قبلها فيما قال بعض الناس تقديره «ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم» ، ويصح ~~أن يكون العامل ما في قوله إنكم لفي خلق جديد من معنى الفعل لأن تقدير ~~الكلام «ينبئكم إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم» ، وقال الزجاج العامل في إذا، ~~مزقتم وهو خطأ وإفساد للمعنى المقصود، ولا يجوز أن يكون العامل ينبئكم ~~بوجه، ومزقتم معناه بالبلى وتقطع الأوصال في القبور وغيرها، وكسر الألف من ~~إنكم لأن ينبئكم في معنى يقول لكم ولمكان اللام التي في الخبر، وجديد معناه ~~مجدد، وقولهم أفترى هو من قول بعضهم لبعض، وهي ألف الاستفهام دخلت على ألف ~~الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت مفتوحة غير ممدودة، فكأن بعضهم استفهم بعضا عن ~~محمد أحال الفرية على الله هي حاله أم حال الجنون، لأن هذا القول إنما يصدر ~~عن أحد هذين فأضرب القرآن عن قولهم وكذبه، فكأنه قال ليس الأمر كما قالوا ~~بل الذين لا يؤمنون بالآخرة والإشارة بذلك إليهم، في العذاب يريد عذاب ~~الآخرة لأنهم يصيرون إليه، ويحتمل أن يريد في العذاب في الدنيا بمكابدة ~~الشرع ومكابرته ومحاولة إطفاء نور الله تعالى وهو يتم، فهذا كله عذاب وفي ~~الضلال البعيد أي قربت الحيرة وتمكن التلف لأنه قد أتلف صاحبه عن الطريق ~~الذي ضل منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 9 الى 11] # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) ولقد ~~آتينا داود ms2887 منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) أن اعمل ~~سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) # الضمير في يروا لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة [سبأ: 8] وقفهم الله ~~تعالى على قدرته وخوفهم من إحاطتها بهم، المعنى أليس يرون أمامهم ووراءهم ~~سمائي وأرضي لا سبيل لهم إلى فقد ذلك عن أبصارهم ولا عدم إحاطته بهم، وقرأ ~~الجمهور «إن نشأ نخسف» و «نسقط» بالنون في الثلاثة وقرأ حمزة والكسائي «إن ~~يشأ يخسف بهم أو يسقط» بالياء في الثلاثة وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف ~~والأعمش وعيسى واختارها أبو عبيد، و «خسف الأرض» هو إهواؤها بهم وتهورها ~~وغرقهم فيها، و «الكسف» قيل هو PageV04P406 # مفرد اسم القطعة، وقيل هو جمع كسفة جمعها على حد تمرة وتمر ومشهور جمعها ~~كسف كسدرة وسدر وأدغم الكسائي الفاء في الباء في قوله نخسف بهم قال أبو علي ~~وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كان ~~الباء تدغم في الفاء كقوله اضرب فلانا، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقوله ~~«اضرب محمدا» ولا تدغم الميم في الباء كقولك اضمم بكرا، لأن الباء انحطت عن ~~الميم يفقد الغنة التي في الميم، والإشارة بقوله تعالى في ذلك إلى إحاطة ~~السماء بالمرء ومماسة الأرض له على كل حال، و «المنيب» الراجع التائب، ثم ~~ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان احتجاجا على ما منح محمدا، أي لا ~~تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبدنا قديما بكذا وكذا، فلما فرغ التمثيل ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم رجع التمثيل لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالفكر ~~والعتو، والمعنى قلنا يا جبال، وأوبي معناه ارجعي معه لأنه مضاعف آب يؤوب، ~~فقال ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم معناه سبحي معه أي يسبح هو وترجع هي ~~معه التسبيح، أي ترده بالذكر ثم ضوعف الفعل للمبالغة، وقيل معناه سيري معه ~~لأن التأويب سير النهار كان الإنسان يسير بالليل ثم يرجع السير بالنهار أي ~~يردده فكأنه يؤوبه، فقيل ms2888 له التأويب ومنه قول الشاعر: [البسيط] # يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب # ومنه قول ابن أبي مقبل: [الطويل] # لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح # وقال مروح أوبي سبحي بلغة الحبشة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف غير معروف، وقال وهب بن منبه: المعنى ~~نوحي معه والطير تسعدك على ذلك، قال فكان داود إذا نادى بالنياحة والحنين ~~أجابته الجبال وعكفت الطير عليه من فوقه، قال فمن حينئذ سمع صدى الجبال، ~~وقرأ الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق «أوبي» بضم الهمزة وسكون الواو أي ارجعي ~~معه أي في السير أو في التسبيح، وأمر الجبال كما تؤمر الواحدة المؤنثة لأن ~~جمع ما لا يعقل كذلك يؤمر وكذلك يكنى عنه ويوصف ومنه المثل «يا خيل الله ~~اركبي» ومنه مآرب أخرى [طه: 18] وهذا كثير، وقرأ الأعرج وعاصم بخلاف وجماعة ~~من أهل المدينة «والطير» بالرفع عطفا على لفظ قوله يا جبال، وقرأ نافع وابن ~~كثير والحسن وابن أبي إسحاق وأبو جعفر «والطير» بالنصب فقيل ذلك عطف على ~~فضلا وهو مذهب الكسائي، وقال سيبويه هو على موضع قوله يا جبال لأن موضع ~~المنادى المفرد نصب، وقال أبو عمرو: نصبها بإضمار فعل تقديره وسخرنا الطير، ~~وو ألنا له الحديد معناه جعلناه لينا، وروى قتادة وغيره أن الحديد كان له ~~كالشمع لا يحتاج في عمله إلى نار، وقيل أعطاه قوة يثني بها الحديد، وروي ~~أنه لقي ملكا وداود يظنه إنسانا وداود متنكر خرج ليسأل الناس عن نفسه في ~~خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل فيه الملك ما قولك في هذا الملك ~~داود؟ فقال له الملك: نعم العبد لولا خلة فيه، قال داود وما هي؟ قال: يرتزق ~~من بيت المال ولو أكل من عمل يديه لتمت فضائله، فرجع فدعا الله تعالى في أن ~~يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه تعالى صنعة لبوس وألان له الحديد، فكان فيما ~~روي يصنع ما بين يومه PageV04P407 # وليلته درعا تساوي ألف درهم حتى ادخر منها كثيرا وتوسعت معيشة ms2889 منزله، ~~وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وقوله تعالى: أن اعمل قيل إن أن ~~مفسرة لا موضع لها من الإعراب، وقيل هي في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، و ~~«السابغات» الدروع الكاسيات ذوات الفضول، قال قتادة داود عليه السلام أول ~~من صنعها، ودرع الحديد مؤنث ودرع المرأة مذكر، وقوله تعالى: وقدر في السرد ~~اختلف المتأولون في أي شيء هو التقدير من أشياء السرد، إذ السرد هو اتباع ~~الشيء بالشيء من جنسه، قال الشماخ: «كما تابعت سرد العنان الخوارز» ، ومنه ~~سرد الحديث، وقيل للدرع مسرودة لأنها توبعت فيها الحلق بالحلق ومنه قول ~~الشاعر [القرطبي] : [الكامل] # وعليهما مسرودتان قضاهما ... دواد أو صنع السوابغ تبع # ومنه قول دريد بالفارسي المسرد، فقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في ~~قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف ولا تقوى الدرع على الدفاع ولا تعملها ~~كبيرة فينال لاسبها من خلالها، وقال ابن عباس التقدير الذي أمر به هو ~~المسمار يريد ثقبه حين يشد نتيرها، وذكر البخاري في مصنفه ذلك فقال: المعنى ~~لا تدق المسمار فيسلسل، ويروى فيتسلسل، ولا تغلظه فيقصم بالقاف، وبالفاء ~~أيضا رواية، وروى قتادة أن الدروع كانت قبله صفائح فكانت ثقالا، فلذلك أمر ~~هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدر ما يأخذ من هذين ~~المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل ولا الخفة وحدها فتزيل المنعة، ~~وقوله تعالى: واعملوا صالحا لما كان الأمر لداود وآله حكى وإن كانوا لم يجر ~~لهم ذكر لدلالة المعنى عليهم، ثم توعدهم تعالى بقوله: إني بما تعملون بصير ~~أي لا يخفى علي حسنه من قبيحة وبحسب ذلك يكون جزائي لكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : آية 12] # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) # قال الحسن: عقر سليمان الخيل أسفا على ما فوتته من فضل وقت صلاة العصر ~~فأبدله الله تعالى خيرا منها وأسرع الريح ms2890 تجري بأمره، وقرأ جمهور القراء ~~«الريح» بالنصب على معنى ولسليمان سخرنا الريح، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~والأعرج «الريح» بالرفع على تقديره تسخرت الريح أو على الابتداء والخبر في ~~المجرور، وذلك على حذف مضاف تقديره ولسليمان تسخير الريح، وقرأ الحسن ~~«ولسليمان تسخير الرياح» وكذلك جمع في كل القرآن، وقوله تعالى: غدوها شهر ~~ورواحها شهر قال قتادة معناه أنها كانت تقطع به في الغدو إلى قرب الزوال ~~مسيرة شهر وتقطع به في الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر، فروي عن ~~الحسن البصري أنه قال كان يخرج من الشام من مستقره تدمر التي بنتها له الجن ~~بالصفاح والعمد فيقيل في إصطخر ويروح منها فيبيت في كابل من أرض خراسان ~~ونحو هذا، وكانت الأعصار تقل بساطه وتحمله بعد ذلك الرخاء، وكان هذا البساط ~~من خشب يحمل فيما روي أربعة آلاف فارس وما PageV04P408 # يشبهها من الرجال والعدد ويتسع بهم، وروي أكثر من هذا بكثير ولكن عدم ~~صحته مع بعد شبهه أوجب اختصاره. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الجيوش أربعة آلاف» وما كان ~~سليمان ليعدو الخير، وقرأ ابن أبي عبلة «غدوتها شهر وروحتها شهر» وكان إذا ~~أراد قوما لم يشعروا به حتى يظلمهم في جو السماء، وقوله تعالى: وأسلنا له ~~عين القطر، روي عن ابن عباس وقتادة أنه كانت تسيل له باليمن عين جارية من ~~نحاس يصنع له منها جميع ما أحب، والقطر: النحاس، وقالت فرقة القطر الفلز ~~كله النحاس والحديد وما جرى مجراه، كان يسيل له منه عيون، وقالت فرقة بل ~~معنى أسلنا له عين القطر أذبنا له النحاس عن نحو ما كان الحديد يلين لداود، ~~قالوا وكانت الأعمال تتأتى منه لسليمان وهو بارد دون نار، وعين على هذا ~~التأويل بمعنى الذات، وقالوا لم يلن النحاس ولا ذاب لأحد قبله، وقوله من ~~يعمل يحتمل أن من تكون في موضع نصب على الاتباع لما تقدم بإضمار فعل تقديره ~~وسخرنا من الجن من يعمل، ويحتمل أن تكون في موضع ms2891 رفع على الابتداء والخبر ~~في المجرور، ويزغ معناه يمل أي ينحرف عاصيا، وقال عن أمرنا يقل عن إرادتنا ~~لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف الإرادة، ويقع ما يخالف الأمر، قال الضحاك ~~وفي مصحف عبد الله «ومن يزغ عن أمرنا» بغير منهم، وقوله تعالى: من عذاب ~~السعير قيل عذاب الآخرة، وقيل بل كان قد وكل بهم ملك وبيده سوط من نار ~~السعير، فمن عصى ضربه فأحرقه به. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : آية 13] # يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ~~آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) # «المحاريب» الأبنية العالية الشريفة، قال قتادة القصور والمساجد، وقال ~~ابن زيد المساكن، والمحراب أشرف موضع في البيت، والمحراب موضع العبادة أشرف ~~ما يكون منه، وغلب عرف الاستعمال في موضع وقوف الإمام لشرفه ومن هذه اللفظة ~~قول عدي بن زيد: [الخفيف] # كدمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الروض زهره مستنير # «والتماثيل» قيل كانت من زجاج ونحاس، تماثيل أشياء ليست بحيوان، وقال ~~الضحاك كانت تماثيل حيوان، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع. # قال القاضي أبو محمد: ونسخ بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قوم: حرم ~~التصوير لأن الصور كانت تعبد، وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز ~~التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه، و ~~«الجوابي» جمع جابية وهي البركة التي يجبى إليها الماء الذي يجمع قال ~~الراجز: [الرجز] # فصحبت جابية صهارجا ... كأنه جلد السماء خارجا PageV04P409 # وقال مجاهد: «الجوابي» جمع جوبة وهي الحفرة العظيمة في الأرض. # قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول الأعشى: [الطويل] # نفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق # وأنشده الطبري: تروح على آل المحلق، ويروى السيح بالسين غير نقط، وبالحاء ~~غير نقط أيضا، وهو الماء الجاري على وجه الأرض، ويروى بالشين والخاء ~~منقوطين، فيقال أراد كسرى ويقال أراد شيخا من فلاحي سواد العراق غير معين ~~وذلك أنه لضعفه يدخر الماء في جابيته، ms2892 فهي تفهق أبدا فشبهت الجفنة بها ~~لعظمها، قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد «الجوابي» الحياض، وقرأ نافع ~~وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «كالجواب» بغير ياء في الوصل والوقف، وقرأ ~~أبو عمرو وعيسى بغير ياء في الوقف وياء في الوصل، وقرأ ابن كثير بياء ~~فيهما، ووجه حذف الياء التخفيف والإيجاز، وهذا كحذفهم ذلك من القاض والغاز ~~والهاد، وأيضا فلما كانت الألف واللام تعاقب التنوين وكانت الياء تحذف مع ~~التنوين وجب أن تحذف مع ما عاقبه كما يعملون للشيء أبدا عمل نقيضه، وراسيات ~~معناه ثابتات لكبرها ليست مما ينقل ولا يحمل. ولا يستطيع على عمله إلا الجن ~~وبالثبوت فسرها الناس، ثم أمروا مع هذه النعم بأن يعملوا بالطاعات، وقوله ~~تعالى: شكرا يحتمل أن يكون نصبه على الحال، أي اعملوا بالطاعات في حال شكر ~~منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون نصبه على جهة المفعول، أي اعملوا ~~عملا هو الشكر كأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي نفسها الشكر إذ سدت ~~مسده، وفي الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ~~ثم قال: «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي العمل شكرا العدل في الغضب والرضى والقصد ~~في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية» ، وروي أن داود عليه السلام ~~قال يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك، فقال: ~~يا داود الآن عرفتني حق معرفتي، وقال ثابت: روي أن مصلى داود لم يخل قط من ~~قائم يصلي ليلا ونهارا كانوا يتناوبونه دائما، وكان سليمان عليه السلام ~~فيما روي يأكل خبز الشعير وطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك، وروي ~~أنه ما شبع قط فقيل له في ذلك فقال: أخاف أن أنسى الجياع، وقوله تعالى: ~~وقليل من عبادي الشكور يحتمل أن تكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن تكون ~~مخاطبة لآل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كل وجه ففيها تنبيه وتحريض، وسمع ~~عمر بن الخطاب رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال له عمر: ما هذا ~~الدعاء؟ ms2893 فقال الرجل: أردت قوله عز وجل: وقليل من عبادي الشكور، فقال عمر ~~رحمه الله: كل الناس أعلم من عمر. # قال الفقيه الإمام القاضي: وقد قال تعالى وقليل ما هم [ص: 24] ، والقلة ~~أيضا بمعنى الخمول منحة من الله تعالى، فلهذا الدعاء محاسن. # قوله عز وجل: PageV04P410 ### || [سورة سبإ (34) : آية 14] # فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما ~~خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # الضمير في عليه عائد على سليمان، وقضينا بمعنى أنفذنا وأخرجناه إلى حيز ~~الوجود وإلا فالقضاء الآخر به متقدم في الأزل، وروي عن ابن عباس وابن مسعود ~~في قصص هذه الآية أن سليمان عليه السلام كان يتعبد في بيت المقدس وكان ينبت ~~في محرابه كل سنة شجرة فكان يسألها عن منافعها ومضارها وسائر شأنها فتخبره ~~فيأمر بها فتقلع فتصرف في منافعها وتغرس لتتناسل، فلما كان عند موته خرجت ~~شجرة فقال لها ما أنت؟ فقالت: أنا الخروب خرجت لخراب ملكك هذا، فقال سليمان ~~عليه السلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي ولكنه لا شك حضور أجلي فاستعد ~~عليه السلام وغرسها وصنع منها عصا لنفسه وجد في عبادته، وجاءه بعد ذلك ملك ~~الموت فأخبره أنه قد أمر بقبض روحه وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة، فروي أنه ~~أمر الجن حينئذ فصنعت له قبة من رخام تشف وجعل فيها يتعبد ولم يجعل لها ~~بابا، وتوكأ على عصاه على موضع يتماسك معه وإن مات، ثم توفي صلى الله عليه ~~وسلم على تلك الحالة، وروي أنه استعد في تلك القبة بزاد سنة وكان الجن ~~يتوهمون أنه يتغذى بالليل وكانوا لا يقربون من القبة ولا يدخلون من كوة ~~كانت في أعاليها، ومن رام ذلك منهم احترق قبل الوصول إليها، هذا في المدة ~~التي كان سليمان عليه السلام حيا في القبة، فلما مات بقيت تلك الهيبة على ~~الجن، وروي أن القبة كان لها باب وأن سليمان أوصى بعض أهله بكتمان موته على ~~الجن ms2894 والإنس وأن يترك على حاله تلك سنة، وكان غرضه في هذه السنة أن تعمل ~~الجن عملا كان قد بدىء في زمن داود قدر أنه بقي منه عمل سنة، فأحب الفراغ ~~منه، فلما مضى لموته سنة، خر عن عصاه والعصا قد أكلته الأرض، وهي الدودة ~~التي تأكل العود، فرأت الجن انحداره، فتوهمت موته فجاء جسور منهم فقرب فلم ~~يحترق، ثم خطر فعاد ثم قرب أكثر ثم قرب حتى دخل من بعض تلك الكوى فوجد ~~سليمان ميتا، فأخبر بموته، فنظر ذلك الأكل فقدر أنه منذ سنة، وقال بعض ~~الناس: جعلت الأرضة فأكلت يوما وليلة ثم قيس ذلك بأكلها في العصا فعلم أنها ~~أكلتها منذ سنة فهكذا كانت دلالة دابة الأرض على موته، وللمفسرين في هذه ~~القصص إكثار عمدته ما ذكرته، وقال كثير من المفسرين دابة الأرض هي سوسة ~~العود وهي الأرضة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل «الأرض» بفتح الراء جمع ~~أرضة فهذا يقوي ذلك التأويل، وقالت فرقة دابة الأرض حيوان من الأرض شأنه أن ~~يأكل العود، وذلك موجود وليس السوسة من دواب الأرض، وقالت فرقة منها أبو ~~حاتم اللغوي الأرض هنا مصدر أرضت الأثواب والخشبة إذا أكلتها الأرضة، فكأنه ~~قال دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس، وفي مصحف عبد الله ~~«الأرض أكلت منسأته» ، والمنسأة العصا ومنه قول الشاعر: [البسيط] # إذا دببت على المنساة من هرم ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل # وقرأ جماعة من القراء «منساته» بغير همز منها أبو عمرو ونافع، قال أبو ~~عمرو لا أعرف لها اشتقاقا فأنا لا أهمزها لأنها إن كانت مما يهمز فقد يجوز ~~لي ترك الهمز فيما يهمز، وإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت لأنه لا يجوز لي ~~همز ما لا يهمز، وقال غيره أصلها الهمز وهي «المنسأة» مفتوحة من نسأت الإبل ~~والغنم والناقة إذا سقتها ومنه قول طرفة: [الطويل] PageV04P411 # أمون كعيدان الاران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد # ويروى «وعنس» كألواح وخففت همزتها جملة، وكان القياس أن تخفف بين بين، ~~وقرأ ms2895 باقي السبعة «منسأته» على الأصل بالهمز، وقرأ حمزة «منساته» بفتح ~~الميم وبغير همز، وقرأت فرقة «مسنأته» بهمزة ساكنة وهذا لا وجه له إلا ~~التخفيف في تسكين المتحرك لغير علة كما قال امرؤ القيس: [السريع] # فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # وقرأت فرقة «من ساته» بفصل «من» وكسر التاء وهذه تنحو إلى سية القوس لأنه ~~يقال سية وساة، فكأنه قال «من ساته» ثم سكن الهمزة ومعناها من طرف عصاه ~~أنزل العصا منزلة القوس، وقال بعض الناس: إن سليمان عليه السلام لم يمت إلا ~~في سفر مضطجعا ولكنه كان في بيت مبني عليه وأكلت الأرضية عتبة الباب حتى خر # البيت فعلم موته. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف وقرأ الجمهور «تبينت الجن» بإسناد ~~الفعل إليها أي بان أمرها كأنه قال افتضحت الجن أي للإنس، هذا تأويل، ~~ويحتمل أن يكون قوله تبينت الجن بمعنى علمت الجن وتحققت، ويريد الجن ~~جمهورهم والفعلة منهم والخدمة ويريد بالضمير في كانوا رؤساءهم وكبارهم ~~لأنهم هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن والإنس ويوهمونهم ذلك، ~~قاله قتادة، فيتيقن الأتباع أن الرؤساء لو كانوا عالمين الغيب ما لبثوا وأن ~~على التأويل الأول بدل من الجن وعلى التأويل الثاني مفعولة محضة، وقرأ ~~يعقوب «تبينت الجن» على بناء الفعل للمفعول أي تبينتها الناس، وأن على هذه ~~القراءة بدل، ويجوز أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر أي «بأن» على هذه ~~القراءة وعلى التأويل الأول من القراءة الأولى. # قال الفقيه الإمام القاضي: مذهب سيبويه أن أن في هذه الآية لا موضع لها ~~من الإعراب وإنما هي مؤذنة بجواب ما تنزل منزلة القسم من الفعل الذي معناه ~~التحقق واليقين، لأن هذه الأفعال التي تبينت وتحققت وعلمت وتيقنت ونحوها ~~تحل محل القسم في قولك: علمت أن لو قام زيد ما قام عمرو، فكأنك قلت والله ~~لو قام زيد ما قام عمرو، فقوله ما لبثوا على هذا القول جواب ما تنزل منزلة ~~القسم لا جواب لو وعلى الأقوال الأول جواب ms2896 لو وفي كتاب النحاس إشارة إلى ~~أنه يقرأ «تبينت الجن» أي تبينت الإنس الجن، والعذاب المهين هو العمل في ~~تلك السخرة، والمعنى أن الجن لو كانت تعلم الغيب لما خفي عليها موت سليمان، ~~وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة الصعبة وهو ميت، ف المهين المذل ~~من الهوان، قال الطبري وفي بعض القراءات «فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو ~~كانوا» وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين وذكر أبو حاتم ~~أنها كذلك في مصحف ابن مسعود. # قال القاضي أبو محمد: وكثر المفسرون في قصص هذه الآية بما لا صحة له ولا ~~تقتضيه ألفاظ القرآن (وفي معانيه بعد فاختصرته لذلك) . PageV04P412 # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 15 الى 17] # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) ذلك ~~جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) # هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم وأرسل إليهم الرسل فكفروا وعصوا، ~~فانتقم الله منهم، أي فأنتم أيها القوم مثلهم و «سبأ» هنا أراد به القبيل، ~~واختلف لم سمي القبيل بذلك، فقالت فرقة هو اسم لامرأة كانت أما للقبيل، ~~وقال الحسن بن أبي الحسن في كتاب الرماني هو اسم موضع فسمي القبيل به وقال ~~الجمهور هو اسم رجل هو أبو القبيل كله قيل هو ابن يشجب بن يعرب، وروي في ~~هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فروة بن مسيك عن «سبأ» ~~فقال: هو اسم رجل منه تناسلت قبائل اليمن. # وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج «لسبإ» بهمزة منونة مكسورة على ~~معنى الحي، وقرأ أبو عمرو والحسن «لسبأ» بهمزة مفتوحة غير مصروف على معنى ~~القبيلة، وقرأ جمهور القراء «في مساكنهم» لأن كل أحد له مسكن، وقرأ الكسائي ~~وحده «في مسكنهم» بكسر الكاف أي في موضع سكناهم وهي قراءة الأعمش ms2897 وعلقمة، ~~قال أبو علي والفتح حسن أيضا لكن هذا كما قالوا مسجد وإن كان سيبويه يرى ~~هذا اسم البيت وليس موضع السجود. قال هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة ~~الحجاز وهي اليوم قليلة، وقرأ حمزة وحفص «مسكنهم» بفتح الكاف على المصدر ~~وهو اسم جنس يراد به الجمع، وهي قراءة إبراهيم النخعي وهذا الإفراد هو كما ~~قال الشاعر: [الوافر] كلوا في بعض بطنكم تعفوا وكما قال الآخر: [البسيط] قد ~~عض أعناقهم جلد الجواميس وآية معناها عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته، ~~وجنتان ابتداء وخبره في قوله عن يمين وشمال أو خبر ابتداء تقديره هي جنتان، ~~وهي جملة بمعنى هذه حالهم والبدل من آية ضعيف، وقد قاله مكي وغيره، وقرأ ~~ابن أبي عبلة «آية جنتين» بالنصب، وروي أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم ~~بين جبلين وكانت جنتا الوادي منبت فواكه وزروع وكان قد بني في رأس الوادي ~~عند أول الجبلين جسر عظيم من حجارة من الجبل إلى الجبل فارتدع الماء فيه ~~وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعا يسقي جنات جنتي ~~الوادي، قيل بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل اليمينة كلها، وكانوا ~~بهذه الحال في أرغد نعم، وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن إلى ~~الشام، وكانوا أرباب تلك البلاد في ذلك الزمان، وقوله كلوا فيه حذف كأنه ~~قال قيل لهم كلوا، وطيبة معناه كريمة التربة حسنة الهواء رغدة PageV04P413 # من النعم سليمة من الهوام والمضار هذه عبارات المفسرين، وكان ذلك الوادي ~~فيما روي عن عبد الرحمن بن عوف لا يدخله برغوث ولا قملة ولا بعوضة ولا عقرب ~~ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا جاء به أحد من سفر سقط عند أول الوادي، ~~وروي أن الماشي بمكتل فوق رأسه بين أشجاره يمتلي مكتله دون أن يمد يدا، ~~وروي أن هذه المقالة من الأمر بالأكل والشرب والتوقيف على طيب البلدة ~~وغفران الرب مع الإيمان به هو من قيل الأنبياء لهم، وقرأ رؤيس عن يعقوب ~~«بلدة طيبة وربا ms2898 غفورا» بالنصب في الكل، وبعث إليهم فيما روي ثلاثة عشر ~~نبيا فكفروا بهم وأعرضوا، فبعث الله تعالى على ذلك السد جردا أعمى توالد ~~فيه وخرقه شيئا بعد شيء وأرسل سيلا في ذلك الوادي، فيحتمل ذلك السد، فيروى ~~أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيرا ~~من الناس ممن لم يمكنه الفرار، ويروى أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس ~~الجنات، فهلكت بهذا الوجه، وروي أنه صرف الماء من موضعه الذي كان فيه أولا ~~فتعطل سقي الجنات، واختلف الناس في لفظة العرم فقال المغيرة بن حكيم وأبو ~~ميسرة: العرم في لغة اليمن: جمع عرمة، وهو كل ما بني أو سنم ليمسك الماء ~~ويقال ذلك بلغة أهل الحجاز المسناة. # قال الفقيه الإمام القاضي: كأنها الجسور والسداد ونحوها، ومن هذا المعنى ~~قول الأعشى: # وفي ذلك للمتأسي أسوة ومآرب ... عفا عليها العرم # رخام بناه لهم حمير ... إذا جاءه موارة لم يرم # ومنه قول الآخر: # ومن سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما # وقال ابن عباس وقتادة والضحاك العرم اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان ~~السد بني له، وقال ابن عباس أيضا إن سيل ذلك الوادي أبدا كان يصل إلى مكة ~~وينتفع به، وقال ابن عباس أيضا العرم الشديد. # قال الفقيه الإمام القاضي: فكأنه صفة للسيل من العرامة، والإضافة إلى ~~الصفة مبالغة وهي كثيرة في كلام العرب، وقالت فرقة العرم اسم الجرذ. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقيل العرم اسم المطر الشديد الذي ~~كان عنه ذلك السيل، وقوله وبدلناهم بجنتيهم جنتين قول فيه تجوز واستعارة ~~وذلك أن البدل من «الخمط والأثل» لم يكن جنات، لكن هذا كما تقول لمن جرد ~~ثوبا جيدا وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا، وقوله ذواتي تثنية ~~ذات، و «الخمط» شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره، وقيل «الخمط» كل شجر له ~~شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حمضة أو نحوه، ومنه تخمط اللبن إذا تغير ~~طعمه، و ms2899 «الأثل» ضرب من الطرفاء هذا هو الصحيح، وكذا قال أبو حنيفة في كتاب ~~النبات، قال الطبري وقيل هو شجر شبيه بالطرفاء وقيل إنه السمر، و «السدر» ~~معروف وهو له نبق شبه العناب لكنه في الطعم دونه بكثير، وللخمط ثمر غث هو ~~البريد، وللأثل ثم قليل الغناء غير حسن الطعم، وقرأ ابن كثير ونافع «أكل» ~~بضم الهمزة وسكون PageV04P414 # الكاف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وضم الكاف، وروي أيضا عن أبي عمرو سكون ~~الكاف وهما بمعنى الجنى والثمر، ومنه قوله تعالى تؤتي أكلها كل حين ~~[إبراهيم: 25] أي جناها، وقرأ جمهور القراء بتنوين «أكل» وصفته بخمط وما ~~بعده، قال أبو علي: البدل هذا لا يحسن لأن الخمط ليس بالأكل والأكل ليس ~~بالخمط نفسه والصفة أيضا كذلك، لأن الخمط اسم لا صفة وأحسن ما فيه عطف ~~البيان، كأنه بين أن الأكل هذه الشجرة ومنها ويحسن قراءة الجمهور أن هذا ~~الاسم قد جاء بمجيء الصفات في قول الهذلي: # [الطويل] # عقار كماء الني ليس بخمطة ... ولا خلة يكوي الشروب شبابها # وقرأ أبو عمرو بإضافة «أكل» إلى «خمط» وبضم كاف «أكل خمط» ، ورجح أبو علي ~~قراءة الإضافة، وقوله ذلك إشارة إلى ما أجراه عليهم، وقوله وهل نجازي أي ~~يناقش ويقارض بمثل فعل قدرا بقدر لأن جزاء المؤمنين إنما هو بتفضيل وتضعيف، ~~وأما الذي لا يزاد ولا ينقص فهو الكفور قاله الحسن بن أبي الحسن، وقال طاوس ~~هي المناقشة، وكذلك إن كان المؤمن ذا ذنوب فقد يغفر له ولا يجازى، والكافر ~~يجازي ولا بد، وقد قال عليه السلام «من نوقش الحساب عذب» ، وقرأ جمهور ~~القراء «يجازى» بالياء وفتح الزاي، وقرأ حمزة والكسائي «نجازي» بالنون وكسر ~~الزاي، «الكفور» بالنصب، وقرأ مسلم بن جندب «وهل يجزي» وحكى عنه أبو عمرو ~~الداني أنه قرأ «وهل يجزي» بضم الياء وكسر الزاي، قال الزجاج يقال جزيت في ~~الخير وجازيت في الشر. # قال الفقيه الإمام القاضي: فترجح هذه قراءة الجمهور. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 18 الى 19] # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا ms2900 فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ~~سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا ~~أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ~~(19) # هذه الآية وما بعدها وصف حالهم قبل مجيء السيل، وهي أن الله تعالى مع ما ~~كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة ~~بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها السير بأن قرب القرى بعضها من بعض ~~حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في قرية أخرى، فلا ~~يحتاج إلى حمل زاد والقرى المدن، ويقال للمجتمع الصغير قرية أيضا، وكلها من ~~قريت أي جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد الشام بإجماع من المفسرين، و ~~«القرى الظاهرة» هي التي بين الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي «قال ~~ابن عباس: هي قرى عربية بين المدينة والشام وقاله الضحاك» واختلف في معنى ~~ظاهرة فقالت فرقة: معناه مستعلية مرتفعة في الآكام والظراب وهي أشرف القرى. PageV04P415 # وقالت فرقة: معناه يظهر بعضها من بعض فهي أبدا في قبضة المسافر لا يخلو ~~من رؤية شيء منها فهي ظاهرة بهذا الوجه. # قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يظهر إلي أن معنى ظاهرة خارجة عن المدن، ~~فهي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن، فإنما فصل بهذه الصفة ~~بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج ~~عنها في الفيافي والفحوص، ومنه قولهم نزلنا بظاهر فلانة، أي خارجا عنها، ~~وقوله ظاهرة نظير تسمية الناس إياها البادية والضاحية، ومنه قول الشاعر: ~~[الطويل] # فلو شهدتني من قريش عصابة ... قريش البطاح لا قريش الظواهر # يعني الخارجين عن بطحاء مكة، وفي حديث الاستسقاء وجاء أهل الضواحي يشكون ~~الغرق، وقوله تعالى: وقدرنا فيها السير هو ما ذكرناه من أن المسافر فيها ~~كان يبيت في قرية ويقيل في أخرى على أي طريق سلك لا يعوزه ذلك، وقوله ~~تعالى: سيروا معناه قلنا لهم، وآمنين معناه من الخوف من الناس المفسدين، ~~وآمنين ms2901 من الجوع والعطش وآفات المسافر، ثم حكى عنهم مقالة قالوها على جهة ~~البطر والأشر وهي طلب البعد بين الأسفار والإخبار بأنها بعيدة على القراءات ~~الأخر وذلك أن نافعا وعاصما وحمزة والكسائي قرؤوا «باعد بين أسفارنا» بكسر ~~العين على معني الطلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد «بعد بين ~~أسفارنا» بشد العين وكسرها على معنى الطلب أيضا، فهاتان قراءتان معناهما ~~الأشر بأنهم ملوا النعمة بالقرب وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ~~وفي كتاب الرماني أنهم قالوا لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأكثر قيمة، ~~وقرأ ابن السميفع وسفيان بن حسين وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن وابن ~~الحنفية «ربنا» بالنصب «بعد بين أسفارنا» بفتح الباء وضم العين ونصب «بين» ~~أيضا، وقرأ سعيد بن أبي الحسن من هذه الفرقة «بين» بالرفع وإضافته إلى ~~الأسفار وقرأ ابن عباس وأبو رجاء والحسن البصري وابن الحنفية أيضا «ربنا» ~~بالرفع «باعد» بفتح العين والدال، وقرأ ابن عباس وابن الحنفية أيضا وعمرو ~~بن فائد ويحيى بن يعمر «ربنا» بالرفع «بعد» بفتح العين وشدها وفتح الدال ~~فهذه القراءة معناها الأشر بأنهم استبعدوا القريب ورأوا أن ذلك غير مقنع ~~لهم حتى كأنهم أرادوها متصلة بالدور وفي هذا تعسف وتسحب على أقدار الله ~~تعالى وإرادته وقلة شكر على نعمته بل هي مقابلة النعمة بالتشكي والاستضرار، ~~وفي هذا المعنى ونحوه مما اقترن بكفرهم ظلموا أنفسهم فغرقهم الله تعالى ~~وخرب بلادهم وجعلهم أحاديث، ومنه المثل السائر «تفرقوا أيادي سبإ وأيدي ~~سبإ» ويقال المثل بالوجهين، وهذا هو تمزيقهم كل ممزق، وروي أن رسول الله ~~قال: إن سبأ أبو عشرة قبائل فلما جاء السيل على مأرب وهو اسم نبدهم تيامن ~~منها ستة قبائل أي إذ تبددت في بلاد اليمن وتشاءمت منها أربعة فالمتيامنة ~~كندة والأزد وأشعر ومذحج وأنمار الذي منها بجيلة وخثعم وطائفة قيل لها حمير ~~بقي عليها اسم الأب الأول والتي تشاءمت لخم وجذام وغسان وخزاعة نزلت تهامة ~~ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة وهم الأوس والخزرج ومنها عاملة وغير ms2902 ذلك، ثم ~~أخبر تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التنبيه بأن هذه القصص ~~فيها آيات وعبر لكل مؤمن على الكمال، ومن اتصف بالصبر والشكر فهو المؤمن ~~الذي لا تنقصه خلة جميلة بوجه. PageV04P416 # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 20 الى 22] # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل ~~شيء حفيظ (21) قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) # قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر «ولقد صدق» بتخفيف الدال «إبليس» رفعا ~~«ظنه» بالنصب على المصدر، وقيل على الظرفية، أي في ظنه، وقيل على المفعول ~~على معنى أنه لما ظن عمل عملا يصدق به ذلك الظن، فكأنه إنما أراد أن يصدق ~~ظنه، وهذا من قولك أخطأت ظني وأصبت ظني، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «صدق» ~~بتشديد الدال ف «الظن» على هذا مفعول ب «صدق» وهي قراءة ابن عباس وقتادة ~~وطلحة وعاصم والأعمش، وقرأ الزهري وأبو الهجاج «ظنه» بالرفع، وبلال بن أبي ~~بردة «صدق» بتخفيف الدال «إبليس» بالنصب «ظنه» بالرفع، وقرأت فرقة «صدق» ~~بالتخفيف «إبليس» بالرفع على البدل وهو بدل الاشتمال، ومعنى الآية أن ما ~~قال إبليس من أنه سيفتن بني آدم ويغويهم وما قال من أن الله لا يجد أكثرهم ~~شاكرين وغير ذلك كان ظنا منه فصدق فيهم، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم ~~«اتبعوه» وهو اتباع في كفر لأنه في قصة قوم كفار، وقوله ممن هو منها في شك ~~يدل على ذلك ومن في قوله من المؤمنين لبيان الجنس لا للتبعيض، لأن التبعيض ~~يقتضي أن فريقا من المؤمنين اتبعوا إبليس، و «السلطان» الحجة، وقد يكون ~~الاستعلاء والاستقدار، إذ اللفظ من التسلط، وقال الحسن بن أبي الحسن: والله ~~ما كان له سيف ولا سوط ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه، وقوله تعالى: إلا ~~لنعلم ms2903 أي لنعلمه موجودا، لأن العلم به متقدم أزلا، وقرأت فرقة «إلا ليعلم» ~~بالياء على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله الآية، آية تعجيز وإقامة حجة، ويروى أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب ~~قريشا، والجمهور على «قل ادعوا» بضم اللام وروى عباس عن أبي عمرو «قل ~~ادعوا» بكسر اللام، وقوله الذين يريد الملائكة والأصنام وذلك أن قريشا ~~والعرب كان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يقول نعبدها لتشفع لنا ونحو ~~هذا، فنزلت هذه الآية معجزة لكل منهم، ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم ~~آلهة من أنهم لا يملكون ملك الاختراع مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ~~وأنهم لا شرك لهم فيهما وهذان فيهما نوعا الملك إما استبدادا وإما مشاركة، ~~فنفى عنهم جميع ذلك، ونفى أن يكون منهم لله تعالى معين في شيء من قدرته و ~~«الظهير» المعين، ثم تقرر في الآية بعد أن الذين يظنون أنهم يشفعون لهم لا ~~تصح منهم شفاعة لهم إذ هؤلاء كفرة ولا يأذن الله تعالى في الشفاعة في كافر. # قوله عز وجل: PageV04P417 ### || [سورة سبإ (34) : آية 23] # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) # المعنى أن كل من دعوتم إلها من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ولا تنفع ~~شفاعتهم إلا بإذن فيمن آمن، فكأنه قال ولا هم شفعاء على الحد الذي ظننتم ~~أنتم واختلف المتأولون في قوله تعالى: إلا لمن أذن له فقالت فرقة معناه لمن ~~أذن له أن يشفع، فيه، وقالت فرقة معناه لمن أذن له أن يشفع هو. # قال القاضي أبو محمد: واللفظ يعمهما، لأن الإذن إذا انفرد للشافع فلا شك ~~أن المشفوع فيه معين له، وإذا انفرد للمشفوع فيه فالشافع لا محالة عالم ~~معين لذلك، وانظر أن اللام الأولى تشير إلى المشفوع فيه من قوله لمن تقول ~~شفعت لفلان، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «أذن» بضم، وقرأ ابن كثير ونافع ms2904 ~~وابن عامر «أذن» بفتحها، والضمير في قلوبهم عائد على الملائكة الذين دعوهم ~~آلهة، ففي الكلام حذف يدل عليه الظاهر فكأنه قال ولا هم شفعاء كما تحسبون ~~أنتم بل هم عبدة مستسلمون أبدا حتى إذا فزع عن قلوبهم. # قال الفقيه الإمام القاضي: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن هذه الآية أعني قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم إنما هي الملائكة إذا ~~سمعت الوحي إلى جبريل وبالأمر يأمر به سمعت كجر سلسلة الحديد على صفوان ~~فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة، وقيل خوف أن تقوم الساعة فإذا فزع ذلك فزع عن ~~قلوبهم أي أطير الفزع عنها وكشف فيقول بعضهم لبعض ولجبريل ماذا قال ربكم ~~فيقول المسئولون قال الحق وهو العلي الكبير وبهذا المعنى من ذكر الملائكة ~~في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار ~~إليهم من أول قوله الذين زعمتم [سبأ: 22] لم تتصل لهم هذه الآية بما قبلها ~~فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار بعد حلول الموت ~~فزع عن قلوبهم بفقد الحياة فرأوا الحقيقة وزال فزعهم من شبه ما يقال لهم في ~~حياتهم، فيقال لهم حينئذ ماذا قال ربكم فيقولون قال الحق يقرون حين لا ~~ينفعهم الإقرار، وقالت فرقة الآية في جميع العالم، وقوله حتى إذا يريد في ~~القيامة. # قال الفقيه الإمام القاضي: والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح وهو ~~الذي تظاهرت به الأحاديث، وهذان بعيدان، وقرأ جمهور القراء «فزع» بضم الفاء ~~ومعناه أطير الفزع عنهم، وهذه الأفعال جاءت مخالفة لسائر الأفعال، لأن فعل ~~أصلها الإدخال في الشيء كعلمت ونحوها وقولك: فزعت زيدا معناه أزلت الفزع ~~عنه، وكذلك جزعته معناه أزلت الجزع عنه، ومنه الحديث فدخل ابن عباس على عمر ~~بجزعة ومنه مرضت فلانا أي أزلت عنه المرض. # قال الفقيه الإمام القاضي: وانظر أن مطاوع هذه الأفعال يلحق بتحنث وتحرج ~~وتفكه وتأثم وتخوف، وقرأ ابن عامر «فزع» بفتح الفاء وشد الزاي وهي قراءة ~~ابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبي ms2905 المتوكل الناجي واليماني، وقرأ الحسن ~~البصري بخلاف «فزع» بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها كأنه بمعنى أقلع، ومن ~~قال بأنها في العالم أجمعه قال معنى هذه القراءة فزع الشيطان عن قلوبهم أي ~~بادر، وقرأ أيوب عن الحسن أيضا PageV04P418 # «فرغ» بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من ~~التفريغ، قال أبو حاتم رواها عن الحسن نحو من عشرة أنفس وهي قراءة أبي ~~مجلز. # وقرأ مطر الوراق عن الحسن «فزع» على بناء الفعل للفاعل وهي قراءة مجاهد ~~والحسن أيضا «فرغ» بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم وما ~~أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه فاختلفت ألفاظ ~~فيه، قرأ عيسى بن عمر «حتى إذا افرنقع» وهي قراءة ابن مسعود ومعنى هذا كله ~~وقع فراغها من الفزع والخوف، ومن قرأ شيئا من هذا على بناء الفعل للمفعول ~~فقوله عز وجل عن قلوبهم في موضع رفع، ومن قرأ على بناء الفعل للفاعل فقوله ~~عن قلوبهم في موضع نصب، وافرنقع معناه تفرق، وقوله ماذا يجوز أن تكون «ما» ~~في موضع نصب ب قال ويصح أن تكون في موضع رفع بمعنى أي شيء قال، والنصب في ~~قوله الحق على نحوه في قوله ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا [النحل: 30] لأنهم ~~حققوا أن ثم ما أنزل، وحققوا هنا أن ثم ما قيل، وقولهم وهو العلي الكبير ~~تمجيد وتحميد. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 24 الى 27] # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين (24) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) قل يجمع ~~بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) # أمر الله تعالى نبيه على جهة الاحتجاج وإقامة الدليل على أن الرزاق لهم ~~من السماوات والأرض من هو ثم أمره أن يقتضب الاحتجاج بأن يأتي جواب السؤال ~~إذ هم في بهتة ووجمة من السؤال، وإذ لا ms2906 جواب لهم ولا لمفطور إلا بأن يقول ~~هو الله، وهذه السبيل في كل سؤال جوابه في غاية الوضوح، لأن المحتج يريد أن ~~يقتضب ويتجاوز إلى حجة أخرى يوردها، ونظائر هذا في القرآن كثير وقوله ~~تعالى: وإنا أو إياكم تلطف في الدعوة والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن ~~خالفك في مسألة أحدنا يخطىء، أي تثبت وتنبه، والمفهوم من كلامك أن مخالفك ~~هو المخطئ، وكذلك هذا معناه لعلى هدى أو في ضلال مبين فلينتبه، والمقصد أن ~~الضلال في حيز المخاطبين وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه، وقال أبو ~~عبيدة أو في الآية بمعنى واو النسق، والتقدير «وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين» وهما خبران غير مبتدأين. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا القول غير متجه واللفظ لا يساعده وإن كان ~~المعنى على كل قول يقتضي أن الهدى في حيز المؤمنين والضلال في حيز ~~الكافرين، وقوله تعالى: قل لا تسئلون عما أجرمنا الآية مهادنة ومتاركة ~~منسوخة بآية السيف، وقوله عز وجل قل يجمع بيننا الآية إخبار بالبعث من PageV04P419 # القبور، وقوله يفتح معناه يحكم والفتاح القاضي وهي مشهورة في لغة اليمن، ~~وهذا كله منسوخ بآية السيف، وقوله تعالى قل أروني يحتمل أن تكون رؤية قلب ~~فيكون قوله شركاء مفعولا ثالثا وهذا هو الصحيح أي أروني بالحجة والدليل كيف ~~وجه الشركة وقالت فرقة هي رؤية بصر وشركاء حال من الضمير المفعول ب ألحقتم ~~العائد على الذين. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا ~~غناء له، وقوله كلا رد لما تقرر من مذهبهم في الإشراك بالله تعالى ووصف ~~نفسه عز وجل باللائق به من العزة والحكمة. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 28 الى 30] # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) # هذا إعلام من الله تعالى بأنه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع ~~العالم، و «الكافة» ms2907 الجمع الأكمل من الناس، وكافة نصب على الحال وقدمها ~~للاهتمام، وهذه إحدى الخصال التي خص بها محمد صلى الله عليه وسلم من بين ~~الأنبياء التي حصرها في قوله «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب ~~مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا وبعث كل نبي إلى خاص من الناس وبعثت إلى الأسود ~~والأحمر» ، وفي هذه الخصال زيادة في كتاب مسلم، وقوله تعالى: ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون يريد بها العموم في الكفرة، والمؤمنون هم الأقل، ثم حكى ~~عنهم مقالتهم في الهزء بأمر البعث واستعجالهم على معنى التكذيب بقولهم متى ~~هذا الوعد فأمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم عن ميعاد هو يوم القيامة لا ~~يتأخر عنه أحد ولا يتقدمه، قال أبو عبيدة: «الوعد والوعيد والميعاد» بمعنى ~~واحد، وخولف في هذا، والذي عليه الناس أن «الوعد» في الخير، و «الوعيد» في ~~المكروه و «الميعاد» يقع لهذا ولهذا. # قال الفقيه الإمام القاضي: وأضاف الميعاد إلى اليوم تجوزا من حيث كان فيه ~~وتحتمل الآية أن يكون استعجال الكفرة لعذاب الدنيا ويكون الجواب عن ذلك ~~أيضا ولم يجر للقيامة ذكر على هذا التأويل. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 31 الى 32] # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) # حكيت في هذه الآية مقالة قالها بعض قريش وهي أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا ~~بما بين يديه من التوراة PageV04P420 # والإنجيل والزبور فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله وإنما فعلوا هذا لما وقع ~~الاحتجاج عليهم بما في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقالت فرقة: ~~«الذي بين يديه» هي الساعة والقيامة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا خطأ قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة ~~وأنه ms2908 المتقدم في الزمان وقد بيناه فيما تقدم، ثم أخبر الله تعالى نبيه عن ~~حالة الظالمين في صيغة التعجيب من حالهم، وجواب لو محذوف، وقوله يرجع بعضهم ~~إلى بعض القول أي يرد، أي يتحاورون ويتجادلون، ثم فسر ذلك الجدل بأن ~~الأتباع والضعفاء من الكفرة يقولون للكفار وللرؤوس على جهة التذنيب ~~والتوبيخ ورد اللائمة عليهم لولا أنتم لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم ~~أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر، فقال لهم الرؤساء على جهة التقرير والتكذيب ~~أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين أي دخلتم في الكفر ~~ببصائركم، وأجرمتم بنظر منكم، ودعوتنا لم تكن ضربة لازب عليكم لأنا دعوناكم ~~بغير حجة ولا برهان. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله يتضمنه اللفظ. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : آية 33] # وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن ~~نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال ~~في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) # هذه مراجعة من الأتباع للرؤساء حين قالوا لهم: إنما كفرتم ببصائر أنفسكم ~~قال المستضعفون بل كفرنا بمكركم بنا بالليل والنهار «وأضاف المكر إلى الليل ~~والنهار من حيث هو فيهما» ولتدل هذه الإضافة على الدؤوب والدوام، وهذه ~~الإضافة كما قالوا «ليل نائم ونهار صائم» ، وأنشد سيبويه «فنام ليلي وتجلى ~~همي» ، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ قتادة بن دعامة «بل مكر الليل والنهار» ~~بتنوين «مكر» ونصب «الليل والنهار» على الظرف، وقرأ سعيد بن جبير «بل مكر» ~~بفتح الكاف وشد الراء من كر يكر وبالإضافة إلى «الليل والنهار» وذكر عن ~~يحيى بن يعمر وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل والاغترار بالأيام ~~مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله، و «الند» المثيل والشبيه، والضمير في ~~قوله أسروا عام جميع من تقدم ذكره من المستضعفين والمستكبرين، أسروا معناه ~~اعتقدوها في نفوسهم، ومعتقدات النفس كلها سر لا يعقل غير ذلك، وإنما يظهر ~~ما يصدر عنها من كلام أو قرينة، وقال بعض الناس أسروا معناه أظهروا وهي من ~~الأضداد. ms2909 # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كلام من لم يعتبر المعنى أما نفس الندامة ~~فلا تكون إلا مستسرة ضرورة، وأما الظاهر عنها فغيرها ولم يثبت قط في لغة أن ~~أسر من الأضداد، وقوله تعالى: لما رأوا العذاب أي وافوه وتيقنوا حصولهم فيه ~~وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 34 الى 37] # وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ~~(34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء ~~الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) PageV04P421 # هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن فعل قريش وقولها أي هذه يا محمد ~~سيرة الأمم فلا يهمنك أمر قومك، و «القرية» المدينة، و «المترف» المنع ~~البطال الغني القليل تعب النفس والجسم فعادتهم المبادرة بالتكذيب، وقوله ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا يحتمل أن يعود الضمير على المترفين ويكون ~~ذلك من قولهم مع تكذيبهم، ثم لما كانت قريش مثلهم أمره الله تعالى بأن يقول ~~إن ربي الآية، ويحتمل أن يعود الضمير في قالوا لقريش ويكون كلام المترفين ~~قد تم، ثم تطرد الآية بعد، وقولهم نحن أكثر أموالا وأولادا معناه الاحتجاج ~~أي أن الله لم يعطنا هذا وقدره لنا إلا لرضاء عنا وعن طريقنا ونحن لا نعذب ~~البتة إذ الله الذي تزعم أنت علمه بجميع الأشياء وإحاطته قد قدر علينا ~~النعم، فهو إذن راض عنا، وقال بعض المفسرين معنى قولهم وما نحن بمعذبين أي ~~بالفقر. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ليس كالأول في القوة فأمر الله تعالى ~~نبيه أن يقول: إن الأمر ليس كما ظنوا بل بسط الرزق وقدره معلق بالمشيئة في ~~كافر ومؤمن وليس شيء من ذلك دليلا على رضى الله تعالى والقرب منه لأنه قد ~~يعطي ذلك إملاء واستدراجا، وكثير من الناس لا يعلم ذلك كأنتم أيها الكفار، ms2910 ~~وقرأت فرقة «ويقدر» ، وقرأت فرقة «ويقدر» بضم الباء وفتح القاف وشد الدال ~~وهي راجعة إلى معنى التضييق الذي هو ضد البسط، ثم أخبرهم بأن أموالهم ~~وأولادهم ليست بمقربة من الله زلفى، والزلفى مصدر بمعنى القرب، وكأنه قال ~~تقربكم عندنا تقريبا، وقرأ الضحاك «زلفى» بفتح اللام وتنوين الفاء، وقوله ~~تعالى: إلا من آمن استثناء منقطع، ومن في موضع نصب بالاستثناء، وقال الزجاج ~~من بدل من الضمير في تقربكم، وقال الفراء من في موضع رفع، وتقدير الكلام ما ~~هو المقرب إلا من آمن، وقرأ الجمهور «جزاء الضعف» بالإضافة، وقرأ قتادة ~~«جزاء الضعف» برفعها، وحكى عنه الداني «جزاء» بالنصب «الضعف» بنصب الفاء، ~~والضعف هنا اسم جنس أي بالتضعيف إذ بعضهم يجازى إلى عشرة وبعضهم أكثر إلى ~~سبعمائة بحسب الأعمال. ومشيئة الله تعالى فيها، وقرأ جمهور القراء «في ~~الغرفات» بالجمع، وقرأ حمزة وحده «في الغرفة» على اسم الجنس يراد به الجمع، ~~ورويت عن الأعمش وهما في القراءة حسنتان، قال أبو علي: وقد يجيء هذا الجمع ~~بالألف والتاء «الغرفات» ونحوه للتكثير ومنه قول حسان بن ثابت: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # فلم يرد إلا كثرة جفان. # قال الفقيه الإمام القاضي: وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت، وقرأ الأعمش ~~والحسن وعاصم بخلاف في «الغرفات» بسكون الراء. PageV04P422 # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 38 الى 39] # والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو ~~خير الرازقين (39) # لما ذكر تعالى المؤمنين العاملين الصالحات وذكر ثوابهم عقب بذكر ضدهم ~~وذكر جزائهم ليظهر تباين المنازل، وقرأت فرقة «معاجزين» (وقرأت فرقة ~~معجزين) ، وقد تقدم تفسيرها في صدر السورة، ومحضرون من الإحضار والإعداد، ~~ثم كرر القول ببسط الرزق وقدره تأكيدا وتبيينا وقصد به هاهنا رزق المؤمنين ~~وليس سوقه على المعنى الأول الذي جلب للكافرين، بل هذا هنا على جهة الوعظ ~~والتزهيد في الدنيا والحض على النفقة في الطاعات، ms2911 ثم وعد بالخلف في ذلك وهو ~~بشرط الاقتصاد والنية في الطاعة ودفع المضرات وعد منجز إما في الدنيا وإما ~~في الآخرة، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله ~~لي أنفق أنفق عليك» وفي البخاري أن ملكا ينادي كل يوم اللهم أعط منفقا ~~خلفا، ويقول ملك آخر: اللهم أعط ممسكا تلفا، وقال مجاهد المعنى إن كان خلف ~~فهو موليه وميسره، وقد لا يكون الخلف، وأما قوله خير الرازقين فمن حيث يقال ~~في الإنسان إنه يرزق عياله، والأمير جنده، لكن ذلك من مال يملك عليهم والله ~~تعالى من خزائن لا تفنى ومن إخراج من عدم إلى وجود، وقرأ الأعمش «ويقدر» ~~بضم الياء وشد الدال. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 40 الى 43] # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~(41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما ~~هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك ~~مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) # هذه آية وعيد للكفار، والمعنى واذكر يوم نحشرهم، وقرأ جمهور القراء ~~«نحشرهم جميعا ثم نقول» بالنون فيهما، ورواها أبو بكر عن عاصم، وقرأ حفص عن ~~عاصم «ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول» بالياء فيهما، وذكرها أبو حاتم عن أبي ~~عمرو، والقول للملائكة هو توقيف تقوم منه الحجة على الكفار عبدتهم وهذا نحو ~~قوله تعالى لعيسى عليه السلام أأنت قلت للناس [المائدة: 116] وإذا قال الله ~~تعالى للملائكة هذه المقالة قالت الملائكة سبحانك أي تنزيها لك عما فعل ~~هؤلاء الكفرة، ثم برؤوا أنفسهم بقولهم أنت ولينا من دونهم يريدون البراءة ~~من أن يكون لهم رضى أو علم أو مشاركة في أن يعبدهم البشر، ثم قرروا أن ~~البشر إنما عبدت الجن برضى الجن ms2912 وبإغوائها للبشر فلم تنف الملائكة عبادة ~~البشر PageV04P423 # إياها وإنما قررت أنها لم تكن لها في ذلك مشاركة، ثم ذنبت الجن، وعبادة ~~البشر للجن هي فيما نعرفه نحن بطاعتهم إياهم وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم، ~~فهذا نوع من العبادة، وقد يجوز إن كان في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي ~~القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها، ثم قال تعالى: ~~فاليوم وفي الكلام حذف تقديره فيقال لهم أي من عبد ومن عبد اليوم لا يملك ~~بعضكم لبعض نفعا، وقوله وإذا تتلى عليهم آياتنا ذكر الله تعالى في هذه ~~الآية أقوال الكفرة وأنواع كلامهم عند ما يقرأ عليهم القرآن ويسمعون حكمته ~~وبراهينه البينة، فقائل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يقدح في ~~الأوثان ودين الآباء، وقائل طعن عليه بأن هذا القرآن مفترى أي مصنوع من قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم ويدعي أنه من عند الله، وقائل طعن عليه بأن ما ~~عنده من الرقة واستجلاب النفوس واستمالة الأسماع إنما هو سحر به يخلب ~~ويستدعى، تعالى الله عن أقوالهم وتقدست شريعته عن طعنهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 44 الى 46] # وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب ~~الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) ~~قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من ~~جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) # معنى هذه الآية أنهم يقولون بآرائهم في كتاب الله فيقول بعضهم سحر، ~~وبعضهم افتراء، وذلك منهم تسور لا يستندون فيه إلى إثارة علم ولا إلى خبر ~~من يقبل خبره، فإنا ما آتيناهم كتبا يدرسونها ولا أرسلنا إليهم نذيرا ~~فيمكنهم أن يدعوا أن أقوالهم تستند إلى أمره، وقرأ جمهور الناس «يدرسونها» ~~بسكون الدال، وقرأ أبو حيوة «يدرسونها» بفتح الدال وشدها وكسر الراء- ~~والمعنى وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ولا يباشر أهل عصرهم ولا من قرب ~~من آبائهم، وإلا ms2913 فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب وصالح وهود ~~ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه، فإنما معنى هذه الآية ~~من نذير يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة ~~إسماعيل، والله تعالى يقول: إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا ولكن لم ~~يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مثل لهم بالأمم ~~المكذبة قبلهم، وقوله وما بلغوا معشار ما آتيناهم يحتمل ثلاثة معان: أحدها ~~أن يعود الضمير في بلغوا على قريش، وفي آتيناهم على الأمم الذين من قبلهم، ~~والمعنى من القوة والنعم والظهور في الدنيا، قاله ابن عباس وقتادة وابن ~~زيد، والثاني أن يعود الضمير في بلغوا على الأمم المتقدمة وفي آتيناهم على ~~قريش، والمعنى من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به، والثالث أن يعود ~~الضميران على الأمم المتقدمة، والمعنى من شكر النعمة وجزاء المنة و ~~«المعشار» ، ولم يأت هذا البناء إلا في الشعرة والأربعة فقالوا: مرباع ~~ومعشار وقال قوم: المعشار عشر العشر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بشيء، والنكير مصدر كالإنكار في المعنى ~~وكالعديد في الوزن PageV04P424 # وسقطت الياء منه تخفيفا لأنها آخر آية، و «كيف» تعظيم للأمر وليست ~~استفهاما مجردا، وفي هذا تهديد لقريش أي أنهم معرضون لنكير مثله، ثم أمر ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى عبادة الله والنظر في حقيقة ~~نبوته هو ويعظهم بأمر مقرب للأفهام فقوله بواحدة معناه بقضية واحدة إيجازا ~~لكم وتقريبا عليكم، وقوله أن مفسرة، ويجوز أن تكون بدلا من «واحدة» ، وقوله ~~تقوموا لله مثنى وفرادى يحتمل أن يريد بالطاعة والإخلاص والعبادة فتكون ~~الواحدة التي وعظ بها هذه، ثم عطف عليها أن يتفكروا في أمره هل هو به جنة ~~أو هو بريء من ذلك والوقف عند أبي حاتم ثم تتفكروا. # قال الفقيه الإمام القاضي: فيجيء ما بصاحبكم نفيا مستأنفا وهو عند سيبويه ~~جواب ما تنزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التحقيق كتبين ~~وتكون ms2914 الفكرة على هذا في آيات الله والإيمان به، ويحتمل أن يريد بقيامهم أن ~~يكون لوجه الله في معنى التفكر في محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الواحدة ~~التي وعظ بها أن يقوموا لمعنى الفكرة- في أمر صاحبهم، وكأن المعنى أن يفكر ~~الواحد بينه وبين نفسه ويتناظر الاثنان على جهة طلب التحقيق، هل بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم جنة أم لا؟ وعلى هذا لا يوقف على تتفكروا وقدم المثنى لأن ~~الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإذا انقدح الحق بين ~~الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وقد قال الشاعر: [الطويل] # إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة ... فيزداد بعض القوم من بعضهم علما # وقرأ يعقوب «ثم تفكروا» بتاء واحدة، وقال مجاهد بواحدة معناه بلا إله إلا ~~الله وقيل غير هذا مما لا تعطيه الآية، وقوله بين يدي مرتب على أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم جاء في الزمن من قبل العذاب الشديد الذي توعدوا به. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 47 الى 51] # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد ~~(47) قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل ~~وما يعيد (49) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ~~إنه سميع قريب (50) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) # أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على ~~الرسالة وتسليم كل دنيا إلى أربابها والتوكل على الله في الأجر وجزاء الجد ~~والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك، وقوله ~~يقذف بالحق يريد بالوحي وآيات القرآن واستعار له القذف من حيث كان الكفار ~~يرمون بآياته وحكمه، وقرأ جمهور القراء «علام» بالرفع أي هو علام، وقرأ ~~عيسى بن عمرو ابن أبي إسحاق «علام» بالنصب إما على البدل من اسم إن وإما ~~على المدح، وقرأ الأعمش «بالحق وهو علام ms2915 الغيوب» ، وقرأ عاصم «الغيوب» بكسر ~~الغين، وقوله قل جاء الحق يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم PageV04P425 # يعني السيف، وقوله وما يبدئ الباطل وما يعيد، قالت فرقة: الباطل هو غير ~~الحق من الكذب والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه ~~قال وما يصنع الباطل شيئا، وقالت فرقة الباطل الشيطان، والمعنى ما يفعل ~~الشيطان شيئا مفيدا أي ليس يخلق ولا يرزق، وقالت فرقة ما استفهام كأنه قال ~~وأي شيء يصنع الباطل؟ وقرأ جمهور الناس «ضللت» بفتح اللام «فإنما أضل» بكسر ~~الضاد، وقرأ الحسن وابن وثاب «ضللت» بكسر اللام «أضل» بفتح الضاد وهي لغة ~~بني تميم، وقوله فبما يحتمل أن تكون «ما» بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون ~~مصدرية، وقريب معناه بإحاطته وإجابته وقدرته، واختلف المتأولون في قوله ~~تعالى: ولو ترى الآية، فقال ابن عباس والضحاك: هذا في عذاب الدنيا، وروي أن ~~ابن أبزى قال ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض ولا ينجو ~~إلا رجل من جهينة فيخبر الناس بما نال الجيش قالوا بسببه قيل «وعند جهينة ~~الخبر اليقين» ، وهذا قول سعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة ~~وذكر الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على داود بن الجراح، وقال قتادة: ذلك ~~في الكفار عند الموت، وقال ابن زيد: ذلك في الكفار في بدر ونحوها، وقال ~~الحسن بن أبي الحسن: ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة. # قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أرجح الأقوال عندي، وأما معنى الآية فهو ~~التعجيب من حالهم إذا فزعوا من أخذ الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم ~~أحد، وقوله من مكان قريب معناه أنهم للقدرة قريب حيث كانوا قبل من تحت ~~الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال والذي يعم جميعها أن يقال إن الأخذ ~~يجيئهم من قرب في طمأنينتهم ويعقبها بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه ~~الأخذ، ومن غشيه أخذ من قريب، فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور «وأخذوا» ~~، وقرأ طلحة بن مصرف ms2916 «فلا فوت وأخذ» ، كأنه قال وجاء لهم أخذ من مكان قريب. # قوله عز وجل: ### || [سورة سبإ (34) : الآيات 52 الى 54] # وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ~~ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل ~~بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (54) # الضمير في به عائد على الله تعالى، وقيل على محمد صلى الله عليه وسلم ~~وشرعه والقرآن، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وعامة القراء ~~«التناوش» بضم الواو دون همز، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم أيضا ~~«التناؤش» بالهمز، والأولى معناها التناول من قولهم ناش ينوش إذا تناول ~~«تناوش القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضا بالسلاح، ومنه قول الراجز: ~~[الرجز] # فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا # فكأنه قال وأنى لهم تناول مرادهم وقد بعدوا عن مكان إمكان ذلك، وأما ~~التناؤش بالهمز فيحتمل أن PageV04P426 # يكون من التناؤش الذي تقدم تفسيره وهمزت الواو لما كانت مضمونة وكانت ~~ضمتها لازمة، كما قالوا أقتت وغير ذلك، ويحتمل أن يكون من الطلب، تقول ~~اتناشت الشيء إذا طلبته من بعد، وقال ابن عباس تناؤش الشيء رجوعه حكاه عنه ~~ابن الأنباري وأنشد: [الوافر] # تمنى أن تؤوب إليك مي ... وليس إلى تناوشها سبيل # فكأنه قال في الآية: وأنى لهم طلب مرادهم وقد بعد، قال مجاهد المعنى من ~~الآخرة إلى الدنيا، وقرأ جمهور الناس «ويقذفون» بفتح الياء وكسر الذال على ~~إسناد الفعل إليهم، أي يرجمون بظنونهم ويرمون بها الرسل وكتاب الله، وذلك ~~غيب عنهم في قولهم سحر وافتراء وغير ذلك، قاله مجاهد، وقال قتادة قذفهم ~~بالغيب هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار، وقرأ مجاهد «ويقذفون» بضم الياء ~~وفتح الذال على معنى ويرجمهم الوحي بما يكرهون من السماء، وقوله وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون قال الحسن معناه من الإيمان والتوبة والرجوع إلى الإتابة ~~والعمل الصالح، وذلك أنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة، وقاله أيضا ~~قتادة، وقال مجاهد ms2917 معناه وحيل بينهم وبين نعيم الدنيا ولذاتها، وقيل حيل ~~بينهم وبين الجنة ونعيمها، وهذا يتمكن جدا على القول بأن الأخذ والفزع ~~المذكورين هو في يوم القيامة، وقوله كما فعل بأشياعهم من قبل الأشياع الفرق ~~المتشابهة، فأشياع هؤلاء هم الكفرة من كل أمة، وهو جمع شيعة، وشيع، وقوله ~~من قبل يصلح على بعض الأقوال المتقدمة تعلقه بفعل، ويصلح على قول من قال إن ~~الفزع هو في يوم القيامة تعلقه بأشياعهم أي بمن اتصف بصفتهم من قبل في ~~الزمن الأول، لأن ما يفعل بجميعهم إنما هو في وقت واحد. لا يقال فيه من ~~قبل، و «الشك المريب» أقوى ما يكون من الشك وأشده إظلاما. PageV04P427 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فاطر # هذه السورة مكية. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد ~~كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) # يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور (5) # الألف واللام في الحمد لاستغراق الجنس على أتم عموم، لأن الحمد بالإطلاق ~~على الأفعال الشريفة والكمال هو لله تعالى والشكر مستغرق فيه لأنه فصل من ~~فصوله، وفاطر معناه خالق لكن يزيد في المعنى الانفراد بالابتداء لخلقها، ~~ومنه قول الأعرابي المتخاصم في البئر عند ابن عباس: أنا فطرتها، أراد بدأت ~~حفرها. قال ابن عباس ما كنت أفهم معنى فاطر حتى سمعت قول الأعرابي، وقرأ ~~الجمهور «الحمد لله فطر» ، وقرأ جمهور الناس «جاعل» بالخفض، وقرأت فرقة ~~«جاعل» بالرفع على قطع الصفة، وقرأ خليد بن نشيط «جعل» على ms2918 صيغة الماضي ~~«الملائكة» نصبا، فأما على هذه القراءة الأخيرة فنصب قوله رسلا على المفعول ~~الثاني، وأما على القراءتين المتقدمتين فقيل أراد ب «جاعل» الاستقبال لأن ~~القضاء في الأزل وحذف التنوين تخفيفا وعمل عمل المستقبل في رسلا، وقالت ~~فرقة جاعل بمعنى المضي ورسلا نصب بإضمار فعل، ورسلا معناه بالوحي وغير ذلك ~~من أوامره، فجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل رسل، والملائكة المتعاقبون ~~رسل، والمسددون لحكام العدل رسل وغير ذلك، وقرأ الحسن «رسلا» بسكون السين، ~~وأولي جمع واحده ذو، تقول ذو نهية والقوم أولو نهي، وروي عن الحسن أنه قال ~~في تفسير قول مريم إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # [مريم: 18] قال علمت مريم أن التقي ذو نهية، وقوله مثنى وثلاث ورباع ~~ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة عدلت في حال التنكير فتعرفت بالعدل، ~~فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل للعدل والصفة، وفائدة العدل الدلالة على ~~التكرار PageV04P428 # لأن مثنى بمنزلة قولك اثنين اثنين، وقال قتادة: إن أنواع الملائكة هي ~~هكذا منها ما له جناحان، ومنها ما له ثلاثة، ومنها ما له أربعة، ويشذ منها ~~ما له أكثر من ذلك، وروي أن لجبريل ستمائة جناح منها اثنان تبلغ من المشرق ~~إلى المغرب، وقالت فرقة المعنى أن في كل جانب من الملك جناحين، ولبعضهم ~~ثلاثة في كل جانب، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لكل واحد لما اعتدلت ~~في معتاد ما رأيناه نحن من الأجنحة، وقيل بل هي ثلاثة لكل واحد كالحوت ~~والله أعلم بذلك، وقوله تعالى: يزيد في الخلق ما يشاء تقرير لما يقع في ~~النفوس من التعجب والاستغراب عند الخبر بالملائكة أولي الأجنحة، أي ليس هذا ~~يبدع في قدرة الله تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، وروي عن الحسن وابن ~~شهاب أنهما قالا المزيد هو حسن الصوت قال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النوم فقال لي: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك ~~الله خيرا، وقيل الزيادة الخط الحسن، وقال النبي عليه السلام: «الخط الحسن ~~يزيد الحق وضوحا» ms2919 ، وقال قتادة الزيادة ملاحة العينين. # قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على ~~جهة المثال لا أن المقصود هي فقط، وإنما مثل بأشياء هي زيادات خارجة عن ~~الغالب الموجود كثيرا وباقي الآية بين، وقوله ما يفتح الله ما شرط، ويفتح ~~جزم بالشرط، وقوله من رحمة عام في كل خير يعطيه الله تعالى للعباد جماعتهم ~~وأفذاذهم، وقوله من بعده فيه حذف مضاف أي من بعد إمساكه، ومن هذه الآية سمت ~~الصوفية ما تعطاه من الأموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات، ومنها كان أبو ~~هريرة يقول مطرنا بنوء الفتح، وقرأ الآية، وقوله يا أيها الناس خطاب لقريش ~~وهو متجه لكل كافر، ولا سيما لعباد غير الله، وذكرهم تعالى بنعمة الله ~~عليهم في خلقهم وإيجادهم، ثم استفهمهم على جهة التقرير والتوقيف بقوله هل ~~من خالق غير الله أي فليس إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام، ~~وقرأ حمزة والكسائي «غير» بالخفض نعتا على اللفظ وخبر الابتداء يرزقكم وهي ~~قراءة أبي جعفر وشقيق وابن وثاب، وقرأ الباقون غير نافع بالرفع، وهي قراءة ~~شيبة بن نصاح وعيسى والحسن بن أبي الحسن، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها ~~النعت على الموضع والخبر مضمر تقديره في الوجود أو في العالم وأن يكون ~~«غير» خبر الابتداء الذي هو في المجرور والرفع على الاستثناء، كأنه قال هل ~~خالق إلا الله، فجرت «غير» مجرى الفاعل بعد إلا، وقوله من السماء يريد ~~بالمطر ومن الأرض يريد بالنبات، وقوله فأنى تؤفكون معناه فلأي وجه تصرفون ~~عن الحق، ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما سلف من حال الرسل مع الأمم، ~~والأمور تعم جميع الموجودات المخلوقات إلى الله مصير جميع ذلك على اختلاف ~~أحوالها، وفي هذا وعيد للكفار ووعد للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم وعظ عز ~~وجل جميع العالم وحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها الشاغلة عن المعاد ~~الذي له يقول الإنسان: يا ليتني قدمت لحياتي [الفجر: 24] ولا ينفعه ليت ~~يومئذ، وحذر غرور الشيطان، وقوله إن ms2920 وعد الله عبارة عن جميع خبره عز وجل في ~~خير وتنعم أو عذاب أو عقاب، وقرأ جمهور الناس «الغرور» بفتح الغين وهو ~~الشيطان قاله ابن عباس، وقرأ سماك العبدي وأبو حيوة «الغرور» بضم الغين ~~وذلك يحتمل أن يكون جمع غار كجالس وجلوس، ويحتمل أن يكون جمع غر وهو مصدر ~~غره يغره غرا، ويحتمل أن يكون مصدرا وإن كان شاذا PageV04P429 # في الأفعال المتعدية أن يجيء مصدرها على فعول لكنه قد جاء لزمه لزوما ~~ونهكه المرض نهوكا فهذا مثله وكذلك هو مصدر في قوله فدلاهما بغرور ~~[الأعراف: 22] . # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 6 الى 8] # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) # قوله تعالى: إن الشيطان الآية، يقوي قراءة من قرأ «الغرور» بفتح الغين، ~~وقوله فاتخذوه عدوا أي بالمباينة والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع، و ~~«الحزب» الحاشية والصاغية، واللام في قوله ليكونوا لام الصيرورة لأنه لم ~~يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك، والسعير طبقة ~~من طبقات جهنم وهي سبع طبقات، وقوله الذين كفروا في موضع رفع بالابتداء ~~وهذا هو الحسن لعطف الذين آمنوا عليه بعد ذلك فهي جملتان تعادلتا، وجوز بعض ~~الناس في الذين أن يكون بدلا من الضمير في «يكونوا» وجوز غيره أن يكون ~~الذين في موضع نصب بدلا من حزبه وجوز بعضهم أن يكون في موضع خفض بدلا من ~~أصحاب وهذا كله محتمل، غير أن الابتداء أرجح. وقوله تعالى: أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا توقيف وجوابه محذوف تقديره عند الكسائي تذهب نفسك حسرات ~~عليهم، ويمكن أن يتقدر كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير، وأحسنها ما دل اللفظ ~~بعد عليه، وقرأ طلحة «أمن زين» بغير فاء، وهذه الآية تسلية ms2921 للنبي صلى الله ~~عليه وسلم عن كفر قومه، ووجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء وهداية من ~~شاء، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أمرهم وأن لا يبخع نفسه ~~أسفا عليهم، وقرأ جمهور الناس «فلا تذهب» بفتح التاء والهاء «نفسك» بالرفع، ~~وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب «تذهب» بضم التاء وكسر الهاء نفسك ~~بالنصب، ورويت عن نافع، و «الحسرة» هم النفس على فوات أمر، واستشهد ابن زيد ~~لذلك بقوله تعالى: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [الزمر: 56] ثم توعد ~~تعالى الكفرة بقوله إن الله عليم بما يصنعون. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 9 الى 10] # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر ~~أولئك هو يبور (10) # هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على ~~المثال الذي يعاينونه وهو PageV04P430 # سواء مع إحياء الموتى، و «البلد الميت» هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من ~~القحط فإذا أصابه الماء من السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته، والنشور مصدر نشر ~~الميت إذا حيي، ومنه قول الأعشى: # يا عجبا للميت الناشر وقوله تعالى: من كان يريد العزة يحتمل ثلاثة معان: ~~أحدها أن يريد من كان يريد العزة بمغالبة فلله العزة أي ليست لغيره ولا تتم ~~إلا له وهذا المغالب مغلوب ونحا إليه مجاهد، وقال من كان يريد العزة بعبادة ~~الأوثان. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تمسك بقوله تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا [مريم: 81] والمعنى الثاني من كان يريد العزة وطريقها ~~القويم ويحب نيلها على وجهها فلله العزة أي به وعن أوامره لا تنال عزته إلا ~~بطاعته، ونحا إليه قتادة. والمعنى الثالث وقاله الفراء من كان يريد علم ~~العزة فلله العزة أي هو المتصف بها، وجميعا حال، وقوله تعالى: إليه يصعد ~~الكلم ms2922 الطيب أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه، وقرأ الضحاك «إليه يصعد» ~~بضم الياء، وقرأ جمهور الناس «الكلم» وهو جمع كلمة، وقرأ أبو عبد الرحمن ~~«الكلام» ، والطيب الذي يستحسن سماعه الاستحسان الشرعي، وقال كعب الأحبار: ~~إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدويا حول العرش ~~كدوي النحل تذكر بصاحبها، وقوله تعالى: والعمل الصالح يرفعه اختلف الناس في ~~الضمير في يرفعه على من يعود، فقالت فرقة يعود على العمل، واختلفت هذه ~~الفرقة فقال قوم الفاعل ب «يرفع» هو الكلم أي والعمل يرفعه الكلم وهو قول ~~لا إله إلا الله لأنه لا يرتفع عمل إلا بتوحيد، وقال بعضهم الفعل مسند إلى ~~الله تعالى أي «والعمل الصالح يرفعه هو» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال، وقال ابن عباس وشهر بن حوشب ~~ومجاهد وقتادة الضمير في يرفعه عائد على الكلم أي أن العمل الصالح هو يرفع ~~الكلم. # قال القاضي أبو محمد: واختلفت عبارات أهل هذه المقالة فقال بعضها وروي عن ~~ابن عباس أن العبد إذا ذكر الله وقال كلاما طيبا وأدى فرائضه ارتفع قوله مع ~~عمله، وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله، وقيل عمله أولى به. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة ولا يصح عن ~~ابن عباس، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلاما ~~طيبا فإنه مكتوب له متقبل منه وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل ~~من كل من اتقى الشرك، وأيضا فإن الكلم الطيب عمل صالح وإنما يستقيم قول من ~~يقول إن العمل هو الرافع ل الكلم بأن يتأول أنه يزيد في رفعه وحسن موقعه ~~إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلل ~~أعماله كلم طيب وذكر لله كانت الأعمال، أشرف. # قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله والعمل الصالح يرفعه موعظة وتذكرة وحضا ~~على الأعمال، وذكر الثعلبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله ~~قولا إلا بعمل ms2923 ولا عمل إلا بنية» ، ومعناه قولا PageV04P431 # يتضمن أن قائله عمل عملا أو يعمله في الأنف، وأما الأقوال التي هي أعمال ~~في نفوسها كالتوحيد والتسبيح فمقبولة على ما قدمناه، وقرأت فرقة «والعمل» ~~بالنصب «الصالح» على النعت وعلى هذه القراءة ف يرفعه مستند إما إلى الله ~~تعالى وإما إلى الكلم، والضمير في يرفعه عائد على العمل لا غير، وقوله ~~يمكرون السيئات إما أنه عدى يمكرون لما أحله محل يكسبون، وإما أنه حذف ~~المفعول وأقام صفته مقامه تقديره يمكرون المكرات السيئات، ويمكرون معناه ~~يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون، ويبور معناه يفسد ويبقى لا ~~نفع فيه، وقال بعض المفسرين يدخل في الآية أهل الربا. # قال القاضي أبو محمد: ونزول الآية أولا في المشركين. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : آية 11] # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) # هذه آية تذكير بصفات الله تعالى على نحو ما تقدم، وهذه المحاورة إنما هي ~~في أمر الأصنام وفي بعث الأجساد من القبور، وقال تعالى: خلقكم من تراب من ~~حيث خلق آدم أبانا منه، وقوله ثم من نطفة أي بالتناسل من مني الرجال، ~~وأزواجا قيل معناه أنواعا، وقيل أراد تزويج الرجال النساء، وقوله تعالى: ~~وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره اختلف الناس في عود الضمير في قوله من ~~عمره، فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه أنه عائد على معمر الذي هو اسم جنس ~~والمراد غير الذي يعمر، أي أن القول يتضمن شخصين يعمر أحدهما مائة سنة أو ~~نحوها وينقص من عمر الآخر بأن يكون عاما واحدا أو نحوه، وهذا قول الضحاك ~~وابن زيد لكنه أعاد ضميرا إيجازا واختصارا، والبيان التام أن تقول ولا ينقص ~~من عمر معمر لأن لفظة معمر هي بمنزلة ذي عمر. # قال القاضي أبو محمد: كأنه قال «ولا يعمر من ذي عمر ولا ينقص ms2924 من عمر ذي ~~عمر» ، وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وابن جبير المراد شخص واحد وعليه يعود ~~الضمير أي ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصي ما مضى منه إذا مر حول ~~كتب ذلك، ثم حول، ثم حول، فهذا هو النقص، قال ابن جبير ما مضى من عمره فهو ~~النقص وما يستقبل فهو الذي يعمر، وروي عن كعب الأحبار أنه قال المعنى ولا ~~ينقص من عمره أي لا يخرم بسبب قدرة الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب. # قال القاضي أبو محمد: وروي أنه قال: حين طعن عمر لو دعا الله تعالى لزاد ~~في أجله، فأنكر عليه المسلمون ذلك وقالوا: إن الله تعالى يقول فإذا جاء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة [الأعراف: 34، النحل: 61] فاحتج بهذه الآية وهو قول ~~ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسكت المعتزلة، وقرأ الحسن ~~والأعرج وابن سيرين «ينقض» على بناء الفعل للفاعل أي ينقص الله، وقرأ «من ~~عمره» بسكون الميم الحسن وداود، و «الكتاب» المذكور في الآية اللوح ~~المحفوظ، وقوله إن ذلك إشارة إلى تحصيل هذه الأعمال وإحصاء دقائقها ~~وساعاتها. PageV04P432 # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : آية 12] # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون ~~لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (12) # هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقل ويقطع أنها مما لا مدخل لصنم فيه، ~~والبحران يريد بهما جميع الماء الملح وجميع الماء العذب حيث كان، فهو يعني ~~به جملة هذا وجملة هذا، و «الفرات» الشديد العذوبة، و «الأجاج» الشديد ~~الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته، قال الرماني هو من أججت النار ~~كأنه يحرق من حرارته، وقرأ عيسى الثقفي «سيغ شرابه» بغير ألف وبشد الياء، ~~وقرأ طلحة «ملح» بفتح الميم وكسر اللام، و «اللحم الطري» الحوت وهو موجود ~~في البحرين، وكذلك الفلك تجري في البحرين، وبقيت «الحلية» وهي اللؤلؤ ~~والمرجان، فقال الزجاج وغيره هذه عبارة تقتضي أن الحلية تخرج منهما، وهي ~~إنما ms2925 تخرج من الملح وذلك تجوز كما قال في آية أخرى يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان [الرحمن: 22] ، وكما قال امعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 128] ، والرسل إنما هي من الإنس، وقال بعض الناس بل الحلية ~~تخرج من البحرين، وذلك أن صدف اللؤلؤ إنما يلحقه فيما يزعمون ماء النيسان، ~~فمنه ما يخرج ويوجد الجوهر فيه، ومنه ما ينشق في البحر عند موته وتقطعه، ~~فيخرج جوهره بالعطش وغير ذلك من الحيل، فهذا هو من الماء الفرات، فنسب إليه ~~الإخراج لما كان من الحلية بسبب، وأيضا فإن المرجان يزعم طلابه في البحر ~~أنه إنما يوجد وينبت في موضع بإزائها انصباب ماء أنهار في البحر وأيضا فإن ~~البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج فيجيء الإخراج منهما جميعا. # قال القاضي أبو محمد: وقد خطىء أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر: [الطويل] # فجاء بها ما شئت من لطمية ... وجهها ماء الفرات يموج # وليس ذلك بخطإ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة، والفلك في هذا الموضع ~~جمع بدليل صفته بجمع، ومواخر جمع ماخرة وهي التي تمخر الماء أي تشقه، وقيل ~~الماخرة التي تشق الريح، وحينئذ يحدث الصوت، والمخر الصوت الذي يحدث من جري ~~السفينة بالريح، وعبر المفسرون عن هذا بعبارات لا تختص باللفظة، فقال بعضهم ~~«المواخر» التي تجيء وتذهب بريح واحدة، وقال مجاهد الريح تمخر السفن ولا ~~تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام. # قال القاضي أبو محمد: هكذا وقع لفظه في البخاري، والصواب أن تكون الفلك ~~هي الماخرة لا الممخورة وقوله تعالى: لتبتغوا يريد بالتجارات والحج والغزو ~~وكل سفر له وجه شرعي. # قوله عز وجل: PageV04P433 ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 13 الى 14] # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) # يولج معناه يدخل، وهذه عبارة عن ms2926 أن ما نقص من الليل زاد في النهار، فكأنه ~~دخل فيه، وكذلك ما نقص من النهار يدخل في الليل والألف واللام في الشمس ~~والقمر هي للعهد، وقيل هي زائدة لا معنى لها ولا تعريف وهذا أصوب، و «الأجل ~~المسمى» هو قيام الساعة، وقيل آماد الليل وآماد النهار، ف «أجل» على هذا ~~اسم جنس، وقرأ جمهور الناس «تدعون» بالتاء، وقرأ الحسن ويعقوب «يدعون» ~~بالياء من تحت، و «القطمير» القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة هذا قول ~~الناس الحجة، وقال جوبير عن رجاله «القطمير» القمع الذي في رأس التمرة، ~~وقاله الضحاك والأول أشهر وأصوب، ثم بين تعالى أمر الأصنام بثلاثة أشياء ~~كلها تعطي بطلانها: أولها أنها لا تسمع إن دعيت، والثاني أنها لا تجيب أن ~~لو سمعت وإنما جاء بهذه لأن لقائل متعسف أن يقول عساها تسمع، والثالث أنها ~~تتبرأ يوم القيامة من الكفار، ويكفرون بشركهم أي بأن جعلوهم شركاء لله ~~فأضاف الشرك إليهم من حيث هم قرروه، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله ~~يكفرون يحتمل أن يكون بكلام، وعبارة يقدر الله الأصنام عليها ويخلق لها ~~إدراكا يقتضيها، ويحتمل أن يكون بما يظهر هناك من جمودها وبطولها عند حركة ~~كل ناطق ومدافعة كل محتج فيجيء هذا على طريق التجوز كما قال ذو الرمة: ~~[الطويل] # وقفت على ربع لمية ناطق ... يخاطبني آثاره وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه # وهذا كثير، وقوله ولا ينبئك مثل خبير قال المفسرون قتادة وغيره «الخبير» ~~هنا أراد به تعالى نفسه فهو الخبير الصادق الخبر نبأ بهذا فلا شك في وقوعه، ~~ويحتمل أن يكون قوله ولا ينبئك مثل خبير من تمام ذكر الأصنام، كأنه قال: ~~ولا يخبرك مثل من يخبر عن نفسه أي لا أصدق في تبريها من شرككم منها فيريد ~~بالخبير على هذا المثل له، كأنه قال ولا ينبئك مثل خبير عن نفسه وهي قد ~~أخبرت عن نفسها بالكفر بهؤلاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 15 الى 18] # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ms2927 والله هو الغني الحميد (15) إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى ~~الله المصير (18) # هذه آية موعظة وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور ~~وجلائلها لا يستغني عنه طرفة PageV04P434 # عين، وهو به مستغن عن كل واحد، والله تعالى غني عن الناس وعن كل شيء من ~~مخلوقاته غني على الإطلاق، والحميد المحمود بالإطلاق، وقوله تعالى بعزيز أي ~~بممتنع، وتزر معناه تحمل، والوزر الثقل، وهذه الآية في الذنوب والآثام ~~والجرائم، قاله قتادة وابن عباس ومجاهد، وسببها أن الوليد بن المغيرة قال ~~لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم، فحكم الله تعالى بأنه لا يحملها ~~أحد عن أحد، ومن تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل زيادة ~~ونحوه فإنما ذلك لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة ومواصلة أو اطلاع ~~على حاله وتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب، وهذا هو المعنى في قوله ~~تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت: 13] لأنهم أغووهم، ~~وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة بعده، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ~~بعده» ، وأنثت وازرة لأنه ذهب بها مذهب النفس وعلى ذلك أجريت مثقلة، و ~~«الحمل» ما كان على الظهر في الأجرام، ويستعار للمعاني كالذنوب ونحوها، ~~فيجعل كل محمول متصلا بالظهر، كما يجعل كل اكتساب منسوبا إلى اليد، واسم ~~كان مضمر تقديره ولو كان الداعي، ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أنه إنما ينذر أهل الخشية وهم الذين يمنحون العلم، أي إنما ينتفع بالإنذار ~~هم وإلا فلنذارة جميع العالم بعثه، وقوله بالغيب أي وهو بحال غيبة عنهم ~~إنما هي رسالة، ثم خصص من الأعمال إقامة الصلاة تنبيها عليها وتشريفا ms2928 لها، ~~ثم حض على التزكي بأن رجى عليه غاية الترجية، وقرأ طلحة «ومن أزكى فإنما ~~يزكي» ، ثم توعد بعد ذلك بقوله وإلى الله المصير. # قال القاضي أبو محمد: وكل عبارة مقصرة عن تبيين فصاحة هذه الآية، وكذلك ~~كتاب الله كله، ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في مواضع بحسب ~~تقصيرنا. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 19 الى 26] # وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا ~~الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت ~~بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير (23) # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن ~~يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب ~~المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) # مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل ~~المؤمنين بآرائهم بالبصراء والأنوار، وقوله ولا النور ودخول لا فيها وفيما ~~بعدها إنما هو على نية التكرار كأنه قال ولا الظلمات والنور، ولا النور ولا ~~الظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على متروكه، ~~والحرور شدة حر الشمس، وقال رؤبة بن العجاج الحرور بالليل والسموم بالنهار، ~~وليس PageV04P435 # كما قال وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره أن السموم يختص بالنهار ~~والحرور يقال في حر الليل وفي حر النهار، وتأول قوم الظل في هذه الآية ~~الجنة، والحرور جهنم، وشبه المؤمنين ب الأحياء والكفرة ب الأموات من حيث لا ~~يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله تعالى بقوله إن ~~الله يسمع من يشاء، وقوله وما أنت بمسمع من في القبور تمثيل بما يحسه البشر ~~ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول ~~إنها في القبر بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش وفي ~~قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين ويجوز في بعض الأحيان أن تكون ~~الأرواح عند القبور فربما ms2929 سمعت وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم، ~~وكذلك سماع الميت خفق النعال إنما هو برد روحه عليه عند لقاء الملكين. # قال القاضي أبو محمد: فهذه الآية لا تعارض حديث القليب لأن الله تعالى رد ~~على أولئك أرواحهم في القليب ليوبخهم، وهذا على قول عمر وابنه عبد الله وهو ~~الصحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما أنتم بأسمع منهم» ، وأما ~~عائشة فمذهبها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمعهم وأنه إنما قصد ~~توبيخ الأحياء من الكفرة، وجعلت هذه الآية أصلا واحتجت بها، فمثل الله ~~تعالى في هذه الآية الكفرة بالأشخاص التي في القبور، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن «بمسمع من» على الإضافة، ثم سلاه بقوله إن أنت إلا نذير أي ليس عليك ~~غير ذلك، والهداية والإضلال إلى الله تعالى، وبشيرا معناه بالنعيم الدائم ~~لمن آمن، ونذيرا معناه بالعذاب الأليم لمن كفر، وقوله تعالى: وإن من أمة ~~إلا خلا فيها نذير معناه أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان ~~فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع ~~النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم، والآيات التي تتضمن أن قريشا لم ~~يأتهم نذير، معناه نذير مباشر، وما ذكره المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ~~ونحوهم فإنما ذلك بالفرض لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى ~~عبادة الله، ثم سلى نبيه بما سلف من الأمم لأنبيائهم، و «البينات والزبر ~~والكتاب المنير» شيء واحد، لكنه أكد أوصافه بعضها ببعض وذكره بجهاته و ~~«الزبر» من زبرت الكتاب إذا كتبته، ثم توعد قريشا بذكره أخذ الأمم الكافرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 27 الى 28] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز ~~غفور (28) # الرؤية ms2930 في قوله ألم تر رؤية القلب، وكل توقيف في القرآن على رؤية فهي ~~رؤية القلب، لأن الحجة بها تقوم، لكن رؤية القلب لا تتركب البتة إلا على ~~حاسة، فأحيانا تكون الحاسة البصر وقد تكون غيره، وهذا يعرف بحسب الشيء ~~المتكلم فيه، وأن سادت مسد المفعولين الذين للرؤية، هذا مذهب سيبويه لأن أن ~~جملة مع ما دخلت عليه، ولا يلزم ذلك في قولك رأيت وظننت ذلك، لأن قولك ذلك PageV04P436 # ليس بجملة كما هي أن ومذهب الزجاج أن المفعول الثاني محذوف تقديره ألم تر ~~أن الله أنزل من السماء ماء حقا، ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم ~~بنون العظمة لأنها أهيب في العبارة، وقوله ألوانها يحتمل أن يريد الحمرة ~~والصفرة والبياض والسواد وغير ذلك، ويؤيد هذا اطراد ذكر هذه الألوان فيما ~~بعد، ويحتمل أن يريد بالألوان الأنواع، والمعتبر فيه على هذا التأويل أكثر ~~عددا، وجدد جمع جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة ~~المتصلة طولا، ومنه قول امرئ القيس: # [الطويل] # كأن سراته وحدة متنه ... كنائن يحوي فوقهن دليص # وحكى أبو عبيدة في بعض كتبه أنه يقال جدد في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى ~~الجديد في هذه الآية، وقرأ الزهري «جدد» بفتح الجيم، وقوله وغرابيب سود ~~لفظان لمعنى واحد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبغض الشيخ ~~الغربيب» ، يعني الذي يخضب بالسواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر ~~وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيرا على هذا النحو، ~~وقوله مختلف ألوانه قبله محذوف إليه يعود الضمير تقديره والأنعام خلق مختلف ~~ألوانه، والدواب يعم الناس والأنعام لكن ذكرا تنبيها منهما، وقوله كذلك ~~يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء الوقف عليه حسنا، وإلى هذا ذهب كثير ~~من المفسرين، ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب كأنه قال ~~كما جاءت القدرة في هذا كله، إنما يخشى الله من عباده العلماء أي المحصلون ~~لهذه العبرة الناظرون فيها. # قال القاضي أبو محمد: وقال بعض المفسرين الخشية ms2931 رأس العلم، وهذه عبارة ~~وعظية لا تثبت عند النقد، بل الصحيح المطرد أن يقال العلم رأس الخشية، ~~وسببها والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «خشية الله رأس كل ~~حكمة» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «رأس الحكمة مخافة الله» ، فهذا هو ~~الكلام المنير، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية كفى بالزهد علما، وقال ~~مسروق وكفى بالمرء علما أن يخشى الله، وقال تعالى: سيذكر من يخشى [الأعلى: ~~1] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلمكم بالله أشدكم له خشية» ، وقال ~~الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، ويقال إن فاتحة الزبور رأس ~~الحكمة خشية الله. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما وبالاغترار، به ~~جهلا، وقال مجاهد والشعبي: # إنما العالم من يخشى الله، وإنما في هذه الآية تخصيص العلماء لا للحصر، ~~وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضا دونه، وإنما يعلم ذلك بحسب المعنى الذي ~~جاءت فيه، فإذا قلت إنما الشجاع عنترة، وإذا قلت إنما الله إله واحد، بان ~~لك الفرق فتأمله، وهذه الآية بجملتها دليل على الوحدانية والقدرة والقصد ~~بها إقامة الحجة على كفار قريش. # قوله عز وجل: PageV04P437 ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 29 الى 31] # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور ~~شكور (30) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله ~~بعباده لخبير بصير (31) # قال مطرف بن عبد الله بن الشخير هذه آية القراء وهذا على أن يتلون بمعنى ~~يقرؤون وإن جعلناها بمعنى يتبعون صح معنى الآية، وكانت في القراء وغيرهم ~~ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامة الصلاة إقامتها بجميع ~~شروطها، والنفقة هي في الصدقات ووجوه البر، فالسر من ذلك هو التطوع ~~والعلانية هو المفروض، ويرجون جملة في موضع خبر إن، وتبور معناه تكسد ~~ويتعذر ربحها، ويقال تعوذوا بالله من بوار الأيم، واللام في قوله ليوفيهم ~~متعلقة بفعل مضمر يقتضيه لفظ الآية تقديره ms2932 وعدهم بأن لا تبور، أو فعلوا ذلك ~~كله، أو أطاعوه ونحو هذا من التقديرات، وقوله ويزيدهم من فضله قالت فرقة: ~~هو تضعيف الحسنات من العشر إلى السبعمائة، وتوفية الأجور على هذا هي ~~المجازاة مقابلة، وقالت فرقة: إن التضعيف داخل في توفية الأجور، وأما ~~الزيادة من فضله إما النظر إلى وجهه تعالى، وإما أن يجعلهم شافعين في ~~غيرهم، كما قال تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] وغفور معناه ~~متجاوز عن الذنوب ساتر لها، وشكور معناه مجاز عن اليسير من الطاعات مقرب ~~لعبده، ثم ثبت تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: والذي أوحينا إليك ~~من الكتاب الآية، ومصدقا حال مؤكدة، والذي بين يدي القرآن هو التوراة ~~والإنجيل، وقوله تعالى: إن الله بعباده لخبير بصير، وعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 32 الى 34] # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات عدن يدخلونها ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) وقالوا الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) # أورثنا معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرق، والميراث حقيقة أو مجازا إنما ~~يقال فيما صار لإنسان بعد موت آخر، والكتاب هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه ~~وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~القرآن وهو قد تضمن لمعاني الكتب المنزلة، قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب ~~الذي كان في الأمم قبلها، والذين اصطفينا يريد بهم أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم قاله ابن عباس وغيره، وكأن اللفظ يحتمل أن يريد به جميع المؤمنين من ~~كل أمة إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والأول لم يورثوه، واصطفينا معناه اخترنا وفضلنا، و «العباد» عام في ~~جميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، واختلف الناس في عود الضمير من قوله فمنهم ~~فقال PageV04P438 # ابن عباس وابن مسعود ما مقتضاه إن الضمير عائد على الذين والأصناف ms2933 ~~الثلاثة هي كلها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ف «الظالم لنفسه» العاصي ~~المسرف، و «المقتصد» متقي الكبائر والجمهور من الأمة، و «السابق» المتقي ~~على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة والأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد ~~الخدري، والضمير في يدخلونها عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة: دخلوا ~~الجنة كلهم، وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا ~~بأعمالهم، وفي رواية تحاكت مناكبهم، وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت ~~مذ ستين سنة فكلهم ناج، وقال عبد الله بن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة ~~أثلاث، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، ثم يدخلون ~~الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول الله ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول ~~الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول الله عز وجل: أدخلوهم في سعة ~~رحمتي، وقالت عائشة في كتاب الثعلبي: «السابق» من أسلم قبل الهجرة، و ~~«المقتصد» من أسلم بعدها، و «الظالم» نحن، وقال الحسن: «السابق» من رجحت ~~حسناته، و «المقتصد» من استوت سيئاته، و «الظالم» من خفت موازينه، وقال سهل ~~بن عبد الله: «السابق» العالم، و «المقتصد» ، المتعلم، و «الظالم» الجاهل، ~~وقال ذو النون المصري: «الظالم» الذاكر لله بلسانه فقط و «المقتصد» الذاكر ~~بقلبه و «السابق» الذي لا ينساه، وقال الأنطاكي: «الظالم» صاحب الأقوال، و ~~«المقتصد» صاحب الأفعال، و «السابق» صاحب الأحوال، وروى أسامة بن زيد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: كلهم في الجنة، وقرأ عمر بن ~~الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق ~~ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له» ، وقال صلى الله عليه وسلم: أنا سابق العرب ~~وسلمان سابق فارس وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة» . # قال القاضي أبو محمد: أراد صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء رؤوس السابقين، ~~وقال عثمان بن عفان: # سابقنا أهل جهادنا ومقتصدنا أهل حضرنا وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون ~~جماعة ولا جمعة، وقال عكرمة والحسن وقتادة ما مقتضاه أن الضمير في منهم ~~عائد ms2934 على العباد و «الظالم لنفسه» الكافر والمنافق و «المقتصد» المؤمن ~~العاصي و «السابق» التقي على الإطلاق، وقالوا وهذه الآية نظير قوله تعالى ~~في سورة الواقعة وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ~~وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في ~~جنات النعيم [الواقعة: 12] والضمير في قوله يدخلونها على هذا القول خاص على ~~الفريقين المقتصد والسابق والفرقة الظالمة في النار قالوا وبعيد أن يكون ~~ممن يصطفى ظالم كما يقتضي التأويل الأول، وروي هذا القول عن ابن عباس، وقال ~~بعض العلماء قدم الظالم لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله والمقتصد هو ~~المعتدل في أموره لا يسرف في جهة من الجهات بل يلزم الوسط، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «خير الأمور أوساطها» ، وقالت فرقة لا معنى لقولها إن قوله ~~تعالى: # الذين اصطفينا هم الأنبياء والظالم منهم لنفسه من وقع في صغيرة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود من غير ما وجه، وقرأ جمهور الناس ~~«سابق بالخيرات» ، وقرأ أبو عمرو الجوني «سباق بالخيرات» ، وبإذن الله ~~معناه بأمره ومشيئته فيمن أحب من عباده، وقوله تعالى: ذلك هو الفضل الكبير ~~إشارة إلى الاصطفاء وما يكون عنه من الرحمة، وقال الطبري: PageV04P439 # السبق بالخيرات هو الفضل الكبير، قال في كتاب الثعلبي جمعهم في دخول ~~الجنة لأنه ميراث، والبار والعاق سواء في الميراث مع صحة النسب، فكذلك ~~هؤلاء مع صحة الإيمان، وقرأ جمهور الناس «جنات» بالرفع على البدل من الفضل ~~وقرأ الجحدري «جنات» بالنصب بفعل مضمر يفسره يدخلونها وقرأ زر بن حبيش «جنة ~~عدن» على الإفراد، وقرأ أبو عمرو وحده «يدخلونها» بضم الياء وفتح الخاء، ~~ورويت عن ابن كثير، وقرأ الباقون «يدخلونها» بفتح الياء وضم الخاء، وأساور ~~جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ويقال سوار بضم السين، وفي حرف أبي أساوير، ~~وهو جمع أسوار وقد يقال ذلك في الحلي، ومشهور أسوار أنه الجيد الرمي من جند ~~الفرس، ويحلون معناه رجالا ونساء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع ~~«ولؤلؤا» بالنصب عطفا على أساور، وكان عاصم ms2935 في رواية أبي بكر يقرأ و ~~«لولؤا» بسكون الواو الأولى دون همز، وبهمز الثانية، وروي عنه ضد هذا همز ~~الأولى، ولا يهمز الثانية، وقرأ الباقون «لؤلؤ» بالهمز وبالخفض عطفا على ~~أساور، والحزن في هذه الآية عام في جميع أنواع الأحزان، وخصص المفسرون في ~~هذا الموضع فقال أبو الدرداء: حزن أهوال القيامة وما يصيب هناك من ظلم نفسه ~~من الغم والحزن، وقال ابن عباس: حزن جهنم، وقال عطية: حزن الموت، وقال شهر: ~~حزن معيشة الدنيا الخبز ونحوه، وقال قتادة: حزن الدنيا في الخوف أن تتقبل ~~أعمالهم، وقيل غير هذا مما هو جزء من الحزن. # قال القاضي أبو محمد: ولا معنى لتخصيص شيء من هذه الأحزان، لأن الحزن ~~أجمع قد ذهب عنهم، وقولهم لغفور شكور وصفوه تعالى بأنه يغفر الذنوب ويجازي ~~على القليل من الأعمال الصالحة بالكثير من الثواب، وهذا هو شكره لا رب ~~سواه. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 35 الى 37] # الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ~~(35) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير (37) # المقامة الإقامة، وهو من أقام، و «المقامة» بفتح الميم القيام وهو من ~~قام، ودار المقامة الجنة، و «النصب» تعب البدن، و «اللغوب» تعب النفس ~~اللازم عن تعب البدن، وقال قتادة «اللغوب» الوجع، وقرأ الجمهور «لغوب» بضم ~~اللام، وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي «لغوب» بفتح اللام أي شيء يعيينا، ~~ويحتمل أن يكون مصدرا كالولوع والوضوء، ثم أخبر عن حال الذين كفروا معادلا ~~بذلك الإخبار قبل عن الذين اصطفى، وهذا يؤيد تأويل من قال إن الأصناف ~~الثلاثة هي كلها في الجنة لأن ذكر الكافرين إنما جاء هاهنا، وقوله لا يقضى ~~معناه لا يجهز لأنهم لو ماتوا لبطلت حواسهم فاستراحوا، وقرأ الحسن البصري ms2936 ~~والثقفي «فيموتون» ووجهها العطف على يقضى وهي قراءة ضعيفة، وقوله لا يخفف PageV04P440 # عنهم من عذابها # لا يعارضه قوله كلما خبت زدناهم سعيرا [الإسراء: 97] لأن المعنى لا يخفف ~~عنهم نوع عذابهم والنوع في نفسه يدخله أن يخبو أو يسعر ونحو ذلك، وقرأ ~~جمهور القراء، «نجزي» بنصب «كل» وبالنون في «نجزي» ، وقرأ أبو عمرو ونافع ~~«يجزى» بضم الياء على بناء الفعل للمفعول «كل كفور» برفع «كل» ، ويصطرخون ~~يفتعلون من الصراخ أصله يصترخون فأبدلت التاء طاء لقرب مخرج الطاء من ~~الصاد، وفي الكلام محذوف تقديره يقولون ربنا وطلبوا الرجوع إلى الدنيا في ~~مقالتهم هذه فالتقدير فيقال لهم أولم نعمركم على جهة التوقيف والتوبيخ، وما ~~في قوله ما يتذكر ظرفية، واختلف الناس في المدة التي هي حد للتذكير، فقال ~~الحسن بن أبي الحسن: البلوغ، يريد أنه أول حال التذكر، وقال قتادة: ثمان ~~عشرة سنة، وقالت فرقة: عشرون سنة، وحكى الزجاج: سبع عشرة سنة، وقال ابن ~~عباس: أربعون سنة، وهذا قول حسن، ورويت فيه آثار، وروي أن العبد إذا بلغ ~~أربعين سنة ولم يتب مسح الشيطان على وجهه وقال بابي وجه لا يفلح، وقال ~~مسروق بن الأجدع: من بلغ أربعين سنة فليأخذ حذره من الله ومنه قول الشاعر: ~~[الطويل] # إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر # فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... وإن جر أسباب الحياة له العمر # وقد قال قوم: الحد خمسون سنة وقد قال الشاعر: [الوافر] # أخو الخمسين مجتمع أشدي ... ونجدني مداومة الشؤون # وقال الآخر: [الطويل] # وإن أمرأ قد سار خمسين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب # وقال ابن عباس أيضا وغيره: الحد في ذلك ستون وهي من الأعذار، وهذا أيضا ~~قول حسن متجه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة ~~نودي أين أبناء الستين» وهو العمر الذي قال الله فيه ما يتذكر فيه من تذكر، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: «عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» ، ~~وقرأ جمهور ms2937 الناس «ما يتذكر فيه من تذكر» ، وقرأ الأعمش «ما يذكر فيه من ~~أذكر» ، والنذير في قول الجمهور الأنبياء وكل نبي نذير أمته ومعاصره، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم نذير العالم في غابر الزمان، وقال الطبري وقيل النذير ~~الشيب وهذا قول حسن، إلا أن الحجة إنما تقوم بالنذارة الشرعية وباقي الآية ~~بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 38 الى 41] # إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي ~~جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم ~~إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم ~~آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ~~(40) إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد ~~من بعده إنه كان حليما غفورا (41) PageV04P441 # هذا ابتداء تذكير بالله تعالى ودلالة على وحدانيته وصفاته التي لا تنبغي ~~الألوهية إلا معها، و «الغيب» ، ما غاب عن البشر و «ذات الصدور» ما فيها من ~~المعتقدات والمعاني ومنه قول أبي بكر: ذو بطن بنت خارجة، ومنه قول العرب: ~~الذيب مغبوط بذي بطنه، أي بالنفخ الذي فيه فمن يراه يظنه شابعا قريب عهد ~~بأكل، وخلائف جمع خليفة كسفينة وسفائن ومدينة ومدائن، وقوله فعليه كفره فيه ~~حذف مضاف تقديره «فعليه وبال كفره وضرر كفره» ، و «المقت» احتقارك الإنسان ~~من أجل معصيته أو ذنبه الذي يأتيه فإذا احتقرت تعسفا منك فلا يسمى ذلك ~~مقتا، و «الخسار» مصدر من خسر يخسر أي خسروا آخرتهم ومعادهم بأن صاروا إلى ~~النار والعذاب، وقوله تعالى: قل أرأيتم شركاءكم الآية احتجاج على الكفار في ~~بطلان أمر أصنامهم، وقفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه على أصنامهم ~~وطلب منهم أن يعرضوا عليه الشيء الذي خلقته آلهتهم لتقوم حجتهم التي ~~يزعمونها، ثم وقفهم مع اتضاح عجزهم عن خلق شيء على السماوات ms2938 هل لهم فيها ~~شرك وظاهر أيضا، بعد هذا ثم وقفهم هل عندهم كتاب من الله تعالى ليبين لهم ~~فيه ما قالوه، أي ليس ذلك كله عندهم، ثم أضرب بعد هذا الجحد المقدر فقال: ~~بل إنما يعدون أنفسهم غرورا، وأ رأيتم يتنزل عند سيبويه منزلة أخبروني، ~~ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين، وأضاف الشركاء إليهم من حيث جعلوهم شركاء ~~الله، أي ليس للأصنام شركة بوجه إلا بقولكم فالواجب إضافتها إليكم، وتدعون ~~معناه تعبدون، والرؤية في قوله أروني رؤية بصر، و «الشرك» الشركة مصدر ~~أيضا، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم «بينات» بالجمع، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والأعمش وابن وثاب ونافع بخلاف عنه «بينة» ~~بالإفراد والمراد به الجمع، ويحتمل أن يراد به الإفراد كما تقول: أنا من ~~هذا الأمر على واضحة أو على جلية، و «الغرور» الذي كانوا يتعاطونه قولهم إن ~~الأصنام تقرب من الله زلفى ونحوه مما يغبطهم، ولما ذكر تعالى ما يبين فساد ~~أمر الأصنام وقف على الحجة على بطلانها عقب ذلك بذكر عظمته وقدرته ليبين ~~الشيء بضده، وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله تعالى، فأخبر عن إمساكه ~~السماوات والأرض بالقدرة، وقوله أن تزولا معناه كراهة أن تزولا، ومعنى ~~الزوال هنا التنقل من مكانها والسقوط من علوها، وقال بعض المفسرين معناه أن ~~تزولا عن الدوران، ويظهر من قول عبد الله بن مسعود أن السماء لا تدور وإنما ~~تجري فيها الكواكب وذلك أن الطبري أسند أن جندبا الجبلي رحل إلى كعب ~~الأحباري ثم رجع فقال له عبد الله بن مسعود: حدثنا ما حدثك، فقال: حدثني أن ~~السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك، فقال له عبد الله بن ~~مسعود: لوددت أنك افتديت رحلته بمثل راحلتك ورحلك، ثم قال: ما تمكنت ~~اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: إن الله يمسك السماوات ~~والأرض أن تزولا وكفى بها زوالا أن تدور، ولو دارت لكانت قد زالت، وقوله PageV04P442 # ولئن زالتا قيل أراد يوم القيامة عند ms2939 طي السماء ونسف الجبال، فكأنه قال ~~ولئن جاء وقت زوالهما، وقيل بل ذلك على جهة التوهم والفرض، ولئن فرضنا ~~زوالهما فكأنه قال ولو زالتا، وقال بعضهم لئن في هذا الموضع بمعنى لو. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ ابن أبي عبلة «ولو ~~زالتا» وقوله من بعده فيه حذف مضاف تقديره من بعد تركه الإمساك، وقالت ~~فرقة: اتصافه بالحلم والغفران في هذه الآية إنما هو إشارة إلى أن السماء ~~كادت تزول والأرض كذلك لإشراك الكفرة فيمسكهما الله حلما منه عن المشركين ~~وتربصا ليغفر لمن آمن منهم، كما قال في آية أخرى تكاد السماوات يتفطرن ~~[مريم: 90] [الشورى: 5] . # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 42 الى 43] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # الضمير في قوله أقسموا لكفار قريش، وذلك أنه روي أن كفار قريش كانت قبل ~~الإسلام تأخذ على اليهود والنصارى في تكذيب بعضهم بعضا وتقول لو جاءنا نحن ~~رسول لكنا أهدى من هؤلاء وهؤلاء، وجهد أيمانهم منصوب على المصدر، أي بغاية ~~اجتهادهم، وإحدى الأمم يريد اليهود والنصارى، و «النفور» البعد عن الشيء ~~والفزع منه والاستبشاع له، واستكبارا قيل فيه بدل من النفور، وقيل مفعول من ~~أجله، أي نفروا من أجل الاستكبار، وأضاف «المكر» إلى السيئ وهو صفة كما قيل ~~دار الآخرة، ومسجد الجامع، وجانب الغربي، وقرأ الجمهور بكسر الهمزة من ~~«السيئ» وقرأ حمزة وحده «السيئ» بسكون الهمزة وهو في الثانية برفع الهمزة ~~كالجماعة، ولحن هذه القراءة الزجاج ووجهها أبو علي الفارسي بوجوه منها أن ~~يكون أسكن لتوالي الحركات كما قال: «قلت صاحب قوم» على أن المبرد روى هذا ~~قلت صاح، وكما امرؤ القيس: [السريع] # اليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل # على أن المبرد قد رواه ms2940 فاشرب وكما قال جرير: [البسيط] # سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى ولن تعرفكم العرب # وقرأ ابن مسعود «ومكرا سيئا» ، قال أبو الفتح: يعضده تنكير ما قبله من ~~قوله استكبارا، ويحيق معناه يحيط ويحل وينزل ولا يستعمل إلا في المكروه، ~~وقوله إلا بأهله، أي أنه لا بد أن يحيق بهم إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة ~~فعاقبته الفاسدة لهم، وإن حاق في الدنيا بغيرهم أحيانا فعاقبة ذلك على ~~أهله، وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها» ، ~~فقال ابن عباس: أنا أوجدك هذا في PageV04P443 # كتاب الله تعالى: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وينظرون معناه ~~ينتظرون، و «السنة» الطريقة والعادة، وقوله فلن تجد لسنت الله تبديلا أي ~~لتعذيبه الكفرة المكذبين، وفي هذا توعد بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة فاطر (35) : الآيات 44 الى 45] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # لما توعدهم تعالى في الآية قبلها بسنة الأولين وأن الله تعالى لا يبدلها ~~في الكفرة، وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام ~~وغيره كديار ثمود ونحوها، و «يعجزه» معناه يفوته ويفلته، ومن في قوله ~~تعالى: من شيء زائدة مؤكدة، و «عليم قدير» صفتان لائقتان بهذا الموضع، لأن ~~مع العلم والقدرة لا يتعذر شيء، ثم بين تعالى الوجه في إمهاله من أمهل من ~~عباده أن ذلك إنما هو لأن الآخرة من وراء الجميع وفيها يستوفى جزاء كل أحد، ~~ولو جازى عز وجل في الدنيا على الذنوب لأهلك الجميع، وقوله تعالى: من دابة ~~مبالغة، والمراد بنو آدم لأنهم المجازون، وقيل المراد الجن والإنس، وقيل كل ~~ما دب على الأرض من الحيوان وأكثره إنما هو ms2941 لمنفعة ابن آدم وبسببه، والضمير ~~في ظهرها عائد على الأرض المتقدم ذكرها، ولو لم يتقدم لها ذكر لأمكن في هذا ~~الموضع لبيان الأمر ولكانت ك توارت بالحجاب [ص: 32] ونحوها، و «الأجل ~~المسمى» القيامة، وقوله فإن الله كان بعباده بصيرا توعد وفيه للمتقين وعد. PageV04P444 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يس # هذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت إن قوله، ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم [يس: 12] نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم ~~وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «دياركم ~~تكتب آثاركم» ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعروا المدينة، وعلى ~~هذا فالآية مدنية وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية بمكة ولكنه احتج بها ~~عليهم في المدينة ووافقها قول النبي صلى الله عليه وسلم في المعنى، فمن هنا ~~قال من قال إنها نزلت في بني سلمة، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس» ، وروت عائشة رضي الله ~~عنها أنه عليه السلام قال: «إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها ~~وهي يس» ، وقال يحيى بن أبي كثير: من قرأ سورة يس ليلا لم يزل في فرح حتى ~~يصبح ويصدق ذلك التجربة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) # تنزيل العزيز الرحيم (5) # أمال حمزة والكسائي الياء في يس غير مفرطين والجمهور يفتحونها ونافع وسط ~~في ذلك، وقوله تعالى: يس يدخل فيه من الأقوال ما تقدم في الحروف المقطعة في ~~أوائل السور، ويختص هذا بأقوال، منها أن سعيد بن جبير قال: إنه اسم من ~~أسماء محمد صلى الله عليه وسلم دليله إنك لمن المرسلين وقال السيد الحميري: # يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة ... على المودة إلا آل ياسينا # وقال ابن عباس: معناه يا إنسان بلسان الحبشة، وقال أيضا ابن عباس في كتاب ~~الثعلبي: هو ms2942 بلغة طيىء وذلك أنهم يقولون يا إيسان بمعنى إنسان ويجمعونه على ~~أياسين فهذا منه، وقالت فرقة: «يا» حرف نداء، والسين مقامة مقام الإنسان ~~انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ومن قال إنه اسم من أسماء السورة أو من أسماء ~~القرآن فذلك من الأقوال المشتركة في أوائل جميع السور، وقرأ جمهور القراء ~~يس و «نون» [القلم: 1] بسكون النون وإظهارها وإن كانت النون ساكنة تخفى مع ~~الحروف فإنما هذا مع الانفصال، وإن حق هذه الحروف المقطعة في الأوائل أن ~~تظهر، وقرأ عاصم وابن عامر بخلاف عنهما يس والقرآن PageV04P445 # بإدغام النون في الواو على عرف الاتصال، وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف بنصب ~~النون، وهي قراءة عيسى بن عمرو رواها عن الغنوي، وقال قتادة: يس قسم، قال ~~أبو حاتم: قياس هذا القول نصب النون كما تقول الله لأفعلن كذا، وقرأ الكلبي ~~بضمها وقال هي بلغة طيىء «يا إنسان» ، وقرأ أبو السمال وابن أبي إسحاق ~~بخلاف بكسرها وهذه الوجوه الثلاثة هي للالتقاء، وقال أبو الفتح ويحتمل ~~الرفع أن يكون اجتزاء بالسين من «يا إنسان» ، وقال الزجاج النصب كأنه قال ~~اتل يس وهو مذهب سيبويه على أنه اسم للسورة، ويس مشبهة الجملة من الكلام ~~فلذلك عدت آية بخلاف طس [النحل: 14] ولم ينصرف يس للعجمة والتعريف، والحكيم ~~المحكم، فيكون فعيل بمعنى مفعل أي أحكم في مواعظه وأوامره ونواهيه، ويحتمل ~~أن يكون الحكيم بناء فاعل أي ذو الحكمة، وقوله على صراط مستقيم يجوز أن ~~تكون جملة في موضع رفع على أنها خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب ~~على أنها في موضع حال من المرسلين، و «الصراط» الطريق، والمعنى على طريق ~~وهدى ومهيع رشاد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «تنزيل» بالرفع على خبر ~~الابتداء وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والحسن والأعرج والأعمش، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي «تنزيل» بالنصب على المصدر، واختلف عن عاصم، وهي قراءة طلحة ~~والأشهب وعيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنهما. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 6 الى 9] # لتنذر قوما ما ms2943 أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) لقد حق القول على أكثرهم فهم ~~لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) # اختلف المفسرون في قوله ما أنذر، فقال عكرمة ما بمعنى الذي، والتقدير ~~الشيء الذي أنذره الآباء من النار والعذاب، ويحتمل أن تكون ما مصدرية على ~~هذا القول من أن الآباء أنذروا. # قال القاضي أبو محمد: ف «الآباء» على هذا كله هم الأقدمون على مر الدهور، ~~وقوله تعالى: # فهم، مع هذا التأويل بمعنى فإنهم دخلت الفاء لقطع الجملة من الجملة، وقال ~~قتادة ما نافية أي أن آباءهم لم ينذروا، فالآباء على هذا هم القريبون منهم، ~~وهذه الآية كقوله تعالى: وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير [سبأ: 44] ، وهذه ~~النذارة المنفية هي نذارة المباشرة والأمر والنهي، وإلا فدعوة الله تعالى ~~من الأرض لم تنقطع قط، وقوله فهم على هذا، الفاء منه واصلة بين الجملتين ~~ورابطة للثانية بالأولى، وحق القول معناه وجب العذاب وسبق القضاء به هذا ~~فيمن لم يؤمن من قريش كمن قتل ببدر وغيرهم، وقوله تعالى: إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا الآية قال مكي: قيل هي حقيقة في أحوال الآخرة وإذا دخلوا ~~النار. # قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: فأغشيناهم فهم لا يبصرون يضعف هذا ~~القول لأن بصر الكافر يوم القيامة إنما هو حديد يرى قبح حاله، وقال الضحاك: ~~معناه متعناهم من النفقة في سبيل الله، كما PageV04P446 # قال تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك [الإسراء: 23] ، وقال ابن عباس ~~وابن إسحاق: الآية استعارة لحال الكفرة الذين أرادوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بسوء، فجعل الله تعالى هذا مثالا لهم في كفه إياهم عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم ومنعهم من إذايته حين بيتوه، قال عكرمة: نزلت هذه الآية حين أراد ~~أبو جهل ضربه بالحجر العظيم فمنعه الله تعالى منه، الحديث، وفي غير ذلك من ~~المواطن وقالت فرقة: # الآية مستعارة المعاني من منع الله تعالى آباءهم من الإيمان وحوله ms2944 بينهم ~~وبينه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا ~~يؤمنون بما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ~~ما حالهم معه حال المغللين، والغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف ~~والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة هذا معنى ~~التغليل، وقوله تعالى: فهي يحتمل أن يعود على «الأغلال» أي هي عريضة تبلغ ~~بحرفها الأذقان، والذقن مجتمع اللحيين فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو ~~السماء وذلك هو «الإقماح» وهو نحو الإقناع في الهيئة ونحوه ما يفعله ~~الإنسان والحيوان عند شرب الماء البارد وعند الملوحات والحموضة القوية ~~ونحوه، ويحتمل وهو قول الطبري أن تعود «هي» على الأيدي وإن لم يتقدم لها ~~ذكر لوضوح مكانها من المعنى، وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين، ~~وروي أن في مصحف ابن مسعود وأبي «إنا جعلنا في أيمانهم» ، وفي بعضها «في ~~أيديهم» ، وقد ذكرنا معنى «الإقماح» ، وقال قتادة: المقمح الرافع رأسه، ~~وقال قتادة: مقمحون مضللون عن كل خير، وأرى الناس علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقها ورفع رأسه، وقرأ الجمهور «سدا» ~~بضم السين في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وطلحة ~~وابن وثاب وعكرمة والنخعي وابن كثير «سدا» بفتح السين، وقال أبو علي: قال ~~قوم هما بمعنى واحد أي حائلا يسد طريقهم، وقال عكرمة: ما كان مما يفعله ~~البشر فهو بالضم وما كان خلقة فهو بالفتح. # قال القاضي أبو محمد: والسد ما سد وحال، ومنه قول الأعرابي في صفة سحاب: ~~طلع سد مع انتشار الطفل، أي سحاب سد الأفق، ومنه قولهم: جراد سد، ومعنى ~~الآية أن طريق الهدى سد دونهم، وقرأ جمهور الناس «فأغشيناهم» بالغين منقوطة ~~أي جعلنا على أعينهم غشاوة، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر وعمر بن عبد ~~العزيز والنخعي وابن سيرين «فأغشيناهم» بالعين غير منقوطة، ورويت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهي من العشى أي أضعفنا ms2945 أبصارهم والمعنى فهم لا يبصرون ~~رشدا ولا هدى، وقرأ يزيد البربري «فأغشيتهم» بتاء دون ألف وبالغين منقوطة. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 10 الى 12] # وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) إنما تنذر من اتبع ~~الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن نحي الموتى ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) # هذه مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم مضمنها تسلية عنهم أي أنهم قد حتم ~~عليهم بالكفر فسواء PageV04P447 # إنذارك وتركه، والألف في قوله في أأنذرتهم ألف التسوية لأنها ليست ~~باستفهام بل المستفهم والمستفهم مستويان في علم ذلك، وقرأ الجمهور ~~«آنذرتهم» بالمد، وقرأ ابن محيصن والزهري «أنذرتهم» بهمزة واحدة على الخبر، ~~وسواء رفع بالابتداء، وقوله أأنذرتهم أم لم تنذرهم جملة من فعلين متعادلين ~~تقدر تقدير فعل واحد هو خبر الابتداء، كأنه قال وسواء عليهم جميع فعلك ففسر ~~هذا الجميع ب أنذرتهم أم لم تنذرهم، ومثله قولهم: سواء عندي أقمت أم قعدت، ~~هكذا ذكر أبو علي في تحقيق الخبر في مثل هذا إذ من الأصول أن الابتداء هو ~~الخبر والخبر هو الابتداء، وقوله إنما تنذر ليس على جهة الحصر ب إنما بل ~~على تجهة تخصيص من ينفعه الإنذار، و «اتباع الذكر» هو العمل بما في كتاب ~~الله تعالى والاقتداء به، قال قتادة: الذكر القرآن وقوله تعالى: بالغيب أي ~~بالخلوات عند مغيب الإنسان عن عيون البشر، ثم قال تعالى فبشره فوحد الضمير ~~مراعاة للفظ من، و «الأجر الكريم» هو كل ما يأخذه الأجير مقترنا بحمد على ~~الأحسن وتكرمة، وكذلك هي للمؤمنين الجنة، ثم أخبر تعالى بإحيائه الموتى ردا ~~على الكفرة، ثم توعدهم بذكره كتب الآثار، وإحصاء كل شيء وكل ما يصنعه ~~الإنسان، فيدخل فيما قدم ويدخل في آثاره لكنه تعالى ذكر الأمر من الجهتين ~~ولينبه على الآثار التي تبقى ويذكر ما قدم الإنسان من خير أو شر، وإلا فذلك ~~كله داخل فيما قدم ابن آدم، وقال قتادة ما قدموا معناه من عمل، وقاله ابن ms2946 ~~زيد ومجاهد وقد يبقى للمرء ما يستن به بعده فيؤجر به أو يأثم، ونظير هذه ~~الآية علمت نفس ما قدمت وأخرت [الانفطار: 5] ، وقوله ينبؤا الإنسان يومئذ ~~بما قدم وأخر # [القيامة: 13] ، وقرأت فرقة «وآثارهم» بالنصب، وقرأ مسروق «وآثارهم» ~~بالرفع، وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري إن هذه الآية ~~نزلت في بني سلمة حين أرادوا النقلة إلى جانب المسجد، وقد بينا ذلك في أول ~~السورة، وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت فحبسني ~~فلما انقضت الصلاة قال لي: مشيت مع زيد بن ثابت إلى الصلاة، فأسرعت في مشيي ~~فحبسني فلما انقضت الصلاة قال: مشيت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الصلاة فأسرعت في مشيي فحبسني، فلما انقضت الصلاة قال لي: يا زيد أما علمت ~~أن الآثار تكتب. # قال القاضي أبو محمد: فهذا احتجاج بالآية، وقال مجاهد وقتادة والحسن: ~~والآثار في هذه الآية الخطا، وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: الآثار هي الخطا ~~إلى الجمعة، وقيل الآثار ما يبقى من ذكر العمل فيقتدى به فيكون للعامل أجر ~~من عمل بسنته من بعده، وكذلك الوزر في سنن الشر، وقوله تعالى: وكل شيء نصب ~~بفعل مضمر يدل عليه أحصيناه كأنه قال وأحصينا كل شيء أحصيناه، و «الإمام» ~~الكتاب المقتدى به الذي هو حجة، قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح ~~المحفوظ، وقالت فرقة: أراد صحف الأعمال. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 13 الى 17] # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا ~~يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) PageV04P448 # الضرب للمثل مأخوذ من الضريب الذي هو الشبه في النوع، كما تقول هذا ضرب ~~هذا، واختلف هل يتعدى فعل ضرب المثل إلى مفعولين أو إلى واحد، فمن قال إنه ~~يتعدى إلى مفعولين جعل هذه الآية مثلا ms2947 وأصحاب مفعولين لقوله اضرب، ومن قال ~~إنه يتعدى إلى مفعول واحد جعله مثلا وجعل أصحاب بدلا منه، ويجوز أن يكون ~~المفعول أصحاب ويكون قوله مثلا نصب على الحال، أي في حال تمثيل منك، ~~والقرية على ما روي عن ابن عباس والزهري وعكرمة أنطاكية، واختلف المفسرون ~~في «المرسلين» فقال قتادة وغيره: كانوا من الحواريين الذين بعثهم عيسى عليه ~~السلام حين رفع وصلب الذي ألقي عليه شبهه، فافترق الحواريون في الآفاق فقص ~~الله تعالى هنا قصة الذين نهضوا إلى انطاكية، وقالت فرقة: هؤلاء أنبياء من ~~قبل الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه قول الكفرة ما أنتم إلا بشر مثلنا فإنها ~~محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة عن الله تعالى والآخر محتمل، وذكر ~~النقاش في قصص هذه الآية شيئا يطول والصحة فيه غير متيقنة فاختصرته، ~~واللازم من الآية أن الله تعالى بعث إليها رسولين فدعيا أهل القرية إلى ~~عبادة الله تعالى وحده، وإلى الهدى والإيمان فكذبوهما فشدد الله تعالى ~~أمرهما بثالث وقامت الحجة على أهل القرية، وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى، ~~وقتلوه في آخر أمره، وكفروا فأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا، وقرأ جمهور ~~القراء «فعززنا» بشد الزاي الأولى على معنى قوينا وشددنا، وبهذا فسر مجاهد ~~وغيره، وقرأ عاصم في رواية المفضل عن أبي بكر «فعززنا» بالتخفيف في الزاي ~~على معنى غلبناهم أمرهم، وفي حرف ابن مسعود «فعززنا بالثالث» بألف ولام، ~~وهذه الأمة أنكرت النبوءة بقولها: وما أنزل الرحمن من شيء، وراجعتهم الرسل ~~بأن يردوا العلم إلى الله تعالى وقنعوا بعلمه وأعلموهم أنهم إنما عليهم ~~البلاغ فقط وما عليهم من هداهم وضلالهم، وفي هذا وعيد لهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 18 الى 21] # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء من أقصا ~~المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسئلكم ~~أجرا وهم مهتدون (21) # قال بعض المتأولين: إن أهل هذه القرية ms2948 أسرع فيهم الجذام عند تكذيبهم ~~المرسلين فلذلك قالوا إنا تطيرنا بكم، وقال مقاتل: احتبس عنهم المطر فلذلك ~~قالوه، ومعناه تشاءمنا بكم، مأخوذ من الحكم بالطير، وهو معنى متداول في ~~الأمم وقلما يستعمل تطيرت إلا في الشؤم، وأما حكم الطير عند مستعمليه ففي ~~التيمن وفي الشؤم، والأظهر أن تطير هؤلاء إنما كان بسبب ما دخل قريتهم من ~~اختلاف الكلمة وافتتان الناس، وهذا على نحو تطير قريش بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وعلى نحو ما خوطب به موسى، وقال PageV04P449 # قتادة: قالوا إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، ولنرجمنكم معناه بالحجارة، ~~قاله قتادة، وقولهم عليهم السلام، طائركم معكم، معناه حظكم وما صار إليه من ~~خير وشر معكم، أي من أفعالكم ومن تكسباتكم ليس هو من أجلنا ولا بسببنا بل ~~ببغيكم وكفركم، وبهذا فسر الناس، وسمي الحظ والنصيب طائرا استعارة أي هو ~~مما تحصل عن النظر في الطائر، وكثر استعمال هذا المعنى حتى قالت المرأة ~~الأنصارية: فطار لنا، حين اقتسم المهاجرون، عثمان بن مظعون، ويقول الفقهاء: ~~طار لفلان في المحاصة كذا وكذا، وقرأ ابن هرمز والحسن وعمرو بن عبيد «طيركم ~~معكم» ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر «أإن ذكرتم» بهمزتين الثانية ~~مكسورة على معنى أإن ذكرتم تتطيرون، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتسهيل ~~هذه الهمزة الثانية وردها ياء «أين ذكرتم» ، وقرأ الماجشون «أن ذكرتم» بفتح ~~الألف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «إن ذكرتم» بكسر الألف، وقرأ أبو عمرو في ~~بعض ما روي عنه وزر بن حبيش «أأن ذكرتم» بهمزتين مفتوحتين وشاهده قول ~~الشاعر: [الطويل] # أأن كنت داود بن أحوى مرجلا ... فلست براع لابن عمك محرما # وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعمش «أين ذكرتم» بسكون الياء وتخفيف الكاف. # قال القاضي أبو محمد: فهي «أين» المقولة في الظرف، وهذه قراءة أبي جعفر ~~وخالد وطلحة وقتادة والحسن في تخفيف الكاف فقط، ثم وصفهم بالإسراف والتعدي، ~~وأخبر تعالى ذكره عن حال رجل جاء من أقصا المدينة سمع من المرسلين وفهم عن ~~الله تعالى فجاء يسعى على ms2949 قدميه وسمع قولهم فلما فهمه روي أنه تعقب أمرهم ~~وسبرهم بأن قال لهم: أتطلبون على دعوتكم هذه أجرا؟ قالوا: لا، فدعا عند ذلك ~~قومه إلى اتباعهم و «الإيمان بهم» إذ هو الحق ثم احتج عليهم بقوله اتبعوا ~~من لا يسئلكم أجرا وهم على هدى من الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية حاكمة بنقص من يأخذ على شيء من أفعال ~~الشرع التي هي لازمة كالصلاة ونحوها، فإنها كالتبليغ لمن بعث بخلاف ما لا ~~يلزمه كالإمارة والقضاء، وقد ارتزق أبو بكر الصديق رضي الله عنه وروي عن ~~أبي مجلز وكعب الأحبار وابن عباس أن اسم هذا الرجل حبيب وكان نجارا وكان ~~فيما قال وهب بن منبه قد تجذم، فقيل: كان في غار يعبد ربه، وقال ابن أبي ~~ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ~~ومؤمن آل فرعون، وذكر الناس من أسماء الرسل صادق وصدوق وشلوم وغير هذا ~~والصحة معدومة فاختصرته. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 22 الى 27] # وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين ~~(24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون ~~(26) # بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) PageV04P450 # قرأ الجمهور «ومالي» بفتح الياء، وقرأ الأعمش وحمزة بسكون الياء، وقد ~~تقدم مثل هذا، وقوله تعالى: وما لي تقرير لهم على جهة التوبيخ في هذا الأمر ~~الذي يشهد العقل بصحته أن من فطر واخترع وأخرج من العدم إلى الوجود فهو ~~الذي يستحق أن يعبد، ثم أخبرهم بأنهم يحشرون إليه يوم القيامة، ثم وقفهم ~~أيضا على جهة التوبيخ على اتخاذ الآلهة من دون الله تعالى، وهي لا ترد عن ~~الإنسان المقادير التي يريدها الله تعالى به لا بقوة منها ولا بشفاعة، وقرأ ~~طلحة السمان وعيسى الهمداني «أن يردني» بياء مفتوحة، ورويت عن نافع وعاصم ~~وأبي عمرو، ثم صدع رضي ms2950 الله تعالى عنه بإيمانه وأعلن فقال إني آمنت بربكم ~~فاسمعون واختلف المفسرون في قوله فاسمعون فقال ابن عباس وكعب ووهب: خاطب ~~بها قومه. # قال القاضي أبو محمد: على جهة المبالغة والتنبيه، وقيل خاطب بها الرسل ~~على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ عندهم، وقرأ الجمهور «فاسمعون» بكسر ~~النون على نية الياء بعد ها وروى أبو بكر عن عاصم «فاسمعون» بفتح النون قال ~~أبو حاتم: هذا خطأ لأنه أمر، فإما حذف النون وإما كسرها على نية الياء. # قال القاضي أبو محمد: وهنا محذوف تواترت به الأحاديث والروايات، وهو أنهم ~~قتلوه،. واختلف كيف، فقال قتادة وغيره: رجموه بالحجارة، وقال عبد الله بن ~~مسعود: مشوا عليه بأقدامهم حتى خرج قصبه من دبره، فقيل له عند موته ادخل ~~الجنة وذلك والله أعلم بأن عرض عليه مقعده منها، وتحقق أنه من ساكنيها ~~برؤيته ما أقر عينه، فلما تحصل له ذلك تمنى أن يعلم قومه بذلك، وقيل أراد ~~بذلك الإشفاق والتنصح لهم، أي لو علموا بذلك لآمنوا بالله تعالى، وقيل أراد ~~أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم به ويحزنهم ذلك، وهذا موجود في جبلة البشر ~~إذا نال خيرا في بلد غربة ود أن يعلم ذلك جيرانه وأترابه الذين نشأ فيهم ~~ولا سيما في الكرامات، ونحو من ذلك قول الشاعر: # والعز مطلوب وملتمس ... وأحبه ما نيل في الوطن # قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أشبه بهذا العبد الصالح، وفي ذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم «نصح قومه حيا وميتا» ، وقال قتادة بن دعامة: ~~نصحهم على حالة الغضب والرضى، وكذلك لا تجد المؤمن إلا ناصحا للناس، و «ما» ~~في قوله تعالى: بما يجوز أن تكون مصدرية أي بغفران ربي لي، ويجوز أن تكون ~~بمعنى الذي، وفي غفر ضمير عائد محذوف قال الزهراوي: ويجوز أن يكون ~~استفهاما، ثم ضعفه. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 28 الى 32] # وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) يا ms2951 حسرة على العباد ما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم ~~إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) PageV04P451 # هذه مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها توعد لقريش إذ هذا هو المروع ~~لهم من المثال، أي ينزل بهم من عذاب الله ما نزل بقوم حبيب النجار، فنفى عز ~~وجل، أي أنه ما أنزل على قوم هذا الرجل من جند من السماء، فقال مجاهد: أراد ~~أنه لم يرسل رسولا ولا استعتبهم، قال ابن مسعود: أراد لم يحتج في تعذيبهم ~~إلى جند من جنود الله تعالى كالحجارة والغرق والريح وغير ذلك بل كانت صيحة ~~واحدة لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك، قال قتادة: والله ما عاتب الله تعالى ~~قومه بعد قتله حتى أهلكهم، واختلف المتأولون في قوله وما كنا منزلين، فقالت ~~فرقة ما كنا منزلين، ما نافية وهذا يجري مع التأويل الثاني في قوله، ما ~~أنزلنا من جند، وقالت فرقة وما عطف على جند أي من جند ومن الذي كنا منزلين ~~على الأمم مثلهم قبل ذلك، وقرأ الجمهور «إلا صيحة» بالنصب على خبر «كان» ، ~~أي ما كان عذابهم إلا صيحة واحدة، وقرأ أبو جعفر ومعاذ بن الحارث «إلا ~~صيحة» بالرفع، وضعفها أبو حاتم، والوجه فيها أنها ليست «كان» التي تطلب ~~الاسم والخبر، وإنما التقدير ما وقعت أو حدثت إلا صيحة واحدة، وقرأ ابن ~~مسعود وعبد الرحمن بن الأسود إلا زقية «وهي الصيحة» من الديك ونحوه من ~~الطير، وخامدون ساكنون موتى لاطئون بالأرض شبهوا بالرماد الذي خمدت ناره ~~وطفئت، وقوله يا حسرة نداء لها على معنى هذا وقت حضورك وظهورك هذا تقدير ~~نداء مثل هذا عند سيبويه، وهو معنى قويم في نفسه، وهو نداء منكور على هذا ~~القراءة، قال الطبري: المعنى «يا حسرة العباد على أنفسهم» ، وذكر أنها في ~~بعض القراءات كذلك، وقال ابن عباس: «يا ويلا العباد» ، وقرأ ابن عباس ~~والضحاك وعلي بن الحسين ومجاهد وأبي بن كعب «يا حسرة العباد» ، بإضافتها، ms2952 ~~وقول ابن عباس حسن مع قراءته، وتأويل الطبري في ذلك القراءة الأولى ليس ~~بالبين وإنما يتجه أن يكون المعنى تلهفا على العباد، كأن الحال يقتضيه ~~وطباع كل بشر توجب عند سماعه حالهم وعذابهم على الكفر وتضييعهم أمر الله ~~تعالى أن يشفق ويتحسر على العباد، وقال أبو العالية: المراد ب العباد الرسل ~~الثلاثة، فكأن هذا التحسر هو من الكفار حين رأوا عذاب الله تلهفوا على ما ~~فاتهم، وقوله تعالى: ما يأتيهم الآية، يدافع هذا التأويل، والحسرة التلهفات ~~التي تترك صاحبها حسيرا، وقرأ الأعرج بن جندب وأبو الزناد «يا حسرة» بالوقف ~~على الهاء وذلك للحرص على بيان معنى التحسر وتقريره للنفس، والنطق بالهاء ~~في مثل هذا أبلغ في التشفيق وهز النفس كقولهم: أوه ونحوه، وقوله ما يأتيهم ~~من رسول الآية، تمثيل لفعل قريش ثم عناهم بقوله ألم يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون، وكم هنا خبرية، وأنهم بدل منها، والرؤية رؤية البصر، وفي قراءة ~~ابن مسعود «أو لم يروا من أهلكنا» ، وقرأ جمهور القراء «أنهم» بفتح الألف، ~~وقرأ الحسن بن أبي الحسن «إنهم» بكسرها، وقرأ جمهور الناس «لما جميع» ~~بتخفيف الميم وذلك على زيادة «ما» للتأكيد، والمعنى لجميع، وقرأ الحسن وابن ~~جبير وعاصم «لما» بشد الميم، قالوا هي منزلة منزلة «إلا» ، وقيل المراد ~~«لمما» حذفت الميم الواحدة وفيها ضعف، وفي حرف أبي و «إن منهم إلا جميع» ، ~~ومحضرون قال قتادة: محشرون يوم القيامة. PageV04P452 # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 33 الى 36] # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما ~~تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) # وآية معناه علامة على الحشر وبعث الأجساد، والضمير في لهم يراد به كفار ~~قريش، وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر، «الميتة» بكسر الياء وشدها، وقرأ أبو ~~عمرو وعاصم «الميتة» بسكون الياء، وإحياؤها بالمطر، وقرأ جمهور الناس «من ~~ثمره» بفتح الثاء ms2953 والميم، وقرأ طلحة وابن وثاب وحمزة والكسائي «من ثمرة» ~~بضمهما، وقرأ الأعمش «من ثمره» بضم الثاء وسكون الميم، والضمير في ثمره ~~قالت فرقة هو عائد على الماء الذي يتضمنه قوله وفجرنا فيها من العيون لأن ~~التقدير ماء، وقالت فرقة هو عائد على جميع ما تقدم مجملا، كأنه قال: من ثمر ~~ما ذكرنا، وقال أبو عبيدة: هو من باب أن يذكر الإنسان شيئين أو ثلاثة ثم ~~يعيد الضمير على واحد ويكني عنه، كما قال الشاعر، وهو الأزرق بن طرفة بن ~~العمرد القارضي الباهلي: [الطويل] # رماني بذنب كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوي رماني # قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه في الآية ضعيف، وما في قوله تعالى: وما ~~عملته أيديهم قال الطبري: هي اسم معطوف على الثمر أي يقع الأكل من الثمر ~~ومما عملته الأيدي بالغرس والزراعة ونحوه، وقالت فرقة: هي مصدرية وقيل هي ~~نافية، والتقدير أنهم يأكلون من ثمره وهي شيء لم تعمله أيديهم بل هي نعمة ~~من الله عليهم، وقرأ جمهور الناس «عملته» بالهاء الضمير، وقرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وطلحة وعيسى «عملت» بغير ضمير، ثم نزه ~~نفسه تعالى تنزيها مطلقا في كل ما يلحد به ملحد أو يشرك مشرك، والأزواج ~~الأنواع من جميع الأشياء، وقوله تعالى: ومما لا يعلمون نظير قوله ويخلق ما ~~لا تعلمون [النمل: 8] . # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 37 الى 40] # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر ~~لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل ~~في فلك يسبحون (40) # هذه الآيات جعلها الله عز وجل أدلة على القدرة ووجوب الألوهية له، ونسلخ ~~معناه نكشط PageV04P453 # ونقشر، فهي استعارة، ومظلمون داخلون في الظلام، واستدل قوم من هذه الآية ~~على أن الليل أصل والنهار فرع طار عليه، وفي ذلك نظر، و «مستقر الشمس» على ~~ما روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ms2954 من طريق أبي ذؤيب «بين يدي ~~العرش تمجد فيه كل ليلة بعد غروبها» ، وفي حديث آخر «أنها تغرب في عين حمئة ~~ولها ثم وجبة عظيمة» ، وقالت فرقة: مستقرها هو في يوم القيامة حين تكون فهي ~~تجري لذلك المستقر، وقالت فرقة: مستقرها كناية عن غيوبها لأنها تجري كل وقت ~~إلى حد محدود تغرب فيه، وقيل: مستقرها آخر مطالعها في المنقلبين لأنهما ~~نهاية مطالعها فإذا استقر وصولها كرت راجعة وإلا فهي لا تستقر عن حركتها ~~طرفة عين، ونحا إلى هذا ابن قتيبة، وقالت فرقة: مستقرها وقوفها عند الزوال ~~في كل يوم، ودليل استقرارها وقوف ظلال الأشياء حينئذ، وقرأ ابن عباس وابن ~~مسعود وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، ~~«والشمس تجري لا مستقر لها» ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والحسن ~~والأعرج «والقمر» بالرفع عطفا على قوله وآية لهم الليل عطف جملة على جملة ~~ويصح وجه آخر وهو أن يكون قوله وآية ابتداء وخبره محذوف، كأنه قال: في ~~الوجود وفي المشاهدة، ثم فسر ذلك بجملتين من ابتداء وخبر وابتداء وخبر، ~~الأولى منهما الليل نسلخ منه النهار، والثانية والقمر قدرناه منازل، وقرأ ~~الباقون «والقمر قدرناه» بنصب «القمر» على إضمار فعل يفسره قدرناه، وهي ~~قراءة أبي جعفر وابن محيصن والحسن بخلاف عنه، ومنازل نصب على الظرف، وهذه ~~المنازل المعروفة عند العرب وهي ثمانية وعشرون منزلة يقطع القمر منها كل ~~ليلة أقل من واحدة فيما يزعمون، وعودته هي استهلاله رقيقا، وحينئذ يشبه ~~«العرجون» وهو الغصن من النخلة الذي فيه شماريخ التمر فإنه ينحني ويصفر إذا ~~قدم ويجيء أشبه شيء بالهلال قاله الحسن بن أبي الحسن، والوجود تشهد به، ~~وقرأ سليمان التيمي «كالعرجون» بكسر العين، والقديم معناه العتيق الذي قد ~~مر عليه زمن طويل، وينبغي هنا مستعملة فيما لا يمكن خلافه لأنها لا قدرة ~~لها على غير ذلك، وقرأ الجمهور «سابق النهار» بالإضافة، وقرأ عبادة «سابق ~~النهار» دون تنوين في القاف، وبنصب «النهار» ذكره الزهراوي وقال: حذف ~~التنوين تخفيفا، و ms2955 «الفلك» فيما روي عن ابن عباس متحرك مستدير كفلكة المغزل ~~من الكواكب، ويسبحون معناه يجرون ويعومون، قال مكي: لما أسند إليها فعل من ~~يعقل جمعت بالواو والنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 41 الى 46] # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ~~ومتاعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ~~ترحمون (45) # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) # آية معناه علامة ودليل، ورفعها بالابتداء وخبره في قوله لهم، وأنا بدل من ~~آية وفيه PageV04P454 # نظر، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة لا موضع لها من الإعراب، والحمل منع الشيء ~~أن يذهب سفلا، وذكر الذرية لضعفهم عن السفر فالنعمة فيهم أمكن، وقرأ نافع ~~وابن عامر والأعمش «ذرياتهم» بالجمع، وقرأ الباقون «ذريتهم» بالإفراد، وهي ~~قراءة طليحة وعيسى، والضمير المتصل بالذريات هو ضمير الجنس، كأنه قال ذريات ~~جنسهم أو نوعهم هذا أصح ما اتجه في هذا، وخلط بعض الناس في هذا حتى قالوا ~~الذرية تقع على الآباء وهذا لا يعرف لغة، وأما معنى الآية فيحتمل تأويلين: ~~أحدهما قاله ابن عباس وجماعة، وهو أن يريد ب «الذريات المحمولين» أصحاب نوح ~~في السفينة، ويريد بقوله من مثله السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم ~~القيامة، وإياها أراد الله تعالى بقوله وإن نشأ نغرقهم، والتأويل الثاني ~~قاله مجاهد والسدي وروي عن ابن عباس أيضا هو أن يريد بقوله أنا حملنا ~~ذريتهم في الفلك المشحون السفن الموجودة في بني آدم إلى يوم القيامة ويريد ~~بقوله وخلقنا لهم من مثله ما يركبون الإبل وسائر ما يركب فتكون المماثلة في ~~أنه مركوب مبلغ إلى الأقطار فقط، ويعود قوله وإن نشأ نغرقهم على السفن ~~الموجودة في الناس، وأما من خلط القولين فجعل الذرية في الفلك في قوم نوح ~~في سفينة وجعل من مثله في الإبل فإن هذا نظر فاسد يقطع به قوله ms2956 تعالى: وإن ~~نشأ نغرقهم فتأمله، والفلك جمع على وزنه هو الإفراد معناه الموفر، ومن في ~~قوله من مثله، يتجه على أحد التأويلين: أن تكون للتبعيض، وعلى التأويل ~~الآخر أن تكون لبيان الجنس فانظره، ويقال الإبل مراكب البر، و «الصريخ» هنا ~~بناء الفاعل بمعنى المصرخ، وذلك أنك تقول صارخ بمعنى مستغيث، ومصرخ بمعنى ~~مغيث، ويجيء صريخ مرة بمعنى هذا ومرة بمعنى هذا لأن فعيلا من أبنية اسم ~~الفاعل، فمرة يجيء من أصرخ ومرة يجيء من صرخ إذا استغاث، وقوله إلا رحمة ~~قال الكسائي نصب رحمة على الاستثناء كأنه قال إلا أن يرحمهم رحمة، وقال ~~الزجاج: نصب رحمة على المفعول من أجله كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم، ~~ومتاعا عطف على رحمة، وقوله إلى حين، يريد إلى آجالهم المضروبة لهم. # قال القاضي أبو محمد: والكلام تام في قوله وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ~~استئناف إخبار عن السائرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين فهم بهذه لا ~~نجاة لهم إلا برحمة الله وليس قوله فلا صريخ لهم مربوطا بالمغرقين، وقد يصح ~~ربطه به والأول أحسن فتأمله، ثم ابتدأ الإخبار عن عتو قريش بقوله وإذا قيل ~~لهم الآية، وما بين أيديهم قال مقاتل وقتادة: هو عذاب الأمم الذي قد سبقهم ~~في الزمن وما خلفهم هو عذاب الآخرة الذي يأتي من بعدهم في الزمن وهذا هو ~~النظر، وقال الحسن: خوفوا بما مضى من ذنوبهم وبما يأتي منها. # قال القاضي أبو محمد: فجعل الترتيب كأنهم يسيرون من شيء إلى شيء، ولم ~~يعتبر وجود الأشياء في الزمن، وهذا النظر يكسره عليه قوله تعالى: مصدقا لما ~~بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل [المائدة: 46] ، وإنما المطرد أن يقاس ~~ما بين اليد والخلف بما يسوقه الزمن فتأمله، وجواب إذا في هذه الآية محذوف ~~تقديره أعرضوا يفسره قوله بعد ذلك إلا كانوا عنها معرضين، و «الآيات» ~~العلامات والدلائل. PageV04P455 # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 47 الى 50] # وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم ms2957 ~~من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ~~(49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) # الضمير في قوله لهم لقريش، وسبب الآية أن الكفار لما أسلم حواشيهم من ~~الموالي وغيرهم من المستضعفين قطعوا عنهم نفقاتهم وجميع صلاتهم وكان الأمر ~~بمكة أولا فيه بعض الاتصال في وقت نزول آيات الموادعة فندب أولئك المؤمنون ~~قرابتهم من الكفار إلى أن يصلوهم وينفقوا عليهم مما رزقهم الله، فقالوا عند ~~ذلك أنطعم من لو يشاء الله أطعمه قال الرماني: ونسوا ما يجب من التعاطف ~~وتآلف المحقين، وقالت فرقة: بل سبب الآية أن قريشا شحت بسبب أزمة على ~~المساكين جميعا، مؤمن وغير مؤمن وندبهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~النفقة على المساكين فقالوا هذا القول، وقولهم يحتمل معنيين من التأويل: # أحدهما يخرج على اختيارات لجهال العرب، فقد روي أن أعرابيا كان يرعى إبله ~~فجعل السمان في الخصب والمهازيل في المكان الجدب فقيل له في ذلك فقال: أكرم ~~ما أكرم الله وأهين ما أهان الله، فيخرج قول قريش على هذا المعنى كأنهم ~~رأوا الإمساك عمن أمسك الله عنه رزقه، ومن أمثالهم «كن مع الله كالمدبر» ، ~~والتأويل الثاني أن يكون كلامهم بمعنى الاستهزاء بقول محمد صلى الله عليه ~~وسلم إن ثم إلها هو الرزاق فكأنهم قالوا لم لا يرزقهم إلهك الذي تزعم أي ~~نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله الذي زعمت أطعمه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كما يدعي إنسان أنه غني ثم يحتاج إلى معونتك ~~في مال فتقول له على جهة الاحتجاج والهزء به أتطلب معونتي وأنت غني أي على ~~قولك، وقوله تعالى: إن أنتم إلا في ضلال مبين يحتمل أن يكون من قول الكفرة ~~للمؤمنين، أي في أمركم لنا في نفقة أموالنا وفي غير ذلك من دينكم، ويحتمل ~~أن يكون من قول الله عز وجل للكفرة استئناف وزجرهم بهذا، ثم حكى عنهم على ~~جهة التقرير ms2958 عليهم قولهم متى هذا الوعد أي متى يوم القيامة الذي تزعم، وقيل ~~أرادوا متى هذا العذاب الذي تهددنا به وسموا ذلك وعدا من حيث قيدته قرائن ~~الكلام أنه في شر والوعد متى ورد مطلقا فهو في خير وإذا قيدته بقرينة الشر ~~استعمل فيه، والوعيد دائما إنما هو في الشر، وينظرون معناه ينتظرون، وما ~~نافية، وهذه الصيحة هي صيحة القيامة والنفخة الأولى في الصور رواه عبد الله ~~بن عمر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أبي هريرة أن ~~بعدها نفخة الصعق ثم نفخة الحشر وهي التي تدوم، فما لها من فواق، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو والأعرج وشبل وابن القسطنطين المكي «يخصمون» بفتح الياء ~~والخاء وشد الصاد المكسورة، وأصلها يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء ~~وأدغمت التاء الساكنة في الصاد، وقرأ نافع وأبو عمرو أيضا «يخصمون» بفتح ~~الياء وسكون الخاء وشد الصاد المكسورة وفي هذه القراءة جمع بين الساكنين ~~ولكنه جمع ليس بجمع محض ووجهها أبو علي، وأصلها يختصمون حذفت PageV04P456 # حركة التاء دون نقل ثم أدغمت في الصاد، وقرأ عاصم والكسائي وابن عامر ~~ونافع أيضا والحسن وأبو عمرو بخلاف عنه «يخصمون» بفتح الياء وكسر الخاء وشد ~~الصاد المكسورة أصلها يختصمون عللت كالتي قبلها، ثم كسرت للالتقاء، وقرأت ~~فرقة «يخصمون» بكسر الياء والخاء وشد الصاد المكسورة عللت كالتي قبلها ثم ~~أتبعت كسرة الخاء كسرة الياء، وفي مصحف أبي بن كعب «يختصمون» ومعنى هذه ~~القراءات كلها أنهم يتحاورون ويتراجعون الأقوال بينهم ويتدافعون في شؤونهم، ~~وقرأ حمزة «يختصمون» وهذه تحتمل معنيين أحدهما المذكور في القراءات أي يخصم ~~بعضهم بعضا في شؤونهم والمعنى الثاني يخصمون أهل الحق في زعمهم وظنهم، كأنه ~~قال تأخذهم الصيحة وهم يظنون بأنفسهم أنهم قد خصموا وغللوا لأنك تقول خاصمت ~~فلانا فخصمته إذا غلبته، وقوله تعالى: فلا يستطيعون توصية عبارة عن إعجال ~~الحال، والتوصية مصدر من وصى، وقوله تعالى: ولا إلى أهلهم يرجعون يحتمل ~~ثلاث تأويلات: أحدها ولا يرجع أحد إلى منزله وأهله لإعجال الأمر بل تفيض ms2959 ~~نفسه حيثما أخذته الصيحة، والثاني معناه ولا إلى أهلهم يرجعون قولا وهذا ~~أبلغ في الاستعجال وخص الأهل بالذكر لأن القول معهم في ذلك الوقت أهم على ~~الإنسان من الأجنبيين وأوكد في نفوس البشر، والثالث تقديره ولا إلى أهلهم ~~يرجعون أبدا، فخرج هذا عن معنى وصف الاستعجال إلى معنى ذكر انقطاعهم ~~وانبتارهم من دنياهم، وقرأ الجمهور «يرجعون» بفتح الياء وكسر الجيم، وقرأ ~~ابن محيصن بضم الياء وفتح الجيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 51 الى 54] # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة ~~واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون (54) # هذه نفخة البعث، والصور القرن في قول جماعة المفسرين وبذلك تواترت ~~الأحاديث، وذهب أبو عبيدة إلى أن الصور جمع صورة خرج مخرج بسر وبسرة وكذلك ~~قال سورة البناء جمعها سور، والمعنى عنده وعند من قال بقوله نفخ في صور بني ~~آدم فعادوا أحياء، والأجداث القبور، وقرأ الأعرج «في الصور» بفتح الواو جمع ~~صورة، وينسلون معناه يمشون بسرعة، والنسلان مشية الذئب، ومنه قول الشاعر: # عسلان الذيب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل # وقال ابن عباس: ينسلون يخرجون، وقرأ جمهور الناس «ينسلون» بكسر السين، ~~وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو عمرو أيضا «ينسلون» بضمها، ونداؤهم الويل بمعنى ~~هذا وقتك وأوان حضورك وهو منادى مضاف، ويحتمل أن يكون نصب الويل على المصدر ~~والمنادى محذوف، كأنهم قالوا يا قومنا ويلنا، وقرأ ابن أبي ليلى «يا ~~ويلتنا» بتاء التأنيث، وقرأ الجمهور «من بعثنا» بفتح الميم على معنى ~~الاستفهام، وروي PageV04P457 # عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما أنها قرآ «من بعثنا» بكسر ~~الميم على أنها لابتداء الغاية، وسكون العين وكسر الثاء على المصدر، وفي ~~قراءة ابن مسعود، «من أهبنا من مرقدنا» أي من نبهنا، وفي قراءة أبي بن كعب ~~«من هبنا» ، قال أبو الفتح ms2960 ولم أر لها في اللغة أصلا ولا مر بنا مهبوب، ~~ونسبها أبو حاتم إلى ابن مسعود رضي الله عنه، وقولهم من مرقدنا يحتمل أن ~~يريدوا من موضع الرقاد حقيقة، ويروى عن أبي بن كعب وقتادة ومجاهد أن جميع ~~البشر ينامون نومة قبل الحشر. # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في قولهم من ~~مرقدنا أنها استعارة وتشبيه، كما تقول في قتيل هذا مرقده إلى يوم القيامة، ~~وفي كتاب الثعلبي: أنهم قالوا من مرقدنا لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ~~ما صاروا إليه من عذاب جهنم، وقال الزجاج: يجوز أن يكون هذا إشارة إلى ~~المرقد، ثم استأنف بقوله، ما وعد الرحمن ويضمر الخبر حق أو نحوه، وقال ~~الجمهور: ابتداء الكلام هذا ما وعد الرحمن، واختلف في هذه المقالة من ~~قالها، فقال ابن زيد: هي من قول الكفرة أي لما رأوا البعث والنشور الذي ~~كانوا يكذبون به في الدنيا قالوا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون وقالت ~~فرقة: ذلك من قول الله تعالى لهم على جهة التوبيخ والتوقيف، وقال الفراء: ~~هو من قول الملائكة، وقال قتادة ومجاهد: هو من قول المؤمنين للكفرة على جهة ~~التقريع، ثم أخبر تعالى أن أمر القيامة والبعث من القبور ما هو إلا صيحة ~~واحدة فإذا الجميع حاضر محشور، وقرأت فرقة «إلا صيحة» بالنصب، وقرأت فرقة ~~«إلا صيحة» بالرفع، وقد تقدم إعراب نظيرها، وقوله فاليوم نصب على الظرف، ~~ويريد يوم القيامة، والحشر المذكور وهذه مخاطبة يحتمل أن تكون لجميع ~~العالم. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 55 الى 61] # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب ~~رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) # ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) ~~وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) # هذا إخبار من الله عز وجل عن حال أهل الجنة بعقب ذكر أهوال يوم القيامة ~~وحالة الكفار، ms2961 وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن مسعود وابن عباس ومجاهد ~~والحسن وطلحة وخالد بن إلياس «في شغل» بضم الشين وسكون الغين، وقرأ الباقون ~~«في شغل» بالضم فيهما وهي قراءة أهل المدينة والكوفة، وقرأ مجاهد وأبو عمرو ~~أيضا بالفتح فيهما، وقرأ ابن هبيرة على المنبر «في شغل» بفتح الشين وسكون ~~الغين وهي كلها بمعنى واحد، واختلف الناس في تعيين هذا الشغل، فقال ابن ~~مسعود وابن عباس وابن المسيب: في افتضاض الأبكار، وحكى النقاش عن ابن عباس ~~سماع الأوتار، وقال مجاهد معناه نعيم قد شغلهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول الصحيح وتعيين شيء دون شيء لا قياس ~~له، ولما كان PageV04P458 # النعيم نوعا واحدا من حيث هو نعيم وحده فقال في شغل ولو اختلف لقال في ~~أشغال، وحكى الثعلبي عن طاوس أنه قال: لو علم أهل الجنة عمن شغلوا ما همهم ~~ما شغلوا به، قال الثعلبي: وسئل بعض الحكماء عن قوله عليه السلام «أكثر أهل ~~الجنة البله» فقال: لأنهم شغلوا بالنعيم عن المنعم، وقرأ جمهور الناس ~~«فاكهون» معناه أصحاب فاكهة كما تقول لابن وتامر وشاحم ولاحم، وقرأ أبو ~~رجاء ومجاهد ونافع أيضا وأبو جعفر «فكهون» ومعناه طربون وفرحون مأخوذ من ~~الفكاهة أي لا هم لهم، وقرأ طلحة والأعمش وفرقة «فاكهين» جعلت الخبر في ~~الظرف الذي هو قوله في شغل ونصب «فاكهين» على الحال، وقوله تعالى: # هم ابتداء وأزواجهم وفي ظلال خبره ويحتمل أن يكون هم بدلا من قوله فاكهون ~~ويكون قوله في ظلال في موضع الحال كأنه قال مستظلين، وقرأ جمهور القراء «في ~~ظلال» وهو جمع ظل إذ الجنة لا شمس فيها وإنما هواؤها سجسج كوقت الأسفار قبل ~~طلوع الشمس، ويحتمل قوله في ظلال أن يكون جمع ظلة قال أبو علي كبرمة وبرام ~~وغير ذلك، وقال منذر بن سعيد: ظلال جمع ظلة بكسر الظاء. # قال القاضي أبو محمد: وهي لغة في ظلة، وقرأ حمزة والكسائي «في ظلل» وهي ~~جمع ظلة وهي قراءة طلحة وعبد الله وأبي عبد الرحمن، وهذه عبارة ms2962 عن الملابس ~~والمراتب من الحجال والستور ونحوها من الأشياء التي تظل، وهي زينة، ~~والأرائك السرر المفروشة، قال بعض الناس: من شروطها أن تكون عليها حجلة ~~وإلا فليست بأريكة، وبذلك قيدها ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة، وقال ~~بعضهم: # الأريكة السرير كان عليه حجلة أو لم يكن، وقوله تعالى: ولهم ما يدعون ~~بمنزلة ما يتمنون قال أبو عبيدة: العرب تقول: ادع علي ما شئت بمعنى تمن ~~علي، وتقول: فلان فيما ادعى أي فيما دعى به لأنه افتعل من دعا يدعو وأصل ~~هذا يدتعيون نقلت حركة الياء إلى العين وحذفت الياء لاجتماعها مع الواو ~~الساكنة فصار يدتعون قلبت التاء دالا فأدغمت الدال فيها وخصت الدال بالبقاء ~~دون التاء لأنها حرف جلد، والتاء حرف همس. قال الرماني: المعنى أن من ادعى ~~شيئا فهو له لأنهم قد هذبت طباعهم فلا يدعون إلا ما يحسن منهم، وقوله ~~تعالى: سلام قيل: هي صفة لما أي مسلم لهم وخالص، وقيل: هو ابتداء، وقيل هو ~~خبر ابتداء، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعيسى الثقفي والغنوي «سلاما» ~~بالنصب على المصدر، وقرأ محمد بن كعب القرطبي «سلم» وهو بمعنى سلام، وقولا ~~نصب على المصدر وقوله تعالى: # وامتازوا اليوم الآية فيه حذف تقديره ونقول للكفرة وهذه معادلة لقوله ~~لأصحاب الجنة سلام، وامتازوا معناه انفصلوا وانحازوا لأن العالم في الموقف ~~إنما هم مختلطون، ثم خاطبهم تعالى لما تميزوا توقيفا لهم وتوبيخا على عهده ~~إليهم ومخالفتهم عهده، وقرأ جمهور الناس «أعهد» بفتح الهاء، وقرأ الهذيل ~~وابن وثاب، «ألم اعهد» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من يكسر ~~أول المضارع سوى الياء، وروي عن ابن وثاب «ألم أعهد» بكسر الهاء، يقال عهد ~~وعهد، وعبادة الشيطان هي طاعته والانقياد لإغوائه، وقرأ ابن كثير ونافع ~~وابن عامر والكسائي «أن اعبدون» بضم النون من أن أتبعوا بها ضمة الدال واو ~~الجماعة أيضا، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة «وأن اعبدون» بكسر النون على أصل ~~الكسر للالتقاء، وقوله تعالى هذا صراط مستقيم إشارة إلى الشرائع، فمعنى هذا ms2963 ~~أن الله تعالى عهد إلى بني آدم وقت إخراج PageV04P459 # نسلهم من ظهره أن لا يعبدوا الشيطان وأن يعبدوا الله تعالى وقيل لهم هذه ~~الشرائع موجودة وبعث تعالى آدم إلى ذريته ولم تخل الأرض من شريعة إلى ختم ~~الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم، والصراط الطريق، ويقال إنها دخيلة في ~~كلام العرب وعربتها. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 62 الى 65] # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم ~~توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) # هذه أيضا مخاطبة للكفار على جهة التقريع، و «الجبل» : الأمة العظيمة، قال ~~النقاش عن الضحاك: # أقلها عشرة آلاف، ولا حد لأكثرها، وقرأ نافع وعاصم «جبلا» بفتح الباء ~~والجيم والشد وهي قراءة أبي جعفر وشيبة وأهل المدينة وعاصم وأبي رجاء ~~والحسن بخلاف عنه، وقرأ الأشهب، العقيلي «جبلا» بكسر الجيم وسكون الباء ~~والتخفيف، وقرأ الزهري والحسن والأعرج «جبلا» بضم الجيم والباء والشد، وهي ~~قراءة أبي إسحاق وعيسى وابن وثاب وقرأ أبو عمرو وابن عامر والهذيل بن ~~شرحبيل «جبلا» بضم الجيم وسكون الباء والتخفيف، وقرأ ابن كثير وحمزة ~~والكسائي «جبلا» بضم الجيم والباء والتخفيف، وذكر أبو حاتم عن بعض ~~الخراسانيين «جيلا» بكسر الجيم وبياء بنقطتين ساكنة، وقرأ الجمهور «أفلم ~~تكونوا تعقلون» بالتاء، وقرأ طلحة وعيسى «أفلم يكونوا يعقلون» بالياء، ثم ~~وقفهم على جهنم التي كانوا يوعدون ويكذبون بها، وجهنم أول طبقة من النار، ~~واصلوها معناه باشروا نارها ثم أخبر تعالى محمدا إخبارا تشاركه فيه أمته في ~~قوله اليوم نختم على أفواههم أي في ذلك اليوم يكون ذلك، وروي في هذا المعنى ~~أن الله تعالى يجعل الكفرة يخاصمون فإذا لم يأتوا بشيء تقوم به الحجة رجعوا ~~إلى الإنكار فناكروا الملائكة في الأعمال فعند ذلك يختم الله تعالى على ~~أفواههم فلا ينطقون بحرف، ويأمر تعالى جوارحهم بالشهادة فتشهد، وروى عقبة ~~بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن أول ما يتكلم من الكافر فخذه ms2964 ~~اليسرى» ، وقال أبو سعيد اليمني: ثم سائر جوارحه، وروي أن بعض الكفرة يقول ~~يومئذ لجوارحه: تبا لك وسحقا فعنك كنت أما حل ونحو هذا من المعنى، وقد ~~اختلفت فيه ألفاظ الرواة، وروى عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده ~~أنه قرأ «ولتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم» بزيادة لام كي والنصب، وهي مخالفة ~~لخط المصحف. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 66 الى 70] # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء ~~لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه ~~في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين (69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) PageV04P460 # الضمير في أعينهم مراد به كفار قريش، ومعنى الآية تبيين أنهم في قبضة ~~القدرة وبمدرج العذاب إن شاء الله تعالى لهم، وقال الحسن بن أبي الحسن ~~وقتادة: أراد الأعين حقيقة، والمعنى لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون، ويؤيد ~~هذا مجانسة المسخ للعمى الحقيقي، وقال ابن عباس: أراد أعين البصائر، ~~والمعنى لو شئنا لختمنا عليهم بالكفر فلم يهتد منهم أحد أبدا، و «الطمس» ~~إذهاب الشيء، من الآثار والهيئات، حتى كأنه لم يكن، أي جعلنا جلود وجوههم ~~متصلة حتى كأنه لم تكن فيها عين قط، وقوله تعالى: فاستبقوا معناه على الفرض ~~والتقدير، كأنه قال: ولو شئنا لأعميناهم فاحسب أو قدر أنهم يستبقون الصراط ~~وهو الطريق فأنى لهم بالإبصار وقد أعميناهم، و «أنى» لفظة استفهام فيه ~~مبالغة وقدره سيبويه، كيف ومن أين، و «مسخناهم» ظاهره تبديل خلقتهم بالقردة ~~والخنازير ونحوه مما تقدم في بني إسرائيل وغيرهم، وقال الحسن وقتادة وجماعة ~~من المفسرين: معناه لجعلناهم مقعدين مبطلين، لا يستطيعون تصرفا، وقال ابن ~~سلام هذا التوعد كله يوم القيامة، وقرأ الجمهور القراء «على مكانتهم» ~~بإفراد، وهو بمعنى المكان كما يقال دار ودارة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~«على مكاناتهم» بالجمع، وفي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، وقرأ جمهور القراء ~~«مضيا» بضم الميم، وقرأ أبو حيوة ms2965 «مضيا» بفتحها، ثم بين تعالى دليلا في ~~تنكيسه المعمرين وأن ذلك مما لا يفعله إلا الله تعالى، وقرأ جمهور الناس ~~«ننكسه» بفتح النون الأولى وسكون الثانية، وضم الكاف، وقرأ حمزة وعاصم ~~بخلاف عنه «ننكسه» بضم النون الأولى وفتح الثانية وشد الكاف المكسورة على ~~المبالغة، وأنكرها أبو عمرو على الأعمش، ومعنى الآية نحول خلقه من القوة ~~إلى الضعف ومن الفهم إلى البله، ونحو هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو في رواية ~~عياش «تعقلون» بالتاء على معنى قل لهم، وقرأ الباقون «يعقلون» بالياء على ~~ذكر الغائب، ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ورد قول من ~~قال من الكفرة إنه شاعر، وإن القرآن شعر بقوله تعالى: وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر، ولا يزنه، ~~وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعنى فقط ~~وأنشد يوما قول طرفة: [الطويل] # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك من لم تزوده بالأخبار # وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس؟ فقال الذي يقول: [الطويل] # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها وإن لم تطيب طيبا # وأنشد يوما: # أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين الأقرع وعيينة # وقد كان صلى الله عليه وسلم ربما أنشد البيت المستقيم في النادر وروي أنه ~~أنشد بيت ابن رواحة: # [الطويل] PageV04P461 # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي صلى الله عليه وسلم «كفى بالإسلام ~~والشيب للمرء ناهيا» ، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: نشهد أنك رسول ~~الله إنما قال الشاعر: «كفى الشيب والإسلام إلخ ... » # حكاه الثعلبي. # قال القاضي أبو محمد: وإصابته الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، ~~وكذلك قد يأتي أحيانا في نثر كلامه ما يدخل في وزن كقوله يوم حنين، «أنا ~~النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» كذلك يأتي في آيات القرآن وفي كل كلام ~~وليس كله بشعر ولا هو ms2966 في معناه. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقتضي عندي غضاضة على الشعر ولا بد، ~~ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله عنها: كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان يتمثل بشعر أخي قيس طرفة فيعكسه، فقال له أبو بكر: ~~ليس هكذا، فقال: «ما أنا بشاعر وما ينبغي لي» ، وقد ذهب قوم إلى أن الشعر ~~لا غض عليه، قالوا وإنما منعه الله من التحلي بهذه الحلية الرفيعة ليجيء ~~القرآن من قبله أغرب فإنه لو كان له إدراك الشعر لقيل في القرآن إن هذا من ~~تلك القوى. # قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الفصاحة والبيان في النثر في المرتبة العليا، ولكن كلام الله تعالى ~~يبين بإعجازه ويبرز برصفه ويخرجه إحاطة علم الله من كل كلام، وإنما منعه ~~الله تعالى من الشعر ترفيعا له عما في قول الشعراء من التخييل، وتزويق ~~القول، وأما القرآن فهو ذكر لحقائق وبراهين، فما هو بقول شاعر، وهكذا كان ~~أسلوب كلامه عليه السلام لأنه لا ينطق عن الهوى، والشعر نازل الرتبة عن هذا ~~كله، والضمير في علمناه عائد على محمد صلى الله عليه وسلم قولا واحدا، ~~والضمير في له يحتمل أن يعود على محمد ويحتمل أن يعود على القرآن، وإن كان ~~لم يذكر لدلالة المجاورة عليه، وبين ذلك قوله تعالى: إن هو وقرأ نافع وابن ~~كثير، «لتنذر» بالتاء على مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون ~~«لينذر» بالياء أي لينذر القرآن أو لينذر محمد، واللام في «لينذر» متعلقة ب ~~مبين، وقرأ محمد اليماني «لينذر» بضم الياء وفتح الذال قال أبو حاتم: ولو ~~قرىء «لينذر» بفتح الياء والذال أي لتحفظ ويأخذ بحظه لكان جائزا، وحكاها ~~أبو عمرو قراءة عن محمد اليماني، وقوله تعالى: من كان حيا أي حي القلب ~~والبصيرة، ولم يكن ميتا لكفره، وهذه استعارة قال الضحاك من كان حيا معناه ~~عاقلا، ويحق القول معناه يحتم العذاب ويجب الخلود، وهذا كقوله تعالى: ms2967 # حقت كلمة ربك [يونس: 33] . # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 71 الى 76] # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا ~~يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم ~~وهم لهم جند محضرون (75) # فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) PageV04P462 # هذه مخاطبة في أمر قريش وإعراضهم عن الشرع وعبادتهم الأصنام فنبههم تعالى ~~على الألوهية، بما لا يحصى من الأدلة كثرة وبيانا، فنبه بهذه الآية على ~~إنعامه عليهم ببهيمة الأنعام، وقوله تعالى أيدينا عبارة عن القدرة عبر عنها ~~بيد وبيدين وبأيد، وذلك من حيث كان البشر إنما يقيمون القدرة والبطش باليد، ~~فعبر لهم عن القدرة بالجهة التي قربت في أفهامهم، والله تعالى منزه عن ~~الجارحة والتشبيه كله، وقوله فهم لها مالكون تنبيه على أن النعمة في أن هذه ~~الأنعام ليست بعاتية ولا متبورة، بل تقتنى وتقرب منافعها، وذللناها معناه ~~سخرناها ذليلة، والركوب المركوب، وهذا فعول بمعنى مفعول وليس إلا في ألفاظ ~~محصورة كالركوب والحلوب والقروع، وقرأ الجمهور «ركوبهم» بفتح الراء، وقرأ ~~الحسن والأعمش «ركوبهم» بضم الراء، وقرأ أبي بن كعب وعائشة «ركوبتهم» ، و ~~«المنافع» إشارة إلى الأصواف والأوبار وغير ذلك، و «المشارب» الألباب، ثم ~~عنفهم في اتخاذ آلهة طلب الاستنصار بها والتعاضد، ثم أخبر أنهم لا يستطيعون ~~نصرا ويحتمل أن يكون الضمير في يستطيعون للكفار في نصرهم الأصنام، ويحتمل ~~الأمر عكس ذلك لأن الوجهين صحيحان في المعنى، كذلك قوله وهم لهم جند محضرون ~~يحتمل أن يكون الضمير الأول للكفار والثاني للأصنام على معنى وهؤلاء ~~الكفار، متجندون متحزبون لهذه الأصنام في الدنيا لكنهم لا يستطيعون التناصر ~~مع ذلك، ويحتمل أن يكون الضمير الأول للأصنام والثاني للكفار أي يحضرون لهم ~~في الآخرة عند الحساب على معنى التوبيخ والنقمة، وسماهم جندا في هذا ~~التأويل إذ هم عدة للنقمة منهم وتوبيخهم، وجرت ضمائر الأصنام في هذه الآية ~~مجرى من يعقل إذ نزلت في عبادتها منزل ms2968 ذي عقل فعملت في العبارة بذلك، ثم ~~أنس تعالى نبيه، بقوله فلا يحزنك قولهم وتوعد الكفار بقوله إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 77 الى 80] # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم ~~منه توقدون (80) # هذه الآية قال فيها ابن جبير: إنها نزلت بسبب أن المعاصي بن وائل السهمي ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم ففته وقال: يا محمد من يحيي ~~هذا؟ وقال مجاهد وقتادة: إن الذي جاء بالعظم النخر أمية بن خلف، وقاله ~~الحسن ذكره الرماني، وقال ابن عباس: الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي ابن ~~سلول. PageV04P463 # قال القاضي أبو محمد: وهو وهم ممن نسبه إلى ابن عباس لأن السورة والآية ~~مكية بإجماع ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسم أبي هو ~~الذي خلط على الرواة، لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن ~~إسحاق وغيره، من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم ~~بمكة ففته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وحياله، وقال من يحيي هذا يا ~~محمد؟ ولأبي مع النبي صلى الله عليه وسلم مقامات ومقالات إلى أن قتله يوم ~~أحد بيده بالحربة بجرح في عنقه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبي حين فت العظم «الله يحييه ويميتك ويحييك ويدخلك جهنم» ثم نزلت الآية ~~مبينة ومقيمة للحجة في أن الإنسان نطفة ثم يكون بعد ذلك خصيما مبينا هل هذا ~~إلا إحياء بعد موت وعدم حياة، وقوله ونسي يحتمل أن يكون نسيان الذهول ~~ويحتمل أن يكون نسيان الترك، و «الرميم» البالي المتفتت، وهو الرفات ثم ~~دلهم تعالى على الاعتبار بالنشأة الأولى، ثم عقب ذلك تعالى بدليل ms2969 ثالث في ~~إيجاد النار في العود الأخضر المرتوي ماء، وهذا هو زناد العرب والنار ~~موجودة في كل عود غير أنها في المتخلخل المفتوح المسام أوجد، وكذلك هو ~~المرخ والعفار، وأعاد الضمير على الشجر مذكرا من حيث راعى اللفظ فجاء ~~كالتمر والحصا وغيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة يس (36) : الآيات 81 الى 83] # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي ~~بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) # هذا تقرير وتوقيف على أمر تدل صحته على صحة بعث الأجساد من القبور وإعادة ~~الموتى وجمع الضمير جمع من يعقل في قوله مثلهم من حيث كانتا متضمنتين من ~~يعقل من الملائكة والثقلين، هذا تأويل جماعة من المفسرين، وقال الرماني ~~وغيره: الضمير في مثلهم عائد على الناس. # قال القاضي أبو محمد: فهم مثال للبعث، وتكون الآية نظير قوله تعالى: لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس [غافر: 57] وقرأ سلام أبو المنذر وابن ~~أبي إسحاق ويعقوب والأعرج «والأرض يقدر» على يفعل مستقبلا، وقرأ جمهور ~~«بقادر» ، وقرأ جمهور الناس «الخلاق» ، وقرأ الحسن «الخالق» ورفع «يكون» ~~على معنى فهو يكون، وهي قراءة الجمهور وقرأ ابن عامر والكسائي «فيكون» ~~بالنصب، قال أبو علي: لا ينصب الكسائي إذا لم تتقدم «أن» وينصب ابن عامر ~~وإن لم تتقدم «أن» ، والنصب هاهنا قراءة ابن محيصن وقوله تعالى: كن أمر ~~للشيء المخترع عند تعلق القدرة به لا قبل ذلك ولا بعده، وإنما يؤمر تأكيدا ~~للقدرة وإشارة بها، وهذا أمر دون حروف ولا أصوات بل من كلامه القائم بذاته ~~لا رب سواه، ثم نزه تعالى نفسه تنزيها عاما مطلقا، وقرأ جمهور الناس ~~«ملكوت» ، وقرأ طلحة التيمي والأعمش «ملكه» بفتح اللام ومعناه ضبط كل شيء ~~والقدرة عليه، وباقي الآية بين. PageV04P464 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصافات # هذه السورة مكية وعدها في المدني والشامي والكوفي مائة آية واثنان ~~وثمانون آية. # قوله عز وجل: ### || سورة الصافات (37) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله ms2970 الرحمن الرحيم # والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد ~~(4) # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا ~~بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) # أقسم تعالى في هذه الآية بأشياء من مخلوقاته واختلف الناس في معناها، ~~فقال ابن مسعود ومسروق وقتادة: هي الملائكة التي تصف في السماء في عبادة ~~الله وذكره صفوفا وقالت فرقة: أراد كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل ~~الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير والجماعات الصافات. # قال القاضي أبو محمد: واللفظ يحتمل أن يعم هذه المذكورات كلها، ومما أقسم ~~به عز وجل «الزاجرات» واختلف الناس في معناها أيضا فقال مجاهد والسدي: هي ~~الملائكة التي تزجر السحاب وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى، وقال قتادة: ~~«الزاجرات» هي آيات القرآن المتضمنة النواهي الشرعية، وقوله فالتاليات ذكرا ~~معناه القارئات، وقال مجاهد والسدي: أراد الملائكة التي تتلو ذكره، وقال ~~قتادة: أراد بني آدم الذين يتلون كتبه المنزلة وتسبيحه وتكبيره ونحو ذلك، ~~وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الذال، وهي قراءة ابن مسعود ومسروق ~~والأعمش، وقرأ الباقون وجمهور الناس بالإظهار، وكذلك في كلها، قال أبو ~~حاتم: والبيان اختيارنا وأما الحاملات وقرا والجاريات يسرا، فلا يجوز فيها ~~الإدغام لبعد التاء من الحرفين، ثم بين تعالى المقسم عليه أنه توحيده وأنه ~~واحد أي متحد في جميع الجهات التي ينظر فيها المفكر، ثم وصف تعالى نفسه ~~بربوبيته جميع المخلوقات، وذكر المشارق لأنها مطالع الأنوار والعيون بها ~~أكلف، وفي ذكرها غنية عن ذكر المغارب إذ معادلتها لها مفهومة عند كل ذي لب، ~~وأراد تعالى مشارق الشمس وهي مائة وثمانون في السنة فيما يزعمون من أطول ~~أيام السنة إلى أقصرها، ثم أخبر تعالى عن قدرته من تزيين السماء بالكواكب ~~وانتظم في ذلك التزيين أن جعلها حفظا وحرزا من الشياطين المردة وهم مسترقو ~~السمع، وقرأ جمهور القراء «بزينة الكواكب» بإضافة الزينة إلى «الكواكب» ، ~~وقرأ حمزة وحفص عن عاصم «بزينة الكواكب» بتنوين «زينة» وخفض «الكواكب» على ~~البدل من الزينة ms2971 وهي PageV04P465 # قراءة ابن مسعود ومسروق بخلاف عنه وأبي زرعة بن عمر وابن جرير وابن وثاب ~~وطلحة، وقرأ أبو بكر عن عاصم «بزينة» بالتنوين «الكواكب» بالنصب وهي قراءة ~~ابن وثاب وأبي عمرو والأعمش ومسروق، وهذا في الإعراب نحو قوله عز وجل: أو ~~إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة [البلد: 14] . # وحكى الزهراوي قراءة «بزينة» بالتنوين «الكواكب» بالرفع، و «المارد» ~~المتجرد للشر ومنه شجرة مرداء لا ورق عليها، ومنه الأمرد وخص تعالى السماء ~~الدنيا بالذكر لأنها التي تباشر بأبصارنا وأيضا فالحفظ من الشيطان إنما هو ~~فيه وحدها، وحفظا نصب على المصدر وقيل مفعول من أجله والواو زائدة. # قوله تعالى: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 8 الى 10] # لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب ~~(9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) # الملإ الأعلى أهل السماء الدنيا فما فوقها، ويسمى الكل منهم أعلى ~~بالإضافة إلى ملإ الأرض الذي هو أسفل، والضمير في يسمعون للشياطين، وقرأ ~~جمهور القراء والناس «يسمعون» بسكون السين وتخفيف الميم، وقرأ حمزة وعاصم ~~في رواية حفص وابن عباس بخلاف عنه وابن وثاب وعبد الله بن مسلم وطلحة ~~والأعمش «لا يسمعون» بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون فينتفي على القراءة ~~الأولى سمعهم وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى إنهم ~~عن السمع لمعزولون [الشعراء: 212] وينتفي على القراءة الآخرة أن يقع منهم ~~استماع أو سماع، وظاهر الأحاديث أنهم يستمعون حتى الآن لكنهم لا يسمعون وإن ~~سمع منهم أحد شيئا لم يفلت الشهاب قبل أن يلقي ذلك السمع إلى الذي تحته، ~~لأن من وقت محمد صلى الله عليه وسلم ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا، وكان ~~الرجم في الجاهلية أخف، وروي في هذا المعنى أحاديث صحاح مضمنها أن الشياطين ~~كانت تصعد إلى السماء فتقعد للسمع واحدا فوق آخر يتقدم الأجسر نحو السماء ~~ثم الذي يليه فيقضي الله تعالى الأمر في الأمور في الأرض، فيتحدث به أهل ~~السماء، فيسمعه منهم ذلك الشيطان الأدنى، فيلقيه ms2972 إلى الذي تحته، فربما ~~أحرقه شهاب وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه جملة فينزل تلك الكلمة إلى ~~الكهان فيكذبون معها مائة كذبة، فتصدق تلك الكلمة، فيصدق الجاهلون الجميع، ~~فلما جاء الله تعالى بالإسلام حرست السماء بشدة فلم يفلت شيطان سمع بتة، ~~ويروى أنها لا تسمع شيئا الآن، والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض ~~منقضية، قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى ~~حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا. # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ويقذفون معناه ويرجمون، و «الدحور» ~~الإصغار والإهانة لأن الدحر الدفع بعنف، وقال مجاهد مطرودين، وقرأ الجمهور ~~«دحورا» ، بضم الدال، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، «دحورا» بفتح الدال، و ~~«الواصب» الدائم، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة، وقال السدي وأبو صالح: PageV04P466 # «الواصب» الموجع، ومنه الوصب، والمعنى هذه الحال الغالبة على جميع ~~الشياطين، إلا من شذ فخطف خبرا ونبأ فأتبعه شهاب فأحرقه، وقرأ جمهور القراء ~~«خطف» بفتح الخاء وكسر الطاء وتخفيفها، وقرأ الحسن وقتادة «خطف» بكسر الخاء ~~والطاء وتشديد الطاء، قال أبو حاتم: يقال إنها لغة بكر بن وائل وتميم بن ~~مر، وروي عن ابن عباس «خطف» بكسر الخاء والطاء مخففة، و «الثاقب» النافذ ~~بضوئه وشعاعه المنير، قاله قتادة والسدي وابن زيد، وحسب ثاقب إذا كان سنيا ~~منيرا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 11 الى 18] # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) بل عجبت ~~ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) ~~وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) ~~قل نعم وأنتم داخرون (18) # الاستفتاء نوع من أنواع السؤال وكأنه سؤال من يهتبل بقوله ويجعل حجة، ~~وكذلك هي أقوالهم في هذا الفصل لأنهم لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن خلق من ~~سواهم من الملائكة والجن والسماوات والأرض والمشارق وغير ذلك هو أشد من ~~هؤلاء المخاطبين، وبأن الضمير في خلقنا يراد به ما تقدم ذكره، قال مجاهد ~~وقتادة وغيرهما ms2973 وفي مصحف ابن مسعود «أم من عددنا» يريد من الصافات وغيرها ~~والسماوات والأرض وما بينهما [الصافات: 5] ، وكذلك قرأ الأعمش «أمن» مخففة ~~الميم دون أم، ثم أخبر تعالى إخبارا جزما عن خلقه لآدم الذي هو أبو البشر ~~وأضاف الخلق من الطين إلى جميع الناس من حيث الأب مخلوق منه، وقال الطبري: ~~خلق آدم من تراب وماء ونار وهواء وهذا كله إذا خلط صار طينا لازبا، واللازب ~~أي يلزم ما جاوره ويلصق به، وهو الصلصال كالفخار، وعبر ابن عباس وعكرمة عن ~~«اللازب» بالجر الكريم الجيد وحقيقة المعنى ما ذكرناه، يقال ضربة لازم ~~وضربة لازب بمعنى واحد، وقرأ جمهور القراء «بل عجبت» بفتح التاء، أي عجبت ~~يا محمد عن إعراضهم عن الحق وعماهم عن الهدى وأن يكونوا كافرين مع ما جئتهم ~~به من عند الله، وقرأ حمزة والكسائي «بل عجبت» بضم التاء، ورويت عن علي ~~وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب والنخعي وطلحة وشقيق والأعمش وذلك على أن ~~يكون تعالى هو المتعجب، ومعنى ذلك من الله أنه صفة فعل، ونحوه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم «يعجب الله تعالى إلى قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل» ~~، وقوله عليه السلام «يعجب الله من الشاب ليست له صبوة» ، فإنما هي عبارة ~~عما يظهره تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس ~~متعجبين منه، فمعنى هذه الآية بل عجبت من ضلالتهم وسوء نحلتهم، وجعلتها ~~للناظرين، وفيما اقترن معها من شرعي وهداي متعجبا، وروي عن شريح أنه أنكر ~~هذه القراءة وقال إن الله تعالى لا يعجب، وقال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم، ~~فقال إن شريحا كان معجبا بعلمه وإن عبد الله أعلم منه، وقال مكي وعلي بن ~~سليمان في كتاب الزهراوي: هو إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه ~~كأن المعنى قل بل عجبت، وقوله يسخرون أي وهم يسخرون من نبوءتك والحق الذي PageV04P467 # عندك، وقوله تعالى وإذا رأوا آية يستسخرون، يريد بالآية العلامة ~~والدلالة، وروي أنها نزلت في ركانة وهو رجل من المشركين ms2974 من أهل مكة لقيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل خال وهو يرعى غنما له وهو أقوى أهل ~~زمانه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ركانة أرأيت إن صرعتك ~~أتؤمن بي؟» قال: نعم، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثم عرض ~~عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ونحو ذلك مما اختلف فيه العلماء وألفاظ ~~الحديث، فلما فرغ من ذلك كله لم يؤمن وجاء إلى مكة فقال: يا بني هاشم ~~ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فنزلت هذه الآية فيه وفي نظرائه، وقوله يستسخرون ~~معناه يطلبون أن يكونوا ممن يسخر، ويجوز أن يكون بمعنى يسخرون كقوله تعالى: ~~واستغنى الله [التغابن: 6] فيكون فعل واستفعل بمعنى، وب «يسخرون» فسره ~~مجاهد وقتادة، وفي بعض القراءات القديمة «يستسحرون» بالحاء غير منقوطة، ~~وهذه عبارة عما قال ركانة لأنه استسحر النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ ~~«متنا» بضم الميم أبو جعفر وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو عمرو والعامة، وقرأ ~~بكسر الميم الحسن والأعرج وشيبة ونافع، وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة أيضا «أو ~~آباؤنا» بسكون الواو وهي «أو» التي هي للقسمة والتخيير، وقرأ الجمهور «أو ~~آباؤنا» بفتح الواو وهي واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ثم أمره تعالى ~~أن يجيب تقريرهم ب نعم وأن يزيدهم في الجواب أنهم مع البعث في صغار وذلة ~~واستكانة، وقرأ ابن وثاب «نعم» بكسر العين، و «الداخر» الصاغر الذليل وقد ~~تقدم غير مرة ذكر القراءات في قوله أإذا على الخبر والاستفهام وما يلحقها ~~من مد وتركه وإظهار همز # وتسهيله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 19 الى 26] # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين ~~(20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ~~وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) # وقفوهم إنهم مسؤلون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون ~~(26) # هذا استئناف إخبار جره ما قبله، فأخبر تعالى أن بعثهم من قبورهم إنما هو ~~زجرة ms2975 واحدة، وهي نفخة البعث في الصور، وقوله ينظرون، يحتمل أن يريد ~~بالأبصار أي ينظرون ما هم فيه وصدق ما كانوا يكذبون به، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى ينتظرون، أي ما يفعل بهم ويؤمرون به، ثم أخبر عنهم أنهم في تلك الحال ~~يقولون يا ويلنا ينادون الويل بمعنى هذا وقت حضورك وأوان حلولك، وروى أبو ~~حاتم الوقف هاهنا وجعل قوله هذا يوم الدين من قول الله تعالى لهم أو ~~الملائكة، ورأى غيره أن قوله تعالى: هذا يوم الدين هو من قول الكفرة الذين ~~قالوا يا ويلنا، والدين الجزاء والمقارضة كما يقولون كما تدين تدان، ~~وأجمعوا أن قوله هذا يوم الفصل إلى آخر الآية ليس من قول الكفرة وإنما ~~المعنى يقال لهم، وقوله تعالى: وأزواجهم معناه وأنواعهم وضرباؤهم، قاله عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وقتادة ومنه قوله تعالى: وكنتم أزواجا ~~ثلاثة [الواقعة: 7] ، وقوله تعالى: وإذا النفوس زوجت [التكوير: 7] أي نوعت، ~~وروي أنه يضم عند هذا الأمر كل شكل وصاحبه PageV04P468 # من الكفرة إلى شكله وصاحبه ومعهم ما كانوا يعبدون من دون الله من آدمي ~~رضي بذلك ومن صنم ووثن توبيخا لهم وإظهارا لسوء حالهم، وقال الحسن: المعنى ~~وأزواجهم المشركات من النساء وروي ذلك عن ابن عباس ورجحه الرماني، وقوله ~~تعالى فاهدوهم. معناه قوموهم واجعلوهم على طريق الجحيم، والجحيم طبقة من ~~طبقات جهنم يقال إنها الرابعة، ثم يأمر تعالى بوقفهم، و «وقف» يتعدى بنفسه ~~تقول وقفت ووقفت زيدا، وأمره بذلك على جهة التوبيخ لهم والسؤال واختلف ~~الناس في الشيء الذي يسألون عنه فروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يسألون ~~هل يحبون شرب الماء البارد، وهذا على طريق الهزء بهم، وقال ابن عباس: ~~يسألون عن لا إله إلا الله، وقال جمهور المفسرين: يسألون عن أعمالهم ~~ويوقفون على قبحها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول متجه عام في الهزء وغيره وروى أنس بن مالك ~~عن النبي عليه السلام أنه قال «أيما رجل دعا رجلا إلى شيء كان لازما له» ، ~~وقرأ وقفوهم إنهم ms2976 مسؤلون، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال «لا تزول قدما عبد من بين يدي الله تعالى حتى يسأله عن خمس، عن شبابه ~~فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله فيما أنفقه، وكيف كسبه، وعما ~~عمل فيما علم» ، ويحتمل عندي أن يكون المعنى على نحو ما فسره بقوله ما لكم ~~لا تناصرون أي أنكم مسؤولون عن امتناعهم عن التناصر، وهذا على جهة التوبيخ ~~في هذا الفصل خاصة أعني الامتناع من التناصر، وقرأ «تناصرون» بتاء واحدة ~~خفيفة، شيبة ونافع، وقرأ خلق «لا تتناصرون» ، وكذلك في حرف عبد الله، وقرأ ~~أبو جعفر بن القعقاع «لا تناصرون» بإدغام التاء من قراءة عبد الله بن مسعود ~~وقال الثعلبي قوله: ما لكم لا تناصرون جواب أبي جهل حين قال في بدر نحن ~~جميع منتصر، ثم أخبر تعالى عن أنهم في ذلك اليوم في حالة الاستسلام ~~والإلقاء باليد. # قوله تعالى: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 27 الى 34] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~(28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم ~~قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) # فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا ~~كذلك نفعل بالمجرمين (34) # هذه الجماعة التي يقبل بعضها على بعض هي إنس وجن، قاله قتادة، وتساؤلهم ~~هو على معنى التقريع واللوم والتسخط، والقائلون إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين إما أن يكون الإنس يقولونها للشياطين وهذا قول مجاهد وابن زيد، وإما ~~أن يكون ضعفة الإنس يقولونها للكبراء والقادة، واضطرب المتأولون في معنى ~~قولهم عن اليمين وعبر ابن زيد وغيره عنه بطريق الجنة والخير ونحو هذا من ~~العبارات التي هي تفسير بالمعنى لا تختص باللفظة وبعضهم أيضا نحا في تفسير ~~الآية إلى ما يخصها، والذي يتحصل من ذلك معان، منها أن يريد ب اليمين القوة ~~والشدة فكأنهم قالوا إنكم كنتم تغووننا بقوة منكم وتحملوننا على طريق ~~الضلالة بمتابعة منكم في شدة فعبر عن هذا المعنى ms2977 ب اليمين كما قالت العرب ~~«بيدين ما PageV04P469 # أورد» ، وكما قالوا «اليد» في غير موضع عن القوة، وقد ذهب بعض الناس ببيت ~~الشماخ هذا المذهب وهو قوله: [الوافر] # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # فقالوا معناه بقوة وعزمة، وإلا فكل أحد كان يتلقاها بيمينه، لو كانت ~~الجارحة، وأيضا فإنما استعار الراية للمجد فكذلك لم يرد باليمين الجارحة، ~~ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إنكم كنتم تأتوننا من الجهة التي ~~يحسنها تمويهكم وإغواؤكم ويظهر فيها أنها جهة الرشد والصواب، فتصير عندنا ~~كاليمين التي بيمين السانح الذي يجيء من قبلها. # قال القاضي أبو محمد: فكأنهم شبهوا أقوال هؤلاء المغوين بالسوانح التي هي ~~عندهم محمودة، كأن التمويه في هذه الغوايات قد أظهر فيها ما يوشك أن يحمد ~~به، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا إنكم كنتم تأتوننا أي تقطعون ~~بنا عن أخبار الخير واليمن معبر عنها ب اليمين، إذ اليمين هي الجهة التي ~~يتيمن بكل ما كان منها وفيها، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا ~~أنكم كنتم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر، والجهة الثقيلة من الإنسان ~~وهي جهة اليمين منه لأن كبده فيها، وجهة شماله فيها قلبه وهي أخف، وهذا ~~معنى قول الشاعر: «تركنا لهم شق الشمال» ، أي زلنا لهم عن طريق الهروب، لأن ~~المنهزم إنما يرجع على شقه الأيسر إذ هو أخف شقيه، وإذ قلب الإنسان في ~~شماله وثم نظره فكأنه هؤلاء كانوا يأتون من جهة الشهوات والثقل. # قال القاضي أبو محمد: وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع إغواء الشياطين وهو ~~قلق مع إغواء بني آدم، وقيل المعنى تحلفون لنا وتأتوننا إتيان من إذا حلف ~~صدقناه. # قال القاضي أبو محمد: فاليمين على هذا القسم، وقد ذهب بعض الناس في ذكر ~~إبليس جهات بني آدم في قوله من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم [الأعراف: 17] إلى ما ذكرناه من جهة الشهوات فقال ما بين يديه هي ~~مغالطته فيما يراه، وما خلفه هو ما يسارق فيه الخفاء، ms2978 وعن يمينه هو جانب ~~شهواته، وعن شماله هو موضع نظره بقلبه وتحرزه فقد يغلبه الشيطان فيه، وهذا ~~فيمن جعل هذا في جهات ابن آدم الخاصة بيديه، ومن الناس من جعلها في جهات ~~أموره وشؤونه فيتسع التأويل على هذا، ثم أخبر تعالى عن قول الجن المجيبين ~~لهؤلاء بل لم تكونوا مؤمنين أي ليس الأمر كما ذكرتم بل كان لكم اكتساب ~~الكفر به والبصيرة فيه وإنما نحن حملنا عليه أنفسنا وما كان لنا عليكم حجة ~~ولا قوة إلا طغيانكم وإرادتكم الكفر فقد حق القول على جميعنا وتعين العذاب ~~لنا وإنا جميعا لذائقون، والذوق هنا مستعار وبنحو هذا فسر قتادة وغيره أنه ~~قول الجن إلى غاوين، ثم أخبر تعالى عن أنهم اشتركوا جميعا في العذاب وحصل ~~كلهم فيه وأن هذا فعله بأهل الجرم واحتقاب الإثم والكفر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 35 الى 40] # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أإنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم ~~لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) # إلا عباد الله المخلصين (40) PageV04P470 # هؤلاء أهل الجرم الذين جهلوا الله تعالى، وعظموا أصناما وأوثانا ف إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله وهي كلمة الحق والعروة الوثقى أصابهم كبر وعظم ~~عليهم أن يتركوا أصنامهم وأصنام آبائهم، ونحو هذا كان فعل أبي طالب حين قال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك ~~بها عند الله» ، فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب، فقال آخر ما قال: ~~أنا على ملة عبد المطلب، ويعرض قول لا إله إلا الله جرت السنة في تلقين ~~الموتى المحتضرين ليخالفوا الكفرة ويخضعوا لها، وأما الطائفة التي قالت ~~أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون فهي من قريش، وإشارتهم بالشاعر المجنون هي ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم فرد الله تعالى عليهم أي ليس الأمر كما قالوا ~~من أنه شاعر بل جاء بالحق من عند الله ms2979 وصدق الرسل المتقدمة له كموسى وعيسى ~~وإبراهيم وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، ثم أخبر تعالى مخاطبا لهم ويجوز أن ~~يكون التأويل قل لهم يا محمد إنكم لذائقوا العذاب الأليم وقرأ قوم «لذائقو ~~العذاب» نصبا ووجهها أنه أراد لذائقون فحذف النون تخفيفا وهي قراءة قد ~~لحنت، وقرأ أبو السمال «لذائق» بالتنوين «العذاب» نصبا، والأليم المؤلم، ثم ~~أعلمهم أن ذلك جزاء لهم بأعمالهم واكتسابهم، ثم استثنى عباد الله استثناء ~~منقطعا وهم المؤمنون الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه، وقرأ الجمهور ~~«المخلصين» بفتح اللام، وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء وأبو عمرو بكسر اللام، ~~وقد رويت هذه التي في الصافات عن الحسن بفتح اللام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 41 الى 49] # أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على ~~سرر متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) # بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم ~~قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) # أولئك إشارة إلى العباد المخلصين، وقوله تعالى: معلوم، معناه عندهم فقد ~~قرت عيونهم بعلم ما يستدر عليهم من الرزق وبأن شهواتهم تأتيهم لحينها، وإلا ~~فلو كان ذلك معلوما عند الله تعالى فقط لما تخصص أهل المدينة بشيء وقوله ~~وهم مكرمون تتميم بليغ للنعيم لأنه رب مرزوق غير مكرم، وذلك أعظم التنكيد، ~~و «السرر» جمع سرير، وقرأ أبو السمال «على سرر» بفتح الراء الأولى، وفي هذا ~~التقابل حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أحيان «وترفع ~~عنهم ستور فينظر بعضهم إلى بعض» ولا محالة أن بعض أحيانهم فيها متخيرون في ~~قصورهم، ويطاف معناه يطوف الوالدان حسبما فسرته آية أخرى، و «الكأس» قال ~~الزجاج والطبري وغيرهما: هو الإناء الذي فيه خمر أو ما يجري مجراه من ~~الأنبذة ونحوها، ولا تسمى كأسا إلا وفيها هذا المشروب المذكور، وقال ~~الضحاك: كل كأس في القرآن PageV04P471 # فهو خمر، وذهب بعض الناس إلى أن الكأس آنية مخصوصة في الأواني وهو كل ما ~~اتسع فمه ولم يكن له مقبض، ولا يراعى في ms2980 ذلك كونه بخمر أم لا، وقوله تعالى: ~~من معين يريد من جار مطرد، فالميم في معين أصلية لأنه من الماء المعين، ~~ويحتمل أن يكون من العين فتكون الميم زائدة أي مما يعين بالعين مستور ولا ~~في خزن، وخمر الدنيا إنما هي معصورة مختزنة، وخمر الآخرة جارية أنهارا، ~~وقوله بيضاء يحتمل أن يعود على الكأس ويحتمل أن يعود على الخمر وهو الأظهر، ~~وقال الحسن بن أبي الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، وفي قراءة عبد ~~الله بن مسعود «صفراء» فهذا موصوف به الخمر وحدها، وقوله تعالى لذة أي ذات ~~لذة فوصفها بالمصدر اتساعا، وقد استعمل هذا حتى قيل لذ بمعنى لذيذ، ومنه ~~قول الشاعر: [الكامل] # بحديثك اللذ الذي لو كلمت ... أسد الفلاة به أتين سراعا # وقوله ولا فيها غول، لم تعمل لا لأن الظرف حال بينها وبين ما شأن التبرية ~~أن تعمل فيه، و «الغول» اسم عام في الأذى، يقال غاله كذا إذا أضره في خفاء، ~~ومنه الغيلة في القتل وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الرضاع «لقد هممت ~~أن أنهى عن الغيلة» ومن اللفظة قول الشاعر: [الطويل] # مضى أولونا ناعمين بعيشهم ... جميعا وغالتني بمكة غول # أي عاقتني عوائق، فهذا معنى من معاني الغول، ومنه قول العرب، في مثل من ~~الأمثال، «ماله غيل» ما أغاله يضرب للرجل الحديد الذي لا يقوم لأمر إلا ~~أغنى فيه، أو الرجل يدعى له بأن يؤذي ما آذاه، وقال ابن عباس ومجاهد وابن ~~زيد في الآية «الغول» وجع في البطن، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: هو صداع في ~~الرأس. # قال القاضي أبو محمد: والاسم أعم من هذا كله فنفى عن خمر الجنة جميع ~~أنواع الأذى إذ هي موجودة في خمر الدنيا، نحا إلى هذا العموم سعيد بن جبير، ~~ومنه قول الشاعر: [المتقارب] # وما زالت الخمر تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول # أي تؤذينا بذهاب العقل، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ~~«ينزفون» بفتح الزاي وكذلك في سورة الواقعة من قوله «نزف الرجل إذا سكر ms2981 ~~ونزفته الخمر» ، والنزيف السكران ومنه قول الشاعر [جميل بن معمر] : ~~[الكامل] # فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف لبرد ماء الحشرج # وبذهاب العقل فسر ابن عباس وقتادة ينزفون، وقرأ حمزة والكسائي «ينزفون» ~~بكسر الزاي وكذلك في الواقعة من أنزف ينزف ويقال أنزف بمعنيين أحدهما سكر ~~ومنه قول الأبيرد الرياحي. [الطويل] # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبيس الندامى أنتم آل أبجرا # والثاني نزف شرابه يقال أنزف الرجل إذا تم شرابه فهذا كله منفي عن أهل ~~الجنة، وقرأ عاصم هنا بفتح الزاي وفي الواقعة بكسر الزاي، وقرأ ابن أبي ~~إسحاق «ينزفون» بفتح الياء وكسر الزاي، وقاصرات PageV04P472 # الطرف # قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة معناه على أزواجهن أي لا ينظرن إلى ~~غيرهم ولا يمتد طرف إحداهن إلى أجنبي، فهذا هو قصر الطرف، وعين جمع عيناء ~~وهي الكبيرة العينين في جمال، وأما قوله كأنهن بيض مكنون فاختلف الناس في ~~الشيء المشبه به ما هو، فقال السدي وابن جبير: شبه ألوانهن بلون قشر البيضة ~~من النعام وزهو بياض قد خالطته صفرة حسنة، قالوا: و «البيض» نفسه في الأغلب ~~هو المكنون بالريش ومتى شدت به حال فلم يكن مكنونا خرج عن أن يشبه به، وهذا ~~قول الحسن وابن زيد، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] # كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير المال غير محلل # وهذه المعنى كثير في أشعار العرب، وقال ابن عباس فيما حكى الطبري، «البيض ~~المكنون» أراد به الجوهر المصون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يصح عندي عن ابن عباس لأنه يرده اللفظ من ~~الآية، وقالت فرقة إنما شبههن تعالى ب «البيض المكنون» تشبيها عاما جملة ~~المرأة بجملة البيضة وأراد بذلك تناسب أجزاء المرأة وأن كل جزء منها نسبته ~~في الجودة إلى نوعه نسبة الآخر من أجزائه إلى نوعه فنسبة شعرها إلى عينها ~~مستوية إذ هما غاية في نوعهما، والبيضة أشد الأشياء تناسب أجزاء، لأنك من ~~حيث جئتها فالنظر فيها واحد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 50 الى 53] # فأقبل بعضهم على بعض ms2982 يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ~~(53) # هذا التساؤل الذي بين أهل الجنة هو تساؤل راحة وتنعم يتذكرون أمورهم في ~~الجنة وأمر الدنيا وحال الطاعة والإيمان فيها، ثم أخبر الله تعالى عن قول ~~قائل منهم في قصته فهو مثال لكل من له قرين سوء يعطي هذا المثال التحفظ من ~~قرناء السوء، واستشعار معصيتهم وعبر عن قول هذا الرجل بالمضي من حيث كان ~~أمرا متيقنا حاصلا لا محالة، وقال ابن عباس وغيره كان هذان من البشر مؤمن ~~وكافر، وقالت فرقة: هما اللذان ذكر الله تعالى في قوله يا ويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا [الفرقان: 28] وقال مجاهد كان إنسيا وجنيا من الشياطين ~~الكفرة. # قال القاضي أبو محمد: والأول أصوب، وقرأ جمهور الناس «من المصدقين» ~~بتخفيف الصاد من التصديق، وقرأت فرقة «من المصدقين» بشد الصاد من التصدق، ~~وقال فرات بن ثعلبة البهراني في قصص هذين إنهما كانا شريكين بثمانية آلاف ~~دينار فكان أحدهما يعبد الله ويقصد من التجارة والنظر وكان الآخر كافرا ~~مقبلا على ماله فحل الشركة مع المؤمن وبقي وحده لتقصير المؤمن ثم إنه جعل ~~كلما اشترى شيئا من دار وجارية وبستان ونحوه عرضه على ذلك المؤمن وفخر عليه ~~به فيمضي المؤمن عند ذلك ويتصدق بنحو ذلك الثمن ليشتري به من الله في الجنة ~~فكان من أمرهما في الآخرة ما تضمنته هذه الآية، قال الطبري: وهذا PageV04P473 # الحديث يؤيد قراءة من قرأ «من المصدقين» بتشديد الصاد، و «مدينون» معناه ~~مجازون محاسبون قاله ابن عباس وقتادة والسدي، والدين الجزاء وقد تقدم. # قوله تعالى: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 54 الى 61] # قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن ~~كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين ~~(58) # إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) ~~لمثل هذا فليعمل العاملون (61) # في الكلام حذف تقديره فقال لهذا الرجل حاضرون من الملائكة إن قرينك هذا ~~في ms2983 جهنم يعذب فقال عند ذلك هل أنتم مطلعون، ويحتمل أن يخاطب ب أنتم ~~الملائكة، ويحتمل أن يخاطب رفقاءه في الجنة، ويحتمل أن يخاطب خدمته وكل ~~هذا، حكى المهدوي وقرأ جمهور القراء «مطلعون» بفتح الطاء وشدها، وقرأ أبو ~~عمرو في رواية حسين «مطلعون» بسكون الطاء وفتح النون، وقرأ أبو البرهسم ~~بسكون الطاء وكسر النون علي أنها ضمير المتكلم ورد هذه القراءة أبو حاتم ~~وغيره ولحنوها، وذلك أنها جمعت بين ياء الإضافة ونون المتكلم، والوجه أن ~~يقال «مطلعي» ، ووجه القراءة أبو الفتح بن جني وقال: # أنزل الفاعل منزل الفعل المضارع، وأنشد الطبري: [الوافر] # وما أدري وظن كل ظن ... أمسلمني إلى قومي شراحي # وقال الفراء: يريد شراحيل، وقرأ الجمهور «فاطلع» بصلة الألف وشد الطاء ~~المفتوحة، وقرأ أبو عمرو في رواية حسين «فاطلع» بضم الألف وسكون الطاء وكسر ~~اللام، وهي قراءة أبي البرهسم، قال الزجاج هي قراءة من قرأ «مطلعون» بكسر ~~اللام، وروي أن لأهل الجنة كوى وطاقات يشرفون منها على أهل النار إذا شاؤوا ~~على جهة النقمة والعبرة لأنهم لهم في عذاب أهل النار وتوبيخهم سرور وراحة، ~~حكاه الرماني عن أبي علي، وسواء الجحيم وسطه قال ابن عباس والحسن: والناس، ~~وسمي سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب، والجحيم متراكم جمر النار، ~~وروي عن مطرف بن عبد الله وخليد العصري أنه رآه قد تغير خبره وسيره أي ~~تبدلت حاله ولولا ما عرفه الله إياه لم يميزه، فقال له المؤمن عند ذلك ~~تالله إن كدت لتردين أي لتهلكني بإغوائك، والردى الهلاك ومنه قول الأعشى: ~~[المتقارب] . # أفي الطوف خفت علي الردى ... وكم من رد أهله لم يرم # وفي مصحف عبد الله بن مسعود «إن كدت لتغوين» بالواو من الغي، وذكرها أبو ~~عمرو الداني بالراء من الإغراء والتاء في هذا كله مضمومة، ورفع نعمة ربي ~~بالابتداء وهو إعراب ما كان بعد لولا عند سيبويه والخبر محذوف تقديره ~~تداركته ونحوه، والمحضرين معناه في العذاب، وقول المؤمن أفما نحن إلى قوله ~~بمعذبين يحتمل أن يكون مخاطبة لرفقائه في الجنة ms2984 لما رأى ما نزل بقرينه، ~~ونظر إلى حاله في الجنة وحال رفقائه قدر النعمة قدرها فقال لهم على جهة ~~التوقيف على النعمة أفما نحن بميتين PageV04P474 # ولا معذبين، ويجيء على هذا التأويل قوله إن هذا لهو الفوز العظيم إلى ~~قوله العاملون، متصلا بكلامه خطابا لرفقائه، ويحتمل قوله أفما نحن إلى قوله ~~بمعذبين أن تكون مخاطبة لقرينه على جهة التوبيخ، كأنه يقول أين الذي كنت ~~تقول من أنا نموت وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب، ويكون قوله تعالى: إن هذا ~~لهو الفوز إلى العاملون يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه، وإليه ذهب ~~قتادة، ويحتمل أن يكون من خطاب الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ~~ويقوى هذا لأن قول المؤمن لمثل هذا فليعمل، والآخرة ليست بدار عمل يقلق إلا ~~على تجوز كأنه يقول لمثل هذا كان ينبغي أن يعمل العاملون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 62 الى 70] # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤس الشياطين (65) فإنهم لآكلون ~~منها فمالؤن منها البطون (66) # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ~~ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم يهرعون (70) # الألف من قوله أذلك للتقرير، والمراد تقرير قريش والكفار، وجاء بلفظة ~~التفضيل بين شيئين لا اشتراك بينهما من حيث كان الكلام تقريرا، والاحتجاج ~~يقتضي أن يوقف المتكلم خصمه على قسمين: # أحدهما فاسد ويحمله بالتقرير على اختبار أحدهما ولو كان الكلام خبرا لم ~~يجز ولا أفاد أن يقال الجنة خير من شجرة الزقوم وأما قوله تعالى خير مستقرا ~~[الفرقان: 24] فهذا على اعتقادهم في أن لهم مستقرا جيدا وقد تقدم إيعاب هذا ~~المعنى. # قال القاضي أبو محمد: وفي بعض البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة مرة ~~مسمومة لها لبن إن مس جسم أحد تورم، ومات منه في أغلب الأمر تسمى شجرة ~~الزقوم، والتزقم في كلام العرب البلع على شدة وجهد، وقوله تعالى: إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين قال قتادة ms2985 والسدي ومجاهد: يريد أبا جهل ونظراءه وذلك ~~أنه لما نزلت أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم، قال الكفار، وكيف يخبر محمد عن ~~النار أنها تنبت الأشجار وهي تأكلها وتذهبها ففتنوا بذلك أنفسهم وجهلة من ~~أتباعهم، وقال أبو جهل: إنما الزقوم التمر بالزبد ونحن نتزقمه، وقوله في ~~أصل الجحيم معناه ملاصق نهاياتها التي لها كالجدرات، وفي قراءة ابن مسعود ~~«إنها شجرة ثابتة في أصل الجحيم» ، وقوله تعالى: كأنه رؤس الشياطين اختلف ~~الناس في معناه، فقالت فرقة: شبه بثمر شجرة معروفة يقال لها رؤس الشياطين ~~وهي بناحية اليمن يقال لها الأستق، وهو الذي ذكر النابغة في قوله: «تحيد من ~~أستق سودا أسافله» . ويقال إنه الشجر الذي يقال له الصوم وهو الذي يعني ~~ساعدة بن جوبة في قوله: # موكل بشدوق الصوم يرقبها ... من المغارب مخطوف الحشا زرم PageV04P475 # وقالت فرقة: شبه ب رؤس صنف من الحيات يقال لها الشياطين وهي ذوات أعراف ~~ومنه قول الشاعر: [الرجز] # عجيز تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط اعرف # وقالت فرقة: شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤس الشياطين وقبحها، وإن ~~كانت لم تر، وهذا كما تقول لكل شعث المنتفش الشعر الكريه المنظر هذا شيطان ~~ونحو هذا قول امرئ القيس: # [الطويل] # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال # فإنما شبه بما استقر في النفوس من هيبتها، و «الشوب» المزاج والخلط، قاله ~~ابن عباس وقتادة، وقرأ شيبان النحوي «لشوبا» ، بضم الشين، قال الزجاج: فتح ~~الشين المصدر، وضمه الاسم، و «الحميم» السخن جدا من الماء ونحوه، فيريد به ~~هاهنا شرابهم الذي هو طينة الخبال صديدهم وما ينماع منهم، هذا قول جماعة من ~~المفسرين، وقوله تعالى: ثم إن مرجعهم يحتمل أن يكون لهم انتقال أجساد في ~~وقت الأكل والشرب، ثم يرجعون إلى معظم الجحيم وكثرته، ذكره الرماني وشبه ~~بقوله تعالى: يطوفون بينها وبين حميم آن [الرحمن: 44] ، ويحتمل أن يكون ~~الرجوع إنما هو من حال ذلك الأكل المعذب إلى حال الاحتراق دون أكل، وبكل ~~احتمال قيل، وفي مصحف ابن مسعود «وأن منقلهم ms2986 لإلى الجحيم» ، وفي كتاب أبي ~~حاتم عنه «مقيلهم» ، من القائلة وقوله تعالى: إنهم ألفوا آباءهم ضالين إلى ~~آخر الآية تمثيل لقريش ويهرعون قال قتادة والسدي وابن زيد: معناه يسرعون ~~كأنهم يساقون بعجلة وهذا تكسبهم للكفر وحرصهم عليه، والإهراع سير شديد قال ~~مجاهد: كهيئة الهرولة. # قال القاضي أبو محمد: فيه شبه رعدة وكأنه أيضا شبه سير الفازع. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 71 الى 79] # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) فانظر كيف ~~كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) ولقد نادانا نوح ~~فلنعم المجيبون (75) # ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا ~~عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في العالمين (79) # مثل تعالى لقريش في هذه الآية بالأمم التي ضلت قديما وجاءها الإنذار ~~وأهلكها الله بعذابه، وقوله تعالى: فانظر كيف كان عاقبة المنذرين، يقتضي ~~الإخبار بأنه عذبهم، ولذلك حسن الاستثناء في قوله إلا عباد الله، ونداء نوح ~~عليه السلام قد تضمن أشياء منها الدعاء على قومه، ومنها سؤال النجاة ومنها ~~طلب النصرة، وفي جميع ذلك وقعت الإجابة، وقوله تعالى: فلنعم المجيبون يقتضي ~~الخبر بأن الإجابة كانت على أكمل ما أراد نوح عليه السلام، والكرب العظيم ~~قال السدي: هو الغرق. PageV04P476 # قال القاضي أبو محمد: ومن الكرب تكذيب الكفرة وركوب الماء وهوله قال ~~الرماني: # الكرب: الحر الثقيل على القلب، وقوله تعالى: وجعلنا ذريته هم الباقين قال ~~ابن عباس وقتادة: # أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، قال الطبري: والعرب من أولاد سام، والسودان ~~من أولاد حام، والترك والصقلب وغيرهم من أولاد يافث، وروي عن سمرة بن جندب ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ وجعلنا ذريته هم الباقين فقال: «سام وحام ~~ويافث» ، وقالت فرقة: إن الله تعالى أبقى ذرية نوح ومد نسله وبارك في ضئضئه ~~وليس الأمر بأن أهل الأرض انحصروا إلى نسله بل في الأمم من لا يرجع إليه، ~~والأول أشهر عند علماء الأمة وقالوا نوح هو آدم الأصغر، وقوله وتركنا عليه ~~في الآخرين معناه ثناء حسنا ms2987 جميلا آخر الدهر، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والسدي، وقوله سلام على هذا التأويل رفع بالابتداء مستأنف سلم الله به عليه ~~ليقتدي بذلك البشر، قال الطبري: هذه أمانة منه لنوح في العالمين أن يذكره ~~أحد بسوء. # قال القاضي أبو محمد: هذا جزاء ما صبر طويلا على أقوال الكفرة الفجرة، ~~وقال الفراء وغيره من الكوفيين: قوله سلام على نوح في العالمين جملة في ~~موضع نصب ب تركنا وهذا هو المتروك عليه، فكأنه قال وتركنا على نوح تسليما ~~يسلم به عليه إلى يوم القيامة، وفي قراءة عبد الله «سلاما على نوح» على ~~النصب ب تركنا صلى الله على نوح وعلى أهله وسلم تسليما وشرف وكرم وعلى جميع ~~أنبيائه وفي الآخرين معناه في الباقين غابر الدهر، والقراءة بكسر الخاء وما ~~كان من إهلاك فهو بفتحها. # قوله تعالى: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 80 الى 90] # إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا ~~الآخرين (82) وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) # إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) ~~فما ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) # فتولوا عنه مدبرين (90) # قوله تعالى: كذلك إشارة إلى إنعامه على نوح بالإجابة كما اقترح، وأثنى ~~تعالى على نوح بالإحسان، لصبره على أذى قومه ومطاولته لهم وغير ذلك من ~~عبادته وأفعاله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ثم أغرقنا الآخرين يقتضي ~~أنه أغرق قوم نوح وأمته ومكذبيه، وليس في ذلك نص على أن الغرق عم جميع أهل ~~الأرض، ولكن قد قالت جماعة من العلماء وأسندت أحاديث بأن الغرق عم جميع ~~الناس إلا من كان معه في السفينة، وعلى هذا ترتب القول بأن الناس اليوم من ~~ذريته، وقالوا لم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة لأن عهد آدم كان قريبا، ~~وكانت دعوة نوح ونبوءته قد بلغت جميعهم لطول المدة واللبث فيهم فكان الجميع ~~كفرة عبدة أوثان لم يثنهم الحق إلى نفسه فلذلك أغرق جميعهم، وقوله تعالى: ~~من شيعته قال ابن عباس ms2988 ومجاهد وقتادة والسدي: الضمير عائد على نوح، والمعنى ~~في الدين والتوحيد، وقال الطبري وغيره عن الفراء: الضمير عائد على محمد صلى ~~الله عليه وسلم والإشارة إليه. PageV04P477 # قال القاضي أبو محمد: وذلك كله محتمل لأن «الشيعة» معناها الصنف الشائع ~~الذي يشبه بعضه بعضا والشيع الفرق وإن كان الأعرف أن المتأخر في الزمن هو ~~شيعة للمتقدم ولكن قد يجيء من الكلام عكس ذلك قال الشاعر [الكميت] : # وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب # فجعلهم شيعة لنفسه، وقوله تعالى: بقلب سليم قال المفسرون: يريد من الشرك ~~والشك وجميع النقائص التي تلحق قلوب بني آدم كالغل والحسد والكبر ونحوه قال ~~عروة بن الزبير: لم يلعن شيئا قط، وقوله أإفكا استفهام بمعنى التقرير أي ~~أكذبا ومحالا آلهة دون الله تريدون، ونصب آلهة على البدل من قوله أإفكا ~~وسهلت الهمزة الأصلية من الإفك وقوله تعالى: فما ظنكم توبيخ وتحذير وتوعد، ~~ثم أخبر تعالى عن نظرة إبراهيم عليه السلام في النجوم، وروي أن قومه كان ~~لهم عيد يخرجون إليه فدعوا إبراهيم عليه السلام إلى الخروج معهم فنظر حينئذ ~~واعتذر بالسقم وأراد البقاء خلافهم إلى الأصنام، وقال ابن زيد عن أبي أرسل ~~إليه ملكهم أن غدا عيد فاحضر معنا فنظر إلى نجم طالع فقال إن هذا يطلع مع ~~سقمي، فقالت فرقة معنى «نظر في النجوم» أي فيما نجم إليه من أمور قومه ~~وحاله معهم، وقال الجمهور نظر نجوم السماء، وروي أن علم النجوم كان عندهم ~~منظورا فيه مستعملا فأوهمهم هو من تلك الجهة، وذلك أنهم كانوا أهل رعاية ~~وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم، واختلف أيضا في ~~قوله إني سقيم، فقالت فرقة هي كذبة في ذات الله تعالى أخبرهم عن نفسه أنه ~~مريض وأن الكوكب أعطاه ذلك، وقال ابن عباس وغيره: أشار لهم إلى مرض وسقم ~~يعدي كالطاعون ولذلك تولوا مدبرين أي فارين منه، وقال بعضهم بل تولوا ~~مدبرين لكفرهم واحتقارهم لأمره. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل في ms2989 أنها كذبة يجيء الحديث لم يكذب ~~إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله إني سقيم، وقوله بل فعله كبيرهم [الأنبياء: ~~63] وقوله في سارة هي أختي، وقالت فرقة: ليست بكذبة ولا يجوز الكذب عليه ~~ولكنها من المعاريض أخبرهم بأنه سقيم في المثال وعلى عرف ابن آدم لا بد أن ~~يسقم ضرورة، وقيل أراد على هذا إني سقيم النفس أي من أموركم وكفركم فظهر ~~لهم من كلامه أنه أراد سقما بالجسد حاضرا وهكذا هي المعاريض. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل لا يرده الحديث وذكر الكذبات لأنه قد ~~يقال لها كذب على الاتساع بحسب اعتقاد المخبر، والكذب الذي هو قصد قول ~~الباطل، والإخبار بضد ما في النفس بغير منفعة شرعية، هو الذي لا يجوز على ~~الأنبياء صلوات الله عليهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 91 الى 98] # فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) ما لكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ~~ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) # والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ~~(97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) PageV04P478 # «راغ» معناه مال، ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف] # حيث لا ينفع الرياغ ولا ... ينفع إلا المصلق النحرير # وقوله تعالى: ألا تأكلون هو على جهة الاستهزاء بعبدة تلك الأصنام، وروي ~~أن عادة أولئك كانت أنهم يتركون في بيوت الأصنام طعاما، ويعتقدون أنها تصيب ~~منه شميما ونحو هذا من المعتقدات الباطلة، ثم كان خدم البيت يأكلونه، فلما ~~دخل إبراهيم وقف على الأكل، والنطق والمخاطبة للأصنام والقصد الاستهزاء ~~بعابدها، ثم مال عند ذلك إلى ضرب تلك الأصنام بفأس حتى جعلها جذاذا واختلف ~~في معنى قوله باليمين فقال ابن عباس: أراد يمنى يديه، وقيل: أراد بقوته ~~لأنه كان يجمع يديه معا بالفأس، وقيل أراد يمين القسم في قوله وتالله ~~لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57] وضربا نصب على المصدر بفعل مضمر من لفظه، ~~وفي مصحف عبد الله عليهم «صفعا باليمين» ، والضمير في «أقبلوا» لكفار قومه، ~~وقرأ جمهور الناس «يزفون» بفتح الياء من زف إذا أسرع ms2990 وزفت الإبل إذا أسرعت، ~~ومنه قول الفرزدق: # [الطويل] # فجاء قريع الشول قبل افالها ... يزف وجاءت خلفه وهي زفف # ومنه قول الهذلي: # وزفت الشول من برد العشي كما ... زفت النعام إلى حفانه الروح # وقرأ حمزة وحده «يزفزن» بضم الياء من أزف إذا دخل في الزفيف وليست بهمزة ~~تعدية هذا قول، وقال أبو علي: معناه يحملون غيرهم على الزفيف، وحكاه عن ~~الأصمعي وهي قراءة مجاهد وابن وثاب والأعمش، وقرأ مجاهد وعبد الله بن زيد ~~«يزفزن» بفتح الياء وتخفيف الفاء من وزف وهي لغة منكرة، قال الكسائي ~~والفراء: لا نعرفها بمعنى زف، وقال مجاهد: الزفيف النسلان، وذهبت فرقة إلى ~~أن يزفون معناه يتمهلون في مشيهم كزفاف العروس، والمعنى أنهم كانوا على ~~طمأنينة من أن ينال أحد آلهتهم بسوء لعزتهم فكانوا لذلك متمهلين. # قال القاضي أبو محمد: وزف بمعنى أسرع هو المعروف، ثم إن إبراهيم عليه ~~السلام قال لهم في جملة محاورة طويلة قد تضمنتها الآية أتعبدون ما تنحتون ~~أي تجعلون إلها معظما شيئا صنعتموه من عود أو حجر وعملتموه بأيديكم أخبرهم ~~بخبر لا يمكنهم إنكاره وهو قوله والله خلقكم واختلف المتأولون في قوله وما ~~تعملون، فمذهب جماعة من المفسرين أن ما مصدرية والمعنى أن الله خلقكم ~~وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد وذلك موافق لمذهب ~~أهل السنة في ذلك، وقالت ما بمعنى الذي، وقالت فرقة ما استفهام، وقالت فرقة ~~هي نفي بمعنى وأنتم لا تعملون شيئا في وقت خلقكم ولا قبله، ولا تقدرون على ~~شيء. # قال القاضي أبو محمد: والمعتزلة مضطرة إلى الزوال عن أن تجعل ما مصدرية، ~~و «البنيان» قيل PageV04P479 # كان في موضع إيقاد النار، وقيل بل كان للمنجنيق الذي رمي عنه وقد تقدم ~~قصص نار إبراهيم وجعلهم الله الأسفلين، بأن غلبوا وذلوا ونالتهم العقوبات ~~قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 99 الى 102] # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه ~~بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام ms2991 أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين (102) # قالت فرقة: إن قول إبراهيم إني ذاهب كان بعد خروجه من النار، وإنه أشار ~~بذهابه إلى هجرته من أرض بابل حيث كانت مملكة نمرود فخرج إلى الشام ويروى ~~إلى بلاد مصر، وقالت فرقة: قوله إني ذاهب ليس مراده به الهجرة كما في آية ~~أخرى وإنما مراده لقاء الله بعد الاحتراق ولأنه ظن أن النار سيموت فيها، ~~فقال هذه المقالة قبل أن يطرح في النار، فكأنه قال إني سائر بهذا العمل إلى ~~ربي، وهو سيهديني إلى الجنة، نحا إلى هذا المعنى قتادة، وللعارفين بهذا ~~الذهاب تمسك واحتجاج في الصفاء وهو محمل حسن في إني ذاهب وحده، والأول أظهر ~~من نمط الآية بما بعده، لأن الهداية معه تترتب، والدعاء في الولد كذلك، ولا ~~يصح مع ذهاب الفناء، وقوله من الصالحين من للتبعيض أي ولدا يكون في عداد ~~الصالحين، وقوله فبشرناه قال كثير من العلماء منهم العباس بن عبد المطلب ~~وقد رفعه وعلي وابن عباس وابن مسعود وكعب وعبيد بن عمرو هي البشارة ~~المعروفة بإسحاق وهو الذبيح وكان أمر ذبحه بالشام، وقال عطاء ومقاتل ببيت ~~المقدس، وقال بعضهم بل بالحجاز، جاء مع أبيه على البراق وقال ابن عباس ~~والبشارة التي بعد هذه في هذه الآية هي بشارة بنبوته كما قال تعالى في موسى ~~ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا [مريم: 53] وهو قد كان وهبه له قبل ~~ذلك، فإنما أراد النبوءة، فكذلك هذه، وقالت هذه الفرقة في قول الأعرابي: يا ~~بن الذبيحين أراد إسحاق والعم أب، وقيل إنه أمر بذبحه بعد ما ولد له يعقوب، ~~فلم يتعارض الأمر بالذبح مع البشارة بولده وولد ولده، وقالت فرقة: هذه ~~البشارة هي بإسماعيل وهو الذبيح وأمر ذبحه كان بالحجاز بمنى ثم رمى إبراهيم ~~الشيطان بالجمرات وقبض الكبش حين أفلت له وسن السنن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ابن عباس أيضا وابن عمرو وروي عن الشعبي ~~والحسن ومجاهد ومعاوية ms2992 بن أبي سفيان ورفعه معاوية إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومحمد بن كعب وبه كان أبي رضي الله عنه يقول، ويستدل بقول الأعرابي ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: يا بن الذبيحين، وبقوله صلى الله عليه وسلم «أنا ~~ابن الذبيحين» يعني إسماعيل وعبد الله أباه، ويستدل بأن البشارة اقترنت بأن ~~من ورائه يعقوب، فلو قيل له في صباه اذبحه لناقض ذلك البشارة بيعقوب، ~~ويستدل بظاهر هذه الآية أنه بشر بإسماعيل، وانقضى أمر ذبحه ثم بشر بإسحاق ~~بعد ذلك، وسمعته رضي الله عنه يقول كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يجيء من ~~الشام إلى مكة على البراق زائرا ويعود من يومه وقد ذكر ذلك الثعلبي عن سعيد ~~بن جبير ولم يذكر PageV04P480 # أن ذلك على البراق وذكر القصة عن ابن إسحاق، وفيها ذكر البراق كما سمعت ~~أبي يحكي وذكر الطبري أن ابن عباس قال: الذبيح إسماعيل، وتزعم اليهود أنه ~~إسحاق وكذبت اليهود وذكر أيضا أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا يهوديا كان ~~أسلم وحسن إسلامه فقال: الذبيح إسماعيل، وإن اليهود تعلم ذلك ولكنهم ~~يحسدونكم معشر العرب أن تكون هذه الآية والفضل والله في أبيكم. والسعي في ~~هذه الآية العمل والعبادة والمعونة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، ~~وقال قتادة السعي على القدم يريد سعيا متمكنا وهذا في المعنى نحو الأول، ~~وقرأ الضحاك «معه السعي وأسر في نفسه حزنا» قال وهكذا في حرف ابن مسعود وهي ~~قراءة الأعمش، قوله إني أرى في المنام أني أذبحك يحتمل أن يكون رأى ذلك ~~بعينه ورؤيا الأنبياء وحي، وعين له وقت الامتثال، ويحتمل أن أمر في نومه ~~بذبحه فعبر هو عن ذلك أي «إني رأيت في المنام» ما يوجب أن أذبحك، وقرأ ~~جمهور الناس «ماذا ترى» بفتح والراء، وقرأ حمزة والكسائي «تري» بضم التاء ~~وكسر الراء، على معنى ما يظهر منك من جلد أو جزع، وهي قراءة ابن مسعود ~~والأسود بن يزيد وابن وثاب وطلحة والأعمش ومجاهد، وقرأ الأعمش والضحاك ~~«ترى» بضم التاء وفتح الراء ms2993 على بناء الفعل للمفعول، فأما الأولى فهي من ~~رؤية الرأي، وهي رؤية تتعدى إلى مفعول واحد، وهو في هذه الآية إما ماذا، ~~بجملتها على أن تجعل «ما» و «ذا» بمنزلة اسم واحد، وإما «ذا» على أن تجعله ~~بمعنى الذي، وتكون «ما» استفهاما وتكون الهاء محذوفة من الصلة، وأما ~~القراءة الثانية فيكون تقدير مفعولها كما مر في هذه، غير أن الفعل فيها ~~منقول من رأى زيد الشيء وأريته إياه، إلا أنه من باب أعطيت فيجوز أن يقتصر ~~على أحد المفعولين، وأما القراءة الثانية فقد ضعفها أبو علي وتتجه على ~~تحامل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «افعل ما أمرت به» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 103 الى 111] # فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت ~~الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) ~~وفديناه بذبح عظيم (107) # وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين ~~(110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) # قرأ جمهور الناس «أسلما» أي أنفسهما واستسلما لله تعالى، وقرأ علي وعبد ~~الله وابن عباس ومجاهد والثوري «سلما» والمعنى فوضا إليه في قضائه وقدره ~~وانحملا على أمره، فأسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه واختلف النحاة في ~~جواب «لما» ، فقال الكوفيون الجواب ناديناه، والواو زائدة، وقالت فرقة ~~الجواب وتله والواو زائدة كزيادتها في قوله: وفتحت السماء [النبأ: 19] وقال ~~البصريون: الجواب محذوف تقديره «فلما أسلم وتله» ، وهذا قول الخليل ~~وسيبويه، وهو عندهم كقول امرئ القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل # التقدير فلما أجزنا ساحة الحي أجزنا وانتحى، وقال بعض البصريين: الجواب ~~محذوف وتقديره فلما أسلما وتله للجبين أجزل أجرهما أو نحو هذا مما يقتضيه ~~المعنى، وتله وضعه بقوة ومنه الحديث في PageV04P481 # القدح، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده أي وضعه بقوة، والتل من ~~الأرض مأخوذ من هذه كأنه تل في ذلك الموضع، وللجبين معناه لتلك الجهة ~~وعليها كما يقولون في المثل لليدين والفم وكما تقول سقط لشقه الأيسر، ms2994 وقال ~~ساعدة بن جوبة «وظل تليلا للجبين والجبينان ما اكتنف الجبهة من هنا وهنا» ، ~~وروي في قصص هذه الآية أن الذبيح قال لأبيه اشدد رباطي بالحبل لئلا أضطرب ~~واصرف بصرك عني، لئلا ترحمني ورد وجهي نحو الأرض، قال قتادة كبه لفيه وأخذ ~~الشفرة، والتل للجبين ليس يقتضي أن الوجه نحو الأرض بل هي هيئة من ذبح ~~للقبلة على جنبه، وقوله أن يا إبراهيم، أن مفسرة لا موضع لها من الإعراب ~~وقوله، قد صدقت يحتمل أن يريد بقلبك على معنى كانت عندك رؤياك صادقة وحقا ~~من الله فعملت بحسبها حين آمنت بها واعتقدت صدقها، ويحتمل أن يريد صدقت ~~بعملك ما حصل عن الرؤيا في نفسك كأنه قال قد وفيتها حقها من العمل، والرؤيا ~~اسم لما يرى من قبل الله تعالى، والمنام والحلم اسم لما يرى من قبل ~~الشيطان، ومنه الحديث الصحيح «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» ، وقوله ~~إنا كذلك إشارة إلى ما عمل إبراهيم، كأنه يقول إنا بهذا النوع من الإخلاص ~~والطاعة نجزي المحسنين، وقوله تعالى إن هذا لهو يشير إلى ما في القصة من ~~امتحان واختبار وسير معتقد، فيكون البلاء على هذا المعنى الاختبار بالشدة، ~~ويحتمل أن يشير إلى ما في القصة من سرور بالفدية وإنقاذ من تلك الشدة في ~~إنفاذ الذبح، فيكون البلاء بمعنى النعمة. # قال القاضي أبو محمد: وإلى كل احتمال قد أشارت فرقة من المفسرين، وفي ~~الحديث أن الله تعالى أوحى إلى إسحاق أني قد أعطيتك فيها ما سألت فسلني ~~فقال يا رب أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله ~~الجنة، والضمير في فديناه عائد على الذبح، و «الذبح» اسم لما يذبح ووصفه ~~بالعظم لأنه متقبل يقينا قاله مجاهد، وقال عمر بن عبيد: «الذبح» الكبش و ~~«العظيم» لجري السنة، وكونه دينا باقيا آخر الدهر، وقال الحسن بن الفضل: ~~عظم لأنه كان من عند الله، وقال أبو بكر الوراق: لأنه لم يكن عن نسل بل عن ~~التكوين، وروي عن ابن عباس وعن سعيد ms2995 بن جبير: أن كونه عظيما هو أنه من كباش ~~الجنة، رعى فيها أربعين خريفا، وقال ابن عباس: هو الكبش الذي قرب ولد آدم، ~~وقال ابن عباس والحسن: كان وعلا اهبط عليه من ثبير، وقال الجمهور: إنه كبش ~~أبيض أقرن أعين وجده وراءه مربوطا بسمرة. # قال القاضي أبو محمد: وروي أنه انفلت لإبراهيم فاتبعه ورماه بحصيات في ~~مواضع الجمرات فبذلك مضت السنة، وقال ابن عباس رجم الشيطان عند جمرة العقبة ~~وغيرها وقد قدم هذا. # قال القاضي أبو محمد: وأهل السنة على أن هذه القصة نسخ فيها العزم على ~~الفعل، والمعتزلة التي تقول إنه لا يصح نسخ إلا بعد وقوع الفعل افترقت في ~~هذه الآية على فرقتين، فقالت فرقة وقع الذبح والتأم بعد ذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كذب صراح، وقالت فرقة منهم: بل كان إبراهيم لم ~~ير في منامه إلا أمارة الشفرة فقط، فظن أنه ذبح فجهز، فنفذ لذلك فلما وقع ~~الذي رآه وقع النسخ. PageV04P482 # قال القاضي أبو محمد: والاختلاف أن إبراهيم عليه السلام أمر الشفرة على ~~حلق ابنه فلم تقطع، وروي أن صفيحة نحاس اعترضته فحز فيها والله أعلم كيف ~~كان، فقد كثر الناس في قصص هذه الآية بما صحته معدومة، فاختصرته، وقد تقدم ~~تفسير مثل قوله وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم وقوله كذلك نجزي ~~المحسنين معناه أي هذا الفعل وباقي الآية بين. # قال القاضي أبو محمد: وما يستغرب في هذه الآية أن عبيد بن عمير قال: ذبح ~~في المقام، وذكر الطبري عن جماعة لم يسمها أنها قالت: كان الأمر وإذاعة ~~الذبح والقصة كلها بالشام، وقال الجمهور: ذبح بمنى، وقال الشعبي: رأيت قرني ~~كبش إبراهيم معلقة في الكعبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 112 الى 117] # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ولقد مننا على موسى وهارون (114) ~~ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين ~~(116) # وآتيناهما الكتاب المستبين (117) # من قال إن الذبيح هو إسماعيل جعل هذه ms2996 البشارة بولادة إسحاق وهي البشارة ~~المترددة في غير ما سورة، ومن جعل الذبيح إسحاق جعل هذه البشارة بنفس ~~النبوءة فقط، وقوله تعالى وظالم لنفسه توعد لمن كفر من اليهود بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، والمنة، على موسى وهارون هي في النبوءة وسائر ما جرى معها ~~من مكانتها عند الله تعالى والكرب العظيم هو تعبد القبط لهم، ثم جيش فرعون ~~لما قالت بنو إسرائيل إنا لمدركون [الشعراء: 61] ثم البحر بعد ذلك، والضمير ~~في نصرناهم عائد على الجماعة المتقدم ذكرها وهم «موسى وهارون وقومهما» ، ~~وقال قوم: أراد موسى وهارون ولكن أخرج ضميرهما مخرج الجمع تفخيما، وهذا مما ~~تفعله العرب تكني عمن تعظم بكناية الجمع، والكتاب المستبين هو التوراة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 118 الى 125] # وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام ~~على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا ~~المؤمنين (122) # وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا ~~وتذرون أحسن الخالقين (125) # الصراط المستقيم يريد به في هذه الآية طريق الشرع والنبوءة المؤدي إلى ~~الله تعالى وقد تقدم القول في مثل قوله وتركنا عليهما، وإلياس نبي من ~~أنبياء الله تعالى، قال قتادة وابن مسعود: هو إدريس عليه السلام، وقالت ~~فرقة: هو من ولد هارون عليه السلام، قال الطبري هو إلياس بن نسي بن فنحاص ~~بن العيزار بن هارون، وقرأ الجمهور من القراء «وإن إلياس» بهمزة مكسورة، ~~وهو اسم، وقرأ PageV04P483 # ابن عامر وابن محيصن وعكرمة والحسن والأعرج «وإن الياس» بغير همز بصلة ~~الألف، وذلك يتجه على أحد وجهين: إما أن يكون حذف الهمزة كما حذفها ابن ~~كثير من قوله تعالى إنها لإحدى الكبر [المدثر: # 35] أراد «لإحدى» فنزل المنفصل منزلة المتصل، كما قد ينزل في كثير من ~~الأمور، والآخر أن يجعلها الألف التي تصحب اللام للتعريف كاليسع، وفي مصحف ~~أبي بن كعب «وإن إيليس» بألف مكسورة الهمزة وياء ساكنة قبل اللام المكسورة ~~وياء ساكنة بعدها وسين مفتوحة، وكذلك في قوله «سلام على إيليس» ، وقرأ نافع ~~وابن عامر ms2997 على «آل ياسين» وقرأ الباقون «سلام على إلياسين» بألف مكسورة ~~ولام ساكنة، قرأ الحسن وأبو رجاء «على الياسين» موصولة فوجه الأولى أنها ~~فيما يزعمون مفصولة في المصحف فدل ذلك على أنها بمعنى أهل و «ياسين» اسم ~~أيضا ل إلياس وقيل هو اسم لمحمد صلى الله عليه وسلم ووجه الثانية أنه جمع ~~إلياسي كما قالوا أعجمي أعجميون، قال أبو علي: والتقدير إلياسين فحذف كما ~~حذف من أعجميين، ونحوه من الأشعريين والنمريين والمهلبين، وحكى أبو عمرو أن ~~مناديا نادى يوم الكلاب، هلك اليزيديون، ويروى قول الشاعر: «قدني من نصر ~~الخبيبين قدي» بكسر الباء الثانية نسبة إلى أبي خبيب، ويقال سمي كل واحد من ~~آل ياسين إلياس كما قالوا شابت مفارقة فسمي كل جزء من المفرق مفرقا، ومنه ~~قولهم «جمل ذو عثانين» ، وعلى هذا أنشد ابن جني: [الرجز] # مرت بنا أول من أموس ... تميس فينا مشية العروس # فسمى كل جزء من الأمس أمس ثم جمع، وقال أبو عبيدة لم يسلم على آل أحد من ~~الأنبياء المذكورين قبل فلذلك ترجح قراءة من قرأ «إلياسين» إذ هو اسم واحد ~~له، وقرأ ابن مسعود والأعمش «وإن إدريس لمن المرسلين» و «سلام على إدريس» ~~وروى هذه القراءة قطرب وغيره وإن إدراسين وإدراس لغة في إدريس كإبراهيم ~~وإبراهام، وقوله أتدعون معناه أتعبدون، والبعل الرب بلغة اليمن قاله عكرمة ~~وقتادة، وسمع ابن عباس رجلا ينشد ضالة فقال له رجل آخر: أنا بعلها، فقال ~~ابن عباس الله أكبر أتدعون بعلا، وقال الضحاك وابن زيد والحسن بعلا اسم صنم ~~كان لهم وله يقال بعلبك وإليه نسب الناس، وذكر ابن إسحاق عن فرقة أن بعلا ~~اسم امرأة كانت أتتهم بضلالة، وقوله أحسن الخالقين من حيث قيل للإنسان على ~~التجوز إنه يخلق وجب أن يكون تعالى أحسن الخالقين إذ خلقه اختراع وإيجاد من ~~عدم وخلق الإنسان مجاز كما قال الشاعر: [الكامل أقذ] . # ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 126 الى 138] # الله ربكم ms2998 ورب آبائكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد ~~الله المخلصين (128) وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) # إنا كذلك نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) وإن لوطا لمن ~~المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) # ثم دمرنا الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا ~~تعقلون (138) PageV04P484 # قرأ حمزة والكسائي وعاصم «الله» بالنصب «ربكم ورب آبائكم» كل ذلك بالنصب ~~على البدل من قوله أحسن الخالقين [المؤمنين: 14، الصافات: 125] ، وقرأ ~~الباقون وعاصم أيضا «الله ربكم ورب آبائكم» كل ذلك بالرفع على القطع ~~والاستئناف، والضمير في «كذبوه» عائد على قوم إلياس، و «محضرون» معناه ~~مجمعون لعذاب الله وقد تقدم تفسير مثل ما بقي من الآية وتقدم القول أيضا في ~~قوله سلام على إل ياسين، و «لوط» عليه السلام هو ابن أخي إبراهيم عليه ~~السلام وقيل ابن أخته وقد تقدم تفسير قصته بكاملها، وامرأته هي العجوز ~~المهلكة، وكانت كافرة فإما كانت متسترة منه عليه السلام، وإما كانت معلنة ~~وكان نكاح الوثنيات والإقامة عليهن جائزا، و «الغابرون» الباقون، غبر بمعنى ~~بقي ومعناه هنا بقيت في الهلاك، ثم خاطب تعالى قريشا أو هو على معنى قل لهم ~~يا محمد وإنكم لتمرون عليهم # في الصباح وفي الليل فواجب أن يقع اعتباركم ونظركم ثم وبخهم تعالى بقوله ~~أفلا تعقلون # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 139 الى 146] # وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان ~~من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين ~~(143) # للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) # هذا يونس # بن متى صلى الله عليه وسلم، وهو من بني إسرائيل، وروي أنه نبىء ابن ~~ثمانية وعشرين سنة فتفسخ تحت أعباء النبوءة كما يتفسخ الربع تحت الحمل، وقد ~~تقدم شرح قصته ولكن نذكر منها ما تفهم به هذه الألفاظ، فروي أن الله بعثه ~~إلى قومه فدعاهم مرة فخالفوه فوعدهم بالعذاب، وأعلمه الله تعالى بيومه ~~فحدده يونس لهم، ثم إن قومه لما ms2999 رأوا مخايل العذاب قبل أن يباشرهم تابوا ~~وآمنوا فتاب الله عليهم وصرف العذاب عنهم، وكان في هذا تجربة ليونس فلحقت ~~يونس غضبة، ويروى أنه كان في سيرتهم أن يقتلوا الكذاب إذا لم تقم له بينة، ~~فخافهم يونس وغضب مع ذلك ف أبق إلى الفلك # أي أراد الهروب ودخل في البحر وعبر عن هروبه بالإباق، من حيث هو عبد الله ~~فر عن غير إذن مولاه، فهذه حقيقة الإباق، والفلك # في هذا الموضع واحد، والمشحون # الموقر، وهنا قصص محذوف إيجازا واختصارا، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه ~~لما حصل في السفينة وأبعدت في البحر ركدت ولم تجر، والسفن تجري يمينا ~~وشمالا فقال أهلها إن فينا لصاحب ذنب وبه يحبسنا الله تعالى فقالوا لنقترع، ~~فأخذوا لكل أحد سهما وقالوا اللهم ليطف سهم المذنب، ولتغرق سهام الغير فطفا ~~سهم يونس، ففعلوا نحو هذا ثلاث مرات في كل مرة تقع القرعة عليه، فأزمعوا ~~معه على أن يطرحوه في البحر فجاء إلى ركن من أركان السفينة ليقع منه فإذا ~~بدابة من دواب البحر ترقبه وترصد له فرجع إلى الركن الآخر فوجدها كذلك حتى ~~استدار أركان السفينة ليقع منه بالمركب وهي لا تفارقه فعلم أن ذلك عند الله ~~فترامى إليها فالتقمته، وروي أنما PageV04P485 # التقمته بعد أن وقع في الماء، وروي أن الله أوحى إلى الحوت أني لم أجعل ~~يونس لك رزقا وإنما جعلت بطنك له حرزا وسجنا فهذا معنى فساهم # أي قارع وكذلك فسر ابن عباس والسدي، و «المدحض» الزاهق المغلوب في محاضة ~~أو مساهمة أو مسابقة ومنه الحجة الداحضة، و «المليم» الذي أتى ما يلام ~~عليه، ألام الرجل دخل في اللوم، وبذلك فسر مجاهد وابن زيد ومنه قول الشاعر: ~~[الطويل] # وكم من مليم لم يصب بملامة ... ومتبع بالذنب ليس له ذنب # ومنه قول لبيد بن ربيعة: [الكامل] # سفها عذلت ولمت غير مليم ... وهداك قبل اليوم غير حكيم # ثم استنقذه الله من بطن الحوت بعد مدة واختلف الناس فيها، فقالت فرقة بعد ~~ساعة من النهار، وقالت ms3000 فرقة بعد سبع ساعات، وقال مقاتل بن حيان بعد ثلاثة ~~أيام، وقال عطاء بن أبي رباح بعد سبعة أيام، وقالت فرقة بعد أربعة عشر ~~يوما، وقال أبو مالك والسدي بعد أربعين يوما، وهو قول ابن جريج أنه بلغه ~~وجعل تعالى علة استنقاذه مع القدر السابق تسبيحه، واختلف الناس في ذلك فقال ~~ابن جريج هو قوله في بطن الحوت سبحان الله، وقالت فرقة بل التسبيح وصلاة ~~التطوع، واختلفت هذه الفرقة، فقال قتادة وابن عباس وأبو العالية صلاته في ~~وقت الرخاء نفعته في وقت الشدة، وقال هذا جماعة من العلماء، وقال الضحاك بن ~~قيس على منبره اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس كان عبدا لله ~~ذاكرا فلما أصابته الشدة نفعه ذلك، قال الله عز وجل: فلولا أنه كان من ~~المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون، وإن فرعون كان طاغيا باغيا فلما ~~أدركه الغرق قال آمنت فلم ينفعه ذلك، فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في ~~الشدة. وقال قتادة في الحكمة: إن العمل يرفع صاحبه إذ عثر فإذا صرع وجد ~~متكئا، وقال الحسن بن أبي الحسن: كانت سبحته صلاة في بطن الحوت، وروي أنه ~~كان يرفع لحم الحوت بيديه ويقول يا رب لأبنين لك مسجدا حيث لم يبنه أحد ~~قبلي ويصلي، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يونس حين نادى في ~~الظلمات، ارتفع نداؤه إلى العرش فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف من ~~موضع غربة، فقال الله هو عبدي يونس فأجاب الله دعوته. # قال القاضي أبو محمد: وذكر الحديث وقال ابن جبير الإشارة بقوله من ~~المسبحين إلى قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: ~~87] . # قال القاضي أبو محمد: وكثر الناس في هذا القصص بما اختصرناه لعدم الصحة، ~~وروي أن الحوت مشى به في البحار كلها حتى قذفه في نصيبين من ناحية الموصل ~~فنبذه الله في عراء من الأرض، و «العراء» الفيفاء التي لا شجر فيها ولا ~~معلم ومنه قول الشاعر: # رفعت رجلا ms3001 لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي # وقال السدي وابن عباس في تفسير قوله وهو سقيم، إنه كان كالطفل المنفوش ~~بضعة لحم، وقال بعضهم كان كاللحم النيء إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء فأنعشه ~~الله في ظل «اليقطينة» بلبن أروية كانت PageV04P486 # تغاديه وتراوحه، وقيل بل كان يتغذى من اليقطينة، ويجد منها ألوان الطعام، ~~وأنواع شهواته واختلف الناس في «اليقطينة» فقالت فرقة هي شجرة لا نعرفها ~~سماها الله باليقطينة وهي لفظة مأخوذة من قطن إذا أقام بالمكان، وقال سعيد ~~بن جبير وابن عباس والحسن ومقاتل اليقطين كل ما لا يقوم على ساق من عود ~~كالبقول والقرع والحنظل، والبطيخ ونحوه مما يموت من عامه، وروي نحوه عن ~~مجاهد، وقال ابن عباس وأبو هريرة وعمرو بن ميمون «اليقطين» القرع خاصة. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذين القولين فإما أن يكون قوله شجرة تجوزا ~~وإما أن يكون أنبتها عليه ذات ساق خرقا للعادة، لأن الشجرة في كلام العرب ~~إنما يقال لما كان على ساق من عود، وحكى بعض الناس أنها كانت قرعة وهي تجمع ~~خصالا برد الظل والملمس وعظم الورق وأن الذباب لا يقربها، وحكى النقاش أن ~~ماء ورق القرعة إذا رش بمكان لم يقربه ذباب، ومشهور اللغة أن «اليقطين» ~~القرع وقد قال أمية بن أبي الصلت في قصة يونس: [الطويل] # فأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألفي ضاحيا # فنبت يونس عليه السلام وصح وحسن جسمه لأن ورق القرع أنفع شيء لمن تسلخ ~~جلده كيونس صلى الله عليه وسلم، وروي أنه كان يوما نائما فأيبس الله تلك ~~اليقطينة، وقيل بعث عليها الأرضة فقطعت عروقها فانتبه يونس لحر الشمس فعز ~~عليه شأنها وجزع له، فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس أجزعت ليبس اليقطينة ~~ولم تجزع لإهلاك مائة ألف أو يزيدون تابوا فتيب عليهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 147 الى 157] # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) ~~فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ms3002 ~~شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) # ولد الله وإنهم لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف ~~تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) # فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) # قال الجمهور إن هذه الرسالة إلى مائة ألف في رسالته الأولى التي أبق ~~بعدها، ذكرها الله في آخر القصص تنبيها على رسالته، ويدل على ذلك قوله ~~فآمنوا فمتعناهم إلى حين، وتمتيع تلك الأمة هو الذي أغضب يونس حتى أبق، ~~وقال قتادة وابن عباس أيضا هذه الرسالة أخرى بعد أن نبذ بالعراء وهي إلى ~~أهل نينوى من ناحية الموصل، وقرأ جعفر بن محمد، «ويزيدون» بالواو، وقرأ ~~الجمهور «أو يزيدون» ، فقال ابن عباس «أو» بمعنى «بل» ، وكانوا مائة ألف ~~وثلاثين ألفا، وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم «كانوا مائة ~~وعشرين ألفا» ، وقال ابن جبير: كانوا مائة وسبعين ألفا، وروي عن ابن عباس ~~أنه قرأ «إلى مائة ألف بل يزيدون» ، وقالت فرقة أو هنا بمعنى الواو، وقالت ~~فرقة هي للإبهام على المخاطب، كما تقول ما عليك أنت أنا أعطي فلانا دينارا ~~أو ألف دينار، ونحو هذا قوله تعالى: ليس لك من الأمر PageV04P487 # شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون # [آل عمران: 128] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى قليل التمكن في قوله أو يزيدون، وقال ~~المبرد وكثير من البصريين: المعنى على نظر البشر وحزرهم، أي من رآهم قال: ~~هم مائة ألف أو يزيدون، وروي في قوله تعالى: فآمنوا فمتعناهم فمتعهم إلى ~~حين أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم وفرقوا بينها وبين الأمهات وناحوا ~~وضجوا وأخلصوا فرفع الله عنهم، والتمتيع هنا هو بالحياة و «الحين» آجالهم ~~السابقة في الأزل، قاله قتادة والسدي، وقرأ ابن أبي عبلة «حتى حين» ، وفي ~~قوله تعالى: فآمنوا فمتعناهم إلى حين مثال لقريش أي أن آمنوا كما جرى ~~لهؤلاء، ومن هنا حسن انتقال القول والمحاورة إليهم بقوله، فاستفتهم فإنما ~~يعود ضميرهم على ما في المعنى من ذكرهم، والاستفتاء السؤال، وهو هنا بمعنى ~~التقريع والتوبيخ، على قولهم على الله ms3003 البهتان وجعلهم البنات لله تعالى عن ~~ذلك وأمره بتوقيفهم على جهة التوبيخ أيضا هل شاهدوا أن الملائكة إناث فيصح ~~لهم القول به، ثم أخبر تعالى عن فرقة منهم بلغ بها الإفك والكذب إلى أن ~~قالت ولد الله الملائكة لأنه نكح في سروات الجن وهذه فرقة من بني مدلج فيما ~~روي، وقرأ جمهور الناس «اصطفى» بالهمز وهو ألف الاستفهام وهذا على جهة ~~التقرير والتوبيخ على نسبتهم إليه اختيار الأدنى عندهم، وقرأ نافع في رواية ~~إسماعيل عنه «اصطفى» بصلة الألف على الخبر كأنه يحكي شنيع قولهم، ورواها ~~إسماعيل عن أبي جعفر وشيبة، ثم قرر ووبخ وعرض للتذكر والنظر واستفهم عن ~~البرهان والحجة على جهة التقرير وضمهم الاستظهار بكتاب أو أمر يظهر صدقهم، ~~وقرأ الجمهور «أفلا تذكرون» مشددة الذال والكاف، وقرأ طلحة بن مصرف ~~«تذكرون» بسكون الذال وضم الكاف خفيفة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 158 الى 169] # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان ~~الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ~~ما أنتم عليه بفاتنين (162) # إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن ~~الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) # لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) # الضمير في قوله وجعلوا لفرقة من كفار قريش والعرب، قال ابن عباس في كتاب ~~الطبري إن بعضهم قال إن الله تعالى وإبليس أخوان، وقال مجاهد: قال قوم لأبي ~~بكر الصديق: إن الله تعالى نكح في سروات الجن، وقال بعضهم إن الملائكة ~~بناته، ف الجنة على هذا القول الأخير يقع على الملائكة سميت بذلك لأنها ~~مستجنة أي مستترة، وقوله تعالى: ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون من جعل الجنة ~~الشياطين جعل العلامة في علمت لها، والضمير في إنهم عائد عليهم أي جعلوا ~~الشياطين بنسب من الله والشياطين تعلم ضد ذلك من أنها ستحضر أمر الله ~~وثوابه وعقابه، ومن جعل الجنة الملائكة جعل الضمير في إنهم للقائلين هذه ~~المقالة أي علمت الملائكة ms3004 أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله وعقابه وقد ~~يتداخل هذان القولان، ثم نزه تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، ومن ~~هذا استثنى العباد PageV04P488 # المخلصين لأنهم يصفونه بصفاته العلى، وقالت فرقة استثناهم من قوله إنهم ~~لمحضرون. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يصح على قول من رأى الجنة الملائكة، وقوله ~~تعالى: فإنكم وما تعبدون بمعنى قل لهم يا محمد إنكم وأصنامكم ما أنتم ~~بمضلين أحدا بسببها، وعليها الأمر سبق عليه القضاء وضمه القدر، بأنه يصلى ~~الجحيم في الآخرة، وليس عليكم إضلال من هدى الله تعالى، وقالت فرقة عليه، ~~بمعنى به، و «الفاتن» المضل في هذا الموضع وكذلك فسر ابن عباس والحسن بن ~~أبي الحسن، وقال ابن الزبير على المنبر: إن الله هو الهادي والفاتن، ومن في ~~موضع نصب بفاتنين، وقرأ الجمهور «صال الجحيم» بكسر اللام، من صال حذفت ~~الياء للإضافة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «صال الجحيم» بضم اللام وللنحاة في ~~معناه اضطراب، أقواه أنه صالون حذفت النون للإضافة، ثم حذفت الواو للالتقاء ~~وخرج لفظ الجميع بعد لفظ الإفراد، فهو كما قال ومنهم من يستمعون [يونس: 42] ~~لما كانت «من» و «هو» من الأسماء التي فيها إبهام ويكنى بها عن أفراد وجمع ~~ثم حكى قول الملائكة، وما منا وهذا يؤيد أن الجنة أراد بها الملائكة كأنه ~~قال ولقد علمت كذا أو أن قولها لكذا، وتقدير الكلام ما منا ملك، وروت عائشة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن السماء ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ~~ساجد أو واقف يصلي» ، وقال ابن مسعود «موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو ~~قدماه» ، وقرأ ابن مسعود «وإن كلنا لما له مقام معلوم» ، والصافون معناه ~~الواقفون صفوفا، والمسبحون يحتمل أن يريد به الصلاة، ويحتمل أن يريد به قول ~~سبحان الله، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أقيمت الصلاة ~~صرف وجهه إلى الناس فيقول لهم: عدلوا صفوفكم وأقيموها فإن الله تعالى إنما ~~يريد بكم هدي الملائكة، فإنها تقول وإنا لنحن ms3005 الصافون وإنا لنحن المسبحون، ~~ثم يرى تقويم الصفوف، وعند ذلك ينصرف ويكبر، قال الزهراوي: قيل إن المسلمين ~~إنما اصطفوا منذ نزلت هذه الآية، ولا يصطف أحد من أهل الملل غير المسلمين، ~~ثم ذكر عز وجل مقالة بعض الكفار، وقال قتادة والسدي والضحاك فإنهم قبل نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لو كان لنا كتاب أو جاءنا رسول لكنا من أتقى ~~عباد الله وأشدهم إخلاصا فلما جاءهم محمد كفروا فاستوجبوا أليم العقاب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصافات (37) : الآيات 170 الى 182] # فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) ~~إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم حتى حين ~~(174) # وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم ~~فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) # سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله ~~رب العالمين (182) # قوله تعالى: فسوف يعلمون، وعيد محض لأنهم تمنوا أمرا فلما جاءهم الله ~~تعالى به كفروا واستهواهم الحسد، ثم أنس تعالى نبيه وأولياءه بأن القضاء قد ~~سبق، والكلمة قد حقت في الأزل بأن رسل PageV04P489 # الله تعالى إلى أرضه هم المنصورون على من ناوأهم المظفرون بإرادتهم ~~المستوجبون الفلاح في الدارين، وقرأ الضحاك «كلماتنا» بألف على الجمع، وجند ~~الله هم الغزاة لتكون كلمات الله هي العليا، وقال علي بن أبي طالب: جند ~~الله في السماء الملائكة، وفي الأرض الغزاة وقوله تعالى، فتول عنهم حتى حين ~~وعد للنبي صلى الله عليه وسلم وأمر بالموادعة، وهذا مما نسخته آية السيف، ~~واختلف الناس في المراد ب «الحين» ، هنا، فقال السدي: الحين المقصود يوم ~~بدر ورجحه الطبري، وقال قتادة: الحين موتهم، وقال ابن زيد: الحين المقصود ~~يوم القيامة، وقوله تعالى: وأبصرهم فسوف يبصرون وعد للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ووعيد لهم أي سوف يرون عقبى طريقتهم، ثم قرر تعالى نبيه على جهة ~~التوبيخ لهم على استعجالهم عذاب الله، وقرأ جمهور الناس «فإذا نزل بساحتهم» ~~على بناء الفعل للفاعل أي نزل العذاب، وقرأ ابن مسعود «نزل بساحتهم» ms3006 على ~~بنائه للمفعول، والساحة الفناء، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على ~~الإنسان من خير أو شر، وسوء الصباح أيضا مستعمل في ورود الغارات والرزايا، ~~ونحو ذلك ومنه قول الصارخ: يا صباحاه! كأنه يقول قد ساء لي الصباح ~~فأغيثوني، وقرأ ابن مسعود «فبئس صباح» ، ثم أعاد عز وجل أمر نبيه بالتولي ~~تحقيقا لتأنيسه وتهمما به، وأعاد توعدهم أيضا لذلك، ثم نزه نفسه تنزيها ~~مطلقا عن جميع ما يمكن أن يصفه به أهل الضلالات، والعزة في قوله رب العزة ~~هي العزة المخلوقة الكائنة، للأنبياء والمؤمنين وكذلك قال الفقهاء من أجل ~~أنها مربوبة، وقال محمد بن سحنون وغيره: من حلف بعزة الله فإن كان أراد ~~صفته الذاتية فهي يمين، وإن كان أراد عزته التي خلقها بين عباده وهي التي ~~في قوله رب العزة فليست بيمين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~«إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، فإنما أنا أحدهم» ، وباقي الآية بين، ~~وذكر أبو حاتم عن صالح بن ميناء قال: # قرأت على عاصم بن أبي النجود فلما ختمت هذه السورة سكت فقال لي: إيه ~~اقرأ، قلت قد ختمت، فقال كذلك فعلت على أبي عبد الرحمن وقال لي كما قلت لك، ~~وقال لي كذلك قال لي علي بن أبي طالب وقال: «وقل آذنتكم باذانة المرسلين ~~لتسألن عن النبإ العظيم» ، وفي مصحف عبد الله «عن هذا النبإ العظيم» . PageV04P490 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ص # هذه السورة مكية بإجماع من المفسرين. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال ~~الكافرون هذا ساحر كذاب (4) # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) # قرأ الحسن وأبي بن كعب وابن أبي إسحاق: «صاد» بكسر الدال على أنه أمر من ~~صادى يصادي إذا ضاهى وماثل، أي صار كالصدى الذي يحكي الصياح، والمعنى: ماثل ~~القرآن ms3007 بعلمك وقارنه بطاعتك، وهكذا فسر الحسن، أي انظر أين عملك منه، وقال ~~جمهور الناس: إنه حرف المعجم المعروف، ويدخله ما يدخل سائر أوائل السور من ~~الأقوال، ويختص هذا الموضع بأن قال بعض الناس: معناه صدق محمد. # وقال الضحاك معناه: صدق الله، وقال محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء ~~الله: صمد صادق الوعد، صانع المصنوعات، وقرأها الجمهور: «صاد» بسكون الدال، ~~وقرأ ابن أبي إسحاق بخلاف عنه «صاد» بكسر الدال وتنوينها على القسم، كما ~~تقول: الله لأفعلن. وحكى الطبري وغيره عن ابن أبي إسحاق: # «صاد» بدون تنوين، وألحقه بقول العرب: خاث باث، وخار وباز. وقرأ فرقة ~~منها عيسى بن عمر: «صاد» بفتح الدال، وكذلك يفعل في نطقه بكل الحروف، يقول: ~~قاف، ونون، ويجعلها كأين وليت. قال الثعلبي، وقيل معناه: صاد محمد القلوب، ~~بأن استمالها للإيمان. # وقوله: والقرآن ذي الذكر قسم. وقال السدي وابن عباس وسعيد بن جبير، معناه ~~ذي الشرف الباقي المخلد. وقال قتادة والضحاك: ذي التذكرة للناس والهداية ~~لهم. وقالت فرقة معناه: ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب. وأما جواب القسم ~~فاختلف فيه، فقالت فرقة: الجواب في قوله: ص إذ هو بمعنى صدق محمد، أو صدق ~~الله. وقال الكوفيون والزجاج، الجواب قوله: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ص: ~~64] . وقال بعض البصريين ومنهم الأخفش، الجواب في قوله: إن كل إلا كذب ~~الرسل [ص: 14] . # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان بعيدان. PageV04P491 # وقال قتادة والطبري: الجواب مقدر قبل بل، وهذا هو الصحيح، تقديره: ~~والقرآن ما الأمر كما يزعمون، ونحو هذا من التقدير فتدبره. وحكى الزجاج عن ~~قوم أن الجواب قوله: كم أهلكنا وهذا متكلف جدا. والعزة هنا: المعازة ~~والمغالبة. والشقاق: نحوه أي هم في شق، والحق في شق. و: كم للتكثير، وهي ~~خبر فيه مثال ووعيد، وهي في موضع نصب ب أهلكنا. والقرن الأمة من الناس ~~يجمعها زمن أحد، وقد تقدم تحريره مرارا. # وقوله: فنادوا معناه: مستغيثين، والمعنى أنهم فعلوا ذلك بعد المعاينة فلم ~~ينفع ذلك، ولم يكن في وقت نفع. ولات بمعنى: ms3008 ليس، واسمها مقدر عند سيبويه، ~~تقديره ولات الحين حين مناص، وهي: لا (لحقتها: تاء، كما تقول) ربت وثمت. ~~قال الزجاج: وهي كتاء جلست وقامت، تاء الحروف كتاء الأفعال دخلت على ما لا ~~يعرب في الوجهين، ولا تستعمل «لا» مع التاء إلا في الحين والزمان والوقت ~~ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر [محمد بن عيسى بن طلحة] : [الكامل] لات ساعة ~~مندم وقال الآخر: [الوافر] # تذكر حب ليلى لات حينا ... وأضحى الشيب قد قطع القرينا # وأنشد بعضهم في هذا المعنى: [الخفيف] # طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء # وأنشد الزجاج بكسر التاء، وهذا كثير، قراءة الجمهور: فتح التاء من: «لات» ~~والنون من: «حين» وروي عن عيسى كسر التاء من: «لات» ونصب النون. وروي عنه ~~أيضا: «حين» بكسر النون، واختلفوا في الوقف على: لات فذكر الزجاج أن الوقف ~~بالتاء، ووقف الكسائي بالهاء، ووقف قوم واختاره أبو عبيد على «لا» ، وجعلوا ~~التاء موصولة ب حين، فقالوا «لا تحين» . وذكر أبو عبيد أنها كذلك في مصحف ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويحتج لهذا بقول أبي وجزة: [الكامل] # العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم # يمدح آل الزبير. وقرأ بعض الناس: «لات حين» برفع النون من: حين على إضمار ~~الخبر. # والمناص: المفر، ناص ينوص، إذا فات وفر، قال ابن عباس: المعنى ليس بحين ~~نزو ولا فرار ضبط القوم. والضمير في: عجبوا لكفار قريش، واستغربوا أن نبىء ~~بشر منهم فأنذرهم، وأن وحد إلها، وقالوا: كيف يكون إله واحد يرزق الجميع ~~وينظر في كل أمرهم؟ و: عجاب بناء مبالغة، كما قالوا سريع وسراع، وهذا كثير. # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: «عجاب» بشد الجيم، ونحوه قول ~~الراجز: [الرجز] # جاؤوا بصيد عجب من العجب ... أزيد والعينين طوال الذنب PageV04P492 # وقد قالوا: رجل كرام، أي كريم. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 6 الى 9] # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) ما ~~سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن ms3009 هذا إلا اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب (9) # روي في قصص هذه الآية أن أشراف قريش وجماعتهم اجتمعوا عند مرض أبي طالب ~~عم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن من القبيح علينا أن يموت أبو طالب ~~ونؤذي محمدا بعده، فتقول العرب: # تركوه مدة عمه، فلما مات آذوه، ولكن لنذهب إلى أبي طالب فلينصفنا منه، ~~وليربط بيننا وبينه ربطا، فنهضوا إليه، فقالوا يا أبا طالب إن محمدا يسب ~~ويسفه آراءنا وآراء آبائنا ونحن لا نقاره على ذلك، ولكن افصل بيننا وبينه ~~في حياتك، بأن يقيم في منزله يعبد ربه الذي يزعم، ويدع آلهتنا، ولا يعرض ~~لأحد منا بشيء من هذا، فبعث أبو طالب في محمد صلى الله عليه وسلم، فقال يا ~~محمد، إن قومك قد دعوك إلى النصفة، وهي أن تدعهم وتعبد ربك وحدك، فقال: أو ~~غير ذلك يا عم؟ قال وما هو؟ قال: يعطوني كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي ~~إليهم الجزية بها العجم قالوا وما هي؟ فإنا نبادر إليها، قال: لا إله إلا ~~الله، فنفروا عند ذلك، وقالوا ما يرضيك منا غير هذا؟ قال: والله لو ~~أعطيتموني الأرض ذهبا ومالا. وفي رواية: # لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما أرضاني منكم غيرها، فقاموا ~~عند ذلك، وبعضهم يقول: # أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشيء عجاب [ص: 5] ويرددون هذا المعنى، ~~وعقبة بن أبي معيط يقول: امشوا واصبروا على آلهتكم. # وجلبت هذا الخبر تام المعنى، وفي بعض رواياته زيادة ونقصان، والغرض ~~متقارب، ولما ذهبوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، قل لا إله ~~إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال: والله لولا أن تكون سبة في بني ~~بعدي لأقررت بها عينك، ومات وهو يقول: على ملة عبد المطلب، فنزلت في ذلك: # إنك لا تهدي من أحببت [القصص: 56] وانطلق. # فقوله تعالى في هذه الآية: وانطلق الملأ عبارة ms3010 عن خروجهم عن أبي طالب ~~وانطلاقهم من ذلك الجمع، هذا قول جماعة من المفسرين. وقالت فرقة: هي عبارة ~~عن إذاعتهم لهذه الأقاويل، فكأنه كما يقول الناس: انطلق الناس بالدعاء ~~للأمير ونحوه، أي استفاض كلامهم بذلك، والملأ الأشراف والرؤوس الذين يسدون ~~مسد الجميع في الآراء ونحوه. # وقوله: أن امشوا أن مفسرة لا موضع لها في الإعراب، ويجوز أن يكون في موضع ~~نصب بإسقاط حرف الجر، أي بأن، فهي بتقدير المصدر، كأنه قال: وانطلق الملأ ~~منهم بقولهم: امشوا ومعنى الآية أنه قال بعضهم لبعض امشوا واصبروا على كل ~~أمر آلهتكم، وذهب بعض الناس إلى أن قولهم: PageV04P493 # امشوا، هو دعاء بكسب الماشية، وفي هذا ضعف، لأنه كان يلزم أن تكون الألف ~~مقطعوعة، لأنه إنما يقال: أمشى الرجل إذا صار صاحب ماشية، وأيضا فهذا ~~المعنى غير متمكن في الآية، وإنما المعنى: # سيروا على طريقتكم ودوموا على سيركم، أو يكون المعنى: أمر من نقل ~~الأقدام، قالوه عند انطلاقهم، وهو في مصحف عبد الله بن مسعود: «وانطلق ~~الملأ منهم يمشون أن اصبروا» . # وقولهم: إن هذا لشيء يراد يريدون ظهور محمد وعلوه بالنبوة، أي يراد منا: ~~الانقياد إليه: # وقولهم: ما سمعنا بهذا يريدون بمثل هذه المقالة أن الإله واحد. # واختلف المتأولون في قولهم: في الملة الآخرة فقال مجاهد: أرادوا ملتهم ~~ونحلتهم التي العرب عليها، ويقال لكل ما تتبعه أمة ما ملة. وقال ابن عباس ~~والسدي: أراد ملة النصارى، وذلك متجه، لأنها ملة شهير فيها التثليث، وأن ~~الإله ليس بواحد. وقالت فرقة معنى قولهم: ما سمعنا أنه يكون مثل هذا، ولا ~~أنه يقال في الملة الآخرة التي كنا نسمع أنها تكون في آخر الزمان، وذلك أنه ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كان الناس يستشعرون خروج نبي وحدوث ملة ~~ودين، ويدل على صحة هذا ما روي من قول الأحبار ذوي الصوامع، وما روي عن شق ~~وسطيح، وما كانت بنو إسرائيل تعتقد من أنه يكون منهم. # وقولهم: إن هذا إلا اختلاق إشارة إلى جميع ما يخبر به محمد ms3011 صلى الله عليه ~~وسلم عن الله تعالى، ثم قالوا على جهة التقرير من بعضهم لبعض، ومضمن ذلك ~~الإنكار: أأنزل عليه الذكر من بيننا بمعنى نحن الأشراف الأعلام، فلم خص ~~هذا؟ وكيف يصح هذا؟ فرد الله تعالى قولهم بما تقضيه بل، لأن المعنى ليس ~~تخصيص الله وإنعامه جار على شهواتهم، بل هم في شك من ذكري أي في ريب أن هذا ~~التذكير بالله حق، ثم توعدهم بقوله: بل لما يذوقوا عذاب أي لو ذاقوه ~~لتحققوا أن هذه الرسالة حق، أي هم لجهالتهم لا يبين لهم النظر، وإنما يبين ~~لهم مباشرة العذاب. # وقرأ ابن مسعود: «أم أنزل» بميم بين الهمزتين، ثم وقفهم احتجاجا عليهم، ~~أعندهم رحمة ربك وخزائنها التي فيها الهدى والنبوءة وكل فضل، فيكون لهم ~~تحكم في الرسالة وغيرها من نعم الله. وأم: # هنا، لم تعادلها ألف، فهي المقطوعة التي معناها إضراب عن الكلام الأول ~~واستفهام، وقدرها سيبويه ب «بل» والألف كقول العرب: إنها لإبل أم شاء. ~~والخزائن للرحمة مستعارة، كأنها موضع جمعها وحفظها من حيث كانت ذخائر البشر ~~تحتاج إلى ذلك خوطبوا في الرحمة بما ينحوا إلى ذلك. وقال الطبري: يعني ب ~~«الخزائن» المفاتيح، والأول أبين، والله أعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 10 الى 14] # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما ~~هنالك مهزوم من الأحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~(12) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب (14) # أم في هذه الآية معادلة للألف المقدرة في أم [ص: 9] الأولى، وكأنه تعالى ~~يقول في هذه PageV04P494 # الآية: أم لهم هذا الملك فتكون النبوءة والرسالة على اختيارهم ونظرهم ~~فليرتقوا في الأسباب إن كان الأمر كذلك، أي إلى السماء، قاله ابن عباس. ~~والأسباب: كل ما يتوصل به إلى الأشياء، وهي هنا بمعنى الحبال والسلاليم. ~~وقال قتادة: أراد أبواب السماء. # وقوله تعالى: جند ما هنالك مهزوم اختلف المتأولون في الإشارة ب هنالك إلى ~~ما هي؟ # فقالت فرقة: أشار ms3012 إل الارتقاء في الأسباب، أي هؤلاء القوم إن راموا ذلك ~~جند مهزوم، وهذا قوي. وقالت فرقة: الإشارة ب هنالك إلى حماية الأصنام ~~وعضدها، أي هؤلاء القوم حند مهزوم في هذه السبيل. وقال مجاهد: الإشارة ب ~~هنالك، إلى يوم بدر، وكان غيب أعلم الله به على لسان رسوله، أي جند ~~المشركين يهزمون، فخرج في بدر. وقالت فرقة: الإشارة إلى حصر عام الخندق ~~بالمدينة. # وقوله: من الأحزاب أي من جملة أحزاب الأمم الذين تعصبوا في الباطل وكذبوا ~~الرسل فأخذهم الله تعالى. وما، في قوله: جند ما زائدة مؤكدة وفيها تخصيص. # واختلف المتأولون في قوله: ذي الأوتاد، فقال ابن عباس وقتادة سمي بذلك ~~لأنه كانت له أوتاد وخشب يلعب له بها وعليها. وقال السدي: كان يقتل الناس ~~بالأوتاد، يسمرهم في الأرض بها. وقال الضحاك: أراد المباني العظام الثابتة، ~~وهذا أظهر الأقوال، كما يقال للجبال أوتاد لثبوتها، ويحتمل أن يقال له ذو ~~أوتاد عبارة عن كثرة أخبيته وعظم عساكره، ونحو من هذا قولهم: أهل العمود. # وقرأت فرقة: «ليكة» . وقرأت فرقة: «الأيكة» ، وقد تقدم القول في شرح ذلك ~~في سورة الشعراء، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء المذكورين هم الأحزاب، وضرب بهم ~~المثل لقريش في أنهم كذبوا، ثم أخبر أن عقابه حق على جميعهم، أي فكذلك يحق ~~عليكم أيها المكذبون بمحمد وفي قراءة ابن مسعود: «إن كل لما» . وحكى أبو ~~عمرو الداني إن فيها: «إن كلهم إلا كذب» . # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 15 الى 20] # وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا ~~قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد ~~إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير ~~محشورة كل له أواب (19) # وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) # ينظر بمعنى ينتظر، وهذا إخبار من الله لرسوله صدقه الوجود، ف «الصيحة» ~~على هذا عبارة عن جميع ما نابهم من قتل وأسر وغلبة، وهذا كما تقول: صاح ~~فيهم الدهر. وقال قتادة: توعدهم ms3013 بصيحة القيامة والنفخ في الصور. قال ~~الثعلبي: روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت ~~طائفة: توعدهم بصيحة يهلكون بها في الدنيا، وعلى هذين التأويلين فمعنى ~~الكلام أنهم بمدرج عقوبة PageV04P495 # وتحت أمر خطير، ما ينتظرون فيه إلا الهلكة، وليس معناه التوعد بشيء معين ~~ينتظره محمد فيه كالتأويل الأول. # وقرأ جمهور القراء: «فواق» بفتح الفاء. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب ~~والأعمش وأبو عبد الرحمن: «فواق» بضم الفاء. قال ابن عباس وغيره: هما بمعنى ~~واحد، أي ما لها من انقطاع وعودة، بل هي متصلة حتى تهلكهم، ومنه فواق ~~الحلب: المهلة التي بين الشخبين: وجعلوه مثل قصاص الشعر وقصاصه وغير ذلك، ~~ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من رابط فوق ناقة حرم الله جسده ~~على النار» . وقال ابن زيد وأبو عبيدة ومؤرج والفراء: المعنى مختلف: الضم ~~كما تقدم من معنى فواق الناقة، والفتح بمعنى الإفاقة، أي ما يكون لهم بعد ~~هذه الصيحة إفاقة ولا استراحة، ف «فواق» : مثل جواب، من أجاب. # ثم ذكر عز وجل عنهم أنهم قالوا: ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب والقط: ~~الحظ والنصيب، والقط أيضا: الصك والكتاب من السلطان بصلة ونحوه، ومنه قول ~~الأعشى: [الطويل] # ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويافق # وهو من قططت، أي قطعت. # واختلف الناس في «القط» هنا ما أرادوا به، فقال سعيد بن جبير: أرادوا به ~~عجل لنا نصيبنا من الخير والنعيم في دنيانا. وقال أبو العالية والكلبي: ~~أرادوا عجل لنا صحفنا بإيماننا، وذلك لما سمعوا في القرآن أن الصحف تعطى ~~يوم القيامة بالأيمان والشمائل، قالوا ذلك. وقال ابن عباس وغيره: أرادوا ضد ~~هذا من العذاب ونحوه، فهذا نظير قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء ~~[الأنفال: 42] وقال السدي، المعنى: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك، وعلى ~~كل تأويل، فكلامهم خرج على جهة الاستخفاف والهزء، ويدل على ذلك ما علم من ~~كفرهم واستمر، ولفظ الآية يعطي إقرارا بيوم الحساب. # وقوله تعالى: اصبر على ما يقولون أي من ms3014 هذه الأقاويل التي يريدون بها ~~الاستخفاف ولا يلتفت إليها: واذكر داود ذا الأيد في الدين والشرع والصدع ~~به، فتأس به وتأيد كما تأيد. و: الأيد القوة، وهي في داود متضمنة قوة البدن ~~وقوته على الطاعة. و «الأواب» الرجاع إلى طاعة الله، وقاله مجاهد وابن زيد، ~~وفسره السدي بالمسبح، وذكر الثعلبي أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: الزرقة يمن. وكان داود أزرق. # وأخبر تعالى عما وهب لداود من الكرامة في أن سخر الجبال تسبح معه، وظاهر ~~الآية عموم الجبال. # وقالت فرقة: بل هي الجبال التي كان فيها وعندها، وتسبيح الجبال هنا ~~حقيقة. والإشراق وقت ضياء الشمس وارتفاعها، ومنه قولهم: أشرق ثبير، أي ادخل ~~في الشروق، وفي هذين الوقتين كانت صلاة بني إسرائيل. وقال ابن عباس: صلاة ~~الضحى عندنا هي صلاة الإشراق، وهي في هذه الآية. # وقوله تعالى: والطير عطف على الجبال، أي وسخرنا الطير، ومحشورة نصب على ~~الحال، ومعناه: مجموعة. PageV04P496 # وقرأ ابن أبي عبلة: «والطير محشورة» بالرفع فيهما. والضمير في: له قالت ~~فرقة: هو عائد على داود، ف كل للجبال والطير. # وقوله تعالى: وشددنا ملكه عبارة عامة لجميع ما وهبه الله تعالى من قوة ~~وخير ونعمة، وقد خصص بعض المفسرين في ذلك أشياء دون أشياء، فقال السدي: ~~بالجنود. وقال آخرون: بهيبة جعلها الله تعالى له. # وقرأ الجمهور: «وشددنا» بتخفيف الدال الأولى. وروي عن الحسن: «شددنا» ~~بشدها على المبالغة. # والحكمة: الفهم في الدين وجودة النظر، هذا قول فرقة. وقالت فرقة: أراد ب ~~الحكمة النبوءة. وقال أبو العالية: الحكمة العلم الذي لا ترده العقول. # قال القاضي أبو محمد: هي عقائد البرهان واختلف الناس في فصل الخطاب، فقال ~~ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه. وقال ~~علي بن أبي طالب وشريح والشعبي: فصل الخطاب إيجاب اليمين على المدعى عليه، ~~والبينة على المدعي. وقال الشعبي أيضا وزياد: أراد قول أما بعد، فإنه أول ~~من قالها، والذي يعطيه لفظ الآية أن الله تعالى آتاه أنه كان إذا ms3015 خاطب في ~~نازلة فصل المعنى وأوضحه وبينه، لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف، وهذه صفة ~~قليل من يدركها، فكان كلامه عليه السلام فصلا، وقد قال الله تعالى في صفة ~~القرآن: إنه لقول فصل [الطارق: 13] ويزيد محمد صلى الله عليه وسلم على هذه ~~الدرجة بالإيجاز في العبارة وجمع المعاني الكثيرة في اللفظ اليسير، وهذا هو ~~الذي تخصص عليه السلام في قوله: «وأعطيت جوامع الكلم» فإنها في الخلال التي ~~لم يؤتها أحد قبله، ذكر جوامع الكلم معدودة في ذلك مسلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 21 الى 24] # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا ~~إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال ~~أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن ~~كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) # هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم واستفتحت بالاستفهام تعجيبا من ~~القصة وتفخيما لها، لأن المعنى: هل أتاك هذا الأمر العجيب الذي هو عبرة، ~~فكأن هذا الاستفهام إنما هو تهيئة نفس المخاطب وإعدادها للتلقي. والخصم جار ~~مجرى عدل وزور، يوصف به الواحد والاثنان والجميع، ومنه قول لبيد: [الطويل] PageV04P497 # وخصم يعدو الذحول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب # وتحتمل هذه الآية أن يكون المتسور للمحراب اثنين فقط، لأن نفس الخصومة ~~إنما كانت بين اثنين، فتجيء الضمائر في: تسوروا و: دخلوا و: قالوا على جهة ~~التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ الجمع، ويحتمل أنه جاء مع كل فرقة، ~~كالعاضدة والمؤنسة، فيقع على جميعهم خصم، وتجيء الضمائر حقيقة. و: تسوروا ~~معناه: علوا سوره وهو جمع سورة، وهي القطعة من البناء، وهذا كما تقول: # تسنمت الحائط أو البعير، إذا علوت على سنامه. والمحراب: الموضع الأرفع من ~~القصر أو المسجد، وهو ms3016 موضع التعبد، والعامل في: إذ الأولى نبأ وقيل: أتاك. ~~والعامل في: إذ الثانية تسوروا، وقيل هي بدل من إذ الأولى وقوله تعالى: ~~ففزع منهم يحتمل أن يكون فزعه من الداخلين أنفسهم لئلا يؤذوه، وإنما فزع من ~~حيث دخلوا من غير الباب ودون استئذان، وقيل إن ذلك كان ليلا، ذكره الثعلبي، ~~ويحتمل أن يكون فزعه من أن يكون أهل ملكه قد استهانوه حتى ترك بعضهم ~~الاستئذان، فيكون فزعه على فساد السيرة لا من الداخلين. ويحتمل قولهم: لا ~~تخف أنهم فهموا منه عليه السلام خوفه. # وهنا قصص طول الناس فيها، واختلفت الروايات به، ولا بد أن نذكر منه ما لا ~~يقوم تفسير الآية إلا به، ولا خلاف بين أهل التأويل أنهم إنما كانوا ملائكة ~~بعثهم الله ضرب مثل لداود عليه السلام، فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو ~~في نحوها، فأفتى بفتيا هي واقفة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد، خر ~~وأناب واستغفر، وأما نازلته التي وقع فيها، فروي أنه عليه السلام جلس في ~~ملإ من بني إسرائيل فأعجب بعمله، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف على نفسه ~~الفتنة، ويقال بل وقعت له في مثل هذا مجاورة مع الملكين الحافظين عليه فقال ~~لهما: جرباني يوما، فإني وإن غبتما عني لا أواقع مكروها. وقال السدي: # كان داود قد قسم دهره: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما لعبادته، ويوما ~~لشأن نفسه، ففتن يوم خلوه للعبادة لما تمنى أن يعطى مثل فضل إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب، والتزم أن يمتحن كما امتحنوا، وقيل في السبب غير هذا مما لا يصح ~~تطويله. قال ابن عباس ما معناه: أنه أخذ داود يوما في عبادته وانفرد في ~~محرابه يصلي ويسبح إذ دخل عليه طائر من كوة، فوقع بين يديه، فروي أنه كان ~~طائرا حسن الهيئة: حمامة، فمد داود يده ليأخذه فزال مطمعا له فما زال يتبعه ~~حتى صعد الكوة التي دخل منها فصعد داود ليأخذه، فتنحى له الطائر، فتطلع ~~داود عليه السلام، فإذا هو بامرأة تغتسل عريانة، فرأى ms3017 منظرا جميلا فتنه، ثم ~~إنها شعرت به، فأسبلت شعرها على بدنها فتجللت به، فزاده ولوعا بها، ثم إنه ~~انصرف وسأل عنها، فأخبر أنها امرأة رجل من جنده يقال له: أوريا وإنه في بعث ~~كذا وكذا، فيروى أنه كتب إلى أمير تلك الحرب أن قدم فلانا يقاتل عند ~~التابوت، وهو موضع بركاء الحرب قلما يخلص منه أحد، فقدم ذلك الرجل حتى ~~استشهد هنالك. # ويروى أن داود كتب أن يؤمر ذلك الرجل على جملة من الرجال، وترمى به ~~الغارة والوجوه الصعبة من الحرب، حتى قتل في الثالثة من نهضاته، وكان لداود ~~فيما روي تسع وتسعون امرأة، فلما جاءه الكتاب بقتل من قتل في حربه، جعل ~~كلما سمي رجل يسترجع ويتفجع، فلما سمي الرجل قال: كتب الموت على كل نفس، ثم ~~إنه خطب المرأة وتزوجها، فكانت أم سليمان فيما روي عن قتادة فبعث الله ~~تعالى إليه PageV04P498 # الخصم ليفتي بأن هذا ظلم. وقالت فرقة: إن هذا كله هم به داود ولم يفعله، ~~وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك. وقال آخرون: إنما الخطأ في أن لم يجزع ~~عليه كما جزع على غيره من جنده، إذ كان عنده أمر المرأة. # قال القاضي أبو محمد: والرواة على الأول أكثر، وفي كتب بني إسرائيل في ~~هذه القصة صور لا تليق، وقد حدث بها قصاص في صدر هذه الأمة، فقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: من حدث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود عليه ~~السلام جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله. # وقوله: خصمان تقديره: نحن خصمان، وهذا كقول الشاعر: [الطويل] # وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما # نزيعان من جرم ابن زبان إنهم ... أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما # ونحوه قال العرب في مثل: محسنة فهيلي، التقدير: أنت محسنة، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # «آئبون تائبون» . و: بغى معناه: اعتدى واستطال، ومنه قول الشاعر: ~~[الوافر] # ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم # وقوله: فاحكم بيننا بالحق ولا ms3018 تشطط إغلاظ على الحاكم واستدعاء بعدله، ~~وليس هذا بارتياب منه، ومنه قول الرجل للنبي عليه السلام: فاحكم بيننا ~~بكتاب الله. # وقرأ جمهور الناس: «ولا تشطط» بضم التاء وكسر الطاء الأولى، معناه: ولا ~~تتعد في حكمك. وقرأ أبو رجاء وقتادة: «تشطط» بفتح التاء وضم الطاء، وهي ~~قراءة الحسن والجحدري، ومعناه: ولا تبعد، يقال: شط إذا بعد، وأشط إذا أبعد ~~غيره. وقرأ زر بن حبيش: «تشاطط» بضم التاء وبالألف. و: سواء الصراط معناه: ~~وسط الطريق ولا حبه. # وقوله: إن هذا أخي إعراب أخي عطف بيان، وذلك أن ما جرى من هذه الأشياء ~~صفة كالخلق والخلق وسائر الأوصاف، فإنه نعت محض، والعامل فيه هو العامل في ~~الموصوف، وما كان منها مما ليس ليوصف به بتة فهو بدل، والعامل فيه مكرر، ~~وتقول: جاءني أخوك زيد، فالتقدير: جاءني أخوك جاءني زيد، فاقتصر على حذف ~~العامل في البدل والمبدل منه في قوله: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون ~~أنهم إليهم لا يرجعون [يس: 31] وما كان منها مما لا يوصف به واحتيج إلى أن ~~يبين به ويجري مجرى الصفة فهو عطف بيان، وهو بين في قول الشاعر: [الرجز] يا ~~نصر نصرا نصرا فإن الرواية في الثاني بالتنوين، فدل ذلك على أن النداء ليس ~~بمكرر عليه، فليس ببدل، وصح فيه عطف البيان، وهذه الأخوة مستعارة، إذ هما ~~ملكان، لكن من حيث تصورا آدميين تكلما بالأخوة التي بينهما في الدين ~~والإيمان، والله أعلم. و «النعجة» في هذه الآية، عبر بها عن المرأة. ~~والنعجة في كلام العرب تقع PageV04P499 # على أنثى بقر الوحش، وعلى أنثى الضأن، وتعبر العرب بها عن المرأة، وكذلك ~~بالشاة، قال الأعشى: # [الكامل] # فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها # أراد عن امرأته، وفي قراءة ابن مسعود: «وتسعون نعجة أنثى» . وقرأ حفص عن ~~عاصم: «ولي» بفتح الياء. وقرأ الباقون بسكونها، وهما حسنان. وقرأ الحسن ~~والأعرج: «نعجة» بكسر النون، والجمهور على فتحها. وقرأ الحسن: «تسع وتسعون» ~~بفتح التاء فيهما وهي لغة. # وقوله: أكفلنيها أي ردها في ms3019 كفالتي، وقال ابن كيسان، المعنى: اجعلها ~~كفلي، أي نصيبي. # وعزني: معناه غلبني، ومنه قول العرب: من عزبز، أي من غلب سلب وقرأ أبو ~~حيوة: «وعزني» بتخفيف الزاي. قال أبو الفتح: أراد عززني، فحذف الزاي ~~الواحدة تخفيفا كما قال أبو زيد: # أحسن به فهن إليه شوس قال أبو حاتم: ورويت «عزني» بتخفيف الزاي عن عاصم. ~~وقرأ ابن مسعود وأبو الضحى وعبيد بن عمير: «وعازني» ، أي غالبني. # ومعنى قوله: في الخطاب كان أوجه مني وأقوى، فإذا خاطبته كان كلامه أقوى ~~من كلامي، وقوته أعظم من قوتي، فيروى أن داود عليه السلام لما سمع هذه ~~الحجة قال للآخر: ما تقول؟ فأقر وألد، فقال له داود: لئن لم ترجع إلى الحق ~~لأكسرن الذي فيه عيناك. وقال للثاني: لقد ظلمك، فتبسما عند ذلك، وذهبا ولم ~~يرهما لحينه، فشعر حينئذ للأمر. وروي أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى منه. ~~وقيل بل بينا فعله في تلك المرأة وزوجها، وقالا له: إنما نحن مثال لك. وقال ~~بعض الناس: إن داود قال: لقد ظلمك، قبل أن يسمع حجة الآخر، وهذه كانت خطيئة ~~ولم تنزل به هذه النازلة المروية قط. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق ابن عطية رضي الله عنه: وهذا ضعيف من جهات، ~~لأنه خالف متظاهر الروايات، وأيضا فقوله: لقد ظلمك إنما معناه إن ظهر صدقك ~~ببينة أو باعتراف، وهذا من بلاغة الحاكم التي ترد المعوج إلى الحق، وتفهمه ~~ما عند القاضي من الفطنة. وقال الثعلبي: كان في النازلة اعتراف من المدعى ~~عليه حذف اختصارا، ومن أجله قال داود: لقد ظلمك. # وقوله عليه السلام: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» أضاف الضمير إلى المفعول، ~~والخلطاء الأشراك والمتعاقبون في الأملاك والأمور، وهذا القول من داود وعظ ~~وبسط لقاعدة حق ليحذر من الوقوع في خلاف الحق. وما في قوله: وقليل ما هم ~~زائدة مؤكدة. # وقوله تعالى: وظن داود معناه: شعر للأمر وعلمه. وقالت فرقة: ظن هنا بمعنى ~~أيقن. # قال القاضي أبو محمد: والظن أبدا في كلام العرب إنما حقيقته توقف بين ~~معتقدين يغلب ms3020 أحدهما على الآخر، وتوقعه العرب على العلم الذي ليس على ~~الحواس ولا له اليقين التام، ولكن يخلط الناس في PageV04P500 # هذا ويقولون ظن بمعنى: أيقن، ولسنا نجد في كلام العرب على العلم الذي ليس ~~على الحواس شاهدا يتضمن أن يقال: رأى زيد كذا وكذا فظنه. وانظر إلى قوله ~~تبارك وتعالى في كتابه: ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها [الكهف: ~~53] وإلى قول دريد بن الصمة: [الطويل] # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم بالفارسي المسرد # وإلى هذه الآية: وظن داود فإنك تجد بينها وبين اليقين درجة، ولو فرضنا ~~أهل النار قد دخلوها وباشروا، لم يقل «ظن» ولا استقام ذلك، ولو أخبر جبريل ~~داود بهذه الفتنة لم يعبر عنها ب «ظن» ، فإنما تعبر العرب بها عن العلم ~~الذي يقارب اليقين وليس به، لم يخرج بعد إلى الإحساس وقرأ جمهور الناس: ~~«فتناه» بفتح التاء وشد النون، أي ابتليناه وامتحناه. وقرأ عمر بن الخطاب ~~وأبو رجاء والحسن: بخلاف عنه، «فتناه» بشد التاء والنون على معنى المبالغة. ~~وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر: «فتناه» بتخفيف التاء والنون على أن ~~الفعل للخصمين، أي امتحناه عن أمرنا، وهي قراءة قتادة. وقرأ الضحاك: ~~«افتتناه» . # وقوله: وخر أي ألقى بنفسه نحو الأرض متضامنا متواضعا، والركوع والسجود: ~~الانخفاض والترامي نحو الأرض، وخصصتها الشرائع على هيئات معلومة. وقال قوم ~~يقال: «خر» ، لمن ركع وإن كان لم ينته إلى الأرض. وقال الحسن بن الفضل، ~~المعنى: خر من ركوعه، أي سجد بعد أن كان راكعا. وقال أبو سعيد الخدري: ~~رأيتني في النوم وأنا أكتب سورة: «ص» فلما بلغت هذه الآية سجد القلم، ~~ورأيتني في منام آخر وشجرة تقرأ: «ص» فلما بلغت هذا سجدت، وقالت: اللهم ~~اكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما ~~تقبلت من عبدك داود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ قلت لا، قال: أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة، ثم ~~تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات ms3021 حتى بلغ: وأناب، فسجد، وقال كما ~~قالت الشجرة. وأناب معناه: رجع وتاب، ويروى عن مجاهد أن داود عليه السلام ~~بقي في ركعته تلك لاصقا بالأرض يبكي ويدعو أربعين صباحا حتى نبت العشب من ~~دمعه، وروي غير هذا مما لا تثبت صحته. وروي أنه لما غفر الله له أمر ~~المرأة، قال: # يا رب فكيف لي بدم زوجها إذا جاء يطلبني يوم القيامة، فأوحى الله إليه ~~أني سأستوهبه ذلك يا داود، وأجعله أن يهبه راضيا بذلك، فحينئذ سر داود عليه ~~السلام واستقرت نفسه، وروي عن عطاء الخراساني ومجاهد أن داود عليه السلام ~~نقش خطيئته في كفه فكان يراها دائما ويعرضها على الناس في كل حين من خطبه ~~وكلامه وإشاراته وتصرفه تواضعا لله عز وجل وإقرارا، وكان يسيح في الأرض ~~ويصيح: إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتد ~~إلي روحي، سبحانك، إلهي أتيت أطباء الدين يداووا علتي، فكلهم عليك دلني. ~~وكان يدخل في صدر خطبته الاستغفار للخاطئين، وما رفع رأسه إلى السماء بعد ~~خطيئته حياء صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء المرسلين. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 25 الى 29] # فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ~~إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا ~~من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب (29) PageV04P501 # «غفرنا» : معناه سترنا، وذلك إشارة إلى الذنب المتقدم. و: «الزلفى» : ~~القربة والمكانة الرفيعة. # و «المآب» : المرجع في الآخرة، ومن آب يؤوب إذا رجع، وبعد هذا حذف يدل ~~عليه ظاهر الكلام، تقديره: وقلنا له يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، ~~واستدل بعض الناس من هذه الآية على احتياج ms3022 الأرض إلى خليفة من الله تعالى. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وليس هذا بلازم من الآية، بل لزومه من ~~الشرع والإجماع، ولا يقال خليفة الله إلا لرسوله، وأما الخلفاء: فكل واحد ~~منهم خليفة الذي قبله، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله، فذلك ~~تجوز وغلو كما قال ابن قيس الرقيات: [المنسرح] # خليفة الله في بريته ... جفت بذاك الأقلام والكتب # ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم حرروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر ~~الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا كان يدعى مدته، فلما ولي ~~عمر قالوا: يا خليفة خليفة رسول الله، فطال الأمر، ورأوا أنه في المستقبل ~~سيطول أكثر، فدعوه أمير المؤمنين، وقصر هذا الاسم على الخلفاء. # وقوله عز وجل: إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد. إلى قوله: ~~وليتذكر أولوا الألباب اعتراض بين الكلامين من أمر داود وسليمان، هو خطاب ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم وعظة لأمته، ووعيد للكفرة به. # وقرأ أبو حيوة: «يضلون» بضم الياء، ونسوا في هذه الآية معناه: تركوا ~~وأخبر تعالى أن الذين كفروا يظنون أن خلق السماء وما بينهما إنما هو باطل ~~لا معنى له، وأن الأمر ليس يؤول إلى ثواب ولا إلى عقاب. # وأخبر تعالى عن كذب ظنهم وتوعدهم بالنار، ثم وقف تعالى على الفرق عنده ~~بين المؤمنين العاملين بالصالحات، وبين المفسدين بالكفرة، وبين المتقين ~~والفجار، وفي هذا التوقيف حض على الإيمان وترغيب فيه، ووعيد للكفرة. ثم ~~أحال في طلب الإيمان والتقوى على كتابه العزيز بقوله: كتاب أنزلناه المعنى: ~~هذا كتاب لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا، وفي هذه الآيات اقتضاب ~~وإيجاز بديع حسب إعجاز القرآن العزيز ووصفه بالبركة لأن أجمعها فيه، لأنه ~~يورث الجنة وينقذ من النار، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا ويكون سبب ~~رفعة شأنه في الحياة الآخرة. PageV04P502 # وقرأ جمهور الناس: «ليدبروا» بشد الدال والباء، والضمير للعالم. وقرأ حفص ~~عن عاصم: # «لتدبروا» على المخاطبة. وقرأ أبو بكر عنه: «لتدبروا» بتخفيف الدال، ~~أصله: تتدبروا، وظاهر ms3023 هذه الآية يعطي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن، ~~فالترتيل إذا أفضل من الهذ، إذ التدبر لا يكون إلا مع الترتيل، وباقي الآية ~~بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 30 الى 35] # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) # الهبة والعطية بمعنى واحد، فوهب الله سليمان لداود ولدا، وأثنى تعالى ~~عليه بأوصاف من المدح تضمنها قوله: نعم العبد. وأواب، معناه: رجاع، ولفظة: ~~أواب هو العامل في إذ، لأن أمر الخيل مقتض أوبة عظيمة. # واختلف الناس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إن سليمان عليه ~~السلام عرضت عليه آلاف من الخيل تركها أبوه له، وقيل: ألف واحد فأجريت بين ~~يديه عشاء، فتشاغل بحسنها وجريها ومحبتها حتى فاته وقت صلاة العشاء. قال ~~قتادة: صلاة العصر ونحوه عن علي بن أبي طالب، فأسف لذلك، وقال: ردوا علي ~~الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف عقرا لما كانت سبب ~~فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها: الريح. وقال قوم منهم الثعلبي: كانت ~~بالناس مجاعة ولحوم الخيل لهم حلال، فإنما عقرها لتؤكل على وجه القربة لها ~~ونحو الهدي عندنا، ونحو هذا ما فعله أبو طلحة الأنصاري بحائطه إذ تصدق به ~~لما دخل عليه الدبسي في الصلاة فشغله. # و «الصافن» : الفرس الذي يرفع إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ~~ذلك برجله، وهي علامة الفراهية، وأنشد الزجاج: [الكامل] # ألف الصفون فلا يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا # وقال أبو عبيدة: «الصافن الذي يجمع يديه ويسويها، وأما الذي يقف على طرف ~~السنبك فهو المخيم. وفي مصحف ابن مسعود: «الصوافن الجياد» . والجياد جمع ~~جود، كثوب وثياب، وسمي به لأنه يجود بجريه. وقال بعض الناس: الخير هنا أراد ms3024 ~~به الخيل. والعرب تسمي الخيل الخير، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لزيد الخيل: أنت زيد الخير. وحب منصوب على المفعول به عند فرقة، كأن ~~أحببت بمعنى آثرت. وقالت فرقة: المفعول ب أحببت محذوف، وحب PageV04P503 # نصب على المصدر، أي أحببت هذه الخيل حب الخير، وتكون الخير على هذا ~~التأويل غير الخيل، وفي مصحف ابن مسعود: «حب الحيل» ، باللام. وقالت فرقة: ~~أحببت معناه: سقطت إلى الأرض لذنبي، مأخوذ من أحب البعير إذا أعيا وسقط ~~هزالا. وحب على هذا مفعول من أجله. والضمير في توارت للشمس، وإن كان لم يجر ~~لها ذكر صريح، لأن المعنى يقتضيها، وأيضا فذكر العشي يقتضي لها ذكرا ~~ويتضمنها، لأن العشي إنما هو مقدر متوهم بها. وقال بعض المفسرين في هذه ~~الآية: حتى توارت بالحجاب يريد الخيل، أي دخلت اصطبلاتها. وقال ابن عيسى ~~والزهري: إن مسحه بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف، بل بيده تكريما لها ~~ومحبة، ورجحه الطبري. وقال بعضهم: بل غسلا بالماء، وقد يقال للغسل مسح، لأن ~~الغسل بالأيدي يقترن به، وهذه الأقوال عندي إنما تترتب على نحو من التفسير ~~في هذه الآية. وروي عن بعض الناس، وذلك أنه رأى أن هذه القصة لم يكن فيها ~~فوت صلاة ولا تضمن أمر الخيل أوبة ولا رجوعا، فالعامل في: إذ عرض فعل مضمر ~~تقديره: اذكر إذ عرض، وقالوا عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار ~~إليهم، أي في الصلاة، فأزالوها عنه حتى أدخلوها في الاصطبلات، فقال هو لما ~~فرغ من صلاته: إني أحببت حب الخير أي الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ~~ربي، كأنه يقول: فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى أدخلت اصطبلاتها ردوها علي ~~فطفق يمسح أعناقها وسوقها محبة لها، وذكر الثعلبي أن هذا المسح إنما كان ~~وسما في السوق والأعناق بوسم حبس في سبيل الله. وجمهور الناس على أنها كانت ~~خيلا موروثة. قال بعضهم: قتلها حتى لم يبق منها أكثر من مائة فرس، فمن نسل ~~تلك المائة كل ما يوجد اليوم من الخيل، ms3025 وهذا بعيد. وقالت فرقة: كانت خيلا ~~أخرجتها الشياطين له من البحر وكانت ذوات أجنحة. وروي عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه أنها كانت عشرين فرسا. وطفق معناه: دام يقتل، كما تقول: جعل ~~يفعل. # وقرأ جمهور الناس: «بالسوق» بسكون الواو وهو جمع ساق. وقرأ ابن كثير ~~وحده: «السؤق» بالهمز. # قال أبو علي: وهي ضعيفة، لكن وجهها في القياس أن الضمة لما كانت تلي ~~الواو قدر أنها عليها فهمزت كما يفعلون بالواو المضمومة، وهذا نظير إمالتهم ~~ألف «مقلات» من حيث وليت الكسرة القاف، قدروا أن القاف هي المكسورة، ووجه ~~همزة السوق من السماع أن إباحية النميري كان يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، ~~وكان ينشد: # لحب الموقدين إلي موسى وقرأ ابن محيصن: «بالسؤوق» بهمزة بعدها الواو. # وقوله تعالى: عن ذكر ربي فإن عن على كل تأويل هنا للمجاورة من شيء إلى ~~شيء، وتدبره فإنه مطرد. # ثم أخبر الله تعالى عن فتنته لسليمان وامتحانه إياه لزوال ملكه، وروي في ~~ذلك أن سليمان عليه السلام قالت له حظية من حظاياه إن أخي له خصومة، فأرغب ~~أن تقضي له بكذا وكذا بشيء غير الحق، فقال سليمان عليه السلام: أفعل، ~~فعاقبه الله تعالى بأن سلط على خاتمه جنيا، وذلك أن سليمان عليه السلام PageV04P504 # كان لا يدخل الخلاء بخاتم الملك، توقيرا لاسم الله تعالى، فكان يضعه عند ~~امرأة من نسائه، ففعل ذلك يوما، فألقى الله شبهه على جني اسمه صخر فيما روي ~~عن ابن عباس. وقيل غير هذا مما اختصرناه لعدم الصحة، فجاء إلى المرأة فدفعت ~~إليه الخاتم فاستولى على ملك سليمان، وبقي فيه أربعين يوما، وطرح خاتم ~~سليمان في البحر، وجعل يعبث في بني إسرائيل، وشبه سليمان عليه حتى أنكروا ~~أفعاله، ومكنه الله تعالى من جميع الملك. قال مجاهد: إلا من نساء سليمان ~~فإنه لم يكشفهن، وكان سليمان خلال ذلك قد خرج فارا على وجهه منكرا، لا ~~ينتسب لقوم إلا ضربوه، وأدركه جوع وفاقة فمر يوما بامرأة تغسل حوتا فسألها ~~منه لجوعه، وقيل بل ms3026 اشتراه فأعطته حوتين، فجعل يفتح أجوافها، وإذا خاتمه في ~~جوف أحدهما، فعاد إليه ملكه، وتسخرت له الجن والريح من ذلك اليوم بدعوته، ~~وفر صخر الجني، فأمر سليمان به فسيق وأطبق عليه في حجارة، وسجنه في البحر ~~إلى يوم القيامة، فهذه هي الفتنة التي فتن سليمان عليه السلام وامتحن بها. # واختلف الناس في الجسد الذي ألقي على كرسيه، فقال الجمهور: هو الجني ~~المذكور، سماه جسدا لأنه كان قد تمثل في جسد سليمان وليس به. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح الأقوال وأبينها معنى. # وقالت فرقة: بل ألقي على كرسيه جسد ابن له ميت. وقالت فرقة: بل شق الولد ~~الذي ولد له حين أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقال قوم: مرض ~~سليمان مرضا كالإغماء حتى صار على كرسيه كأنه بلا روح، وهذا كله غير متصل ~~بمعنى هذه الآية وأناب معناه ارعوى وانثنى وأجاب إلى طاعة ربه، ومعنى هذا ~~من تلك الحوبة التي وقعت الفتنة بسببها، ثم إن سليمان عليه السلام استغفر ~~ربه واستوهبه ملكا. # واختلف المتأولون في معنى قوله: لا ينبغي لأحد من بعدي فقال جمهور الناس: ~~أراد أن يفرده بين البشر لتكون خاصة له وكرامة، وهذا هو الظاهر من قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته فأخذه وأراد ~~أن يوثقه بسرية من سواري المسجد، قال: «ثم ذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي ~~وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فأرسلته» . وقال قتادة وعطاء بن أبي ~~رباح: إنما أراد سليمان: لا ينبغي لأحد من بعدي مدة حياتي، أي لا أسلبه ~~ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني. وروي في مثالب الحجاج بن يوسف أنه لما ~~قرأ هذه الآية قال: لقد كان حسودا، وهذا من فسق الحجاج. وسليمان عليه ~~السلام مقطوع بأنه إنما قصد بذلك قصدا برا جائزا، لأن للإنسان أن يرغب من ~~فضل الله فيما لا يناله أحد، لا سيما بحسب المكانة والنبوءة، وانظر أن قوله ~~عليه السلام: ينبغي إنما ms3027 هي لفظة محتملة ليست بقطع في أنه لا يعطي الله نحو ~~ذلك الملك لأحد، ومحمد صلى الله عليه وسلم لو ربط الجني لم يكن ذلك نقصا ~~لما أوتيه سليمان، لكن لما كان فيه بعض الشبه تركه جريا منه عليه السلام ~~على اختياره أبدا أيسر الأمرين وأقربهما إلى التواضع. PageV04P505 # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 36 الى 40] # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص ~~(37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ~~(39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) # قرأ الحسن وأبو رجاء: «الرياح» ، والجمهور على الإفراد. # وسخر الله تعالى الريح لسليمان وكان له كرسي عظيم يقال يحمل أربعة آلاف ~~فارس، ويقال أكثر، وفيه الشياطين وتظله الطير، وتأتي عليه الريح الإعصار ~~فتقله من الأرض حتى يحصل في الهواء ثم يتولاه الرخاء، وهي اللينة القوية ~~المتشابهة لا تأتي فيها دفع مفرطة فتحمله غدوها شهر ورواحها شهر، وحيث أصاب ~~حيث أراد، قاله وهب وغيره، وأنشد الثعلبي: [المتقارب] # أصاب الكلام فلم يستطع ... فأخطى الجواب لدى المفصل # ويشبه أن أصاب معدى: صاب يصوب، أي حيث وجه جنوده وجعلهم يصوبون صوب ~~السحاب والمطر. قال الزجاج معناه: قصد، وكذلك قولك للمتكلم أصبت: معناه ~~قصدت الحق وقوله: كل بناء بدل من الشياطين، والمعنى: كل من بنى مصانعه ~~للحروب. ومقرنين معناه: موثقين قد قرن بعضهم ببعض. والأصفاد القيود ~~والأغلال. # واختلف الناس في المشار إليه بقوله: هذا عطاؤنا فقال قتادة: أشار إلى ما ~~فعله بالجن فامنن على من شئت منهم وأطلقه من وثاقه وسرحه من خدمته أو أمسك ~~أمره كما تريد وقال ابن عباس: أشار إلى ما وهبه من النساء وأقدره عليه من ~~جماعهن. وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه من الملك وأمره ~~بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة ثم أباح له ~~التصرف فيه بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته عليه السلام إنما ~~تتصرف بحكم طاعة الله، وهذا أصح ms3028 الأقوال (وأجمعها لتفسير الآية) ، وباقي ~~الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 41 الى 44] # واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض ~~برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا ~~وذكرى لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه ~~صابرا نعم العبد إنه أواب (44) # أيوب هو نبي من بني إسرائيل من ذرية يعقوب عليه السلام، وهو نبي ابتلي في ~~جسده وماله وأهله، وسلم دينه ومعتقده، وروي في ذلك أن الله سلط الشيطان ~~عليه ليفتنه عن دينه، فأصابه في ماله، وقال له: إن أطعتني رجع مالك، فلم ~~يطعه، فأصابه في أهله وولده، فهلكوا من عند آخرهم، وقال له: لو PageV04P506 # أطعتني رجعوا، فلم يطعه، فأصابه في جسده، فثبت أيوب على أمر الله سبع ~~سنين وسبعة أشهر، قاله قتادة. وروى أنس عن النبي عليه السلام أن أيوب بقي ~~في محنته ثماني عشر سنة يتساقط لحمه حتى مله العالم، ولم يصبر عليه إلا ~~امرأته. وروي أن السبب الذي امتحن الله أيوب من أجله هو: أنه دخل على بعض ~~الملوك فرأى منكرا فلم يغيره. وروي أن السبب: كان أنه ذبح شاة وطبخها وأكلت ~~عنده، وجار له جائع لم يعطه منها شيئا. وروي أن أيوب لما تناهى بلاؤه ~~وصبره، مر به رجلان ممن كان بينه وبينهما معرفة فتقرعاه، وقالا له: لقد ~~أذنبت ذنبا ما أذنب أحد مثله، وفهم منهما شماتا به، فعند ذلك دعا ونادى ~~ربه. # وقوله عليه السلام: مسني الشيطان يحتمل أن يشير إلى مسه حين سلطه الله ~~عليه حسبما ذكرنا، ويحتمل أن يريد: مسه إياه حين حمله في أول الأمر على أن ~~يواقع الذنب الذي من أجله كانت المحنة، إما ترك التغيير عند الملك، وإما ~~ترك مواساة الجار. وقيل أشار إلى مسه إياه في تعرضه لأهله وطلبه منه أن ~~يشرك بالله، فكان أيوب يتشكى هذا الفعل، وكان أشد عليه من مرضه. # وقرأ الجمهور: «أني» بفتح الهمزة. وقرأ عيسى بن عمر: «إني» بكسرها. ms3029 # وقوله: أني في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. # وقرأ جمهور الناس: «بنصب» بضم النون وسكون الصاد. وقرأ هبيرة عن حفص عن ~~عاصم: # «بنصب» بفتح النون والصاد، وهي قراءة الجحدري ويعقوب، ورويت عن الحسن ~~وأبي جعفر. وقرأ أبو عمارة عن حفص عن عاصم: «بنصب» بضم النون والصاد، وهي ~~قراءة أبي جعفر بن القعقاع والحسن بخلاف عنه، وروى أيضا هبيرة عن حفص عن ~~عاصم بفتح النون وسكون الصاد، وذلك كله بمعنى واحد، معناه المشقة، وكثيرا ~~ما يستعمل النصب في مشقة الإعياء، وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ، والصواب ~~أنها لغات بمعنى، من قولهم أنصبني الأمر ونصبني إذا شق علي، فمن ذلك قول ~~الشاعر [الطويل] تبغاك نصب من أميمة منصب ومثله قول النابغة: [الطويل] ~~كليني لهم يا أميمة ناصب قال القاضي أبو محمد: وقد قيل في هذا البيت إن ~~ناصبا بمعنى منصب، وأنه على النسب، أي ذا نصب، وهنا في الآية محذوف كثير، ~~تقديره: فاستجاب له. # وقال اركض برجلك والركض: الضرب بالرجل، والمعنى: اركض الأرض. وروي عن ~~قتادة أن هذا الأمر كان في الجابية من أرض الشام. وروي أن أيوب أمر بركض ~~الأرض فركض فيها، فنبعت له عين ماء صافية باردة فشرب منها، فذهب كل مرض في ~~داخل جسده، ثم اغتسل فذهب ما كان في ظاهر بدنه. # وروي أنه ركض مرتين ونبع له عينان: شرب من إحداهما، واغتسل في الأخرى ~~وقرأ نافع وشيبة وعاصم والأعمش: «بعذاب اركض» ، بضم نون التنوين. وقرأ عامة ~~قراء البصرة: «بعذاب اركض» ، بنون مكسورة و: مغتسل معناه: موضع غسل، وماء ~~غسل، كما تقول: هذا الأمر معتبر، وهذا الماء مغتسل مثله. PageV04P507 # وروي أن الله تعالى وهب له أهله وماله في الدنيا، ورد من مات منهم، وما ~~هلك من ماشيته وحاله ثم بارك في جميع ذلك، وولد له الأولاد حتى تضاعف ~~الحال. وروي أن هذا كله وعد في الآخرة، أي يفعل الله له ذلك في الآخرة، ~~والأول أكثر في قول المفسرين. ورحمة نصب على المصدر. # وقوله: وذكرى معناه: موعظة وتذكرة يعتبر ms3030 بها أهل العقول ويتأسون بصبره في ~~الشدائد ولا ييأسون من رحمة الله على حال. وروي أن أيوب عليه السلام كانت ~~زوجته مدة مرضه تختلف إليه، فيلقاها الشيطان في صورة طبيب، ومرة في هيئة ~~ناصح وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرىء، لو ~~ذبح عناقا للصنم الفلاني لبرىء ويعرض عليها وجوها من الكفر، فكانت هي ربما ~~عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: ألقيت عدو الله في طريقك؟ فلما أغضبته بهذا ~~ونحوه، حلف لها لئن برىء من مرضه ليضربنها مائة سوط، فلما برىء أمره الله ~~أن يأخذ ضغثا فيه مائة قضيب. و «الضغث» القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها ~~من الشجر الرطب، قاله الضحاك وأهل اللغة فيضرب به ضربة واحدة فتبر يمينه، ~~ومنه قولهم: ضغث على إبالة. والإبالة: الحزم من الحطب. # و «الضغث» : القبضة عليها من الحطب أيضا، ومنه قول الشاعر [عوف بن الخرع] ~~: [الطويل] # وأسفل مني نهدة قد ربطتها ... وألقيت ضغثا من خلى متطبب # ويروى متطيب. هذا حكم قد ورد في شرعنا عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ~~في حد زنا لرجل زمن، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذق نخلة فيها ~~شماريخ مائة أو نحوها، فضرب به ضربة، ذكر الحديث أبو داود، وقال بهذا بعض ~~فقهاء الأمة، وليس يرى ذلك مالك بن أنس وجميع أصحابه، وكذلك جمهور العلماء ~~على ترك القول به، وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد ~~الضربات. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 45 الى 54] # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) ~~واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين ~~لحسن مآب (49) # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة ~~وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) ~~إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) # قرأ ابن كثير: «واذكر عبدنا» على الإفراد، وهي قراءة ابن عباس وأهل ms3031 مكة. ~~وقرأ الباقون: «واذكر عبادنا» على الجمع، فأما على هذه القراءة فدخل ~~الثلاثة في الذكر وفي العبودية، وأما على قراءة من قرأ «عبدنا» ، فقال مكي ~~وغيره: دخلوا في الذكر ولم يدخلوا في العبودية إلا من غير هذه الآية وفي ~~هذا نظر. # وتأول قوم من المتأولين من هذه الآية أن الذبيح إسحاق من حيث ذكره الله ~~بعقب ذكر أيوب أنبياء PageV04P508 # امتحنهم بمحن كما امتحن أيوب، ولم يذكر إسماعيل لأنه ممن لم يمتحن، وهذا ~~ضعيف كله وقرأ الجمهور: «أولي الأيدي» . # وقرأ الحسن والثقفي والأعمش وابن مسعود: «أولي الأيد» ، بحذف الياء، فأما ~~أولو فهو جمع ذو، وأما القراءة الأولى ف «الأيدي» فيها عبارة عن القوة في ~~طاعة الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل هي عبارة عن القوة في طاعة ~~الله، قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة بل هي عبارة عن إحسانهم في الدين ~~وتقديمهم عند الله تعالى أعمال صدق، فهي كالأيادي. وقالت فرقة: بل معناه: ~~أولي الأيد والنعم التي أسداها الله إليهم من النبوءة والمكانة. وقال قوم ~~المعنى: أيدي الجوارح، والمراد الأيدي المتصرفة في الخير والأبصار الثاقبة ~~فيه، لا كالتي هي منهملة في جل الناس، وأما من قرأ «الأيد» دون ياء فيحتمل ~~أن يكون معناها معنى القراءة بالياء وحذفت تخفيفا، ومن حيث كانت الألف ~~واللام تعاقب التنوين وجب أن تحذف معها كما تحذف مع التنوين. وقالت فرقة: ~~معنى «الأيدي» ، القوة، والمراد طاعة الله تعالى. # وقوله تعالى: والأبصار عبارة عن البصائر، أي يبصرون الحقائق وينظرون بنور ~~الله تعالى، وبنحو هذا فسر الجميع. # وقرأ نافع وحده: «إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار» على إضافة «خالصة» إلى ~~ذكرى، وهي قراءة أبي جعفر والأعرج وشيبة. وقرأ الباقون والناس: «بخالصة ذكر ~~الدار» على تنوين «خالصة» ، وقرأ الأعمش: «بخالصتهم ذكر الدار» ، وهي قراءة ~~طلحة. # وقوله: بخالصة يحتمل أن يكون خالصة اسم فاعل كأنه عبر بها عن مزية أو ~~رتبة، فأما من أضافها إلى «ذكرى» ، ف ذكرى مخفوض بالإضافة، ومن نون «خالصة» ~~، ف ذكرى بدل من «خالصة» ، ويحتمل قوله: ms3032 بخالصة أن يكون «خالصة» مصدرا ~~كالعاقبة وخائنة الأعين وغير ذلك، ف ذكرى على هذا ما أن يكون في موضع نصب ~~بالمصدر على تقدير: إنا أخلصناهم بأن أخلصنا لهم ذكرى الدار، ويكون «خالصة» ~~مصدرا من أخلص على حذف الزوائد، وإما أن يكون ذكرى في موضع رفع بالمصدر على ~~تقدير إنا أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار، وتكون «خالصة» من خلص. # والدار في كل وجه في موضع نصب ب ذكرى، وذكرى مصدر، وتحتمل الآية أن يريد ~~ب الدار دار الآخرة على معنى أخلصناهم، بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة ~~ودعاء الناس إليها وحضهم عليها، وهذا قول قتادة، وعلى معنى خلص لهم ذكرهم ~~للدار الآخرة وخوفهم لها والعمل بحسب قول مجاهد. وقال ابن زيد: المعنى إنا ~~وهبناهم أفضل ما في الدار الآخرة وأخلصناهم به وأعطيناهم إياه، ويحتمل أن ~~يريد ب الدار دار الدنيا على معنى ذكر الثناء والتعظيم من الناس والحمد ~~الباقي الذي هو الخلد المجازي، فتجيء الآية في معنى قوله: لسان صدق [مريم: ~~50، الشعراء: 84] وفي معنى قوله: وتركنا عليه في الآخرين [الصافات: 78، ~~108، 119، 129] . والمصطفين أصله: # المصطفيين، تحركت الياء وما قبلها مفتوح فانقلبت ألفا، ثم اجتمع سكون ~~الألف وسكون الياء التي هي علامة الجمع، فحذفت الألف. والأخيار جمع خير، ~~وخير: مخفف من خير كميت وميت. PageV04P509 # وقرأ حمزة والكسائي: «والليسع» ، كأنه أدخل لام التعريف على اليسع، ~~فأجراه مجرى ضيغم ونحوه، وهي قراءة علي بن أبي طالب والكوفيين. وقرأ ~~الباقون: «واليسع» ، قال أبو علي: الألف واللام فيه زائدتان غير معرفتين ~~كما هي في قول الشاعر: [الكامل] # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر # وبنات الأوبر: ضرب من الكمأة. واختلف في نبوة «ذي الكفل» ، وقد تقدم ~~تفسير أمره وقوله تعالى: # هذا ذكر يحتمل معنيين: أحدهما أن يشير إلى مدح من ذكر وإبقاء الشرف له، ~~فيتأيد بهذا التأويل قول من قال آنفا: إن الدار يراد بها الدار الدنيا. ~~والثاني: أن يشير بهذا إلى القرآن، إذ هو ذكر للعالم. # و «المآب» : المرجع حيث يؤوبون. وجنات بدل من ms3033 «حسن» ومفتحة نعت للجنات. # والأبواب مفعول لم يسم فاعله، والتقدير عند الكوفيين: مفتحة لهم أبوابها، ~~ولا يجوز ذلك عند أهل البصرة، والتقدير عندهم: الأبواب منها، وإنما دعا إلى ~~هذا الضمير أن الصفة لا بد أن يكون فيها عائدا على الموصوف. وقاصرات الطرف ~~قال قتادة معناه: على أزواجهن. وأتراب معناه أمثال، وأصله في بني آدم أن ~~تكون الأسنان واحدة، أي مست أجسادهم التراب في وقت واحد. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يوعدون» بالياء من تحت، واختلفا في سورة: (ق) ~~، فقرأها أبو عمرو بالتاء من فوق. وقرأ الباقون في السورتين بالتاء من فوق. ~~والنفاذ: الفناء والانقضاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 55 الى 61] # هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق (57) وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا ~~مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) # قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ~~ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) # التقدير: الأمر هذا، ويحتمل أن يكون التقدير: هذا واقع ونحوه. والطاغي: ~~المفرط في الشر، مأخوذ من طغا يطغى، والطغيان هنا في الكفر. و «المآب» : ~~المرجع، وجهنم بدل من قولهم: # لشر. ويصلونها معناه: يباشرون حرها. والمهاد ما يفترشه الإنسان ويتصرف ~~فيه. # وقوله: هذا فليذوقوه يحتمل أن يكون هذا ابتداء، والخبر حميم ويحتمل أن ~~يكون التقدير: الأمر هذا فليذوقوه، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بفعل يدل ~~عليه فليذوقوه وحميم على هذا خبر ابتداء مضمر. قال ابن زيد: الحميم، دموعهم ~~تجتمع في حياض فيسقونها وقرأ جمهور الناس: «وغساق» بتخفيف السين، وهو اسم ~~بمعنى السائل، يروى عن قتادة أنه ما يسيل من صديد أهل النار. ويروى عن ~~السدي أنه ما يسيل من عيونهم. ويروى عن كعب الأحبار أنه ما يسيل من حمة ~~عقارب النار، وهي يقال مجتمعة عندهم. وقال الضحاك: هو أشد الأشياء بردا. ~~وقال عبد الله بن PageV04P510 # بريدة: هو أنتن الأشياء، ورواه أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. ms3034 ~~وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: «وغساق» بتشديد السين، بمعنى سيال وهي ~~قراءة قتادة وابن أبي إسحاق وابن وثاب وطلحة، والمعنى فيه على ما قدمناه من ~~الاختلاف غير أنها قراءة تضعف، لأن غساقا إما أن يكون صفة فيجيء في الآية ~~حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وذلك غير مستحسن هنا، وأما أن يكون اسما، ~~فالأسماء على هذا الوزن قليلة في كلام العرب كالفياد ونحوه وقرأ جمهور ~~الناس: «وآخر» بالإفراد، وهو رفع بالابتداء، واختلف في تقدير خبره، فقالت ~~طائفة تقديره: ولهم عذاب آخر. وقالت طائفة: خبره: أزواج لأن قوله: # أزواج ابتداء ومن شكله خبره، والجملة خبر «آخر» . وقالت طائفة: خبره ~~أزواج، ومن شكله في موضع الصفة. ومعنى من شكله: من مثله وضربه، وجاز على ~~هذا القول أن يخبر الجمع الذي هو أزواج عن الواحد من حيث ذلك الواحد درجات ~~ورتب من العذاب وقوى وأقل منه. وأيضا فمن جهة أخرى على أن يسمى كل جزء من ~~ذلك الآخر باسم الكل، قالوا: عرفات لعرفة: وشابت مفارقه فجعلوا كل جزء من ~~المفرق مفرقا، وكما قالوا: جمل ذو عثانين ونحو هذا، ألا ترى أن جماعة من ~~المفسرين قالوا إن هذا الآخر هو الزمهرير، فكأنهم جعلوا كل جزء منه ~~زمهريرا. # وقرأ أبو عمرو وحده: «وأخر» على الجمع، وهي قراءة الحسن ومجاهد والجحدري ~~وابن جبير وعيسى، وهو رفع بالابتداء وخبره أزواج، ومن شكله في موضع الصفة، ~~ورجح أبو عبيد هذه القراءة وأبو حاتم بكون الصفة جمعا، ولم ينصرف «أخر» ~~لأنه معدول عن الألف واللام صفة، وذلك أن حق أفعل وجمعه أن لا يستعمل إلا ~~بالألف واللام، فلما استعملت «أخر» دون الألف واللام كان ذلك عدلا لها، ~~وجاز في «أخر» أن يوصف بها النكرة كقوله تعالى: فعدة من أيام أخر [البقرة: ~~184- 185] بخلاف جمع ما عدل عن الألف واللام، كسحر ونحوه في أنه لا يجوز أن ~~يوصف به النكرة، لأن هذا العدل في «أخر» اعتد به في منع الصرف ولم يعتد به ~~في الامتناع من صفة النكرة كما يعتدون بالشيء ms3035 في حكم دون حكم، نحو اللام في ~~قولهم: «لا أبا لك، لأن اللام المتصلة بالكاف اعتد بها فاصلة للإضافة، ~~ولذلك جاز دخول لا، ولم يعتد بها في أن أعرب أبا بالحروف وشأنه إذا انفصل ~~ولم يكن مضافا أن يعرب بالحركات فجاءت اللام ملغاة الحكم من حيث أعرب ~~بالحرف، كأنه مضاف وهي معتد بها فاصلة في أن جوزت دخول لا. # وقرأ مجاهد: «من شكله» بكسر الشين. وأزواج معناه: أنواع، والمعنى لهم ~~حميم وغساق وأغذية أخر من ضرب ما ذكره ونحوه أنواع كثيرة. # وقوله تعالى: هذا فوج هو ما يقال لأهل النار إذا سيق عامة الكفار ~~وأتباعهم لأن رؤساءهم يدخلون النار أولا، والأظهر أن قائل ذلك لهم ملائكة ~~العذاب، وهو الذي حكاه الثعلبي وغيره، ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم ~~لبعض، فيقول البعض الآخر: لا مرحبا بهم أي لا سعة مكان ولا خير يلقونه. # والفوج: الفريق من الناس. # وقوله تعالى: بل أنتم لا مرحبا بكم حكاية لقول الأتباع حين سمعوا قول ~~الرؤساء: أنتم قدمتموه معناه بإغوائكم، أسلفتم لنا ما أوجب هذا، فكأنكم ~~فعلتم بنا هذا. PageV04P511 # وقوله: قالوا ربنا حكاية لقول الأتباع أيضا دعوا على رؤسائهم بأن يكون ~~عذابهم مضاعفا. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 62 الى 66] # وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم ~~زاغت عنهم الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا منذر ~~وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) رب السماوات والأرض وما بينهما ~~العزيز الغفار (66) # الضمير في: قالوا لأشراف الكفار ورؤسائهم، أخبر الله عنهم أنهم يتذكرون ~~إذا دخلوا النار لقوم من مستضعفي المؤمنين فيقولون هذه المقالة، وهذا مطرد ~~في كل أمة جاءها رسول. وروي أن القائلين من كفار عصر النبي عليه السلام هم ~~أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأهل القليب ومن جرى مجراهم، قاله مجاهد ~~وغيره، والمعنى: كنا نعدهم في الدنيا أشرارا لا خلاق لهم، وأمال الراء من ~~الأشرار: أبو عمرو وابن عامر والكسائي، وفتحها ابن ms3036 كثير وعاصم، وأشم نافع ~~وحمزة. # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: أتخذناهم سخريا بألف الاستفهام، ومعناها: ~~تقرير أنفسهم على هذا على جهة التوبيخ لها والأسف، أي أتخذناهم سخريا ولم ~~يكونوا كذلك، واستبعد معنى هذه القراءة أبو علي. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ~~«سخريا» بضم السين، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر وابن مسعود وأصحابه ~~ومجاهد والضحاك، ومعناها: من السخرة والاستخدام. وقرأ الباقون: «سخريا» ~~بكسر السين وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وعيسى وابن محيصن ومعناه المشهور من ~~السخر الذي هو الهزء، ومنه قول الشاعر [عامر بن الحارث] : [البسيط] # إني أتاني لسان لا أسر بها ... من علو لا كذب فيها ولا سخر # وقالت فرقة يكون كسر السين من التسخير. # و: أم في قولهم: أم زاغت معادلة ل ما في قولهم: ما لنا لا نرى وذلك أنها ~~قد تعادل ما، وتعادل من، وأنكر بعض النحويين هذا، وقال: إنها لا تعادل إلا ~~الألف فقط. والتقدير في هذه الآية: أمفقودون هم أم زاغت؟ ومعنى هذا الكلام: ~~أليسوا معنا أم هم معنا؟ ولكن أبصارنا تميل عنهم فلا تراهم، والزيغ: الميل. # ثم أخبر الله تعالى نبيه بقوله: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار و: تخاصم بدل ~~من قوله: # لحق. # وقرأ ابن أبي عبلة: «تخاصم» بفتح الميم. وقرأ ابن محيصن: «تخاصم» ~~بالتنوين «أهل النار» برفع اللام. # ثم أمر نبيه أن يتجرد للكفار من جميع الأغراض، إلا أنه منذر لهم، وهذا ~~توعد بليغ محرك للنفوس، وباقي الآية بين. PageV04P512 # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 67 الى 74] # قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) إذ قال ~~ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) # الإشارة بقوله تعالى: قل هو نبأ عظيم إلى التوحيد والمعاد، فهي إلى ~~القرآن وجميع ما تضمن، وعظمه أن التصديق به نجاة، والتكذيب ms3037 به هلكة. وحكى ~~الطبري: أن شريحا اختصم إليه أعرابي فشهد عليه، فأراد شريح أن ينفذ الحكم، ~~فقال له الأعرابي: أتحكم بالنبإ؟ فقال شريح: نعم، إن الله يقول: # قل هو نبأ، وقرأ الآية وحكم عليه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا الجواب من شريح إنما هو بحسب لفظ الأعرابي ولم ~~يحرر معه الكلام، وإنما قصد إلى ما يقطعه به، لأن الأعرابي لم يفرق بين ~~الشهادة والنبأ. # والنبأ في كلام العرب بمعنى: الخبر، ووبخهم بقوله: أنتم عنه معرضون، ثم ~~قال: ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون وهذا احتجاج لصحة أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم كأنه يقول: هذا أمر خطر وأنتم تعرضون عنه مع صحته، ~~ودليل صحته أني أخبركم فيه بغيوب لم تأت إلا من عند الله، فإني لم يكن لي ~~علم بالملأ الأعلى، أراد به الملائكة. والضمير في: يختصمون عند جمهور ~~المفسرين هو للملائكة. # واختلف الناس في الشيء الذي هو اختصامهم فيه، فقالت: فرقة اختصامهم في ~~أمر آدم وذريته في جعلهم في الأرض، ويدل على ذلك ما يأتي من الآيات، فقول ~~الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30] هو الاختصام. وقالت فرقة: ~~بل اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب ونحوه، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلف ~~الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما شاء، وورد في هذا حديث ~~فسره ابن فورك، لأنه يتضمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ربه عز وجل ~~في نومه: فيم يختصمون؟ فقلت لا أدري، فقال في الكفارات، وهي إسباغ الوضوء ~~في السبرات ونقل الخطى إلى الجماعات الحديث بطوله قال: فوضع الله يده بين ~~كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي. # قال القاضي أبو محمد: فتفسير هذا الحديث أن اليد هي نعمة العلم. # وقوله: بردها، أي السرور بها والثلج، كما تقول العرب في الأمر السار: يا ~~برده على الكبد ونحو هذا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة ~~بالليل هي الغنيمة الباردة» . أي السهلة التي يسر بها الإنسان. وقالت فرقة: ~~المراد ms3038 بقوله: بالملإ الأعلى الملائكة. PageV04P513 # وقوله: إذ يختصمون مقطوع منه معناه: إذ تختصم العرب الكافرة في الملإ ~~فيقول بعضها هي بنات الله، ويقول بعضها: هي آلهة تعبد، وغير ذلك من ~~أقوالهم. وقالت فرقة: أراد ب «الملأ الأعلى» قريشا. وهذا قول ضعيف لا يتقوى ~~من جهة. # وقرأ جمهور الناس: «ألا أنما» بفتح الألف، كأنه يقول: ألا إنذار. وقرأ ~~أبو جعفر «إلا أنما أنا» على الحكاية، كأنه قيل له: أنت نذير مبين، فحكى ~~هذا المعنى، وهذا كما يقول إنسان: أنا عالم، فيقال له: # قلت إنك عالم، فيحكي المعنى. # و: إذ في قوله: إذ قال ربك بدل من قوله: إذ الأولى على تأويل من رأى ~~الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض، وعلى الأقوال الأخر يكون العامل في إذ ~~الثانية فعل مضمر تقديره: # واذكر إذ قال. والبشر المخلوق من الطين: هو آدم عليه السلام. و: سويته ~~يريد به شخصه. # ونفخت هي عبارة عن إجراء الروح فيه، وهي عبارة على نحو ما يفهم من إجراء ~~الأشياء بالنفخ. # وقوله: من روحي هي إضافة ملك إلى مالك، لأن الأرواح كلها هي ملك لله ~~تعالى، وأضاف إلى نفسه تشريفا. # وقوله: ساجدين اختلف الناس فيه، فقالت فرقة: على السجود المتعارف. وقالت ~~فرقة معناه: # خاضعين على أصل السجود في اللغة. ثم أخبر تعالى أن الملائكة بأمره سجدوا ~~إلا إبليس فإنه استكبر عن السجود. # وقوله تعالى: وكان من الكافرين يحتمل أن يريد به: وكان من أول أمره من ~~الكافرين في علم الله تعالى، قاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد: ووجد عند هذه ~~الفعلة من الكافرين، وعلى القولين فقد حكم الله على إبليس بالكفر، وأخبر ~~أنه كان عقد قلبه في وقت الامتناع. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 75 الى 81] # قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ~~(75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها ~~فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم ms3039 ~~يبعثون (79) # قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) # القائل لإبليس هو الله عز وجل، وقوله ما منعك تقرير وتوبيخ. # وقرأ عاصم والجحدري: «لما خلقت» بفتح اللام من: «لما» وشد الميم. # وقرأ جمهور الناس: «بيدي» بالتثنية. وقرأت فرقة: «بيدي» بفتح الياء، وقد ~~جاء في كتاب الله: # مما عملت أيدينا [يس: 71] بالجمع. # وهذه كلها عبارة عن القدرة والقوة، وعبر عن هذا المعنى بذكر اليد تقريبا ~~على السامعين، إذ المعتاد عند البشر أن القوه والبطش والاقتدار إنما هو ~~باليد، وقد كانت جهالة العرب بالله تعالى تقتضي أن تنكر نفوسها أن يكون خلق ~~بغير مماسة، ونحو هذا من المعاني المعقولة، وذهب القاضي ابن الطيب إلى أن ~~اليد PageV04P514 # والعين والوجه صفات ذات زائدة على القدرة والعلم وغير ذلك من متقرر صفاته ~~تعالى، وذلك قول مرغوب عنه ويسميها الصفات الخبرية. وروي في بعض الآثار أن ~~الله تعالى خلق أربعة أشياء بيده وهي: العرش والقلم وجنة عدن وآدم وسائر ~~المخلوقات بقوله: «كن» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا إن صح فإنما ذكر على جهة التشريف للأربعة ~~والتنبيه منها، وإلا فإذا حقق النظر فكل مخلوق فهو بالقدرة التي بها يقع ~~الإيجاد بعد العدم. # وقرأت فرقة: «استكبرت» بصلة الألف على الخبر عن إبليس، وتكون أم بينة ~~الانقطاع لا معادلة لها. وقرأت فرقة: «أستكبرت» بقطع الألف على الاستفهام، ~~ف أم على هذا معادلة للألف، وذهب كثير من النحويين إلى أن «أم» لا تكون ~~معادلة للألف مع اختلاف الفعلين، وإنما تكون معادلة إذا أدخلتا على فعل ~~واحد، كقولك: أزيد قام أو عمرو؟ وقولك: أقام زيد أم عمرو؟ قالوا: وإذا ~~اختلف الفعلان كهذه الآية فليست أم معادلة، ومعنى الآية: أحدث لك الاستكبار ~~الآن أن كنت قديما ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا لعلو مكانك، وهذا على جهة ~~التوبيخ. # وقول إبليس: أنا خير منه قياس أخطأ فيه، وذلك أنه لما توهم أن النار أفضل ~~من الطين، قاس أن ما يخلق من الأفضل فهو أفضل من الذي يخلق من المفضول، ولم ~~يدر أن ms3040 الفضائل تخصيصات من الله تعالى يسم بها من شاء، وفي قوله رد على ~~حكمة الله تعالى وتجوير. وذلك بين في قوله: أرأيتك هذا الذي كرمت علي ~~[الإسراء: 62] ثم قال: أنا خير منه، وعند هذه المقالة اقترن كفر إبليس به ~~إما عنادا على قول من يجيزه، وإما بأن سلب المعرفة، وظاهر أمره أنه كفر ~~عنادا، لأن الله تعالى قد حكم عليه بأنه كافر، ونحن نجده خلال القصة يقول: ~~يا رب بعزتك وإلى يوم يبعثون، فهذا كله يقتضي المعرفة، وإن كان للتأويل فيه ~~مزاحم فتأمله، ثم أمر الله تعالى إبليس بالخروج على جهة الادخار له، فقالت ~~فرقة: أمره بالخروج من الجنة. وقالت فرقة: من السماء. وحكى الثعلبي عن ~~الحسن وأبي العالية أن قوله: منها يريد به من الخلقة التي أنت فيها ومن ~~صفات الكرامة التي كانت له، قال الحسين بن الفضل: ورجعت له أضدادها، وعلى ~~القول الأول فإنما أمره أمرا يقتضي بعده عن السماء، ولا خلاف أنه أهبط إلى ~~الأرض. # و «الرجيم» : المرجوم بالقول السيء. و «اللعنة» : الإبعاد. و: يوم الدين ~~يوم القيامة. والدين: # الجزاء، وإنما حد له اللعنة ب يوم الدين، ولعنته إنما هي مخلدة ليحصر له ~~أمد التوبة، لأن امتناع توبته بعد يوم القيامة، إذ ليست الآخرة دار عمل. ثم ~~إن إبليس سأل النظرة وتأخير الأجل إلى يوم بعث الأجساد من القبور، فأعطاه ~~الله تعالى الإبقاء إلى يوم الوقت المعلوم. # واختلف الناس في تأويل ذلك، فقال الجمهور: أسعفه الله في طلبته وأخره إلى ~~يوم القيامة، فهو الآن حي مغو مضل، وهذا هو الأصح من القولين. وقالت فرقة: ~~لم يسعف بطلبته، وإنما أسعف إلى الوقت الذي سبق من الله تعالى أن يموت ~~إبليس فيه. وقال بعض هذه الفرقة: مات إبليس يوم بدر. # قوله عز وجل: ### || [سورة ص (38) : الآيات 82 الى 88] # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق ~~والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) # إن هو ms3041 إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) PageV04P515 # القائل هو إبليس، أقسم بعزة الله تعالى، قال قتادة: علم عدو الله أنه ~~ليست له عزة فأقسم بعزة الله أنه يغوي ذرية آدم أجمع إلا من أخلص الله ~~للإيمان به. # قال القاضي أبو محمد: وهذا استثناء الأقل عن الأكثر على باب الاستثناء ~~لأن المؤمنين أقل من الكفرة بكثير، بدليل حديث بعث النار وغيره. وجوز قوم ~~أن يستثنى الكثير من الجملة ويترك الأقل على الحكم الأول، واحتجوا بقوله ~~تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 42] ~~وقال من ناقضهم: العباد هنا: يعم البشر والملائكة، فبقي الاستثناء على بابه ~~في أن الأقل هو المستثنى. # وفتح اللام من المخلصين وكسرها، قد تقدم ذكره. والقائل: فالحق هو الله ~~تعالى قال مجاهد: المعنى فالحق أنا. # وقرأ جمهور القراء: «فالحق والحق» بنصب الاثنين، فأما الثاني فمنصوب ب ~~أقول، وأما الأول فيحتمل أن ينتصب على الإغراء، ويحتمل أن ينتصب على القسم ~~على إسقاط حرف القسم، كأنه قال: # فو الحق، ثم حذف الحرف كما تقول: الله لأفعلن، تريد: والله، ويقوي ذلك ~~قوله: لأملأن، وقد قال سيبويه: قلت للخليل ما معنى لأفعلن إذا جاءت مبتدأة: ~~قال هي بتقدير قسم منوي. وقالت فرقة: «الحق» الأول منصوب بفعل مضمر. وقال ~~ابن عباس ومجاهد: «فالحق والحق» برفع الاثنين، فأما الأول فرفع بالابتداء ~~وخبره في قوله: لأملأن، لأن المعنى: أن أملأ، وأما الثاني فيرتفع على ~~ابتداء أيضا. وقرأ عاصم وحمزة: «فالحق» بالرفع «والحق» بالنصب، وهي قراءة ~~مجاهد والأعمش وأبان بن تغلب وإعراب هذه بين. وقرأ الحسن: «فالحق والحق» ~~بخفض القاف فيهما على القسم، وذكرها أبو عمرو الداني. # ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بأنه ليس بسائل أجر ولا مال، وأنه ليس ممن ~~يتكلف ما لم يجعل إليه ولا يتحلى بغير ما هو فيه. وقال الحسين بن الفضل: ~~هذه الآية ناسخة لقوله: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ~~[الشورى: 23] وقال الزبير بن العوام: نادى منادي النبي صلى الله عليه ms3042 وسلم، ~~اللهم اغفر للذين لا يدعون ولا يتكلفون، ألا إني بريء من التكلف، وصالحو ~~أمتي، وقوله تعالى: إن هو يريد به القرآن. و: ذكر بمعنى: تذكرة، ثم توعدهم ~~بقوله: ولتعلمن نبأه بعد حين وهذا على حذف تقديره: لتعلمن صدق نبإه بعد حين ~~في توعدكم واختلف الناس في معنى قوله: بعد حين إلى أي وقت أشار، لأن الحين ~~في اللغة يقع على القليل والكثير من الوقت، فقال ابن زيد: أشار إلى يوم ~~القيامة. وقال قتادة والحسن في اللغة أشار إلى الآجال التي لهم، لأن كل ~~واحد منهم يعرف الحقائق بعد موته. وقال السدي: أشار إلى يوم بدر، لأنه يوم ~~عرف الكفار فيه صدق وعيد القرآن لهم. PageV04P516 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزمر # وهذه السورة مكية بإجماع، غير ثلاث آيات نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة بن ~~عبد المطلب، وهي: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر: 53] الآيات. ~~وقالت فرقة: بل إلى آخر السورة هو مدني وقيل فيها: مدني سبع آيات. # قوله عز وجل: ### || سورة الزمر (39) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) # تنزيل رفع بالابتداء، والخبر قوله: من الله. وقالت فرقة: تنزيل خبر ~~ابتداء تقديره: هذا تنزيل، والإشارة إلى القرآن. # وقرأ ابن أبي عبلة: «تنزيل» بنصب اللام. # و: الكتاب في قوله: تنزيل الكتاب قال المفسرون: هو القرآن، ويظهر إلى أنه ~~اسم عام لجميع ما تنزل من عند الله من الكتب، فإنه أخبر إخبارا مجردا أن ~~الكتب الهادية الشارعة إنما تنزيلها من الله، وجعل هذا الإخبار تقدمة ~~وتوطئة لقوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب. # و: العزيز في قدرته. الحكيم في ابتداعه. و: الكتاب الثاني: هو القرآن لا ~~يحتمل غير ذلك. # وقوله: بالحق يحتمل ms3043 معنيين، أحدهما: أن يكون معناه متضمنا الحق، أي بالحق ~~فيه وفي أحكامه وأخباره. والثاني: أن يكون بالحق بمعنى بالاستحقاق والوجوب ~~وشمول المنفعة للعالم في هدايتهم ودعوتهم إلى الله. # وقوله تعالى: فاعبد الله يحتمل أن تكون الفاء عاطفة جملة من القول على ~~جملة واصلة، ويحتمل أن يكون كالجواب، لأن قوله: إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق جملة كأنه ابتداء وخبر، كما لو PageV04P517 # قال: الكتاب منزل، وفي الجمل التي هي ابتداء وخبر إبهام ما تشبه به ~~الجزاء، فجاءت الفاء كالجواب، كما تقول: زيد قائم فأكرمه، ونحو هذا: # وقائلة خولان فانكح فتاتهم التقدير: هذه خولان. و: مخلصا حال. و: الدين ~~نصب به. ومعنى الآية الأمر بتحقيق النية لله في كل عمل، والدين هنا يعم ~~المعتقدات وأعمال الجوارح. # وقوله تعالى: ألا لله الدين الخالص بمعنى من حقه ومن واجباته لا يقبل غير ~~هذا، وهذا كقوله: # فلله الحمد [الجاثية: 36] ، أي واجبا ومستحقا. قال قتادة: الدين الخالص، ~~لا إله إلا الله. # وقوله تعالى: والذين اتخذوا رفع بالابتداء، وخبره في المحذوف المقدر، ~~تقديره: يقولون ما نعبدهم، وفي مصحف ابن مسعود: «قالوا ما نعبدهم» ، وهي ~~قراءة ابن عباس ومجاهد وابن جبير. # و: أولياء يريد بذلك معبودين، وهذه مقالة شائعة في العرب، يقول كثير منهم ~~في الجاهلية: الملائكة بنات الله ونحن نعبدهم ليقربونا، وطائفة منهم قالت ~~ذلك في أصنامهم وأوثانهم. وقال مجاهد: قد قال ذلك قوم من اليهود في عزير، ~~وقوم من النصارى في عيسى ابن مريم. وفي مصحف أبي بن كعب: «ما نعبدكم» ~~بالكاف «إلا لتقربونا» بالتاء. وزلفى بمعنى قربى وتوصلة، كأنه قال: ~~لتقربونا إلى الله تقريبا، وكأن هذه الطوائف كلها كانت ترى نفوسها أقل من ~~أن تتصل هي بالله، فكانت ترى أن تتصل بمخلوقاته. # وزلفى عند سيبويه مصدر في موضع الحال، كأنه ينزل منزلة متزلفين، والعامل ~~فيه ليقربونا هذا مذهب سيبويه وفيه خلاف، وباقي الآية وعيد في الدنيا ~~والآخرة قوله عز وجل: # إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار هذه الآية إما أن يكون معناها أن الله ms3044 ~~لا يهدي الكاذب الكفار في حال كذبه وكفره، وإما أن يكون لفظها العموم ~~ومعناها الخصوص فيمن ختم الله عليه بالكفر وقضى في الأزل أنه لا يؤمن أبدا، ~~وإلا فقد وجد الكاذب الكفار قد هدى كثيرا. # وقرأ أنس بن مالك والجحدري: «كذب كفار» بالمبالغة فيهما، ورويت عن الحسن ~~والأعرج ويحيى بن يعمر، وهذه المبالغة إشارة إلى المتوغل في الكفر، القاسي ~~فيه الذي يظن به أنه مختوم عليه. ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 4 الى 5] # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار (4) خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار (5) # قوله تعالى: لو أراد الله أن يتخذ. معناه: اتخاذ التشريف والتبني، وعلى ~~هذا يستقيم. قوله تعالى: لاصطفى مما يخلق. PageV04P518 # وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد فمستحيل أن يتوهم في جهة الله تعالى، ولا ~~يستقيم عليه معنى قوله: لاصطفى وقوله: وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ~~[مريم: 92] لفظ يعم اتخاذ النسل واتخاذ الأصفياء، فأما الأول فمعقول، وأما ~~الثاني فمعروف لخبر الشرع، ومما يدل على أن معنى قوله: أن يتخذ الاصطفاء ~~والتبني قوله: مما يخلق أي من موجوداته ومحدثاته. ثم نزه تعالى نفسه تنزيها ~~مطلقا عن جميع ما لا يكون مدحة، واتصافه تعالى ب القهار اتصاف على الإطلاق، ~~لأن أحدا من البشر إن اتصف بالقهر فمقيد في أشياء قليلة، وهي في حين قهره ~~لغيره مقهور لله تعالى عن أشياء كثيرة. # وقوله: بالحق معناه بالواجب الواقع موقعه الجامع للمصالح. # وقوله: يكور معناه يعيد من هذا على هذا، ومنه كور العمامة التي يلتوي ~~بعضها على بعض، فكأن الذي يطول من النهار أو الليل يصير منه على الآخر جزء ~~فيستره، وكأن الآخر الذي يقصر يلج في الذي يطول فيستتر فيه، فيجيء يكور على ~~هذا معادلا لقوله: يولج [الحج: 61، لقمان: 29، فاطر: 13، الحديد: 6] ضدا ~~له. وقال أبو عبيدة: هما بمعنى، وهذا من قوله تقرير لا تحرير، و «تسخير ms3045 ~~الشمس» دوامها على الجري واتساق أمرها على ما شاء الله تعالى، و «الأجل ~~المسمى» يحتمل أن يكون يوم القيامة حين تنفسد البنية ويزول جري هذه ~~الكواكب، ويحتمل أن يريد وقت مغيبها كل يوم وليلة، ويحتمل أن يريد أوقات ~~رجوعها إلى قوانينها كل شهر في القمر وسنة في الشمس. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : آية 6] # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) # «النفس الواحدة» المرادة في الآية هي نفس آدم عليه السلام، قاله قتادة ~~وغيره. ويحتمل أن يكون اسم الجنس. # وقوله تعالى: ثم جعل ظاهر اللفظ يقتضي أن جعل الزوجة من النفس هو بعد أن ~~خلق الخلق منها، وليس الأمر كذلك. # واختلف الناس في تأويل هذا الظاهر، فقالت فرقة قوله: خلقكم من نفس واحدة ~~هو أخذ الذرية من ظهر آدم وذلك شيء كان قبل خلق حواء، وقالت فرقة: إنما هي ~~لترتيب الأخبار لا لترتيب المعاني. # كأنه قال: ثم كان من أمره قبل ذلك أن جعل منها زوجها، وفي نحو هذا المعنى ~~ينشد هذا البيت [أبو النواس] : [الخفيف] # قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده # وقالت فرقة قوله: خلقكم من نفس واحدة عبارة عن سبق ذلك في علم الله ~~تعالى، فلما كان PageV04P519 # ذلك أمرا حتما واقعا ولا بد، حسن أن يخبر عن تلك الحال التي كانت وثيقة، ~~ثم عطف عليها حالة جعل الزوجة منها، فجاءت معان مترتبة وإن كان خروج خلق ~~العالم من آدم إلى الوجود إنما يجيء بعد ذلك، وزوج آدم حواء عليهما السلام، ~~وخلقت من ضلعه القصيري فيما روي، ويؤيد هذا الحديث الذي فيه أن المرأة خلقت ~~من ضلع، فإن ذهبت تقيمه كسرته. وقالت فرقة: خلقت حواء من بقية طين آدم ~~والأول أصح، وقد تقدم شرح ذلك. وقوله تعالى: وأنزل لكم قيل معناه: أن ~~المخلوق ms3046 الأول من هذه الأنعام خلق في السماء وأهبط إلى الأرض، وقالت فرقة: ~~بل لما نزل الأمر بخلقه وإيجاده من عند الله، وكانت العادة في نعم الله ~~ورحمته وأمطاره وغير ذلك أن يقال فيها إنها من السماء عبر عن هذه ب أنزل، ~~وقالت فرقة: لما كانت الأمطار تنزل وكانت الأعشاب والنبات عن المطر، وكانت ~~هذه الأنعام عن النبات في سمنها ومعاشها، قال في هذه أنزل فهو على التدريج ~~كما قال الراجز: # أسنمة الآبال في ربابه. # وكما قال الشاعر [عمرو بن حبان] : [الطويل] تعالى الندى في متنه وتحدرا ~~وجعلها ثمانية، لأن كل واحد فيه زوج للذكر من فرعه، وهي الضأن والمعز ~~والبقر والإبل. # وقوله تعالى: يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث قال ~~ابن زيد، معناه: يخلقكم في البطون خلقا من بعد خلق آخر في ظهر آدم وظهور ~~الآباء. وقال مجاهد وعكرمة والسدي: يخلقكم في البطون رتبا خلقا من بعد خلق ~~على المضغة والعلقة وغير ذلك. # وقرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف: يخلقكم بإدغام القاف في الكاف في جميع ~~القرآن. # وقرأ الجمهور: أمهاتكم بضم الهمزة. وقرأ يحيى بن وثاب: بكسرها وهي لغتان. # وقوله: في ظلمات ثلاث قالت فرقة: الأولى هي ظهر الأب، ثم رحم الأم، ثم ~~المشيمة في البطن. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هي المشيمة والرحم والبطن، ~~وهذه الآيات كلها هي معتبر وتنبيه لهم على الخالق الصانع الذي لا يستحق ~~العبادة غيره، وهذا كله في رد أمر الأصنام والإفساد لها. ثم قال تعالى لهم: ~~ذلكم الله ربكم وقد قامت على ذلك البراهين واتسقت الأدلة فأنى تصرفون، أي ~~من أي جهة تضلون وبأي سبب؟ # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : آية 7] # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه ~~عليم بذات الصدور (7) # قال ابن عباس: هذه الآية مخاطبة للكفار الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم. و ms3047 «عباده» : هم المؤمنون. PageV04P520 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون مخاطبة لجميع الناس، لأن الله تعالى ~~غني عن جميع الناس وهم فقراء إليه، وبين بعد البشر عن رضى الله إن كفروا ~~بقوله: إن تكفروا. # واختلف المتأولون من أهل السنة في تأويل قوله: ولا يرضى لعباده الكفر ~~فقالت فرقة: الرضى بمعنى الإرادة والكلام ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن ~~قضى الله له بالإيمان وحتمه له، و «عباده» على هذا ملائكته ومؤمنو البشر ~~والجن، وهذا يتركب على قول ابن عباس. وقالت فرقة: الكلام عموم صحيح، والكفر ~~يقع ممن يقع بإرادة الله، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه دينا لهم، فهذا يتركب ~~على الاحتمال الذي تقدمك آنفا. ومعنى: لا يرضاه لا يشكره لهم ولا يثيبهم به ~~خيرا، فالرضى على هذا هو صفة فعل لمعنى القبول ونحوه. وتأمل الإرادة فإنها ~~حقيقة، إنما هي فيما لم يقع بعد، والرضى، فإنما حقيقة فيما قد وقع، واعتبر ~~هذا في آيات القرآن تجده، وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة ~~التجوز هذا بدل هذا. # وقوله تعالى: وإن تشكروا يرضه لكم عموم، والشكر الحقيقي في ضمنه الإيمان. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «يرضه» بضمة على الهاء مشبعة. وقرأ ~~ابن عامر وعاصم «يرضه» بضمة على الهاء غير مشبعة، واختلف عن نافع وأبي ~~عمرو. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: # «يرضه» بسكون الهاء، قال أبو حاتم: وهو غلط لا يجوز، قال تعالى: ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى أي لا يحمل أحد ذنب أحد، وأنث «الوازرة» و «الأخرى» لأنه ~~أراد الأنفس. والوزر الثقل، وهذا خبر مضمنه الحض على أن ينظر كل أحد في ~~خاصة أمره وما ينوبه في ذاته. # ثم أخبرهم تعالى بأن مرجعهم في الآخرة إلى ربهم، أي إلى ثوابه أو عقابه، ~~فيوقف كل أحد على أعماله، لأنه المطلع على نيات الصدور وسائر الأفئدة. و ~~«ذات الصدور» : ما فيه من خبيئة، ومنه قولهم: # الذيب مغبوط بذي بطنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : آية 8] # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه ms3048 منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار (8) # الإنسان في هذه الآية يراد به الكافر بدلالة ما وصفه به آخرا من اتخاذ ~~الأنداد لله تعالى، وقوله: # تمتع بكفرك قليلا وهذه آية بين تعالى بها على الكفار أنهم على كل حال ~~يلجؤون في حال الضرورات إليه وإن كان ذلك عن غير يقين منهم ولا إيمان فلذلك ~~ليس بمعتد به. ومنيبا معناه مقاربا مراجعا بصيرته. # وقوله تعالى: ثم إذا خوله نعمة يحتمل أن يريد النعمة في كشف الضر ~~المذكور، ويحتمل أن يريد نعمة أي نعمة كانت، واللفظ يعم الوجهين. وخوله ~~معناه ملكه وحكمه فيها ابتداء لا مجازاة، ولا يقال في الجزاء خول، ومنه ~~الخول، ومنه قول زهير: PageV04P521 # هنالك أن يستخولوا المال يخولوا هذه الرواية الواحدة، ويروى يستخبلوا. # وقوله تعالى: نسي ما كان يدعوا إليه من قبل قالت فرقة: ما مصدرية، ~~والمعنى نسي دعاءه إليه في حال الضرر ورجع إلى كفره. وقالت فرقة: بمعنى ~~الذي، والمراد بها الله تعالى، وهذا كنحو قوله: # ولا أنتم عابدون ما أعبد [الكافرون: 3- 5] وقد تقع «ما» مكان «من» فيما ~~لا يحصى كثرة من كلامهم، ويحتمل أن تكون ما نافية، ويكون قوله: نسي كلاما ~~تاما، ثم نفى أن يكون دعاء هذا الكافر خالصا لله ومقصودا به من قبل النعمة، ~~أي في حال الضرر، ويحتمل أن تكون ما نافية ويكون قوله: من قبل يريد به: من ~~قبل الضرر، فكأنه يقول: ولم يكن هذا الكافر يدعو في سائر زمنه قبل الضرر، ~~بل ألجأه ضرره إلى الدعاء. والأنداد: الأضداد التي تضاد وتزاحم وتعارض ~~بعضها بعضا. قال مجاهد: المراد من الرجال يطيعونهم في معصية الله تعالى. ~~وقال غيره: المراد الأوثان. # وقرأ الجمهور: «ليضل» بضم الياء، وقرأها الباقون: أبو عمرو وعيسى وابن ~~كثير وشبل (بفتحها) ثم أمر تعالى نبيه أن يقول لهم على جهة التهديد قولا ~~يخاطب به واحدا منهم: تمتع بكفرك أي تلذذ ms3049 به واصنع ما شئت، والقليل: هو عمر ~~هذا المخاطب، ثم أخبره أنه من أصحاب النار، أي من سكانها والمخلدين فيها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 9 الى 10] # أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) قل يا ~~عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله ~~واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) # وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة: «أمن» بتخفيف الميم، وهي قراءة أهل مكة ~~والأعمش وعيسى وشيبة بن نصاح، ورويت عن الحسن، وضعفها الأخفش وأبو حاتم. ~~وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي والحسن والأعرج وقتادة وأبو جعفر: ~~«أمن» بتشديد الميم، فأما القراءة الأولى فلها وجهان، أحدهما: وهو الأظهر ~~أن الألف تقرير واستفهام، وكأنه يقول: أهذا القانت خير أم هذا المذكور الذي ~~يتمتع بكفره قليلا وهو من أصحاب النار؟ وفي الكلام حذف يدل عليه سياق ~~الآيات مع قوله آخرا: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ونظيره ~~قول الشاعر [امرئ القيس] : [الطويل] # فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # ويوقف على هذا التأويل على قوله: رحمة ربه. والوجه الثاني: أن يكون الألف ~~نداء، والخطاب لأهل هذه الأوصاف، كأنه يقول: أصاحب هذه الصفات قل هل يستوي ~~فهذا السؤال ب هل هو PageV04P522 # للقانت، ولا يوقف على التأويل على قوله: رحمة ربه، وهذا معنى صحيح، إلا ~~أنه أجنبي من معنى الآيات قبله وبعده، وضعفه أبو علي الفارسي. وقال مكي: ~~إنه لا يجوز عند سيبويه، لأن حرف النداء لا يسقط مع المبهم وليس كما قال ~~مكي، أما مذهب سيبويه في أن حرف النداء لا يسقط مع الميم، فنعم، لأنه يقع ~~الإلباس الكثير بذلك، وأما أن هذا الموضع سقط فيه حرف النداء فلا، والألف ~~ثابتة فيه ظاهرة، وأما القراءة بتشديد الميم فإنها: «أم» دخلت على: «من» ~~والكلام على هذه القراءة لا يحتمل إلا المعادلة بين صنفين، فيحتمل ms3050 أن يكون ~~ما يعادل «أم» متقدما في التقدير، كأنه يقول: أهذا الكافر خير أم من، ~~ويحتمل أن تكون «أم» قد ابتدأ بها بعد إضراب مقدر ويكون المعادل في آخر ~~الكلام، والأول أبين. # والقانت: المطيع، وبهذا فسر ابن عباس رضي الله عنه، والقنوت في كلام ~~العرب: يقع على القراءة وعلى طول القيام في الصلاة، وبهذا فسرها ابن عمر ~~رضي الله عنه، وروي عن ابن عباس أنه قال: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف ~~يوم القيامة، فليره الله في سواد الليل ساجدا أو قائما، ويقع القنوت على ~~الدعاء وعلى الصمت عبادة. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن القنوت: الطاعة. # وقال جابر بن عبد الله: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة ~~أفضل؟ فقال: «طول القنوت» . # والآناء: الساعات، واحدها: أني كمعى ومنه قولهم: لن يعدو شيء أناه، ومنه ~~قوله تعالى: غير ناظرين إناه [الأحزاب: 53] على بعض التأويلات في ذلك ويقال ~~في واحدها أيضا: أنى على وزن قفى، ويقال فيه أيضا: إني بكسر الهمزة وسكون ~~النون، ومنه قول الهذلي: [البسيط] # حلو ومر كعطف القدح مرته ... في كل إني حداه الليل ينتعل # وقرأ الضحاك: «ساجد وقائم» بالرفع فيهما. # وقوله تعالى: يحذر الآخرة معناه يحذر حالها وهولها. وقرأ سعيد بن جبير: ~~«يحذر عذاب الآخرة» وأولوا معناه أصحاب الألباب، واحدهم: ذو. # وقرأ جمهور القراء: «قل يا عبادي» بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو وعاصم ~~والأعمش: «يا عبادي» بياء ساكنة. وقرأ أبو عمرو أيضا وعاصم والأعمش وابن ~~كثير: «يا عباد» بغير ياء في الوصل. # ويروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه حين ~~عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة. ووعد تعالى بقوله: للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة ويحتمل أن يكون قوله: # في هذه الدنيا، متعلقا ب أحسنوا، فكأنه يريد أن الذين يحسنون في الدنيا ~~لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة والنعيم، قاله مقاتل، ويحتمل أن يريد: أن ~~الذين يحسنون لهم حسنة في الدنيا وهي ms3051 العاقبة والظهور وولاية الله تعالى، ~~قاله السدي. وكان قياس قوله أن يكون في هذه الدنيا متأخرا ويجوز تقديمه، ~~والأول أرجح أن الحسنة هي في الآخرة. وأرض الله يريد بها البلاد المجاورة ~~التي تقتضيها القصة التي في الكلام فيها، وهذا حض على الهجرة، ولذلك وصف ~~الله الأرض بالسعة. وقال قوم: أراد ب «الأرض» هنا الجنة، وفي هذا القول ~~تحكم لا دليل عليه. # ثم وعد تعالى على الصبر على المكاره والخروج عن الوطن ونصرة الدين وجميع ~~الطاعات: بأن PageV04P523 # الأجر يوفى بغير حساب، وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن الصابر يوفى أجره ~~ثم لا يحاسب عن نعيم ولا يتابع بذنوب، فيقع الصابرون في هذه الآية على ~~الجماعة التي ذكرها النبي عليه السلام أنها تدخل الجنة دون حساب في قوله: ~~«يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ~~ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» الحديث ~~على اختلاف ترتيباته. والمعنى الثاني: أن أجور الصابرين توفى بغير حصر ولا ~~عد، بل جزافا، وهذه استعارة للكثرة التي لا تحصى، ومنه قول الشاعر [طويس ~~المغني] : [الكامل] # ما تمنعي يقضى فقد تعطينه ... في النوم غير مسرد محسوب # وإلى هذا التأويل ذهب جمهور المفسرين حتى قال قتادة: ليس ثم والله مكيال ~~ولا ميزان، وفي بعض الحديث أنه لما نزلت: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: ~~261] قال النبي عليه السلام: اللهم زد أمتي فنزلت بعد ذلك: من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [البقرة: 245] ، فقال: # اللهم زد أمتي حتى أنزلت: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فقال: رضيت ~~يا رب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 11 الى 15] # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) # أمر ms3052 الله تعالى نبيه في هذه الآية بأن يصدع للكفار فيما أمر به من عبادة ~~ربه. # وقوله: أمرت لأن معناه: وأمرت بهذا الذي ذكرت لكي أكون أول من أسلم من ~~أهل عصري وزمني، فهذه نعمة من الله عليه وتنبيه منه. # وقوله: أخاف إن عصيت فعل معلق بشرط وهو العصيان، وقد علم أنه عليه السلام ~~معصوم منه، ولكنه خطاب للأمة يعمهم حكمه ويحفهم وعيده. # وقوله تعالى قل الله أعبد تأكيد للمعنى الأول وإعلام بامتثاله كله للأمر، ~~وهذا كله نزل قبل القتال لأنها موادعات. # وقوله: فاعبدوا ما شئتم من دونه صيغة أمر على جهة التهديد كنحو قوله: ~~اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] وقوله: تمتع بكفرك [الزمر: 8] ، وهذا كثير. ~~والذين في قوله: الذين خسروا أنفسهم في موضع رفع خبر، لأن قوله: وأهليهم ~~قيل معناه أنهم خسروا الأهل الذي كان يكون لهم لو كانوا من أهل الجنة، فهذا ~~كما لو قال: خسروا أنفسهم ونعيمهم، أي الذي كان يكون بهم، وقيل أراد الأنفس ~~والأهلين الذين كانوا في الدنيا، لأنهم صاروا في عذاب النار، ليس لهم نفوس ~~مستقرة ولا بدل من PageV04P524 # أهل الدنيا، ومن له في الجنة قد صار له إما أهله وإما غيرهم على الاختلاف ~~فيما يؤثر في ذلك فهو على كل حال لا خسران معه بتة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 16 الى 18] # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب (18) # هذه صفة حال أهل جهنم. والظلة: ما غشي وغم كالسحابة وسقف البيت ونحوه، ~~فأما ما فوقهم فكونه ظلة بين، وأما ما تحتهم فقالت فرقة: سمي ظلة لأنه ~~يتلهب، ويصعد مما تحتهم شيء كثير ولهب حتى يكون ظلة، فإن لم يكن فوقهم شيء ~~لكفى فرع الذي تحتهم في أن يكون ظلة، وقالت فرقة: جعل ما تحتهم ظلة، لأنه ~~فوق آخرين، ms3053 وهكذا هي حالهم إلا الطبقة الأخيرة التي في القعر. # وقوله: عباده يريد جميع العالم خوفهم الله النار وحذرهم منها، فمن هدي ~~وآمن نجا، ومن كفر حصل فيما خوف منه. واختلفت القراءة في قوله: «عباد» وقد ~~تقدم نظيره. # وقوله تعالى: والذين اجتنبوا الطاغوت الآية، قال ابن زيد: إن سبب نزولها ~~زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري، والإشارة إليهم. وقال ~~ابن إسحاق: الإشارة بها إلى عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن ~~زيد والزبير، وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك فجاؤوه، فقالوا أسلمت؟ ~~قال نعم، وذكرهم بالله فآمنوا بأجمعهم فنزلت فيهم هذه الآية، وهي على كل ~~حال عامة في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها. والطاغوت: كل ما يعبد ~~من دون الله. # والطاغوت أيضا: الشيطان، وبه فسر هنا مجاهد والسدي وابن زيد، وأوقعه هنا ~~على جماعة الشياطين، ولذلك أنث الضمير بعد. # وقوله تعالى: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه كلام عام في جميع ~~الأقوال، وإنما القصد الثناء على هؤلاء ببصائر هي لهم وقوام في نظرهم حتى ~~أنهم إذا سمعوا قولا ميزوه واتبعوا أحسنه. # واختلف المفسرون في العبارة عن هذا، فقالت فرقة: أحسن القول كتاب الله، ~~أي إذا سمعوا الأقاويل وسمعوا القرآن اتبعوا القرآن. وقالت فرقة: القول هو ~~القرآن وأحسنه ما فيه من عفو وصفح واحتمال على صبر ونحو ذلك. وقال قتادة: ~~أحسن القول طاعة الله، وهذه أمثلة وما قلناه أولا يعمها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 19 الى 21] # أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن الذين اتقوا ~~ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف ~~الله الميعاد (20) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في ~~الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ~~إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) PageV04P525 # أسقط العلامة التي في الفعل المسند إلى الكلمة لوجهين: أحدهما الحائل ~~الذي بين الفعل ms3054 والفاعل، ولو كان متصلا به لم يحسن ذلك، والثاني أن الكلمة ~~غير مؤنث حقيقي، وهذا أخف وأجوز من قولهم: حضر القاضي يوما امرأة، لأن ~~التأنيث هنا حقيقي. وقالت فرقة: في هذا الكلام محذوف أختصره لدلالة الظاهر ~~عليه تقديرا: أفمن حق عليه كلمة العذاب تتأسف أنت عليه أو نحو هذا من ~~التقدير، ثم استأنف توقيف النبي صلى الله عليه وسلم على أنه يريد أن ينقذ ~~من في النار، أي ليس هذا إليك. وقالت فرقة: الألف في قوله: أفأنت إنما هي ~~مؤكدة زادها لطول، وإنما معنى الآية: # «أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟» لكنه زاد الألف الثانية توكيدا ~~للأمر، وأظهر الضمير العائد تشهيرا لهؤلاء القوم وإظهارا لخسة منازلهم، ~~وهذا كقول الشاعر [عدي بن زيد العبادي] : [الخفيف] لا أرى الموت يسبق الموت ~~شيء فإنما أظهر الضمير تنبيها على عظم الموت، وهذا كثير، ثم استفتح إخبارا ~~آخر ب لكن وهذه معادلة وتخصيص على التقوى لمن فكر وازدجر. # وقوله تعالى: من تحتها أي من تحت الغرف، وعادلت غرف من فوقها غرف ما تقدم ~~من الظلل فوقهم وتحتهم. والغرف: ما كان من المساكن مرتفعا عن الأرض، في ~~الحديث: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الذي في ~~الأفق» . و: وعد الله نصب على المصدر، ونصبه إما بفعل مضمر من لفظه، وإما ~~بما تضمن الكلام قبل من معنى الوعد على الاختلاف الذي للنحاة في ذلك. ثم ~~وقف نبيه صلى الله عليه وسلم على معتبر من مخلوقاته، والخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكل بشر داخل معه في معناه. وقال الطبري وغيره: أشار إلى ~~ماء المطر، وقالوا: العيون منه، ودليل ذلك أنها تنماع عند وجوده وتيبس عند ~~فقده. وقال الحسن بن مسلم بن يناق، والإشارة إلى العيون وليست العيون من ~~المطر، ولكن ماؤها نازل من السماء. قال الشعبي: وكل ماء عذب في الأرض فمن ~~السماء نزل. # قال القاضي أبو محمد: والقولان متقاربان: و: «سلكه» معناه: أجراه وأدخله، ~~ومنه قول الشاعر [البسيط] # حتى سلكن الشوى ms3055 منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج # ومنه قول امرئ القيس: [السريع] PageV04P526 # وواحد الينابيع وهو العين بني لها بناء مبالغة من النبع. والزرع هنا واقع ~~على كل ما يزرع. وقالت فرقة: ألوانه أعراضه من الحمرة والصفرة وغير ذلك. ~~وقالت فرقة: ألوانه أنواعه من القمح والأرز والذرة وغير ذلك. و: يهيج ييبس، ~~هاج النبات والزرع إذا يبس، ومنه قول علي رضي الله عنه في الحديث الذي في ~~غريب ابن قتيبة: ذمتي رهينة وأنا به زعيم. أي لا يهيج عن التقوى زرع قوم، ~~ولا ييبس على التقوى سنخ أصل، والحديث. والحطام: اليابس المتفتت. ومعنى ~~قوله: لذكرى أي للبعث من القبور وإحياء الموتى على ما يوجبه هذا المثال ~~المذكور. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 22 الى 23] # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) # روي أن هذه الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام آية نزلت في علي وحمزة، ~~وأبي لهب وابنه هما اللذان كانا من القاسية قلوبهم، وفي الكلام محذوف يدل ~~الظاهر عليه، تقديره: أفمن شرح الله صدره كالقاسي القلب المعرض عن أمر ~~الله. وشرح الصدر: استعارة لتحصيله للنظر الجيد والإيمان بالله. # و «النور» هداية الله تعالى، وهي أشبه شيء بالضوء. قال ابن مسعود: قلنا ~~يا رسول الله كيف انشراح الصدر؟ قال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» ، ~~قالوا وما علامة ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار ~~الغرور، والتأهب للموت قبل الموت» . و «القسوة» : شدة القلب، وهي مأخوذة من ~~قسوة الحجر، شبه قلب الكافر به في ضلالته وقلة انفعاله للوعظ. وقال مالك بن ~~دينار: ما ضرب العبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، ويدل قوله: فويل للقاسية على ~~المحذوف المقدر. # وقوله تعالى: ms3056 الله نزل أحسن الحديث يريد به القرآن، وروي عن ابن عباس أن ~~سبب هذه الآية أن قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول ~~الله حدثنا بأحاديث حسان وأخبرنا بأخبار الدهر، فنزلت الآية في ذلك. # وقوله: متشابها معناه: مستويا لا تناقض فيه ولا تدافع، بل يشبه بعضه بعضا ~~في وصف اللفظ ووثاقة البراهين وشرف المعاني، إذ هي اليقين في العقائد في ~~الله تعالى وصفاته وأفعاله وشرعه. # وقوله: مثاني معناه: موضع تثنية للقصص والأقضية، والمواعظ شتى فيه ولا ~~تمل مع ذلك ولا يعرضها ما يعرض الحديث المعاد. قال ابن عباس: ثنى فيه الأمر ~~مرارا. ولا ينصرف مثاني لأنه جمع لا نظير له في الواحد. PageV04P527 # وقوله تعالى: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم عبارة عن قف شعر الإنسان ~~عند ما يداخله خوف ولين قلب عند سماع موعظة أو زجر قرآن ونحوه، وهذه علامة ~~وفزع المعنى المخشع في قلب السامع، وفي الحديث أن أبي بن كعب قرأ عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرقت القلوب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة. وقال العباس بن عبد المطلب: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من اقشعر جلده من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما ~~يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها» . وقالت أسماء بنت أبي بكر: كان أصحاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم عند سماع القرآن، قيل ~~لها: إن أقواما اليوم إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشيا عليه، فقالت: أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم وقال ابن عمر: وقد رئي ساقطا عند سماع القرآن ~~فقال: إنا لنخشى الله وما نسقط، هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم. وقال ابن ~~سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم على ~~حائط باسطا رجليه ثم يقرأ القرآن كله، فإن رمى بنفسه فهو صادق. # وقوله: ذلك هدى الله يحتمل أن يشير إلى القرآن، أي ذلك الذي هذه صفته هدى ~~الله، ويحتمل أن يشير إلى ms3057 الخشية واقشعرار الجلود، أي ذلك أمارة هدى الله، ~~ومن جعل تقشعر في موضع الصفة لم يقف على مثاني، ومن جعله مستأنفا وإخبارا ~~منقطعا وقف على مثاني وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 24 الى 28] # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) ~~فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~(26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) # هذا تقرير بمعنى التعجيب، والمعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كالمنعمين ~~في الجنة. # واختلف المتأولون في قوله: يتقي بوجهه فقال مجاهد: يخر على وجهه في ~~النار. وقالت فرقة: # ذلك لما روي أن الكافر يلقى في النار مكتوفا مربوطة يداه إلى رجليه مع ~~عنقه ويكب على وجهه، فليس له شيء يتقي به إلا الوجه. وقالت فرقة: المعنى ~~صفة كثرة ما ينالهم من العذاب، وذلك أنه يتقيه بجميع جوارجه ولا يزال ~~العذاب يتزيد حتى يتقيه بوجهه الذي هو أشرف جوارجه وفيه حواسه، فإذا بلغ به ~~العذاب إلى هذه الغاية ظهر أنه لا متجاوز بعدها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى عندي أبين بلاغة، وفي هذا المضمار يجري ~~قول الشاعر: # [الكامل] # يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر PageV04P528 # لأنه إنما أراد عظيم جرأته عليها فهو يلقاها بكل محن وبكل شيء منه حتى ~~بوجهه وبنحره. # وقوله تعالى: ذوقوا عبارة عن باشروا، وهنا محذوف تقديره: جزاء ما كنتم ~~تكسبون، ثم مثل لقريش بالأمم السالفة، ثم أخبر بما نال تلك الأمم من كونها ~~في الدنيا أحاديث ملعنة، ولا خزي أعظم من هذا مع ما نال نفوسهم من الألم ~~والذل والكرب، ثم أخبر أن ما أعد لهم من عذاب الآخرة أكبر من هذا كله الذي ~~كان في الدنيا. # وقوله: قرآنا قالت فرقة: هو نصب على الحال، وقالت فرقة: هو نصب على ~~المصدر. # و: عربيا حال، ms3058 وقالت فرقة: نصب على التوطئة للحال، والحال قوله: عربيا ~~ونفى عنه العوج لأنه لا اختلاف فيه ولا تناقض ولا مغمز بوجه. # واختلفت عبارة المفسرين، فقال عثمان بن عفان: المعنى غير متضاد، قال ابن ~~عباس: غير مختلف. # وقرأ مجاهد: غير ذي لبس. وقال السدي: غير مخلوق. وقال بكر المزني: غير ذي ~~لحن. والعوج بكسر العين في الأمر والمعنى وبفتحها في الأشخاص. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 29 الى 32] # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون (31) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ ~~جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (32) # لما ذكر عز وجل أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملا جاء بعد ذلك ~~بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطرا وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد ~~للأوثان والشياطين لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك ~~يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل، ~~فهو أبدا ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب ~~الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه تفكر ~~فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن ~~بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو ~~يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله. # وقوله: ضرب مأخوذ من الضريب الذي هو الشبيه، ومنه قولهم: هذا ضرب هذا، أي ~~شبهه. # و: مثلا مفعول ب ضرب، و: رجلا نصب على البدل. قال الكسائي: وإن شئت على ~~إسقاط الخافض، أي مثلا لرجل أو في رجل، وفي هذا نظر، و: متشاكسون معناه: لا ~~سمح في أخلاقهم بل فيها لجاج ومتابعة ومحاذقة، ومنه قول الشاعر: [الرجز] PageV04P529 # خلقت شكسا للأعادي مشكسا ... أكوي السريين وأحسم النسا ms3059 # من شاء من حر الجحيم استقبسا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «سالما» ، على اسم ~~الفاعل بمعنى سلم من الشركة فيه. قال أبو عمرو معناه: خالصا، وهذه بالألف ~~قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والجحدري والزهري والحسن ~~بخلاف عنه. وقرأ الباقون: «سلما» بفتح السين واللام، وهي قراءة الأعرج وأبي ~~جعفر وشيبة وأبي رجاء وطلحة والحسن بخلاف. وقرأ سعيد بن جبير: «سلما» ، ~~بكسر السين وسكون اللام، وهما مصدران وصف بهما الرجل بمعنى خالصة وأمر قد ~~سلم له. # ثم وقف الكفار بقوله: هل يستويان مثلا ونصب مثلا على التمييز، وهذا توقيف ~~لا يجيب عنه أحد إلا بأنهما لا يستويان، فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على ~~أنهم قد جاوبوا، فقال: الحمد لله أي على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم. ثم ~~قال تعالى: بل أكثرهم لا يعلمون فأضرب عن مقدر محذوف يقتضيه المعنى، ~~تقديره: الحمد لله على ظهور الحجة، وأن الأمر ليس كما يقولون بل أكثرهم لا ~~يعلمون. و «أكثر» في هذه الآية على بابها، لأنا وجدنا الأقل علم أمر ~~التوحيد وتكلم به ورفض الأصنام كورقة وزيد وقس. ثم ابتدأ القول معهم غرضا ~~آخر من الوعيد يوم القيامة والخصوم ومن التحذير من حال الكذبة على الله ~~المكذبين بالصدق، فقدم تعالى لذلك توطئة مضمنها وعظ النفوس وتهيئتها لقبول ~~الكلام وحذف التوعد، وهذا كما تريد أن تنهى إنسانا عن معاصيه أو تأمره بخير ~~فتفتتح كلامك بأن تقول: كلنا يفنى ولا بد للجميع من الموت، أو كل من عليها ~~فان، ونحو هذا مما توقن به نفس الذي تحاور، ثم بعد هذا تورد قولك، فأخبر ~~تعالى أن الجميع «ميت» . وهذه قراءة الجمهور، وقرأها «مائت» و «مايتون» ~~بألف ابن الزبير وابن محيصن وابن أبي إسحاق واليماني وعيسى بن عمر وابن أبي ~~عبلة. والضمير في إنهم لجميع العالم، دخل رجل على صلة بن أشيم فنعى إليه ~~أخاه، وبين يدي صلة طعام فقال صلة للرجل: # ادن فكل، فإن أخي قد نعي إلي منذ زمان، قال الله تعالى: إنك ميت وإنهم ~~ميتون ms3060 والضمير في إنكم قيل هو عام فيختصم يوم القيامة المؤمنون والكافرون ~~فيما كان من ظلم الكافرين لهم في كل موطن ظلموا فيه، ومن هذا قول علي بن ~~أبي طالب: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الرحمن، فيختصم علي ~~وحمزة وعبيدة بن الحارث مع عتبة وشيبة والوليد، ويختصم أيضا المؤمنون بعضهم ~~مع بعض في ظلاماتهم، قاله أبو العالية وغيره. وقال الزبير بن العوام للنبي ~~عليه السلام: أيكتب علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال نعم، ~~حتى يؤدى إلى ذي كل حق حقه. وقد قال عبد الله بن عمر لما نزلت هذه الآية: ~~كيف نختصم ونحن أخوان؟ فلما قتل عثمان وضرب بعضنا وجوه بعض بالسيوف، قلنا ~~هذا الخصام الذي وعدنا ربنا. ويختصم أيضا على ما روي: الروح مع الجسد، في ~~أن يذنب كل واحد منهما صاحبه ويجعل المعصية في حيزه، فيحكم الله تعالى ~~بشركتهما في ذلك. # قال القاضي أبو محمد: ومعنى الآية عندي أن الله تعالى توعدهم بأنهم ~~سيخاصمون يوم القيامة في معنى ردهم في معنى الشريعة وتكذيبهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليهم. PageV04P530 # ثم وقفهم توقيفا معناه نفي الموقف عليه بقوله: فمن أظلم ممن أي لا أحد ~~أظلم ممن كذب على الله، والإشارة بهذا الكذب بقولهم: إن لله صاحبة وولدا ~~وقولهم: إن كذا حرام، وإن كذا حلال افتراء على الله، وكذبوا أيضا بالصدق، ~~وذلك تكذيبهم أقوال محمد عليه السلام عن الله تعالى ما كان من ذلك معجزا أو ~~غير معجز. ثم توعدهم تعالى تواعدا فيه احتقارهم بقوله على وجه التوقيف: ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين، والمثوى موضع الإقامة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 33 الى 37] # والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاؤن عند ربهم ~~ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ~~ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما ms3061 له من مضل أليس الله ~~بعزيز ذي انتقام (37) # قوله تعالى: والذي جاء بالصدق معادل لقوله: فمن أظلم ممن كذب [الزمر: 32] ~~فمن [الزمر: 32] هنالك للجميع والعموم، فكذلك هاهنا هي للجنس أيضا، كأنه ~~قال: والفريق الذي جاء بعضه بالصدق وصدق بعضه، ويستقيم المعنى واللفظ على ~~هذا الترتيب. وفي قراءة ابن مسعود: والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به. و ~~«الصدق» هنا: القرآن وأنباؤه والشرع بجملته. وقالت فرقة: الذي يراد به ~~الذين، وحذفت النون لطول الكلام، وهذا غير جيد، وتركيب جاء عليه يرد ذلك، ~~وليس هذا كقول الفرزدق: # إن عمي اللذا قتلا الملوك ونظير الآية قول الشاعر [أشهب بن رميلة] : ~~[الطويل] # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # وقال ابن عباس: والذي جاء بالصدق هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي ~~صدق به، وقالت فرقة من المفسرين: «الذي جاء» هو جبريل، والذي صدق به هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقال علي بن أبي طالب وأبو العالية والكلبي ~~وجماعة: «الذي جاء» هو محمد عليه السلام، والذي صدق هو أبو بكر. وقال أبو ~~الأسود وجماعة منهم مجاهد: الذي صدق هو علي بن أبي طالب وقال قتادة وابن ~~زيد: # «الذي جاء» هو محمد عليه السلام، والذي صدق به هم المؤمنون. قال مجاهد هم ~~أهل القرآن. وقالت فرقة: بالعموم الذي ذكرناه أولا، وهو أصوب الأقوال. # وقرأ أبو صالح ومحمد بن جحادة وعكرمة بن سليمان: «وصدق به» بتخفيف الدال، ~~بمعنى استحق به اسم الصدق، فعلى هذه القراءة يكون إسناد الأفعال كلها إلى ~~محمد عليه السلام، وكأن أمته في PageV04P531 # ضمن القول، وهو الذي يحسن أولئك هم المتقون قال ابن عباس: اتقوا الشرك. # واللام في قوله: ليكفر يحتمل أن تتعلق بقوله: المحسنين، أي الذين أحسنوا ~~لكي يكفر، وقاله ابن زيد. ويحتمل أن تتعلق بفعل مضمر مقطوع مما قبله، كأنك ~~قلت: يسرهم الله لذلك ليكفر، لأن التكفير لا يكون إلا بعد التيسير للخير، ~~واستدلوا على أن عملوا هو كفر أهل الجاهلية ومعاصي أهل الإسلام. # وقوله تعالى: ms3062 أليس الله بكاف عبده تقوية لنفس النبي عليه السلام، لأن ~~كفار قريش كانت خوفته من الأصنام، وقالوا يا محمد أنت تسبها ونخاف أن تصيبك ~~بجنون أو علة، فنزلت الآية في ذلك. # وقرأ حمزة والكسائي: «عباده» يريد الأنبياء المختصين به، وأنت أحدهم، ~~فيدخل في ذلك المطيعون من المؤمنين والمتوكلون على الله، وهذه قراءة أبي ~~جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش. # وقرأ الباقون: «عبده» وهو اسم جنس، وهي قراءة الحسن وشيبة وأهل المدينة ~~ويقوي أن الإشارة إلى محمد عليه السلام قوله: ويخوفونك. # وقوله: من دونه يريد بالذين يعبدون من دونه، وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى كسر العزى، فقال سادنها: يا خالد، إني ~~أخاف عليك منها، فلها قوة لا يقوم لها شيء، فأخذ خالد الفأس فهشم به وجهها ~~وانصرف. ثم قرر تعالى الهداية والإضلال من عنده بالخلق والاختراع، وأن ما ~~أراد من ذلك لا راد له. ثم توعدهم بعزته وانتقامه، فكان ذلك، وانتقم منهم ~~يوم بدر وما بعده. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 38 الى 40] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب ~~مقيم (40) # هذا ابتداء احتجاج عليهم بحجة أخرى، وجملتها أن وقفوا على الخالق ~~المخترع، فإذا قالوا إنه الله لم يبق لهم في الأصنام غرض إلا أن يقولوا ~~إنها تنفع وتضر، فلما تقعد من قولهم إن الله هو الخالق، قيل لهم أفرأيتم ~~هؤلاء إذا أراد الله أمرا بهم قدرتم على نقضه؟ وحذف الجواب عن هذا، لأنه من ~~البين أنه لا يجيب أحد إلا بأنه لا قدرة بالأصنام على شيء من ذلك. # وقرأ: «إن أرادني» بياء مفتوحة جمهور القراء والناس. وقرأ الأعمش: أرادني ~~الله بحذف الياء في الوصل، ms3063 وروى خارجة «إن أراد» بغير ياء. # وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والأعمش وعيسى وابن وثاب: «كاشفات ~~ضره» بالإضافة. PageV04P532 # وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: «كاشفات ضره» بالتنوين والنصب في الراء، ~~وهي قراءة شيبة والحسن وعيسي بخلاف عنه وعمرو بن عبيد، وهذا هو الوجه فيما ~~لم يقع بعد، وكذلك الخلاف في: ممسكات رحمته. # ثم أمره تعالى بأن يصدع بالاتكال على الله، وأنه حسبه من كل شيء ومن كل ~~ناصر، ثم أمره بتوعدهم في قوله: اعملوا على مكانتكم إني عامل ما رأيتموه ~~متمكنا لكم وعلى حالتكم التي استقر رأيكم عليها. # وقرأ الجمهور: «مكانتكم» بالإفراد. وقرأ «مكاناتكم» بالجمع: الحسن وعاصم. # وقوله: اعملوا لفظ بمعنى الوعيد. و «العذاب المخزي» : هو عذاب الدنيا يوم ~~بدر وغيره. # و «العذاب المقيم» : هو عذاب الآخرة، أعاذنا الله تعالى منه برحمته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 41 الى 42] # إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (42) # هذا إعلام بعلو مكانة محمد عليه السلام واصطفاء ربه له. والكتاب القرآن. # وقوله: بالحق يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد مضمنا الحق في أخباره ~~وأحكامه، والآخر: أن يريد أنه أنزله بالواجب من إنزاله وبالاستحقاق لذلك ~~لما فيه من مصلحة العالم وهداية الناس، وكأن هذا الذي فعل الله تعالى من ~~إنزال كتاب إلى عبيده هو إقامة حجة عليهم، وبقي تكسبهم بعد إليهم، فمن ~~اهتدى فلنفسه عمل وسعى، ومن ضل «فعليها» جنى، والهدى والضلال إنما لله ~~تعالى فيهما خلق واختراع، وللعبد تكسب، عليه يقع الثواب أو العقاب. وأخبر ~~نبيه أنه ليس بوكيل عليهم ولا مسيطر، والوكيل: القائم على الأمر حتى يكمله، ~~ثم نبه تعالى على آية من آياته الكبر تدل الناظر على الوحدانية وأن ذلك لا ~~شرك فيه لصنم وهي حالة التوفي، وذلك أن الله تعالى ms3064 ما توفاه على الكمال فهو ~~الذي يموت، وما توفاه متوفيا غير مكمل فهو الذي يكون في النوم، قال ابن ~~زيد: النوم وفاة، والموت وفاة. وكثرت فرقة في هذه الآية وهذا المعنى. ففرقت ~~بين النفس والروح، وفرق قوم أيضا بين نفس التمييز ونفس التخيل، إلى غير ذلك ~~من الأقوال التي هي غلبة ظن. وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله به ~~وغيبه عن عباده في قوله: قل الروح من أمر ربي [الإسراء: 85] ويكفيك أن في ~~هذه الآية يتوفى الأنفس، وفي الحديث الصحيح: «إن الله قبض أرواحنا حين شاء ~~وردها علينا حين شاء» في حديث بلال في الوادي، فقد نطقت الشريعة بقبض الروح ~~والنفس في النوم وقد قال الله تعالى: قل الروح من أمر ربي PageV04P533 # [الإسراء: 85] فظاهر أن التفصيل والخوض في هذا كله عناء وإن كان قد تعرض ~~القول في هذا ونحوه أئمة، ذكره الثعلبي وغيره عن ابن عباس أنه قال: في ابن ~~آدم نفس بها العقل والتمييز، وفيه روح به النفس والتحرك، فإذا نام العبد ~~قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. والأجل المسمى في هذه الآية: هو عمر كل ~~إنسان. # وقرأ جمهور القراء: «قضى عليها» بفتح القاف على بناء الفعل للفاعل. وقرأ ~~حمزة والكسائي «قضي» بضم القاف على بنائه للمفعول، وهي قراءة ابن وثاب ~~وطلحة والأعمش وعيسى. ثم أحال أهل الفكرة على النظر في هذا ونحوه فإنه من ~~البين أن هذه القدرة لا يملكها ويصرفها إلا الواحد الصمد، لا رب غيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 43 الى 45] # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من ~~دونه إذا هم يستبشرون (45) # أم هنا مقطوعة مما قبلها، وهي مقدرة بالألف وبل، وهذا تقرير وتوبيخ، فأمر ~~الله تعالى نبيه أن يوقفهم على الأمر وعلى أنهم يرضون بهذا مع كون الأصنام ms3065 ~~بصورة كذا وكذا من عدم الملك والعقل. # والواو في قوله: أولو واو عطف دخلت عليها ألف الاستفهام، ومتى دخلت ألف ~~الاستفهام على واو العطف أو فائه أحدثت معنى التقرير. # ثم أمره بأن يخبر بأن جميع الشفاعة إنما هو لله تعالى. و: جميعا نصب على ~~الحال، والمعنى أن الله تعالى يشفع ثم لا يشفع أحد قبل شفاعته إلا بإذنه، ~~فمن حيث شفاعة غيره موقوفة على إذنه بالشفاعة كلها له ومن عنده. # وقوله تعالى: وإذا ذكر الله وحده الآية، قال مجاهد وغيره: نزلت في قراءة ~~النبي عليه السلام سورة النجم عند الكعبة بمحضر من الكفار، وعند ذلك ألقى ~~الشيطان في أمنيته، فقال: «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ~~إنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى» [النجم: 19] فاستبشر الكفار بذلك ~~وسروا، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان، أنفوا واستكبروا واشمأزت نفوسهم، ~~ومعناه تقبضت كبرا أو أنفة وكراهية ونفورا، ومنه قول عمرو بن كلثوم: ~~[الوافر] # إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولته عشوزنة زبونا # و: الذين من دونه يريد الذين يعبدون من دونه، وجاءت العبارة في هذه ~~الآيات عن الأصنام كما يجيء عمن يعقل من حيث صارت في حيز من يعقل، ونسب ~~إليها الضر والنفع والألوهية، ونفي ذلك عنها فعوملت معاملة من يعقل. و: ~~وحده منصوب عند سيبويه على المصدر، وعند الفراء على الحال. PageV04P534 # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 46 الى 48] # قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله ~~معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) # أمر الله تعالى نبيه بالدعاء ورد الحكم إلى عدله، ومعنى هذا الأمر تضمن ~~الإجابة، واللهم عند سيبويه منادى، وكذلك عند الكوفيين، إلا أنه خالفهم في ~~هذه الميم المشددة، فقال سيبويه: هي عوض من حرف النداء المحذوف إيجازا، وهي ~~دلالة على ms3066 أن ثم ما حذف. وقال الكوفيون: بل هو فعل اتصل بالمكتوبة وهو: أم، ~~ثم حذفت الهمزة تخفيفا، فكأن معنى اللهم: بالله أم بفضلك ورحمتك. # و: فاطر منادى مضاف، أي فاطر السماوات. والغيب: ما غاب عن البشر. # والشهادة: ما شاهدوه. ثم أخبر تعالى عن سوء حال الكفرة يوم القيامة، وأن ~~ما ينزل بهم لو قدروا على الافتداء منه بضعف الدنيا بأسرها لفعلوا. # وقوله: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون أي كانت ظنونهم في الدنيا ~~متفرقة متنوعة حسب ضلالتهم وتخيلاتهم فيما يعتقدونه، فإذا عاينوا العذاب ~~يوم القيامة وقصرت به حالاتهم ظهر لكل واحد ما كان يظن. وقال سفيان الثوري: ~~ويل لأهل الرياء من هذه الآية. وقال عكرمة بن عمار جزع ابن المنكدر عند ~~الموت فقيل له ما هذا؟ فقال أخاف هذه الآية وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون. وحاق معناه: نزل وثبت ولزم. # وقوله: ما كانوا هو على حذف مضاف تقديره: وحاق بهم جزاء ما كانوا به ~~يستهزؤن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 49 الى 52] # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من ~~هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) # هذه حجة تلزم عباد الأوثان التناقض في أعمالهم، وذلك أنهم يعبدون الأوثان ~~ويعتقدون تعظيمها، فإذا أزفت آزفة ونالت شدة نبذوها ونسوها ودعوا الخالق ~~المخترع رب السماوات والأرض. و: الإنسان PageV04P535 # في هذه الآية للجنس. و: خولناه معناه: ملكناه. قال الزجاج وغيره: ~~التخويل: العطاء عن غير مجازاة. # والنعمة هنا: عامة في جميع ما يسديه الله إلى العبد، فمن ذلك إزالة الضر ~~المذكور، ومن ذلك الصحة والأمن والمال، وتقوى الإشارة إليه في الآية بقوله: ~~إنما أوتيته على علم وبقوله آخرا يبسط الرزق ms3067 لمن يشاء ويقدر، وبذكر الكسب، ~~وكذلك الضمير في: أوتيته وذلك يحتمل وجوها، منها: أن يريد بالنعمة المال ~~كما قدمناه، ومنها أن يعيد الضمير على المذكور، إذ اسم النعمة يعم ما هو ~~مذكر وما هو مؤنث، ومنها: أن يكون «ما» في قوله: إنما بمعنى الذي، وعلى ~~الوجهين الأولين كافة. # وقوله: على علم في موضع نصب على الحال مع أن تكون «ما» كافة، وأما إذا ~~كانت بمعنى الذي، ف على علم في موضع خبر «إن» ودال على الخبر المحذوف، كأنه ~~قال: هو على علم، يحتمل أن يريد على علم مني بوجه المكاسب والتجارات وغير ~~ذلك، قاله قتادة. ففي هذا التأويل إعجاب بالنفس وتعاط مفرط ونحو هذا، ~~ويحتمل أن يريد على علم من الله في، وشيء سبق لي، واستحقاق حزته عند الله ~~لا يضرني معه شيء، ففي هذا التأويل اغترار بالله تعالى وعجز وتمن على الله. ~~ثم قال تعالى: بل هي فتنة أي ليس الأمر كما قال، بل هذه الفعلة به فتنة له ~~وابتلاء. ثم أخبر تعالى عمن سلف من الكفرة أنهم قالوا هذه المقالة كقارون ~~وغيره، وأنهم ما أغنى عنهم كسبهم واحتجانهم للأموال، فكذلك لا يغني عن ~~هؤلاء. # ثم ذكر تعالى على جهة التوعد لهؤلاء في نفس المثال أن أولئك أصابهم سيئات ~~ما كسبوا وأن الذين ظلموا بالكفر من هؤلاء المعاصرين لك سيصيبهم سيئات ما ~~كسبوا (وأن الذين ظلموا بالكفر ما أصاب المتقدمين) وهذا خبر من الله تعالى ~~أبرزه الوجود في يوم بدر وغيره. و: «معجزين» معناه مفلتين وناجين بأنفسهم. ~~ثم قرر على الحقيقة في أمر الكسب وسعة النعم فقال: أولم يعلموا أن الله هو ~~الذي يبسط الرزق لقوم ويضيقه على قوم بمشيئته وسابق علمه، وليس ذلك لكيس ~~أحد ولا لعجزه. ويقدر معناه: يضيق كما قال: ومن قدر عليه رزقه [الطلاق: 7] ~~. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 53 الى 55] # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا ms3068 إلى ربكم وأسلموا له ~~من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) # هذه الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة في كافر ومؤمن، أي إن توبة ~~الكافر تمحو ذنوبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه. واختلف هل يكون في المشيئة أو ~~هو مغفور له ولا بد؟ فقالت فرقة من أهل السنة: هو مغفور له ولا بد، وهذا ~~مقتضى ظواهر القرآن. وقالت فرقة: التائب في المشيئة، لكن يغلب PageV04P536 # الرجاء في ناحيته، والعاصي في المشيئة، لكن يغلب الخوف في ناحيته. # واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقال عطاء بن يسار: نزلت في وحشي ~~قاتل حمزة. # وقال قتادة والسدي وابن أبي إسحاق: نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا ~~وفتنهم قريش فافتتنوا، ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم فنزلت الآية فيهم، ~~منهم الوليد بن الوليد، وهشام بن العاصي، وهذا قول عمر بن الخطاب وأنه ~~كتبها بيده إلى هشام بن العاصي الحديث. وقالت فرقة: نزلت في قوم كفار من ~~أهل الجاهلية، قالوا: # وما ينفعنا الإسلام ونحن قد زنينا وقتلنا الناس وأتينا كل كبيرة فنزلت ~~الآية فيهم. وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر: هذه أرجى آية في ~~القرآن. وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ما أحب أن لي ~~الدنيا بما فيها بهذه الآية، يا عبادي و: أسرفوا معناه: أفرطوا وتعدوا ~~الطور. والقنط: # أعظم اليأس. # وقرأ نافع وجمهور الناس: «تقنطوا» بفتح النون. قال أبو حاتم: يلزمهم أن ~~يقرؤوا: من بعد ما قنطوا [الشورى: 28] بالكسر، ولم يقرأ به أحد. وقرأ ~~الأشهب العقيلي بضم النون. وقرأ أبو عمرو وابن وثاب بكسرها، وهي لغات. # وقوله: إن الله يغفر الذنوب جميعا عموم بمعنى الخصوص، لأن الشرك ليس ~~بداخل في الآية إجماعا، وهي أيضا في المعاصي مقيدة بالمشيئة. وجميعا نصب ~~هلى الحال. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: «إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا ولا ms3069 يبالي» . وقرأ ابن مسعود: «إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن ~~يشاء» . وأنيبوا معناه: ارجعوا وميلوا بنفوسكم، والإنابة: الرجوع بالنفس ~~إلى الشيء. # وقوله: من قبل أن يأتيكم العذاب توعد بعذاب الدنيا والآخرة. # وقوله تعالى: واتبعوا أحسن معناه: أن القرآن العزيز تضمن عقائد نيرة ~~وأوامر ونواهي منجية وعدات على الطاعات والبر وحدودا على المعاصي ووعيدا ~~على بعضها، فالأحسن أن يسلك الإنسان طريق التفهم والتحصيل، وطريق الطاعة ~~والانتهاء والعفو في الأمور ونحو ذلك، فهو أحسن من أن يسلك طريق الغفلة ~~والمعصية فيجد أو يقع تحت الوعيد، فهذا المعنى هو المقصود ب أحسن، وليس ~~المعنى أن بعض القرآن أحسن من بعض من حيث هو قرآن، وإنما هو أحسن كله ~~بالإضافة إلى أفعال الإنسان وما يلقى من عواقبها. قال السدي: الأحسن هو ما ~~أمر الله تعالى به في كتابه. و: بغتة معناه: فجأة وعلى غير موعد. و: تشعرون ~~مشتق من الشعار. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 56 الى 60] # أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) ~~أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو ~~أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت من الكافرين (59) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ~~أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) PageV04P537 # أن في هذه الآية مفعول من أجله أي أنيبوا وأسلموا من أجل أن تقول. # وقرأ جمهور الناس: «يا حسرتي» والأصل «يا حسرتي» ، ومن العرب من يرد ياء ~~الإضافة ألفا فيقول: # يا غلاما ويا جارا. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «يا حسرتاي» بفتح الياء، ~~ورويت عنه بسكون الياء، قال أبو الفتح: جمع بين العوض والمعوض منه. وروى ~~ابن جماز عن أبي جعفر: «يا حسرتي» بكسر التاء وسكون الياء. قال سيبويه: ~~ومعنى نداء الحسرة والويل، أي هذا وقتك وزمانك فاحضري. و: فرطت معناه: # قصرت في اللازم. # وقوله تعالى: في جنب الله معناه: في مقاصدي إلى الله وفي ms3070 جهة طاعته، أي ~~في تضييع شريعته والإيمان به. والجنب: يعبر به عن هذا ونحوه. ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # أفي جنب بكر قطعتني ملامة ... لعمري لقد طالت ملامتها بيا # ومنه قول الآخر: # الناس جنب والأمير جنب وقال مجاهد: في جنب الله أي في أمر الله. وقول ~~الكافر: وإن كنت لمن الساخرين ندامة على استهزائه بأمر الله تعالى. والسخر: ~~الاستهزاء. # وقوله: أو تقول في الموضعين عطف على قوله: أن تقول الأول. و: كرة مصدر من ~~كر يكر. وقوله: فأكون نصب بأن مضمرة مقدرة، وهو عطف على قول: كرة والمراد: ~~لو أن لي كرة فكونا، فلذلك احتيج إلى: ليكون مع الفعل بتأويل المصدر، ونحوه ~~قول الشاعر أنشده الفراء: [الطويل] # فما لك منها غير ذكرى وحسبة ... وتسأل عن ركبانها أين يمموا # وقد قرر بعض الناس الكلام: أنه لي أن أكر فأكون، ذكره الطبري، وهذا الكون ~~في هذه الآية داخل في التمني. # وقوله: بلى جواب لنفي مقدر في قوله: هذه النفس كأنها قالت: فعمري في ~~الدنيا لم يتسع للنظر، أو قالت: فإني لم يتبين لي الأمر في الدنيا ونحو ~~هذا، وحق بلى أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، وقرأ جمهور الناس «جاءتك» بفتح ~~الكاف، وبفتح التاء من قوله: «فكذبت» و «استكبرت وكنت» على مخاطبة الكافر ~~ذي النفس. وقرأ ابن يعمر والجحدري بكسر الكاف والتاء في الثلاثة على خطاب ~~النفس المذكورة. قال أبو حاتم: روتها أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقرأ الأعمش: «بلى قد جاءته» بالهاء. PageV04P538 # ثم خاطب تعالى نبيه بخبر يراه يوم القيامة من حالة الكفار، في ضمن هذا ~~الخبر وعيد بين لمعاصريه. # وقوله: ترى هو من رؤية العين، وكذبهم على الله: هو في أن جعلوا لله ~~البنات والصاحبة، وشرعوا ما لم يأذن به إلى غير ذلك. # وقوله: وجوههم مسودة جملة في موضع الحال، وظاهر الآية: أن لون وجوههم ~~يتغير ويسود حقيقة، ويحتمل أن يكون في العبارة تجوز، وعبر بالسواد عن أن ~~يراد به وجوههم وغالب همهم وظاهر كآبتهم. والمثوى: موضع الثواء ms3071 والإقامة. ~~والمتكبر: رافع نفسه إلى فوق حقه، وقال النبي عليه السلام: # الكبر سفه وغمط الناس أي احتقارهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 61 الى 65] # وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) الله ~~خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض والذين ~~كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين (65) # ذكر الله تعالى المتقين ونجاتهم ليعادل بذلك ما تقدم من ذكر الكفرة، وفي ~~ذلك ترغيب في حالة المتقين، لأن الأشياء تتبين بأضدادها. # وقرأ جمهور القراء: «بمفازتهم» وذلك على اسم الجنس، وهو مصدر من الفوز. ~~وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «بمفازاتهم» على الجمع من حيث النجاة ~~أنواع، الأسباب مختلفة وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن والأعمش، ~~وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وينجي الله الذين اتقوا بأسباب أو بدواعي ~~مفازاتهم. قال السدي: بمفازتهم بفضائلهم. وقال ابن زيد بأعمالهم. # وقوله تعالى: الله خالق كل شيء كلام مستأنف دال على الوحدانية، وهو عموم ~~معناه الخصوص. # والوكيل: القائم على الأمر، الزعيم بإكماله وتتميمه. والمقاليد: ~~المفاتيح، وقاله ابن عباس، واحدها مقلاد، مثل مفتاح، وفي كتاب الزهراوي: ~~واحد المقاليد: إقليد، وهذه استعارة كما تقول بيدك يا فلان مفتاح هذا ~~الأمر، إذا كان قديرا على السعي فيه. وقال السدي: المقاليد الخزائن، وهذه ~~عبارة غير جيدة، ويشبه أن يقول قائل: المقاليد إشارة إلى الخزائن أو دالة ~~عليها فيسوغ هذا القول، كما أن الخزائن أيضا في جهة الله إنما تجيء ~~استعارة، بمعنى اتساع قدرته، وأنه يبتدع ويخترع، ويشبه أن يقال فيما قد ~~أوجد من المخلوقات كالريح والماء وغير ذلك إنها في خزائنه، وهذا كله بتجوز ~~على جهة التقريب والتفهيم للسامعين، وقد ورد القرآن بذكر الخزائن، ووقعت في ~~الحديث الصحيح في قوله عليه السلام:» وما فتح PageV04P539 # الليلة من الخزائن» والحقيقة في هذا غير بعيدة، لكنه ليس باختزان حاجة ~~ولا قلة ms3072 قدرة كما هو اختزان البشر. وقال عثمان رضي الله عنه سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السماوات والأرض فقال: «لا إله إلا الله ~~والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير» . # وقوله: أفغير منصوب ب أعبد، كأنه قال: أفغير الله أعبد فيما تأمروني؟ ~~ويجوز أن يكون نصبه ب تأمروني على إسقاط أن، تقديره أفغير الله تأمروني أن ~~أعبد. # وقرأت فرقة: «تأمرونني» بنونين، وهذا هو الأصل. وقرأ ابن كثير: «تأمروني» ~~بنون مشددة مكسورة وياء مفتوحة. وقرأ ابن عامر: «تأمروني» بياء ساكنة ونون ~~مكسورة خفيفة، وهذا على حذف النون الواحدة وهي الموطئة لياء المتكلم، ولا ~~يجوز حذف النون الأولى وهو لحن لأنها علامة رفع الفعل، وفتح نافع الياء على ~~الحذف فقرأ: «تأمروني» وقرأ الباقون بشد النون وبسكون الياء. # وقوله تعالى: ولقد أوحي إليك الآية، قالت فرقة: في الآية تقديم وتأخير ~~كأنه قال: «لقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك» ، ~~وقالت فرقة: الآية على وجهها، المعنى: «ولقد أوحي إلى كل نبي لئن أشركت ~~ليحبطن عملك» . وحبط: معناه: بطل وسقط، وبهذه الآية بطلت أعمال المرتد من ~~صلاته وحجه وغير ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 66 الى 68] # بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ~~ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) # المكتوبة: نصب بقوله: فاعبد. وقوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره معناه: ~~وما عظموا الله حق عظمته ولا وصفوه بصفاته، ولا نفوا عنه ما لا يليق به. # واختلف الناس في المعنى بالضمير في قوله: قدروا قال ابن عباس: نزل ذلك في ~~كفار قريش الذين كانت هذه الآيات كلها محاورة لهم وردا عليهم. وقالت فرقة: ~~نزلت الآية في ms3073 قوم من اليهود تكلموا في صفات الله تعالى وجلاله، فألحدوا ~~وجسموا وأتوا كل تخليط، فنزلت الآية فيهم، وفي الحديث الصحيح: # أنه جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليه، فقال له النبي ~~عليه السلام حدثنا، فقال: إن الله عز وجل إذا كان يوم القيامة جعل السماوات ~~على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع، والماء والشجر على أصبع، ~~وجميع الخلائق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا له، ثم قرأ هذه الآية. PageV04P540 # قال القاضي أبو محمد: فرسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل بالآية، وقد ~~كانت نزلت. وقوله في الحديث: تصديقا له، أي في أنه لم يقل إلا ما رأى في ~~كتب اليهود، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر المعنى، لأن التجسيم فيه ~~ظاهر واليهود معروفون باعتقاده، ولا يحسنون حمله على تأويله من أن الأصبع ~~عبارة عن القدرة، أو من أنها أصبع خلق يخلق لذلك، ويعضدها تنكير الأصبع. # وروى سعيد بن المسيب أن سبب نزول الآية أن طائفة من اليهود جاءت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد، هذا الله خلق الأشياء، فمن خلق ~~الله؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وساورهم، ونزلت الآية في ذلك. # وقرأ جمهور الناس: «قدره» بسكون الدال. وقرأ الأعمش: بفتح الدال. وقرأ ~~أبو حيوة والحسن وعيسى بن عمر وأبو نوفل: «وما قدروا» بشد الدال «حق قدره» ~~بفتح الدال. # وقوله تعالى: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة معناه: في قبضته. وقال ابن ~~عمر ما معناه: أن الأرض في قبضة اليد الواحدة، والسماوات مطويات باليمين ~~الأخرى، لأنه كلتا يديه يمين، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن ~~عباس: الأرض جميعا قبضته، والسماوات وكل ذلك بيمينه. # وقرأ عيسى بن عمر: «مطويات» بكسر التاء المنونة، والناس على رفعها. # وعلى كل وجه، ف «اليمين» هنا و «القبضة» وكل ما ورد: عبارة عن القدرة ~~والقوة، وما اختلج في الصدور من غير ms3074 ذلك باطل، وما ذهب إليه القاضي من أنها ~~صفات زائدة على صفات الذات قول ضعيف، وبحسب ما يختلج في النفوس التي لم ~~يحضنها العلم. # قال عز وجل: سبحانه وتعالى عما يشركون. أي هو منزه عن جميع الشبه التي لا ~~تليق به. ثم ذكر تعالى النفخ في الصور ليصعق الأحياء من أهل الدنيا ~~والسماء، وفي بعض الأحاديث من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن قبل هذه الصعقة الفزع ولم تتضمنها هذه الآية. و: «صعق» في هذه الآية ~~معناه: خر ميتا. و: الصور القرن، ولا يتصور هنا غير هذا، ومن يقول الصور ~~جمع صورة، فإنما يتوجه قوله في نفخة البعث. # وقرأ قتادة: «في الصور» بفتح الواو، وهي جمع صورة. # وقوله: إلا من شاء الله قال السدي: استثنى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ~~الموت، ثم أماتهم بعد هذه الحال، وروي ذلك عن أنس بن مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال: استثنى الأنبياء: وقال ابن جبير: استثنى الشهداء. # وقوله: ثم نفخ فيه أخرى هي نفخة البعث. وروي أن بين النفختين أربعين، لا ~~يدري أبو هريرة سنة أو يوما أو شهرا أو ساعة. وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: PageV04P541 ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 69 الى 72] # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) # أشرقت معناه: أضاءت وعظم نورها، يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا ~~أضاءت. # وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير: «أشرقت» بضم الهمزة وكسر الراء على بناء ~~الفعل للمفعول، وهذا إنما يترتب من فعل يتعدى، فهذا على أن يقال: أشرق ~~البيت، وأشرقه السراج، فيكون الفعل متجاوزا أو غير متجاوز ms3075 بلفظ واحد كرجع ~~ورجعته ووقف ووقفته، ومن المتعدي من ذلك يقال أشرقت الأرض: # و: الأرض في هذه الآية: الأرض المبدلة من الأرض المعروفة. # وقوله: بنور ربها إضافة خلق إلى خالق، أي بنور الله تعالى، و: الكتاب ~~كتاب حساب الخلائق، ووحده على اسم الجنس، لأن كل أحد له كتاب على حدة. ~~وقالت فرقة: وضع اللوح المحفوظ، وهذا شاذ وليس فيه معنى التوعد وهو مقصد ~~الآية. # وقوله: وجيء بالنبيين أي ليشهدوا على أممهم. # وقوله: والشهداء قيل هو جمع شاهد، والمراد أمة محمد الذين جعلهم الله ~~شهداء على الناس. # وقال السدي: الشهداء جمع شهيد في سبيل الله، وهذا أيضا يزول عنه معنى ~~التوعد، ويحتمل أن يريد بقوله: والشهداء الأنبياء أنفسهم، عطف الصفة على ~~الصفة بالواو، كما تقول: جاء زيد الكريم والعاقل. وقال زيد بن أسلم: ~~الشهداء: الحفظة. والضمير في قوله: بينهم عائد على العالم بأجمعه، إذ الآية ~~تدل عليهم. و: لا يظلمون معناه: لا يوضع شيء من أمورهم غير موضعه. ووفيت ~~معناه: # جوزيت كملا، وفي هذا وعيد صرح عنه قوله: وهو أعلم بما يفعلون. # وقرأ الجمهور: وسيق وجيء بكسر أوله. وقرأها ونظائرها بإشمام الضم: الحسن ~~وابن وثاب وعاصم والأعمش. و: زمرا معناه: جماعات متفرقة، واحدها زمرة. # وقوله: فتحت جواب إذا، والكلام هنا يقضي أن فتحها إنما يكون بعد مجيئهم، ~~وفي وقوفهم قبل فتحها مذلة لهم، وهكذا هي حال السجون ومواضع الثقاف والعذاب ~~بخلاف قوله: في أهل الجنة: # وفتحت [الزمر: 73] بالواو مؤذنة بأنهم يجدونها مفتوحة كمنازل الأفراح. # وقرأ الجمهور: «فتحت» بشد التاء في الموضعين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~بتخفيفها، وهي قراءة طلحة والأعمش. ثم ذكر تعالى توقيف الخزنة لهم على مجيء ~~الرسل. PageV04P542 # وقرأ الجمهور: «يأتكم» بالياء من تحت. وقرأ الأعرج: «تأتكم» بتاء من فوق. # وقوله: منكم أعظم في الحجة، أي رسل من جنسكم لا يصعب عليكم مراميهم ولا ~~فهم أقوالهم. وقولهم: بلى جواب على التقرير على نفي أمر، ولا يجوز هنا ~~الجواب بنعم، لأنهم كانوا يقولون: نعم لم يأتنا، وهكذا كان يترتب المعنى، ~~ثم ms3076 لا يجدوا حجة إلا أن كلمة العذاب حقت عليهم، أي الكلمة المقتضية من الله ~~تعالى تخليدهم في النار، وهي عبارة عن قضائه السابق لهم بذلك، وهي التي في ~~قوله تعالى لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [ص: 85] . ~~والمثوى: موضع الإقامة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزمر (39) : الآيات 73 الى 75] # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) وقالوا الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74) ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل ~~الحمد لله رب العالمين (75) # قوله: الذين اتقوا ربهم لفظ يعم كل من يدخل الجنة من المؤمنين الذين ~~اتقوا الشرك، لأن الذين لم يتقوا المعاصي قد يساق منهم زمر وهم الذين سبق ~~لهم أن يغفر الله لهم من أهل المشيئة، وأيضا فالذين يدخلون النار ثم يخرجون ~~منها قد يساقون زمرا إلى الجنة بعد ذلك فيصيرون من أهل هذه الآية، والواو ~~في قوله: وفتحت مؤذنة بأنها قد فتحت قبل وصولهم إليها، وقد قالت فرقة: هي ~~زائدة. وجواب إذا، فتحت، وقال الزجاج عن المبرد: جواب إذا محذوف، تقديره ~~بعد قوله: خالدين فيها سعدوا. وقال الخليل: الجواب محذوف تقديره: حتى ~~جاؤوها وفتحت أبوابها، وهذا كما قدر الخليل قول الله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين [الصافات: 103] وكما قدر أيضا قول امرئ القيس: ~~[الطويل] فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى أي أجزنا وانتحى. وقال قوم: أشار ~~إليهم ابن الأنباري وضعف قولهم: هذه واو الثمانية مستوعبا في سورة الكهف، ~~وسقطت هذه الواو في مصحف ابن مسعود فهي كالأولى. وسلام عليكم تحية. ويحتمل ~~أن يريد أنهم قالوا لهم سلام عليكم وأمنة لكم. و: طبتم معناه: أعمالا ~~ومعتقدا ومستقرا وجزاء. # وقوله تعالى حكاية عنهم: وأورثنا الأرض يريد أرض الجنة، قاله قتادة وابن ~~زيد والسدي والوراثة هنا مستعارة، لأن حقيقة الميراث أن يكون تصيير شيء إلى ~~إنسان بعد موت إنسان، وهؤلاء إنما ms3077 ورثوا مواضع أهل النار أن لو كانوا ~~مؤمنين. و: نتبوأ معناه: نتخذ أمكنة ومساكن. # ثم وصف حالة الملائكة من العرش وحفوفهم به، وقال قوم: واحد حافين حاف. ~~وقالت فرقة: PageV04P543 # لا واحد لقوله: حافين لأن الواحد لا يكون حافا، إذ الحفوف الإحداق ~~بالشيء، وهذه اللفظة مأخوذة من الحفاف وهو الجانب، ومنه قول الشاعر [ابن ~~هرمة] : [الطويل] # له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل # أي عن جانبيه. وقالت فرقة: من في قوله: من حول زائدة، والصواب أنها ~~لابتداء الغاية. # وقوله: يسبحون بحمد ربهم قالت فرقة: معناه: أن تسبيحهم يتأتى بحمد الله ~~وفضله. وقالت فرقة: تسبيحهم هو بترديد حمد الله وتكراره. قال الثعلبي: ~~متلذذين لا متعبدين ولا مكلفين. # وقوله: وقيل الحمد لله رب العالمين ختم للأمر، وقول جزم عند فصل القضاء، ~~أي إن هذا الحاكم العدل ينبغي أن يحمد عند نفوذ حكمه وإكمال قضائه، ومن هذه ~~الآية جعلت الحمد لله رب العالمين خاتمة المجالس والمجتمعات في العلم. وقال ~~قتادة: فتح الله أول الخلق بالحمد، فقال: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض [الأنعام: 1] وختم القيامة بالحمد في ~~هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: وجعل الله الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 1] ~~فاتحة كتابه، فبه يبدأ كل أمر وبه يختم، وحمد الله تعالى وتقديسه ينبغي أن ~~يكون من المؤمن كما قال الشاعر: [الطويل] # وآخر شيء أنت في كل ضجعة ... وأول شيء أنت عند هبوبي PageV04P544 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة غافر # هذه السورة مكية بإجماع، وقد روي في بعض آياتها أنها مدنية، وهذا ضعيف، ~~والأول أصح. وهذه الحواميم التي روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ~~ديباج القرآن ووقفه الزجاج على ابن مسعود، ومعنى هذه العبارة أنها خلت من ~~الأحكام، وقصرت على المواعظ والزجر وطرق الآخرة محضا (وأيضا فهي قصار) لا ~~يلحق فيها قارئها سآمة. وروي أن عبد الله بن مسعود روى أن النبي عليه ~~السلام قال: «من أراد أن يرتع في رياض مونقة من الجنة فليقرأ الحواميم» ، ~~وهذا نحو الكلام الأول ms3078 في المعنى. وقال عليه السلام: # «مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب» . # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله ~~إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) # كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) # تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتلك الأقوال كلها تترتب ~~في قوله: حم ويختص هذا الموضع بقول آخر، قاله الضحاك. والكسائي: إن حم هجاء ~~«حم» بضم الحاء وشد الميم المفتوحة، كأنه يقول: حم الأمر ووقع تنزيل الكتاب ~~من الله. وقال ابن عباس: الر [يونس: 1، هود: 1، إبراهيم: 1، يوسف: 1، ~~الحجر: 1] و: حم [غافر: 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف: 1، الدخان: 1، ~~الجاثية: 1، الأحقاف: 1] و: ن [القلم: 1] هي حروف الرحمن مقطعة في سور. ~~وقال القرظي أقسم الله بحلمه وملكه. وسأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن: حم ما هو؟ فقال بدء أسماء وفواتح سور. # وقرأ ابن كثير: بفتح الحاء، وروي عن أبي عمرو: كسر الحاء على الإمالة، ~~وروي عن نافع: # الفتح، وروي عنه: الوسط بينهما، وكذلك اختلف عن عاصم، وروي عن عيسى كسر ~~الحاء على الإمالة، وقرأ جمهور الناس: «حم» بفتح الحاء وسكون الميم، وقرأ ~~عيسى بن عمر أيضا حم بفتح الحاء وفتح PageV04P545 # الميم الأخيرة في النطق، ولذلك وجهان: أحدهما التحريك للالتقاء مع الياء ~~الساكنة، والآخر: حركة إعراب، وذلك نصب بفعل مقدر تقديره: «اقرأ حم» ، وهذا ~~على أن تجري مجرى الأسماء، والحجة منه قول شريح بن أوفى العبسي: [الطويل] # يذكرني حم والرمح شاجر ... فهلا تلا حم قبل التقدم # وقول الكميت: [الطويل] # وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب # وقرأ أبو السمال: حم بفتح الحاء وكسر الميم الآخرة، وذلك لالتقاء ~~الساكنين. # و: حم آية: و: تنزيل رفع بالابتداء، والخبر في قوله: ms3079 من الله وعلى القول ~~بأن حم إشارة إلى حروف المعجم يكون قوله: حم خبر ابتداء. و: الكتاب القرآن. # وقوله: غافر بدل من المكتوبة، وإن أردت ب غافر المضي، أي غفرانه في ~~الدنيا وقضاؤه بالغفران وستره على المذنبين، فيجوز أن يكون غافر صفة، لأن ~~إضافته إلى المعرفة تكون محضة، وهذا مترجح جدا، وإذا أردت ب غافر الاستقبال ~~أو غفرانه يوم القيامة فالإضافة غير محضة، و: غافر نكرة فلا يكون نعتا، لأن ~~المعرفة لا تنعت بالنكرة، وفي هذا نظر. وقال الزجاج: غافر وقابل صفتان. و: ~~شديد العقاب بدل، و: الذنب اسم الجنس. وأما التوب فيحتمل أن يكون مصدرا ~~كالعوم والنوم فيكون اسم جنس، ويحتمل أن يكون جمع توبة كتمرة وتمر، وساعة ~~وساع. # وقبول التوبة من الكافر مقطوع لإخبار الله تعالى، وقبول التوبة من العاصي ~~في وجوبها قولان لأهل السنة، وحكى الطبري عن أبي بكر بن عياش أن رجلا جاء ~~إلى عمر بن الخطاب فقال: إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقال نعم، اعمل ولا ~~تيأس، ثم قرأ هذه الآيات إلى قابل التوب. وشديد العقاب: صفة، وقيل بدل. ثم ~~عقب هذا الوعيد بوعد ثان في قوله: ذي الطول أي ذي التطول والمن بكل نعمة ~~فلا خير إلا منه، فترتب في الآية وعيد بين وعدين، وهكذا رحمة الله تغلب ~~غضبه. # قال القاضي أبو محمد: سمعت هذه النزعة من أبي رضي الله عنه، وهي نحو من ~~قول عمر رضي الله عنه: لن يغلب عسر يسريين يريد في قوله تعالى فإن مع العسر ~~يسرا، إن مع العسر يسرا [الشرح: 5- 6] . # و: الطول الإنعام، ومنه: حليت بطائل. وحكى الثعلبي عن أهل الإشارة أنه ~~تعالى: غافر الذنب فضلا، وقابل التوب وعدا، وشديد العقاب عدلا. وقال ابن ~~عباس: الطول: السعة والغنى، ثم صدع بالتوحيد في قوله: لا إله إلا هو. ~~وبالبعث والحشر في قوله: إليه المصير. # وقوله: ما يجادل في آيات الله يريد جدالا باطلا، لأن الجدال فيها يقع من ~~المؤمنين لكن في إثباتها وشرحها. # وقوله: فلا يغررك أنزله منزلة: ms3080 «فلا يحزنك ولا يهمنك» ، لتدل الآية على ~~أنهم ينبغي أن لا PageV04P546 # يغتروا بإملاء الله تعالى لهم، فالخطاب له والإشارة إلى من يقع منه ~~الاغترار، ويحتمل أن يكون يغررك بمعنى تظن أن وراء تقلبهم وإمهالهم خيرا ~~لهم فتقول عسى أن لا يعذبوا وحل الفعل من الإدغام لسكون الحرف الثاني، وحيث ~~هما متحركان لا يجوز الحل، لا تقول زيد يغررك. و: تقلبهم في البلاد عبارة ~~عن تمتعهم بالمساكن والمزارع والأسفار وغير ذلك. ثم مثل لهم بمن تقدمهم من ~~الأمم، أي كما حل بأولئك كذلك ينزل بهؤلاء. والأحزاب: يريد بهم عادا وثمود ~~أو أهل مدين وغيرهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «برسولها» ، ردا على ~~الأمة، وضمير الجماعة هو على معنى الأمة لا على لفظها. # وقوله: ليأخذوه معناه ليهلكوه كما قال تعالى: فأخذتهم والعرب تقول ~~للقتيل: أخيذ، وللأسير كذلك، ومنه قولهم: أكذب من الأخيذ الصبحان. وقال ~~قتادة: ليأخذوه معناه: ليقتلوه. وليدحضوا معناه: ليزلقوا وليذهبوا، ~~والمدحضة المزلة والمزلقة. # وقوله: فكيف كان عقاب تعجيب وتعظيم، وليس باستفهام عن كيفية وقوع الأمر. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 6 الى 9] # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ~~(7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) # وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «كذلك سبقت كلمة» . والمعنى: كما أخذت أولئك ~~المذكورين فأهلكتهم فكذلك حقت كلماتي على جميع الكفار من تقدم منهم ومن ~~تأخر أنهم أهل النار وسكانها. # وقرأ نافع وابن عامر: «كلمات» على الجمع، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر ~~وابن نصاح وقرأ الباقون: «كلمة» على الإفراد وهي للجنس، وهي قراءة أبي رجاء ~~وقتادة، وهذه كلها عبارة عن ختم القضاء عليهم. # وقوله: أنهم بدل من كلمة. # ثم أخبر ms3081 تعالى بخبر يتضمن تشريف المؤمنين ويعظم الرجاء لهم، وهو أن ~~الملائكة الحاملين للعرش والذين حول العرش، وهؤلاء أفضل الملائكة يستغفرون ~~للمؤمنين ويسألون الله لهم الرحمة والجنة، وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه ~~الآية: كان على ربك وعدا مسؤلا [الفرقان: 16] أي سألته الملائكة، وفسر في ~~هذه الآية المجمل الذي في قوله تعالى في غير هذه الآية ويستغفرون لمن في ~~الأرض PageV04P547 # [الشورى: 5] لأنه معلوم أن الملائكة لا تستغفر لكافر، وقد يجوز أن يقال ~~معنى ذلك أنهم يستغفرون للكفار، بمعنى طلب هدايتهم والمغفرة لهم بعد ذلك، ~~وعلى هذا النحو هو استغفار إبراهيم لأبيه واستغفار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للمنافقين. وبلغني أن رجلا قال لبعض الصالحين ادع لي واستغفر لي، فقال ~~له: تب واتبع سبيل الله يستغفر لك من هو خير مني، وتلا هذه الآية. وقال ~~مطرف بن الشخير: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد ~~الشياطين، وتلا هذه الآية. وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش بين شحمة أذنه وعاتقه ~~مسيرة سبعمائة سنة» وقرأت فرقة: «العرش» بضم العين، والجمهور على فتحها. # وقوله تعالى: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما نصب الرحمة على التمييز وفيه ~~حذف تقديره: # يقولون، ومعناه: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، وهذا نحو قولهم: تفقأت شحما ~~وتصببت عرقا وطبت نفسا. وسبيل الله المتبعة: هي الشرائع. # وقرأ جمهور الناس: «جنات عدن» على جمع الجنات. وقرأ الأعمش في رواية ~~المفضل: «جنة عدن» على الإفراد، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود. والعدن: ~~الإقامة. # وقوله: ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم روي عن سعيد بن جبير في ~~تفسير ذلك: أن الرجل يدخل الجنة قبل قرابته فيقول: أين أبي؟ أين أمي؟ أين ~~زوجتي؟ فيلحقون به لصلاحهم ولتنبيهه عليهم وطلبه إياهم، وهذه دعوة ~~الملائكة: وقرأ عيسى بن عمر: «وذريتهم» بالإفراد. # وقوله: وقهم أصله أوقهم، حذفت الواو اتباعا لحذفها في المستقبل، واستغني ~~عن ألف الوصل لتحرك القاف، ومعناه: اجعل لهم ms3082 وقاية تقيهم السيئات، واللفظ ~~يحتمل أن يكون الدعاء في دفع العذاب اللاحق من السيئات، فيكون في اللفظ على ~~هذا حذف مضاف، كأنه قال: وقهم جزاء السيئات. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 10 الى 12] # إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) # ثم أخبر تعالى بحال الكفار وجعل ذلك عقب حال المؤمنين ليبين الفرق، وروي ~~أن هذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار، فإنهم إذا أدخلوا فيها مقتوا ~~أنفسهم، أي مقت بعضهم بعضا. ويحتمل أن يمقت كل واحد نفسه، فإن العبارة ~~تحتمل المعنيين، والمقت هو احتقار وبغض عن ذنب وريبة. هذا حده، وإذا PageV04P548 # مقت الكفار أنفسهم نادتهم ملائكة العذاب على جهة التوبيخ، فيقولون لهم: ~~مقت الله إياكم في الدنيا إذ كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم ~~أنفسكم اليوم، هذا هو معنى الآية، وبه فسر مجاهد وقتادة وابن زيد. وأضاف ~~المصدر إلى الفاعل في قوله: لمقت الله والمفعول محذوف لأن القول يقتضيه. ~~واللام في قوله: لمقت يحتمل أن تكون لام ابتداء، ويحتمل أن تكون لام القسم، ~~وهذا أصوب. و: أكبر خبر الابتداء، والعامل في: إذ فعل مضمر تقديره: مقتكم ~~إذ، وقدره قوم اذكروا، وذلك ضعيف يحل ربط الكلام، اللهم إلا أن يقدر أن مقت ~~الله لهم هو في الآخرة، وأنه أكبر من مقتهم أنفسهم، فيصح أن يقدر المضمر ~~اذكروا، ولا يجوز أن يعمل فيه قوله: لمقت لأن خبر الابتداء قد حال بين ~~المقت وإذ، وهي في صلته، ولا يجوز ذلك. # واختلف المفسرون في معنى قولهم: قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فقال ابن عباس وقتادة والضحاك وأبو مالك: أرادوا موته كونهم ماء في الأصلاب ~~ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم الموت ثم أحياهم يوم القيامة، قالوا وهي ~~كالتي في سورة البقرة: كيف تكفرون ms3083 بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم [البقرة: 28] . وقال ابن زيد: أرادوا أنه أحياهم نسما عند أخذ العهد ~~عليهم وقت أخذهم من صلب آدم ثم أماتهم بعد ذلك ثم أحياهم في الدنيا ثم ~~أماتهم ثم أحياهم، وهذا قول ضعيف، لأن الإحياء فيه ثلاث مرات.. وقال السدي: ~~أرادوا أنه أحياهم في الدنيا ثم أماتهم تم أحياهم في القبر وقت سؤال منكر ~~ونكير، ثم أماتهم فيه ثم أحياهم في الحشر، وهذا أيضا يدخله الاعتراض الذي ~~في القول قبله، والأول أثبت الأقوال. وقال محمد بن كعب القرظي: أرادوا أن ~~الكافر في الدنيا هو حي الجسد ميت القلب فكأن حالهم في الدنيا جمعت إحياء ~~وإماتة، ثم أماتهم حقيقة ثم أحياهم بالبعث. # والخلاف في هذه الآية مقول كله في آية سورة البقرة، وهذه الآية يظهر منها ~~أن معناها منقطع من معنى قوله تعالى: إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون وليس ~~الأمر كذلك، بل الآيتان متصلتا المعنى، وذلك أن كفرهم في الدنيا كان أيضا ~~بإنكارهم البعث واعتقادهم أنه لا حشر ولا عذاب، ومقتهم أنفسهم إنما عظمه، ~~لأن هذا المعتقد كذبهم، فلما تقرر مقتهم لأنفسهم ورأوا خزيا طويلا عريضا ~~رجعوا إلى المعنى الذي كان كفرهم به وهو البعث وخرج الوجود مقترنا بعذابهم ~~فأقروا به على أتم وجوهه، أي قد كنا كفرنا بإنكارنا البعث ونحن اليوم نقر ~~أنك أحييتنا اثنتين وأمتنا اثنتين، كأنهم قصدوا تعظيم قدرته تعالى ~~واسترضاءه بذلك، ثم قالوا عقب هذا الإقرار طمعا منهم، فها نحن معترفون ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل؟ وهذا كما تكلف إنسانا أن يقر لك بحق وهو ~~ينكرك، فإذا رأى الغلبة وضرع أقر بذلك الأمر متمما أوفى مما كنت تطلب به ~~أولا، وفيما بعد قولهم: فهل إلى خروج من سبيل محذوف من الكلام يدل عليه ~~الظاهر، تقديره: لا إسعاف لطلبتكم أو نحو هذا من الرد والزجر. # وقوله تعالى: ذلكم يحتمل أن يكون إشارة إلى العذاب الذي هم فيه، ويحتمل ~~أن يكون إشارة إلى مقت الله إياهم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ms3084 مقتهم أنفسهم، ~~ويحتمل أن تكون إشارة إلى المنع والزجر والإهانة التي قلنا إنها مقدرة ~~محذوفة الذكر لدلالة ظاهر القول عليها، ويحتمل أن تكون المخاطبة ب ذلكم ~~لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم فى الدنيا، ويحتمل أن تكون في الآخرة ~~للكفار عامة. PageV04P549 # وقوله: إذا دعي الله وحده معناه: بحالة توحيد ونفي لما سواه من الآلهة ~~والأنداد. # وقوله: وإن يشرك به أي إذا ذكرت اللات والعزى وغيرهما صدقتم واستقرت ~~نفوسكم، فالحكم اليوم بعذابكم وتخليدكم في النار، لا لتلك التي كنتم ~~تشركونها معه في الألوهية. و: العلي الكبير صفتا مدح لا في المكان ومضادة ~~السفل والصغر. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 13 الى 17] # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ~~(13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ~~(16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) # هذه ابتداء مخاطبة في معنى توحيد الله تعالى وتبيين علامات ذلك، وآيات ~~الله: تعم آيات قدرته وآيات قرآنه والمعجزات الظاهرة على أيدي رسله. وتنزيل ~~الرزق: هو في تنزيل المطر وفي تنزيل القضاء والحكم، قيل ما يناله المرء في ~~تجارة وغير ذلك وقرأ جمهور الناس: «وينزل» بالتخفيف. وقرأ الحسن والأعرج ~~وعيسى وجماعة: «وينزل» بفتح النون وشد الزاي. # وقوله تعالى: وما يتذكر إلا من ينيب معناه: وما يتذكر تذكرا يعتد به ~~وينفع صاحبه، لأنا نجد من لا ينيب يتذكر، لكن لما كان ذلك غير نافع عد كأنه ~~لم يكن. # وقوله: فادعوا الله مخاطبة للمؤمنين أصحاب محمد عليه السلام. «وادعوا» : ~~معناه: اعبدوا. # وقوله تعالى: رفيع الدرجات صفاته العلى، وعبر بما يقرب لأفهام السامعين، ~~ويحتمل أن يريد ب رفيع الدرجات التي يعطيها للمؤمنين ويتفضل بها على عباده ~~المخلصين في جنة. و: العرش هو الجسم المخلوق الأعظم ms3085 الذي السماوات السبع ~~والأرضون فيه كالدنانير في الفلاة من الأرض. # وقوله تعالى: يلقي الروح قال الضحاك: الروح هنا هو الوحي القرآن وغيره ~~مما لم يتل. # وقال قتادة والسدي: الروح النبوءة ومكانتها كما قال تعالى: روحا من أمرنا ~~[الشورى: 52] ويسمى هذا روحا لأنه يحيي به الأمم والأزمان كما يحيي الجسد ~~بروحه، ويحتمل أن يكون إلقاء الروح عاما لكل ما ينعم الله به على عباده ~~المعتدين في تفهيمه الإيمان والمعتقدات الشريفة. والمنذر على هذا التأويل: ~~هو الله تعالى. قال الزجاج: الروح: كل ما به حياة الناس، وكل مهتد حي، وكل ~~ضال كالميت. # وقوله: من أمره إن جعلته جنسا للأمور ف من للتبعيض أو لابتداء الغاية، ~~وإن جعلنا الأمر من PageV04P550 # معنى الكلام، ف من إما لابتداء الغاية، وإما بمعنى الباء، ولا تكون ~~للتبعيض بتة وقرأ أبي بن كعب: # وجماعة: «لينذر» بالياء وكسر الذال، وفي الفعل ضمير يحتمل أن يعود على ~~الله تعالى، ويحتمل أن يعود على الروح، ويحتمل أن يعود على من في قوله: من ~~يشاء. وقرأ محمد بن السميفع اليماني: # «لينذر» بالياء وفتح الذال، وضم الميم من «يوم» وجعل اليوم منذرا على ~~الاتساع. وقرأ جمهور الناس: # «لتنذر» بالتاء على مخاطبة محمد عليه السلام، ويوم» بالنصب. # وقرأ أبو عمرو ونافع وجماعة: «التلاق» دون ياء. وقرأ أبو عمرو أيضا وعيسى ~~ويعقوب: «التلاقي» بالياء، والخلاف فيها كالخلاف الذي مر في التناد [غافر: ~~32] ، ومعناه: تلاقي جميع العالم بعضهم ببعض، وذلك أمر لم يتفق قبل ذلك ~~اليوم، وقال السدي: معناه: تلاقي أهل السماء وأهل الأرض، وقيل معناه تلاقي ~~الناس مع بارئهم، وهذا المعنى الأخير هو أشدها تخويفا، وقيل يلتقي المرء ~~وعمله. # وقوله تعالى: يوم هم بارزون معناه في براز من الأرض ينفذهم البصر ويسمعهم ~~الداعي، ونصب يوم على البدل من الأول فهو نصب المفعول، ويحتمل أن ينصب على ~~الظرف ويكون العامل فيه قوله: لا يخفى وهي حركة إعراب لا حركة بناء، لأن ~~الظرف لا يبنى إلا إذا أضيف إلى غير متمكن كيومئذ، وكقول الشاعر [النابغة ~~الذبياني] : [الطويل] ms3086 # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وارع # وكقوله تعالى: هذا يوم ينفع الصادقين [المائدة: 119] وأما في هذه الآية ~~فالجملة أمر متمكن كما تقول: جئت يوم زيد فلا يجوز البناء، وتأمل. # وقوله تعالى: لا يخفى على الله منهم أي من بواطنهم وسرائرهم ودعوات ~~صدورهم، وفي مصحف أبي بن كعب: «لا يخفى عليه منهم شيء» بضمير بدل المكتوبة. # وقوله تعالى: لمن الملك اليوم روي أن الله تعالى يقرر هذا التقرير ويسكت ~~العالم هيبة وجزعا، فيجيب هو نفسه بقوله: لله الواحد القهار قال الحسن بن ~~أبي الحسن هو تعالى السائل وهو المجيب. # وقال ابن مسعود: أنه تعالى يقرر فيجيب العالم بذلك، وقيل ينادي بالتقرير ~~ملك فيجيب الناس. # قال القاضي أبو محمد: وإذا تأمل المؤمن أنه لا حول لمخلوق ولا قوة إلا ~~بالله، فالزمان كله وأيام الدهر أجمع إنما الملك فيها لله الواحد القهار، ~~لكن ظهور ذلك للكفرة والجهلة يتضح يوم القيامة، وإذا تأمل تسخير أهل ~~السماوات وعبادتهم ونفوذ القضاء في الأرض فأي ملك لغير الله عز وجل. # ثم يعلم تعالى أهل الموقف بأنه يوم المجازاة بالأعمال صالحها وسيئها، ~~وهذه الآية نص في أن الثواب والعقاب معلق باكتساب العبيد، وأنه يوم لا يوضع ~~فيه أمر غير موضعه، وذلك قوله: لا ظلم اليوم. ثم أخبرهم عن نفسه بسرعة ~~الحساب، وتلك عبارة عن إحاطته بالأشياء علما، فهو يحاسب الخلائق في ساعة ~~واحدة كما يرزقهم، لأنه لا يحتاج إلى عد وفكرة، لا رب غيره. وروي أن يوم ~~القيامة لا ينتصف حتى يقيل المؤمنون في الجنة والكافرون في النار. PageV04P551 # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 18 الى 21] # وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) والله يقضي ~~بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير (20) ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم ~~أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ms3087 فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من ~~واق (21) # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالإنذار للعالم والتحذير من يوم ~~القيامة وأهواله، وهو الذي أراد ب يوم الآزفة، قاله مجاهد وقتادة وابن زيد: ~~ومعنى الآزفة: القريبة، من أزف الشيء إذا قرب، والآزفة في الآية صفة لمحذوف ~~قد علم واستقر في النفوس هوله، فعبر عنه بالقرب تخويفا، والتقدير: # يوم الساعة الآزفة أو الطامة الآزفة ونحو هذا فكما لو قال: وأنذرهم ~~الساعة لعلم هولها بما استقر في النفوس من أمرها، فكذلك علم هنا إذا جاء ~~بصفتها التي تقتضي حلولها واقترابها. # وقوله: إذ القلوب لدى الحناجر معناه: عند الحناجر، أي قد صعدت من شدة ~~الهول والجزع، وهذا أمر يحتمل أن يكون حقيقة يوم القيامة من انتقال قلوب ~~البشر إلى حناجرهم وتبقى حياتهم، بخلاف الدنيا التي لا تبقى فيها لأحد مع ~~تنقل قلبه حياة، ويحتمل أن يكون تجوزا عبر عما يجده الإنسان من الجزع وصعود ~~نفسه وتضايق حنجرته بصعود القلب، وهذا كما تقول العرب: كادت نفسي أن تخرج، ~~وهذا المعنى يجده المفرط الجزع كالذي يقرب للقتل ونحو. # وقوله: كاظمين حال مما أبدل منه قوله: إذ القلوب لدى الحناجر أو مما ~~تنضاف إليه القلوب، لأن المراد إذ قلوب الناس لدى حناجرهم، وهذا كقوله ~~تعالى: تشخص فيه الأبصار مهطعين إلى الداع [القمر: 8] أراد تشخص فيه ~~أبصارهم، والكاظم: الذي يرد غيظه وجزعه في صدره، فمعنى الآية أنهم يطمعون ~~برد ما يجدونه في الحناجر والحال تغالبهم. ثم أخبرهم تعالى أن الظالمين ظلم ~~الكفر في تلك الحال ليس لهم حميم، أي قريب يحتم لهم ويتعصب، ولا لهم شفيع ~~يطاع فيهم، وإن هم بعضهم بالشفاعة لبعض فهي شفاعة لا تقبل، وقد روي أن بعض ~~الكفرة يقولون لإبليس يوم القيامة: اشفع لنا، فيقوم ليشفع، فتبدو منه أنتن ~~ريح يؤذي بها أهل المحشر، ثم ينحصر ويكع ويخزى. و: يطاع في موضع الصفة ل ~~شفيع، لأن التقدير: ولا شفيع يطاع، وموضع يطاع يحتمل أن يكون خفضا حملا على ~~اللفظ، ويحتمل ms3088 أن يكون رفعا عطفا على الموضع قبل دخول من. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية كلها عندي اعتراض في الكلام بليغ. # وقوله: يعلم خائنة الأعين متصل بقوله: سريع الحساب [غافر: 17] لأن سرعة ~~حسابه تعالى PageV04P552 # للخلق إنما هي بعلمه الذي لا يحتاج معه إلى روية وفكرة ولا لشيء مما ~~يحتاجه الحاسبون. وقالت فرقة: # يعلم متصل بقوله: لا يخفى على الله منهم شيء [غافر: 16] ، وهذا قول حسن ~~يقويه تناسب المعنيين ويضعفه بعد الآية وكثرة الحائل. والخائنة: مصدر ~~كالخيانة، ويحتمل في الآية أن يكون خائنة اسم فاعل، كما تقول: ناظرة الأعين ~~إذا خانت في نظرها. وهذه الآية عبارة عن علم الله تعالى بجميع الخفيات، فمن ~~ذلك كسر الجفون والغمز بالعين أو النظرة التي تفهم معنى، أو يريد بها ~~صاحبها معنى، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه عبد الله بن ~~أبي سرح ليسلم بعد ردته بشفاعة عثمان، فتلكأ عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم بايعه، ثم قال عليه السلام لأصحابه: «هلا قام إليه رجل حين تلكأت ~~عليه فضرب عنقه؟» ، فقالوا يا رسول الله: ألا أومأت إلينا؟ فقال عليه ~~السلام: «ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» . وفي بعض الكتب المنزلة ~~من قول الله عز وجل: أنا مرصاد الهمم، أنا العالم بمجال الفكر وكسر الجفون. ~~وقال مجاهد: خائنة الأعين: مسارقة النظر إلى ما لا يجوز. ثم قوى تعالى هذه ~~الأخبار بأنه يعلم ما تخفي الصدور مما لم يظهر على عين ولا غيرها، ومثل ~~المفسرون في هذه الآية بنظر رجل إلى امرأة هي حرمة لغيره، فقالوا خائنة ~~الأعين: هي النظرة الثانية. وما تخفي الصدور: أي عند النظرة الأولى التي لا ~~يمكن المرء دفعها، وهذا المثال جزء من خائنة الأعين. # ثم قدح في جهة الأصنام، فأعلم أنه لا رب غيره يقضي بالحق، أي يجازي ~~الحسنة بعشر والسيئة بمثل، وينصف المظلوم من الظالم إلى غير ذلك من أقضية ~~الحق والعدل، والأصنام لا تقضي بشيء ولا تنفذ أمرا. و: يدعون معناه: ~~يعبدون. ms3089 # وقرأ جمهور القراء: «يدعون» بالياء على ذكر الغائب. وقرأ نافع بخلاف عنه. ~~وأبو جعفر وشيبة: # «تدعون» بالتاء على معنى قل لهم يا محمد: والذين تدعون أنتم. # ثم ذكر تعالى لنفسه صفتين بين عرو الأوثان عنهما وهي في جهة الله تعالى ~~عبارة عن الإدراك على إطلاقه، ثم أحال كفار قريش وهم أصحاب الضمير في ~~يسيروا على الاعتبار بالأمم القديمة التي كذبت أنبياءها فأهلكها الله ~~تعالى. # وقوله: فينظروا يحتمل أن يجعل في موضع نصب جواب الاستفهام، ويحتمل أن ~~يكون مجزوما عطفا على يسيروا. و: كيف في قوله: كيف كان عاقبة خبر كان مقدم، ~~وفي كيف ضمير، وهذا مع أن تكون كان الناقصة. وأما إن جعلت تامة بمعنى حدث ~~ووقع، ف كيف ظرف ملغى لا ضمير فيه. # وقرأ ابن عامر وحده: «أشد منكم» بالكاف، وكذلك هي في مصاحف الشام، وذلك ~~على الخروج من غيبة إلى الخطاب. وقرأ الباقون: «أشد منهم» وكذلك هي في سائر ~~المصاحف، وذلك أوفق لتناسب ذكر الغيب. # والآثار في ذلك: هي المباني والمآثر والصيت الدنياوي، وذنوبهم كانت تكذيب ~~الأنبياء. والواقي: # الساتر المانع، مأخوذ من الوقاية. PageV04P553 # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 22 الى 25] # ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد ~~العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان ~~وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ~~أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) # قوله تعالى: ذلك إشارة إلى أخذه إياهم بذنوبهم وإن لم يكن لهم منه واق. ~~ثم ذكر تعالى أن السبب في إهلاكهم هو ما قريش عليه من أن جاءهم رسول من ~~الله بينات من المعجزات والبراهين فكفروا به، وذكر أن الله تعالى أخذهم، ~~ووصف نفسه تعالى بالقوة وشدة العقاب، وهذا كله بيان في وعيد قريش. # ثم ابتدأ تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملإه، وهي قصة فيها للنبي ~~صلى الله عليه وسلم تسلية وأسوة، وفيها لقريش والكفار به وعيد ومثال يخافون ms3090 ~~منه أن يحل بهم ما حل بأولئك من النقمة، وفيها للمؤمنين وعد ورجاء في النصر ~~والظفر وحمد عاقبة الصبر، وآيات موسى عليه السلام كثيرة عظمها، والذي عرضه ~~على جهة التحدي بالعصا واليد، ووقعت المعارضة في العصا وحدها ثم انفصلت ~~القضية عن إيمان السحرة وغلبة الكافرين. والسلطان: البرهان. # وقرأ عيسى بن عمر: «سلطان» بضم اللام، والناس على سكونها. # وخص تعالى هامان وقارون بالذكر تنبيها على مكانهما من الكفر، ولكونهما ~~أشهر رجال فرعون، وقيل إن قارون هذا ليس بقارون بني إسرائيل، وقيل هو ذلك، ~~ولكنه كان منقطعا إلى فرعون خادما مستعينا معه. # وقوله: ساحر أي في أمر العصا. و: كذاب في قوله: إني رسول من الله. # ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لما جاءهم موسى بالنبوة والحق من عند الله، قال ~~هؤلاء الثلاثة وأجمع رأيهم على أن يقتل أبناء بني إسرائيل أتباع موسى ~~وشبانهم وأهل القوة منهم، وأن يستحي النساء للخدمة والاسترقاق، وهذا رجوع ~~منهم إلى نحو القتل الأول الذي كان قبل ميلاد موسى، ولكن هذا الأخير لم تتم ~~فيه عزمة، ولا أعانهم الله تعالى على شيء منه. قال قتادة: هذا قتل غير ~~الأول الذي كان حذر المولود، وسموا من ذكرنا من بني إسرائيل أبناء، كما ~~تقول لأنجاد القبيلة أو المدينة وأهل الظهور فيها: هؤلاء أبناء فلانة. # وقوله تعالى: وما كيد الكافرين إلا في ضلال عبارة وجيزة تعطي قوتها أن ~~هؤلاء الثلاثة لم يقدرهم الله تعالى على قتل أحد من بني إسرائيل ولا نجحت ~~لهم فيه سعاية، بل أضل الله سعيهم وكيدهم. PageV04P554 # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 26 الى 28] # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ms3091 إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) # الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرت آيات موسى عليه السلام انهد ركنه ~~واضطربت معتقدات أصحابه، ولم يفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره، وذلك بين ~~من غير ما موضع من قصتهما، في هذه الآية على ذلك دليلان، أحدهما قوله: ~~ذروني فليست هذه من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من إنفاذ أوامرهم. والدليل ~~الثاني: مقالة المؤمن وما صدع به، وأن مكاشفته لفرعون أكثر من مسايرته، ~~وحكمه بنبوة موسى أظهر من توريته في أمره. وأما فرعون فإنما لجأ إلى ~~المخرقة والاضطراب والتعاطي، ومن ذلك قوله: ذروني أقتل موسى وليدع ربه أي ~~إني لا أبالي عن رب موسى، ثم رجع إلى قومه يريهم النصيحة والحماية لهم ~~فقال: إني أخاف أن يبدل دينكم. والدين: السلطان، ومنه قول زهير: # لئن حللت بجو من بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «وأن» . وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي: «أو أن» ، ورجحها أبو عبيد بزيادة الحرف، فعلى الأولى خاف أمرين، ~~وعلى الثانية: خاف أحد أمرين. # وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم والحسن وقتادة والجحدري وأبو رجاء ~~ومجاهد وسعيد بن المسيب ومالك بن أنس: «يظهر» بضم الياء وكسر الهاء. ~~«الفساد» نصيبا. وقرأ ابن كثير وابن عامر: «يظهر» بفتح الياء والهاء ~~«الفساد» بالرفع على إسناد الفعل إليه، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر ~~عن عاصم والأعرج وعيسى والأعمش وابن وثاب. وروي عن الأعمش أنه قرأ: «ويظهر ~~في الأرض الفساد» برفع الراء. وفي مصحف ابن مسعود: «ويظهر» بفتح الراء. # ولما سمع موسى عليه السلام مقالة فرعون- لأنه كان معه في مجلس واحد- دعا ~~وقال: إني عذت بربي وربكم الآية. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر ببيان ~~الذال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: # عذت بالإدغام، واختلف عن نافع، وفي مصحف أبي بن كعب: «عت» ، على الإدغام ~~في الخط ثم حكى مقالة رجل مؤمن من آل فرعون وشرفه بالذكر، وخلد ثناءه في ~~الأمم، سمعت أبي رضي الله عنه يقول: ms3092 سمعت أبا الفضل الجوهري على المنبر وقد ~~سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة، فأطرق قليلا ثم رفع رأسه وأنشد [عدي ~~بن زيد] : [الطويل] PageV04P555 # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد # ماذا تريدون من قوم قرنهم الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وخصهم بمشاهدته ~~وتلقي الوحي منه؟ وقد أثنى الله على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه ~~وأسره، فجعله الله تعالى في كتابه وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في ~~مجلس من مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب رضي الله عنه جرد سيفه بمكة ~~وقال: والله لا عبد الله سرا بعد اليوم. # وقرأت فرقة: «رجل» بسكون الجيم، كعضد وعضد، وسبع وسبع، وقراءة الجمهور ~~بضم الجيم واختلف الناس في هذا الرجل، فقال السدي وغيره: كان من آل فرعون ~~وأهله، وكان يكتم إيمانه، ف يكتم على هذا في موضع الصفة دون تقديم وتأخير. ~~وقال مقاتل: كان ابن عم فرعون. وقالت فرقة: # لم يكن من أهل فرعون. (وقالت فرقة: لم يكن من أهل فرعون) . بل من بني ~~إسرائيل، وإنما المعنى: # وقال رجل يكتم إيمانه من آل فرعون، ففي الكلام تقديم وتأخير، والأول أصح، ~~ولم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتكلم بمثل هذا عند فرعون، ويحتمل أن يكون ~~من غير القبط، ويقال فيه من آل فرعون، إذ كان في الظاهر على دينه ومن ~~أتباعه، وهذا كما قال أراكة الثقفي يرثي أخاه ويتعزى برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: [الطويل] # فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر # يعني المسلمين إذ كانوا في طاعة أبي بكر الصديق. # وقوله: أن يقول مفعول من أجله، أي لأجل أن يقول: وجلح معهم هذا المؤمن في ~~هذه المقالات ثم غالطهم بعد في أن جعله في احتمال الصدق والكذب، وأراهم ~~أنها نصيحة، وحذفت النون من: يك تخفيفا على ما قال سيبويه وتشبيها بالنون ~~في تفعلون وتفعلان على مذهب المبرد، وتشبيها بحرف العلة الياء والواو على ~~مذهب أبي علي ms3093 الفارسي وقال: كأن الجازم دخل على «يكن» وهي مجزومة بعد ~~فأشبهت النون الياء من يقضي والواو من يدعو، لأن خفتها على اللسان سواء. # واختلف المتأولون في قوله: يصبكم بعض الذي يعدكم فقال أبو عبيدة وغيره: ~~بعض بمعنى كل، وأنشدوا قول القطامي عمرو بن شييم: [البسيط] # قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل # وقال الزجاج: هو إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر، وليس فيه نفي إضافة ~~الكل. وقالت فرقة، أراد: # يصبكم بعض العذاب الذي يذكر، وذلك كاف في هلاككم، ويظهر إلي أن المعنى: ~~يصبكم القسم الواحد مما يعد به، وذلك هو بعض ما يعد، لأنه عليه السلام ~~وعدهم إن آمنوا بالنعيم وإن كفروا بالعذاب فإن كان صادقا فالعذاب بعض ما ~~وعد به. وقالت فرقة: أراد ببعض ما يعدكم عذاب الدنيا، لأنه بعض عذاب ~~الآخرة، أي وتصيرون بعد ذلك إلى الباقي وفي البعض كفاية في الإهلاك، ثم ~~وعظهم هذا المؤمن بقوله: # إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب قال السدي: معناه: مسرف بالقتل. وقال ~~قتادة: مسرف بالكفر. PageV04P556 # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 29 الى 33] # يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ~~قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي ~~آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم إني أخاف ~~عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل ~~الله فما له من هاد (33) # قول هذا المؤمن: يا قوم لكم الملك اليوم استنزال لهم ووعظ لهم من جهة ~~شهواتهم وتحذير من زوال ترفتهم ونصيحة لهم في أمر دنياهم. # وقوله: في الأرض يريد في أرض مصر وما والاها من مملكتهم. ثم قررهم على من ~~هو الناصر لهم من بأس الله، وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون، ولذلك ~~استكان هو ورجع يقول: ما ms3094 أريكم إلا ما أرى كما تقول لمن لا تحكم له. # وقوله: أريكم من رأى قد عدي بالهمزة، فللفعل مفعولان أحدهما الضمير في ~~أريكم والآخر ما في قوله: إلا ما وكأن الكلام أراكم ما أرى، ثم أدخل في صدر ~~الكلام ما النافية وقلب معناها ب إلا الموجبة تخصيصا وتأكيدا للأمر، وهذا ~~كما تقول: قام زيد، فإذا قلت: ما قام إلا زيد أفدت تخصيصه وتأكيد أمره. ~~وأرى متعدية إلى مفعول واحد وهو الضمير الذي فيه العائد على ما، تقديره: ~~إلا ما أراه، وحذف هذا المفعول من الصفة حسن لطول الصلة. # وقرأ الجمهور: الرشاد مصدر رشد، وفي قراءة معاذ بن جبل: «سبيل الرشاد» ~~بشد الشين. قال أبو الفتح: وهو اسم فاعل في بنيته مبالغة وهو من الفعل ~~الثلاثي رشد فهو كعباد من عبد. وقال النحاس: هو لحن وتوهمه من الفعل ~~الرباعي وقوله مردود. قال أبو حاتم: كان معاذ بن جبل يفسرها سبيل الله. ~~ويبعد عندي هذا على معاذ رضي الله عنه، وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله، ~~ويقلق بناء اللفظة على هذا التأويل. # واختلف الناس من المراد بقوله: وقال الذي آمن فقال جمهور المفسرين: هو ~~المؤمن المذكور أولا، قص الله تعالى أقاويله إلى آخر الآيات. وقالت فرقة: ~~بل كلام ذلك المؤمن قديم، وإنما أراد تعالى ب الذي آمن موسى عليه السلام، ~~واحتجت هذه الفرقة بقوة كلامه، وأنه جلح معهم بالإيمان وذكر عذاب الآخرة ~~وغير ذلك، ولم يكن كلام الأول إلا بملاينة لهم. # وقوله: مثل يوم الأحزاب مثل يوم من أيامهم، لأن عذابهم لم يكن في يوم ~~واحد ولا عصر PageV04P557 # واحد. والأحزاب: المتحزبون على أنبياء الله تعالى، ومثل الثاني بدل من ~~الأول. # والدأب: العادة. # وقوله: وما الله يريد ظلما للعباد أي من نفسه أن يظلمهم هو عز وجل، ~~فالإرادة هنا على بابها، لأن الظلم منه لا يقع البتة، وليس معنى الآية أن ~~الله لا يريد ظلم بعض العباد لبعض، والبرهان وقوعه، ومحال أن يقع ما لا ~~يريده الله تعالى. # وقوله: يوم التناد معناه ms3095 ينادي قوم قوما ويناديهم الآخرون. واختلف ~~المتأولون في التناد المشار إليه، فقال قتادة: هو نداء أهل الجنة أهل النار ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا [الأعراف: 44] ، ونداء أهل النار لهم: أفيضوا ~~علينا من الماء [الأعراف: 50] . وقالت فرقة: بل هو النداء الذي يتضمنه قوله ~~تعالى: يوم ندعوا كل أناس بإمامهم [الإسراء: 71] . وقال ابن عباس وغيره: هو ~~التنادي الذي يكون بالناس عند النفخ في الصور نفخة الفزع في الدنيا وأنهم ~~يفرون على وجوههم للفزع الذي نالهم وينادي بعضهم بعضا، وروي هذا التأويل عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المراد التذكير بكل نداء في القيامة ~~فيه مشقة على الكفار والعصاة، ولها أجوبة بنداء وهي كثيرة منها ما ذكرناه، ~~ومنها «يا أهل النار خلود لا موت» ، ومنها «يا أهل الجنة خلود لا موت» ، ~~ومنها نداء أهل الغدرات والنداء لمقت الله [غافر: 10] ، والنداء لمن الملك ~~اليوم [غافر: 16] إلى غير ذلك. # وقرأت فرقة: «التناد» بسكون الدال في الوصل، وهذا على إجرائهم الوصل مجرى ~~الوقف في غير ما موضع، وقرأ نافع وابن كثير: «التنادي» بالياء في الوصل ~~والوقف وهذا على الأصل. وقرأ الباقون «التناد» بغير ياء فيهما، وروي ذلك عن ~~نافع وابن كثير، وحذفت الياء مع الألف واللام حملا على حذفها مع معاقبها ~~وهو التنوين. وقال سيبويه: حذفت الياء تخفيفا. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو ~~صالح والكلبي: «التناد» بشد الدال، وهذا معنى آخر ليس من النداء، بل هو من ~~ند البعير إذا هرب، وبهذا المعنى فسر ابن عباس والسدي هذه الآية، وروت هذه ~~الفرقة في هذا المعنى حديثا أن الله تعالى إذا طوى السماوات نزلت ملائكة كل ~~سماء فكانت صفا بعد صف مستديرة بالأرض التي عليها الناس للحساب، فإذا رأى ~~العالم هول القيامة وأخرجت جهنم عنقها إلى أصحابها فر الكفار وندوا مدبرين ~~إلى كل جهة فتردهم الملائكة إلى المحشر خاسئين لا عاصم لهم، قالت هذه ~~الفرقة، ومصداق هذا الحديث في كتاب الله تعالى قوله: والملك على أرجائها ms3096 ~~[الحاقة: 17] وقوله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] وقوله ~~تعالى: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان [الرحمن: 33] . # وقوله تعالى: يوم تولون مدبرين معناه: على بعض الأقاويل في التنادي تفرون ~~هروبا من المفزع وعلى بعضها تفرون مدبرين إلى النار. والعاصم: المنجي. PageV04P558 # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 34 الى 35] # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) # قد قدمنا ذكر الخلاف في هذه الأقوال كلها، هل هي من قول مؤمني آل فرعون ~~أو من قول موسى عليه السلام. وقالت فرقة من المتأولين منهم الطبري: يوسف ~~المذكور هو يوسف بن يعقوب صلى الله عليه. وقالت فرقة: بل هو حفيده يوسف بن ~~إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. و «البينات» التي جاء بها يوسف لم تعين لنا حتى ~~نقف على معجزاته. وروي عن وهب بن منبه أن فرعون موسى لقي يوسف، وأن هذا ~~التقريع له كان. وروى أشهب عن مالك أنه بلغه أن فرعون عمر أربعمائة سنة ~~وأربعين سنة. وقالت فرقة: # بل هو فرعون آخر. # وقوله: قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا حكاية لرتبة قولهم لأنهم إنما ~~أرادوا أن يجيء بعد هذا من يدعي مثل ما ادعى ولم يقر أولئك قط برسالة الأول ~~ولا الآخر، ولا بأن الله يبعث الرسل فحكى رتبة قولهم، وجاءت عبارتهم مشنعة ~~عليهم، ولذلك قال بإثر هذا: كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب أي كما صيركم ~~من الكفر والضلالة في هذا الحد فنحو ذلك هو إضلاله لصنعكم أهل السرف في ~~الأمور وتعدي الطور والارتياب بالحقائق. وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود: ~~«قلتم لن يبعث الله» ، ثم أنحى لهم على ms3097 قوم صفتهم موجودة في قوم فرعون، ~~فكأنه أرادهم فزال عن مخاطبتهم حسن أدب واستجلابا، فقال الذين يجادلون في ~~آيات الله أي بالإبطال لها والرد بغير برهان ولا حجة أتتهم من عند الله كبر ~~مقت جدالهم عند الله، فاختصر ذكر الجدال لدلالة تقدم ذكره عليه، ورد الفاعل ~~ب كبر نصيبا على التمييز كقولك: تفقأت شحما وتصببت عرقا. و: يطبع معناه: ~~يختم بالضلال ويحجب عن الهدى. # وقرأ أبو عمرو وحده والأعرج بخلاف عنه «على كل قلب» بالتنوين «متكبرا» ~~على الصفة. وقرأ الباقون: «على كل قلب» بغير تنوين وبإضافته إلى «متكبر» . ~~قال أبو علي: المعنى يطبع الله على القلوب إذ كانت قلبا قلبا من كل متكبر، ~~ويؤكد ذلك أن في مصحف عبد الله بن مسعود: «على قلب كل متكبر جبار» . # قال القاضي أبو محمد: ويتجه أن يكون المراد عموم قلب المتكبر الجبار ~~بالطبع أي لا ذرة فيه من إيمان ولا مقاربة فهي عبارة عن شدة إظلامه. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 36 الى 40] # وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم ~~سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار ~~القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) PageV04P559 # ذكر الله عز وجل مقالة فرعون حين أعيته الحيل في مقاومة موسى عليه السلام ~~بحجة، وظهر لجميع المشاهدين أن ما يدعو إليه موسى من عبادة إله السماء حق، ~~فنادى فرعون هامان وهو وزيره والناظر في أموره، فأمره أن يبني له بناء ~~عاليا نحو السماء. و «الصرح» كل بناء عظيم شنيع القدر، مأخوذ من الظهور ~~والصراحة، ومنه قولهم: صريح النسب، وصرح بقوله، فيروى أن هامان طبخ الآجر ~~لهذا الصرح ولم يطبخ قبله، وبناه ms3098 ارتفاع مائة ذراع فبعث الله جبريل فمسحه ~~بجناحه فكسره ثلاث كسر، تفرقت اثنتان ووقعت ثالثة في البحر. وروي أن هامان ~~لم يكن من القبط، وقيل: كان منهم. و: الأسباب الطرق، قاله السدي. # وقال قتادة: أراد الأبواب وقيل: عنى لعله يجد مع قربه من السماء سببا ~~يتعلق به. # وقرأ الجمهور: «فأطلع» بالرفع عطفا على «أبلغ» ، وقرأ حفص عن عاصم ~~والأعرج: «فأطلع» بالنصب بالفاء في جواب التمني. # ولما قال فرعون بمحضر من ملإه فأطلع إلى إله موسى اقتضى كلامه الإقرار ب ~~إله موسى، فاستدرك ذلك استدراكا قلقا بقوله: وإني لأظنه كاذبا، ثم قال ~~تعالى: وكذلك زين أي إنه كما تخرق فرعون في بناء الصرح والأخذ في هذه ~~الفنون المقصرة كذلك جرى جميع أمره. و: زين أي زين الشيطان سوء عمله في كل ~~أفعاله. # وقرأ الجمهور: «وصد عن السبيل» بفتح الصاد بإسناد الفعل إلى فرعون. وقرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم وجماعة: «وصد» بضم الصاد وفتح الدال المشددة عطفا على ~~زين وحملا عليه، وقرأ يحيى بن وثاب: «وصد» بكسر الصاد على معنى صد، أصله: ~~صدد، فنقلت الحركة ثم أدغمت الدال في الدال. وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد ~~الرحمن بن أبي بكرة بفتح الصاد ورفع الدال المشددة وتنوينها عطفا على قوله: ~~سوء عمله. # و: السبيل سبيل الشرع والإيمان و «التباب» : الخسران، ومنه: تبت يدا أبي ~~لهب [المسد: 1] وبه فسر مجاهد وقتادة. وتب فرعون ظاهر، لأنه خسر ماله في ~~الصرح وغيره، وخسر ملكه وخسر نفسه وخلد في جهنم، ثم وعظ الذي آمن فدعا إلى ~~اتباع أمر الله. # وقوله: اتبعون أهدكم يقوي أن المتكلم موسى، وإن كان الآخر يحتمل أن يقول ~~ذلك، أي PageV04P560 # اتبعوني في اتباعي موسى، ثم زهد في الدنيا وأخبر أنه شيء يتمتع به قليلا، ~~ورغب في الآخرة إذ هي دار الاستقرار. # وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو رجاء وشيبة ~~والأعمش: «يدخلون» بفتح الياء وضم الخاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ~~عن عاصم والأعرج والحسن وأبو جعفر وعيسى: # «يدخلون» بضم ms3099 الياء وفتح الخاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 41 الى 45] # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لا ~~جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى ~~الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري ~~إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب (45) # قد تقدم ذكر الخلاف هل هذه المقالة لموسى أو لمؤمن آل فرعون. والدعاء إلى ~~طاعة الله وعبادته وتوحيده هو الدعاء إلى سبب النجاة فجعله دعاء إلى النجاة ~~اختصارا واقتضابا، وكذلك دعاؤهم إياه إلى الكفر واتباع دينهم: هو دعاء إلى ~~سبب دخول النار، فجعله دعاء إلى النار اختصارا، ثم بين عليهم ما بين ~~الدعوتين من البون في أن الواحدة شرك وكفر، والأخرى دعوة إلى الإسناد إلى ~~عزة الله وغفرانه. # وقوله: ما ليس لي به علم ليس معناه أني جاهل به، بل معناه العلم بأن ~~الأوثان وفرعون وغيره ليس لهم مدخل في الألوهية، وليس لأحد من البشر علم ~~بوجه من وجوه النظر بأن لهم في الألوهية مدخلا، بل العلم اليقين بغير ذلك ~~من حدوثهم متحصل، و: لا جرم مذهب سيبويه والخليل أنها لا النافية دخلت على ~~جرم، ومعنى: جرم ثبت ووجب، ومن ذلك جرم بمعنى كسب، ومنه قول الشاعر [أبو ~~اسماء بن الضريبة] : [الكامل] # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها من أن يغضبوا # أي أوجبت لهم ذلك وثبتته لهم، فكأن الكلام نفي للكلام المردود عليه ب لا، ~~وإثبات للمستأنف ب جرم و «أن» على هذا النظر في موضع رفع ب جرم، وكذلك أن ~~الثانية والثالثة، ومذهب جماعة من أهل اللسان أن لا جرم بمعنى لا بد ولا ~~محالة، ف أن على هذا النظر في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، أي لا محالة بأن ~~ما. و «ما» بمعنى الذي واقعة ms3100 على الأصنام وما عبدوه من دون الله. # وقوله: ليس له دعوة أي قدر وحق يجب أن يدعى أحد إليه، فكأنه تدعونني إلى ~~ما لا غناء له وبين أيدينا خطب جليل من الرد إلى الله. وأهل الإسراف ~~والشرك: هم أصحاب النار بالخلود فيها PageV04P561 # والملازمة، أي فكيف أطيعكم مع هذه الأمور الحقائق، في طاعتكم رفض العمل ~~بحسبها والخوف. قال ابن مسعود ومجاهد: المسرفون: سفاكو الدماء بغير حلها. ~~وقال قتادة: هم المشركون. ثم توعدهم بأنهم سيذكرون قوله عند حلول العذاب ~~بهم، وسوف بالسين، إذ الأمر محتمل أن يخرج الوعيد في الدنيا أو في الآخرة، ~~وهذا تأويل ابن زيد. وروى اليزيدي وغيره عن أبي عمرو فتح الياء من: «أمري» ~~، والضمير في: # فوقاه يحتمل أن يعود على موسى، ويحتمل أن يعود على مؤمن آل فرعون، وقال ~~قائلو ذلك: إن ذلك المؤمن نجا مع موسى عليه السلام في البحر، وفر في جملة ~~من فر معه من المتبعين. # وقرأ عاصم: فوقاه الله بالإمالة. # وحاق معناه: نزل، وهي مستعملة في المكروه. و: سوء العذاب الغرق وما بعده ~~من النار وعذابها. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 46 الى 50] # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب (46) وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا ~~كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50) # قوله: النار رفع على البدل من قوله: سوء [غافر: 45] . وقالت فرقة: النار ~~رفع بالابتداء وخبره: يعرضون. وقالت فرقة: هذا الغدو والعشي هو في الدنيا، ~~أي في كل غدو وعشي من أيام الدنيا يعرض آل فرعون على النار. وروي في ذلك عن ~~الهزيل بن شرحبيل والسدي: أن أرواحهم في أجواف طير سود تروح بهم وتغدو إلى ~~النار، ms3101 وقاله الأوزاعي حين قال له رجل: إني رأيت طيورا بيضا تغدو من البحر ~~ثم ترجع بالعشي سودا مثلها، فقال الأوزاعي: تلك هي التي في حواصلها أرواح ~~آل فرعون يحترق رياشها وتسود بالعرض على النار. وقال محمد بن كعب القرظي ~~وغيره: أراد أنهم يعرضون في الآخرة على النار على تقدير ما بين الغدو ~~والعشي، إذ لا غدو ولا عشي في الآخرة، وإنما ذلك على التقدير بأيام الدنيا ~~وقوله: ويوم تقوم الساعة يحتمل أن يكون يوم عطفا على عشيا، والعامل فيه ~~يعرضون، ويحتمل أن يكون كلاما مقطوعا والعامل في: يوم أدخلوا، والتقدير: ~~على كل قول يقال ادخلوا. # وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعرج وأبو جعفر وشيبة والأعمش ~~وابن وثاب وطلحة: «أدخلوا» بقطع الألف. وقرأ علي بن أبي طالب وابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن PageV04P562 # عاصم والحسن وقتادة: «ادخلوا» بصلة الألف على الأمر ل آل فرعون على هذه ~~القراءة منادى مضاف. # و: أشد نصب على ظرفية. # والضمير في قوله: يتحاجون لجميع كفار الأمم، وهذا ابتداء قصص لا يختص بآل ~~فرعون، والعامل في إذ، فعل مضمر تقديره: واذكر. قال الطبري: وإذ هذه عطف ~~على قوله: إذ القلوب لدى الحناجر [غافر: 18] وهذا بعيد. # قال القاضي أبو محمد: والمحاجة: التحاور بالحجة والخصومة. # و: الضعفاء يريد في القدر والمنزلة في الدنيا. و: الذين استكبروا هم ~~أشراف الكفار وكبراؤهم، ولم يصفهم بالكبر إلا من حيث استكبروا، لأنهم من ~~أنفسهم كبراء، ولو كانوا كذلك في أنفسهم لكانت صفتهم الكبر أو نحوه مما ~~يوجب الصفة لهم. و «تبع» : قيل هو جمع واحده تابع، كغائب وغيب، وقيل هو ~~مفرد يوصف به الجمع، كعدل وزور وغيره. # وقوله: مغنون عنا أي يحملون عنا كله ومشقته، فأخبرهم المستكبرون أن الأمر ~~قد انجزم بحصول الكل منهم فيها وأن حكم الله تعالى قد استمر بذلك. # وقوله: كل فيها ابتداء وخبر، والجملة موضع خبر «إن» . # وقرأ ابن السميفع: «إنا كلا» ، بالنصب على التأكيد. # ثم قال جميع من في النار لخزنتها وزبانيتها: ادعوا ms3102 ربكم عسى أن يخفف عنا ~~مقدار يوم من أيام الدنيا من العذاب، فراجعتهم الخزنة على معنى التوبيخ ~~لهم. والتقرير: أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات فأقر الكفار عند ذلك وقالوا ~~بلى، أي قد كان ذلك، فقال لهم الخزنة عند ذلك: فادعوا أنتم إذا، وعلى هذا ~~معنى الهزء بهم، فادعوا أيها الكافرون الذين لا معنى لدعائهم. وقالت فرقة: ~~وما دعاء الكافرين إلا في ضلال هو من قول الخزنة. وقالت فرقة: هو من قول ~~الله تعالى إخبارا منه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وجاءت هذه الأفعال على ~~صيغة المضي، قال الناس الذين استكبروا وقال للذين في النار، لأنها وصف حال ~~متيقنة الوقوع فحسن ذلك فيها. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 51 الى 56] # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) ~~يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد آتينا ~~موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي الألباب (54) ~~فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما ~~هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) PageV04P563 # أخبر الله تعالى أنه ينصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ~~قال بعض المفسرين: وهذا خاص فيمن أظهره الله على أمته كنوح وموسى ومحمد ~~وليس بعام، لأنا نجد من الأنبياء من قتله قومه كيحيى ولم ينصر عليهم، وقال ~~السدي: الخبر عام على وجهه، وذلك أن نصرة الرسل واقعة ولا بد، إما في حياة ~~الرسول المنصور كنوح وموسى، وإما فيما يأتي من الزمان بعد موته، ألا ترى ~~إلى ما صنع الله ببني إسرائيل بعد قتلهم يحيى من تسليط بختنصر عليهم حتى ~~انتصر ليحيى، ونصر المؤمنين داخل في نصر الرسل، وأيضا فقد جعل الله ~~للمؤمنين الفضلاء ودا ووهبهم نصرا إذ ظلموا وحضت الشريعة على نصرهم، ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «من رد عن أخيه المسلم في عرضه، كان حقا على الله ms3103 ~~أن يرد عنه نار جهنم» ، وقوله عليه السلام: «من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، ~~بعث الله ملكا يحميه يوم القيامة» . # وقوله تعالى: ويوم يقوم الأشهاد يريد يوم القيامة. # وقرأ الأعرج وأبو عمرو بخلاف «تقوم» بالتاء. وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة: ~~«يقوم» بالياء. # والأشهاد: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب. وقالت فرقة: أشهاد: جمع شهيد، كشريف ~~وأشراف. # و: يوم لا ينفع بدل من الأول. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتادة وعيسى وأهل ~~مكة «لا تنفع» بالتاء من فوق. وقرأ الباقون: «لا ينفع» بالياء، وهي قراءة ~~جعفر وطلحة وعاصم وأبي رجاء، وهذا لأن تأنيث المعذرة غير حقيقي، وأن الحائل ~~قد وقع، والمعذرة: مصدر يقع كالعذر. و: اللعنة: الإبعاد. # و: سوء الدار فيه حذف مضاف تقديره: سوء عاقبة الدار. # ثم أخبر تعالى بقصة موسى وما أتاه من النبوة تأنيسا لمحمد عليه السلام، ~~وضرب أسوة وتذكيرا لما كانت العرب تعرفه من أمر موسى، فيبين ذلك أن محمدا ~~ليس ببدع من الرسل. و: الهدى النبوة والحكمة، والتوراة تعم جميع ذلك. # وقوله: وأورثنا عبر عن ذلك بالوراثة إذ كانت طائفة بني إسرائيل قرنا بعد ~~قرن تصير فيهم التوراة إماما، فكان بعضهم يرثها عن بعض وتجيء التوراة في حق ~~الصدر الأول منهم على تجوز. و: الكتاب التوراة. ثم أمر نبيه عليه السلام ~~بالصبر وانتظار إنجاز الوعد أي فستكون عاقبة أمرك كعاقبة أمره. وقال ~~الكلبي: نسخت آية القتال الصبر حيث وقع. # وقوله تعالى: واستغفر لذنبك يحتمل أن يكون ذلك قبل إعلام الله إياه إنه ~~قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لأن آية هذه السورة مكية، وآية سورة ~~الفتح مدنية متأخرة، ويحتمل أن يكون الخطاب في هذه الآية له والمراد أمته، ~~أي إنه إذا أمر هو بهذا فغيره أحرى بامتثاله. والإبكار والبكر: بمعنى واحد. # وقال الطبري: الإبكار من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. وحكي عن قوم ~~أنه من طلوع الشمس PageV04P564 # إلى ارتفاع الضحى. وقال الحسن: بالعشي، يريد صلاة العصر والإبكار: يريد ~~به صلاة الصبح. # ثم أخبر تعالى ms3104 عن أولئك الكفار الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا ~~برهان وهم يريدون بذلك طمسها والرد في وجهها أنهم ليسوا على شيء، بل في ~~صدورهم وضمائرهم كبر وأنفة عليك حسدا منهم على الفضل الذي آتاك الله، ثم ~~نفى أن يكونوا يبلغون آمالهم بحسب ذلك الكبر فقال: ما هم ببالغيه وهنا حذف ~~مضاف تقديره: ببالغي إرادتهم فيه، وفي هذا النفي الذي تضمن أنهم لا يبلغون ~~أملا تأنيس لمحمد عليه السلام. ثم أمره تعالى الاستعاذة بالله في كل أمره ~~من كل مستعاذ منه، لأن الله يسمع أقواله وأقوال مخالفيه، وهو بصير بمقاصدهم ~~ونياتهم، ويجازي كلا بما يستوجبه، (والمقصد بأن يستعاذ منه عند قوم الكبر ~~المذكور) ، كأنه قال: هؤلاء لهم كبر لا يبغون منه أملا، فاستعذ بالله من ~~حالهم. وذكر الثعلبي: أن هذه الاستعاذة هي من الدجال وفتنته، والأظهر ما ~~قدمناه من العموم في كل مستعاذ منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 57 الى 60] # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) ~~وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ~~ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ~~(59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) # قوله تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس توبيخ لهؤلاء الكفرة ~~المتكبرين، كأنه قال: مخلوقات الله أكبر وأجل قدرا من خلق البشر، فما لأحد ~~منهم يتكبر على خالقه، ويحتمل أن يكون الكلام في معنى البعث والإعادة، ~~فأعلم أن الذي خلق السماوات والأرض قوي قادر على خلق الناس تارة أخرى. ~~والخلق على هذا التأويل مصدر مضاف إلى المفعول. وقال النقاش: المعنى مما ~~يخلق الناس، إذ هم في الحقيقة لا يخلقون شيئا، فالخلق في قوله: من خلق ~~الناس مضاف إلى الفاعل على هذا التأويل. # وقوله: ولكن أكثر الناس يقتضي أن الأقل منهم يعلم ذلك، ولذلك مثل الأكثر ~~الجاهل: # ب الأعمى، والأقل العالم: ب البصير، وجعل: الذين آمنوا وعملوا ms3105 الصالحات ~~يعادلهم قوله: # ولا المسيء وهو اسم جنس يعم المسيئين، وأخبر تعالى أن هؤلاء لا يستوون، ~~فكذلك الأكثر الجهلاء من الناس لا يستوون مع الأقل الذين يعلمون. # وقرأ أكثر القراء والأعرج وأبو جعفر وشيبة والحسن: «يتذكرون» بالياء على ~~الكناية عن الغائب. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وقتادة وطلحة وعيسى وأبو عبد ~~الرحمن: «تتذكرون» بالتاء من فوق على المخاطبة. PageV04P565 # والمعنى: قل لهم يا محمد. ثم جزم الإخبار بأن الساعة آتية، وهي القيامة ~~المتضمنة للبعث من القبور والحساب بين يدي الله تعالى، واقتران الجمع إلى ~~الجنة وإلى النار. # وقوله تعالى: لا ريب فيها، أي في نفسها وذاتها، وإن وجد من العالم من ~~يرتاب فيها فليست فيها في نفسها ريبة. # وقوله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم آية تفضل ونعمة ووعد لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالإجابة عند الدعاء، وهذا الوعد مقيد بشرط المشيئة لمن ~~شاء تعالى، لا أن الاستجابة عليه حتم لكل داع، لا سيما لمن تعدى في دعائه، ~~فقد عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء الذي قال: اللهم أعطني القصر ~~الأبيض الذي عن يمين الجنة. وقالت فرقة: معنى: ادعوني وأستجب، معناه: # بالثواب والنصر، ويدل على هذا التأويل قوله: إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~ويحتج له لحديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء ~~هو العبادة» وقرأ هذه الآية. وقال ابن عباس: # المعنى: وحدوني أغفر لكم. وقيل للثوري: ادع الله، فقال: إن ترك الذنوب هو ~~الدعاء. # وقرأ ابن كثير وأبو جعفر: «سيدخلون» بضم الياء وفتح الخاء. وقرأ نافع ~~وحمزة والكسائي وابن عامر والحسن وشيبة: بفتح الياء وضم الخاء، واختلف عن ~~أبي عمرو وعن عاصم. والداخر: هو الصاغر الذليل. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 61 الى 64] # الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ms3106 (63) ~~الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) # هذا تنبيه من الله تعالى على آيات وعبر، متى تأملها العاقل أدته إلى ~~توحيد الله والإقرار بربوبيته. # وقوله تعالى: والنهار مبصرا مجازه يبصر فيه، كما تقول: نهار صائم، وليل ~~قائم. # وقوله تعالى: خالق كل شيء مخلوق، وما يستحيل أن يكون مخلوقا كالقرآن ~~والصفات فليس يدخل في هذا العموم، وهذا كما قال تعالى: تدمر كل شيء ~~[الأحقاف: 25] معناه كل شيء مبعوث لتدميره. # وقرأت فرقة: «تؤفكون» بالتاء، وقرأت فرقة: «يؤفكون» بالياء، والمعنى في ~~القراءة الأولى قل لهم. PageV04P566 # و: تؤفكون معناه: تصرفون على طريق النظر والهدى، وهذا تقرير بمعنى ~~التوبيخ والتقريع، ثم قال لنبيه: كذلك يؤفك أي على هذه الهيئة وبهذه الصفة ~~صرف الله تعالى الكفار الجاحدين بآيات الله من الأمم المتقدمة على طريق ~~الهدى، ثم بين تعالى نعمته في أن جعل الأرض قرارا ومهادا للعباد، والسماء ~~بناء وسقفا. # وقرأ الناس: «صوركم» بضم الصاد. وقرأ أبو رزين: «صوركم» بكسر الصاد. ~~وقرأت فرقة: # «صوركم» بكسر الواو على نحو بسرة وبسر. # وقوله تعالى: من الطيبات يريد من المستلذات طعما ولباسا ومكاسب وغير ذلك، ~~ومتى جاء ذكر الطيبات بقرينة رزقكم ونحو فهو المستلذ، ومتى جاء بقرينة ~~تحليل أو تحريم كما قال تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق [الأعراف: 32] وكما قال: ويحل لهم الطيبات [الأعراف: ~~157] والطيبات في مثل هذا: الحلال، وعلى هذا النظر يخرج مذهب مالك رحمه ~~الله في الطيبات والخبائث، وقول الشافعي رحمه الله: إن الطيبات هي ~~المستلذات، والخبائث، هي المستقذرات ضعيف ينكسر بمستلذات محرمة ومستقذرات ~~محللة لا رد له في صدرها، وأما حيث وقعت الطيبات مع الرزق فإنما هي تعديد ~~نعمة فيما يستحسنه البشر، لا سيما هذه الآية التي هي مخاطبة لكفار، فإنما ~~عددت عليهم النعمة التي يعتقدونها نعمة، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 65 الى 67] # هو الحي لا إله إلا هو فادعوه ms3107 مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ~~(65) قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ~~ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم ~~من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى ~~من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) # لما سددت الآيات صفات الله تعالى التي تبين فساد حال الأصنام كان من ~~أبينها أن الأصنام موات جماد، وأنه عز وجل الحي القيوم، وصدور الأمور من ~~لدنه، وإيجاد الأشياء وتدبير الأمر دليل قاطع على أنه حي لا إله إلا هو. # وقوله: فادعوه مخلصين له الدين، الحمد لله رب العالمين كلام متصل مقتضاه: ~~ادعوه مخلصين بالجهد، وبهذه الألفاظ قال ابن عباس: من قال لا إله إلا الله، ~~فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين. وقال نحو هذا سعيد بن جبير ثم قرأ ~~هذه الآية. # ثم أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يصدع بأنه نهي عن عبادة الأصنام ~~التي عبدها الكفار من دون PageV04P567 # الله، ووقع النهي لما جاءه الوحي والهدي من ربه تعالى. وأمر بالإسلام ~~الذي هو الإيمان والأعمال. وقوله: # لرب العالمين أي إن استسلم لرب العالمين واخضع له بالطاعة. # ثم بين تعالى أمر الوحدانية والألوهية بالعبرة في ابن آدم وتدريج خلقه، ~~فأوله خلق آدم عليه السلام من تراب من طين لازب، فجعل البشر من التراب كما ~~كان منسلا من المخلوق من التراب. وقوله تعالى: # من نطفة إشارة إلى التناسل من آدم فمن بعده. والنطفة: الماء الذي خلق ~~المرء منه. والعلقة: الدم الذي يصير من النطفة. والطفل هنا: اسم جنس. وبلوغ ~~الأشد: اختلف فيه: فقيل ثلاثون، وقيل ستة وثلاثون، وقيل أربعون، وقيل ستة ~~وأربعون، وقيل عشرون، وقيل ثمانية عشر، وقيل خمسة عشر، وهذه الأقوال ~~الأخيرة ضعيفة في الأشد. # وقوله تعالى: ومنكم من يتوفى من قبل عبارة تتردد في الأدراج المذكورة ~~كلها، فمن الناس من يموت قبل أن يخرج طفلا، وآخرون قبل الأشد، وآخرون قبل ms3108 ~~الشيخوخة. # وقوله: ولتبلغوا أجلا مسمى أي هذه الأصناف كلها مخلوقة ميسرة ليبلغ كل ~~واحد منها أجلا مسمى لا يتعداه ولا يتخطاه ولتكون معتبرا. ولعلكم أيها ~~البشر تعقلون الحقائق إذا نظرتم في هذا وتدبرتم حكمة الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 68 الى 74] # هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) ألم تر ~~إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتاب وبما ~~أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ~~(71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم ~~نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) # قوله تعالى: فإذا قضى أمرا عبارة عن إنقاذ الإيجاد، وإخراج المخلوق من ~~العدم وإيجاد الموجودات هو بالقدرة، واقتران الأمر بذلك: هو عظمة في الملك ~~وتخضيع للمخلوقات وإظهار للقدرة بإيجاده، والأمر للموجد إنما يكون في حين ~~تلبس القدرة بإيجاده لا قبل ذلك، لأنه حينئذ لا يخاطب في معنى الوجود ~~والكون ولا بعد ذلك، لأن ما هو كائن لا يقال له كن. # وقوله تعالى: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ظاهر ~~الآية أنها في الكفار المجادلين في رسالة محمد والكتاب الذي جاء به بدليل ~~قوله: الذين كذبوا بالكتاب. وهذا قول ابن زيد والجمهور من المفسرين. وقال ~~محمد بن سيرين وغيره، قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ~~أنى يصرفون هي إشارة إلى أهل الأهواء من الأمة، وروت هذه الفرقة في نحو هذا ~~حديثا وقالوا PageV04P568 # هي في أهل القدر ومن جرى مجراهم، ويلزم قائلي هذه المقالة أن يجعلوا قوله ~~تعالى: الذين كذبوا كلاما مقطوعا مستأنفا في الكفار. الذين ابتداء وخبره: ~~فسوف يعلمون، ويحتمل أن يكون خبر الابتداء محذوفا والفاء متعلقة به. # وقوله تعالى: إذ الأغلال يعني يوم القيامة، والعامل في الظرف يعلمون وعبر ~~عن ظرف الاستقبال بظرف لا يقال إلا في الماضي، وذلك لما ms3109 تيقن وقوع الأمر ~~حسن تأكيده بالإخراج في صيغة المضي، وهذا كثير في القرآن كما قال تعالى: ~~وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم [المائدة: 116] قال الحسن بن أبي الحسن: لم ~~تجعل السلاسل في أعناق أهل النار، لأنهم أعجزوا الرب، لكن لترسبهم إذا ~~أطفاهم اللهب. # وقرأ جمهور الناس: «والسلاسل» عطفا على الأغلال. وقرأ ابن عباس وابن ~~مسعود: # «والسلاسل» بالنصب «يسحبون» بفتح الحاء وإسناد الفعل إليهم وإيقاع الفعل ~~على «السلاسل» . وقرأت فرقة «والسلاسل» بالخفض على تقدير إذ أعناقهم في ~~الأغلال والسلاسل، فعطف على المراد من الكلام لا على ترتيب اللفظ، إذ ~~ترتيبه فيه قلب، وهو على حد قول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي. وفي مصحف ~~أبي بن كعب: «وفي السلاسل يسحبون» . و: يسحبون معناه يجرون، والسحب الجر. # والحميم: الذائب الشديد الحر من النار، ومنه يقال للماء السخن: حميم. و: ~~يسجرون قال مجاهد معناه: توقد النار بهم، والعرب تقول: سجرت التنور إذا ~~ملأتها. وقال السدي: يسجرون يحرقون. # ثم أخبر تعالى أنهم يوقفون يوم القيامة على جهة التوبيخ والتقريع، فيقال ~~لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدون من دون الله؟ فيقولون: ضلوا عنا أي تلفوا ~~لنا وغابوا واضمحلوا، ثم تضطرب أقوالهم ويفزعون إلى الكذب فيقولون: بل لم ~~نكن ندعوا من قبل شيئا وهذا من أشد الاختلاط وأبين الفساد في الدهر والنظر ~~فقال الله تعالى لنبيه: كذلك يضل الله الكافرين أي كهذه الصفة المذكورة ~~وبهذا الترتيب. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 75 الى 78] # ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) # المعنى يقال للكفار المعذبين ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بما كنتم تفرحون ~~في الدنيا PageV04P569 # بالمعاصي والكفر. ms3110 و: تمرحون قال مجاهد معناه: الأشر والبطر. وقال ابن ~~عباس: الفخر والخيلاء. # وقوله تعالى: ادخلوا معناه: يقال لهم قبل هذه المحاورة في أول الأمر ~~ادخلوا، لأن هذه المخاطبة إنما هي بعد دخولهم وفي الوقت الذي فيه الأغلال ~~في أعناقهم. و: أبواب جهنم هي السبعة المؤدية إلى طبقاتها وأدراكها السبعة. ~~والمثوى: موضع الإقامة. # ثم أنس تعالى نبيه ووعده بقوله: فاصبر إن وعد الله حق أي في نصرك وإظهار ~~أمرك، فإن ذلك أمر إما أن ترى بعضه في حياتك فتقر عينك به، وإما أن تموت ~~قبل ذلك فإلى أمرنا وتعذيبنا يصيرون ويرجعون. # وقرأ الجمهور: «يرجعون» بضم الياء. وقرأ أبو عبد الرحمن ويعقوب «يرجعون» ~~بفتح الياء. وقرأ طلحة بن مصرف ويعقوب في رواية الوليد بن حسان: بفتح التاء ~~منقوطة من فوق. # وقوله تعالى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك الآية رد على العرب الذين قالوا: ~~إن الله لا يبعث بشرا رسولا واستبعدوا ذلك. # وقوله تعالى: منهم من قصصنا قال النقاش: هم أربعة وعشرون. # وقوله تعالى: ومنهم من لم نقصص عليك روي من طريق أنس بن مالك عن النبي ~~عليه السلام أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول. وروي عن سلمان عن النبي ~~عليه السلام قال: بعث الله أربعة آلاف نبي. وروي عن ابن عباس وعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما أنه قال: بعث الله رسولا من الحبشة أسود، وهو الذي يقص ~~على محمد. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما ساقه على أن هذا الحبشي مثال لمن لم يقص، ~~لا أنه هو المقصود وحده، فإن هذا بعيد. # وقوله تعالى: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله رد على قريش في ~~إنكارهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقولهم إنه كاذب على الله تعالى. ~~والإذن يتضمن علما وتمكينا. فإذا اقترن به أمر قوي كما هو في إرسال النبي، ~~ثم قال تعالى: فإذا جاء أمر الله أي إذا أراد الله إرسال رسول وبعثة نبي، ~~قضى ذلك وأنفذه بالحق، وخسر كل مبطل وحصل على فساد ms3111 آخرته، وتحتمل الآية ~~معنى آخر، وهو أن يريد ب أمر الله القيامة، فتكون الآية توعدا لهم بالآخرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 79 الى 82] # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها ~~منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم ~~آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون (82) PageV04P570 # هذه آيات عبر وتعديد نعم. و: الأنعام الأزواج الثمانية. ع و: منها الأولى ~~للتبعيض، لأن المركوب ليس كل الأنعام، بل الإبل خاصة. ومنها الثانية لبيان ~~الجنس، لأن الجميع منها يؤكل. وقال الطبري في هذه الآية: إن الأنعام تعم ~~الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك مما ينتفع به في ~~البهائم، ف منها في الموضعين للتبعيض على هذا، لكنه قول ضعيف، وإنما ~~الأنعام: الأزواج الثمانية التي ذكر الله فقط. ثم ذكر تعالى المنافع ذكرا ~~مجملا، لأنها أكثر من أن تحصى. # وقوله تعالى: ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم يريد قطع المهامة الطويلة ~~والمشاق البعيدة. # و: الفلك السفن، وهو هنا جمع. و: تحملون يريد: برا وبحرا. وكرر الحمل ~~عليها، وقد تقدم ذكر ركوبها لأن المعنى مختلف وفي الأمرين تغاير، وذلك أن ~~الركوب هو المتعارف فيما قرب واستعمل في القرى والمواطن نظير الأكل منها ~~وسائر المنافع بها، ثم خصص بعد ذلك السفر الأطول وحوائج الصدور مع البعد ~~والنوى، وهذا هو الحمل الذي قرنه بشبيهه من أمر السفن. ثم ذكر تعالى آياته ~~عامة جامعة لكل عبرة وموضع نظر، وهذا غير منحصر لاتساعه، ولأن في كل شيء له ~~آية تدل على وحدانيته، ثم قررهم على جهة التوبيخ بقوله: أي آيات الله ~~تنكرون # . ثم احتج تعالى على قريش بما يظهر في الأمم السالفة من نقمات الله في ~~الكفرة الذين كانوا أكثر عددا وأشد قوة أبدان وممالك، وأعظم آثارا في ~~المباني والأفعال من قريش والعرب، فلم يغن عنهم كسبهم ms3112 ولا حالهم شيئا حين ~~جاءهم عذاب الله وأخذه. # و «ما» في قوله: فما أغنى عنهم نافية. قال الطبري: وقيل هي تقرير وتوقيف. # قوله عز وجل: ### || [سورة غافر (40) : الآيات 83 الى 85] # فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزؤن (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون (85) # الضمير في: جاءتهم عائد على الأمم المذكورين الذين جعلوا مثلا وعبرة. ~~واختلف المفسرون في الضمير في: فرحوا على من يعود، فقال مجاهد وغيره: هو ~~عائد على الأمم المذكورين، أي بما عندهم من العلم في ظنهم ومعتقدهم من أنهم ~~لا يبعثون ولا يحاسبون. قال ابن زيد: واغتروا بعلمهم في الدنيا والمعايش، ~~وظنوا أنه لا آخرة ففرحوا، وهذا كقوله تعالى: يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا [الروم: 7] وقالت فرقة: الضمير في فرحوا عائد على الرسل، وفي هذا ~~الرسل حذف، وتقديره: # فلما جاءتهم رسلهم بالبينات كذبوهم، ففرح الرسل بما عندهم من العلم بالله ~~والثقة به، وبأنه PageV04P571 # سينصرهم. وحاق معناه: نزل وثبت، وهي مستعملة في الشر. وما في قوله: ما ~~كانوا هو العذاب الذي كانوا يكذبون به ويستهزئون بأمره، والضمير في بهم ~~عائد على الكفار بلا خلاف. ثم حكى حالة بعضهم ممن آمن بعد تلبس العذاب بهم ~~فلم ينفعهم ذلك، وفي ذكر هذا حض للعرب على المبادرة وتخويف من التأني لئلا ~~يدركهم عذاب لا تنفعهم توبة بعد تلبسه بهم. وأما قصة قوم يونس فرأوا العذاب ~~ولم يكن تلبس بهم، وقد مر تفسيرها مستقصى في سورة يونس عليه السلام. و: سنت ~~الله نصب على المصدر. و: خلت معناه: مضت واستمرت وصارت عادة. # وقوله: هنالك إشارة إلى أوقات العذاب، أي ظهر خسرانهم وحضر جزاء كفرهم. PageV04P572 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فصلت # هذه السورة مكية بإجماع من المفسرين، ويروى أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين عليه أمر ms3113 مخالفته لقومه وليحتج عليه ~~فيما بينه وبينه وليبعد ما جاء به، فلما تكلم عتبة، قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: حم ومر في صدر هذه السورة حتى انتهى إلى قوله: فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [فصلت: 13] فأرعد الشيخ وقف شعره وأمسك ~~على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وناشده بالرحم أن يمسك، وقال حين ~~فارقه: والله لقد سمعت شيئا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ولقد ~~ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي. # قوله عز وجل: ### || سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة ~~وهم بالآخرة هم كافرون (7) # تقدم القول في أوائل السور مما يختص به الحواميم، وأمال الأعمش حم [فصلت: ~~1، الشورى: 1، الدخان: 1، الزخرف: 1، الجاثية: 1، الأحقاف: 1] في كلها. و: ~~تنزيل خبر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء ~~في: حم على ما تقتضيه بعض الأقوال إذا جعلت اسما للسورة أو للقرآن أو إشارة ~~إلى حروف المعجم، وإما على أن يكون التقدير: هذا تنزيل، ويجوز أن يكون ~~تنزيل ابتداء وخبره في قوله: كتاب فصلت على معنى ذو تنزيل. و: الرحمن ~~الرحيم صفتا رجاء ورحمة لله تعالى. و: فصلت معناه بينت آياته، أي فسرت ~~معانيه ففصل بين حلاله وحرامه وزجره وأمره ووعده ووعيده، وقيل فصلت في ~~التنزيل، أي نزل نجوما، لم ينزل مرة واحدة، وقيل فصلت بالمواقف وأنواع ~~أواخر الآي، ولم يكن يرجع إلى قافية ونحوها كالشعر والسجع. # و: قرآنا نصب على الحال عند قوم، وهي مؤكدة، لأن هذه الحال ليست مما ~~تنتقل. وقالت فرقة: هو PageV05P003 # نصب على المصدر، وقالت فرقة: قرآنا توطئة للحال. ms3114 و: عربيا حال. وقالت ~~فرقة: قرآنا نصب على المدح وهو قول ضعيف. # وقوله تعالى: لقوم يعلمون قالت فرقة: معناه يعلمون الأشياء ويعقلون ~~الدلائل وينظرون على طريق نظر، فكأن القرآن فصلت آياته لهؤلاء، إذ هم أهل ~~الانتفاع بها، فخصوا بالذكر تشريفا، ومن لم ينتفع بالتفصيل فكأنه لم يفصل ~~له. وقالت فرقة: يعلمون متعلق في المعنى بقوله: عربيا أي جعلناه بكلام ~~العرب لقوم يعلمون ألفاظه ويتحققون أنها لم يخرج شيء منها عن كلام العرب، ~~وكأن الآية رادة على من زعم أن في كتاب الله ما ليس في كلام العرب، فالعلم ~~على هذا التأويل أخص من العلم على التأويل الأول، والأول أشرف معنى، وبين ~~أنه ليس في القرآن إلا ما هو من كلام العرب إما من أصل لغتها وإما عربته من ~~لغة غيرها ثم ذكر في القرآن وهو معرب مستعمل. # وقوله: بشيرا ونذيرا نعت للقرآن، أي يبشر من آمن بالجنة، وينذر من كفر ~~بالنار. والضمير في: # أكثرهم عائد على القوم المذكورين. # وقوله: فهم لا يسمعون نفي لسمعهم النافع الذي يعتد به سمعا، ثم حكى عنهم ~~مقالتهم التي باعدوا فيها كل المباعدة وأرادوا أن يؤيسوهم من قبولهم دينهم ~~وهي قلوبنا في أكنة جمع كنان وهو باب فعال وأفعلة. والكنان: ما يجمع الشيء ~~ويضمه ويحول بينه وبين غيره، ومنه: الكن ومنه: كنانة النبل، وبها فسر مجاهد ~~هذه الآية. و «من» في قوله: مما لابتداء الغاية وكذلك هي في قوله: ومن ~~بيننا مؤكدة ولابتداء الغاية. والوقر: الثقل في الأذن الذي يمنع السمع. # وقرأ ابن مصرف: «وقر» بكسر الواو. # والحجاب: الذي أشاروا إليه: هو مخالفته إياهم ودعوته إلى الله دون ~~أصنامهم، أي هذا أمر يحجبنا عنك، وهذه مقالة تحتمل أن تكون معها قرينة الجد ~~في المحاورة وتتضمن المباعدة، ويحتمل أن تكون معها قرينة الهزل والاستخفاف، ~~وكذلك قوله: فاعمل إننا عاملون يحتمل أن يكون القول تهديدا، ويحتمل أن يكون ~~متاركة محضة. # وقرأ الجمهور: «قل إنما» على الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ يحيى ~~بن وثاب والأعمش: # «قل ms3115 إنما» على المضي والخبر عنه، وهذا هو الصدع بالتوحيد والرسالة. # وقوله: قل إنما أنا بشر قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع، و «إن» في ~~قوله: إنما رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. # وقوله: فاستقيموا أي على محجة الهدى وطريق الشرع والتوحيد، وهذا المعنى ~~مضمن قوله: # إليه. والويل: الحزن والثبور، وفسره الطبري وغيره في هذه الآية بقبح أهل ~~النار وما يسيل منهم. # وقوله تعالى: الذين لا يؤتون الزكاة قال الحسن وقتادة وغيره: هي زكاة ~~المال. وروي: الزكاة قنطرة الإسلام، من قطعها نجا، ومن جانبها هلك. واحتج ~~لهذا التأويل بقول أبي بكر في الزكاة وقت PageV05P004 # الردة. وقال ابن عباس والجمهور: الزكاة في هذه الآية: لا إله إلا الله ~~التوحيد كما قال موسى لفرعون: # هل لك إلى أن تزكى [النازعات: 18] ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول ~~المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي ~~تطهيره من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع. # وقال الضحاك ومقاتل: معنى الزكاة هنا: النفقة في الطاعة، وأعاد الضمير في ~~قوله: هم كافرون توكيدا. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 8 الى 10] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) قل أإنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها ~~رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ~~(10) # ذكر عز وجل حالة الذين آمنوا معادلا بذلك حالة الكافرين المذكورين ليبين ~~الفرق. # وقوله: غير ممنون قال ابن عباس معناه: غير منقوص. وقالت فرقة معناه: غير ~~مقطوع، يقال مننت الحبل: إذا قطعته. وقال مجاهد معناه: غير محسوب، لأن كل ~~محسوب محصور، فهو معد لأن يمن به، فيظهر في الآية أنه وصفه بعدم المن ~~والأذى من حيث هو من جهة الله تعالى، فهو شريف لا من فيه، وأعطيات البشر هي ~~التي يدخلها المن. وقال السدي: نزلت هذه الآية من المرضى والزمنى، إذا ~~عجزوا عن إكمال الطاعات كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون، ms3116 ثم أمر ~~تعالى نبيه أن يوقفهم موبخا على كفرهم بخالق الأرض والسماوات ومخترعها، ~~ووصف صورة خلقها ومدته، والحكمة في خلقه هذه المخلوقات في مدة ممتدة مع ~~قدرة الله على إيجادها في حين واحد. وهي إظهار القدرة في ذلك حسب شرف ~~الإيجاد أولا أولا. قال قوم: وليعلم عباده التأني في الأمور والمهل، وقد ~~تقدم القول غير مرة في نظير قوله: أإنكم. # واختلف رواة الحديث في اليوم الذي ابتدأ الله تعالى فيه خلق الأرض، فروي ~~عن ابن عباس وغيره: # أن أول يوم هو الأحد، وأن الله تعالى خلق فيه وفي الاثنين: الأرض، ثم خلق ~~الجبال ونحوها يوم الثلاثاء. # قال ابن عباس فمن هنا قيل: هو يوم ثقيل. ثم خلق الشجر والثمار والأنهار ~~يوم الأربعاء، ومن هنا قيل: هو يوم راحة وتفكر في هذه التي خلقت فيه. ثم ~~خلق السماوات وما فيها يوم الخميس ويوم الجمعة، وفي آخر ساعة من يوم ~~الجمعة: خلق آدم. وقال السدي: وسمي يوم الجمعة لاجتماع المخلوقات فيه ~~وتكاملها، فهذه رواية فيها أحاديث مشهورة. ولما لم يخلق تعالى في يوم السبت ~~شيئا امتنع فيه بنو إسرائيل عن الشغل. # ووقع في كتاب مسلم بن الحجاج: أن أول يوم خلق الله فيه التربة يوم السبت، ~~ثم رتب المخلوقات على ستة أيام، وجعل الجمعة عاريا من المخلوقات على ستة ~~أيام إلا من آدم وحده. والظاهر من القصص في طينة آدم أن الجمعة التي خلق ~~فيها آدم قد تقدمتها أيام وجمع كثيرة، وأن هذه الأيام التي خلق الله فيها ~~هذه PageV05P005 # المخلوقات هي أول الأيام، لأن بإيجاد الأرض والسماء والشمس وجد اليوم، ~~وقد يحتمل أن يجعل تعالى قوله: يومين على التقدير، وإن لم تكن الشمس خلقت ~~بعد، وكأن تفصيل الوقت يعطي أنها الأحد ويوم الاثنين كما ذكر. والأنداد: ~~الأشباه والأمثال، وهذه إشارة إلى كل ما عبد من الملائكة والأصنام وغير ~~ذلك. قال السدي: أكفاء من الرجال تطيعونهم. والرواسي: هي الجبال الثوابت، ~~رسا الجبل إذا ثبت. # وقوله تعالى: وبارك فيها أي جعلها منبتة للطيبات والأطعمة، ms3117 وجعلها طهورا ~~إلى غير ذلك من وجوه البركة. وفي قراءة ابن مسعود: «وقسم فيها أقواتها» . ~~وفي مصحف عثمان رضي الله عنه: «وقدر» واختلف الناس في معنى قوله: أقواتها ~~فقال السدي: هي أقوات البشر وأرزاقهم، وأضافها إلى الأرض من حيث هي فيها ~~وعنها. وقال قتادة: هي أقوات الأرض من الجبال والأنهار والأشجار والصخور ~~والمعادن والأشياء التي بها قوام الأرض ومصالحها. وروى ابن عباس رضي الله ~~عنه في هذا المعنى حديثا مرفوعا فشبهها بالقوت الذي به قوام الحيوان. وقال ~~مجاهد: أراد أقواتها من المطر والمياه. وقال عكرمة والضحاك ومجاهد أيضا: ~~أراد بقوله: أقواتها خصائصها التي قسمها في البلاد، فجعل في اليمن أشياء ~~ليست في غيره، وكذلك في العراق والشام والأندلس وغيرها من الأقطار ليحتاج ~~بعضها إلى بعض ويتقوت من هذه في هذه الملابس والمطعوم، وهذا نحو القول ~~الأول، إلا أنه بوجه أعم منه. # وقوله تعالى: في أربعة أيام يريد باليومين الأولين، وهذا كما تقول: بنيت ~~جدار داري في يوم وأكملت جميعها في يومين، أي بالأول. # وقرأ الحسن البصري وأبو جعفر وجمهور الناس: «سواء» بالنصب على الحال، أي ~~سواء هي وما انقضى فيها. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «سواء» بالرفع، أي هي ~~سواء. وقرأ الحسن وعيسى وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد: «سواء» بالخفض على ~~نعت الأيام. # واختلف المتأولون في معنى: للسائلين فقال قتادة والسدي معناه: سواء لمن ~~سأل عن الأمر واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده كما قال ~~عز وجل. وقال ابن زيد وجماعة معناه: مستو مهيأ أمر هذه المخلوقات ونفعها ~~للمحتاجين إليها من البشر، فعبر عنهم ب «السائلين» بمعنى الطالبين، لأنهم ~~من شأنهم ولا بد طلب ما ينتفعون به، فهم في حكم من سأل هذه الأشياء إذ هم ~~أهل حاجة إليها، ولفظة سواء تجري مجرى عدل وزور في أن ترد على المفرد ~~والمذكر والمؤنث. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 11 الى 12] # ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا ms3118 طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ~~وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) # استوى إلى السماء معناه بقدرته واختراعه أي إلى خلق السماء وإيجادها. PageV05P006 # وقوله تعالى: وهي دخان روي أنها كانت جسما رخوا كالدخان أو البخار، وروي ~~أنه مما أمره الله أن يصعد من الماء، وهنا لفظ متروك ويدل عليه الظاهر، ~~وتقديره: فأوجدها وأتقنها وأكمل أمرها، وحينئذ قيل لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها. # وقرأ الجمهور: «إيتيا» من أتى يأتي «قالتا أتينا» على وزن فعلنا، وذلك ~~بمعنى إيتيا وإرادتي فيكما، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد: «آتيا» من آتى ~~يؤتى «قالتا آتينا» على وزن أفعلنا، وذلك بمعنى أعطيا من أنفسكما من الطاعة ~~ما أردته منكما، والإشارة بهذا كله إلى تسخيره وما قدره الله من أعمالها. # وقوله: أو كرها فيه محذوف ومقتضب، والتقدير: ائتيا طوعا وإلا أتيتما ~~كرها. وقوله: # قالتا أراد الفرقتين المذكورتين، وجعل السماوات سماء والأرضين أرضا، ونحو ~~هذا قول الشاعر: # [الوافر] # ألم يحزنك أن حبال قومي ... وقومك قد تباينتا انقطاعا # جعلها فرقتين، وعبر عنها ب ائتيا. # وقوله: طائعين لما كانت ممن يقول وهي حالة عقل جرى الضمير في طائعين ذلك ~~المجرى، وهذا كقوله: رأيتهم لي ساجدين [يوسف: 4] ونحوه. # واختلف الناس في هذه المقالة من السماء والأرض، فقالت فرقة: نطقت حقيقة، ~~وجعل الله تعالى لها حياة وإدراكا يقتضي نطقها. وقالت فرقة: هذا مجاز، ~~وإنما المعنى أنها ظهر منها من اختيار الطاعة والخضوع والتذلل ما هو بمنزلة ~~القول أتينا طائعين والقول الأول أحسن، لأنه لا شيء يدفعه وإنما العبرة به ~~أتم والقدرة فيه أظهر. # وقوله تعالى: فقضاهن معناه: صنعهن وأوجدهن، ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع # وقوله تعالى: وأوحى في كل سماء أمرها قال مجاهد وقتادة: أوحى إلى سكانها ~~وعمرتها من الملائكة وإليها هي في نفسها ما شاء تعالى من الأمور التي بها ~~قوامها وصلاحها. قال السدي وقتادة: ومن الأمور التي هي لغيرها مثل ما فيها ~~من ms3119 جبال البرد ونحوه، وأضاف الأمر إليها من حيث هو فيها، ثم أخبر تعالى أن ~~الكواكب زين بها السماء الدنيا، وذلك ظاهر اللفظ وهو بحسب ما يقتضيه حسن ~~البصر. # وقوله تعالى: وحفظا منصوب بإضمار فعل، أي وحفظناها حفظا. # وقوله: ذلك إشارة إلى جميع ما ذكر، أو أوجده، بقدرته وعزته، وأحكمه ~~بعلمه. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 13 الى 15] # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل ~~من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ~~وكانوا بآياتنا يجحدون (15) PageV05P007 # المعنى: فإن أعرضت قريش والعرب الذين دعوتهم إلى الله عن هذه الآيات ~~البينة، فأعلمهم بأنك تحذرهم أن يصيبهم من العذاب الذي أصاب الأمم التي ~~كذبت كما تكذب هي الآن. # وقرأ جمهور الناس: «صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» وقرأ النخعي وأبو عبد ~~الرحمن وابن محيصن «صعقة مثل صعقة» ، فأما هذه القراءة الأخيرة فبينة ~~المعنى، لأن الصعقة: الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار، فشبهت هنا وقعة ~~العذاب بها، لأن عادا لم تعذب إلا بريح، وإنما هذا تشبيه واستعارة، ~~وبالوقيعة فسر هنا «الصاعقة» ، قاله قتادة وغيره. وخص عادا وثمود بالذكر ~~لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام. # وقوله: من بين أيديهم أي قد تقدموا في الزمن واتصلت نذارتهم إلى أعمار ~~عاد وثمود، وبهذا الاتصال قامت الحجة. # وقوله: من خلفهم أي جاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تقدم وجودهم في ~~الزمن، فلذلك قال: ومن خلفهم وجاء من مجموع العبارة إقامة الحجة عليهم في ~~أن الرسالة والنذارة عمتهم خبرا ومباشرة، ولا يتوجه أن يجعل ومن خلفهم ~~عبارة عما أتى بعدهم في الزمن، لأن ذلك لا يلحقهم منه تقصير، وأما الطبري ~~فقال: الضمير في قوله: ومن خلفهم عائد على الرسل، والضمير في قوله: # من بين ms3120 أيديهم على الأمم، وتابعه الثعلبي، وهذا غير قوي لأنه يفرق ~~الضمائر ويشعب المعنى. # و (أن) في قوله: ألا تعبدوا نصب على إسقاط الخافض، التقدير: «بأن» . ~~وتعبدوا مجزوم على النهي، ويتوجه أن يكون منصوبا على أن تكون (لا) نافية، ~~وفيه بعد. وكان من تلك الأمم إنكار بعثة البشر واستدعاء الملائكة، وهذه ~~أيضا كانت من مقالات قريش. # وقوله: فإنا بما أرسلتم به ليس على جهة الإقرار بأنهم أرسلوا بشيء، وإنما ~~معناه على زعمكم ودعواكم. ثم وصف حالة القوم، وأن عادا طلبوا التكبر ووضعوا ~~أنفسهم فيه بغير حق، بل بالكفر والمعاصي وغوتهم قوتهم وعظم أبدانهم والنعم ~~فقالوا على جهة التقرير: من أشد منا قوة فعرض الله تعالى موضع النظر بقوله: ~~أولم يروا الآية، وهذا بين في العقل، فإن للشيء المخترع له المذهب متى شاء ~~هو أقوى منه، وأخبر تعالى عنهم بجحودهم بآياته المنصوبة للنظر والمنزلة من ~~عنده، إذ لفظ الآيات يعم ذلك كله في المعنى. # قوله عز وجل: PageV05P008 ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 16 الى 18] # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) # روي في الحديث أن الله تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا على عاد منها مقدار ~~حلقة الخاتم، ولو فتحوا مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا: وروي أن الريح كانت ~~ترفع العير بأوقارها فتطيرها حتى تطرحها في البحر. # وقال جابر بن عبد الله والتيمي: حبس عنهم المطر ثلاثة أعوام، وإذا أراد ~~الله بقوم شرا حبس عنهم المطر وأرسل عليهم الرياح. # واختلف الناس في الصرصر، فقال قتادة والسدي والضحاك: هو مأخوذ من الصر، ~~وهو البرد، والمعنى: ريحا باردة لها صوت. وقال مجاهد: صرصر: شديدة السموم. ~~وقال الطبري وجماعة من المفسرين: هو من صريصر إذا صوت صوتا يشبه الصاد ~~والراء، وكذلك يجيء صوت الريح في كثير من الأوقات بحسب ما تلقى. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ms3121 عمرو والأعرج وعيسى والنخعي: بسكون الحاء وهو ~~جمع نحس، يقال يوم نحس، فهو مصدر يوصف به أحيانا وعلى الصفة به جمع في هذه ~~الآية، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله: يوم نحس مستمر [القمر: 19] . ~~وقال النخعي: نحسات وليست ب «نحسات» بكسر. وقرأ الباقون وأبو جعفر وشيبة ~~وأبو رجاء وقتادة والجحدري والأعمش: «نحسات» بكسر الحاء، وهي جمع لنحس على ~~وزن حذر، فهو صفة لليوم مأخوذ من النحس. وقال الطبري: نحس ونحس لغتان، وليس ~~كذلك، بل اللغة الواحدة تجمعهما، أحدهما مصدر، والآخر من أمثلة اسم الفاعل، ~~وأنشد الفراء: [البسيط] # أبلغ جذاما ولخما أن إخوتهم ... طيا وبهراء قوم نصرهم نحس # وقالت فرقة: إن «نحسات» بالسكون مخفف من «نحسات» بالكسر، والمعنى في هذه ~~اللفظة مشاييم من النحس المعروف، قاله مجاهد وقتادة والسدي: وقال الضحاك ~~معناه: شديدة، أي شديدة البرد حتى كان البرد عذابا لهم. قال أبو علي: وأنشد ~~الأصمعي في النحس بمعنى البرد: # كأن سلافة عرضت بنحس ... يحيل شفيفها الماء الزلالا # وقال ابن عباس: نحسات معناه: متتابعات، وكانت آخر شوال من الأربعاء إلى ~~الأربعاء وعذاب الخزي في الدنيا هو العذاب بسبب الكفر ومخالفة أمر الله، ~~ولا خزي أعظم من هذا إلا ما في الآخرة من الخلود في النار. # وقرأ جمهور الناس: «ثمود» بغير حرف، وهذا على إرادة القبيلة. وقرأ يحيى ~~بن وثاب والأعمش وبكر بن حبيب: «ثمود» بالتنوين والإجراء، وهذا على إرادة ~~الحي، وبالصرف كان الأعمش يقرأ في جميع القرآن إلا في قوله: وآتينا ثمود ~~الناقة مبصرة [الإسراء: 59] لأنه في المصحف بغير ألف. وقرأ ابن أبي إسحاق ~~والأعرج بخلاف، والأعمش وعاصم «ثمود» بالنصب، وهذا على إضمار فعل يدل عليه ~~قوله: PageV05P009 # فهديناهم، وتقديره عند سيبويه: مهما يكن من شيء فهدينا ثمود هديناهم، ~~والرفع عنده أوجه، وروي عن ابن أبي إسحاق والأعمش: «ثمودا» منونة منصوبة، ~~وروى الفضل عن عاصم الوجهين. # وقوله تعالى: فهديناهم معناه: بينا لهم، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، ~~وليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد، وهذا كما هي الآن شريعة الإسلام مبينة ~~لليهود والنصارى ms3122 المختلطين لنا ولكنهم يعرضون ويشتغلون بالصد، فذلك استحباب ~~العمى على الهدى. # وقوله تعالى: فاستحبوا عبارة عن تكسبهم في العمى، وإلا فهو بالاختراع لله ~~تعالى، ويدلك على أنها إشارة إلى تكسبهم قوله تعالى: بما كانوا يكسبون. # وقوله تعالى: العذاب الهون وصف بالمصدر، والمعنى الذي معه هوان وإذلال، ~~ثم قرن تعالى بذكرهم ذكر من آمن واتقى ونجاته ليبين الفرق. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 19 الى 22] # ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤها شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) # قوله تعالى: ويوم نصب بإضمار فعل تقديره: واذكر يوم. # وقرأ نافع وحده والأعرج وأهل المدينة: «نحشر» بالنون «أعداء» بالنصب، إلا ~~أن الأعرج كسر الشين. وقرأ الباقون: «يحشر» بالياء المرفوعة، «أعداء» رفعا، ~~وهي قراءة الأعمش والحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وقتادة وعيسى وطلحة ونافع ~~فيما روي عنه، وحجتها يوزعون، و: أعداء الله هم الكفار المخالفون لأمره. # و: يوزعون قال قتادة والسدي وأهل اللغة، معناه: يكف أولهم حبسا على ~~آخرتهم، وفي حديث أبي قحافة يوم الفتح: ذلك الوازع. وقال الحسن البصري: لا ~~بد للقاضي من وزعة. وقال أبو بكر: إني لا أقيد من وزعة الله تعالى. و: حتى ~~غاية لهذا الحشر المذكور، وهذا وصف حال من أحوالهم في بعض أوقات القيامة، ~~وذلك عند وصولهم إلى جهنم فإن الله تعالى يستقرهم عند ذلك على أنفسهم ~~ويسألون سؤال توبيخ عن كفرهم فينكرون ذلك ويحسبون أن لا شاهد عليهم، ويظنون ~~السؤال سؤال استفهام واستخبار، فينطق الله تعالى جوارحهم بالشهادة عليهم، ~~فروي عن النبي عليه السلام أن أول ما ينطق من الإنسان فخذه الأيسر ثم تنطق ~~الجوارح، فيقول الكافر: تبا لك أيها الأعضاء، فعنك كنت أدافع. وفي حديث ~~آخر: PageV05P010 # يجيئون يوم القيامة ms3123 على أفواههم الفدام فيتكلم الفخذ والكف. ثم ذكر الله ~~تعالى محاورتهم لجلودهم في قولهم: لم شهدتم علينا أي وعذابنا عذاب لكم. # واختلف الناس ما المراد بالجلود؟ فقال جمهور الناس: هي الجلود المعروفة. ~~وقال عبد الله بن أبي جعفر: كنى بالجلود عن الفروج، وإياها أراد. وأخبر ~~تعالى أن الجلود ترد جوابهم بأن الله الخالق المبدئ المعيد هو الذي أنطقهم. # وقوله: أنطق كل شيء يريد كل ناطق مما هي فيه عادة أو خرق عادة. # قوله عز وجل: وما كنتم تستترون يحتمل أن يكون من كلام الجلود ومحاورتها، ~~ويحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل لهم، أو من كلام ملك يأمره تعالى. وأما ~~المعنى فيحتمل وجهين أحدهما أن يريد: وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن ~~المعاصي والكفر خوف أن يشهد، أو لأجل أن يشهد، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم ~~فانهملتم وجاهرتم، وهذا هو منحى مجاهد. والستر قد يتصرف على هذا المعنى ~~ونحوه، ومنه قول الشاعر: [الكامل] # والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر # والمعنى الثاني أن يريد: وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء ~~عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى ~~هذا الحد، وهذا هو منحى السدي، كأن المعنى: # وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن يشهد، لأن الجوارح لزيمة لكم، وفي ~~إلزامه إياهم الظن بأن الله تعالى لا يعلم، هو إلزامهم الكفر والجهل بالله ~~وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل واحتقار قدرة الإله، لا رب ~~غيره. وفي مصحف ابن مسعود: «ولكن زعمتم أن الله» . وحكى الطبري عن قتادة ~~أنه عبر عن تستترون ب «تبطنون» ، وذلك تفسير لم ينظر فيه إلى اللفظ ولا ~~ارتباط فيه معه. وذكر الطبري وغيره حديثا عن عبد الله بن مسعود قال: إني ~~لمستتر بأستار الكعبة إذ دخل ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، ~~قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث، فقال أحدهم: أترى الله ~~يسمع ما قلنا؟ # قال الآخر إنه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع ms3124 إذا أخفينا. وقال الآخر: إن كان ~~يسمع منه شيئا فإنه يسمعه كله، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~بذلك، فنزلت هذه الآية: وما كنتم تستترون الآية، فقرأ حتى بلغ: وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين [فصلت: 28] . وذكر النقاش أن الثلاثة: صفوان ~~بن أمية وفرقد بن ثمامة وأبو فاطمة. وذكر الثعلبي أن الثقفي: عبد ياليل، ~~والقرشيان: ختناه ربيعة وصفوان ابنا أمية بن خلف، ويشبه أن يكون هذا بعد ~~فتح مكة فالآية مدنية، ويشبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ الآية ~~متمثلا بها عند إخبار عبد الله إياه، والله أعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 23 الى 26] # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا ~~فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) وقيضنا لهم قرناء ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) PageV05P011 # ذلكم رفع بالابتداء، والإشارة به إلى قوله: ولكن ظننتم أن الله لا يعلم ~~[فصلت: 22] قال قتادة: الظن ظنان: ظن منج، وظن مهلك. # قال القاضي أبو محمد: فالمنجي: هو أن يظن الموحد العارف بربه أن الله ~~يرحمه والمهلك: ظنون الكفرة الجاهلين على اختلافها، وفي هذا المعنى ليحيى ~~بن أكثم رؤيا حسنة مؤنسة. وظنكم خبر ابتداء. # وقوله: أرداكم يصح أن يكون خبرا بعد خبر، وجوز الكوفيون أن يكون في موضع ~~الحال، والبصريون لا يجيزون وقوع الماضي حالا إذا اقترن ب «قد» ، تقول رأيت ~~زيدا قد قام، وقد يجوز تقديرها عندهم وإن لم تظهر. ومعنى: أرداكم أهلككم. ~~والردى: الهلاك. # وقوله تعالى: فإن يصبروا مخاطبة لمحمد عليه السلام، والمعنى: فإن يصبروا ~~أو لا يصبروا، واقتصر لدلالة الظاهر على ما ترك. والمثوى: موضع الإقامة. # وقرأ جمهور الناس: «وإن يستعتبوا» بفتح الياء وكسر التاء الأخيرة على ~~إسناد الفعل إليهم. «فما هم من المعتبين» بفتح التاء على معنى: وإن طلبوا ms3125 ~~العتبى وهي الرضى فما هم ممن يعطوها ويستوجبها. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد ~~وموسى الأسواري: «وإن يستعتبوا» بضم الياء وفتح التاء. «فما هم من ~~المعتبين» بكسر التاء على معنى: وإن طلب منهم خير أو إصلاح فما هم ممن يوجد ~~عنده، لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال كما قال عليه السلام: «ليس بعد ~~الموت مستعتب» ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه [الأنعام: 28] . # ثم وصف عز وجل حالهم في الدنيا وما أصابهم به حين أعرضوا، فختم عليهم ~~فقال: وقيضنا لهم قرناء أي يسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين وغواة الإنس. # وقوله: فزينوا لهم ما بين أيديهم أي علموهم وقرروا في نفوسهم معتقدات سوء ~~في الأمور التي تقدمتهم من أمر الرسل والنبوات، ومدح عبادة الأصنام واتباع ~~فعل الآباء إلى غير ذلك مما يقال إنه بين أيديهم، وذلك كل ما تقدمهم في ~~الزمان واتصل إليهم أثره أو خبره، وكذلك أعطوهم معتقدات سوء فيما خلفهم وهو ~~كل ما يأتي بعدهم من القيامة والبعث ونحو ذلك مما يقال فيه إنه خلف ~~الإنسان، فزينوا لهم في هذين كل ما يرديهم ويفضي بهم إلى عذاب جهنم. # وقوله: وحق عليهم القول أي سبق القضاء الحتم، وأمر الله بتعذيبهم في جملة ~~أمم معذبين كفار من الجن والإنس وقالت فرقة: في بمعنى: مع، أي مع أمم، ~~والمعنى يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أن نجعل حرفا بمعنى حرف إذ قد أبى ذلك ~~رؤساء البصريين. PageV05P012 # قوله عز وجل: لا تسمعوا لهذا القرآن. # حكاية لما فعله بعض قريش كأبي جهل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ القرآن في المسجد الحرام ويصغي إليه الناس من مؤمن وكافر، فخشي ~~الكفار استمالة القلوب بذلك، فقالوا: متى قرأ محمد فلنلغط نحن بالمكاء ~~والصفير والصياح وإنشاد الشعر والإرجاز حتى يخفى صوته ولا يقع الاستماع ~~منه، وهذا الفعل منهم هو اللغو. وقال أبو العالية أرادوا: قعوا فيه وعيبوه. ~~واللغو في اللغة: سقط القول الذي لا معنى له، وهو من الخساسة والبطول ms3126 في ~~حكم لا معنى له. # وقرأ جمهور الناس: «والغوا» بفتح الغين وجزم الواو. وقرأ بكر بن حبيب ~~السهمي: «الغوا» بضم الغين وسكون الواو، ورويت عن عيسى وابن أبي إسحاق ~~بخلاف عنهما وهما لغتان، يقال لغا يلغو، ويقال لغى يلغي، ويقال أيضا لغى ~~يلغى، أصله يفعل بكسر العين، فرده حرف الحلق إلى الفتح، فالقراءة الأولى من ~~يلغى، والقراءة الثانية من يلغو، قاله الأخفش. # وقوله: لعلكم تغلبون أي تطمسون أمر محمد عليه السلام وتميتون ذكره ~~وتصرفون القلوب عنه، فهذه الغاية التي تمنوها. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 27 الى 30] # فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي ~~كنتم توعدون (30) # وقوله تعالى: فلنذيقن الفاء دخلت على لام القسم، وهي آية وعيد لقريش. ~~والعذاب الشديد: # هو عذاب الدنيا في بدر وغيرها. والجزاء بأسوأ أعمالهم: هو عذاب الآخرة. # وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى الجزاء المتقدم.. و: جزاء أعداء الله خبر ~~الابتداء. # و: النار بدل من قوله: جزاء أعداء ويجوز أن يكون: ذلك خبر ابتداء تقديره: ~~الأمر ذلك، ويكون قوله: جزاء أعداء ابتداء، و: النار خبره. # وقوله: لهم فيها دار الخلد أي موضع البقاء ومسكن العذاب الدائم، فالظرفية ~~في قوله: فيها متمكنة على هذا التأويل، ويحتمل أن يكون المعنى: هب لهم دار ~~الخلد، ففي قوله: فيها معنى التجريد كما قال الشاعر: # وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل PageV05P013 # وفي قراءة عبد الله بن مسعود: «ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد» ، ~~وسقط لهم فيها وجحودهم بآيات الله مطرد في علاماته المنصوبة لخلقه وفي آيات ~~كتابه المنزلة على نبيه. # ثم ذكر عز وجل مقالة كفار يوم القيامة إذا دخلوا النار فإنهم يرون عظيم ~~ما حل بهم ms3127 وسوء منقلبهم فتجول أفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم وبادي ضلالتهم ~~فيعظم غيظهم وحنقهم عليه ويودون أن يحصل في أشد عذاب فحينئذ يقولون ربنا ~~أرنا الذين أضلانا، وظاهر اللفظ يقتضي أن الذي في قولهم: # الذين إنما هو للجنس، أي أرنا كل مغو ومضل من الجن والإنس، وهذا قول ~~جماعة من المفسرين. وقال علي بن أبي طالب وقتادة. وطلبوا ولد آدم الذي سن ~~القتل والمعصية من البشر وإبليس الأبالسة من الجن. # قال القاضي أبو محمد: وتأمل هل يصح هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~لأن ولد آدم مؤمن عاص، وهؤلاء إنما طلبوا المضلين بالكفر المؤدي إلى ~~الخلود، وإنما القوي أنهم طلبوا النوعين، وقد أصلح بعضهم هذا القول بأن ~~قال: يطلب ولد آدم كل عاص دخل النار من أهل الكبائر، ويطلب إبليس كل كافر، ~~ولفظ الآية يزحم هذا التأويل، لأنه يقتضي أن الكفرة إنما طلبوا اللذين ~~أضلا. # وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «أرنا» بكسر الراء، وهي رؤية عين، ولذلك فهو ~~فعل يتعدى إلى مفعولين. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «أرنا» ~~بسكون الراء، فقال هشام بن عمار: هو خطأ. وقال أبو علي: هي مخففة من: أرنا ~~كما قالوا: ضحك وفخذ. وقرأ أبو عمرو: بإشمام الراء الكسر، ورويت عن أهل ~~مكة. # وقوله: نجعلهما تحت أقدامنا يريدون في أسفل طبقة من النار، وهي أشد ~~عذابا. وهي درك المنافقين. # وقوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا آية وعد للمؤمنين، ~~قال سفيان بن عبد الله الثقفي، قلت للنبي عليه السلام: أخبرني بأمر أعتصم ~~به، فقال: قل ربي الله ثم استقم، قلت فما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال: هذا. # واختلف الناس في مقتضى قوله: ثم استقاموا فذهب الحسن وقتادة وجماعة إلى ~~أن معناه: # استقاموا بالطاعات واجتناب المعاصي، وتلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه ~~الآية على المنبر ثم قال: # استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب. # قال القاضي أبو محمد: ms3128 ذهب رضي الله عنه إلى حمل الناس على الأتم الأفضل، ~~وإلا فلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب ألا تنزل الملائكة عند الموت على ~~غير مستقيم على الطاعة وذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجماعة معه إلى أن ~~المعنى ثم استقاموا على قولهم: ربنا الله، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب ~~إيمانهم. وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ~~وقال: قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام. المعنى ~~فهو في أول درجات الاستقامة من الخلود، فهذا كقوله عليه السلام: «من كان ~~آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ، وهذا هو PageV05P014 # المعتقد إن شاء الله، وذلك أن العصاة من أمة محمد عليه السلام وغيرها ~~فرقتان: فأما من قضى الله بالمغفرة له وترك تعذيبه، فلا محالة ممن تنزل ~~عليه الملائكة بالبشارة، وهو إنما استقام على توحيده فقط، وأما من قضى الله ~~بتعذيبه مرة ثم بإدخاله الجنة، فلا محالة أنه يلقى جميع ذلك عند موته ~~ويعلمه، وليس يصح أن يكون حاله كحالة الكافر اليائس من رحمة الله، وإذ قد ~~كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه وبأنه يصير ~~آخرا إلى الخلود في الجنة، وهل العصاة المؤمنون إلا تحت الوعد بالجنة، فهم ~~داخلون فيمن يقال لهم: أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ومع هذا كله فلا ~~يختلف أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم حالا وأكمل بشارة، وهو مقصد أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى نحو ذلك قال سفيان: استقاموا، ~~عملوا بنحو ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل زهدوا ~~في الفانية ورغبوا في الباقية، وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعدادا كان ~~أسرع فوزا بفضل الله تعالى. # وقوله تعالى: ألا تخافوا ولا تحزنوا أمنة عامة في كل هم مستأنف، وتسلية ~~تامة عن كل فائت ماض. وقال مجاهد: المعنى لا تخافون ما تقدمون عليه، ولا ~~تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم. وفي ms3129 قراءة ابن مسعود: «الملائكة لا تخافوا» ~~بإسقاط الألف، بمعنى يقولون لا تخافوا. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 31 الى 35] # نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ~~ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ~~ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) # المتكلم ب نحن أولياؤكم # هم الملائكة القائلون: «لا تخافوا ولا تحزنوا» أي يقولون للمؤمنين عند ~~الموت وعند مشاهدة الحق نحن كنا أولياءكم في الدنيا ونحن هم في الآخرة. قال ~~السدي المعنى: نحن حفظتكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة، والضمير في قوله: ~~فيها # عائد على الآخرة. و: تدعون # معناه: تطلبون. و: نزلا نصب على المصدر. وقراءة الجمهور: بضم الواو. وقرأ ~~أبو حيوة: بإسكانها. # وقوله تعالى: ومن أحسن قولا الآية ابتداء توصية محمد عليه السلام، وهو ~~لفظ يعم كل من دعا قديما وحديثا إلى الله تعالى وإلى طاعته من الأنبياء ~~والمؤمنين، والمعنى: لا أحد أحسن قولا ممن هذه حاله، وإلى العموم ذهب الحسن ~~ومقاتل وجماعة، وبين أن حالة محمد عليه السلام كانت كذلك مبرزة إلى تخصيصه ~~بالآية ذهب السدي وابن زيد وابن سيرين. وقال قيس بن أبي حازم وعائشة أم ~~المؤمنين وعكرمة: # نزلت هذه الآية في المؤذنين. قال قيس: وعمل صالحا هو الصلاة بين الآذان ~~والإقامة. وذكر النقاش PageV05P015 # ذلك عن ابن عباس، ومعنى القول بأنها في المؤذنين أنهم داخلون فيها، وأما ~~نزولها فبمكة بلا خلاف ولم يكن بمكة آذان وإنما ترتب بالمدينة، وأن الآذان ~~لمن الدعاء إلى الله تعالى ولكنه جزء منه. والدعاء إلى الله بقوة كجهاد ~~الكفار وردع الطغاة وكف الظلمة وغيره أعظم غناء من تولي الاذان إذ لا مشقة ~~فيه والأصوب أن يعتقد أن الآية نزلت عامة. قال زيد بن علي المعنى: دعا إلى ~~الله بالسيف. # وقرأ الجمهور: ms3130 «إنني» بنونين. وقرأ ابن أبي عبلة: «إني» بنون واحدة. # وقال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذنا في أصحاب ابن مسعود، فقال لي عاصم بن ~~هبيرة: إذا أكملت الآذان فقل: إنني من المسلمين ثم تلا هذه الآية. # ثم وعظ تعالى نبيه عليه السلام ونبهه على أحسن مخاطبة، فقرر أن الحسنة ~~والسيئة لا تستوي، أي فالحسنة أفضل، وكرر في قوله: ولا السيئة تأكيدا ليدل ~~على أن المراد: ولا تستوي الحسنة والسيئة ولا السيئة والحسنة، فحذف اختصارا ~~ودلت لا على هذا الحذف. # وقوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن آية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم، ~~والمعنى: ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة ~~التي هي أحسن السير والفعلات، فمن ذلك بذل السلام، وحسن الأدب، وكظم الغيظ، ~~والسماحة في القضاء والاقتضاء وغير ذلك. قال ابن عباس: # إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه الله من الشيطان وخضع له عدوه، وفسر ~~مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء، ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع ~~بالتي هي أحسن وهو جزء منه، ثم قال تعالى: # كأنه ولي حميم فدخل كاف التشبيه لأن الذي عنده عداوة لا يعود وليا حميما، ~~وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم. والحميم: هو القريب الذي يحتم ~~للإنسان. والضمير في قوله: يلقاها عائد على هذه الخلق التي يتضمنها قوله: ~~ادفع بالتي هي أحسن. وقالت فرقة: المراد: وما يلقى لا إله إلا الله، وهذا ~~تفسير لا يقتضيه اللفظ. # وقوله: إلا الذين صبروا مدح بليغ للصبر، وذلك بين للمتأمل، لأن الصبر ~~للطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها. والحظ العظيم: يحتمل أن يريد ~~من العقل والفضل، فتكون الآية مدحا. وروي أن رجلا شتم أبا بكر الصديق بحضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسكت أبو بكر ساعة، ثم جاش به الغضب فرد على ~~الرجل، فقام النبي عليه السلام فاتبعه أبو بكر وقال: يا رسول الله قمت حين ~~انتصرت، فقال إنه كان يرد عنك ملك، فلما قربت تنتصر، ذهب الملك وجاء ~~الشيطان، فما كنت لأجالسه، ms3131 ويحتمل أن يريد: ذو حظ عظيم من الجنة وثواب ~~الآخرة، فتكون الآية وعدا، وبالجنة فسر فتادة الحظ هنا. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 36 الى 39] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن ~~آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ~~الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون ~~له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء ~~قدير (39) PageV05P016 # إما شرط، وجواب الشرط قوله: فاستعذ. والنزغ: فعل الشيطان في قلب أو يد من ~~إلقاء غضب وحقد أو بطش في اليد، فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد، قوله: نزغ ~~الشيطان بيني وبين إخوتي [يوسف: 100] ، ومن البطش قول النبي عليه السلام: ~~«لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من ~~حفر النار» . # وندب تعالى في هذه الآية المتقدمة إلى مكارم الخلق في الدفع بالتي هي ~~أحسن، ثم أثنى على من لقيها ووعده، وعلم أن خلقة البشر تغلب أحيانا وتثور ~~بهم سورة الغضب ونزغ الشيطان فدلهم على مذهب ذلك وهي الاستعاذة به عز وجل. # ثم عدد آياته لتعبر فيها من صدق عن التوحيد بذكر الليل والنهار، وذكرهما ~~يتضمن ما فيهما من القصر والطول والتداخل والاستواء في مواضع وسائر عبرهما، ~~وكذلك الشمس والقمر متضمن عجائبهما وحكمة الله فيهما ونفعه عباده بهما. ثم ~~قال تعالى: لا تسجدوا لهذه المخلوقات وإن كانت تنفعكم، لأن النفع منهما ~~إنما هو بتسخير الله إياهما، فهو الذي ينبغي أن يسجد له. والضمير في: خلقهن ~~قالت فرقة: هو عائد على الأيام المتقدم ذكرها. وقالت فرقة: الضمير عائد على ~~الشمس والقمر، والاثنان جمع، وجمع ما لا يعقل يؤنث، فلذلك قال: خلقهن. # قال القاضي أبو محمد: ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام، ساغ ~~أن يعود الضمير مجموعا. # وقالت فرقة: هو عائد على الأربعة المذكورة، ms3132 وشأن ضمير ما لا يعقل إذا كان ~~العدد أقل من العشرة أن يجيء هكذا، فإذا زاد أفرد مؤنثا، تقول الأجذاع ~~انكسرن، والجذوع انكسرت، ومنه: إن عدة الشهور [التوبة: 36] ، ومنه قول حسان ~~بن ثابت: # وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وقال السموأل: [الطويل] # ولا عيب فينا غير أن سيوفنا ... بها من قراع الدارعين فلول # وهذا كثير مهيع وإن كان الأمر يوجد متداخلا بعضه على بعض، ثم خاطب تعالى ~~بما يتضمن وعيدهم وحقارة أمرهم، وأن الله تعالى غير محتاج إلى عبادتهم ~~بقوله: فإن استكبروا الآية. PageV05P017 # وقوله: فالذين يعني بهم الملائكة هم صافون يسبحون. و: عند في هذه الآية ~~ليست بظرف مكان وإنما هي بمعنى المنزلة والقربة، كما تقول زيد عند الملك ~~جليل وفي نفسه رفيع. ويروى أن تسبيح الملائكة قد صار لهم كالنفس لابن آدم. ~~و: يسأمون معناه: يميلون ثم ذكر تعالى آية منصوبة ليعتبر بها في أمر البعث ~~من القبور، ويستدل بما شوهد من هذه على ما لم يشاهد بعد من تلك، وهي آية ~~يراها عيانا كل مفطور على عقل. وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة ~~وشعث بالجدب وصليم السموم فهي عابسة كما الخاشع عابس يكاد يبكي، والماء ~~المنزل: هو المطر، واهتزاز الأرض: هو تخلخل أجزائها بالماء وتشققها للنبات. ~~وربوها: هو انتفاخها بالماء وعلو سطحها به. # وقرأ الجمهور: «وربت» . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «وربأت» : بألف ~~مهموزة، ورواها الرؤاسي عن أبي عمرو، وهو أيضا بمعنى: علت وارتفعت، ومنه ~~الربيئة، وهو الذي يرتفع حتى يرصد للقوم ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أن ~~يقاس على هذه الآية والعبرة، وذلك إحياء الموتى. # وقوله تعالى: إنه على كل شيء قدير عموم، والشيء في اللغة: الموجود. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 40 الى 43] # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من ms3133 بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) # هذه آية وعيد. والإلحاد: الميل، وهو هاهنا عن الحق، ومن الإلحاد: لحد ~~الميت، لأنه في جانب، يقال لحد الرجل وألحد بمعنى. # وقرأ الجمهور: «يلحدون» بضم الياء من ألحد. وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش: ~~«يلحدون» بفتح الياء والحاء من لحد. # واختلف المفسرون في الإلحاد الذي أشير إليه ما هو؟ فقال قتادة وغيره: ~~الإلحاد بالتكذيب. وقال مجاهد وغيره: الإلحاد بالمكاء والصفير واللغو الذي ~~ذهبوا إليه. وقال ابن عباس: إلحادهم هو أن يوضع الكلام غير موضعه، ولفظة ~~الإلحاد تعم هذا كله. # وقوله: لا يخفون علينا أي فنحن بالمرصاد لهم وسنعذبهم، ثم قرر على هذين ~~القسمين أنهما خير، وهذا التقرير هم المراد به، أي فقل لهم يا محمد أفمن. ~~قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل وعثمان بن عفان، وقيل في عمار بن ~~ياسر، وحسن التفضيل هنا بين الإلقاء في النار والأمن يوم القيامة وإن كانا ~~لا يشتركان في صفة الخير من حيث كان الكلام تقريرا لا مجرد خبر، لأن المقرر ~~قد يقرر خصمه PageV05P018 # على قسمين: أحدهما بين الفساد حتى يرى جوابه، فعساه يقع في الفاسد المعنى ~~فيبين جهله، وقد تقدم نظير هذه الآية واستيعاب القول في هذا المعنى، ولا ~~يتجه هنا أن يقال خاطب على معتقدهم كما يتجه ذلك في قوله: خير مستقرا ~~[الفرقان: 24] فتأمله. # وقوله تعالى: اعملوا ما شئتم وعيد في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم، ~~ودليل الوعيد ومبينه قوله: إنه بما تعملون بصير. # ثم قال تعالى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم. يريد قريشا. و «الذكر» : ~~القرآن بإجماع. # واختلف الناس في الخبر عنهم أين هو؟ فقالت فرقة: هو في قوله: أولئك ~~ينادون من مكان بعيد [فصلت: 44] ذكر النقاش أن بلال بن أبي بردة سأل عن هذا ~~في مجلسه وقال: لم أجد لها نفاذا، فقال له أبو عمرو بن العلاء: إنه منك ~~لقريب أولئك ms3134 ينادون [فصلت: 44] . ويرد هذا النظر كثرة الحائل، وإن هنالك ~~قوما قد ذكروا بحسن رد قوله: أولئك ينادون [فصلت: 44] عليهم. وقالت فرقة: # الخبر مضمر تقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم هلكوا أو ضلوا. وقال ~~بعض نحويي الكوفة الجواب في قوله: وإنه لكتاب عزيز حكى ذلك الطبري، وهو ~~ضعيف لا يتجه، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن هذا، فقال عمرو معناه في ~~التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به وإنه لكتاب، فقال عيسى ~~بن عمر: أجدت يا أبا عثمان. # قال القاضي أبو محمد: والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر، ولكنه عند قوم ~~في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه، وإنما هو بعد حكيم حميد وهو أشد ~~إظهارا لمذمة الكفار به، وذلك أن قوله: # وإنه لكتاب داخل في صفة الذكر المكذب به، فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد ~~استيفاء وصفه، وهذا كما تقول: تخالف زيدا وهو العالم الودود الذي من شأنه ~~ومن أمره، فهذه كلها أوصاف. # ووصف تعالى الكتاب بالعزة، لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء ~~عليه، وهو محفوظ من الله تعالى، قال ابن عباس: معناه كريم على الله تعالى، ~~قال مقاتل: منيع من الشيطان. قال السدي: غير مخلوق. # وقوله: لا يأتيه الباطل قال قتادة والسدي: يريد الشيطان، وظاهر اللفظ يعم ~~الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئا. # وقوله: من بين يديه معناه ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئا منه. ~~وقوله: ولا من خلفه أي ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل أشياء ~~منه، والمراد باللفظ على الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. وقوله: ~~تنزيل خبر ابتداء، أي هو تنزيل. # وقوله: ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك يحتمل معنيين: أحدهما أن ~~يكون تسلية للنبي عليه السلام عن مقالات قومه، أي ما تلقى يا محمد من ~~المكروه منهم، ولا يقولون لك من الأقوال المؤلمة إلا ما قد قيل ولقي به من ~~تقدمك من الرسل، ms3135 فلتتأس بهم ولتمض لأمر الله ولا يهمنك شأنهم. والمعنى PageV05P019 # الثاني: أن تكون الآية تخليصا لمعاني الشرع، أي ما يقال لك من الوحي ~~وتخاطب به من جهة الله تعالى إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ثم فسر ذلك الذي ~~قيل لجميعهم وهو إن ربك لذو مغفرة للطائعين وذو عقاب للكافرين. وفي هذه ~~الكلمات جماع النهي والزجر الموعظة، وإليها يرجع كل نظر. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 44 الى 46] # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) # الأعجمي: هو الذي لا يفصح عربيا كان أو غير عربي، والعجمي: الذي ليس من ~~العرب فصيحا كان أو غير فصيح، وهذه الآية نزلت بسبب تخليط كان من قريش في ~~أقوالهم من أجل الحروف التي وقعت في القرآن، وهي مما عرب من كلام العجم: ~~كالسجين والإستبرق ونحوه، فقال عز وجل: ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا لا ~~يبين لقالوا واعترضوا لولا بينت آياته. # واختلف القراء في قوله: أعجمي وعربي فقراءة الجمهور على الاستفهام وهمزة ~~ممدودة قبل الألف. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش: «أأعجمي» ~~بهمزتين، وكأنهم كانوا ينكرون ذلك فيقولون: لولا بين أأعجمي وعربي مختلط ~~هذا لا يحسن، وتأول ابن جبير أن معنى قولهم: أتجيئنا عجمة ونحن عرب؟ ما لنا ~~وللعجمة؟ وقرأ الحسن البصري وأبو الأسود والجحدري وسلام والضحاك وابن عباس ~~وابن عامر بخلاف عنهما: «أعجمي وعربي» دون استفهام وبسكون العين، كأنهم ~~قالوا عجمة وإعراب، إن هذا لشاذ، أو كأنهم قالوا لولا فصل فصلين، فكان بعضه ~~أعجميا يفهمه العجم، وبعضه عربيا يفهمه العرب، وهذا تأويل لابن جبير أيضا. ~~وقرأ عمرو بن ميمون: «أعجمي» بهمزة واحدة دون مد وبفتح العين، فأخبر الله ~~تعالى ms3136 عنهم أنه لو كان على أي وجه تخيل لكان لهم قول واعتراض فاسد، هذا ~~مقصد الكلام. # وأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لهم: إن القرآن هدى وشفاء ~~للمؤمنين المبصرين للحقائق، وأنه على الذين لا يؤمنون ولا يصرفون نظرهم ~~وحواسهم في المصنوعات عمي، لأنهم في آذانهم وقر وعلى قلوبهم أقفال وعلى ~~أعينهم غشاوة. # واختلف الناس في قوله: وهو عليهم فقالت فرقة: يريد ب هو القرآن. وقالت ~~فرقة: وهو يريد به الوقر. والوقر: الثقل في الأذن المانع من السمع، وهذه ~~كلها استعارات، أي هم لما لم يفهموا ولا حصلوا كالأعمى وصاحب الوقر. PageV05P020 # وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاصي: «وهو عليهم عم» بكسر الميم ~~وتنوينه. وقال يعقوب: لا أدري أنونوا أم فتحوا الياء على الفعل الماضي؟ ~~وبغير ياء رواها عمرو بن دينار وسليمان بن قتة عن ابن عباس. # وهذه القراءة أيضا فيها استعارة، وكذلك قوله تعالى: أولئك ينادون يحتمل ~~معنيين، وكلاهما مفعول للمفسرين: أحدهما أنها استعارة لقلة فهمهم، شبههم ~~بالرجل ينادى على بعد يسمع منه الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه، وهذا ~~تأويل مجاهد، والآخر أن الكلام على الحقيقة وأن معناه أنهم يوم القيامة ~~ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل الموقف، فتعظم السمعة ~~عليهم ويحل المصاب، وهذا تأويل الضحاك بن مزاحم. ثم ضرب تعالى أمر موسى ~~مثلا للنبي عليه السلام ولقريش، أي فعل أولئك كأفعال هؤلاء حين جاءهم مثل ~~ما جاء هؤلاء، والكلمة السابقة هي: حتم الله تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم ~~القيامة، والضمير في قولهم: لفي شك منه يحتمل أن يعود على موسى أو على ~~كتابه. # وقوله تعالى: من عمل صالحا الآية نصيحة بينة للعالم وتحذير وترجية وصدع ~~بين الله تعالى لا يجعل شيئا من عقوبات عبيده في غير موضعها، بل هو العادل ~~المتفضل الذي يجازي كل عبد بتكسبه. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 47 الى 50] # إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا ms3137 بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) ~~وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) لا يسأم الإنسان ~~من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ~~ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) # المعنى: أن وقت علم الساعة ومجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه إلى الله عز ~~وجل. وذكر تعالى الثمار وخروجها من الأكمام وحمل الإناث مثالا لجميع ~~الأشياء، إذ كل شيء خفي فهو في حكم هذين. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش: «من ثمرة» ~~بالإفراد على أنه اسم جنس. وقرأ نافع وابن عامر: «ثمرات» بالجمع، واختلف عن ~~عاصم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج والحسن بخلاف، وفي مصحف عبد الله: ~~«في ثمرة من أكمامها» . والأكمام: جمع كم، وهو غلاف التمر قبل ظهوره. # وقوله تعالى: ويوم يناديهم تقديره: واذكر يوم يناديهم والضمير في: ~~يناديهم ظاهره والأسبق فيه أنه يريد به الكفار عبدة الأوثان. ويحتمل أن ~~يريد به كل من عبد من دون الله من إنسان وغيره، وفي هذا PageV05P021 # ضعف، وإنما الضمير في قوله: وضل عنهم فلا احتمال لعودته إلا على الكفار. ~~و: آذناك قال ابن عباس وغيره معناه: أعلمناك ما منا من شهيد ولا من يشهد ~~بأن لك شريكا. وضل عنهم أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من ~~الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: وضل عنهم الأصنام، أي تلفت لهم فلم يجدوا ~~منها نصرا وتلاشى لهم أمرها. # وقوله: وظنوا يحتمل أن يكون متصلا بما قبله ويكون الوقف عليه، ويكون ~~قوله: ما لهم من محيص استئناف نفي أن يكون لهم منجى أو موضع روغان، يقول: ~~حاص الرجل: إذا راغ يطلب النجاة من شيء، ومنه الحديث: فحاصوا حيصة حمر ~~الوحش إلى الأبواب، ويكون الظن على هذا التأويل على بابه، أي ظنوا أن هذه ~~المقالة: ms3138 ما منا من شهيد منجاة لهم، أو أمر يموهون به، ويحتمل أن يكون ~~الوقف في قوله: من قبل، ويكون: وظنوا متصلا بقوله: ما لهم من محيص أي ظنوا ~~ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وبه فسر السدي، وهذه عبارة ~~يطلقها أهل اللسان على الظن، ولست تجد ذلك إلا فيما علم علما قويا وتقرر في ~~النفس ولم يتلبس به بعد، وإلا فمتى تلبس بالشيء وحصل تحت إدراك الحواس فلست ~~تجدهم يوقعون عليه لفظة الظن. # وقوله تعالى: لا يسأم الإنسان آيات نزلت في كفار قريش، قيل في الوليد بن ~~المغيرة، وقيل في عتبة بن ربيعة، وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان ~~أولها يتضمن خلقا ربما شارك فيه بعض المؤمنين. و: دعاء الخير إضافته المصدر ~~إلى المفعول، والفاعل محذوف تقديره: من دعاء الخير هو. # وفي مصحف ابن مسعود: «من دعاء بالخير» . والخير في هذه الآية: المال ~~والصحة، وبذلك تليق الآية بالكافر، وإن قدرناه خير الآخرة فهي للمؤمن، وأما ~~اليأس والقنط على الإطلاق فمن صفة الكافر وحده. # وقوله تعالى: ليقولن هذا لي أي بعلمي وبما سعيت، ولا يرى أن النعم إنما ~~هي بتفضل من الله تعالى: وما أظن الساعة قائمة قول بين فيه الجحد والكفر. ~~ثم يقول هذا الكافر، ولئن كان ثم رجوع كما تقولون، لتكونن لي حال ترضيني من ~~غنى ومال وبنين، فتوعدهم الله تعالى بأنه سيعرفهم بأعمالهم الخبيثة مع ~~إذاقتهم العذاب عليها، فهذا عذاب وخزي. وغلظ العذاب شدته وصعوبته. وقال ~~الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: للكافر أمنيتان، أما في ~~دنياه فهذه: # إن لي عنده للحسنى. وأما في آخرته: فا ليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] . # قال القاضي أبو محمد: والأماني على الله تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم ~~لكل أحد، فقد قال عليه السلام: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ~~والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة فصلت (41) : الآيات 51 الى 54] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ms3139 ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ~~(51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ~~(52) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل ~~شيء محيط (54) PageV05P022 # ذكر الله تعالى الخلق الذميمة من الإنسان جملة، وهي في الكفار بينه ~~متمكنة، وأما المؤمن في الأغلب فيشكر عند النعمة، وكثيرا ما يصبر عند ~~الشدة. # وقرأ جمهور والناس: «ونأى بجانبه» الهمزة عين الفعل. وقرأ ابن عامر: ~~«وناء» الهمزة لام الفعل، وهي قراءة أبي جعفر، والمعنى فيهما واحد. قال أبو ~~علي: ناء قلب ابن آدم فعل فلع، ومنه قول الشاعر [كثير] : [الطويل] # وكل خليل راءني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد # ومنه قول الآخر: [الطويل] وقد شاءني أهل السباق وأمعنوا ونأى معناه: بعد ~~ولم يمل إلى شكر ولا طاعة. # وقوله: فذو دعاء عريض أي طويل أيضا، فاستغنى بالصفة الواحدة عن لزيمتها، ~~إذ العرض يقتضي الطول ويتضمنه، ولم يقل طويل، لأن الطويل قد لا يكون عريضا، ~~ف عريض أدل على الكثرة. # ثم أمر تعالى نبيه أن يقف قريشا على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم ~~فقال: أرأيتم إن كان هذا الشرع من عند الله وبأمره وخالفتموه أنتم، ألستم ~~على هلكة من قبل الله تعالى، فمن أضل ممن يبقى على مثل هذا الغرر مع الله، ~~وهذا هو الشقاق، ثم وعد تعالى نبيه عليه السلام بأنه سيري الكفار آياته. # واختلف المتأولون في معنى قوله: في الآفاق وفي أنفسهم فقال المنهال ~~والسدي وجماعة: هو وعد بما يفتحه الله تعالى على رسوله من الأقطار حول مكة، ~~وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها. وفي أنفسهم أراد به فتح مكة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن ينتظم الإعلام بغيب ظهر وجوده بعد ~~كذلك ويجري معه لفظ الاستئناف الذي في الفعل. # وقال الضحاك وقتادة: سنريهم آياتنا في الآفاق هو ms3140 ما أصاب الأمم المكذبة ~~في أقطار الأرض قديما وفي أنفسهم يوم بدر، وقال ابن زيد وعطاء: الآفاق: ~~آفاق السماء. وأراد: الآيات: في الشمس والقمر والرياح وغير ذلك. وفي أنفسهم ~~عبرة الإنسان بجسمه وحواسه وغريب خلقته وتدريجه في البطن ونحو ذلك، وهذه ~~آيات قد كانت مرئية، فليس هذا المعنى يجري مع قوله: «سنري» والتأويل الأول ~~أرجحها، والله أعلم. والضمير في قوله تعالى: أنه الحق عائد على الشرع ~~والقرآن، فبإظهار الله إياه وفتح البلاد عليه تبين لهم أنه الحق. PageV05P023 # ثم قال تعالى وعدا لنبيه عليه السلام: أولم يكف بربك والتقدير: أو لم يكف ~~ربك، والباء زائدة للتأكيد، وأنه يحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من ~~الموضع، إذ التقدير: أو لم يكف ربك، ويحتمل أن يكون في موضع خفض على البدل ~~من اللفظ، وهذا كله بدل الاشتمال، ويصح أن يكون في موضع نصب على إسقاط حرف ~~الجر، أي لأنه على كل شيء شهيد. # وقرأ الجمهور: «أنه» بفتح الألف، وقرأ بعض الناس «إنه» بكسرها على ~~الاعتراض أثناء القول. # وقوله: ألا استفتاح يقتضي إقبال السامع على ما يقال له، فاستفتح الإخبار ~~على أنهم في شك وريب وضلال أداهم إلى الشك في البعث. # وقرأ جمهور الناس: «في مرية» بكسر الميم. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن: ~~«في مرية» بضم الميم، والمعنى واحد، ثم استفتح الإخبار بإحاطته بكل شيء على ~~معنى الوعيد لهم، وإحاطته تعالى هي بالقدرة والسلطان، لا إله إلا هو، ~~العزيز الحكيم. # نجز تفسير سورة حم السجدة، والحمد لله رب العالمين. PageV05P024 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشورى # هذه السورة مكية بإجماع من أكثر المفسرين، وقال قتادة: فيها مدني: ذلك ~~الذي يبشر الله عباده [الشورى: 23] إلى: الصدور [الشورى: 24] وقوله: والذين ~~إذا أصابهم البغي [الشورى: 39] إلى قوله: من سبيل [الشورى: 41] . وقال ابن ~~عباس في كتاب الثعلبي: إن حم عسق هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله ~~تعالى المنزلة على كل نبي أنزل عليه الكتاب، ولذلك قال تعالى: # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك. # قوله ms3141 عز وجل: ### || سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ~~(3) له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) # فصلت: حم من: عسق، ولم يفعل ذلك ب كهيعص [مريم: 1] لتجري هذه مجرى ~~الحواميم أخواتها. # وقرأ الجمهور: «حم عسق» . وقرأ ابن مسعود وابن عباس: «حم سق» بسقوط عين، ~~والأقوال في هذه كالأقوال في أوائل السور. وروى حذيفة في هذا حديثا مضمنه: ~~أنه سيكون في هذه الأمة مدينتان يشقهما نهر بالمشرق، تهلك إحداهما ليلا ثم ~~تصبح الأخرى سالمة، فيجتمع فيها جبابرة المدينتين متعجبين من سلامتها، ~~فتهلك من الليلة القابلة، وأن حم معناه: حم هذه الأمر. وعين: معناه عدلا من ~~الله. وسين: # سيكون ذلك. وقاف: معناه يقع ذلك بهم. وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الأحرف التي في أوائل السور. ~~والكاف في قوله: كذلك نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك تختلف بحسب الأقوال ~~في الحروف. # وقرأ جمهور القراء: «يوحي» بالياء على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وهي ~~قراءة الحسن والأعرج وأبي جعفر والجحدري وعيسى وطلحة والأعمش. وقرأ أبو ~~حيوة والأعشى عن أبي بكر عن عاصم: # «نوحي» : بنون العظمة، ويكون قوله: الله ابتداء وخبره: العزيز ويحتمل أن ~~يكون خبره: له ما في PageV05P025 # السماوات # . وقرأ ابن كثير وحده: «يوحى» بالياء وفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول، ~~وهي قراءة مجاهد، والتقدير: يوحى إليك القرآن يوحيه الله، وكما قال الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومة ومه قوله تعالى: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ~~[النور: 36] . # وقوله تعالى: وإلى الذين من قبلك يريد من الأنبياء الذين نزلت عليهم ~~الكتب. # وقوله تعالى: له ما في السماوات أي الملك والخلق والاختراع. و: العلي من ~~علو القدر والسلطان. و: العظيم كذلك، وليس بعلو مسافة ولا عظم جرم، تعالى ~~الله عن ms3142 ذلك وقرأ نافع والكسائي: «يكاد» بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~وحمزة وأبو عمرو وعاصم: «تكاد» بالتاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة ~~والكسائي ونافع وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وقتادة: «يتفطرون» من التفطر، ~~وهو مطاوع فطرت. وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن والأعرج وأبو رجاء والجحدري: ~~«ينفطرون» من الإفطار وهو مطاوع فطر، والمعنى فيهما: يتصدعن ويتشققن من ~~سرعة جريهن خضوعا وخشية من سلطان الله تعالى وتعظيما له وطاعة، وما وقع ~~للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه مردود، لأن الله تعالى لا يوصف به. # وقوله: من فوقهن أي من أعلاهن. وقال الأخفش علي بن سليمان: الضمير ~~للكفار. # قال القاضي أبو محمد: المعنى من فوق الفرق والجماعات الملحدة التي من أجل ~~أقوالها تكاد السماوات يتفطرن، فهذه الآية على هذا كالآية التي في: كهيعص ~~[مريم: 1] . وقالت فرقة معناه: من فوق الأرضين، إذ قد جرى ذكر الأرض، وذكر ~~الزجاج أنه قرىء «يتفطرن ممن فوقهن» . # وقوله تعالى: يسبحون بحمد ربهم قيل معناه: يقولون سبحان الله، وقيل ~~معناه: يصلون لربهم. # وقوله تعالى: ويستغفرون لمن في الأرض قالت فرقة: هذا منسوخ بقوله تعالى: ~~في آية أخرى: # ويستغفرون للذين آمنوا [غافر: 7] وهذا قول ضعيف، لأن النسخ في الإخبار لا ~~يتصور. وقال السدي ما معناه: إن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في ~~المؤمن، فكأنه قال: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين، إذ الكفار عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقالت فرقة: بل هي على عمومها، لكن ~~استغفار الملائكة ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة على أن يبقوا كفرة، ~~وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم، وكأن ~~الملائكة تقول: اللهم اهد أهل الأرض واغفر لهم. ويؤيد هذا التأويل تأكيده ~~صفة الغفران والرحمة لنفسه بالاستفتاح، وذلك قوله: ألا إن الله هو الغفور ~~الرحيم أي لما كان الاستغفار لجميع من في الأرض يبعد أن يجاب، رجا عز وجل ~~بأن استفتح الكلام تهيئة لنفس السامع فقال: ألا إن الله هو الذي يطلب هذا ~~منه، إذ هذه أوصافه، وهو أهل ms3143 المغفرة: # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 6 الى 9] # والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) ~~وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) ولو شاء الله لجعلهم أمة ~~واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير (8) أم ~~اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير ~~(9) PageV05P026 # هذه آية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفار وإزالة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم جميع الكلف سوى التبليغ فقط، لئلا يهتم بعدم إيمان قريش ~~وغيرهم، فقال تعالى لنبيه: إن الذين اتخذوا الأصنام والأوثان أولياء من دون ~~الله، الله هو الحفيظ عليهم كفرهم، المحصي لأعمالهم، المجازي لهم عليها ~~بعذاب الآخرة، وأنت فلست بوكيل عليهم ولا ملازم لأمرهم حتى يؤمنوا. ~~والوكيل: المقيم على الأمر، وما في هذا اللفظ من موادعة فهو منسوخ بآية ~~السيف، ثم قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك أي وكما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه ~~في هذه الصورة، كذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا مبينا لهم، لا يحتاجون معه ~~إلى آخر سواه ولا محتج غيره، إذ فهمه متأت لهم ولم يكلفك إلا إنذارا من ~~ذكر. و: أم القرى مكة، والمراد أهل مكة، ولذلك عطف من، وهي في الأغلب لمن ~~يعقل. و: يوم الجمع هو يوم القيامة، واقتصر في تنذر على المفعول الأول، لأن ~~المعنى: وتنذر أهل أم القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع، أي تخوفهم إياه ~~لما فيه من عذاب من كفر، وسمي يوم الجمع لاجتماع أهل الأرض فيه بأهل ~~السماء، أو لاجتماع بني آدم للعرض. # وقوله: لا ريب فيه أي في نفسه وذاته، وارتياب الكفار به: لا يعتد به. # وقوله: فريق مرتفع على خبر الابتداء المضمر، كأنه قال: هم فريق في الجنة، ~~وفريق في السعير. ثم قوى تعالى تسلية نبيه عليه السلام بأن عرفه أن الأمر ~~موقوف على مشيئة ms3144 الله من إيمانهم أو كفرهم، وأنه لو أراد كونهم أمة واحدة ~~لجمعهم عليه، ولكنه يدخل من سبقت له السعادة عنده في رحمته، وييسره في ~~الدنيا لعمل أهل السعادة، وأن الظالمين بالكفر الميسرين لعمل الشقوة ما لهم ~~من ولي ولا نصير. # وقوله: أم اتخذوا كلام منقطع مما قبله، وليست معادلة، ولكن الكلام: كأنه ~~أضرب عن حجة لهم أو مقالة مقررة فقال: «بل اتخذوا» هذا مشهور قول النحويين ~~في مثل هذا، وذهب بعضهم إلى أن أم هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير ~~إضراب، ثم أثبت الحكم بأنه عز وجل هو الولي الذي تنفع ولايته، وأنه هو الذي ~~يحيي الموتى ويحشرهم إلى الآخرة ويبعثهم من قبورهم، وأن قدرته على كل شيء ~~تعطي هذا وتقتضيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 10 الى 12] # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) له مقاليد ~~السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) PageV05P027 # المعنى: قل لهم يا محمد: وما اختلفتم فيه أيها الناس من تكذيب وتصديق ~~وإيمان وكفر وغير ذلك، فالحكم فيه والمجازاة عليه ليست إلي ولا بيدي، وإنما ~~ذلك إلى الله الذي صفاته ما ذكر من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء، ثم ~~قال: ذلكم الله ربي وعليه توكلي وإليه إنابتي ورجوعي، وهو فاطر السماوات ~~والأرض، أي مخترعها وخالقها شق بعضها من بعض. # وقوله تعالى: جعل لكم من أنفسكم أزواجا يريد: زوج الإنسان الأنثى، وبهذه ~~النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع، وأما الأزواج المذكورة مع ~~الأنعام، فالظاهر أيضا والمتسق: أنه يريد: إناث الذكران، ويحتمل أن يريد ~~الأنواع، والأول أظهر. # وقوله: يذرؤكم أي يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن، قاله مجاهد والناس، ~~فلفظة ذرأ: # تزيد على لفظة: خلق معنى آخر ليس في خلق، وهو توالي الطبقات على مر ~~الزمان. # وقوله: فيه الضمير عائد ms3145 على الجعل الذي يتضمنه قوله: جعل لكم، وهذا كما ~~تقول: # كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه. وقال القتبي: الضمير للتزويج، ولفظة: «في» ~~مشتركة على معان، وإن كان أصلها الوعاء وإليه يردها النظر في كل وجه. # وقوله تعالى: ليس كمثله شيء الكاف مؤكدة للتشبيه، فبقي التشبيه أوكد ما ~~يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو، فإذا أردت المبالغة التامة ~~قلت: زيد كمثل عمرو، ومن هذا قول أوس بن حجر: [المتقارب] # وقتلى كمثل جذوع النخي ... ل يغشاهم سيل منهمر # ومنه قول الآخر: [البسيط] # سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ... ما إن كمثلهم في الناس من أحد # فجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وتفترق الآية مع هذه ~~الشواهد متى أردت أن تتبع بذهنك هذا اللفظ فتقدر للجزوع مثلا موجودا وتشبه ~~القتل بذلك المثل أمكنك أو لا يمكنك هذا في جهة الله تعالى إلا أن تجعل ~~المثل ما يتحصل في الذهن من العلم بالله تعالى، إذ المثل والمثال واحد، ~~وذهب الطبري وغيره إلى أن المعنى: ليس كهو شيء. وقالوا لفظة مثل في الآية ~~توكيد أو واقعة موقع هو. # قال القاضي أبو محمد: ومما يؤيد دخول الكاف تأكيدا أنها قد تدخل على ~~الكاف نفسها، وأنشد سيبويه: # وصاليات ككما يؤثفين PageV05P028 # والمقاليد: المفاتيح، قاله ابن عباس والحسن، وقال مجاهد: أصلها ~~بالفارسية، وهي هاهنا استعارة لوقع كل أمر تحت قدرته. وقال السدي: ~~المقاليد: الخزائن، وفي العبارة على هذا حذف مضاف، قال قتادة: من ملك مقالد ~~خزائن، فالخزائن في ملكه، وبسط الرزق وقدره بين، وقد مضى تفسيره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 13 الى 14] # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي ~~بينهم وإن ms3146 الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) # المعنى: شرع لكم وبين من المعتقدات والتوحيد ما وصى به نوحا قبل. # وقوله: والذي عطف على ما، وكذلك ما ذكر بعد من إقامة الدين مشروع اتفقت ~~النبوات فيه، وذلك في المعتقدات أو في جملة أمرها من أن كل نبوة فإنما ~~مضمنها معتقدات وأحكام، فيجيء المعنى على هذا: شرع لكم شرعة هي كشرعة نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام في أنها ذات المعتقدات المشهورة التي هي ~~في كل نبوءة وذات أحكام كما كانت تلك كلها، وعلى هذا يتخرج ما حكاه الطبري ~~عن قتادة قال: ما وصى به نوحا يريد الحلال والحرام، وعليه روي أن نوحا أول ~~من أتى بتحريم البنات والأمهات. وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع ~~مختلفة، وهي المراد في قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48] وأن في قوله: أن أقيموا يجوز ~~أن تكون في موضع نصب بدلا من ما، ويجوز في موضع خفض بدلا من الضمير في به، ~~وفي موضع رفع على خبر ابتداء تقديره: ذلك أن، وأن تكون مفسرة بمعنى: أي، لا ~~موضع لها من الإعراب، وإقامة الدين هو توحيد الله تعالى ورفض سواه. # وقوله: ولا تفرقوا نهي عن المهلك من تفرق الأنحاء والمذاهب، والخير كله ~~في الإلفة واجتماع الكلمة. ثم أخبر تعالى نبيه بصعوبة موقع هذه الدعوة إلى ~~إقامة الدين على المشركين بالله العابدين الأصنام. قال قتادة: كبرت عليهم: ~~لا إله إلا الله، وأبى الله إلا نصرها، ثم سلاه عنهم بقوله: الله يجتبي أي ~~يختار ويصطفي، قاله مجاهد وغيره: و: ينيب معناه يرجع عن الكفر ويحرص على ~~الخير ويطلبه. # وقوله: ولا تتفرقوا عبارة يجمع خطابها كفار العرب واليهود والنصارى وكل ~~مدعو إلى الإسلام، فلذلك حسن أن يقال: ما تفرقوا، يعني بذلك أوائل اليهود ~~والنصارى. والعلم الذي جاءهم: هو PageV05P029 # ما كان حصل في نفوسهم من علم كتب الله تعالى فبغى بعضهم على بعض، أداهم ~~ذلك إلى اختلاف الرأي وافتراق الكلمة والكلمة السابقة: قال المفسرون: هي ~~حتمه تعالى ms3147 القضاء بأن مجازاتهم إنما تقع في الآخرة، فلولا ذلك لفصل بينهم ~~في الدنيا وغلب المحق على المبطل. # وقوله تعالى: وإن الذين أورثوا الكتاب إشارة إلى معاصري محمد صلى الله ~~عليه وسلم من اليهود والنصارى، وقيل هي إشارة إلى العرب. والكتاب: هو ~~القرآن. والضمير في قوله: لفي شك يحتمل أن يعود على الكتاب، أو على محمد، ~~أو على الأجل المسمى، أي في شك من البعث على قول من رأى الإشارة إلى العرب، ~~ووصف الشك ب مريب مبالغة فيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 15 الى 16] # فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون في الله من ~~بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) # اللام في قوله: فلذلك قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: بأن ربك ~~أوحى لها [الزلزلة: # 5] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فادع، وقالت ~~فرقة: بل هي بمعنى من أجل كأنه قال: فمن أجل أن الأمر كذا ولكونه كذا فادع ~~أنت إلى ربك وبلغ ما أرسلت به. وخوطب عليه السلام بأمر الاستقامة، وقد كان ~~مستقيما، بمعنى: دم على استقامتك، وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس ~~به إنما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نصب عين النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: فاستقم كما أمرت [هود: ~~112] لإنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة، وفي هذا المعنى قال ~~عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها، فقيل له: لم ذلك؟ # فقال: لأن فيها فاستقم كما أمرت [هود: 112] وهذا الخطاب له عليه السلام ~~بحسب قوته في أمر الله تعالى وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا. # وقوله تعالى: ولا تتبع أهواءهم يعني قريشا فيما كانوا يهوونه من أن يعظم ~~آلهتهم وغير ذلك، ثم أمره ms3148 تعالى أن يؤمن بالكتب المنزلة قبله من عند الله، ~~وهو أمر يعم سائر أمته. # وقوله تعالى: وأمرت لأعدل بينكم قالت فرقة: اللام في لأعدل يمعنى: أن، ~~التقدير: بأن أعدل بينكم. وقالت فرقة المعنى: وأمرت بما أمرت به من التبليغ ~~والشرع لكي أعدل بينكم، فحذف من الكلام ما يدل الظاهر عليه. # وقوله: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم إلى آخر الآية منسوخ ما فيه من موادعة ~~بآية السيف. PageV05P030 # وقوله: لا حجة بيننا وبينكم أي لا جدال ولا مناظرة، قد وضح الحق وأنتم ~~تعاندون، وفي قوله تعالى: الله يجمع بيننا وعيد. # وقوله: والذين يحاجون في الله قال ابن عباس ومجاهد إنها نزلت في طائفة من ~~بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومجادلتهم بأن قالوا: ~~كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل، فنزلت الآية في ذلك، ~~وقيل بل نزلت في قريش لأنها كانت أبدا تحاول هذا المعنى وتطمع في رد ~~الجاهلية و: يحاجون في الله معناه في توحيد الله، أي يحاجون فيه بالإبطال ~~والإلحاد وما أشبه، والضمير في: له يحتمل أن يعود على الله تعالى، أي بعد ~~ما دخل في دينه، ويحتمل أن يعود على الدين والشرع، ويحتمل أن يعود على محمد ~~عليه السلام. و: داحضة معناه: زاهقة. والدحض: الزلق، وباقي الآية بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 17 الى 20] # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله لطيف بعباده ~~يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ~~ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) # لما أنحى القول على الذين يحاجون في توحيد الله ويرومون إطفاء نوره، صدع ~~في هذه الآية بصفة من أنزل الكتاب الهادي للناس. و: الكتاب هنا اسم جنس يعم ~~جميع الكتب المنزلة. # وقوله: بالحق يحتمل أن يكون ms3149 المعنى بأن كان ذلك حقا واجبا للمصلحة ~~والهدى، ويحتمل أن يكون المعنى مضمنا الحق، أي بالحق في أحكامه وأوامره. ~~والميزان هنا العدل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والناس. وحكى الثعلبي عن ~~مجاهد أنه قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس. # قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وكل شيء من ~~الأمور، فالعدل فيه إنما هو بوزن وتقدير مستقيم، فيحتاج في الأجرام إلى ~~آلة، وهي العمود والكفتان التي بأيدي البشر، ويحتاج في المعاني إلى هيئات ~~في النفوس وفهوم توازن بين الأشياء. # وقوله: وما يدريك، لعل الساعة قريب وعيد للمشركين، أي فانظر في أي غورهم ~~وجاء لفظ: # قريب مذكرا من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي، وإذ هي بمعنى الوقت. # ثم وصف تعالى حال الجهلة الكاذبين بها، فهم لذلك يستعجلون بها، أي يطلبون ~~تعجيلها ليبين العجز ممن يحققها، فالمصدق بها مشفق خائف، والمكذب مستعجل ~~مقيم لحجته على تكذيبه بذلك PageV05P031 # المستعجل به. ثم استفتح الإخبار عن الممارين في الساعة بأنهم في ضلال قد ~~بعد بهم، فرجوعهم عنه صعب متعذر، وفي هذا الاستفتاح مبالغة وتأكيد وتهيئة ~~لنفس السامع، ثم رجى تبارك وتعالى عباده بقوله: # الله لطيف بعباده، و: لطيف هنا بمعنى: رفيق متحف، والعباد هنا: المؤمنون ~~ومن سبق له الخلود في الجنة، وذلك أن الأعمال بخواتمها، ولا لطف إلا ما آل ~~إلى الرحمة، وأما الإنعام على الكافرين في الدنيا فليس بلطف بهم، بل هو ~~إملاء واستدراج. وقال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بالكفار لما ~~جحدوه، وقيل: لطيف معناه في أن نشر عنهم المناقب، وستر عليهم المثالب. وقيل ~~هو الذي لا يخاف إلا عدله، ولا يرجى إلا فضله. # وقوله: من كان يريد معناه: إرادة مستعد عامل عارف، لا إرادة متمن لم يدر ~~نفسه. والحرث في هذه الآية: عبارة عن السعي والتكسب والإعداد. # ولما كان حرث الأرض أصلا من أصول المكاسب استعير لكل متكسب، ومنه قول ابن ~~عمر: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. # وقوله تعالى: ms3150 نزد له في حرثه وعد منتجز. # وقوله في: حرث الدنيا نؤته منها معناه: ما شئنا ولمن شئنا، فرب ممتحن ~~مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره، نعوذ بالله من ذلك، ~~وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة. # وقرأ سلام: «نؤته» برفع الهاء وهي لغة لأهل الحجاز، ومثله قراءتهم: ~~فخسفنا به وبداره الأرض [القصص: 81] برفع الهاء فيهما. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 21 الى 23] # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ~~وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن ~~عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف ~~حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23) # أم هذه هي منقطعة لا معادلة، وهي بتقدير بل وألف الاستفهام. والشركاء في ~~هذه الآية: يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون ~~الضمير في لهم للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع الشركاء ~~لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك هاهنا هو في الكفر PageV05P032 # والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد ب «الشركاء» ~~: الأصنام والأوثان على معنى: # أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير: في: شرعوا ~~لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير في: لهم للأصنام الشركاء، أي ~~شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله، و: شرعوا معناه: ~~أثبتوا ونهجوا ورسموا. والدين هنا العوائد والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك ~~أيضا المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعا، فأما في المعتقدات فقولهم ~~إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في ~~الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في ~~هذه الآية ms3151 الأمر. وكلمة الفصل: هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر ~~عقابهم إلى الآخرة والقضاء بينهم: هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم. # وقرأ جمهور الناس: «وإن الظالمين» بكسر الهمزة على القطع والاستئناف. ~~وقرأ مسلم بن جندب «وأن الظالمين» بفتح الهمزة، وهي في موضع رفع عطف على: ~~كلمة المعنى: وأن الظالمين لهم في الآخرة عذاب. # وقوله: ترى الظالمين هي رؤية بصر، والظالمين مفعول، و: مشفقين حال وليس ~~لهم في هذا الإشفاق مدح، لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم ووقع، وليسوا ~~كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة كما تقدم. # وقوله تعالى: وهو واقع بهم جملة في موضع الحال. والروضات: المواضع ~~المؤنفة النظرة، وهي مرتفعة في الأغلب من الاستعمال، وهي الممدوحة عند ~~العرب وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى كمثل جنة بربوة [البقرة: 265] ومن ذلك ~~تفضيلهم روضات الحزن لجودة هوائها. قال الطبري: ولا تقول العرب لموضع ~~الأشجار رياض. # وقوله تعالى: ذلك الذي يبشر الله عباده إشارة إلى قوله تعالى في الآية ~~الأخرى: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47] . # وقرأ جمهور الناس: «يبشرهم» بضم الياء وفتح الباء وشد الشين المكسورة، ~~وذلك على التعدية بالتضعيف. وقرأ مجاهد وحميد: «يبشر» بضم الياء وسكون ~~الباء وكسر الشين على التعدية بالهمزة. قرأ ابن مسعود وابن يعمر وابن أبي ~~إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة: «يبشر» بفتح الياء وضم الشين، ورويت عن ابن ~~كثير. وقال الجحدري في تفسيرها: ترى النضرة في الوجوه. # وقوله تعالى: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى اختلف الناس ~~في معناه، فقال له ابن عباس وغيره: هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام ~~ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسألكم على القرآن والدين ~~والدعاء إلى الله إلا أن تودوني لقرابة هي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم. ~~قال ابن عباس وابن إسحاق وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيه نسب أو صهر، فالآية على هذا هي استعطاف ما، ودفع أذى ~~وطلب سلامة منهم، ms3152 وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل على هذا التأويل أن ~~يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي لا أسألكم غرامة ولا شيئا إلا أن PageV05P033 # تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم. وقال مجاهد: المعنى ~~إلا أن تصلوا رحمي باتباعي. # وقال ابن عباس أيضا ما يقتضي أنها مدنية، وسببها أن قوما من شباب الأنصار ~~فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش، فنزلت الآية في ذلك على معنى إلا ~~أن تودوني فتراعوننى في قرابتي وتحفظونني فيهم، وقال بهذا المعنى في الآية ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، واستشهد بالآية حين سيق ~~إلى الشام أسيرا، وهو تأويل ابن جبير وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ~~ابن عباس، قيل يا رسول الله، من قرابتك الذين أمرنا بمودتهم؟ فقال: علي ~~وفاطمة وابناهما، وقيل هو ولد عبد المطلب. # قال القاضي أبو محمد: وقريش كلها عندي قربى وإن كانت تتفاضل، وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ومن ~~مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة» وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: سبب هذه ~~الآية أن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالا وساقته إليه ~~فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضا، معنى الآية: من قربى ~~الطاعة والتزلف إلى الله تعالى: كأنه قال: إلا أن تودني، لأني أقربكم من ~~الله، وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها. وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: إلا أن ~~يتوددوا إلى الله بالتقرب إليه. وقال عبد الله بن القاسم في كتاب الطبري ~~معنى الآية: إلا أن تتوددوا بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم، فالآية على هذا ~~أمر بصلة الرحم. وذكر النقاش عن ابن عباس ومقاتل والكلبي والسدي أن الآية ~~منسوخة بقوله تعالى في سورة سبأ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم [سبأ: 47] ~~والصواب أنها محكمة، وعلى كل قول فالاستثناء منقطع، و: إلا بمعنى: لكن. و: ~~يقترف معناه يكتسب، ورجل قرفة: إذا كان محتالا ms3153 كسوبا. # وقرأت فرقة «يزد» على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ جمهور الناس: ~~«نزد» على نون العظمة، وزيادة الحسن هو التضعيف الذي وعد الله تعالى به ~~مؤمني عباده، قاله الحسن بن أبي الحسن. # و: غفور معناه: ساتر عيوب عبيده. و: شكور معناه: مجاز على الدقيقة من ~~الخير لا يضيع عنده لعامل عمل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 24 الى 27] # أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26) ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير ~~بصير (27) # أم هذه أيضا منقطعة مضمنة إضرابا عن كلام متقدم وتقريرا على هذه المقالة ~~منهم. # وقوله تعالى: فإن يشإ الله يختم معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ~~ينسيك القرآن، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه ~~يقول: وكيف يصح أن تكون مفتريا وأنت من الله بمرأى PageV05P034 # ومسمع، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا ~~يستمر افتراؤك، فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصارا ~~واقتصارا. وقال مجاهد في كتاب الثعلبي وغيره، المعنى: # فإن يشإ الله يختم على قلبك بالصبر لأذى الكفار ويربط عليه بالجلد، فهذا ~~تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم. # وقوله تعالى: ويمح فعل مستقبل خبر من الله أنه يمحو الباطل ولا بد إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة، وهذا بحسب نازلة. وكتبت يمح في المصحف بحاء مرسلة ~~كما كتبوا: ويدع الإنسان [الإسراء: 11] إلى غير ذلك مما ذهبوا فيه إلى ~~الحذف والاختصار. # وقوله: بكلماته معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء ~~بالكلمات المعاني القائمة التي لا تبديل لها. # وقوله تعالى: إنه عليم بذات الصدور خبر مضمنه وعيد. ثم ذكر النعمة في ms3154 ~~تفضله بقبول التوبة عن عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمنه ~~وأعماله مقطوع به بهذه الآية، وأما ما سلف من أعماله فينقسم: فأما التوبة ~~من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفانية، وأما التوبة من ~~المعاصي فلأهل السنة قولان، هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين ~~خالقه؟ فقالت فرقة: هي مذهبة لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة الله تعالى، ~~وأجمعوا على أنها لا تذهب مظالم العباد. # وحقيقة التوبة: الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات، ~~ويلزمها الندم على ما فات، والعزم على ملازمة الخيرات. وقال سري السقطي: ~~والتوبة: العزم على ترك الذنوب، والإقبال بالقلب إلى علام الغيوب. وقال ~~يحيى بن معاذ: التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على رأس الشيطان ~~ولزم الفطام حتى أتاه الحمام. # وقوله تعالى: عن عباده بمعنى: من عباده، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن ~~عباده. # وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والجحدري وقتادة: «يفعلون» بالياء ~~على الكناية عن غائب. # وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وعلقمة: «تفعلون» بالتاء على ~~المخاطبة، وفي الآية توعد. # وقوله تعالى: ويستجيب قال الزجاج وغيره معناه: يجيب، والعرب تقول: أجاب ~~واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر [كعب بن سعد الغنوي] : [الطويل] # وداع دعا يا من يجيب الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # و: الذين على هذا القول مفعول ب يستجيب، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ~~ونحوه عن ابن عباس، وقالت فرقة المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ~~ربهم بالأعمال الصالحة. # ودل قوله: ويزيدهم من فضله على أن المعنى فيجيبهم، وحملت هذه الفرقة ~~استجاب على المعهود من باب استفعل، أي طلب الشيء. و: الذين على هذا القول ~~فاعل ب يستجيب. وقالت PageV05P035 # فرقة: المعنى ويجيب المؤمنون ربهم، ف الذين: فاعل بمعنى يجيبون دعوة شرعه ~~ورسالته. والزيادة من فضله: هي تضعيف الحسنات، وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: هي قبول الشفاعات في المذنبين والرضوان. # وقوله تعالى: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض قال ms3155 عمرو بن حريث ~~وغيره إنها نزلت لأن قوما من أهل الصفة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق، فأعلمهم الله تعالى أنه ~~لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم لكان سبب بغيهم وإفسادهم، ولكنه ~~تعالى أعلم بالمصلحة في كل أحد، وله بعبيده خبرة وبصر بأخلاقهم ومصالحهم، ~~فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم، فرب إنسان لا يصلح وتكتف ~~عاديته إلا بالفقر وآخر بالغنى. وروى أنس بن مالك في هذا المعنى التقسم ~~حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك الذين ~~لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني. وقال خباب بن الأرت: فينا نزلت: ولو بسط ~~الله الرزق الآية، لأنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ~~فتمنيناها فنزلت الآية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 28 الى 33] # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) ومن ~~آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ~~(33) # هذه تعديد نعمة الله تعالى الدالة على وحدانيته، وأنه الإله الذي يستحق ~~أن يعبد دون سواه من الأنداد. # وقرأ «ينزل» مثقلة جمهور القراء، وقرأها «ينزل» مخففة ابن وثاب والأعمش، ~~ورويت عن أبي عمرو، ورجحها أبو حاتم، وقرأ جمهور الناس: «قنطوا» بفتح ~~النون، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: بكسر النون، وقد تقدم ذكرها وهما لغتان: ~~قنط، وقنط، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: # أجدبت الأرض وقنط الناس، فقال: مطروا إذا، بمعنى أن الفرج عند الشدة، ~~واختلف المتأولون في قوله تعالى: وينشر رحمته فقالت فرقة: أراد بالرحمة ~~المطر، وعدد ms3156 النعمة بعينها بلفظتين: الثاني منهما يؤكد الأول. وقالت فرقة: ~~الرحمة في هذا الموضع الشمس، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أن المطر ~~إذا ألم بعد القنط حسن موقعه، فإذا دام سئم، فتجيء الشمس بعده عظيمة ~~الموضع. # وقوله تعالى: وهو الولي الحميد أي من هذه أفعاله فهو الذي ينفع إذا والى ~~وتحمد أفعاله ونعمه، PageV05P036 # لا كالذي لا يضر ولا ينفع من أوثانكم. ثم ذكر تعالى الآية الكبرى، الصنعة ~~الدالة على الصانع، وذلك خلق السماوات والأرض. # وقوله تعالى: وما بث فيهما يتخرج على وجوه، منها أن يريد إحداهما فيذكر ~~الاثنين كما قال: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن: 22] وذلك إنما يخرج من الملح وحده، ~~ومنها أن يكون تعالى قد خلق السماوات وبث دواب لا نعلمها نحن، ومنها أن ~~يريد الحيوانات التي توجد في السحاب، وقد يقع أحيانا كالضفادع ونحوها، فإن ~~السحاب داخل في اسم السماء. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال في تفسير: وما بث ~~فيهما من دابة هم الناس والملائكة، وبعيد غير جار على عرف اللغة أن تقع ~~الدابة على الملائكة. # وقوله تعالى: وهو على جمعهم يريد القيامة عند الحشر من القبور وقوله ~~تعالى: وما أصابكم من مصيبة قرأ جمهور القراء: «فبما» بفاء، وكذلك هي في جل ~~المصاحف. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة: «بما» دون فاء. وحكى الزجاج ~~أن أبا جعفر وحده من المدنيين أثبت الفاء. قال أبو علي الفارسي: «أصاب» ، ~~من قوله: «وما أصاب» يحتمل أن يكون في موضع جزم، وتكون ما شرطية، وعلى هذا ~~لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه، وجوز حذفها أبو الحسن الأخفش وبعض ~~البغداديين على أنها مرادة في المعنى، ويحتمل أن يكون «أصاب» صلة لما، ~~وتكون ما بمعنى الذي، وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ~~ثبوتها التلازم، أي لولا كسبكم ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنما هي بسبب ~~كسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أن يعرى ~~منه، وأما في هذه الآية فالتلازم مطرد مع الثبوت والحذف. # وأما ms3157 معنى الآية فاختلف الناس فيه، فقالت فرقة: هي إخبار من الله تعالى ~~بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما هي مجازاة من الله تعالى على ذنوب ~~المرء وخطاياه، وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا ~~اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر» ، وقال عمران بن حصين وقد سئل عن ~~مرضه إن أحبه إلي أحبه إلي الله، وهذا بما كسبت يداي، وعفو ربي كثير. وقال ~~مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت ما هذا؟ قال هذا بما كسبت ~~يدي ويعفوا عن كثير، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال الفضلاء لا يلومون ~~من أساء إليهم؟ فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم. ~~وروي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ~~أكرم من أن يثني على عبده العقوبة إذا أصابته في الدنيا بما كسبت يداه» . ~~وقال الحسن بن أبي الحسن، معنى الآية في الحدود: أي ما أصابكم من حد من ~~حدود الله، وتلك مصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه، فإنما هي بكسب أيديكم ~~ويعفوا عن كثير، فستره على العبد حتى لا يحد عليه. ثم أخبر عن قصور ابن آدم ~~وضعفه وأنه في قبضة القدرة، لا يعجز طلب ربه، ولا يمكنه الفرار منه والجوار ~~جمع جارية، وهي السفينة. # وقرأ: الجواري بالياء نافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة، ومنهم من ~~أثبتها في الوصل ووقف PageV05P037 # على الراء. وقرأ أيضا عاصم بحذف الياء في وصل ووقف. وقال أبو حاتم: نحن ~~نثبتها في كل حال. # و: «الأعلام» الجبال، ومنه قول الخنساء: [البسيط] # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # ومنه المثل: إذا قطعن علما بدا علم فجري السفن في الماء آية عظيمة، ~~وتسخير الريح لذلك نعمة منه تعالى، وهو تعالى لو شاء أن يديم سكون الريح ~~عنها لركدت أي أقامت وقرت ولم يتم ms3158 منها غرض. # وقرأ أبو عمرو وعاصم «الريح» واحدة. وقرأ: «الرياح» نافع وابن كثير ~~والحسن. # وقرأ الجمهور: «فيظللن» بفتح اللام. وقرأ قتادة: «فيظللن» بكسر اللام. # وباقي الآية فيه الموعظة وتشريف الصبار الشكور بالتخصيص، والصبر والشكر ~~فيهما الخير كله، ولا يكونان إلا في عالم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 34 الى 38] # أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما ~~لهم من محيص (35) فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير ~~وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا ~~الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) # أوبقت الرجل إذا أنشبته في أمر يهلك فيه، فالإيباق في السفن هو تغريقها، ~~والضمير في: كسبوا هو لركابها من البشر، أي بذنوب البشر. ثم ذكر تعالى ~~ثانية: ويعف عن كثير مبالغة وإيضاحا. # وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأبو جعفر وشيبة: «ويعلم» بالرفع على القطع ~~والاستئناف، وحسن ذلك إذا جاء بعد الجزاء. وقرأ الباقون والجمهور: «ويعلم» ~~بالنصب على تقدير: أن، وهذه الواو نحو التي يسميها الكوفيون واو الصرف، لأن ~~حقيقة واو الصرف هي التي يريد بها عطف فعل على اسم، فيقدر أن لتكون مع ~~الفعل بتأويل المصدر فيحسن عطفه على اسم، وذلك نحو قول الشاعر: [الطويل] ~~تقضي لبانات ويسأم سائم فكأنه أراد: وسآمة سائم، فقدر: وأن يسأم لتكون ذلك ~~بتأويل المصدر الذي هو سآمة قال أبو علي: # حسن النصب إذ كان قبله شرط وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب وقوله تعالى: ~~ما لهم من محيص هو معلموهم الذي أراد أن يعلمه المجادلون في آياته عز وجل. ~~والمحيص: المنجي وموضوع الروغان، يقال حاص إذا راغ، وفي حديث هرقل: فحاصوا ~~حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، ثم وعظ تعالى عباده PageV05P038 # وحقر عندهم أمر الدنيا وشأنها ورغبهم فيما عنده من نعيمهم والمنزلة ~~الرفيعة لديه، وعظم قدر ذلك في قوله: فما أوتيتم الآية. # وقوله: والذين يجتنبون عطف على قوله: الذين آمنوا. ms3159 وقرأ جمهور الناس: ~~«كبائر» على الجمع. قال الحسن: هي كل ما توعد فيه بالنار. وقال الضحاك: أو ~~كان فيه حد من الحدود. وقال ابن مسعود: الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس ~~ثلاثين آية. وقال علي وابن عباس: هي كل ما ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة ~~أو عذاب. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «كبير» على الإفراد الذي هو اسم الجنس. ~~وقال ابن عباس: كبير الإثم: هو الشرك. والفواحش قال السدي: الزنا. وقال ~~مقاتل: موجبات الحدود، ويحتمل أن يكون كبير اسم جنس بمعنى كبائر، فتدخل ~~موبقات السبع على ما قد تفسر من أمرها في غير هذه. # وقوله تعالى: وإذا ما غضبوا هم يغفرون حض على كسر الغضب والتدرب في ~~إطفائه، إذ هو جمهرة من جهنم وباب من أبوابها، وقال رجل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: أوصني، قال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب. قال: زدني: قال: ~~لا تغضب ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه فقد كفي هما عظيما في دنياه ~~وآخرته. # وقوله تعالى: والذين استجابوا مدح لكل من آمن بالله وقبل شرعه، ومدح ~~تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم، لأن في ذلك اجتماع الكلمة والتحاب ~~واتصال الأيدي والتعاضد على الخير، وفي الحديث: «ما تشاور قوم إلا هدوا ~~لأحسن ما بحضرتهم» . # وقوله: ومما رزقناهم ينفقون معناه في سبيل الله وبرسم الشرع وعلى حدوده، ~~وفي القوام الذي مدحه تعالى في غير هذه الآية. وقال ابن زيد قوله تعالى: ~~والذين استجابوا لربهم الآية نزلت في الأنصار، والظاهر أن الله تعالى مدح ~~كل من اتصف بهذه الصفة كائنا من كان، وهل حصل الأنصار في هذه الصفة إلا بعد ~~سبق المهاجرين لها رضي الله تعالى عن جميعهم بمنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 39 الى 41] # والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ~~ما عليهم من سبيل (41) # مدح الله تعالى في هذه الآية ms3160 قوما بالانتصار من البغي، ورجح ذلك قوم من ~~العلماء وقالوا: الانتصار بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان ~~الانتصار فقد ترك تغيير المنكر واختلف الناس في المراد بالآية بعد اتفاقهم ~~على أن من بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحاكم المسلمين، فقال ~~مقاتل: # الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص. وقالت فرقة: إنها نزلت في بغي ~~المشرك على المؤمن، فأباح الله لهم الانتصار منهم دون تعد، وجعل العفو ~~والإصلاح مقرونا بأجر، ثم نسخ ذلك بآية السيف، PageV05P039 # وقالت هذه الفرقة وهي الجمهور إن المؤمن إذا بغى على مؤمن وظلمه، فلا ~~يجوز للآخر أن ينتصف منه بنفسه ويجازيه على ظلمه، مثال ذلك: أن يخون ~~الإنسان آخر ثم يتمكن الإنسان من خيانته، فمذهب مالك رحمه الله أن لا يفعل، ~~وهو مذهب جماعة عظيمة معه، ولم يروا هذه الآية من هذا المعنى، واحتجوا بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» . ~~وهذا القول أنزه وأقرب إلى الله تعالى. وقالت طائفة من أهل العلم: هذه ~~الآية عامة في المشركين والمؤمنين، ومن بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصف ~~لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصر منه، وقالوا إن الحديث: «ولا تخن ~~من خانك» ، إنما هو في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يزني بحرمة ~~من زنا بحرمته؟ فقال له النبي عليه السلام: ذلك يريد به الزنا، وكذلك ورد ~~الحديث في معنى الزنا، ذكر ذلك الرواة، أما أن عمومه ينسحب في كل شيء. # وقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة قال الزجاج: سمى العقوبة باسم الذنب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا إذا أخذنا السيئة في حق الله تعالى بمعنى ~~المعصية، وذلك أن المجازاة من الله تعالى ليست سيئة إلا بأن سميت باسم ~~موجبتها، وأما إن أخذنا السيئة بمعنى المعصية في حق البشر، أي يسوء هذا هذا ~~ويسوء الآخر، فلسنا نحتاج إلى أن نقول سمى العقوبة باسم الذنب، بل الفعل ~~الأول والآخر سيئة وقال ms3161 ابن أبي نجيح والسدي معنى الآية: أن الرجل إذا شتم ~~بشتمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى. قال الحسن بن أبي الحسن: ما لم ~~يكن حدا أو عوراء جدا واللام في قوله: لمن انتصر لام التقاء القسم. # وقوله: من سبيل يريد من سبيل حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في إباحة ~~الانتصار، والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك، أو بين المؤمنين على ما ~~تقدم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 42 الى 45] # إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم ~~عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) ومن يضلل الله ~~فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من ~~سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال ~~الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم (45) # المعنى إنما سبيل الحكم والإثم على الذين يظلمون الناس، أي الذين يضعون ~~الأشياء غير مواضعها من القتل وأخذ المال والأذى باليد وباللسان. والبغي ~~بغير الحق وهو نوع من أنواع الظلم، خصه بالذكر تنبيها على شدته وسوء حال ~~صاحبه، ثم توعدهم تعالى بالعذاب الأليم في الآخرة. PageV05P040 # وقوله تعالى: إنما السبيل. وقوله: أليم اعتراض بين الكلامين، ثم عاد في ~~قوله: ولمن صبر إلى الكلام الأول، كأنه قال: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل ولمن صبر وغفر. # واللام في قوله: ولمن صبر يصح أن تكون لام القسم، ويصح أن تكون لام ~~الابتداء. و «من» ابتداء. # وخبره في قوله: إن ذلك. و: عزم الأمور محكها ومتقنها والحميد العاقبة ~~منها. ومن رأى أن هذه الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الضمير ~~للمشركين كان أفضل، قال إن الآية نسخت بآية السيف، ومن رأى أن الآية إنما ~~هي بين المؤمنين، قال هي محكمة، والصبر والغفران أفضل إجماعا، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة ms3162 نادى مناد، من كان له على ~~الله أجر فليقم، فيقوم عنق من الناس كثير، فيقال ما أجركم؟ فيقولون: نحن ~~الذين عفونا ظلمنا في الدنيا» . # وقوله تعالى: ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده تحقير لأمر الكفرة فلا ~~يبال بهم أحد من المؤمنين، فقد أضارهم كفرهم وإضلال الله إياهم إلى ما لا ~~فلاح لهم معه. ثم وصف تعالى لنبيه عليه السلام حالهم في القيامة عند رؤيتهم ~~العذاب فاجتزى من صفتهم وصفة حالتهم بأنهم يقولون هل إلى مرد من سبيل، وهذه ~~المقالة تدل على سوء ما أطلعوا عليه، والمراد موضوع الرد إلى الدنيا، ~~والمعنى الذي قصدوه أن يكون رد فيكون منهم استدراك للعمل والإيمان. والرؤية ~~في هذه الآية: رؤية عين. # والضمير في قوله: عليها عائد على النار، وعاد الضمير مع أنها لم يتقدم ~~لها ذكر من حيث دل عليها قوله: رأوا العذاب وقوله: من الذل يحتمل أن يتعلق ~~ب خاشعين ويحتمل أن يتعلق بما بعده من قوله: ينظرون. # وقرأ طلحة بن مصرف: «من الذل» بكسر الذال. # والخشوع: الاستكانة، وقد يكون محمودا، وما يخرجه إلى حالة الذم قوله: من ~~الذل فيقوى على هذا تعلق: من ب: خاشعين. # وقوله: من طرف خفي يحتمل ثلاثة معان. قال ابن عباس: خفي ذليل. # قال القاضي أبو محمد: لما كان نظرهم ضعيفا ولحظهم بمهانة وصفه بالخفاء، ~~ومن هذا المعنى قول الشاعر [جرير بن عطية] : # فغض الطرف إنك من نمير وقال قوم فيما حكى الطبري: لما كانوا يحشرون عميا ~~وكان نظرهم بعيون قلوبهم جعله طرفا خفيا، أي لا يبدو نظرهم، وفي هذا ~~التأويل تكلف. وقال قتادة والسدي: المعنى يسارقون النظر لما كانوا من الهم ~~وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين، وإنما ينظرون من بعضها. قال: من ~~طرف خفي أي قليل. ف «الطرف» هنا على هذا التأويل يحتمل أن يكون مصدرا، أي ~~يطرف طرفا خفيا. وقول: الذين آمنوا هو في يوم القيامة عند ما عاينوا حال ~~الكفار وسوء منقلبهم. وخسران الأهلين: يحتمل أن يراد به أهلوهم الذين ms3163 كانوا ~~في الدنيا، ويحتمل أن يراد به أهلوهم الذين كانوا يكونون لهم في الجنة أن ~~لو دخلوها. PageV05P041 # وقوله تعالى: ألا إن الظالمين في عذاب مقيم يحتمل أن يكون من قول ~~المؤمنين يومئذ حكاه الله عنهم، ويحتمل أن يكون استئنافا من قول الله تعالى ~~وإخباره لمحمد عليه السلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 46 الى 48] # وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من ~~سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ~~ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن ~~عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة ~~بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) # قوله تعالى: وما كان لهم من أولياء إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر ~~الكفار ولايتها واعتقدت ذلك دينا، المعنى: فما بالهم يوالون هذه التي لا ~~تضر ولا تنفع، ولكن من يضلل الله فما له من سبيل هدى ونجاة، ثم أمر تعالى ~~نبيه أن يأمرهم بالاستجابة لدعوة الله وشريعته، وحذرهم إتيان يوم القيامة ~~الذي لا يرد أحد بعده إلى عمل، والذي لا ملجأ ولا منجا لأحد فيه إلا إلى ~~العلم بالله تعالى والعمل الصالح في الدنيا، فأخبرهم أنه لا ملجأ لهم ولا ~~نكير. والنكير مصدر بمعنى الإنكار وهو بمنزلة عديد الحي ونحوه من المصادر، ~~ويحتمل أن يكون من أبنية اسم الفاعل من نكر، وإن كان المعنى يبعد به، لأن ~~نكر إنما معناه لم يميز وظن الأمر غير ما عهده. # وقوله تعالى: فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا تأنيس لمحمد عليه ~~السلام وإزالة لهمه بهم، وأعلمه أنه ليس عليه إلا البلاغ وتوصيل الحجة، ثم ~~جاءت عبارة في باقي الآية هي بمنزلة ما يقول، والقوم قوم عتو وتناقض أخلاق ~~واضطراب، إذا أذيقوا رحمة فرحوا بها وبطروا، وإن أصابت سيئة أي مصيبة ~~تسوءهم في أجسامهم أي في نفوسهم، وذلك بذنوبهم وقبيح فعلهم فإنهم كفر عند ms3164 ~~ذلك غير صبر. وعبر ب الإنسان الذي هو اسم عام ليدخل في الآية والمذمة جميع ~~الكفرة من المجاورين يومئذ ومن غيرهم، وجمع الضمير في قوله: تصبهم وهو عائد ~~على لفظ الإنسان من حيث هو اسم جنس يعم كثيرا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشورى (42) : الآيات 49 الى 53] # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير ~~(50) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) PageV05P042 # الآية الأولى آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع، وأن ~~مشيئته تبارك وتعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم ~~فيه، فإن الذي يخلق ما يشاء ويخترع، فإنما هو الله تبارك وتعالى، وهو الذي ~~يقسم الخلق فيهب الإناث لمن يشاء، أي يجعل بنيه نساء، ويهب الذكور لمن يشاء ~~على هذا الحد، أو ينوعهم مرة يهب ذكرا ويهب أنثى، وذلك معنى قوله تعالى: أو ~~يزوجهم. # وقال محمد بن الحنفية: يريد بقوله تعالى: أو يزوجهم التوأم، أي يجعل في ~~بطن زوجا من الذرية ذكرا وأنثى. والعقيم: الذي لا يولد له، وهذا كله مدبر ~~بالعلم والقدرة، وهذه الآية تقضي بفساد وجود الخنثى المشكل. وبدئ في هذه ~~الآية بذكر الإناث تأنيسا بهن وتشريفا لهن ليتهمم بصونهن والإحسان إليهن، ~~وقال النبي عليه السلام: «من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ~~حجابا من النار» . # وقال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن ~~الله تعالى بدأ بالإناث، حكاه الثعلبي. وقال إسحاق بن بشر: نزلت هذه الآية ~~في الأنبياء ثم ms3165 عمت، فلوط أبو البنات لم يولد له ذكر، وإبراهيم ضده، ومحمد ~~عليه السلام ولد له الصنفان، ويحيى بن زكرياء عقيم. # وقوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار ~~في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك، ذهبت قريش واليهود في ذلك إلى تجسيم ~~ونحوه، فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو، فبين الله أنه لا ~~يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله إلا بأن ~~يوحي إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام. قال مجاهد، والنفث في القلب. وقال ~~النقاش: أو وحي في منام؟ قال إبراهيم النخعي: كان من الأنبياء من يخط له في ~~الأرض ونحو هذا، أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزا ~~كموسى عليه السلام، وهذا معنى: من وراء حجاب أي من خفاء عن المتكلم لا يحده ~~ولا يتصور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في الشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكا ~~يشافهه بوحي الله تعالى. وقرأ جمهور القراء والناس: «أو يرسل» بالنصب ~~«فيوحي» بالنصب أيضا. وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة: «أو يرسل» بالرفع ~~«فيوحي» بسكون الياء ورفع الفعل. فأما القراءة الأولى فقال سيبويه: سألت ~~الخليل عنها فقال: هي محمولة على أن غير التي في قوله: أن يكلمه الله لأن ~~المعنى كان يفسد لو عطف على هذه، وإنما التقدير في قوله: وحيا إلا أن يوحي ~~وحيا. # وقوله: من وراء حجاب، من متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره: أو ~~يكلمه من وراء حجاب، ثم عطف: «أو يرسل» على هذا الفعل المقدر. # وأما القراءة الثانية فعلى أن «يرسل» في موضع الحال أو على القطع، كأنه ~~قال: أو هو يرسل، وكذلك يكون قوله: إلا وحيا مصدر في موضع الحال، كما تقول: ~~أتيتك ركضا وعدوا، وكذلك قوله: # من وراء حجاب في موضع الحال كما هو قوله: ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن ~~الصالحين [آل PageV05P043 # عمران: 46] في موضع الحال، فكذلك من [آل عمران: 46] وما عملت فيه هذه ms3166 ~~الآية أيضا، ثم عطف قوله: «أو يرسل» على هذه الحال المتقدمة. وفي هذه الآية ~~دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم، وأن الحالف المرسل حانث إذا حلف أن ~~لا يكلم إنسانا فأرسل إليه وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه. # وقوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا ~~إليك أو بالرسل. والروح في هذه الآية: القرآن وهدى الشريعة سماه روحا من ~~حيث يحيي به البشر والعالم، كما يحيي الجسد بالروح، فهذا على جهة التشبيه. # وقوله تعالى: من أمرنا أي واحد من أمورنا، ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى ~~الكلام، ومن لابتداء الغاية. # وقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان توقيف على مقدار النعمة. ~~والضمير في: # جعلناه عائد على الكتاب، و. يهدي بمعنى يرشد. # وقرأ جمهور الناس: «وإنك لتهدي» بفتح التاء وكسر الدال. وقرأ حوشب: ~~«تهدى» بضم التاء وفتح الدال على بناء الفعل للمفعول، وفي حرف أبي: «لتدعو» ~~، وهي تعضد قراءة الجمهور. وقرأ ابن السميفع وعاصم والجحدري: «لتهدي» بضم ~~التاء وكسر الدال.. # وقوله: صراط الله يعني صراط شرع الله ورحمته وجنته، فبهذا الوجه ونحوه من ~~التقدير أضيف الصراط إلى الله تعالى. واستفتح القول في الإخبار بصيرورة ~~الأمور إلى الله تعالى مبالغة وتحقيقا وتثبيتا، والأمور صائرة على الدوام ~~إلى الله تعالى، ولكن جاءت هذه العبارة مستقبلة تقريبا لمن في ذهنه أن شيئا ~~من الأمور إلى البشر. وقال سهيل بن أبي الجعد: احترق مصحف فلم يبق منه إلا ~~قوله: ألا إلى الله تصير الأمور. PageV05P044 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزخرف # هذه السورة مكية بإجماع من أهل العلم. # قوله عز وجل: ### || سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) وإنه ~~في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم ~~بطشا ومضى مثل الأولين (8) ولئن سألتهم من خلق السماوات ms3167 والأرض ليقولن ~~خلقهن العزيز العليم (9) # تقدم القول في الحروف في أوائل السور. # وقوله: والكتاب خفض بواو القسم. و: المبين يحتمل أن يكون من أبان الذي هو ~~بمعنى بان، أي ظهر، فلا يحتاج إلى مفعول، ويحتمل أن يكون معدى من بان، فهذا ~~لا بد من مفعول تقديره: # المبين الهدى أو الشرع ونحوه. # وقوله تعالى: إنا جعلناه معناه: سميناه وصيرناه، وهو إخبار عليه وقع ~~القسم، والضمير في: # جعلناه عائد على: الكتاب، و: عربيا معناه: بلسانكم لئلا يبقى لكم عذر. # وقوله: لعلكم تعقلون ترج بحسب معتقد البشر، أي إذا أبصر المبصر من البشر ~~هذا الفعل منا ترجى منه أن يعقل الكلام ويفهم. # وقوله تعالى: وإنه عطف على قوله: إنا جعلناه وهذا الإخبار الثاني واقع ~~أيضا تحت القسم. # و: أم الكتاب اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريف للقرآن وترفيع. # واختلف المتأولون كيف هو في أم الكتاب، فقال عكرمة وقتادة والسدي وعطية ~~بن سعيد: القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل عليه السلام ينزل، ~~وهنالك هو علي حكيم. وقال جمهور الناس: إنما في اللوح المحفوظ ذكره ودرجته ~~ومكانته من العلو والحكمة. PageV05P045 # وقرأ جمهور الناس: «في أم» بضم الهمزة، وقرأها بكسر الهمزة يوسف والي ~~العراق وعيسى بن عمر. # وقوله: أفنضرب بمعنى: أفنترك، تقول العرب أضربت عن كذا وضربت إذا أعرضت ~~وتركته. # و: الذكر هنا الدعاء إلى الله والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه، وقال ~~أبو صالح: الذكر هنا هو العذاب نفسه، وقال الضحاك ومجاهد: الذكر القرآن. # وقوله تعالى: صفحا انتصابه كانتصاب صنع الله [النمل: 88] ، فيحتمل أن ~~يكون بمعنى العفو والغفر للذنب، فكأنه يقول: أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا ~~عنكم وغفرا لإجرامكم إذ كنتم أو من أجل أن كنتم قوما مسرفين، أي هذا لا ~~يصلح، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، ويحتمل قوله: صفحا أن يكون بمعنى مغفولا ~~عنه، أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبر ولا تنبهون عليه، وهذا ~~المعنى نظير قول الشاعر: [الطويل] # تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي إن يهب هبوبها # أي تمر مغفولا عنها، ms3168 فكأن هذا المعنى: أفنترككم سدى، وهذا هو منحى قتادة ~~وغيره، ومن اللفظة قول كثير: [الطويل] # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت # وقرأ السميط بن عمرو السدوسي: «صفحا» بضم الصاد. وقرأ نافع وحمزة ~~والكسائي: «إن كنتم» بكسر الألف، وهو جزاء دل ما تقدم على جوابه. وقرأ ~~الباقون والأعرج وقتادة: «أن كنتم» بفتح الألف. # بمعنى من أجل أن، وفي قراءة ابن مسعود: «إذ كنتم» . والإسراف في الآية: ~~هو الكفر والضلال البعيد في عبادة غير الله عز وجل والتشريك به. # وقوله تعالى: وكم أرسلنا من نبي في الأولين الآيات تسلية لمحمد عليه ~~السلام، وذكر إسوة له ووعيد لهم وتهديد بأن يصيبهم ما أصاب من هو أشد بطشا. ~~والأولون: هم الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير في قوله: ~~كانوا يستهزؤن ظاهره العموم والمراد به الخصوص فيمن استهزأ، وإلا فقد كان ~~في الأولين من لم يستهزئ، والضمير في: منهم عائد على قريش. # وقوله تعالى: ومضى مثل الأولين أي سلف أمرهم وسنتهم، وصاروا عبرة عابر ~~الدهر. # وقوله تعالى: ولئن سألتهم الآية ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم ~~التناقض في أمرهم، وذلك أنهم يقرون أن الخالق الموجد لهم وللسماوات والأرض ~~هو الله تعالى، وهم مع ذلك يعبدون أصناما ويدعونها آلهتهم، ومقتضى جواب ~~قريش أن يقولوا «خلقهن الله» فلما ذكر تعالى المعنى جاءت العبارة عن الله ب ~~العزيز العليم ليكون ذلك توطئة لما عدد بعد من أوصافه التي ابتدأ الإخبار ~~بها وقطعها من الكلام الذي حكى معناه عن قريش. PageV05P046 # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 10 الى 14] # الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) والذي نزل ~~من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي خلق ~~الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ~~ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) # هذه أوصاف فعل، وهي نعم ms3169 من الله تعالى على البشر، تقوم بها الحجة على كل ~~كافر مشرك بالله تعالى. # وقوله: الذي جعل لكم ليس من قول المسئولين، بل هو ابتداء إخبار من الله ~~تعالى. # وقرأ جمهور الناس: «مهادا» وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش: «مهدا» ، ~~والمعنى واحد، أي يتمهد ويتصرف فيها. # والسبل: الطرق. و: تهتدون معناه في المقاصد من بلد إلى بلد ومن قطر إلى ~~قطر، ويحتمل أن يريد: تهتدون بالنظر والاعتبار. # وقوله تعالى: من السماء هو المطر بإجماع، واختلف المتأولون في معنى قوله: ~~بقدر فقالت فرقة معناه: بقضاء وحتم في الأزل. وقال آخرون المعنى: بقدر في ~~الكفاية للصلاح لا إكثار فيفسد ولا قلة فيقصر، بل غيثا مغيثا سبيلا نافعا. ~~وقالت فرقة معناه: بتقدير وتحرير، أي قدرا معلوما، ثم اختلف قائلو هذه ~~المقالة، فقال بعضهم: ينزل كل عام ماء قدرا واحدا لا يفضل عام عاما، لكن ~~يكثر مرة هنا ومرة هاهنا. وقالت فرقة: بل ينزل الله تقديرا ما في عام، ~~وينزل في آخر تقديرا آخر بحسب ما سبق به قضاؤه، لا إله غيره. و: «أنشرنا» ~~معناه: أحيينا، يقال: نشر الميت، وأنشره الله. و: بلدة اسم جنس، ووصفها ب ~~ميتا دون ضمير من حيث هي واقعة موقع قطر ونحوه، إذ التأنيث فيها غير حقيقي. # وقرأ الجمهور: «ميتا» بسكون الياء. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «ميتا» ~~بياء مكسورة مشددة، وهي قراءة عيسى بن عمر، والأول أرجح لشبه لفظها: بزور، ~~وعدل، فحسن وصف المؤنث بها. # وقرأ أكثر السبعة والأعرج وأبو جعفر: «كذلك تخرجون» بضم التاء وفتح ~~الراء. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وعبد الله بن جبير المصيح: «وكذلك ~~تخرجون» بفتح التاء وضم الراء. # و: الأزواج الأنواع من كل شيء، ومن في قوله: من الفلك للتبعيض، وذلك أنه ~~لا يركب من الأنعام غير الإبل، وتدخل الخيل والبغال والحمير فيما يركب ~~بالمعنى. واللام في قوله: # لتستووا لام الأمر، ويحتمل أن تكون لام كي، وما في قوله: ما تركبون واقعة ~~على النوع PageV05P047 # المركوب، والضمير في: ظهوره عائد على النوع الذي وقعت عليه ms3170 ما. # وقد بينت آية ما يقال عند ركوب الفلك، وهو: بسم الله مجراها ومرساها، إن ~~ربي لغفور رحيم [هود: 41] وإنما هذه خاصة فيما يركب من الحيوان، ويقال (-) ~~عند النزول منها: اللهم أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين. والسنة ~~للراكب إذا ركب أن يقول: الحمد لله على نعمة الإسلام، أو على النعمة بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، أو على النعمة في كل حال، وقد روي هذا اللفظ عن علي بن ~~أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سبحان الذي الآية، وركب أبو ~~مجلز لا حق بن حميد وقال: «سبحان الله» الآية، ولم يذكر نعمة، وسمعه الحسن ~~بن علي رضي الله عنهما فقال: ما هكذا أمرتم، قال أبو مجلز، فقلت له: كيف ~~أقول؟ قال: قل الحمد لله الذي هدانا للإسلام، أو نحو هذا، ثم تقول بعد ذلك: ~~سبحان الذي الآية، وكان طاوس إذا ركب قال: اللهم هذا من منك وفضلك، ثم ~~يقول: سبحان الذي الآية، وإن قدرنا أن ذكر النعمة هو بالقلب والتذكير بدأ ~~الراكب: ب سبحان الذي سخر، وهو يرى نعمة الله في ذلك وفي سواه. والمقرن: ~~الغالب الضابط المستولي على الأمر المطيق له. وروي أن بعض الأعراب ركب جملا ~~فقيل له قل: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين فقال: أما والله إني ~~لمقرن تياه، فضرب به الجمل فوقصه فقتله. # وقوله: وإنا إلى ربنا لمنقلبون أمر بالإقرار بالبعث وترداد القول به، ~~وذلك داعية إلى استشعار النظر فيه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الإنسان إذا ركب ولم يقل هذه الآية جاءه الشيطان فقال: «تغنه، فإن كان يحسن ~~غنى، وإلا قال له تمنه، فيتمنى الأباطيل ويقطع زمنه بذلك» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 15 الى 19] # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) ~~وجعلوا ms3171 الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون (19) # الضمير في: جعلوا لكفار قريش والعرب، والضمير في: له لله تعالى. والجزء: ~~القطع من الشيء، وهو بعض الكل، فكأنهم جعلوا جزءا من عباده نصيبا له وحظا، ~~وذلك في قول كثير من المتأولين قول العرب: الملائكة بنات الله، وقال بعض ~~أهل اللغة الجزء: الإناث، يقال أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى، ومنه قول ~~الشاعر: [البسيط] # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب ... قد تجزئ المرأة المذكار أحيانا # وقد قيل في هذا البيت إنه بيت موضوع. وقال قتادة: المراد بالجزء: الأصنام ~~وفرعون وغيره ممن عبد PageV05P048 # من دون الله، أي جزءا ندا، فعلى هذا التأويل فتعقيب الكفرة في فصلين في ~~أمر الأصنام وفي أمر الملائكة، وعلى هذا التأويل الأول فالآية كلها في أمر ~~الملائكة. # وقوله تعالى: إن الإنسان لكفور أي بلفظ الجنس العام، والمراد بعض ~~الإنسان، وهو هؤلاء الجاعلون ومن أشبههم. و: مبين في هذا الموضع غير متعد. # وقوله تعالى: أم اتخذ إضراب وتقرير، وهذه حجة بالغة عليهم. إذ المحمود من ~~الأولاد والمحبوب قد خوله الله بني آدم، فكيف يتخذ هو لنفسه النصيب الأدنى. ~~وأصفاكم معناه: خصكم وجعل ذلك صفوة لكم، ثم قامت الحجة عليهم في هذا المعنى ~~وبانت بقوله تعالى: وإذا بشر الآية. # ومسودا خبر: ظل. والكظيم: الممتلئ غيظا الذي قد رد غيظه إلى جوفه، فهو ~~يتجرعه ويروم رده، وهذا محسوس عند الغيظ، ثم زاد توبيخهم وإفساد رأيهم ~~بقوله: أومن ينشؤا. و: من في موضع نصب بفعل يدل عليه: جعلوا كأنه قال: أومن ~~ينشأ في الحيلة وهو الذي خصصتم به الله ونحو هذا، والمراد به: من النساء، ~~قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، و: ينشؤا معناه: ينبت ويكبر. # وقرأ جمهور القراء: «ينشأ» بفتح الياء. وقرأ ابن عباس وقتادة: «ينشئ» بضم ~~الياء على تعدية الفعل بالهمزة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ~~«ينشأ» بضم الياء وفتح الشين على تعدية الفعل بالتضعيف، وهي قراءة ابن عباس ~~أيضا والحسن ومجاهد، وفي مصحف ابن مسعود: «أو ms3172 من لا ينشأ إلا في الحلية» . # و: الحلية الحلي من الذهب والفضة والأحجار. و: الخصام المحاجة ومجاذبة ~~المحاورة، وقل ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن ~~مسعود: «وهو في الكلام غير مبين» . # و: مبين في هذه الآية متعد، والتقدير غير مبين غرضا أو منزعا ونحو هذا. ~~وقال ابن زيد: المراد ب: من ينشؤا في الحلية الآية: الأصنام والأوثان، ~~لأنهم كانوا يتخذون كثيرا منها من الذهب والفضة، وكانوا يجعلون الحلي على ~~كثير منها. # ولما فرغ تعنيفهم على ما أتوا في جهة الله تعالى بقولهم: الملائكة بنات ~~الله، بين تعالى فسادا في مقالتهم بعينها من جهة أخرى من الفساد، وذلك شنيع ~~قولهم في عباد الله مختصين مقربين أنهم إناث. # وقرأ أكثر السبعة وابن عباس وابن مسعود وابن جبير وعلقمة: «عباد الرحمن ~~إناثا» . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر ~~والأعرج وشيبة وقتادة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عند الرحمن إناثا» ~~وهذه القراءة أدل على رفع المنزلة وقربها في التكرمة كما قيل: ملك مقرب، ~~وقد يتصرف المعنيان في كتاب الله تعالى في وصف الملائكة في غير هذه الآية ~~فقال تعالى: بل عباد مكرمون [الأنبياء: 26] ، وقال تعالى في أخرى: فالذين ~~عند ربك [فصلت: 38] ، وفي مصحف ابن مسعود: # «وجعلوا الملائكة عبد الرحمن إناثا» . # وقرأ نافع وحده «أأشهدوا» بالهمزتين وبلا مد بينهما، وبفتح الأولى وضم ~~الثانية وتسهيلها بين الهمزة PageV05P049 # والواو، ورواها المفضل عن عاصم بتحقيق الهمزتين. وقرأ المسيبي عن نافع ~~بمد بين الهمزتين. وقرأ أبو عمرو ونافع أيضا وعلي بن أبي طالب وابن عباس ~~ومجاهد: «أ. شهدوا» بتسهيل الثانية بلا مد. وقرأ جماعة من القراء بالتسهيل ~~في الثانية ومدة بينهما. وقرأ آخرون: «أشهدوا» بهمزة واحدة بغير استفهام، ~~وهي قراءة الزهري، وهي صفة لإناث، أي مشهدا خلقهم. # ومعنى الآية: التوبيخ وإظهار فساد عقولهم، وادعائهم وأنها مجردة من ~~الحجة، وهذا نظير الآية الرادة على المنجمين وأهل الطبائع، وهي قوله تعالى: ~~ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم [الكهف: ms3173 51] الآية. # وقرأ جمهور الناس: «ستكتب شهادتهم» برفع الشهادة وبناء الفعل للمفعول. ~~وقرأ الأعرج وابن عباس وأبو جعفر وأبو حيوة: «سنكتب» بنون الجمع «شهادتهم» ~~بالنصب. وقرأت فرقة: «سيكتب» بالياء على معنى: سيكتب الله «شهادتهم» ~~بالنصب. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «ستكتب شهاداتهم» على بناء الفعل للمفعول ~~وجمع الشهادات. # وفي قوله تعالى: ويسئلون وعيد مفصح. و: أشهدوا في هذه الآية معناه: ~~أحضروا وليس ذلك من شهادة تحمل المعاني التي تطلب أن تؤدى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 20 الى 25] # وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ~~(20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون (23) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون (24) # فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) # ذكر الله تعالى احتجاج الكفار لمذهبهم ليبين فساد منزعهم، وذلك أنهم ~~جعلوا إمهال الله لهم وإنعامه عليهم وهم يعبدون الأصنام، دليلا على أنه ~~يرضى عبادة الأصنام دينا، وأن ذلك كالأمر به، فنفى الله عن الكفرة أن يكون ~~لهم علم بهذا وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك، وإنما هم يظنون ويخرصون ~~ويخمنون، وهذا هو الخرص والتخرص. # وقرأ جمهور الناس: «على أمة» بضم الهمزة، وهي بمعنى الملة والديانة، ~~والآية على هذا تعيب عليهم التقليد. وقرأ مجاهد والعبدري وعمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه: «على إمة» بكسر الهمزة وهي بمعنى النعمة، ومنه قول ~~الأعشى: # ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بإمته يعطي القطوط ويافق PageV05P050 # ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف] # ثم بعد الفلاح والملك والإم ... ة وارتهم هناك القبور # فالآية على هذا استمرار في احتجاجهم، لأنهم يقولون: وجدنا آباءنا في نعمة ~~من الله وهم يعبدون الأصنام، فذلك دليل رضاه عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك ~~على آثارهم. وذكر الطبري ms3174 عن قوم: # أن الأمة الطريقة، مصدر من قولك: أممت كذا أمة ثم ضرب تعالى المثل لنبيه ~~محمد عليه السلام وجعل له الإسوة فيمن مضى من النذر والرسل، وذلك أن ~~المترفين من قومهم وهم أهل التنعم والمال قد قابلوهم بمثل هذه المقالة. # وقرأ جمهور القراء: «قل أو لو» والمعنى: فقلنا للنذير قل. وقرأ ابن عامر ~~وحفص عن عاصم: «قال أو لو» ، ففي «قال» ضمير بعود على النذير. وباقي الآية ~~يدل على أن: «قل» في قراءة من قرأها ليست بأمر لمحمد عليه السلام، وإنما هي ~~حكاية لما أمر به النذير. # وقوله تعالى: أولو هي ألف الاستفهام دخلت على واو عطف جملة كلام على جملة ~~متقدمة، ولو في هذا الموضع كأنها شرطية بمعنى أن، كأن معنى الآية: وإن ~~جئتكم بأبين وأوضح مما كان آباؤكم عليه فيصح لجاجكم وتقليدكم، فأجاب الكفار ~~حينئذ لرسلهم: إنا بما أرسلتم به كافرون. # وفي قوله تعالى: فانتقمنا منهم الآية وعيد لقريش وضرب مثل بمن سلف من ~~الأمم المعذبة المكذبة بأنبيائها كما كذبت هي بمحمد عليه السلام. # وقرأ جمهور الناس: «أو لو جئتكم» وقرأ أبو جعفر وأبو شيخ وخالد: «أو لو ~~جئناكم» . وقرأ الأعمش: # «أو لو أتيتم» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 26 الى 30] # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) بل متعت ~~هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا ~~سحر وإنا به كافرون (30) # المعنى: واذكر إذا قال إبراهيم، ولما ضرب تعالى المثل لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم بالنذر وجعلهم إسوة له، خص إبراهيم بالذكر لعظم منزلته، وذكر ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بمنابذة إبراهيم عليه السلام لقومه، أي فافعل أنت ~~فعله وتجلد جلده. و: براء صفة تجري على الواحد والاثنين والجميع كعدل وزور. # وقرأ جمهور الناس: «براء» بفتح الباء. وقرأت فرقة: «براء» بضم الباء. وفي ~~مصحف عبد الله وقراءة الأعمش: «إني» بنون واحدة «برىء» قال الفراء: ومن ~~الناس ms3175 من يكتب شكل الهمزة المخففة ألفا في كل PageV05P051 # موضع، ولا يراعي حركة ما قبلها، قال: فربما كان خط مصحف عبد الله بألف ~~كما في مصحف الجماعة، لكن كان يلفظ بها: «برىء» بكسر الراء. # وقوله: إلا الذي فطرني قالت فرقة: الاستثناء متصل، وكانوا يعرفون الله ~~ويعظمونه، إلا أنهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأن إبراهيم قال لهم: أنا ~~لا أوافقكم إلا على عبادة الله الفاطر. وقالت فرقة: # الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن الذي فطرني معبودي، وعلى هذا فلم يكونوا ~~يعبدون الله إلا قليلا ولا كثيرا، وعلل إبراهيم لقومه عبادته بأنه الهادي ~~المنجي من العذاب، وفي هذا استدعاء لهم وترغيب في الله وتطميع برحمته، ~~والضمير في قوله: وجعلها كلمة قالت فرقة: ذلك عائد على كلمته بالتوحيد في ~~قوله: # إنني براء وقال مجاهد وقتادة والسدي، ذلك مراد به: لا إله إلا الله، وعاد ~~الضمير عليها وإن كانت لم يجر لها ذكر، لأن اللفظ يتضمنها. وقال ابن زيد: ~~المراد بذلك: الإسلام ولفظته، وذلك قوله عليه السلام: # ومن ذريتنا أمة مسلمة لك [البقرة: 128] وقوله: إذ قال له ربه أسلم، قال ~~أسلمت لرب العالمين [البقرة: 131] وقول الله تعالى هو سماكم المسلمين من ~~قبل [الحج: 78] . والعقب: الذرية وولد الولد ما امتد فرعهم. # قوله عز وجل: بل متعت الآية، كلام متصل بما قبله، لأنه لما قال في عقبه، ~~وكانت قريش من عقبه، اقتضى الكلام أن يقدر فيه لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت ~~الكلمة فيهم بل متعتهم. والمعنى في الآية: # بل أمهلت هؤلاء ومتعتهم بالنعمة مع كفرهم حتى جاءهم الحق والرسول، وذلك ~~هو شرع الإسلام. # والرسول: محمد عليه السلام. # و: «متعت» بضم التاء هي قراءة الجمهور. وقرأ قتادة: «متعت» بفتح التاء ~~الأخيرة على معنى: قل يا رب متعت، ورواها يعقوب عن نافع. وقرأ الأعمش: «بل ~~متعنا» ، وهي تعضد قراءة الجمهور. # و: مبين في هذه الآية يحتمل التعدي وترك التعدي. # ثم أخبر تعالى عنهم على جهة التقريع بأنهم قالوا للقرآن: هذا سحر وأنهم ~~كفروا به، وإنما جعلوه بزعمهم سحرا من حيث كان ms3176 عندهم يفرق بين المرء وولده ~~وزوجه، فجعلوه لذلك كالسحر، ولم ينظروا إلى الفرق في أن المفارق بالقرآن ~~يفارق عن بصيرة في الدين، والمفارق بالسحر يفارق عن خلل في ذهنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 31 الى 35] # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون ~~رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما ~~متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) PageV05P052 # الضمير في: قالوا لقريش، وذلك أنهم استبعدوا أولا أن يرسل الله بشرا، ~~فلما تقرر أمر موسى وعيسى وإبراهيم ولم يكن لهم في ذلك مدفع، رجعوا يناقضون ~~فيما يخض محمدا عليه السلام بعينه، فقالوا: لم كان محمد ولم يكن نزول الشرع ~~على رجل من إحدى الفرقتين عظيم، وقدر المبرد قولهم على رجل من رجلين من ~~القريتين، والقريتان: مكة والطائف، ورجل مكة الذي أشاروا إليه: قال ابن ~~عباس وقتادة هو: الوليد بن المغيرة المخزومي. وقال مجاهد هو: عتبة بن ~~ربيعة. وقال قتادة: بلغنا أنه لم يبق فخذ من قريش إلا ادعاه. ورجل الطائف ~~قال قتادة هو: عروة بن مسعود. وقال ابن عباس: حبيب بن عبد بن عمير. وقال ~~مجاهد: كنانة بن عبد ياليل. # قال القاضي أبو محمد: وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن والقدم، وإلا ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حينئذ أعظم من هؤلاء، لكن لما عظم أولئك ~~قبل مدة النبي وفي صباه استمر ذلك لهم. # ثم وقف على جهة التوبيخ لهم بقوله: أهم يقسمون رحمت ربك المعنى على ~~اختيارهم وإرادتهم تنقسم الفضائل والمكانة عند الله. والرحمة: اسم يعم جميع ~~هذا. ثم أخبر تعالى خبرا جازما بأنه قاسم المعايش والدرجات في الدنيا ليسخر ~~بعض الناس بعضا، المعنى: فإذا كان اهتمامنا بهم أن ms3177 نقسم هذا الحقير الفاني، ~~فأحرى أن نقسم الأهم الخطير. # وفي قوله تعالى: نحن قسمنا بينهم معيشتهم تزهيد في السعايات، وعون على ~~التوكل على الله تعالى، ولله در القائل: [الرجز] لما أتى نحن قسمنا بينهم ~~زال المرا وقرأ الجمهور: «معيشتهم» . وقرأ ابن مسعود والأعمش: «معائشهم» . # وقرأ جمهور الناس «سخريا» بضم السين. وقرأ أبو رجاء وابن محيصن: «سخريا» ~~بكسر السين، وهما لغتان في معنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه ~~الآية. # وقوله تعالى: ورحمت ربك خير مما يجمعون قال قتادة والسدي: يعني الجنة. # قال القاضي أبو محمد: لا شك أن الجنة هي الغاية، ورحمة الله في الدنيا ~~بالهداية، والإيمان خير من كل مال، وهذا اللفظ تحقير للدنيا، ثم استمر ~~القول في تحقيرها بقوله: ولولا أن يكون الناس الآية، وذلك أن معنى الآية: ~~أن الله تعالى أبقى على عبيده وأنعم بمراعاة بقاء الخير والإيمان وشاء حفظه ~~على طائفة منهم بقية الدهر، ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم وأهل حب ~~في الدنيا وتجرد لها لوسع على الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا، إذ ~~حقارتهم عنده تقتضي ذلك، لأنها لا قدر لها ولا وزن لفنائها وذهاب رسومها، ~~فقوله: أمة واحدة معناه: في الكفر، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي، ~~ومن PageV05P053 # هذا المعنى قول النبي عليه السلام: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح ~~بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» ثم يتركب معنى الآية على معنى هذا ~~الحديث. واللام في قوله: لمن يكفر بالرحمن لام الملك. # واللام في قوله: لبيوتهم لام تخصيص، كما تقول: هذا الكساء لزيد لدابته، ~~أي هو لدابته حلس ولزيد ملك. قال المهدوي: ودلت هذه الآية على أن السقف لرب ~~البيت الأسفل لا لصاحب العلو، إذ هو منسوب إلى البيوت، وهذا تفقه واهن. # وقرأ جمهور القراء: «سقفا» بضم السين والقاف. وقرأ مجاهد: «سقفا» بضم ~~السين وسكون القاف على الإفراد. # والمعارج: الأدراج التي يطلع عليها، قاله ابن عباس وقتادة والناس. وقرأ ~~طلحة: «معاريج» بزيادة ياء. و: يظهرون معناه يعلون، ومنه حديث ms3178 عائشة رضي ~~الله عنها: والشمس في حجرتها لم تظهر. # والسرر: جمع سرير. # واختلف الناس في الزخرف، فقال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: الزخرف: ~~الذهب نفسه وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: «إياكم والحمزة فإنها من ~~أحب الزينة إلى الشيطان» . # قال القاضي أبو محمد: الحسن أحمر، والشهوات تتبعه. # وقال ابن زيد: الزخرف: أثاث البيت وما يتخذ له من الستور والنمارق ونحوه. ~~وقالت فرقة: # الزخرف: التزاويق والنقش ونحوه من التزيين وشاهد هذا القول: حتى إذا أخذت ~~الأرض زخرفها وازينت [يونس: 24] . # وقرأ جمهور القراء: «وإن كل ذلك لما» بتخفيف الميم من «لما» ف «إن» مخففة ~~من الثقيلة، واللام في: «لما» داخلة لتفصل بين النفي والإيجاب. وقرأ عاصم ~~وحمزة وهشام بخلاف عنه، والحسن وطلحة والأعمش وعيسى: «لما متاع» بتشديد ~~الميم من «لما» فإن «لما» نافية بمعنى ما. ولما: بمعنى: إلا، وقد حكى ~~سيبويه نشدتك الله لما فعلت، وحمله على إلا. وفي مصحف أبي بن كعب: «وما ذلك ~~إلا متاع الحياة الدنيا» . وقرأ أبو رجاء: «لما» بكسر اللام وتخفيف، الميم، ~~ف «ما» بمعنى الذي، والعائد عليها محذوف، والتقدير: وإن كل ذلك للذي هو ~~متاع الحياة الدنيا. # وفي قوله تعالى: والآخرة عند ربك للمتقين وعد كريم وتحريض على التقوى، إذ ~~في الآخرة هو التباين في المنازل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 36 الى 39] # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك ~~بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون (39) # من في قوله: ومن يعش شرطية، وعشى يعشو، معناه: قل الإبصار منه كالذي ~~يعتري في PageV05P054 # الليل، وكذلك هو الأعشى من الرجال، ويقال أيضا: عشى الرجل يعشي عشاء إذا ~~فسد بصره فلم ير، أو لم ير إلا قليلا. # وقرأ قتادة ويحيى بن سلام البصري: «ومن يعش» بفتح الشين، وهي من قولهم: ~~عشى يعشي، والأكثر عشى يعشو، ومنه قول الشاعر [الحطيئة] : [الطويل] # متى ms3179 تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # وفي شعر آخر [عبد الله بن الحر] : # تجد حطبا جزلا وجمرا تأججا وقرأ الأعمش: «ومن يعش عن الرحمن» ، وسقط: ~~ذكر. # فالمعنى في الآية: ومن يقل نظره في شرع الله ويغمض جفونه عن النظر في ذكر ~~الرحمن، أي فيما ذكر به عباده، فالمصدر إلى الفاعل، نقيض له شيطانا أي نيسر ~~له ونعد، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح، وهذا كما يقال: إن ~~الله يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيد من ~~الحسنات، وقد روي هذا المعنى مرفوعا. # وقرأ الجمهور: «نقيض» بالنون. وقرأ الأعمش: «يقيض» ، بالياء «شيطانا» ، ~~أي يقيض الله. وقرأ ابن عباس: «يقيض له شيطان» ، بفتح الياء الثانية وشدها ~~ورفع النون من «شيطان» . # والضمير في قوله: وإنهم عائد على الشياطين. وفي: «يصدونهم» على الكفار. # و: السبيل هي سبيل الهدى والفوز. والضمير في: يحسبون للكفار. # وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ~~وقتادة والزهري والجحدري: «حتى إذا جاءانا» على التثنية، يريد العاشي ~~والقرين، قاله سعيد الجريري وقتادة. وقرأ أبو عمرو والحسن وابن محيصن ~~والأعرج وعيسى والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: «جاءنا» يريد العاشي وحده. ~~وفاعل: قال هو العاشي. # وقوله: بعد المشرقين يحتمل ثلاثة معان، أحدهما: أن يريد بعد المشرق من ~~المغرب، فسماهما مشرقين، كما يقال: القمران والعمران، قال الفرزدق: # لما قمراها والنجوم الطوالع والثاني: أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ~~ومشرقها في أقصر يوم، فكأنه أخذ نهايتي المشارق. والثالث: أن يريد بعد ~~المشرقين من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين. # وقوله تعالى: ولن ينفعكم اليوم الآية حكاية عن مقالة تقال لهم يوم ~~القيامة، وهي مقالة موحشة حرمتهم روح التأسي، لأنه يوقفهم بها على أنهم لا ~~ينفعهم التأسي، وذلك لعظم المصيبة وطول العذاب واستمرار مدته، إذ التأسي ~~راحة كل شيء في الدنيا في الأغلب، ألا ترى إلى قول الخنساء: [الوافر] PageV05P055 # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ms3180 ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # فهذا التأسي قد كفاها مؤونة قتل النفس، فنفى الله تعالى عنهم الانتفاع ~~بالتأسي، وفي ذلك تعذيب لهم ويأس من كل خير، وفاعل قوله: ينفعكم الاشتراك. # وقرأ جمهور القراء: «أنكم» بفتح الألف. وقرأ ابن عامر وحده: «إنكم» بكسر ~~الألف، وقد يجوز أن يكون الفاعل ينفعكم التبري الذي يدل عليه قوله: يا ليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين وعلى هذا يكون «أنكم» في موضع نصب على المفعول من ~~أجله، وتخرج الآية على معنى نفي الأسوة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 40 الى 45] # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك ~~فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) ~~فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك ~~وسوف تسئلون (44) # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) # لما ذكر تعالى حال الكفرة في الآخرة وما يقال لهم وهم في العذاب، اقتضى ~~ذلك أن تشفق النفوس، وأن ينظر كل سامع لنفسه ويسعى في خلاصها، فلما كانت ~~قريش مع هذا الذي سمعت لم تزل عن عتوها وإعراضها عن أمر الله، رجعت ~~المخاطبة إلى محمد عليه السلام على جهة التسلية له عنهم وشبههم ب الصم ~~والعمي، إذ كانت حواسهم لا تفيد شيئا. # وقوله: ومن كان في ضلال مبين يريد بذلك قريشا بأنفسهم، ولذلك لم يقل: «من ~~كان» بل جاء بالواو العاطفة، كأنه يقول: وهؤلاء، ويؤيد ذلك أيضا عود الضمير ~~عليهم في قوله: فإنا منهم ولم يجر لهم ذكر إلا في قوله: ومن كان. # وقوله تعالى: فإما نذهبن بك الآية تتضمن وعيدا واقعا، وذهب جمهور العلماء ~~إلى أن المتوعدين هم الكفار، وأن الله تعالى أرى نبيه الذي توعدهم في بدر ~~والفتح وغير ذلك، وذهب الحسن وقتادة إلى أن المتوعدين هم في هذه الأمة، وأن ~~الله تعالى أكرم نبيه على أن ينتقم منهم بحضرته وفي حياته، فوقعت النقمة ~~منهم بعد أن ذهب به، وذلك في ms3181 الفتن الحادثة في صدر الإسلام مع الخوارج ~~وغيرهم، قال الحسن وقتادة: أكرم الله نبيه على أن يرى في أمته ما يكره كما ~~رأى الأنبياء، فكانت بعد ذهابه صلى الله عليه وسلم، وقد روي حديث عن جابر ~~بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: فإنا منهم ~~منتقمون فقال: بعلي بن أبي طالب والقول الأول من توعد الكفار أكثر، ثم أمر ~~تعالى نبيه بالتمسك بما جاء من عند الله من الوحي المتلو وغيره. والصراط: ~~الطريق. PageV05P056 # وقرأ الجمهور: «أوحي» على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الضحاك: «أوحى» على ~~الفعل المبني للفاعل، أي أوحى الله. # وقوله: وإنه لذكر لك يحتمل أن يريد وإنه لشرف وحمد في الدنيا. والقوم: ~~على هذا قريش ثم العرب، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد. ~~قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، ~~فإذا قالوا له: فلمن يكون الأمر بعدك؟ سكت حتى نزلت هذه الآية، فكان إذا ~~سئل بعد ذلك، قال لقريش، فكانت العرب لا تقبل على ذلك حتى قبلته الأنصار ~~وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الأمر في ~~قريش ما بقي منهم اثنان» وروى أبو موسى الأشعري عنه صلى الله عليه وسلم: ~~«لا يزال الأمر في قريش ما زالوا، إذا حكوا عدلوا، وإذا استرحموا رحموا، ~~وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين» . وروى معاوية أنه عليه السلام قال: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما ~~أقاموا الدين» . ويحتمل أن يريد وإنه لتذكرة وموعظة، ف «القوم» على هذا أمة ~~بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن، وقوله: وسوف تسئلون قال ابن عباس ~~وغيره معناه: عن أوامر القرآن ونواهيه: وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: عن ~~شكر النعمة فيه، واللفظ يحتمل هذا كله ويعمه. # واختلف المفسرون في المراد بالسؤال في قوله: وسئل من أرسلنا فقالت فرقة، ~~أراد: أن اسأل جبريل، ذكر ذلك النقاش، ms3182 وفيه بعد. وقال ابن زيد وابن جبير ~~والزهري، أراد: واسأل الرسل إذا لقيتهم ليلة الإسراء، أما أن النبي عليه ~~السلام لم يسأل الرسل ليلة الإسراء عن هذا، لأنه كان أثبت يقينا من ذلك ولم ~~يكن في شك. وقالت فرقة، أراد: واسألني، أو واسألنا عمن أرسلنا، والأولى على ~~هذا التأويل أن يكون: # من أرسلنا استفهاما أمره أن يسأل له، كأن سؤاله: يا رب من أرسلت قبلي من ~~رسلك؟ أجعلت في رسالته الأمر بآلهة يعبدون؟ ثم ساق السؤال محكي المعنى، فرد ~~المخاطبة إلى محمد عليه السلام في قوله: # من قبلك. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي وعطاء، أراد: وسل ~~تباع من أرسلنا وحملة شرائعهم، لأن المفهوم أنه لا سبيل إلى سؤاله الرسل ~~إلا بالنظر في آثارهم وكتبهم وسؤال من حفظها. # وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: «وسئل الذين أرسلنا إليهم رسلنا» ، ~~فهذه القراءة تؤيد هذا المعنى، وكذلك قوله: وسئل القرية [يوسف: 82] مفهوم ~~إنه لا يسأل إلا أهلها، ومما ينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى: فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] فمفهوم أن الرد إنما هو إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله، وأن المحاور في ذلك إنما هم تباعهم وحفظة الشرع. # وقوله: يعبدون أخرج ضميرهم على حد من يعقل مراعاة للفظ الآلهة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 46 الى 50] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين ~~(46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون (50) PageV05P057 # هذه آية ضرب مثل وإسوة لمحمد عليه السلام بموسى عليه السلام ولكفار قريش ~~بفرعون وملائه. والآيات التي أرسل بها موسى وهي التسع المذكورة وغير ذلك ~~مما جاءت به الروايات، وخص الملأ بالذكر لأنهم يسدون مسد جميع الناس، ثم ~~وصفهم تعالى بالضحك من آيات موسى، كما كانت قريش ms3183 تضحك وتسخر من أخبار محمد ~~عليه السلام، ثم وصف تعالى صورة عرض الآيات عليهم وإنما كانت شيئا بعد شيء. # وقوله: إلا هي أكبر من أختها عبارة عن شدة موقعها في نفوسهم بحدة أمرها ~~وحدوثه، وذلك أن أول آية عرض موسى هي: العصا واليد، وكانت أكبر آياته، ثم ~~كل آية بعد ذلك كانت تقع فيعظم عندهم لحينها وتكبر، لأنهم قد كانوا أنسوا ~~التي قبلها، فهذا كما قال الشاعر: [الطويل] # على أنها تعفو الكلوم وإنما ... توكل بالأدنى وان جل ما يقضى # وذهب الطبري إلى أن الآيات هي الحجج والبينات. ثم ذكر تعالى أخذهم ~~بالعذاب في العمل والضفادع والدم وغير ذلك، وهذا كما أخذ قريش بالسنين ~~والدخان. # وقوله: لعلهم ترج بحسب معتقد البشر وظنهم. و: يرجعون معناه: يتوبون ~~ويقلعون. # وقوله تعالى: وقالوا يا أيها الساحر جائز أن يكون قائل ذلك من أعلمهم ~~بكفر السحر فيقول: قوله استهزاء وهو يعلم قدر السحر وانحطاط منزلته، ويكون ~~قوله: عندك بمعنى: في زعمك وعلى قولك، ويحتمل أن يكون القائل ليس من ~~المتمردين الحذاق ويطلق لفظة الساحر لأحد وجهين، إما لأن السحر كان عند ~~عامتهم علم الوقت، فكأنه قال: يا أيه العالم، وإما لأن هذه الاسمية قد كانت ~~انطلقت عندهم على موسى لأول ظهورها، فاستصحبها هذا القائل في مخاطبة قلة ~~تحرير وغباوة، ويكون القول على هذا التأويل جدا من القائل، ويكون قوله: ~~إننا لمهتدون بمعنى إن نفعتنا دعوتك، وهذا التأويل أرجح، أعني أن كلام هذا ~~القائل مقترن بالجد. # وقرأ ابن عامر وحده: «يا أي» بياء مضمومة فقط. # ثم أخبر عنهم أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا، ولو كان الكلام هزلا من ~~أوله لما وقع نكث. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 51 الى 56] # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) ~~فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) فاستخف ~~قومه فأطاعوه إنهم ms3184 كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين (55) # فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) PageV05P058 # نداء فرعون يحتمل أن يكون بلسانه في ناديه، ويحتمل أن يكون بأن أمر من ~~ينادي في الناس، ومعنى هذه الحجة التي نادى بها أنه أراد أن يبين فضله على ~~موسى، إذ هو ملك مصر، وصاحب الأنهار والنعم، وموسى خامل متقلل لا دنيا له، ~~قال: فلو أن إله موسى يكون حقا كما يزعم، لما ترك الأمر هكذا. # و: مصر من بحر الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل. و: الأنهار التي أشار ~~إليها هي الخلجان الكبار الخارجة من النيل وعظمها نهر الإسكندرية وتنيس ~~ودمياط ونهر طولون. # وقوله: أم أنا خير قال سيبويه: أم هذه المعادلة، والمعنى: أم أنتم لا ~~تبصرون، فوضع موضع قوله: أم تبصرون الأمر الذي هو حقيق أن يبصر عنده، وهو ~~أنه خير من موسى. و «لا» على هذا النظر نافية. # وقالت فرقة: أفلا تبصرون أم لا تبصرون، ثم اقتصر على أم لدلالة ظاهر ~~الكلام على المحذوف منه، وابتدأ قوله: أنا خير إخبارا منه، فقوله: أفلا على ~~هذا النظر بمنزلة: هلا ولولا على معنى التخصيص. وقالت فرقة: أبمعنى بل. # وقرأ بعض الناس: «أما أنا خير» ، حكاه الفراء، وكان مجاهد يقف على أم ثم ~~يبتدئ: أنا خير. قال قتادة: وفي مصحف أبي بن كعب: «أم أنا خير أم هذا» . ~~ومهين معناه ضعيف وقوله: # ولا يكاد يبين إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها ~~كانت أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا في أن تحل ليفقه قوله، أجيبت دعوته، ~~لكنه بقي أثر كان البيان يقع منه، لكن فرعون عير به. وقوله: ولا يكاد يبين ~~يقتضي أنه كان يبين. # وقرأ أبو جعفر بن علي: «يبين» بفتح الياء الأولى. # وقوله: فلولا ألقي عليه يريد من السماء على معنى التكرمة. # وقراءة الجمهور: «ألقي» على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الضحاك: «ألقى» ~~بفتح الهمزة والقاف على بنائه للفاعل «أساورة» نصبا. # وقرأ جمهور القراء: «أساورة» وقرأ حفص عن عاصم: «أسورة» ، وهي قراءة ms3185 ~~الحسن والأعرج وقتادة وأبي رجاء ومجاهد. وقرأ أبي بن كعب: «أساور» . وفي ~~مصحف ابن مسعود: «أساوير» ، ويقال سوار وأسوار لما يجعل في الذراع من ~~الحلي، حكى أبو زيد اللغتين وأبو عمرو بن العلاء، وهو كالقلب، قاله ابن ~~عباس، وكانت عادة الرجال يومئذ حبس ذلك والتزيي به. و: أساورة جمع أسوار، ~~ويجوز أن يكون جمع أسورة، كأسقية وأساقي، وكذلك: أساور، جمع أسوار. والهاء ~~في: أساورة عوض من الياء المحذوفة، لأن الجمع إنما هو أساوير كما في مصحف ~~ابن مسعود، فحذفوا الياء وجعلوا الهاء عوضا منها، PageV05P059 # كما فعلوا ذلك في زنادقة وبطارقة وغير ذلك، وأساورة: جمع سوار. # وقوله: مقترنين أي يحمونه ويشهدون له ويقيمون حجته. ثم أخبر تعالى عن ~~فرعون أنه استخف قومه بهذه المقالة، أي طلب خفتهم وإجابتهم إلى غرضه، ~~فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه في الكفر لفسقهم ولما كانوا بسبيله من الفساد. و: ~~آسفونا معناه: أغضبونا بلا خلاف، وإغضاب الله تعالى هو أن تعمل الأعمال ~~الخبيثة التي تظهر من أجلها أفعاله الدالة على إرادة السوء بمن شاء. والغضب ~~على هذا صفة فعل، وهو مما يتردد، فإذا كان بمعنى ما يظهر من الأفعال، فهو ~~صفة فعل، وإذا رد إلى الإرادة فهو صفة ذات، وفي هذا نظر. # وقرأ جمهور القراء: «سلفا» بفتح السين واللام جمع سالف، كحارس وحرس. ~~والسلف: هو الفارط من الأمم المتقدم، أي جعلناهم متقدمين للأمم الكافرة عظة ~~ومثلا لهم يعتبرون بهم، أو يقعون فيما وقعوا فيه، ومن هذه اللفظة قول النبي ~~عليه السلام: «يذهب الصالحون أسلافا» ، وقوله في ولده إبراهيم: «ندفنه عند ~~سلفنا الصالح عثمان بن مظعون» . وقرأ حميد الأعرج وحمزة والكسائي: «سلفا» ~~بضم السين واللام، وهي قراءة عبد الله وأصحابه وسعد بن عياض وابن كثير، وهو ~~جمع: سليف. وذكر الطبري عن القاسم بن معن أنه سمع العرب تقول: مضى سلف من ~~الناس، بمعنى السلف. وقرأ علي بن أبي طالب وحميد الأعرج أيضا: «سلفا» بضم ~~السين وفتح اللام، كأنه جمع سلفة، بمعنى الأمة والقطعة. والآخرون: هو من ~~يأتي من البشر ms3186 إلى يوم القيامة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى 62] # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم ~~هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) # ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) # روي عن ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية، أنه لما نزلت: إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن، فيكون [آل عمران: 59] ونزل ~~مع ذلك ذكر عيسى وحاله وكيف خلق من غير فحل، قالت فرقة: ما يريد محمد من ~~ذكر عيسى إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى، فهذا كان صدورهم من ضربه ~~مثلا. # وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو جعفر والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن ~~وثاب: «يصدون» بضم الصاد، بمعنى: يعرضون. وقرأ الباقون وابن عباس وابن جبير ~~والحسن وعكرمة: «يصدون» بكسر الصاد، بمعنى يضحكون، وأنكر ابن عباس ضم ~~الصاد، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، مثل ~~«يعرشون ويعرشون» . PageV05P060 # وقوله تعالى: آلهتنا ابتداء معنى ثان، وذلك أنه لما نزلت إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] جاء عبد الله بن الزعبري ونظراؤه ~~فقالوا: نحن نخصم محمدا: آلهتنا خير أم عيسى؟ وعلموا أن الجواب أن يقال ~~عيسى، قالوا، وهذه آية الحصب لنا أو لكل الأمم من الكفار فقال النبي عليه ~~السلام: بل لكل من تقدم أو تأخر من الكفار، فقالوا نحن نرضى أن تكون آلهتنا ~~مع عيسى، إذ هو خير منها، وإذ قد عبد فهو من الحصب إذا، فقال: ما ضربوه لك ~~إلا جدلا أي ما مثلوا هذا التمثيل إلا جدلا منهم ومغالطة، ونسوا أن عيسى لم ~~يعبد برضى منه ولا عن إرادة، ولا له في ذلك ذنب. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «أأالهتنا» بهمزة ms3187 استفهام وهمزة بعدها بين بين ~~وألف بعدها. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: بهمزتين مخففتين بعد ~~الثانية ألف. وقرأ ورش عن نافع: بغير استفهام: # «آلهتنا» على مثال الخبر. وقرأ قالون عن نافع: «ءالهتنا» على الاستفهام ~~بهمزة واحدة بعدها مدة. وفي مصحف أبي بن كعب: «خير أم هذا» ، فالإشارة إلى ~~محمد، وخرجت هذه القراءة على التأويل الأول الذي فسرناه، وكذلك قالت فرقة ~~ممن قرأ: أم هو إن الإرادة محمد عليه السلام، وهو قول قتادة. وقال ابن زيد ~~والسدي المراد ب هو عيسى، هذا هو المترجح. # والجدال عند العرب: المحاورة بمغالطة أو تحقيق أو ما اتفق من القول إنما ~~المقصد به أن يغلب صاحبه في الظاهر إلا أن يتطلب الحق في نفسه، وروى أبو ~~أمامة عن النبي عليه السلام أنه قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا ~~أتوا الجدل» ، ثم قرأ: ما ضربوه لك إلا جدلا قال أبو أمامة: ورأى عليه ~~السلام قوما يتنازعون، فغضب حتى كأنما صب في وجهه الخل، وقال: «لا تضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض، فما ضل قوم إلا أوتوا الجدل» ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ~~أهل خصام ولدد، وأخبر عن عيسى أنه عبد أنعم الله عليه بالنبوءة والمنزلة ~~العالية، وجعله مثلا لبني إسرائيل. # وقوله تعالى: ولو نشاء الآية، أي لا تستغربوا أن يخلق عيسى من غير فحل، ~~فإن القدرة تقضي ذلك وأكثر منه. # وقوله: لجعلنا منكم معناه: لجعلنا بدلا منكم، أي لو شاء الله لجعل بدلا ~~من بني آدم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون بني آدم فيها. وقال مجاهد وابن ~~عباس: يخلف بعضهم بعضا. والضمير في قوله: وإنه لعلم قال ابن عباس والحسن ~~ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد: الإشارة به إلى عيسى. وقالت فرقة: ~~إلى محمد عليه السلام. وقال الحسن أيضا وقتادة: إلى القرآن. # وقرأ جمهور الناس: «لعلم» بكسر العين وسكون اللام. وقرأ ابن عباس وأبو ~~هريرة وقتادة وأبو هند الغفاري ومجاهد وأبو نضرة ومالك بن دينار والضحاك: ~~«لعلم» بفتح العين واللام، وقرأ عكرمة مولى ابن ms3188 عباس: «للعلم» بلامين، ~~الأولى مفتوحة. وقرأ أبي بن كعب: «لذكر للساعة» . # فمن قال إن الإشارة إلى عيسى حسن مع تأويله علم وعلم أي هو إشعار بالساعة ~~وشرط من أشراطها، PageV05P061 # يعني خروجه في آخر الزمان، وكذلك من قال: الإشارة إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أي هو آخر الأنبياء، فقد تميزت الساعة به نوعا وقدرا من التمييز، ~~وبقي التحديد التام الذي انفرد الله بعلمه، ومن قال: # الإشارة إلى القرآن، حسن قوله في قراءة من قرأ: «لعلم» بكسر العين وسكون ~~اللام، أي يعلمكم بها وبأهوالها وصفاتها، وفي قراءة من قرأ: «لذكر» . # وقوله: فلا تمترن أي قل لهم يا محمد لا تشكون فيها. وقوله: هذا صراط ~~مستقيم إشارة إلى الشرع، ثم أمره بتحذير العباد من الشيطان وإغوائه ونبههم ~~على عداوته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 63 الى 68] # ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم ~~أليم (65) هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) # يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) # «البينات» التي جاء بها عيسى عليه السلام هي: إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص، إلى غير ذلك. وقال قتادة: الإنجيل. والحكمة: النبوءة قاله السدي ~~وغيره. # وقوله: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه قال أبو عبيدة: بعض بمعنى كل، ~~وهذا ضعيف ترده اللغة، ولا حجة له من قول لبيد: # أو يعتلق بعض النفوس حمامها لأنه أراد نفسه ونفس من معه، وذلك بعض ~~النفوس، وإنما المعنى الذي ذهب إليه الجمهور، أن الاختلاف بين الناس هو في ~~أمور كثيرة لا تحصى عددا، منها أمور أخروية ودينية، ومنها ما لا مدخل له في ~~الدين، فكل نبي فإنما يبعث ليبين أمر الأديان والآخرة، فذلك بعض ما يختلف ~~فيه. # وقوله تعالى: هذا صراط مستقيم حكاية عن عيسى عليه ms3189 السلام إذ أشار إلى ~~شرعه. # و: الأحزاب المذكورون: قال جمهور المفسرين أراد: اختلف بنو إسرائيل ~~وتحزبوا، فمنهم من آمن به، وهو قليل، وكفر الغير، وهذا إذا كان معهم حاضرا. ~~وقال قتادة: الأحزاب هم الأربعة الذين كان الرأي والمناظرة صرفت إليهم في ~~أمر عيسى عليه السلام. وقال ابن حبيب وغيره: الأحزاب النصارى افترقت ~~مذاهبهم فيه بعد رفعه عليه السلام، فقالت فرقة: هو الله، وهم اليعقوبية قال ~~الله عز وجل: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم [المائدة: ~~17] . وقالت فرقة: هو ابن الله، وهم النسطورية قال الله تعالى فيهم: وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله [التوبة: 30] ، وقالت فرقة: هو ثالث ثلاثة، وهم PageV05P062 # الملكانية قال الله تعالى فيهم: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~[المائدة: 73] . # وقوله تعالى: من بينهم بمعنى من تلقائهم ومن أنفسهم ثار شرهم، ولم يدخل ~~عليهم الاختلاف من غيرهم. والضمير في: ينظرون لقريش، والمعنى: ينتظرون. و: ~~بغتة معناه: فجأة دون مقدمة ولا إنذار بها. # ثم صرف تعالى بعض حال القيامة، وإنها لهول مطلعها والخوف المطبق بالناس ~~فيها يتعادى ويتباغض كل خليل كان في الدنيا على غير تقى، لأنه يرى أن الضرر ~~دخل عليه من قبل خليله، وأما المتقون فيرون أن النفع دخل بهم من بعضهم على ~~بعض، هذا معنى كلام علي رضي الله عنه. # وقوله: يا عباد المعنى يقال لهم، أي للمتقين. # وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: «يا عبادي» بفتح الياء، وهذا هو الأصل. وقرأ ~~نافع وأبو عمرو وابن عامر: «يا عبادي» بسكون الياء. وقرأ ابن كثير وحمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم «يا عباد» بحذف الياء. # قال أبو علي: وحذفها أحسن، لأنه في موضع تنوين وهي قد عاقبته، فكما يحذف ~~التنوين في الاسم المنادى المفرد، كذلك تحذف الياء هنا لكونها على حرف، كما ~~أن التنوين كذلك، ولأنها لا تنفصل من المضاف كما لا ينفصل التنوين من ~~المنون. # وذكر الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس ~~منهم أحد إلا فزع، ms3190 فينادي مناد: لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ~~فيرجوها الناس كلهم، قال فيتبعها. الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ~~[الزخرف: 69] قال: فييأس منها جميع الكفار. # وقرأ الحسن والزهري وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر ويعقوب: «لا خوف» بنصب ~~الفاء من غير تنوين. وقرأ ابن محيصن برفع الفاء من غير تنوين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 69 الى 73] # الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ~~تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خالدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ~~(72) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) # الذين نعت للعباد في قوله: يا عباد [الزخرف: 68] . ثم ذكر أمره إياهم ~~بدخول الجنة هم وأزواجهم. و: تحبرون معناه: تنعمون وتسرون. والحبرة: ~~السرور. والأكواب: ضرب من الأواني كالأباريق، إلا أنها لا آذان لها ولا ~~مقابض. # وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر وشيبة: «ما تشتهيه» بإثبات ~~الهاء الأخيرة وكذلك PageV05P063 # في مصحف المدينة ومصاحف الشام، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم والجمهور: ~~«ما تشتهي» بحذف الهاء، وكذلك وقع في أكثر المصاحف وحذفها من الصلة لطول ~~القول حسن، وكذلك كثر في التنزيل كقوله تعالى: أهذا الذي بعث الله ~~[الفرقان: 41] وفي قوله: وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 58] وغير ~~ذلك، وفي مصحف ابن مسعود: «ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين» . # وقوله تعالى: أورثتموها بما كنتم تعملون ليس المعنى أن الأعمال أوجبت على ~~الله إدخالهم الجنة، وإنما المعنى: أن حظوظهم منها على قدر أعمالهم، وأما ~~نفس دخول الجنة وأن يكون من أهلها فبفضل الله وهداه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 74 الى 81] # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ~~قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) # أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن ms3191 كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) # لما ذكر تعالى حال أهل الجنة وما يقال لهم، عقب ذلك بذكر حال الكفرة من ~~الخلود في النار ولتتضح الأمور التي منها النذارة، والمجرمون في هذه الآية: ~~الكفار، بدليل الخلود وما تتضمنه الألفاظ من مخاطبة مالك وغيره. والمبلس: ~~المبعد اليائس من الخيرة، قاله قتادة وغيره. # وقرأ ابن مسعود: «وهم مبلسون» أي في جهنم. # وقوله تعالى: وما ظلمناهم أي ما وضعنا العذاب فيمن لا يستحقه، ولكن هم ~~ظلموا في أن وضعوا العبادة فيمن لا يستوجبها وضعفوا الكفر والتفريط في جنب ~~الله تعالى. # وقرأ الجمهور: «كانوا هم الظالمين» على الفصل. وقرأ ابن مسعود: «هم ~~الظالمون» على الابتداء والخبر، وأن تكون الجملة خبر «كان» . # ثم ذكر تعالى عن أهل النار أنهم ينادون مالكا خازن النار، فيقولون على ~~معنى الرغبة التي هي في صيغة الأمر ليقض علينا ربك أي ليمتنا مرة حتى يتكرر ~~عذابنا. # وقرأ النبي عليه السلام على المنبر: «يا مالك» بالكاف، وهي قراءة ~~الجمهور. وقرأ ابن مسعود ويحيى والأعمش: «يا مال» بالترخيم، ورويت عن علي ~~بن أبي طالب، ورواها أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والقضاء في هذه الآية بمعنى الموت، كما قال تعالى: فوكزه موسى فقضى عليه ~~[القصص: 15] وروي في تفسير هذه الآية عن ابن عباس أن مالكا يقيم بعد سؤالهم ~~ألف سنة، وقال PageV05P064 # نوف: مائة سنة، وقيل: ثمانين سنة. وقال عبد الله بن عمر: وأربعين سنة، ثم ~~حينئذ يقول لهم: إنكم ماكثون. # وقوله: لقد جئناكم الآية، يحتمل أن يكون من قول مالك لأهل النار، ويكون ~~قوله: جئناكم (على حد ما يدخل أحد جملة الرئيس كناية عن نفسه في فعل الرئيس ~~فيقول غلبناكم وفعلنا بكم ونحو هذا، ثم ينقطع كلام مالك في قوله: كارهون ~~ويحتمل أن يكون قوله: جئناكم من قول الله تعالى لقريش بعقب حكاية أمر ~~الكفار مع مالك، وفي هذا توعد وتخويف فصيح، بمعنى انظروا كيف تكون حالكم، ~~ثم تتصل الآية على هذا بما بعدها من أمر قريش. # وقوله تعالى: أم ms3192 أبرموا أمرا من أمور كفرهم وتدبيرهم على عهد محمد صلى ~~الله عليه وسلم كما فعلوا في اجتماعهم على قتله في دار الندوة إلى غير ذلك، ~~و: أم في هذه الآية: المنقطعة. # وقوله: فإنا مبرمون أي فإنا محكمو نصره وحمايته. والإبرام: أن تجمع خيطين ~~ثم تفتلهما فتلا متقنا. والبريم: خيط فيه لونان. # وقوله تعالى: أم يحسبون الآية، قال محمد بن كعب القرظي: نزلت لأن كثيرا ~~من العرب كانوا يعتقدون أن الله تعالى لا يسمع السر، ومنه حديث الثقفي ~~والقرشيين الذين سمعهم ابن مسعود يقولون عند الكعبة: أترى الله يسمعنا؟ ~~فقال أحدهم: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا الحديث، فأخبر الله تعالى ~~في هذه الآية أنه يسمع، أي يدرك السر والنجوى، وأن رسله الحفظة من الملائكة ~~يكتبون أعمال البشر مع ذلك، وتعد للجزاء يوم القيامة. # واختلف المفسرون في قوله تعالى: قل إن كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين ~~فقالت فرقة: # العابدون: هو من العبادة، ثم اختلفوا في معنى الآية بعد ذلك، فقال قتادة ~~والسدي والطبري، المعنى: # قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تقولون فأنا أول من يعبده على ذلك، ولكن ~~ليس به شيء من ذلك تعالى وجل. قال الطبري: فهذا الطاف في الخطاب، ونحوه ~~قوله: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 24] . # قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: في مخاطبة الكفار: أين شركائي [النحل: ~~27، القصص: 62- 72، فصلت: 47] . # وقال مجاهد المعنى: إن كان لله ولد في قولكم فأنا أول من عبد الله وحده ~~وكذبكم. وقال قتادة أيضا وزهير بن محمد وابن زيد: إن نافية بمعنى: ما، ~~فكأنه قال: ما كان للرحمن ولد. وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ثم يبتدئ ~~قوله: فأنا أول العابدين قاله أبو حاتم. وقالت فرقة: العابدون في الآية: من ~~عبد الرجل إذا أنف وأنكر الشيء، ومنه قول الشاعر: # متى يشأ ذو الود يصرم خليله ... ويعبد عليه لا محالة ظالما # ومنه حديث عثمان وعلي في المرجومة حين قال علي: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا PageV05P065 # [الأحقاف: 15] قال: فما ms3193 عبد عثمان أن بعث إليها لترد. والمعنى: إن جعلتم ~~للرحمن ولدا وكان ذلك في قولكم فأنا أول الآنفين المنكرين لذلك. # وقرأ الجمهور: «ولد» بفتح الواو واللام. وقرأ ابن مسعود وابن وثاب وطلحة ~~والأعمش: «ولد» بضم الواو وسكون اللام. # وقرأ أبو عبد الرحمن: «فأنا أول العابدين» وهي على هذا المعنى، قال أبو ~~حاتم: العبد بكسر الباء: # الشديد الغضب. وقال أبو عبيدة معناه: أول الجاحدين، والعرب تقول: عبدني ~~حقي، أي جحدني. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 82 الى 85] # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~وهو الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) # لما قال تعالى: فأنا أول العابدين [الزخرف: 81] نزه الرب تعالى عن هذه ~~المقالة التي قالوها. # و: سبحان تنزيه. وخص السماوات والأرض والعرش لأنها عظم المخلوقات. # وقوله تعالى: فذرهم يخوضوا مهادنة ما وترك، وهي مما نسخت بآية السيف وقرأ ~~الجمهور: # «يلاقوا» وقرأ أبو جعفر وابن محيصن: «حتى يلقوا» . وقال جمهور اليوم الذي ~~توعدهم به هو القيامة. وقال عكرمة وغيره: هو يوم بدر. # وقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله الآية آية حكم بعظمته وإخبار ~~بألوهيته، أي هو النافذ أمره. # وقرأ عمر بن الخطاب وجابر بن زيد وأبو شيخ والحكم بن أبي العاصي وبلال بن ~~أبي بردة وابن مسعود ويحيى بن يعمر وأبي بن كعب وابن السميفع: «وهو الذي في ~~السماء الله وفي الأرض الله» و: الحكيم المحكم. وتبارك تفاعل من البركة، أي ~~تزيدت بركاته. و: السماوات والأرض وما بينهما حصر لجميع الموجودات ~~المحسوسات. و: علم الساعة معناه: علم تحديد قيامها والوقف على تعيينه، وهذا ~~هو الذي استأثر الله بعلمه، وإلا فنحن عندنا علم الساعة، أي إنها واقعة، ~~وإنها ذات أهوال وبصفات ما، والمصدر في قوله: علم الساعة مضاف إلى المفعول. # وقرأ أكثر القراء: «وإليه يرجعون» بالياء من تحت. وقرأ نافع وأبو عمرو: ~~«ترجعون» بالتاء ms3194 من فوق مضمومة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الزخرف (43) : الآيات 86 الى 89] # ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) ~~ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) PageV05P066 # قوله تعالى: ولا يملك الآية مخاطبة لمحمد عليه السلام. و: الذين هم ~~المعبودون، والضمير في: يدعون هو للكفار الذين عبدوا غير الله عز وجل، ~~فأعلم تعالى أن من عبد من دون الله فإنه لا يملك شفاعة عند الله يوم ~~القيامة. # وقرأ الجمهور: «يدعون» بالياء من تحت. وقرأ ابن وثاب: «تدعون» ، بالتاء ~~من فوق، ثم استثنى تعالى من هذه الأخبار، واختلف الناس في المستثنى، فقال ~~قتادة: استثنى ممن عبد من دون الله: عيسى وعزيرا والملائكة، والمعنى فإنهم ~~يملكون شفاعة، بأن يملكها الله إياهم، إذ هم ممن شهد بالحق وهم يعلمونه في ~~كل أحوالهم، فالاستثناء على هذا التأويل متصل وقال مجاهد وغيره: استثنى من ~~في المشفوع فيهم، فكأنه قال: لا يشفع هؤلاء الملائكة وعزير وعيسى إلا فيمن ~~شهد بالحق وهو يعلمه، أي هو بالتوحيد، فالاستثناء على هذا التأويل منفصل، ~~كأنه قال: لكن من يشهد بالحق يشفع فيهم هؤلاء، والتأويل الأول أصوب، والله ~~أعلم. ثم أظهر تعالى عليهم الحجة من أقوالهم وإقرارهم بأن الله هو خالقهم ~~وموجدهم بعد العدم، ثم وقفهم على جهة التقرير والتوبيخ بقوله: فأنى يؤفكون ~~أي فلأي جهة يصرفون. # وقرأ جمهور القراء بالنصب، وهو مصدر كالقول، والضمير فيه لمحمد عليه ~~السلام، وحكى مكي قولا أنه لعيسى وهو ضعيف، واختلف الناس في الناصب، فقالت ~~فرقة هو معطوف على قوله: سرهم ونجواهم [الزخرف: 80] . وقالت فرقة العامل ~~فيه يكتبون [الزخرف: 80] أي أقوالهم من أفعالهم. # وقيله. وقالت فرقة: الناصب له ما في قوله: وعنده علم الساعة [الزخرف: 85] ~~من قوة الفعل، أي ويعلم قيله، ونزل قوله تعالى: وقيله يا رب بمنزلة وشكوى ~~محمد واستغاثته من كفرهم وعتوهم. وقرأ عاصم وحمزة وابن وثاب والأعمش: و ~~«قيله» بالخفض عطفا على الساعة ms3195 [الزخرف: 85] . وقرأ الأعرج وأبو قلابة ~~ومجاهد: «وقيله» بالرفع على الابتداء. وخبره في قوله: يا رب إن هؤلاء قوم ~~لا يؤمنون أي قيله هذا القول، أو يكون التقدير: وقيله يا رب مسموع ومتقبل، ~~ف يا رب على هذا منصوب الموضع ب «قيله» وقرأ أبو قلابة: «يا رب» بفتح الباء ~~المشددة، وأراد يا رب على لغة من يقول: يا غلاما، ثم حذف الألف تخفيفا ~~واتباعا لخط المصحف. # وقوله: فاصفح عنهم موادعة منسوخة بآيات السيف. # وقوله: سلام تقديره: وقل أمري سلام، أي مسالمة. (وقالت فرقة) المعنى: وقل ~~سلام عليكم على جهة الموادعة والملاينة، والنسخ قد أتى على هذا السلام، ~~فسواء كان تحية أو عبارة عن الموادعة. # وقرأ جمهور القراء: «يعلمون» بالياء. وقرأ نافع وابن عامر في رواية هشام ~~عنه والحسن والأعرج وأبو جعفر: «تعلمون» بالتاء من فوق. PageV05P067 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الدخان # هذه السورة مكية لا أحفظ خلافا في شيء منها. # قوله عز وجل: ### || سورة الدخان (44) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~(3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) # أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) ~~رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) # تقدم القول في: حم. وقوله: والكتاب المبين قسم أقسم الله تعالى به. و: ~~المبين يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي، أي يبين الهدى والشرع ونحوه، ~~ويحتمل أن يكون من غير المتعدي، أي هو مبين في نفسه. # وقوله تعالى: إنا أنزلناه يحتمل أن يقع القسم عليه، ويحتمل أن يكون: إنا ~~أنزلناه من وصف الكتاب فلا يحسن وقوع القسم عليه، وهذا اعتراض يتضمن تفخيم ~~الكتاب ويحسن القسم به، ويكون الذي وقع القسم عليه: إنا كنا منذرين. # واختلف الناس في تعيين الليلة المباركة، فقال قتادة والحسن: هي ليلة ~~القدر، وقالوا: إن كتب الله كلها ms3196 إنما نزلت في رمضان: التوراة في أوله، ~~والإنجيل في وسطه، والزبور في نحو ذلك ونزل القرآن في آخره في ليلة القدر، ~~ومعنى هذا النزول: أن ابتداء النزول كان في ليلة القدر، وهذا قول الجمهور. ~~وقالت فرقة: بل أنزله الله جملة ليلة القدر إلى البيت المعمور، ومن هنالك ~~كان جبريل يتلقاه. وقال عكرمة وغيره: # الليلة المباركة هي النصف من شعبان. # وقوله: فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا معناه: يفصل من غيره ويتخلص، ~~وروي عن عكرمة في تفسير هذه الآية أن الله تعالى يفصل للملائكة في ليلة ~~النصف من شعبان، وقال الحسن وعمير مولى غفرة ومجاهد وقتادة: في ليلة القدر ~~كل ما في العام المقبل من الأقدار والآجال والأرزاق وغير ذلك، PageV05P068 # ويكتب ذلك لهم إلى مثلها من العام المقبل. قال هلال بن يساف كان يقال: ~~انتظروا القضاء في شهر رمضان. وروي في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «إن الرجل يتزوج ويعرس وقد خرج اسمه في الموتى، لأن الآجال تقطع في ~~شعبان» . # وقرأ الحسن والأعرج والأعمش: «يفرق» بفتح الياء وضم الراء. و: حكيم بمعنى ~~محكم. # وقوله: أمرا من عندنا نصب على المصدر. وقوله: من عندنا صفة لقوله: أمرا. # وقوله: إنا كنا مرسلين يحتمل أن يريد الرسل والأنبياء، ويحتمل أن يريد ~~الرحمة التي ذكر بعد، وعلى التأويل الأول نصب قوله: رحمة على المصدر، ~~ويحتمل أن يكون نصبها على الحال. # وقوله: إن كنتم موقنين تقرير وتثبيت، أي إن كنت موقنا بهذا يكون يقينك، ~~كما تقول لإنسان تقيم نفسه: العلم غرضك إن كنت رجلا. # وقوله: ربكم ورب آبائكم الأولين أي مالككم ومالك آبائكم الأولين. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «رب السماوات» بالرفع على ~~القطع والاستئناف، وهي قراءة الأعرج وابن أبي إسحاق وأبي جعفر وشيبة. وقرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي بالكسر على البدل من ربك المتقدم، وهي قراءة ابن محيصن ~~والأعمش. وأما قوله تعالى: «ربكم ورب» فالجمهور على رفع الباء. وقرأ الحسن ~~بالكسر، رواها أبو موسى عن الكسائي. # وقوله تعالى: ms3197 بل هم في شك إضراب قبله نفي مقدر، كأنه يقول: ليس هؤلاء ممن ~~يؤمن ولا ممن يتبع وصاة، بل هم في شك يلعبون في أقوالهم وأعمالهم. # واختلف الناس في الدخان الذي أمر الله تعالى بارتقابه، فقالت فرقة منها ~~علي بن أبي طالب وزيد بن علي وابن عمر وابن عباس والحسن بن أبي الحسن وأبو ~~سعيد الخدري: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة يصيب المؤمن منه مثل الزكام، ~~وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين حتى تكون كأنها مصلية حنيذة. وقالت فرقة ~~منها عبد الله بن مسعود وأبو العالية وإبراهيم النخعي: هو الدخان الذي رأته ~~قريش حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبع كسبع يوسف، فكان الرجل ~~يرى من الجدب والجوع دخانا بينه وبين السماء، وما يأتي من الآيات يقوي هذا ~~التأويل. وقال ابن مسعود: خمس قد مضين، الدخان واللزام والبطشة والقمر ~~والروم وذكر الطبري حديثا عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن أول آيات الساعة الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن» ، ~~وضعف الطبري سند هذا الحديث، واختار قول ابن مسعود رضي الله عنه في الدخان ~~قال: ويحتمل إن صح حديث حذيفة أن يكون قد مر دخان ويأتي دخان. # قوله عز وجل: ### || [سورة الدخان (44) : الآيات 11 الى 18] # يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى ~~لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) ~~إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) # يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ~~وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18) PageV05P069 # يغشى معناه: يغطي. # وقوله تعالى: هذا عذاب أليم يحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى، كأنه ~~يعجب منه على نحو من قوله تعالى لما وصف قصة الذبح: إن هذا لهو البلاء ~~المبين [الصافات: 106] ، ويحتمل أن يكون هذا عذاب أليم من قول الناس، كأن ~~تقدير الكلام: يقولون هذا عذاب أليم، ويؤيد هذا التأويل سياقه ms3198 حكاية عنهم ~~أنهم يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، وعلم الله تعالى أن قولهم في ~~حال الشدة إنا مؤمنون إنما هو عن غير حقيقة منهم، فدل على ذلك بقوله: أنى ~~لهم الذكرى، أي من أين لهم أن يتذكروا وهم قد تركوا الذكرى وراء ظهورهم بأن ~~جاءهم رسول مبين، وهو محمد عليه السلام فكفروا به. وتولوا عنه أي أعرضوا، ~~وقالوا إنه يعلم هذا الكلام الذي يتلو وأنه مجنون، وإخباره تعالى بأنه يكشف ~~عنهم العذاب قليلا إخبار عن إقامة الحجة عليهم ومبالغة في الإملاء لهم، ثم ~~أخبرهم بأنهم عائدون إلى الكفر. وقال قتادة: هو توعد بمعاد الآخرة، ثم ~~أخبرهم بأنه ينتقم منهم بسبب هذا كله في يوم البطشة، وقدم اليوم وذكره على ~~الذي عمل فيه تهمما به وتخويفا منه، والعامل فيه منتقمون، وقد ضعف البصريون ~~هذا من حيث هو خبر إن، وأبعدوا أن يعمل خبرها فيما قبلها، وقالوا العامل ~~فعل مضمر يدل عليه منتقمون. # واختلف الناس في يوم البطشة الكبرى، فقال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة: ~~هو يوم القيامة وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس أيضا وأبي بن كعب ومجاهد: ~~هو يوم بدر. # وقرأ جمهور الناس: «نبطش» بفتح النون وكسر الطاء. وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن: بضم الطاء. # وقرأ الحسن أيضا وأبو رجاء وطلحة بن مصرف: بضم النون وكسر الطاء، ~~ومعناها: نسلط عليهم من يبطش بهم، ثم ذكر تعالى قوم فرعون على جهة المثال ~~لقريش. # و: فتنا معناه: امتحنا واختبرنا. والرسول الكريم: قال قتادة: هو موسى ~~عليه السلام، ومعنى الآية يعطي ذلك بلا خلاف وهنا متروك يدل عليه الظاهر، ~~تقديره قال لهم: أدوا هذا، مأخوذ من الأداء، كأنه يقول: أن ادفعوا إلي ~~وأعطوني ومكنوني. # واختلف المتأولون في الشيء المؤدى في هذه الآية ما هو؟ فقال مجاهد وابن ~~زيد وقتادة: طلب منهم أن يؤدوا إليه بني إسرائيل وإياهم أراد بقوله: عباد ~~الله وقال ابن عباس المعنى: اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق، فقوله: ~~عباد الله منادى مضاف، والمؤدى هي الطاعة ms3199 والإيمان والأعمال. # قال القاضي أبو محمد: والظاهر من شرع موسى عليه السلام أنه بعث إلى دعاء ~~فرعون إلى الإيمان، PageV05P070 # وأن يرسل بني إسرائيل، فلما أبى أن يؤمن، ثبتت المكافحة في أن يرسل بني ~~إسرائيل، وفي إرسالهم هو قوله: أن أدوا إلي عباد الله أي بني إسرائيل، ~~ويقوي ذلك قوله بعد: وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون [الدخان: 21] ، وهذا قريب ~~نص في أنه إنما يطلب بني إسرائيل فقط، ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى: # فأسر بعبادي فيظهر أنه إياهم أراد موسى بقوله: عباد الله وقوله: رسول ~~أمين معناه على وحي الله تعالى أؤديه إلى عباده. # قوله عز وجل: ### || [سورة الدخان (44) : الآيات 19 الى 28] # وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) وإني عذت بربي وربكم ~~أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) فدعا ربه أن هؤلاء قوم ~~مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون (25) ~~وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما ~~آخرين (28) # المعنى كانت رسالته وقوله: أن أدوا [الدخان: 18] وأن لا تعلوا وعبر ~~بالعلو عن الطغيان والعتو على الله تعالى وعلى شرعه وعلى رسوله. # وقرأ الجمهور: «إني آتيكم» بكسر الألف على الإخبار المؤكد، والسلطان: ~~الحجة، فكأنه قال: لا تكفروا، فإن الدليل المؤدي إلى الإيمان بين. وقرأت ~~فرقة: «أني آتيكم» بفتح الألف. و «أن» في موضع نصب بمعنى: لا تكفروا من أجل ~~أني آتيكم بسلطان مبين، فكأن مقصد هذا الكلام التوبيخ، كما تقول لإنسان: لا ~~تغضب، لأن الحق قيل لك. # وقوله: وإني عذت الآية، كلام قاله موسى عليه السلام لخوف لحقه من فرعون ~~وملئه و: عذت معناه: استجرت وتحرمت. وأدغم الدال في التاء الأعرج وأبو ~~عمرو. # واختلف الناس في قوله: أن ترجمون فقال قتادة وغيره: أراد الرجم بالحجارة ~~المؤدي إلى القتل. وقال ابن عباس وأبو صالح: أراد الرجم بالقول من السباب ~~والمخالفة ونحوه، والأول أظهر، لأنه أعيذ منه ولم يعذ من الآخر، بل قيل فيه ~~عليه السلام وله. # وقوله: ms3200 تؤمنوا لي بمعنى: تؤمنوا بي. والمعنى: تصدقوا. وقوله: فاعتزلون ~~مشاركة صريحة. قال قتادة: أراد خلوا سبيلي. # وقوله: فدعا ربه قبله محذوف من الكلام، تقديره: فما كفوا عنه، بل تطرقوا ~~إليه وعتوا عليه وعلى دعوته فدعا ربه. # وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى «إن هؤلاء» بكسر الألف من «إن» على معنى ~~«قال إن» ، وقرأ جمهور الناس والحسن أيضا: «أن هؤلاء» بفتح الألف، ~~والقراءتان حسنتان. PageV05P071 # وحكم عليهم بالإجرام المضمن للكفر حين يئس منهم، وهنا أيضا محذوف من ~~الكلام تقديره: فقال الله له: فأسر بعبادي وهذا هو الأمر الذي أنفذه الله ~~إلى موسى بالخروج من ديار مصر ببني إسرائيل، وقد تقدم شرحه وقصصه في سورة ~~الأنبياء وغيرها. # وقرأ جمهور الناس: «فاسر» موصولة الألف. وقرأ: «فأسر» بقطع الألف: الحسن ~~وعيسى، ورويت عن أبي عمرو. وأعلمه تعالى بأنهم متبعون، أي يتبعهم فرعون ~~وجنوده. # واختلف المفسرون في قوله تعالى: واترك البحر رهوا متى قالها لموسى؟ فقالت ~~فرقة: هو كلام متصل إنكم متبعون واترك البحر إذا انفرق لك رهوا. وقال قتادة ~~وغيره: خوطب به بعد ما اجتاز البحر وخشي أن يدخل فرعون وقومه وراءه، وأن ~~يخرجوا من المسالك التي خرج منها بنو إسرائيل، فهم موسى أن يضرب البحر عسى ~~أن يلتئم ويرجع إلى حاله، فقيل له عند ذلك: واترك البحر رهوا. # واختلفت عبارة المفسرين في تفسير الرهو، فقال مجاهد وعكرمة معناه: يبسا ~~من قوله تعالى: # فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا [طه: 77] . وقال الضحاك بن مزاحم معناه: ~~دمثا لينا. وقال عكرمة أيضا: جردا. وقال ابن زيد: سهلا. وقال ابن عباس ~~معناه: ساكنا، أي كما جزته، وهذا القول الأخير هو الذي تؤيده اللغة، فإن ~~العيش الواهي هو الذي هو في خفض ودعة وسكون، حكاه المبرد وغيره. والرهو في ~~اللغة هو هذا المعنى، ومنه قول عمرو بن شييم القطامي: # يمشون رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل # فإنما معناه: يمشون اتئادا وسكونا وتماهلا. ومنه قول الآخر: # وأمة خرجت رهوا إلى عيد أي خرجوا في سكون وتماهل، فقيل ms3201 لموسى عليه ~~السلام: اترك البحر ساكنا على حاله من الانفراق ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. والرهو: من أسماء الكركي الطائر، ولا مدخل له في تفسير هذه الآية، ~~ويشبه عندي أن سمي رهوا لسكونه، وأنه أبدا على تماهل. # وقوله: كم تركوا الآية، قبله محذوف تقديره: فغرقوا وقطع الله دابرهم، ثم ~~أخذ يعجب من كثرة ما تركوا من الأمور الرفيعة الغبيطة في الدنيا، و: كم خبر ~~للتكثير. والجنات والعيون: روي أنها كانت متصلة ضفتي النيل جميعا من رشيد ~~إلى أسوان. وأما العيون فيحتمل أنه أراد الخلجان الخارجة من النيل فشبهها ~~بالعيون، ويحتمل أنه كانت ثم عيون ونضبت كما يعتري في كثير من بقاع الأرض. # وقرأ قتادة ومحمد بن السميفع اليماني ونافع في رواية خارجة عنه: «ومقام» ~~بضم الميم، أي موضع إقامة. وكذلك قرأ اليماني في كل القرآن إلا في مريم خير ~~مقاما [مريم: 73] فكأن المعنى: كم تركوا من موضع حسن كريم في قدره ونفعه. ~~وقرأ جمهور الناس ونافع: «ومقام» بفتح الميم، أي موضع قيام، فعلى هذه ~~القراءة قال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: أراد المنابر. وعلى ضم الميم في: ~~«مقام» قال قتادة: أراد المواضع الحسان من المساكن وغيرها، والقول بالمنابر ~~بهي جدا. PageV05P072 # والنعمة بفتح النون: غضارة العيش ولذاذة الحياة، والنعمة بكسر النون أعم ~~من هذا، لأن النعمة بالفتح هي من جملة النعم بالكسر، وقد تكون الأمراض ~~والآلام والمصائب نعما، ولا يقال فيها نعمة بالفتح. وقرأ أبو رجاء: «ونعمة» ~~بالنصب. # وقرأ جمهور الناس: «فاكهين» بمعنى: ناعمين. والفاكه: الطيب النفس: أو ~~يكون بمعنى أصحاب فاكهة كلابن وتامر. وقرأ أبو رجاء والحسن بخلاف عنه، وابن ~~القعقاع: «فكهين» ، ومعناه قريب من الأول، لأن الفكه يستعمل كثيرا في ~~المستخف المستهزئ، فكأنه هنا يقول: كانوا في هذه النعمة مستخفين بشكرها ~~والمعرفة بقدرها. # وقوله: كذلك وأورثناها معناه الأمر كذلك، وسماها وراثة من حيث كانت أشياء ~~أناس وصلت إلى قوم آخرين من بعد موت الأولين، وهذه حقيقة الميراث في اللغة ~~وربطها الشرع بالنسب وغيره من أسباب الميراث، والآخرون من ملك ms3202 مصر بعد ~~القبط. وقال قتادة: القوم الآخرون، هم بنو إسرائيل، وهذا ضعيف، لأنه لم يرو ~~أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في شيء من ذلك الزمان ولا ملكوها قط، إلا أن ~~يريد قتادة أنهم ورثوا نوعها في بلاد الشام، وقد ذكر الثعلبي عن الحسن أن ~~بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الدخان (44) : الآيات 29 الى 36] # فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) ولقد نجينا بني ~~إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) ~~ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا ~~مبين (33) # إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) ~~فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) # نفت هذه الآية أن تكون السماء والأرض بكت على قوم فرعون، فاقتضى أن ~~للسماء والأرض بكاء. # واختلف المتأولون في معنى ذلك فقال علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد ~~وابن جبير: إن الرجل المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض موضع عبادته أربعين ~~صباحا، وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله، قالوا فلم يكن في قوم فرعون من ~~هذه حاله، فهذا معنى الآية. وقال السدي وعطاء: بكاء السماء: # حمرة أطرافها. وقالوا إن السماء احمرت يوم قتل الحسين بن علي، وكان ذلك ~~بكاء عليه، وهذا هو معنى الآية. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى الجيد في الآية أنها استعارة باهية فصيحة ~~تتضمن تحقير أمرهم، وأنهم لم يتغير عن هلاكهم شيء، وهذا نحو قوله تعالى: ~~وإن كان مكرهم لتزول [إبراهيم: 46] على قراءة من قرأ «لتزول» بكسر اللام ~~ونصب الفعل وجعل إن [إبراهيم: 46] نافية، ومثل هذا المعنى قول النبي عليه ~~السلام: «لا ينتطح فيها عنزان» فإنه يتضمن التحقير، لكن هذه الألفاظ هي ~~بحسب ما قيلت فيه، PageV05P073 # وهو قتل المرأة الكافرة التي كانت تؤذي النبي عليه السلام. وعظم قصة ~~فرعون وقومه يجيء بحسبها جمال الوصف وبهاء العبارة في قوله: فما بكت عليهم ~~السماء والأرض ومن نحو هذا أن يعكس قول جرير: # [الكامل] ms3203 # لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع # فيقال في تحقير: مات فلان فما خشعت الجبال، ونحو هذا، وفي الحديث عن ~~النبي عليه السلام أنه قال: «ما مات مؤمن في غربة غاب عنه فيها بواكيه إلا ~~بكت عليه السماء والأرض» ، ثم قرأ هذه الآية، وقال: «إنهما لا يبكيان على ~~كافر» . ومن التفخيم ببكاء المخلوقات العظام قول يزيد بن مفرغ [مجزوء ~~الكامل] : # الريح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في غمامه # وقول الفرزدق: # فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا # و: منظرين معناه: مؤخرين وممهلين. # ثم ذكر تعالى نعمته على بني إسرائيل في إنجائهم من فرعون وقومه، والعذاب ~~المهين هو ذبح الأبناء والتسخير في المهن كالبنيان والحفر وغيره. # وفي قراءة ابن مسعود: «من عذاب المهين» ، بسقوط التعريف بالألف واللام من ~~العذاب. # وقوله: من فرعون بدل من قوله: من العذاب. و: «من» بكسر الميم هي قراءة ~~الجمهور. # وروى قتادة أن ابن عباس كان يقرأها «من» بفتح الميم «فرعون» برفع النون. # وقوله: على علم أي على شيء سبق عندنا فيهم وثبت في علمنا أنه سينفذ. ~~وقوله: على العالمين يريد على جميع الناس، هذا على التأويل المتقدم في ~~العلم. والمعنى: لقد اخترناها لهذا الإنجاء وهذه النعم على سابق علم لنا ~~فيهم وخصصناهم بذلك دون العالم، ويحتمل قوله: على علم أن يكون معناه: على ~~علم وفضائل فيهم، والمعنى: اخترناهم للنبوءات والرسالات، فيكون قوله: على ~~العالمين في هذا التأويل، معناه: على عالم زمانهم، وذلك بدليل فضل أمة محمد ~~لهم وعليهم، وأن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس. # وقوله تعالى: وآتيناهم من الآيات لفظ جامع لمعجزات موسى وللعبر التي ظهرت ~~في قوم فرعون من الجراد والقمل والضفادع وغير ذلك، ولما أنعم به على بني ~~إسرائيل من تظليل الغمام والمن والسلوى وغير ذلك، فإن لفظ الآيات يعم جميع ~~هذا. والبلاء في هذا الموضع: الامتحان والاختبار، وهذا كما قال تعالى: ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون [الأنبياء: 35] و: مبين بمعنى ~~بين. # ثم ذكر تعالى قريشا وحكى عنهم على ms3204 جهة الإنكار لقولهم حين أنكروا فيه ما ~~هو جائز في العقل PageV05P074 # فقال: إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى أي ما آخر أمرنا ومنتهى ~~وجودنا إلا عند موتتنا، وما نحن بمبعوثين من القبور، يقال أنشر الله الميت ~~فنشر هو، وقول قريش: فأتوا مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه من ~~حيث كان النبي عليه السلام مسندا في أقواله وأفعاله إلى الله تعالى وبواسطة ~~ملك خاطبوه كما تخاطب الجماعة، وهم يريدونه وربه وملائكته. واستدعاء الكفار ~~في هذه الآية أن يحيي لهم بعض آبائهم وسموا قصيا لكي يسألوهم عما رأوا في ~~آخرتهم، ولم يستقص في هذه الآية الرد عليهم لبيانه، ولأنه مبثوث في غير ما ~~آية من كتاب الله، فإن الله تعالى قد جزم البعث من القبور في أجل مسمى لا ~~يتعداه أحد، وقد بينت الأمثلة من الأرض الميتة وحال النبات أمر البعث من ~~القبور. # قوله عز وجل: ### || [سورة الدخان (44) : الآيات 37 الى 44] # أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (39) إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى ~~عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) # إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرة الزقوم (43) طعام ~~الأثيم (44) # قوله تعالى: أهم خير الآية تقرير فيه وعيد، و: تبع ملك حميري، وكان يقال ~~لكل ملك منهم: (تبع) ، إلا أن المشار إليه في هذه الآية رجل صالح من ~~التبابعة. قال كعب الأحبار: ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، ونهى العلماء عن ~~سبه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق سهل بن سعد: أن تبعا هذا ~~أسلم وآمن بالله، وروي أن ذلك كان على يد أهل كتاب كانوا بحضرته. وقال ابن ~~عباس: كان (تبع) نبيا. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ما أدري أكان (تبع) نبيا أم غير نبي؟. وقال ابن جبير: هو الذي كسا ms3205 ~~الكعبة، وقد ذكره ابن إسحاق في السيرة، والله أعلم. # وقوله تعالى: إنهم كانوا مجرمين يريد بالكفر. وقرأت فرقة: «أنهم» بفتح ~~الألف. وقرأ الجمهور بكسرها. # وقوله تعالى: وما خلقنا السماوات الآية، إخبار فيه تنبيه وتحذير. وقوله: ~~إلا بالحق يريد بالواجب المقتضي للخيرات وفيض الهبات. و: يوم الفصل هو يوم ~~القيامة، وهذا هو الإخبار بالبعث، وهو أمر جوزه العقل وأثبته الشرع بهذه ~~الآية وغيرها. والمولى في هذه الآية: يعم جميع الموالي من القرابات وموالي ~~العتق وموالي الصداقة. # وقوله: ولا هم ينصرون إن كان الضمير يراد به العالم، فيصح أن يكون من ~~قوله: إلا من في موضع نصب على الاستثناء المتصل، وإن كان الضمير يراد به ~~الكفار فالاستثناء منقطع، ويصح أن يكون في موضع رفع علة الابتداء والخبر ~~تقديره: فإنه يغني بعضهم عن بعض في الشفاعة ونحوها، أو يكون تقديره: فإن ~~الله ينصره. PageV05P075 # وقوله تعالى: إن شجرة الزقوم طعام الأثيم روي عن ابن زيد الأثيم المشار ~~إليه: أبو جهل، ثم هي بالمعنى تتناول كل أثيم، وهو كل فاجر يكتسب الإثم، ~~وروي عن ابن زيد أن أبا الدرداء أقرأ أعرابيا فكان يقول: «طعام اليتيم» ، ~~فرد عليه أبو الدرداء مرارا فلم يلقن، فقال له: قل «طعام الفاجر» ، فقرئت ~~كذلك، وإنما هي على التفسير. و: شجرة الزقوم هي الشجرة الملعونة في القرآن، ~~وهي تنبت في أصل الجحيم، وهي التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين. # وروي أن أبا جهل لما نزلت هذه الآية فيه، وأشار الناس بها إليه، جمع عجوة ~~بزبد ودعا إليها ناسا وقال لهم: «تزقموا، فإن الزقوم هو عجوة يثرب بالزبد، ~~وهو طعامي الذي حدث به محمد» ، وإنما قصد بذلك ضربا من المغالطة والتلبيس ~~على الجهلة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الدخان (44) : الآيات 45 الى 59] # كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء ~~الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم (49) # إن هذا ما كنتم به تمترون (50) إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات ~~وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين ms3206 (53) كذلك وزوجناهم بحور عين ~~(54) # يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما ~~يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) # قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما: «المهل» : دردي الزيت وعكره. وقال ~~ابن مسعود وابن عباس أيضا: «المهل» ما ذاب من ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص ~~ونحوه. قال الحسن: كان ابن مسعود على بيت المال لعمر بالكوفة، فأذاب يوما ~~فضة مكسرة، فلما انماعت، قال: يدخل من بالباب، فدخلوا، فقال لهم: هذا أشبه ~~ما رأينا في الدنيا بالمهل. والمعنى أن هذه الشجرة إذا طعمها الكافر في ~~جهنم صارت في جوفه تفعل كما يفعل المهل السخن من الإحراق والإفساد. # وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: «تغلي» ~~بالتاء على معنى: تغلي الشجرة، وهي قراءة عمرو بن ميمون وأبي رزين والحسن ~~والأعرج وابن محيصن وطلحة. وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ~~«يغلي» على معنى: يغلي الطعام، وهي قراءة مجاهد وقتادة والحسن بخلاف عنه. ~~و: الحميم: الماء الساخن الذي يتطاير من غليانه. # وقوله تعالى: خذوه الآية، معناه: يقال يومئذ للملائكة عن هذا الأثيم خذوه ~~فاعتلوه. PageV05P076 # والعتل: السوق بعنف وإهانة ودفع قوي متصل، كما يساق أبدا مرتكب الجرائم، ~~وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: بضم التاء، والباقون بكسرها، وقد روي الضم ~~عن أبي عمرو، وكذلك روي الوجهان عن الحسن وقتادة والأعرج. # والسواء: الوسط، وقيل المعظم وذلك متلازم في العظم أبدا من مثل هذا إنما ~~هو في الوسط، وفي الآية ما يقتضي أن الكافر يصب على رأسه من حميم جهنم، وهو ~~ما يغلى فيها من ذوب، وهذا كما في قوله تعالى: يصب من فوق رؤسهم الحميم ~~[الحج: 19] وإلى هذا نظر بعض ولاة المدينة فإنه كان يصب الخمر على رأس الذي ~~شربها أو توجد عنده عقوبة له وأدبا، ذكر ذلك ابن حبيب في الواضحة. # وقوله تعالى: ذق، إنك أنت العزيز الكريم مخاطبة على ms3207 معنى هذا التقريع، ~~ويروى عن قتادة أن أبا جهل لما نزلت: إن شجرة الزقوم طعام الأثيم [الدخان: ~~43- 44] قال أيتهددني محمد وأنا ما بين جبليها أعزمني وأكرم، فنزلت هذه ~~الآيات، وفي آخرها: ذق إنك أنت العزيز الكريم أي على قولك، وهذا كما قال ~~جرير: # ألم يكن في وسوم قد وسمت بها ... من خان موعظة يا زهرة اليمن # يقولها للشاعر الذي سمى نفسه به، وذلك في قوله: # أبلغ كليبا وأبلغ عنك شاعرها ... أني الأعز وأني زهرة اليمن # فجاء بيت جرير على هذا الهزء. # وقرأ الجمهور: «إنك» بكسر الهمزة. وقرأ الكسائي وحده: «أنك» بفتح الألف، ~~والمعنى واحد في المقصد وإن اختلف المأخذ إليه، وبالفتح قرأها على المنبر ~~الحسين بن علي بن أبي طالب أسنده إليه الكسائي وأتبعه فيها. # وقوله تعالى: إن هذا ما كنتم به تمترون عبارة عن قول يقال للكفرة عند ~~عذابهم، أي هذه الآخرة وجهنم التي كنتم تشكون فيها. ثم ذكر تعالى حالة ~~المتقين بعقب ذكر حالة الكافر ليبين الفرق. # وقرأ نافع وابن عامر: «في مقام» بضم الميم، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة ~~وقتادة وعبد الله بن عمر بن الخطاب والحسن والأعرج. وقرأ الباقون: «في ~~مقام» بفتحها، وهي قراءة أبي رجاء وعيسى ويحيى والأعمش. # و: أمين يؤمن فيه الغير، فكأنه فعيل بمعنى مفعول، أي مأمون فيه. وكسر ~~عاصم العين من «عيون» . قال أبو حاتم: وذلك مردود عند العلماء، ومثله شيوخ ~~وبيوت، بكسر الشين والباء. والسندس: # رقيق الحرير. والإستبرق: خشينه. # وقرأ ابن محيصن: «وإستبرق» بالوصل وفتح القاف. PageV05P077 # وقوله: متقابلين وصف لمجالس أهل الجنة، لأن بعضهم لا يستدبر بعضا في ~~المجالس، وقوله: # كذلك وزوجناهم تقديره: والأمر كذلك. # وقرأ الجمهور: «عين» وهو جمع عيناء. وقرأ ابن مسعود: «عيس» ، وهو جمع ~~عيساء، وهي أيضا البيضاء، وكذلك هي من النوق. وقرأ عكرمة: «بحور عين» على ~~ترك التنوين في «حور» وأضافها إلى «عين» . قال أبو الفتح: الإضافة هنا تفيد ~~ما تفيد الصفة، وروى أبو قرصافة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~إخراج القمامة من المسجد ms3208 من مهور الحور العين. # وقوله تعالى: يدعون فيها بكل فاكهة آمنين معناه: يدعون الخدمة ~~والمتصرفين. # وقوله تعالى: إلا الموتة الأولى قدر قوم إلا بسوى، وضعف ذلك الطبري، ~~وقدرها ببعد، وليس تضعيفه بصحيح، بل يصح المعنى بسوى ويتسق، وأما معنى ~~الآية: فبين أنه نفى عنهم ذوق الموت، وأنه لا ينالهم من غير ذلك ما تقدم في ~~الدنيا، والضمير في قوله: يسرناه عائد على القرآن. وقوله: # بلسانك معناه بلغة العرب ولم يرد الجارحة. # وقوله: فارتقب إنهم مرتقبون معناه: فارتقب نصرنا لك، إنهم مرتقبون فيما ~~يظنون الدوائر عليك، وفي هذه الآية وعد له، ووعيد لهم، وفيها متاركة، وهذا ~~وما جرى منسوخ بآية السيف. PageV05P078 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجاثية # هذه السورة مكية لا خلاف في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) # واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) # تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور. و: تنزيل رفع بالابتداء أو ~~على خبر ابتداء مضمر. و: العزيز معناه عام في شدة أخذه إذا انتقم، ودفاعه ~~إذا حمي ونصر وغير ذلك. # و: الحكيم المحكم للأشياء. # وذكر تبارك الآيات التي في السماوات والأرض مجملة غير مفصلة، فكأنها ~~إحالة على غوامض تثيرها الفكر، ويخبر بكثير منها الشرع، فلذلك جعلها ~~للمؤمنين، إذ في ضمن الإيمان العقل والتصديق. ثم ذكر تعالى خلق البشر ~~والحيوان، وكأنه أغمض مما أحال عليه أولا وأكثر تلخيصا، فجعله للموقنين ~~الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين في معتقداتهم. ثم ذكر تعالى اختلاف الليل ~~والنهار والعبرة بالمطر والرياح، فجعل ذلك لقوم يعقلون، إذ كل عاقل يحصل ~~هذه ويفهم قدرها، وإن كان هذا النظر ليس بلازم ولا بد فإن اللفظ يعطيه. ms3209 و: ~~يبث معناه: ينشر في الأرض. والدابة: كل حيوان يدب، أو يمكن فيه أن يدب، ~~يدخل في ذلك الطير والحوت، وشاهد الطير قول الشاعر: [الطويل] صواعقها ~~لطيرهن دبيب وقول الآخر: [الطويل] دبيب قطا البطحاء في كل منهل وشاهد الحوت ~~قول أبي موسى: وقد ألقى البحر دابة مثل الظرب ودواب البحر لفظ مشهور في ~~اللغة. PageV05P079 # وقرأ حمزة والكسائي: «آيات» بالنصب في الموضعين الآخرين. وقرأ الباقون ~~والجمهور: «آيات» بالرفع فيهما، فأما من قرأ بالنصب فحمل «آيات» في ~~الموضعين على نصب إن في قوله إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ولا ~~يعرض في ذلك العطف على عاملين الذي لا يجيزه سيبويه وكثير من النحويين، ~~لأنا نقدر في معادة في قوله: واختلاف وكذلك هي في مصحف ابن مسعود: «وفي ~~اختلاف» ، فكأنه قال على قراءة الجمهور: «وفي اختلاف الليل» ، وذلك أن ~~ذكرها قد تقدم في قوله: # وفي خلقكم فلما تقدم ذكر الجار جاز حذفه من الثاني، ويقدر مثبتا كما قدر ~~سيبويه في قول الشاعر [أبو دؤاد الأيادي] : [المتقارب] # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا # أي وكل نار، وكما قال الآخر: [الرجز] # أوصيت من برة قلبا حرا ... بالكلب خيرا والحماة شرا # أي وبالحمأة، وهذا الاعتراض كله إنما هو في آيات الثاني، لأن الأول قبله ~~حرف الجر ظاهر. # وفي قراءة أبي بن كعب وابن مسعود في الثلاثة المواضع: «لآيات» . قال أبو ~~علي: وهذا يدل على أن الكلام محمول على أن في قراءة من أسقط اللامات في ~~الاثنين الآخرين، وأما من رفع «آيات» في الموضعين فوجهه العطف على موضع إن ~~وما عملت فيه، لأن موضعها رفع بالابتداء، ووجه آخر وهو أن يكون قوله: وفي ~~خلقكم وما يبث مستأنفا، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة، وقال بعض ~~الناس: يجوز أن يكون جملة في موضع الحال فلا تكون غريبة على هذا. # واختلاف الليل والنهار إما بالنور والظلام، وإما بكونهما خلفة. والرزق ~~المنزل من السماء: هو المطر، سماه رزقا بمآله، لأن جميع ما يرتزق فعن المطر ~~هو. وتصريف الرياح ms3210 هو بكونها صبا ودبورا وجنوبا وشمالا، وأيضا فبكونها مرة ~~رحمة ومرة عذابا، قاله قتادة، وأيضا بلينها وشدتها وبردها وحرها. # وقرأ طلحة وعيسى: «وتصريف الريح» بالإفراد، وكذلك في جميع القرآن إلا ما ~~كان فيه مبشرات وخالف عيسى في الحجر فقرأ: الرياح لواقح [الحجر: 22] . # وقوله: تلك آيات الله إشارة إلى ما ذكر. وقوله: نتلوها فيه حذف مضاف، أي ~~يتلو شأنها وتفسيرها وشرح العبرة لها، ويحتمل أن يريد ب آيات الله القرآن ~~المنزل في هذه المعاني فلا يكون في نتلوها حذف مضاف. وقوله: بالحق معناه: ~~بالصدق والإعلام بحقائق الأمور في أنفسها. وقوله: # فبأي حديث الآية توبيخ وتقريع، وفيه قوة التهديد. # وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة: ~~«يؤمنون» بالياء من تحت. # وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم أيضا والأعمش «تؤمنون» بالتاء على ~~مخاطبة الكفار. وقرأ طلحة بن مصرف: «توقنون» بالتاء من فوق من اليقين. PageV05P080 # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 7 الى 11] # ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم ~~يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك ~~لهم عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما ~~اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ~~ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) # الويل في كلام العرب: المصائب والحزن والشدة من هذه المعاني، وهي لفظة ~~تستعمل في الدعاء على الإنسان. وروي في بعض الآثار أن في جهنم واديا اسمه: ~~ويل، وذهب الطبري إلى أنه المراد بالآية، ومقتضى اللغة أنه الدعاء على أهل ~~الإفك والإثم بالمعاني المتقدمة. والأفاك: الكذاب الذي يقع منه الإفك ~~مرارا. والأثيم: بناء مبالغة، اسم فاعل من أثم يأثم. # وروي أن سبب هذه الآية أبو جهل، وقيل النضر بن الحارث، والصواب أن سببها ~~ما كان المذكوران وغيرهما يفعل، وأنها تعم كل من دخل تحت الأوصاف المذكورة ~~إلى يوم القيامة: و: يصر معناه: يثبت على عقيدته من الكفر. ms3211 # وقوله: فبشره بعذاب حسن ذلك لما أفصح عن العذاب، ولو كانت البشارة غير ~~مقيدة بشيء لما حصلت إلا على المحاب. # وقرأ جمهور الناس: «وإذا علم» بفتح العين وتخفيف اللام، والمعنى: وإذا ~~أخبر بشيء من آياتنا فعلم نفس الخبر لا المعنى الذي تضمنه الخبر ولو علم ~~المعاني التي تضمنها إخبار الشرع وعرف حقائقها لكان مؤمنا. وقرأ قتادة ومطر ~~الوراق «علم» بضم العين وشد اللام. # وقوله: أولئك رد على لفظ كل أفاك، لأنه اسم جنس له الصفات المذكورة بعد ~~قوله: من ورائهم جهنم قال فيه بعض المفسرين معناه: من أمامهم، وهذا نحو ~~الخلاف الذي في قوله تعالى: # وكان وراءهم ملك [الكهف: 79] ولحظ قائل هذه المقالة الأمر من حيث تأول أن ~~الإنسان كأنه من عمره يسير إلى جنة أو نار، فهما أمامه، وليس لفظ الوراء في ~~اللغة كذلك، وإنما هو ما يأتي خلف الإنسان، وإذا اعتبر الأمر بالتقدم أو ~~التأخر في الوجود، على أن الزمان كالطريق للأشياء استقام الأمر، فما يأتي ~~بعد الشيء في الزمان فهو وراءه، فكأن الملك وأخذه السفينة وراء ركوب أولئك ~~إياها، وجهنم وإحراقها للكفرة يأتي بعد كفرهم وأفعالهم، وهذا كما تقول: ~~افعل كذا وأنا من ورائك عضدا، وكما تقول ذلك على التهديد، أنا من وراء ~~التقصي عليك، ونحو هذا. وقوله تعالى: ولا ما اتخذوا يعني بذلك الأوثان. # وقوله تعالى: هذا هدى إشارة إلى القرآن. PageV05P081 # وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: «أليم» على النعت ل عذاب وهي قراءة ~~ابن محيصن وابن مصرف وأهل مكة. وقرأ الباقون: «أليم» على النعت ل رجز وهي ~~قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة وعيسى والأعمش. والرجز: أشد العذاب. # وقوله: لهم عذاب بمنزلة قولك: لهم حظ، فمن هذه الجهة ومن جهة تغاير ~~اللفظتين حسن قوله: عذاب من رجز إذ الرجز هو العذاب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 12 الى 14] # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن ms3212 في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) # هذه آية عبرة في جريان السفينة في البحر، وذلك أن الله تعالى سخر هذا ~~المخلوق العظيم لهذا المخلوق الحقير الضعيف. # وقوله: بأمره أقام القدرة والإذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك. ~~والابتغاء من فضل الله: هو بالتجارة في الأغلب، وكذلك مقاصد البر من حج أو ~~جهاد هي أيضا ابتغاء فضل، والتصير فيه هو ابتغاء فضل. وتسخير ما في ~~السماوات: هو تسخير الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والهواء ~~والملائكة الموكلة بهذا كله، ويروى أن بعض الأحبار نزل به ضيف فقدم إليه ~~رغيفا، فكأن الضيف احتقره فقال له المضيف: لا تحتقره فإنه لم يستدر حتى ~~تسخر فيه من المخلوقات والملائكة ثلاثمائة وستون بين ما ذكرنا من مخلوقات ~~السماء وبين الملائكة وبين صناع بني آدم الموصلين إلى استدارة الرغيف، ~~وتسخير ما في الأرض هو تسخير البهائم والمياه والأودية والجبال وغير ذلك. ~~ومعنى قوله: جميعا منه قال ابن عباس: كل إنعام فهو من الله تعالى. # وقرأ جمهور الناس: «منه» وهو وقف جيد. وقرأ مسلمة بن محارب: «منه» بفتح ~~الميم وشد النون المضمومة بتقدير: هو منه. وقرأ ابن عباس: بكسر الميم وفتح ~~النون المشددة ونصب التاء على المصدر. # قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى ابن عباس مظلم، وحكاها أبو الفتح عن ~~ابن عباس وعبد الله بن عمر والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير. وقرأ مسلمة ~~بن محارب أيضا: «منة» بكسر الميم وبالرفع في التاء. # وقوله تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا الآية، آية نزلت في صدر الإسلام، أمر ~~الله المؤمنين فيها أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون ~~أنفسهم بالصبر، قاله محمد بن كعب القرظي والسدي. قال أكثر الناس: وهذه آية ~~منسوخة بآية القتال وقالت فرقة: الآية محكمة، والآية تتضمن الغفران عموما، ~~فينبغي أن يقال: إن الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخ ~~غفرانه آية السيف PageV05P082 # والجزية وما أحكمه الشرع ms3213 لا محالة، وإن الأمور المحقرة كالجفاء في القول ~~ونحو ذلك يحتمل أن يتقى محكمه، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى. وقال ~~ابن عباس لما نزلت: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [البقرة: 245] قال ~~فنحاص اليهودي. احتاج رب محمد، فأخذ عمر سيفه ومر ليقتله، فرده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: «إن ربك يقول: قل للذين آمنوا» الآية، فهذا ~~احتجاج بها مع قدم نزولها. وقد ذكر مكي وغيره أنها نزلت بمكة في عمر رضي ~~الله عنه لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه. # وأما الجزم في قوله: يغفروا فهو جواب شرط مقدر تقديره: قل اغفروا فإن ~~يجيبوا يغفروا. وأخصر عندي من هذا أن قل هي بمثابة: أندب المؤمنين إلى ~~الغفر. # وقوله: أيام الله قالت فرقة معناه: أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة ~~وغير ذلك، ف يرجون على هذا هو من بابه. وقال مجاهد: أيام الله تعالى هي ~~أيام نقمه وعذابه، ف يرجون على هذا هي التي تتنزل منزلة يخافون، وإنما ~~تنزلت منزلتها من حيث الرجاء والخوف متلازمان لا تجد أحدهما إلا والآخر معه ~~مقترن، وقد تقدم شرح هذا غير مرة، وقرأ جمهور القراء «ليجزي» بالياء على ~~معنى: ليجزي الله. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش وأبو عبد الرحمن ~~وابن وثاب: «لنجزي» بالنون. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بخلاف عنه «ليجزى» ~~على بناء الفعل للمفعول «قوما» ، وهذا على أن يكون التقدير: # ليجزي الجزاء قوما، وباقي الآية وعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 15 الى 17] # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ولقد آتينا ~~بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(17) # لما تقرر في التي قبل هذه أن الله يجزي قوما بكسبهم ويعاقبهم بذنوبهم ~~واجترامهم، أكد ذلك بقوله تعالى: من عمل صالحا فلنفسه. # وقوله: فلنفسه هي لام ms3214 الحظ، لأن الحظوظ والمحاب إنما يستعمل فيها اللام ~~التي هي كلام الملك، تقول الأمور لزيد متأتية، وتستعمل في ضد ذلك على، ~~فتقول: الأمور على فلان مستصعبة، وتقول: لزيد مال وعليه دين، وكذلك جاء ~~العمل الصالح في هذه الآية باللام والإشارة ب «على» . # وقوله تعالى: ثم إلى ربكم ترجعون معناه إلى قضائه وحكمه، والكتاب في ~~قوله: آتينا بني إسرائيل الكتاب هو التوراة. والحكم هو السنة والفقه، فيقال ~~إنه لم يتسع فقه الأحكام على لسان نبي ما اتسع على لسان موسى عليه السلام: ~~والنبوة هي ما تكرر فيهم من الأنبياء. # وقوله تعالى: ورزقناهم من الطيبات يعني المستلذات الحلال، وبهذين تتم ~~النعمة ويحسن PageV05P083 # تعديدها، وهذه إشارة إلى المن والسلوى، وطيبات الشام بعد، إذ هي الأرض ~~المباركة، وقد تقدم القول في معنى الطيبات، وتلخيص قول مالك والشافعي في ~~ذلك. # وقوله تعالى: على العالمين يريد على عالم زمانهم. والبينات من الأمر: هو ~~الوحي الذي فصلت لهم به الأمور. # ثم أوضح تعالى خطأهم وعظمه بقوله: فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم وذلك أنهم لو اختلفوا اجتهادا في طلب صواب لكان لهم عذر في ~~الاختلاف، وإنما اختلفوا بغيا وقد تبينوا الحقائق، ثم توعدهم تعالى بوقف ~~أمرهم على قضائه بينهم يوم القيامة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 18 الى 21] # ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ~~(18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ~~ولي المتقين (19) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون (21) # المعنى: ثم جعلناك على شريعة، فلا محالة أنه سيختلف عليك كما تقدم لبني ~~إسرائيل فاتبع شريعتك، والشريعة في كلام العرب: الموضع الذي يرد فيه الناس ~~في الأنهار والمياه ومنه قول الشاعر: # [البسيط] . # وفي الشرائع من جلان مقتنص ... رث الثياب خفي الشخص منسرب # فشريعة الدين هي من ذلك، كأنها من حيث يرد ms3215 الناس أمر الحدود ورحمته ~~والقرب منه. وقال قتادة: # الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي. # وقوله: من الأمر يحتمل أن يكون واحد الأمور أي من دون الله ونبواته التي ~~بثها في سالف الزمان، ويحتمل أن يكون مصدرا من أمر يأمر، أي على شريعة من ~~الأوامر والنواهي، فسمى جميع ذلك أمرا. والذين لا يعلمون هم الكفار الذين ~~كانوا يريدون صرف محمد صلى الله عليه وسلم إلى إرادتهم. و: يغنوا من ~~الغناء، أي لن يكون لهم عنك دفاع. ثم حقر تعالى شأن الظالمين مشيرا بذلك ~~إلى كفار قريش، ووجه التحقير أنه قال: هؤلاء يتولى بعضهم بعضا، والمتقون ~~يتولاهم الله، فخرجوا عن ولاية الله وتبرأت منهم، ووكلهم الله بعضهم إلى ~~بعض. # وقوله تعالى: هذا بصائر يريد القرآن. والبصائر جمع بصيرة، وهي المعتقد ~~الوثيق في الشيء، كأنه مصدر من إبصار القلب، فالقرآن فيه بيانات ينبغي أن ~~تكون بصائر. والبصيرة في كلام العرب: # الطريقة من الدم، ومنه قول الشاعر يصف جده في طلب الثأر وتواني غيره: ~~[الكامل] PageV05P084 # راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأى # وفسر الناس هذا البيت بطريقة الدم إذ كانت عادة طالب الدم عندهم أن يجعل ~~طريقة من دم خلف ظهره ليعلم بذلك أنه لم يدرك ثأره وأنه يطلبه، ويظهر فيه ~~أنه يريد بصيرة القلب، أي قد اطرح هؤلاء بصائرهم وراء ظهورهم. # وقوله تعالى: أم حسب # الآية قول يقتضي أنه نزل بسبب افتخار كان للكفار على المؤمنين قالوا لئن ~~كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن عليكم فيها كما فضلنا في الدنيا. و: أم # هذه ليست بمعادلة، وهي بمعنى بل مع ألف الاستفهام. و: اجترحوا # معناه: اكتسبوا، ومنه جوارح الإنسان، ومنه الجوارح في الصيد، وتقول ~~العرب: فلان جارحة أهله، أي كاسبهم. # وقرأ أكثر القراء: «سواء» بالرفع «محياهم ومماتهم» بالرفع، وهذا على أن ~~«سواء» رفع بالابتداء «ومحياهم ومماتهم» خبره. و: كالذين # في موضع المفعول الثاني ل «نجعل» ، وهذا على أحد معنيين: # إما أن يكون الضمير في محياهم # يختص بالكفار المجترحين، فتكون الجملة خبرا عن أن حالهم ms3216 في الزمنين حال ~~سوء. والمعنى الثاني: أن يكون الضمير في محياهم # يعم الفريقين، والمعنى: أن محيا هؤلاء ومماتهم سواء، وهو كريم، ومحيا ~~الكفار ومماتهم سواء، وهو غير كريم، ويكون اللفظ قد لف هذا المعنى وذهن ~~السامع يفرقه، إذ تقدم أبعاد أن يجعل الله هؤلاء كهؤلاء. قال مجاهد: المؤمن ~~يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا. # قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: مقتضي هذا الكلام أن لفظ ~~الآية خبر، ويظهر لي أن قوله: سواء محياهم ومماتهم # داخل في المحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال، والأول أيضا جيد. # وقرأ طلحة وعيسى بخلاف عنه: «سواء» بالنصب، «محياهم ومماتهم» بالرفع، ~~وهذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون قوله: كالذين # في موضع المفعول الثاني ل «جعل» كما هو في قراءة الرفع، وينصب قوله: ~~«سواء» على الحال من الضمير في: نجعلهم # . والوجه الثاني أن يكون قوله: كالذين # في نية التأخير، ويكون قوله: «سواء» مفعولا ثانيا ل «جعل» ، وعلى كلا ~~الوجهين: «محياهم ومماتهم» مرتفع ب «سواء» على أنه فاعل. وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش «سواء» بالنصب «محياهم ومماتهم» بالنصب وذلك ~~على الظرف أو على أن يكون «محياهم» بدلا من الضمير في: نجعلهم # أي نجعل محياهم ومماتهم سواء، وهذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من ~~حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين فيكون عنده فيه، وروي عن الربيع بن خيثم ~~أنه كان يرددها ليلة جمعاء، وكذلك عن الفضيل بن عياض، وكان يقول لنفسه: ليت ~~شعري من أي الفريقين أنت، وقال الثعلبي: كانت هذه الآية تسمى مبكاة ~~العابدين. # قال القاضي أبو محمد: وأما لفظها فيعطي أنه اجتراح الكفر بدليل معادلته ~~بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات، ويكون ~~الإيمان في الفريقين، ولهذا ما بكى الخائفون رضوان الله عليهم، وإما مفعولا ~~حسب # فقولهم أن نجعلهم # يسد مسد المفعولين. وقوله: ساء ما PageV05P085 # يحكمون # ، ما # مصدرية، والتقدير: ساء الحكم حكمهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 22 الى 24] # وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل ms3217 نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ~~(22) أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ~~وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يظنون (24) # وخلق الله السماوات والأرض بالحق معناه: بأن خلقها حق واجب متأكد في نفسه ~~لما فيه من فيض الخيرات ولتدل عليه ولتكون صنعة حاكمة لصانع وقيل لبعض ~~الحكماء: لم خلق الله السماوات والأرض؟ قال ليظهر جوده. واللام في قوله: ~~لتجزى يظهر أن تكون لام كي، فكأن الجزاء من أسباب خلق السماوات، ويحتمل أن ~~تكون لام الصيرورة أي صار الأمر فيها من حيث اهتدى بها قوم وضل عنها آخرون ~~لأن يجازى كل أحد بعلمه وبما اكتسب من خير أو شر. # وقوله تعالى: أفرأيت سهل بعض القراء الهمزة وخففها قوم، وكذلك هي في مصحف ~~ابن مسعود مخففة، وفي مصحف أبي بن كعب: «أفرأيت» دون همز. وهذه الآية تسلية ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم عن المعرضين عن الإيمان، أي لا تعجل بهم ولا تهتم ~~بأمرهم، فليس فيهم حيلة لبشر، لأن الله تعالى أضلهم. وقال ابن جبير: قوله: ~~إلهه هواه إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة. # وقال قتادة المعنى: لا يهوى شيئا إلا ركبه، لا يخاف الله، وهذا كما يقال: ~~الهوى إله معبود. # وقرأ الأعرج وابن جبير: «آلهة هواه» على التأنيث في «آلهة» . # وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس ~~الأمارة، قال ابن عباس: # ما ذكر الله هوى إلا ذمة. وقال الشعبي: سمي هوى لهويه بصاحبه. وقال النبي ~~عليه السلام: والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقال سهل التستري: ~~هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال سهل: إذا شككت في خير أمرين، فانظر ~~أبعدهما من هواك فأته. ومن حكمة الشعر في هذا قول القائل: # إذا أنت لم تعص الهوى قادك ال ... هوى إلى ms3218 كل ما فيه عليك مقال # وقوله تعالى: على علم قال ابن عباس المعنى: على علم من الله تعالى سابق. ~~وقالت فرقة: أي على علم من هذا الضال بأن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه، ~~فتكون الآية على هذا من آيات العناد من نحو قوله: وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم [النمل: 14] وعلى كلا التأويلين: ف على علم، حال. # وقوله تعالى: وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة استعارات كلها، إذ ~~هو الضال لا ينفعه ما يسمع ولا ما يفهم ولا ما يرى، فكأنه بهذه الأوصاف ~~المذكورة، وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها، PageV05P086 # لأن التكسب فيها منصوص عليه في قوله: اتخذ وفي قوله: على علم على التأويل ~~الأخير فيه، ولو لم ينص على الاكتساب لكان مرادا في المعنى. # وقرأ أكثر القراء «غشاوة» بكسر الغين. وقرأ عبد الله بن مسعود: «غشاوة» ~~بفتح الغين وهي لغة ربيعة، وحكي عن الحسن وعكرمة: «غشاوة» بضم الغين وهي ~~لغة عكل، وقرأ حمزة والكسائي: «غشوة» بفتح الغين وإسكان الشين. وقرأ الأعمش ~~وابن مصرف بكسر الغين دون ألف. # وقوله: من بعد الله فيه حذف مضاف تقديره: من بعد إضلال الله إياه. # وقرأ عاصم وأراه الجحدري: «تذكرون» بتخفيف الذال. وقرأ جمهور الناس: ~~«تذكرون» على الخطاب أيضا بتشديد الذال. وقرأ الأعمش: «تتذكرون» بتاءين. # وقوله تعالى: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا الآية حكاية مقالة بعض ~~قريش، وهذه صنيفة دهرية من كفار العرب. ومعنى قولهم: ما في الوجود إلا هذه ~~الحياة التي نحن فيها وليست ثم آخرة ولا بعث. # واختلف المفسرون في معنى قولهم: نموت ونحيا فقالت فرقة المعنى: نحن موتى ~~قبل أن نوجد، ثم نحيا في وقت وجودنا. وقالت فرقة: المعنى: نموت حين نحن نطف ~~ودم، ثم نحيا بالأرواح فينا، وهذا قول قريب من الأول، ويسقط على القولين ~~ذكر الموت المعروف الذي هو خروج الروح من الجسد، وهو الأهم في الذكر. وقالت ~~فرقة المعنى نحيا ونموت، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير. وقالت فرقة: # الغرض من اللفظ العبارة عن حال النوع، فكأن ms3219 النوع بجملته يقول: إنما نحن ~~تموت طائفة وتحيا طائفة دأبا. # وقولهم: وما يهلكنا إلا الدهر أي طول الزمان هو المهلك، لأن الآفات تستوي ~~فيه كمالاتها، فنفى الله تعالى علمهم بهذا وأعلم أنها ظنون وتخرص تفضي بهم ~~إلى الإشراك بالله تعالى. والدهر والزمان تستعمله الغرب بمعنى واحد. وفي ~~قراءة ابن مسعود: «وما يهلكنا إلا دهر يمر» . وقال مجاهد: # الدهر هنا الزمان، وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: كان أهل ~~الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، ويفارق هذا الاستعمال قول ~~النبي عليه السلام: «لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر» وفي حديث ~~آخر: «قال الله تعالى يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار» ، ~~ومعنى هذا الحديث: فإن الله تعالى يفعل ما تنسبونه إلى الدهر وتسبونه بسبه. ~~وإذا تأملت مثالات هذا في الكلام ظهرت إن شاء الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 25 الى 29] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ~~لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السماوات والأرض ويوم ~~تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) PageV05P087 # الضمير في: عليهم عائد على كفار قريش. والآيات: هي آيات القرآن وحروفه ~~بقرينة قوله: # تتلى وعابت هذه الآية سوء مقاولتهم، وأنهم جعلوا بدل الحجة التمني ~~المتشطط والطلب لما قد حتم الله أن لا يكون إلا إلى أجل مسمى. # وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد، وعاصم فيما ~~روى هارون وحسين عن أبي بكر عنه «حجتهم» بالرفع على اسم كان والخبر في أن. ~~وقرأ جمهور الناس «حجتهم» بالنصب على مقدم واسم كان في أن. # وكان بعض قريش قد قال: أحي لنا قصيا فإنه كان شيخ صدق حتى ms3220 نسأله، إلى غير ~~ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، وقالوا لمحمد عليه السلام: ائتوا من ~~حيث المخاطبة له، والمراد هو وإلهه والملك الوسيط الذي ذكر هولهم، فجاء من ~~ذلك جملة قيل لها ائتوا وإن كنتم. # ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بالحال السالفة في علم الله التي لا تبدل، ~~وهي أنه يحيي الخلق ويميتهم بعد ذلك ويحشرهم بعد إماتتهم إلى يوم القيامة. # وقوله: لا ريب فيه أي في نفسه وذاته. والأكثر الذي لا يعلم هم الكفار ~~والأكثر هنا على بابه. # وقوله تعالى: ويوم تقوم الساعة قالت فرقة: العامل في: يوم قوله: يخسر ~~وجاء قوله: # يومئذ بدلا مؤكدا. وقالت فرقة: العامل في: يوم فعل يدل عليه الملك، وذلك ~~أن يوم القيامة حال ثالثة ليست بالسماء ولا بالأرض، لأن ذلك يتبدل، فكأنه ~~قال: ولله ملك السماوات والأرض والملك يوم القيامة، وينفرد يخسر بالعمل في ~~قوله: يومئذ و: المبطلون الداخلون في الباطل. # وقوله تعالى: وترى كل أمة جاثية كل أمة وصف حال القيامة وهولها. والأمة: ~~الجماعة العظيمة من الناس التي قد جمعها معنى أو وصف شامل لها. وقال مجاهد: ~~الأمة: الواحد من الناس، وهذا قلق في اللغة، وإن قيل في إبراهيم عليه ~~السلام أمة، وقالها النبي عليه السلام في قس بن ساعدة فذلك تجوز على جهة ~~التشريف والتشبيه. و: جاثية معناه على الركب، قاله مجاهد والضحاك، وهي هيئة ~~المذنب الخائف المعظم، وفي الحديث: «فجثا عمر على ركبتيه» . وقال سلمان: في ~~القيامة ساعة قدر عشر سنين يخر الجميع فيها جثاة على الركب. # وقرأ جمهور الناس: «كل أمة» بالرفع على الابتداء. وقرأ يعقوب الحضرمي: ~~«كل أمة تدعى» بالنصب على البدل من «كل» الأولى، إذ في «كل» الثانية إيضاح ~~موجب الجثو. وقرأ الأعمش: «وترى كل أمة جاثية تدعى» بإسقاط كل أمة الثاني. # واختلف المتأولون في قوله: إلى كتابها فقالت فرقة: أراد إلى كتابها ~~المنزل عليها فتحاكم PageV05P088 # إليه هل وافقته أو خالفته. وقالت فرقة: أراد إلى كتابها الذي كتبته ~~الحفظة على كل واحد من الأمة، ms3221 فباجتماع ذلك قيل له كتابها، وهنا محذوف يدل ~~عليه الظاهر تقديره: يقال لهم اليوم تجزون. # وقوله تعالى: هذا كتابنا يحتمل أن تكون الإشارة إلى الكتب المنزلة أو إلى ~~اللوح المحفوظ، قال مجاهد ومقاتل: يشهد بما سبق فيه من سعادة أو شقاء، أو ~~تكون الكتب الحفظة وقال ابن قتيبة: هي إلى القرآن. # واختلف الناس في قوله تعالى: نستنسخ فقالت فرقة معناه: نكتب وحقيقة النسخ ~~وإن كانت أن تنقل خط من أصل ينظر فيه، فإن أعمال العباد هي في هذا التأويل ~~كالأصل، فالمعنى: إنا كنا نقيد كل ما عملتم. قال الحسن: هو كتب الحفظة على ~~بني آدم. وروى ابن عباس وغيره حديثا أن الله تعالى يأمر بعرض أعمال العباد ~~كل يوم خميس فينقل من الصحف التي رفع الحفظة كل ما هو معد أن يكون عليه ~~ثواب أو عقاب ويلغى الباقي. قالت هذه الفرقة: فهذا هو النسخ من أصل. وقال ~~ابن عباس أيضا: معنى الآية أن الله تعالى يجعل الحفظة تنسخ من اللوح ~~المحفوظ كل ما يفعل العباد ثم يمسكونه عندهم، فتأتي أفعال العباد على نحو ~~ذلك فتقيد أيضا، فذلك هو الاستنساخ.. وكان ابن عباس يقول: ألستم عربا؟ وهل ~~يكون الاستنساخ إلا من أصل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 30 الى 33] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز ~~المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم ~~قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) # ذكر الله تعالى حال الطائفتين من المؤمنين والكافرين، وقرن بينهم في ~~الذكر ليبين الأمر في نفس السامع، فإن الأشياء تتبين بذكر أضدادها، والفوز: ~~هو نيل البغية. # وقوله تعالى: وأما الذين كفروا أفلم تكن فإن التقدير وأما الذين كفروا ~~فيقال لهم أفلم تكن، فحذف يقال اختصارا وبقيت الفاء دالة على الجواب الذي ~~تطلبه ms3222 أما، ثم قدم عليها ألف الاستفهام من حيث له صدر القول على كل حالة ~~ووقف الله تعالى الكفار على الاستكبار لأنه من شر الخلال. # وقرأ حمزة وحده: «والساعة» بالنصب عطفا على قوله: وعد الله ورويت عن أبي ~~عمرو وعيسى والأعمش. وقرأ ابن مسعود: «حق وأن الساعة لا ريب فيها» ، وكذلك ~~قرأ أيضا الأعمش. وقرأ الباقون: # «والساعة» رفعا، ولذلك وجهان: أحدهما الابتداء والاستئناف، والآخر العطف ~~على موضع إن وما PageV05P089 # عملت فيه، لأن التقدير: وعد الله حق، قاله أبو علي في الحجة. وقال بعض ~~النحاة: لا يعطف على موضع إن، إلا إذا كان العامل الذي عطلته إن باقيا، ~~وكذلك هي على موضع الباء في قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديد، فلما كانت ليس ~~باقية، جاز العطف على الموضع قبل دخول الباء، ويظهر نحو هذا النظر من كتاب ~~سيبويه، ولكن قد ذكرنا ما حكى أبو علي وهو القدوة. # وقولهم: إن نظن إلا ظنا معناه: إن نظن بعد قبول خبركم إلا ظنا وليس ~~يعطينا خبرا. # وقوله تعالى: وبدا لهم الآية حكاية حال يوم القيامة. وحاق معناه: نزل ~~وأحاط وهي مستعملة في المكروه، وفي قوله: ما كانوا حذف مضاف تقديره: جزاء ~~ما كانوا، أي عقاب كونهم يستهزؤن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجاثية (45) : الآيات 34 الى 37] # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم ~~لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب ~~العالمين (36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) # ننساكم معناه: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا، فلم يقع منكم استعداد له ~~ولا تأهب، فسميت العقوبة في هذه الآية باسم الذنب. والمأوى: الموضع الذي ~~يسكنه الإنسان ويكون فيه عامة أوقاته أو كلها أجمع. و: آيات الله لفظ جامع ~~لآيات القرآن وللأدلة التي نصبها الله تعالى لينظر فيها العباد. # وقرأ أكثر القراء: «لا يخرجون» بضم الياء المنقوطة من تحت وفتح الراء. ~~وقرأ حمزة والكسائي وابن ms3223 وثاب والأعمش والحسن: «يخرجون» بإسناد الفعل إليهم ~~بفتح الياء وضم الراء. و: يستعتبون تطلب منهم مراجعة إلى عمل صالح. # وقوله تعالى: فلله الحمد إلى آخر السورة، تحميد لله تعالى وتحقيق ~~لألوهيته، وفي ذلك كسر لأمر الأصنام والأنصاب. # وقراءة الناس: «رب» بالخفض في الثلاثة على الصفة. وقرأ ابن محيصن: بالرفع ~~فيها على معنى هو رب. # و: الكبرياء بناء مبالغة، وفي الحديث: يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي ~~والعظمة إزاري فمن نازعني منهما شيئا قصمته. PageV05P090 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأحقاف # هذه السورة مكية لم يختلف منها إلا في آيتين، وهي قوله: قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ~~[الأحقاف: 10] وقوله: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [الأحقاف: 35] ~~الآية، فقال بعض المفسرين: هاتان آيتان مدنيتان وضعتا في سورة مكية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل ~~أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ~~(6) # تقدم القول في الحروف المقطعة التي في أوائل السور. وتنزيل رفع بالابتداء ~~أو خبر ابتداء مضمر. و: الكتاب القرآن. والعزة والإحكام: صفتان مقتضيتان أن ~~من هي له غالب كل من حاده. # وقوله: ما خلقنا السماوات الآية موعظة وزجر، أي فانتبهوا أيها الناس ~~وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم. وقوله تعالى: إلا بالحق معناه بالواجب ~~الحسن الذي قد حق أن يكون، وب أجل مسمى: # وقتناه وجعلناه موعدا لفساد هذه البنية وذلك هو يوم القيامة. وقوله ~~تعالى: عما أنذروا «ما» مصدرية، والمعنى عن ms3224 الإنذار، ويحتمل أن تكون «ما» ~~بمعنى الذي، والتقدير: عن ذكر الذي أنذروا به والتحفظ منه أو نحو هذا. # وقوله تعالى: قل أرأيتم يحتمل أرأيتم وجهين: أحدهما أن تكون متعدية، وما ~~مفعولة بها، ويحتمل أن تكون منبهة لا تتعدى، وتكون ما استفهاما على معنى ~~التوبيخ. وتدعون معناه: # تعبدون. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله بن مسعود: «قل أرأيتم من تدعون» ~~. وقوله: من الأرض، من، للتبعيض، لأن كل ما على وجه الأرض من حيوان ونحوه ~~فهو من الأرض. PageV05P091 # ثم وقفهم على السماوات هل لهم فيها شرك، ثم استدعى منهم كتابا منزلا قبل ~~القرآن يتضمن عبادة صنم. # وقوله: أو أثارة معناه: أو بقية قديمة من علم أحد العلماء يقتضي عبادة ~~الأصنام. وقرأ جمهور الناس: «أو أثارة» على المصدر، كالشجاعة والسماحة، وهي ~~البقية من الشيء كأنها أثره. # وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه. وقال مجاهد: ~~المعنى هل من أحد يأثر علما في ذلك. وقال القرظي: هو الإسناد، ومن هذا ~~المعنى قول الأعشى: [السريع] # إن الذي فيه تماريتما ... بين للسامع والآثر # آثرا أي للسند عن غيره، ومنه قول عمر رضي الله عنه: فما خلفنا بها ذاكرا ~~ولا آثرا. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: المعنى وخاصة من علم، ~~فاشتقاقها من الأثرة، كأنها قد آثر الله بها من هي عنده، وقال عبد الله بن ~~العباس: المراد ب «الأثارة» : الخط في التراب، وذلك شيء كانت العرب تفعله ~~وتتكهن به وتزجر، وهذا من البقية والأثر، وروي أن النبي عليه السلام سئل عن ~~ذلك فقال: «كان نبي من الأنبياء يخطه، فمن وافق خطه فذاك» ، وظاهر الحديث ~~تقوية أمر الخط في التراب، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه، وهكذا تأوله ~~كثير من العلماء. وقالت فرقة: بل معناه الإنكار، أي أنه كان من فعل نبي قد ~~ذهب، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك، ثم قال: فمن وافق خطه على جهة ~~الإبعاد، أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهذا كما يسألك ms3225 أحد ~~فيقول: أيطير الإنسان؟ فتقول: إنما يطير الطائر، فمن كان له من الناس ~~جناحان طار، أي أن ذلك لا يكون. والأثارة تستعمل في بقية الشرف فيقال: لبني ~~فلان أثارة من شرف، إذا كانت عندهم شواهد قديمة، وتستعمل في غير ذلك، ومنه ~~قول الراعي: [الوافر] # وذات أثارة أكلت عليه ... نباتا في أكمتها قصارى # يريد: الأثارة من الشحم، أي البقية وقرأ عبد الرحمن السلمي فيما حكى ~~الطبري: «أو أثرة» بفتح الهمزة والثاء والراء دون ألف، وحكاها أبو الفتح عن ~~ابن عباس وقتادة وعكرمة وعمرو بن ميمون والأعمش، وهي واحدة جمعها: أثر ~~كقترة وقتر. وحكى الثعلبي أن عكرمة قرأ: «أو ميراث من علم» . وقرأ علي بن ~~أبي طالب والسلمي فيما حكى أبو الفتح بسكون الثاء وهي الفعلة الواحدة مما ~~يؤثر، أي قد قنعت لكم حجة بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم. وقرأت ~~فرقة: «أثرة» بضم الهمزة وسكون الثاء، وهذه كلها بمعنى: هل عندكم شيء خصكم ~~الله به من علم وآثركم به. # وقوله تعالى: ومن أضل الآية توبيخ لعبدة الأصنام، أي لا أحد أضل ممن هذه ~~صبغته، وجاءت الكنايات في هذه الآية عن الأصنام كما تجيء عمن يعقل، وذلك أن ~~الكفار قد أنزلوها منزلة الآلهة وبالمحل الذي دونه البشر، فخوطبوا على نحو ~~معتقدهم فيها، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «ما لا يستجيب» . والضمير في ~~قوله: وهم عن دعائهم غافلون هو للأصنام في قول جماعة، ووصف الأصنام بالغفلة ~~من حيث عاملهم معاملة من يعقل، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: وهم وفي: PageV05P092 # غافلون للكفار، أي ضلالهم بأنهم يدعون من لا يستجيب فلا يتأملون ما عليهم ~~في دعاء من هذه صفته. # وقوله تعالى: كانوا لهم أعداء وصف لما يكون يوم القيامة بين الكفار ~~وأصنامهم من التبري والمناكرة، وقد بين ذلك في غير هذه الآية. وذلك قوله ~~تعالى حكاية عنهم: تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون [القصص: 63] . # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 7 الى 9] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا ms3226 للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو ~~أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ما ~~كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~وما أنا إلا نذير مبين (9) # الآيات المذكورة هي آيات القرآن، بدليل قوله: تتلى وبقول الكفار: هذا سحر ~~وإنما قالوا ذلك عن القرآن من حيث قالوا: هو يفرق بين المرء وبين ولده، ~~وبينه وبين زوجه، إلى نحو هذا مما يوجد مثله للسحر بالوجه الأخس. # وقوله تعالى: أم يقولون افتراه، أم مقطوعة مقدرة ب (بل) وألف الاستفهام. ~~و: افتراه معناه: اشتقه واختلقه، فأمره الله تعالى أن يقول: إن افتريته ~~فالله حسبي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يمهلني. ثم رجع القول إلى ~~الاستسلام إلى الله تعالى والاستنصار به عليهم وانتظار ما يقتضيه علمه بما ~~تفيضون فيه من الباطل ومرادة الحق، وذلك يقتضي معاقبتهم، ففي اللفظة تهديد. ~~والضمير في قوله: # فيه يحتمل أن يعود على القرآن، ويحتمل العودة على بما. والضمير في: به ~~عائد على الله تعالى. و: به في موضع رفع، وأفاض الرجل في الحديث والسب ~~ونحوه: إذا خاض فيه واستمر. # وقوله: وهو الغفور الرحيم ترجية واستدعاء إلى التوبة، لأنه في خلال ~~تهديده إياهم بالله تعالى جاءت هاتان الصفتان. ثم أمره تعالى أن يحتج عليهم ~~بأنه لم يكن بدعا من الرسل، أي قد جاء غيري قبلي، قاله ابن عباس والحسن ~~وقتادة. والبدع والبديع من الأشياء ما لم ير مثله، ومنه قول ترجمة عدي بن ~~زيد: [الطويل] # فما أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالا عرت من بعد بؤسى وأسعد # وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة وأبو حيوة: «بدعا» بفتح الدال. قال أبو الفتح، ~~التقدير: ذا بدع فحذف المضاف كما قال [النابغة الجعدي] : [المقارب] # وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب PageV05P093 # واختلف الناس في قوله: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، فقال ابن عباس ms3227 وأنس ~~بن مالك والحسن وقتادة وعكرمة: معناه: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ~~ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبأن ~~المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم، ~~والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيده هذا وهو قوله: «فو الله ما ~~أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» ، وفي بعض الرواية: «به» ، ولا حجة في ~~الحديث على رواية «به» ، والمعنى عندي في هذا القول أنه لم تكشف له الخاتمة ~~فقال لا أدري؟ وأما ان من وافى على الإيمان فقد أعلم بنجاته من أول الرسالة ~~وإلا فكان للكفار أن يقولوا: وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له عاقبة، وقال ~~الحسن أيضا وجماعة. # معنى الآية: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا من أن أنصر عليكم أو ~~من أن تمكنوا مني، ونحو هذا من المعنى. وقالت فرقة: معنى الآية: ما يفعل بي ~~ولا بكم من الأوامر والنواهي وما تلزم الشريعة من أعراضها. وحكى الطبري عن ~~بعضهم أنه قال: نزلت الآية في أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظره من ~~الله في غير الثواب والعقاب، وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج النبي ~~عليه السلام من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة، قلق ~~المسلمون لتأخر ذلك، فنزلت هذه الآية. # وقوله: إن أتبع إلا ما يوحى إلي معناه: الاستسلام والتبري من علم ~~المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب الله عز وجل: # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 10 الى 11] # قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم (11) # هذه الآية توقيف على الخطر العظيم الذي هم بسبيله في أن يكذبوا بأمر ms3228 نافع ~~لهم منج من العذاب دون حجة ولا دليل لهم على التكذيب، فالمعنى كيف حالكم مع ~~الله، وماذا تنتظرون منه وأنتم قد كفرتم بما جاء من عنده، وجواب هذا ~~التوقيف محذوف تقديره: أليس قد ظلمتم، ودل على هذا المقدر قوله تعالى: إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين و: أرأيتم في هذه الآية يحتمل أن تكون منبهة، ~~فهي لفظ موضوع للسؤال لا يقتضي مفعولا، ويحتمل أن تكون الجملة كان وما عملت ~~فيه تسد مسد مفعوليها. # واختلف الناس في المراد ب (الشاهد) فقال الحسن ومجاهد وابن سيرين: هذه ~~الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: على مثله الضمير فيه عائد ~~على قول محمد عليه السلام في القرآن إنه من عند الله. وقال الشعبي: الشاهد ~~رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. # وقال سعد بن أبي وقاص ومجاهد وفرقة: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن ~~سلام، وهي من الآيات التي تضمنت غيبا أبرزه الوجود، وقد روي عن عبد الله بن ~~سلام أنه قال: في نزلت. وقال مسروق بن الأجدع والجمهور: الشاهد موسى بن ~~عمران عليه السلام، والآية مكية، ورجحه الطبري. PageV05P094 # وقوله: على مثله يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد في هذا التأويل على ~~القرآن، أي جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله وشهد أنه من عند الله تعالى. # وقوله: فآمن على هذا التأويل، يعني به تصديق موسى بأمر محمد وتبشيره به، ~~فذلك إيمان به، وأما من قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمان بين، وكذلك ~~إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله، وحكى بعضهم أن الفاعل ب ~~«آمن» ، هو محمد عليه السلام، وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن ~~عمران عليه السلام، وإنما اضطر إلى هذا لأنه لم ير وجه إيمان موسى عليه ~~السلام، ثم قرر تعالى استكبارهم وكفرهم بإيمان هذا المذكور، فبان ذنبهم ~~وخطؤهم. # وقوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ~~قال قتادة: هي مقالة قريش، يريدون عمارا ms3229 وصهيبا وبلالا ونحوهم ممن أسلم ~~وآمن بالنبي عليه السلام. وقال الزجاج والكلبي وغيره: هي مقالة كنانة وعامر ~~وسائر قبائل العرب المجاورة، قالت ذلك حين أسلمت غفار ومزينة وجهينة. # وقال الثعلبي: هي مقالة اليهود حين أسلم ابن سلام وغيره منهم. والإفك: ~~الكذب، ووصفوه بالقدم، بمعنى أنه في أمور متقادمة، وهذا كما تقول لرجل حدثك ~~عن أخبار كسرى وقيصر، هذا حديث قديم، ويحتمل أن يريدوا أنه إفك قيل قديما. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 12 الى 15] # ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ~~ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا ~~يعملون (14) ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ~~ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) # الضمير في قوله: ومن قبله للقرآن، و: كتاب موسى هو التوراة. وقرأ الكلبي: ~~«كتاب موسى» بنصب الباء على إضمار أنزل الله أو نحو ذلك. والإمام: خيط ~~البناء، وكل ما يهتدى ويقتدى به فهو إمام. ونصب إماما على الحال، ورحمة عطف ~~على إمام، والإشارة بقوله: وهذا كتاب إلى القرآن. و: مصدق معناه للتوراة ~~التي تضمنت خبره وأمر محمد، فجاء هو مصدقا لذلك الإخبار، وفي مصحف عبد الله ~~بن مسعود: «مصدق لما بين يديه لسانا» ، واختلف الناس في نصب قوله: لسانا ~~فقالت فرقة من النحاة، هو منصوب على الحال، وقالت فرقة: لسانا توطئة مؤكدة. ~~و: عربيا حال، وقالت فرقة: لسانا مفعول ب مصدق، والمراد على هذا القول ~~باللسان: محمد رسول الله ولسانه، PageV05P095 # فكان القرآن بإعجازه وأحواله البارعة يصدق الذي جاء به، وهذا قول صحيح ~~المعنى جيد وغيره مما قدمناه متجه. # وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير فيما روي عنه، وأبو جعفر والأعرج وشيبة ms3230 ~~وأبو رجاء والناس: «لتنذر» بالتاء، أي أنت يا محمد، ورجحها أبو حاتم، وقرأ ~~الباقون والأعمش «لينذر» أي القرآن و: الذين ظلموا هم الكفار الذين جعلوا ~~العبادة في غير موضعها في جهة الأصنام والأوثان. # وقوله: وبشرى يجوز أن تكون في موضع رفع عطفا على قوله: مصدق، ويجوز أن ~~تكون في موضع نصب، واقعة موقع فعل عطفا على لينذر أي وتبشر المحسنين، ولما ~~عبر عن الكفار ب الذين ظلموا، عبر عن المؤمنين ب «المحسنين» لتناسب لفظ ~~الإحسان في مقابلة الظلم. ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ~~ورفع الظلم. ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ورفع عنهم الخوف ~~والحزن، وذهب كثير من الناس إلى أن معنى الآية: ثم استقاموا بالطاعات ~~والأعمال الصالحات. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه المعنى: ثم استقاموا ~~بالدوام على الإيمان وترك الانحراف عنه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أعم رجاء وأوسع، وإن كان في الجملة ~~المؤمنة من يعذب وينفذ عليه الوعيد، فهو ممن يخلد في الجنة وينتفي عنه ~~الخوف والحزن الحال بالكفرة، والخوف هو الهم لما يستقبل، والحزن هو الهم ~~بما مضى، وقد يستعمل فيما يستقبل استعارة، لأنه حزن لخوف أمر ما. # وقرأ ابن السميفع: «فلا خوف» دون تنوين. # وقوله: جزاء بما كانوا يعملون، «ما» واقعة على الجزء الذي هو اكتساب ~~العبد، وقد جعل الله الأعمال أمارات على صبور العبد، لا أنها توجب على الله ~~شيئا. # وقوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه يريد النوع، أي هكذا مضت شرائعي ~~وكتبي لأنبيائي، فهي وصية من الله في عباده. # وقرأ جمهور القراء: «حسنا» بضم الحاء وسكون السين، ونصبه على تقدير ~~وصيناه ليفعل أمرا ذا حسن، فكأن الفعل تسلط عليه مفعولا ثانيا. وقرأ علي بن ~~أبي طالب وأبو عبد الرحمن وعيسى: «حسنا» بفتح الحاء والسين، وهذا كالأول ~~ومحتمل كونهما مصدرين كالبخل والبخل، ومحتمل، أن يكون هذا الثاني اسما لا ~~مصدرا، أي ألزمناه بهما فعلا حسنا. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «إحسانا» ، ~~ونصب هذا على المصدر الصريح والمفعول الثاني في ms3231 المجرور، والباء متعلقة ب ~~وصينا أو بقوله: «إحسانا» . # وبر الوالدين واجب بهذه الآية وغيرها، وعقوقهما كبيرة، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله ~~ودعوة الوالدين. # قال القاضي أبو محمد: ولن يدعوا إلا إذا ظلمهما الولد، فهذا الحديث في ~~عموم قوله عليه السلام: # «اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» . PageV05P096 # ثم عدد تعالى على الأبناء منن الأمهات وذكر الأم في هذه الآيات في أربع ~~مراتب، والأب في واحدة، جمعهما الذكر في قوله: بوالديه، ثم ذكر الحمل للأم ~~ثم الوضع لها ثم الرضاع الذي عبر عنه بالفصال، فهذا يناسب ما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين جعل للأم ثلاثة أرباع البر، والربع للأب، وذلك إذ ~~قال له رجل: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أمك، قال ~~ثم من؟ # قال: ثم أمك، قال ثم من؟ قال: أباك وقوله: كرها معناه في ثاني استمرار ~~الحمل حين تتوقع حوادثه، ويحتمل أن يريد في وقت الحمل، إذ لا تدبير لها في ~~حمله ولا تركه، وقال مجاهد والحسن وقتادة: المعنى حملته مشقة ووضعته مشقة. # وقرأ أكثر القراء: «كرها» بضم الكاف. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو ~~جعفر وشيبة والأعرج: # «كرها» بفتح الكاف، وقرأ بهما معا مجاهد وأبو رجاء وعيسى. قال أبو علي ~~وغيره: هما بمعنى، الضم الاسم، والفتح المصدر. وقالت فرقة: الكره بالضم: ~~المشقة، والكره بالفتح هو الغلبة والقهر، وضعفوا على هذا قراءة الفتح. قال ~~بعضهم: لو كان «كرها» لرمت به عن نفسها، إذ الكره القهر والغلبة، والقول ~~الذي قدمناه أصوب. # وقرأ جمهور الناس: «وفصاله» وذلك أنها مفاعلة من اثنين، كأنه فاصل أمه ~~وفاصلته. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري: «وفصله» ، ~~كأن الأم هي التي فصلته. # وقوله: ثلاثون شهرا يقتضي أن مدة الحمل والرضاع هذه المدة، لأن في القول ~~حذف مضاف تقديره: ومدة حمله وفصاله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون ms3232 أحد الطرفين ~~ناقصا، وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين، وإما بأن تلد لتسعة ~~على العرف وترضع عامين غير ربع العام، فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع، ~~وبالعكس فيترتب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. وأقل ما يرضع الطفل عام ~~وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرضاعة، وهذا في أمر الحمل ~~هو مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ومذهب مالك رحمه ~~الله. # واختلف الناس في الأشد: فقال الشعبي وزيد بن أسلم: البلوغ إذا كتبت عليه ~~السيئات وله الحسنات. وقال ابن إسحاق: ثمانية عشر عاما، وقيل عشرون عاما، ~~وقال ابن عباس وقتادة: ثلاثة وثلاثون عاما، وقال الجمهور من النظار: ثلاثة ~~وثلاثون. وقال هلال بن يساف وغيره: أربعون، وأقوى الأقوال ستة وثلاثون، ومن ~~قال بالأربعين قال في الآية إنه أكد وفسر الأشد بقوله: وبلغ أربعين سنة. # قال القاضي أبو محمد: وإنما ذكر تعالى الأربعين، لأنها حد للإنسان في ~~فلاحه ونجابته، وفي الحديث: «إن الشيطان يجر يده على وجه من زاد على ~~الأربعين ولم يتب فيقول: بأبي وجه لا يفلح» وقال أيمن بن خريم الأسدي: ~~[الطويل] # إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر # فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... وإن جر أسباب الحياة له العمر # وفي مصحف ابن مسعود: «حتى إذا استوى أشده وبلغ أربعين سنة» وقوله: أوزعني ~~معناه: PageV05P097 # ادفعني عن الموانع وازجرني عن القواطع لأجل أن أشكر نعمتك، ويحتمل أن ~~يكون أوزعني بمعنى اجعل حظي ونصيبي، وهذا من التوزيع والقوم الأوزاع، ومن ~~قوله توزعوا المال، ف «أن» على هذا مفعول صريح. وقال ابن عباس نعمتك في ~~التوحيد. و: صالحا ترضاه الصلوات. والإصلاح في الذرية كونهم أهل طاعة ~~وخيرية، وهذه الآية معناها أن هكذا ينبغي للإنسان أن يفعل، وهذه وصية الله ~~للإنسان في كل الشرائع. # وقال الطبري: وذكر أن هذه الآية من أولها نزلت في شأن أبي بكر الصديق، ثم ~~هي تتناول من بعده، ms3233 وكان رضي الله عنه قد أسلم أبواه، فلذلك قال: وعلى ~~والدي، وفي هذا القول اعتراض بأن هذه الآية نزلت بمكة لا خلاف في ذلك، وأبو ~~قحافة أسلم عام الفتح فإنما يتجه هذا التأويل على أن أبا بكر كان يطمع ~~بإيمان أبويه ويرى مخايل ذلك فيهما، فكانت هذه نعمة عليهما أن ليسا ممن عسا ~~في الكفر ولج وحتم عليه ثم ظهر إيمانهما بعد، والقول بأنها عامة في نوع ~~الإنسان لم يقصد بها أبو بكر ولا غيره أصح، وباقي الآية بين إلى قوله: من ~~المسلمين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 16 الى 19] # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن ~~أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق ~~فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم ~~قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما ~~عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) # قوله تعالى: أولئك دليل على أن الإشارة بقوله: ووصينا الإنسان [الأحقاف: ~~15] إنما أراد الجنس. # وقرأ جمهور القراء: «يتقبل» بالياء على بناء الفعل للمفعول وكذلك ~~«يتجاوز» . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فيهما بالنون التي للعظمة ~~«نتقبل» «أحسن» بالنصب «ونتجاوز» وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن جبير ~~والأعمش بخلاف عنه. وقرأ الحسن «يتقبل» بياء مفتوحة «ويتجاوز» كذلك، أي ~~الله تعالى وقوله: في أصحاب الجنة يريد الذين سبقت لهم رحمة الله. وقوله: ~~وعد الصدق نصب على المصدر المؤكد لما قبله. # وقوله تعالى: والذي قال لوالديه أف لكما الآية، الذي يعنى به الجنس على ~~حد العموم الذي في الآية التي قبلها في قوله: ووصينا الإنسان [الأحقاف: 15] ~~هذا قول الحسن وجماعة، ويشبه أن لها سببا من رجل قال ذلك لأبويه. فلما فرغ ~~من ذكر الموفق عقب بذكر هذا العاق. وقال ابن عباس في كتاب الطبري: هذه ~~الآية نزلت في ابن ms3234 لأبي بكر ولم يسمه. PageV05P098 # وقال مروان بن الحكم: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه، وقاله قتادة، وذلك أنه كان أكبر ولد أبي بكر وشهد بدرا وأحدا مع ~~الكفار، وقال لأبيه في الحرب: # لم يبق إلا شكة ويعبوب ... وصارم يقتل ضلال الشيب # ودعاه إلى المبارزة فكان بمكة على نحو هذه الخلق، فقيل إن هذه الآية نزلت ~~فيه. وروي أن مروان بن الحكم خطب وهو أمير المدينة فدعا الناس إلى بيعة ~~يزيد، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: # جعلتموها هرقلية، كلما مات هرقل ولي هرقل، وكلما مات قيصر ولي قيصر، فقال ~~مروان بن الحكم: # خذوه، فدخل عبد الرحمن بيت عائشة أخته أم المؤمنين، فقال مروان: إن هذا ~~هو الذي قال الله فيه: # والذي قال لوالديه أف لكما فسمعته عائشة، فأنكرت ذلك عليه، وسبت مروان، ~~وقالت له: والله ما نزل في آل أبي بكر من القرآن غير براءتي، وإني لأعرف ~~فيمن نزلت هذه الآية. وذكر ابن عبد البر أن الذي خطب هو معاوية، وذلك وهم، ~~والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره ~~من المؤمنين والدليل القاطع على ذلك قوله: أولئك الذين حق عليهم القول في ~~أمم وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة ومن الأبطال، وممن له في ~~الإسلام غناء يوم اليمامة وغيره. # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة بن مصرف: «أف» بكسر ~~الفاء بغير تنوين، وذلك فيها علامة تعريف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن ~~محيصن وشبل وعمرو بن عبيد: «أف» بالفتح، وهي لغة الكسر والفتح. وقرأ نافع ~~وحفص عن عاصم وأبو جعفر وشيبة والحسن والأعرج: «أف» بالكسر والتنوين، وذلك ~~علامة تنكير، وهي كصه وغاق، وكما تستطعم رجلا حديثا غير معين فتقول «إيه» ~~منونة، فإن كان حديثا مشارا إليه قلت «إيه» بغير تنوين. وأف: أصلها في ~~الأقذار، كانت العرب إذا رأت قذرا قالت: «أف» ثم صيره الاستعمال يقال في كل ~~ما يكره من الأفعال ms3235 والأقوال. # وقرأ هشام عن ابن عامر وعاصم وأبو عمرو: «أتعداني» ، وقرأ أبو عمرو ونافع ~~وشيبة والأعرج والحسن وأبو جعفر وقتادة وجمهور القراء «أتعدانني» بنونين، ~~والقراءة الأولى هي بإدغام النون في النون. # وقرأ نافع أيضا وجماعة: «أتعداني» بنون واحدة وإظهار الياء. # وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وأبو رجاء ~~وابن وثاب وجمهور الناس: # «أن أخرج» بضم الهمزة وفتح الراء. وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابن ~~مصرف والضحاك. «أن أخرج» بفتح الهمزة وضم الراء. والمعنى أن أخرج من القبر ~~للحشر والمعاد، وهذا القول منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد. # وقوله: وقد خلت القرون من قبلي معناه: هلكت ومضت ولم يخرج منهم أحد. ~~وقوله: # وهما يعني الوالدين، ويقال استغثت الله واستغثت بالله بمعنى واحد. و: ~~ويلك دعاء يقال هنا لمن يحفز ويحرك لأمر ما يستعجل إليه. # وقرأ الأعرج «أن وعد الله» بفتح الهمزة، والناس على كسرها. # وقوله: ما هذا إلا أساطير أي ما هذا القول الذي يتضمن البعث من القبور ~~إلا شيء قد سطره PageV05P099 # الأولون في كتبهم، يعني الشرائع، وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في ~~مشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيرا من الوقوع في مثلها. # وقوله: أولئك ظاهره أنها إشارة إلى جنس يتضمنه قوله: والذي قال، ويحتمل ~~إن كانت الآية في مشار إليه أن يكون قوله: أولئك بمعنى صنف هذا المذكور ~~وجنسهم الذين حق عليهم القول، أي قول الله إنه يعذبهم. # وقوله: قد خلت من قبلهم من الجن والإنس يقتضي أن الجن يموتون كما يموت ~~البشر قرنا بعد قرن، وقد جاء حديث يقتضي ذلك. وقال الحسن بن أبي الحسن في ~~بعض مجالسه: إن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت. # وقوله تعالى: ولكل درجات يعني المحسنين والمسيئين. قال ابن زيد: ودرجات ~~المحسنين تذهب علوا، ودرجات المسيئين تذهب سفلا. # وقرأ أبو عبد الرحمن: «ولتوفيهم» بالتاء من فوق، أي الدرجات. وقرأ جمهور ~~الناس: «وليوفيهم» بالياء. وقرأ نافع بخلاف عنه، وأبو جعفر وشيبة والأعرج ~~وطلحة والأعمش: «ولنوفيهم» بالنون: ms3236 قال اللؤلؤي في حرف أبي بن كعب وابن ~~مسعود: «ولنوفينهم» بنون أولى ونون ثانية مشددة، وكل امرئ يجني ثمرة عمله ~~من خير أو شر ولا يظلم في مجازاته، بل يوضع كل أمر موضعه من ثواب أو عقاب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 20 الى 22] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون (20) واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت ~~النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم (21) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (22) # المعنى: واذكر يوم يعرض، وهذا العرض هو بالمباشرة، كما تقول عرضت العود ~~على النار والجاني على السوط، والمعنى: يقال لهم أذهبتم طيباتكم. # وقرأ جمهور القراء: «أذهبتم» على الخبر، حسنت الفاء بعد ذلك. وقرأ ابن ~~كثير والحسن والأعرج وأبو جعفر ومجاهد وابن وثاب. «آذهبتم» بهمزة مطولة على ~~التوبيخ والتقرير الذي هو في لفظ الاستفهام. # وقرأ ابن عامر «أأذهبتم» بهمزتين تقريرا. # والتقرير والتوبيخ إخبار بالمعنى، ولذلك حسنت الفاء وإلا فهي لا تحسن في ~~جواب على حد هذه مع الاستفهام المحض. # والطيبات: الملاذ، وهذه الآية وإن كانت في الكفار فهي رادعة لأولي النهى ~~من المؤمنين عن PageV05P100 # الشهوات واستعمال الطيبات، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه: أتظنون أنا لا ~~نعرف طيب الطعام، ذلك لباب البر بصغار المعزى، ولكني رأيت الله تعالى نعى ~~على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ذكر هذا في كلامه مع الربيع ~~بن زياد. وقال أيضا نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام فقدم إليه طعام ~~طيب، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من ~~خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم الجنة، فبكى عمر وقال: لئن كان حظنا في الحطام ~~وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيدا. وقال جابر بن عبد الله: اشتريت لحما ~~بدرهم فرآني ms3237 عمر، فقال: أو كلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه فأكله؟ أما تخشى ~~أن تكون من أهل هذه الآية، وتلا: أذهبتم الآية. # وعذاب الهون: العذاب الذي اقترن به هوان، وهذا هو عذاب العصاة المواقعين ~~ما قد نهوا عنه، وهذا بين في عذاب الدنيا، فعذاب المحدود في معصية كالحرابة ~~ونحوها مقترن بهون، وعذاب المقتول في حرب لا هون معه، فالهون والهوان ~~بمعنى؟!. # ثم أمر تعالى نبيه بذكر هود وقومه عاد على جهة المثال لقريش، وهذه الإخوة ~~هي أخوة القرابة، لأن هودا كان من أشراف القبيلة التي هي عاد. # واختلف الناس في هذه «الأحقاف» أين كانت؟ فقال ابن عباس والضحاك: هي جبل ~~بالشام، وقيل كانت بلاد نخيل، وقيل هي الرمال بين مهرة وعدن. وقال ابن عباس ~~أيضا: بين عمان ومهرة. وقال قتادة: # هي بلاد الشحر المواصلة للبحر اليماني. وقال ابن إسحاق: هي بين حضر موت ~~وعمان، والصحيح من الأقوال: أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت إرم ذات ~~العماد. و «الأحقاف» : جمع حقف، وهو الجبل المستطيل والمعوج من الرمل. (قال ~~الخليل: هي الرمال الأحقاف) وكثيرا ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل في ~~الصحارى، لأن الريح تصنع ذلك. # وقوله تعالى: وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه اعتراض مؤكد مقيم للحجة ~~أثناء قصة هود، لأن قوله: ألا تعبدوا إلا الله هو من نذارة هود. و: خلت ~~معناه: مضت إلى الخلاء ومرت أزمانها. وفي مصحف عبد الله: «وقد خلت النذر من ~~قبله وبعده» . وروي أن فيه: «وقد خلت النذر من بين يديه ومن بعده» . ~~والنذر: جمع نذير بناء اسم فاعل. وقولهم: لتأفكنا معناه: لتصرفنا. وقولهم: # فأتنا بما تعدنا تصميم على التكذيب وتعجيز منهم له في زعمهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 23 الى 26] # قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ~~(23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ms3238 ~~إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ~~وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(26) PageV05P101 # المعنى قال لهم هود: إن هذا الوعيد ليس من قبلي، وإنما الأمر إلى الله ~~وعلم وقته عنده، وإنما علي أن أبلغ فقط. # وقرأ جمهور الناس: «وأبلغكم» بفتح الباء وشد اللام. قال أبو حاتم: وقرأ ~~أبو عمرو في كل القرآن بسكون الباء وتخفيف اللام. # و: أراكم قوما تجهلون أي مثل هذا من أمر الله تعالى وتجهلون خلق أنفسكم. ~~والضمير في: # رأوه يحتمل أن يعود على العذاب، ويحتمل أن يعود على الشيء المرئي الطارئ ~~عليهم، وهو الذي فسره قوله: عارضا، والعارض ما يعرض في الجو من السحاب ~~الممطر، ومنه قول الأعشى: # يا من رأى عارضا قد بت أرمقه ... كأنما البرق في حافاته الشعل # وقال أبو عبيدة: العارض الذي في أقطار السماء عشيا ثم يصبح من الغد قد ~~استوى. وروي في معنى قوله: مستقبل أوديتهم أن هؤلاء القوم كانوا قد قحطوا ~~مدة فطلع هذا العارض على الهيئة والجهة التي يمطرون بها أبدا، جاءهم من قبل ~~واد لهم يسمونه المغيث. قال ابن عباس: ففرحوا به وقالوا هذا عارض ممطرنا، ~~وقد كذب هو فيما أوعد به، فقال لهم هود عليه السلام: ليس الأمر كما رأيتم، ~~بل هو ما استعجلتم به في قولكم: فأتنا بما تعدنا [الأحقاف: 22] ثم قال: ريح ~~فيها عذاب أليم. # وفي قراءة ابن مسعود: «قال هود بل هو» بإظهار المقدر، لأن قراءة الجمهور ~~هي كقوله تعالى يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم [الرعد: 23] أي يقولون ~~سلام. قال الزجاج وقرأ قوم: «ما استعجلتم» بضم التاء الأولى وكسر الجيم. و: ~~ريح بدل من المبتدأ في قوله: هو ما. # و: ممطرنا هو نعت ل عارض وهو نكرة إضافته غير محضة، لأن التقدير ممطر لنا ~~في المستقبل، فهو في حكم الانفصال. # وقد مضى في غير هذه السورة قصص ms3239 الريح التي هبت عليهم، وأنها كانت تحمل ~~الظعينة كجرادة. # و: تدمر معناه: تهلك. والدمار: الهلاك، ومنه قول جرير: [الوافر] # وكان لهم كبكر ثمود لما ... رغا دهرا فدمرهم دمارا # وقوله: كل شيء ظاهره العموم ومعناه الخصوص في كل ما أمرت بتدميره، وروي ~~أن هذه الريح رمتهم أجمعين في البحر. # وقرأ جمهور القراء: «لا ترى» أيها المخاطب. وقرأ عاصم وحمزة: «لا يرى» ~~بالياء على بناء الفعل للمفعول «مساكنهم» رفعا. التقدير: لا يرى شيء منهم، ~~وهذه قراءة ابن مسعود وعمرو بن ميمون والحسن بخلاف عنه، ومجاهد وعيسى ~~وطلحة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجحدري وقتادة وعمرو بن ميمون والأعمش ~~وابن أبي إسحاق وأبو رجاء ومالك بن دينار بغير خلاف عنهما خاصة ممن ذكر: ~~«لا ترى» بالتاء PageV05P102 # منقوطة من فوق مضمومة «مساكنهم» رفعا، ورويت عن ابن عامر، وهذا نحو قول ~~ذي الرمة: [البسيط] # كأنه جمل وهم وما بقيت ... إلا النجيزة والألواح والعصب # ونحو قوله: [الطويل] فما بقيت إلا الضلوع الجراشع وفي هذه القراءة ~~استكراه. وقرأ الأعمش وعيسى الهمداني: «إلا مسكنهم» على الإفراد الذي هو ~~اسم الجنس، والجمهور على الجمع في اللفظة، ووجه الإفراد تصغير الشأن ~~وتقريبه كما قال تعالى: ثم يخرجكم طفلا [غافر: 67] . # ثم خاطب تعالى قريشا على جهة الموعظة بقوله: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم ~~فيه ف (ما) ، بمعنى الذي، وإن نافية وقعت مكان (ما) ليختلف اللفظ، ولا تتصل ~~(ما) ب (ما) ، لأن الكلام كأنه قال: في الذي ما مكناكم فيه. ومعنى الآية: ~~ولقد أعطيناهم من القوة والغنى والبسيط في الأموال والأجسام ما لم نعطكم، ~~ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب، فأنتم أحرى بذلك إذا كفرتم. وقالت فرقة: إن ~~شرطية، والجواب محذوف تقديره: في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وهذا تنطع في ~~التأويل. # ثم عدد تعالى عليهم نعم الحواس والإدراك، وأخبر أنها لم تغن حين لم ~~تستعمل على ما يجب. # و «ما» : نافية في قوله: فما أغنى عنهم ويقوي ذلك دخول من في قوله: من ~~شيء. # وقالت فرقة: «ما» في قوله: فما أغنى عنهم ms3240 استفهام بمعنى التقرير، ومن شيء ~~على هذا تأكيد، وهذا على غير مذهب سيبويه في دخول من في الواجب. وحاق ~~معناه: وجب ولزم، وهو مستعمل في المكاره، والمعنى جزاء ما كانوا به ~~يستهزؤن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 27 الى 29] # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما ~~كانوا يفترون (28) وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) # وقوله: ولقد أهلكنا ما حولكم مخاطبة لقريش على جهة التمثيل لهم بمأرب ~~وسدوم وحجر ثمود. وقوله: وصرفنا الآيات يعني لهذه القرى المهلكة. # وقوله: فلولا نصرهم الآية يعني هلا نصرتهم أصنامهم التي اتخذوها. و: ~~قربانا إما أن يكون المفعول الثاني ب اتخذوا و: آلهة بدل منه، وإما أن يكون ~~حالا. و: آلهة المفعول الثاني، والمفعول الأول هو الضمير العائد على: الذين ~~التقدير: اتخذوهم. وقوله تعالى: بل ضلوا عنهم PageV05P103 # معناه: انتلفوا لهم حتى لم يجدوهم في وقت حاجة. # وقوله: وذلك الإشارة به تختلف بحسب اختلاف القراءات في قوله: إفكهم فقرأ ~~جمهور القراء «إفكهم» بكسر الهمزة وسكون الفاء وضم الكاف، فالإشارة ب ذلك ~~على هذه القراءة إلى قولهم في الأصنام إنها آلهة، وذلك هو اتخاذهم إياها، ~~وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة، وهي لغة في الإفك، ~~وهما بمعنى الكذب، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة: ~~والفاء على الفعل الماضي، بمعنى صرفهم، وهي قراءة ابن عباس وأبي عياض ~~وعكرمة وحنظلة بن النعمان. وقرأ أبو عياض أيضا وعكرمة فيما حكى الثعلبي: ~~«أفكهم» بشد الفاء وفتح الهمزة والكاف، وذلك على تعدية الفعل بالتضعيف. ~~وقرأ عبد الله بن الزبير: «آفكهم» بالمد وفتح الفاء والكاف على التعدية ~~بالهمزة. قال الزجاج: معناه جعلهم يأفكون كما يقال أكفرهم. وقرأ ابن عباس ~~فيما روى قطرب: «آفكهم» بفتح الهمزة والمد وكسر الفاء وضم الكاف على وزن ~~فاعل، بمعنى: ms3241 صارفهم. # وحكى الفراء أنه يقرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وهي لغة في ~~الإفك، والإشارة ب ذلك على هذه القراءة التي ليست مصدرا يحتمل أن تكون إلى ~~الأصنام. وقوله: وما كانوا يفترون، ويحتمل أن تكون ما مصدرية فلا يحتاج إلى ~~عائد، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، فهناك عائد محذوف تقديره: يفترونه. # وقوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ابتداء قصة الجن ووفادتهم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. و: صرفنا معناه: رددناهم عن حال ما، يحتمل أنها ~~الاستماع في السماء، ويحتمل أن يكون كفرهم قبل الوفادة وهذا بحسب الاختلاف ~~هنا هل هم الوفد أو المتجسسون، وروي أن الجن كانت قبل مبعث النبي عليه ~~السلام تسترق السمع من السماء، فلما بعث محمد عليه السلام حرست بالشهب ~~الراجمة، فضاقت الجن ذرعا بذلك، فاجتمعت وأتى رأي ملئهم على الافتراق في ~~أقطار الأرض وطلب السبب الموجب لهذا الرجم والمنع من استراق السمع ففعلوا ~~ذلك. واختلف الرواة بعد فقالت فرقة: # جاءت طائفة من الجن إلى النبي عليه السلام وهو لا يشعر، فسمعوا القرآن ~~وولوا إلى قومهم منذرين، ولم يعرف النبي بشيء من ذلك حتى عرفه الله بذلك ~~كله، وكان سماعهم لقرآنه وهو بنخلة عند سوق عكاظ، وهو يقرأ في صلاة الفجر. ~~وقالت فرقة: بل أشعره الله بوفادة الجن عليه واستعد لذلك، ووفد عليه أهل ~~نصيبين منهم. # قال القاضي أبو محمد: والتحرير في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه ~~جن دون أن يعرف بهم، وهم المتفرقون من أجل الرجم، وهذا هو قوله تعالى: قل ~~أوحي إلي [الجن: 1] ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرفه في هذه ~~الآية. قال قتادة: صرفوا إليه من نينوى، أشعر به قبل وروده. # وقال الحسن: لم يشعر. # واختلف في عددهم اختلافا متباعدا فاختصرته لعدم الصحة في ذلك، أما أن ابن ~~عباس رضي الله عنه قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين وقال زر كانوا تسعة: ~~فيهم زوبعة، وروي في ذلك أحاديث عن PageV05P104 # عبد الله بن مسعود ms3242 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني خارج إلى ~~وفد الجن، فمن شاء يتبعني» ، فسكت أصحابه، فقالها ثانية، فسكتوا، فقال عبد ~~الله أنا أتبعك، قال فخرجت معه حتى جاء شعب الحجون، فأدار لي دائرة وقال ~~لي: لا تخرج منها، ثم ذهب عني، فسمعت لغطا ودويا كدوي النسور الكاسرة. ثم ~~في آخر الليل جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قرأ عليهم القرآن ~~وعلمهم وأعطاهم زادا في كل عظم وروثة، فقال: يا عبد الله، ما رأيت؟ ~~فأخبرته، فقال: لقد كنت أخشى أن تخرج فيتخطفك بعضهم، قلت يا رسول الله، ~~سمعت لهم لغطا، فقال: إنهم تدارأوا في قتيل لهم، فحكمت بالحق. واضطربت ~~الروايات عن عبد الله بن مسعود، وروي عنه ما ذكرنا. وذكر عنه أنه رأى رجالا ~~من الجن وبهم شبه رجال الزط السود الطوال حين رآهم بالكوفة. وروي عنه أنه ~~قال: ما شاهد أحد منا ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختصرت ~~هذه الروايات وتطويلها لعدم صحتها. # وقوله: نفرا يقتضي أن المصروفين رجالا لا أنثى فيهم. والنفر والرهط: ~~القوم الذين لا أنثى فيهم. # وقوله تعالى: فلما حضروه قالوا أنصتوا فيه تأدب مع العلم وتعليم كيف ~~يتعلم وقرأ جمهور الناس: «قضي» على بناء الفعل للمفعول.. وقرأ حبيب بن عبد ~~الله بن الزبير وأبو مجلز: «قضى» على بناء الفعل للفاعل، أي قضى محمد ~~القراءة. # وقال ابن عمر وجابر بن عبد الله: قرأ عليهم سورة [الرحمن] فكان إذا قال: ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] قالوا: لا بشيء من آلائك نكذب، ربنا ~~لك الحمد، ولما ولت هذه الجملة تفرقت على البلاد منذرة للجن. قال قتادة: ما ~~أسرع ما عقل القوم. # قال القاضي أبو محمد: فهنالك وقعت قصة سواد وشصار وخنافر وأشباههم صلى ~~الله على محمد عبده ورسوله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 30 الى 33] # قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا قومنا ms3243 أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (32) أولم يروا ~~أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ~~بلى إنه على كل شيء قدير (33) # المعنى: قال هؤلاء المنذرون لما بلغوا قومهم يا قومنا إنا سمعنا كتابا ~~وهو القرآن العظيم، وخصصوا موسى عليه السلام لأحد أمرين: إما لأن هذه ~~الطائفة كانت تدين بدين اليهود، وإما لأنهم PageV05P105 # كانوا يعرفون أن موسى قد ذكر محمدا وبشر به، فأشاروا إلى موسى من حيث كان ~~هذا الأمر مذكورا في توراته. قال ابن عباس في كتاب الثعلبي: لم يكونوا ~~علموا أمر عيسى عليه السلام، فلذلك قالوا من بعد موسى. وقولهم: مصدقا لما ~~بين يديه يؤيد هذا. و: ما بين يديه هي التوراة والإنجيل. # والحق و «الطريق المستقيم» هنا بمعنى يتقارب لكن من حيث اختلف اللفظ، ~~وربما كان الحق أعم، وكأن أحدهما قد يقع في مواضع لا يقع فيها الآخر حسن ~~التكرار. و: داعي الله هو محمد عليه السلام، والضمير في: به عائد على الله ~~تعالى. # وقوله: يغفر معناه: يغفر الله. ويجركم معناه: يمنعكم ويجعل دونكم جوار ~~حفظه حتى لا ينالكم عذاب. # وقوله تعالى: ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز الآية، يحتمل أن يكون من ~~كلام المنذرين، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى لمحمد عليه السلام، ~~والمراد بها إسماع الكفار وتعلق اللفظ إلى هذا المعنى من قول الجن: أجيبوا ~~داعي الله فلما حكى ذلك قيل ومن لا يفعل هذا فهو بحال كذا، والمعجز الذاهب ~~في الأرض الذي يبدي عجز طالبه ولا يقدر عليه، وروي عن ابن عامر: «وليس لهم ~~من دونه» بزيادة ميم. # وقوله تعالى: أولم يروا الضمير لقريش، وهذه آية مثل واحتجاج، لأنهم قالوا ~~إن الأجساد لا يمكن أن تبعث ولا تعاد، وهم مع ذلك معترفون بأن الله تعالى ~~خلق السماوات والأرض فأقيمت عليهم الحجة ms3244 من أقوالهم. والرؤية في قوله: أولم ~~يروا رؤية القلب. # وقرأ جمهور الناس: «ولم يعي» بسكون العين وفتح الياء الأخيرة. وقرأ الحسن ~~بن أبي الحسن «يع» بكسر العين وسكون الياء وذلك على حذف. # والباء في قوله: بقادر زائدة مؤكدة، ومن حيث تقدم نفي في صدر الكلام حسن ~~التأكيد بالباء وإن لم يكن المنفي ما دخلت على عليه كما هي في قولك: ما زيد ~~بقائم كان بدل أولم يروا أو ليس الذي خلق. # وقرأ ابن عباس وجمهور الناس: «بقادر» وقرأ الجحدري والأعرج وعيسى وعمرو ~~بن عبيد: «يقدر» بالياء على فعل مستقبل، ورجحها أبو حاتم وغلط قراءة ~~الجمهور لقلق الباء عنده. وفي مصحف عبد الله بن مسعود «بخلقهن قادر» . # و: بلى جواب بعد النفي المتقدم، فهي إيجاب لما نفي، والمعنى: بلى رأوا ~~ذلك أن لو نفعهم ووقع في قلوبهم، ثم استأنف اللفظ الإخبار المؤكد بقوله: ~~إنه على كل شيء قدير. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأحقاف (46) : الآيات 34 الى 35] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ ~~فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) PageV05P106 # المعنى: واذكر يوم، وهذا وعيد للكفار من قريش وسواهم. والعرض في هذه ~~الآية، عرض مباشرة، كما تقولون عرضت الجاني على السوط. والمعنى يقال لهم ~~أليس هذا العذاب حقا وقد كنتم تكذبون به؟ # فيجيبون: بلى وربنا، وذلك تصديق حيث لا ينفع، وروي عن الحسن أنه قال: ~~إنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل، فيقول ~~لهم المحاور من الملائكة عند ذلك فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أي بسبب ~~كفركم. # وقوله تعالى: فاصبر الفاء عاطفة هذه الجملة من الوصاة على هذه الجملة من ~~الإخبار عن حال الكفرة في الآخرة، والمعنى بينهما مرتبط، أي هذه حالهم مع ~~الله، فلا تستعجل أنت فيما حملته واصبر له ولا تخف في الله أحدا. ms3245 # وقوله: من الرسل من للتبعيض، والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة ~~كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى الله عليهم، هذا قول عطاء الخراساني ~~وغيره. وقال ابن زيد ما معناه: إن من لبيان الجنس. قال: والرسل كلهم أولوا ~~العزم، ولكن قوله: كما صبر أولوا العزم يتضمن رسلا وغيرهم، فبين بعد ذلك ~~جنس الرسل خاصة تعظيما لهم، ولتكون القدوة المضروبة لمحمد عليه السلام ~~أشرف، وذكر الثعلبي هذا القول عن علي بن مهدي الطبري. وحكي عن أبي القاسم ~~الحكيم أنه قال: الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس عليه السلام وقال الحسن بن ~~الفضل: هم الثمانية عشر المذكورين في سورة الأنعام، لأنه قال بعقب ذكرهم ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] . وقال مقاتل هم ستة: ~~نوح صبر على أذى قومه طويلا، وإبراهيم صبر للناس، وإسحاق صبر نفسه للذبح، ~~ويعقوب صبر على الفقد لولده وعمي بصره وقال: فصبر جميل [يوسف: 83] ، ويوسف ~~على السجن وفي البئر، وأيوب صبر على البلاء. # قال القاضي أبو محمد: وانظر أن النبي عليه السلام قال في موسى: «يرحم ~~الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر» ، ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزما ~~وصبرا. # وقوله: ولا تستعجل لهم معناه لا تستعجل لهم عذابا، فإنهم إليه صائرون، ~~ولا تستطل تعميرهم في هذه النعمة، فإنهم يوم يرون العذاب كأنهم لم يلبثوا ~~في الدنيا إلا ساعة لاحتقارهم ذلك، لأن المنقضي من الزمان إنما يصير عدما، ~~فكثيره الذي ساءت عاقبته كالقليل. # وقرأ أبي بن كعب «ساعة من النهار» . وقرأ جمهور القراء والناس: «بلاغ» ~~وذلك يحتمل معاني، أحدها: أن يكون خبر ابتداء، المعنى: هذا بلاغ، وتكون ~~الإشارة بهذا إلى القرآن والشرع، أي هذا إنذار وتبليغ، وإما إلى المدة التي ~~تكون كساعة كأنه قال: لم يلبثوا إلا ساعة كانت بلاغهم، وهذا كما تقول: متاع ~~قليل ونحوه من المعنى. والثاني: أن يكون ابتداء والخبر محذوف. والثالث: ما ~~قاله أبو مجلز PageV05P107 # فإنه كان يقف على قوله: ولا تستعجل ويقول: «بلاغ» ابتداء وخبره متقدم في ~~قوله: لهم وقدح ms3246 الناس في هذا القول بكثيرة الحائل. وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن، وعيسى: «بلاغا» ، وهي قراءة تحتمل المعنيين اللذين في قراءة الرفع، ~~وليس يدخلها قول أبي مجلز ونصبها بفعل مضمر. وقرأ أبو مجلز وأبو سراج ~~الهذلي: «بلغ» ، على الأمر. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «بلاغ» بالخفض نعتا ل ~~نهار. # وقرأ جمهور الناس: # «فهل يهلك» على بناء الفعل للمفعول. وقرأ بعضهم فيما حكى هارون: «فهل ~~يهلك» ببناء الفعل للفاعل وكسر اللام، وحكاها أبو عمرو عن الحسن وابن ~~محيصن: «يهلك» بفتح الياء واللام. قال أبو الفتح: وهي مرغوب عنها. وروى زيد ~~بن ثابت عن النبي عليه السلام: «فهل يهلك» بضم الياء وكسر اللام «إلا القوم ~~الفاسقين» بالنصب. # وفي هذه الألفاظ وعيد محض وإنذار بين، وذلك أن الله تعالى جعل الحسنة ~~بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، وأمر بالطاعة ووعد عليها بالجنة، ونهى عن ~~الكفر وأوعد عليه بالنار، فلن يهلك على الله إلا هالك كما قال صلى الله ~~عليه وسلم. قال الثعلبي: يقال إن قوله: فهل يهلك إلا القوم الفاسقون أرجى ~~آية في كتاب الله تعالى للمؤمنين. PageV05P108 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة محمد # هذه السورة مدنية بإجماع، غير أن بعض الناس قال في قوله تعالى: وكأين من ~~قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك [محمد: 13] إنها نزلت بمكة في وقت ~~دخول النبي فيها عام الفتح أو سنة الحديبية، وما كان مثل هذا فهو معدود في ~~المدني، لأن المراعى في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها. # قوله عز وجل: ### || سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ~~من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) # قوله تعالى: الذين كفروا الآية، إشارة إلى أهل مكة الذين أخرجوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله: والذين آمنوا الآية ms3247 إشارة إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه، ~~وفي الطائفتين نزلت الآيتان، قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بعد تعم كل من ~~دخل تحت ألفاظها. وقوله: وصدوا يحتمل أن يريد الفعل المجاوز، فيكون المعنى: ~~وصدوا غيرهم، ويحتمل أن يكون الفعل غير متعد، فيكون المعنى: وصدوا أنفسهم. ~~و: سبيل الله شرعه وطريقه الذي دعا إليه. # وقوله: أضل أعمالهم أي أتلفها، ولم يجعل لها غاية خير ولا نفعا، وروي أن ~~هذه الآية نزلت بعد بدر، وأن الإشارة بقوله: أضل أعمالهم هي إلى الإنفاق ~~الذي أنفقوه في سفرتهم إلى بدر، وقيل المراد بالأعمال: أعمالهم البرة في ~~الجاهلية من صلة رحم ونحوه، واللفظ يعم ذلك. # وقرأ الناس: «نزل» بضم النون وشد الزاي. وقرأ الأعمش: «أنزل» معدى ~~بالهمزة وقوله تعالى: # وأصلح بالهم قال قتادة معناه: وأصلح حالهم. وقرأ ابن عباس «أمرهم» . وقال ~~مجاهد: شأنهم. # وتحرير التفسير في اللفظة أنها بمعنى الفكر والموضع الذي فيه نظر الإنسان ~~وهو القلب، فإذا صلح ذلك صلحت حاله، فكأن اللفظة مشيرة إلى صلاح عقيدتهم ~~وغير ذلك من الحال تابع، فقولك: خطر في PageV05P109 # بالي كذا، وقولك: أصلح الله بالك: المراد بهما واحد، ذكره المبرد. ~~والبال: مصدر كالحال والشأن، ولا يستعمل منها فعل، وكذلك عرفه أن لا يثنى ~~ولا يجمع، وقد جاء مجموعا لكنه شاذ، فإنهم قالوا بآلات. # وقوله تعالى: ذلك بأن الذين كفروا الإشارة إلى هذه الأفعال التي ذكر الله ~~أنه فعلها بالكفار وبالمؤمنين. و: الباطل الشيطان وكل ما يأمر به، قاله ~~مجاهد. و: الحق هنا هو الشرع ومحمد عليه السلام. # وقوله: كذلك يبين أمر كل فرقة ويجعل لها ضربها من القول وصنفها. وضرب ~~المثل مأخوذ من الضريب والضرب الذي هو بمعنى النوع. # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 4 الى 9] # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) ~~سيهديهم ويصلح ms3248 بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا أيها الذين آمنوا ~~إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا لهم وأضل ~~أعمالهم (8) # ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) # قال ابن عباس وقتادة وابن جريج والسدي: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف ~~التي في براءة: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] وإن الأسر والمن والفداء ~~مرتفع، فمتى وقع أسر فإنما معه القتل ولا بد، وروي نحوه عن أبي بكر الصديق. ~~وقال ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء ما معناه: # إن هذه الآية محكمة مبينة لتلك، والمن والفداء ثابت، وقد من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن أثال، وفادى أسرى بدر، وقاله الحسن، وقال: ~~لا يقتل الأسير إلا في الحرب، يهيب بذلك على العدو. وكان عمر بن عبد العزيز ~~يفادي رجلا برجل، ومنع الحسن أن يفادوا بالمال. وقد أمر عمر بن عبد العزيز ~~بقتل أسير من الترك ذكر له أنه قتل مسلمين. وقالت فرقة: هذه الآية خصصت من ~~الأخرى أهل الكتاب فقط، ففيهم المن والفداء، وعباد الأوثان ليس فيهم إلا ~~القتل. وعلى قول أكثر العلماء الآيتان محكمتان. وقوله هنا: فضرب الرقاب ~~بمثابة قوله هناك: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] وصرح هنا ~~بذكر المن والفداء، ولم يصرح به هناك، وهو مراد متقرر، وهذا هو القول ~~القوي. # وقوله: فضرب الرقاب مصدر بمعنى الفعل، أي فاضربوا رقابهم وعين من أنواع ~~القتل أشهره وأعرفه فذكره، والمراد: اقتلوهم بأي وجه أمكن، وقد زادت آية: ~~واضربوا منهم كل بنان [الأنفال: 12] وهي من أنكى ضربات الحرب، لأنها تعطل ~~من المضروب جميع جسده، إذ البنان أعظم آلة المقاتل وأصلها. و: أثخنتموهم ~~معناه: بالقتل. والإثخان في القوم: أن يكثر فيهم القتلى والجرحى، والمعنى: ~~فشدوا الوثاق بمن لم يقتل ولم يترتب عليه إلا الأسر. و: منا و: فداء PageV05P110 # مصدران منصوبان بفعلين مضمرين. وقرأ جمهور الناس: «فداء» . وقرأ شبل عن ~~ابن كثير: «فدى» مقصورا. # وإمام المسلمين مخير في أسراه في خمسة أوجه: القتل، أو الاسترقاق، أو ضرب ~~الجزية، أو ms3249 الفداء، أو المن. ويترجح النظر في أسير أسر بحسب حاله من إذاية ~~المسلمين أو ضد ذلك. # وقوله تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها معناه: حتى تذهب وتزول أثقالها. ~~والأوزار: الأثقال فيها والآلات لها، ومنه قول الشاعر عمرو بن معد يكرب ~~الزبيدي: [المتقارب] # وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وقال الثعلبي: وقيل الأوزار في هذه الآية: الآثام، جمع وزر، لأن الحرب لا ~~بد أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين. # واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحرب أوزارها، فقال قتادة: ~~حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها. وقال حذاق أهل النظر: حتى تغلبوهم ~~وتقتلوهم. # وقال مجاهد حتى ينزل عيسى ابن مريم. # قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أنها استعارة يراد لها التزام الأمر ~~أبدا، وذلك أن الحرب بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما ~~تقول: أنا أفعل كذا إلى يوم القيامة، فإنما تريد: إنك تفعله دائما. # وقوله تعالى: ذلك تقديره: الأمر ذلك. ثم قال: ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~أي بعذاب من عنده يهلكهم به في حين واحد، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين ~~وأن يبلو بعض الناس ببعض. # وقرأ جمهور الناس: «قاتلوا» وقرأ عاصم الجحدري بخلاف عنه: «قتلوا» بفتح ~~القاف والتاء. وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم والأعرج وقتادة والأعمش: «قتلوا» ~~بضم القاف وكسر التاء. وقرأ زيد بن ثابت والحسن والجحدري وأبو رجاء: ~~«قتلوا» بضم القاف وكسر التاء وشدها، والقراءة الأولى أعمها وأوضحها معنى. ~~وقال قتادة: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم أحد من المؤمنين. # وقوله تعالى: سيهديهم أي إلى طريق الجنة، وقد تقدم القول في إصلاح البال. ~~وروى عباس بن المفضل عن أبي عمرو: «ويدخلهم» بسكون اللام. وفي سورة ~~[التغابن] يوم يجمعكم [التغابن: 9] وفي سورة [الإنسان] إنما نطعمكم ~~[الإنسان: 9] بسكون العين والميم. # وقوله تعالى: عرفها لهم قال أبو سعيد الخدري وقتادة ومجاهد معناه: بينها ~~لهم، أي جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى هو قول النبي عليه ~~السلام: لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله في الدنيا. ms3250 وقالت فرقة ~~معناه: سماها لهم ورسمها، كل منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف. # وقالت فرقة معناه: شرفها لهم ورفعها وعلاها، وهذا من الأعراف التي هي ~~الجبال وما أشبهها، ومنه أعراف PageV05P111 # الخيل. وقال مؤرج وغيره معناه: طيبها مأخوذ من العرف، ومنه طعام معرف، أي ~~مطيب. وعرفت القدر: # طيبتها بالملح والتابل. # وقوله تعالى: إن تنصروا الله فيه حذف مضاف، أي دين الله ورسوله، والمعنى: ~~تنصروه بجدكم واتباعكم وإيمانكم ينصركم بخلق القوة لكم والجرأة وغير ذلك من ~~المعاون. # وقرأ جمهور الناس: «ويثبت» بفتح التاء المثلثة وشد الباء. وقرأ المفضل عن ~~عاصم: «ويثبت» بسكون الثاء وتخفيف الباء، وهذا التثبيت هو في مواطن الحرب ~~على الإسلام، وقيل على الصراط في القيامة. # وقوله تعالى: فتعسا لهم معناه: عثارا وهلاكا فيه، وهي لفظة تقال للعاثر ~~إذا أريد به الشر، ومنه قول الشاعر: [المنسرح] # يا سيدي إن عثرت خذ بيدي ... ولا تقل: لا، ولا تقل تعسا # وقال الأعشى: [البسيط] # بذات لوت عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا # ومنه قول أم مسطح لما عثرت في مرطها: تعس مسطح. قال ابن السكيت: التعس أن ~~يخر على وجهه. و: «تعسا» مصدر نصبه فعل مضمر. # وقوله تعالى: كرهوا ما أنزل الله يريد القرآن. وقوله: فأحبط أعمالهم ~~يقتضي أن أعمالهم في كفرهم التي هي بر مقيدة محفوظة، ولا خلاف أن الكافر له ~~حفظة يكتبون سيئاته. واختلف الناس في حسناتهم، فقالت فرقة: هي ملغاة يثابون ~~عليها بنعم الدنيا فقط. وقالت فرقة: هي محصاة من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل ~~أنه قد يسلم فينضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحد التأويلين في قول ~~النبي عليه السلام لحكيم بن حزام: «أسلمت على ما سلف لك من خير» . فقوم ~~قالوا تأويله: أسلمت على أن يعد لك ما سلف من خير، وهذا هو التأويل الذي ~~أشرنا إليه. وقالت فرقة معناه: أسلمت على إسقاط ما سلف لك من خير، إذ قد ~~ثوبت عليه بنعم دنياك. وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر في هذه ms3251 الآية ~~بحبطها: # عبادتهم الأصنام وكفرهم. ومعنى: (أحبط) جعلها من العمل الذي لا يزكو ولا ~~يعتد به، فهي لذلك كالذي أحبط. # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 10 الى 13] # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم وللكافرين أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين ~~لا مولى لهم (11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ~~لهم (12) وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر ~~لهم (13) PageV05P112 # قوله تعالى: أفلم يسيروا توقيف لقريش وتوبيخ. و: الذين من قبلهم يريد: ~~ثمود وقوم لوط وقوم شعيب وأهل السد وغيرهم. والدمار: الإفساد وهدم البناء ~~وإذهاب العمران. # وقوله: دمر الله عليهم من ذلك. والضمير في قوله: أمثالها يصح أن يعود على ~~العاقبة المذكورة، ويصح أن يعود على الفعلة التي يتضمنها قوله: دمر الله ~~عليهم. وقولهم: ذلك بأن ابتداء وخبر في «أن» وما عملت فيه. والمولى: الناصر ~~الموالي، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا» . ~~وقال قتادة: إن هذه الآية نزلت يوم أحد ومنها انتزع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رده على أبي سفيان حين قال له: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» ~~. # وقوله تعالى: ويأكلون كما تأكل الأنعام أي أكلا مجردا من فكرة ونظر، ~~فالتشبيه بالمعنى إنما وقع فيما عدا الأكل من قلة الفكر وعدم النظر، فقوله: ~~كما في موضع الحال، وهذا كما تقول لجاهل: # يعيش كما تعيش البهيمة، فأما بمقتضى اللفظ فالجاهل والعالم والبهيمة من ~~حيث لهم عيش فهم سواء، ولكن معنى كلامك يعيش عديم النظر والفهم كما تعيش ~~البهيمة. والمثوى: موضع الإقامة، وقد تقدم القول غير مرة في قوله: وكأين. ~~وضرب الله تعالى لمكة مثلا بالقرى المهلكة على عظمها، كقرية قوم عاد ~~وغيرها. و: أخرجتك معناه: وقت الهجرة. ونسب الإخراج إلى القرية حملا على ~~اللفظ. وقال: # أهلكناهم حملا على المعنى. ويقال: ms3252 إن هذه الآية نزلت إثر خروج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من مكة في طريق المدينة. وقيل: نزلت بالمدينة. وقيل: ~~نزلت بمكة عام دخلها رسول الله صلى عليه وسلم بعد الحديبية. وقيل نزلت: عام ~~الفتح وهو مقبل إليها. وهذا كله حكمه حكم المدني. # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 14 الى 16] # أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) مثل ~~الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~(15) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ~~ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) # قوله تعالى: أفمن كان الآية توقيف وتقرير على شيء متفق عليه وهي معادلة ~~بين هذين الفريقين. # وقال قتادة: الإشارة بهذه الآية إلى محمد عليه السلام في أنه الذي هو على ~~بينة وإلى كفار قريش في أنهم الذين زين لهم سوء أعمالهم. # قال القاضي أبو محمد: وبقي اللفظ عاما لأهل هاتين الصفتين غابر الدهر ~~وقوله: على بينة معناه PageV05P113 # على قصة واضحة وعقيدة نيرة بينة، ويحتمل أن يكون المعنى على أمر بين ودين ~~بين، وألحق الهاء للمبالغة: كعلامة ونسابة. والذي يسند إليه قوله: زين ~~الشيطان. واتباع الأهواء: طاعتها كأنها تذهب إلى ناحية والمرء يذهب معها. # واختلف الناس في قوله تعالى: مثل الجنة الآية، فقال النضر بن شميل وغيره: ~~مثل معناه صفة، كأنه قال صفة الجنة ما تسمعون فيها كذا وكذا، وقال سيبويه: ~~المعنى فيما يتلى عليكم مثل الجنة. # ثم فسر ذلك الذي يتلى بقوله: فيها كذا وكذا. # قال القاضي أبو محمد: والذي ساق أن يجعل مثل بمثابة صفة هو أن الممثل به ~~ليس في الآية، ويظهر أن القصد في التمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله المرء ~~عند سماعه ms3253 فيها كذا وكذا فإنه يتصور عند ذلك بقاعا على هذه الصورة وذلك هي ~~مثل الجنة ومثالها، وفي الكلام حذف يقتضيه الظاهر، كأنه يقول: مثل الجنة ~~ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف. وقرأ علي بن أبي طالب: «مثال الجنة» . # وقرأ علي بن أبي طالب أيضا وابن عباس: «أمثال الجنة» . وعلى هذه ~~التأويلات كلها ففي قوله: كمن هو خالد حذف تقديره: أساكن هذه، أو تقديره: ~~أهؤلاء إشارة إلى المتقين، ويحتمل عندي أيضا أن يكون الحذف في صدر الآية. ~~كأنه قال: أمثل أهل الجنة كمن هو خالد، ويكون قوله: مثل مستفهما عنه بغير ~~ألف الاستفهام، فالمعنى: أمثل أهل الجنة، وهي بهذه الأوصاف كمن هو خالد في ~~النار فتكون الكاف في قوله: كمن مؤكدة في التشبيه، ويجيء قوله: فيها أنهار ~~في موضع الحال على هذا التأويل. وماء غير آسن معناه غير متغير، قاله ابن ~~عباس وقتادة، وسواء أنتن أو لم ينتن، يقال: أسن الماء: بفتح السين، وأسن ~~بكسرها. # وقرأ جمهور القراء: «آسن» على وزن فاعل. وقرأ ابن كثير: «أسن» ، على وزن ~~فعل، وهي قراءة أهل مكة، والأسن أيضا هو الذي يخشى عليه من ريح منتنة من ~~ماء، ومنه قول الشاعر: # التارك القرن مصرا أنامله ... يميل في الرمح ميل المائح الأسن # وقال الأخفش: آسن لغة: والمعنى الإخبار به عن الحال، ومن قال: «آسن» على ~~وزن فاعل، فهو يريد به أن يكون كذلك في المستقبل فنفى ذلك في الآية. وقرأت ~~فرقة: «غير يسن» ، بالياء. قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمزة، قال أبو ~~حاتم عن عوف: كذلك كانت في المصحف: «يسن» ، فغيرها الحجاج. # وقوله: في اللبن لم يتغير طعمه نفي لجميع وجوه الفساد في اللبن وقوله: ~~لذة للشاربين جمعت طيب المطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره ولذة نعت على ~~النسب، أي ذات لذة. وتصفية العسل مذهبة لمومه وضرره. وقوله: من كل الثمرات ~~أي من هذه الأنواع، لكنها بعيدة الشبه، إذ تلك لا عيب فيها ولا تعب بوجه. ~~وقوله: ومغفرة من ربهم معناه: وتنعيم أعطته المغفرة ms3254 وسببته، فالمغفرة إنما ~~هي قبل الجنة، وقوله: وسقوا الضمير عائد على «من» لأن المراد به جمع. # وقوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك يعني بذلك المنافقين من أهل المدينة، ~~وذلك أنهم كانوا PageV05P114 # يحضرون عند النبي عليه السلام فيسمعون كلامه وتلاوته، فإذا خرجوا قال ~~بعضهم لمن شاء من المؤمنين الذين عملوا وانتفعوا ماذا قال آنفا فكان منهم ~~من يقول هذا استخفافا، أي ما معنى ما قال وما نفعه وما قدره؟ ومنهم من كان ~~يقول ذلك جهالة ونسيانا، لأنه كان في وقت الكلام مقبلا على فكرته في أمر ~~دنياه وفي كفره، فكان القول يمر صفحا، فإذا خرج قال: ماذا قال آنفا، وهذا ~~أيضا فيه ضرب من الاستخفاف، لأنه كان يصرح أنه كان يقصد الإعراض وقت ~~الكلام، ولو لم يكن ذلك بقصد لم يبعد أن يجري على بعض المؤمنين. وروي أن ~~عبد الله بن مسعود وابن عباس ممن سئل هذا السؤال، حكاه الطبري عن ابن عباس. # وقرأ الجمهور: «آنفا» على وزن فاعل، وقرأ ابن كثير وحده: «أنفا» على وزن ~~فعل، وهما اسما فاعل من ائتنف، وجريا على غير فعلهما، وهذا كما جرى فقير ~~على افتقر ولم يستعمل فقر، وهذا كثير، والمفسرون يقولون: «أنفا» معناه: ~~الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى. # ثم أخبر تعالى أنه طبع على قلوب هؤلاء المنافقين الفاعلين لهذا، وهذا ~~الطبع يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون استعارة وقد تقدم القول فيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 17 الى 19] # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم (19) # لما ذكر تعالى المنافقين بما هم أهله من قوله: أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم واتبعوا أهواءهم [محمد: 16] عقب ذلك بذكر المؤمنين ليبين الفرق، ~~وشرفهم بإسناد فعل الاهتداء إليهم وهي إشارة إلى تكسبهم. # وقوله تعالى: زادهم هدى يحتمل أن يكون الفاعل في زادهم الله ms3255 تعالى، ~~والزيادة في هذا المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة، وإما بورود ~~الشرائع والنواهي والأخبار فيزيد الاهتداء لتزيد علم ذلك كله والإيمان به ~~وذلك بفضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون الفاعل في: زادهم قول المنافقين ~~واضطرابهم، لأن ذلك مما يتعجب المؤمن منه ويحمد الله على إيمانه، ويتزيد ~~بصيرة في دينه، فكأنه قال: # المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى، أي كانت الزيادة ~~بسببه، فأسند الفعل إليه، وقالت فرقة: إن هذه الآية نزلت في قوم من ~~النصارى، آمنوا بمحمد فالفاعل في: زادهم محمد عليه السلام كان سبب الزيادة ~~فأسند الفعل إليه. وقوله على هذا القول: اهتدوا يريد في إيمانهم بعيسى عليه ~~السلام ثم زادهم محمد هدى حين آمنوا به. والفاعل في آتاهم يتصرف بحسب ~~التأويلات المذكورة، وأقواها أن الفاعل الله تعالى. وآتاهم معناه: أعطاهم، ~~أي جعلهم متقين له، فالتقدير: تقواهم إياه. PageV05P115 # وقرأ الأعمش: «وأنطاهم تقواهم» ، وهي بمعنى أعطاهم، ورواها محمد بن طلحة ~~عن أبيه. وهي في مصحف عبد الله. # وقوله تعالى: فهل ينظرون يريد المنافقين، والمعنى: فهل ينظرون أي هكذا هو ~~الأمر في نفسه وإن كانوا هم في أنفسهم ينتظرون غير ذلك، فإن ما في أنفسهم ~~غير مراعى، لأنه باطل. # وقرأ جمهور الناس: «أن تأتيهم» ف أن بدل من الساعة. وقوله تعالى على هذه ~~القراءة. # فقد جاء أشراطها إخبار مستأنف والفاء عاطفة جملة من الكلام على جملة. ~~وقرأ أهل مكة فيما روى الرؤاسي «إن تأتهم» بكسر الألف وجزم الفعل على ~~الشرط، والفاء في قوله: فقد جاء أشراطها جواب الشرط وليست بعاطفة على ~~القراءة الأولى فثم نحو من معنى الشرط. و: بغتة معناه: فجأة، وروي عن أبي ~~عمرو «بغتة» بفتح الغين وشد التاء. وقوله: فقد جاء أشراطها على القراءتين ~~معناه: فينبغي أن يقع الاستعداد والخوف منها لمن جزم ونظر لنفسه. والذي جاء ~~من أشراط الساعة محمد عليه السلام لأنه آخر الأنبياء، فقد بان من أمر ~~الساعة قدر ما، وفي الحديث عنه عليه السلام أنه قال: «أنا من أشراط الساعة ~~وقد بعثت أنا ms3256 والساعة كهاتين وكفرسي رهان» . ويقال شرط وشرط: بسكون الراء ~~وتخفيفها، وأشرط الرجل نفسه: ألزمها أمورا. وقال أوس بن حجر: [الطويل] # فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا # وقوله تعالى: فأنى لهم الآية، يحتمل أن يكون المعنى: فأنى لهم الخلاص أو ~~النجاة إذ جاءتهم الذكرى بما كانوا يخبرون به في الدنيا فيكذبون به وجاءهم ~~العذاب مع ذلك. ويحتمل أن يكون المعنى: فأنى لهم ذكراهم وعملهم بحسبها إذا ~~جاءتهم الساعة، وهذا تأويل قتادة، نظيره: وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ~~[سبإ: 52] . # وقوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله الآية إضراب عن أمر هؤلاء ~~المنافقين وذكر الأهم، والمعنى: دم على علمك، وهذا هو القانون في كل أمر ~~بشيء هو متلبس به، وهذا خطاب للنبي عليه السلام، وكل واحد من الأمة داخل ~~معه فيه. واحتج بهذه الآية من قال من أهل السنة: إن العلم والنظر قبل ~~القول، والإقرار في مسألة أول الواجبات. وبوب البخاري رحمه الله العلم قبل ~~القول والعمل لقوله تعالى: # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك الآية، وواجب على كل مؤمن أن ~~يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنها صدقة. وقال الطبري وغيره: متقلبكم تصرفكم ~~في يقظتكم. ومثواكم منامكم. وقال ابن عباس: متقلبكم تصرفكم في حياتكم ~~الدنيا. ومثواكم في قبوركم وفي آخرتكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 20 الى 23] # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا ~~لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) ~~أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) PageV05P116 # هذا ابتداء وصف حال المؤمنين في جدهم في دين الله وحرصهم على ظهوره وحال ~~المنافقين من الكسل والفشل والحرص على فساد دين الله وأهله، وذلك أن ~~المؤمنين كان حرصهم يبعثهم على تمني الظهور وتمني قتال العدو وفضيحة ~~المنافقين ونحو ذلك مما هو ظهور ms3257 للإسلام، فكانوا يأنسون بالوحي ويستوحشون ~~إذا أبطأ، والله تعالى قد جعل ذلك بآماد مضروبة وأوقات لا تتعدى، فمدح الله ~~المؤمنين بحرصهم. وقولهم: لولا نزلت سورة معناه: تتضمن إظهارنا وأمرنا ~~بمجاهدة العدو ونحوه. ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين عند نزول أمر القتال. # وقوله: محكمة معناه: لا يقع فيها نسخ، وبهذا الوجه خصص السورة بالأحكام، ~~وأما الإحكام الذي هو بمعنى الإتقان، فالقرآن فيه كله سواء. وقال قتادة: كل ~~سورة فيها القتال فهي محكمة، وهو أشد القرآن على المنافقين. # قال القاضي أبو محمد: وهذا أمر استقرأه قتادة من القرآن، وليس من تفسير ~~هذه الآية في شيء. # وفي مصحف ابن مسعود: «سورة محدثة» . والمرض الذي في القلوب: استعارة ~~لفساد المعتقد وحقيقة الصحة والمرض في الأجسام، وتستعار للمعاني، ونظر ~~الخائف الموله قريب من نظر المغشي عليه، وخسسهم هذا الوصف والتشبيه. # وقوله تعالى: فأولى لهم الآية، «أولى» : وزنه أفعل، من وليك الشيء يليك. ~~وقالت فرقة وزنه: # أفلع، وفيه قلب، لأنه مشتق من الويل، والمشهور من استعمال «أولى» : أنك ~~تقول: هذا أولى بك من هذا، أي أحق، وقد تستعمل «أولى» فقط على جهة الحذف ~~والاختصار لما معها من القول، فتقول على جهة الزجر والتوعد: أولى لك يا ~~فلان، وهذه الآية من هذا الباب، ومنه وقوله تعالى: أولى لك فأولى [القيامة: ~~34- 35] ، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه للحسن: أولى لك. وقالت ~~فرقة من المفسرين: «أولى» رفع بالابتداء. و: طاعة خبره. # قال القاضي أبو محمد: فهذا هو المشهور من استعمال «أولى» . # وقالت فرقة من المفسرين: أولى لهم ابتداء وخبر، معناه: الزجر والتوعد. ثم ~~اختلفت هذه الفرقة في معنى قوله: طاعة وقول معروف فقال بعضها، التقدير: ~~طاعة وقول معروف أمثل، وهذا هو تأويل مجاهد ومذهب الخليل وسيبويه، وحسن ~~الابتداء بالنكرة لأنها مخصصة، ففيها بعض التعريف. # وقال بعضها التقدير: الأمر طاعة وقول معروف، أي الأمر المرضي لله تعالى. ~~وقال بعضها التقدير قولهم لك يا محمد على جهة الهزء والخديعة طاعة وقول ~~معروف فإذا عزم الأمر كرهوه، ونحو هذا ms3258 من التقدير قاله قتادة. وقال أيضا ما ~~معناه: إن تمام الكلام الذي معناه الزجر والتوعد ب «أولى» . وقوله لهم PageV05P117 # ابتداء كلام، ف طاعة على هذا القول: ابتداء، وخبره: لهم والمعنى أن ذلك ~~منهم على جهة الخديعة، فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصوا. # وقوله: عزم الأمر استعارة كما قال: # قد جدت الحرب بكم فجدوا ومن هذا الباب: نام ليلك ونحوه. # وقوله: صدقوا الله يحتمل أن يكون من الصدق الذي هو ضد الكذب، ويحتمل أن ~~يكون من قولك عود صدق، والمعنى متقارب. # وقوله تعالى: فهل عسيتم مخاطبة لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض أي قل لهم يا ~~محمد. # وقرأ نافع وأهل المدينة «عسيتم» بكسر السين. وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم ~~وأبو جعفر وشيبة: # «عسيتم» بفتح السين، والفتح أفصح، لأنه من عسى التي تصحبها «أن» . ~~والمعنى: فهل عسى أن تفعلوا إن توليتم غير أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم، وكأن الاستفهام الداخل على عسى غير معناها بعض التغيير كما يغير ~~الاستفهام قولك: أو لو كان كذا وكذا. وقوله: إن توليتم معناه: إن أعرضتم عن ~~الحق. وقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم ~~الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن. # وقرأ جمهور القراء: «إن توليتم» والمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام. وقال كعب ~~الأحبار ومحمد بن كعب القرظي المعنى: إن توليتم أمور الناس من الولاية، ~~وعلى هذا قيل إنها نزلت في بني هاشم وبني أمية، ذكره الثعلبي. وروى عبد ~~الله بن مغفل عن النبي عليه السلام: «إن وليتم» بواو مضمومة ولام مكسورة. ~~قرأ علي بن أبي طالب: «إن توليتم» بضم التاء والواو وكسر اللام المشددة على ~~معنى: إن وليتكم ولاية الجور فملتم إلى دنياهم دون إمام العدل، أو على ~~معنى: إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وأفعال العرب في جاهليتها وسيرتها من ~~الغارات والسباء، فإنما كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، وقيل ~~معناها: إن توليكم الناس ووكلكم الله إليهم. # وقرأ جمهور الناس: «وتقطعوا» بضم التاء وشد الطاء المكسورة. وقرأ أبو ~~عمرو: «وتقطعوا» بفتح التاء ms3259 والطاء المخففة، وهي قراءة سلام ويعقوب. # وقوله تعالى: أولئك الذين لعنهم الله إشارة إلى مرضى القلوب المذكورين. ~~و: لعنهم معناه: أبعدهم. وقوله: فأصمهم وأعمى أبصارهم استعارة لعدم سمعهم ~~فكأنهم عمي وصم. # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 24 الى 28] # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على ~~أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك ~~بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) PageV05P118 # قوله تعالى: أفلا يتدبرون القرآن توقيف وتوبيخ، وتدبر القرآن: زعيم ~~بالتبيين والهدى. # و: أم منقطعة وهي المقدرة ببل وألف الاستفهام. # وقوله تعالى: أم على قلوب أقفالها استعارة للرين الذي منعهم الإيمان. ~~وروي أن وفد اليمن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الفتى عليها أقفالها حتى يفتحها ~~الله ويفرجها، قال عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه ~~حتى ولي الخلافة فاستعان بذلك الفتى. # وقوله تعالى: إن الذين ارتدوا على أدبارهم الآية، قال قتادة: إنها نزلت ~~في قوم من اليهود كانوا قد عرفوا من التوراة أمر محمد عليه السلام وتبين ~~لهم الهدى بهذا الوجه، فلما باشروا أمره حسدوه فارتدوا عن ذلك القدر من ~~الهدى. وقال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا ثم نافقت ~~قلوبهم. والآية تعم كل من دخل في ضمن لفظها غابر الدهر. و: سول معناه: ~~أرجاهم سولهم وأمانيهم، وقال أبو الفتح عن أبي علي أنه بمعنى: دلاهم، مأخوذ ~~من السول: وهو الاسترخاء والتدلي. # وقرأ جمهور القراء: «وأملى لهم» وأمال ابن كثير وشبل وابن مصرف: «أملى» . ~~وفاعل أملى هنا: # قال الحسن: هو الشيطان جعل وعده الكاذب بالبقاء كالإملاء، وذلك أن ~~الإملاء هو الإبقاء ملاوة من الدهر، يقال ملاوة وملاوة وملاوة بضم الميم ~~وفتحها وكسرها، وهي القطعة ms3260 من الزمن، ومنه الملوان الليل والنهار، فإذا ~~أملى الشيطان إملاء لا صحة له إلا بطمعهم الكاذب، ويحتمل أن يكون الفاعل في ~~أملى الله عز وجل، كأنه قال: الشيطان سول لهم وأملى الله لهم. وحقيقة ~~الإملاء إنما هو بيد الله عز وجل، وهذا هو الأرجح. وقرأ الأعرج ومجاهد ~~والجحدري والأعمش: «وأملي لهم» بضم الهمزة وكسر اللام وإرسال ياء المتكلم، ~~ورواها الخفاف عن أبي عمرو «وأملي» بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، وهي ~~قراءة شيبة وابن سيرين والجحدري وعيسى البصري وعيسى الهمذاني، وهذا يحتمل ~~فاعله من الخلاف ما في القراءة الأولى. # وقوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا الآية، قيل إنها نزلت في بني إسرائيل الذين ~~تقدم ذكرهم في تفسير قوله: إن الذين ارتدوا وروي أن قوما من قريظة والنضير ~~كانوا يعدون المنافقين في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلاف عليه ~~بنصر وموازرة، وذلك قولهم سنطيعكم في بعض الأمر. # وقرأ جمهور القراء «أسرارهم» بفتح الهمزة، وذلك على جمع سر، لأن أسرارهم ~~كانت كثيرة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «إسرارهم» بكسر الهمزة، وهي ~~قراءة ابن وثاب وطلحة والأعمش، وهو مصدر اسم الجنس. PageV05P119 # وقوله تعالى: فكيف إذا توفتهم الآية، يحتمل أن يتوعدوا به على معنيين: ~~أحدهما هذا هلعهم وجزعهم لفرض القتال وفراع الأعداء، فكيف فزعهم وجزعهم إذا ~~توفتهم الملائكة؟ والثاني أن يريد: هذه معاصيهم وعنادهم وكفرهم، فكيف تكون ~~حالهم مع الله إذا توفتهم الملائكة؟ وقال الطبري: المعنى والله يعلم ~~إسرارهم فكيف علمه بها إذا توفتهم الملائكة. الملائكة هنا: # ملك الموت والمصرفون معه. والضمير في يضربون ل الملائكة، وفي نحو هذا ~~أحاديث تقتضي صفة الحال ومن قال إن الضمير في: يضربون للكفار الذين يتوفون، ~~فذلك ضعيف. و: ما أسخط الله هو الكفر. والرضوان هنا: الشرع والحق المؤدي ~~إلى رضوان، وقد تقدم القول في تفسير قوله: # فأحبط أعمالهم. # وقرأ الأعمش: «فكيف إذا توفاهم الملائكة» . # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 29 الى 32] # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو ms3261 نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ~~(30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن ~~يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) # هذه الآية توبيخ للمنافقين وفضح لهم. # وقوله: أم حسب توقيف وهي أم المنقطعة، وتقدم تفسير مرض القلب. وقوله: أن ~~لن يخرج الله أضغانهم أي يبديها من مكانها في نفوسهم. والضغن: الحقد. وقوله ~~تعالى: ولو نشاء لأريناكهم مقاربة في شهرتهم، ولكنه تعالى لم يعينهم قط ~~بالأسماء والتعريف التام إبقاء عليهم وعلى قرابتهم، وإن كانوا قد عرفوا ب ~~لحن القول وكانوا في الاشتهار على مراتب كعبد الله بن أبي والجد بن قيس ~~وغيرهم ممن دونهم في الشهرة. والسيما: العلامة التي كان تعالى يجعل لهم لو ~~أراد التعريف التام بهم. وقال ابن عباس والضحاك: إن الله تعالى قد عرفه بهم ~~في سورة براءة. في قوله: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا [التوبة: 84] وفي ~~قوله: فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا [التوبة: 83] . # قال القاضي أبو محمد: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تام، بل هو لفظ يشير ~~إليهم على الإجمال لا أنه سمى أحدا. وأعظم ما روي في اشتهارهم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمر يوما فأخرجت منهم جماعة من المسجد كأنه وسمهم بهذا ~~لكنهم أقاموا على التبري من ذلك وتمسكوا بلا إله إلا الله فحقنت دماؤهم. ~~وروي عن حذيفة ما يقتضي أن النبي عليه السلام عرفه بهم أو ببعضهم، وله في ~~ذلك كلام مع عمر رضي الله عنه. ثم أخبر تعالى أنه سيعرفهم في لحن القول، ~~ومعناه في مذهب القول ومنحاه PageV05P120 # ومقصده، وهذا هو كما يقول لك إنسان معتقده وتفهم أنت من مقاطع كلامه ~~وهيئته وقرائن أمره أنه على خلاف ما يقول، وهذا معنى قوله: في لحن القول ~~ومن هذا المعنى قول النبي عليه السلام: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض» ، الحديث أي أذهب بها في ms3262 جهات الكلام، وقد يكون هذا اللحن متفقا عليه: ~~أن يقول الإنسان قولا يفهم السامعون منه معنى، ويفهم الذي اتفق مع المتكلم ~~معنى آخر، ومنه الحديث الذي قال سعد بن معاذ وابن رواحة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: عضل والقارة وفي هذا المعنى قول الشاعر [مالك بن أسماء] : ~~[الخفيف] وخير الحديث ما كان لحنا أي ما فهمه عنك صاحبك وخفي على غيره، ~~فأخبر الله محمدا رسوله عليه السلام أن أقوالهم المحرقة التي هي على خلاف ~~عقدهم ستتبين له فيعرفهم بها، واحتج بهذه الآية من جعل في التعريض بالقذف. # وقوله تعالى: والله يعلم أعمالكم مخاطبة للجميع من مؤمن وكافر. # وقرأ جمهور القراء: «ولنبلونكم» بالنون، وكذلك «نعلم» وكذلك «نبلوا» ، ~~وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: «وليبلونكم الله» ، وكذلك «يعلم» «ويبلو» . ~~وروى رويس عن يعقوب: «ويبلو» بالرفع على القطع والإعلام بأن ابتلاءه دائم. ~~وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا، فإنك ~~إن ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا. # وقوله تعالى: حتى نعلم المجاهدين أي حتى يعلمهم مجاهدين قد خرج جهادهم ~~إلى الوجود وبان تكسبهم الذي به يتعلق ثوابهم، وعلم الله بالمجاهدين قديم ~~أزلي، وإنما المعنى ما ذكرناه. # وقوله تعالى: وصدوا يحتمل أن يكون المعنى: وصدوا غيرهم، ويحتمل أن يكون ~~غير متعد، بمعنى: وصدوهم في أنفسهم. # وقوله: وشاقوا الرسول معناه: خالفوه، فكانوا في شق وهو في شق. وقوله: من ~~بعد ما تبين لهم الهدى قالت فرقة: نزلت في قوم من بني إسرائيل فعلوا هذه ~~الأفاعيل بعد تبينهم لأمر محمد عليه السلام من التوراة. وقالت فرقة: نزلت ~~في قوم من المنافقين حدث النفاق في نفوسهم بعد ما كان الإيمان داخلها. وقال ~~ابن عباس: نزلت في المطعمين سفرة بدر، و: «تبين الهدى» هو وجوده عند الداعي ~~إليه. # وقالت فرقة: بل هي عامة في كل كافر، وألزمهم أنه قد تبين لهم الهدى من ~~حيث كان الهدى بينا في نفسه، وهذا كما تقول لإنسان يخالفك في احتجاج على ~~معنى التوبيخ له: أنت تخالف في ms3263 شيء لا خفاء به عليك، بمعنى أنه هكذا هو في ~~نفسه. وقوله: لن يضروا الله تحقير لهم. # وقوله: وسيحبط أعمالهم إما على قول من يرى أن أعمالهم الصالحة من صلة رحم ~~ونحوه تكتب فيجيء هذا الإحباط فيها متمكنا، وإما على قول من لا يرى ذلك، ~~فمعنى وسيحبط أعمالهم أنها عبارة عن إعدامه أعمالهم وإفسادها، وأنها لا ~~توجد شيئا منتفعا به، فذلك إحباط على تشبيه واستعارة. PageV05P121 # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 33 الى 35] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم (35) # روي أن هذه الآية نزلت في بني أسد من العرب، وذلك أنهم أسلموا وقالوا ~~لرسول الله عليه السلام: # نحن قد آثرناك على كل شيء وجئناك بنفوسنا وأهلنا، كأنهم منوا بذلك، فنزل ~~فيهم: يمنون عليك أن أسلموا [الحجرات: 17] ونزلت فيهم هذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: فإن كان هذا فالإبطال الذي نهوا عنه ليس بمعنى ~~الإفساد التام، لأن الإفساد التام لا يكون إلا بالكفر، وإلا فالحسنات لا ~~تبطلها المعاصي، وإن كانت الآية عامة على ظاهرها نهي الناس عن إبطال ~~أعمالهم بالكفر، والإبطال هو الإفساد التام. # وقوله تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار روي ~~أنها نزلت بسبب عدي بن حاتم قال: يا رسول الله إن حاتما كانت له أفعال بر ~~فما حاله؟ فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم «هو في النار» ، فبكى عدي ~~وولى، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أبي وأبوك وأبو إبراهيم ~~خليل الرحمن في النار ونزلت هذه الآية في ذلك، وظاهر الآية العموم في كل ما ~~تناولته الصفة. # وقوله تعالى: فلا تهنوا معناه: فلا تضعفوا، من وهن الرجل إذا ضعف. # وقرأ جمهور الناس: «وتدعوا» وقرأ أبو عبد الرحمن: «وتدعوا» بشد الدال. ~~وقرأ جمهور القراء: «إلى السلم» بفتح ms3264 السين. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: ~~«إلى السلم» بكسر السين. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء والأعمش وعيسى وطلحة ~~وهو بمعنى المسالمة. وقال الحسن بن أبي الحسن وفرقة ممن كسر السين إنه ~~بمعنى إلى الإسلام، أي لا تهنوا وتكونوا داعين إلى الإسلام فقط دون مقاتلين ~~بسببه. وقال قتادة معنى الآية: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن ملتئم مع قوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ~~[الأنفال: 61] . # وقوله: وأنتم الأعلون يحتمل موضعين أحدهما: أن يكون في موضع الحال، ~~المعنى: لا تهنوا وأنتم في هذه الحال. والمعنى الثاني: أن يكون إخبارا ~~بنصره ومعونته. و «يتر» ، معناه ينقص ويذهب، ومنه قوله عليه السلام: «من ~~ترك صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» أي ذهب بجميع ذلك على جهة التغلب ~~والقهر، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم وجزاء أعمالكم. واللفظة مأخوذة من ~~الوتر الذي هو الدحل، وذهب قوم إلى أنه مأخوذ من الوتر الذي هو الفرد، ~~المعنى لن يفردكم من ثواب أعمالكم، والأول أصح، وفسر ابن عباس وأصحابه ~~يتركم بيظلمكم. PageV05P122 # قوله عز وجل: ### || [سورة محمد (47) : الآيات 36 الى 38] # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم ~~أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها أنتم هؤلاء ~~تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم (38) # قوله تعالى: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو تحقير لأمر الدنيا، أي فلا ~~تهنوا في الجهاد بسببها، ووصفها باللعب واللهو هو على أنها وما فيها مما ~~يختص بها لعب، وإلا ففي الدنيا ما ليس بلعب ولا لهو، وهو الطاعة وأمر ~~الآخرة وما جرى مجراه. # وقوله تعالى: وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم معناه هذا هو المطلوب منكم ~~لا غيره، لا تسألون أموالكم أن تنفقوها في سبيل الله. وقال سفيان بن عيينة: ~~لا يسألكم كثيرا من أموالكم إحفاء إنما يسألكم غيضا من فيض ربع العشر ~~فطيبوا أنفسكم، ms3265 ثم قال تعالى منبها على خلق ابن آدم إن يسئلكموها فيحفكم ~~تبخلوا والإحفاء هو أشد السؤال وهو المخجل المخرج ما عند المسئول كرها، ~~ومنه حفاء الرجل. # والتحفي من البحث عن الشيء. وقوله: تبخلوا جزم على جواب شرط. # وقرأ جمهور القراء: «ويخرج» جزما على تبخلوا. وقرأ عبد الوارث عن أبي ~~عمرو: «ويخرج» بالرفع على القطع، بمعنى هو يخرج، وحكاها أبو حاتم عن عيسى ~~وقرأت فرقة: وبالنصب على معنى: # يكن بخل وإخراج، فلما جاءت العبارة بفعل دل على أن التي مع الفعل بتأويل ~~المصدر الذي هو الإخراج، والفاعل في قوله: ويخرج على كل الاختلافات يحتمل ~~أن يكون الله، ويحتمل أن يكون البخل الذي تضمنه اللفظ، ويحتمل أن يكون ~~السؤال الذي يتضمنه اللفظ أيضا. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن سيرين وابن ~~محيصن وأيوب: «يخرج» بفتح الياء «أضغانكم» رفعا على أنها فاعلة وروي عنهم: ~~«وتخرج» بضم التاء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله. # وقرأ يعقوب: «ونخرج» بضم النون وكسر الراء «أضغانكم» نصبا. والأضغان كما ~~قلنا معتقدات السوء، وهذا الذي كان يخاف أن يعتري المسلمين هو الذي تقرب به ~~محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف حين قال له: إن هذا الرجل قد أكثر علينا ~~وطلب منا الأموال ثم وقف تعالى عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم ها ~~أنتم هؤلاء وكرر هاء التنبيه تأكيدا. # وقوله: عن نفسه يحتمل معنيين، أحدهما: فإنما يبخل عن شح نفسه، والآخر أن ~~يكون بمنزلة على، لأنك تقول: بخلت عليك وبخلت عنك، بمعنى: أمسكت عنك. # وقوله تعالى: والله الغني وأنتم الفقراء معنى مطرد في قليل الأشياء ~~وكثيرها. PageV05P123 # وقوله تعالى: يستبدل قوما غيركم قيل الخطاب لقريش، والقوم الغير هم أهل ~~المدينة. وقال عبد الرحمن بن جبير وشريح بن عبيد: الخطاب لمن حضر المدينة. ~~والقوم الغير: فارس. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ~~عن هذا وكان سلمان إلى جنبه فوضع يده على فخذه وقال: قوم هذا، لو كان الدين ~~بالثريا لناله رجال من أهل فارس. # وقوله: أمثالكم ms3266 معناه في الخلاف والتولي والبخل بالأموال ونحو هذا، وحكى ~~الثعلبي أن القوم الغير: هم الملائكة. # نجز تفسير سورة القتال، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. PageV05P124 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفتح # هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من الحديبية، ~~وفي ذلك أحاديث كثيرة عن أنس وابن مسعود وغيرهما تقتضي صحته وهي بهذا في ~~حكم المدني. وقال الزهراوي عن مجاهد وعن ابن عباس: إنها نزلت بالمدينة، ~~والأول أصح، ويشبه أن منها بعضا نزل بالمدينة، وأما صدر السورة ومعظمها ~~فكما قلنا، ويقضي بذلك قول النبي عليه السلام لعمر وهما في تلك السفرة: ~~«لقد نزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها» . # قال القاضي أبو محمد: ذكر مكي هنا أن المعنى بشرط أن تبقى الدنيا ولا ~~تفنى، وفي هذا نظر. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في تلك الوجهة ليعتمر بمكة، فصده ~~المشركون، القصة المشهورة سنة ست من الهجرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) # قال قوم فيما حكى الزهراوي فتحنا لك يريد به فتح مكة، وحكاه الثعلبي ~~أيضا، ونسبه النقاش إلى الكلبي. وأخبره تعالى به على معنى: قضينا به. ~~والفتاح: القاضي بلغة اليمن، وقيل المراد: إنا فتحنا لك بأن هديناك إلى ~~الإسلام ليغفر. وقال جمهور الناس: والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن ~~قوله: إنا فتحنا لك إنما معناه: إن ما يسر الله لك في تلك الخرجة فتح مبين ~~تستقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين، لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش ~~لهم ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي عليه السلام فنزلت السورة مؤنسة ~~لهم في ms3267 صدهم عن البيت ومذهبه: ما كان في قلوبهم، ومنه حديث عمر الشهير وما ~~قاله للنبي عليه السلام ولأبي بكر واستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تلك السفرة أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر ~~الحديبية حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى الجيش، واتفقت بيعة الرضوان ~~وهي الفتح الأعظم، قاله جابر بن عبد الله والبراء بن عازب. وبلغ هديه محله، ~~قاله الشعبي واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين خيرا، ولم يفتحها إلا ~~أهل الحديبية ولم يشركهم فيها أحد. PageV05P125 # قال القاضي أبو محمد: وفيه نظر، لأن أصحاب السفينة مع جعفر بن أبي طالب ~~شاركوهم في القسم، فينبغي أن يقال لم يشاركهم أحد من المتخلفين عن ~~الحديبية، واتفقت في ذلك الوقت ملحمة عظيمة بين الروم وفارس ظهرت فيها ~~الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسر بها هو ~~والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس وانخضاد الشوكة العظمى من الكفر. # ثم عظم الله أمر نبيه بأن نبأه أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ~~فقوله: ليغفر هي لام كي، لكنها تخالفها في المعنى والمراد هنا أن الله فتح ~~لك لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك، فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال ~~عليه السلام: «لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي من الدنيا» . وقال ~~الطبري وابن كيسان المعنى: إنا فتحنا لك فسبح بحمد ربك واستغفره ليغفر لك، ~~وبنيا هذه الآية مع قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح [النصر: 1] السورة ~~إلى آخرها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف من وجهين أحدهما: أن سورة، إذا جاء نصر ~~الله والفتح [النصر: 1] إنما نزلت من آخر مدة النبي عليه السلام ناعية له ~~نفسه حسبما قال ابن عباس عند ما سأل عمر عن ذلك. والآخر: أن تخصيص النبي ~~عليه السلام بالتشريف كان يذهب، لأن كل أحد من المؤمنين هو مخاطب بهذا الذي ~~قال الطبري، أي سبح واستغفر لكي يغفر الله، ولا ms3268 يتضمن هذا أن الغفران قد ~~وقع، وما قدمناه أولا يقتضي وقوع الغفران للنبي عليه السلام، ويدل على ذلك ~~قول الصحابة له حين قام حتى تورمت قدماه: أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر ~~الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» فهذا نص ~~في أن الغفران قد وقع. وقال منذر بن سعيد المعنى: مجاهدتك بالله المقترنة ~~بالفتح هي ليغفر. وحكى الثعلبي عن الحسن بن الفضل أن المعنى: إنا فتحنا لك ~~فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ليغفر لك الآية، وهذا نحو قول الطبري. # وقوله: ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال سفيان الثوري: ما تقدم يريد قبل ~~النبوءة. وما تأخر كل شيء لم تعلمه وهذا ضعيف، وإنما المعنى التشريف بهذا ~~الحكم ولو لم تكن له ذنوب البتة، وأجمع العلماء على عصمة الأنبياء عليهم ~~السلام من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل، وجوز بعضهم الصغائر التي ~~ليست برذائل، واختلفوا هل وقع ذلك من محمد عليه السلام أو لم يقع، وحكى ~~الثعلبي عن عطاء الخراساني أنه قال: ما تقدم هو ذنب آدم وحواء، أي ببركتك ~~وما تأخر هي ذنوب أمتك بدعائك. قال الثعلبي: الإمامية لا تجوز الصغائر على ~~النبي ولا على الإمام، والآية ترد عليهم. وقال بعضهم: وما تقدم هو قوله يوم ~~بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد» . وما تأخر هو قوله يوم حنين: ~~«لن نغلب اليوم من قلة» . # قال القاضي أبو محمد: وإتمام النعمة عليه، هو إظهاره وتغلبه على عدوه ~~والرضوان في الآخرة. # وقوله تعالى: ويهديك صراطا مستقيما معناه: إلى صراط، فحذف الجار فتعدى ~~الفعل، وقد يتعدى هذا بغير حرف جر، والنصر العزيز: هو الذي معه غلبة العدو ~~والظهور عليه، والنصر غير العزيز: هو الذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط. ~~وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين: وهي فعلية من السكون هو PageV05P126 # تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا أن وعد الله على لسان ~~رسوله حق فازدادوا بذلك إيمانا إلى إيمانهم الأول وكثر تصديقهم. قال ابن ~~عباس: ms3269 لما آمنوا بالتوحيد زادهم العبادات شيئا شيئا. # فكانوا يزيدون إيمانا حتى قال لهم: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3] ~~فمنحهم أكمل إيمان أهل السماوات والأرض لا إله إلا الله. وفسر ابن عباس ~~السكينة بالرحمة. # وقوله: ولله جنود السماوات والأرض إشارة إلى تسكين النفوس أيضا وأن تكون ~~مسلمة، لأنه ينصر متى شاء وعلى أي صورة شاء مما لا يدبره البشر، ومن جنده: ~~السكينة التي أنزلها في قلوب أصحاب محمد فثبت بصائرهم. # وقوله تعالى: وكان الله أي كان ويكون، فهي دالة على الوجود بهذه الصفة لا ~~معينة وقتا ماضيا. # والعلم والإحكام: صفتان مقتضيتان عزة النصر لمن أراد الموصوف بهما نصره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 5 الى 7] # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض ~~وكان الله عزيزا حكيما (7) # قوله تعالى: ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم [الفتح: 4] معناه: فازدادوا ~~وتلقوا ذلك. فتمكن بعد ذلك قوله: ليدخل المؤمنين أي بتكسبهم القبول لما ~~أنزل الله عليهم. ويروى في معنى هذه الآية أنه لما نزلت: وما أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم [الأحقاف: 9] تكلم فيها أهل الكتاب وقالوا: كيف نتبع من لا يدري ~~ما يفعل به وبالناس معه؟ فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله: ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2] فلما سمعها المؤمنون، قالوا: ~~هنيئا مريئا، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية: ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار إلى قوله: وساءت مصيرا ~~فعرفه الله تعالى ما يفعل به وبالمؤمنين والكافرين. وذكر النقاش أن رجلا من ~~عك قال: هذه لك يا رسول الله، فما لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي ~~لي ولأمتي كهاتين» ، وجمع بين أصبعيه. # وقوله: ويكفر عنهم سيئاتهم فيه ترتيب الجمل في السرد ms3270 لا ترتيب وقوع ~~معانيها، لأن تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة. # وقوله: الظانين بالله ظن السوء قيل معناه من قولهم: لن ينقلب الرسول ~~[الفتح: 12] ، فكأنهم ظنوا بالله ظن السوء في جهة الرسول والمؤمنين، وقيل: ~~ظنوا بالله ظن سوء، إذ هم يعتقدونه بغير صفاته، فهي ظنون سوء من حيث هي ~~كاذبة مؤدية إلى عذابهم في نار جهنم. # وقوله تعالى: عليهم دائرة السوء كأنه يقوي التأويل الآخر، أي أصابهم ما ~~أرادوه بكم، وقرأ PageV05P127 # جمهور القراء: «دائرة السوء» كالأول، ورجحها الفراء، وقال: قل ما تضم ~~العرب السين. قال أبو علي: # هما متقاربان، والفتح أشد مطابقة في اللفظ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «ظن ~~السوء» بفتح السين. # و: «دائرة السوء» بضم السين، وهو اسم، أي «دائرة السوء» الذي أرادوه بكم ~~في ظنهم السوء. وقرأ الحسن: بضم السين في الموضعين، وروى ذلك عن أبي عمرو ~~ومجاهد، وسمى المصيبة التي دعا بها عليهم: دائرة، من حيث يقال في الزمان ~~إنه يستدير، ألا ترى أن السنة والشهر كأنها مستديرات، تذهب على ترتيب، ~~وتجيء من حيث هي تقديرات للحركة العظمى، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» فيقال ~~الأقدار والحوادث التي هي في طي الزمان دائرة، لأنها تدور بدوران الزمان، ~~كأنك تقول: إن أمرا كذا يكون في يوم كذا من سنة كذا، فمن حيث يدور ذلك ~~اليوم حتى يبرز إلى الوجود تدور هي أيضا فيه، وقد قالوا: أربعاء لا تدور، ~~ومن هذا قول الشاعر: # [الرجز] ودائرات الدهر قد تدور ومنه قول الآخر: [الطويل] ويعلم أن ~~النائبات تدور وهذا كثير ويحسن أن تسمى المصيبة دائرة من حيث كمالها أن ~~تحيط بصاحبها كما يحيط شكل الدائرة على السواء من النقطة، وقد أشار النقاش ~~إلى هذا المعنى وغضب الله تعالى متى قصد به الإرادة فهو صفة ذات، ومتى قصد ~~به ما يظهر من الأفعال على المغضوب عليه فهي صفة فعل. ولعنهم معناه: # أبعدهم من رحمته، وقال تعالى في هذه وكان الله عزيزا ms3271 حكيما فذكر صفة ~~العزة من حيث تقدم الانتقام من الكفار، وفي التي قبل قرن بالحكمة والعلم من ~~حيث وعده بمغيبات، وقرن باللفظتين ذكر جنود الله تعالى التي منها السكينة ~~ومنها نقمة من المنافقين والمشركين، فلكل لفظ وجه من المعنى، وقال ابن ~~المبارك في كتاب النقاش: جنود الله في السماء، الملائكة، وفي الأرض الغزاة ~~في سبيل الله. قال عبد الحق: وهذا بعض من كل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 8 الى 10] # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ~~وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما (10) # من جعل الشاهد محصل الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: شاهدا حال واقعة. ومن ~~جعل الشاهد مؤدي الشهادة، فهي حال مستقبلة. وهي التي يسميها النحاة ~~المقدرة، المعنى: شاهدا على الناس بأعمالهم وأقوالهم حين بلغت إليهم الشرع ~~ومبشرا معناه: أهل الطاعة برحمة الله ونذيرا معناه: أهل الكفر تنذرهم من ~~عذاب الله. PageV05P128 # وقرأ جمهور الناس في كل الأمصار: «لتؤمنوا بالله» على مخاطبة الناس، على ~~معنى قل لهم، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن ~~كثير وأبو جعفر: «ليؤمنوا» بالياء على استمرار خطاب محمد عليه السلام، ~~وكذلك الأفعال الثلاثة بعد. وقرأ الجحدري: «وتعزروه» بفتح التاء وسكون ~~العين وضم الزاي. وقرأ محمد بن السميفع اليماني وابن عباس: «وتعززوه» ~~بزاءين، من العزة. وقرأ جعفر بن محمد: «وتعزروه» بفتح التاء وسكون العين ~~وكسر الزاي ومعنى: تعزروه تعظموه وتكبروه، قاله ابن عباس: وقال قتادة ~~معناه: تنصروه بالقتال وقال بعض المتأولين: الضمائر في قوله: وتعزروه ~~وتوقروه وتسبحوه هي كلها لله تعالى. وقال الجمهور: تعزروه وتوقروه هما ~~للنبي عليه السلام، وتسبحوه هي لله، وهي صلاة البردين. # وقرأ عمر بن الخطاب: «وتسبحوا الله» ، وفي بعض ما حكى أبو حاتم: «وتسبحون ~~الله» ، بالنون، وقرأ ابن عباس: «ولتسبحوا الله» . والبكرة: الغدو. ~~والأصيل: العشي. # وقوله تعالى: إن الذين يبايعونك يريد في ms3272 بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة ~~حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأهبة لقتال قريش لما بلغه قتل ~~عثمان بن عفان رسوله إليهم، وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية، وكان في ألف ~~وأربعمائة رجل. قال النقاش: وقيل كان في ألف وثمانمائة، وقيل وسبعمائة، ~~وقيل وستمائة، وقيل ومائتين. # قال القاضي أبو محمد: وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبر ~~المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: ~~بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال عبد الله بن عمر ~~وجابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر. # والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء ~~والملوك، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة، أي اشتروا بزعمهم الجنة ~~بأنفسهم. ومعنى: إنما يبايعون الله أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح ثمنها الله ~~تعالى. # وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب: إنما يبايعون الله. قال أبو الفتح: ~~ذلك على حذف المفعول لدلالة الأول عليه وقربه منه. # وقوله تعالى: يد الله قال جمهور المتأولين: اليد، بمعنى: النعمة، أي نعمة ~~الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها. فوق أيديهم التي مدوها ~~لبيعتك. وقال آخرون: يد الله هنا، بمعنى: قوة الله فوق قواهم، أي في نصرك ~~ونصرهم، فالآية على هذا تعديد نعمة عليهم مستقبلة مخبر بها، وعلى التأويل ~~الأول تعديد نعمة حاصلة تشرف بها الأمر. قال النقاش يد الله في الثواب. # وقوله: فمن نكث أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك، ~~فنكثه عليه لا له. # وقرأ جمهور القراء: «بما عاهد عليه الله» بالنصب على التعظيم. وقرأ ابن ~~أبي إسحاق: «ومن أوفى PageV05P129 # بما عاهد عليه الله» بالرفع، على أن الله هو المعاهد. وقرأ حفص عن عاصم: ~~«عليه» مضمومة الهاء، وروي ذلك عن ابن أبي إسحاق. والأجر العظيم: الجنة، لا ~~يفنى نعيمها ولا ms3273 ينقضي أمرها. # وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي والعامة: «فسيؤتيه» بالياء. وقرأ ابن ~~كثير ونافع وابن عامر: # «فسنؤتيه» بالنون. وفي مصحف ابن مسعود: «فسيؤتيه الله» . # وقوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 11 الى 12] # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب ~~الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء ~~وكنتم قوما بورا (12) # المخلفون من الأعراب قال مجاهد وغيره: هم جهينة ومزينة ومن كان حول ~~المدينة من القبائل، فإنهم في خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرته ~~عام الحديبية رأوا أنه يستقبل عدوا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والقبائل ~~المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تمكن إيمان أولئك الأعراب المجاورين ~~للمدينة فقعدوا عن النبي عليه السلام وتخلفوا، وقالوا لن يرجع محمد ولا ~~أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم الله في هذه الآية، وأعلم محمد بقولهم ~~واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، فكان كذلك، قالوا: شغلتنا الأموال والأهلون ~~فاستغفر لنا، وهذا منهم خبث وإبطال، فلذلك قال تعالى: يقولون بألسنتهم ما ~~ليس في قلوبهم قال الرماني: لا يقال أعرابي إلا لأهل البوادي خاصة، ثم قال ~~لنبيه عليه السلام قل لهم: فمن يملك لكم من الله شيئا أي من يحمي منه ~~أموالكم وأهليكم إن أراد بكم فيها سوءا. # وقرأ جمهور القراء: «إن أراد بكم ضرا» بفتح الضاد. وقرأ حمزة والكسائي: ~~«ضرا» بالضم، ورجحها أبو علي وهما لغتان. وفي مصحف ابن مسعود. «إن أراد بكم ~~سوءا» . ثم رد عليهم بقوله: بل كان الله بما تعملون خبيرا، ثم فسر لهم ~~العلة التي تخلفوا من أجلها بقوله: بل ظننتم الآية، وفي قراءة عبد الله: ~~«إلى أهلهم» بغير ياء. و: بورا معناه: فاسدين هلكى بسبب فسادهم. والبوار: # الهلاك. وبارت السلعة، مأخوذ من هذا. وبور: يوصف به الجمع والإفراد، ومنه ms3274 ~~قول ابن الزبعرى: # [الخفيف] # يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور # والبور في لغة أزد عمان: الفاسد، ومنه قول أبي الدرداء: فأصبح ما جمعوا ~~بورا، أي فاسدا ذاهبا، ومنه قول حسان بن ثابت: # لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد ... يهدي الإله سبيل المعشر البور # وقال الطبري في قوله تعالى: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم يعني به ~~قولهم: فاستغفر PageV05P130 # لنا # لأنهم قالوا ذلك مصانعة من غير توبة ولا ندم، قال وقوله تعالى: قل فمن ~~يملك الآية، معناه: # وما ينفعكم استغفاري، وهل أملك لكم شيئا والله قد أراد ضركم بسبب معصيتكم ~~كما لا أملك إن أراد بكم النفع في أموالكم وأهليكم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 13 الى 15] # ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) ولله ملك ~~السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما (14) ~~سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) # لما قال لهم: وكنتم قوما بورا [الفتح: 12] توعدهم بعد ذلك بقوله: ومن لم ~~يؤمن بالله ورسوله الآية، وأنتم هكذا فأنتم ممن أعدت لهم السعير، وهي النار ~~المؤججة. والمسعر: ما يحرك به النار، ومنه قوله عليه السلام: «ويل من مسعر ~~حرب» . ثم رجى بقوله تعالى: ولله ملك السماوات والأرض، الآية: لأن القوم لم ~~يكونوا مجاهرين بالكفر، فلذلك جاء وعيدهم وتوبيخهم ممزوجا فيه بعض الإمهال ~~والترجية، لأن الله تعالى قد كان علم منهم أنهم سيؤمنون، ثم إن الله تعالى ~~أمر نبيه على ما روي بغزو خيبر ووعده بفتحها، وأعلمه أن المخلفين إذا رأوا ~~مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود وهم عدو مستضعف، طلبوا الكون ~~معه رغبة في عرض الدنيا والغنيمة فكان كذلك. # وقوله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله معناه: يريدون أن يغيروا وعده ~~لأهل الحديبية بغنيمة خيبر. وقال عبد الله بن ms3275 زيد بن أسلم كلام الله قوله ~~تعالى: فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا [التوبة: 83] وهذا قول ~~ضعيف، لأن هذه الآية نزلت في رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، ~~وهذا في آخر عمره، وآية هذه السورة نزلت سنة الحديبية، وأيضا فقد غزت جهينة ~~ومزينة بعد هذه المدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فضلهم رسول ~~الله بعد ذلك على تميم وغطفان وغيرهم من العرب، الحديث المشهور فأمره الله ~~تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خيبر: لن تتبعونا وخص الله بها أهل ~~الحديبية. # وقوله تعالى: كذلكم قال الله من قبل يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وقول ~~الأعراب: بل تحسدوننا معناه: بل يعز عليكم أن نصيب مغنما ومالا، فرد الله ~~على هذه المقالة بقوله: بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا أي لا يفقهون من ~~الأمور مواضع الرشد، وذلك هو الذي خلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى كان ذلك سببا إلى منعهم من غزوة خيبر. # وقرأ أبو حيوة: «تحسدوننا» بكسر السين. وقرأ الجمهور من القراء: «كلام» ~~قال أبو علي: هو أخص بما كان مفيدا حديثا. وقرأ الكسائي وحمزة وابن مسعود ~~وطلحة وابن وثاب: «كلم» والمعنى فيهما متقارب. PageV05P131 # قوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : آية 16] # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) # أمر الله نبيه عليه السلام بالتقدمة إلى هؤلاء المخلفين بأنهم سيؤمرون ~~بقتال عدو بئيس، وهذا يدل على أنهم كانوا يظهرون الإسلام، وإلا فلم يكونوا ~~أهلا لهذا الأمر، واختلف الناس من القوم المشار إليهم في قوله: إلى قوم ~~أولي بأس شديد فقال عكرمة وابن جبير وقتادة: هم هوازن ومن حارب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حنين. # قال القاضي أبو محمد: ويندرج في هذا القول عندي من حورب وغلب في فتح مكة. # وقال كعب: هم الروم الذين خرج إليهم رسول ms3276 الله صلى الله عليه وسلم عام ~~تبوك والذين بعث إليهم في غزوة مؤتة. وقال الزهري والكلبي: هم أهل الردة ~~وبنو حنيفة باليمامة. # وقال منذر بن سعيد: يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر ~~الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، يريد لما كشف الغيب أنهما دعوا إلى ~~قتال أهل الردة. وحكى الثعلبي عن رافع بن خديج أنه قال: والله لقد كنا نقرأ ~~هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم، حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة ~~فعلمنا أنهم أريدوا. وقال ابن عباس وابن أبي ليلى: هم الفرس. وقال الحسن: ~~هم فارس والروم. وقال أبو هريرة: هم قوم لم يأتوا بعد، والقولان الأولان ~~حسنان، لأنهما الذي كشف الغيب وباقيهما ضعيف. وقال منذر بن سعيد: رفع الله ~~في هذه الجزية، وليس إلا القتال أو الإسلام، وهذا لا يوجد إلا في أهل ~~الردة. # قال القاضي أبو محمد: وهو من حورب في فتح مكة. # وقرأ الجمهور من القراء: «أو يسلمون» على القطع، أي أو هم يسلمون دون ~~حرب. وقرأ أبي بن كعب فيما حكى الكسائي: «أو يسلموا» بنصب الفعل على تقدير: ~~أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر قول امرئ القيس: [الطويل] # فقلت له لا تبك عيناك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # يروى: «نموت» بالنصب. و «نموت» بالرفع، فالنصب على تقدير: أو يكون أن ~~نموت، والرفع على القطع، أو نحن نموت. # وقوله: فإن تطيعوا معناه: فيما تدعون إليه، والعذاب الذي توعدهم: يحتمل ~~أن يريد به عذاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة فبين فيه. # وقوله عز وجل: PageV05P132 ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 17 الى 19] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) ~~لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله ~~عزيزا حكيما (19) # لما بالغ عز وجل ms3277 في عتب هؤلاء المتخلفين من القبائل المجاورة للمدينة ~~لجهينة ومزينة وغفار وأسلم وأشجع، عقب ذلك بأن عذر أهل الأعذار من العرج ~~والعمى والمرض جملة ورفع الحرج عنهم والضيق والمأثم، وهذا حكم هؤلاء ~~المعاذير في كل جهاد إلى يوم القيامة، إلا أن يحزب حازب في حضرة ما، فالفرض ~~متوجه بحسب الوسع، ومع ارتفاع الحرج فجائز لهم الغزو وأجرهم فيه مضاعف، لأن ~~الأعرج أحرى الناس بالصبر وأن لا يفر، وقد غزا ابن أم مكتوم، وكان يمسك ~~الراية في بعض حروب القادسية، وقد خرج النسائي هذا المعنى وذكر ابن أم ~~مكتوم رحمه الله. # وقرأ الجمهور من القراء: «يدخله» بالياء. وقرأ ابن عامر ونافع وأبو جعفر ~~والأعرج والحسن وشيبة وقتادة: «ندخله» بالنون، وكذلك «نعذبه» و: «يعذبه» . # وقوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة تشريف ~~وإعلام برضاه عنهم حين البيعة، وبهذا سميت بيعة الرضوان. والرضى بمعنى ~~الإرادة، فهو صفة ذات. ومن جعل إذ مسببة بمعنى لأنهم بايعوا تحت الشجرة، ~~جاز أن يجعل رضي بمعنى إظهار النعم عليهم بسبب بيعتهم، فالرضى على هذا صفة ~~فعل، وقد تقدم القول في المبايعة ومعناها. # وكان سبب هذه المبايعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يبعث إلى ~~مكة رجلا يبين على قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد حربا، وإنما ~~جاء معتمرا، فبعث إليهم خراش بن أمية الخزاعي وحمله على جمل يقال له ~~الثعلب، فلما كلمهم، عقروا الجمل، وأرادوا قتل خراش، فمنعه الأحابيش، فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد بعث عمر بن الخطاب، فقال له عمر: ~~يا رسول الله أنا قد علمت فظاظتي على قريش وهم يبغضونني، وليس هناك من بني ~~عدي بن كعب من يحميني، ولكن ابعث عثمان بن عفان، فبعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فذهب فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي، فنزل عن دابته فحمله عليها ~~وأجاره، حتى إذا جاء قريشا فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت يا عثمان أن تطوف ~~بالبيت فطف، وأما دخولكم ms3278 علينا فلا سبيل إليه، فقال عثمان: ما كنت لأطوف به ~~حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن بني سعيد بن العاصي حبسوا ~~عثمان على جهة المبرة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ~~الحديبية من مكة على عشرة أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وقالوا: لا نبرح ~~إن كان هذا حتى نلقى القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، ~~ونادى مناديه: أيها الناس، البيعة البيعة، نزل روح القدس، فما تخلف عن ~~البيعة أحد ممن شهد الحديبية إلا الجد بن قيس المنافق، PageV05P133 # وحينئذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يده وقال: هذه يد ~~لعثمان، وهي خير من يد عثمان ثم جاء عثمان بعد ذلك سالما. # والشجرة سمرة كانت هنالك، ذهبت بعد سنين، فمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~في خلافته فاختلف أصحابه في موضعها، فقال عمر سيروا هذا التكلف. # وقوله تعالى: فعلم ما في قلوبهم قال قوم معناه: من كراهة البيعة على ~~الموت ونحوه وهذا ضعيف، فيه مذمة للصحابة. وقال الطبري ومنذر بن سعيد ~~معناه: من الإيمان وصحته والحب في الدين والحرص عليه، وهذا قول حسن، لكنه ~~من كانت هذه حاله فلا يحتاج إلى نزول ما يسكنه، أما أنه يحتمل أن يجازى ب ~~السكينة والفتح القريب والمغانم. # وقال آخرون معناه: من الهم بالانصراف عن المشركين والأنفة في ذلك على نحو ~~ما خاطب فيه عمر وغيره، وهذا تأويل حسن يترتب معه نزول السكينة والتعريض ~~بالفتح القريب. والسكينة هنا تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى ~~والصبر له. # وقرأ الناس: «وأثابهم» قال هارون وقد قرئت: «وأتابهم» بالتاء بنقطتين ~~والفتح القريب: خيبر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف ~~بالمؤمنين إلى المدينة وقد وعده الله بخيبر وخرج إليها لم يلبث، قال أبو ~~جعفر النحاس، وقد قيل: الفتح القريب: فتح مكة، والمغانم الكثيرة: فتح خيبر. # وقرأ يعقوب ms3279 في رواية رويس: «تأخذونها» على مخاطبتهم بالتاء من فوق. وقرأ ~~الجمهور: # «يأخذونها» على الغيبة. # واختلف في عدة المبايعين فقيل: ألف وخمسمائة، قاله قتادة، وقيل: ~~وأربعمائة قاله جابر بن عبد الله، وقيل: وخمسمائة وخمسة وعشرون، قاله ابن ~~عباس، وقيل: وثلاثمائة قاله ابن أبي أوفى، وقيل غير هذا مما ذكرناه من قبل، ~~وأول من بايع في ذلك رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب قاله الشعبي. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 20 الى 24] # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ~~ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) وأخرى لم تقدروا عليها قد ~~أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ولو قاتلكم الذين كفروا ~~لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) # قوله تعالى: وعدكم الله الآية مخاطبة للمؤمنين ووعد بجميع المغانم التي ~~أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة، قاله مجاهد وغيره. PageV05P134 # وقوله: فعجل لكم هذه يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم وابنه، المغانم ~~الكثيرة: خيبر، و: هذه إشارة إلى البيعة والتخلص من أمر قريش، وقاله ابن ~~عباس: وقوله وكف أيدي الناس عنكم يريد من ولي عورة المدينة بعد خروج النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منها، وذلك أنه كان من أحياء العرب ومن ~~اليهود من يعادي وكانت قد أمكنتهم فرصة فكفهم الله عن ذراري المسلمين ~~وأموالهم، وهذه للمؤمنين العلامة على أن الله ينصرهم ويلطف لهم، قاله ~~قتادة. وحكى الثعلبي أنه قال: كف الله غطفان ومن معها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين جاؤوا لنصر أهل خيبر، وذكره النقاش وقال الثعلبي أيضا عن ~~بعضهم إنه أراد كف قريش. # وقوله: وأخرى لم تقدروا عليها قال عبد الله بن عباس: الإشارة إلى بلاد ~~فارس والروم. وقال الضحاك: الإشارة إلى خيبر. وقال قتادة ms3280 والحسن: الإشارة ~~إلى مكة، وهذا هو القول الذي يتسق معه المعنى ويتأيد. # وقوله: قد أحاط الله بها معناه بالقدرة والقهر لأهلها، أي قد سبق في علمه ~~ذلك وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها. # وقوله: ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار إشارة إلى قريش ومن والاها ~~في تلك السنة، قاله قتادة، وفي هذا تقوية لنفوس المؤمنين، وقال بعض ~~المفسرين: أراد الروم وفارس. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما الإشارة إلى العدو الأحضر. # وقوله: سنة الله إشارة إلى وقعة بدر، وقيل إشارة إلى عادة الله من نصر ~~الأنبياء قديما، ونصب سنة على المصدر، ويجوز الرفع ولم يقرأ به. # وقوله تعالى: وهو الذي كف أيديهم الآية، روي في سببها أن قريشا جمعت ~~جماعة من فتيانها وجعلوهم مع عكرمة بن أبي جهل وخرجوا يطلبون غرة في عسكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافا متفاوتا، ~~فلذلك اختصرته فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أثرهم خالد بن الوليد وسماه حينئذ سيف الله في جملة من المسلمين، ففروا ~~أمامهم حتى أدخلوهم بيوت مكة وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمن عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين ~~بالرعب وكف أيدي المسلمين عنهم بالنهي في بيوت مكة وغيرها وذلك هو «بطن ~~مكة» . وقال قتادة: أسر النبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الجملة ~~بالحديبية عند عسكره ومن عليهم، وذلك هو «بطن مكة» . قال النقاش: الحرام ~~كله مكة، والظفر عليهم هو أسر من أسر منهم، وباقي الآية تحريض على العمل ~~الصالح، لأن من استشعر أن الله يبصر عمله أصلحه. # وقرأ الجمهور من القراء: «بما تعملون» بالتاء على الخطاب. وقرأ أبو عمرو ~~وحده: «بما يعملون» بالياء على ذكر الكفار وتهددهم. PageV05P135 # قوله عز وجل: ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 25 الى 26] # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن ms3281 تطؤهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) # يريد بقوله تعالى: هم الذين كفروا أهل مكة الذين تقدم ذكرهم. وقوله ~~وصدوكم عن المسجد الحرام هو منعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ~~العمرة عام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة ~~في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد العمرة وتعظيم البيت، وخرج معه بمائة ~~بدنة، قاله النقاش، وقيل بسبعين، قاله المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ~~فلما دنا من مكة، قال أهل مكة هذا محمد الذي قد حاربنا وقتل فينا، يريد أن ~~يدخل مكة مراغمة لنا، والله لا تركناه حتى نموت دون ذلك، فاجتمعوا لحربه، ~~واستنجدوا بقبائل من العرب وهم الأحابيش وبعثوا فغوروا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المياه التي تقرب من مكة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~نزل على بئر الحديبية، وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمرا حتى كفى الجيش، ~~ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مكة عثمان، وبعث أهل مكة إليه ~~رجالا منهم: عروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، وتوقف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هناك أياما حتى سفر سهيل بن عمرو، وبه انعقد الصلح على أن ينصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عنهم ويعتمر من العام القادم، فهذا كان صدهم إياه ~~وهو مستوعب في كتب السير، فلذلك اختصرناه. # وقرأ الجمهور: «والهدي» بسكون الدال.. وقرأ الأعرج والحسن بن أبي الحسن: ~~«والهدي» بكسر الدال وشد الياء، وهما لغتان، وهو معطوف على الضمير في قوله: ~~وصدوكم أي وصدوا الهدي. # و: معكوفا حال، ومعناه: محبوسا، تقول: عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، ~~وقد قال أبو علي: # إن عكف لا يعرفه متعديا، وحكى ابن ms3282 سيده وغيره: تعديه، وهذا العكف الذي ~~وقع للهدي كان من قبل المشركين بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في ~~أمرهم فحبسوا هديهم. وأن في قوله: # أن يبلغ يحتمل أن يعمل فيها الصد، كأنه قال: وصدوا الهدي كراهة أن أو عن ~~أن، ويحتمل أن يعمل فيها العكف فتكون مفعولا من أجله، أي الهدي المحبوس ~~لأجل أن يبلغ محله، ومحله مكة. # وذكر الله تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك ~~الوجهة، وهو أنه كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح ~~المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين. # قال قتادة: فدفع الله عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع ~~بالمؤمنين عن الكفار. PageV05P136 # وقوله تعالى: لم تعلموهم صفة للمذكورين. وقوله: أن تطؤهم يحتمل أن تكون ~~أن بدلا من رجال، كأنه قال: ولولا قوم مؤمنون أن تطؤوهم، أي لولا وطئكم ~~قوما مؤمنين، فهو على هذا في موضع رفع، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بدلا من ~~الضمير في قوله: لم تعلموهم كأنه قال: # لم تعلموا وطأهم أنه وطء المؤمنين، والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره على ~~وجه التشبيه، ومنه قول الشاعر [زهير] : [الكامل] # ووطئتنا وطئا على حنق ... وطء المقيد ثابت الهرم # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اشدد وطأتك على مضر» ، ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن آخر وطأة الرب يوم وج بالطائف» لأنها ~~كانت آخر وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيها ذكر هذا المعنى النقاش: و ~~«المعرة» السوء والمكروه اللاصق، مأخوذ من العر والعرة وهي الجرب الصعب ~~اللازم. واختلف الناس في تعيين هذه المعرة، فقال ابن زيد: هي المأثم وقال ~~ابن إسحاق: هي الدية. # قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، لأنه لا إثم ولا دية في قتل مؤمن ~~مستور الإيمان من أهل الحرب. # وقال الطبري حكاه الثعلبي: هي الكفارة. وقال منذر: المعرة: أن يعيبهم ~~الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم. وقال بعض المفسرين: هي الملام والقول في ~~ذلك، وتألم النفس منه في باقي الزمن. ms3283 # قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال حسان. وجواب لولا محذوف تقديره: لمكناكم ~~من دخول مكة وأيدناكم عليهم. # وقرأ الأعمش: «فتنالكم منه معرة» . # واللام في قوله: ليدخل يحتمل أن يتعلق بمحذوف من القول، تقديره: لولا ~~هؤلاء لدخلتم مكة، لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن ~~مكة ليدخل الله: أي ليبين للناظر أن الله تعالى يدخل من يشاء في رحمته، أو ~~ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم، ويحتمل أن تتعلق بالإيمان المتقدم ~~الذكر، فكأنه قال: ولولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته، ~~وهذا مذكور، لكنه ضعيف، لأن قوله: من يشاء يضعف هذا التأويل. # ثم قال تعالى: لو تزيلوا أي لو ذهبوا عن مكة، تقول: أزلت زيدا عن موضعه ~~إزالة، أي أذهبته، وليس هذا الفعل من زال يزول، وقد قيل هو منه. # وقرأ أبو حيوة وقتادة: بألف بعد الزاي، أي «لو تزايلوا» ، أي ذهب هؤلاء ~~عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء. # وقوله: منهم لبيان الجنس إذا كان الضمير في تزيلوا للجميع من المؤمنين ~~والكافرين وقال النحاس: وقد قيل إن قوله: ولولا رجال مؤمنون الآية. يريد من ~~في أصلاب الكافرين من سيؤمن في غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV05P137 # مرفوعا. والعامل في قوله: إذ جعل قوله: لعذبنا ويحتمل أن يكون المعنى: ~~أذكر إذ جعلنا. # و: الحمية التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد، قال الزهري: وحمية سهيل ~~ومن شاهد عقد الصلح في أن منعوا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولجوا حتى ~~كتب باسمك اللهم، وكذلك منعوا أن يثبت: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ~~ولجوا حتى قال صلى الله عليه وسلم لعلي: امح واكتب: # هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث وجعلها تعالى «حمية جاهلية» ، ~~لأنها كانت بغير حجة وفي غير موضعها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~جاءهم محاربا لعذرهم في حميتهم، وإنما جاء معظما للبيت لا يريد ms3284 حربا، فكانت ~~حميتهم جاهلية صرفا. والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره. # و: كلمة التقوى قال الجمهور: هي لا إله إلا الله، وروي ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال أبو هريرة وعطاء الخراساني: هي لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن أبي طالب: # هي لا إله إلا الله والله أكبر، وحكاه الثعلبي عن ابن عمر. # قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال متقاربة حسان، لأن هذه الكلمة تقي ~~النار، فهي كلمة التقوى. # وقال الزهري عن المسور ومروان: كلمة التقوى المشار إليها هي بسم الله ~~الرحمن الرحيم وهي التي أباها كفار قريش، فألزمها الله المؤمنين وجعلهم أحق ~~بها قال القاضي أبو محمد: ولا إله إلا الله أحق باسم: كلمة التقوى. من: بسم ~~الله الرحمن الرحيم. # وفي مصحف ابن مسعود: «وكانوا أهلها وأحق بها» . والمعنى: كانوا أهلها على ~~الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل أحق بها من اليهود والنصارى في ~~الدنيا، وقيل أهلها في الآخرة بالثواب. # وقوله تعالى: وكان الله بكل شيء عليما إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين ~~دفع عن كفار قريش بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى ~~أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة ~~الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام أضعاف ~~ما كان قبل ذلك. # قال القاضي أبو محمد: ويقتضي ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ~~عام الحديبية في أربع عشرة مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة ~~آلاف فارس صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: PageV05P138 ### || [سورة الفتح (48) : الآيات 27 الى 29] # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ms3285 آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا (27) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا (28) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) # روي في تفسير هذه الآية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه ~~عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلقون وبعضهم ~~مقصرون. وقال مجاهد: أرى ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه الرؤيا، ووثق ~~الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله تعالى أن ذلك ~~يكون. لكن ليس في تلك الجهة. وروي أن رؤياه إنما كانت أن ملكا جاءه فقال ~~له: # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين، وإنه بهذا ~~أعلم الناس فلما قضى الله في الحديبية بأمر الصلح، وأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الصد، وقال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس المسلمين ~~شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. و: صدق ~~هذه تتعدى إلى مفعولين، تقول صدقت زيدا الحديث: واللام في: لتدخلن لام ~~القسم الذي تقتضيه صدق لأنها من قبيل تبين وتحقق، ونحوها مما يعطي القسم. # واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين هو ~~استثناء من الملك المخبر للنبي عليه السلام في نومه، فذكر الله تعالى ~~مقالته كما وقعت، وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى عباده بأدبه في استعماله ~~في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا ~~يكون، وقال بعض العلماء: إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى ms3286 رد هذا ~~الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو ~~يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل ~~في الجملة، إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض. وقال آخرون: استثنى لأجل قوله: ~~آمنين لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه، ولا فرق بين ~~الاستثناء من أجل الأمن أو من أجل الدخول، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ~~ووقت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب. وقال ~~قوم: إن بمعنى إذ فكأنه قال: إذ شاء الله. # قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن في معناه، ولكن كون إن بمعنى إذ غير موجود ~~في لسان العرب، وللناس بعد في هذا الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه، اختصرت ~~ذكرها، لأنها لا طائل فيها. # وقرأ ابن مسعود: «إن شاء الله لا تخافون» بدل آمنين. # ولما نزلت هذه الآية، علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفون من ~~الزمن، واطمأنت قلوبهم PageV05P139 # بذلك وسكنت، وخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه ~~صلى الله عليه وسلم. # وقوله: فعلم ما لم تعلموا يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ~~ودخول الناس فيه، وما كان أيضا بمكة من المؤمنين دفع الله بهم. وقوله ~~تعالى: من دون ذلك، أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم. # واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة: هو بيعة الرضوان ~~وروي عن مجاهد وابن إسحاق. أنه الصلح بالحديبية. وقد روي أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: ~~نعم. وقال ابن زيد: الفتح القريب: خيبر حسبما تقدم من ذكر انصراف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى فتحها. وقال قوم: الفتح القريب: فتح مكة، وهذا ~~ضعيف، لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول رسول ms3287 الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن ~~أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~ظهور وفتح عليه. وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولا خطأ ~~جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض ~~فيما لم يتقنه معرفة. # وقوله عز وجل: هو الذي أرسل رسوله الآية تعظيم لأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإعلام بأنه يظهره على جميع الأديان. ورأى بعض الناس لفظة: ~~ليظهره تقتضي محو غيره به، فلذلك قالوا: إن هذا الخبر يظهر للوجود عند نزول ~~عيسى ابن مريم عليه السلام، فإنه لا يبقى في وقته غير دين الإسلام وهو قول ~~الطبري والثعلبي. ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلاء وإن بقي من الدين الآخر ~~أجزاء، وهذا موجود الآن في دين الإسلام، فإنه قد عم أكثر الأرض وظهر على كل ~~دين. # وقوله تعالى: وكفى بالله شهيدا معناه: شاهدا، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما ~~شاهدا عندكم بهذا الخبر ومعلما به. والثاني: شاهدا على هؤلاء الكفار ~~المنكرين أمر محمد الرادين في صدره ومعاقبا لهم بحكم الشهادة، والآية على ~~هذا وعيد للكفار الذين شاحوا في أن يكتب محمد رسول الله، فرد عليهم بهذه ~~الآية كلها. # وقوله تعالى: محمد رسول الله قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر استوفي فيه ~~تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: والذين معه ابتداء وخبره: ~~أشداء ورحماء خبر ثان. وقال قوم من المتأولين: محمد «ابتداء» و: رسول الله ~~صفة له والذين عطف عليه. و: أشداء خبر عن الجميع. و: رحماء خبر بعد خبر، ~~ففي القول الأول اختص النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه وهؤلاء بوصفهم، وفي ~~القول الثاني اشترك الجميع في الشدة والرحمة. # قال القاضي أبو محمد: والأول عندي أرجح، لأنه خبر مضاد لقول الكفار لا ~~نكتب محمد رسول الله. # وقوله: والذين معه إشارة إلى ms3288 جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبي عن ~~ابن عباس أن PageV05P140 # الإشارة إلى من شهد الحديبية: ب الذين معه. و: أشداء جمع شديد، أصله: ~~أشدداء، أدغم لاجتماع المثلين. # وقرأ الجمهور: «أشداء» «رحماء» بالرفع، وروى قرة عن الحسن: «أشداء» ~~«رحماء» بنصبهما قال أبو حاتم: ذلك على الحال والخبر: تراهم. قال أبو ~~الفتح: وإن شئت نصبت «أشداء» على المدح. # وقوله: تراهم ركعا سجدا، أي ترى هاتين الحالتين كثيرا فيهم. و: يبتغون ~~معناه يطلبون. وقرأ عمر وابن عبيد: «ورضوانا» بضم الراء. # وقوله: سيماهم معناه: علامتهم. واختلف الناس في تعيين هذه السيما، فقال ~~مالك بن أنس: # كانت جباههم متربة من كثرة السجود في التراب، كان يبقى على المسح أثره، ~~وقاله عكرمة. وقال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال ~~ابن عباس وخالد الحنفي وعطية: هو وعد بحالهم يوم القيامة من أن الله تعالى ~~يجعل لهم نورا من أثر السجود. # قال القاضي أبو محمد: كما يجعل غرة من أثر الوضوء الحديث، ويؤيد هذا ~~التأويل اتصال القول بقوله: فضلا من الله ورضوانا كأنه قال: علامتهم في ~~تحصيلهم الرضوان يوم القيامة: سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ويحتمل أن ~~تكون السيما بدلا من قوله: فضلا. وقال ابن عباس: السمت الحسن: هو السيما، ~~وهو الخشوع خشوع يبدو على الوجه. # قال القاضي أبو محمد: وهذه حالة مكثري الصلاة، لأنها تنهاهم عن الفحشاء ~~والمنكر، وتقل الضحك وترد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء. # وقال الحسن بن أبي الحسن وشمر بن عطية: السيما: بياض وصفرة وبهيج يعتري ~~الوجوه من السهر. وقال منصور: سألت مجاهدا: أهذه السيما هي الأثر يكون بين ~~عيني الرجل؟ فقال: لا، وقد تكون مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلبا من ~~الحجارة. وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: السيما: حسن يعتري وجوه ~~المصلين. # قال القاضي أبو محمد: وذلك لأن الله تعالى يجعل لها في عين الرأي حسنا ~~تابعا للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجل الإنسان أمرا حسن عنده منظره، ومن ~~هذا الحديث الذي في الشهاب: «من كثرت ms3289 صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» . # قال القاضي أبو محمد: وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك ~~بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم نزع شريك لما رأى ~~ثابت الزاهد فقال: يعنيه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فظن ثابت ~~أن هذا الكلام متركب على السند المذكور فحدث به عن شريك. # وقرأ الأعرج: «من إثر» بسكون الثاء وكسر الهمزة. قال أبو حاتم هما بمعنى. ~~وقرأ قتادة: «من آثار» ، جمعا. PageV05P141 # وقوله تعالى: ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل الآية، المثل هنا ~~الوصف أو الصفة. # وقال بعض المتأولين: التقدير الأمر ذلك وتم الكلام. ثم قال: مثلهم في ~~التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع. وقال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى ~~ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل وتم القول، و: كزرع ~~ابتداء تمثيل يختص بالقرآن. وقال الطبري وحكاه عن الضحاك المعنى: ذلك الوصف ~~هو مثلهم في التوراة وتم القول، ثم ابتدأ ومثلهم في الإنجيل كزرع. # وقال آخرون: المثلان جميعا هي في التوراة وهي في الإنجيل. # وقوله تعالى: كزرع، هو على كل الأقوال وفي أي كتاب منزل: فرض مثل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، ~~فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء: وهو فراخ السنبلة التي ~~تنبت حول الأصل، يقال: أشطأت الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع: إذا خرج ~~شطأه. # وقرأ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر: «شطأ» بفتح الطاء والهمز دون مد، ~~وقرأ الباقون بسكون الطاء، وقرأ عيسى بن عمر: «شطاه» بفتح الطاء دون همز، ~~وقرأ أبو جعفر: «شطه» رمى بالهمزة وفتح الطاء، ورويت عن نافع وشيبة. وروي ~~عن عيسى: «شطاءه» بالمد والهمز، وقرأ الجحدري: «شطوه» بالواو. قال أبو ~~الفتح هي لغة أو بدل من الهمزة، ولا يكون الشطو إلا في البر والشعير، وهذه ~~كلها لغات. # وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: الزرع: النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فآزره. علي ms3290 بن أبي طالب رضي الله عنه فاستغلظ بأبي بكر، فاستوى على سوقه: ~~بعمر بن الخطاب. # وقوله تعالى: فآزره وزنه: أفعله، أبو الحسن ورجحه أبو علي. وقرأ ابن ~~ذكوان عن ابن عامر: # «فأزره» على وزن: فعله دون مد، ولذلك كله معنيان: أحدهما ساواه طولا، ~~ومنه قول امرئ القيس: # [الطويل] # بمحنية قد آزر الضال نبتها ... بجر جيوش غانمين وخيب # أي هو موضع لم يزرع فكمل نبته حتى ساوى شجر الضال، فالفاعل على هذا ~~المعنى: الشطء والمعنى الثاني: إن آزره وأزره بمعنى: أعانه وقواه، مأخوذ ~~ذلك من الأزر وشده، فيحتمل أن يكون الفاعل الشطء، ويحتمل أن يكون الفاعل ~~الزرع، لأن كل واحد منهما يقوي صاحبه وقال ابن مجاهد وغيره «آزره» وزنه: ~~فاعله، والأول أصوب أن وزنه: أفعله، ويدلك على ذلك قول الشاعر: [المنسرح] # لا مال إلا العطاف تؤزره ... أم ثلاثين وابنة الجبل # وقرأ ابن كثير: «على سؤقه» بالهمز، وهي لغة ضعيفة، يهمزون الواو التي ~~قبلها ضمة ومنه قول الشاعر [جرير] : # وجعدة إذا أضاءهما الوقود و: يعجب الزراع جملة في موضع الحال، وإذا أعجب ~~الزراع، فهو أحرى أن يعجب غيرهم PageV05P142 # لأنه لا عيب فيه، إذ قد أعجب العارفين بالعيوب ولو كان معيبا لم يعجبهم، ~~وهنا تم المثل. # وقوله تعالى: ليغيظ بهم الكفار ابتداء كلام قبله محذوف تقديره: جعلهم ~~الله بهذه الصفة ليغيظ بهم الكفار، والكفار هنا المشركون. قال الحسن: من ~~غيظ الكفار قول عمر بمكة: لا عبد الله سرا بعد اليوم. # وقوله تعالى: منهم هي لبيان الجنس وليست للتبعيض، لأنه وعد مرج للجميع. PageV05P143 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحجرات # وهي مدنية بإجماع من أهل التأويل رضي الله عنهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجرات (49) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن ~~الذين يغضون أصواتهم ms3291 عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم (3) # كانت عادة العرب وهي إلى الآن الاشتراك في الآراء وأن يتكلم كل بما شاء ~~ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس ممن لم تتمرن نفسه مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم على بعض ذلك، قال قتادة: فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا ~~وكذا وينبغي أن يكون كذا، وأيضا فإن قوما ذبحوا ضحاياهم قبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، حكاه الحسن بن أبي الحسن، وقوما فعلوا في بعض حروبه وغزواته ~~أشياء بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك، وحكى الثعلبي عن مسروق ~~أنه قال: دخلت على عائشة في يوم الشك فقالت للجارية: اسقه عسلا، فقلت: إني ~~صائم، فقالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام هذا اليوم، وفيه ~~نزلت: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. وقال ابن زيد: معنى لا تقدموا لا ~~تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين يدي العلماء فإنهم ورثة الأنبياء. ~~وتقول العرب: تقدمت في كذا وكذا وتقدمت فيه: إذا قلت فيه. # وقرأ الجمهور من القراء: «تقدموا» بضم التاء وكسر الدال. وقرأ ابن عباس ~~والضحاك ويعقوب بفتح التاء والدال على معنى: لا تتقدموا، وعلى هذا يجيء ~~تأويل ابن زيد في المشي. والمعنى على ضم التاء بين يدي قول الله ورسوله. # وروي أن سبب هذه الآية هو أن وفد بني تميم لما قدم قال أبو بكر الصديق: ~~يا رسول الله لو أمرت الأقرع بن حابس. وقال عمر بن الخطاب: لا يا رسول ~~الله، بل أمر القعقاع بن معبد، فقال له أبو بكر: ما أردت إلى خلافي، ويروى ~~إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، وارتفعت أصواتها فنزلت الآية في ذلك. ~~وذهب بعض قائلي هذه المقالة إلى أن قوله: لا تقدموا معناه: لا تقدموا ولاة، ~~فهو من تقديم PageV05P144 # الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي اجعلوه مبدأ في الأقوال والأفعال. و: سميع ~~معناه: لأقوالكم. # عليم معناه: بأفعالكم ومقتضى أقوالكم. # وقوله تعالى: يا أيها ms3292 الذين آمنوا لا ترفعوا الآية هي أيضا في ذلك الفن ~~المتقدم، وروى حيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت ~~والعنجهية، وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه في صوته جهارة، فلما ~~نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين ~~حتى عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره فبعث فيه فأنسه وقال له: «امش ~~في الأرض بسطا فإنك من أهل الجنة» . وقال له مرة: «أما ترضى أن تعيش حميدا ~~وتموت شهيدا» ، فعاش كذلك، ثم قتل باليمامة يوم مسيلمة. وفي قراءة ابن ~~مسعود: «لا ترفعوا بأصواتكم» بزيادة الباء. # وقوله: كجهر بعضكم لبعض أي كحال جهركم في جفائه وكونه مخاطبة بالأسماء ~~والألقاب، وكانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم. با محمد يا محمد، قاله ~~ابن عباس وغيره، فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالرسالة والنبوءة والكلام ~~اللين، فتلك حالة الموقر، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وبحضرة العالم وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار. # وقوله تعالى: أن تحبط مفعول من أجله، أي مخافة أن تحبط، والحبط: إفساد ~~العمل بعد تقرره، يقال حبط بكسر الباء وأحبطه الله، وهذا الحبط إن كانت ~~الآية معرضة بمن يفعل ذلك استخفافا واستحقارا وجرأة فذلك كفر. والحبط معه ~~على حقيقته، وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجريا على ~~طبعه، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلى الله عليه وسلم وغض الصوت ~~عنده أن لو فعل ذلك، فكأنه قال: أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها ~~فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تأثموا ويكون ذلك سببا إلى ~~الوحشة في نفوسكم، فلا تزال معتقداتكم تتجرد القهقرى حتى يؤول ذلك إلى ~~الكفر فتحبط الأعمال حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين ~~لا يفعلون ذلك احتقارا، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة وأنت لا ~~تشعر، لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملا. وفي قراءة عبد الله بن ms3293 مسعود: ~~«فتحبط أعمالكم» . # ثم مدح الصنف المخالف لمن تقدم ذكره، وهم الذين يغضون أصواتهم عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وغض الصوت: خفضه وكسره، وكذلك البصر، ومنه قول جرير: ~~[الوافر] فغض الطرف إنك من نمير وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا ~~يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار، وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ، لأنه كان لا يسمعه ~~من إخفائه إياه. و: امتحن الله معناه اختبر وظهر كما يمتحن الذهب بالنار ~~فيسرها وهيأها للتقوى. وقال عمر بن الخطاب: امتحن للتقوى أذهب عنها ~~الشهوات. # قال القاضي أبو محمد: من غلب شهوته وغضبه، فذلك الذي امتحن الله قلبه ~~للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة. PageV05P145 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجرات (49) : الآيات 4 الى 8] # إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) # قوله تعالى: إن الذين ينادونك إلى قوله رحيم نزلت في وفد بني تميم حيث ~~كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم، وذلك أنهم ~~وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهي تسعة، فجعلوا ولم ينتظروا، فنادوا بجملتهم: ~~يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة ~~توقير، فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فقال له الأقرع ~~بن حابس: يا محمد إن مدحي زين وذمي شين، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ويلك، ذلك الله ms3294 تعالى» واجتمع الناس في المسجد، فقام خطيبهم وفخر، ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فخطب وذكر الله ~~والإسلام، فأربى على خطيبهم، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخرا، فقام حسان بن ~~ثابت ففخر بالله وبالرسول وبالبسالة، فكان أشعر من شاعرهم، فقال بعضهم ~~لبعض: والله إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر ~~من شاعرنا، ثم نزلت فيهم هذه الآية. # هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية، وقد رواه موسى بن عقبة عن ~~أبي سلمة عن الأقرع بن حابس، وفي مصحف ابن مسعود: «أكثرهم بنو تميم لا ~~يعقلون» ، و: الحجرات: جمع حجرة. # وقرأ جمهور القراء: «الحجرات» بضم الحاء والجيم، وقرأ أبو جعفر القاري ~~وحده: «الحجرات» بضم الحاء وفتح الجيم. # وقوله تعالى: لكان خيرا لهم يعني في الثواب عند الله وفي انبساط نفس ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقضائه لحوائجهم ووده لهم، وذلك كله خير، لا ~~محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم. # وقوله تعالى: والله غفور رحيم ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب ~~وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع. # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ سببها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقا، ~~فروي أنه كان معاديا لهم فأراد إذايتهم، فرجع من PageV05P146 # بعض طريقه وكذب عليهم، قاله الضحاك، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم ~~منعوني الصدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~بغزوهم، ونظر في ذلك، وبعث خالد بن الوليد إليهم، فورده وفدهم منكرين لذلك، ~~وروي عن أم سلمة وابن عباس أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا إليه ~~متلقين له، فرآهم على بعد، ففزع منهم، وظن بهم الشر وانصرف، فقال ما ~~ذكرناه، وروي أنه لما قرب منهم بلغه عنهم أنهم قالوا: لا نعطيه الصدقة ولا ~~نعطيه، فعمل على صحة هذا الخبر وانصرف، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية بهذا ~~السبب، والوليد على ما ذكر ms3295 مجاهد هو المشار إليه بالفاسق وحكى الزهراوي ~~قالت أم سلمة: هو الوليد بن عقبة. # قال القاضي أبو محمد: ثم هي باقية فيمن اتصف بهذه الصفة غابر الدهر. # والفسق: الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلها مظنة للكذب وموضع ~~تثبت وتبين، وتأنس القائلون بقبول خبر الواحد بما يقتضيه دليل خطاب هذه ~~الآية، لأنه يقتضي أن غير الفاسق إذا جاء بنبإ أن يعمل بحسبه، وهذا ليس ~~باستدلال قوي وليس هذا موضع الكلام على مسألة خبر الواحد. # وقرأ الجمهور من القراء: «فتبينوا» من التبين. وقرأ الحسن وابن وثاب ~~وطلحة والأعمش وعيسى: # «فتثبتوا» . # وإن في قوله: أن تصيبوا مفعول من أجله، كأنه قال: مخافة أن تصيبوا. قال ~~قتادة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما نزلت هذه الآية: التثبت ~~من الله والعجلة من الشيطان. قال منذر بن سعيد هذه الآية ترد على من قال: ~~إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة، لأن الله تعالى أمر بالتبين قبل ~~القبول. # قال القاضي أبو محمد: فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقا والاحتياط لازم. ~~قال النقاش «تبينوا» أبلغ، لأنه قد يتثبت من لا يتبين. # وقوله تعالى: واعلموا أن فيكم رسول الله توبيخ للكذبة ووعيد للفضيحة، أي ~~فليفكر الكاذب في أن الله عز وجل يفضحه على لسان رسوله ثم قال: لو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لعنتم أي لشقيتم وهلكتم، والعنت: المشقة، أي لو يطيعكم ~~أيها المؤمنون في كثير مما ترونه باجتهادكم وتقدمكم بين يديه. # وقوله تعالى: ولكن الله حبب إليكم الآية، كأنه قال: ولكن الله أنعم بكذا ~~وكذا، وفي ذلك كفاية وأمر لا تقومون بشكره فلا تتقدموا في الأمور، واقنعوا ~~بإنعام الله عليكم، وحبب الله تعالى الإيمان وزينه بأن خلق في قلوب ~~المؤمنين حبه وحسنه، وكذلك تكريه الكفر والفسق والعصيان، وحكى الرماني عن ~~الحسن أنه قال: حبب الإيمان بما وصف من الثواب عليه وكره الثلاثة المقابلة ~~للإيمان بما وصف من العقاب عليها. # وقوله تعالى: أولئك هم الراشدون رجوع من الخطاب إلى ذكر الغيب، كأنه قال: ms3296 ~~ومن فعل هذا وقبله وشكر عليه فأولئك هم الراشدون. PageV05P147 # وقوله تعالى: فضلا من الله ونعمة مصدر مؤكد لنفسه، لأن ما قبله هو ~~بمعناه، إن التحبيب والتزيين هو نفس الفضل، وقد يجيء المصدر مؤكدا لما قبله ~~إذا لم يكن هو نفس ما قبله، كقولك جاءني زيد حقا ونحوه وكان قتادة رحمه ~~الله يقول: قد قال الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: # واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم، وأنتم ~~والله أسخف الناس رأيا، وأطيش أحلاما، فليتهم رجل نفسه، ولينتصح كتاب الله ~~تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجرات (49) : الآيات 9 الى 10] # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) # طائفتان مرفوع بإضمار فعل. والطائفة: الجماعة. وقد تقع على الواحد، واحتج ~~لذلك بقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة [التوبة: 122] . ورأى ~~بعض الناس أن يشهد حدا لزناة رجل واحد. فهذه الآية الحكم فيها في الأفراد ~~وفي الجماعات واحد. # واختلف الناس في سبب هذه الآية. فقال أنس بن مالك والجمهور سببها: ما وقع ~~بين المسلمين والمتحزبين منهم مع عبد الله بن أبي ابن سلول حين مر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه. فقال ~~عبد الله بن أبي لما غشيه حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغبروا ~~علينا ولقد آذانا نتن حمارك. فرد عليه عبد الله بن رواحة الحديث بطوله. ~~فتلاحى الناس حتى وقع بينهم ضرب بالجريد، ويروى بالحديد. وقال أبو مالك ~~والحسن سببها: أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال. فأصلحه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد جهد ونزلت الآية في ذلك وقال السدي: كانت بالمدينة ~~امرأة من الأنصار يقال لها أم بدر ولها زوج من غيرهم. فوقع بينهما ms3297 شيء أوجب ~~أن يأنف لها قومها وله قومه. فوقع قتال نزلت الآية بسببه. # و: بغت معناه: طلبت العلو بغير الحق، ومدافعة الفئة الباغية متوجه في كل ~~حال وأما التهيؤ لقتالها فمع الولاة. وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~أمشركون أهل صفين والجمل؟ قال: لا. من الشرك فروا. قيل أفمنافقون؟ قال: لا. ~~لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل فما حالهم؟ قال: # إخواننا بغوا علينا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حكم الله في الفئة ~~الباغية أن لا يجهز على جريح. ولا يطلب هارب. ولا يقتل أسير. و: تفيء ~~معناه: ترجع. والإقساط: الحكم بالعدل. # وقوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة يريد إخوة الدين. وقرأ الجمهور من ~~القراء: «بين أخويكم» وذلك رعاية لحال أقل عدد يقع فيه القتال والتشاجر ~~والجماعة متى فصل الإصلاح فإنما هو بين رجلين رجلين. وقرأ ابن عامر والحسن ~~بخلاف عنه: «بين إخوتكم» . PageV05P148 # وقرأ ابن سيرين وزيد بن ثابت وابن مسعود والحسن وعاصم الجحدري وحماد بن ~~سلمة: «بين إخوانكم» . وهي حسنة. لأن الأكثر من جمع الأخ في الدين ونحوه من ~~النسب إخوان. والأكثر في جمعه من النسب إخوة وإخاء. قال الشاعر: [الطويل] # وجدتم أخاكم دوننا إذ نسيتم ... وأي بني الإخاء تنبو مناسبه # وقد تتداخل هذه الجموع في كتاب الله. فمنه: إنما المؤمنون إخوة أو بيوت ~~إخوانكم فهذا جاء على الأقل من الاستعمال. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجرات (49) : الآيات 11 الى 12] # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب ~~بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله ~~تواب رحيم (12) # هذه الآيات والتي بعدها نزلت في خلق أهل الجاهلية. وذلك لأنهم كانوا ~~يجرون مع ms3298 الشهوات نفوسهم لم يقومهم أمر من الله ولا نهي. فكان الرجل يسطو ~~ويهمز ويلمز وينبز بالألقاب ويظن الظنون. # فيتكلم بها. ويغتاب ويفتخر بنسبه إلى غير ذلك من أخلاق النفوس البطالة. ~~فنزلت هذه الآية تأديبا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر بعض الناس لهذه ~~الآيات أسبابا. فمما قيل: إن هذه الآية: لا يسخر قوم نزلت بسبب عكرمة بن ~~أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلما، فقال له قوم: هذا ابن فرعون هذه ~~الأمة، فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال القاضي أبو محمد: والقوي عندي أن هذه الآية نزلت تقويما كسائر أمر ~~الشرع ولو تتبعت الأسباب لكانت أكثر من أن تحصى. # و: يسخر معناه: يستهزىء. والهزء إنما يترتب متى ضعف امرؤ إما لصغر وإما ~~لعلة حادثة، أو لرزية أو لنقيصة يأتيها، فنهي المؤمنون عن الاستهزاء في هذه ~~الأمور وغيرها نهيا عاما، فقد يكون ذلك المستهزأ به خيرا من الساخر، والقوم ~~في كلام العرب: واقع على الذكران، وهو من أسماء الجمع: # كالرهط والنفر. وقول من قال: إنه من القيام أو جمع قائم ضعيف، ومنه قول ~~الشاعر وهو زهير: [الوافر] # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء # وهذه الآية أيضا تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران نساء ~~فيقال لهم قوم على تغليب حال الذكور، ثم نهى تعالى النساء عما نهى عنه ~~الرجال من ذلك. PageV05P149 # وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود: «عسوا أن يكونوا» ، «وعسين أن يكن» . # و: تلمزوا، معناه: يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون ~~اللمز بالقول وبالإشارة ونحوه مما يفهمه آخر، والهمز لا يكون إلا باللسان، ~~وهو مشبه بالهمز بالعود ونحوه مما يقتضي المماسة، قال الشاعر [رؤبة] : # ومن همزنا عزه تبركعا وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ فقال الهر يهمزها. ~~وحكى الثعلبي أن اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب. وحكى ~~الزهراوي عن علي بن سليمان عكه من ذلك فقال: الهمز أن يعيب حضرة واللمز في ms3299 ~~الغيبة. ومنه قوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: 1] ومنه قوله تعالى: ~~ومنهم من يلمزك في الصدقات [التوبة: 58] . # وقرأ الجمهور: «تلمزوا» بكسر الميم. وقرأ الأعرج والحسن: «تلمزوا» بضم ~~الميم. قال أبو عمرو بن العلاء: هي عربية. قراءتنا بالضم وأحيانا بالكسر. # وقوله تعالى: أنفسكم معناه: بعضكم بعضا كما قال: ولا تقتلوا أنفسكم ~~[النساء: 29] كأن المؤمنين كنفس واحدة إذ هم إخوة. فهم كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: «كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالسهر والحمى» وهم كما ~~قال أيضا: «كالبنيان يشد بعضه بعضا» . والتنابز: التلقب والنبز واللقب ~~واحد. أو اللقب: هو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي ~~أن بني سلمة كانوا قد كثرت فيهم الألقاب، فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجلا منهم فقال له: يا فلان، فقيل له: # إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعا آخر كذلك. فنزلت الآية في هذا. وليس من ~~هذا قول المحدثين سليمان الأعمش. وواصل الأحدب. ونحوه مما تدعو الضرورة ~~إليه وليس فيه قصد استخفاف وأذى. وقد قال عبد الله بن مسعود لعلقمة: وتقول ~~أنت ذلك يا أعور. وأسند النقاش إلى عطاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كنوا أولادكم؟ قال عطاء: مخافة الألقاب. وقال ابن زيد. معنى: ولا تنابزوا ~~بالألقاب أي لا يقول أحد لأحد: يا يهودي بعد إسلامه. ولا يا فاسق بعد ~~توبته. ونحو هذا. وحكى النقاش أن كعب بن مالك وابن أبي حدرد تلاحيا، فقال ~~له كعب: يا أعرابي. يريد أن يبعده من الهجرة. فقال له الآخر: يا يهودي. ~~يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. # وقوله تعالى: بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان يحتمل معنيين: أحدهما: بئس ~~اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقا بالمعصية بعد ~~إيمانكم. والثاني: بئس ما يقول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه. وقال ~~الرماني: هذه الآية تدل على أنه لا يجتمع الفسق والإيمان. # قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية ثم شدد تعالى عليهم النهي. بأن ~~حكم بظلم من لم ms3300 يتب ويقلع عن هذه الأشياء التي نهى عنها. ثم أمر تعالى ~~المؤمنين باجتناب كثير من الظن. وأن لا يعملوا ولا يتكلموا بحسبه، لما في ~~ذلك وفي التجسس PageV05P150 # من التقاطع والتدابر. وحكم على بعضه بأنه إثم: إذ بعضه ليس بإثم.. ولا ~~يلزم اجتنابه وهو ظن الخير بالناس وحسنه بالله تعالى. والمظنون من شهادات ~~الشهود والمظنون به من أهل الشر. فإن ذلك سقوط عدالته وغير ذلك هي من حكم ~~الظن به. وظن الخير بالمؤمن محمود والظن المنهي عنه: هو أن تظن سوءا برجل ~~ظاهره الصلاح. بل الواجب تنزيل الظن وحكمه وتتأول الخير. وقال بعض الناس: ~~إثم معناه: كذب. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن، فإن الظن ~~أكذب الحديث. وقال بعض الناس. معنى: إن بعض الظن إثم أي إذا تكلم الظان ~~أثم. وما لم يتكلم فهو في فسحة. لأنه لا يقدر على دفع الخواطر التي يبيحها ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحزم سوء الظن» . # قال القاضي أبو محمد: وما زال أولو العلم يحترسون من سوء الظن ويسدون ~~ذرائعه. قال سلمان الفارسي: إني لأعد غراف قدري مخافة الظن. وذكر النقاش عن ~~أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: احترسوا من الناس بسوء ~~الظن. وكان أبو العالية يختم على بقية طعامه مخافة سوء الظن بخادمه. # وقال ابن مسعود: الأمانة خير من الخاتم. والخاتم خير من ظن السوء. # وقوله: ولا تجسسوا أي لا تبحثوا على مخبآت أمور الناس وادفعوا بالتي هي ~~أحسن. واجتزوا بالظواهر الحسنة. # وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين والهذليون: «لا تحسسوا» بالحاء غير ~~منقوطة. وقال بعض الناس: التجسس بالجيم في الشر. والتحسس بالحاء في الخير. ~~وهكذا ورد القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال. وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: التجسس: ما كان من وراء وراء. والتحسس بالحاء: الدخول والاستعلام. ~~وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا ~~تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» . وذكر الثعلبي حديث حراسة عمرو بن عوف ~~ووجودهما ms3301 الشرب في بيت ربيعة بن أمية بن خلف. وذكر أيضا حديثه في ذلك مع ~~أبي محجن الثقفي. وقال زيد بن وهب. قيل لابن مسعود: # هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنا نهينا عن التحسس. ~~فإن يظهر لنا شيء أخذنا به. # ولا يغتب معناه: ولا يذكر أحدكم من أخيه شيئا هو فيه يكره سماعه. وروي أن ~~عائشة قالت عن امرأة: ما رأيت أجمل منها إلا أنها قصيرة، فقال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «اغتبتها، نظرت إلى أسوأ ما فيها فذكرته» وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ذكرت ما في أخيك فقد اغتبته. وإذا ذكرت ما ~~ليس فيه فقد بهته» . وفي حديث آخر: «الغيبة أن تذكر المؤمن بما يكره» . ~~قيل: وإن كان حقا. قال: إذا قلت باطلا فذلك هو البهتان» . وقال معاوية بن ~~قرة وأبو إسحاق السبيعي: إذا مر بك رجل أقطع. فقلت: # ذلك الأقطع، كان ذلك غيب. وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «الغيبة أشد من الزنا، لأن الزاني يتوب فيتوب الله عليه. ~~والذي يغتاب يتوب فلا يتاب عليه حتى يستحل» . # قال القاضي أبو محمد: وقد يموت من اغتيب، أو يأبى. # وروي أن رجلا قال لابن سيرين: إني قد اغتبتك فحللني. فقال له ابن سيرين ~~إني لا أحل ما حرم PageV05P151 # الله. والغيبة مشتقة من غاب يغيب. وهي القول في الغائب واستعملت في ~~المكروه. ولم يبح في هذا المعنى إلا ما تدعو الضرورة إليه من تجريح في ~~الشهود وفي التعريف لمن استنصح في الخطاب ونحوهم لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أما معاوية فصعلوك لا مال له» . وما يقال في الفسقة أيضا وفي ولاة ~~الجور ويقصد به التحذير منه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعن ~~الفاجر ترعون؟ اذكروا الفاجر بما فيه حتى يعرفه الناس إذا لم تذكروه» ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «بئس ابن العشيرة» . ثم مثل تعالى الغيبة بأكل ~~لحم ابن آدم الميت، والعرب تشبه ms3302 الغيبة بأكل اللحم. فمنه قول الشاعر [سويد ~~بن أبي كاهل اليشكري] : [الرمل] # فإذا لاقيته عظمني ... وإذا يخلو له لحمي رتع # ويروى فيحييني إذا لاقيته. # ومنه قول الآخر: [المقنع الكندي] . # وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # فوقفهم الله تعالى على جهة التوبيخ بقوله: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فالجواب عن هذا: لا. وهم في حكم من يقولها. فخوطبوا على أنهم قالوا ~~لا. فقيل لهم: فكرهتموه وبعد هذا مقدر تقديره: فكذلك فاكرهوا الغيبة التي ~~هي نظير ذلك. وعلى هذا المقدر يعطف قوله: واتقوا الله قاله أبو علي ~~الفارسي. وقال الرماني: كراهية هذا اللحم يدعو إليها الطبع. وكراهية الغيبة ~~يدعو إليها العقل. وهو أحق أن يجاب. لأنه بصير عالم. والطبع أعمى جاهل. # وقرأ الجمهور: «ميتا» بسكون الياء. وقرأ نافع وابن القعقاع وشيبة ومجاهد: ~~«ميتا» بكسرها والشد. # وقرأ أبو حيوة: «فكرهتموه» بضم الكاف وشد الراء. # ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أعلم بأنه تواب ~~رحيم إبقاء منه تعالى وإمهالا وتمكينا من التوبة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجرات (49) : الآيات 13 الى 14] # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) # قوله تعالى: من ذكر وأنثى يحتمل أن يريد آدم وحواء. فكأنه قال: إنا خلقنا ~~جميعكم من آدم وحواء. ويحتمل أن يريد الذكر والأنثى اسم الجنس. فكأنه قال: ~~إنا خلقنا كل واحد منكم من ماء ذكر وماء أنثى. وقصد هذه الآية التسوية بين ~~الناس. ثم قال تعالى: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أي لئلا تفاخروا ~~ويريد بعضكم أن يكون أكرم من بعض. فإن الطريق إلى الكرم غير هذا: إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم وروى أبو بكرة: قيل يا رسول الله: من خير الناس؟ قال: «من ms3303 ~~طال عمره وحسن عمله» . وفي PageV05P152 # حديث آخر من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف. وأنهاهم عن المنكر. ~~وأوصلهم للرحم وأتقاهم» . # وحكى الزهراوي أن سبب هذه الآية غضب الحارث بن هشام وعتاب بن أسيد حين ~~أذن بلال يوم فتح مكة على الكعبة، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن سببها قول ~~ثابت بن قيس لرجل لم يفسح عند النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن فلانة، ~~فوبخه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: «إنك لا تفضل أحدا إلا في الدين ~~والتقوى» ، فنزلت هذه الآية ونزل الأمر بالتفسح في ذلك أيضا، والشعوب: جمع ~~شعب وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس مرتبطا بنسب واحد، ويتلوه القبيلة، ~~ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الأسرة والفصيلة: وهما قرابة الرجل ~~الأدنون فمضر وربيعة وحمير شعوب، وقيس وتميم ومذحج ومراد، قبائل مشبهة ~~بقبائل الرأس، «لأنها قطع تقابلت» وقريش ومحارب وسليم عمارات، وبنو قصي ~~وبنو مخزوم بطون، وبنو هاشم وبنو أمية أفخاذ، وبنو عبد المطلب أسرة وفصيلة، ~~وقال ابن جبير: الشعوب: الأفخاذ. # وروي عن ابن عباس الشعوب: البطون، وهذا غير ما تمالأ عليه اللغويون. قال ~~الثعلبي، وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في العرب، والأسباط في بني ~~إسرائيل. وأما الشعب الذي هو في همدان الذي ينسب إليه الشعبي فهو بطن يقال ~~له الشعب. # قال القاضي أبو محمد: وقيل للأمم التي ليست بعرب: شعوبية، نسبة إلى ~~الشعوب، وذلك أن تفصيل أنسابها خفي فلم يعرف أحد منهم إلا بأن يقال: فارسي ~~تركي رومي زناتي. فعرفوا بشعوبهم وهي أعم ما يعبر به عن جماعتهم، ويقال لهم ~~الشعوبية بفتح الشين، وهذا من تغيير النسب، وقد قيل فيهم غير ما ذكرت، وهذا ~~أولى عندي. # وقرأ الأعمش: «لتتعارفوا» وقرأ عبد الله بن عباس: «لتعرفوا أن» ، على وزن ~~تفعلوا بكسر العين وفتح الألف من «أن» ، وبإعمال «لتعرفوا» فيها، ويحتمل ~~على هذه القراءة أن تكون اللام في قوله: «لتعرفوا» لام كي، ويضطرب معنى ~~الآية مع ذلك، ويحتمل أن تكون لام الأمر، وهو أجود في المعنى، ويحتمل ms3304 أن ~~يكون المفعول محذوفا تقديره: الحق، وإذا كانت لام كي فكأنه قال: يا أيها ~~الناس أنتم سواء من حيث أنتم مخلوقون لأن تتعارفوا ولأن تعرفوا الحقائق، ~~وأما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة القلوب. # وقرأ ابن مسعود: «لتعارفوا بينكم وخيركم عند الله أتقاكم» . وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله» . ~~ثم نبه تعالى على الحذر بقوله: إن الله عليم خبير أي بالمتقي الذي يستحق ~~رتبة الكرم في الإيمان، أي لم تصدقوا بقلوبكم ولكن قولوا أسلمنا. والإسلام ~~يقال بمعنيين، أحدهما: الدين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: إن ~~الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] والذي في قوله صلى الله عليه وسلم: ~~«بني الإسلام على خمس» والذي في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين ~~قال له: ما الإسلام؟ قال: بأن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا، وتقيم ~~الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: «أو ~~مسلما، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» الحديث، فهذا الإسلام ليس هو في ~~قوله: ولكن قولوا أسلمنا والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام ~~والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ولكن قولوا ~~أسلمنا، والإيمان الذي هو التصديق أخص من الأول وأعم بوجه، ثم صرح لهم بأن PageV05P153 # الإيمان لم يدخل قلوبهم ثم فتح لهم باب التوبة بقوله: وإن تطيعوا الله ~~الآية، وطاعة الله ورسوله في ضمنها الإيمان والأعمال. # وقرأ جمهور القراء: «لا يلتكم» من لات يليت إذا نقص، يقال: لاته حقه إذا ~~نقصه منه، ولت السلطان إذا لم يصدقه فيما سأل عنه. وقرأ أبو عمرو والأعرج ~~والحسن وعمرو: «لا يألتكم» من ألت يألت وهو بمعنى: لات، وكذلك يقال: ألت ~~بكسر اللام يألت، ويقال أيضا في معنى لات، ألت يولت ولم يقرأ بهذه اللغة ~~وباقي الآية ترجية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحجرات (49) : الآيات 15 الى 18] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ms3305 بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ~~(18) # وقوله تعالى: إنما في هذه الآية حاصرة يعطي ذلك المعنى. وقوله تعالى: ثم ~~لم يرتابوا أي لم يشكوا في إيمانهم ولم يداخلهم ريب وهم الصادقون، إذ جاء ~~فعلهم مصدقا لقولهم، ثم أمره تعالى بتوبيخهم بقوله: قل أتعلمون الله ~~بدينكم، أي بقولكم: آمنا [الحجرات: 14] وهو يعلم منكم خلاف ذلك، لأنه ~~العليم بكل شيء. # وقوله: يمنون عليك أن أسلموا نزلت في بني أسد أيضا، وذلك أنهم قالوا في ~~بعض الأوقات للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك ~~كما فعلت محارب خصفة وهوازن غطفان وغيرهم، فنزلت هذه الآية، حكاه الطبري ~~وغيره. وقرأ ابن مسعود: «يمنون عليك إسلامهم» . وقوله يحتمل أن يكون مفعولا ~~صريحا. ويحتمل أن يكون مفعولا من أجله. # وقوله: بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان بزعمكم إذ تقولون آمنا، فقد ~~لزمكم أن الله مان عليكم، ويدلك على هذا المعنى قوله: إن كنتم صادقين فتعلق ~~عليهم الحكمان هم ممنون عليهم على الصدق وأهل أن يقولوا أسلمنا من حيث هم ~~كذبة. # وقرأ ابن مسعود: «إذ هداكم» . # وقوله تعالى: يمن عليكم يحتمل أن يكون بمعنى: ينعم كما تقول: من الله ~~عليك، ويحتمل أن يكون بمعنى: يذكر إحسانه فيجيء معادلا ل يمنون عليك، وقال ~~الناس قديما: إذا كفرت النعمة حسنت المنة. وإنما المنة المبطلة للصدقة ~~المكروهة ما وقع دون كفر النعمة. # وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة وقتادة وابن وثاب: «تعملون» بالتاء على ~~الخطاب. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبان: «يعملون» بالياء من تحت على ~~ذكر الغيب. PageV05P154 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ق # وهي مكية بإجماع من المتأولين، روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms3306 أنه قال: «من قرأ سورة «ق» هون الله عليه الموت وسكراته» . # قوله عز وجل: ### || [سورة ق (50) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) # بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) والأرض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) # قال ابن عباس: ق اسم من أسماء القرآن. وقال أيضا اسم من أسماء الله ~~تعالى. وقال قتادة والشعبي: هو اسم السورة، وقال يزيد وعكرمة ومجاهد ~~والضحاك: هم اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون من زمردة خضراء، ~~منها خضرة السماء وخضرة البحر. والمجيد الكريم في أوصافه الذي جمع كل ~~معلوة. # و: ق على هذه الأقوال: مقسم به وب القرآن المجيد، وجواب القسم منتظر. ~~واختلف الناس فيه، فقال ابن كيسان جوابه: ما يلفظ من قول [ق: 18] ، وقيل ~~الجواب: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب [ق: 37] وقال الزهراوي عن سعيد ~~الأخفش الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وضعفه النحاس، وقال الكوفيون ~~من النحاة الجواب: بل عجبوا، والمعنى: لقد عجبوا. # قال منذر بن سعيد: إن جواب القسم في قوله: ما يبدل القول لدي [ق: 29] ، ~~وفي هذه الأقوال تكلف وتحكم على اللسان. # وقال الزجاج والمبرد والأخفش: الجواب مقدر تقديره: ق، والقرآن المجيد ~~لتبعثن، وهذا قول حسن وأحسن منه: أن يكون الجواب الذي يقع عنه الإضراب ب ~~بل، كأنه قال. ق والقرآن المجيد ما ردوا أمرك بحجة، أو ما كذبوك ببرهان، ~~ونحو هذا مما لا بد لك من تقديره بعد الذي قدر PageV05P155 # الزجاج، لأنك إذا قلت الجواب: لتبعثن فلا بد بعد ذلك أن يقدر خبر عنه يقع ~~الإضراب، وهذا الذي جعلناه جوابا وجاء المقدر أخصر. وقال جماعة من المفسرين ~~في قوله: ms3307 ق إنه حرف دال على الكلمة، على نحو قول الشاعر [الوليد بن ~~المغيرة] : [الرجز] قلت لها قفي فقالت قاف واختلفوا بعد، فقال القرطبي: هو ~~دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض، وقيل ~~المعنى: قضي الأمر من رسالتك ونحوه، والقرآن المجيد، فجواب القسم في الكلام ~~الذي يدل عليه قاف. وقال قوم المعنى: قف عند أمرنا. وقيل المعنى: قهر هؤلاء ~~الكفرة، وهذا أيضا وقع عليه القسم ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور ~~حق، والقرآن المجيد، فيكون أول السورة من المعنى الذي اطرد بعد، وعلى هذه ~~الأقوال فثم كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذبوك ببرهان، ونحو ~~هذا مما يليق مظهرا. # وقرأ جمهور من القراء ق بسكون الفاء. قال أبو حاتم: ولا يجوز غيرها إلا ~~جواز سوء. # قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تحسن مع أن يكون ق حرفا دالا على ~~كلمة. وقرأ الثقفي وعيسى: قاف بفتح الفاء، وهذه تحسن مع القول بأنها اسم ~~للقرآن أو لله تعالى، وكذلك قرأ الحسن وابن أبي إسحاق بكسر الفاء، وهي التي ~~في رتبة التي قبلها في أن الحركة للالتقاء وفي أنها اسم للقرآن. # والمجيد الكريم الأوصاف الكثير الخير. # واختلف الناس في الضمير في: عجبوا لمن هو فقال جمهور المتأولين: هو لجميع ~~الناس مؤمنهم وكافرهم لأن كل مفطور عجب من بعثة بشر رسول الله، لكن ~~المؤمنون نظروا واهتدوا، والكافرون بقوا في عمايتهم وصموا وحاجوا بذلك ~~العجب، ولذلك قال تعالى: فقال الكافرون هذا شيء عجيب. # وقال آخرون بل الضمير في عجبوا للكافرين، وكرر الكلام تأكيدا ومبالغة. ~~والإشارة بهذا يحتمل أن تكون إلى نفس مجيء البشر. # ويحتمل أن تكون إلى القول الذي يتضمنه الإنذار، وهو الخبر بالبعث، ويؤيد ~~هذا القول ما يأتي بعد. وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر «إذا» على الخبر دون ~~استفهام، والعامل رجع بعيد، قال ابن جني ويحتمل أن يكون المعنى «أإذا متنا ~~بعد رجعنا» ، فيدل: ذلك رجع بعيد على هذا الفعل الذي هو بعد ويحل محل ~~الجواب لقولهم: «إذا» ms3308 . والرجع: مصدر رجعته. وقوله بعيد في الأوهام والفكر ~~كونه فأخبر الله تعالى ردا على قولهم بأنه يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم ~~وما تبقى منه، وإن ذلك في الكتاب، وكذلك يعود في الحشر معلوما ذلك كله. # و «الحفيظ» : الجامع الذي لم يفته شيء. وقال الرماني: حفيظ متبع أن يذهب ~~ببلى ودروس، وروي في الخبر الثابت: أن الأرض تأكل ابن آدم إلا عجب الذنب، ~~وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم، وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود ~~بعينه يوم القيامة، وهذا هو «الحق» . وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد ~~المبعثرة المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب الله ~~ولو كانت PageV05P156 # غيرها فكيف كانت تشهد الأيدي والأرجل على الكفرة إلى غير ذلك مما يقتضي ~~أن أجساد الدنيا هي التي تعود. وقال ابن عباس ومجاهد والجمهور، المعنى: ما ~~تنقص من لحومهم وأبشارهم وعظامهم. وقال السدي معنى قوله: قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم أي ما يحصل في بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد. # وقال ابن عباس أيضا في ما حكى الثعلبي، معناه: قد علمنا ما تنقص أرض ~~الإيمان من الكفرة الذين يدخلون في الإيمان، وهذا قول أجنبي من المعنى الذي ~~قبل وبعد، وقيل قوله: بل كذبوا مضمر، عنه وقع الإضراب تقديره: ما أجادوا ~~النظر أو نحو هذا، والذي يقع عنه الإضراب ب بل، الأغلب فيه أنه منفي تقضي ~~بل بفساده، وقد يكون أمرا موجبا تقضي بل بترك القول فيه لا بفساده، وقرأ ~~الجمهور: # «لما» بفتح اللام وشد الميم. وقرأ الجحدري: «لما» بكسر اللام وتخفيف ~~الميم، قال أبو الفتح: هي كقولهم: أعطيته لما سأل، وكما في التاريخ: لخمس ~~خلون، ونحو هذا، ومنه قوله تعالى: لا يجليها لوقتها [الأعراف: 187] ومنه ~~قول الشاعر: [الوافر] إذا هبت لقاربها الرياح و: «المريج» : معناه: ~~المختلط، قاله ابن زيد، أي بعضهم يقول ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر إلى ~~غير ذلك من تخليطهم، وكذلك عادت فكرة كل واحد منهم مختلطة في نفسها، قال ms3309 ~~ابن عباس: # المريج: المنكر. وقال مجاهد: الملتبس، والمريج المضطرب أيضا، وهو قريب من ~~الأول، ومنه الحديث: مرجت عهود الناس ومنه مرج البحرين [الفرقان: 53، ~~الرحمن: 19] وقال الشاعر [أبو دؤاد] : # مرج الدين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد # ثم دل تعالى على العبرة بقوله: أفلم ينظروا إلى السماء الآية، وزيناها ~~معناه: بالنجوم. # و «الفروج» الفطور والشقوق خلالها وأثناءها، قاله مجاهد وغيره، وحكى ~~النقاش أن هذه الآية تعطي أن السماء مستديرة، وليس الأمر كما حكي، إذا تدبر ~~اللفظ وما يقتضي. و «الرواسي» : الجبال. و «الزوج» : # النوع. و «البهيج» قال ابن عباس وقتادة وابن زيد هو: الحسن المنظر، وقوله ~~عز وجل: تبصرة وذكرى منصوب على المصدر بفعل مضمر. و: «المنيب» الراجع إلى ~~الحق عن فكرة ونظر. قال قتادة: هو المقبل بقلبه إلى الله وخص هذه الصنيفة ~~بالذكر تشريفا من حيث هي المنتفعة بالتبصرة والذكرى، وإلا فهذه المخلوقات ~~هي تبصرة وذكرى لكل بشر. وقال بعض النحويين: تبصرة وذكرى مفعولان من أجله، ~~وهذا يحتمل والأول أرجح. # قوله عز وجل: ### || [سورة ق (50) : الآيات 9 الى 15] # ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) والنخل ~~باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ~~(11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط ~~(13) # وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا بالخلق الأول ~~بل هم في لبس من خلق جديد (15) PageV05P157 # قوله تعالى: ماء مباركا قيل يعني جميع المطر، كله يتصف بالبركة وإن ضر ~~بعضه أحيانا، فقيه مع ذلك الضر الخاص البركة العامة. وقال أبو هريرة: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء المطر فسالت الميازيب قال: «لا محل عليكم ~~العام» وقال بعض المفسرين: ماء مباركا يريد به ماء مخصوصا خالصا للبركة ~~ينزله الله كل سنة، وليس كل المطر يتصف بذلك. وحب الحصيد الحنطة. و: باسقات ~~معناه: # طويلات ذاهبات في السماء، ومنه قول ابن نوفل في ابن هبيرة: [مجزوء الكامل ~~مرفل] # يا ابن الذين لمجدهم ... بسقت على قيس ms3310 فزاره # وروى قطبة بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «باصقات» ~~بالصاد، قال أبو الفتح الأصل: السين وإنما الصاد بدل منه، لاستعلاء القاف. ~~و «الطلع» أول ظهور التمر في الكفرى وهو أبيض منضد كحب الرمان. فما دام ~~ملتصقا بعضه ببعض فهو نضيد، فإذا خرج من الكفرى تفرق فليس بنضيد. و: رزقا ~~نصب على المصدر والضمير في: به عائد على المطر. ووصف البلدة ب «ميت» على ~~تقدير القطر والبلد. # وقرأ الناس «ميتا» مخففا، وقرأ أبو جعفر وخالد «ميتا» بالتثقيل. # ثم بين تعالى موضع الشبه فقال: كذلك الخروج، هذه الآيات كلها إنما هي ~~أمثلة وأدلة على البعث. والخروج يريد به من القبور، وأصحاب الرس قوم كان ~~لهم بئر عظيمة وهي الرس، وكل ما لم يطو من بئر أو معدن أو نحوه فهو رس. ~~وأنشد أبو عبيدة للنابغة الجعدي: # سبقت إلى قرطبا هل ... تنابلة يحفرون الرساسا # وجاءهم نبي يسمى حنظلة بن صفوان فيما روي فجعلوه في الرس وردموا عليه. ~~فأهلكهم الله، وقال كعب الأحبار في كتاب الزهراوي: أصحاب الرس هم أصحاب ~~الأخدود وهذا ضعيف. لأن أصحاب الأخدود لم يكذبوا نبيا، إنما هو ملك أحرق ~~قوما. وقال الضحاك الرس: بئر قتل فيها صاحب ياسين، قال منذر وروي عن ابن ~~عباس أنهم قوم عاد. # والأيكة: الشجر الملتف، وهم قوم شعيب، والألف واللام من الأيكة غير ~~معرفة، لأن «أيكة» اسم علم كطلحة يقال أيكة وليكة، فهي كالألف واللام في ~~الشمس والقمر وفي الصفات الغالبة وفي هذا نظر. وقرأ «الأيكة» بالهمز أبو ~~جعفر ونافع وشيبة وطلحة. # وقوم تبع هم حمير وتبع- سم فيهم، يذهب تبع ويجيء تبع ككسرى في الفرس ~~وقيصر في الروم، وكان أسعد أبو كرب أحد التبابعة رجلا صالحا صحب حبرين ~~فتعلم منهما دين موسى عليه السلام ثم إن قومه أنكروا ذلك عليه فندبهم إلى ~~محاجة الحبرين، فوقعت بينهم مجادلة، واتفقوا على أن يدخلوا PageV05P158 # جميعهم النار التي في القربان، فمن أكلته فهو المبطل، فدخلوها فاحترق قوم ~~تبع، وخرج الحبران تعرق جباههما، فهلك القوم ms3311 المخالفون وآمن سائر قوم تبع ~~بدين الحبرين. وفي الحديث اختلاف كثير. أثبت أصح ذلك على ما في سير ابن ~~هشام. وذكر الطبري عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~تلعنوا تبعا، فإنه كان قد أسلم» وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن تبعا كان ~~نبيا. # وقوله تعالى: كل كذب الرسل قال سيبويه، التقدير: كلهم وحذف لدلالة كل ~~عليه إيجازا. # و «الوعيد» الذي حق: هو ما سبق به القضاء من تعذيب الكفرة وإهلاك الأمم ~~المكذبة، ففي هذا تخويف من كذب محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: أفعيينا توقيف للكفار وتوبيخ وإقامة للحجة الواضحة عليهم، ~~وذلك أن جوابهم على هذا التوقيف هو لم يقع عي، ثم هم مع ذلك في لبس من ~~الإعادة. وهذا تناقض، ويقال عيى يعيى إذا عجز عن الأمر ويلح به، ويدغم هذا ~~الفعل الماضي من هذا الفعل ولا يدغم المستقبل منه فيقال عي، ومنه قول ~~الشاعر [عبيد بن الأبرص] : # عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه # و «الخلق الأول» إنشاء الإنسان من نطفة على التدريج المعلوم، وقال الحسن: ~~«الخلق الأول» آدم عليه السلام، حكاه الرماني، واللبس: الشك والريب واختلاط ~~النظر. والخلق الجديد: البعث في القبور. # قوله عز وجل: ### || [سورة ق (50) : الآيات 16 الى 21] # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~(16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ~~ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) # وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) # هذه آيات فيها إقامة حجج على الكفار في إنكارهم البعث والجزاء. والخلق: ~~إنشاء الشيء على ترتيب وتقدير حكمي. و: الإنسان اسم الجنس. قال بعض ~~المفسرين الإنسان هنا آدم عليه السلام وتوسوس معناه: تتحدث في فكرتها، وسمي ~~صوت الحلي وسواسا لخفائه، والوسوسة إنما تستعمل في غير الخير، وقوله تعالى: ~~نحن أقرب إليه من حبل الوريد عبارة عن قدرة الله ms3312 على العبد، وكون العبد في ~~قبضة القدرة، والعلم قد أحيط به، فالقرب هو بالقدرة والسلطان، إذ لا ينحجب ~~عن علم الله باطن ولا ظاهر، وكل قريب من الأجرام فبينه وبين قلب الإنسان ~~حجب. و: الوريد عرق كبير في العنق، يقال: إنهما وريدان عن يمين وشمال. قال ~~الفراء: هو ما بين الحلقوم والعلباوين وقال الحسن: # الوريد الوتين. # قال الأثرم: هو نهر الجسد هو في القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر، وفي ~~الذراع والفخذ: الأكحل والنسا وفي الخنصر: إلا سليم، «والحبل» : اسم مشترك ~~فخصصه بالإضافة إلى الوريد، وليس هذا PageV05P159 # بإضافة الشيء إلى نفسه بل هي كإضافة الجنس إلى نوعه كما تقول: لا يجوز حي ~~الطير بلحمه. # وأما قوله تعالى: إذ يتلقى المتلقيان فقال المفسرون العامل في: إذ، أقرب، ~~ويحتمل عندي أن يكون العامل فيه فعلا مضمرا تقديره: اذكر إذ يتلقى ~~المتلقيان، ويحسن هذا المعنى، لأنه أخبر خبرا مجردا بالخلق والعلم بخطرات ~~الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما تم الإخبار، أخبر بذكر الأحوال التي ~~تصدق هذا الخبر وتبين وروده عند السامع، فمنها إذ يتلقى المتلقيان، ومنها ~~مجيء سكرة الموت، ومنها النفخ في الصور ومنها مجيء كل نفس، والمتلقيان: ~~الملكان الموكلان بكل إنسان: # ملك اليمين الذي يكتب الحسنات، وملك الشمال الذي يكتب السيئات. قال ~~الحسن: الحفظة: أربعة، اثنان بالنهار واثنان باليل. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد ذلك الحديث، «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ~~وملائكة بالنهار» الحديث بكامله. ويروى أن ملك اليمين أمير على ملك الشمال، ~~وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر تثبت لعله يتوب رواه إبراهيم ~~التيمي وسفيان الثوري. # وقعيد معناه: قاعد، وقال قوم هو بمنزلة أكيل، فهو بمعنى مقاعد وقال ~~الكوفيون: أراد قعودا فجعل الواحد موضع الجنس، والأول أصوب لأن المقاعد ~~إنما يكون مع قعود الإنسان، وقال مجاهد: # قعيد: رصد ومذهب سيبويه أن التقدير عن اليمين قعيد، فاكتفى بذكر الآخر عن ~~ذكر الأول ومثله عنده قول الشاعر [كثير عزة] : [الطويل] وعزة ممطول معنى ~~غريمها ومثله قول الفرزدق: [الكامل] # إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ms3313 ... وأبي وكان وكنت غير غدور # وهذه الأمثلة كثيرة، ومذهب المبرد: أن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال ~~فأخر قعيد عن مكانه ومذهب الفراء أن لفظ قعيد يدل على الاثنين والجمع فلا ~~يحتاج إلى تقدير غير الظاهر وقوله تعالى: ما يلفظ من قول قال الحسن بن أبي ~~الحسن وقتادة: يكتب الملكان الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات، والسيئات، ~~ويمحو غير ذلك، وهذا هو ظاهر الآية، قال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتبان عليه ~~كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: المعنى: ما يلفظ من قول خير أو شر، ~~وأما ما خرج من هذا فإنه لا يكتب والأول أصوب، وروي أن رجلا قال لجمله: حل، ~~فقال ملك اليمين لا أكتبها، وقال ملك الشمال لا أكتبها، فأوحى الله إلى ملك ~~الشمال أن اكتب ما ترك ملك اليمين، وروي نحوه عن هشام الحمصي وهذه اللفظة ~~إذا اعتبرت فهي بحسب مشيه ببعيره، فإن كان في طاعة فحل حسنة، وإن كان في ~~معصية فهي سيئة والمتوسط بين هذين عسير الوجود ولا بد أن يقترن بكل أحوال ~~المرء قرائن تخلصها للخير أو لخلافه. وحكى الثعلبي عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مقعد الملكين على ~~الثنيتين، قلمهما اللسان، ومدادهما الريق» وقال الضحاك والحسن: مقعدهما تحت ~~الشعر، وكان الحسن يحب أن ينظف غفقته لذلك قال الحسن: حتى إذا مات طويت ~~صحيفته وقيل له يوم PageV05P160 # القيامة: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء: 14] عدل والله ~~عليه من جعله حسيب نفسه. والرقيب: المراقب. والعتيد: الحاضر وقوله: وجاءت ~~عطف عندي على قوله: إذ يتلقى فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت، وجعل الماضي ~~في موضع المستقبل تحقيقا وتثبيتا للأمر، وهذا أحث على الاستعداد واستشعار ~~القرب، وهذه طريقة العرب في ذلك، ويبين هذا في قوله: ونفخ في الصور وجاءت ~~كل نفس فإنها ضرورة بمعنى الاستقبال. وقرأ أبو عمرو: وجاءت سكرة بإدغام ~~التاء في السين. وسكرة الموت: ما يعتري الإنسان عند نزاعه والناس فيها ~~مختلفة أحوالهم، ms3314 لكن لكل واحد سكرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نزاعه يقول: «إن للموت لسكرات» . # وقوله: بالحق معناه: بلقاء الله وفقد الحياة الدنيا. وفي مصحف عبد الله ~~بن مسعود: «وجاءت سكرة الحق بالموت» . وقرأها ابن جبير وطلحة، ويروى أن أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنه قالها كذلك لابنته عائشة وذلك أنها قعدت عند رأسه ~~وهو ينازع فقالت: [الطويل] # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # ففتح أبو بكر رضي الله عنه عينه فقال: لا تقولي هكذا، وقولي: «وجاءت سكرة ~~الحق بالموت» ذلك ما كنت منه تحيد. وقد روي هذا الحديث على مشهور القراءة ~~وجاءت سكرة الموت بالحق فقال أبو الفتح: إن شئت علقت الباء ب جاءت، كما ~~تقول: جئت بزيد، وإن شئت كانت بتقدير: ومعها الموت. # واختلف المتأولون في معنى: «وجاءت سكرة الحق بالموت» فقال الطبري وحكاه ~~الثعلبي: «الحق» الله تعالى، وفي إضافة السكرة إلى اسم الله تعالى بعد وإن ~~كان ذلك سائغا من حيث هي خلق له، ولكن فصاحة القرآن ورصفه لا يأتي فيه هذا. ~~وقال بعض المتأولين المعنى: وجاءت سكرة فراق الحياة بالموت وفراق الحياة حق ~~يعرفه الإنسان ويحيد منه بأمله. ومعنى هذا الحيد: أنه يقول: أعيش كذا وكذا، ~~فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمن، وأيضا ~~فحذر الموت وتحرزاته ونحو هذا حيد كله. وقد تقدم القول في النفخ في الصور ~~مرارا. و: يوم الوعيد هو يوم القيامة وأضافه إلى الوعيد تخويفا. # وقوله تعالى: وجاءت كل نفس معها وقرأ طلحة بن مصرف: «محها» بالحاء ~~المثقلة. والسائق: # الحاث على السير. # واختلف الناس في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان ومجاهد وغيره: ملكان ~~موكلان بكل إنسان أحدهما يسوقه والآخر من حفظته يشهد عليه. وقال أبو هريرة: ~~السائق ملك، والشهيد: العمل وقال منذر بن سعيد: السائق: الملك والشهيد: ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال وقيل: الشهيد: الكتاب الذي يلقاه منشورا. ~~وقال بعض النظار: سائق، اسم جنس، وشهيد كذلك، ms3315 فالساقة للناس ملائكة يوكلون ~~بذلك، والشهداء: الحفظة في الدنيا وكل ما يشهد. PageV05P161 # وقال ابن عباس والضحاك: السائق ملك، والشهيد: جوارح الإنسان، وهذا يبعد ~~على ابن عباس، لأن الجوارح إنما تشهد بالمعاصي. # وقوله تعالى: كل نفس يعم الصالحين، فإنما معناه: وشهيد بخيره، وشره، ~~ويقوى في: # شهيد اسم الجنس، فتشهد بالخير الملائكة والبقاع، ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم ~~القيامة» . وكذلك يشهد بالشر الملائكة والبقاع والجوارح. وقال أبو هريرة: ~~السائق: ملك، والشهيد: العمل. وقال ابن مسلم: السائق: شيطان. حكاه عنه ~~الثعلبي والقول في كتاب منذر بن سعيد وهو ضعيف. # قوله عز وجل: ### || [سورة ق (50) : الآيات 22 الى 28] # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال ~~قرينه هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) مناع للخير ~~معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) # قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) قال لا تختصموا لدي ~~وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) # قرأ الجحدري: «لقد كنت» على مخاطبة النفس وكذلك كسر الكافات بعد. # وقال صالح بن كيسان والضحاك وابن عباس معنى قوله: لقد كنت أي يقال للكافر ~~الغافل من ذوي النفس التي معها السائق والشهيد إذا حصل بين يدي الرحمن ~~وعاين الحقائق التي كان لا يصدق بها في الدنيا ويتغافل عن النظر فيها، لقد ~~كنت في غفلة من هذا، فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد بصرك أي بصيرتك وهذا ~~كما تقول: فلان حديد الذهن والفؤاد ونحوه، وقال مجاهد: هو بصر العين إذا ~~احتد التفاته إلى ميزانه وغير ذلك من أهوال القيامة. # وقال زيد بن أسلم قوله تعالى: ذلك ما كنت منه تحيد [ق: 19] وقوله تعالى: ~~لقد كنت الآية، مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنه خوطب بهذا في ~~الدنيا، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من معرفة هذا القصص والغيب حتى أرسلناك ~~وأنعمنا ms3316 عليك وعلمناك، فبصرك اليوم حديد، وهذا التأويل يضعف من وجوه، أحدها ~~أن الغفلة إنما تنسب أبدا إلى مقصر، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا تقصير له ~~قبل بعثه ولا بعده وثان: أن قوله: بعد هذا: وقال قرينه يقتضي أن الضمير ~~إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له فبصرك اليوم حديد وإن جعلناه ~~عائدا على ذي النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم بين الكلامين غير متمكن فتأمله. وثالث: أن معنى توقيف الكافر ~~وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف، والوجه ~~عندي ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله إنها مخاطبة للإنسان ذي النفس ~~المذكورة من مؤمن وكافر. # و: فكشفنا عنك غطاءك، قال ابن عباس: هي الحياة بعد الموت، وينظر إلى معنى ~~كشف PageV05P162 # الغطاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» . # وقوله تعالى: وقال قرينه هذا ما لدي عتيد، قال جماعة من المفسرين: قرينه ~~من زبانية جهنم، أي قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الإنسان الكافر حاضر ~~عتيد، ففي هذا تحريض على الكافر واستعجال به. وقال قتادة وابن زيد: قرينه ~~الملك الموكل بسوقه، فكأنه قال: هذا الكافر الذي جعل إلى سوقه، فهو لدي ~~حاضر. وقال الزهراوي وقيل: قرينه شيطانه. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما أوقع فيه أن القرين في قوله: قال ~~قرينه ربنا ما أطغيته هو شيطانه في الدنيا ومغويه بلا خلاف. # ولفظ القرين: اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبه من الزبانية قرين، وكاتب ~~سيئاته في الدنيا قرين وتحتمله هذه الآية، أي هذا الذي أحصيته عليه عتيد ~~لدي، وهو موجب عذابه، ومماشي الإنسان في طريقه قرين، وقال الشاعر [عدي بن ~~زيد العبادي] : [الطويل] # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي # والقرين الذي في هذه الآية، غير القرين الذي في قوله: قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته إذ المقارنة تكون على أنواع، وقال بعض العلماء: قرينه في هذه الآية: ~~عمله قلبا وجازحا، وقوله ms3317 عز وجل: # ألقيا في جهنم معناه: يقال ألقيا في جهنم. واختلف الناس لم يقال ذلك؟ ~~فقال جماعة من المفسرين: هو قول الملكين من ملائكة العذاب. وقال عبد الرحمن ~~بن زيد في كتاب الزهراوي: هو قول للسائق والشهيد، وحكى الزهراوي أن المأمور ~~بإلقاء الكافر في النار اثنان، وعلى هذين القولين لا نظر في قوله: ألقيا. ~~وقال مجاهد وجماعة من المتأولين: هو قول للقرين: إما السائق، وإما الذي هو ~~من الزبانية حسبما تقدم واختلف أهل هذه المقالة في معنى قوله: ألقيا وهو ~~مخاطبة لواحد، فقال المبرد معناه: الق الق، فإنما أراد تثنية الأمر مبالغة ~~وتأكيدا، فرد التثنية إلى الضمير اختصارا كما قال [امرؤ القيس] : # لفتك الأمين على نابل يريد ارم ارم. وقال بعض المتأولين: «ألقين» فعوض من ~~النون ألف كما تعوض من التنوين. وقال جماعة من أهل العلم بكلام العرب: هذا ~~جرى على عادة العرب، وذلك أنها كان الغالب عندها أن تترافق في الأسفار ~~ونحوها ثلاثة، فكل واحد منهم يخاطب اثنين، فكثر ذلك في أشعارها وكلامها حتى ~~صار عرفا في المخاطبة، فاستعمل في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار: ~~خليلي، وصاحبي، وقفا نبك ونحوه، وقد جرى المحدثون على هذا الرسم، فيقول ~~الواحد: حدثنا، وإن كان سمع وحده، ونظير هذه الآية في هذا القول قول ~~الزجاج: يا حارسي اضربا عنقه، وهو دليل على عادة العرب، ومنه قول الشاعر ~~[سويد بن كراع العكلي] : [الطويل] # فإن تزجراني بابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا PageV05P163 # وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «ألقين» بتنوين الياء و: كفار مبالغة. و: عنيد ~~معناه: عاند عن الحق أي منحرف عنه. # وقوله تعالى: مناع للخير لفظ عام للمال والكلام الحسن والمعاون على ~~الأشياء. وقال قتادة ومجاهد وعكرمة، معناه: الزكاة المفروضة، وهذا التخصيص ~~ضعيف، و: معتد معناه: بلسانه ويده. # و: مريب معناه: متلبس بما يرتاب به، أراب الرجل: إذا أتى بريبة ودخل ~~فيها. قال الثعلبي قيل نزلت في الوليد بن المغيرة. # وقال الحسن: مريب شاك في الله تعالى ودينه. # وقوله تعالى: الذي ms3318 جعل الآية يحتمل أن يكون الذي بدلا من كفار ويحتمل أن ~~يكون صفة له من حيث تخصص كفار بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه بهذه المعرفة، ~~ويحتمل أن يكون الذي ابتداء وخبره قوله: فألقياه ودخلت الفاء في قوله: ~~فألقياه للإبهام الذي في الذي، فحصل الشبه بالشرط وفي هذا نظر. # قال القاضي أبو محمد: ويقوى عندي أن يكون الذي ابتداء، ويتضمن القول ~~حينئذ بني آدم والشياطين المغوين لهم في الدنيا، ولذلك تحرك القرين الشيطان ~~المغوي في الدنيا، فرام أن يبرئ نفسه ويخلصها بقوله: ربنا ما أطغيته لأنه ~~كذب من نفي الإطغاء عن نفس جملة، والحقيقة أنه أطغاه بالوسوسة والتزين، ~~وأطغاه الله بالخلق، والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، لا رب ~~غيره، وبوصف الضلال بالبعيد مبالغة، أي لتعذر رجوعه إلى الهدى. # وقوله تعالى: لا تختصموا لدي معناه: قال الله لا تختصموا لدي بهذا النوع ~~من المقاولة التي لا تفيد شيئا إذ قد استوجب جميعكم النار، وقد أخبر بأنه ~~تقع الخصومة لديه في الظلامات ونحوها مما فيه اختصاص. واقتضاء فائدة بقوله ~~تعالى: ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون [الزمر: 31] ، وجمع الضمير في ~~قوله: لا تختصموا يريد بذلك مخاطبة جميع القرناء، إذ هو أمر شائع لا يقف ~~على اثنين فقط، وهذا كما يقول الحاكم لخصمين: لا تغلطوا علي، يريد الخصمين ~~ومن هو في حكمهما. وتقدمته إلى الناس بالوعيد هو ما جاءت به الرسل والكتب ~~من تعظيم الكفرة. # قوله عز وجل: ### || [سورة ق (50) : الآيات 29 الى 35] # ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد (30) وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون ~~لكل أواب حفيظ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) # ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) # المعنى: قدمت بالوعيد أني أعذب الكفار في ناري، فلا يبدل قولي ولا ينقص ~~ما أبرمه كلامي، ثم أزال عز وجل موضع الاعتراض بقوله: وما أنا بظلام للعبيد ~~أي هذا عدل فيهم، ms3319 لأني أعذرت وأمهلت PageV05P164 # وأنعمت بالإدراكات وهديت السبيل والنجدين وبعثت الرسل وقال الفراء معنى ~~قوله: ما يبدل القول لدي ما يكذب لدي، لعلمي بجميع الأمور. # قال القاضي أبو محمد: فتكون الإشارة على هذا إلى كذب الذي قال: ما أطغيته ~~[ق: 27] وقوله تعالى: يوم نقول يجوز أن يعمل في الظرف قوله: بظلام ويجوز أن ~~يعمل فيه فعل مضمر. # وقرأ جمهور من القراء وحفص عن عاصم: «نقول» بالنون، وهي قراءة الحسن وأبي ~~رجاء وأبي جعفر والأعمش ورجحها أبو علي بما تقدم من قوله: «قدمت وما أنا» ~~وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: «يقول» على معنى يقول الله، وهي قراءة ~~الأعرج وشيبة وأهل المدينة، وقرأ ابن مسعود والحسن والأعمش أيضا: # «يقال» على بناء الفعل للمفعول. # وقوله: هل امتلأت تقرير وتوقيف، واختلف الناس هل وقع هذا التقرير؟ وهي قد ~~امتلأت أو هي لم تمتلئ فقال بكل وجه جماعة من المتأولين وبحسب ذلك تأولوا ~~قولها: هل من مزيد. فمن قال إنها كانت ملأى جعل قولها: هل من مزيد على معنى ~~التقرير ونفي المزيد، أي هل عندي موضع يزاد فيه شيء ونحو هذا التأويل قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عقيل منزلا» ، وهو تأويل الحسن ~~وعمرو وواصل، ومن قال: إنها كانت غير ملأى جعل قولها هل من مزيد على معنى ~~السؤال والرغبة في الزيادة. قال الرماني وقيل المعنى: وتقول خزنتها، والقول ~~إنها القائلة أظهر. # واختلف الناس أيضا في قول جهنم هل هو حقيقة أو مجاز؟ أي حالها حال من لو ~~نطق لقال كذا وكذا فيجري هذا مجرى: شكا إلي جملي طول السرى، ومجرى قول ذي ~~الرمة: تكلمني أحجاره وملاعبه. # والذي يترجح في قول جهنم: هل من مزيد أنها حقيقة وأنها قالت ذلك وهي غير ~~ملأى وهو قول أنس بن مالك، وبين ذلك الحديث الصحيح المتواتر قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «يقول الله لجهنم هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد حتى يضع ~~الجبار فيها قدمه، فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض» واضطرب ms3320 الناس في ~~معنى هذا الحديث، وذهبت جماعة من المتكلمين، إلى أن الجبار اسم جنس، وأنه ~~يريد المتجبرين من بني آدم، وروي أن الله تعالى يعد من الجبابرة طائفة يملأ ~~بهم جهنم آخرا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن جلدة الكافر يصير في ~~غلظها أربعون ذراعا» ويعظم بدنه على هذه النسبة، وهذا كله من ملء جهنم وذهب ~~الجمهور إلى أن الجبار اسم الله تعالى، وهذا هو الصحيح، فإن في الحديث ~~الصحيح: «فيضع رب العالمين فيها قدمه» وتأويل هذا: ان القدم لها من خلقه ~~وجعلهم في علمه ساكنيها، ومنه قول الله تعالى: وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم [يونس: 2] فالقدم هنا ما قدم من شيء ومنه قول الشاعر [الوضاح ~~الخصي] : [المنسرح] # صل لربك واتخذ قدما ... ينجيك يوم العثار والزلل # ومنه قول العجاج: [الرمل] وسنى الملك لملك ذي قدم PageV05P165 # أي ذي شرف متقدم، وهذا التأويل مروي عن ابن المبارك وعن النضر بن شميل، ~~وهو قول الأصوليين. وفي كتاب مسلم بن الحجاج: فيضع الجبار فيها رجله، ~~ومعناه: الجمع الذي أعد لها يقال للجمع الكثير من الناس: رجل تشبيها برجل ~~الجراد، قال الشاعر: # فمر بها رجل من الناس وانزوى ... إليها من الحي اليمانين أرجل. # وملاك النظر في هذا الحديث: أن الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتف كل ~~ذلك فلم يبق إلا إخراج ألفاظ على هذه الوجوه السابقة في كلام العرب. و: ~~أزلفت معناه: قربت، و: غير بعيد تأكيد وبيان أن هذا التقدير هو في المسافة، ~~لأن قربت كان يحتمل أن معناه: بالوعد والإخبار، فرفع الاحتمال بقوله: غير ~~بعيد. # وقوله تعالى: هذا ما توعدون الآية، يحتمل أن يكون معناه: يقال لهم في ~~الآخرة عند إزلاف الجنة هذا هو الذي كنتم توعدون في الدنيا، ويحتمل أن يكون ~~المعنى خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي هذا الذي توعدون به أيها ~~الناس لكل أواب حفيظ. والأواب: الرجاع إلى الطاعة وإلى مراشد نفسه. وقال ~~ابن عباس وعطاء: الأواب: المسبح لقوله: يا جبال أوبي ms3321 معه [سبأ: 10] . وقال ~~الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه فيستغفر. وقال المحاسبي: هو الراجح ~~بقلبه إلى ربه. وقال عبيد بن عمير: كنا نحدث أنه الذي إذا قام من مجلسه ~~استغفر الله مما جرى في ذلك المجلس وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يفعل. والحفيظ معناه: بأوامر الله فيمتثلها، أو لنواهيه فيتركها. وقال ابن ~~عباس: # حفيظ لذنوبه حتى يرجع عنها. # وقوله تعالى: من خشي يحتمل أن يكون من نعت الأواب أو بدلا. ويحتمل أن ~~يكون رفعا بالابتداء والخبر يقال لهم (ادخلوا) ، ويحتمل أن تكون شرطية ~~فيكون الجواب يقال لهم ادخلوها. # وقوله: بالغيب أي غير مشاهد له إنما يصدق رسوله ويسمع كلامه وجاء معناه ~~يوم القيامة. والمنيب الراجع إلى الخير المائل إليه. وقوله تعالى: ادخلوها ~~تقديره يقال لهم على ما تقدم. وبسلام معناه بأمن وسلامة من جميع الآفات. ~~وقوله تعالى: ذلك يوم الخلود معادل لقوله قبل في الكفار ذلك يوم الوعيد [ق: ~~20] . # وقوله تعالى: لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد خبر بأنهم يعطون آمالهم ~~أجمع. ثم أبهم تعالى الزيادة التي عنده للمؤمنين المنعمين، وكذلك هي مبهمة ~~في قوله تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: 17] وقد فسر ~~ذلك الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: # أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~بل ما أطلعتهم عليه» . # وقد ذكر الطبري وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديث مطولة وأشياء ضعيفة، ~~لأن الله تعالى يقول: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم [السجدة: 17] وهم يعينونها ~~تكلفا وتعسفا. وروي عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن المزيد: النظر إلى ~~وجه الله تعالى بلا كيف. PageV05P166 # قوله عز وجل: ### || [سورة ق (50) : الآيات 36 الى 40] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص ~~(36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ms3322 أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر ~~على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ومن الليل ~~فسبحه وأدبار السجود (40) # كم للتكثير وهي خبرية، المعنى كثيرا أهلكنا قبلهم. والقرن: الأمة من ~~الناس الذين يمر عليهم قدر من الزمن. واختلف الناس في ذلك القدر، فقال ~~الجمهور: مائة سنة، وقيل غير هذا، وقد تقدم القول فيه غير مرة. وشدة البطش: ~~هي كثرة القوة والأموال والملك والصحة والأدهان إلى غير ذلك. # وقرأ جمهور من الناس: «فنقبوا» بشد القاف المفتوحة على إسناد الفعل إلى ~~القرون الماضية، والمعنى: ولجوا البلاد من أنقابها. وفي الحديث: «أن على ~~أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» . والمراد تطوفوا ~~ومشوا طماعين في النجاة من الهلكة ومنه قول الشاعر [امرؤ القيس] : [الوافر] # وقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب # ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف] # نقبوا في البلاد من حذر الموت ... وجالوا في الأرض كل مجال # وقرأ ابن يعمر وابن عباس ونصر بن سيار وأبو العالية: «فنقبوا» بشد القاف ~~المكسورة على الأمر لهؤلاء الحاضرين. # و: هل من محيص توقيف وتقرير، أي لا محيص، والمحيص: المعدل موضع الحيص وهو ~~الروغان والحياد، قال قتادة: حاص الكفرة فوجدوا أمر الله منيعا مدركا، وفي ~~صدر البخاري فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب. وقال ابن عبد شمس في وصف ~~ناقته: [الوافر] # إذا حاص الدليل رأيت منها ... جنوحا للطريق على اتساق # وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد عنه: «فنقبوا» بفتح القاف وتخفيفها هي بمعنى ~~التشديد، واللفظة أيضا قد تقال بمعنى البحث والطلب، تقول: نقب عن كذا أي ~~استقصى عنه، ومنه نقيب القوم لأنه الذي يبحث عن أمورهم ويباحث عنها، وهذا ~~عندي تشبيه بالدخول من الأنقاب. # وقوله تعالى: إن في ذلك يعني إهلاك من مضى، والذكرى: التذكرة، والقلب: ~~عبارة عن العقل إذ هو محله. والمعنى: لمن كان له قلب واع ينتفع به. وقال ~~الشبلي معناه: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين. PageV05P167 # وقوله تعالى: أو ألقى السمع وهو شهيد معناه: ms3323 صرف سمعه إلى هذه الأنباء ~~الواعظة وأثبته في سماعها، فذلك إلقاء له عليها، ومنه قوله تعالى: وألقيت ~~عليك محبة مني [طه: 39] أي أثبتها عليك، وقال بعض الناس قوله تعالى: ألقى ~~السمع، وقوله: فضربنا على آذانهم [الكهف: 11] وقوله: # سقط في أيديهم [الأعراف: 149] هي كلها مما قل استعمالها الآن وبعدت ~~معانيها. # قال القاضي أبو محمد: وقول هذا القائل ضعيف، بل هي بينة المعاني، وقد ~~تقدمت في موضعها. # وقوله تعالى: وهو شهيد قال بعض المتأولين: معناه: وهو مشاهد مقبل على ~~الأمر غير معرض ولا منكر في غير ما يسمع. وقال قتادة: هي إشارة إلى أهل ~~الكتاب، فكأنه قال: إن هذه العبرة التذكرة لمن له فهم فيتدبر الأمر أو لمن ~~سمعها من أهل الكتاب فيشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب ~~بني إسرائيل: ف شهيد على التأويل الأول من المشاهدة، وعلى التأويل الثاني ~~من الشهادة. # وقرأ السدي: «ألقى السمع» قال ابن جني ألقى السمع منه حكى أبو عمرو ~~الداني أن قراءة السدي ذكرت لعاصم فمقت السدي وقال: أليس الله يقول: يلقون ~~السمع [الشعراء: 223] . # وقوله تعالى: ولقد خلقنا السماوات والأرض الآية خبر مضمنه الرد على ~~اليهود الذين قالوا إن الله خلق الأشياء كلها في ستة أيام ثم استراح يوم ~~السبت فنزلت: وما مسنا من لغوب واللغوب: الإعياء والنصب والسأم، يقال لغب ~~الرجل يلغب إذا أعيى. # وقرأ السلمي وطلحة: «لغوب» بفتح اللام. وتظاهرت الأحاديث بأن خلق الأشياء ~~كان يوم الأحد وفي كتاب مسلم وفي الدلائل لثابت حديث مضمنه: أن ذلك كان يوم ~~السبت وعلى كل قول فأجمعوا على أن آدم خلق يوم الجمعة. فمن قال إن البداءة ~~يوم السبت جعل خلق آدم كخلق بنيه لا يعد مع الجملة الأولى وجعل اليوم الذي ~~كملت المخلوقات عنده يوم الجمعة. # وقوله تعالى: فاصبر على ما يقولون قال بعض المفسرين: أراد أهل الكتاب ~~لقولهم، ثم استراح يوم السبت. # قال القاضي أبو محمد: وهذه المقالات من أهل الكتاب كانت بمكة قبل الهجرة. # وقال النظار من المفسرين قوله تعالى: فاصبر ms3324 على ما يقولون يراد به أهل ~~الكتاب وغيرهم من الكفرة، وعم بذلك جميع الأقوال الزائغة من قريش وغيرهم، ~~وعلى هذا التأويل يجيء قول من قال: الآية منسوخة بآية السيف. وسبح معناه: ~~صل بإجماع من المتأولين وقوله: بحمد ربك الباء للاقتران أي سبح سبحة يكون ~~معها حمد ومثله «تنبت بالدهن» على بعض الأقوال فيها و: قبل طلوع الشمس هي ~~الصبح وقبل الغروب هي العصر قاله قتادة وابن زيد والناس، وقال ابن عباس: ~~قبل الغروب هي العصر والظهر ومن الليل هي صلاة العشاءين وقال ابن زيد هي ~~العشاء فقط. # وقال مجاهد: هي صلاة الليل وقوله: وأدبار السجود قال عمر بن الخطاب وعلي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهما وأبو هريرة والحسن والشعبي وإبراهيم، ومجاهد ~~والأوزاعي: هي الركعتان بعد المغرب PageV05P168 # وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه روعي إدبار ~~صلاة النهار كما روعي إدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل هي الركعتان مع ~~الفجر. وروي عن ابن عباس أن أدبار السجود: الوتر، حكاه الثعلبي وقال ابن ~~زيد وابن عباس أيضا ومجاهد: هي النوافل إثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية، ~~وقال بعض العلماء العارفين: هي صلاة الليل، قال الثعلبي: وقال بعض العلماء ~~في قوله: قبل طلوع الشمس هي ركعتا الفجر وقبل الغروب الركعتان قبل المغرب ~~وقال بعض التابعين: رأيت أصحاب محمد يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة، ~~وقال قتادة: ما أدركت أحدا يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنسا وأبا برزة. # وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى وشبل وطلحة ~~والأعمش «وإدبار» بكسر الألف وهي مصدر أضيف إليه وقت، ثم حذف الوقت، كما ~~قالوا: جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم ونحوه، وقرأ الباقون والحسن والأعرج، ~~«وأدبار» بفتح الهمزة وهو جمع دبر كطنب وأطناب، أي وفي «أدبار السجود» أي ~~في أعقابه وقال أوس بن حجر: [الطويل] # على دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع # قوله عز وجل: ### || [سورة ق (50) : الآيات 41 الى 45] # واستمع يوم يناد المناد ms3325 من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك ~~يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض ~~عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم ~~بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) # قوله تعالى: واستمع بمنزلة، وانتظر، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ~~يؤمر بأن يستمع في يوم النداء، لأن كل من فيه يستمع وإنما الآية في معنى ~~الوعيد للكفار، وقيل لمحمد تحسس وتسمع هذا اليوم وارتقبه، وهذا كما تقول ~~لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا، أي كن منتظرا له مستمعا، وعلى هذا فنصب ~~يوم إنما هو على المفعول الصريح. # وقرأ ابن كثير: «المنادي» بالياء في الوصل والوقف على الأصل الذي هو ~~ثبوتها، إذا الكلام غير تام وإنما الحذف أبدا في الفواصل، والكلام التام ~~تشبيها بالفواصل. وقرأ أبو عمرو ونافع، بالوقف بغير ياء لأن الوقف موضع ~~تغيير، ألا ترى أنها تبدل من التاء فيه الهاء في نحو طلحة وحمزة، ويبدل من ~~التنوين الألف ويضعف فيه الحرف كقولك هذا فرج، ويحذف فيه الحرف في القوافي، ~~وقرأ الباقون وطلحة والأعمش وعيسى بحذف الياء في الوصل والوقف جميعا وذلك ~~اتباع لخط المصحف، وأيضا فإن الياء تحذف مع التنوين فوجب أن تحذف مع معاقب ~~التنوين وهي الألف واللام. # وقوله تعالى: من مكان قريب قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن ملكا ينادي من السماء: أيتها الأجسام ~~الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة، هلم إلى الحساب الوقوف بين يدي ~~الله» . وقال كعب الأحبار وقتادة وغيرهما: المكان صخرة بيت المقدس PageV05P169 # واختلفوا في معنى صفته بالقرب فقال قوم: وصفها بذلك لقربها من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي من مكة. وقال كعب الأحبار: وصفه بالقرب من السماء، وروي ~~أنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، وهذا الخبر إن كان بوحي، ~~وألا سبيل للوقوف على صحته. و: الصيحة هي صيحة المنادي و: الخروج هو من ~~القبور، و: «يومه» هو يوم ms3326 القيامة، ويوم الخروج في الدنيا هو يوم العيد قال ~~حسان بن ثابت: [الكامل] # ولأنت أحسن إذ برزت لنا ... يوم الخروج بساحة القصر # من درة أغلى الملوك بها ... مما تربب حائر البحر # وقوله تعالى: يوم تشقق العامل في يوم، المصير. وقرأ ابن كثير ونافع وابن ~~عامر: # «تشقق» بتشديد الشين. وقرأ الباقون: «تشقق» بتخفيف الشين و: سراعا حال ~~قال بعض النحويين وهي من الضمير في قوله: عنهم والعامل في الحال تشقق وقال ~~بعضهم التقدير: يوم تشقق الأرض عنهم يخرجون سراعا فالحال من الضمير في: ~~«يخرجون» ، والعامل «يخرجون» . # وقوله تعالى: ذلك حشر علينا يسير كلام معادل لقول الكفرة: ذلك رجع بعيد ~~[ق: 3] . # وقوله تعالى: نحن أعلم بما يقولون وعيد محض للكفرة. واختلف الناس في معنى ~~قوله: وما أنت عليهم بجبار. فقال قتادة: نهى الله عن التجبر وتقدم فيه، ~~فمعناه: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت. # وقال الطبري وغيره معناه: وما أنت عليهم بمسلط تجبرهم على الإيمان، ويقال ~~جبرته على كذا، أي قسرته ف «جبار» بناء مبالغة من جبر وأنشد المفضل: ~~[الوافر] # عصينا عزمة الجبار حتى ... صحبنا الخوف إلفا معلمينا # قال: أراد ب «الجبار» النعمان بن المنذر لولايته، ويحتمل أن نصب عزمة على ~~المصدر وأراد عصينا مقدمين عزمة جبار، فمدح نفسه وقومه بالعتو والاستعلاء ~~أخلاق الجاهلية والحياة الدنيا، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا: يا رسول ~~الله لو خوفتنا، فنزلت: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد. # قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا سببا فإنه لما أعلمه أنه ليس بمسلط ~~على جبرهم، أمره بالاقتصار على تذكير الخائفين من الناس. PageV05P170 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الذاريات # وهي مكية بإجماع من المفسرين. # قوله عز وجل: ### || سورة الذاريات (51) : الآيات 1 الى 16] # بسم الله الرحمن الرحيم # والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات ~~أمرا (4) # إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات الحبك (7) إنكم ~~لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) # قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين ~~(12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا ms3327 فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون ~~(14) # إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين (16) # أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات تنبيها عليها وتشريفا لها ودلالة على ~~الاعتبار فيها حتى يصير الناظر فيها إلى توحيد الله تعالى. # والذاريات الرياح بإجماع من المتأولين، يقال: ذرت الريح وأذرت بمعنى: وفي ~~الرياح معتبر من شدتها حينا، ولينها حينا وكونها مرة رحمة ومرة عذابا إلى ~~غير ذلك. # وذروا نصب على المصدر. و: الحاملات وقرا قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه هي السحاب الموقرة بالماء. وقال ابن عباس وغيره هي السفن الموقرة ~~بالناس وأمتاعهم. وقال جماعة من العلماء هي أيضا مع هذا جميع الحيوان ~~الحامل، وفي جميع ذلك معتبر. و: وقرا مفعول صريح، و: الجاريات يسرا قال علي ~~بن أبي طالب وغيره: هي السفن في البحر وقال آخرون: هي السحاب بالريح وقال ~~آخرون: هي الجواري من الكواكب، واللفظ يقتضي جميع هذا. ويسرا نعت لمصدر ~~محذوف وصفات المصادر المحذوفة تعود أحوالا، و: يسرا معناه: بسهولة وقلة ~~تكلف، و: المقسمات أمرا الملائكة والأمر هنا اسم الجنس، فكأنه قال: ~~والجماعات التي تقسم أمور الملكوت من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام ~~وأمر الرياح والجبال وغير ذلك، لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، فالآية ~~تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة، وأنث «المقسمات» من PageV05P171 # وقال أبو طفيل عامر بن واثلة كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ~~المنبر فقال: لا تسألوني عن آية من كتاب الله أو سنة ماضية إلا قلت، فقام ~~إليه ابن الكواء فسأله عن هذه، فقال: الذاريات الرياح. # و «الحاملات» السحاب، و «الجاريات» السفن، و «المقسمات» الملائكة. ثم قال ~~له سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت وهذا القسم واقع على قوله: إنما توعدون ~~لصادق، وتوعدون يحتمل أن يكون من الإيعاد، ويحتمل أن يكون من الوعد، وأيها ~~كان فالوصف له بالصدق صحيح و: (صادق) هنا موضوع بدل صدق، ووضع الاسم موضع ~~المصدر. و: الدين الجزاء. وقال مجاهد ms3328 الحساب، والأظهر في الآية أنها للكفار ~~وأنها وعيد محض بيوم القيامة. # ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر فقال: والسماء ذات الحبك فظاهر لفظة السماء ~~أنها لجميع السماوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هي السماء السابعة. ~~و: الحبك بضم الحاء والباء: # الطرائق التي هي على نظام في الأجرام، فحبك الرمان والماء: الطرائق التي ~~تصنع فيها الريح الهابة عليها، ومنه قول زهير: # مكلل بعميم النبت تنسجه ... ريح خريف لضاحي مائه حبك # وحبك الدرع: الطرائق المتصلة في موضع اتصال الحلق بعضها ببعض، وفي بعض ~~أجنحة الطير حبك على نحو هذا، ويقال لتكسر الشعر حبك، وفي الحديث: «أن من ~~ورائكم الكذاب المضل، وأن من ورائه حبكا حبكا» يعني جعودة شعره فهو يكسره، ~~ويظهر في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائق في موضع تداخل الخيوط هي حبك، ~~ويقال نسج الثوب فأجاد حبكه، فهذه هي الحبك في اللغة. وقال منذر بن سعيد: ~~إن في السماء في تألق جرمها هي هكذا لها حبك، وذلك لجودة خلقتها وإتقان ~~صنعتها، ولذلك عبر ابن عباس في تفسير قوله والسماء ذات الحبك بأن قال: ~~حبكها حسن خلقتها، وقال ابن جبير: الحبك: الزينة. وقال الحسن: حبكها ~~كواكبها، وقال ابن زيد: الحبك: الشدة، وحبكت شدت، وقرأ سبعا شدادا [النبأ: ~~12] وقال ابن جني: الحبك طرائق الغيم ونحو هذا، وواحد الحبك: حباك، ويقال ~~للظفيرة التي يشد بها حظار القصب ونحوه، وهي مستطيلة تمنع في ترجيب الغرسات ~~المصطفة حباك وقد يكون واحد الحبك حبيكة، وقال الراجز: [الوافر] # كأنما جللها الحواك، ... طنفسة في وشيها حباك # وقرأ جمهور الناس: «الحبك» بضم الحاء والباء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن ~~وأبو مالك الغفاري بضم الحاء وسكون الباء تخفيفا، وهي لغة بني تميم كرسل في ~~رسل، وهي قراءة أبي حيوة وأبي السمال. # وقرأ الحسن أيضا وأبو مالك الغفاري: «الحبك» بكسر الحاء والباء على أنها ~~لغة كإبل وإطل. # وقرأ الحسن أيضا فيما روي عنه: «الحبك» بكسر الحاء وسكون الباء كما قالوا ~~على جهة التخفيف: # إبل وإطل بسكون الباء والطاء. وقرأ ابن عباس: ms3329 «الحبك» بفتح الحاء والباء. ~~وقرأ الحسن أيضا فيما روي عنه «الحبك» بكسر الحاء وضم الباء وهي لغة شاذة ~~غير متوجهة، وكأنه أراد كسرهما ثم توهم «الحبك» قراءة الضم بعد أن كسر ~~الحاء فضم الباء، وهذا على تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء. ~~وقرأ PageV05P172 # عكرمة «الحبك» بضم الحاء وفتح الباء جمع حبكة، وهذه كلها لغات والمعنى ما ~~ذكرناه. والفرس المحبوك الشديد الخلقة الذي له حبك في مواضع من منابت شعره، ~~وذلك دليل على حسن بنيته. # وقوله تعالى إنكم لفي قول مختلف، يحتمل أن يكون خطابا لجميع الناس مؤمن ~~وكافر، أي اختلفتم بأن قال فريق منكم: آمنا بمحمد وكتابه، وقال فريق آخر: ~~كفرنا، وهذا قول قتادة. ويحتمل أن يكون خطابا للكفرة فقط، أي: أنتم في جنس ~~من الأقوال مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون: ساحر، وقوم: كاهن، وقوم: # شاعر، وقوم: مجنون إلى غير ذلك، وهذا قول ابن زيد والضمير في: عنه قال ~~الحسن وقتادة: هو عائد على محمد أو كتابه وشرعه. و: يؤفك معناه: يصرف، ~~فالمعنى: يصرف عن كتاب الله من صرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول: ~~المأفوك منا اليوم عن كتاب الله كثيرا، ويحتمل أن يعود الضمير على القول، ~~أي: يصرف بسببه من أراد الإسلام، بأن يقال له هو سحر، هو كهانة وهذا حكاه ~~الزهراوي. # ويحتمل أن يعود الضمير في عنه على القول، أي يصرف عنه بتوفيق الله إلى ~~الإسلام من غلبت سعادته، وهذا على أن يكون قوله: إنكم لفي قول مختلف للكفار ~~فقط. # قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه حسن لا يخل به، إلا أن عرف الاستعمال في ~~«أفك» ، إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدها أبدا في ~~المصروفين المذمومين، وحكى أبو عمرو عن قتادة أنه قرأ «من أفك» بفتح الهمزة ~~والفاء. # وقوله تعالى: قتل الخراصون دعاء عليهم، كما تقول: قاتلك الله وقتلك الله، ~~وعقرى حلقى ونحوه، وقال بعض المفسرين معناه: لعن الخراصون، وهذا تفسير لا ~~تعطيه اللفظة. والخراص: المخمن القائل بظنه فتحته ms3330 الكاهن والمرتاب وغيره ~~ممن لا يقين له، والإشارة إلى مكذبي محمد على كل جهة من طروقهم. والغمرة: ~~ما يغشى الإنسان ويغطيه كغمرة الماء، والمعنى في غمرة من الجهالة. # و: ساهون معناه عن أنهم في غمرة وعن غير ذلك من وجوه النظر. # وقوله تعالى: يسئلون أيان يوم الدين معناه: يقولون متى يوم الدين؟ على ~~معنى التكذيب، وجائز أن يقترن بذلك من بعضهم هزء وأن لا يقترن. # وقرأ السلمي والأعمش: «إيان» بكسر الهمزة وفتح الياء المخففة. # وقوله تعالى: يوم هم على النار يفتنون قال الزجاج: نصبوا يوم على الظرف ~~من مقدر تقديره: هو كائن يوم هم على النار ونحو هذا، وقال الخليل وسيبويه: ~~نصبه على البناء لما أضيف إلى غير متمكن. قال بعض النحاة: وهو في موضع رفع ~~على البدل من يوم الدين. و: يفتنون معناه: # يحرقون ويعذبون في النار، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والجميع، ومنه قيل ~~للحرة: فتين، كأن الشمس أحرقت حجارتها. # ومنه قول كعب بن مالك: # معاطي تهوى إليها الحقو ... ق يحسبها من وراءها الفتينا PageV05P173 # وفتنت الذهب أحرقته، ولما كان لا يحرق إلا لمعنى الاختبار قيل لكل اختبار ~~فتنة، واستعملوا: # فتن، بمعنى اختبر، وعلى هنا موصلة إلى معنى في، وفي قوله تعالى: ذوقوا ~~فتنتكم معناه: يقال لهم ذوقوا حرقكم وعذابكم، قاله قتادة وغيره، والذوق: ~~هنا استعارة، وهذا إشارة إلى حرقهم واستعجالهم: هو قولهم: أيان يوم الدين ~~وغير ذلك من الآيات التي تقتضي استعجالهم على جهة التكذيب منهم. # ولما ذكر تعالى حالة الكفرة وما يلقون من عذاب الله، عقب ذلك بذكر ~~المتقين وما يلقون من النعيم ليبين الفرق ويتبع الناس طريق الهدى، والجنات ~~والعيون معروف. والمتقي في الآية مطلق في اتقاء الكفر والمعاصي. # وقوله تعالى: آخذين نصب على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة: «آخذون» بواو. ~~وقال ابن عباس المعنى: آخذين في دنياهم ما آتاهم ربهم من أوامره ونواهيه ~~وفرائضه وشرعه، فالحال على هذا محكية وهي متقدمة في الزمان على كذبهم في ~~جنات وعيون. وقال جماعة من المفسرين معنى قوله: # آخذين ms3331 ما آتاهم ربهم أي محصلين لنعم الله التي أعطاهم من جنته ورضوانه، ~~وهذه حال متصلة في المعنى بكونهم في الجنات. وهذا التأويل أرجح عندي ~~لاستقامة الكلام به. وقوله: قبل ذلك يريد في الدنيا محسنين بالطاعة والعمل ~~الصالح. # قوله عز وجل: ### || [سورة الذاريات (51) : الآيات 17 الى 26] # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون (18) وفي ~~أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون (21) # وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون (23) هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) # معنى قوله عز وجل: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون أن نومهم كان قليلا ~~لاشتغالهم بالصلاة والعبادة، فالمراد من كل ليلة، والهجوع: النوم. # وقال الأحنف بن قيس: لست من أهل هذه الآية، وهذا إنصاف منه. وقيل لبعض ~~التابعين مدح الله قوما كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، ونحن قليل من ~~الليل ما نقوم، فقال رحم الله عبدا رقد، إذا نعس، وأطاع ربه إذا استيقظ. ~~وفسر أنس بن مالك هذه الآية بأنهم كانوا ينتفلون بين المغرب والعشاء، وقال ~~الربيع بن خيثم، المعنى: كانوا يصيبون من الليل حظا. وقال مطرف بن عبد ~~الله، المعنى: قل ليلة أتت عليهم هجوعها كله، وقاله ابن أبي نجيح ومجاهد، ~~فالمراد عند هؤلاء بقوله: من الليل أي من الليالي. وظاهر الآية عندي أنهم ~~كانوا يقومون الأكثر من ليلهم، أي من كل ليلة وقد قال الحسن في تفسير هذه ~~الآية: كابدوا قيام الليل لا ينامون منه إلا قليلا. # وأما إعراب الآية: فقال الضحاك في كتاب الطبري ما يقتضي أن المعنى كانوا ~~قليلا في عددهم PageV05P174 # وتم خبر كان، ثم ابتدأ من الليل ما يهجعون ف ما: نافية. وقليلا وقف حسن. # وقال بعض النحاة: ما زائدة، وقليلا مفعول مقدم ب يهجعون. وقال جمهور ~~النحويين ما مصدرية وقليلا خبر «كان» ، والمعنى كانوا قليلا من الليل ~~هجوعهم. والهجوع ms3332 مرتفع ب «قليل» على أنه فاعل، وعلى هذا الإعراب يجيء قول ~~الحسن وغيره، وهو الظاهر عندي أن المراد كان هجوعهم من الليل قليلا. وفسر ~~ابن عمر والضحاك يستغفرون ب «يصلون» . وقال الحسن معناه: يدعون في طلب ~~المغفرة، و «الأسحار» مظنة الاستغفار. ويروى أن أبواب الجنة تفتح سحر كل ~~يوم. وفي قصة يعقوب عليه السلام في قوله: سوف أستغفر لكم ربي [يوسف: 98] ~~قال أخر الاستغفار لهم إلى السحر. قال ابن زيد في كتاب الطبري: السحر: ~~السدس الآخر من الليل. # وقوله تعالى: وفي أموالهم حق الصحيح أنها محكمة، وأن هذا الحق هو على وجه ~~الندب، لا على وجه الفرض، و: معلوم يراد به متعارف، وكذلك قيام الليل الذي ~~مدح به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفريضة بفعل المندوبات، وقال منذر بن ~~سعيد: هي الزكاة المفروضة وهذا ضعيف، لأن السورة مكية وفرض الزكاة ~~بالمدينة. وقال قوم من المتأولين: كان هذا ثم نسخ بالزكاة، وهذا غير قوي ~~وما شرع الله عز وجل بمكة قبل الهجرة شيئا من أخذ الأموال. # واختلف الناس في المحروم اختلافا، هو عندي تخليط من المتأخرين، إذ المعنى ~~واحد، وإنما عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها ~~المتأخرون أقوالا وحصرها مكي ثمانية. # و: المحروم هو الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه فيناله حرمان ~~وفاقة، وهو مع ذلك لا يسأل، فهذا هو الذي له حق في أموال الأغنياء كما ~~للسائل حق، قال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم؟ وقال ابن عباس: ~~المحروم: المعارف الذي ليس له في الإسلام سهم مال، فهو ذو الحرفة المحدود. ~~وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم: هذا المحروم. وقال زيد بن أسلم: هو الذي أجيحت ثمرته ~~من المحرومين، والمعنى الجامع لهذه الأقوال أنه الذي لا مال له لحرمان ~~أصابه، وإلا فالذي أجيحت ثمرته وله مال كثير غيرها فليس في هذه الآية ~~بإجماع، وبعد هذا مقدر من الكلام تقديره: فكونوا مثلهم ms3333 أيها الناس وعلى ~~طريقتهم فإن النظر المؤدي إلى ذلك متوجه، ف في الأرض آيات لمن اعتبر وأيقن. # قال القاضي أبو محمد: وهذه إشارة إلى لطائف الحكمة وعجائب الخلقة التي في ~~الأرضين والجبال والمعادن والعيون وغير ذلك. وقرأ قتادة: «آية» على ~~الإفراد. # وقوله تعالى: وفي أنفسكم إحالة على النظر في شخص الإنسان فإنه أكثر ~~المخلوقات التي لدينا عبرة لما جعل الله فيه مع كونه من تراب من لطائف ~~الحواس ومن أمر النفس وجهاتها ونطقها، واتصال هذا الجزء منها بالعقل، ومن ~~هيئة الأعضاء واستعدادها لتنفع أو تجمل أو تعين. قال ابن زيد: إنما القلب ~~مضغة في جوف ابن آدم جعل الله فيه العقل، أفيدري أحد ما ذاك العقل؟ وما ~~صفته؟ وكيف هو؟ وقال الرماني: # النفس خاصة: الشيء التي لو بطل ما سواها مما ليست مضمنة به لم تبطل، وهذا ~~تعمق لا أحمده. وقوله: # أفلا تبصرون توقيف وتوبيخ. PageV05P175 # وقوله تعالى: وفي السماء رزقكم. قال الضحاك وابن جبير: أراد المطر ~~والثلج. وقال واصل الأحدب ومجاهد: أراد القضاء والقدر، أي الرزق عند الله ~~يأتي به كيف يشاء، لا رب غيره. وقرأ ابن محيصن «وفي السماء رازقكم» . # و: توعدون يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الوعيد، والكل في ~~السماء. قال الضحاك المراد: من الجنة والنار. وقال مجاهد المراد: الخير ~~والشر. وقال ابن سيرين المراد: الساعة. # ثم أقسم تعالى بنفسه على صحة هذا القول والخبر وشبهه في اليقين به بالنطق ~~من الإنسان، وهو عنده في غاية الوضوح، ولا يمكن أن يقع فيه من اللبس ما يقع ~~في الرؤية والسمع، بل النطق أشد تخلصا من هذه واختلف القراء في قوله: مثل ~~ما، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «مثل» بالرفع، ورويت عن ~~الحسن وابن أبي إسحاق والأعمش بخلاف عنهم. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير ~~وابن عامر وأبو جعفر وأهل المدينة وجل الناس: «مثل» بالنصب، فوجه الأولى ~~الرفع على النعت، وجاز نعت النكرة بهذا الذي قد أضيف إلى المعرفة من حيث ~~كان لفظ ms3334 مثل شائعا عاما لوجوه كثيرة، فهو لا تعرفه الإضافة إلى معرفة، لأنك ~~إذا قلت: رأيت مثل زيد فلم تعرف شيئا، لأن وجوه المماثلة كثيرة، فلما بقي ~~الشياع جرى عليه حكم النكرة فنعتت به النكرة. وما زائدة تعطي تأكيدا، ~~وإضافة «مثل» هي إلى قوله: # أنكم. ووجه قراءة النصب أحد ثلاثة وجوه: إما أن يكون مثل قد بني لما أضيف ~~إلى غير متمكن وهو في موضع رفع على الصفة لحق ولحقه البناء، لأن المضاف ~~إليه قد يكسب المضاف بعض صفته كالتأنيث في قوله: شرقت صدر القناة. ونحوه، ~~وكالتعريف في غلام زيد إلى غير ذلك، ويجري «مثل» حينئذ مجرى عذاب يومئذ ~~[المعارج: 11] على قراءة من فتح الميم، ومنه قول الشاعر [النابغة الذبياني] ~~: [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصبا ومنه قول الآخر: [البسيط] لم ~~يمنع الشرب منها غير أن هتفت ف «غير» فاعلة ولكنه فتحها. والوجه الثاني وهو ~~قول المازني إن «مثل» بني لكونه مع ما شيئا واحدا، وتجيء على هذا في مضمار ~~ويحما وأينما، ومنه قول حميد بن ثور: [الطويل] # ألا هيما مما لقيت وهيما ... وويها لمن لم يدر ما هن ويحما # فلولا البناء وجب أن يكون منونا، وكذلك قول الشاعر [حسان بن ثابت] : ~~[الطويل] فأكرم بنا أما وأكرم بنا ابن ما والوجه الثالث: أن تنصب «مثل» على ~~الحال من قوله: لحق وهي حال من نكرة وفيه خلاف لكن جوز ذلك الجرمي، وأما ~~غيره فيراه حالا من الذكر المرفوع في قوله لحق لأن التقدير لحق هو، وفي هذا ~~نظر. والنطق في هذه الآية: الكلام بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني. وروي ~~أن بعض الأعراب الفصحاء سمع هذه الآية فقال: من أحوج الكريم إلى أن يحلف؟ ~~والحكاية وقعت في كتاب الثعلبي وسبل PageV05P176 # الخيرات متممة عن الأصمعي، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«قاتل الله قوما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه» ، وروى أبو سعيد الخدري ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو فر أحدكم من رزقه لتبعه كما يتبعه ~~الموت» ms3335 ، وأحاديث الرزق والأشعار فيه كثيرة. # وقوله: هل أتاك تقرير لتجتمع نفس المخاطب، وهذا كما تبدأ المرء إذا أردت ~~أن تحدثه بعجيب فتقرره هل سمع منك أم لا؟ فكأنه تقتضي منه أن يقول لا ~~ويستطعمك الحديث. و: ضيف اسم جنس يقع للجميع والواحد. وروي أن أضياف ~~إبراهيم هؤلاء: جبريل ومكائيل وإسرافيل وأتباع لهم من الملائكة. وجعلهم ~~تعالى «مكرمين» إما لأنهم عنده كذلك، وهذا قول الحسن. وإما من حيث أكرمهم ~~إبراهيم وخدمهم هو وسارة. وذبح لهم العجل. وقيل من حيث رفع مجالسهم و: ~~سلاما منصوب على المصدر كأنهم قالوا: تسلم سلاما: أو سلمت سلاما، ويتجه فيه ~~أن يعمل فيه (قالوا) على أن نجعل سلاما بمنزلة قولا. ويكون المعنى حينئذ ~~أنهم قالوا تحية وقولا معناه: سلاما، وهذا قول مجاهد. # وقوله: سلام مرتفع على خبر ابتداء. أي أمر سلام. أو واجب لكم سلام، أو ~~على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: سلام عليكم وإبراهيم عليه السلام قد ~~حيا بأحسن لأن قولهم دعاء وقوله واجب قد تحصل لهم. # وقرأ ابن وثاب والنخعي وحمزة والكسائي وطلحة وابن جبير قال: «سلم» بكسر ~~السين وسكون اللام. والمعنى نحن سلم وأنتم سلم. # وقوله: قوم منكرون معناه: لا نميزهم ولا عهد لنا بهم. وهذا أيضا على ~~تقدير: أنتم قوم منكرون وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في تلك الأرض وفي ~~ذلك الزمن و: «راغ» معناه مضى إثر حديثه مخفيا زواله مستعجلا. كأنه لم يرد ~~أن يفارقهم فمضى إلى ناحية من داره مستعجلا ورجع من حينه. وهذا تشبيه ~~بالروغان المعروف، لأن الرائغ يوهم أنه لم يزل. والعجل: هو الذي حنذه، ~~والقصة قد مضت مستوعبة في غير هذه السورة، وروي عن قتادة أن أكثر مال ~~إبراهيم كان البقر وكان مضيافا. وحسبك أنه أوقف للضيافة أوقافا تمضيها ~~الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الذاريات (51) : الآيات 27 الى 36] # فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) ~~قالوا ms3336 كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~(31) # قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) ~~مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) # المعنى فقربه إليهم فأمسكوا عنه فقال: ألا تأكلون فيروى في الحديث أنهم ~~قالوا: لا PageV05P177 # نأكل إلا ما أدينا ثمنه. فقال إبراهيم وأنا لا أبيحه لكم إلا بثمن. ~~قالوا: وما هو؟ قال: أن تسموا الله تعالى عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ ~~من الأكل. فقال بعضهم لبعض: بحق اتخذه الله خليلا. فلما استمروا على ترك ~~الأكل أوجس منهم خيفة. والوجيس تحسيس النفس وخواطرها في الحذر. وذلك أن أكل ~~الضيف أمنة ودليل على انبساط نفسه والطعام حرمة وذمام. والامتناع منه وحشة. ~~فخشي إبراهيم عليه السلام أن امتناعهم من أكل طعامه إنما هو لشر يريدونه، ~~فقالوا له: لا تخف وعرفوه أنهم ملائكة، وبشروه وبشروا سارة معه بغلام عليم. ~~أي عالم في حال تكليفه وتحصيله، أي سيكون عليما و: عليم بناء مبالغة. ~~وجمهور الناس على أن الغلام هنا إسحاق ابن سارة الذي ذكرت البشارة به في ~~غير موضع. وقال مجاهد، وهذا الغلام هو إسماعيل. والأول أرجح، وهذا وهم. ~~ويروى أنه إنما عرف كونهم ملائكة استدلالا من بشارتهم إياه بغيب. # وقوله تعالى: فأقبلت امرأته يحتمل أن يكون قربت إليهم من ناحية من نواحي ~~المنزل، ويحتمل أن يكون هذا الإقبال كما تقول: أقبل فلان يشتمني، أو يفعل ~~كذا إذا جد في ذلك وتلبس به، والصرة: # الصيحة، كذا فسره ابن عباس ومجاهد وسفيان والضحاك، والمصطر الذي يصيح ~~وقال قتادة معناه: في رقة. وقال الطبري قال بعضهم أوه بصياح وتعجب. قال ~~النحاس: وقيل: في صرة في جماعة نسوة يتبادرن نظرا إلى الملائكة. # وقوله: فصكت وجهها، معناه: ضربت وجهها، قال ابن عباس: لطمت، وهذا مما ~~يفعله الذي يرد عليه أمر يستهوله. وقال سفيان والسدي ومجاهد معناه: ضربت ~~بكفها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن. وقولها: عجوز عقيم، إما أن ms3337 ~~يكون تقديره: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ وإما أن يكون التقدير: عجوز عقيم ~~تكون منها ولادة، وقدره الطبري: أتلد عجوز عقيم. ويروى أنها كانت لم تلد ~~قط. والعقيم من النساء التي لا تلد، ومن الرياح التي لا تلقح شجرا، فهي لا ~~بركة فيها، وقولهم: # كذلك قال ربك أي كقولنا الذي أخبرناك قال ربك أن يكون. و: الحكيم ذو ~~الحكمة. # و: العليم معناه بالمصالح وغير ذلك من العلومات ثم قال إبراهيم عليه ~~السلام للملائكة: فما خطبكم والخطب: الأمر المهم، وقل ما يعبر به إلا عن ~~الشدائد والمكاره حتى قالوا: خطوب الزمان ونحو هذا، فكأنه يقول لهم: ما هذه ~~الطامة التي جئتم لها؟ فأخبروه حينئذ أنهم أرسلوا إلى سدوم قرية لوط بإهلاك ~~أهلها الكفرة العاصين المجرمين. والمجرم: فاعل الجرائم، وهي صعاب المعاصي: ~~كفر ونحوه واحدتها جريمة. وقولهم: لنرسل عليهم أي لنهلهكم بهذه الحجارة. ~~ومتى اتصلت «أرسل» ب «على» : فهي بمعنى المبالغة في المباشرة والعذاب. ومتى ~~اتصلت ب «إلى» ، فهي أخف. وانظر ذلك تجده مطردا. # وقوله تعالى: حجارة من طين بيان يخرج عن معتاد حجارة البرد التي هي من ~~ماء. ويروى أنه طين طبخ في نار جهنم حتى صار حجارة كالآجر. و: مسومة نعت ل ~~حجارة، وقيل معناه متروكة وسومها من الإهلاك والانصباب. وقيل معناه: معلمة ~~بعلامتها من السيما والسومى وهي العلامة، أي إنها ليست من حجارة الدنيا، ~~وقال الزهراوي والرماني، وقيل معناه: على كل حجر اسم المضروب به. وقال PageV05P178 # الرماني وقيل كان عليها أمثال الخواتم. وقال ابن عباس: تسويمها إن كان في ~~الحجارة السود نقط بيض وفي البيض سود. ويحتمل أن يكون المعنى: أنها بجملتها ~~معلومة عند ربك لهذا المعنى معلمة له. لا أن كل واحد منها له علامة خاصة ~~به. والمسرف: الذي يتعدى الطور، فإذا جاء مطابقا فهو لأبعد الغايات الكفر ~~فما دونه. # ثم أخبر تعالى أنه أخرج بأمره من كان في قرية لوط من المؤمنين منجيا لهم. ~~وأعاد الضمير على القرية. ولم يصرح لها قبل ذلك بذكر لشهرة أمرها. ولأن ms3338 ~~القوم المجرمين معلوم أنهم في قرية ولا بد. قال المفسرون: ولا فرق بين تقدم ~~ذكر المؤمنين وتأخره، وإنما هما وصفان ذكرهم أولا بأحدهما ثم آخر بالثاني. ~~قال الرماني: الآية دالة على أن الإيمان هو الإسلام. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر إلي أن في المعنى زيادة تحسن التقديم ~~للإيمان، وذلك أنه ذكره مع الإخراج من القرية، كأنه يقول: نفذ أمرنا بإخراج ~~كل مؤمن، ولا يشترط فيه أن يكون عاملا بالطاعات. بل التصديق بالله فقط. # ثم لما ذكر حال الموحدين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملة ~~التصديق والأعمال، والبيت من المسلمين: هو بيت لوط، وكان هو وابنتاه، وقيل ~~وبنته. وفي كتاب الثعلبي: وقيل لوط وأهل بيته ثلاثة عشر، وهلكت امرأته فيمن ~~هلك، وهذه القصة بجملتها ذكرت على جهة المثال لقريش. أي أنهم إذا كفروا ~~وأصابهم مثل ما أصاب هؤلاء المذكورين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الذاريات (51) : الآيات 37 الى 44] # وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) وفي موسى إذ أرسلناه ~~إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه ~~وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم (41) # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود إذ قيل لهم ~~تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (44) # المعنى: وتركنا في القرية المذكورة، وهي سدوم أثرا من العذاب باقيا مؤرخا ~~لا يفنى ذكره فهو: # آية أي علامة على قدرة الله وانتقامه من الكفرة. ويحتمل أن يكون. ~~والمعنى: وتركنا في أمرها كما قال: لقد كان في يوسف [يوسف: 7] وقال ابن ~~جريج: ترك فيها حجرا منضودا كثيرا جدا. # و: للذين يخافون العذاب هم العارفون بالله تعالى. # وقوله تعالى: وفي موسى يحتمل أن يكون عطفا على قوله فيها أي وتركنا في ~~موسى وقصته أثرا أيضا هو آية. ويحتمل أن يكون عطفا على قوله قيل: وفي الأرض ~~آيات [الذاريات: 20] ، وفي موسى. و: فرعون هو صاحب مصر. والسلطان في هذه ~~الآية الحجة و: (تولى) معناه: ms3339 فأعرض وأدبر عن أمر الله و: بركنه بسلطانه ~~وجنده وشدة أمره. وهو الأمر الذي يركن فرعون إليه ويسند في PageV05P179 # شدائده. قال ابن زيد: بركنه بجموعه قال قتادة: بقومه. وقول فرعون في موسى ~~ساحر أو مجنون هو تقسيم ظن أن موسى لا بد أن يكون أحد هذين. وقال أبو ~~عبيدة: أو هنا بمعنى الواو. واستشهد ببيت جرير: [الوافر] # أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا # والخشاب: بيوت في بني تميم، وقول أبي عبيدة ضعيف لا داعية إليه في هذا ~~الموضع. # و: (نبذناهم) معناه: طرحناهم و: يم # البحر. وفي مصحف ابن مسعود: «فنبذناه» ، و «المليم» : # الذي أتى من المعاصي ونحوها ما يلام عليه وقال أمية بن أبي الصلت: ~~[الوافر] ومن يخذل أخاه فقد ألاما وقوله: وفي عاد عطف على قوله: وفي موسى، ~~وعاد هي قبيلة هود النبي عليه السلام. # والعقيم التي لا بركة فيها ولا تلقح شجرا ولا تسوق مطرا. وقال سعيد بن ~~المسيب: كانت ريح الجنوب. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ~~كانت نكباء. وهذا عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه لأنه مردود بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» و: تذر معناه: تدع. ~~وقوله تعالى: من شيء أتت عليه يعني مما أذن لها في إهلاكه. و: «الرميم» ~~الفاني المتقطع يبسا أو قدما من الأشجار والورق والحبال والعظام، ومنه قوله ~~تعالى من يحي العظام وهي رميم [يس: 78] أي في قوام الرمال وروي أن تلك ~~الريح كانت تهب على الناس فيهم العادي وغيره، فتنتزع العادي من بين الناس ~~وتذهب به. # وقوله تعالى: وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين يحتمل أن يريد إذ قيل ~~لهم في أول بعث صالح آمنوا وأطيعوا فتمتعوا متاعا حسنا إلى آجالكم، وهو ~~الحين على هذا التأويل وهو قول الحسن حكاه عن الرماني، ويجيء قوله تعالى: ~~فعتوا مرتبا لفظا في الآية ومعنى في الوجود متأخرا عن القول لهم تمتعوا، ~~ويحتمل أن يريد: إذ قيل لهم بعد ms3340 عقر الناقة: تمتعوا في داركم ثلاثة، وهي ~~الحين على هذا التأويل وهو قول الفراء، ويجيء قوله: فعتوا غير مرتب المعنى ~~في وجوده، لأن عتوهم كان قبل أن يقال لهم تمتعوا وكأن المعنى فكان من أمرهم ~~قبل هذه المقالة أن عتوا وهو السبب في أن قيل لهم ذلك وعذبوا. # وقرأ جمهور القراء: «الصاعقة» وقرأ الكسائي وهي قراءة عمر وعثمان ~~«الصعقة» ، وهي على القراءتين الصيحة العظيمة، ومنه يقال للوقعة الشديدة من ~~الرعد: صاعقة. وهي التي تكون معها النار التي يروى في الحديث أنها من ~~المخراق الذي بيد ملك يسوق السحاب. # وقوله: وهم ينظرون يحتمل أن يريد فجأة وهم يبصرون بعيونهم حالهم، وهذا ~~قول الطبري ويحتمل أن يريد: وهم ينظرون ذلك في تلك الأيام الثلاثة التي ~~أعلموا به فيها ورأوا علاماته في تلونه، وهذا قول مجاهد حسبما تقدم تفسيره، ~~وانتظارهم العذاب هو أشد من العذاب. PageV05P180 # قوله عز وجل: ### || [سورة الذاريات (51) : الآيات 45 الى 52] # فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا ~~قوما فاسقين (46) والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها ~~فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ~~إني لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون (52) # قال بعض المفسرين: من قيام معناه: ما استطاعوا أن يقوموا من مصارعهم. ~~وقال قتادة وغيره معناه: ما قيام بالأمر ودفعه كما تقول: ما ان له بكذا ~~وكذا قيام، أي استضلاع وانتهاض. # وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: «وقوم نوح» بالنصب، وهو عطف إما ~~على الضمير في قوله: # فأخذتهم 44 [الذاريات: 44] إذ هو بمنزلة أهلكناهم، وإما على الضمير في ~~قوله: نبذناهم # [الذاريات: 40] ، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث: «وقوم نوح» ~~بالرفع وذلك على الابتداء وإضمار الخبر وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ~~«وقوم» بالخفض عطفا على ما تقدم من قوله: وفي ثمود [الذاريات: 43] وقد روي ms3341 ~~النصب عن أبي عمرو. # وقوله: والسماء نصب بإضمار فعل تقديره: وبنينا السماء بنيناها. والأيد: ~~القوة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، ووقعت في المصحف بياءين وذلك على تخفيف ~~الهمز، وفي هذا نظر. # وقوله: لموسعون يحتمل أن يريد: إنا نوسع الأشياء قوة وقدرة كما قال ~~تعالى: على الموسع قدره [البقرة: 236] أي الذي يوسع أهله إنفاقا، ويحتمل أن ~~يريد: لموسعون في بناء السماء، أي جعلناها واسعة وهذا تأويل ابن زيد وقال ~~الحسن: أوسع الرزق بمطر السماء و «الماهد» المهيئ الموطئ للموضع الذي يتمهد ~~ويفترش. # وقوله تعالى: ومن كل شيء خلقنا زوجين أي مصطحبين ومتلازمين، فقال مجاهد ~~معناه أن هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار ~~والشقوة والسعادة والهدى والضلالة والأرض والسماء والسواد والبياض والصحة ~~والمرض والكفر والإيمان ونحو هذا، ورجحه الطبري بأنه دل على القدرة التي ~~توجد الضدين، بخلاف ما يفعل بطبعه فعلا واحدا كالتسخين والتبريد. وقال ابن ~~زيد وغيره: # هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان والترجي الذي في قوله: لعلكم هو ~~بحسب خلق البشر وعرفها. وقرأ الجمهور «تذكرون» بشد الذال والإدغام. وقرأ ~~أبي بن كعب: «تتذكرون» بتاءين وخفة الذال. # وقوله: ففروا أمر بالدخول في الإيمان وطاعة الله، وجعل الأمر بذلك بلفظ ~~الفرار لينبه على أن وراء الناس عقابا وعذابا وأمرا حقه أن يفر منه، فجمعت ~~لفظة «فروا» بين التحذير والاستدعاء، وينظر إلى هذا المعنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» الحديث، قال الحسن بن ~~الفضل: من فر إلى غير الله. PageV05P181 # وقوله: ولا تجعلوا مع الله الآية نهي عن عبادة الأصنام والشياطين وكل ~~مدعو من دون الله وفائدة تكرار قوله: إني لكم منه نذير مبين الإبلاغ وهز ~~النفس وتحكيم التحذير وإعادة الألفاظ بعينها في هذه المعاني بليغة بقرينة ~~شدة الصوت. # وقوله تعالى: كذلك تقديره: سيرة الأمم كذلك، أو الأمر في القديم كذلك. ~~وقوله: إلا قالوا ساحر أو مجنون معناه: إلا قال بعض: هذا وبعض: الجميع ألا ~~ترى أن قوم نوح لم يقولوا ms3342 قط: ساحر وإنما قالوا: به جنة [سبأ: 8] فلما ~~اختلف الفرق جعل الخبر عن ذلك بإدخال أو بين الصفتين، وليس المعنى أن كل ~~أمة قالت عن نبيها إنه ساحر أو هو مجنون، فليست هذه كالمتقدمة في فرعون، بل ~~هذه كأنه قال: إلا قالوا هو ساحر وهو مجنون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الذاريات (51) : الآيات 53 الى 60] # أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد ~~منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) # قوله تعالى: أتواصوا به توقيف وتعجيب من توارد نفوس الكفرة في تكذيب ~~الأنبياء على تفرق أزمانهم أي أنهم لم يتواصوا، لكنهم فعلوا فعل من يتواصى. # والعلة في ذلك أن جميعهم طاغ، والطاغي: المستعلي في الأرض المفسد العاتي ~~على الله. # وقوله تعالى: فتول عنهم أي عن الحرص المفرط عليهم، وذهاب النفس حسرات، ~~ويحتمل أن يراد: فقول عن التعب المفرط في دعائهم وضمهم إلى الإسلام فلست ~~بمصيطر عليهم ولست بملوم إذ قد بلغت، فنح نفسك عن الحزن عليهم، وذكر فقط، ~~فإن الذكرى نافعة للمؤمنين ولمن قضي له أن يكون منهم في ثاني حال، وعلى هذا ~~التأويل: فلا نسخ في الآية. إلا في معنى الموادعة التي فيها، إن آية السيف ~~نسخت جميع الموادعات. # وروى قتادة وذكره الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما نزلت ~~فتول عنهم فما أنت بملوم حزن المسلمون وظنوا أنه مر بالتوالي عن الجميع وأن ~~الوحي قد انقطع حتى نزلت: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين فسروا بذلك. # وقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون اختلف الناس في معناه مع ~~إجماع أهل السنة على أن الله تعالى لم يرد أن تقع العبادة من الجميع، لأنه ~~لو أراد ذلك لم يصح وقوع الأمر بخلاف إرادته، فقال ابن عباس وعلي ms3343 بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا لأمرهم بعبادتي، ~~وليقروا لي بالعبودية فعبر عن ذلك بقوله: ليعبدون إذ العبادة هي مضمن ~~الأمر، وقال زيد بن PageV05P182 # أسلم وسفيان: المعنى خاص، والمراد: وما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلا ~~لعبادتي، ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قرأ: «وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدوني» ، وقال ابن عباس ~~أيضا معنى: ليعبدون أي ليتذللوا لي ولقدرتي، وإن لم يكن ذلك على قوانين ~~الشرع. # قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فجميع الجن والإنس عابد متذلل ~~والكفار كذلك، ألا تراهم عند القحط والأمراض وغير ذلك. وتحتمل الآية، أن ~~يكون المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا معدين ليعبدون، وكأن الآية تعديد ~~نعمة، أي خلقت لهم حواس وعقولا وأجساما منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول: ~~البقر مخلوقة للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلا، ~~فالمعنى أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب صرف نفسه ~~عن ذلك، ويؤيد هذا المنزع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له» . وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» والحديث، وقوله: من رزق ~~أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم. # وقوله: أن يطعمون إما أن يكون المعنى أن يطعموا خلقي فأضيف ذلك إلى ~~الضمير على جهة التجوز، وهذا قول ابن عباد. وإما أن يكون الإطعام هنا بمعنى ~~النفع على العموم، كما تقول: أعطيت فلانا كذا وكذا طعمة، وأنت قد أعطيته ~~عرضا أو بلدا يحييه، ونحو هذا فكأنه قال: ولا أريد أن ينفعوني، فذكر جزءا ~~من المنافع وجعله دالا على الجميع. # وقرأ الجميع: «إن الله هو الرزاق» . وروى أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله ~~بن يزيد، قال أبو عمرو الداني عن ابن مسعود قال: أقراني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «إني أنا الرزاق» وقرأ الجمهور: «إن الله هو الرزاق» وقرأ ابن ~~محيصن «هو الرزاق» وقرأ جمهور القراء: «المتين» ms3344 بالرفع إما على أنه خبر بعد ~~خبر، أو صفة ل الرزاق. وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش «المتين» بالخفض على ~~النعت ل القوة، وجاز ذلك من حيث تأنيث القوة غير حقيقي. فكأنه قال: ذو ~~الأيد، أو ذو الحبل ونحوه فمن جاءه موعظة [البقرة: 275] وجوز أبو الفتح أن ~~يكون خفض «المتين» على الجواز و: المتين: الشديد. # وقوله تعالى: فإن للذين ظلموا يريد أهل مكة، وهذه آية وعيد صراح، وقرأ ~~الأعمش «فإن للذين كفروا» . والذنوب: الحظ والنصيب، وأصله من الدلو، وذلك ~~أن الذنوب هو ملء الدلو من الماء، وقيل الذنوب: الدلو العظيمة، ومنه قول ~~الشاعر: [الرجز] # إنا إذا نازلنا غريب ... له ذنوب ولنا ذنوب # فإن أبيتم فلنا القليب وهو السجل، ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل] # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب # فيروى أن الملك لما سمع هذا البيت قال نعم وأذنبة، ومنه قول حسان: ~~[الطويل] PageV05P183 # لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب # وأصحابهم يريد به من تقدم من الأمم المعذبة. وقوله: فلا يستعجلون تحقيق ~~للأمر، بمعنى هو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم، فلا يستعجلوه، وقرأ ~~يحيى بن وثاب: «فلا تستعجلون» بالتاء من فوق. # ثم أوجب تعالى لهم الويل من يومهم الذي يأتي فيه عذابهم. والويل: الشقاء ~~والهم، وروي أن في جهنم واديا يسمى: ويلا. والطبري يذهب أبدا إلى أن التوعد ~~إنما هو به، وذلك في هذا الموضع قلق، لأن هذا الويل إنما هو من يومهم الذي ~~هو في الدنيا، و: من لابتداء الغاية. وقال جمهور المفسرين: # هذا التوعد هو بيوم القيامة. وقال آخرون ذكره الثعلبي هو يوم بدر. وفي: ~~يوعدون ضمير عائد، التقدير: يوعدون به، أو يوعدونه. # نجز تفسير سورة «الذاريات» والحمد لله رب العالمين كثيرا، وصلى الله على ~~سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعن ~~جميع تابعيه. PageV05P184 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطور # وهي مكية بإجماع من المفسرين والرواة. # قوله تعالى: ### || سورة الطور (52) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله ms3345 الرحمن الرحيم # والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) # والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من ~~دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) # وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون ~~(12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) # هذه مخلوقات أقسم الله بها تنبيها منها وتشريفا، وليكون ذلك سبب النظر ~~فيها والاعتبار بها، وذلك يؤول إلى التوحيد والمعرفة بحقوق الله. # والطور قال بعض أهل اللغة: كل جبل: طور، فكأنه أقسم بالجبال، إذ هو اسم ~~جنس وقال آخرون: «الطور» كل جبل أجرد لا ينبت شجرا. وقال مجاهد في كتاب ~~الطبري: «الطور» الجبل بالسريانية، وهذا ضعيف، لأن ما حكاه في العربية يقضي ~~على هذا، ولا خلاف أن في الشام جبلا يسمى ب «الطور» ، وهو طور سيناء. وقال ~~نوف البكالي: إنه الذي أقسم الله به لفضله على الجبال. إذ قد روي أن الله ~~تعالى أوحى إلى الجبال إني مهبط على أحدكم أمري. يريد رسالة موسى عليه ~~السلام، فتطاولت كلها إلا الطور فإنه استكان لأمر الله وقال حسبي الله، ~~فأهبط الله الأمر عليه. ويقال إنه بمدين. وقال مقاتل بن حيان هما طوران. ~~والكتاب المسطور: معناه بإجماع: المكتوب أسطارا. # واختلف الناس في هذا المكتوب المقسم به، فقال بعض المفسرين: هو الكتاب ~~المنتسخ من اللوح المحفوظ للملائكة لتعرف منه ما تفعله وتصرفه في العالم. # وقال آخرون: بل أقسم الله تعالى بالقرآن، فإنه قد كان علم أنه يتخلد في ~~رق منشور. # وقال آخرون: أقسم بالكتب القديمة المنزلة: الإنجيل والتوراة والزبور. ~~وقال الفراء فيما حكى الرماني: أقسم بالصحف التي تعطى وتؤخذ يوم القيامة ~~بالأيمان والشمائل. وقال قوم: أقسم بالكتاب الذي فيه أعمال الخلق، وهو الذي ~~لا بغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. PageV05P185 # وكتب بعض الناس، «مصطورا» بالصاد. والقصد بذلك تشابه النطق بالحروف، ~~والجمهور على السين. والرق: الورق المعدة للكتب وهي مرققة فلذلك سميت رقا، ~~وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان. والمنشور: خلاف ~~المطوي، ms3346 وقد يحتمل أن يكون نشره بمعنى بشره وترقيقه وصنعته. وقرأ أبو ~~السمال: «في رق» بكسر الراء. # واختلف الناس في البيت المعمور فقال الحسن بن أبي الحسن البصري: هي ~~الكعبة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس وعكرمة: هو بيت في ~~السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة، ويقال الضريح، ذكر ذلك الطبري ~~وهو الذي ذكر في حديث الإسراء. قال جبريل عليه السلام: # هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما ~~عليهم وبهذا عمارته. ويروى أنه في السماء السابعة. وقيل في السادسة وقيل ~~إنه مقابل الكعبة لو خر لسقط عليها. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: في كل ~~سماء بيت معمور، وفي كل أرض كذلك. وهي كلها على خط مع الكعبة. وقال علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: والسقف المرفوع: السماء والسقف طول في انحناء، ومنه ~~أسقف النصارى، ومنه السقف، لأن الجدار وسقفه فيهما طول في انحناء. # واختلف الناس في معنى: المسجور فقال مجاهد وشمر بن عطية معناه: الموقد ~~نارا. وروي أن البحر هو جهنم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليهودي: ~~أين جهنم؟ فقال هي البحر، فقال علي: # ما أظنه إلا صادقا، وقرأ: والبحر المسجور، ومنه ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم «أن البحر طبق جهنم» . قال الثعلبي: وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا يركبن البحر إلا حاج أو معتمر أو مجاهد فإن تحت البحر نارا» ~~. # وفي حديث آخر: «فإن البحر نار في نار» . وقال قتادة: المسجور المملوء. ~~وهذا معروف في اللغة. ورجحه الطبري بوجود نار البحر كذلك، وإلى هذا يعود ~~القول الأول لأن قولهم: سجرت التنور معناه: ملأتها بما يحترق ويتقد و: ~~البحر المسجور المملوء ماء، وهكذا هو معرض للعبرة، ومن هذا قول النمر بن ~~تولب: [المتقارب] # إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والسماسما # سقتها رواعد من صي ... ف وإن من خريف فلن يعدما # يصف ثورا أو عينا مملوءة ماء، وقال ابن ms3347 عباس: هو الذي ذهب ماؤه ف ~~المسجور: الفارغ، ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة وقيل يوقد البحر ~~نارا يوم القيامة فذلك هو سجره. وقال ابن عباس أيضا: المسجور: المحبوس، ~~ومنه ساجور الكلب: وهو القلادة من عود أو حديد التي تمسكه، وكذلك لولا أن ~~البحر يمسك لفاض على الأرض. وقال علي بن أبي طالب أيضا وعبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما: البحر المقسم به هو في السماء تحت العرش، والجمهور على أنه ~~بحر الدنيا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وإذا البحار سجرت [التكوير: 6] . PageV05P186 # وقال منذر بن سعيد: إن المعنى هو القسم بجهنم وسماها بحرا لسعتها وتموجها ~~كما قال صلى الله عليه وسلم في الفرس: «وإن وجدناه لبحر» والقسم واقع على ~~قوله: إن عذاب ربك لواقع ويريد عذاب الآخرة للكفار. قال قتادة: والعامل في: ~~يوم «واقع» ويجوز أن يكون العامل فيه دافع، والأول أبين. وقال مكي: لا يعمل ~~فيه دافع. و: تمور معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعة متفتتة، والغبار ~~الموار: الذي يجتمع ويذهب ويجيء بالريح، ثم هو كله إلى الذهاب، ومنه قول ~~الأعرابي: # وغادرت التراب مورا يصف سنة قحط. وأنشد معمر بن المثنى بيت الأعشى: ~~[البسيط] مور السحابة لا ريث ولا عجل أراد مضيها، وقال الضحاك: تمور تموج. ~~وقال مجاهد: تدور. وقال ابن عباس: تشقق، وهذه كلها تفاسير بالمعنى، لأن ~~السماء العلو يعتريها هذا كله، وسير الجبال هو في أول الأمر، ثم تتفتت ~~أثناء السير حتى تصير آخرا كالعهن المنفوش والفاء في قوله: فويل عاطفة جملة ~~على جملة وهي تتضمن ربط المعنى وتأكيده وإثبات الويل للمكذبين. والويل: ~~السوء والمشقة والهم الأطول، ويروى أن في جهنم واديا يسمى: ويلا والخوض ~~التخبط في الأباطيل، يشبه بخوض الماء، ومنه قوله تعالى: وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا [الأنعام: 68] و: يوم الثاني بدل من: يومئذ و: يدعون قال ~~ابن عباس معناه: يدفعون في أعناقهم بشدة وإهانة وتعتعة، ومنه قوله تعالى: ~~يدع اليتيم [الماعون: 2] وفي الكلام محذوف مختصر تقديره: يقال لهم هذه ~~النار، وإخبارهم بهذا على ms3348 جهة التوبيخ والتقريع وقرأ أبو رجاء العطاردي: ~~«يوم يدعون إلى نار جهنم» من الدعاء بسكون الدال وفتح العين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الطور (52) : الآيات 15 الى 20] # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء ~~عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) إن المتقين في جنات ونعيم (17) ~~فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا ~~بما كنتم تعملون (19) # متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) # لما قيل لهم هذه النار، وقفوا بعد ذلك على الجهتين التي يمكن منها دخول ~~الشك في أنها النار وهي إما أن يكون ثم سحر يلبس ذات المرء، وإما أن يكون ~~في بصر الناظر اختلال، وأمرهم بصليها على جهة التقريع، ثم قيل لهم على جهة ~~قطع رجائهم: اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم أي عذابكم حتم، فسواء جزعكم ~~وصبركم لا بد من جزاء أعمالكم. وقوله تعالى: إن المتقين في جنات الآية ~~يحتمل أن يكون خطاب أهل النار، فيكون إخبارهم بذلك زيادة في غمهم وسوء ~~حالهم، ويحتمل وهو الأظهر أن يكون إخبارا لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ومعاصريه لما فرغ من ذكر عذاب الكفار عقب ذلك بنعيم PageV05P187 # المتقين ليبين الفرق ويقع التحريض على الإيمان. والمتقون هنا: متقو ~~الشرك. لأنهم لا بد من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في التقوى قوي ~~الحصول في حكم الآية، حتى أن المتقين على الإطلاق هم في حكم الآية قطعا على ~~الله بحكم خبره الصادق. # وقرأ الجمهور: «فاكهين» ومعناه: فرحين مسرورين. وقال أبو عبيدة: هو من ~~باب لابن وتامر أي لهم فاكهة. # قال القاضي أبو محمد: والمعنى الأول أبرع. # وقرأ خالد فيما حكى أبو حاتم «فاكهين» والفكه والفاكه: المسرور المتنعم. # وقوله: بما آتاهم ربهم: أي من إنعامه ورضاه عنهم وقوله: ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم هذا متمكن ومتقي المعاصي الذي لا يدخل النار ويكون متقي الشرك الذي ~~ينفذ عليه الوعيد بمعنى: # ووقاهم ربهم عذاب الخلود في الجحيم. ويحتمل أن يكون الجحيم من طبقات جهنم ~~ليست بمأوى للعصاة ms3349 المؤمنين، بل هي مختصة بالكفرة فهم وإن عذبوا في نار ~~فليسوا في عذاب الجحيم. # وقرأ جمهور الناس: «ووقاهم» بتخفيف القاف. وقرأ أبو حيوة: «ووقاهم» ~~بتشديدها على المبالغة، وذلك كله مشتق من الوقاية، وهي الحائل بين الشيء ~~وما يضره والمعنى: يقال لهم كلوا واشربوا. # وقوله: بما كنتم تعملون معناه: أن رتب الجنة ونعيمها هو بحسب الأعمال ~~وأما نفس دخولها فهو برحمة الله وتغمده، والأكل والشرب والتهني ليس من ~~الدخول في شيء، وأعمال العباد الصالحة لا توجب على الله التنعيم إيجابا، ~~لكنه قد جعلها أمارة على من سبق تنعيمه، وعلق الثواب والعقاب بالتكسب الذي ~~في الأعمال. وقوله تعالى: متكئين نصب على الحال على حد قوله: فاكهين ~~والعامل في هاتين الحالتين الفعل المقدر في قوله: في جنات ويجوز غير هذا، ~~وفي ذلك نظر، وقرأ أبو السمال: «على سرر» بفتح الراء الأولى. و: زوجناهم ~~معناه: جعلنا لكل فرد منهم زوجا، والحور: جمع حوراء، وهي البيضاء القوية ~~بياض بياض العين وسواد سوادها، و «العين» جمع عيناء وهي الكبيرة العينين مع ~~جمالهما. # وفي قراءة ابن مسعود وإبراهيم النخعي: «وزوجناهم بعيس عين» ، قال أبو ~~الفتح: العيساء البيضاء. وقرأ عكرمة: «وزوجناهم حورا عينا» . وحكى أبو عمرو ~~عن عكرمة أنه قرأ «بعيس عين» على إضافة «عيس» إلى «عين» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الطور (52) : الآيات 21 الى 28] # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ~~(22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم ~~كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) # قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا عذاب ~~السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) PageV05P188 # وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة ~~والحسن وقتادة وأهل مكة: «واتبعتهم ذريتهم» «بهم ذريتهم» . وقرأ نافع وأبو ~~جعفر وابن مسعود بخلاف عنه وشيبة والجحدري وعيسى، «وأتبعناهم ذريتهم» «بهم ~~ذرياتهم» . وروى ms3350 خارجة عنه مثل قراءة حمزة. وقرأ ابن عامر وابن عباس وعكرمة ~~وابن جبير والضحاك: «واتبعتهم ذريتهم» «بهم ذريتهم» . وقرأ أبو عمرو ~~والأعرج وأبو رجاء والشعبي وابن جبير والضحاك: «وأتبعناهم ذريتهم» «بهم ~~ذريتهم» . فكون الذرية جمعا في نفسه حسن الإفراد في هذه القراءات، وكون ~~المعنى يقتضي انتشار أو كثرة حسن جمع الذرية في قراءة «ذرياتهم» . # واختلف الناس في معنى الآية، قال ابن عباس وابن جبير والجمهور: أخبر الله ~~تعالى أن المؤمنين تتبعهم ذريتهم في الإيمان. فيكونون مؤمنين كآبائهم. وإن ~~لم يكونوا في التقوى والأعمال كالآباء، فإنه يلحق الأبناء بمراتب أولئك ~~الآباء كرامة للآباء. # وقد ورد في هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا الحديث ~~تفسير الآية وكذلك وردت أحاديث تقتضي «أن الله تعالى يرحم الآباء رعيا ~~للأبناء الصالحين» . وذهب بعض الناس إلى إخراج هذا المعنى من هذه الآية، ~~وذلك لا يترتب إلا بأن يجعل اسم الذرية بمثابة نوعهم على نحو قوله تعالى ~~أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون [يس: 41] وفي هذا نظر. وقال ابن عباس ~~أيضا والضحاك معنى هذه الآية: أن الله تعالى يحلق الأبناء الصغار بأحكام ~~الآباء المؤمنين. يعني في الوراثة والدفن في قبور الإسلام وفي أحكام الآخرة ~~في الجنة. وحكى أبو حاتم عن الحسن أنه قال: الآية في الكبار من الذرية وليس ~~فيها من الصغار شيء. وقال منذر بن سعيد هي في الصغار لا في الكبار. وحكى ~~الطبري قولا معناه أن الضمير في قوله: بهم عائد على ذرية، والضمير الذي ~~بعده في: ذريتهم عائد على الذين أي اتبعتهم الكبار وألحقنا نحن الكبار ~~الصغار. وهذا قول مستكره. # وقوله: بإيمان هو في موضع الحال. فمن رأى أن الآية في الأبناء الصغار. ~~فالحال من الضمير في قوله: اتبعتهم فهو من المفعولين، ومن رأى أن الآية في ~~الأبناء الكبار فيحتمل أن تكون الحال من المفعولين، ويحتمل أن تكون من ~~المتبعين الفاعلين، وأرجح الأقوال في هذه الآية القول الأول. لأن الآيات ~~كلها في صفة إحسان الله تعالى إلى أهل الجنة فذكر من ms3351 جملة إحسانه أنه يرعى ~~المحسن في المسيء. ولفظة ألحقنا تقتضي أن للملحق بعض التقصير في الأعمال. # وقرأ جمهور القراء: «ألتناهم» بفتح الألف من ألت. وقرأ ابن كثير وأبو ~~يحيى وشبل: «ألتناهم» من ألت بكسر اللام. وقرأ الأعرج: «ألتناهم» على وزن ~~أفعلناهم. وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود: «لتناهم» من لات، وهي قراءة ابن ~~مصرف. ورواها القواس عن ابن كثير، وتحتمل قراءة من قرأ: «ألتناهم» بالفتح ~~أن تكون من ألات، فإنه قال: ألات يليت إلاتة. ولات يليت ليتا. وآلت يولت ~~إيلاتا، وألت يألت. وولت يلت ولتا. وكلها بمعنى نقص ومعنى هذه الآية: أن ~~الله يلحق المقصر بالمحسن، ولا ينقص المحسن من أجره شيئا وهذا تأويل ابن ~~عباس وابن جبير والجمهور، ويحتمل قوله تعالى: وما ألتناهم من عملهم من PageV05P189 # شيء بأن يريد من عملهم المحسن والقبيح، ويكون الضمير في عملهم عائد على ~~الأبناء، وهذا تأويل ابن زيد، ويحسن هذا الاحتمال قوله تعالى: كل امرئ بما ~~كسب رهين، والرهين المرتهن، وفي هذه الألفاظ وعيد. # وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه قرأ: «وما لتناهم» بغير ألف وفتح اللام. قال ~~أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة على وجه من الوجوه. وأمددت الشيء: إذا سربت ~~إليه شيئا آخر يكثره أو يكثر لديه. وقوله: # مما يشتهون إشارة إلى ما روي من أن المنعم إذا اشتهى لحما نزل ذلك ~~الحيوان بين يديه على الهيئة التي اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم ~~يخزن ولا يتكلف فيه الذبح والسلخ والطبخ. وبالجملة: لا كلفة في الجنة، و: ~~يتنازعون معناه: يتعاطون، ومنه قول الأخطل: [البسيط] # نازعته طيب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # والكأس: الإناء وفيه الشراب. ولا يقال في فارغ كأس، قاله الزجاج. # وقرأ جمهور من السبعة وغيرهم «لا لغو» بالرفع «ولا تأثيم» كذلك. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو والحسن: «لا لغو ولا تأثيم» بالنصب على التبرية وعلى ~~الوجهين. فقوله فيها هو في موضع الخبر، وأغنى خبر الأولين عن ذكر خبر ~~الثاني. واللغو: السقط من القول. والتأثيم: يلحق ms3352 خمر الدنيا في نفس شربها ~~وفي الأفعال التي تكون من شرابها، وذلك كله مرتفع في الآخرة. و: «اللؤلؤ ~~المكنون» أجمل اللؤلؤ لأن الصون والكن يحسنه. وقال ابن جبير: أراد أنه الذي ~~في الصدف لم تنله الأيدي، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان الغلمان ~~كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدومون؟ قال: «هم كالقمر ليلة البدر» . ثم وصف ~~عنهم أنهم في جملة تنعمهم يتساءلون عن أحوالهم وما قال كل أحد منهم، وأنهم ~~يتذكرون حال الدنيا وخشيتهم فيها عذاب الآخرة. وحكى الطبري عن ابن عباس ~~قال: تساؤلهم إذا بعثوا في النفخة الثانية. والإشفاق أشد الخشية ورقة ~~القلب. # وقرأ أبو حيوة: «ووقانا» بشد القاف. وقراءة الجمهور بتخفيفها. وأمال عيسى ~~الثقفي: «ووقانا» بتخفيف القاف. # و: السموم الحار. قال الرماني: هو الذي يبلغ مسام الإنسان، وهو النار في ~~هذه الآية. وقد يقال في حر الشمس وفي الريح سموم. وقال الحسن: السموم اسم ~~من أسماء جهنم و: ندعوه يحتمل أن يريد نعبده، ويحسن هذا على قراءة من قرأ: ~~«أنه» بفتح الألف. وهي قراءة نافع. بخلاف والكسائي وأبي جعفر والحسن وأبي ~~نوفل أي من أجل أنه. وقرأ باقي السبعة والأعرج وجماعة «أنه» على القطع ~~والاستئناف، ويحسن مع هذه القراءة أن يكون ندعوه بمعنى نعبده. أو بمعنى ~~الدعاء نفسه، ومن رأى: # ندعوه بمعنى الدعاء نفسه فيحتمل أن يجعل قوله: «أنه» بالفتح هو نفس ~~الدعاء الذي كان في الدنيا. # و: البر هو الذي يبر ويحسن، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] # جاءت من البيض زعر لا لباس لها ... إلا الدهاس وأم برة وأب PageV05P190 # قوله عز وجل: ### || [سورة الطور (52) : الآيات 29 الى 36] # فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم ~~بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) # فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) # هذا أمر لرسول ms3353 الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء إلى الله ومتابعة نشر ~~الرسالة، ثم قال مؤنسا له: # فما أنت بإنعام الله عليك أو لطفه بك بكاهن ولا مجنون. وكانت العرب قد ~~عهدت ملابسة الجن والإنس بهذين الوجهين، فنسبت محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى ذلك فنفى الله تعالى عنه ذلك. # وقوله تعالى: أم يقولون شاعر الآية، روي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة ~~فكثرت آراؤهم في محمد صلى الله عليه وسلم حتى قال قائل منهم: تربصوا به ريب ~~المنون فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى وغيرهم، فافترقوا ~~على هذه المقالة فنزلت الآية في ذلك، والتربص: الانتظار ومنه قول الشاعر: ~~[الطويل] # تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يوما أو يموت حليلها # وأنشد الطبري: [الطويل] لعلها سيهلك عنها زوجها أو ستجنح وقوله تعالى: قل ~~تربصوا وعيد في صيغة أمر، و: المنون من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس، ومن ~~أسماء الدهر أيضا، وبه فسر مجاهد وقال الأصمعي: المنون واحد لا جمع له وقال ~~الأخفش: هو جمع لا واحد له. # قال القاضي أبو محمد: والريب هنا: الحوادث والمصائب، لأنها تريب من نزلت ~~به ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ابنته فاطمة حين ذكر أن عليا ~~يتزوج بنت أبي جهل: «إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها» . يقال أراب ~~وراب، ومنه: [الطويل] فقد رابني منها الغداة سفورها وقول الآخر: [المتقارب] ~~وقد رابني قولها يا هناه وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتوعدهم ~~بقوله: قل تربصوا فإني معكم من المتربصين وقوله تعالى: بهذا يحتمل أن يشير ~~إلى هذه المقالة: هو شاعر، ويحتمل أن يشير إلى ما هم عليه من PageV05P191 # الكفر وعبادة الأصنام. والأحلام: العقول. و: أم المتكررة في هذه الآية ~~قدرها بعض النحاة بألف الاستفهام، وقدرها مجاهد ب «بل» . والنظر المحرر في ~~ذلك أن منها ما يتقدر ببل، والهمزة على حد قول سيبويه في قولهم: إنها لا بل ~~أم شاء، ومنها ما هي معادلة، وذلك قوله: أم هم قوم طاغون. ms3354 # وقرأ مجاهد: «بل هم قوم طاغون» وهو معنى قراءة الناس، إلا أن العبارة ب ~~أم خرجت مخرج التوقيف والتوبيخ. وحكى الثعلبي عن الخليل أنه قال: ما في ~~سورة «الطور» من أم كله استفهام وليست بعطف. و: تقوله معناه: قال عن الغير ~~إنه قاله. فهي عبارة عن كذب مخصوص. ثم عجزهم تعالى بقوله: فليأتوا بحديث ~~مثله والمماثلة المطلوبة منهم هي في النظم والرصف والإيجاز. # واختلف الناس هل كانت العرب قادرة على الإتيان بمثل القرآن قبل مجيء محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فقال شداد: يسمون أهل الصرفة كانت قادرة وصرفت، وقال ~~الجمهور: لم تكن قط قادرة ولا في قدرة البشر أن يأتي بمثله. لأن البشر لا ~~يفارقه النسيان والسهو والجهل والله تعالى محيط علمه بكل شيء. # فإذا ترتبت اللفظة في القرآن، علم بالإحاطة التي يصلح أن تليها ويحسن ~~معها المعنى. وذلك متعذر في البشر، والهاء في مثله عائدة على القرآن. # وقرأ الجحدري «بحديث مثله» بإضافة الحديث إلى مثل. فالهاء على هذا عائدة ~~على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: أم خلقوا من غير شيء قال الطبري معناه: أم خلقوا خلق الجماد ~~من غير حي فهم لا يؤمرون ولا ينهون كما هي الجمادات عليه. وقال آخرون ~~معناه: خلقوا لغير علة ولا لغير عقاب ولا ثواب. فهم لذلك لا يسمعون ولا ~~يتشرعون. وهذا كما تقول: فعلت كذا وكذا من غير علة، أي لغير علة. # ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنفسهم: أهم الذين خلقوا الأشياء؟ فهم لذلك ~~يتكبرون، ثم خصص من الأشياء السماوات والأرض لعظمها وشرفها في المخلوقات، ~~ثم حكم عليهم بأنهم لا يوقنون ولا ينظرون نظرا يؤديهم إلى اليقين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الطور (52) : الآيات 37 الى 44] # أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسئلهم أجرا ~~فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) # أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير ms3355 الله سبحان ~~الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ~~(44) # قوله تعالى: أم عندهم خزائن ربك بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء عن الله ~~في جميع الأمور، لأن المال والصحة والقوة غير ذلك من الأشياء كلها من خزائن ~~الله كلها. قال الزهراوي وقيل يريد ب «الخزائن» : العلم، وهذا قول حسن إذا ~~تأمل وبسط. وقال الرماني: خزائنه تعالى: مقدوراته، PageV05P192 # و: «المصيطر» المسلط القاهر، وبذلك فسر ابن عباس وأصله السين، ولكن كتبه ~~بعض الناس. وقرأه بالصاد مراعاة للطاء ليتناسب النطق. وحكى أبو عبيدة: ~~تسيطرت علي إذا اتخذتني خولا. والسلم: السبب الذي يصعد به كان ما كان من ~~خشب أو بناء أو حبال. ومنه قول ابن مقبل: [البسيط] # لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا ... تبنى له في السماوات السلاليم # وحكى الرماني قال: لا يقال سلم لما يبنى من الأدراج، وإنما السلم المشبك، ~~وبيت الشعر يرد عليه، والمعنى: ألهم سلم إلى السماء يستمعون فيه أي عليه ~~ومنه، وهذه حروف يسد بعضها مسد بعض، والمعنى: يستمعون الخبر بصحة ما يدعونه ~~فليأتوا بالحجة المبينة في ذلك وقوله تعالى: أم له البنات الآية، معناه: أم ~~هم أهل الفضيلة علينا فيلزم لذلك انتخاؤهم وتكبرهم، ثم قال تعالى: # أم تسألهم يا محمد على الإيمان بالله وشرعه أجرة يثقلهم غرمها فهم لذلك ~~يكرهون الدخول فيما يوجب غرامتهم ثم قال تعالى: أم عندهم علم الغيب فهم ~~يبينون ذلك للناس سننا وشرعا يكتبونه وذلك عبادة الأوثان وتسييب السوائب ~~وغير ذلك من سيرهم. وقيل المعنى: فهم يعلمون متى يموت محمد الذي يتربصون ~~به، و: يكتبون بمعنى يحكمون، وقال ابن عباس: يعني أم عندهم اللوح المحفوظ ~~فهم يكتبون ما فيه ويخبرون به. ثم قال تعالى: أم يريدون كيدا بك وبالشرع، ~~ثم جزم الخبر بأنهم هم المكيدون، أي المغلوبون، فسمى غلبتهم كيدا إذ كانت ~~عقوبة الكيد. ثم قال تعالى: أم لهم إله غير الله يعصمهم ويمنعهم منهم ويدفع ~~في صدر إهلاكهم. ثم نزه تعالى نفسه عما يشركون به من الأصنام والأوثان، ~~وهذه ms3356 الأشياء التي وقفهم تعالى عليها حصرت جميع المعاني التي توجب الانتخاء ~~والتكبر والبعد من الائتمار، فوقفهم تعالى عليها أي ليست لهم ولا بقي شيء ~~يوجب ذلك إلا أنهم قوم طاغون. وهذه صفة فيها تكسبهم وإيثارهم فيتعلق بذلك ~~عقابهم. ثم وصفهم تعالى بأنهم على الغاية من العتو والتمسك بالأقوال ~~الباطلة في قوله: وإن يروا كسفا الآية، وذلك أن قريشا كان في جملة ما ~~اقترحت به أن تنزل من السماء عليها كسف وهي القطع، واحدها كسفة، وتجمع أيضا ~~على كسف كثمرة وتمر، قال الرماني: هي التي تكون بقدر ما يكسف ضوء الشمس. ~~فأخبر الله عنهم في هذه الآية أنهم لو رأوا كسفا ساقطا حسب اقتراحهم لبلغ ~~بهم العتو والجهل والبعد عن الحق أن يغالطوا أنفسهم وغيرهم ويقولوا هذا ~~سحاب مركوم. أي كثيف قد تراكم بعضه فوق بعض، ولهذه الآية نظائر في آيات ~~أخر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الطور (52) : الآيات 45 الى 49] # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم ~~شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن ~~الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) # قوله: فذرهم وما جرى مجراه من الموادعة منسوخ بآية السيف. # وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو بخلاف عنه «يلقوا» ، والجمهور على «يلاقوا» . PageV05P193 # واختلف الناس في اليوم الذي توعدوا به، فقال بعض المتأولين: هو موتهم ~~واحدا واحدا وهذا على تجوز، والصعق: التعذب في الجملة وإن كان الاستعمال قد ~~كثر فيه فيما يصيب الإنسان من الصيحة المفرطة ونحوه. ويحتمل أن يكون اليوم ~~الذي توعدوا به يوم بدر، لأنهم عذبوا فيه، وقال الجمهور: التوعد بيوم ~~القيامة، لأن فيه صعقة تعم جميع الخلائق، لكن لا محالة أن بين صعقة المؤمن ~~وصعقة الكافر فرقا. # وقرأ جمهور القراء: «يصعقون» من صعق الرجل بكسر العين. وقرأ أبو عبد ~~الرحمن: «يصعقون» بفتح الياء وكسر العين. وقرأ عاصم وابن عامر وأهل مكة في ~~قول شبل: «يصعقون» بضم الياء، وذلك من ms3357 أصعق الرجل غيره. وحكى الأخفش: صعق ~~الرجل بضم الصاد وكسر العين. # قال أبو علي: فجائز أن يكون منه فهو مثل يضربون، قال أبو حاتم: وفتح أهل ~~مكة الياء في قول إسماعيل. و: يغني يكون منه غناء ودفاع. # ثم أخبر تعالى بأنهم لهم دون هذا اليوم، أي قبله عذاب، واختلف الناس في ~~تعيينه، فقال ابن عباس وغيره: هو بدر والفتح ونحوه. وقال مجاهد: هو الجوع ~~الذي أصاب قريشا. وقال البراء بن عازب وابن عباس أيضا: هو عذاب القبر، ونزع ~~ابن عباس وجود عذاب القبر بهذه الآية. وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا في ~~الأجسام وفي الأحبة وفي الأموال، هي للمؤمنين رحمة وللكافرين عذاب، وفي ~~قراءة ابن مسعود: # دون ذلك قريبا ولكن لا يعلمون. ثم أمر تعالى نبيه بالصبر لحكم الله ~~والمضي على نذارته ووعده بقوله: فإنك بأعيننا، ومعناه بإدراكنا وأعين حفظنا ~~وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه الملك بعين، وهذه الآية ينبغي أن يقررها كل ~~مؤمن في نفسه، فإنها تفسح مضايق الدنيا. وقرأ أبو السمال: «بأعينا» بنون ~~واحدة مشددة. # واختلف الناس في قوله: وسبح بحمد ربك فقال أبو الأحوص عوف بن مالك: هو ~~التسبيح المعروف، أن يقول في كل قيام له سبحان الله وبحمده. وقال عطاء: ~~المعنى: حين تقوم من كل مجلس. # وقال ابن زيد: التسبيح هنا هو صلاة النوافل. وقال الضحاك وابن زيد: هذه ~~إشارات إلى الصلاة المفروضة ف حين تقوم: الظهر والعصر، أي حين تقوم من نوم ~~القائلة. ومن الليل المغرب والعشاء. وإدبار النجوم الصبح. ومن قال هي ~~النوافل جعل إدبارهم النجوم: ركعتي الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة، ~~منهم عمر وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة والحسن رضي الله عنهم. وقد روي ~~مرفوعا ومن جعله التسبيح المعروف، جعل قوله: حين تقوم مثالا، أي حين تقوم ~~وحين تقعد وفي كل تصرفك. وحكى منذر عن الضحاك أن المعنى: حين تقوم في ~~الصلاة بعد تكبيرة الإحرام فقل. # «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، الحديث» . # وقرأ سالم بن أبي الجعد ويعقوب: «وأدبار» ms3358 بفتح الهمزة بمعنى: وأعقاب، ~~ومنه قول الشاعر [قيس بن الملوح] : [الطويل] # فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرب # وقرأ جمهور الناس: «وإدبار» بكسر الهمزة. PageV05P194 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النجم # وهي مكية بإجماع من المتأولين وهي أول سورة أعلن بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وجهر بقراءتها في الحرم والمشركون يستمعون، وفيها سجد وسجد معه ~~المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى ~~جبهته وقال يكفيني هذا وسبب هذه السورة أن المشركين قالوا إن محمدا يتقول ~~القرآن ويختلق أقواله فنزلت السورة في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن ~~هو إلا وحي يوحى (4) # علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا ~~فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) # أقسم الله تعالى بهذا المخلوق تشريفا له وتنبيها منه ليكون معتبرا فيه ~~حتى تولى العبرة إلى معرفة الله تعالى. وقال الزهري، المعنى: ورب النجم، ~~وفي هذا قلق مع لفظ الآية. واختلف المتأولون في تعيين النجم المقسم به فقال ~~ابن عباس ومجاهد والفراء، وبينه منذر بن سعيد هو الجملة من القرآن إذا ~~تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوما أي ~~أقدارا مقدرة في أوقات ما، ويجيء هوى على هذا التأويل بمعنى: نزل، وفي هذا ~~الهوى بعد وتحامل على اللغة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع ~~النجوم [الواقعة: 75] والخلاف في هذا كالخلاف في تلك، وقال الحسن ومعمر بن ~~المثنى وغيرهما: النجم هنا اسم جنس، أرادوا النجوم إذا هوت، واختلف قائلو ~~هذه المقالة في معنى: هوى فقال جمهور المفسرين: هوى إلى الغروب، وهذا هو ~~السابق إلى الفهم من كلام العرب، وقال الحسن بن أبي الحسن وأبو حمزة ~~الثمالي هوى عند الانكدار في القيامة فهي ms3359 بمعنى. قوله: وإذا الكواكب ~~انتثرت. [الانفطار: 2] وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي هو في الانقضاض في ~~أثر العفرية وهي رجوم الشياطين، وهذا القول تسعده اللغة، والتأويلات في هوى ~~محتملة، كلها قوية ومن الشاهد في النجم الذي هو اسم الجنس قول الراعي: # فتاقت تعد النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها # يصف إهالة صافية، والمستحيرة: القدر التي يطبخ فيها، قاله الزجاج. وقال ~~الرماني وغيره: هي PageV05P195 # شحمة صافية حين ذابت، وقال مجاهد وسفيان: النجم في قسم الآية الثريا، ~~وسقوطها مع الفجر هو هويها والعرب لا تقول النجم مطلقا إلا للثريا، ومنه ~~قول العرب [مجزوء الرمل] # طلع النجم عشاء ... فابتغى الراعي كساء # طلع النجم غدية ... فابتغى الراعي شكية # وهوى على هذا القول يحتمل الغروب ويحتمل الانكدار، وهوى في اللغة معناه: ~~خرق الهوى ومقصده السفل أو مسيره إن لم يقصده إليه، ومنه قول الشاعر: ~~[مجزوء الكامل] # هوى ابني شفا جبل ... فزلت رجله ويده # وقول الشاعر: [الطويل] # وإن كلام المرء في غير كنهه ... لك النبل تهوي ليس فيها نصالها # وقول زهير: # هوي الدلو أسلمها الرشاء ومنه قولهم للجراد: الهاوي، ومنه هوى العقاب. # والقسم واقع على قوله: ما ضل صاحبكم وما غوى والضلال أبدا يكون من غير ~~قصد من الإنسان إليه. والغي كأنه شيء يكتسبه الإنسان ويريده، نفى الله ~~تعالى عن نبيه هذين الحالين، وغوى: # الرجل يغوي إذا سلك سبيل الفساد والعوج، ونفى الله تعالى عن نبيه أن يكون ~~ضل في هذه السبيل التي أسلكه الله إياها، وأثبت له تعالى في الضحى أنه قد ~~كان قبل النبوءة ضالا بالإضافة إلى حاله من الرشد بعدها. # وقوله تعالى: وما ينطق عن الهوى يريد محمدا صلى الله عليه وسلم أنه ليس ~~يستكلم عن هواه، أي بهواه وشهوته. وقال بعض العلماء: المعنى: وما ينطق ~~القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه من حيث تفهم عنه الأمور كما ~~قال: هذا كتابنا ينطق [الجاثية: 29] وأسند الفعل إلى القرآن ولم يتقدم له ~~ذكر لدلالة المعنى عليه. # وقوله: إن هو إلا وحي يوحى ms3360 يراد به القرآن بإجماع، والوحي: إلقاء المعنى ~~في خفاء، وهذه عبارة تعم الملك والإلهام والإشارة وكل ما يحفظ من معاني ~~الوحي. # والضمير في قوله: علمه يحتمل أن يكون للقرآن، والأظهر أنه لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وأما المعلم فقال قتادة والربيع وابن عباس: هو جبريل عليه السلام، أي علم ~~محمدا القرآن. وقال الحسن المعلم الشديد القوى هو الله تعالى. والقوى جمع ~~قوة، وهذا في جبريل مكتمن، ويؤيده قوله تعالى: # ذي قوة عند ذي العرش مكين [التكوير: 20] . وذو مرة معناه: ذو قوة، قاله ~~قتادة وابن زيد والربيع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل ~~الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» . وأصل المرة PageV05P196 # من مرائر الحبل، وهي فتله وإحكام عمله، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] ~~بكل ممر الفتل شد بيذبل وقال قوم ممن قال إن ذا المرة جبريل. معنى: ذو مرة ~~ذو هيئة حسنة وقال آخرون: بل معناه ذو جسم طويل حسن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف. # و (استوى) مستند إلى الله تعالى في قول الحسن الذي قال: إنه لمتصف: ب ~~شديد القوى، وكذلك يجيء قوله: وهو بالأفق الأعلى صفة الله تعالى على معنى ~~وعظمته وقدرته وسلطانه تتلقى نحو «الأفق الأعلى» ، ويجيء المعنى نحو قوله ~~تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ، ومن قال إن المتصف ب شديد القوى ~~هو جبريل عليه السلام قال: إن (استوى) مستند إلى جبريل، واختلفوا بعد ذلك، ~~فقال الربيع والزجاج: المعنى: فاستوى جبريل في الجو، وهو إذ ذاك، بالأفق ~~الأعلى إذ رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قد سد الأفق، له ستمائة ~~جناح، وحينئذ دنا من محمد حتى كان قاب قوسين، وكذلك هو المراد في هذا القول ~~النزلة الأخرى في صفته العظيمة له ستمائة جناح عند السدرة وقال الطبري ~~والفراء المعنى: فاستوى جبريل. # وقوله: وهو يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره في الضمير في ~~علمه. وفي هذا التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند ~~النحاة مستقبح، ms3361 وأنشد الفراء على قوله: # [الطويل] # ألم تر أن النبع يصلب عوده ... ولا يستوي والخروع المتقصف # وقد ينعكس هذا الترتيب فيكون «استوى» لمحمد وهو لجبريل عليه السلام، وأما ~~الأعلى فهو عندي لقمة الرأس وما جرى معه. وقال الحسن وقتادة: هو أفق مشرق ~~الشمس وهذا التخصيص لا دليل عليه. واختلف الناس إلى من استند قوله. ثم دنا ~~فتدلى فقال الجمهور: استند إلى جبريل عليه السلام، أي دنا إلى محمد في ~~الأرض عند حراء. وقال ابن عباس وأنس في حديث الإسراء ما يقتضي أنه يستند ~~إلى الله تعالى، ثم اختلف المتأولون، فقال مجاهد: كان الدنو إلى جبريل. ~~وقال بعضهم: كان إلى محمد. # و: دنا فتدلى على هذا القول معه حذف مضاف. أي دنا سلطانه ووحيه وقدره لا ~~الانتقال، وهذه الأوصاف منتفية في حق الله تعالى. والصحيح عندي أن جميع ما ~~في هذه الآيات هو مع جبريل، بدليل قوله: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] ~~فإن ذلك يقضي بنزلة متقدمة، وما روي قط أن محمدا رأى ربه قبل ليلة الإسراء، ~~أما أن الرؤية بالقلب لا تمنع بحال ودنا أعم من: «تدلى» ، فبين تعالى ~~بقوله: # فتدلى هيئة الدنو كيف كانت، و: قاب معناه: قدر. وقال قتادة وغيره: معناه ~~من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال الحسن ومجاهد: من الوتر إلى العود في ~~وسط القوس عند المقبض. # وقرأ محمد بن السميفع اليماني: «فكان قيس قوسين» ، والمعنى قريب من قاب، ~~ومن هذه PageV05P197 # اللفظة قول النبي عليه السلام: «لقاب قوس أحدكم في سبيل الله خير من ~~الدنيا وما فيها» وفي حديث آخر: # «لقاب قوس أحدكم في الجنة» . # وقوله: أو أدنى معناه: على مقتضى نظر البشر، أي لو رآه أحدكم لقال في ذلك ~~قوسان أو أدنى من ذلك، وقال أبو زيد ليست بهذه القوس، ولكن قدر الذراعين أو ~~أدنى، وحكى الزهراوي عن ابن عباس أن القوس في هذه الآية ذراع تقاس به ~~الأطوال، وذكره الثعلبي وأنه من لغة الحجاز. # وقوله تعالى: فأوحى إلى عبده ما أوحى # ، قال ابن عباس المعنى: ms3362 فأوحى # الله إلى عبده # جبريل ما أوحى # . وفي قوله: ما أوحى # إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عرف من ذلك فرض الصلاة، وقال ~~الحسن المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى كالأولى في الإبهام، ~~وقال ابن زيد المعنى: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى الله إلى ~~جبريل. # وقوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى قرأ جمهور القراء بتخفيف الذال على ~~معنى لم يكذب قلب محمد الشيء الذي رأى، بل صدقه وتحققه نظرا، وكذب يتعدى، ~~وقال أهل التأويل ومنهم ابن عباس وأبو صالح: رأى محمد الله تعالى بفؤاده. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جعل الله نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه ~~بفؤادي» . وقال آخرون من المتأولين المعنى: ما رأى بعينه لم يكذب ذلك قلبه، ~~بل صدقه وتحققه، ويحتمل أن يكون التقدير فيما رأى، وقال ابن عباس فيما روي ~~عنه وعكرمة وكعب الأحبار إن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه. ~~وبسط الزهراوي هذا الكلام عنهم وأبت ذلك عائشة، وقالت: أنا سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيات، فقال لي: «هو جبريل فيها كلها» . وقال ~~الحسن المعنى: ما رأى من مقدورات الله وملكوته. وسأل أبو ذر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: هو نور إني أراه، وهذا قول الجمهور، ~~وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قاطع بكل تأويل في اللفظ، لأن قول ~~غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن. وقرأ ابن عامر فيما روى عنه هشام: ~~«ما كذب» بشد الذال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي جعفر وقتادة والجحدري وخالد، ~~ومعناه بين على بعض ما قلناه، وقال كعب الأحبار: إن الله تعالى قسم الكلام ~~والرؤية بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين، وقالت عائشة ~~رضي الله عنها: لقد وقف شعري من سماع هذا وتلت: # لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار [الأنعام: 103] . وذهبت هي وابن ~~مسعود وقتادة وجمهور العلماء إلى أن المرئي هو جبريل عليه السلام ms3363 في ~~المرتين: في الأرض وعند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، وقد ذكرتها في سورة ~~«سبحان» وهي مشهورة في الكتب الصحاح. # وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آيها وأمال ~~عاصم في رواية أبي بكر: # «رأى» . وقرأ نافع وأبو عمرو بين الفتح. وأمال حمزة والكسائي جميع ما في ~~السورة، وأمال أبو عمرو فيما روى عنه عبيد: «الأعلى» و: «تدلى» . # قوله عز وجل: ### || [سورة النجم (53) : الآيات 12 الى 18] # أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى ~~(14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) # ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) PageV05P198 # قوله تعالى: أفتمارونه خطاب لقريش، وهو من الصراء والمعنى أتجادلونه في ~~شيء رآه وأبصره، وهذه قراءة الجمهور وأهل المدينة، وقرأ علي بن أبي طالب ~~وابن عباس وابن مسعود وحمزة والكسائي: # «أفتمرونه» بفتح التاء دون ألف بعد الميم، والمعنى: أفتجدونه؟ وذلك أن ~~قريشا لما أخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره في الإسراء مستقصى، ~~كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر عيرهم وغير ذلك مما هو في حديث ~~الإسراء مستقصى، ورواها سعيد عن النخعي: «أفتمرونه» بضم التاء، قال أبو ~~حاتم: وذلك غلط من سعيد. وقوله: يرى مستقبلا والرؤية قد مضت عبارة تعم جميع ~~ما مضى وتشير إلى ما يمكن أن يقع بعد، وفي هذا نظر. # واختلف الناس في الضمير في قوله: ولقد رآه حسبما قدمناه، فقال ابن عباس ~~وكعب الأحبار: هو عائد على الله، وقال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع: هو ~~عائد على جبريل. و: نزلة معناه: مرة، ونصبه على المصدر في موضع الحال. و: ~~سدرة المنتهى هي شجرة نبق، قال كعب: هي في السماء السابعة، وروى ذلك مالك ~~بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن مسعود: في السماء السادسة. ~~وقيل لها: سدرة المنتهى لأنها إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها ~~صعدا إلا الله تعالى. وقيل سميت بذلك لأنها إليها ينتهي من مات ms3364 على سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد: هم المؤمنون حقا من كل جيل. # وقيل سميت بذلك، لأن ما نزل من أمر الله فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ~~ملائكة العلو، وما صعد من الأرض فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة السفل. ~~وروي عن النبي عليه السلام أن الأمة من الأمم تستظل بظل الفنن منها، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال ~~هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة» . # وقوله تعالى: عندها جنة المأوى قال الجمهور: أراد أن يعظم مكان السدرة ~~ويشرفه بأن جنة المأوى عندها. قال الحسن: وهي الجنة التي وعد بها العالم ~~المؤمن. وقال قتادة وابن عباس بخلاف هي جنة يأوي إليها أرواح الشهداء ~~والمؤمنين، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم، وهذا يحتاج إلى ~~سند وما أراه يصح عن ابن عباس. # وقرأ علي بن أبي طالب وابن الزبير بخلاف، وأنس بن مالك بخلاف، وأبو ~~الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب: «جنه المأوى» بالهاء في جنة، وهو ~~ضمير محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: # ستره وضمه إيواء الله تعالى وجميل صنعه به، يقال: جنه وأجنه، وردت عائشة ~~وصحابة معها هذه القراءة وقالوا: أجن الله من قرأها. والجمهور قرأ: «جنة» ~~كالآية الأخرى: فلهم جنات المأوى نزلا [السجدة: 19] وحكى الثعلبي أن معنى ~~«جنه المأوى» : ضمه المبيت والليل. # وقوله: إذ يغشى السدرة ما يغشى التعامل في: إذ، رآه. المعنى: رآه في هذه ~~الحال. PageV05P199 # وما يغشى معناه من قدرة الله، وأنواع الصفات التي يخترعها لها، وذلك منهم ~~على جهة التفخيم والتعظيم، وقال مجاهد تبدل أغصانها درا وياقوتا ونحوه. ~~وقال ابن مسعود ومسروق ومجاهد: ذلك جراد من ذهب كان يغشاها. وروى ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيتها ثم حال دونها فراش الذهب» . وقال ~~الربيع وأبو هريرة: كان تغشاها الملائكة كما تغشى الطير الشجر، وقيل غير ~~هذا مما هو تكلف في الآية، لأن الله تعالى أبهم ذلك وهم يريدون شرحه، ms3365 وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟» وقوله تعالى: ما زاغ البصر قال ابن عباس ~~معناه: ما جال هكذا ولا هكذا. وقوله: وما طغى معناه: ولا تجاوز المرئي، بل ~~وقع عليه وقوعا صحيحا، وهذا تحقيق للأمر ونفي لوجود الريب عنه. # وقوله تعالى: لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال جماعة من أهل التأويل ~~معناه: رأى الكبرى من آيات ربه، والمعنى من آيات ربه التي يمكن أن يراها ~~البشر، ف الكبرى على هذا مفعول ب رأى. وقال آخرون المعنى: لقد رأى بعضا من ~~آيات ربه الكبرى، ف الكبرى على هذا وصف للآيات، والجمع مما لا يعقل في ~~المؤنث يوصف أبدا على حد وصف الواحدة. وقال ابن عباس وابن مسعود: رأى رفرفا ~~أخضر من الجنة قد سد الأفق. وقال ابن زيد: رأى جبريل في صورته التي هو بها ~~في السماوات. # قوله عز وجل: ### || [سورة النجم (53) : الآيات 19 الى 26] # أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله ~~الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى (23) # أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~(26) # قوله تعالى: أفرأيتم مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لأنه أحال على ~~أجرام مرئية، ولو كانت: أرأيت: التي هي استفتاء لم تتعد. ولما فرغ من ذكر ~~عظمة الله وقدرته، قال على جهة التوقيف: # أرأيتم هذه الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة والصفات العلية و: ~~اللات اسم صنم كانت العرب تعظمه، قال أبو عبيدة وغيره: كان في الكعبة، وقال ~~قتادة: كان بالطائف. وقال ابن زيد: كان بنخلة عند سوق عكاظ، وقول قتادة ~~أرجح يؤيده قول الشاعر: [المتقارب] # وفرت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر # والتاء في: اللات لام فعل كالباء من باب، وقال ms3366 قوم هي تاء تأنيث، ~~والتصريف يأبى ذلك، وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: «اللات» بشد التاء، ~~وقالوا: كان هذا الصنم حجرا وكان عنده رجل من بهز يلت سويق الحاج على ذلك ~~الحجر ويخدم الأصنام، فلما مات عبدوا الحجر الذي كان عنده إجلالا لذلك ~~الرجل وسموه باسمه، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير وابن عامر، والعزى: صخرة ~~بيضاء PageV05P200 # كانت العرب تعبدها وتعظمها، قاله سعيد بن جبير وقال ابن مجاهد: كانت ~~شجيرات تعبد ثم ببلاها انتقل أمرها إلى صخرة. و «عزى» مؤنثة عزيز ككبرى ~~وعظمى، وكانت هذه الأوثان تعظم الوثن منها قبيلة وتعبدها، ويجيء كل من عز ~~من العرب فيعظمها بتعظيم حاضرها. وقال أبو عبيدة معمر: كانت العزى ومناة في ~~الكعبة، وقال ابن زيد: وكانت العزى بالطائف، وقال قتادة: كانت بنخلة وأما ~~مناة فكانت بالمشلل من قديد، وذلك بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه ~~الأوثان قدرا وأكثرها عابدا، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ولذلك قال ~~تعالى: الثالثة الأخرى فأكدها بهاتين الصفتين، كما تقول رأيت فلانا وفلانا ~~ثم تذكر ثالثا أجل منهما، فتقول وفلانا الآخر الذي من أمره وشأنه. # ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات، وذلك نص في الآية، ومنه ~~قول ربيعة بن مكدم: [الكامل] ولقد شفعتهما بآخر ثالث وهو التأويل الصحيح في ~~قول الشاعر [عبيد بن الأبرص] : [مجزوء الكامل] # جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه # وقرأ ابن كثير وحده: «ومناءة» بالهمز والمد وهي لغة فيها، والأول أشهر ~~وهي قراءة الناس، ومنها قول جرير: [الوافر] # أزيد مناة توعد بابن تيم ... تأمل أين تاه بك الوعيد # ووقف تعالى الكفار على هذه الأوثان وعلى قولهم فيها، لأنهم كانوا يقولون: ~~هي بنات الله، فكأنه قال: أرأيتم هذه الأوثان وقولكم هي بنات الله ألكم ~~الذكر وله الأنثى، أي النوع المستحسن المحبوب هو لكم وموجود فيكم؟ والمذموم ~~المستثقل عندكم هو له بزعمكم، ثم قال تعالى على جهة الإنكار: تلك إذا قسمة ~~ضيزى أي عوجاء، قاله مجاهد، وقيل ضيزى معناه: جائرة، قاله ابن عباس وقتادة، ms3367 ~~وقال سفيان معناه: منقوصة، وقال ابن زيد معناه: مخالفة، والعرب تقول: ضزته ~~حقه أضيزه، بمعنى: منعته منه وظلمته فيه، و: ضيزى من هذا التصريف وأصلها ~~فعلى بضم الفاء ضوزى لأنه القياس، إذ لا يوجد في الصفات فعلى بكسر الفاء، ~~كذا قال سيبويه وغيره، فإذا كان هذا فهي ضوزى: كسر أولها كما كسر أول عين ~~وبيض طلبا للتخفيف، إذ الكسرة والياء أخف من الضمة والواو كما قالوا بيوت ~~وعصى هي في الأصل فعول بضم الفاء، وتقول العرب: ضزته أضوزه فكان يلزم على ~~هذا التصريف أن يكون ضوزى فعلى، وفي جميع هذا نظر. وقرأ ابن كثير: «ضئيزى» ~~بالهمز على أنه مصدر كذكرى، وقرأ الجمهور بغير همز. # ثم قال تعالى: إن هي إلا أسماء يعني أن هذه الأوصاف من أنها إناث وأنها ~~تعبد آلهة ونحو هذا إلا أسماء، أي تسميات اخترعتموها أنتم وآباؤكم لا حقيقة ~~لها ولا أنزل الله تعالى بها برهانا ولا حجة، وقرأ عيسى بن عمر: «سلطان» ~~بضم اللام، وقرأ هو وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش «إن ~~تتبعون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وعاصم ونافع والأعمش أيضا ~~والجمهور: «يتبعون» بالياء PageV05P201 # على الحكاية عن الغائب والظن: ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين دون أن ~~يكون ميلها بحجة ولا برهان وهوى الأنفس: هو إرادتها الملذة لها وإنما تجد ~~هوى النفس أبدا فيترك الأفضل، لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذ، وإنما ~~يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة العقل والشرع. # وقوله تعالى: ولقد جاءهم من ربهم الهدى اعتراض بين الكلام فيه توبيخ لهم، ~~لأن سرد القول إنما هو يتبعون ولا الظن وما تهوى الأنفس، أم للإنسان ما ~~تمنى، وقف على جهة التوبيخ والإنكار لحالهم ورأيهم، ثم اعترض بعد قوله: وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى جملة في موضع الحال، والهدى المشار ~~إليه، محمد وشرعه. # وقرأ ابن مسعود وابن عباس: «ولقد جاءكم من ربكم» بالكاف فيهما، وقال ~~الضحاك إنهما قرآ «ولقد جاءك من ربك» . # و «الإنسان» في قوله: أم للإنسان، اسم ms3368 الجنس، كأنه يقول ليست الأشياء ~~بالتمني والشهوات، إنما الأمر كله لله والأعمال جارية على قانون أمره ونهيه ~~فليس لكم، أيها الكفرة مرادكم في قولكم هذه آلهتنا وهي تنفعنا وتقربنا زلفى ~~ونحو هذا. وقال ابن زيد والطبري: «الإنسان» هنا: محمد، بمعنى أنه لم ينل ~~كرامتنا بتأميل، بل بفضل الله أو بمعنى بل إنه تمنى كرامتنا فنالها، إذ ~~الكل لله يهب ما شاء، وهذا لا تقتضيه الآيات، وإن كان اللفظ يعمه. و: ~~الآخرة والأولى الداران، أي له كل أمرهما ملكا ومقدورا وتحت سلطانه. # وقوله تعالى: وكم من ملك الآية، رد على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، ~~كأنه يقول: هذه حال الملائكة الكرام، فكيف بأوثانكم، وكم للتكثير وهي في ~~موضع رفع بالابتداء والخبر: لا تغني والغناء جلب النفع ودفع الضر بحسب ~~الأمر الذي يكون فيه الغناء وجمع الضمير في شفاعتهم على معنى: كم ومعنى ~~الآية: أن يأذن الله في أن يشفع لشخص ما ويرضى عنه كما أذن في قوله: # الذين يحملون العرش ومن حوله [غافر: 7] . # قوله عز وجل: ### || [سورة النجم (53) : الآيات 27 الى 31] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم ~~به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) # الذين لا يؤمنون بالآخرة هم كفار العرب، وقوله: ليسمون الملائكة معناه: ~~ليصفون الملائكة بأوصاف الأنوثة وأخبر تعالى عنهم أنهم لا علم لهم بذلك، ~~وإنما هي ظنون منهم لا حجة لهم عليها وقرأ ابن مسعود: «من علم إلا اتباع ~~الظن» . PageV05P202 # وقوله: إن الظن لا يغني من الحق شيئا أي في المعتقدات المواضع التي يريد ~~الإنسان أن يحرر ما يعقل ويعتقد فإنها مواضع حقائق لا تنفع الظنون فيها، ~~وأما في الأحكام وظواهرها فيجتزى ms3369 فيها بالظنونات، ثم سلى تعالى نبيه وأمره ~~بالإعراض عن هؤلاء الكفرة، وما في الآية من موادعتهم منسوخ بآية السيف. # وقوله: ولم يرد إلا الحياة الدنيا معناه لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وعمله ~~إنما هو لدنياه. # وقوله تعالى: ذلك مبلغهم من العلم معناه هنا انتهى تحصيلهم من المعلومات، ~~وذلك أن المعلومات منها ما هي معقولات نافعة في الآخرة، ومنها ما هي أمور ~~فانية وأشخاص بادية كالفلاحة وكثير من الصنائع وطلب الرئاسة على الناس ~~بالمخرقة، فكلها معلومات ولها علم ومبلغ الكفرة إنما هو في هذه الدنياويات. # وقوله تعالى: إن ربك هو أعلم الآية تصل بمعنى التسلية في قوله: فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا، وقوله: إن ربك هو أعلم الآية، ووعيد للكفار ووعد ~~للمؤمنين، وأسند الضلالة والهدى إليهم بكسبهم وإن كان الجميع خلقا له ~~واختراعا، واللام في قوله: ليجزي متعلقة بقوله: ضل وبقوله: # اهتدى فكأنه قال: ليصير أمرهم جميعا إلى أن يجزى. # وقوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض اعتراض بين الكلام بليغ، وقال ~~بعض النحويين اللام متعلقة بما في المعنى من التقدير، لأن تقديره: ولله ما ~~في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء ليجزي والنظر الأول ~~أقل تكلفا من هذا الإضمار. وقال قوم: اللام متعلقة في أول السورة: # إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 4] وهذا بعيد، و: (الحسنى) هي الجنة ولا حسنى ~~دونها. # وقوله عز وجل: ### || [سورة النجم (53) : الآيات 32 الى 38] # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى ~~(34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) # وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) # قوله: الذين نعت ل الذين [النجم: 31] المتقدم قبله، و: يجتنبون معناه: ~~يدعون جانبا. وقرأ جمهور القراء والناس: «كبائر الإثم» وقرأ ابن وثاب وطلحة ~~والأعمش وعيسى وحمزة والكسائي: ms3370 «كبير الإثم» على الإفراد الذي يراد به ~~الجمع وهذا كقوله: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم [الشعراء: 100] ، ~~وكقوله: وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] ونحو هذا. # واختلف الناس في الكبائر ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات ~~التي وردت في PageV05P203 # الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء. ~~وتحرير القول في الكبائر أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد ~~بنار في الآخرة، أو لعنة ونحو هذا خاصا بها فهي كثيرة العدد، ولهذا قال ابن ~~عباس حين قيل له أسبع هي؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال ~~زيد بن أسلم: «كبير الإثم» هنا يراد به: الكفر. والفواحش هي المعاصي ~~المذكورة. # وقوله: إلا اللمم هو استثناء يصح أن يكون متصلا، وإن قدرته منقطعا ساغ ~~ذلك، واختلف في معنى اللمم فقال ابن عباس وابن زيد معناه: ما ألموا به من ~~الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل الإسلام. قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ~~ثابت وزيد بن أسلم وابنه: إن سبب الآية أن الكفار قالوا للمسلمين: قد كنتم ~~بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى: وأن تجمعوا بين ~~الأختين إلا ما قد سلف [النساء: 23] وقال ابن عباس وغيره: ما ألموا من ~~المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن أنه ~~قال في اللمة: من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود. # قال القاضي أبو محمد: وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق ~~بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة ~~المعاصي، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم: [الرجز] # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما # وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم: اللمم صغار الذنوب التي بين ~~الحدين الدنيا والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصا بها مذكورا لها، ~~وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا فهي بالإضافة إلى الناهي عنها ~~كبائر كلها، ويعضد هذا ms3371 القول، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب ~~على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: ~~المنطق، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم» ~~. وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار فالناس لا يتخلصون من مواقعة هذه ~~الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر. وتظاهر ~~العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه. وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاصي أنه قال: # اللمم ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو. وذكر المهدوي ~~عن ابن عباس والشعبي: اللمم ما دون الزنا. وقال نفطويه: اللمم ما ليس ~~بمعتاد. وقال الرماني: اللمم الهم بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع. ~~وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب: أنه ما خطر على القلب، وذلك هو لمة ~~الشيطان. قال الزهراوي وقيل: اللمم نظرة الفجأة، وقاله الحسين بن الفضل. ثم ~~أنس تعالى بعد هذا بقوله: إن ربك واسع المغفرة. # وقوله تعالى: هو أعلم بكم الآية، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من ~~اليهود كانوا يعظمون أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند الله، ~~ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية فيهم، ثم هي بالمعنى عامة جميع ~~البشر، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا ~~بأعمالهم، وقوله: أعلم بكم قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه: هو عالم ~~بكم. وقال PageV05P204 # جمهور أهل المعاني: بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين ~~جملة، والعامل في إذ أعلم، وقال بعض النحاة العامل فيه فعل مضمر تقديره: ~~اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين، لأن تقديره: # فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال فأحرى أن يقع بكم وأنتم ~~تعقلون وتجترحون، والإنشاء من الأرض: يراد به خلق آدم عليه السلام، ويحتمل ~~أن يراد به إنشاء الغذاء. و: أجنة جمع جنين. # وقوله: فلا تزكوا أنفسكم ظاهره النهي ms3372 عن أن يزكي نفسه، ويحتمل أن يكون ~~نهيا عن أن يزكي بعض الناس بعضا وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة ~~والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك الحديث في عثمان بن مظعون عند ~~موته. وأما تزكية الإمام والقدرة أحدا ليؤتم به أوليتهم الناس بالخير ~~فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أبا بكر وغيره، ~~وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو ~~التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم. # وقوله تعالى: أفرأيت الذي تولى الآية، قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت ~~في الوليد بن المغيرة المخزومي وذلك أنه سمع قراءة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجلس إليه ووعظه رسول الله، فقرب من الإسلام، وطمع النبي عليه السلام ~~فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى ~~دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني ~~كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام وضل ~~ضلالا بعيدا، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية ~~فيه. وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان في قصة جرت له مع عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح وذلك كله عندي باطل، وعثمان رضي الله عنه منزه عن ~~مثله، وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل، فقوله: وأعطى قليلا وأكدى، وعلى ~~هذا القول في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى: وأعطى من ~~نفسه قليلا من قربه من الإيمان ثم أكدى أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من ~~اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية. و: تولى معناه: أدبر وأعرض ومعناه عن أمر ~~الله. وأكدى معناه: انقطع عطاؤه وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا انتهى إلى ~~كدية، وهي ما صلب من الأرض وقف وانقطع حفره، وكذلك أجبل الحافر إذ انتهى ~~إلى جبل، ثم قيل لمن انقطع عمله: أكدى وأجبل. # وقوله ms3373 تعالى: أعنده علم الغيب فهو يرى معناه: أعلم من الغيب أن من تحمل ~~ذنوب آخر فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له ~~فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف ~~إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، أي لا ~~تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلا ~~بهذا وقع في عطاء ماله للذي قال له: إني أتحمل عنك درك الآخرة. # واختلف المفسرون في معنى قوله: وفى ما هو الموفى؟ فقال ابن عباس: كانوا ~~قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه فوفى إبراهيم وبلغ هذا ~~الحكم من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وقال ابن عباس أيضا والربيع: وفى طاعة ~~الله في أمر ذبح ابنه. وقال الحسن وابن جبير وقتادة وغيره، وفى PageV05P205 # تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه، وقال عكرمة، وفي هذه العشر الآيات، ألا ~~تزر وما بعدها، وقال ابن عباس وقتادة وغيره وفى ما افترض عليه من الطاعات ~~على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام فأعطاه الله براءته من النار. ~~قال ابن عباس: وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهما. وقال أبو أمامة ورفعه إلى ~~النبي عليه السلام وفى أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه الأقوال كلها ~~القول العام لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروي أنها لم تفرض على ~~أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد عليهما السلام ومن الحجة لذلك قوله ~~تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [البقرة: 124] . # وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع: «وفى» مخففة الفاء، والخلاف فيما ~~وفى به كالخلاف فيما وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا، ورويت القراءة عن ~~النبي عليه السلام، وقرأها أبو أمامة. # والوزر: الثقل، وأنث الوازرة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة ~~كعلامة ونسابة وما جرى مجراها و «أن» في قوله: ألا تزر مخففة من الثقيلة، ~~وتقديرها أنه لا تزر، وحسن الحائل ms3374 بينها وبين الفعل إن بقي الفعل مرتفعا، ~~فهي كقوله: أن سيكون منكم مرضى [المزمل: 20] ونحوه، و «أن» في موضع رفع أو ~~خفض، كلاهما مرتب. # قوله عز وجل: ### || [سورة النجم (53) : الآيات 39 الى 51] # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء ~~الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) # وأنه هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة ~~إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) # وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) # قوله تعالى: وأن ليس للإنسان وقوله بعد ذلك وأنه، وأنه معطوف كل ذلك على ~~أن المقدرة أولا في قوله: «أنه لا تزر» وهي كلها بفتح الألف في قراءة ~~الجمهور. وقرأ أبو السمال قعنب «وإن إلى ربك» بكسر الهمزة فيهما وفيما ~~بعدها وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوله: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~منسوخ بقوله: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ~~[الطور: 21] وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط ~~النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلا، وقال ~~عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي ~~غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال: يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت ~~عنها؟ قال: نعم. # وقال الربيع بن أنس: «الإنسان» الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن ~~فله ما سعى وما سعى له غيره. # وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه ~~الآية مع قوله: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: 261] فقال ليس له بالعدل إلا ~~ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله، فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال ~~الجمهور: الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو PageV05P206 # في اللام من قوله: للإنسان فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه ~~لي كذا لم ms3375 يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ~~ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ~~ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة. # واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. ~~وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات ~~تذكر للمعمول عنه، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا بالصدقة عن ~~أمه، والسعي: التكسب. # وقوله: يرى فاعله حاضر والقيامة، أي يراه الله ومن شاهد الأمر، وفي عرض ~~الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من سمع بأخيه فيما يكره سمع الله به سامع خلقه يوم ~~القيامة» . وفي قوله: ثم يجزاه الجزاء الأوفى وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين. ~~و: المنتهى يحتمل أن يريد به الحشر، والمصير بعد الموت فهو منتهى بالإضافة ~~إلى الدنيا وإن كان بعده منتهى آخر وهو الجنة أو النار، ويحتمل أن يريد ب ~~المنتهى: الجنة أو النار، فهو منتهى على الإطلاق، لكن في الكلام حذف مضاف ~~إلى عذاب ربك أو رحمته. وقال أبي بن كعب قال النبي عليه السلام في قوله ~~تعالى: وأن إلى ربك المنتهى لا فكرة في الرب. وروى أنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا ذكر الرب فانتهوا» . وقال أبو هريرة: خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما إلى أصحابه فقال: «فيم أنتم» ؟ قالوا: نتفكر في ~~الخالق، فقال: «تفكروا في الخلق، لا تتفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به ~~الفكرة» الحديث، وذكر الضحك والبكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافا كثيرة من ~~الناس، إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، ~~فنبه تعالى على هاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده، وقال مجاهد ~~المعنى: أضحك الله أهل الجنة وأبكى أهل النار. وحكى الثعلبي في هذا أقوالا ~~استعارية كمن قال أضحك الأرض بالنبات، وأبكى ms3376 السماء بالمطر، ونحوه: # وأمات وأحيا. وحكى الثعلبي قولا إنه أحيا بالإيمان وأمات بالكفر. ~~والزوجين في هذه الآية يريد به المصطحبين من الناس من الرجل والمرأة وما ~~ضارع من الحيوان، والخنثى متميز ولا بد لأحد الجهتين. # والنطفة في اللغة: القطعة من الماء كانت يسيرة أو كثيرة. ويراد بها هاهنا ~~ماء الذكران. # وقوله: تمنى يحتمل أن يكون من قولك: أمنى الرجل: إذا خرج منه المني، ~~ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الشيء: إذا خلقه، فكأنه قال: إذا تخلق ~~وتقدر، و: النشأة الأخرى هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلي في التراب. ~~وقرأ الناس: «النشأة» بسكون الشين والهمز والقصر، وقرأ أبو عمرو والأعرج: ~~«النشآة» ممدودة. # وأقنى معناه: أكسب، يقال: قنبت المال، أي كسبته، ثم يعدى بعد ذلك ~~بالهمزة، وقد يعدى بالتضعيف، ومنه قول الشاعر: [البسيط] # كم من غني أصاب الدهر ثروته ... ومن فقير يقنى بعد إقلال # وعبر المفسرون عن أقنى بعبارات مختلفة. وقال بعضهم: أقنى معناه: أكسب ما ~~يقتني، PageV05P207 # وقال مجاهد معناه: أغنى وأرضى. وقال حضرمي معناه: أغنى عن نفسه وأقنى ~~أفقر عباده إليه. وقال الأخفش: أقنى أفقر، وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، ~~والوجه فيها بحسب اللغة أكسب ما يقتني. # وقال ابن عباس: أقنى قنع. والقناعة خير قنية، والغنى عرض زائل، فلله در ~~ابن عباس. # و: الشعرى نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد: هو من زمر الجوزاء وهما ~~شعريان، إحداهما: # الغميصاء، والأخرى العبور، لأنها عبرت المجرة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه ~~الشعرى، ومنهم أبو كبشة، ذكره الزهراوي واسمه عبد العزى، فلذلك خصت بالذكر، ~~أي وهو رب هذا المعبود الذي لكم. # وعاد: هم قوم هود، واختلف في معنى وصفها ب الأولى، فقال ابن زيد ~~والجمهور: ذلك لأنها في وجه الدهر وقديمه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم ~~المتأخرة، وقال الطبري: سميت أولى، لأن ثم عادا أخيرة وهي قبيلة كانت بمكة ~~مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، لأن هذا الأخير لم يصح. وقال ~~المبرد عادا الأخيرة ms3377 هي ثمود، والدليل قول زهير: [الطويل] كأحمر عاد ثم ~~ترضع فتفطم ذكره الزهراوي، وقيل الأخيرة: الجبارون. # وقرأ ابن كثير وعاصم، وابن عامر وحمزة، والكسائي «عاد الأولى» منونة ~~وبهمز. وقرأ نافع فيما روي عنه: «عادا الأولى» بإزالة التنوين والهمز. وهذا ~~كقراءة من قرأ «أحد الله» وكقول الشاعر [أبو الأسود الدؤلي] : [المتقارب] ~~ولا ذاكر الله إلا قليلا وقرأ قوم: عادا الأولى والنطق بها «عادن الأولى» . ~~واجتمع سكون نون التنوين وسكون لام التعريف فكسرت النون للالتقاء، ولا فرق ~~بينهما وبين قراءة الجمهور ولا ترك الهمز. وقرأ نافع أيضا وأبو عمرو بالوصل ~~والإدغام «عاد الولي» بإدغام النون في اللام ونقل حركة الهمزة إلى اللام. ~~وعاب أبو عثمان المازني والمبرد هذه القراءة، وقال: إن هذا النقل لا يخرج ~~اللام عن حد السكون وحذف ألف الوصل أن تبقى كما تقول العرب إذا نقلت الهمزة ~~من قولهم الأحمر فإنهم يقولون الحمر جاء فكذلك يقال هاهنا «عادا الولي» ، ~~قال أبو علي: والقراءة سائغة، وأيضا فمن العرب من يقول: لحمر جاء فيحذف ~~الألف مع النقل ويعتد بحركة اللام ولا يراها في حكم السكون، وقرأ نافع فيما ~~روي عنه «عادا الأولى» بهمز الواو، ووجه ذلك أنه لما لم يكن بين الواو ~~والضمة حائل تخيل الضمة عليها فهمزها كما تهمز الواو المضمومة، وكذلك فعل ~~من قرأ: «على سؤقه» ، وكما قال الشاعر [جرير] : [الوافر] لحب المؤقدان إلى ~~موسى وهي لغة. وقرأ الجمهور: «وثمودا» بالنصب عطفا على عاد. وقرأ عاصم ~~وحمزة والحسن وعصمة «وثمود» بغير صرف، وهي في مصحف ابن مسعود بغير ألف بعد ~~الدال. PageV05P208 # وقوله: فما أبقى ظاهره: فما أبقى عليهم، وتأول ذلك بعضهم فما أبقى منهم ~~عينا تطرف، وقد قال ذلك الحجاج حين سمع قول من يقول إن ثقيفا من ثمود فأنكر ~~ذلك وقال: إن الله تعالى قال: وثمود فما أبقى. وهؤلاء يقولون بقي منهم ~~باقية. # قوله عز وجل: ### || [سورة النجم (53) : الآيات 52 الى 62] # وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) ~~فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك ms3378 تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى ~~(56) # أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون ~~(59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) # فاسجدوا لله واعبدوا (62) # نصب قوم نوح عطفا على «ثمود» وقوله: من قبل لأنهم كانوا أول أمة كذبت من ~~أهل الأرض، ونوح أول الرسل، وجعلهم أظلم وأطغى: لأنهم سبقوا إلى التكذيب ~~دون اقتداء بأحد قبلهم، وأيضا فإنهم كانوا في غاية من العتو، وكان عمر نوح ~~قد طال في دعائهم، فكان الرجل يأتي إليه مع ابنه فيقول: أحذرك من هذا الرجل ~~فإنه كذاب، ولقد حذرني منه أبي وأخبرني أن جدي حذره منه، فمشت على ذلك ~~أخلافهم ألفا إلا خمسين عاما. # والمؤتفكة قرية قوم لوط بإجماع من المفسرين، ومعنى المؤتفكة: المنقلبة ~~لأنها أفكت فائتفكت، ومنه الإفك، لأنه قلب الحق كذبا، وقرأ الحسن بن أبي ~~الحسن: «والمؤتفكات أهوى» على الجمع. وأهوى معناه: طرحها من هواء عال إلى ~~أسفل، هذا ما روي من أن جبريل عليه السلام اقتلعها بجناحه حتى بلغ بها قرب ~~السماء ثم حولها قلبها فهبط الجميع واتبعوا حجارة وهي التي غشاها الله ~~تعالى. # وقوله: فبأي آلاء ربك تتمارى مخاطبة للإنسان الكافر، كأنه قيل له: هذا هو ~~الله الذي له هذه الأفاعيل، وهو خالقك المنعم عليك بكل النعم، ففي أيها ~~تشك. و: تتمارى معناه: تتشكك. وقرأ يعقوب «ربك تمارى» بتاء واحدة مشددة. ~~وقال أبو مالك الغفاري إن قوله: ألا تزر [النجم: 38] إلى قوله: تتمارى هو ~~في صحف إبراهيم وموسى. # وقوله: هذا نذير يحتمل أن يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ~~قتادة وأبي جعفر ومحمد بن كعب القرظي، ويحتمل أن يشير إلى القرآن، وهو ~~تأويل قوم، وقال أبو مالك: الإشارة بهذا النذير إلى ما سلف من الأخبار عن ~~الأمم. و: نذير يحتمل أن يكون بناء اسم فاعل، ويحتمل أن يكون مصدرا، ونذر ~~جمع نذير. وقال الأولى بمعنى أنه في الرتبة والمنزلة والأوصاف من تلك ~~المتقدمة، والأشبه أن تكون الإشارة إلى محمد. # وقوله: أزفت معناه: قربت القريبة. و: الآزفة ms3379 عبارة عن القيامة بإجماع من ~~المفسرين. PageV05P209 # وأزف معناه: قرب جدا، قال كعب بن زهير: [البسيط] # بان الشباب وأمسى الشيب قد أزفا ... ولا أرى لشباب ذاهب خلفا # وقوله: كاشفة يحتمل أن يكون صفة لمؤنث، التقدير: حالة كاشفة، أو منة ~~كاشفة. قال الرماني أو جماعة، ويحتمل أن يكون مصدرا كالعاقبة وخائنة الأعين ~~[غافر: 19] . ويحتمل أن يكون بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة، كما قال: فهل ~~ترى لهم من باقية [الحاقة: 8] وأما معنى كاشفة فقال الطبري والزجاج: هو من ~~كشف السر، أي ليس من دون الله من يكشف وقتها ويعلمه. وقال الزهراوي عن منذر ~~بن سعيد: هو من كشف الضر ودفعه، أي ليس من يكشف خطبها وهولها. # وقرأ طلحة: ليس لها مما تدعون من دون الله كاشفة وهي على الظالمين سوءات ~~الغاشية، وهذا الحديث هو القرآن. # وقوله: أفمن توقيف وتوبيخ. وفي حرف أبي وابن مسعود: «تعجبون» «تضحكون» ~~بغير واو العطف، وفي قوله عز وجل: ولا تبكون حض على البكاء عند سماع ~~القرآن. وروى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~هذا القرآن أنزل يخوف، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» ذكره ~~الثعلبي، والسامد: اللاعب اللاهي، وبهذا فسر ابن عباس وغيره من المفسرين. ~~وقال الشاعر [هذيلة بنت بكر] : [مجزوء الكامل] # قيل قم فانظر إليهم ... ثم دع عنك السمود # وسمد بلغة حمير غنى، وهو معنى كله قريب من بعض، وأسند الطبري عن أبي خالد ~~الوالي قال: # خرج علينا علي ونحن قيام ننتظر الصلاة فقال: ما لي أراكم سامدين. # قال القاضي أبو محمد: يشبه أنه رآهم في أحاديث ونحوه مما يظن أنه غفلة ~~ما. وقد قال إبراهيم كانوا يكرهون أن ينتظروا خروج الإمام قياما، وفي ~~الحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» . # ثم أمر تعالى بالسجود وعبادة الله تحذيرا وتخويفا، وهاهنا سجدة في قول ~~كثير من أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وردت بها أحاديث صحاح، ~~وليس يراها مالك رحمه الله، وقال زيد بن وثاب إنه قرأ ms3380 بها عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلم يسجد. PageV05P210 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القمر # وهي مكية بإجماع إلا آية واحدة اختلف فيها، فقال جمهور الناس هي مكية، ~~وقال قوم هي مما نزل ببدر، وقيل بالمدينة وهي: سيهزم الجمع [القمر: 45] ~~الآية وسيأتي القول في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ~~(2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما ~~فيه مزدجر (4) # حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع ~~يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) # اقتربت معناه: قربت إلا أنه أبلغ، كما أن اقتدر أبلغ من قدر. و: الساعة ~~القيامة وأمرها مجهول التحديد لم يعلم، إلا أنها قربت دون تحديد، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وأشار بالسبابة ~~والوسطى. وقال أنس: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب ~~فقال: «ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي من هذا اليوم» . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» ، ~~وهذا منه على جهة الرجاء والظن لم يجزم به خبرا، فأناب الله به على أمله ~~وأخر أمته أكثر من رجائه، وكل ما يروى عن عمر الدنيا من التحديد فضعيف ~~واهن. # وقوله: انشق القمر إخبار عما وقع في ذلك، وذكر الثعلبي أنه قيل إن المعنى ~~ينشق القمر يوم القيامة، وهذا ضعيف الأمة على خلافه، وذلك أن قريشا سألت ~~رسول الله آية فقيل مجملة، وهذا قول الجمهور، وقيل بل عاينوا شق القمر، ~~ذكره الثعلبي عن ابن عباس فأراهم الله انشقاق القمر، فرآه رسول الله وجماعة ~~من المسلمين والكفار، فقال رسول الله «اشهدوا» ، وممن قال من الصحابة ~~رأيته: عبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وأخبر به عبد الله بن عمر وأنس ~~وابن ms3381 عباس وحذيفة بن اليمان، وقال المشركون عند ذلك: سحرنا محمد. وقال ~~بعضهم: سحر القمر وقالت قريش استخبروا المسافرين القادمين عليكم، فما PageV05P211 # ورد أحد إلا أخبر بانشقاقه وقال ابن مسعود: رأيته انشق فذهبت فرقة وراء ~~جبل حراء، وقال ابن زيد: كان يرى نصفه على قعيقعان والآخر على أبي قبيس. ~~وقرأ حذيفة: «اقتربت الساعة وقد انشق القمر» ، وذكر الثعلبي عنه أن قراءته: ~~«اقتربت الساعة انشق القمر» دون واو. # وقوله: وإن يروا جاء اللفظ مستقبلا لينتظم ما مضى وما يأتي، فهو إخبار ~~بأن حالهم هكذا، واختلفت الناس في معنى: مستمر فقال الزجاج قيل معناه: دائم ~~متماد. وقال قتادة ومجاهد والكسائي والفراء معناه: مار ذاهب عن قريب يزول. ~~وقال أبو العالية والضحاك معناه: مشدود من مرائير الحبل كأنه سحر قد أمر، ~~أي أحكم. ومنه قول الشاعر [لقيط بن زرارة] : [البسيط] # حتى استمرت على شزر مريرته ... صدق العزيمة لا رتا ولا ضرعا # ثم أخبر تعالى بأنهم كذبوا واتبعوا شهواتهم وما يهوون من الأمور لا بدليل ~~ولا بتثبت، ثم قال على جهة الخبر الجزم، وكل أمر مستقر يقول: وكل شيء إلى ~~غاية فالحق يستقر ظاهرا ثابتا، والباطل يستقر زاهقا ذاهبا. # وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «وكل مستقر» بجر «مستقر» ، يعني بذلك أشراطها. ~~والجمهور على كسر القاف من «مستقر» وقرأ نافع وابن نصاح بفتحها، قال أبو ~~حاتم: لا وجه لفتح القاف. # و: الأنباء جمع نبأ، ويدخل في هذا جميع ما جاء به القرآن من المواعظ ~~والقصص ومثلات الأمم الكافرة، و: مزدجر معناه: موضع زجر وانتهاء، وأصله: ~~مزتجر، قلبت التاء دالا ليناسب مخرجها مخرج الزاي، وكذلك تبدل تاء افتعل من ~~كل فعل أوله زاي كازدلف وازداد ونحوه. # وقوله: حكمة مرتفع إما على البدل من ما في قوله: ما فيه، وإما على خبر ~~ابتداء تقديره: # هذه حكمة و: بالغة معناه: يبلغ المقصد بها من وعظ النفوس والبيان لمن له ~~عقل. وقوله: فما تغن النذر، يحتمل أن تكون «ما» نافية، أي ليس تغني مع عتو ~~هؤلاء الناس، ويحتمل أن تكون ms3382 «ما» استفهاما بمعنى التقرير، أي فما غناء ~~النذر مع هؤلاء الكفرة، ثم سلى نبيه بقوله: فتول عنهم أي لا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات، وتم القول في قوله: عنهم ثم ابتدأ وعيدهم، والعامل في يوم ~~قوله: # يخرجون، و: خشعا حال من الضمير في يخرجون وتصرف الفعل يقتضي تقدم الحال، ~~قال المهدوي: ويجوز أن يكون حالا من الضمير في عنهم. قال الرماني المعنى: ~~فتول عنهم واذكر يوم. وقال الحسن المعنى: فتول عنهم إلى يوم، وانحذفت الواو ~~من يدع لأن كتبة المصحف اتبعوا اللفظ لا ما يقتضيه الهجاء، وأما حذف الياء ~~من: الداع ونحوه، فقال سيبويه: حذفوه تخفيفا. وقال أبو علي: حذفت مع الألف ~~واللام إذ هي تحذف مع معاقبهما وهو التنوين. # وقرأ جمهور الناس: «نكر» بضم الكاف. وقرأ ابن كثير وشبل والحسن: «نكر» ~~بكسر الكاف، وقرأ مجاهد والجحدري وأبو قلابة: «نكر» بكسر الكاف وفتح الراء ~~على أنه فعل مبني للمفعول، والمعنى في ذلك كله PageV05P212 # أنه منكور غير معروف ولا مرئي مثله. قال الخليل: النكر: نعت للأمر الشديد ~~والرجل الداهية. وقال مالك بن عوف النصري: [الرجز] # أقدم محاج إنه يوم نكر ... مثلي على مثلك يحمى ويكر # ونكر فعل وهو صفة، وذلك قليل في الصفات، ومنه مشية سجح وقال الشاعر [حسان ~~بن ثابت الأنصاري] : [البسيط] # دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سجحا ... إن الرجال ذوو عصب وتذكير # ومنه رجل شلل وناقة أجد. # وقرأ جمهور القراء: «خشعا» وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن ~~وقتادة. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: «خاشعا» ، وهي قراءة ابن عباس وابن ~~جبير ومجاهد والجحدري، وهو إفراد بمعنى الجمع، ونظيره قول الشاعر [الحارث ~~بن أوس الإيادي] : [الرمل] # وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد # ورجح أبو حاتم هذه القراءة وذكر أن رجلا من المتطوعة قال قبل أن يستشهد: ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فسألته عن «خشعا وخاشعا» فقال: ~~«خاشعا» بالألف، وفي مصحف أبي بن كعب وعبد الله: «خاشعة» . # وخص الأبصار بالخشوع لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، ms3383 وكذلك سائر ما ~~في نفس الإنسان من حياء أو صلف أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر. و: ~~الأجداث جمع جدث وهو القبر، وشبههم بالجراد المنتشر، وقد شبههم في أخرى ب ~~الفراش المبثوث [القارعة: 4] ، وفيهم من كل هذا شبه، وذهب بعض المفسرين إلى ~~أنهم أولا كالفراش حين يموجون بعض في بعض ثم في رتبة أخرى كالجراد إذا ~~توجهوا نحو المحشر والداعي، وفي الحديث: إن مريم بنت عمران دعت للجراد ~~فقالت: اللهم اعشها بغير رضاع وتابع بينها بغير شباع. # والمهطع: المسرع في مشيه نحو الشيء مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد، إما ~~لخوف أو طمع أو نحوه، ويقول الكافرون هذا يوم عسر لما يرون من مخايل هوله ~~وعلامات مشقته. # قوله عز وجل: ### || [سورة القمر (54) : الآيات 9 الى 17] # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا ~~فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) # تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) ~~فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) # سوق هذه القصة وعيد لقريش وضرب مثل لهم، وقوله: وازدجر إخبار من الله ~~أنهم زجروا نوحا PageV05P213 # بالسب والنجه والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ: لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين [الشعراء: 116] ، وذهب مجاهد إلى أن وازدجر من كلام قوم نوح، ~~كأنهم قالوا مجنون وازدجر، والمعنى: استطير جنونا واستعر جنونا، وهذا قول ~~فيه تعسف وتحكم. # وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم والأعرج والحسن «أني» بفتح الألف، أي «بأنه» ~~كأن دعاءه كان هذا المعنى. وقرأ عاصم أيضا وابن أبي إسحاق وعيسى «إني» بكسر ~~الألف كأن دعاءه كان هذا اللفظ قال سيبويه: المعنى قال إني. # وذهب جمهور المفسرين إلى أن المعنى أني قد غلبني الكفار بتكذيبهم ~~وتخويفهم، انتصر لي منهم بأن تهلكهم، ويحتمل أن يريد: فانتصر لنفسك إذ ~~كذبوا رسولك. ويؤيده قول ابن عباس إن المراد بقوله: # لمن كان ms3384 كفر الله تعالى، فوقعت الإجابة على نحو ما دعا نوح عليه السلام، ~~وذهبت المتصوفة إلى أن المعنى: إني قد غلبتني نفسي في إفراطي في الدعاء على ~~قومي فانتصر مني يا رب بمعاقبة إن شئت. # والقول الأول هو الحق إن شاء الله يدل على ذلك اتصال قوله: ففتحنا الآية، ~~وذلك هو الانتصار من الكفار. # وقرأ جمهور القراء: «ففتحنا» بتخفيف التاء. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ~~والأعرج: «ففتحنا» بشدها على المبالغة ورجحها أبو حاتم لقوله تعالى: مفتحة ~~لهم الأبواب [ص: 50] ، قال النقاش: يعني بالأبواب المجرة وهي شرج السماء ~~كشرج العبية، وقال قوم من أهل التأويل: الأبواب حقيقة فتحت في السماء أبواب ~~جرى منها الماء. وقال جمهور المفسرين: بل هو مجاز وتشبيه، لأن المطر كثر ~~كأنه من أبواب. والمنهمر الشديد الوقوع الغزير. قال امرؤ القيس: [الرمل] # راح تمريه الصبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منهمر # وقرأ الجمهور: «وفجرنا» بشد الجيم. وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأبو حيوة عن ~~عاصم: «وفجرنا» بتخفيفها. وقرأ الجمهور: «فالتقى الماء» على اسم الجنس الذي ~~يعم ماء السماء وماء العيون. وقرأ الحسن وعلي بن أبي طالب وعاصم الجحدري. ~~«فالتقى الماءان» ويروى عن الحسن: «فالتقى الماوان» . # وقوله: على أمر قد قدر قال فيه الجمهور على رتبة وحالة قد قدرت في الأزل ~~وقضيت. وقال جمهور من المتأولين المعنى: على مقادير قد قدرت ورتبت وقت ~~التقائه، ورووا أن ماء الأرض علا سبعة عشر ذراعا وكان ماء السماء ينزل عليه ~~بقية أربعين ذراعا أو نحو هذا لأنه مما اختلفت فيه الروايات ولا خبر يقطع ~~العذر في شيء من هذا التحرير. وقرأ أبو حيوة: «قدر» بشد الدال. وذات ~~الألواح والدسر: هي السفينة قيل كانت ألواحها وخشبها من ساج، والدسر: ~~المسامير، واحدها: دسار، وهذا هو قول الجمهور، وهو عندي من الدفع المتتابع، ~~لأن المسمار يدفع أبدا حتى يستوي. وقال الحسن وابن عباس أيضا: # الدسر: مقادم السفينة، لأنها تدسر الماء أي تدفعه. والدسر: الدفع. وقال ~~مجاهد وغيره: نطق السفينة. # وقال أيضا: هو أرض السفينة. وقال أيضا: أضلاع ms3385 السفينة، وقد تقدم القول في ~~شرح قصة السفينة مستوعبا، وجمهور الناس على أنها كانت على هيئة السفن اليوم ~~كجؤجؤ الطائر، وورد في بعض الكتب أنها PageV05P214 # كانت مربعة، طويلة في السماء، واسعة السفل، ضيقة العلو، وكان أعلاها ~~مفتوحا للهواء والتنفس، قال: # لأن الغرض منها إنما كانت السلامة حتى ينزل الماء، ولم يكن طلب الجري ~~وقصد المواضع المعينة، ومع هذه الهيئة فلها مجرى ومرسى، والله أعلم كيف ~~كانت، والكل محتمل. # وقوله: بأعيننا قال الجمهور معناه: بحفظنا وحفايتنا وتحت نظرنا لأهلها، ~~فسمى هذه الأشياء أعينا تشبيها، إذ الحافظ المتحفي من البشر إنما يكون ذلك ~~الأمر نصب عينه، وقيل المراد من حفظها من الملائكة سماهم عيونا، وقال ~~الرماني وقيل إن قوله: بأعيننا يريد العيون المفجرة من الأرض. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. # وقرأ أبو السمال: «بأعينا» مدغمة. وقرأ جمهور الناس: «كفر» بضم الكاف ~~وكسر الفاء، واختلفوا في المعنى فقال ابن عباس ومجاهد: «من» ، يراد بها ~~الله تعالى كأنه قال: غضبا وانتصارا لله، أي انتصر لنفسه فأنجى المؤمنين ~~وأغرق الكافرين. وقال مكي وقيل «من» ، يراد بها نوح والمؤمنين، لأنهم كفروا ~~من حيث كفر بهم فجازاهم الله بالنجاة. وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة: ~~«كفر» بفتح الكاف والفاء، والضمير في: تركناها قال مكي بن أبي طالب هو عائد ~~على هذه الفعلة والقصة. وقال قتادة والنقاش وغيره: هو عائد على هذه ~~السفينة، قالوا وإن الله تعالى أرسلها على الجودي حين تطاولت الجبال وتواضع ~~وهو جبيل بالجزيرة بموضع يقال له باقردى، وأبقى خشبها هنالك حتى رأت بعضه ~~أوائل هذه الأمة. وقال قتادة: وكم من سفينة كانت بعدها صارت رصودا و: مدكر ~~أصله: مذتكر، أبدلوا من التاء ذالا ليناسب الدال في النطق، ثم أدغموا الدال ~~في الدال، وهي قراءة الناس، قال أبو حاتم: رويت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإسناد صحيح وقرأ قتادة: «مذكر» بالذال على إدغام الثاني في الأول، ~~قال أبو حاتم: وذلك رديء ويلزمه أن يقرأ واذكر بعد أمة وتذخرون في بيوتكم. # وقوله تعالى: فكيف ms3386 كان عذابي ونذر توقيف لقريش وتوبيخ، والنذر: هنا جمع ~~نذير، المصدر بمعنى كان عاقبة إنذاري لمن لم يجعل به كأنتم أيها القوم. و: ~~يسرنا القرآن معناه: سهلناه وقربناه و «الذكر» : الحفظ عن ظهر قلب، قال ابن ~~جبير: لم يستظهر من كتب الله سوى القرآن. # قال القاضي أبو محمد: يسر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني فله لوطة ~~بالقلوب، وامتزاج بالعقول السليمة. # وقوله: فهل من مدكر استدعاء وحض على ذكره وحفظه لتكون زواجره وعلومه ~~وهداياته حاضرة في النفس. قال مطرف في قوله تعالى: فهل من مدكر هل من طالب ~~علم فيعان عليه. # قال القاضي أبو محمد: الآية تعديد نعمة في أن الله يسر الهدى ولا بخل من ~~قبله، فلله در من قبل وهدى. وقد تقدم تعليل: مدكر. # قوله عز وجل: ### || [سورة القمر (54) : الآيات 18 الى 26] # كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم ~~نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر ~~(21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) # كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر (24) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر (26) PageV05P215 # عاد قبيلة وقد تقدم قصصها. وقوله تعالى: فكيف كان عذابي ونذر، «كيف» نصب ~~إما على خبر كان وإما على الحال. و: كان بمعنى وجد ووقع في هذا الوجه. ونذر ~~جمع نذير وهو المصدر. وقرأ ورش وحده: «ونذري» بالياء، وقرأ الباقون «ونذر» ~~بغير ياء على خط المصحف. # و: «الصرصر» قال ابن عباس وقتادة معناه الباردة وهو الصر. وقال جماعة من ~~المفسرين معناه: المصوتة نحو هذين الحرفين مأخوذ من صوت الريح إذا هبت ~~دفعا، كأنها تنطق بهذين الحرفين، الصاد والراء، وضوعف الفعل كما قالوا: ~~كبكب وكفكف من كب وكب، وهذا كثير، ولم يختلف القراء في سكون الحاء من «نحس» ~~وإضافة اليوم إليه إلا ما روي عن الحسن أنه قرأ: «في يوم» بالتنوين و: ~~«نحس» بكسر الحاء. # ومستمر ms3387 معناه: متتابع، قال قتادة: استمر بهم ذلك النحس حتى بلغهم جهنم. ~~قال الضحاك في كتاب الثعلبي المعنى كان مرا عليهم، وذكره النقاش عن الحسن، ~~وروي أن ذلك اليوم الذي كان لهم فيه نحس مستمر كان يوم أربعاء، وورد في بعض ~~الأحاديث في تفسير هذه الآية: يوم نحس مستمر: # يوم الأربعاء، قتأول في ذلك بعض الناس أنه يصحب في الزمن كله، وهذا عندي ~~ضعيف وإن كان الدولابي أبو بشر قد ذكر حديثا رواه أبو جعفر المنصور عن أبيه ~~محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر» ، ويوجد نحو هذا في كلام ~~الفرس والأعاجم، وقد وجد ذكر الأربعاء التي لا تدور في شعر لبعض ~~الخراسانيين المولدين، وذكر الثعلبي عن زر بن حبيش في تفسير هذا اليوم لعاد ~~أنه كل يوم أربعاء لا تدور، وذكره النقاش عن جعفر بن محمد وقال: كان القمر ~~منحوسا بزحل وهذه نزعة سوء عياذا بالله أن تصح عن جعفر بن محمد. # وقوله: تنزع الناس معناه: تنقلهم من مواضعهم نزعا فتطرحهم. وروي عن ~~مجاهد: أنها كانت تلقي الرجل على رأسه فيتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من ~~بدنه فلذلك حسن التشبيه ب «أعجاز» النخل وذلك أن المنقعر هو الذي ينقلب من ~~قعره. فذلك التشعث والشعب التي لأعجاز النخل، كان يشبهها ما تقطع وتشعث من ~~شخص الإنسان، وقال قوم: إنما شبههم ب «أعجاز النخل» لأنهم كانوا يحفرون ~~حفرا ليمتنعوا فيها من الريح، فكأنه شبه تلك الحفر بعد النزع بحفر أعجاز ~~النخل، والنخل يذكر ويؤنث فلذلك قال هنا: منقعر وفي غير هذه السورة: خاوية ~~[الحاقة: 7] والكاف في قوله: كأنهم أعجاز في موضع الحال، قاله الزجاج، وما ~~روي من خبر الخلجان وغيره وقوتهم ضعيف كله، وفائدة تكرار قوله: # فكيف كان عذابي ونذر التخويف وهز الأنفس قال الرماني: لما كان الإنذار ~~أنواعا، كرر التذكير والتنبيه، وفائدة تكرار قوله: ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل من مدكر التأكيد ms3388 والتحريض وتنبيه الأنفس. # وهذا موجود في تكرار الكلام، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا هل ~~بلغت، ألا هل بلغت» . ومثل PageV05P216 # قوله: «ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور» . وكان صلى الله ~~عليه وسلم إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا، فهذا كله نحو واحد وإن تنوع، ~~و: ثمود قبيلة صالح عليه السلام وهم أهل الحجر. # وقرأ الجمهور: «أبشرا منا واحدا» ونصب قوله «بشرا» بإضمار «فهل» يدل عليه ~~قوله: نتبعه، و: «واحدا» نعت ل «بشر» . وقرأ أبو السمال: «أبشر منا واحدا ~~نتبعه» ورفعه إما على إضمار فعل مبني للمفعول، التقدير: أينبأ بشر، وإما ~~على الابتداء والخبر في قوله نتبعه و: «واحدا» على هذه القراءة إما من ~~الضمير في: نتبعه وإما عن المقدر مع: منا كأنه يقول: أبشر كائن منا واحدا، ~~وفي هذا نظر. # وحكى أبو عمر والداني قراءة أبي السمال: «أبشر منا واحد» بالرفع فيهما. # وهذه المقالة من ثمود حسد منهم واستبعاد منهم أن يكون نوع المبشر يفضل ~~بعضه بعضا هذا الفضل فقالوا: أنكون جمعا ونتبع واحدا، ولم يعلموا أن الفضل ~~بيد الله، يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى من رضيه. # وقوله: في ضلال معناه: في أمر متلف مهلك بالإتلاف، وسعر معناه: في احتراق ~~أنفس واستعارها حنقا وهما باتباعه، وقيل في السعر: العناء، وقاله قتادة. ~~وقيل الجنون، ومنه قولهم ناقة بمعنى مسعورة، إذا كانت تفرط في سيرها، ثم ~~زادوا في التوقي بقولهم: أألقي الذكر عليه من بيننا، وألقي بمعنى أنزل، ~~وكأنه يتضمن عجلة في الفعل، والعرب تستعمل هذا الفعل، ومنه قوله تعالى: ~~وألقيت عليك محبة مني [طه: 39] ومنه قوله: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ~~[المزمل: 5] ، والذكر هنا: # الرسالة وما يمكن أن جاءهم به من الحكمة والموعظة، ثم قالوا: بل هو كذاب ~~أشر أي ليس الأمر كما يزعم، والأشر: البطر والمرح، فكأنهم رموه بأنه أشر، ~~فأراد العلو عليهم وأن يقتادهم ويتملك طاعتهم فقال الله تعالى لصالح: ~~سيعلمون غدا وهذه بالياء من تحت قراءة علي بن أبي طالب وجمهور ms3389 الناس. # وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم وابن وثاب وطلحة والأعمش «ستعلمون» ~~بالتاء على معنى قل لهم يا صالح. # وقوله: غدا تقريب يريد به الزمان المستقبل، لا يوما بعينه، ونحو المثل: ~~مع اليوم غد. # وقرأ جمهور الناس: «الأشر» بكسر السين كحذر بكسر الذال. وقرأ مجاهد فيما ~~ذكر عنه الكسائي: # «الأشر» بضم الشين كحذر بضم الذال، وهما بناءان من اسم الفاعل. وقرأ أبو ~~حيوة: «الأشر» بفتح الشين، كأنه وصف بالمصدر. وقرأ أبو قلابة: «الأشر» بفتح ~~الشين وشد الراء، وهو الأفعل، ولا يستعمل بالألف واللام وهو كان الأصل لكنه ~~رفض تخفيفا وكثرة استعمال. # قوله عز وجل: ### || [سورة القمر (54) : الآيات 27 الى 35] # إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن الماء قسمة ~~بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابي ~~ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31) # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا ~~أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي ~~من شكر (35) PageV05P217 # هذه الناقة التي اقترحوها أن تخرج لهم من صخرة صماء من الجبل، وقد تقدم ~~قصصها، فأخبر الله تعالى صالحا على جهة التأنيس أنه يخرج لهم الناقة ابتلاء ~~واختبارا، ثم أمره بارتقاب الفرج وبالصبر. # واصطبر أصله: اصتبر. افتعل، أبدلت التاء طاء لتناسب الصاد. ثم أمره بأن ~~يخبر ثمود أن الماء قسمة بينهم: والماء: هو ماء البئر التي كانت لهم، ~~واختلف المتأولون في معنى هذه القسمة، فقال جمهور منهم قسمة بينهم: ~~يتواسونه في اليوم الذي لا ترده الناقة وذلك فيما روي أن الناقة كانت ترد ~~البئر غبا، وتحتاج جميع مائه يومها، فنهاهم الله عن أن يستأثر أهل اليوم ~~الذي لا ترد الناقة فيه بيومهم، وأمرهم بالتواسي مع الذين ترد الناقة في ~~يومهم. وقال آخرون معناه: الماء بين جميعهم وبين الناقة قسمة. # و: محتضر معناه: محضور مشهود متواسى فيه، وقال مجاهد المعنى: كل شرب أي ~~من الماء يوما ومن لبن الناقة يوما محتضر لهم، ms3390 فكأنه أنبأهم الله عليهم في ~~ذلك. و: صاحبهم هو قدار بن سالف، وبسببه سمي الجزار القدار لشبه في الفعل، ~~قال الشاعر [عدي بن ربيعة] : [الكامل] # إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام # وقد تقدم شرح أمر قدار بن سالف. و: «تعاطى» مطاوع عاطى، فكأن هذه الفعلة ~~تدافعها الناس وأعطاها بعضهم بعضا، فتعاطاها هو وتناول العقر بيده، قاله ~~ابن عباس، ويقال للرجل الذي يدخل نفسه في تحمل الأمور الثقال متعاط على ~~الوجه الذي ذكرناه، والأصل عطا يعطو، إذا تناول، ثم يقال: عاطى، وهو كما ~~تقول: جرى وجارى وتجارى وهذا كثير، ويروى أنه كان مع شرب وهم التسعة الرهط، ~~فاحتاجوا ماء فلم يجدوه بسبب ورد الناقة، فحمله أصحابه على عقرها. ويروى أن ~~ملأ القبيل اجتمع على أن يعقرها، ورويت أسباب غير هذين، وقد تقدم ذلك. # والصيحة: يروى أن جبريل عليه السلام صاحها في طرف من منازلهم فتفتتوا ~~وهمدوا فكانوا كهشيم المحتظر. والهشيم: ما تفتت وتهشم من الأشياء. # وقرأ جمهور الناس: «كهشيم المحتظر» بكسر الظاء، ومعناه: الذي يصنع حظيرة ~~من الرعاء ونحوهم قاله أبو إسحاق السبيعي والضحاك وابن زيد، وهي مأخوذة من ~~الحظر وهو المنع، والعرب وأهل البوادي يصنعونها للمواشي وللسكنى أيضا من ~~الأغصان والشجر المورق والقصب ونحوه، وهذا كله هشيم يتفتت إما في أول ~~الصنعة، وإما عند بلى الحظيرة وتساقط أجزائها. وحكى الطبري عن ابن عباس ~~وقتادة أن «المحتظر» معناه: المحترق. قال قتادة: كهشيم محرق. وقرأ الحسن بن ~~أبي الحسن وأبو رجاء: «المحتظر» بفتح الظاء، ومعناه: الموضع الذي احتظر، ~~فهو مفعل من الحظر، أو الشيء الذي احتظر به. وقد روي عن سعيد بن جبير أنه ~~فسر: كهشيم المحتظر بأن قال: هو التراب الذي سقط من الحائط البالي، وهذا ~~متوجه، لأن الحائط حظيرة، والساقط هشيم. وقال أيضا هو وغيره: المحتظر، ~~معناه: المحرق بالنار، PageV05P218 # كأنه ما في الموضع المحتظر بالنار، وما ذكرناه عن ابن عباس وقتادة هو على ~~قراءة كسر الظاء، وفي هذا التأويل بعض البعد. وقال قوم: «المحتظر» بالفتح ~~الهشيم نفسه وهو ms3391 مفتعل، وهو كمسجد الجامع وشبهه. # وقد تقدم قصص قوم لوط. والحاصب: السحاب الرامي بالبرد وغيره، وشبه تلك ~~الحجارة التي رمى بها قوم لوط به بالكثرة والتوالي، وهو مأخوذ من الحصباء، ~~كان السحاب يحصب مقصده، ومنه قول الفرزدق: [البسيط] # مستقبلين شمال الشام تحصبهم ... بحاصب كنديف القطن منثور # وقال ابن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأهل المدينة: مصروف، لأنه ~~نكرة لم يرد به يوم بعينه. وقوله: نعمة نصب على المصدر، أي فعلنا ذلك ~~إنعاما على القوم الذين نجيناهم، وهذا هو جزاؤنا لمن شكر نعمنا وآمن وأطاع. # قوله عز وجل: ### || [سورة القمر (54) : الآيات 36 الى 44] # ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا ~~أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا ~~عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40) # ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون ~~نحن جميع منتصر (44) # المعنى: ولقد أنذر لوط قومه أخذنا إياهم، و: بطشتنا بهم، أي عذابنا لهم. ~~و: «تماروا» معناه: تشككوا وأهدى بعضهم الشك إلى بعض بتعاطيهم الشبه ~~والضلال. و: «النذر» جمع نذير. وهو المصدر، ويحتمل أن يراد بالنذر هنا وفي ~~قوله: كذبت قوم لوط بالنذر [القمر: 33] جمع نذير، الذي هو اسم الفاعل ~~والضيف: يقع للواحد والجميع، وقد تقدم ذكر أضيافه وقصصهم مستوعبا. # وقوله: فطمسنا أعينهم قال قتادة: هي حقيقة، جر جبريل شيئا من جناحه على ~~أعينهم فاستوت مع وجوههم. قال أبو عبيدة: مطموسة بجلد كالوجه. وقال ابن ~~عباس والضحاك: هي استعارة وإنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئا، ~~فجعل ذلك كالطمس. # وقوله تعالى: بكرة قيل: كان ذلك عند طلوع الفجر، وأدغم ابن محيصن الدال ~~في الصاد من قوله: ولقد صبحهم والجمهور على غير الإدغام. بكرة نكرة، فلذلك ~~صرفت. وقوله: فذوقوا عذابي يحتمل أن يكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل أن ~~يكون من قول الملائكة، ونذر جمع المصدر، أي وعاقبة نذري التي كذبتم ms3392 بها، ~~وقوله: مستقر في صفة العذاب، لأنه لم يكشف عنهم كاشف، بل اتصل ذلك بموتهم، ~~وهم مدة موتهم تحت الأرض معذبون بانتظار جهنم، ثم يتصل ذلك بعذاب النار، ~~فهو أمر متصل مستقر، وكرر فذوقوا عذابي ونذر تأكيدا وتوبيخا، وروى ورش عن ~~نافع: «نذري» بياء. PageV05P219 # وآل فرعون: قومه وأتباعه ومنه قول الشاعر [أراكة الثقفي] : [الطويل] # فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر # يريد: المسلمين في مواراة النبي عليه السلام، ويحتمل أن يريد ب آل فرعون: ~~قرابته على عرف الآن، وخصصهم بالذكر، لأنهم عمدة القوم وكبراؤهم. # وقوله: كذبوا بآياتنا يحتمل أن يريد آل فرعون المذكورين. و: (أخذناهم) ~~كذلك يريدهم بالضمير، لأن ذلك الإغراق الذي كان في البحر، كان بالعزة ~~والقدرة، ويكون قوله: بآياتنا يريد بها: # التسع، ثم أكد بكلها، ويحتمل أن يكون قوله: ولقد جاء آل فرعون النذر ~~كلاما تاما، ثم يكون قوله: # كذبوا بآياتنا كلها يعود الضمير في كلها على جميع من ذكر من الأمم ~~المذكورة. # وقوله تعالى: أكفاركم الآية خطاب لقريش، وفهم على جهة التوبيخ. أثم خصلة ~~من المال أو قوة أبدان وبسطة أو عقول أو غير ذلك ممنا يقتضي أنكم خير من ~~هؤلاء المعذبين لما كذبوا، فيرجى لكم بذلك الفضل النجاء من العذاب حين ~~كذبتم رسولكم؟ أم لكم في كتب الله المنزلة براءة من العذاب؟ قاله الضحاك ~~وابن زيد وعكرمة، ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: أم يقولون نحن ~~واثقون بجماعتنا منتصرون بقوتنا على جهة الإعجاب والتعاطي؟ سيهزمون، فلا ~~ينفع جمعهم. وقرأ أبو حيوة «أم تقولون» بالتاء من فوق. # قوله عز وجل: ### || [سورة القمر (54) : الآيات 45 الى 55] # سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) ~~إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر (48) إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر ~~(51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في ~~جنات ونهر (54) # في ms3393 مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) # هذه عدة من الله تعالى لرسوله أن جمع قريش سيهزم نصرة له، والجمهور على ~~أن الآية مكية، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: كنت أقول في نفسي أي جمع ~~يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت في الدرع ~~ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر. # قال القاضي أبو محمد: فإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر ~~مستشهدا بالآية. وقال قوم: إن الآية نزلت يوم بدر. # وقال أبو حاتم: وقرأ بعض القراء: «سيهزم» بفتح الياء وكسر الزاي «الجمع» ~~نصبا، قال أبو عمرو الداني قرأ أبو حيوة: «سنهزم» بالنون وكسر الزاي ~~«الجمع» نصبا. «وتولون» بالتاء من فوق، ثم تركت هذه PageV05P220 # الأقوال، وأضرب عنها تهمما بأمر الساعة التي عذابها أشد عليهم من كل ~~هزيمة وقتل فقال: بل الساعة موعدهم. و: أدهى أفعل من الداهية: وهي الرزية ~~العظمى تنزل بالمرء. وأمر من المرارة، واللفظة ليست هنا مستعارة، لأنها ~~ليست فيما يذاق. # ثم أخبر تعالى عن المجرمين أنهم في الدنيا في حيرة وإتلاف وفقد هدى وفي ~~الآخرة في احتراق وتسعر من حيث هم صائرون إليه، قال ابن عباس المعنى: في ~~خسران وجنون، والسعر الجنون. وأكثر المفسرين على أن المجرمين هنا يراد بهم ~~الكفار. وقال قوم المراد ب المجرمين: القدرية الذين يقولون إن أفعال العباد ~~ليست بقدر من الله، وهم المتوعدون بالسحب في جهنم، والسحب: الجر. وفي قراءة ~~ابن مسعود: «إلى النار» . # وقوله تعالى: ذوقوا مس استعارات، والمعنى: يقال لهم على جهة التوبيخ. # واختلف الناس في قوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر، فقرأ جمهور الناس: ~~«إنا كل» بالنصب، والمعنى: خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، وليست خلقناه في موضع ~~الصفة لشيء، بل هو فعل دال على الفعل المضمر، وهذا المعنى يقتضي أن كل شيء ~~مخلوق، إلا ما قام دليل العقل على أنه ليس بمخلوق كالقرآن والصفات. وقرأ ~~أبو السمال ورجحه أبو الفتح: «إنا كل» بالرفع على الابتداء، والخبر: خلقناه ~~بقدر. # قال أبو حاتم: ms3394 هذا هو الوجه في العربية، وقراءتنا بالنصب مع جماعة، ~~وقرأها قوم من أهل السنة بالرفع، والمعنى عندهم على نحو ما عند الأولى أن ~~كل شيء فهو مخلوق بقدر سابق، و: خلقناه على هذا ليست صفة لشيء، وهذا مذهب ~~أهل السنة، ولهم احتجاج قوي بالآية على هذين القولين، وقالت القدرية وهم ~~الذين يقولون: لا قدر، والمرء فاعل وحده أفعاله. القراءة «إنا كل شيء ~~خلقناه» برفع «كل» : # وخلقناه في موضع الصفة ب «كل» ، أي أن أمرنا وشأننا كل شيء خلقناه فهو ~~بقدر وعلى حد ما في هيئته وزمنه وغير ذلك، فيزيلون بهذا التأويل موضع الحجة ~~عليهم بالآية. # وقال ابن عباس: إني أجد في كتاب الله قوما يسحبون في النار على وجوههم ~~لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، ويقولون: المرء يخلق أفعاله، وإني لا أراهم، ~~فلا أدري أشيء مضى قبلنا أم شيء بقي؟. # وقال أبو هريرة: خاصمت قريش رسول الله في القدر فنزلت هذه الآية، قال أبو ~~عبد الرحمن السلمي: فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه؟ أم ~~في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكل ميسر ~~لما خلق له، سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى» ، وقال أنس بن مالك: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القدرية يقولون الخير والشر بأيدينا، ~~ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم مني» . # وقوله: إلا واحدة، أي: إلا قولة واحدة وهي: كن. وقوله: كلمح بالبصر تفهيم ~~للناس بأعجل ما يحسون وفي أشياء أمر الله تعالى أوحى من لمح البصر. ~~والأشياع: الفرق المتشابهة في مذهب ودين، ونحوه الأول شيعة للآخر، الآخر ~~شيعة للأول. PageV05P221 # ثم أخبر تعالى أن كل أفعال الأمم المهلكة مكتوب محفوظ عليهم إلى يوم ~~الحساب، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد. و: مستطر مفتعل من السطر، ~~تقول سطرت واستطرت بمعنى، وروي عن عاصم شد الراء في «مستطر» ، قال أبو ~~عمرو: وهذا لا يكون إلا عند الوقف لغة معروفة. # وقرأ جمهور الناس: «ونهر» بفتح الهاء والنون، على ms3395 أنه اسم الجنس، يريد به ~~الأنهار، أو على أنه بمعنى: وسعة في الأرزاق والمنازل، ومنه قول قيس بن ~~الخطيم: [الطويل] # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها # فقوله: «أنهرت» معناه: جعلت فتقها كنهر. وقرأ زهير الفرقبي والأعمش: ~~«ونهر» بضم النون والهاء، على أنه جمع نهار، إذ لا ليل في الجنة، وهذا سائغ ~~في اللفظ قلق في المعنى، ويحتمل أن يكون جمع نهر. وقرأ مجاهد وحميد وأبو ~~السمال والفياض بن غزوان: «نهر» ساكنة الهاء على الإفراد. # وقوله تعالى: مقعد صدق يحتمل أن يريد به الصدق الذي هو ضد الكذب، أي في ~~المقعد الذي صدقوا في الخبر به، ويحتمل أن يكون من قولك: عود صدق، أي جيد، ~~ورجل صدق، أي خبر وخلال حسان. # وقرأ جمهور الناس: «في مقعد» على اسم الجنس. وقرأ عثمان البتي: «في ~~مقاعد» على الجمع. # والمليك المقتدر: الله تعالى. PageV05P222 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الرحمن # وهي مكية فيما قال الجمهور من الصحابة والتابعين. وقال نافع بن أبي نعيم ~~وعطاء وقتادة وكريب وعطاء الخراساني عن ابن عباس: هي مدنية، نزلت عند إباية ~~سهيل بن عمرو وغيره أن يكتب في الصلح بسم الله الرحمن الرحيم، والأول أصح، ~~وإنما نزلت حين قالت قريش بمكة: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ وفي السيرة ~~أن ابن مسعود جهر بقراءتها في المسجد حتى قامت إليه أندية قريش فضربوه، ~~وذلك قبل الهجرة. # قوله عز وجل: ### || سورة الرحمن (55) : الآيات 1 الى 13] # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع ~~الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان (9) # والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو ~~العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) # الرحمن بناء مبالغة من الرحمة، وهو اسم اختص الله تعالى بالاتصاف به، ~~وحكى ابن فورك عن قوم أنهم يجعلون الرحمن آية تامة، كأن التقدير: الرحمن ~~ربنا، قاله الرماني أو أن التقدير: الله الرحمن. وقال الجمهور إنما ms3396 الآية: ~~الرحمن علم القرآن فهو جزء آية. # وقوله: علم القرآن تعديد نعمة أي هو من به وعلمه الناس، وخص حفاظه وفهمته ~~بالفضل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . ~~ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكر القرآن في كتابه في ~~أربعة وخمسين موضعا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار إليه، وذكر ~~الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا، كلها نصت على خلقه، وقد ~~اقترن ذكرهما في هذه السورة على هذا النحو، و: «الإنسان» اسم الجنس، حكاه ~~الزهراوي وغيره. و: البيان النطق والفهم والإبانة عن ذلك بقول قاله ابن زيد ~~والجمهور، وذلك هو الذي فضل الإنسان من سائر الحيوان، وقال قتادة: هو بيان ~~الحلال والحرام والشرائع، وهذا جزء من «البيان» العام، وقال قتادة: الإنسان ~~آدم. وقال ابن كيسان: الإنسان: محمد صلى الله عليه وسلم. PageV05P223 # قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص لا دليل عليه، وكل المعلومات داخلة في ~~البيان الذي علمه الإنسان، فكأنه قال من ذلك البيان وفيه معتبر كون الشمس ~~والقمر بحسبان فحذف هذا كله، ورفع الشمس بالابتداء، وهذا ابتداء تعديد نعم. # واختلف الناس في قوله: بحسبان فقال مكي والزهراوي عن قتادة: هو مصدر ~~كالحساب في المعنى وكالغفران والطغيان في الوزن. وقال أبو عبيدة معمر بن ~~المثنى والضحاك: هو جمع حساب، كشهاب وشهبان، والمعنى أن هذين لهما في ~~طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروج وغير ذلك حسابات شتى، وهذا مذهب ابن عباس ~~وأبي مالك وقتادة. وقال ابن زيد لولا الليل والنهار لم يدر أحد كيف يحسب ~~شيئا، يريد من مقادير الزمان. وقال مجاهد: «الحسبان» الفلك المستدير، شبه ~~بحسبان الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تدور المطحنة. # وقوله: والنجم والشجر يسجدان قال ابن عباس والسدي وسفيان: النجم. النبات ~~الذي لا ساق له، وسمي نجما لأنه نجم، أي ظهر وطلع، وهو مناسب للشجر نسبة ~~بينة. وقال مجاهد وقتادة والحسن: النجم اسم الجنس من نجوم السماء، والنسبة ~~التي لها من السماء هي ms3397 التي للشجر من الأرض، لأنها في ظاهرهما. وسمي الشجر ~~من اشتجار غصونه وهو تداخلها. # واختلف الناس في هذا السجود، فقال مجاهد: ذلك في النجم بالغروب ونحوه، ~~وفي الشجر بالظل واستدارته، وكذلك في النجم على القول الآخر. وقال مجاهد ~~أيضا ما معناه: أن السجود في هذا كله تجوز، وهو عبارة عن الخضوع والتذلل، ~~ونحوه قول الشاعر [زيد الخيل] : [الطويل] ترى الأكم فيها سجدا للحوافر ~~وقال: يسجدان وهما جمعان، لأنه راعى اللفظ، إذ هو مفرد اسم للنوع وهذا كقول ~~الشاعر [عمير بن شييم القطامي] : [الوافر] # ألم يحزنك أن حبال قومي ... وقومك قد تباينتا انقطاعا # وقرأ الجمهور: «والسماء رفعها» بالنصب عطفا على الجملة الصغيرة وهي ~~يسجدان لأن هذه الجملة من فعل وفاعل وهذه كذلك. وقرأ أبو السمال: «والسماء» ~~بالرفع عطفا على الجملة الكبيرة وهي قوله: والنجم والشجر يسجدان لأن هذه ~~الجملة من ابتداء وخبر، والأخرى كذلك. # وفي مصحف ابن مسعود: «وخفض الميزان» . ومعنى: وضع أقر وأثبت، والميزان: ~~العدل فيما قال الطبري ومجاهد وأكثر الناس. وقال ابن عباس والحسن وقتادة: ~~إنه الميزان المعروف. # قال القاضي أبو محمد: والميزان المعروف جزء من «الميزان» الذي يعبر به عن ~~العدل. ويظهر عندي أن قوله: وضع الميزان يريد به العدل. # وقوله: ألا تطغوا في الميزان وقوله: وأقيموا الوزن وقوله: ولا تخسروا ~~الميزان يريد به الميزان المعروف، وكل ما قيل محتمل سائغ. PageV05P224 # وقوله: ألا تطغوا نهي عن التعمد الذي هو طغيان بالميزان. وأما ما لا يقدر ~~البشر عليه من التحرير بالميزان فذلك موضوع عن الناس. «وأن لا» هو بتقدير ~~لئلا، أو مفعول من أجله. و: تطغوا نصب، ويحتمل أن تكون «أن» مفسرة، فيكون ~~تطغوا جزما بالنهي، وفي مصحف ابن مسعود: «لا تطغوا في الميزان» بغير أن. # وقرأ جمهور الناس: «ولا تخسروا» من أخسر، أي نقص وأفسد، وقال بلال بن أبي ~~بردة «تخسروا» بفتح التاء وكسر السين من خسر، ويقال خسر وأخسر بمعنى: نقص ~~وأفسد، كجبر وأجبر. وقرأ بلال أيضا فيما حكى ابن جني: «تخسروا» ، بفتح ~~التاء والسين من خسر: ms3398 بكسر السين. # واختلف الناس في: «الأنام» فقال ابن عباس فيما روي عنه هم بنو آدم فقط. ~~وقال الحسن بن أبي الحسن: هم الثقلان: الجن والإنس. وقال ابن عباس أيضا ~~وقتادة وابن زيد والشعبي: هم الحيوان كله. # والأكمام في النخل موجودة في الموضعين، فجملة فروع النخلة في أكمام من ~~ليفها، وطلع النخل في كم من جفه. وقال قتادة: أكمام النخيل رقابها. والكم ~~من النبات: كل ما التف شيء وستره، ومنه كمائم الزهر وبه شبه كم الثوب. ~~والحب ذو العصف هو البر والشعير وما جرى مجراه من الحب الذي له سنبل وأوراق ~~متشعبة على ساقه وهي العصيفة إذا يبست، ومنه قول علقمة بن عبدة: [البسيط] # تسقى مذانب قد مالت عصيفتها ... حدورها من أتي الماء مطموم # قال ابن عباس العصف التبن، وتقول العرب: خرجنا نتعصف، أي يستعجلون عصيفة ~~الزرع. # وقرأ ابن عامر وأبو البرهسم: «والحب» بالنصب عطفا على الأرض «ذا العصف ~~والريحان» إلا أن البرهسم خفض النون. # واختلفوا في الريحان، فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك معناه: الرزق، ومنه ~~قول الشاعر وهو النمر بن تولب: [المتقارب] # سلام الإله وريحانه ... وجنته وسماء درر # وقال الحسن: هو ريحانكم هذا. وقال ابن جبير: هو كل ما قام على ساق، وقال ~~ابن زيد وقتادة: # الريحان هو كل مشموم طيب الريح من النبات. وفي هذا النوع نعمة عظيمة. ~~ففيه الأزهار والمندل والعقاقير وغير ذلك. وقال الفراء: العصف فيما يؤكل، ~~والريحان كل ما لا يؤكل. # وقرأ جمهور الناس: «والحب» بالرفع «ذو العصف والريحان» وهذه قراءة في ~~المعنى كالأولى في الإعراب حسنة الاتساق عطفا على فاكهة. وقرأ حمزة ~~والكسائي وابن محيصن: «والحب» بالرفع «ذو العصف والريحان» بخفض «الريحان» ~~عطفا على العصف، كأن الحب هما له على أن العصف منه الورق. وكل ما يعصف ~~باليد وبالريح فهو رزق البهائم، والريحان منه الحب فهو رزق الناس، ~~«والريحان» على هذه القراءة: الرزق: لا يدخل فيه المشموم بتكلف. # والريحان هو من ذوات الواو. قال أبو علي: إما أن يكون ريحان اسما ووضع ~~موضع المصدر، PageV05P225 # وإما ms3399 أن يكون مصدرا على وزن فعلان، كالليان وما جرى مجراه أصله: روحان، ~~أبدلت الواو ياء كما بدلوا الواو ياء في أشاوى وإما أن يكون مصدرا شاذا في ~~المعتل كما شذ كينونة وبينونة، فأصله ريوحان، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء ~~في الياء، فجاء ريحان، فخفف كما قالوا ميت وميت وهين وهين. # والآلاء: النعم، واحدها إلى مثل معى وألى مثل قفا، حكى هذين أبو عبيدة، ~~وألي مثل أمر وإلي مثل حصن، حكى هذين الزهراوي. والضمير في قوله: ربكما ~~للجن والإنس، وساغ ذلك ولم يصرح لهما بذكر على أحد وجهين إما أنهما قد ذكرا ~~في قوله: للأنام على ما تقدم من أن المراد به الثقلان، وإما على أن أمرهما ~~مفسر في قوله: خلق الإنسان # [الرحمن: 14] وخلق الجان [الرحمن: 15] فساغ تقديمهما في الضمير اتساعا. ~~وقال الطبري: يحتمل أن يقال هذا من باب ألقيا في جهنم ويا غلام اضربا عنقه. ~~وقال منذر بن سعيد خوطب من يعقل لأن المخاطبة بالقرآن كله هي للإنس والجن، ~~ويروى أن هذه الآية لما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم سكت أصحابه فقال: ~~«إن جواب الجن خير من سكوتكم، أي لما قرأتها على الجن قالوا: لا، بأيها ~~نكذب يا ربنا» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الرحمن (55) : الآيات 14 الى 18] # خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (18) # قال كثير من المفسرين: الإنسان آدم. وقال آخرون: أراد اسم الجنس، وساغ ~~ذلك من حيث أبوهم مخلوق من الصلصال. # واختلف الناس في اشتقاق الصلصال، فقال مكي فيما حكى النقاش: هو من صل ~~اللحم وغيره إذا نتن، فهي إشارة إلى الحمأة. وقال الطبري وجمهور المفسرين: ~~هو من صل إذا صوت، وذلك في الطين لكرمه وجودته، فهي إشارة إلى ما كان من ~~تربة آدم من الطين الحر، وذلك أن الله تعالى خلقه من طيب وخبيث ومختلف ~~اللون، فمرة ذكر في خلقه هذا، ومرة هذا، وكل ما في القرآن في ذلك ms3400 صفات ~~ترددت على التراب الذي خلق منه. و «الفخار» : الطين الطيب إذا مسه الماء ~~فخر أي ربا وعظم. # و: الجان اسم جنس، كالجنة. و: «المارج» اللهب المضطرب من النار. قال ابن ~~عباس: وهو أحسن النار المختلط من ألوان شتى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعبد الله بن عمر: «كيف بك إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم ~~وأمانتهم» . # وكرر قوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان تأكيدا أو تنبيها لنفوس وتحريكا لها، ~~وهذه طريقة من الفصاحة معروفة، وهي من كتاب الله في مواضع، وفي حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وفي كلام العرب وذهب قوم منهم ابن قتيبة وغيره إلى أن ~~هذا التكرار إنما هو لما اختلفت النعم المذكورة كرر التوقيف مع كل واحدة ~~منها، وهذا حسن. قال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة ولا تأكيد. PageV05P226 # وخص ذكر المشرقين والمغربين بالتشريف في إضافة الرب إليهما لعظمهما في ~~المخلوقات وأنهما طرفا آية عظيمة وعبرة وهي الشمس وجريها. وحكى النقاش أن ~~المشرقين مشرقا الشمس والقمر، والمغربين كذلك على ما في ذلك من العبر، وكل ~~متجه، ومتى وقع ذكر المشرق والمغرب فهي إشارة إلى الناحيتين بجملتهما، ومتى ~~وقع ذكر المشارق والمغارب فهي إشارة إلى تفصيل مشرق كل يوم ومغربه، ومتى ~~ذكر المشرقان والمغربان، فهي إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب، لأن ذكر ~~نهايتي الشيء ذكر لجميعه. قال مجاهد: هو مشرق الصيف ومغربه، ومشرق الشتاء ~~ومغربه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرحمن (55) : الآيات 19 الى 28] # مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) # وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) ~~كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (28) # مرج البحرين معناه: أرسلهما إرسالا غير منحاز بعضهما من بعض، ومنه مرجت ~~الدابة، ومنه الأمر المريج، أي المختلط الذي لم يتحصل منه شيء، ومنه من ~~مارج من نار [الرحمن: 15] . # واختلف الناس في البحرين فقال الحسن وقتادة: ms3401 بحر فارس وبحر الروم. وقال ~~الحسن أيضا: # بحر القلزم واليمن وبحر الشام. وقال ابن عباس وابن جبير: هو بحر في ~~السماء وبحر في الأرض. وقال ابن عباس أيضا هو مطر السماء سماه بحرا وبحر ~~الأرض. والظاهر عندي أن قوله تعالى: البحرين يريد بهما نوعي الماء العذب. ~~والأجاج: أي خلطهما في الأرض وأرسلهما متداخلين في وضعهما في الأرض قريب ~~بعضهما من بعض ولا بغي، والعبرة في هذا التأويل منيرة، وأنشد منذر بن سعيد: ~~[الطويل] # وممزوجة الأمواه لا العذب غالب ... على الملح طيبا لا ولا الملح يعذب # أما قوله: يلتقيان فعلى التأويلين الأولين معناه: هما معدان للالتقاء، ~~وحقهما أن يلتقيا لولا البرزخ، وعلى القول الثالث روي أنهما يلتقيان كل سنة ~~مرة، فمن ذهب إلى أنه بحر يجتمع في السماء فهو قول ضعيف وإنما يتوجه ~~الالتقاء فيه. وفي القول الرابع بنزول المطر، وفي القول الخامس بالأنهار في ~~البحر وبالعيون قرب البحر. والبرزخ: الحاجز في كل شيء، فهو في بعض هذه ~~الأقوال أجرام الأرض، قاله قتادة. وفي بعضها القدرة والبرزخ أيضا: المدة ~~التي بين الدنيا والآخرة للموتى، فهي حاجز، وقد قال بعض الناس: إن ماء ~~الأنهار لا يختلط بالماء الملح، بل هو بذاته باق فيه، وهذا يحتاج إلى دليل ~~أو حديث صحيح، وإلا فالعيان لا يقتضيه. وذكر الثعلبي في: مرج البحرين ~~ألغازا وأقوالا باطنة لا يجب أن يلتفت إلى شيء منها. # واختلف الناس في قوله: لا يبغيان فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة معناه: لا ~~يبغي واحد منهما PageV05P227 # على الآخر. وقال قتادة أيضا والحسن: لا يبغيان على الناس والعمران. وهذان ~~القولان على أن اللفظة من البغي. وقال بعض المتأولين هي من قولك: بغي إذا ~~طلب، فمعناه: لا يبغيان حالا غير حالهما التي خلقا وسخرا لها. وقال ابن ~~عباس وقتادة والضحاك: اللؤلؤ: كبار الجوهر والمرجان: صغاره. # وقال ابن عباس أيضا ومرة الهمداني عكس هذا، والوصف بالصغر وهو الصواب في ~~اللؤلؤ. وقال ابن مسعود وغيره المرجان: حجر أحمر، وهذا هو الصواب في ~~المرجان. واللؤلؤ: بناء غريب لا ms3402 يحفظ منه في كلام العرب أكثر من خمسة: ~~اللؤلؤ والجؤجؤ والدؤدؤ واليؤيؤ وهو طائر، والبؤبؤ وهو الأصل. # واختلف الناس في قوله: منهما فقال أبو الحسن الأخفش في كتابه الحجة، وزعم ~~قوم أنه قد ينفرج اللؤلؤ والمرجان من الملح ومن العذب. # قال القاضي أبو محمد: ورد الناس على هذا القول، لأن الحس يخالفه ولا يخرج ~~ذلك إلا من الملح وقد رد الناس على الشاعر في قوله: [الطويل] # فجاء بها ما شيت من لطمية ... على وجهها ماء الفرات يموج # وقال جمهور من المتأولين: إنما يخرج ذلك من الأجاج في المواضع التي تقع ~~فيها الأنهار والمياه العذبة، فلذلك قال: منهما وهذا مشهور عند الغواصين. ~~وقال ابن عباس وعكرمة: إنما تتكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، لأن ~~الصدف وغيرها تفتح أجوافها للمطر، فلذلك قال: منهما وقال أبو عبيدة ما ~~معناه: إن خروج هذه الأشياء إنما هي من الملح، لكنه قال: منهما تجوزا كما ~~قال الشاعر [عبد الله بن الزبعرى] : [مجزوء الكامل مرفل] متقلدا سيفا ورمحا ~~وكما قال الآخر: # علفتها تبنا وماء باردا. # فمن حيث هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما وإن كانت تختص ~~عند التفصيل المبالغ بأحدهما، وهذا كما قال تعالى: سبع سماوات طباقا وجعل ~~القمر فيهن [نوح: 15- 16] ، وإنما هو في إحداهن وهي الدنيا إلى الأرض. قال ~~الرماني: العذب فيهما كاللقاح للملح فهو كما يقال: # الولد يخرج من الذكر والأنثى. # وقرأ نافع وأبو عمرو وأهل المدينة: «يخرج» بضم الياء وفتح الراء. ~~«اللؤلؤ» رفعا. وقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: «يخرج» بفتح ~~الياء وضم الراء على بناء الفعل للفاعل، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر. وقرأ ~~أبو عمرو في رواية حسين الجعفي عنه: «يخرج» بضم الياء وكسر الراء على ~~إسناده إلى الله تعالى، أي بتمكينه وقدرته، «اللؤلؤ» نصبا، ورواها أيضا عنه ~~بالنون مضمومة وكسر الراء. # و: الجوار جمع جارية، وهي السفن. وقرأ الحسن والنخعي بإثبات الياء. وقرأ ~~الجمهور وأبو جعفر وشيبة بحذفها. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ms3403 والكسائي: «المنشآت» بفتح الشين ~~أي أنشأها الله والناس. PageV05P228 # وقرأ حمزة وأبو بكر بخلاف: «المنشئات» بكسر الشين، أي تنشئ هي السير ~~إقبالا وإدبارا، و «الأعلام» الجبال وما جرى مجراها من الظراب والآكام. ~~وقال مجاهد: ما له شراع فهو من المنشآت، وما لم برفع له شراع فليس من ~~المنشآت وقوله: كالأعلام هو الذي يقتضي هذا الفرق، وأما لفظة المنشآت فيعم ~~الكبير والصغير، والضمير في قوله كل من عليها للأرض، وكنى عنها، ولم يتقدم ~~لها ذكر لوضوح المعنى كما قال تعالى: حتى توارت بالحجاب [ص: 32] إلى غير ~~ذلك من الشواهد، والإشارة بالفناء إلى جميع الموجودات على الأرض من حيوان ~~وغيره، فغلب عبارة من يعقل، فلذلك قال: من. والوجه عبارة عن الذات. لأن ~~الجارحة منفية في حق الله تعالى: وهذا كما تقول: هذا وجه القول والأمر، أي ~~حقيقته وذاته. # وقرأ جمهور الناس: «ذو الجلال» على صفة لفظة الوجه. وقرأ عبد الله بن ~~مسعود وأبي: «ذي الجلال» على صفات الرب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرحمن (55) : الآيات 29 الى 36] # يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (30) سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) يا ~~معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا ~~لا تنفذون إلا بسلطان (33) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~(35) فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) # قوله: يسئله يحتمل أن يكون في موضع الحال من الوجه، والعامل فيه يبقى ~~[الرحمن: 27] أي هو دائم في هذه الحال، ويحتمل أن يكون فعلا مستأنفا إخبارا ~~مجردا. والمعنى أن كل مخلوق من الأشياء فهو في قوامه وتماسكه ورزقه إن كان ~~مما يرزق بحال حاجة إلى الله تعالى، فمن كان يسأل بنطق فالأمر فيه بين، ومن ~~كان من غير ذلك فحاله تقتضي السؤال، فأسند فعل السؤال إليه. # وقوله: كل يوم هو في شأن أي يظهر شأن من قدرته التي قد سبقت في الأزل في ~~ميقاته من الزمن من إحياء وإماتة ورفعة وخفض، ms3404 وغير ذلك من الأمور التي لا ~~يعلم نهايتها إلا هو تعالى. والشأن: اسم جنس للأمور. قال الحسين بن الفضل: ~~معنى الآية، سوق المقادير إلى المواقيت. وورد في بعض الأحاديث، «إن الله ~~تعالى له كل يوم في اللوح المحفوظ ثلاثمائة وستون نظرة، يعز فيها ويذل، ~~ويحيي ويميت، ويغني ويعدم إلى غير ذلك من الأشياء، لا إله إلا هو» . وفي ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقيل له ما هذا الشأن يا ~~رسول الله؟ قال: يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع ويضع. # وذكر النقاش أن سبب هذه الآية قول اليهود: إن الله استراح يوم السبت، فلا ~~ينفذ فيه شيئا. # وقوله تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان عبارة عن إتيان الوقت الذي قدر فيه ~~وقضى أن ينظر في أمور عباده وذلك يوم القيامة، وليس المعنى: أن ثم شغلا ~~يتفرغ منه، وإنما هي إشارة وعيد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لأزب العقبة لأفرغن لك يا خبيث» والتفرغ من كل آدمي حقيقة. PageV05P229 # وفي قوله تعالى: سنفرغ لكم جرى على استعمال العرب، ويحتمل أن يكون التوعد ~~بعذاب في الدنيا والأول أبين. # وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: «سنفرغ» بضم الراء ~~وبالنون. وقرأ الأعرج وقتادة: # ذلك بفتح الراء والنون، ورويت عن عاصم، ويقال فرغ بفتح الراء وفرغ ~~بكسرها. ويصح منهما جميعا أن يقال يفرغ بفتح الراء وقرأ عيسى بفتح النون ~~وكسر الراء. وقال أبو حاتم: هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي: بالياء المفتوحة، قرأ حمزة والكسائي: بضم الراء. وقرأ أبو عمرو: ~~بفتحها. وقرأ الأعمش بخلاف، وأبو حيوة: «سيفرغ» بضم الياء وفتح الراء وبناء ~~الفعل للمفعول. وقرأ عيسى بن عمر أيضا: «سنفرغ» ، بفتح النون وكسر الراء. ~~وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «سنفرغ لكم أيها» . # والثقلان الإنس والجن، ويقال لكل ما يعظم أمره ثقل، ومنه: أخرجت الأرض ~~أثقالها [الزلزلة: 2] . وقال النبي عليه السلام: «إني تارك فيكم الثقلين ~~كتاب الله وعترتي» . ويقال لبيض النعام ثقل. وقال لبيد: [الكامل] ms3405 # فتذكرا ثقلا رئيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر # وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه: سمي الإنس والجن ثقلين، لأنهما ~~ثقلا بالذنوب وهذا بارع ينظر إلى خلقهما من طين ونار. # وقرأ ابن عامر: «أيه الثقلان» بضم الهاء. # واختلف الناس في معنى قوله: إن استطعتم أن تنفذوا الآية، فقال الطبري، ~~قال قوم: في الكلام محذوف وتقديره: يقال لكم يا معشر الجن والإنس، قالوا ~~وهذه حكاية عن حال يوم القيامة في يوم التناد [غافر: 32] على قراءة من شدد ~~الدال. قال الضحاك: وذلك أنه يفر الناس في أقطار الأرض، والجن كذلك، لما ~~يرون من هول يوم القيامة، فيجدون سبعة صفوف من الملائكة قد أحاطت بالأرض، ~~فيرجعون من حيث جاؤوا، فحينئذ يقال لهم: يا معشر الجن والإنس. وقال بعض ~~المفسرين: بل هي مخاطبة في الدنيا. والمعنى: إن استطعتم الفرار من الموت ب ~~أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض. وقال ابن عباس المعنى: إن استطعتم ~~بأذهانكم وفكركم أن تنفذوا فتعلموا علم أقطار السماوات والأرض. والأقطار: ~~الجهات. # وقوله: فانفذوا صيغة الأمر ومعناه التعجيز، والسلطان هنا القوة على غرض ~~الإنسان، ولا يستعمل إلا في الأعظم من الأمر والحجج أبدا من القوي في ~~الأمور، ولذلك يعبر كثير من المفسرين عن السلطان بأنه الحجة. وقال قتادة: ~~السلطان هنا الملك، وليس لهم ملك، والشواظ: لهب النار. قاله ابن عباس ~~وغيره. وقال أبو عمرو بن العلاء: لا يكون الشواظ إلا من النار وشيء معها، ~~وكذلك النار كلها لا تحس إلا وشيء معها. وقال مجاهد: الشواظ، هو اللهب ~~الأخضر المتقطع، ويؤيد هذا القول. قول حسان بن ثابت يهجو أمية بن أبي ~~الصلت: # هجوتك فاختضعت حليفا ذل ... بقافية تؤجج كالشواظ PageV05P230 # وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب وليس بدخان الحطب. # وقرأ الجمهور: «شواظ» بضم الشين. وقرأ ابن كثير وحده وشبل وعيسى: «شواظ» ~~بكسر الشين وهما لغتان. # وقال ابن عباس وابن جبير: النحاس الدخان، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # تضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا # السليط دهن السراج. ms3406 في النسخ التي بأيدينا دهن الشيرج. # وقرأ جمهور القراء: «ونحاس» بالرفع عطفا على شواظ، فمن قال إن النحاس: هو ~~المعروف، وهو قول مجاهد وابن عباس أيضا قال يرسل عليهما نحاس: أي يذاب ~~ويرسل عليهما. ومن قال هو الدخان، قال ويعذبون بدخان يرسل عليهما. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو والنخعي وابن أبي إسحاق: # «ونحاس» بالخفض عطفا على نار، وهذا مستقيم على ما حكيناه عن أبي عمرو بن ~~العلاء. ومن رأى الشواظ يختص بالنار قدر هنا: وشيء من نحاس. وحكى أبو حاتم ~~عن مجاهد أنه قرأ: «ونحاس» بكسر النون والجر. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة ~~أنه قرأ: «ونحس» بفتح النون وضم الحاء والسين المشددة، كأنه يقول: ونقتل ~~بالعذاب. وعن أبي جندب أنه قرأ: «ونحس» ، كما تقول: يوم نحس، وحكى أبو عمرو ~~مثل قراءة مجاهد عن طلحة بن مصرف، وذلك لغة في نحاس، وقيل هو جمع نحس. # ومعنى الآية: مستمر في تعجيز الجن والإنس، أي أنتما بحال من يرسل عليه ~~هذا فلا ينتصر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرحمن (55) : الآيات 37 الى 45] # فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) ~~فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) يعرف ~~المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) ~~يطوفون بينها وبين حميم آن (44) فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) # جواب «إذا» محذوف مقصود به الإبهام، كأنه يقول: فإذا انشقت السماء فما ~~أعظم الهول، وانشقاق السماء انفطارها عند القيامة. وقال قتادة: السماء ~~اليوم خضراء وهي يوم القيامة حمراء، فمعنى قوله: وردة أي محمرة كالوردة وهي ~~النوار المعروف. وهذا قول الزجاج والرماني. وقال ابن عباس وأبو صالح ~~والضحاك: هي من لون الفرس الورد، فأنث لكون السماء مؤنثة. # واختلف الناس في قوله: كالدهان فقال مجاهد والضحاك: هو جمع دهن، قالوا ~~وذلك أن السماء يعتريها يوم القيامة ذوب وتميع من شدة الهول. وقال بعضهم: ~~شبه لمعانها بلمعان الدهن. وقال جماعة من المتأولين الدهان: الجلد الأحمر، ~~وبه ms3407 شبهها، وأنشد منذر بن سعيد: [الطويل] PageV05P231 # يبعن الدهان الحمر كل عشية ... بموسم بدر أو بسوق عكاظ # وقوله تعالى: لا يسئل عن ذنبه نفي للسؤال. وفي القرآن آيات تقتضي أن في ~~القيامة سؤالا، وآيات تقتضي نفيه كهذه وغيرها، فقال بعض الناس ذلك في مواطن ~~دون مواطن، وهو قول قتادة وعكرمة. # وقال ابن عباس وهو الأظهر في ذلك أن السؤال متى أثبت فهو بمعنى التوبيخ ~~والتقرير، ومتى نفي فهو بمعنى الاستخبار المحض والاستعلام، لأن الله تعالى ~~عليم بكل شيء. وقال الحسن ومجاهد: لا يسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم ~~بالسيما، والسيما التي يعرف بها المجرمون هي سواد الوجوه وزرق العيون في ~~الكفرة، قاله الحسن. ويحتمل أن يكون غير هذا من التشويهات. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: فيؤخذ بالنواصي والأقدام. فقال ابن ~~عباس: يؤخذ كل كافر بناصيته وقدميه فيطوى ويجمع كالحطب ويلقى كذلك في ~~النار. وقال النقاش: روي أن هذا الطي على ناحية الصلب قعسا وقاله الضحاك. ~~وقال آخرون: بل على ناحية الوجه، قالوا فهذا معنى: فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام. وقال قوم في كتاب الثعلبي: إنما يسحب الكفرة سحبا، فبعضهم يجر ~~بقدميه، وبعضهم بناصيته، فأخبر في هذه الآية أن الأخذ يكون بالنواصي ويكون ~~ب الأقدام. # وقوله: هذه جهنم قبله محذوف تقديره: يقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ ~~وفي مصحف ابن مسعود: «هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليانها لا تموتان ~~فيها ولا تحييان» . # وقرأ جمهور الناس: «يطوفون» بفتح الياء وضم الطاء وسكون الواو. وقرأ طلحة ~~بن مصرف: # «يطوفون» بضم الياء وفتح الطاء وشد الواو. وقرأ أبو عبد الرحمن: «يطافون» ~~، وهي قراءة علي بن أبي طالب. والمعنى في هذا كله أنهم يترددون بين نار ~~جهنم وجمرها وبين حميم وهو ما غلي في جهنم من مائع عذابها. والحميم: الماء ~~السخن. وقال قتادة: إن العذاب الذي هو الحميم يغلي منذ خلق الله جهنم. وأنى ~~الشيء: حضر، وأنى اللحم أو ما يطبخ أو يغلى: نضج وتناهى حره والمراد منه. ~~ويحتمل قوله: آن أن يكون من هذا ومن هذا. وكونه ms3408 من الثاني أبين، ومنه قوله ~~تعالى: غير ناظرين إناه [الأحزاب: 53] ومن المعنى الآخر قول الشاعر [عمرو ~~بن حسان الشيباني] : [الوافر] أنى ولكل حاملة تمام ويشبه أن يكون الأمر في ~~المعنيين قريبا بعضه من بعض، والأول أعم من الثاني. # قوله عز وجل: ### || [سورة الرحمن (55) : الآيات 46 الى 57] # ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان ~~(48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) # فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (57) PageV05P232 # «من» في قوله تعالى: ولمن يحتمل أن تقع على جميع المتصفين بالخوف الزاجر ~~عن معاصي الله تعالى، ويحتمل أن تقع لواحد منهم وبحسب هذا قال بعض الناس في ~~هذه الآية: إن كل خائف له جنتان. وقال بعضهم: جميع الخائفين لهم جنتان. ~~والمقام هو وقوف العبد بين يدي ربه يفسره: # يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين: 6] وأضاف المقام إلى الله من حيث ~~هو بين يديه. قال الثعلبي وقيل: مقام ربه قيامه على العبد، بيانه: أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت [الرعد: 33] وحكى الزهراوي هذا المعنى عن مجاهد. ~~وفي هذه الإضافة تنبيه على صعوبة الموقف وتحريض على الخوف الذي هو أسرع ~~المطايا إلى الله عز وجل. وقال قوم: أراد جنة واحدة، وثنى على نحو قوله: ~~ألقيا في جهنم [ق: 24] وقول الحجاج: يا غلام اضربا عنقه. # وقال أبو محمد: هذا ضعيف، لأن معنى التثنية متوجه فلا وجه للفرار إلى هذه ~~الشاذة، ويؤيد التثنية قوله: ذواتا أفنان وهي تثنية ذات على الأصل. لأن أصل ~~ذات: ذوات. # والأفنان يحتمل أن يكون جمع فنن، وهو فنن الغصن، وهذا قول مجاهد، فكأنه ~~مدحها بظلالها وتكائف أغصانها ويحتمل أن يكون جمع فن، وهو قول ابن عباس، ~~فكأنه مدحها بكثرة أنواع فواكهها ونعيمها. # و: زوجان معناه: نوعان. و: متكئين حال إما من محذوف ms3409 تقديره يتنعمون ~~متكئين. وإما من قوله: ولمن خاف. والاتكاء جلسة المتنعم المتمتع. # وقرأ جمهور الناس: «فرش» بضم الراء. وقرأ أبو حيوة: «فرش» بسكون الراء، ~~وروي في الحديث أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه البطائن من ~~إستبرق فكيف الظواهر؟ قال: «هي من نور يتلألأ» . # والإستبرق ما خشن وحسن من الديباج. والسندس: ما رق منه. وقد تقدم القول ~~في لفظة الإستبرق. وقرأ ابن محيصن «من إستبرق» على أنه فعل والألف وصل. # والضمير في قوله: فيهن للفرش، وقيل للجنات، إذ الجنتان جنات في المعنى. ~~والجنى ما يجتنى من الثمار، ووصفه بالدنو، لأنه فيما روي في الحديث يتناوله ~~المرء على أي حالة كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع لأنه يدنو إلى مشتهيه. و: ~~قاصرات الطرف هي الحور العين، قصرن ألحاظهن على أزواجهن. # وقرأ أبو عمرو عن الكسائي وحده وطلحة وعيسى وأصحاب علي وابن مسعود: ~~«يطمثهن» بضم الميم. وقرأ جمهور القراء: «يطمثهن» بكسر الميم. والمعنى: لم ~~يفتضهن لأن الطمث دم الفرج، فيقال PageV05P233 # لدم الحيض طمث، ولدم الافتضاض طمث، فإذا نفي الافتضاض، فقد نفي القرب ~~منهن بجهة الوطء. # قال الفراء: لا يقال طمث إلا إذا افتض. قال غيره: طمث، معناه: جامع بكرا ~~أو غيرها. # واختلف الناس في قوله: ولا جان فقال مجاهد: الجن قد تجامع نساء البشر مع ~~أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج الله تعالى، فتنفي هذه الآية جميع المجامعات. ~~وقال ضمرة بن حبيب: الجن لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم، فنفي في هذه ~~الآية الافتضاض عن البشريات والجنيات. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ أن يكون مبالغة وتأكيدا، كأنه قال: لم ~~يطمثهن شيء، أراد العموم التام، لكنه صرح من ذلك بالذي يعقل منه أن يطمث. ~~وقال أبو عبيدة والطبري: إن من العرب من يقول: ما طمث هذا البعير حبل قط، ~~أي ما مسه. # قال القاضي أبو محمد: فإن كان هذا المعنى ما أدماه حبل، فهو يقرب من ~~الأول. وإلا فهو معنى آخر غير الذي قدمناه. # وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: «ولا ms3410 جأن» بالهمز. # وقوله عز وجل: ### || [سورة الرحمن (55) : الآيات 58 الى 69] # كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) ومن دونهما جنتان ~~(62) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) ~~فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) # فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) # الياقوت والمرجان: هي من الأشياء التي قد برع حسنها واستشعرت النفوس ~~جلالتها، فوقع التشبيه بها لا في جميع الأوصاف لكن فيما يشبه ويحسن بهذه ~~المشبهات، ف الياقوت في إملاسه وشفوفه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في صفة المرأة من نساء أهل الجنة: «يرى مخ ساقها من وراء العظم» . والمرجان ~~في إملاسه وجمال منظره، وبهذا النحو من النظر سمت العرب النساء بهذه ~~الأشياء كدرة بنت أبي لهب. ومرجانة أم سعيد وغير ذلك. # وقوله تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان آية، وعد وبسط لنفوس جميع ~~المؤمنين لأنها عامة. قال ابن المنكدر وابن زيد وجماعة من أهل العلم: هي ~~للبر والفاجر. والمعنى أن جزاء من أحسن بالطاعة أن يحسن إليه بالتنعيم. ~~وحكى النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد ~~إلا الجنة» . # وقوله تعالى: ومن دونهما جنتان اختلف الناس في معنى: من دونهما، فقال ابن ~~زيد وغيره معناه: أن هذين دون تينك في المنزلة والقدرة، والأوليان جنتا ~~السابقين، والأخريان جنتا أصحاب اليمين. PageV05P234 # قال الرماني قال ابن عباس: الجنات الأربع للخائف مقام ربه [الرحمن: 46] . ~~وقال الحسن الأوليان للسابقين والأخريان للتابعين. وقال ابن عباس، المعنى: ~~هما دونهما في القرب إلى المنعمين وهاتان المؤخرتان في الذكر أفضل من ~~الأوليين، يدل على ذلك أنه وصف عيني هذه بالنضخ والأخريين بالجري فقط، وجعل ~~هاتين مدهامتين من شدة النعمة، والأوليين ذواتي أفنان، وكل جنة ذات أفنان ~~وإن لم تكن مدهامة. # قال القاضي أبو محمد: وأكثر الناس على التأويل الأول، وهذه استدلالات ~~ليست بقواطع. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: جنتان للمقربين من ذهب، ~~وجنتان لأهل اليمين من ms3411 فضة مما دون الأولين. # و: مدهامتان معناه قد علا لونهما دهمة وسواد في النضرة والخضرة، كذا فسره ~~ابن الزبير على المنبر، ومنه قوله تعالى: الذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ~~[الأعلى: 5] ، والنضاخة الفوارة التي يهيج ماؤها. وقال ابن جبير المعنى: ~~ضاختان # بأنواع الفواكه، وهذا ضعيف. وكرر النخل والرمان لأنهما ليسا من الفواكه. ~~وقال يونس بن حبيب وغيره: كررهما وهما من أفضل الفاكهة تشريفا لهما وإشادة ~~بهما كما قال تعالى: وجبريل وميكال [البقرة: 98] . # قوله تعالى: ### || [سورة الرحمن (55) : الآيات 70 الى 78] # فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في الخيام ~~(72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) # خيرات جمع خيرة، وهي أفضل النساء، ومنه قول الشاعر [أنشده الطبري] : ~~[الكامل] ربلات هند خيرة الملكات وقالت أم سلمة: قلت يا رسول الله: أخبرني ~~عن قوله تعالى: خيرات حسان قال: «خيرات الأخلاق حسان الوجوه» . # وقرأ أبو بكر بن حبيب السهمي: «خيرات حسان» بشد الياء المكسورة. وقرأ أبو ~~عمرو بفتح الياء. # وقوله: مقصورات أي محجوبات. وكانت العرب تمدح النساء بملازمة البيوت، ~~ومنه قول الشاعر [أبو قيس بن الأسلت] : [الطويل] وتعتل في إتيانهن فتعذر ~~يصف أن جارتها يزرنها ولا تزورهن. ويروى أن بيت الأعشى قد ذم وهو قوله: ~~[البسيط] PageV05P235 # كأن مشيتها من بين جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل # فقيل في ذمه: # هذه جوالة خراجة ولاجة، ومن مدح القصر قول كثير: [الطويل] # وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم تشعر بذاك القصائر # أريد قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحاتر # قال الحسن: مقصورات في الخيام ليس بطوافات في الطرق، والخيام: البيوت من ~~الخشب والثمام وسائر الحشيش، وهي بيوت المرتحلين من العرب، وخيام الجنة ~~بيوت اللؤلؤ. وقال عمر بن الخطاب: هي در مجوف. ورواه ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وإذا كان بيت المسكين عند العرب من شعر ms3412 فهو بيت، ولا ~~يقال له خيمة، ومن هذا قول جرير: [الوافر] # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام # ومنه قول امرئ القيس: [المتقارب] أمرخ خيامهم أم عشر يستفهم هل هم منجدون ~~أم غائرون لأن العشر مما لا ينبت إلا في تهامة، والمرخ مما لا ينبت إلا في ~~نجد. # والرفرف: ما تدلى من الأسرة من غالي الثياب والبسيط: وكذلك قال ابن عباس ~~وغيره: إنها فضول المحابيس والبسط، وقال ابن جبير، الرفرف: رياض الجنة. # قال القاضي أبو محمد: والأول أصوب وأبين، ووجه قول ابن جبير: إنه من رف ~~البيت، إذا تنعم وحسن، وما تدلى حول الخباء من الخرقة الهفافة يسمى رفرفا، ~~وكذلك يسميه الناس اليوم. وقال الحسن ابن أبي الحسن، الرفرف: المرافق، ~~والعبقري: بسط حسان فيها صور وغير ذلك، تصنع بعبقر، وهو موضع يعمل فيه ~~الوشي والديباج ونحوه قال ابن عباس: العبقري: الزرابي. وقال ابن زيد: هي ~~الطنافس. # وقال مجاهد: هي الديباج الغليظ. # وقرأ زهير الفرقبي: «رفارف» بالجمع وترك الصرف. وقرأ أبو طمعة المدني: ~~وعاصم في بعض ما روي عنه «رفارف» بالصرف، وكذلك قرأ عثمان بن عفان: «رفارف ~~وعباقر» بالجمع والصرف، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وغلط الزجاج ~~والرماني هذه القراءة. وقرأ أيضا عثمان في بعض ما روي عنه: # «عباقر» : بفتح القاف والباء، وهذا على أن اسم الموضع «عباقر» بفتح ~~القاف، والصحيح في اسم الموضع: «عبقر» ، قال الشاعر [امرؤ القيس] : ~~[الطويل] # كأن صليل المروحين تشذه ... صليل الزيوف بنتقدن بعبقرا # قال الخليل والأصمعي: إذا استحسنت شيئا واستجادته قالت عبقري. PageV05P236 # قال القاضي أبو محمد: ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: فلم أر عبقريا ~~من الناس يفري فريه وقال عبد الله بن عمر: العبقري سيد القوم وعينهم. وقال ~~زهير: [الطويل] # بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا # ويقال عبقر: مسكن للجن. وقال ذو الرمة: [البسيط] # حتى كأن رياض القف ألبسها ... من وشي عبقر تجليل وتنجيد # وقرأ الأعرج: «خضر» بضم الضاد. وقرأ جمهور الناس: «ذي الجلال» على اتباع ~~الرب. ms3413 وقرأ ابن عامر وأهل الشام. «ذو» على اتباع الاسم، وكذلك في الأول، ~~وفي حرف أبي وابن مسعود، «ذي الجلال» في الموضعين، وهذا الموضع مما أريد ~~فيه بالاسم مسماه. # والدعاء بهاتين الكلمتين حسن مرجو الإجابة، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» . # نجز تفسير سورة الرحمن: وصلى الله على مولانا محمد سيد ولد عدنان. PageV05P237 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الواقعة # وهي مكية بإجماع ممن يعتد بقوله من المفسرين. وقيل إن فيها آيات مدنية، ~~أو مما نزل في السفر، وهذا كله غير ثابت. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من داوم على سورة الواقعة لم يفتقر أبدا» . ودعا عثمان بن مسعود ~~إلى عطائه، فأبى أن يأخذ. فقيل له: خذ للعليا، فقال: إنهم يقرؤون سورة ~~الواقعة، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأها لم يفتقر أبدا» . # قال القاضي أبو محمد: فيها ذكر القيامة، وحظوظ النفس في الآخرة، وفهم ذلك ~~غنى لا فقر معه، ومن فهمه شغل بالاستعداد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت ~~الأرض رجا (4) # وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) # والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات النعيم (12) # الواقعة: اسم من أسماء القيامة ك الصاعقة [البقرة: 55، النساء: 153] ~~والآزفة [غافر: 18، النجم: 57] والطامة [النازعات: 34] قاله ابن عباس، وهذه ~~كلها أسماء تقتضي تعظيمها وتشنيع أمرها. وقال الضحاك: الواقعة: الصيحة وهي ~~النفخة في الصور. وقال بعض المفسرين: الواقعة: صخرة بيت المقدس، تقع عند ~~القيامة، فهذه كلها معان لأجل القيامة. # و: كاذبة يحتمل أن يكون مصدرا كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين. فالمعنى ~~ليس لها تكذيب ولا رد مثنوية، وهذا قول قتادة والحسن ويحتمل أن يكون صفة ~~لمقدر، كأنه قال: ليس لوقعتها حال كاذبة، ويحتمل الكلام على هذا معنيين: ~~أحدهما كاذبة، أي مكذوب فيما أخبر به عنها فسماها كاذبة بهذا، ms3414 كما تقول هذه ~~قصة كاذبة أي مكذوب فيها، والثاني حالة كاذبة أي لا يمضي وقوعها، كما تقول: ~~فلان إذا حمل لم يكذب. # وقوله: خافضة رافعة رفع على خبر ابتداء، أي هي خافضة رافعة. PageV05P238 # وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وأبو حيوة: «خافضة رافعة» بالنصب على الحال بعد ~~الحال التي هي لوقعتها كاذبة ولك أن تتابع الأحوال. كما لك أن تتابع أخبار ~~المبتدأ، والقراءة الأولى أشهر وأبرع معنى، وذلك أن موقع الحال من الكلام ~~موقع ما لم يذكر لاستغني عنه وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما ~~يتهمم به. # واختلف الناس في معنى هذا الخفض والرفع في هذه الآية، فقال قتادة وعثمان ~~بن عبد الله بن سراقة: القيامة تخفض أقواما إلى النار، وترفع أقواما إلى ~~النار، وترفع أقواما إلى الجنة. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الصيحة تخفض ~~قوتها لتسمع الأدنى وترفعها لتسمع الأقصى. وقال جمهور من المتأولين: ~~القيامة بتفطر السماء والأرض والجبال انهدام هذه البنية، ترفع طائفة من ~~الأجرام وتخفض أخرى، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب، والعامل في ~~قوله: إذا رجت، وقعت، لأن إذا هذه بدل من إذا الأولى، وقد قالوا: إن وقعت ~~هو العامل في الأولى، وذلك لأن معنى الشرط فيها قوي، فهي ك «من» و «ما» في ~~الشرط، يعمل فيها ما بعدها من الأفعال، وقد قيل إن إذا مضافة إلى وقعت فلا ~~يصح أن يعمل فيها، وإنما العامل فيها فعل مقدر. ومعنى: رجت زلزلت وحركت ~~بعنف، قاله ابن عباس، ومنه ارتج السهم في الغرض إذا اضطرب بعد وقوعه، ~~والرجة في الناس الأمر المحرك. # واختلف اللغويون في معنى: بست فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة معناه: فتتت، ~~كما تبس البسيسة وهي السويق، ويقال بسست الدقيق إذا ثريته بالماء وبقي ~~مفتتا، وأنشد الطبري في هذا: [الرجز] لا تخبزا خبزا وبسا بسا وقال هذا قول ~~لص أعجله الخوف عن العجين، فقال لصاحبه هذا. وقال بعض اللغويين: بست معناه ~~سيرت قالوا والخبز سير الشديد وضرب الأرض بالأيدي، والبس: السير الرفيق، ~~وأنشد البيت: # [الرجز] # لا ms3415 تخبزا خبزا وبسا بسا ... وجنباها نهشلا وعبسا # ولا تطيلا بمناخ حبسا ذكر هذا أبو عثمان اللغوي في كتابه في الأفعال. # و «الهباء» : ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا ~~في الشمس إذا دخلت من كوة، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: الهباء: ما ~~تطاير من يبس النبات. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الهباء: ما تطاير ~~من حوافر الخيل والدواب. وقال ابن عباس أيضا، الهباء: ما تطاير من شرر ~~النار، فإذا طفي لم يوجد شيئا. والمنبث: بالتاء المثلثة، الشائع في جميع ~~الهواء. # وقرأ النخعي: «منبتا» بالتاء بنقطتين، أي متقطعا، ذكر ذلك الثعلبي. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول في هباء أحسن الأقوال. PageV05P239 # والخطاب في قوله: وكنتم لجميع العالم، لأن الموصوفين من أصحاب المشئمة ~~ليسوا في أمة محمد، والأزواج: الأنواع والضروب. قال قتادة: هذه منازل الناس ~~يوم القيامة. # وقوله تعالى: فأصحاب الميمنة ابتداء، و: ما ابتداء ثان. و: أصحاب الميمنة ~~خبرها، والجملة خبر الابتداء الأول، وفي الكلام معنى التعظيم، كما تقول زيد ~~ما زيد، ونظير هذا في القرآن كثير، والميمنة: أظهر ما في اشتقاقها أنها من ~~ناحية اليمين، وقيل من اليمن، وكذلك المشئمة إما أن تكون من اليد الشؤمى، ~~وإما أن تكون من الشؤم، وقد فسرت هذه الآية بهذين المعنيين، إذ أصحاب ~~الميمنة الميامين على أنفسهم، قاله الحسن والربيع، ويشبه أن اليمن والشؤم ~~إنما اشتقا من اليمنى والشؤمى وذلك على طريقهم في السانح والبارح، وكذلك ~~اليمن والشؤم اشتقا من اليمنى والشؤمى. # وقوله: والسابقون ابتداء و: السابقون الثاني. قال بعض النحويين: هو نعت ~~للأول، ومذهب سيبويه أنه خبر الابتداء، وهذا كما تقول العرب: الناس الناس، ~~وأنت أنت، وهذا على معنى تفخيم أمر وتعظيمه، ومعنى الصفة هو أن تقول: ~~والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة والرحمة أولئك، ويتجه هذا المعنى ~~على الابتداء والخبر. # وقوله: أولئك المقربون ابتداء وخبر، وهو في موضع الخبر على قول من قال: ~~السابقون الثاني صفة، و: المقربون معناه من الله في جنة عدن. ms3416 قال جماعة من ~~أهل العلم: وهذه الآية متضمنة أن العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف: ~~مؤمنون، هم على يمين العرش، وهنالك هي الجنة، وكافرون، هم على شؤمى العرش، ~~وهنالك هي النار. والقول في يمين العرش وشماله نحو من الذي هو في سورة ~~الكهف في اليمين والشمال. وقد قيل في أصحاب الميمنة واليمين: إنهم من أخذ ~~كتابه بيمينه، وفي أصحاب المشئمة والشمال: إنهم من أخذه بشماله، فعلى هذا ~~ليست نسبة اليمين والشمال إلى العرش. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~أصحاب اليمين أطفال المؤمنين، وقيل المراد ميمنة آدم ومشأمته المذكورتان في ~~حديث الإسراء في الأسودة. # و: السابقون معناه: قد سبقت لهم السعادة، وكانت أعمالهم في الدنيا سبقا ~~إلى أعمال البر وإلى ترك المعاصي، فهذا عموم في جميع الناس. وخصص المفسرون ~~في هذا أشياء، فقال عثمان بن أبي سودة: هم السابقون إلى المساجد. وقال ابن ~~سيرين: هم الذين صلوا القبلتين. وقال كعب: هم أهل القرآن، وقيل غير هذا مما ~~هو جزء من الأعمال الصالحة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم وسئل عن ~~السابقين، فقال: «هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه، وحكموا ~~للناس بحكمهم لأنفسهم» . # وقرأ طلحة بن مصرف: «في جنة النعيم» على الإفراد. و: المقربون عبارة عن ~~أعلى منازل البشر في الآخرة، وقيل لعامر بن عبد قيس في يوم حلبة من سبق ~~فقال المقربون. # قوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 13 الى 26] # ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) على سرر موضونة (15) متكئين ~~عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) # بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة ~~مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) # كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) PageV05P240 # الثلة: الجماعة والفرقة، وهو يقع للقليل والكثير، واللفظ في هذا الموضوع ~~يعطي أن الجملة من الأولين أكثر من الجملة من الآخرين، وهي التي عبر عنها ~~بالقليل. # واختلف المتأولون في معنى ذلك، ms3417 فقال قوم حكى قولهم مكي: المراد بذلك ~~الأنبياء، لأنهم كانوا في صدر الدنيا أكثر عددا، وقال الحسن بن أبي الحسن ~~وغيره: المراد السابقون من الأمم والسابقون من الأمة، وذلك إما أن يقترن ~~أصحاب الأنبياء بجموعهم إلى أصحاب محمد، فأولئك أكثر لا محالة، وإما أن ~~يقترن أصحاب الأنبياء ومن سبق في أثناء الأمم إلى السابقين من جميع هذه ~~الأمة فأولئك أكثر. وروي أن الصحابة حزنوا لقلة سابق هذه الأمة على هذا ~~التأويل فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين [الواقعة: 39- 40] فرضوا. ~~وروي عن عائشة أنها تأولت أن الفرقتين في أمة كل نبي وهي في الصدر ثلة وفي ~~آخر الأمة قليل. وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: «الفرقتان في ~~أمتي فسابق أول الأمة ثلة وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل» . # وقرأ الجمهور: «سرر» بضم الراء. وقرأ أبو السمال: «سرر» بفتح الراء. # والموضونة: المنسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض كحلف الدرع، فإن الدرع ~~موضونة، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # ومن نسج داود موضونة ... تسير مع الحي عيرا فعيرا # وكذلك سفيفة الخوص ونحوه موضونة، ومنه وضين الناقة وهو حزامها، لأنه ~~موضون، فهو كقتيل وجريح، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها # مخالفا دين النصارى دينها قال ابن عباس: هذه السرر الموضونة هي المرمولة ~~بالذهب، وقال عكرمة: هي مشبكة بالدر والياقوت. و: متكئين و: متقابلين حالان ~~فيهما ضمير مرفوع، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: # «متكئين عليها ناعمين» . والولدان: صغار الخدم، عبارة عن أنهم صغار ~~الأسنان، ووصفهم بالخلد وإن كان جميع ما في الجنة كذلك إشارة إلى أنهم في ~~حال الولدان مخلدون لا تكبر بهم سن. وقال مجاهد: لا يموتون. قال الفراء: ~~مخلدون معناه مقرطون بالخلدات، وهي ضرب من الأقراط، والأول أصوب، لأن العرب ~~تقول للذي كبر ولم يشب: إنه لمخلد. والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أذن ~~له ولا خرطوم، قال ابن عباس: هي جرار من فضة. وقال أبو صالح: مستديرة ~~أفواهها. وقال قتادة والضحاك: PageV05P241 # ليست ms3418 لها عرى، والإبريق ما له خرطوم، وقال مجاهد وأذن، وهو من أواني ~~الخمر عند العرب، ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف] # وتداعوا إلى الصبوح فقامت ... قينة في يمينها إبريق # والكأس: الآنية المعدة للشرب بها بشريطة أن يكون فيها خمر أو نبيذ أو ما ~~هو سبيل ذلك، ومتى كان فارغا فينسب إلى جنسه زجاجا كان أو غيره، ولا يقال ~~الآنية فيها ماء ولبن كأس. # وقوله: من معين قال ابن عباس معناه: من خمر سائلة جارية معينة. ولفظة ~~معين يحتمل أن يكون من معن الماء إذا غزر، فوزنها فعيل ويحتمل أن تكون من ~~العين الجارية أو من الباصرة، فوزنها مفعول أصلها معيون، وهذا تأويل قتادة. # وقوله: لا يصدعون عنها ذهب أكثر المفسرين إلى أن المعنى: لا يلحق رؤوسهم ~~الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا، وقال قوم معناه: لا يفرقون عنها، بمعنى لا ~~تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من ~~التفريق، وهذا كما قال: «فتصدع السحاب عن المدينة» الحديث. # وقوله: ولا ينزفون قال مجاهد وقتادة وابن جبير والضحاك معناه: لا تذهب ~~عقولهم سكرا، والنزيف: السكران، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شرب النزيف ببرد ~~ماء الحشرج وقرأ ابن أبي إسحاق: «ولا ينزفون» بكسر الزاي وفتح الياء، من ~~نزف البئر إذا استقى ماءها، فهي بمعنى تم خمرهم ونفدت، هكذا قال أبو الفتح. ~~وحكى أبو حاتم عن ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة وابن مسعود وأبي ~~عبد الرحمن وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي. قال معناه: لا يفني شرابهم، ~~والعرب تقول: أنزف الرجل عبرته، وتقول أيضا، أنزف: إذا سكر، ومنه قول ~~الأبيرد: [الطويل] # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبيس الندامى أنتم آل أبجرا # وعطف الفاكهة على الكأس والأباريق. # وقوله: مما يشتهون روي فيه أن العبد يرى الطائر يطير فيشتهيه فينزل له ~~كما اشتهاه، وربما أكل منه ألوانا بحسب تصرف شهوته، إلى كثير مما روي في ~~هذا المعنى. # وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم: «وحور عين» بالخفض، وهي قراءة الحسن ~~وأبي عبد الرحمن ms3419 والأعمش وأبي القعقاع وعمرو بن عبيد. وقرأ أبي بن كعب وابن ~~مسعود: «وحورا عينا» بالنصب. وقرأ الباقون من السبعة: «وحور عين» بالرفع، ~~وكل هذه القراءات محمولة الإعراب على المعنى لا على اللفظ. كأن المعنى قبل ~~ينعمون بهذا كله وب «حور عين» ، وهذا المعنى في قراءة النصب ويعطون هذا كله ~~«وحورا عينا» ، وكان المعنى في الرفع: لهم هذا كله «وحور عين» ، ويجوز أن ~~يعطف: وحور على الضمير في: متكئين. قال أبو علي: ولم يؤكد لكون الكلام بدلا ~~من التأكيد، ويجوز أن يعطف PageV05P242 # على الولدان وإن كان طواف الحور يقلق، ويجوز أن يعطف على الضمير المقدر ~~في قوله: على سرر وفي هذا كله نظر، وقد تقدم معنى: حور عين. # وقرأ إبراهيم النخعي: «وحير عين» . # وخص المكنون من اللؤلؤ لأنه أصفى لونا وأبعد عن الغير، وسألت أم سلمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه فقال: «صفاؤهن كصفاء الدر في ~~الأصداف الذي لا تمسه الأيدي» . # و: جزاء بما كانوا يعملون أي هذه الرتب والنعم هي لهم بحسب أعمالهم، لأنه ~~روي أن المنازل والقسم في الجنة، هي مقتسمة على قدر الأعمال، ونفس دخول ~~الجنة هو برحمة الله وفضله لا بعمل عامل، فأما هذا الفضل الأخير أن دخولها ~~ليس بعمل عامل، ففيه حديث صحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يدخل أحد الجنة بعمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا ~~أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة» . # واللغو: سقط القول من فحش وغيره. والتأثيم: مصدر، بمعنى: لا يؤثم أحد ~~هناك غيره ولا نفسه بقول. فكان يسمع ويتألم بسماعه. و: قيلا مستثنى، ~~والاستثناء متصل، وقال قوم: هو منقطع. # و: سلاما نعت للقيل، كأنه قال: إلا قيلا سالما من هذه العيوب وغيرها. ~~وقال أبو إسحاق الزجاج أيضا: سلاما مصدر، وناصبه قيلا كأنه يذكر أنهم يقول ~~بعضهم لبعض سلاما سلاما. وقال بعض النحاة سلاما منتصب بفعل مضمر تقديره: ~~أسلموا سلاما. # قوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى 40] # وأصحاب اليمين ms3420 ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) ~~وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) # وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا ~~أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) # عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من ~~الآخرين (40) # السدر: شجر معروف، وهو الذي يقال له شجر أم غيلان، وهو من العضاه، له ~~شوك، وفي الجنة شجر على خلقته، له ثمر كقلال هجر، طيب الطعم والريح، وصفه ~~تعالى بأنه مخضود، أي مقطوع الشوك، لا أذى فيه، وقال أمية بن أبي الصلت: # إن الحدائق في الجنان ظليلة ... فيها الكواعب سدرها مخضود # وعبر بعض المفسرين عن مخضود بأنه الموقر حملا، وقال بعضهم: هو قطع الشوك، ~~وهو الصواب، أما إن وقره هو كرمه، وروي عن الضحاك أن بعض الصحابة أعجبهم ~~سدروج فقالوا: ليتنا في الآخرة في مثل هذا، فنزلت الآية. # قال القاضي أبو محمد: ولأهل تحرير النظر هنا إشارة في أن هذا الخضد بإزاء ~~أعمالهم التي سلموا PageV05P243 # منها، إذ أهل اليمين توابون لهم سلام وليسوا بسابقين. والطلح كذلك من ~~العضاه شجر عظام كثير الشوك وشبهه في الجنة على صفات مباينة لحال الدنيا. ~~و: منضود معناه مركب ثمره بعضه على بعض من أرضه إلى أعلاه. # وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجعفر بن محمد وغيره: «طلع منضود» ، ~~فقيل لعلي إنما هو: # طلح. فقال: ما للطلح وللجنة؟ فقيل له أنصلحها في المصحف فقال: إن المصحف ~~اليوم لا يهاج ولا يغير. وقال علي بن أبي طالب وابن عباس: الطلح: الموز، ~~وقاله مجاهد وعطاء. وقال الحسن: ليس بالموز، ولكنه شجر ظله بارد رطب. والظل ~~الممدود، معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة لا ~~يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: وظل ممدود» إلى غير هذا من الأحاديث في هذا ~~المعنى. وقال مجاهد: هذا الظل هو من طلحها وسدرها. # وقوله تعالى: وماء مسكوب أي جار في غير أخاديد، قاله سفيان وغيره، وقيل ~~المعنى: يناسب. ms3421 # لا تعب فيه بسانية ولا رشاء. # وقوله تعالى: لا مقطوعة أي بزوال الإبان، كحال فاكهة الدنيا، ولا ممنوعة ~~ببعد التناول ولا بشوك يؤذي في شجراتها ولا بوجه من الوجوه التي تمتنع بها ~~فاكهة الدنيا. # وقرأ جمهور الناس: «وفرش» بضم الراء. وقرأ أبو حيوة: «وفرش» بسكونها، ~~والفرش: الأسرة، وروي من طريف أبي سعيد الخدري: أن في ارتفاع السرير منها ~~خمسمائة سنة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا والله أعلم لا يثبت، وإن قدر فمتأولا خارجا عن ~~ظاهره. وقال أبو عبيدة وغيره: أراد بالفرش النساء. # و: مرفوعة معناه: في الأقدار والمنازل، ومن هذا المعنى قول الشاعر [عمرو ~~بن الأهتم التميمي] : [البسيط] # ظللت مفترش الهلباء تشتمني ... عند الرسول فلم تصدق ولم تصب # ومنه قول الآخر في تعديد على صهره: # وأفرشتك كريمتي وقوله تعالى: إنا أنشأناهن إنشاء قال قتادة: الضمير عائد ~~على الحور العين المذكورات قبل وهذا فيه بعد، لأن تلك القصة قد انقضت جملة. ~~وقال أبو عبيدة معمر: قد ذكرهن في قوله: فرش فلذلك رد الضمير وإن لم يتقدم ~~ذكر لدلالة المعنى على المقصد، وهذا كقوله تعالى: حتى توارت بالحجاب [ص: ~~32] ونحوه: و: أنشأناهن معناه: خلقناهن شيئا بعد شيء. وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: «عجائز كن في الدنيا عمشا رمصا» ، وقال ~~لعجوز: «إن الجنة لا يدخلها العجز» ، فحزنت، فقال: «إنك إذا دخلت الجنة ~~أنشئت خلقا آخر» . PageV05P244 # وقوله تعالى: فجعلناهن أبكارا قيل معناه: دائمات البكارة متى عاود الواطئ ~~وجدها بكرا. # والعرب جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها بإظهار محبته، قاله ابن عباس ~~والحسن، وعبر عنهم ابن عباس أيضا بالعواشق، ومنه قول لبيد: # وفي الحدوج عروب غير فاحشة ... ريا الروادف يعشى دونها البصر # وقال ابن زيد العروب: الحسنة الكلام، وقد تجيء العروب صفة ذم على غير هذا ~~المعنى وهي الفاسدة الأخلاق كأنها عربت ومنه قول الشاعر [ابن الأعرابي] : ~~[الطويل] # وما بدل من أم عثمان سلفع ... من السود ورهاء العنان عروب # وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي: «عربا» بضم الراء. وقرأ ms3422 حمزة والحسن ~~والأعمش: «عربا» بسكونها وهي لغة بني تميم، واختلف عن نافع وأبي عمرو ~~وعاصم. # وقوله: أترابا معناه في الشكل والقد حتى يقول الرائي هم أتراب، والترب هو ~~الذي مس التراب مع تربه في وقت واحد. قال قتادة: أترابا يعني سنا واحدة، ~~ويروى أن أهل الجنة على قد ابن أربعة عشر عاما في الشباب والنضرة، وقيل على ~~مثال أبناء ثلاث وثلاثين سنة مردا بيضا مكحلين. # واختلف الناس في قوله: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فقال الحسن بن أبي ~~الحسن وغيره، الأولون: سالف الأمم، منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين، والآخرون: ~~هم هذه الأمة، منهم جماعة عظيمة أهل يمين. # قال القاضي أبو محمد: بل جميعهم إلا من كان من السابقين. وقال قوم من ~~المتأولين: هاتان الفرقتان في أمة محمد، وروى ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «الثلثان من أمتي» فعلى هذا التابعون بإحسان ومن جرى ~~مجراهم ثلة أولى، وسائر الأمة ثلة أخرى في آخر الزمان. # وقوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 41 الى 50] # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) # وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين ~~(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) # إعراب قوله: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال قد تقدم نظيره. وفي الكلام ~~هنا معنى الإنحاء عليهم وتعظيم مصابهم. والسموم: أشد ما يكون من الحر ~~اليابس الذي لا بلل معه. والحميم: # السخن جدا من المائع الذي في جهنم، والعرب تقول للماء السخن حميما. ~~واليحموم: الأسود وهو بناء مبالغة. PageV05P245 # واختلف الناس في هذا الشيء الأسود الذي يظل أهل النار ما هو فقال ابن ~~عباس ومجاهد وأبو مالك وابن زيد هو الدخان، وهذا قول الجمهور. وقال ابن ~~عباس أيضا: هو سرادق النار المحيط بأهلها، فإنه يرتفع من كل ناحية حتى ~~يظلهم، وحكى النقاش، أن اليحموم: اسم من أسماء جهنم، وقاله ابن ms3423 كيسان، وقال ~~ابن بريدة وابن زيد أيضا في كتاب الثعلبي: هو جبل من نار أسود يفزع أهل ~~النار إلى ذراه فيجدونه أشد شيء وأمره. # وقوله: ولا كريم قال الطبري وغيره معناه: ليس له صفة مدح في الظلال، وهذا ~~كما تقول: ثوب كريم ونسب كريم، يعني بذلك أن له صفات مدح. # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يصفه بعدم الكرم على معنى: ألا كرامة ~~لهم، وذلك أن المرء في الدنيا قد يصبر على سوء الموضوع لقرينة إكرام يناله ~~فيه من أحد، فجمع هذا الظل في النار أنه سييء الصفة وهم فيه مهانون. ~~والمترف: المنعم في سرف وتخوض. # ويصرون معناه: يعتقدون اعتقادا لا ينوون عنه إقلاعا، قال ابن زيد: لا ~~يثوبون ولا يستغفرون. # والحنث: الإثم ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات له ثلاث من ~~الولد لم يبلغوا الحنث» . # الحديث، أراد: لم يبلغوا الحلم فتتعلق بهم الآثام. وقال الخطابي: الحنث ~~في كلام العرب العدل الثقيل، شبه الإثم به. # واختلف المفسرون في المراد بهذا الإثم هنا، فقال قتادة والضحاك وابن زيد: ~~هو الشرك، وهذا هو الظاهر. وقال قوم في ما ذكر مكي: هو الحنث في قسمهم الذي ~~يتضمنه قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم [الأنعام: 109، النحل: 38، ~~النور: 53، فاطر: 42] الآية في التكذيب بالبعث، وهذا أيضا يتضمن الكفر، ~~فالقول به على عمومه أولى. وقال الشعبي: الحنث العظيم: اليمين الغموس. # وقد تقدم ذكر اختلاف القراء في قوله: أإذا، وإنا، ويختص من ذلك بهذا ~~الموضع أن ابن عامر يخالف فيه أصله فيقرأ هذا: «أئذا» . «أإنا» بتحقيق ~~الهمزتين فيهما على الاستفهام، ورواه أبو بكر عن عاصم في قوله: إنا ~~لمبعوثون والعامل في قوله: أإذا فعل مضمر يدل عليه قوله: لمبعوثون تقديره: ~~أنبعث أو نحشر، ولا يعمل فيه ما بعده لأنه مضاف إليه. # وقرأ عيسى الثقفي: «متنا» بضم الميم، وقرأ جمهور الناس: «متنا» بكسرها ~~وهذا على لغة من يقول: # مت أموت على وزن فعل بكسر العين يفعل بضمها، ولم يحك منها عن العرب إلا ~~هذه اللفظة وأخرى ms3424 هو فضل يفضل. # وقرأ بعض القراء: «أو» بسكون الواو ومعنى الآية استبعاد أن يبعثوا هم ~~وآباؤهم على حد واحد من الاستبعاد وقرأ الجمهور: «أو آباؤنا» بتحريك الواو ~~على أنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، ومعناها: شدة الاستبعاد في ~~الآباء، كأنهم استبعدوا أن يبعثوا، ثم أتوا بذكر من البعث فيهم أبعد وهذا ~~بين لأهل العلم بلسان العرب. PageV05P246 # ثم أمر الله تعالى نبيه أن يعلمهم بأن العالم محشور مبعوث ل يوم معلوم ~~موقت وميقات: # مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد. # وقوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 51 الى 62] # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن ~~منها البطون (53) فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) # هذا نزلهم يوم الدين (56) نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما ~~تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما ~~نحن بمسبوقين (60) # على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون (62) # وقوله: ثم إنكم مخاطبة لكفار قريش ومن كان في حالهم، ومن في قوله: من شجر ~~يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، ومن في قوله: من ~~زقوم لبيان الجنس، والضمير في: منها عائد على الشجر، و «من» للتبعيض أو ~~لابتداء الغاية، والضمير في: عليه عائد على المأكول أو على الأكل. وفي ~~قراءة ابن مسعود «لآكلون من شجر» على الإفراد. # و: الهيم قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك: هو جمع أهيم، وهو الجمل ~~الذي أصابه الهيام، بضم الهاء، وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو ~~يسقهم سقما شديدا، والأنثى: # هيماء. وقال بعضهم: هو جمع هيماء كبيض وعين، وقال قوم آخرون: هو جمع هائم ~~وهائمة، وهذا أيضا من هذا المعنى، لأن الجمل إذا أصابه ذلك الداء هام على ~~وجهه وذهب، وقال سفيان الثوري وابن عباس: # الهيم هنا الرمال التي لا تروى من الماء، وذلك أن الهيام بفتح الهاء هو ~~الرمل الدق الغمر المتراكم، وقال ثعلب. الهيام: بضم الهاء: الرمل الذي لا ~~يتماسك. ms3425 # وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي: «شرب» بفتح الشين، وهي ~~قراءة الأعرج وابن المسيب وشعيب بن الحبحاب ومالك بن دينار وابن جريج، ولا ~~خلاف أنه مصدر، وقرأ مجاهد: «شرب» بكسر الشين، ولا خلاف أنه اسم، وقرأ أهل ~~المدينة وباقي السبعة: «شرب» ، بضم الشين، واختلف فيه، فقال قوم وهو مصدر، ~~وقال آخرون هم اسم لما يشرب. # والنزل: أول ما يأكل الضيف. وقرأ عمرو في رواية عباس: «نزلهم» ساكنة ~~الزاي، وقرأ الباقون واليزيدي عن أبي عمرو بضم الزاي وهما لمعنى كالشغل ~~والشغل. و: الدين الجزاء. # ثم أخبر تعالى أنه الخالق، وحضض على التصديق على وجه التقريع ثم ساق ~~الحجة الموجبة للتصديق، كان معترضا من الكفار قال: ولم أصدق؟ فقيل له: ~~أفرأيت كذا وكذا الآيات، وليس يوجد مفطور يخفى عنه أن المني الذي يخرج منه ~~ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة. وأم في قوله: أم نحن ليست المعادلة عند ~~سيبويه، لأن الفعل قد تكرر، وإنما المعادلة عنده: أقام زيد أم عمرو، وهذه PageV05P247 # التي في هذه الآية معادلة عند قوم من النحاة، وأما إذا تغاير الفعلان ~~فليست بمعادلة إجماعا. # وقرأ الجمهور: «تمنون» بضم التاء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال «تمنون» ~~بفتح التاء، ويقال أمنى الرجل ومنى بمعنى واحد. # وقرأ جمهور القراء: «قدرنا» بشد الدال. وقرأ كثير وحده: «قدرنا» ~~بتخفيفها. والمعنى فيها يحتمل أن يكون بمعنى قضينا وأثبتنا، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى سوينا، وعدلنا التقدم والتأخر، أي جعلنا الموت رتبا، ليس يموت العالم ~~دفعة واحدة، بل بترتيب لا يعدوه أحد. # وقال الطبري معنى الآية: «قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم» أي ~~تموت طائفة ونبدلها بطائفة، هكذا قرنا بعد قرن. # وقوله: وما نحن بمسبوقين على تبديلكم إن أردناه وإن ننشئكم بأوصاف لا ~~يصلها عملكم ولا يحيط بها كفركم. قال الحسن: من كونكم قردة وخنازير. # قال القاضي أبو محمد: تأول الحسن هذا، لأن الآية تنحو إلى الوعيد، وجاءت ~~لفظة «السبق» هنا على نحو قوله عليه السلام: «فإن استطعتم أن لا تغلبوا على ms3426 ~~صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم» . # وقرأ جمهور الناس: «النشأة» بسكون الشين. وقرأ قتادة وأبو الأشهب وأبو ~~عمرو بخلاف «النشأة» بفتح الشين والمد. وقال أكثر المفسرين: أشار إلى خلق ~~آدم ووقف عليه، لأنه لا تجد أحدا ينكر أنه من ولد آدم وأنه من طين. وقال ~~بعضهم: أراد ب النشأة الأولى نشأة إنسان إنسان في طفوليته فيعلم المرء ~~نشأته كيف كانت بما يرى من نشأة غيره، ثم حضض على التذكر والنظر المؤدي إلى ~~الإيمان. # وقرأ الجمهور: «تذكرون» مشددة الذال. وقرأ طلحة: «تذكرون» بسكون الذال ~~وضم الكاف، وهذه الآية نص في استعمال القياس والحض عليه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 63 الى 74] # أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء ~~لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) # أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~(69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون ~~(71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) # نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74) # وقف تعالى الكفار على أمر الزرع الذي هو قوام العيش، وبين لكل مفطور أن ~~الحراث الذي يثير الأرض ويفرق الحب ليس يفعل في نبات الزرع شيء، وقد يسمى ~~الإنسان زارعا، ومنه قوله عز وجل: PageV05P248 # يعجب الزراع [الفتح: 29] لكن معنى هذه الآية: أأنتم تزرعونه زرعا يتم أم ~~نحن. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقولن زرعت، ~~ولكن قل حرثت» ، ثم تلا أبو هريرة هذه الآية. # والحطام: اليابس المتفتت من النبات الصائر إلى ذهاب، وبه شبه حطام ~~الدنيا. وقيل المعنى: نبتا لا قمح فيه و: تفكهون قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة معناه: تعجبون، وقال عكرمة: تلامون. وقال الحسن معناه: تندمون وقال ~~ابن زيد: تتفجهون، وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظ، هو: ~~تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي المسرة والجدل، ورجل فكه إذا كان منبسط النفس ~~غير مكترث بالشيء، وتفكه من أخوات تحرج وتحوب. ms3427 # وقرأ الجمهور: «فظلتم» بفتح الظاء، وروى سفيان الثوري في قراءة عبد الله ~~كسر الظاء. قال أبو حاتم: طرحت عليها حركة اللام المجزومة، وذلك رديء في ~~القياس، وهي قراءة أبو حيوة. وروى أحمد بن موسى: «فظللتم» بلامين، الأولى ~~مفتوحة عن الجحدري، ورويت عن ابن مسعود، بكسر اللام الأولى. # وقوله: إنا لمغرمون قبله حذف تقديره: يقولون. # وقرأ الأعمش وعاصم الجحدري: «أإنا لمغرمون» بهمزتين على الاستفهام، ~~والمعنى يحتمل أن يكون إنا لمعذبون من الغرام وهو أشد العذاب ومنه قوله ~~تعالى: إن عذابها كان غراما [الفرقان: 65] ومنه قول الأعشى: [الخفيف] # إن يعذب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي # ويحتمل أن يكون: إنا لمحملون الغرم أي غرمنا في النفقة وذهب زرعنا، تقول: ~~غرم الرجل وأغرمته فهو مغرم. وقد تقدم تفسير المحروم وأنه المحدود ~~والمحارب. و: المزن السحاب بلا خلاف، ومنه قول الشاعر [السموأل بن عاديا ~~اليهودي] : [الطويل] # ونحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل # والأجاج: أشد المياه ملوحة، وهو ماء البحر الأخضر. و: تورون معناه: ~~تقتدحون من الأزند، تقول أوريت النار من الزناد. وروى الزناد نفسه، والزناد ~~قد يكون من حجرين ومن حجر وحديدة ومن شجر، لا سيما في بلاد العرب، ولا سيما ~~في الشجر الرخو كالمرخ والعفار والكلح وما أشبهه، ولعادة العرب في أزنادهم ~~من شجر، قال تعالى: أأنتم أنشأتم شجرتها وقال بعض أهل النظر: أراد بالشجرة ~~نفس النار، وكأنه يقول نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول فيه تكلف. # وقرأ الجمهور: «آنتم» بالمد، وروي عن أبي عمرو وعيسى: «أنتم» بغير مد، ~~وضعفها أبو حاتم. # و: تذكرة معناه: تذكر نار جهنم، قاله مجاهد وقتادة. والمتاع: ما ينتفع ~~به. والمقوي في هذه PageV05P249 # الآية: الكائن في الأرض القواء وهي الفيافي، وعبر الناس في تفسير ~~«المقوين» بأشياء ضعيفة، كقول ابن زيد للجائعين ونحوه. # ولا يقوى منها ما ذكرناه، ومن قال معناه: للمسافرين، فهو نحو ما قلناه، ~~وهي عبارة ابن عباس رضي الله عنه تقول: أصبح ms3428 الرجل، دخل في الصباح. وأصحر ~~دخل في الصحراء، وأقوى دخل في الأرض القواء، ومنه أقوت الدار، وأقوى الطلل: ~~أي صار قواء، ومنه قول النابغة: [البسيط] أقوت وطال عليها سالف الأبد وقول ~~الآخر: [الكامل] أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والفقير والغني إذا أقوى سواء في ~~الحاجة إلى النار، ولا شيء يغني غناءها في الصرد، ومن قال: إن أقوى من ~~الأضداد من حيث يقال: أقوى الرجل إذا قويت دابته فقد أخطأ وذلك فعل آخر ~~كأترب إذا أترب، ثم أمر نبيه بتنزيه ربه تعالى وتبرئة أسمائه العلى عما ~~يقوله الكفرة الذين حجوا في هذه الآيات. # قوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 75 الى 87] # فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن ~~كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) # تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون (82) فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ~~ترجعونها إن كنتم صادقين (87) # اختلف الناس في: «لا» ، من قوله: فلا أقسم بمواقع النجوم فقال بعض ~~النحويين: هي زائدة والمعنى فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروف كقوله ~~تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد: 29] وغير ذلك، وقال سعيد بن جبير ~~وبعض النحويين: هي نافية، كأنه قال: فلا صحة لما يقوله الكفار، ثم ابتدأ ~~أقسم بمواقع النجوم. وقال بعض المتأولين هي مؤكدة تعطي في القسم مبالغة ما، ~~وهي كاستفتاح كلام مشبه في القسم ألا في شائع الكلام القسم وغيره، ومن هذا ~~قول الشاعر: # [الطويل] «فلا وأبي أعدائها لا أخونها» والمعنى: فو أبي اعدائها، ولهذا ~~نظائر. # وقرأ الحسن والثقفي: «فلأقسم» بغير ألف، قال أبو الفتح، التقدير: فلأنا ~~أقسم. # وقرأ الجمهور من القراء «بمواقع» على الجمع، وقرأ عمر بن الخطاب وابن ~~عباس وابن مسعود وأهل PageV05P250 # الكوفة وحمزة والكسائي: «بموقع» على الإفراد، وهو مراد به الجمع، ونظير ~~هذا كثير، ومنه قوله تعالى: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [لقمان: 19] جمع من حيث لكل حمار صوت ms3429 مختص ~~وأفرد من حيث الأصوات كلها نوع. # واختلف الناس في: النجوم هنا، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم: هي ~~نجوم القرآن التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه روي أن ~~القرآن نزل من عند الله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وقيل إلى البيت ~~المعمور جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على محمد نجوما مقطعة في مدة من عشرين ~~سنة. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا القول عود الضمير على القرآن في قوله: ~~إنه لقرآن كريم، وذلك أن ذكره لم يتقدم إلا على هذا التأويل، ومن لا يتأول ~~بهذا التأويل يقول: إن الضمير يعود على القرآن وإن لم يتقدم ذكر لشهرة ~~الأمر ووضوح المعنى كقوله تعالى: حتى توارت بالحجاب [ص: 32] ، وكل من عليها ~~فان [الرحمن: 26] وغير ذلك. وقال جمهور كثير من المفسرين: النجوم هنا: ~~الكواكب المعروفة. واختلف في موقعها، فقال مجاهد وأبو عبيدة هي: مواقعها ~~عند غروبها وطلوعها، وقال قتادة: # مواقعها مواضعها من السماء، وقيل: مواقعها عند الانقضاض إثر العفاريت، ~~وقال الحسن: مواقعها عند الانكدار يوم القيامة. # وقوله تعالى: وإنه لقسم تأكيد للأمر وتنبيه من المقسم به، وليس هذا ~~باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التهمم به، وإنما الاعتراض قوله: لو ~~تعلمون وقد قال قوم: إن قوله: وإنه لقسم اعتراض، وإن لو تعلمون اعتراض في ~~اعتراض، والتحرير هو الذي ذكرناه. # وقوله: إنه لقرآن هو الذي وقع القسم عليه، ووصفه بالكرم على معنى إثبات ~~صفات المدح له ودفع صفات الحطيطة عنه. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: في كتاب مكنون بعد اتفاقهم على أن ~~المكنون: المصون، فقال ابن عباس ومجاهد: أراد الكتاب الذي في السماء. وقال ~~عكرمة: أراد التوراة والإنجيل، كأنه قال: # إنه لكتاب كريم، ذكر كرمه وشرفه في كتاب مكنون. # قال القاضي أبو محمد: فمعنى الآية على هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة، ~~وهذا كقوله عز وجل: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله [التوبة: 36] . وقال ~~بعض المتأولين: أراد مصاحف المسلمين، وكانت يوم نزلت الآية ms3430 لم تكن، فهي على ~~هذا إخبار بغيب، وكذلك هو في كتاب مصون إلى يوم القيامة، ويؤيد هذا لفظة ~~المس، فإنها تشير إلى المصاحف أو هي استعارة في مس الملائكة. # واختلف الناس في معنى قوله: لا يمسه إلا المطهرون وفي حكمه فقال من قال: ~~إن الكتاب المكنون هو الذي في السماء. المطهرون هنا الملائكة قال قتادة: ~~فأما عندكم فيمسه المشرك المنجس والمنافق قال الطبري: المطهرون: الملائكة ~~والأنبياء ومن لا ذنب له، وليس في الآية على هذا القول PageV05P251 # حكم مس المصحف لسائر بني آدم، ومن قال بأنها مصاحف المسلمين، قال إن ~~قوله: لا يمسه إخبار مضمنه النهي، وضمة السين على هذا ضمة إعراب، وقال بعض ~~هذه الفرقة: بل الكلام نهي، وضمة السين ضمة بناء، قال جميعهم: فلا يمس ~~المصحف من جميع بني آدم إلا الطاهر من الكفر والجنابة والحدث الأصغر. قال ~~مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقته ولا على وسادة. وفي كتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: «ولا يمس المصحف إلا الطاهر» ، وقد رخص أبو ~~حنيفة وقوم بأن يمسه الجنب والحائض على حائل غلاف ونحوه، ورخص بعض العلماء ~~في مسه بالحدث الأصغر، وفي قراءته عن ظهر قلب، منهم ابن عباس وعامر الشعبي، ~~ولا سيما للمعلم والصبيان، وقد رخص بعضهم للجنب في قراءته، وهذا الترخيص ~~كله مبني على القول الذي ذكرناه من أن المطهرين هم الملائكة أو على مراعاة ~~لفظ اللمس فقد قال سليمان: لا أمس المصحف ولكن أقرأ القرآن. # وقرأ جمهور الناس: «المطهرون» بفتح الطاء والهاء المشددة. وقرأ نافع وأبو ~~عمرو بخلاف عنهما «المطهرون» بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة، وهي قراءة عيسى ~~الثقفي. وقرأ سلمان الفارسي: # «المطهرون» بفتح الطاء خفيفة وكسر الهاء وشدها على معنى الذين يطهرون ~~أنفسهم، ورويت عنه بشد الطاء والهاء. وقرأ الحسن وعبد الله بن عون وسلمان ~~الفارسي بخلاف عنه: المطهرون بشد الطاء بمعنى المتطهرون. # قال القاضي أبو محمد: والقول بأن لا يمسه نهي قول فيه ضعف وذلك أنه إذا ~~كان خبرا فهو في موضع ms3431 الصفة، وقوله بعد ذلك: تنزيل: صفة أيضا، فإذا جعلناه ~~نهيا جاء معنى أجنبيا معترضا بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام ~~فتدبره. وفي حرف ابن مسعود: «ما يمسه» وهذا يقوي ما رجحته من الخبر الذي ~~معناه: حقه وقدره أن لا يمسه إلا طاهر. # وقوله عز وجل: أفبهذا الحديث أنتم مدهنون مخاطبة للكفار، والحديث المشار ~~إليه هو القرآن المتضمن البعث، وإن الله تعالى خالق الكل وإن ابن آدم مصرف ~~بقدره وقضائه وغير ذلك و: مدهنون معناه: يلاين بعضكم بعضا ويتبعه في الكفر، ~~مأخوذ من الدهن للينه وإملاسه. وقال أبو قيس بن الأسلت: الحزم والقوة خير ~~من الإدهان والفهة والهاع وقال ابن عباس: هو المهاودة فيما لا يحل. # والمداراة هي المهاودة فيما يحل، وقال ابن عباس: مدهنون مكذبون. # وقوله عز وجل: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أجمع المفسرون على أن الآية ~~توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله للعباد هذا بنوء كذا وكذا وهذا ب ~~«عثانين» الأسد، وهذا بنوء الجوزاء وغير ذلك. والمعنى: # وتجعلون شكر رزقكم، كما تقول لرجل: جعلت يا فلان إحساني إليك أن تشتمني ~~المعنى: جعلت شكر إحساني. وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة أزد شنوءة: ما رزق ~~فلان؟ بمعنى ما شكره. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرؤها: «وتجعلون ~~شكركم إنكم تكذبون» ، وكذلك قرأ ابن عباس، ورويت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إلا أن ابن عباس ضم التاء وفتح الكاف، وعلي رضي الله عنه: فتح التاء ~~وسكن الكاف وخفف الذال، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [السريع] PageV05P252 # وكان شكر القوم عند المنى ... كي الصحيحات وفقء الأعين # وقد أخبر الله تعالى أنه أنزل من السماء ماء مباركا فأنبت به جنات وحب ~~الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد فهذا معنى قوله: أنكم ~~تكذبون، أي بهذا الخبر. # وقرأ عاصم في رواية المفضل عنه: «تكذبون» بفتح التاء وسكون الكاف وتخفيف ~~الدال كقراءة علي بن أبي طالب. وكذبهم في مقالتهم بين، لأنهم يقولون هذا ~~بنوء كذا وذلك كذب منهم ms3432 وتخرص، وذكر الطبري أن النبي عليه السلام سمع رجلا ~~يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال له: «كذبت، بل هو رزق الله» . # قال القاضي أبو محمد: والنهي عنه المكروه هو أن يعتقد أن للطالع من ~~النجوم تأثيرا في المطر، وأما مراعاة بعض الطوالع على مقتضى العادة، فقد ~~قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: يا عباس، يا عم النبي عليه السلام كم ~~بقي من نوء الثريا، فقال العباس: العلماء يقولون إنها تتعرض في الأفق بعد ~~سقوطها سبعا. # قال ابن المسيب: فما مضت سبع حتى مطروا. # وقوله تعالى: فلولا إذا بلغت الحلقوم توقيف على موضع عجز يقتضي النظر فيه ~~أن الله تعالى ملك كل شيء، والضمير في: بلغت لنفس الإنسان والمعنى يقتضيها ~~وإن لم يتقدم لها ذكر. # و: الحلقوم مجرى الطعام، وهذه الحال هي نزاع المرء للموت. # وقوله: وأنتم إشارة إلى جميع البشر، وهذا من الاقتضاب كقوله تعالى: ولا ~~تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] . # وقرأ عيسى بن عمر: «حينئذ» بكسر النون. و: تنظرون معناه إلى المنازع في ~~الموت. # وقوله تعالى: ونحن أقرب إليه منكم يحتمل أن يريد ملائكته ورسله، ويحتمل ~~أن يريد بقدرتنا وغلبتنا، فعلى الاحتمال الأول يجيء قوله: ولكن لا تبصرون ~~من البصر بالعين، وعلى التأويل الثاني يجيء من البصر بالقلب. وقال عامر بن ~~عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إليه مني، ثم عاد التوقيف ~~والتقرير ثانية بلفظ التحضيض، والمدين: المملوك هذا أصح ما يقال في معنى ~~اللفظة هنا، ومن عبر عنها بمجازي أو بمحاسب فذلك هنا قلق والمملوك يقلب كيف ~~يشاء المالك، ومن هذا الملك قول الأخطل: [الطويل] # ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... تراه على مسحاته يتركل # أراد ابن أمة مملوكة وهو عبد يخدم الكرم، وقد قيل في معنى هذا البيت: ~~أراد أكارا حضريا لأن الأعراب في البادية لا يعرفون الفلاحة وعمل الكرم، ~~فنسبه إلى المدينة لما كان من أهلها، فبمعنى الآية فلولا ترجعون النفس ~~البالغة الحلقوم إن كنتم غير مملوكين مقهورين ودين الملك حكمه وسلطانه، وقد ~~نحا ms3433 إلى هذا المعنى الفراء، وذكره مستوعبا النقاش. # وقوله: ترجعونها سدت مسد الأجوبة والبيانات التي يقتضيها التحضيضات، وإذا ~~من قوله: PageV05P253 # فلولا إذا وإن المتكررة وحمل بعض القول بعضا إيجازا واقتضابا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الواقعة (56) : الآيات 88 الى 96] # فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89) وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين (92) # فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ~~ربك العظيم (96) # ذكر الله تعالى في هذه الآية حال الأزواج الثلاثة المذكورين في أول ~~السورة وحال كل امرئ منهم، فأما المرء من السابقين المقربين فيلقى عند موته ~~روحا وريحانا، والروح: الرحمة والسعة والفرح، ومنه روح الله [يوسف: 87] ~~والريحان وهو دليل النعيم، وقال مجاهد، الريحان: الرزق. وقال أبو العالية ~~وقتادة والحسن، الريحان: هذا الشجر المعروف في الدنيا يلقى المقربين ريحانا ~~من الجنة. # وقرأ الحسن وابن عباس وجماعة كثيرة «فروح» بضم الراء. وقال الحسن ومعناه: ~~روحه يخرج في ريحانه وقال الضحاك، الريحان: الاستراحة. # قال القاضي أبو محمد: الريحان، ما تنبسط إليه النفوس. وقال الخليل: هو ~~طرف كل بقلة طيبة فيها أوائل النور، وقد قال عليه السلام في الحسن والحسين: ~~«هما ريحانتاي من الدنيا» ، وقال النمر بن تولب: # [المتقارب] # سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر # وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: ~~«فروح» بضم الراء. # وقوله تعالى: فسلام لك من أصحاب اليمين عبارة تقتضي جملة مدح وصفة تخلص ~~وحصول في عال من المراتب ليس في أمرهم إلا السلام والنجاة من العذاب، وهذا ~~كما تقول في مدح رجل: أما فلان فناهيك به، أو فحسبك أمره، فهذا يقتضي جملة ~~غير مفصلة من مدحه، وقد اضطربت عبارات المتأولين في قوله تعالى: فسلام لك ~~فقال قوم: المعنى: فيقال له مسلم لك إنك من أصحاب اليمين، وقال الطبري ~~المعنى: فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، وقيل المعنى فسلام لك يا محمد، أي ~~لا ترى فيهم إلا المسالمة ms3434 من العذاب، فهذه الكاف في ذلك إما أن تكون للنبي ~~عليه السلام وهو الأظهر، ثم لكل معشر فيها من أمته وإما أن تكون لمن يخاطب ~~من أصحاب اليمين، وغير هذا مما قيل تكلف. # و «المكذبون الضالون» : هم الكفار أصحاب الشمال والمشأمة، و «النزل» : ~~أول شيء يقدم للضيف، والتصلية: أن يباشر بهم النار وحيث تراكمها، ولما كمل ~~تقسيم أحوالهم وانقضى الخبر بذلك، أكد تعالى الاخبار بأن قال لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم مخاطبة تدخل معه أمته فيها، إن هذا الذي أخبرنا به لهو ~~حق اليقين. وإضافة الحق إلى اليقين عبارة فيها مبالغة، لأنهما بمعنى واحد، ~~فذهب بعض الناس إلى أنه من باب دار الآخرة ومسجد الجامع، وذهبت فرقة من ~~الحذاق إلى أنه كما تقول في أمر تؤكده: هذا PageV05P254 # يقين اليقين أو صواب الصواب، بمعنى أنه نهاية الصواب، وهذا أحسن ما قيل ~~فيه، وذلك لأن دار الآخرة وما أشبهها يحتمل أن تقدر شيئا أضفت الدار إليه ~~وصفته بالآخرة ثم حذفت وأقمت الصفة مقامه، كأنك قلت: دار الرجعة أو النشأة ~~أو الخلقة، وهنا لا يتجه هذا، وإنما هي عبارة مبالغة وتأكيد معناه أن هذا ~~الخبر هو نفس اليقين وحقيقته. # وقوله تعالى: فسبح باسم ربك العظيم عبارة تقتضي الأمر بالإعراض عن أقوال ~~الكفار وسائر أمور الدنيا المختصة بها وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة ~~الله تعالى والدعاء إليه. وروى عقبة بن عامر أنه لما نزل فسبح باسم ربك ~~العظيم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سبح ~~اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] قال: اجعلوها في سجودكم. ويحتمل أن يكون ~~المعنى: سبح لله بذكر أسمائه العلى، والاسم هنا بمعنى الجنس، أي بأسماء ~~ربك. و: العظيم صفة للرب، وقد يحتمل أن يكون الاسم هنا واحدا مقصودا، ويكون ~~«العظيم» صفة له، فكأنه أمره أن يسبحه باسمه الأعظم وإن كان لم ينص عليه، ~~ويؤيد هذا ويشير إليه إيصال سورة الحديد أولها ففيه التسبيح وجملة من أسماء ~~الله تعالى، وقد قال ابن عباس: اسم الله الأعظم ms3435 موجود في ست آيات من أول ~~سورة الحديد، فتأمل هذا فإنه من دقيق النظر، ولله تعالى في كتابه العزيز ~~غوامض لا تكاد الأذهان تدركها. # كمل تفسير سورة الواقعة والحمد لله رب العالمين. PageV05P255 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحديد # وهي مدنية فيما قال النقاش وغيره بإجماع من المفسرين، وقال غيره مكية. # قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا، لكن يشبه صدرها أن ~~يكون مكيا والله أعلم، وقد ذكرنا قول ابن عباس إن اسم الله الأعظم هو في ست ~~آيات من أول سورة الحديد، وروي أن الدعاء مستجاب بعد قراءتها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ملك السماوات ~~والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) # قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان ~~الله، وهذا عندهم إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوام أن التسبيح مما ذكر دائم ~~مستمر، واختلفوا هل هذا التسبيح حقيقة أو مجاز على معنى أن أثر الصنعة فيها ~~تنبه الرائي على التسبيح، فقال الزجاج وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وقد ~~تقدم القول فيه غير مرة، وهذا كله في الجمادات، وأما ما يمكن التسبيح منه ~~فقول واحد إن تسبيحهم حقيقة، وقال قوم من المفسرين: التسبيح في هذه السورة: ~~الصلاة، وهذا قول متكلف، فأما فيمن يمكن منه ذلك فسائغ، وأما سجود ظلال ~~الكفار هي صلاتهم، وأما في الجمادات فيقلق، وذلك أن خضوعها وخشوع هيئاتها ~~قد يسمى في اللغة سجودا أو استعارة كما قال الشاعر [زيد الخيل] : [الطويل] ~~ترى الأكم فيها سجدا للحوافر ويبعد أن تسمى تلك صلاة الأعلى تحامل. # وقوله: ما في السماوات والأرض ms3436 عام في جميع المخلوقات، وقال بعض النحاة، ~~التقدير: ما في السماوات وما في الأرض، ف «ما» نكرة موصوفة حذفها وأقام ~~الصفة مقامها، وهو العزيز بقدرته وسلطانه، الحكيم بلطفه وتدبيره وحكمته. ~~وملك السماوات والأرض هو سلطانها الحقيقي الدائم، لأن ملك البشر مجاز فان. PageV05P256 # وقوله تعالى: وهو على كل شيء قدير أي على كل شيء مقدور، هو الأول الذي ~~ليس لوجوده بداية مفتتحة. والآخر الدائم الذي ليس له نهاية منقضية. قال أبو ~~بكر الوراق هو الأول بالأزلية، والآخر بالأبدية، وهو الأول بالوجود، إذ كل ~~موجود فبعده وبه. والآخر إذا ترقى العقل في الموجودات حتى يكون إليه ~~منتهاها، قال عز وجل: وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] . # والظاهر معناه بالأدلة ونظر العقول في صنعته. والباطن بلطفه وغوامض حكمته ~~وباهر صفاته التي لا يصل إلى معرفتها على ما هي عليه الأوهام. # ويحتمل أن يريد بقوله: الظاهر والباطن أي الذي بهر وملك فيما ظهر للعقول ~~وفيما خفي عنها فليس في الظاهر غيره حسب قيام الأدلة، وليس في باطن الأمر ~~وفيما خفي عن النظرة مما عسى أن يتوهم غيره. # وقوله تعالى: وهو بكل شيء عليم عام في الأشياء عموما تاما. وقد تقدم ~~القول في خلق السماوات والأرض. وأكثر الناس على أن بدأة الخلق هي في يوم ~~الأحد، ووقع في مسلم: أن البدأة في يوم السبت، وقال بعض المفسرين: الأيام ~~الستة من أيام القيامة. وقال الجمهور: بل من أيام الدنيا. # قال القاضي أبو محمد: وهو الأصوب. # والاستواء على العرش هو بالغلبة والقهر المستمرين بالقدرة، وليس في ذلك ~~ما في قهر العباد من المحاولة والتعب. وقد تقدم القول في مسألة الاستواء ~~مستوعبا في: «طه» وغيرها. # و: ما يلج في الأرض هو المطر والأموات وغير ذلك، وما يخرج منها النبات ~~والمعادن وغير ذلك. وما ينزل من السماء الملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك. ~~وما يعرج الأعمال صالحها وسيئها والملائكة وغير ذلك. # وقوله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم معناه بقدرته وعلمه وإحاطته. وهذه آية ~~أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها ms3437 مخرجة عن معنى لفظها المعهود، ~~ودخل في الإجماع من يقول بأن المشتبه كله ينبغي أن يمر ويؤمن به ولا يفسر ~~فقد أجمعوا على تأويل هذه لبيان وجوب إخراجها عن ظاهرها. قال سفيان الثوري ~~معناه: علمه معكم، وتأولهم هذه حجة عليهم في غيرها. # وقوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 5 الى 9] # له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله ~~وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ~~(7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور وإن الله بكم لرؤف رحيم (9) # قوله تعالى: وإلى الله ترجع الأمور خبر يعم جميع الموجودات، والأمور هنا ~~ليست جمع PageV05P257 # المصدر بل هي جميع الموجودات، لأن الأمر والشيء والوجود أسماء شائعة في ~~جميع الموجودات أعراضها وجوهرها. # وقرأ الجمهور: «ترجع» بضم التاء، وقرأ الأعرج والحسن وابن أبي إسحاق: ~~«ترجع» بفتح التاء. # وقوله تعالى: يولج الليل في النهار الآية تنبيه على العبرة فيما يتجاذبه ~~الليل والنهار من الطول والقصر، وذلك متشعب مختلف حسب اختلاف الأقطار ~~والأزمان الأربعة، وذلك بحر من بحار الفكرة لمن تأمله. # ويولج معناه: يدخل. و: ذات الصدور ما فيها من الأسرار والمعتقدات، وذلك ~~أغمض ما يكون. # وهذا كما قالوا: الذئب مغبوط بذي بطنه، وكما قال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة. # قوله تعالى: آمنوا بالله ورسوله الآية أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان ~~والنفقة في سبيل الله، ويروى أن هذه الآية نزلت في غزوة العسرة وهي غزوة ~~تبوك، قاله الضحاك، وقال: الإشارة بقوله: فالذين آمنوا منكم وأنفقوا إلى ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه، وحكمها باق يندب إلى هذه الأفعال بقية الدهر. # وقوله: مما جعلكم مستخلفين تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى ~~الإنسان من غيره ويتركها لغيره، وليس له من ms3438 ذلك إلا ما تضمنه قول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت ~~فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» ويروى أن رجلا مر بأعرابي له إبل، ~~فقال له: يا أعرابي، لمن هذه الإبل؟ فقال: هي لله عندي. فهذا موقف مصيب إن ~~كان ممن صحب قوله عمله. # وقوله تعالى: وما لكم لا تؤمنون بالله الآية توطئة لدعائهم وإيجاب لأنهم ~~أهل هذه الرتب الرفيعة فإذا تقرر ذلك فلا مانع من الإيمان، وهذا كما تريد ~~أن تندب رجلا إلى عطاء فتقول له: أنت يا فلان من قوم أجواد فينبغي أن تكرم، ~~وهذا مطرد في جميع الأمور إذا أردت من أحد فعلا خلقته بخلق أهل ذلك الفعل ~~وجعلت له رتبتهم، فإذا تقرر في هؤلاء أن الرسول يدعو وأنهم ممن أخذ الله ~~ميثاقهم فكيف يمتنعون من الإيمان. # وقرأ جمهور القراء: «وقد أخذ» على بناء الفعل للفاعل. وقرأ أبو عمرو: «قد ~~أخذ» على بناء الفعل للمفعول والآخذ على كل قول هو الله تعالى، وهو الآخذ ~~حين الإخراج من ظهر آدم على ما مضى في غير هذه السورة، والمخاطبة ببناء ~~الفعل للمفعول أشد غلظة على المخاطب، ونحوه قوله تعالى: فاستقم كما أمرت ~~[هود: 112] وكما تقول لامرىء: افعل كما قيل لك، فهو أبلغ من قولك: افعل ما ~~قلت لك. # وقوله: إن كنتم مؤمنين قال الطبري المعنى: إن كنتم مؤمنين في حال من ~~الأحوال فالآن. # قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى ليس في ألفاظ الآية وفيه إضمار كثير، ~~وإنما المعنى عندي أن قوله: وإن الرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ~~ميثاقكم إن كنتم مؤمنين، يقتضي أن يقدر بأثره: # فأنتم في رتب شريفة وأقدار رفيعة إن كنتم مؤمنين، أي إن دمتم على ما ~~بدأتم به. PageV05P258 # وقرأ بعض السبعة: «ينزل» مثقلة. وقرأ بعضهم: «ينزل» مخففة. وقرأ الحسن ~~وعيسى بالوجهين. # وقرأ الأعمش: «أنزل» . والعبد في قوله: على عبده محمد رسوله. والآيات: ~~آيات القرآن. # والظلمات: الكفر والنور: الإيمان، وباقي الآية وعد وتأنيس مؤكد. ms3439 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 10 الى 11] # وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) # والمعنى: وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله وأنتم تموتون وتتركون أموالكم، ~~فناب مناب هذا القول قوله: ولله ميراث السماوات والأرض، وفيه زيادة تذكير ~~بالله وعبرة، وعنه يلزم القول الذي قدرناه. # وقوله تعالى: لا يستوي منكم الآية، روي أنها نزلت بسبب أن جماعة من ~~الصحابة أنفقت نفقات كثيرة حتى قال ناس: هؤلاء أعظم أجرا من كل من أنفق ~~قديما، فنزلت الآية مبينة أن النفقة قبل الفتح أعظم أجرا. # وهذا التأويل على أن الآية نزلت بعد الفتح، وقد قيل إنها نزلت قبل الفتح ~~تحريضا على الإنفاق، والأول أشهر وحكى الثعلبي أنها نزلت في أبي بكر الصديق ~~ونفقاته، وفي معناه قول النبي عليه السلام لخالد بن الوليد: «اتركوا لي ~~أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . # واختلف الناس في الفتح المشار إليه في هذه الآية. فقال أبو سعيد الخدري ~~والشعبي: هو فتح الحديبية. وقد تقدم في سورة «الفتح» تقرير كونه فتحا، ~~ورفعه أبو سعيد الخدري إلى النبي عليه السلام أن أفضل ما بين الهجرتين فتح ~~الحديبية. وقال قتادة ومجاهد وزيد بن أسلم: هو فتح مكة الذي أزال الهجرة. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المشهور الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية. وقال له رجل بعد فتح مكة: ~~أبايعك على الهجرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الهجرة قد ذهبت ~~بما فيها» . وإن الهجرة شأنها شديد، ولكن أبايعك على الجهاد وحكم الآية باق ~~غابر الدهر من أنفق في وقت حاجة السبيل أعظم أجرا ممن أنفق مع استغناء ~~السبيل. ms3440 # وأكثر المفسرين على أن قوله: يستوي مسند إلى من، وترك ذكر المعادل الذي ~~لا يستوي معه، لأن قوله تعالى: من الذين أنفقوا من بعد قد فسره وبينه. ~~ويحتمل أن يكون فاعل يستوي محذوفا تقديره: لا يستوي منكم الإنفاق، ويؤيد ~~ذلك أن ذكره قد تقدم في قوله: وما لكم ألا تنفقوا ويكون قوله: من ابتداء ~~وخبره الجملة الآتية بعد. # وقرأ جمهور السبعة: «وكلا وعد الله الحسنى» وهي الوجه، لأن وعد الله ليس ~~يعوقه عائق على أن ينصب المفعول المقدم. وقرأ ابن عامر: «وكل وعد الله ~~الحسنى» ، فأما سيبويه رحمه الله فقدر الفعل خبر PageV05P259 # الابتداء، وفيه ضمير عائد وحذفه عنده قبيح لا يجري إلا في شعر ونحوه، ~~ومنه قول الشاعر [جرير بن عطية] : [الرجز] # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع # قال: ولكن حملوا الخبر على الصفات كقول جرير: [الوافر] وما شيء حميت ~~بمستباح وعلى الصلات كقوله تعالى: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان: 41] ~~وذهب غير سيبويه إلى أن وعد في موضع الصفة، كأنه قال: «أولئك كل وعد الله ~~الحسنى» ، وصاحب هذا المذهب حصل في هذا التعسف في المعنى فرارا من حذف ~~الضمير في خبر المبتدأ. و: الحسنى الجنة، قاله مجاهد وقتادة، والوعد يتضمن ~~ما قبل الجنة من نصر وغنيمة. # وقوله تعالى: والله بما تعملون خبير قول فيه وعد ووعيد. # وقوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا الآية، قال بعض النحويين: ~~من ابتداء و: ذا خبر، والذي صفة، وقال آخرون منهم: من ابتداء و: ذا زائد مع ~~الذي، والذي خبر الابتداء، وقال الحسن: نزلت هذه الآية في التطوع في جميع ~~أمر الذين. والقرض: السلف ونحوه أن يعطي الإنسان شيئا وينتظر جزاءه، ~~والتضعيف من الله هو في الحسنات، يضاعف الله لمن يشاء من عشرة إلى سبعمائة، ~~وقد ورد أن التضعيف يربى على سبعمائة، وقد مر ذكر ذلك في سورة البقرة ~~بوجوهه من التأويل. # وقرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي: «فيضاعفه» بالرفع على العطف أو على ~~القطع والاستئناف. # وقرأ ms3441 عاصم: «فيضاعفه» بالنصب في الفاء في جواب الاستفهام، وفي ذلك قلق. ~~قال أبو علي: لأن السؤال لم يقع عن القرض، وإنما يقع السؤال عن فاعل القرض، ~~وإنما تنصب الفاء فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك ~~على المعنى، كأن قوله: من ذا الذي يقرض بمنزلة أن لو قال: # أيقرض الله أحدا فيضاعفه؟ وقرأ ابن كثير «فيضعفه» مشددة العين مضمومة ~~الفاء. وقرأ ذلك ابن عامر، إلا أنه فتح الفاء. # والأجر الكريم الذي يقرض به رضى وإقبال، وهذا معنى الدعاء: يا كريم ~~العفو، أي أن مع عفوه رضى وتنعيما وعفو البشر ليس كذلك. # وقوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 12 الى 14] # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) ~~يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور (14) PageV05P260 # العامل في: يوم قوله وله أجر كريم [الحديد: 11] . والرؤية في هذه الآية ~~رؤية عين. # والنور: قال الضحاك بن مزاحم: هي استعارة، عبارة عن الهدى والرضوان الذي ~~هم فيه. وقال الجمهور: # بل هو نور حقيقة، وروي في هذا عن ابن عباس وغيره آثار مضمنها: أن كل مؤمن ~~ومظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نورا فيطفأ نور كل منافق ويبقى نور ~~المؤمنين. حتى أن منهم من نوره يضيء كما بين مكة وصنعاء، رفعه قتادة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من نوره كالنخلة السحوق. ومنهم من نوره ~~يضيء ما بين قرب من قدميه، قال ابن مسعود: ومنهم من يهم بالانطفاء مرة ~~ويتبين مرة على قدر المنازل في الطاعة والمعصية. وخص تعالى بين الأيدي ~~بالذكر لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور. # واختلف الناس في قوله: وبأيمانهم فقال بعض المتأولين المعنى: ms3442 وعن ~~أيمانهم، فكأنه خص ذكر جهة اليمين تشريفا، وناب ذلك مناب أن يقول: وفي جميع ~~جهاتهم، وقال آخرون منهم، المعنى: # وبأيمانهم كتبهم بالرحمة. وقال جمهور المفسرين، المعنى: يسعى نورهم بين ~~أيديهم، يريد الضوء المنبسط من أصل النور. وبأيمانهم أصله، والشيء الذي هو ~~متقد فيه. # قال القاضي أبو محمد: فضمن هذا القول أنهم يحملون الأنوار، وكونهم غير ~~حاملين أكرم، ألا ترى أن فضيلة عباد بن بشر وأسيد بن حضير إنما كانت بنور ~~لا يحملانه. هذا في الدنيا فكيف في الآخرة، ومن هذه الآية انتزع حمل المعتق ~~للشمعة. # وقرأ الناس: «بأيمانهم» جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد وأبو حيوة: «بإيمانهم» ~~بكسر الألف، وهو معطوف على قوله: بين أيديهم كأنه قال: كائنا بين أيديهم، ~~وكائنا بسبب إيمانهم. # وقوله تعالى: بشراكم معناه، يقال لهم: بشراكم جنات، أي دخول جنات، فحذف ~~المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # وقوله تعالى: خالدين فيها إلى آخر الآية، مخاطبة لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وقرأ ابن مسعود: # «ذلك الفوز العظيم» بغير هو. # وقوله تعالى: يوم يقول المنافقون والمنافقات قال بعض النحاة: يوم بدل من ~~الأول وقال آخرون منهم العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكر. # قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن العامل فيه قوله تعالى: ذلك هو الفوز ~~العظيم ويجيء معنى الفوز أفخم، كأنه يقول: إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم ~~يعتري المنافقين كذا وكذا، لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه ومضاده أبدع ~~وأفخم، وقول المنافقين هذه المقالة الممكنة هو عند انطفاء أنوارهم كما ~~ذكرنا قبل. PageV05P261 # وقولهم: انظرونا معناه: انتظرونا، ومنه قول الحطيئة: [البسيط] # وقد نظرتكم أبناء عائشة ... للخمس طال بها حبسي وتبساسي # وقرأ حمزة وحده وابن وثاب وطلحة والأعمش: «أنظرونا» بقطع الألف وكسر ~~الظاء على وزن أكرم. # ومنه قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] # أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا # ومعناه: أخرونا، ومنه النظرة إلى الميسرة، وقول النبي عليه السلام: «من ~~أنظر معسرا» الحديث، ومعنى قولهم: أخرونا، أخروا مشيكم لنا حتى نلحق ف ~~نقتبس من نوركم، واقتبس الرجل واستقبس ms3443 أخذ من نور غيره قبسا. وقوله تعالى: ~~قيل ارجعوا وراءكم يحتمل أن يكون من قول المؤمنين، ويحتمل أن يكون من قول ~~الملائكة. # وقوله: وراءكم حكى المهدوي وغيره من المفسرين أنه لا موضع له من الإعراب، ~~وأنه كما لو قال ارجعوا ارجعوا، وأنه على نحو قول أبي الأسود الدؤلي ~~للسائل: وراءك أوسع لك. # قال القاضي أبو محمد: ولست أعرف مانعا يمنع من أن يكون العامل فيه ~~ارجعوا، والقول لهم: # فالتمسوا نورا هو على معنى التوبيخ لهم، أي أنكم لا تجدونه. # ثم أعلم عز وجل أنه يضرب بينهم في هذه الحال بسور حاجز، فيبقى المنافقون ~~في ظلمة ويأخذهم العذاب من الله، وحكي عن ابن زيد أن هذا السور هو الأعراف ~~المذكور في سورة «الأعراف» وقد حكاه المهدوي، وقيل هو حاجز آخر غير ذلك، ~~وقال عبد الله بن عمر وكعب الأحبار وعبادة بن الصامت وابن عباس: هو الجدار ~~الشرقي في مسجد بيت المقدس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة على السور ~~الشرقي من بيت المقدس فبكى وقال: من هاهنا أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه رأى جهنم. # قال القاضي أبو محمد: وفيه باب يسمى باب الرحمة، سماه في تفسير هذه الآية ~~عبادة وكعب. وفي الشرق من الجدار المذكور واد يقال له: وادي جهنم، سماه في ~~تفسير هذه الآية عبد الله بن عمر وابن عباس، وهذا القول في السور بعيد، ~~والله أعلم وقال قتادة وابن زيد، الرحمة: الجنة. والعذاب: # جهنم. # والسور في اللغة الحجي الذي للمدن وهو مذكور. والسور أيضا جمع سورة، وهي ~~القطعة من البناء ينضاف بعضها إلى بعض حتى يتم الجدار، فهذا اسم جمع يسوغ ~~تذكيره وتأنيثه، وهذا الجمع هو الذي أراد جرير في قوله: [الكامل] # لما أتى خبر الزبير تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع # وذلك أن المدينة لم يكن لها قط حجي، وأيضا فإن وصفه أن جميع ما في ~~المدينة من بناء تواضع PageV05P262 # أبلغ، ومن رأى أنه قصد قصد السور الذي هو الحجي، قال: إن ذلك إذا تواضع ~~فغيره ms3444 من المباني أحرى بالتواضع. # قال القاضي أبو محمد: فإذا كان السور في البيت محتملا للوجهين فليس هو في ~~قوة مر الرياح وصدر القناة وغير ذلك مما هو مذكر محض استفاد التأنيث مما ~~أضيف إليه. # وقوله تعالى: باطنه فيه الرحمة أي جهة المؤمنين، وظاهره جهة المنافقين، ~~والظاهر هنا البادي، ومنه قول: من ظاهر مدينة كذا، وقوله تعالى: ينادونهم ~~معناه: ينادي المنافقون المؤمنين ألم نكن معكم في الدنيا؟ فيرد المؤمنون ~~عليهم: بلى كنتم معنا، ولكنكم عرضتم أنفسكم للفتنة، وهو حب العاجل والقتال ~~عليه، قال مجاهد: فتنتم أنفسكم بالنفاق. وتربصتم معناه هنا: بأمانكم ~~«فأبطأتم» به حتى متم. وقال قتادة معناه: تربصتم بنا وبمحمد عليه السلام ~~الدوائر وشككتم في أمر الله. # والارتياب: التشكك. و: الأماني التي غرتهم هي قولهم: سيهلك محمد هذا ~~العام ستهزمه قريش، ستأخذه الأحزاب، إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل ~~غرار لكل أحد، وأمر الله الذي جاء هو الفتح وظهور الإسلام، وقيل هو موت ~~المنافقين وموافاتهم على هذه الحال الموجبة للعذاب و: الغرور الشيطان ~~بإجماع من المتأولين. # وقرأ سماك بن حرب بضم الغين، وأبو حيوة. وينبغي لكل مؤمن أن يعتبر هذه ~~الآية في نفسه وتسويفه في توبته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 15 الى 17] # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم ~~وبئس المصير (15) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون (17) # قوله تعالى: فاليوم لا يؤخذ استمرار في مخاطبة المنافقين. قاله قتادة ~~وغيره: وروي في معنى قوله: ولا من الذين كفروا حديث، وهو أن الله تعالى ~~يقرر الكافرين فيقول له: أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدي بجميع ~~ذلك من عذاب النار؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تعالى: قد سألتك ما هو ~~أيسر من هذا وأنت في ms3445 صلب أبيك آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك. # وقرأ جمهور القراء والناس: «يؤخذ» بالياء من تحت. وقرأ أبو جعفر القارئ: ~~«تؤخذ» بالتاء من فوق، وهي قراءة ابن عامر في رواية هشام عنه، وهي قراءة ~~الحسن وابن أبي إسحاق والأعرج وقوله: هي مولاكم قال المفسرون معناه: هي ~~أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنما هي PageV05P263 # استعارة، لأنها من حيث تضمنهم وتباشرهم هي تواليهم وتكون لهم مكان ~~المولى، وهذا نحو قول الشاعر [عمرو بن معد يكرب] : [الوافر] تحية بينهم ضرب ~~وجميع وقوله تعالى: ألم يأن الآية ابتداء معنى مستأنف، وروي أنه كثر المزاح ~~والضحك في بعض تلك المدة في قوم من شبان المسلمين فنزلت هذه الآية. وقال ~~ابن مسعود: مل الصحابة ملة فنزلت الآية. # ومعنى: ألم يأن ألم يحن، ويقال: أنى الشيء يأني، إذا حان ومنه قول ~~الشاعر: [الوافر] # تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام # وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «ألما يأن» . وروي عنه أنه قرأ «ألم يين» . # وهذه الآية على معنى الحض والتقريع، قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه ~~الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وسمع الفضل بن موسى قارئا يقرأ ~~هذه الآية، والفضل يحاول معصية، فكانت الآية سبب توبته. وحكى الثعلبي عن ~~ابن المبارك أنه في صباه حرك العود ليضربه، فإذا به قد نطق بهذه الآية، ~~فتاب ابن المبارك وكسر العود وجاء التوفيق. والخشوع: الإخبات والتطامن، وهي ~~هيئة تظهر في الجوارح متى كانت في القلب، فلذلك خص تعالى القلب بالذكر. ~~وروى شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما يرفع من ~~الناس الخشوع» . # وقوله تعالى: لذكر الله أي لأجل ذكر الله ووحيه الذي بين أظهرهم، ويحتمل ~~أن يكون المعنى: # لأجل تذكير الله إياهم وأوامره فيهم. # وقرأ عاصم في رواية حفص ونافع: «وما نزل» مخفف الزاي. وقرأ الباقون وأبو ~~بكر عن عاصم: # «نزل» بشد الزاي على معنى: نزل الله من الحق. وقرأ أبو عمرو في رواية ~~عباس وهي قراءة الجحدري وابن ms3446 القعقاع: «نزل» بكسر الزاي وشدها. وقرأ نافع ~~وأبو عمرو والأعرج وأبو جعفر: «ولا يكونوا» بالياء على ذكر الغيب. وقرأ ~~حمزة فيما روى عنه سليم: «ولا تكونوا» بالتاء على مخاطبة الحضور. # والإشارة في قوله: أوتوا الكتاب إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه ~~السلام، وذلك قال: # من قبل وإنما شبه أهل عصر نبي بأهل عصر نبي. و: الأمد قيل معناه: أمد ~~انتظار الفتح، وقيل أمد انتظار القيامة وقيل أمد الحياة. و: (قست) معناه: ~~صلبت وقل خيرها وانفعالها للطاعات وسكنت إلى معاصي الله، ففعلوا من العصيان ~~والمخالفة ما هو مأثور عنهم. # وقوله تعالى: اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها الآية مخاطبة لهؤلاء ~~المؤمنين الذين ندبوا إلى الخشوع، وهذا ضرب مثل واستدعاء إلى الخير، رقيق ~~وتقريب بليغ، أي لا يبعد عنكم أيها التاركون للخشوع رجوعكم إليه وتلبسكم ~~به، «فإن الله يحيي الأرض بعد موتها» ، فكذلك يفعل بالقلوب، يردها إلى ~~الخشوع بعد بعدها عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابة والتكسب من العبد ~~بعد نفورها منه كما تحيى الأرض بعد أن كانت ميتة غبراء. وباقي الآية بين ~~جدا. PageV05P264 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 18 الى 19] # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم ~~(18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) # قرأ جمهور القراء: «إن المصدقين» بشد الصاد المفتوحة على معنى المتصدقين، ~~وفي مصحف أبي بن كعب: «إن المتصدقين» ، فهذا يؤيد هذه القراءة، وأيضا فيجيء ~~قوله تعالى: وأقرضوا الله قرضا حسنا ملائما في الكلام للصدقة. وقرأ ابن ~~كثير وأبو بكر عن عاصم «إن المصدقين» بتخفيف الصاد على معنى: إن الذين ~~صدقوا رسول الله فيما بلغ عن الله وآمنوا به، ويؤيد هذه القراءة أنها أكثر ~~تناولا، لأن كثيرا ممن لا يتصدق يعمه اللفظ في التصديق. ثم إن تقييدهم ~~بقوله: وأقرضوا يرد مقصد القراءتين قريبا بعضه من بعض. # وقوله: أقرضوا معطوف على المعنى، لأن معنى قوله: إن المصدقين والمصدقات ms3447 ~~إن الذين تصدقوا، ولا يصح هنا عطف لفظي، قاله أبو علي في الحجة. وقد تقدم ~~معنى القرض، ومعنى المضاعفة التي وعد الله بها هذه الأمة. وقد تقدم معنى ~~وصف الأجر بالكريم، كل ذلك في هذه السورة. # قال القاضي أبو محمد: ويؤيد عندي قراءة من قرأ: «إن المصدقين» بشد الصاد. ~~إن الله تعالى حض في هذه الآية على الإنفاق وفي سبيل الله تعالى. ثم ذكر في ~~هذه أهل الصدقة ووعدهم، ثم ذكر أهل الإيمان والتصديق في قوله: والذين آمنوا ~~بالله ورسله وعلى قراءة من قرأ: «إن المصدقين» بتخفيف الصاد فذكر المؤمنين ~~مكرر في اللفظ، وكون الأصناف منفردة بأحكامها من الوعد أبين. # والإيمان بمحمد يقتضي الإيمان بجميع الرسل، فلذلك قال: ورسله. والصديقون ~~بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزجاج، وفعيل لا يكون فيما ~~أحفظ إلا من فعل ثلاثي، وقد أشار بعض الناس إلى أنه يجيء من غير الثلاثي. ~~وقال: مسيك من أمسك، وأقول إنه يقال: مسك الرجل وقد حكى مسك الشيء، وفي هذا ~~نظر. # وقوله تعالى: والشهداء عند ربهم اختلف الناس في تأويل ذلك، فقال ابن ~~مسعود ومجاهد وجماعة: والشهداء معطوف على قوله: الصديقون والكلام متصل. ثم ~~اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها: وصف الله المؤمنين ~~بأنهم صديقون وشهداء، فكل مؤمن شهيد، قاله مجاهد. # وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مؤمنو أمتي ~~شهداء» ، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وإنما خص رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفا، ولأنهم في أعلى رتب ~~الشهادة، ألا ترى أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضا من السبعة بتشريف ~~ينفرد به. وقال بعضها: وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء لكن من ~~معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، وذلك نحو قوله تعالى: لتكونوا شهداء على ~~الناس [البقرة: 143] فكأنه قال في هذه الآية: هم أهل PageV05P265 # الصدق والشهادة على الأمم عند ربهم، وقال ابن عباس ومسروق والضحاك: ~~الكلام تام في ms3448 قوله: # الصديقون. # وقوله: والشهداء ابتداء مستأنف. # ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها معنى الآية: ~~والشهداء بأنهم صديقون حاضرون عند ربهم. وعنى ب «الشهداء» : الأنبياء عليهم ~~السلام، فكأن الأنبياء يشهدون للمؤمنين بأنهم صديقون، وهذا يفسره قوله ~~تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: ~~41] . وقال بعضها قوله: والشهداء ابتداء يريد به الشهداء في سبيل الله، ~~واستأنف الخبر عنهم بأنهم: عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فكأنه جعلهم صنفا ~~مذكورا وحده، وفي الحديث: # «إن أهل الجنة العليا ليراهم من دونهم كما ترون الكوكب الدري، وإن أبا ~~بكر وعمر منهم وأنعما» . # وقوله تعالى: لهم أجرهم ونورهم خبر عن الشهداء فقط على الأخير من ~~الأقوال، وهو خبر عن المؤمنين المذكورين في أول الآية على الأقوال الثلاثة. # وقوله تعالى: ونورهم قال جمهور المفسرين: هو حقيقة حسبما روي مما تقدم ~~ذكره في هذه السورة. وقال مجاهد وغيره: هو مجاز عبارة عن الهدى والكرامة ~~والبشرى التي حصلوا فيها. # ولما فرع ذكر المؤمنين وأهل الكرامة، عقب ذكر الكفرة المكذبين ليبين ~~الفرق، فذكرهم تعالى بأنهم أصحاب الجحيم وسكانه. # وقوله تعالى: ### || [سورة الحديد (57) : آية 20] # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) # هذه الآية وعظ وتبيين لأمر الدنيا وضعة منزلتها و: أنما سادة مسد ~~المفعولين للعلم بأنها تدخل على اثنين وهي وإن كفت عن العمل، فالجملة بعدها ~~باقية. و: الحياة الدنيا في هذه الآية عبارة عن الأشغال والتصرفات والفكر ~~التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأما ما كان من ذلك في طاعة الله وسبيله وما ~~كان من الضرورات التي تقيم الأود وتعين على الطاعات فلا مدخل له في هذه ~~الآية. وتأمل حال الملوك بعد فقرهم بين لك أن جميع نزوتهم لعب ولهو. ~~والزينة: التحسين الذي هو خارج من ذات الشيء، والتفاخر: ms3449 هو بالأنساب ~~والأموال وغير ذلك والتكاثر: هو الرغبة في الدنيا، وعددها لتكون العزة ~~للكفار على المذهب الجاهلي. # ثم ضرب تعالى مثل الدنيا، فالكاف في قوله: كمثل في رفع صفة لما تقدم، ~~وصورة هذا المثال: أن الإنسان ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك فيشب ويقوى ~~ويكسب المال والولد ويغشاه الناس، PageV05P266 # ثم يأخذ بعد ذلك في انحطاط، فيشيب ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله ~~وذريته، ويموت ويضمحل أمره، وتصير أمواله لغيره، وتغير رسومه، فأمره مثل ~~مطر أصاب أرضا فنبت عن ذلك الغيث نبات معجب أنيق. ثم هاج: أي يبس واصفر، ثم ~~تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل. # واختلف المتأولون في لفظة الكفار هنا، فقال بعض أهل التأويل: هو من الكفر ~~بالله، وذلك لأنهم أشد تعظيما للدنيا وأشد إعجابا بمحاسنها. وقال آخرون ~~منهم: هو من كفر الحب، أي ستره في الأرض، فهم الزراع وخصهم بالذكر، لأنهم ~~أهل البصر بالنبات والفلاحة فلا يعجبهم إلا المعجب حقيقة، الذي لا عيب له. # وهاج الزرع: معناه: يبس واصفر، وحطام: بناء مبالغة، يقال حطيم وحطام ~~بمعنى محطوم، أو متحطم، كعجيب وعجاب، بمعنى معجب ومتعجب منه. ثم قال تعالى: ~~وفي الآخرة كأنه قال: # والحقيقة هاهنا، ثم ذكر العذاب أولا تهمما به من حيث الحذر في الإنسان ~~ينبغي أن يكون أولا، فإذا تحرر من المخاوف مد حينئذ أمله. فذكر الله تعالى ~~ما يحذر قبل ما يطمع فيه وهو المغفرة والرضوان. وروي عن عاصم: ضم الراء من: ~~«رضوان» . و: متاع الغرور معناه: الشيء الذي لا يعظم الاستمتاع به إلا ~~مغتر. وقال عكرمة وغيره: متاع الغرور القوارير، لأن الفساد والآفات تسرع ~~إليها، فالدنيا كذلك أو هي أشد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 21 الى 23] # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ~~ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ~~ذلك على الله يسير ms3450 (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور (23) # لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة ~~إليها والمسابقة، وهذه الآية حجة عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، ~~وقد استدل بها بعضهم على أن أول أوقات الصلوات أفضل، لأنه يقتضي المسارعة ~~والمسابقة، وقد ذكر بعضهم في تفسير هذه الآية أشياء هي على جهة المثال، ~~فقال قوم من العلماء منهم ابن مسعود: سابقوا إلى مغفرة من ربكم معناه: ~~كونوا في أول صف في القتال. وقال آخرون، منهم أنس بن مالك معناه: اشهدوا ~~تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقال آخرون منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~كن أول داخل في المسجد، وآخر خارج منه، وهذا كله على جهة المثال. وذكر ~~العرض من الجنة، إذ المعهود أنه أقل من الطول، وقال قوم من أهل المعاني: ~~عبر عن الساحة بالعرض ولم يقصد أن طولها أقل ولا أكثر. وقد ورد في الحديث: ~~«إن سقف الجنة العرش» . وورد في الحديث: «إن السماوات السبع في الكرسي ~~كالدرهم في الفلاة، وإن الكرسي في العرش كالدرهم في الفلاة» . PageV05P267 # وقوله تعالى: أعدت ظاهرة أنها مخلوقة الآن معدة، ونص عليه الحسن في كتاب ~~النقاش. # وقوله تعالى: ما أصاب من مصيبة قال ابن زيد وغيره المعنى: ما حدث من حادث ~~خير وشر، فهذا على معنى لفظ: أصاب لا على عرف المصيبة، فإن عرفها في الشر. ~~وقال ابن عباس ما معناه: # أنه أراد عرف المصيبة وخصها بالذكر، لأنها أهم على البشر، وهي بعض من ~~الحوادث تدل على أن جميع الحوادث خيرها وشرها كذلك. # وقوله تعالى: في الأرض يعني بالقحوط والزلازل وغير ذلك. وقوله: في أنفسكم ~~يريد بالموت والأمراض وغير ذلك. # وقوله تعالى: إلا في كتاب معناه: إلا والمصيبة في كتاب. و: نبرأها معناه: ~~نخلقها، يقال: # برأ الله الخلق: أي خلقهم، والضمير عائد على المصيبة، وقيل: على الأرض، ~~وقيل: على الأنفس، قاله ابن عباس وقتادة وجماعة وذكر المهدوي جواز عود ~~الضمير ms3451 على جميع ما ذكر، وهي كلها معان صحاح، لأن الكتاب السابق أزلي قبل ~~هذه كلها. # وقوله تعالى: إن ذلك على الله يسير يريد تحصيل الأشياء كلها في الكتاب. ~~وقوله تعالى: لكيلا تأسوا معناه: فعل الله ذلك كله وأعلمكم به ليكون سبب ~~تسليمكم وقلة اكتراثكم بأمر الدنيا، فلا تحزنوا على ما فات، ولا تفرحوا ~~الفرح المبطر بما آتاكم منها. قال ابن عباس: ليس أحد إلا يفرح ويحزن، ولكن ~~من أصابته مصيبة يجعلها صبرا، من أصاب خيرا يجعله شكرا. # وقرأ أبو عمرو وحده: «أتاكم» على وزن مضى، وهذا ملائم لقوله: فاتكم. وقرأ ~~الباقون من السبعة: «آتاكم» ، على وزن أعطاكم، بمعنى آتاكم الله تعالى، وهي ~~قراءة الحسن والأعرج وأهل مكة. # وقرأ ابن مسعود: «أوتيتم» ، وهي تؤيد قراءة الجمهور. # وقوله تعالى: والله لا يحب كل مختال فخور يدل على أن الفرح المنهي عنه ~~إنما هو ما أدى إلى الاختيال، والفخر بنعم الله المقترن بالشكر والتواضع ~~فأمر لا يستطيع أحد دفعه عن نفسه ولا حرج فيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 24 الى 26] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ~~(24) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) # اختلف النحاة في إعراب: الذين فقال بعضهم: هم في موضع رفع على الابتداء، ~~والخبر عنهم PageV05P268 # محذوف معناه الوعيد والذم، وحذفه على جهة الإبهام كنحو حذف الجواب في ~~قوله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض [الرعد: 32] ~~الآية، وقال بعضهم هم رفع على خبر الابتداء تقديره هم الذين يبخلون. وقال ~~بعضهم في موضع نصب صفة ل كل [الحديد: 23] ، لأن كلا وإن كان نكرة فهو يخصص ~~نوعا ما فيسوغ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهب الأخفش. و: يبخلون معناه: # بأموالهم وأفعالهم الحسنة من إيمانهم وغير ms3452 ذلك. # وقوله تعالى: ويأمرون الناس يحتمل أن يصفهم بحقيقة الأمر بألسنتهم، ~~ويحتمل أن يريد أنهم يقتدى بهم في البخل فهم لذلك كأنهم يأمرون. # وقرأ الحسن: «بالبخل» بفتح الباء والخاء. وقرأ جمهور القراء وأهل العراق: ~~«فإن الله هو الغني الحميد» بإثبات: «هو» ، وكذلك في «إمامهم» . وقرأ نافع ~~وابن عامر: «فإن الله الغني الحميد» بترك «هو» ، وهي قراءة أهل المدينة، ~~وكذلك في «إمامهم» ، وهذا لم يثبت قراءة إلا وقد قرئ على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالوجهين. قال أبو علي، ف «هو» في القراءة التي ثبت فيها يحسن أن ~~يكون ابتداء، لأن حذف الابتداء غير سائغ. و: الكتاب اسم جنس لجميع الكتب ~~المنزلة. والميزان: العدل في تأويل أكثر المتأولين. وقال ابن زيد وغيره من ~~المتأولين: أراد الموازين المصرفة بين الناس، وهذا جزء من القول الأول. # وقوله: ليقوم الناس بالقسط يقوي القول الأول. # وقوله تعالى: وأنزلنا الحديد عبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال كما قال في ~~الثمانية الأزواج من الأنعام، وأيضا فإن الأمر بكون الأشياء لما تلقى من ~~السماء، جعل الكل نزولا منها. وقال جمهور كثير من المفسرين: الحديد هنا: ~~أراد به جنسه من المعادن وغيرها. وقال ابن عباس: نزل آدم من الجنة ومعه ~~السندان والكلبتان والميقعة، قال حذاق من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب ~~معنى الآية بأن الله أخبر أنه أرسل رسله وأنزل كتبا وعدلا مشروعا وسلاحا ~~يحارب به من عند ولم يهتد بهدي الله فلم يبق عذر، وفي الآية على هذا ~~التأويل حض على القتال وترغيب فيه. # وقوله: وليعلم الله من ينصره يقوي هذا التأويل، ومعنى قوله: ليعلم أي ~~ليعلمه موجودا فالتغير ليس في علم الله، بل في هذا الحدث الذي خرج من العدم ~~إلى الوجود. # وقوله: بالغيب معناه: بما سمع من الأوصاف الغائبة فآمن بها لقيام الأدلة ~~عليها. # ثم وصف تعالى نفسه بالقوة والعزة ليبين أنه لا حاجة به إلى النصرة، لكنها ~~نافعة من عصم بها نفسه من الناس. ثم ذكر تعالى رسالة «نوح وإبراهيم» تشريفا ~~لهما بالذكر، ولأنهما من أول ms3453 الرسل. ثم ذكر تعالى نعمه على ذريتهما. وقوله ~~تعالى: والكتاب يعني الكتب الأربعة، فإنها جميعا في ذرية إبراهيم عليه ~~السلام. وذكر أنهم مع ذلك منهم من فسق وعند، فكذلك بل أحرى جميع الناس، ~~ولذلك يسر السلاح للقتال. PageV05P269 # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : الآيات 27 الى 28] # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور ~~رحيم (28) # قفينا معناه: جئنا بهم بعد الأولين، وهو مأخوذ من القفا، أي جاء بالثاني ~~في قفا الأول، فيجيء الأول بين يدي الثاني، ومنه القوافي التي تأتي أواخر ~~أبيات الشعر، ثم ذكر «عيسى» عليه السلام تشريفا وتخصيصا. # وقرأ الحسين: «الإنجيل» بفتح الهمزة، قال أبو الفتح: هذا مما لا نظير له. ~~و: رأفة ورحمة ورهبانية مفعولات جعلنا. والجعل في هذه الآية بمعنى: الخلق. # وقوله: ابتدعوها صفة ل رهبانية وخصها بأنها ابتدعت، لأن الرأفة والرحمة ~~في القلب لا تكسب للإنسان فيها، وأما الرهبانية فهي أفعال بدن مع شيء في ~~القلب ففيها موضع للتكسب. قال قتادة: # الرأفة والرحمة من الله تعالى. والرهبانية هم ابتدعوها، والمراد بالرأفة ~~والرحمة: حب بعضهم في بعض وتوادهم، والمراد بالرهبانية: رفض النساء، واتخاذ ~~الصوامع، والمعتزلة تعرب رهبانية أنها نصب بإضمار فعل يفسره ابتدعوها وليست ~~بمعطوفة على الرأفة والرحمة ويذهبون في ذلك إلى أن الإنسان يخلق أفعاله ~~فيعربون الآية على مذهبهم، وكذلك أعربها أبو علي. وروي في ابتداعهم ~~الرهبانية أنهم افترقوا ثلاث فرق، ففرقة قاتلت الملوك على الدين، فقتلت ~~وغلبت. وفرقة قعدت في المدن يدعون إلى الدين ويبينونه، فأخذتها الملوك ~~ونشرتها بالمناشر وقتلوا، وفرقة خرجت إلى الفيافي وبنت الصوامع والديارات، ~~وطلبت أن تسلم على أن تعتزل فتركت وتسموا بالرهبان، واسمهم مأخوذ من الرهب، ~~وهو الخوف، فهذا ms3454 هو ابتداعهم ولم يفرض الله ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك ~~ابتغاء رضوان الله، هذا تأويل أبي أمامة وجماعة، وقال مجاهد: المعنى ~~كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله. ف «كتب» على هذا بمعنى: قضى، ويحتمل ~~اللفظ أن يكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا في عموم المندوبات، لأن ابتغاء ~~مرضاة الله بالقرب والنوافل مكتوب على كل أمة فالاستثناء على هذا احتمال ~~متصل. # واختلف الناس في الضمير الذي في قوله: فما رعوها من المراد به؟ فقيل إن ~~الذين ابتدعوا الرهبانية بأنفسهم لم يدوموا على ذلك ولا وفوه حقه، بل غيروا ~~وبدلوا، قاله ابن زيد وغيره، والكلام سائغ وإن كان فيهم من رعى: أي لم ~~يرعوها بأجمعهم، وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ونفل أنه ~~يلزمه أن يرعاه حق رعيه. قال ابن عباس وغيره: الضمير للملوك الذين حاربوهم ~~وأجلوهم وقال الضحاك وغيره: الضمير للأخلاف الذين جاؤوا بعد المبتدعين لها، ~~وباقي الآية بين. وقرأ ابن مسعود: «ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها» . PageV05P270 # وقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله اختلف الناس ~~في المخاطب بهذا، فقالت فرقة من المتأولين خوطب بهذا أهل الكتاب، فالمعنى: ~~يا أيها الذين آمنوا بعيسى اتقوا الله وآمنوا بمحمد، ويؤيد هذا المعنى ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم ~~مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي» ، الحديث وقال آخرون المخاطبة ~~للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قيل لهم يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وآمنوا برسوله، أي اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، وهذا هو معنى ~~الأمر أبدا لمن هو متلبس بما يؤمر به. # وقوله: كفلين أي نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو ~~موسى الأشعري: # كفلين ضعفين بلسان الحبشة، وروي أن عمر بن الخطاب قال لبعض الأحبار: كم ~~كان التضعيف للحسنات فيكم؟ فقال ثلاثمائة وخمسون، فقال عمر: الحمد لله الذي ~~ضاعف لنا إلى سبعمائة، ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح الذي يقتضي أن ~~اليهود عملت إلى ms3455 نصف النهار على قيراط، والنصارى من الظهر إلى العصر على ~~قيراط، وهذه الأمة من العصر إلى الليل على قيراطين، فلما احتجت اليهود ~~والنصارى على ذلك وقالوا نحن أكثر عملا وأقل أجرا، قال الله تعالى: «هل ~~نقصتم من أجركم شيئا، قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أوتيه من أشاء» . والكفل: ~~الحظ والنصيب. والنور: هنا إما أن يكون وعدا بالنور الذي يسعى بين الأيدي ~~يوم القيامة، وإما أن يكون استعارة للهدى الذي يمشي به في طاعة الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحديد (57) : آية 29] # لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) # روي أنه لما نزل هذا الوعد للمؤمنين حسد أهل الكتاب على ذلك، وكانت ~~اليهود تعظم دينها وأنفسها وتزعم أنها أحباء الله وأهل رضوانه، فنزلت هذه ~~الآية معلمة أن الله تعالى فعل ذلك وأعلم به ليعلم أهل الكتاب أنهم ليسوا ~~كما يزعمون، و «لا» في قوله: لئلا زائدة كما هي في قوله تعالى: وحرام على ~~قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [الأنبياء: 95] على بعض التأويلات. # وقرأ ابن عباس «ليعلم أهل الكتاب» ، وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس: ~~«كي يعلم» ، وروي عن ابن عباس: «لكي لا يعلم» . وروي عن حطان الرقاشي أنه ~~قرأ: «لأي يعلم» . وقرأ ابن مسعود وابن جبير وعكرمة: «لكي يعلم أهل الكتاب» ~~، وقرأ الحسن فيما روى ابن مجاهد: «ليلا يعلم» بفتح اللام وسكون الياء. ~~فأما فتح اللام فلغة في لام الجر مشهورة وأصل هذه القراءة «لأن لا» ، ~~استغني عن الهمزة بلام الجر فحذفت فجاء «لأن لا» ، أدغمت النون في اللام ~~للتشابه فجاء «للا» ، اجتمعت أمثلة فقلبت اللام الواحدة ياء. وقرأ الحسن ~~فيما روى قطرب: «ليلا» بكسر اللام وسكون الياء وتعليلها كالتي تقدم. # وقوله تعالى: ألا يقدرون معناه: أنهم لا يملكون فضل الله ويدخل تحت ~~قدرهم، وقرأ ابن مسعود: «ألا يقدروا» بغير نون، وباقي الآية بين. PageV05P271 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المجادلة # وهي مدنية بإجماع، إلا أن النقاش حكى ms3456 أن قوله تعالى ما يكون من نجوى ~~ثلاثة [المجادلة: 7] مكي، وروى أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله» . # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ~~وإن الله لعفو غفور (2) # سمع الله عبارة عن إدراكه المسموعات على ما هي ما عليه بأكمل وجوه ذلك ~~دون جارحة ولا محاداة ولا تكييف ولا تحديد تعالى الله عن ذلك. # وقرأ الجمهور: قد سمع بالبيان: وقرأ ابن محيصن: قد سمع بالإدغام، وفي ~~قراءة ابن مسعود: «قد يسمع الله قول التي» ، وفيها: «والله قد يسمع ~~تحاوركما» . # واختلف الناس في اسم التي تجادل، فقال قتادة هي خويلة بنت ثعلبة، وقيل عن ~~عمر بن الخطاب أنه قال: هي خولة بنت حكيم. وقال بعض الرواة وأبو العالية هي ~~خويلة بنت دليج، وقال المهدوي، وقيل: # خولة بنت دليج، وقالت عائشة: هي خميلة. وقال ابن إسحاق: هي خولة بنت ~~الصامت. وقال ابن عباس فيها: خولة بنت خويلد، وقال محمد بن كعب القرظي ~~ومنذر بن سعيد: هي خولة بنت ثعلبة، قال ابن سلام: «تجادل» معناه تقاتل في ~~القول، وأصل الجدل القتل، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة: # أوس بن الصامت أو عبادة بن الصامت. وحكى النقاش وهو في المصنفات حديثا عن ~~سلمة بن صخر البياضي أنه ظاهر من امرأته أن واقعها مدة شهر رمضان فواقعها ~~ليلة فسأل قومه أن يسألوا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا وهابوا ~~ذلك وعظموا عليه، فذهب هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وسأله ~~واسترشدوه فنزلت الآية. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتعتق ~~رقبة» ؟ فقال له والله ما أملك رقبة غير رقبتي، فقال: «أتصوم ms3457 شهرين ~~متتابعين؟» ، فقال يا رسول الله وهل أتيت إلا في الصوم، فقال: «أتطعم ستين ~~مسكينا؟» فقال: لا أجد، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه ~~فكفر بها فرجع سلمة PageV05P272 # إلى قومه فقال: إني وجدت عندكم الشدة والغلظة، ووجدت عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الرخصة والرفق وقد أعطاني صدقاتكم. # وأما ما رواه الجمهور في شأن أوس بن الصامت، فاختصاره: أن أوسا ظاهر من ~~امرأته خولة بنت خويلد، وكان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤيدة، ~~قاله أبو قلابة وغيره، فلما فعل ذلك أوس، جاءت زوجته رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أوسا أكل شبابي، ونثرت له بطني فلما ~~كبرت ومات أهلي، ظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أراك ~~إلا قد حرمت عليه» ، فقالت يا رسول الله: لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل ~~سواه، فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل مقالته، فراجعته، فهذا هو ~~جدالها، وكانت في خلال جدالها تقول: اللهم إليك أشكو حالي وفقري وانفرادي ~~إليه، وروي أنها كانت تقول: اللهم إن لي منه صبية صغارا إن ضممتهم إليه ~~ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فهذا هو اشتكاؤها إلى الله، فنزل الوحي عند ~~جدالها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات. # وكانت عائشة حاضرة لهذه القصة كلها فكانت تقول: سبحان من وسع سمعه ~~الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي، وسمع الله جدالها، ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوس فقال له: أتعتق رقبة؟ فقال والله ~~ما أملكها، فقال أتصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله ما أقدر أن أصبر إلا ~~على أكلات ثلاث في اليوم، ومتى لم أفعل ذلك غشي بصري فقال له: أتطعم؟ فقال ~~له لا أجد إلا أن تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة يريد الدعاء، فأعانه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا ودعا له، وقيل بثلاثين صاعا، ~~فكفر بالإطعام وأمسك أهله. # وفي مصحف عبد ms3458 الله بن مسعود: «تحاورك في زوجها» ، والمحاورة مراجعة القول ~~ومعاطاته. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «يظهرون» ، وقرأ أبي بن كعب ~~بخلاف عنه: «يتظهرون» . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: «يظاهرون» . وقرأ ~~أبي بن كعب أيضا: «يتظاهرون» . وقرأ عاصم والحسن وأبو جعفر وقتادة: # «يظاهرون» بضم الياء من قولك فاعل، وهذه مستعملة جدا وقولهم الظهار دليل ~~عليها، والمراد بهذا كله قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، يريد في ~~التحريم كأنها إشارة إلى الركوب، إذ عرفه في ظهور الحيوان، وكان أهل ~~الجاهلية يفعلون ذلك، فرد الله بهذه الآية فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أن ~~الأم هي الوالدة، وأما الزوجة فلا يكون حكمها حكم الأم. # وقرأ جمهور الناس: «أمهاتهم» بنصب الأمهات، وقرأ عاصم في رواية المفضل ~~عنه: «أمهاتهم» بالرفع وهذا على اللغتين في ما لغة الحجاز ولغة تميم، وقرأ ~~ابن مسعود «ما هن بأمهاتهم» بزيادة باء الجر، وجعل الله تعالى القول ~~بالظهار منكرا وزورا، فهو محرم، لكنه، إذا وقع لزم، هكذا قال فيه أهل ~~العلم، لكن تحريمه تحريم المكروهات جدا، وقد رجى الله تعالى بعده بأنه لعفو ~~غفور مع الكفارة. PageV05P273 # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : الآيات 3 الى 4] # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) # اختلف الناس في معنى قوله عز وجل: ثم يعودون لما قالوا فقال قوم: المعنى ~~والذين يظاهرون من نسائهم في الجاهلية، كأنه قال: والذين كان الظهار عادتهم ~~ثم يعودون إلى ذلك في الإسلام، وقاله القتبي وقال أهل الظاهر المعنى: ~~والذين يظاهرون ثم يظاهرون ثم ثانية فلا يلزم عندهم كفارة إلا بأن يعيد ~~الرجل الظهار، قاله منذر بن سعيد، وحينئذ هو عائد إلى القول الذي هو منكر ~~وزور. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وإن كان القشيري قد حكاه ms3459 عن بكير بن ~~عبد الله بن الأشج وقال بعض الناس في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: ~~«فتحرير رقبة لما قالوا» ، وهذا أيضا قول يفسد نظر الآية، وحكي عن الأخفش، ~~لكنه غير قوي. وقال قتادة وطاوس ومالك والزهري وجماعة كثيرة من أهل العلم ~~معنى: ثم يعودون لما قالوا أي للوطء فالمعنى ثم يعودون لما قالوا إنهم لا ~~يعودون فإذا ظاهر الرجل ثم وطئ فحينئذ تلزمه الكفارة في ذمته وإن طلق أو ~~ماتت امرأته. وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك أيضا وفريق يعودون معناه: ~~بالعوم على إمساك الزوجة ووطئها والتزام التكفير لذلك، فمتى وقع من المظاهر ~~هذا العزم لزمت الكفارة ذمته، طلق أو ماتت المرأة. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان في مذهب مالك رحمه الله وهما حسنان ~~لزمت الكفارة فيهما بشرطين: ظهار وعود. # واختلفا في العود ما هو؟ وقال الشافعي العود الموجب للكفارة: أن يمسك عن ~~طلاقها بعد الظهار ويمضي بعد الظهار ما يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، ~~والرقبة في الظهار لا تكون عند مالك إلا مؤمنة، رد هذا: إلى المقيد الذي في ~~كفارة القتل الخطأ. # واختلف والناس في قوله تعالى: من قبل أن يتماسا فقال الحسن والثوري ~~وجماعة من قبل الوطء، وجعلت المسيس هاهنا الوطء، فأباحت للمظاهر التقبيل ~~والمضاجعة والاستمتاع بأعلى المرأة كالحائض. # وقال جمهور أهل العلم قوله: من قبل أن يتماسا عام في نوع المسيس الوطء ~~والمباشرة، فلا يجوز لمظاهر أن يطأ ولا يقبل ولا يلمس بيده، ولا يفعل شيئا ~~من هذا النوع إلا بعد الكفارة، وهذا قول مالك رحمه الله. # وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى التحرير أي فعل عظة لكم لتنتهوا عن الظهار، ~~والتتابع في الشهرين صيامهما ولا بين أيامهما، وجائز أن يصومهما الرجل ~~بالعدد، فيصوم ستين يوما تباعا، وجائز أن يصومهما PageV05P274 # بالأهلة، يبدأ مع الهلال ويفطر مع الهلال، وإن جاء أحد شهريه ناقصا، وذلك ~~مجزئ عنه، وجائز إن بدأ صومه في وسط الشهر أن يبعض الشهر الأول فيصوم إلى ~~الهلال ثم يصوم شهرا بالهلال ثم يتم الشهر ms3460 الأول بالعدد. ولا خلاف أحفظه من ~~أهل العلم أن الصائم في الظهار إن أفسد التتابع باختياره أنه يبتدأ صومها. # واختلف الناس إذا أفسده لعذر غالب: كالمرض والنسيان ونحوه، فقال أصحاب ~~الرأي والشافعي في أحد قوليه والنخعي وابن جبير والحكم بن عيينة والثوري: ~~يبتدئ، وقال مالك والشافعي وغيره: يبني. وأجمعوا على الحائض وأنها تبني في ~~صومها التتابع. # وإطعام المساكين في الظهار هو بالمد الهاشمي عند مالك، وهو مد وثلث بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل مدان غير ثلث. وروى عنه ابن وهب أنه يطعم ~~كل مسكين مدين بمد النبي عليه السلام وفي العلماء من يرى إطعام الظهار مدا ~~بمد النبي عليه السلام، ولا يجزئ في إطعام الظهار إلا إكمال عدد المساكين، ~~ولا يجوز أن يطعم ثلاثين مرتين ولا ما أشبهه، والطعام عو غالب قوت البلد. ~~قال مالك رحمه الله وعطاء وغيره: إطعام المساكين أيضا هو قبل التماس حملا ~~على العتق والصوم. وقال أبو حنيفة وجمهور من أهل العلم لم ينص الله على ~~الشرط هنا، فنحن نلتزمه، فجاز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل ~~الكفارة ويستمتع. # وقوله: ذلك لتؤمنوا إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى ~~الصوم، والإطعام ثم شدد تعالى بقوله: تلك حدود الله أي فالتزموها وقفوا ~~عندها، ثم توعد الكافرين بهذا الحديث والحكم الشرعي. # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : الآيات 5 الى 7] # إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) # هذه الآيات نزلت في منافقين وقوم من اليهود كانوا في المدينة يتمرسون ms3461 ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويتربصون بهم الدوائر، ويدبرون ~~عليهم ويتمنون فيهم المكروه ويتناجون بذلك، فنزلت هذه الآيات إلى آخر أمر ~~النجوى فيهم، والمحادة: أن يعطي الإنسان صاحبه حد قوله أو سلاحه وسائر ~~أفعاله. وقال قوم: هو أن يكون الإنسان في حد، وصاحبه في حد مخالف. و: كبت ~~الرجل: إذا بقي خزيان يبصر ما يكره ولا يقدر على دفعه. وقال قوم منهم أبو ~~عبيدة أصله كبدوا، أي أصابهم داء في أكبادهم، فأبدلت الدال تاء. PageV05P275 # قال القاضي أبو محمد: وهذا غير قوي. # و: الذين من قبلهم سابقوا الأمم الماضية الذين حادوا الرسل قديما. # وقوله تعالى: وقد أنزلنا آيات بينات يريد في هذا القرآن، فليس هؤلاء ~~المنافقون بأعذر من المتقدمين. # وقوله تعالى: يوم يبعثهم الله العامل في: يوم قوله: مهين، ويحتمل أن يكون ~~فعلا مضمرا تقديره: اذكر. وقوله: ونسوه نسيان على بابه، لأن الكافر لا يحفظ ~~تفاصيل أعماله ولما أخبر تعالى أنه على كل شيء شهيد وقف محمد عليه السلام ~~توقيفا تشاركه فيه أمته. # وقوله تعالى: من نجوى ثلاثة، يحتمل من نجوى أن يكون مصدرا مضافا إلى ~~ثلاثة، كأنه قال: من سرار ثلاثة، ويحتمل نجوى أن يكون المراد به جمعا من ~~الناس مسمى بالمصدر كما قال في آية أخرى: وإذ هم نجوى [الإسراء: 47] أي ~~أولو نجوى، فيكون قوله تعالى: ثلاثة على هذا بدلا من نجوى وفي هذا نظر. # وقوله تعالى: إلا هو رابعهم أي بعلمه وإحاطته ومقدرته. # وقرأ جمهور الناس: «ما يكون» وقرأ أبو جعفر القارئ وأبو جيوة: «ما تكون» ~~بالتاء منقوطة من فوق. # وفي مصحف ابن مسعود: «ولا أربعة إلا الله خامسهم» ، وكذلك: «إلا الله ~~رابعهم» ، و: «إلا الله سادسهم» . # وقرأ جمهور القراء: «ولا أكثر» عطفا على اللفظ المخفوض، وقرأ الأعمش ~~والحسن وابن أبي إسحاق: «ولا أكثر» بالرفع عطفا على الموضع، لأن التقدير ما ~~يكون نجوى، ومن جعل النجوى مصدرا محضا قدر قبل أدنى فعلا تقديره: ولا يكون ~~أدنى. وقرأ الخليل بن أحمد: «ولا أكبر» ، بالباء واحدة من تحت، ms3462 وباقي الآية ~~بين. # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : آية 8] # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) # هذه الآية نزلت في قوم من اليهود نهاهم رسول الله عن التناجي بحضرة ~~المؤمنين وإظهار ما يستراب منه من ذلك فلم ينتهوا، فنزلت هذه الآية، قاله ~~مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس نزلت في اليهود والمنافقين. # وقرأ جمهور القراء والناس: «ويتناجون» على وزن يتفاعلون، وقرأ حمزة ~~والأعمش وطلحة وابن وثاب «وينتجون» على وزن يفتعلون وهما بمعنى واحد ~~كيقتتلون ويتقاتلون وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «وعصيان الرسول» . PageV05P276 # وقوله تعالى: وإذا جاؤك الآية، يريد بذلك ما كانت اليهود تفعله من قولهم ~~في التحية السام عليك يا محمد، وذلك أنه روي أن اليهود كانت تأتي فتقول: ~~السام عليك يا محمد، والسام: # الموت، وإياه كانوا يريدون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«وعليكم» ، فسمعتهم عائشة يوما فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول ~~الله: «مهلا يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش» ، قالت: أما سمعت ما ~~قالوا؟ قال: «أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت وعليكم» . ثم كشف الله تعالى ~~خبث طويتهم والحجة التي إليها يستروحون، وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن الآن ~~نلقى محمدا بهذه الأمور التي تسوؤه ولا يصيبنا سوء، ولا يعاقبنا الله بذلك، ~~ولو كان نبيا لهلكنا بهذه الأقوال، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم، ~~فأخبر الله بذلك وأنها كافيتهم. وقال ابن عباس: هذه الآية كلها في منافقين، ~~ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود. # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : الآيات 9 الى 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى ms3463 ~~الله فليتوكل المؤمنون (10) # وصى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بأن لا يكون لهم تناج في مكروه، ~~وذلك عام في جميع الناس إلى يوم القيامة. وخص «الإثم» بالذكر لعمومه ~~والعدوان لعظمته في نفسه، إذ هي ظلامات العباد، وكذلك معصية الرسول ذكرها ~~طعنا على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك. # وقرأ جمهور الناس: «فلا تتناجوا» على وزن تتفاعلوا، وقرأ ابن محيصن ~~«تناجوا» بحذف التاء الواحدة. وقرأ بعض القراء: «فلا تناجوا» بشد التاء ~~لأنها أدغمت التاء في التاء، وقرأ الأعمش وأهل الكوفة: «فلا تنتجوا» على ~~وزن تفتعلوا. والناس: على ضم العين من «العدوان» . وقرأها أبو حيوة بكسر ~~العين حيث وقع. وقرأ الضحاك وغيره: «ومعصيات الرسول» على الجمع فيهما. # ثم أمر بالتناجي بالبر والتقوى، وذكر بالحشر الذي معه الحساب ودخول أحد ~~الدارين وقوله تعالى: إنما النجوى، ليست إنما للحصر ولكنها لتأكيد الخبر. # واختلف الناس في النجوى التي هي من الشيطان التي أخبر عنها في هذه الآية، ~~فقال جماعة من المفسرين أراد: إنما النجوى في الإثم والعدوان ومعصية الرسول ~~من الشيطان، وقال قتادة وغيره: الإشارة إلى نجوى المنافقين واليهود، وقال ~~عبد الله بن زيد بن أسلم: الإشارة إلى نجوى قوم من المسلمين كانوا يقصدون ~~مناجاة النبي عليه السلام، وليس لهم حاجة ولا ضرورة إلى ذلك، وإنما كانوا ~~يريدون التبجح بذلك، وكان المسلمون يظنون أن تلك النجوى في أخبار بعد وقاصد ~~أو نحوه. # قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يعضدهما ما يأتي من ألفاظ الآية، ولا ~~يعضد القول الأول. PageV05P277 # وقال عطية العوفي في هذه الآية: نزلت في المنامات التي يراها المؤمن ~~فتسوءه، وما يراه النائم فكأنه نجوى يناجى بها. # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبله والذي بعده. # وقرأ نافع وأهل المدينة: «ليحزن» بضم الياء وكسر الزاي، والفعل مسند إلى ~~الشيطان، وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وغيرهم: «ليحزن» بفتح الياء وضم ~~الزاي، تقول حزنت قلب الرجل: إذا جعلت فيه حزنا، فهو كقولك كحلت العين، وهو ~~ضرب من التعدي، كأن المفعول ظرف. ms3464 وقد ذكر سيبويه رحمه الله هذا النوع من ~~تعدي الأفعال، وقرأ بعض الناس: «ليحزن» بفتح الياء والزاي. و: الذين على ~~هذه القراءة رفع بإسناد الفعل إليهم، يقال حزن الرجل بكسر الزاي. # ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحدا إلا أن ~~يكون ضر بإذن الله أي بأمره وقدره. ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه تبارك ~~وتعالى: وهذا كله يقوي أن التناجي الذي من الشيطان إنما هو الذي وقع منه ~~للمؤمنين خوف، وللخوف اللاحق للقلوب في هذا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # «لا يتناجى اثنان دون الثالث» . # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : الآيات 11 الى 12] # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن ~~الله غفور رحيم (12) # قرأ جمهور الناس: «تفسحوا» ، وقرأ الحسن وداود بن أبي هند: «تفاسحوا» ، ~~وقرأ جمهور القراء: # «في المجلس» ، وقرأ عاصم وحده وقتادة وعيسى: «في المجالس» . واختلف الناس ~~في سبب الآية والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: نزلت في مقاعد ~~الحرب والقتال. # وقال زيد بن أسلم وقتادة: نزلت بسبب تضايق الناس في مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر ~~إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في الإسلام فلا يجد مكانا، ~~فنزلت بسبب ذلك. وقال مقاتل: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ليجلس ~~أشياخ من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح ~~الله لكم» ، وقال بعض الناس: إنما الآية مخصوصة في مجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم في سائر المجالس، ويدل على ذلك قراءة ms3465 من قرأ: «في المجلس» ، ومن ~~قرأ «في المجالس» فذلك مراده أيضا لأن لكل أحد مجلسا في بيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وموضعه فتجمع لذلك، وقال جمهور أهل العلم: السبب مجلس النبي عليه ~~السلام، والحكم PageV05P278 # في سائر المجالس التي هي للطاعات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركبا في المجالس» ، وهذا قول مالك ~~رحمه الله وقال: ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر الدهر، ~~ويؤيد هذا القول قراءة من قرأ: «في المجالس» ، ومن قرأ: «في المجلس» فذلك ~~على هذا التأويل اسم جنس فالسنة المندوب إليها هي التفسح والقيام منهي عنه ~~في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث نهى أن يقوم الرجل فيجلس الآخر ~~مكانه، فأما القيام إجلالا فجائز بالحديث قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن ~~معاذ: «قوموا إلى سيدكم» ، وواجب على المعظم ألا يحب ذلك ويأخذ الناس به ~~لقوله عليه السلام: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من ~~النار» . # وقوله تعالى: يفسح الله لكم معناه: في رحمته وجنته، وقوله تعالى: وإذا ~~قيل انشزوا فانشزوا معناه: إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك، ومنه ~~نشوز العظام أي نباتها، والنشز من الأرض المرتفع، واختلف الناس في هذا ~~النشوز الذي أمروا بامتثاله إذا دعوا إليه. فقال الحسن وقتادة والضحاك ~~معناه: إذا دعوا إلى قتال أو طاعة أو صلاة ونحوه، وقال آخرون معناه: إذا ~~دعوا إلى القيام عن النبي عليه السلام لأنه كان أحيانا يحب الانفراد في آمر ~~الإسلام فربما جلس قوم وأراد كل واحد أن يكون آخر الناس عهدا بالنبي عليه ~~السلام، فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل، وقال آخرون ~~معناه: انشزوا في المجلس بمعنى التفسح لأن الذي يريد التوسعة يرتفع إلى فوق ~~في الهواء فإذا فعل ذلك جملة اتسع الموضع، فيجيء انشزوا في غرض واحد مع ~~قوله تفسحوا، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: «انشزوا» برفع الشين وهي ~~قراءة أبي ms3466 جعفر وشيبة او الأعرج. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ~~بكسر السين فيهما، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة. يقال: نشز ينشز كحشر ~~يحشر ويحشر وعكف يعكف ويعكف. وقوله يرفع الله جواب الأمر، واختلف الناس في ~~ترتيب قوله تعالى: الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات فقال جماعة ~~من المتأولين المعنى: يرفع الله المؤمنين العلماء منكم درجات، فلذلك أمر ~~بالتفسح من أجلهم، ويجيء على هذا قوله: والذين أوتوا العلم بمنزلة قولك ~~جاءني العاقل والكريم والشجاع، وأنت تريد بذلك رجلا واحدا، وقال آخرون ~~المعنى: يرفع الله المؤمنين والعلماء الصنفين جميعا درجات لكنا نعلم ~~تفاضلهم في الدرجات من مواضع أخرى ولذلك جاء الأمر بالتفسح عاما للعلماء ~~وغيرهم، وقال عبد الله بن مسعود وغيره: يرفع الله الذين آمنوا منكم وتم ~~القول، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصبهم بإضمار فعل، فالمؤمنون رفع ~~على هذا التأويل وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير: فضل العلم أحب إلى من فضل العبادة وخير دينكم الورع، ثم توعد تعالى ~~وحذر بقوله: والله بما تعملون خبير، وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ناجيتم الرسول الآية. روي عن ابن عباس وقتادة في سببها أن قوما من شباب ~~المؤمنين وأغفالهم كثرت مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة إلا ~~لتظهر منزلتهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمحا لا يرد أحدا فنزلت ~~هذه الآية مشددة عليهم أمر المناجاة، وقال مقاتل: نزلت في الأغنياء لأنهم ~~غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال جماعة من الرواة: ~~لم يعمل بهذه الآية بل نسخت قبل العمل لكن استقر حكمها بالعزم عليه كأمر ~~إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه، وصح PageV05P279 # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت ~~سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين وذلك أني أردت مناجاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أمر ضروري فصرفت دينارا بعشرة دراهم، ثم ناجيته عشر مرار أقدم في ms3467 ~~كل مرة درهما، وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار فقال علي ثم فهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال لي يا علي: ~~كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة، أتراه دينارا؟، قلت: لا، قال نصف دينار، ~~قلت: لا، قال فكم: قلت حبة من شعير قال إنك لزهيد، فأنزل الله الرخصة. # قال القاضي أبو محمد: يريد للواجد وأما من لا يجد فالرخصة له ثابتة أولا ~~بقوله تعالى: فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم. وقال مقاتل: بقي هذا الحكم ~~عشرة أيام، وقال قتادة: بقي ساعة من نهار، وقرأ جمهور من الناس: «صدقة» ~~بالإفراد، وقرأ بعض القراء «صدقات» بالجمع. # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : الآيات 13 الى 16] # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ~~(13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين ~~(16) # الإشفاق: الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به أو من ذهاب المال في الصدقة ~~وله وجوه كثيرة يقال فيها الإشفاق، لكنه في هذا الموضع كما ذكرت، وتاب الله ~~عليكم معناه: رجع بكم، وقوله فأقيموا الصلاة الآية المعنى دوموا على هذه ~~الأعمال التي هي قواعد شرعكم ومن قال إن هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة، ~~فقوله ضعيف لا يحصل كيف النسخ، وما ذكر في نحو هذا عن ابن عباس لا يصح عنه ~~والله أعلم، وقوله تعالى: ألم تر إلى الذين تولوا نزلت في قوم من المنافقين ~~تولوا قوما من اليهود وهم المغضوب عليهم، وقال الطبري: ما هم يريد به ~~المنافقين ومنكم يريد به المؤمنين ومنهم يريد به اليهود. # قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: مذبذبين بين ذلك ~~لا إلى ms3468 هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء: 143] ، ومع قوله عليه السلام: «مثل ~~المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع المؤمنين بقوله ومع ~~الكافرين بقلبه» ، ولكن هذه الآية تحتمل تأويلا آخر وهو أن يكون قوله ما هم ~~يريد به اليهود، وقوله: ولا منهم يريد به المنافقين فيجيء فعل المنافقين ~~على هذا التأويل أحسن لأنهم تولوا قوما مغضوبا عليهم ليسوا من أنفسهم ~~فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صوابا. وقوله يحلفون ~~يعني المنافقين لأنهم كانوا إذا وقفوا على ما يأتون به من بغض النبي صلى ~~الله عليه وسلم وشتمه وموالاة عدوه حلفوا أنهم لا يفعلون ذلك واستسهلوا ~~الحنث، ورويت من هذا نوازل كثيرة اختصرتها إيجازا وإذا تتبعت في المصنفات ~~وجدت كقول ابن أبي لئن رجعنا إلى المدينة وحلفه على أنه لم يقل وغير PageV05P280 # ذلك، والعذاب الشديد هو عذاب الآخرة. وقرأ جمهور الناس: «أيمانهم» جمع ~~يمين. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «إيمانهم» ، أي يظهرونه من الإيمان والجنة: ~~ما يتستر به ويتقي المحذور، ومنه المجن: وهو الترس: وقوله فصدوا عن سبيل ~~الله يحتمل أن يكون الفعل غير متعد كما تقول صد زيد، أي صدوا هم أنفسهم عن ~~سبيل الله والإيمان برسوله، ويحتمل أن يكون متعديا أي صدوا غيرهم من الناس ~~عن الإيمان ممن اقتدى بهم وجرى في مضمارهم، ويحتمل أن يكون المعنى فصدوا ~~المسلمين عن قتلهم، وتلك «سبيل الله» فيهم لكن ما أظهروه من الإيمان صدوا ~~به المسلمين عن ذلك، والمهين: المذل من الهوان. # قوله عز وجل: ### || [سورة المجادلة (58) : الآيات 17 الى 21] # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون ~~أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين ~~يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن ~~الله قوي عزيز (21) # روي أن المنافقين فخروا بكثرة أموالهم وأولادهم ms3469 وأظهروا السرور بذلك، ~~فنزلت الآية معلمة أن ذلك لا غناء له عنهم ولا مدفع بسببه. والعامل في قوله ~~يوم يبعثهم، أصحاب على تقدير فعل، وأخبر الله تعالى عنهم في هذه الآية أنه ~~ستكون لهم أيمان يوم القيامة وبين يدي الله يخيل إليهم بجهلهم أنها تنفعهم ~~وتقبل منهم، وهذا هو حسابهم أنهم على شيء، أي على فعل نافع لهم، وقال ابن ~~عباس في كتاب الثعلبي: قال النبي عليه السلام: «ينادي مناد يوم القيامة: ~~أين خصماء الله، فتأتي القدرية مسودة وجوههم زرقة أعينهم، فيقولون والله ما ~~عبدنا شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا اتخذنا من دونك وليا» ، قال ابن عباس: # صدقوا والله ولكن أتاهم الإشراك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس هذه ~~الآية، وقوله تعالى: # استحوذ عليهم الشيطان معناه: تملكهم من كل جهة وغلب على نفوسهم، وهذا ~~الفعل مما استعمل على الأصل فإن قياس التعليل يقتضي أن يقال: استحاذ، وحكى ~~الفراء في كتاب اللغات أن عمر رضي الله عنه قرأ: «استحاذ» . ويحادون معناه: ~~يعطون الحد من الأفعال والأقوال، وقال بعض أهل المعاني: # معناه يكونون في حد غير الحد الذي شرع الله تعالى، ثم قضى تعالى على ~~محاده بالذل وأخبر أنه كتب فيما أمضاه من قضائه وقدره في الأزل أنه يغلب هو ~~ورسله كل من حاد الله والرسل. وقرأ نافع وابن عامر: # «ورسلي» بفتح الياء. وقرأ الباقون بسكونها. وقال الحسن وغيره: ما أمر ~~الله تعالى قط رسولا بالقتال إلا وغلبه، وظفره بقوته وعزته لا رب سواه، ~~وقال غيره: ومن لم يؤمر بقتال فهو غالب بالحجة. # قوله عز وجل: PageV05P281 ### || [سورة المجادلة (58) : آية 22] # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) # نفت هذه الآية أن يوجد من يؤمن بالله تعالى ms3470 حق الإيمان ويلتزم شعبه على ~~الكمال يواد كافرا أو منافقا. ومعنى يواد: يكون بينهما من اللطف بحيث يود ~~كل واحد منهما صاحبه، وعلى هذا التأويل قال بعض الصحابة: اللهم لا تجعل ~~لمشرك قبلي يدا فتكون سببا للمودة فإنك تقول وتلا هذه الآية، وتحتمل الآية ~~أن يريد بها لا يوجد من يؤمن بالله والبعث يواد من حاد الله من حيث هو محاد ~~لأنه حينئذ يود المحادة، وذلك يوجب أن لا يكون مؤمنا. # ويروى أن هذه الآية نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة ومخاطبته أهل مكة، ~~وظاهر هذه الآيات، أنها متصلة المعنى، وأن هذا في معنى الذم للمنافقين ~~الموالين لليهود، وإذا قلنا إنها في أمر حاطب جاء ذلك أجنبيا في أمر ~~المنافقين، وإن كان شبيها به، والإخوان هنا إخوة النسب، كما عرف الإخوة أنه ~~في النسب، وقد يكون مستعملا في إيخاء الود، وكتب في قلوبهم الإيمان معناه: ~~أثبته. وخلقه بالإيجاد، وذهب أبو على الفارسي وغيره من المعتزلة، إلى أن ~~المعنى جعل في قلوبهم علامات تعرف الملائكة بها أنهم مؤمنون، وذلك لأنهم ~~يرون العبد يخلق إيمانه، وقد صرح النقاش بهذا المذهب، وما أراه إلا قاله ~~غير محصل لما قال. وأما أبو علي فعن بصيرته، وقرأ جمهور القراء «كتب» على ~~بناء الفعل للفاعل، «والإيمان» بالنصب، وقرأ أبو حيوة وعاصم في رواية ~~المفضل عنه «كتب» على بناء الفعل للمفعول، «والإيمان» بالرفع، وقوله أولئك ~~إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية، لأن المعنى لكنك تجدهم لا ~~يوادون من حاد الله، وقوله تعالى: بروح منه معناه: بهدى ولطف ونور وتوفيق ~~إلهي ينقدح من القرآن، وكلام النبي عليه السلام، وقيل: المعنى بالقرآن لأنه ~~روح، قيل: المعنى بجبريل عليه السلام، والحزب الطريق الذي يجمعه مذهب واحد، ~~والمفلح: الفائز ببغيته، وباقي الآية بين. PageV05P282 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحشر # هذه السورة مدنية باتفاق من أهل العلم، وهي سورة بني النضير، وذلك أن ~~رسول الله كان عاهد بني النضير على سلم، وهم يرون أنه لا تردد له راية، ~~فلما جرت ms3471 هزيمة أحد ارتابوا وداخلوا قريشا وغدروا، فلما رجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أحد تبين له معتقد بني النضير، وغدرهم بعهده، وموالاتهم ~~للكفرة، فجمع إليهم وحاصرهم وعاهدهم على أن يجليهم عن أرضهم، فارتحلوا إلى ~~بلاد مختلفة: خيبر والشام وغير ذلك من البلاد، ثم كان أمر بني قريظة مرجعه ~~من الأحزاب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) # قد تقدم القول في تسبيح الجمادات التي يتناولها عموم ما في السماوات ~~والأرض وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك. فقال قوم: ذلك على الحقيقة، وقال ~~آخرون: ذلك مجاز أي آثار الصنعة فيها والإيجاد لها كالتسبيح وداعية إلى ~~التسبيح ممن له أن يسبح، قال مكي سبح معناه: صلى وسجد فهذا كله بمعنى ~~الخضوع والطوع، والعزيز الحكيم صفتان مناسبتان لما يأتي بعد من قصة العدو ~~الذي أخرجهم من ديارهم، والذين كفروا من أهل الكتاب هم بنو النضير، وكانت ~~قبيلة عظيمة من بني إسرائيل موازية في القدر والمنزلة لبني قريظة، وكان ~~يقال للقبيلتين الكاهنان، لأنهما من ولد الكاهن بن هارون، وكانت أرضهم ~~وحصونهم قريبة من المدينة، ولهم نخل وأموال عظيمة، فلما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أحد خرج إلى بني النضير فحاصرهم وأجلاهم على أن يحملوا ~~من أموالهم ما أقلته إبلهم حاشى الحلقة وهي جميع السلاح، فخرجوا إلى بلاد ~~مختلفة فذلك قوله تعالى: هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر. وقوله تعالى: لأول الحشر اختلف الناس في معنى ذلك بعد اتفاقهم ~~على أن الحشر: الجمع والتوجيه إلى ناحية ما. فقال الحسن بن أبي الحسن ~~وغيره: أراد حشر القيامة أي ms3472 هذا أوله، والقيام من القبور آخره، وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «امضوا هذا PageV05P283 # أول الحشر وإنا على الأثر» . وقال عكرمة والزهري وغيرهما: المعنى لأول ~~موضع الحشر وهو الشام، وذلك أن أكثر بني النضير جاءت إلى الشام، وقد روي أن ~~حشر القيامة هو إلى بلد الشام وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني ~~النضير «اخرجوا» ، قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» ، وقال قوم في ~~كتاب المهدوي: المراد الحشر في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فهذا الذي ~~فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير أوله، والذي فعل عمر بن ~~الخطاب بأهل خيبر آخره، وأخبرت الآية بمغيب وقد أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بجلاء أهل خيبر، ويحتمل أن يكون آخر الحشر في قول النبي عليه السلام ~~في مرضه: «لا يبقين دينان في جزيرة العرب» ، فإن ذلك يتضمن إجلاء بقاياهم ~~قال الخليل في ما حكى الزجاج: سميت جزيرة لأنه أحاط بها بحر الحبشة وبحر ~~فارس ودجلة والفرات، وفي هذه الإحاطة نظر. # وقوله تعالى: ما ظننتم أن يخرجوا معناه: لمنعتهم وكثرة عددهم، فلم تكن ~~آمالكم وظنونكم تنتهي إلى أنهم يخرجون ويدعون أموالهم لكم، وبحسب ذلك من ~~المنعة والعدد والتحصن ظنوا هم أن لن يقدر عليهم وقوله تعالى: من الله ~~يريد: من جند الله حزب الله وقوله تعالى: فأتاهم الله عبارة عن إظهاره ~~تعالى المسلمين عليهم وإلقائهم في حيز الهزم والذل. وقرأ الجمهور: «الرعب» ~~بسكون العين، وقرأ أبو جعفر وشيبة، بضم العين، واختلف المتأولون في معنى ~~قوله تعالى: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقال الضحاك والزجاج ~~وغيره: كلما هدم المسلمون من حصنهم في القتال هدموا هم من البيوت وخربوا ~~الحصون دأبا فهذا معنى تخريبهم. وقال الزهراوي وغيره كانوا لما أبيح لهم ما ~~تستقل به الإبل لا يدعون خشبة حسنة ولا نجافا ولا سارية إلا قلعوه وخربوا ~~البيوت عنه، وقوله تعالى: وأيدي المؤمنين من حيث فعلهم، وكفرهم داعية إلى ~~تخريب المؤمنين بيوتهم، فكأنهم قد خربوها هم بأيدي المؤمنين. ms3473 وقال جماعة من ~~المفسرين: إنهم لما أزمعوا الجلاء شحوا على ترك البيوت سليمة للمؤمنين ~~فهدموا وخربوا لمعنى الإفساد على من يأتي. قال قتادة: خرب المؤمنون من خارج ~~ليدخلوا وخربوهم من داخل. وقرأ جمهور القراء: «يخربون» بسكون الخاء وتخفيف ~~الراء. وقرأ أبو عمرو وحده والحسن بخلاف عنه وقتادة وعيسى بفتح الخاء وشد ~~الراء. فقال فريق من العلماء اللغويين القراءتان بمعنى واحد وقال أبو عمرو ~~بن العلاء: خرب، معناه: هدم وأفسد وأخرب معناه ترك الموضع خرابا وذهب عنه، ~~ثم نبه تعالى المؤمنين وغيرهم ممن له أن ينظر على نصرة رسوله وصنعه له فيمن ~~حاده وناوأه بقوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار أي العيون والأفهام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 3 الى 6] # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ~~(4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب على بني إسرائيل جلاء، وكانت بنو ~~النضير ممن حل بالحجاز PageV05P284 # بعد موت موسى عليه السلام بيسير، لأنهم كانوا من الجيش الذي رجع وقد عصوا ~~في أن لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق لجماله وعقله، وقد كان موسى عليه ~~السلام قال لهم لا تستحيوا أحدا، فلما رجع ذلك الجيش إلى بني إسرائيل ~~بالشام وجدوا موسى ميتا، وقال لهم بنو إسرائيل أنتم عصاة والله لا دخلتم ~~علينا بلادنا، فقال أهل ذلك الجيش عند ذلك ليس لنا أحب من البلاد التي ~~غلبنا أهلها، فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه فلم يجر عليهم الجلاء الذي ~~أجراه بختنصر على أهل الشام، وقد كان الله تعالى كتب في الأزل على بني ~~إسرائيل جلاء فنالهم هذا الجلاء على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا ms3474 ~~ذلك لعذبهم الله في الدنيا بالسيف والقتل كأهل بدر وغيرهم. ويقال: جلا ~~الرجل وأجلاه غيره، وقد يقال: أجلى الرجل نفسه بمعنى جلا، والمشاقة كون ~~الإنسان في شق ومخالفه في شق، وقوله: ما قطعتم من لينة سببها أن بعض أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وضعوا أيديهم في نخل بني النضير يقطعون ويحرقون، ~~فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فكف عن ذلك ~~بعض الصحابة وذلك في صدر الحرب معهم، فنزلت الآية معلمة أن جميع ما جرى من ~~قطع أو إمساك فبإذن الله، وردت الآية على قول بني النضير، إن محمدا ينهى عن ~~الفساد وها هو ذا يفسد فأعلم الله تعالى أن ذلك بإذنه ليخزي به الفاسقين من ~~بني النضير، واختلف الناس في اللينة، فقال الحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ~~ميمون: اللينة النخلة اسمان بمعنى واحد وجمعها لين وليان، قال الشاعر [امرؤ ~~القيس] : [المتقارب] # وسالفة كسحوق الليان ... أضرم فيها الغوي السعر # وقال الآخر [ذو الرمة] : # طراق الخوافي واقع فوق لينة ... ندى ليله في ريشه يترقرق # وقال ابن عباس وجماعة من اللغويين: اللينة من النخل ما لم يكن عجوة. وقال ~~سفيان بن سعيد الثوري: اللينة الكريمة من النخل، وقال أبو عبيدة فيما روي ~~عنه وسفيان: اللينة: ما تمرها لون وهو نوع من التمر، يقال له اللون، قال ~~سفيان، هو شديد الصفرة يشف عن نواة من التمر فيرى من خارج وأصلها لونة ~~فأبدلت لموافقة الكسرة، وقال أيضا أبو عبيدة اللين: ألوان النخل المختلطة ~~التي ليس فيها عجوة ولا برني. وقرأ ابن مسعود والأعمش: «أو تركتموها قوماء ~~على أصولها» ، وقوله تعالى: وما أفاء الله على رسوله منهم الآية. إعلام ~~إنما أخذ لبني النضير ومن فدك فهو خاص للنبي صلى الله عليه وسلم وليس على ~~حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خمس الغنائم، وذلك أن ~~بني النضير لم يوجف عليها، ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لنفسه قوت عياله ms3475 وقسم سائرها في المهاجرين، ولم يعط منها ~~الأنصار شيئا، غير أن أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف شكيا عظيمة ~~فأعطاهما، هذا قول جماعة من العلماء، وفي ذلك قول عمر بن الخطاب: كانت ~~أموال بني النضير مما أفاء الله عليه مما لم يوجف عليه المسلمون ب خيل ولا ~~ركاب فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنة وما ~~بقي منها جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال بعض العلماء: وكذلك ~~كل ما فتح على الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة والوجيف: دون PageV05P285 # التضريب، يقال وجف الفرس وأوجفه الراكب والإيجاف: سرعة السير والاجتهاد ~~فيه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 7 الى 8] # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) # أهل القرى المذكورون في هذه الآية هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى، ~~وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية، وحكمها مخالف لبني النضير، ~~ولم يحبس من هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه شيئا بل أمضاها لغيره، ~~وذلك أنها في ذلك الوقت فتحت، واختلف الناس في صفة فتحها فقيل: عن لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وبعث بعثا إلى كل مكان فطاع وأعطاه أهله فكان مما ~~لم يوجف عليه، وكان حكمه حكم خمس الغنائم، وليس في الآية نسخ على هذا ~~التأويل، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ذلك للمهاجرين ولم يعط ~~الأنصار منها شيئا. وقال قتادة وزيد بن رومان: # كانت هذه القرى قد أوجف عليها، ولكن هذا حكم ما يوجف عليه، ثم نسخ الله ~~تعالى هذا الحكم بآية الأنفال فجعل فيها الخمس لهذه الأصناف وبقيت الأربعة ~~الأخماس ms3476 للمقاتلة، وآية هذه السورة لم يكن فيها للمقاتلة شيء، وهذا القول ~~يضعف، لأن آية الأنفال نزلت إثر بدر وقبل بني النضير وقبل أمر هذه القرى ~~بسنة ونيف. والقربى في هذه الآية قرابة النبي صلى الله عليه وسلم منعوا ~~الصدقة وعوضوا من الفيء. # وقوله تعالى: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم مخاطبة للأنصار لأنه لم ~~يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غني، وقرأ جمهور الناس «يكون» بالياء، وقرأ ~~أبو جعفر وابن مسعود وهشام عن ابن عامر: # بالتاء وهي كان التامة. وقرأ جمهور الناس: «دولة» بضم الدال ونصب الهاء. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: «دولة» بفتح الدال ونصب الهاء. وقرأ أبو جعفر ~~بن القعقاع وهشام عن ابن عامر: «دولة» بضم الدال والهاء. وقال عيسى بن ~~عمرهما بمعنى واحد. وقال الكسائي وحذاق النظرة الفتح في الملك: بضم الميم ~~لأنها الفعلة في الدهر والضم في الملك بكسر الميم. والمعنى أنها كالعواري ~~فيتداول ذلك المال الأغنياء بتصرفاتهم ويبقى المساكين بلا شيء ولا حظ في ~~شيء من هذه الأموال ليتيم غني ولا لابن سبيل حاضر المال، وقد مضى القول في ~~الغنائم في سورة الأنفال، وروي: أن قوما من الأنصار تكلموا في هذه القرى ~~المفتتحة وقالوا: لنا منها سهمنا فنزل قوله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه ~~الآية، مؤدبا في ذلك وزاجرا ثم اطرد بعد معنى الآية في أوامر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ونواهيه حتى قال قوم إن الخمر محرمة في كتاب الله بهذه ~~الآية، وانتزع منها ابن مسعود: لعنة الواشمة والمستوشمة الحديث. ورأى محرما ~~في ثيابه المخيطة. فقال له: اطرح هذا عنك، فقال له الرجل: أتقرأ علي بذلك ~~آية من كتاب الله تعالى فقال ابن مسعود: نعم، وتلا هذه الآية، وقوله تعالى: ~~للفقراء المهاجرين بيان لقوله: والمساكين وابن PageV05P286 # السبيل # فكرر لام الجر لما كانت الأولى مجرورة باللام ليبين أن البدل إنما هو ~~منها، ثم وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم وتوجب الإشفاق عليهم وهي ~~إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وجميع المهاجرين إما أخرجهم الكفار وإما أحوال ms3477 ~~الكفار وظهورهم، وفرض الهجرة في ذلك الوقت، ووصفهم بالفقر وإن كان لهم بعض ~~أحوال وهي حال للفقر في اللغة، وقد مضى بيان هذا في سورة الكهف. وقوله ~~يبتغون في موضع الحال، و «الفضل والرضوان» يراد به الآخرة والجنة، و «نصر ~~الله» تعالى هو نصر شرعه ونبيه، والصادقون في هذه الآية يجمع صدق اللسان ~~وصدق الأفعال، لأن أفعالهم في أمر هجرتهم إنما كانت وفق أقوالهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 9 الى 10] # والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤف رحيم (10) # الذين تبوؤا هم الأنصار، والضمير في قبلهم للمهاجرين، و «الدار» هي ~~المدينة، والمعنى: تبوءوا الدار مع الإيمان معا، وبهذا الاقتران يصح معنى ~~قوله: من قبلهم فتأمله، والإيمان لا يتبوأ لأنه ليس مكانا ولكن هذا من بليغ ~~الكلام ويتخرج على وجوه كلها جميل حسن. # وأثنى الله تعالى في هذه الآية على الأنصار بأنهم يحبون المهاجرين، ~~وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم لأن مقتضى قوله: ومن ~~يوق شح نفسه الآية. أن هؤلاء الممدوحين قد وقوا الشح، والحاجة: الحسد في ~~هذا الموضع، قاله الحسن وتعم بعد جميع الوجوه التي هي بخلاف ما فعله النبي ~~صلى الله عليه وسلم في إعطاء المهاجرين أموال بني النضير والقرى، وأوتوا ~~معناه: أعطوا، والضمير المرفوع بأن لم يسم فاعله هو للمهاجرين، وقوله ~~تعالى: ويؤثرون الآية، صفة للأنصار. وقد روي من غير ما طريق، أنها نزلت ~~بسبب رجل من الأنصار، قال أبو المتوكل: هو ثابت بن قيس، وقال أبي هريرة في ~~كتاب مكي: كنية هذا الرجل أبو طلحة، وخلط المهدوي في ذكر هذا الرجل ندب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما عندنا إلا قوت الصبية، فقال: ms3478 ~~نومي صبيتك وأطفئي السراج وقدمي ما عندك للضيف ونوهمه نحن أنا نأكل، ففعلا ~~ذلك فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عجب الله من فعلكما ~~البارحة، ونزلت الآية في ذلك، والإيثار على النفس أكرم خلق، وقال حذيفة ~~العدوي: # طلبت يوم اليرموك ابن عم لي في الجرحى ومعي شيء من ماء، فوجدته، فقلت: ~~أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يصيح آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته ~~فإذا هو هشام بن العاصي، فقلت: اشرب فإذا آخر يقول: آه، فأشار هشام أن ~~انطلق إليه، فجئته، فإذا به قد فاضت نفسه، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، ~~فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات، فعجبت من إيثارهم رحمهم الله وقال أبو ~~زيد البسطامي: PageV05P287 # قدم علينا شاب من بلخ حاجا فقال: ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا ~~أكلنا وإذا فقدنا صبرنا، فقال: # هكذا عندنا كلاب بلخ، فقلت له: فما هو عندكم، فقال: إذا فقدنا صبرنا وإذا ~~وجدنا آثرنا وروي: أن سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم ~~هذه القرى في المهاجرين قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ~~ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم ~~هذه» ، فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، فنزلت هذه ~~الآية. والخصاصة: الفاقة والحاجة، وهو مأخوذ من خصائص البيت وهو ما يبقى ~~بين عيدانه من الفرج والفتوح فكأن حال الفقير هي كذلك يتخللها النقص ~~والاحتياج، و «شح النفس» هو كثرة منعها وضبطها على المال والرغبة فيه ~~وامتداد الأمل هذا جماع شح النفس وهو داعية كل خلق سوء، وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «من أدى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ~~فقد برىء من الشح» ، واختلف الناس بعد هذا الذي قلنا، فذهب الجمهور ~~والعارفون بالكلام إلى هذا وعلى هذا التأويل، كان عبد الرحمن بن عوف رضي ~~الله عنه يطوف ويقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ms3479 ذلك، فقيل له في ذلك ~~فقال إذا وقيته لم أفعل سوءا. # قال القاضي أبو محمد: «شح النفس» فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده وينصب ~~به، وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئا نهاه الله تعالى عنه ~~ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شح النفس. وقال ابن مسعود رحمه الله ~~«شح النفس» : هو أكل مال الغير بالباطل، وأما منع الإنسان ماله فهو بخل وهو ~~قبيح، ولكنه ليس بالشح. وقرأ عبد الله بن عمر: «شح» بكسر السين، ويوقى ~~وزنه: يفعل من وقى يقي مثل وزن يزن. وقرأ أبو حيوة: «يوق» بفتح الواو وشد ~~القاف والمفلحون: الفائزون ببغيتهم. # واختلف الناس في قوله تعالى: والذين جاؤ من بعدهم فقال الفراء: أراد ~~الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن أو كبر في آخر مدة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقال جمهور العلماء: أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم ~~القيامة، فوصف الله تعالى القول الذي ينبغي أن يلتزمه كل من لم يكن من ~~الصدر الأول وإعراب الذين رفع عطفا على هم أو على الذين أو رفع بالابتداء. ~~وقوله تعالى: # يقولون حال فيها الفائدة والمراد: والذين جاؤوا قائلون كذا أو يكون ~~يقولون صفة، ولهذه الآية قال مالك وغيره: إنه من كان له في أحد من الصحابة ~~قول سوء أو بغض فلا حظ له في الغنيمة أدبا له، وجاء عراقيون إلى علي بن ~~الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ ~~فقالوا: # لا، أفمن الذين تبوؤا الدار والإيمان؟ قالوا: لا، قال فقد تبرأتم من هذين ~~الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: والذين جاؤ ~~من بعدهم الآية. قوموا فعل الله بكم وفعل، وقال الحسن أدركت ثلاثمائة من ~~الصحابة منهم سبعون بدريا كلهم يحدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فالجماعة أن لا ~~تسبوا الصحابة ولا تماروا في دين الله ولا تكفروا ms3480 أحدا من أهل التوحيد ~~بذنب» . والغل: الحقد والاعتقاد الرديء، وقرأ الأعمش: «في قلوبنا غمرا ~~للذين» والغمر: الحقد، وقد تقدم الاختلاف في قراءة رؤف. # قوله عز وجل: PageV05P288 ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 11 الى 13] # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) # هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ورفاعة بن التابوت، وقوم من ~~منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير وقالوا لهم، أثبتوا في معاقلكم ~~فإنا معكم حيثما تقلبت حالكم، وإنما أرادوا بذلك أن تقوى نفوسهم عسى أن ~~يثبتوا حتى لا يقدر محمد عليهم فيتم لهم مرادهم وكانوا كذبة فيما قالوا من ~~ذلك، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بني النضير بل قعدوا في ديارهم. # وقوله عز وجل: لئن نصروهم معناه: ولئن حاولوا ذلك فإنهم ينهزمون، ثم لا ~~ينصر الله تعالى منهم أحدا، وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله: لا يخرجون ~~و: لا ينصرونهم لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر، ~~ثم خاطب تعالى أمة محمد مخبرا أن اليهود والمنافقين أشد خوفا من المؤمنين ~~منهم من الله تعالى، لأنهم يتوقعون عاجل الشر من المؤمنين، ولا يؤمنون بآجل ~~العذاب من الله تعالى وذلك لقلة فهمهم بالأمور وفقهم بالحق. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 14 الى 17] # لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) كمثل الذين من ~~قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل الشيطان إذ قال ~~للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (16) ~~فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ms3481 (17) # الضمير في قوله تعالى: لا يقاتلونكم لبني النضير وجميع اليهود، وهذا قول ~~جماعة المفسرين، ويحتمل أن يريد بذلك: اليهود والمنافقين، لأن دخول ~~المنافقين في قوله تعالى: بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى متمكن ~~بين. ومعنى الآية: لا يقاتلونكم في جيش مفحص، والقرى المدن. قال الفراء هذا ~~جمع شاذ. قال الزجاج: ما في القرآن فليس بشاذ وهو مثل ضيعة وضيع. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وكثير من المكيين «جدار» على معنى الجنس. وقرأ كثير من ~~المكيين وهارون عن ابن كثير: # «جدر» بفتح الجيم وسكون الدال ومعناه أصل بنيان كالسور ونحوه، وقرأ ~~الباقون من القراء «جدر» بضم الجيم والدال وهو جمع جدار، وقرأ أبو رجاء ~~وأبو حيوة «جدر» بضم الجيم وسكون الدال وهو تخفيف في جمع جدار، ويحتمل أن ~~يكون من جدر النخل أي من وراء نخلهم إذ هي مما يتقى به عند المضايقة، وقوله ~~تعالى: بأسهم بينهم شديد أي في عائلتهم وأحبتهم، وفي قراءة عبد الله بن ~~مسعود «تحسبهم جميعا PageV05P289 # وفي قلوبهم أشتات» ، وهذه حال الجماعات المتخاذلة وهي المغلوبة أبدا فيما ~~يحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات وهو التفرق ونحوه، وقوله تعالى: كمثل ~~الذين من قبلهم معناه مثلهم كمثل، والذين من قبلهم، قال ابن عباس: هم بنو ~~قينقاع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير ~~وكانوا مثلا لهم، وقال قتادة ومجاهد: الذين من قبلهم أهل بدر الكفار فإنهم ~~قبلهم ومثل لهم في أن غلبوا وقهروا، وقال بعض المتأولين: الضمير في قوله ~~قبلهم للمنافقين، والذين من قبلهم هم منافقوا الأمم المتقدمة وذلك أنهم ~~غلبوا ونالتهم الذلة على وجه الدهر فهم مثل لهؤلاء، ولكن قوله قريبا إما أن ~~يكون في زمن موسى وإلا فالتأويل المذكور يضعف، إلا أن تجعل قريبا ظرفا ~~للذوق، فيكون التقدير ذاقوا وبال أمرهم قريبا من عصيانهم وبحدثانه، ولا ~~يكون المعنى أن المثل قريب في الزمن من الممثل له، وعلى كل تأويل ف قريبا # ظرف أو نعت لظرف والوبال: الشدة والمكروه وعاقبة السوء، و «العذاب ms3482 ~~الأليم» : هو في الآخرة، وقوله تعالى: كمثل الشيطان معناه مثل هاتين ~~الفرقتين من المنافقين وبني النضير كمثل الشيطان والإنسان، فالمنافقون ~~مثلهم الشيطان وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين ~~إلى أن «الشيطان» و «الإنسان» في هذه الآية أسماء جنس لأن العرف أن يعمل ~~هذا شياطين بناس كما يغوي الشيطان الإنسان ثم يفر منه بعد أن يورطه، كذلك ~~أغوى المنافقون بني النضير وحرضوهم على الثبوت ووعدوهم النصر، فلما نشب بنو ~~النضير وكشفوا عن وجوههم تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة ~~القصص أن هذا شيطان مخصوص مع عابد من العباد مخصوص، وذكر الزجاج أن اسمه ~~برصيص، قالوا إنه استودع امرأة وقيل سيقت إليه ليشفيها بدعائه من الجنون ~~فسول له الشيطان الوقوع عليها فحملت، فخشي الفضيحة، فسول له قتلها ودفنها، ~~ففعل ثم شهره، فلما استخرجت المرأة وحمل العابد شر حمل وهو قد قال: # إنها قد ماتت فقمت عليها ودفنتها، فلما وجدت مقتولة علموا كذبه فتعرض له ~~الشيطان فقال له: # اكفر واسجد لي وأنجيك، ففعل وتركه عند ذلك. وقال إني بريء منك، وهذا كله ~~حديث ضعيف، والتأويل الأول هو وجه الكلام وقول الشيطان: إني أخاف الله، ~~رياء من قوله وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف الله حق معرفته ولا يحجزه ~~خوفه عن سوء يوقع فيه ابن آدم من أول إلا آخر، وقوله تعالى: فكان عاقبتهما ~~الآية، يحتمل الضمير أن يعود على المخصوصين المذكورين، ويحتمل أن يعود على ~~اسمي الجنس أي هذا هو عاقبة كل شيطان وإنسان يكون أمرهما هكذا، وقرأ الحسن ~~وعمرو بن عبيد: # «عاقبتهما» بالرفع، وقرأ جمهور الناس: «عاقبتهما» بالنصب وموضع أن يخالف ~~إعراب المعاقبة في القراءتين إن شاء الله تعالى، وقرأ الأعمش وابن مسعود: ~~«خالدان» بالرفع على أنه خبر «أن» ، والظرف ملغى، ويلحق هذه الآية من ~~الاعتراض إلغاء الظرف مرتين قاله الفراء، وذلك جائز عند سيبويه على ~~التأكيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 18 الى 21] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت ms3483 لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون (20) لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) PageV05P290 # هذه آية وعظ وتذكير وتقريب للآخرة، وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية. # وقرأ جمهور الناس: «ولتنظر» بسكون اللام وجزم الراء على الأمر، وقرأ يحيى ~~بن الحارث وأبو حيوة وفرقة كذلك بالأمر إلا أنها كسرت اللام على أصل لام ~~الأمر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما روي عنه: # «ولتنظر» بنصب الراء على لام كي كأنه قال وأمرنا بالتقوى لتنظروا، كأنه ~~قال: اتقوا الله ولتكن تقواكم «لتنظر» ، وقوله تعالى: لغد يريد يوم ~~القيامة، قال قتادة: قرب الله القيامة حتى جعلها غدا، وذلك أنها آتية لا ~~محالة وكل آت قريب، ويحتمل أن يريد بقوله لغد: ليوم الموت، لأنه لكل إنسان ~~كغده ومعنى الآية: ما قدمت من الأعمال، فإذا نظرها الإنسان تزيد من ~~الصالحات، وكف عن السيئات، وقال مجاهد وابن زيد: الأمس: الدنيا، وغد: ~~الآخرة، وقرأ الجمهور: «ولا تكونوا» بالتاء من فوق على مخاطبة جميع الذين ~~آمنوا، وقرأ أبو حيوة «يكونوا» بالياء من تحت كناية عن النفس التي هي اسم ~~الجنس، والذين نسوا الله هم الكفار، والمعنى: تركوا الله وغفلوا عنه، حتى ~~كانوا كالناسين، وعبر عما حفهم به من الضلالة ب فأنساهم أنفسهم سمى عقوبتهم ~~باسم ذنبهم بوجه ما، وهذا أيضا هو الجزاء على الذنب بالذنب تكسبوهم نسيان ~~جهة الله فعاقبهم الله تعالى بأن جعلهم ينسون أنفسهم، قال سفيان: المعنى حظ ~~أنفسهم، ويعطي لفظ هذه الآية، أن من عرف نفسه ولم ينسها عرف ربه تعالى، وقد ~~قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: اعرف نفسك تعرف ربك، وروي عنه أنه قال ~~أيضا: من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. وقرأ ابن مسعود: «ولا أصحاب الجنة» ~~بزيادة لا. وقوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن الآية، موعظة للإنسان أو ms3484 ذم ~~لأخلاقه في غفلته وإعراضه عن داعي الله تعالى، وذلك أن القرآن نزل عليهم ~~وفهموه وأعرضوا عنه، وهو لو نزل على جبل وفهم الجبل منه ما فهم الإنسان ~~لخشع واستكان وتصدع خشية الله تعالى، وإذا كان الجبل على عظمه وقوته يفعل ~~هذا فما عسى أن يحتاج ابن آدم يفعل؟ لكنه يعرض ويصد على حقارته وضعفه، وضرب ~~الله تعالى هذا المثل ليتفكر فيه العاقل ويخشع ويلين قلبه، وقرأ طلحة بن ~~مصرف «مصدعا» على إدغام التاء في الصاد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحشر (59) : الآيات 22 الى 24] # هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) ~~هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق البارئ المصور ~~له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24) PageV05P291 # لما قال تعالى: من خشية الله [الحشر: 21] جاء بالأوصاف التي توجب ~~لمخلوقاته هذه الخشية، و «الغيب» ما غاب عن المخلوقين، و «الشهادة» ما ~~شاهدوه. وقال حرب المكي «الغيب» : الآخرة «والشهادة» : الدنيا. وقرأ جمهور ~~الناس: «القدوس» بضم القاف، وهو فعول من تقدس إذا تطهر، وحظيرة القدس ~~الجنة، لأنها طاهرة، ومنه روح القدس، ومنه الأرض المقدسة بيت المقدس، وروي ~~عن أبي ذر أنه قرأ: «القدوس» بفتح القاف وهي لغة، والسلام معناه: الذي سلم ~~من جوره، وهذا اسم على حذف مضاف أي ذو «السلام» ، لأن الإيمان به وتوحيده ~~وأفعاله هي لمن آمن سلام كلها، والمؤمن اسم فاعل من آمن بمعنى أمن. قال ~~أحمد بن يحيى ثعلب معناه: المصدق للمؤمنين في أنهم آمنوا. قال النحاس: أو ~~في شهادتهم على الناس في القيامة. وقال ناس من المتأولين معناه: المصدق ~~نفسه في أقواله الأزلية: لا إله غيره والمهيمن معناه: الأمين والحفيظ. قاله ~~ابن عباس وقال مؤرج: # المهيمن: الشاهد بلغة قريش، وهذا بناء لم يجىء منه في الصفات إلا مهيمن ~~ومسيطر ومبيقر ومبيطر، جاء منه في الأسماء مجيمر: وهو اسم واد ومديبر. و: ~~العزيز ms3485 الذي لا يغلب والقاهر الذي لا يقهر يقال عزيز إذا غلب برفع العين في ~~المستقبل. قال الله تعالى: وعزني في الخطاب [ص: 23] أي غلبني، وفي المثل من ~~عز بز أي من غلب سلب، والجبار هو الذي لا يدانيه شيء ولا يلحق رتبه، ومنه ~~نخلة جبارة إذا لم تلحق وأنشد الزهراوي: [الطويل] # أطافت به جيلان عند قطاعه ... وردت إليه الماء حتى تجبرا # والمتكبر معناه الذي له التكبر حقا، ثم نزه الله تعالى نفسه عن إشراك ~~الكفار به الأصنام التي ليس لها شيء من هذه الصفات، و: البارئ بمعنى ~~الخالق، برأ الله الخلق أي أوجدهم، و: المصور هو الذي يوجد الصور، وقرأ علي ~~بن أبي طالب: «المصور» بنصب الواو والراء على إعمال البارئ به، وهي حسنة ~~يراد بها الجنس في الصور، وقال قوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه ~~قرأ: «المصور» بفتح الواو وكسر الراء على قولهم الحسن الوجه وقوله تعالى: ~~له الأسماء الحسنى أي ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته لا إله إلا هو، ~~وهذه الأسماء هي التي حصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن الله ~~تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» ، وقد ذكرها ~~الترمذي وغيره مسندة، واختلف في بعضها ولم يصح فيها شيء إلا إحصاؤها دون ~~تعين، وباقي الآية بين. PageV05P292 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الممتحنة # وهي مدنية بإجماع المفسرين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الممتحنة (60) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) # العدو اسم يقع للجمع والمفرد والمراد به هاهنا كفار قريش، وهذه الآية ~~نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد ~~الخروج إلى مكة عام ms3486 الحديبية فورى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنه خارج ~~إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار أصحابه بقصده، منهم حاطب بن أبي بلتعة ~~فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إياهم فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عليا والزبير ~~وثالثا هو المقداد، وقيل أبو مرثد، وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن ~~بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة ~~واسمها سارة مولاة لقوم من قريش، وقيل بل كانت امرأة من مزينة ولم تكن ~~سارة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب. # قالت: ما معي كتاب، ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئا، فقال بعضهم: ما ~~معها كتاب، فقال علي: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكذبي والله ~~لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. قالت: أعرضوا عني فحلته من قرون رأسها، وقيل: ~~أخرجته من حجزتها، فجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب: من ~~كتب هذا؟ فقال: أنا يا رسول الله ولكن لا تعجل علي فو الله ما فعلت ذلك ~~ارتدادا عن ديني ولا رغبة عنه ولكني كنت أمرأ ملصقا في قريش ولم أكن من ~~أنفسها فأحببت أن تكون لي عندهم يد يرعونني بها في قرابتي. فقال عمر بن ~~الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صدق حاطب إنه من أهل بدر وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على ~~أهل بدر. # فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ولا تقولوا لحاطب إلا خير» ، فنزلت ~~الآية بهذا السبب، وروي أن حاطبا كتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد ~~غزوكم في مثل الليل، والسيل، وأقسم بالله لو غزاكم وحده لنصر عليكم فكيف ~~وهو في جمع كثير، وتلقون في موضع الصفة ل أولياء، وألقيت يتعدى PageV05P293 # بحرف الجر، وبغير حرف جر، فدخول الباء وزوالها سواء، وهذا نظير قوله عز ~~وجل: وألقيت عليك محبة مني [طه: ms3487 39] وقوله تعالى: سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب [آل عمران: 151] وروى ابن المعلى عن عاصم أنه قرأ: «وقد كفروا ~~لما» بلام ... # وقوله تعالى: يخرجون في موضع الحال من الضمير في كفروا والمعنى: يخرجون ~~الرسول ويخرجونكم، وهي حال موصوفة، فلذلك ساق الفعل مستقبلا والإخراج قد ~~مر، وتضييق الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إخراج إذ كان ~~مؤديا إلى الخروج، وقوله تعالى: أن تؤمنوا مفعول من أجله أي اخرجوا لأجل أن ~~آمنتم بربكم، وقوله تعالى: إن كنتم شرط جوابه متقدم في معنى ما قبله، وجاز ~~ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: «إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~وابتغاء مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء» وجهادا نصب على المصدر ~~وكذلك ابتغاء، ويجوز أن يكون ذلك مفعولا من أجله، و «المرضاة» مصدر كالرضى، ~~وتسرون بدل من تلقون # ، ويجوز أن تكون في موضع خبر ابتداء، كأنه قال أنتم تسرون، ويصح أن تكون ~~فعلا مرسلا ابتدئ به القول والإلقاء بالمودة معنى ما، والإسرار بها معنى ~~زائد على الإلقاء، فيترجح بهذا أن تسرون فعل ابتدئ به القول أي تفعلون ذلك ~~وأنا أعلم، وقوله تعالى: أعلم يحتمل أن يكون أفعل، ويحتمل أن يكون فعلا ~~لأنك تقول علمت بكذا فتدخل الباء وقوله تعالى: وأنا أعلم الآية، جملة في ~~موضع الحال، وقرأ أهل المدينة «وأنا» بإشباع الألف في الإدراج، وقرأ غيرهم ~~«وأنا» بطرح الألف في الإدراج، والضمير في يفعله عائد على الاتخاذ المذكور، ~~ويجوز أن تكون سواء مفعولا ب ضل وذلك على بعد، وذلك على تعدي ضل، ويجوز أن ~~يكون ظرفا على غير التعدي لأنه يجيء بالوجهين والأول أحسن في المعنى، ~~والسواء الوسط وذلك لأنه تتساوى نسبته إلى أطراف الشيء والسبيل هنا شرع ~~الله وطريق دينه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الممتحنة (60) : الآيات 2 الى 4] # إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا ~~لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله ~~بما تعملون بصير (3) قد كانت لكم أسوة حسنة في ms3488 إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير (4) # أخبر الله تعالى أن مداراة هؤلاء الكفار غير نافعة في الدنيا وأنها ضارة ~~في الآخرة ليبين فساد رأي مصانعهم فقال تعالى: إن يثقفوكم أي إن يتمكنوا ~~منكم وتحصلوا في ثقافهم، ظهرت العداوة وانبسطت أيديهم بضرركم وقتلكم ~~وألسنتهم بسبكم، وهذا هو السوء، وأشد من هذا كله أنهم إنما يقنعهم منكم أن ~~تكفروا وهذا هو ودهم، ثم أخبر تعالى أن هذه الأرحام التي رغبتم في وصلها ~~ليست بنافعة يوم القيامة فالعامل في يوم قوله تنفعكم، وقال بعض النحاة في ~~كتاب الزهراوي، العامل فيه يفصل وهو PageV05P294 # مما بعده لا مما قبله، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والعامة: «يفصل» ~~بضم الياء وسكون الفاء وتخفيف الصاد مفتوحة، وقرأ ابن عامر والأعرج وعيسى: ~~«يفصل» بضم الياء وفتح الفاء وشد الصاد منصوبة، واختلف على هاتين القراءتين ~~في إعراب قوله: بينكم فقيل: نصب على الظرفية، وقيل رفع على ما لم يسم فاعله ~~إلا أن لفظه بقي منصوبا لأنه كذلك كثر استعماله، وقرأ عاصم والحسن والأعمش: ~~«يفصل» بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد خفيفة، وقرأ حمزة والكسائي وابن ~~وثاب: «يفصل» بضم الياء وفتح الفاء وشد الصاد المكسورة، وإسناد الفعل في ~~هاتين القراءتين إلى الله تعالى، وقرأ النخعي وطلحة بن مصرف: «نفصل» بنون ~~العظمة مرفوعة وفتح الفاء وشد الصاد المكسورة، وقرأ بعض الناس: «نفصل» بنون ~~العظمة مفتوحة وسكون الفاء، وقرأ أبو حيوة، بضم الياء وسكون الفاء وكسر ~~الصاد خفيفة من: «أفصل» وفي قوله تعالى: والله بما تعملون بصير وعيد ~~وتحذير، وقرأ جمهور السبعة: «إسوة» بكسر الهمزة، وقرأ عاصم وحده: «أسوة» ~~بضمها وهما لغتان، والمعنى: قدوة وإمام ومثال، و «إبراهيم» هو خليل الرحمن، ~~واختلف الناس في الذين معه، فقال قوم من المتأولين أراد من ms3489 آمن به من ~~الناس، وقال الطبري وغيره: أراد الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبا من ~~عصره، وهذا القول أرجح لأنه لم يرو أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في ~~مكافحته نمرودا، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرا ~~من بلد النمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك، وهذه الأسوة مقيدة ~~في التبري عن الإشراك وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا عليه السلام أسوة حسنة ~~على الإطلاق لأنها في العقائد وفي أحكام الشرع كلها، وقرأ جمهور الناس ~~«برءاء» على وزن فعلاء الهمزة الأولى لام الفعل، وقرأ عيسى الثقفي: «براء» ~~، على وزن فعال، بكسر الباء ككريم وكرام، وقرأ يزيد بن القعقاع: «براء» على ~~وزن فعال، بضم الفاء كنوام، وقد رويت عن عيسى قراءة، قال أبو حاتم: زعموا ~~أنه عيسى الهمداني ويجوز: «براء» على المصدر بفتح الباء يوصف به الجمع ~~والإفراد، وقوله: كفرنا بكم أي كذبناكم في أقوالكم ولم نؤمن بشيء منها، ~~ونظير هذا قوله عليه السلام حكاية عن قول الله عز وجل: فهو مؤمن بي كافر ~~بالكوكب ولم تلحق العلامة في: بدا لأن تأنيث العداوة والبغضاء غير حقيقي، ~~ثم استثنى تعالى استغفار إبراهيم لأبيه، وذكر أنه كان عن موعدة وقد تفسر ~~ذلك في موضعه، وهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى عند مجاهد وقتادة وعطاء ~~الخراساني وغيرهم: أن الأسوة لكم في هذا الوجه، لا في هذا الآخر لأنه كان ~~في علة ليست في نازلتكم، ويحتمل أن يكون استثناء من التبري والقطيعة التي ~~ذكرت أي لم تبق صلة إلا كذا، وقوله تعالى: ربنا عليك توكلنا الآية، حكاية ~~عن قول إبراهيم والذين معه إنه هكذا كان. # قوله عز وجل: ### || [سورة الممتحنة (60) : الآيات 5 الى 7] # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ~~(5) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله ms3490 قدير والله غفور رحيم (7) # قوله تعالى: ربنا لا تجعلنا الآية، حكاية عن إبراهيم ومن معه والمعنى: لا ~~تغلبهم علينا، فتكون PageV05P295 # لهم فتنة وسبب ضلالة، لأنهم يتمسكون بكفرهم ويقولون إنما غلبناهم لأنا ~~على الحق وهم على الباطل، نحا هذا المنحى قتادة وأبو مجلز، وقال ابن عباس ~~المعنى: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا عن أدياننا فكأنه قال: # لا تجعلنا مفتونين فعبر عن ذلك بالمصدر وهذا أرجح الأقوال لأنهم إنما ~~دعوا لأنفسهم، وعلى منحى قتادة إنما دعوا للكفار. أما أن مقصدهم إنما هو أن ~~يندفع عنهم ظهور الكفار الذي يسببه فتن الكفار فجاء في المعنى تحليق بليغ، ~~ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بئس الميت سعد- ليهود- لأنهم يقولون ~~لو كان محمد نبيا لم يمت صاحبه» ، وقوله تعالى: لقد كان لكم الآية خطاب ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وقوله: لمن بدل من قوله لكم وكرر حرف الجر ~~ليتحقق البدل وذلك عرف هذه المبدلات، ومنه قوله تعالى للفقراء المهاجرين ~~[الحشر: 8] وهو في القرآن كثير وأكثر ما يلزم من الحروف في اللام، ثم أعلم ~~تعالى باستغنائه عن العباد وأنه الحميد في ذاته وأفعاله لا ينقص ذلك كفر ~~كافر ولا نفاق منافق. # وروي أن هذه الآيات لما نزلت وأزمع المؤمنون امتثال أمرها وصرم حبال ~~الكفرة وإظهار عداوتهم لحقهم تأسف على قراباتهم وهم من أن لم يؤمنوا ولم ~~يهتدوا حتى يكون بينهم الود والتواصل فنزلت: عسى الله الآية مؤنسة في ذلك ~~ومرجية أن يقع موقع ذلك بإسلامهم في الفتح وصار الجميع إخوانا، ومن ذكر أن ~~هذه المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأنها ~~كانت بعد الفتح، فقد أخطأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وقت هجرة ~~الحبشة، وهذه الآيات نزلت سنة ست من الهجرة، ولا يصح ذلك عن ابن عباس إلا ~~أن يسوقه مثالا وإن كان متقدما لهذه الآية، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما ~~نشأ من المودات، وعسى من الله واجبة الوقوع إن شاء الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة ms3491 الممتحنة (60) : الآيات 8 الى 11] # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم ~~وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن ~~فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما ~~أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) # اختلف الناس في هؤلاء الذين لم ينه عنهم أن يبروا من هم. فقال مجاهد: هم ~~المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا وكانوا لذلك في رتبة سوء ~~لتركهم فرض الهجرة وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل ~~مكة ومن غيرها. وقال الحسن وأبو صالح: أراد خزاعة وبني الحارث بن كعب، ~~وقبائل من العرب كفار إلا أنهم كانوا مظاهرين للنبي صلى الله عليه وسلم ~~محبين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة وبنو الحارث بن عبد مناة ومزينة، وقال ~~قوم: أراد من كفار قريش من لم يقاتل: ولا أخرج ولا أظهر سوءا، وعلى هذين ~~القولين فالآية منسوخة بالقتال، وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء ~~والصبيان من الكفرة، وقال إن الآية نزلت بسبب أم أسماء حين استأذنت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في برها وصلتها فأذن PageV05P296 # لها، وكانت المرأة خالتها فيما روي فسمتها في حديثها أما، وقال أبو جعفر ~~بن النحاس والثعلبي: أراد المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا ~~الهجرة، وهذا قول ضعيف. وقال مرة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من ~~بني هاشم، منهم العباس، قال وقتادة نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~[التوبة: 5] . وقوله تعالى: ms3492 أن تبروهم بدل، وهذا هو بدل الاشتمال، ~~والإقساط: # العدل، وظاهروا معناه: عاونوا، و «الذين قاتلوا في الدين وأخرجوا» هم ~~مردة قريش وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~الآية نزلت إثر صلح الحديبية، وذلك أن الصلح تضمن أن يرد المؤمنون إلى ~~الكفار كل من جاء مسلما من رجل وامرأة فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء ~~بهذه الآية، وحكم أن المهاجرة لا ترد إلى الكفار بل تبقى تستبرئ وتتزوج ~~ويعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وأمر أيضا المؤمنين بطلب صداق من فرت ~~امرأته من المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة وسماهم مؤمنات قبل أن ~~يتيقن ذلك إذ هو ظاهر أمرهن، ومهاجرات نصب على الحال، فامتحنوهن معناه: ~~جربوهن واستخبروا حقيقة ما عندهن. واختلف الناس في هذا الامتحان كيف هو، ~~فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: كان بأن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت ~~لبغض زوجها ولا لجريرة جرت ولا لسبب من أعراض الدنيا سوى حب الله ورسوله ~~والدار الآخرة. قال ابن عباس: الامتحان أن تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلت ذلك لم ترد، فقال فريق منهم عائشة أم ~~المؤمنين: الامتحان هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذا من ترك ~~الزنا والسرقة والبهتان والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحان، وقيل: إن هذه ~~الآية نزلت في أميمة بنت بشر امرأة حسان بن الدحداحة وفي كتاب الثعلبي أنها ~~نزلت في سبيعة بنت الحارث، وقوله تعالى: الله أعلم بإيمانهن إشارة إلى ~~الاسترابة ببعضهن وحض على امتحانهن، وذكر تعالى العلة في أن لا يرد النساء ~~إلى الكفار وهي امتناع الوطء وحرمته، وقرأ طلحة: «لا هن يحللن لهم» . # قوله عز وجل: # وآتوهم ما أنفقوا # ...... # أمر الله تعالى أن يؤتى الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن مؤمنات ورفع ~~الجناح في أن يتزوجن بصدقات هي أجورهن، وأمر المسلمين بفراق الكافرات وأن ~~لا يمسكوا بعصمهن، فقيل: الآيات في عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحها، ~~ابتداء، وقيل: هي عامة ms3493 نسخ منها نساء أهل الكتاب، والعصم: # جمع عصمة: وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وكذلك العصمة في كل شيء، ~~السبب الذي يعتصم به، ويعتمد عليه، وقرأ جمهور السبعة والناس: «تمسكوا» بضم ~~التاء وكسر السين وتخفيفها من PageV05P297 # أمسك، وقرأ أبو عمرو وحده وابن جبير ومجاهد والأعرج والحسن بخلاف «ولا ~~تمسكوا» من مسك، بالشد في السين، وقرأ الحسن وابن أبي ليلى وابن عامر في ~~رواية عبد المجيد: «تمسكوا» بفتح التاء والميم، وفتح السين وشدها، وقرأ ~~الحسن: «تمسكوا» بفتح التاء وسكون الميم وكسر السين مخففة. # ورأيت لأبي علي الفارسي أنه قال: سمعت الفقيه أبا الحسن الكرخي يقول في ~~تفسير قوله تعالى: # ولا تمسكوا بعصم الكوافر، إنه في الرجال والنساء، فقلت له: النحويون لا ~~يرون هذا إلا في النساء، لأن كوافر: جمع كافرة، فقال وأيش يمنع من هذا أليس ~~الناس يقولون: طائفة كافرة، وفرقة كافرة، فبهت، وقلت هذا تأييد، وأمر تعالى ~~أن يسأل أيضا الكافرون أن يدفعوا الصدقات التي أعطاها المؤمنون لمن فر من ~~أزواجهم إلى الكفار، وقرر الحكم بذلك على الجميع، فروي عن ابن شهاب أن ~~قريشا قالت: نحن لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقا فنزلت ~~بسبب ذلك هذه الآية الأخرى: وإن فاتكم الآية، فأمر الله تعالى المؤمنين أن ~~يدفعوا إلى من فرت زوجته ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق، قال ابن ~~عباس في كتاب الثعلبي: خمس نسوة من نساء المهاجرين رجعن عن الإسلام ولحقن ~~بالمشركين: # أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية أخت ~~أم سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب، وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام بن ~~العاص، وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~مهور نسائهم من الغنيمة. واختلف الناس في أي مال يدفع إليه الصداق، فقال ~~محمد بن شهاب الزهري: يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب ~~من هاجر من أزواجهم، وأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم ms3494 يرضوا حكمه حسبما ~~ذكرناه، وهذا قول صحيح يقتضيه قوله تعالى: فعاقبتم وسنبين ذلك في تفسير ~~اللفظة إن شاء الله تعالى. وقال مجاهد وقتادة: يدفع إليه من غنائم المغازي، ~~وقال هؤلاء التعقيب بالغزو والمغنم وتأولوا اللفظة بهذا المعنى، وقال ~~الزهري أيضا: يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن، والعاقبة في هذه الآية، ~~ليست بمعنى مجازاة السوء بالسوء لكنها بمعنى فصرتم منهم إلى الحال التي ~~صاروا إليها منكم وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجكم، وهكذا هو التعقيب ~~على الجمل والدواب أن يركب هذا عقبة ويركب هذا عقبة. وقرأ ابن مسعود: «وإن ~~فاتكم أحد من أزواجكم» ويقال عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي جاء فعل كل واحد ~~منهما بعقب فعل الآخر، ومنه قول الشاعر [الكميت] : # وحاردت النكد الجلاد ولم يكن ... لعقبة قدر المستعيرين معقب # ويقال: «عقب» بشد القاف، أي أصاب عقبى، والتعقيب: غزو إثر غزو، ويقال ~~«عقب» بتخفيفها، ويقال: «عقب» بكسرها كل ذلك بمعنى: يقرب بعضه من بعض ~~وبجميع ذلك قرىء، قرأ جمهور الناس: # «عاقبتم» وقرأ الأعرج ومجاهد والزهري وعكرمة وحميد: «عقبتم» بالتشديد في ~~القاف، وقرأ الأعرج أيضا وأبو حيوة والزهري أيضا: «عقبتم» بفتح القاف ~~خفيفة، وقرأ النخعي والزهري أيضا: «عقبتم» بكسر القاف وكلها بمعنى: غنمتم، ~~وروي عن مجاهد: «أعقبتم» بألف مقطوعة قبل العين، وهذه الآية كلها قد ارتفع ~~حكمها، ثم ندب تعالى إلى التقوى وأوجبها، وذكر العلة التي بها يجب التقوى ~~وهي الإيمان بالله والتصديق بوحدانيته وصفاته وعقابه وإنعامه. PageV05P298 # قوله عز وجل: ### || [سورة الممتحنة (60) : الآيات 12 الى 13] # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ~~(12) يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من ~~الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا وهي كانت في المعنى ~~بيعة ms3495 الرجال قبل فرض القتال، وسماهم «المؤمنات» بحسب الظاهر من أمرهن، ورفض ~~الاشتراك هو محض الإيمان، وقتل الأولاد وهو من خوف الفقر، وكانت العرب تفعل ~~ذلك. وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن: «يقتلن» بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء ~~المشددة، و «الإتيان بالبهتان» ، قال أكثر المفسرين معناه أن تنسب إلى ~~زوجها ولدا ليس هو له واللفظ أعم من هذا التخصيص، فإن الفرية بالقول على ~~أحد من الناس بعضيهة لمن هذا، وإن الكذب فيما ائتمن فيه من الحمل والحيض ~~لفرية بهتان، وبعض أقوى من بعض وذلك أن بعض الناس قال بين أيديهن يراد به ~~اللسان والفم في الكلام والقبلة ونحوه، «وبين الأرجل» يراد به الفروج وولد ~~الإلحاق ونحوه، والمعروف الذي نهي عن العصيان فيه، قال أنس وابن عباس، وزيد ~~بن أسلم: هو النوح، وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر وغير ذلك من أوامر ~~الشريعة، فرضها وندبها. ويروى أن جماعة نساء فيهن هند بنت عتبة بايعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهن الآي، فلما قررهن على أن لا يشركن قالت ~~هند: وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من الرجال؟ بمعنى أن هذا بين ~~لزومه، فلما وقف على السرقة، قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان ~~لا أدري أيحل لي ذلك، فقال أبو سفيان: ذلك لك حلال فيما مضى وبقي، وقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلي وولدك بالمعروف» . # وقدر تكرر هذا المعنى في الحديث الآخر قولها إن أبا سفيان رجل مسيك فلما ~~وقف على الزنا قالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ قال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا ما تزني الحرة» ، وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في ~~الإماء في أغلب الأمر، وفيما تعرف مثل هند وإلا فالبغايا قد كن أحرارا، ~~فلما وقف على قتل الأولاد، قالت: نحن ربيناهم صغارا وقتلتهم أنت ببدر ~~كبارا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وقف على العصيان بالمعروف، ~~قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي ms3496 أنفسنا أن نعصيك، ويروى أن جماعة نساء بايعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله نبايعك على كذا وكذا الآية، ~~فلما فرغن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيما استطعتن وأطلقتن» ، ~~فقلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا. # وقوله تعالى: فبايعهن امض معهن صفقة الإيمان بأن يعطين ذلك من أنفسهن ~~ويعطين عليه الجنة، واختلفت هيئات مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~النساء بعد الإجماع على أنه لم تمس يده يد PageV05P299 # امرأة أجنبية قط، فروي عن عائشة وغيرها أنه بايع باللسان قولا، وقال: ~~«إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» ، وقالت أسماء بنت يزيد: كنت ~~في النسوة المبايعات فقلت: يا رسول الله ابسط يدك نبايعك، فقال لي عليه ~~السلام: «إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن» ، وذكر ~~النقاش حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم مد يده من خارج بيت ومد نساء من ~~الأنصار أيديهن من داخله فبايعهن وما قدمته أثبت، وروي عن الشعبي أنه لف ~~ثوبا كثيفا قطريا على يده وجاء نسوة فلمسن يده كذلك، وروي عن الكلبي: أنه ~~قدم عمر بن الخطاب فلمس نساء يده وهو خارج من بيت وهن فيه بحيث لا يراهن، ~~وذكر النقاش وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه النساء على الصفا ~~بمكة وعمر بن الخطاب يصافحهن، وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~ورفعه النقاش عن ابن عباس وعن عروة بن مسعود الثقفي: أنه عليه السلام غمس ~~يده في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسن أيديهن فيه. ثم أمره تعالى ~~بالاستغفار لهن ورجاهن في غفرانه ورحمته بقوله: إن الله غفور رحيم وقوله ~~تعالى: قوما غضب الله عليهم قال ابن زيد والحسن ومنذر بن سعيد هم اليهود ~~لأن غضب الله قد صار عرفا لهم، وقال ابن عباس: هم في هذه الآية كفار قريش ~~لأن كل كافر فعليه غضب من الله لا يرد بذلك ثبوت الغضب على اليهود. # قال القاضي أبو محمد: ms3497 ولا سيما في المردة ككفار قريش إذ أعمالهم مغضبة ~~ليست بمجرد ضلال بل فيها شرارات مقصودة، وفي الكلام في التشبيه الذي في ~~قوله: كما يئس يتبين الاحتياج إلى هذا الخلاف وذلك أن اليأس من الآخرة إما ~~أن يكون بالتكذيب بها، وهذا هو يأس كفار مكة، قال معنى قوله: # كما يئس الكفار كما يئس الكافر من صاحب قبر لأنه إذا مات له حميم قال: ~~هذا آخر العهد به لن يبعث أبدا، فمعنى الآية: أن اعتقاد أهل مكة في الآخرة ~~كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه، وهذا هو تأويل ابن عباس والحسن ~~وقتادة في معنى قوله تعالى: كما يئس الكفار، ومن قال إن القوم المشار إليهم ~~هم اليهود، قال معنى قوله: يئس الكفار أي كما يئس الكافر من الرحمة إذا مات ~~وكان صاحب قبر، وذلك أنه يروى أن الكافر إذا كان في قبره عرض عليه مقعده في ~~الجنة أن لو كان مؤمنا ثم يعرض عليه مقعده من النار الذي يصير إليه فهو ~~يائس من رحمة الله مع علمه بها ويقينه، وهذا تأويل مجاهد وابن جبير وابن ~~زيد في قوله: كما يئس الكفار فمعنى الآية: أن يأس اليهود من رحمة الله في ~~الآخرة مع علمهم بها كيأس ذلك الكافر في قبره وذلك لأنهم قد رين على قلوبهم ~~وحملهم الحسد على ترك الإيمان وغلب على ظنونهم أنهم معذبون، وهذه كانت صفة ~~كثير من معاصري النبي صلى الله عليه وسلم، ومن في قوله من أصحاب على القول ~~الأول هي لابتداء الغاية، وفي القول الثاني هي لبيان الجنس والتبعيض ~~يتوجهان فيها وبيان الجنس أظهر. # نجز تفسير سورة الممتحنة والحمد لله على ذلك. PageV05P300 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصف # وهي مدنية في قول الجمهور، وقال مكي عن ابن عباس والمهدوي عن عطاء ومجاهد ~~إنها مكية والأول أصح لأن معاني السورة تعضده ويشبه أن يكون فيها المكي ~~والمدني. # قوله عز وجل: ### || سورة الصف (61) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ms3498 وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) # قد تقدم القول غير مرة في تسبيح الجمادات، والعزيز في سلطانه وقدرته، ~~والحكيم في أفعاله وتدبيره، واختلف الناس في السبب الذي نزلت فيه: يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فقال ابن عباس وأبو صالح: نزلت بسبب أن ~~جماعة قالوا: لوددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى ربنا حتى نفنى فيه، ففرض الله ~~الجهاد وأعلمهم بفضله لديه وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، ~~وكان إذ فرض قد تكرهه قوم منهم، وفر من فر يوم أحد فعاتبهم الله بهذه الآية ~~بسبب أن جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم ~~يفعلوا ويقولون فعلنا وصنعنا وذلك كذب، فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن زيد: ~~نزلت في المنافقين لأن جملة منهم كانوا يقولون للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم ~~يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتابا لهم، وحكم هذه الآية باق غابر ~~الدهر، وكل من يقول ما لا يفعل، فهو ممقوت مذق الكلام، والقول الآخر في ~~المنافقين إنما يتوجه بأن يكونوا غير مجلحين بالنفاق فلذلك خوطبوا ~~بالمؤمنين أي في زعمكم وما تظهرون، والقول الأول يترجح بما يأتي بعد من أمر ~~الجهاد والقتال. و «المقت» : البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها ~~الممقوت، وهذا حد المقت فتأمله، ومقتا نصب على التمييز، والتقدير كبر فعلكم ~~مقتا، والمراد كبر مقت فعلكم فحذف المضاف إليه ونصب المضاف على التمييز، ~~وهذا كما تريد تفقأ شحم بطنك فتقول: تفقأ بطنك شحما، وأن تقولوا، يحتمل أن ~~يكون بدلا من المقدر، ويحتمل أن يكون فاعلا ب كبر، وقول المرء ما لا يفعل PageV05P301 # موجب مقت الله تعالى، ولذلك ms3499 فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير وآثروا ~~السكوت، ثم وكد تعالى الإخبار بمحبته للمقاتلين صفا، ومحبة الله تعالى هي ~~ما يظهر عليهم من نصره وكرامته وهي صفة فعل وليست بمعنى الإرادة، لأن ~~الإرادة لا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة ~~كثيرا، وقال بعض الناس: قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراص فيه ~~يتمكن، وهذا ضعيف خفي على قائله مقصد الآية، وليس المراد نفي التصاف وإنما ~~المقصد الجد في كل أوطان القتال وأحواله، وقصد بالذكر أشد الأحوال وهي ~~الحالة التي تحوج إلى القتال صفا متراصا، ونابت هذه الحال المذكورة مناب ~~جميع الأحوال، وقضت الآية بأن الذين يبلغ جدهم إلى هذه الحال حريون بأن لا ~~يقصروا عن حال، و «المرصوص» المصفوف المتضام، وقال أبو بحرية رحمه الله: ~~إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجبوا فؤادي ومنه قول الشاعر [ابن أبي العنبس ~~الثقفي] : [مجزوء الكامل] # وبالشعب بين صفائح ... صم ترصص بالجنوب # وقال منذر بن سعيد والبراء وغيره: «المرصوص» المعقود بالرصاص، وهذا يحتمل ~~أن يكون أصل اللفظة، ثم ذكر الله تعالى مقالة موسى وذلك ضرب مثل للمؤمنين ~~الذين يقولون ما لا يفعلون ذكرهم الله تعالى بقوم آذوا نبيهم على علم منهم ~~بنبوته وزاغوا ف أزاغ الله قلوبهم، أي فاحذروا أيها المؤمنون أن يصيركم ~~العصيان، وقول الباطل إلى مثل حالهم، وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال سعد ~~بن أبي وقاص: هم الحرورية، المعنى: أنهم أشباههم في أنهم لما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم، وقوله لم تؤذونني تقرير، والمعنى تؤذونني بتعنيتكم وعصيانكم ~~واقتراحاتكم، وهذه كانت أفعال بني إسرائيل، وانظر إنه تعالى أسند الزيغ ~~إليهم لكونه فعل حطيطة، كما قال الله تعالى: نسوا الله فأنساهم [الحشر: 19] ~~وهذا يخالف قوله تعالى: ثم تاب عليهم ليتوبوا [التوبة: 118] فأسند التوبة ~~إلى نفسه لكونها فعل رفعة ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ~~وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء: 80] ، و «زاغ» معناه: مال، وصار عرفها في ~~الميل عن الحق، وأزاغ الله قلوبهم معناه: # طبع عليها ms3500 وختم وكثر ميلها عن الحق، وهذه العقوبة على الذنب بالذنب، ~~وأمال ابن أبي إسحاق: # زاغوا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصف (61) : الآيات 6 الى 8] # وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ~~والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) # المعنى: «واذكر يا محمد إذ قال عيسى» ، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى ~~لكفار قريش، وحكي عن موسى أنه قال: يا قوم [الصف: 5] وعن عيسى أنه قال: يا ~~بني إسرائيل من حيث لم يكن له فيهم PageV05P302 # أب، ومصدقا، حال مؤكدة، ومبشرا عطف عليه، وقوله تعالى: يأتي من بعدي، ~~وقوله: # اسمه أحمد جملتان كل واحدة منهما في موضع خفض على الصفة لرسول، وأحمد فعل ~~سمي به، ويحتمل أن يكون أفعل كأسود، وهو في هذه الآية الكلمة لا الشخص، ~~وليست على حد قولك جاءنا أحمد لأنك هاهنا أوقعت الاسم على مسماه، وفي الآية ~~إنما أراد: اسمه هذه الكلمة، وذكر أبو علي هذا الغرض ومنه ينفك إعراب قوله ~~تعالى يقال له إبراهيم [الأنبياء: 60] ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ~~وعاصم في رواية أبي بكر: «بعدي» بفتح الياء، وقوله تعالى: فلما جاءهم ~~بالبينات، الآية يحتمل أن يريد عيسى، وتكون الآية وما بعدها تمثيلا بأولئك ~~لهؤلاء المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون التمثيل قد فرغ ~~عند قوله: اسمه أحمد، ثم خرج إلى ذكر أحمد لما تطرق ذكره، فقال مخاطبة ~~للمؤمنين، فلما جاء أحمد هؤلاء الكفار قالوا هذا سحر مبين، و «البينات» هي ~~الآيات والعلامات، وقرأ جمهور الناس: «هذا ساحر» إشارة إلى ما جاء به، وقرأ ~~ابن مسعود وطلحة والأعمش وابن وثاب: «هذا سحر» إشارة إليه بنفسه، وقوله ~~تعالى: ومن أظلم تعجيب وتقرير أي لا أحد أظلم منه، و «افتراء ms3501 الكذب» هو ~~قولهم: هذا سحر، وما جرى مجرى هذا من الأقوال التي هي اختلاق وبغير دليل، ~~وقرأ الجمهور: «يدعى» على بناء الفعل للمفعول، وقرأ طلحة بن مصرف «يدعي» ~~بمعنى ينتمي وينتسب ومن ذلك قول الشاعر [ساعدة بن عجلان الهذلي] : [الكامل] # فرميت فوق ملاءة محبوكة ... وأبنت للأشهاد حزة أدعي # والمعنى على هذه القراءة إنما هو إشارة إلى الأنبياء عليهم السلام لما ~~حكي عن الكفار أنهم قالوا: # «هذا ساحر» ، بين بعد ذلك أن العقل لا يقبله، أي وهل أظلم من هذا الذي ~~يزعم أنه نبي ويدعي إلى الإسلام وهو مع ذلك مفتر على ربه وهذا دليل واضح ~~لأن مسالك أهل الافتراء والمخرقة إنما هي دون هذا وفي أمور خسيسة، وضبط ~~النقاش هذه القراءة «يدعى» بضم الياء وفتح الدال المشددة على ما لم يسم ~~فاعله، والضمير في يريدون للكفار، واللام في قوله: ليطفؤا لام مؤكدة، دخلت ~~على المفعول لأن التقدير: «يريدون أن يطفئوا» وأن مع الفعل بتأويل المصدر ~~فكأنه قال: يريدون إطفاء، وأكثر ما تلتزم هذه اللام المفعول إذا تقدم تقول ~~لزيد: ضربت ولرؤيتك قصدت، ونور الله هو شرعه وبراهينه. # وقوله تعالى: بأفواههم إشارة إلى الأقوال أي بقولهم: سحر وشعر وتكهن وغير ~~ذلك، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وابن محيصن والحسن ~~وطلحة والأعرج: «والله متم» بالتنوين، «نوره» «نوره» بالنصب، وقرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش: «متم نوره» بالإضافة وهي في معنى ~~الانفصال وفي هذا نظر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصف (61) : الآيات 9 الى 12] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (9) يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ~~(10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) PageV05P303 # هذا تأكيد لأمر الرسالة وشد لأزرها كما يقول الإنسان لأمر يثبته ويقويه ~~أنا ms3502 فعلته، أي فمن يقدر على معارضته فليعارض، والرسول المشار إليه محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقوله تعالى: على الدين كله لفظ يصلح للعموم وأن يكون ~~المعنى أو لا يبقى موضع فيه دين غير الإسلام، وهذا لا يكون إلا عند نزول ~~عيسى ابن مريم، قاله مجاهد وأبو هريرة، ويحتمل أن يكون المعنى أن يظهره حتى ~~لا يوجد دين إلا الإسلام أظهر منه، وهذا قد كان ووجد، ثم ندب تعالى ~~المؤمنين وحضهم على الجهاد بهذه التجارة التي بينها، وهي أن يعطي المرء ~~نفسه وماله، ويأخذ ثمنا جنة الخلد. وقرأ جمهور القراء والناس: «تنجيكم» ~~بتخفيف النون وكسر الجيم دون شد، وقرأ ابن عامر وحده والحسن والأعرج وابن ~~أبي إسحاق: «تنجيكم» بفتح النون وشد الجيم، وقوله تعالى: تؤمنون لفظه الخبر ~~ومعناه الأمر أي آمنوا، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: # «أليم آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا» ، وقوله تؤمنون فعل مرفوع تقديره ذلك ~~أنه تؤمنون، وقال الأخفش: # هو عطف بيان على تجارة، قال المبرد: هو بمعنى آمنوا على الأمر ولذلك جاء ~~يغفر مجزوما، وقوله تعالى: ذلكم أشار إلى الجهاد والإيمان، وخير هنا يحتمل ~~أن يكون للتفضيل، فالمعنى من كل عمل، ويحتمل أن يكون إخبارا، أن هذا خير في ~~ذاته ونفسه، وانجزم قوله يغفر على الجواب للأمر المقدر في تؤمنون، أو على ~~ما يتضمنه قوله: هل أدلكم من الحض والأمر وإلى نحو هذا ذهب الفراء، وروي عن ~~أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ: «يغفلكم» بإدغام الراء في اللام ولا يجيز ذلك ~~سيبويه وقوله تعالى: ومساكن عطف على جنات، وطيب المساكن سعتها وجمالها، ~~وقيل طيبها المعرفة بدوام أمرها، وهذا هو الصحيح، وأي طيب مع الفناء ~~والموت. # قوله عز وجل: ### || [سورة الصف (61) : الآيات 13 الى 14] # وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ms3503 ظاهرين (14) # قوله تعالى: وأخرى قال الأخفش هي في موضع خفض على تجارة [الصف: 10] ، ~~وهذا قول قلق، قد رد عليه ناس، واحتج له آخرون، والصحيح ضعفه، لأن هذه ~~«الأخرى» ليست مما دل عليه إنما هي مما أعطى ثمنا وجزاء على الإيمان ~~والجهاد بالنفس والمال، وقال الفراء: وأخرى في موضع رفع، وقال قوم: إن ~~أخرى، في موضع نصب بإضمار فعل، كأنه قال: يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات ~~[الصف: 12] ويمنحكم أخرى، وهي النصر والفتح القريب، وقرأ ابن أبي عبلة ~~«نصرا من الله وفتحا» ، بالنصب فيهما، ووصفها تعالى بأن النفوس تحبها من ~~حيث هي عاجلة في الدنيا، وقد وكلت PageV05P304 # النفس لحب العاجل، ففي هذا تحريض، ثم قواه تعالى بقوله: وبشر المؤمنين ~~وهذه الألفاظ في غاية الإيجاز، وبراعة المعنى، ثم ندب تعالى المؤمنين إلى ~~النصرة، ووضع لهم هذا الاسم، وإن كان العرف قد خص به الأوس والخزرج، وسماهم ~~الله تعالى به، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والأعرج وعيسى: # «أنصارا» ، بتنوين الأنصار، وقرأ الباقون والحسن والجحدري «أنصار الله» ، ~~بالإضافة، وفي حرف عبد الله: # «أنتم أنصار الله» ، ثم ضرب تعالى لهم المثل بقوم بادروا حين دعوا، وهم ~~«الحواريون» : خلصان الأنبياء، سموا بذلك لأنه ردد اختبارهم وتصفيتهم، ~~وكذلك رد تنخيل الحواري: فاللفظتان في الحور، وقيل: # «الحواريون» سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا غسالين، نصروا عيسى، واستعمل ~~اسمهم حتى قيل للناصر العاضد حواري، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«وحواريي الزبير» ، وافتراق طوائف بني إسرائيل هو في أمر عيسى عليه السلام، ~~قال قتادة: والطائفة الكافرة ثلاث فرق: اليعقوبية: وهم قالوا هو الله، ~~والإسرائيلية: وهم قالوا ابن الله، والنسطورية: وهم قالوا هو إله، وأمه إله ~~والله ثالثهما، تعالى الله عن أقوالهم علوا كبيرا. # وقوله تعالى: فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم قيل ذلك قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وبعد فترة من رفع عيسى عليه السلام، رد الله تعالى الكرة لمن ~~آمن به، فغلبوا الكافرين الذين قتلوا صاحبه الذي ألقي عليه الشبه، وقيل ذلك ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، أصبح المؤمن ms3504 بعيسى ظاهرا لإيمانه بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك أنه لا يؤمن أحد حق الإيمان بعيسى، إلا وفي ضمن ذلك ~~الإيمان بمحمد لأنه بشر به، وحرض عليه، وقيل كان المؤمنون به قديما ظاهرين ~~بالحجة، وإن كانوا مفرقين في البلاد، مغلوبين في ظاهر الحياة الدنيا، وقرأ ~~مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن: «فأيدنا» مخففة الياء ممدودة الألف. # نجز تفسير سورة الصف ولله الحمد كثيرا. PageV05P305 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجمعة # وهي مدنية وذكر النقاش قولا إنها مكية، وذلك خطأ ممن قاله، لأن أمر ~~اليهود لم يكن إلا بالمدينة، وكذلك أمر الجمعة لم يكن قط بمكة، أعني ~~إقامتها وصلاتها، وأما أمر الانفضاض فلا مرية في كونه بالمدينة، وذكر ~~النقاش عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~نزلت سورة الجمعة وهذا أيضا ضعيف لأن أبا هريرة إنما أسلم أيام خيبر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(4) # تقدم القول في لفظ الآية الأولى، واختلفت القراءة في إعراب الصفات في ~~آخرها. # فقرأ جمهور الناس: الملك بالخفض نعتا لله، وكذلك ما بعده، وقرأ أبو وائل ~~شقيق بن سلمة وأبو الدينار: «الملك» بالرفع على القطع، وفتح أبو الدينار ~~القاف من «القدوس» ، والأميين: يراد بهم العرب، والأمي في اللغة الذي لا ~~يكتب ولا يقرأ كتابا، قيل هو منسوب إلى الأم، أي هو على الخلقة الأولى في ~~بطن أمه، وقيل هو منسوب إلى الأمة، أي على سليقة البشر دون تعلم، وقيل ~~منسوب إلى أم القرى وهي مكة وهذا ضعيف، لأن الوصف ب الأميين على هذا يقف ~~على قريش، وإنما المراد جميع العرب، وفيهم قال النبي ms3505 صلى الله عليه وسلم: ~~«إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا» . # وهذه الآية تعديد نعمة الله عندهم فيما أولاهم، والآية المتلوة: القرآن ~~يزكيهم معناه: يطهرهم من الشرك ويمني الخير فيهم، والكتاب: الوحي المتلو، ~~والحكمة: السنة التي هي لسانه عليه السلام، ثم أظهر تعالى تأكيد النعمة ~~بذكر حالهم التي كانت في الضد من الهداية، وذلك في قوله تعالى: # وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وآخرين في موضع خفض عطفا على الأميين ~~وفي موضع نصب عطفا على الضمائر المتقدمة. PageV05P306 # واختلف الناس في المعنيين بقوله: وآخرين من هم؟ فقال أبو هريرة وغيره: ~~أراد فارسا، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الآخرون؟ فأخذ بيد ~~سلمان وقال: «لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء» . أخرجه مسلم. ~~وقال سعيد بن جبير ومجاهد: أراد الروم والعجم، فقوله تعالى: منهم على هذين ~~القولين: إنما يريد في البشرية والإيمان كأنه قال: وفي آخرين من الناس: ~~وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل: أراد التابعين من أبناء العرب، فقوله: منهم يريد ~~به النسب والإيمان، وقال ابن زيد ومجاهد والضحاك وابن حبان: أراد بقوله: ~~وآخرين جميع طوائف الناس، ويكون منهم في البشرية والإيمان على ما قلناه ~~وذلك أنا نجد بعثه عليه السلام إلى جميع الخلائق، وقال ابن عمر لأهل اليمن: ~~أنتم هم، وقوله تعالى: لما يلحقوا نفي لما قرب من الحال، والمعنى أنهم ~~مزمعون أن يلحقوا فهي «لم» زيدت عليها «ما» تأكيدا. قال سيبويه «لما» نفي ~~قولك قد فعل، و «لن» قولك فعل دون قد، وقوله تعالى: ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء الآية، تبيين لموقع النعمة، وتخصيصه إياهم بها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجمعة (62) : الآيات 5 الى 8] # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) قل يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت ms3506 أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل ~~إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (8) # الذين حملوا التوراة هم بنو إسرائيل الأحبار المعاصرون لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وحملوا معناه: كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها، فهذا كمال ~~حمل الإنسان الأمانة، وليس ذلك من الحمل على الظهر، وإن كان مشتقا منه، ~~وذكر تعالى أنهم لم يحملوها، أي لم يطيعوا أمرها، ويقفوا عند حدها حين ~~كذبوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، و «التوراة» تنطق بنبوته، فكان كل حبر لم ~~ينتفع بما حمل كمثل حمار عليه أسفار، فهي عنده والزبل وغير ذلك بمنزلة ~~واحدة، وقرأ يحيى بن يعمر: «حملوا» بفتح الحاء والميم مخففة، وقرأ المأمون ~~العباسي: «يحمل أسفارا» بضم الياء وفتح الحاء وشد الميم مفتوحة، وفي مصحف ~~ابن مسعود: «كمثل حمار» بغير تعريف، والسفر: الكتاب المجتمع الأوراق ~~منضودة، ثم بين حال مثلهم وفساده بقوله تعالى: بئس مثل القوم وقوله تعالى: ~~قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم الآية، روي أنها نزلت بسبب أن يهود ~~المدينة لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا يهود خيبر في أمره، ~~وذكروا لهم نبوته، وقالوا: إن رأيتم اتباعه أطعناكم وإن رأيتم خلافه ~~خالفناه معكم، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون: نحن أبناء إبراهيم خليل ~~الرحمن، وأبناء عزير ابن الله ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب، ~~نحن أحق بالنبوة من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت الآية بمعنى: أنكم ~~إذا PageV05P307 # كنتم من الله تعالى بهذه المنزلة فقربه وفراق هذه الحياة الحسية أحب ~~إليكم فتمنوا الموت إن كنتم تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة، أخبر تعالى ~~عنهم بأنهم لا يتمنونه ولا يلقونه إلا كرها لعلمهم بسوء حالهم عند الله ~~وبعدهم منه. هذا هو المعنى اللازم من ألفاظ الآية، وروى كثير من المفسرين ~~أن الله تعالى جعل هذه الآية معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم فيهم، وآية ~~باهرة، وأعلمه أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودة مات وفارق ~~الدنيا، فقال لهم رسول ms3507 الله صلى الله عليه وسلم: «تمنوا الموت» على جهة ~~التعجيز وإظهار الآية، فما تمناه أحد خوفا من الموت، وثقة بصدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ثم توعدهم تعالى بالموت الذي لا محيد لهم عنه، ثم بما بعده ~~من الرد إلى الله تعالى، وقرأ ابن مسعود: «منه ملاقيكم» بإسقاط فإنه، وقوله ~~تعالى: فينبئكم أي إنباء معاقب مجاز عليه بالتعذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق ~~«فتمنوا الموت» بكسر الواو وكذلك يحيى بن يعمر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجمعة (62) : الآيات 9 الى 11] # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة والله خير الرازقين (11) # «النداء بالجمعة» هو في ناحية من المسجد، وكان على الجدار في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقال السائب بن يزيد: كان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم مؤذن واحد على باب المسجد، وفي مصنف أبي داود: كان بين يديه وهو على ~~منبر أذان، وهو الذي استعمل بنو أمية، وبقي بقرطبة إلى الآن، ثم زاد عثمان ~~النداء على الزوراء ليسمع الناس، فقوم عبروا عن زيادة عثمان بالثاني، كأنهم ~~لم يعتدوا الذي كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقوم عبروا عنه ~~بالثالث، وقرأ الأعمش وابن الزبير: «الجمعة» بإسكان الميم وهي لغة، ~~والمأمور بالسعي هو المؤمن الصحيح البالغ الحر الذكر، ولا جمعة على مسافر ~~في طاعة، فإن حضرها أحسن، وأجزأته. # واختلف الناس في الحد الذي يلزم منه السعي، فقال مالك: ثلاثة أميال. # قال القاضي أبو محمد: من منزل الساعي إلى المنادي، وقال فريق: من منزل ~~الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء، وقال أصحاب الرأي: يلزم أهل ~~المدينة كلها السعي من سمع النداء ومن لم يسمع، وإن كانت أقطارها فوق ثلاثة ~~أميال. قال أبو ms3508 حنيفة: ولا من منزله خارج المدينة كزرارة من الكوفة، وإنما ~~بينهما مجرى نهر، ولا يجوز لهم إقامتها لأن من شروطها الجامع والسلطان ~~القاهر، والسوق القائمة، وقال بعض أهل العلم: يلزم السعي من خمسة أميال، ~~وقال الزهري: من ستة أميال، وقال أيضا: من أربعة PageV05P308 # أميال وقاله ابن المنكدر، وقال ابن عمر وابن المسيب وابن حنبل: إنما يلزم ~~السعي من سمع النداء، وفي هذا نظر. والسعي في الآية: ليس الإسراع في المشي ~~كالسعي بين الصفا والمروة، وإنما هو بمعنى قوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [النجم: 39] ، فالقيام والوضوء ولبس الثوب ~~والمشي سعي كله إلى ذكر الله تعالى، قال الحسن وقتادة ومالك وغيرهم: إنما ~~تؤتى الصلاة بالسكينة، فالسعي هو بالنية والإرادة، والعمل والذكر هو وعظ ~~الخطبة قاله ابن المسيب، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الملائكة على باب المسجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول إذا خرج الإمام ~~طويت الصحف وجلست الملائكة يستمعون الذكر» ، والخطبة عند جمهور العلماء شرط ~~في انعقاد الجمعة، وقال الحسن: وهي مستحبة، وقرأ عمر بن الخطاب، وعلي وأبي ~~وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وجماعة من التابعين: «فامضوا ~~إلى ذكر الله» ، وقال ابن مسعود: لو قرأت «فاسعوا» لأسرعت حتى يقع ردائي. # واختلف الناس في: «البيع» في الوقت المنهي عنه إذا وقع ما الحكم فيه بعد ~~إجماعهم على وجوب امتناعه بدءا، فقال الشافعي: يمضي، وقال مرة: يفسخ ما لم ~~يفت فإن فات صح بالقيمة، واختلف في وقت التقويم، فقيل: وقت القبض، وقيل: ~~وقت الحكم، وقوله تعالى: ذلكم إشارة إلى السعي وترك البيع، وقوله: فانتشروا ~~أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر الإباحة، وكذلك قوله تعالى: # وابتغوا من فضل الله أنه الإباحة في طلب المعاش، وأن ذلك مثل قوله تعالى: ~~وإذا حللتم فاصطادوا [المائدة: 2] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «ذلك الفضل المبتغى هو عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع ~~جنازة» . # قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ينبغي ms3509 أن يكون المرء بقية يوم الجمعة، ~~ويكون نحوه صبيحة يوم السبت، قاله جعفر بن محمد الصادق، وقال مكحول: الفضل ~~المبتغي العلم، فينبغي أن يطلب إثر الجمعة، وقوله تعالى: وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائما على ~~المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام تحمل ميرة وصاحب أمرها دحية ~~بن خليفة الكلبي، قال مجاهد: وكان من عرفهم أن يدخل عير الميرة بالطبل ~~والمعازف والصياح سرورا بها، فدخلت العير بمثل ذلك، فانفض أهل المسجد إلى ~~رؤية ذلك وسماعه وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر ولم ~~يبق معه غير اثني عشر رجلا. قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. # قال القاضي أبو محمد: ولم تمر بي تسميتهم في ديوان فيما أذكر الآن، إلا ~~إني سمعت أبي رضي الله عنه يقول: هم العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في ~~الحادي عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: # عبد الله بن مسعود، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: بقي معه ثمانية نفر، ~~وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا هؤلاء لقد كانت الحجارة ~~سومت على المنفضين من السماء» ، وفي حديث آخر: # «والذي نفس محمد بيده، ولو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد، أسال عليكم ~~الوادي نارا» . وقال قتادة: # بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، لأن قدوم العير كان يوافق يوم الجمعة ~~يشبه أن المراحل كانت تعطي PageV05P309 # ذلك. وقال تعالى: إليها ولم يقل تهمما بالأهم، إذ هي كانت سبب اللهو ولم ~~يكن اللهو سببها، وفي مصحف ابن مسعود: «ومن التجارة للذين اتقوا والله خير ~~الرازقين» . وتأمل إن قدمت التجارة مع الرؤية لأنها أهم وأخرت مع التفضيل ~~لتقع النفس أولا على الأبين، وهذه الآية، قيام الخطيب، وأول من استراح في ~~الخطبة عثمان، وأول من جلس معاوية وخطب جالسا، والرازق صفة فعل، وقد يتصف ~~بها بعض البشر تجوزا إذا كان سبب رزق الحيوان، والله تعالى خير الرازقين. # نجز تفسير سورة الجمعة والحمد ms3510 لله كثيرا. PageV05P310 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المنافقون # وهي مدنية بإجماع، وذلك أنها نزلت في غزوة بني المصطلق بسبب أن عبد الله ~~بن أبي ابن سلول، كانت منه في تلك الغزوة أقوال، وكان له أتباع يقولون ~~قوله، فنزلت السورة كلها بسبب ذلك، ذكر الله تعالى فيها ما تقدم من ~~المنافقين من خلفهم وشهادتهم في الظاهر بالإيمان وأنهم كذبة، وذكر فيها ما ~~تأخر منهم ووقع في تلك الغزوة، وسيأتي بيان ذلك فصلا فصلا عند تفسير الآيات ~~إن شاء الله. # قوله عز وجل: ### || [سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون (4) # فضح الله تعالى بهذه الآية سريرة المنافقين، وذلك أنهم كانوا يقولون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم نشهد إنك لرسول الله، وهم في إخبارهم هذا ~~كاذبون، لأن حقيقة الكذب أن يخبر الإنسان بضد ما في قلبه، وكسرت الألف من ~~«إن» في الثلاثة، لدخول اللام المؤكدة في الخبر، وذلك لا يكون مع المفتوحة، ~~وقوله: نشهد وما جرى مجراها من أفعال اليقين، والعلم يجاب بما يجاب به ~~القسم، وهي بمنزلة القسم، وقرأ الناس: «أيمانهم» جميع يمين، وقرأ الحسن بن ~~أبي الحسن بخلاف «إيمانهم» ، بكسر الألف، أي هذا الذي تظهرون، وهذا على حذف ~~مضاف، تقديره: إظهار إيمانهم، والجنة: ما يستتر به في الأجرام والمعاني، ~~وقوله تعالى: فصدوا يحتمل أن يكون غير متعد تقول: صد زيد، ويحتمل أن يكون ~~متعديا كما قال: # صددت الكأس عنا أم عمرو والمعنى: صدوا غيرهم ممن كان يريد الإيمان أو من ~~المؤمنين في أن يقاتلوهم وينكروا عليهم، PageV05P311 # وتلك سبيل الله فيهم، وقد تقدم تفسير نظير هذه ms3511 الآية، وقوله تعالى: ذلك ~~إشارة إلى فعل الله تعالى في فضيحتهم وتوبيخهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى ~~سوء ما عملوا، فالمعنى ساء عملهم أن كفروا بعد إيمانهم، وقوله تعالى: آمنوا ~~ثم كفروا إما أن يريد به منهم من كان آمن ثم نافق بعد صحة من إيمانه، وقد ~~كان هذا موجودا، وإما أن يريدهم كلهم، فالمعنى ذلك أنهم أظهروا الإيمان ثم ~~كفروا في الباطن أمرهم فسمى ذلك الإظهار إيمانا، وقرأ بعض القراء: «فطبع» ~~على بناء الفعل للفاعل، وقرأ جمهور القراء: # «فطبع» بضم الطاء على بنائه للمفعول بغير إدغام. وأدغم أبو عمرو، وقرأ ~~الأعمش: «فطبع الله» ، وعبر بالطبع عما خلق في قلوبهم من الريب والشك وختم ~~عليهم به من الكفر والمصير إلى النار، وقوله تعالى: # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم توبيخ لهم لأنهم ~~كانوا رجالا أجمل شيء وأفصحه، فكان نظرهم يروق وقولهم يخيب، ولكن الله ~~تعالى جعلهم «كالخشب المسندة» ، وإنما هي أجرام لا عقول لها، معتمدة على ~~غيرها، لا تثبت بأنفسها، ومنه قولهم: تساند القوم إذا اصطفوا وتقابلوا ~~للقتال، وقد يحتمل أن يشبه اصطفافهم في الأندية باصطفاف الخشب المسندة ~~وخلوهم من الأفهام النافعة خلو الخشب من ذلك، وقال رجل لابن سيرين: رأيتني ~~في النوم محتضنا خشبة، فقال ابن سيرين: أظنك من أهل هذه الآية وتلا: كأنهم ~~خشب مسندة. وقرأ عكرمة وعطية: «يسمع» مضمومة بالياء، وقرأ نافع وابن عامر ~~وحمزة وعاصم: «خشب» بضم الخاء والشين، وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي: «خشب» ~~بضم الخاء وإسكان الشين وهي قراءة البراء بن عازب واختيار ابن عبيد. وقرأ ~~سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: # «خشب» بفتح الخاء والشين، وذلك كله جمع خشبة بفتح الخاء والشين، ~~فالقراءتان أولا كما تقول: بدنة وبدن وبدن: قاله سيبويه، والأخيرة على ~~الباب في تمرة وتمر. # وكان عبد الله بن أبي من أبهى المنافقين وأطولهم، ويدل على ذلك أنه لم ~~يوجد قميص يكسو العباس غير قميصه، وقد تقدم في سورة البقرة تحرير أمر ~~المنافقين وكيف سترهم الإسلام. # وقوله تعالى: يحسبون ms3512 كل صيحة عليهم، فضح أيضا لما كانوا يسرونه من الخوف، ~~وذلك أنهم كانوا يتوقعون أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله بقتلهم، ~~وقال مقاتل: فكانوا متى سمعوا نشدان ضالة أو صياحا بأي وجه كان أو أخبروا ~~بنزول وحي طارت عقولهم حتى يسكن ذلك. ويكون في غير شأنهم، وجرى هذا اللفظ ~~مثلا في الخائف، ونحو قول الشاعر [بشار بن برد العقيلي] : [الوافر] # يروعه السرار بكل أرض ... مخافة أن يكون به السرار # وقول جرير: [الكامل] # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا # ثم أخبر تعالى بأنهم العدو وحذر منهم، والعدو يقع للواحد والجمع، وقوله ~~تعالى: # قاتلهم الله دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة، وتمني الشر لهم، وقوله تعالى: ~~أنى يؤفكون معناه: # كيف يصرفون، ويحتمل أن يكون أنى استفهاما، كأنه قال كيف يصرفون أو لأي ~~سبب لا يرون PageV05P312 # أنفسهم، ويحتمل أن يكون: أنى ظرفا ل قاتلهم كأنه قال قاتلهم الله، كيف ~~انصرفوا أو صرفوا، فلا يكون في القول استفهام على هذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة المنافقون (63) : الآيات 5 الى 8] # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ~~(7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) # كان أمر عبد الله بن أبي ابن سلول، أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة بني المصطلق، فبلغ الناس إلى ماء سبق إليه المهاجرون وكأنهم ~~غلبوا الأنصار عليه بعض الغلبة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: قد كنت قلت ~~لكم في هؤلاء الجلابيب ما قلت فلم تسمعوا مني، وكان المنافقون ومن لا يتحرى ~~يسمي المهاجرين الجلابيب ومنه قول حسان بن ثابت: [البسيط] # أرى الجلابيب قد عزوا وقد ms3513 كثروا ... وابن القريعة أمسى بيضة البلد # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتحض علينا يا حسان» ، ثم إن الجهجاه ~~الغفاري كان أجيرا لعمر بن الخطاب ورد الماء بفرس لعمر، فازدحم هو وسنان بن ~~وبرة الجهني وكان حليفا للأوس فكسع الجهجاه سنانا، فغضب سنان فتأثروا، ودعا ~~الجهجاه: يا للمهاجرين، ودعا سنان: يا للأنصار، فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية» ، فلما أخبر بالقصة، قال: «دعوها ~~فإنها منتنة» . واجتمع في الأمر عبد الله بن أبي في قوم من المنافقين، وكان ~~معهم زيد بن أرقم فتى صغيرا لم يتحفظ منه، فقال عبد الله بن أبي: أوقد ~~تداعوا علينا فو الله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، ~~وقال لهم: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال لهم: إنما ~~يقيم هؤلاء المهاجرون مع محمد بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك ~~عنهم لفروا، فذهب زيد بن أرقم إلى عمه وكان في حجره وأخبره، فأتى به إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «يا زيد، غضبت على الرجل أو لعلك وهمت» ، فأقسم زيد ما كان شيء من ~~ذلك، ولقد سمع من عبد الله بن أبي ما حكى، فعاتب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رسول الله بن أبي عند رجال من الأنصار، فبلغه ذلك، فجاء وحلف ما قال، ~~وكذب زيدا، وحلف معه قوم من المنافقين، فكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زيدا، وصدق عبد الله بن أبي، فبقي زيد في منزله لا يتصرف حياء من الناس، PageV05P313 # فنزلت هذه السورة عند ذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيد ~~وقال له: «لقد صدقك الله يا زيد ووفت أذنك» ، فخزي عند ذلك عبد الله بن أبي ~~ابن سلول، ومقته الناس، ولامه المؤمنون من قومه وقال بعضهم: امض إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، واعترف بذنبك يستغفر لك، فلوى رأسه إنكارا لهذا ~~الرأي، وقال لهم: ms3514 لقد أشرتم علي بأن أعطي زكاة من مالي ففعلت، ولم يبق لكم ~~إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد. # قال القاضي أبو محمد: فهذا هو قصص هذه السورة موجزا، و «تعال» نداء يقتضي ~~لفظه أنه دعاء الأعلى للأسفل، ثم استعمل لكل داع لما فيه من حسن الأدب. ~~وقرأ نافع والمفضل عن عاصم «لووا» بتخفيف الواو، وهي قراءة الحسن بخلاف ~~ومجاهد، وأهل المدينة، وقرأ الباقون وأبو جعفر والأعمش: # «لووا» بشد الواو على تضعيف المبالغة، وهي قراءة طلحة وعيسى وأبي رجاء ~~وزر والأعرج، وقرأ بعض القراء هنا: «يصدون» بكسر الصاد، والجمهور بضمها، ~~وقوله تعالى: سواء عليهم الآية، روي أنه لما نزلت: إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم [التوبة: 80] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «لأزيدن على السبعين» ، وفي حديث آخر: «لو علمت أني إن زدت على السبعين ~~غفر لهم لزدت» ، فكأنه عليه السلام رجا أن هذا الحد ليس على جهة الحتم ~~جملة، بل على أن ما يجاوزه يخرج عن حكمه، فلما فعل ابن أبي وأصحابه ما ~~فعلوا شدد الله تعالى عليهم في هذه السورة، وأعلم أنه لن يغفر لهم دون حد ~~في الاستغفار، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أعلم أني إن زدت ~~غفر لهم» نص على رفض دليل الخطاب. # وقرأ جمهور الناس: «أستغفرت» بالقطع وألف الاستفهام، وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع: «آستغفرت» بمد على الهمزة وهي ألف التسوية، وقرأ أيضا: بوصل الألف ~~دون همز على الخبر، وفي هذا كله ضعف لأنه في الأولى: أثبت همزة الوصل، وقد ~~أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية: حذف همزة الاستفهام وهو يريدها ~~وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر. # وقوله تعالى: هم الذين أشار عبد الله بن أبي ومن قال بقوله، قاله علي بن ~~سليمان ثم سفه أحلامهم في أن ظنوا إنفاقهم هو سبب رزق المهاجرين ونسوا أن ~~جريان الرزق بيد الله تعالى، إذا انسد باب انفتح غيره، وقرأ الفضل بن عيسى ~~الرقاشي: «حتى ينفضوا» بضم الياء وتخفيف الفاء، يقال: ms3515 «أنفض» الرجل إذا فني ~~طعامه فنفض وعاءه والخزائن موضع الإعداد، ونجد القرآن قد نطق في غير موضع ~~بالخزائن ونجد في الحديث: «خزنة الربح» وفي القرآن: من جبال فيها من برد ~~[النور: 43] ، فجائز أن تكون هذه عبارة عن القدرة وأن هذه الأشياء إيجادها ~~عند ظهورها جائز. وهو الأظهر. إن منها أشياء مخلوقة موجودة يصرفها الله ~~تعالى حيث شاء، وظواهر ألفاظ الشريعة تعطي هذا. ومعناه في التفسير قال عتت ~~على الخزان، وفي الحديث: «ما انفتح من خزائن الربح على قوم عاد إلا قدر ~~حلقة الخاتم، ولو انفتح مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا» ، وقال رجل لحاتم ~~الأصم: من أين تأكل، فقرأ: ولله خزائن السماوات والأرض، وقال الجنيد: خزائن ~~السماء: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب: وقرأ الجمهور: PageV05P314 # «ليخرجن الأعز» بضم الياء وكسر الراء بمعنى أن العزيز يخرج الذليل ~~ويبعده، وقال أبو حاتم: وقرىء «لنخرجن» بنون الجماعة مفتوحة، وضم الراء، ~~«الأعز» نصبا منها، «الأذل» أيضا نصبا على الحال، وذكرها أبو عمر الداني عن ~~الحسن، ورويت هذه القراءة: «لنخرجن» بضم النون وكسر الراء، وقرأ قوم فيما ~~حكى الفراء والكسائي، وذكرها المهدوي: «ليخرجن الأعز منها الأذل» بفتح ~~الياء وضم الراء. ونصب «الأذل» على الحال بمعنى: أن نحن الذين كنا أعزة ~~سنخرج أذلاء، وجاءت هذه الحال معرفة، وفيها شذوذ، وحكى سيبويه: أدخلوا ~~الأول فالأول، ثم أعلم تعالى أن العزة لله وللرسول وللمؤمنين، وفي ذلك ~~وعيد، وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان رجلا صالحا لما سمع ~~الآية، جاء إلى أبيه فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول الله العزيز، ~~فلما وصل الناس إلى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله على باب السكة التي ~~يسلكها أبوه، وجرد السيف ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت إلى منزلك إلا ~~أن يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله ابن أبي في أذل ~~الرجال، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليه أن خله يمض إلى ~~منزله، فقال: أما الآن فنعم، فمضى إلى ms3516 منزله. # قوله عز وجل: ### || [سورة المنافقون (63) : الآيات 9 الى 11] # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11) # الإلهاء الإشغال بملتذ وشهوة، وذكر الله هنا عام في الصلاة والتوحيد ~~والدعاء، وغير ذلك من فرض ومندوب، وهذا قول الحسن وجماعة من المفسرين، وقال ~~الضحاك وعطاء وأصحابه: المراد بالذكر: # الصلاة المكتوبة، والأول أظهر، وكذلك قوله تعالى: وأنفقوا من ما رزقناكم، ~~قال جمهور من المتأولين: # المراد الزكاة، وقال آخرون: ذلك عام في مفروض ومندوب. وقوله: يأتي أحدكم ~~الموت أي علاماته، وأوائل أمره وقوله: لولا أخرتني إلى أجل قريب، طلب للكرة ~~والإمهال، وفي مصحف أبي بن كعب: # «آخرتن» بغير ياء، وسماه قريبا لأنه آت، وأيضا فإنما يتمنى ذلك ليقضي فيه ~~العمل الصالح فقط، وليس يتسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونضرته، وفي مصحف أبي: ~~«فأتصدق» ، وقوله: وأكن من الصالحين ظاهره العموم، فقال ابن عباس هو الحج، ~~وروي عنه أنه قال في مجلسه يوما: ما من رجل لا يؤدي الزكاة ولا يحج إلا طلب ~~الكرة عند موته فقال له رجل: أما تتقي الله المؤمن بطلب الكرة؟ فقال له ابن ~~عباس: # نعم، وقرأ الآية، وقرأ جمهور السبعة والناس: «وأكن» بالجزم عطفا على ~~الموضع، لأن التقدير: «إن تؤخرني أصدق، وأكن» ، هذا مذهب أبي علي، فأما ما ~~حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا وهو جزم «أكن» على توهم الشرط الذي يدل ~~عليه التمني، ولا موضع هنا، لأن الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف PageV05P315 # على الوضع حيث يظهر الشرط كقوله تعالى: من يضلل الله فلا هادي له ~~[الأعراف: 186] ، ونذرهم، فمن قرأ بالجزم عطف على موضع فلا هادي له ~~[الأعراف: 186] ، لأنه وقع هنالك فعل كان مجزوما، وكذلك من قرأ: «ونكفر» ~~بالجزم عطفا على موضع فهو خير لكم، وقرأها أبو عمرو ms3517 وأبو رجاء والحسن وابن ~~أبي إسحاق، ومالك بن دينار وابن محيصن والأعمش وابن جبير وعبيد الله بن ~~الحسن العنبري، قال أبو حاتم، وكان من العلماء الفصحاء: «وأكون» بالنصب ~~عطفا على فأصدق، وقال أبو حاتم في كتبها في المصحف بغير واو، وإنهم حذفوا ~~الواو كما حذفوها من «أبجد» وغيره، ورجحها أبو علي، وفي مصحف أبي بن كعب ~~وابن مسعود: «فأتصدق وأكن» وفي قوله تعالى: ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها، حض على المبادرة ومسابقة الأجل بالعمل الصالح، وقرأ السبعة ~~والجمهور: «تعملون» بالتاء على المخاطبة لجميع الناس، وقرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر: «بما يعملون» بالياء على تخصيص الكفار بالوعيد. PageV05P316 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التغابن # قال بعض المفسرين: هي مدنية، وقال آخرون: هي مكية، إلا من قوله عز وجل: ~~يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم ... [التغابن: 14] إلى آخر ~~السورة فإنه مدني. وذكر الثعلبي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ما من مولود يولد إلا في تشابيك رأسه خمس آيات من فاتحة سورة التغابن. # قوله عز وجل: ### || [سورة التغابن (64) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) ~~خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) # قوله تعالى: وهو على كل شيء قدير عموم معناه التنبيه، والشيء: الموجود، ~~وقوله: هو الذي خلقكم تعديد نعمة، والمعنى فمنكم كافر لنعمته في الإيجاد ~~حين لم يوجد كافر لجهله بالله تعالى، ومنكم مؤمن بالله، والإيمان به شكر ~~لنعمته، فالإشارة في هذا التأويل في الإيمان والكفر هي إلى اكتساب العبد، ~~هذا قول جماعة من المتأولين، وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ~~مولود يولد على الفطرة» ، وقوله تعالى: فطرت الله التي فطر الناس عليها ~~[الروم: 30] ، وكأن العبارة ms3518 في قوله تعالى: فمنكم تعطي هذا، وكذلك يقويه ~~قوله: والله بما تعملون بصير. وقيل: المعنى «خلقكم منكم مؤمن ومنكم كافر» ~~في أصل الخلق فهي جملة في موضع الحال، فالإشارة على هذا في الإيمان والكفر ~~هي إلى اختراع الله تعالى وخلقه، وهذا تأويل ابن مسعود وأبي ذر، ويجري مع ~~هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يكون في بطن أمه نطفة ~~أربعين يوما، ثم علقة أربعين يوما، ثم مضغة أربعين يوما، ثم يجيء الملك ~~فيقول يا رب: أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ # فيكتب ذلك في بطن أمه» فقوله في الحديث: «أشقي أم سعيد» هو في هذه الآية: ~~فمنكم كافر ومنكم مؤمن ويجري مع هذا المعنى قوله في الغلام الذي قتله ~~الخضر: إنه طبع يوم طبع كافرا، وما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال: ~~«خلق الله فرعون في البطن كافرا وخلق يحيى بن زكرياء مؤمنا» وقال عطاء بن PageV05P317 # أبي رباح: فمعنى الآية: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومؤمن بالله كافر ~~بالكوكب، وقدم الكافر لأنه أعرف من جهة الكثرة، وقوله تعالى: بالحق أي حين ~~كان خلقها محقوقا في نفسه ليست عبثا ولا لغير معنى. # وقرأ جمهور الناس: «صوركم» بضم الصاد، وقرأ أبو رزين: «صوركم» بكسرها، ~~وهذا تعديد النعمة في حسن الخلقة، لأن أعضاء ابن آدم متصرفة لجميع ما تتصرف ~~به أعضاء الحيوان، وبزيادات كثيرة فضل بها ثم هو مفضل بحسن الوجه، وجمال ~~الجوارح، وحجة هذا قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين: 4] ~~، وقال بعض العلماء: النعمة المعددة هنا إنما هي صورة الإنسان من حيث هو ~~إنسان مدرك عاقل، فهذا هو الذي حسن له حتى لحق ذلك كمالات كثيرة. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أحرى في لغة العرب، لأنها لا تعرف ~~الصور إلا الشكل، وذكر تعالى علمه بما في السماوات والأرض، فعم عظام ~~المخلوقات، ثم تدرج القول إلى أخفى من ذلك وهو جميع ما يقوله الناس في سر ~~وفي علن، ثم تدرج ms3519 إلى ما هو أخفى، وهو ما يهجس بالخواطر، وذات الصدور: ما ~~فيها من خطرات واعتقادات كما يقال: الذئب مغبوط بذي بطنه، كما قال أبو بكر ~~رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة، و «الصدور» هنا عبارة عن القلب، ~~إذا القلب في الصدر. # قوله عز وجل: ### || [سورة التغابن (64) : الآيات 5 الى 7] # ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7) # يأتكم جزم وأصله «يأتيكم» قال سيبويه: واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في ~~الرفع حذف في الجزم، والخطاب في هذه الآية لقريش، ذكروا بما حل بعاد وثمود ~~وقوم إبراهيم وغيرهم ممن سمعت قريش أخبارهم، و «وبال الأمر» : مكروهه، وما ~~يسوء منه، وقوله تعالى: ذلك بأنه إشارة إلى ذوق الوبال، وكون عذاب الآخرة ~~لهم، ثم ذكر تعالى من مقالة أولئك الماضين ما هو مشبه لقول كفار قريش من ~~استبعاد بعث الله للبشر، ونبوة أحد من بني آدم، وحسد الشخص المبعوث، وقوله: ~~أبشر رفع بالابتداء، وجمع الضمير في قوله: يهدوننا من حيث كان البشر اسم ~~هذا النوع الآدمي، كأنهم قالوا أناس هداتنا؟ وقوله تعالى: استغنى الله ~~عبارة عما ظهر من هلاكهم، وأنهم لن يضروا الله شيئا، فبان أنه كان غنيا ~~أزلا وبسبب ظهور هلاكهم بعد أن لم يكن ظاهرا ساغ استعمال هذا البناء مسندا ~~إلى اسم الله تعالى، لأن بناء استفعل إنما هو لطلب الشيء وتحصيله بالطلب، ~~وقوله تعالى: زعم الذين كفروا PageV05P318 # يريد قريشا ثم هي بعد تعم كل كافر بالبعث، وقال عبد الله بن عمر: الزعم: ~~كنية الكذب، وقال عليه السلام: بئس مطية الرجل زعموا، ولا توجد «زعم» ~~مستعملة في فصيح من الكلام إلا عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله ~~فيريد ناقله أن يبقي عهدته على الزاعم، ففي ذلك ms3520 ما ينحو إلى تضعيف الزعم، ~~وقول سيبويه: زعم الخليل إنما يجيء فيما انفرد الخليل به، ثم أمره تعالى أن ~~يجيب نفيهم يما يقتضي الرد عليه إيجاب البعث وأن يؤكد ذلك بالقسم، ثم ~~توعدهم تعالى في آخر الآية بأنهم يخبرون بأعمالهم على جهة التوقيف ~~والتوبيخ، المؤدي إلى العقاب. # قوله عز وجل: ### || [سورة التغابن (64) : الآيات 8 الى 11] # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم ~~يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه ~~سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير (10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~والله بكل شيء عليم (11) # هذا دعاء إلى الله تعالى وتبليغ وتحذير من يوم القيامة، و «النور» القرآن ~~ومعانيه، والعامل في قوله يوم يجمعكم يحتمل أن تكون لتنبؤن [التغابن: 7] ، ~~ويحتمل أن تكون خبير، وهو تعالى خبير في كل يوم، ولكن يخص ذلك اليوم، لأنه ~~يوم تضرهم فيه خبرة الله تعالى بأمورهم، وقرأ جمهور السبعة: # «يجمعكم» بضم العين، وقرأ أبو عمر بسكونها، وروي عنه أنه أشمها الضم وهذا ~~على جواز تسكين الحركة وإن كانت لإعراب، كما قال جرير: ولا تعرفكم العرب، ~~وقرأ سلام ويعقوب: «نجمعكم» بالنون وضم العين، و: يوم الجمع هو يوم ~~القيامة، وهو يوم التغابن، وذلك أن كل واحد ينبعث من قبره وهو يرجو حظا ~~ومنزلة، فإذا وقع الجزاء غبن المؤمنون الكافرين لأنهم يحوزون الجنة ويحصل ~~الكفار في النار، نحا هذا المنحى مجاهد وغيره، وليس هذا الفعل من التغابن ~~من اثنين، بل كتواضع وتحامل، وقرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم: «نكفر ~~عنه» بنون وكذلك: «ندخله» ، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن بخلاف ~~وطلحة، وقرأ الباقون والأعمش وعيسى والحسن في الموضعين بالياء على معنى ~~يكفر الله، والأول هو نون العظمة وقوله تعالى: ما أصاب من مصيبة يحتمل أن ~~يريد المصائب التي هي رزايا ms3521 وخصها بالذكر بأنها الأهم على الناس والأبين ~~أثرا في أنفسهم، ويحتمل أن يريد جميع الحوادث من خير وشر، وذلك أن الحكم ~~واحد في أنها بإذن الله، والإذن في هذا الموضع عبارة عن العلم والإرادة ~~وتمكين الوقوع، وقوله تعالى: ومن يؤمن بالله يهد قلبه قال فيه المفسرون ~~المعنى: ومن آمن وعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وعلمه، هانت عليه مصيبته ~~وسلم الأمر لله تعالى. # وقرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مصرف: «نهد» بالنون، وقرأ الضحاك: «يهد قلبه» ~~برفع الياء. وقرأ عكرمة PageV05P319 # وعمرو بن دينار: «يهدأ» برفع القلب، وروي عن عكرمة أنه سكن بدل الهمزة ~~ألفا، على معنى أن صاحب المصيبة يسلم فتسكن نفسه، ويرشد الله المؤمن به إلى ~~الصواب في الأمور. وقوله تعالى: والله بكل شيء عليم عموم مطلق على ظاهره. # قوله عز وجل: ### || [سورة التغابن (64) : الآيات 12 الى 15] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~(12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ~~فإن الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ~~(15) # قوله تعالى: وأطيعوا عطف على فآمنوا [التغابن: 8] ، وقوله تعالى: فإن ~~توليتم ... إلى إلى آخر الآية. وعيد وتربية لمحمد صلى الله عليه وسلم إذا ~~بلغ، وفي قوله تعالى: وعلى الله فليتوكل المؤمنون تحريض للمؤمنين على ~~مكافحة الكفار والصبر على دين الله، وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن ~~من أزواجكم ... إلى آخر السورة قرآن مدني، اختلف الناس في سببه، فقال عطاء ~~بن أبي رباح: إنه نزل في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أراد غزوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فاجتمع أهله وأولاده فثبطوه وتشكوا إليه فراقه، فرق ~~ولم يغز، ثم إنه ندم وهم بمعاقبتهم، فنزلت الآية بسببه محذرة من الأزواج ~~والأولاد وفتنتهم، ثم صرفه تعالى عن معاقبتهم بقوله: وإن تعفوا وتصفحوا ~~وقال بعض المفسرين سبب الآية: إن قوما آمنوا بالله وثبطهم أزواجهم ms3522 وأولادهم ~~عن الهجرة فلم يهاجروا إلا بعد مدة، فوجدوا غيرهم قد تفقه في الدين، فندموا ~~وأسفوا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم، ثم أخبر تعالى أن الأموال ~~والأولادتنة # تشغل المرء عن مراشده وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا يحمده في ~~آخرته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «الولد مجبنة» (مبخلة) ، وخرج أبو ~~داود حديثا في مصنفه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يخطب يوم الجمعة ~~على المنبر حتى جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يجرانهما يعثران ~~ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر حتى أخذهما وصعد ~~بهما، ثم قرأ: نما أموالكم وأولادكم فتنة # الآية، وقال إني رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته. # قال القاضي أبو محمد: وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء، فأما فتنة الجهال ~~والفسقة، فمؤدية إلى كل فعل مهلك، وقال ابن مسعود: لا يقول أحدكم اللهم ~~اعصمني عن الفتنة فإنه ليس يرجع أحد إلى أهل ومال إلا وهو مشتمل على فتنة، ~~ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. وقال عمر لحذيفة: كيف أصبحت؟ ~~فقال: أصبحت أحب الفتنة وأكره الحق، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: أحب ولدي ~~وأكره الموت. # وقوله تعالى: الله عنده أجر عظيم # تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. PageV05P320 # قوله عز وجل: ### || [سورة التغابن (64) : الآيات 16 الى 18] # فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر ~~لكم والله شكور حليم (17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) # قال قتادة وفريق من الناس: إن قوله: فاتقوا الله ما استطعتم ناسخ لقوله: ~~اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] ، وروي أن الأمر بحق التقاة نزل، فشق ~~ذلك على الناس حتى نزل: ما استطعتم، وذهبت فرقة منهم أبو جعفر النحاس إلى ~~أنه لا نسخ في الآيتين، وأن قوله: حق تقاته [آل عمران: 102] مقصده «فيما ~~استطعتم» ، ولا يعقل أن يطيع أحد فوق طاقته واستطاعته، فهذه على هذا ~~التأويل مبينة لتلك، وتحتمل ms3523 هذه الآية أن يكون: فاتقوا الله مدة استطاعتكم ~~التقوى، وتكون: ما ظرفا للزمان كله كأنه يقول: حياتكم وما دام العمل ممكنا، ~~وقوله: خيرا ذهب بعض النحاة إلى أنه نصب على الحال وفي ذلك ضعف، وذهب آخرون ~~منهم إلى أنه نصب بقوله: وأنفقوا قالوا والخبر هنا: المال، وذهب فريق منهم ~~إلى أنه نعت لمصدر محذوف، تقديره: إنفاقا خيرا، ومذهب سيبويه: # أنه نصب بإضمار فعل يدل عليه أنفقوا. # وقرأ أبو حيوة: «يوق» بفتح الواو وشد القاف، وقرأ أبو عمرو «شح» بكسر ~~الشين، وقد تقدم القول في: «شح» النفس ما هو في سورة الحشر. وقال الحسن: ~~نظرك لامرأة لا تملكها شح، وقيل: يا رسول الله: ما يدخل العبد النار؟ قال: ~~«شح مطاع، وهوى متبع، وجبن هالع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة ~~نفسك» . # وقرأ جمهور السبعة: «تضاعفه» وقرأ ابن كثير وابن عامر: «يضاعفه» ، وذهب ~~بعض العلماء إلى أن هذا الحض هو على أداء الزكاة المفروضة، وذهب آخرون منهم ~~إلى أن الآية، في المندوب إليه وهو الأصح إن شاء الله. # وقوله تعالى: والله شكور إخبار بمجرد شكره تعالى على الشيء اليسير، وأنه ~~قد يحط به عن من يشاء الحوب العظيم لا رب غيره. PageV05P321 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطلاق # وهي مدنية بإجماع أهل التفسير. # قوله عز وجل: ### || سورة الطلاق (65) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~(1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) # الطلاق على الجملة مكروه، ms3524 لأنه تبديد شمل في الإسلام، وروى أبو موسى ~~الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، ~~فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات» . وروى أنس أنه عليه السلام قال: ~~«ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق» . واختلف في ندائه النبي. ثم ~~قوله تعالى بعد ذلك: طلقتم، فقال بعض النحويين حكاه الزهراوي، في ذلك خروج ~~من مخاطبة أفراد إلى مخاطبة جماعة، وهذا موجود، وقال آخرون منهم في نداء ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أريدت أمته معه، فلذلك قال: إذا طلقتم، وقال ~~آخرون منهم إن المعنى: يا أيها النبي قل لهم إذا طلقتم، وقال آخرون إنه من ~~حيث يقول الرجل العظيم فعلنا وصنعنا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم ب طلقتم ~~إظهارا لتعظيمه، وهذا على نحو قوله تعالى في عبد الله بن أبي: هم الذين ~~يقولون [المنافقون: 7] إذا كان قوله مما يقوله جماعة، فكذلك النبي في هذه ~~ما يخاطب به فهو خطاب الجماعة. # قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر لي في هذا أنهما خطابان مفترقان، خوطب ~~النبي على معنى تنبيهه لسماع القول وتلقي الأمر ثم قيل له: إذا طلقتم، أي ~~أنت وأمتك، فقوله: إذا طلقتم، ابتداء كلام لو ابتدأ السورة به، وطلاق ~~النساء: حل عصمتهن وصورة ذلك وتنويعه مما لا يختص بالتفسير، وقوله PageV05P322 # تعالى: فطلقوهن لعدتهن أي لاستقبال عدتهن وقوامها وتقريبها عليهن، وقرأ ~~عثمان وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله ومجاهد وعلي بن الحسين وزيد ~~بن علي وجعفر بن محمد: «فطلقوهن في قبل عدتهن» ، وروي عن بعضهم وعن ابن عمر ~~«لقبل طهرهن» ، ومعنى هذه الآية، أن لا يطلق أحد امرأته إلا في طهر لم ~~يمسها فيه، هذا على مذهب مالك وغيره ممن قال: بأن الأقراء الاطهار فيطلق ~~عندهم المطلق في طهر لم يمس فيه وتعتد به المرأة، ثم تحيض حيضتين تعتد ~~بالطهر الذي بينهما، ثم يقيم في الطهر الثالث معتدة به، فإذا رأت أول ~~الحيضة الثالثة حلت، ومن قال: بأن الإقراء الحيض ms3525 وهم العراقيون قال: ~~لعدتهن، معناه أن تطلق طاهرا، فتستقبل ثلاث حيض كوامل، فإذا رأت الطهر بعد ~~الثالثة حلت ويخف عند هؤلاء مس في طهر الطلاق أو لم يمس، وكذلك مالك يقول: ~~إن طلق في طهر قد مس فيه معنى الطلاق، ولا يجوز طلاق الحائض، لأنها تطول ~~العدة عليها، وقيل بل ذلك تعبد ولو علل بالتطويل لا ينبغي أن يجوز إذا ~~رضيته، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر: «مره فليراجعها ثم ~~ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر ~~الله تعالى أن يطلق لها النساء» . وروى حذيفة أنه عليه السلام قال: «طلقوا ~~المرأة في قبل طهرها» ، ثم أمره تعالى بإحصاء العدة لما يلحق ذلك من أحكام ~~الرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك، ثم أخبر تعالى بأنهن أحق بسكنى بيوتهن ~~التي طلقن فيها، فنهى عن إخراجهن وعن خروجهن، وسنة ذلك أن لا تبيت المرأة ~~المطلقة عن بيتها ولا تغيب عنه نهارا إلا في ضرورة، ومما لا خطب له من جائز ~~التصرف وذلك لحفظ النسب والتحرز بالنساء، فإن كان البيت ملكا للزوج أو ~~بكراء منه فهذا حكمه، فإن كان لها فعليه الكراء، فإن كان قد أمتعته طول ~~الزوجية ففي لزوم خروج العدة له قولان في المذهب اللزوم رعاية لانفصال ~~مكارمة النكاح، والسقوط من أجل العدة من سبب النكاح، واختلف الناس في معنى ~~قوله: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فقال قتادة والحسن ومجاهد: # ذلك الزنا فيخرجن للحد، وهذا قول الشعبي وزيد بن أسلم وحماد والليث، وقال ~~ابن عباس: ذلك النداء على الإحماء، فتخرج ويسقط حقها من السكنى وتلزم ~~الإقامة في مسكن يتخذه حفظا للنسب. وفي مصحف أبي بن كعب «إلا أن يفحشن ~~عليكم» ، وقال ابن عباس أيضا الفاحشة جميع المعاصي، فمن سرقت أو قذفت أو ~~زنت أو أربت في تجارة وغير ذلك فقد سقط حقها في السكنى، وقال السدي وابن ~~عمر: ms3526 # الفاحشة الخروج عن البيت، خروج انتقال، فمتى فعلت ذلك، فقد سقط حقها في ~~السكنى، وقال قتادة أيضا: المعنى أن يأتين بفاحشة في نشوز عن الزوج فيطلق ~~بسبب ذلك، فلا يكون عليه سكنى. وقال بعض الناس الفاحشة متى وردت معرفة فهي ~~الزنا، ومتى جاءت منكرة فهي المعاصي يراد بها سوء عشرة الزوج ومرة غير ذلك، ~~وقرأ عاصم: «مبينة» بفتح الياء المشددة تقول: بان الأمر وبينته أنا على ~~تضعيف التعدية، وقرأ الجمهور: «مبينة» بكسر الياء، تقول بان الشيء وبين ~~بمعنى واحد، إلا أن التضعيف للمبالغة، ومن ذلك قولهم قد بين الصبح لذي ~~عينين وقوله تعالى: وتلك حدود الله إشارة إلى جميع أوامره في هذه الآية، ~~وقوله تعالى: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، قال قتادة وغيره: يريد ~~به الرجعة، أي أحصوا العدة وامتثلوا هذه الأوامر المتفقة لنسائكم PageV05P323 # الحافظة لأنسابكم، وطلقوا على السنة تجدوا المخلص إن ندمتم فإنكم لا ~~تدورن لعل الرجعة تكون بعد، والإحداث في هذه الآية بين التوجه عبارة عما ~~يوجد من التراجع، وجوز قوم أن يكون المعنى أمرا من النسخ، وفي ذلك بعد، ~~وقوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن يريد به آخر القروء، و «الإمساك بالمعروف» : # هو حسن العشرة في الإنفاق وغير ذلك، و «المفارقة بالمعروف» : هو أداء ~~المهر والتمتيع ودفع جميع الحقوق والوفاء بالشروط وغير ذلك حسب نازلة، ~~وقوله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم يريد على الرجعة، وذلك شرط في صحة ~~الرجعة، وللمرأة منع الزوج من نفسها حتى يشهد، وقال ابن عباس المراد على ~~الرجعة، والطلاق، لأن الإشهاد يرفع من النوازل إشكالات كثيرة، وتقييد تاريخ ~~الإشهاد من الإشهاد، وقال النخعي: العدل: من لم تظهر منه ريبة، وهذا قول ~~الفقهاء، والعدل حقيقة الذي لا يخاف إلا الله، وقوله تعالى: أقيموا الشهادة ~~لله أمر للشهود، وقوله تعالى: ذلكم يوعظ به إشارة إلى إقامة الشهادة، وذلك ~~أن جميع فصول الأحكام والأمور فإنما تدور على إقامة الشهادة، وقوله تعالى: ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. قال علي ms3527 بن أبي طالب ~~وكثير من المتأولين نفي من معنى الطلاق، أي ومن لا يتعدى في الطلاق السنة ~~إلى طلاق الثلاث وغير ذلك يجعل الله له مخرجا إن ندم بالرجعة المباحة ~~ويرزقه ما يطعم أهله ويوسع عليه، ومن لا يتق الله فربما طلق وبت وندم، فلم ~~يكن له مخرج وزال عليه رزق زوجته. وقد فسر ابن عباس نحو هذا فقال للمطلق ~~ثلاثا: أنت لم تتق الله فبانت منك امرأتك ولا أرى لك مخرجا. وقال ابن عباس ~~أيضا معنى: يجعل له مخرجا يخلصه من كرب الدنيا والآخرة، واختلف في ألفاظ ~~رواية هذه القصة، قال ابن عباس للمطلق، لكن هذا هو المعنى، وقال بعض رواة ~~الآثار: نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي وذلك أنه أسر ولده وقدر ~~عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بالتقوى، ~~فقيل: لم يلبث أن تفلت ولده وأخذ قطيع غنم للقوم الذين أسروه، وجاء أباه، ~~فسأل عوف رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتطيب له تلك الغنم؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: نعم. ونزلت الآية في ذلك. وقوله تعالى: ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه، الآيات كلها عظة لجميع الناس، والحسب: الكافي المرضي، ~~وقال ابن مسعود هذه أكثر الآيات حضا على التفويض، وروي أن رجلا قال لعمر: ~~ولني مما ولاك الله، فقال له عمر: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. # قال: فأنا لا أولي من لا يقرأ القرآن. فتعلم الرجل رجاء الولاية، فلما ~~حفظ كثيرا من القرآن تخلف عن عمر فلقيه يوما فقال له عمر ما أبطأ بك؟ قال ~~له تعلمت القرآن، فأغناني الله تعالى عن عمر وعن بابه. ثم قرأ هذه الآيات ~~من هذه السورة. وقوله تعالى: إن الله بالغ أمره بيان وحض على التوكل، أي لا ~~بد من نفوذ أمر الله توكلت أيها المرء أو لم تتوكل قاله مسروق. فإن توكلت ~~كفاك وتعجلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وكلك إلى عجزك وتسخطك، وأمره في ~~الوجهين نافذ، وقرأ داود بن هند ms3528 ورويت عن أبي عمرو «بالغ أمره» برفع الأمر ~~وحذف مفعول تقدير: بالغ أمره ما شاء، وقرأ جمهور السبعة: «بالغ أمره» بنصب ~~الأمر وقرأ حفص والمفضل عن عاصم: «بالغ أمره» على الإضافة وترك التنوين في: ~~«بالغ» ، ورويت عن أبي عمرو، والأعمش، وهي قراءة طلحة بن مصرف، وقرأ جمهور ~~الناس: «قدرا» بسكون الدال، وقرأ بعض القراء: «قدرا» بفتح الدال وهذا كله ~~حض على التوكل. PageV05P324 # قوله عز وجل: ### || [سورة الطلاق (65) : الآيات 4 الى 7] # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا (5) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) # اللائي: هو جمع ذات في ما حكى أبو عبيدة وهو ضعيف، والذي عليه الناس أنه: ~~جمع التي، وقد يجيء جمعا للذي، واليائسات من المحيض على مراتب، فيائسة هو ~~أول يأسها، فهذه ترفع إلى السنة، ويبقيها الاحتياط على حكم من ليست بيائسة، ~~لأنا لا ندري لعل الدم يعود، ويائسة قد انقطع عنها الدم لأنها طعنت في السن ~~ثم طلقت، وقد مرت عادتها بانقطاع الدم، إلا أنها مما يخاف أن تحمل نادرا ~~فهذه التي في الآية على أحد التأويلين في قوله: إن ارتبتم وهو قول من يجعل ~~الارتياب بأمر الحمل وهو الأظهر، ويائسة قد هرمت حتى تتيقن أنها لا تحمل، ~~فهذه ليست في الآية، لأنها لا يرتاب بحملها، لكنها في حكم الأشهر الثلاثة ~~إجماعا فيما علمت، وهي في الآية على تأويل من يرى قوله: إن ارتبتم معناه في ~~حكم اليائسات، وذلك أنه ms3529 روى إسماعيل بن أبي خالد أن قوما منهم أبي بن كعب ~~وخلاد بن النعمان لما سمعوا قول الله عز وجل: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء [البقرة: 228] قالوا يا رسول الله: فما عدة من لا قرء لها من ~~صغر أو كبر؟ فنزلت الآية، فقال قائل منهم: فما عدة الحامل؟ فنزلت: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، وقد تقدم ذكر الخلاف في تأويل: إن ~~ارتبتم، وأولات جمع ذات، وأكثر أهل العلم على أن هذه الآية تعم الحوامل ~~المطلقات والمعتدات من الوفاة والحجة حديث سبيعة الأسلمية قالت: كنت تحت ~~سعد بن خولة فتوفي في حجة الوداع، ووضعت حملها قبل أربعة أشهر، فقال لها ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «قد حللت» وأمرها أن تتزوج، وقال ابن مسعود: # نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى، يعني أن قوله تعالى: وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن نزلت بعد قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] ، وقال ابن عباس وعلي بن ~~أبي طالب: إنما هذه في المطلقات، وأما في الوفاة فعدة الحامل آخر الأجلين ~~إن وضعت قبل أربعة أشهر وعشر تمادت إلى آخرها، والقول الأول أشهر، وعليه ~~الفقهاء، وقرأ الضحاك: «أحمالهن» على الجمع، وأمر الله تعالى بإسكان ~~المطلقات ولا خلاف في ذلك في التي لم تبت. وأما المبتوتة، فمالك رحمه الله ~~يرى لها السكنى لمكان حفظ النسب، ولا يرى لها نفقة، PageV05P325 # لأن النفقة بإزاء الاستمتاع، وهو قول الأوزاعي والشافعي وابن أبي ليلى ~~وابن عبيد وابن المسيب والحسن وعطاء والشعبي وسليمان بن يسار، وقال أصحاب ~~الرأي والثوري: لها السكنى والنفقة، وقال جماعة من العلماء: ليس لها السكنى ~~ولا نفقة. والوجد: السعة في المال، وضم الواو وفتحها وكسرها، هي كلها بمعنى ~~واحد، وقرأ الجمهور: «وجدكم» بضم الواو بمعنى سعة الحال، وقرأ الأعرج فيما ~~ذكر عصمة «وجدكم» بفتح الواو، وذكرها أبو عمرو عن الحسن وأبي حيوة، وقرأ ~~الفياض بن غزوان ويعقوب: بكسر الواو وذكرها المهدوي عن الأعرج وعمرو بن ~~ميمون، وأما الحامل فلا خلاف في ms3530 وجوب سكناها ونفقتها بتت أو لم تبت لأنها ~~مبينة في الآية، واختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها على قولين ~~لعلماء الأمة، فمنعها قوم وأوجبها في التركة قوم، وكذلك النفقة على المرضع ~~واجبة وهي الأجر مع الكسوة وسائر المؤن التي بسطها في كتب الفقه، وقوله ~~تعالى: وأتمروا بينكم بمعروف أي ليأمر كل واحد صاحبه بخير، ولا شك أن من ~~أمر بخير فهو أسرع إلى فعل ذلك الخير وليقبل كل واحد ما أمر به من المعروف، ~~والقبول والامتثال هو الائتمار، وقال الكسائي: أتمروا معناه: تشاوروا، ومنه ~~قوله تعالى: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك [القصص: 20] ، ومنه قول امرئ ~~القيس: # ويعدو على المرء ما يأتمر وقوله تعالى: وإن تعاسرتم أي تشططت المرأة في ~~الحد الذي يكون أجرة على الرضاع، فللزوج أن يسترضع أخرى بما فيه رفقه إلا ~~أن لا يقبل المولود غير أمه فتجبر حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ومثل الزوج ~~في حالهما وغناهما، ثم حض تعالى أهل الجدة على الإنفاق وأهل الإقتار على ~~التوسط بقدر حاله. # وهذا هو العدل بينهم لئلا تضيع هي ولا يكلف هو ما لا يطيق. واختلف ~~العلماء في الذي يعجز عن نفقة امرأته، فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وأبو هريرة وابن المسيب والحسن: يفرق بينهما، وقال أصحاب الرأي وعمر بن عبد ~~العزيز وجماعة: لا يفرق بينهما، ثم رجى تعالى باليسر تسهيلا على النفوس ~~وتطييبا لها، وقرأ الجمهور: «يعظم» بالياء، وقرأ الأعمش: «نعظم» بالنون ~~واختلف عنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الطلاق (65) : الآيات 8 الى 11] # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها ~~عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم ~~عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) # كأين: هي كاف ms3531 الجر دخلت على أي، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير وعبيد ~~عن أبي PageV05P326 # عمرو: «وكائن» ممدود مهموز، كما قال الشاعر: # وكائن بالأباطح من صديق وقرأ بعض القراء: وكأين بتسهيل الهمزة، وفي هذين ~~الوجهين قلب لأن الياء قبل الألفات، وقوله تعالى: فحاسبناها قال بعض ~~المتأولين: الآية في الآخرة، أي ثم هو الحساب والتعذيب والذوق وخسار ~~العاقبة. وقال آخرون: ذلك في الدنيا، ومعنى: فحاسبناها حسابا شديدا أي لم ~~نغتفر لها زلة بل أخذت بالدقائق من الذنوب، وقرأ نافع وابن كثير وابن ~~ذكران: «نكرا» بضم الكاف، وقرأ الباقون: «نكرا» بسكون الكاف وهي قراءة ~~عيسى، وقوله تعالى: أعد الله لهم عذابا شديدا يظهر منه أنه بيان لوجه خسران ~~عاقبتهم، فيتأبد بذلك أن تكون المحاسبة والتعذيب والذوق في الدنيا، ثم ندب ~~تعالى أولي الألباب إلى التقوى تحذيرا، وقوله تعالى: الذين آمنوا صفة ل ~~أولي الألباب، وقرأ نافع وابن عامر: «صالحا ندخله» بالنون، وكذلك روى ~~المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: «يدخله» بالياء، وقوله تعالى: قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا رسولا اختلف الناس في تقدير ذلك، فقال قوم من المتأولين: المراد ~~بالاسمين القرآن، ف «رسول» يعني رسالة، وذلك موجود في كلام العرب، وقال ~~آخرون: رسولا نعت أو كالنعت لذكر، فالمعنى ذكر ذا رسول، وقيل الرسول: ترجمة ~~عن الذكر كأنه بدل منه، وقال آخرون: # المراد بهما جميعا محمد وأصحابه، المعنى: ذا ذكر رسولا، وقال بعض حذاق ~~المتأولين الذكر: اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: واحتج بهذا ~~القاضي ابن الباقلاني في تأويل قوله تعالى: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ~~[الأنبياء: 2] ، وقال بعض النحاة معنى الآية ذكرا بعث رسولا فهو منصوب ~~بإضمار فعل، وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون رسولا معمولا للمصدر الذي ~~هو الذكر. # قال القاضي أبو محمد: وأبين الأقوال عندي معنى أن يكون الذكر للقرآن ~~والرسول محمد، والمعنى بعث رسولا، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب ~~للرسول ونحا هذا المنحى السدي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: ~~«مبينات» بفتح الياء، وقرأها ms3532 بكسر الياء ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي ~~والحسن والأعمش وعيسى، وسائر الآية بين، والرزق المشار إليه رزق الجنة ~~لدوامه ودروره. # قوله عز وجل: ### || [سورة الطلاق (65) : آية 12] # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) # لا خلاف بين العلماء أن السموات سبع، لأن الله تعالى قال: سبعا طباقا ~~[الملك: 3، نوح: 15] وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهن في حديث ~~الإسراء، وقال لسعد: «حكمت بحكم الملك من فوق سبع أرقعة» ، ونطقت بذلك ~~الشريعة في غير ما موضع، وأما «الأرض» فالجمهور PageV05P327 # على أنها سبع أرضين، وهو ظاهر هذه الآية، وأن المماثلة إنما هي في العدد، ~~ويستدل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غصب شبرا من أرض طوقه من ~~سبع أرضين» ، إلى غير هذا مما وردت به روايات، وروي عن قوم من العلماء أنهم ~~قالوا: الأرض واحدة، وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ارتفاع جرمها، وقر ~~أن فيها عالما يعبد كما في كل سماء عالم يعبد، وقرأ الجمهور: «مثلهن» ~~بالنصب، وقرأ عاصم: «مثلهن» برفع اللام، والأمر هنا الوحي وجميع ما يأمر به ~~تعالى من يعقل ومن لا يعقل، فإن الرياح والسحاب وغير ذلك مأمور كلها، وباقي ~~السورة وعظ، وحض على توحيد الله عز وجل، وقوله تعالى: على كل شيء قدير عموم ~~معناه الخصوص في المقدورات، وقوله بكل شيء عموم على إطلاقه. PageV05P328 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التحريم # وهي مدنية بإجماع من أهل العلم بلا خلاف. # قوله عز وجل: ### || سورة التحريم (66) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) ~~وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير (3) # روي ms3533 في الحديث عن زيد بن أسلم والشعبي وغيرهما ما معناه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما أهدى المقوقس مارية القبطية اتخذها سرية، فلما كان في ~~بعض الأيام وهو يوم حفصة بنت عمر، وقيل بل كان في يوم عائشة، جاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى بيت حفصة فوجدها قد مرت إلى زيارة أبيها، فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في جاريته فقال معها، فجاءت حفصة فوجدتهما فأقامت ~~خارج البيت حتى أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مارية وذهبت، فدخلت حفصة ~~غيرى متغيرة اللون فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ ~~أفي بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مترضيا لها: ~~أيرضيك أن أحرمها قالت: نعم، فقال: إني قد حرمتها. قال ابن عباس، وقال مع ~~ذلك والله لا أطؤها أبدا، ثم قال لها: لا تخبري بهذا أحدا، فمن قال إن ذلك ~~كان في يوم عائشة، قال استكتمها خوفا من غضب عائشة وحسن عشرتها، ومن قال: ~~كان في يوم حفصة، قال استكتمتها لنفس الأمر، ثم إن حفصة رضي الله عنها قرعت ~~الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها لتسرها بالأمر، ولم ترض إفشاءه ~~إليها حرجا واستكتمتها، فأوحى الله بذلك إلى نبيه، ونزلت الآية. وروي عن ~~عكرمة أن هذا نزل بسبب شريك التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذكر النقاش نحوه عن ابن عباس، وروى عبد بن عمير عن عائشة أن هذا التحريم ~~المذكور في الآية، إنما هو بسبب شراب العسل الذي شربه صلى الله عليه وسلم ~~عند زينب بنت جحش، فتمالأت عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له: من دنا منها، ~~أكلت مغافير، والمغافير صمغ العرفط، وهو حلو ثقيل الريح، ففعلن ذلك، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولكني شربت عسلا» ، فقلن: جرست نحله ~~العرفط، فقال PageV05P329 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أشربه أبدا» وكان يكره أن توجد منه ~~رائحة ثقيلة، فدخل بعد ذلك على زينب، ms3534 فقالت: ألا نسقيك من ذلك العسل؟ قال: ~~«لا حاجة لي به» ، قالت عائشة: تقول سودة حين بلغها امتناعه والله لقد ~~حرمتاه. قلت لها: اسكتي. # قال القاضي أبو محمد: والقول الأول إن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح، ~~وعليه تفقه الناس في الآية، ومتى حرم رجل مالا أو جارية دون أن يعتق أو ~~يشترط عتقا أو نحو ذلك، فليس تحريمه بشيء، واختلف العلماء إذ حرم زوجته بأن ~~يقول لها: أنت علي حرام، والحلال علي حرام، ولا يستثني زوجته، فقال مالك ~~رحمه الله: هي ثلاث في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها فهو ما أراد ~~من الواحدة أو الاثنين أو الثلاث، وقال عبد الملك بن الماجشون: هي ثلاث في ~~الوجهين ولا ينوي في شيء. وقال أبو المصعب وغيره. # وروى ابن خويز منداد عن مالك: أنها واحدة بائنة في المدخول بها وغير ~~المدخول بها، وروي عن عبد العزيز بن الماجشون، أنه كان يحملها على واحدة ~~رجعية، وقال غير واحد من أهل العلم: التحريم لا شيء، وإنما عاتب الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فيه ودله على تحلة اليمين المبينة في المائدة لقوله: # «قد حرمتها والله لا أطؤها أبدا» ، وقال مسروق: ما أبالي أحرمتها أو قصعة ~~من ثريد. وكذلك قال الشعبي ليس التحريم بشيء، قال تعالى: ولا تقولوا لما ~~تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام [النحل: 116] وقال: لا تحرموا طيبات ~~ما أحل الله لكم [المائدة: 87] ، ومحرم زوجته مسم حراما ما جعله حلالا، ~~ومحرم ما أحل الله له، وقال أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وابن مسعود وابن ~~عباس وعائشة وابن المسيب وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار وابن جبير وقتادة ~~وأبو ثور والأوزاعي والحسن وجماعة: # «التحريم» يلزم فيه تكفير يمين بالله، والتحلة إنما هي من جهة التحريم ~~ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا أطؤها» ، وقال أبو قلابة: ~~التحريم ظهار، وقال أبو حنيفة وسفيان والكوفيون: هو ما أراد من الطلاق، فإن ~~لم يرد بذلك طلاقا فهو لا شيء. وقال: هو ما ms3535 أراد من الطلاق، فإن لم يرد ~~طلاقا فهو يمين، فدعا الله تعالى نبيه باسم النبوة الذي هو دال على شرف ~~منزلته وعلى فضيلته التي خصه بها دون البشر، وقرره كالمعاتب على سبب تحريمه ~~على نفسه ما أحل الله له، وقوله: تبتغي جملة في موضع الحال من الضمير الذي ~~في تحرم، و «المرضاة» مصدر كالرضى، ثم غفر له تعالى ما عاتبه فيه ورحمه، ~~وقوله: قد فرض الله أي بين وأثبت، وقال قوم من أهل العلم: هذه إشارة إلى ~~تكفير التحريم، وقال آخرون: هي إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم. ~~والتحلة: مصدر ووزنها تفعلة وأدغم لاجتماع المثلين، وأحال في هذه الآية على ~~الآية التي فسر فيها الإطعام في كفارة اليمين بالله والمولى الموالي الناصر ~~العاضد، وقوله تعالى: وإذ أسر النبي الآية معناه اذكر يا محمد ذلك، على وجه ~~التأنيب والعتب لهن، وقال الجمهور الحديث هو قوله في أمر مارية، وقال ~~آخرون: بل هو قوله: «إنما شربت عسلا» ، وبعض أزواجه هي حفصة، ونبأت معناه: ~~أخبرت، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ طلحة: «أنبأت» وكان إخبارها لعائشة، وهذا ~~ونحوه هو التظاهر الذي عوتبتا فيه، وقال ميمون بن مهران: الحديث الذي أسر ~~إلى حفصة، أنه قال لها: «وأبشري بأن أبا بكر وعمر يملكان أمر أمتي بعدي ~~خلافة» ، وتعدت «نبأ» في هذه PageV05P330 # الآية مرة إلى مفعولين ومرة إلى مفعول واحد، لأن ذلك يجوز في أنبأ ونبأ ~~إذا كان دخولها على غير الابتداء والخبر، فمتى دخلت على الجملة تعدت إلى ~~ثلاثة مفاعيل، ولا يجوز الاقتصار. وقوله تعالى: وأظهره الله عليه أي أطلعه، ~~وقرأ الكسائي وحده وأبو عبد الرحمن وطلحة وأبو عمرو بخلاف والحسن وقتادة: # «عرف» بتخفيف الراء، وقرأ الباقون وجمهور الناس: «عرف» بشدها، والمعنى في ~~اللفظة مع التخفيف جازى بالعتب واللوم، كما تقول لإنسان يؤذيك: قد عرفت لك ~~هذا ولأعرفن لك هذا بمعنى لأجازينك عليه، ونحوه في المعنى قوله تعالى: ~~أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، فأعرض عنهم [النساء: 63] ، فعلم الله ~~زعيم بمجازاتهم، وكذلك معرفة النبي صلى الله ms3536 عليه وسلم، والمعنى مع الشد في ~~الراء علم به وأنب عليه، وقوله تعالى: وأعرض عن بعض أي تكرما وحياء وحسن ~~عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طلق حينئذ حفصة، ثم إن الله تعالى أمره بمراجعتها، وروي أنه عاتبها ولم ~~يطلقها، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بالخبر، وأنها أفشته ~~إلى عائشة، ظنت أن عائشة فضحتها، فقالت: من أنبأك هذا؟ على جهة التثبت، ~~فلما أخبرها أن الله تعالى أخبره، سكتت وسلمت. # قوله عز وجل: ### || [سورة التحريم (66) : الآيات 4 الى 5] # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات ~~وأبكارا (5) # المخاطبة بقوله تعالى: إن تتوبا هي لحفصة وعائشة، وفي حديث البخاري وغيره ~~عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال حفصة وعائشة، وقوله تعالى: صغت قلوبكما معناه مالت أي ~~عن المعدلة والصواب، والصغا: الميل، ومنه صياغة الرجل وهم حواشيه الذين ~~يميلون إليه، ومنه أصغى إليه بسمعه، وأصغى الإناء، وفي قراءة عبد الله بن ~~مسعود «فقد زاغت قلوبكما» ، والزيغ الميل وعرفه في خلاف الحق، قال مجاهد: ~~كما نرى صغت شيئا هينا حتى سمعنا قراءة ابن مسعود: «زاغت» ، وجمع القلوب من ~~حيث الإنسان جمع ومن حيث لا لبس في اللفظ، وهذا نظير قول الشاعر [حطام ~~المجاشعي] : [الرجز] ظهراهما مثل ظهور الترسين ومعنى الآية، إن تبتما فقد ~~كان منكما ما ينبغي أن يتاب منه، وهذا الجواب الذي للشرط هو متقدم في ~~المعنى، وإنما ترتب جوابا في اللفظ، وإن تظاهرا معناه: تتعاونا، وقرأ جمهور ~~الناس والسبعة «تظاهرا» وأصله تتظاهرا، فأدغمت التاء في الظاء بعد البدل، ~~وقرأ عكرمة مولى ابن عباس: «إن تتظاهرا» بتاءين على الأصل، وقرأ نافع بخلاف ~~عنه وعاصم وطلحة وأبو رجاء والحسن: ms3537 «تظهرا» بتخفيف الظاء على PageV05P331 # حذف التاء الواحدة، وروي عن ابن عمر أنه قرأ: «تظهرا» بشد الظاء والهاء ~~دون ألف، والمولى: الناصر المعين، وقوله وجبريل وصالح المؤمنين يحتمل أن ~~يكون عطفا على اسم الله تعالى في قوله: هو، فيكون جبريل وصالح المؤمنين في ~~الولاية، ويحتمل أن يكون جبريل رفعا بالابتداء، وما بعده عطف عليه، وظهير ~~الخبر فيكون حينئذ من الظهراء لا في الولاية ويختص بأنه مولى الله تعالى، ~~واختلف الناس في صالح المؤمنين، فقال الطبري وغيره من العلماء: ذلك على ~~العموم، ويدخل في ذلك كل صالح، وقال الضحاك وابن جبير وعكرمة: المراد أبو ~~بكر وعمر. ورواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد نحوه، ~~وقال أيضا: وعلي، وروى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صالح ~~المؤمنين، علي بن أبي طالب ذكره الثعلبي. وقال قتادة والعلاء بن زياد ~~وغيره: هم الأنبياء، وإنما يترتب ذلك بأن تكون مظاهرتهم أنهم قدوة وأسوة ~~فهم عون بهذا، وقوله تعالى: وصالح يحتمل أن يكون اسم جنس مفردا، ويحتمل أن ~~يريد «وصالحو» فحذفت الواو في خط المصحف، كما حذفوها في قوله: سندع ~~الزبانية [العلق: 18] وغير ذلك. ويروى عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لا تكترث بأمر نسائك والله معك ~~وجبريل معك وأبو بكر معك، وأنا معك. فنزلت الآية موافقة نحو أمر قول عمر، ~~قال المهدوي: وهذه الآية نزلت على لسان عمر، وكذا روي أن عمر بن الخطاب قال ~~لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن. فنزلت الآية على نحو قوله، وقال عمر رضي الله عنه: قالت لي أم سلمة: ~~يا ابن الخطاب، أدخلت نفسك في كل شيء حتى دخلت بين رسول الله وبين نسائه، ~~فأخذتني أخذا كسرتني به، وقالت لي زينب بنت جحش: يا عمر، أما يقدر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، وقرأ الجمهور: ~~«طلقكن» بفتح ms3538 القاف وإظهاره، وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه: # «طلقكن» بشد الكاف وإدغام القاف فيها، وقال أبو علي: وإدغام القاف في ~~الكاف حسن، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكوفيون والحسن وأبو رجاء وابن ~~محيصن: «أن يبدله» بسكون الباء وتخفيف الدال، وقرأ نافع والأعرج وأبو جعفر: ~~«أن يبدله» بفتح الباء وشد الدال، وهذه لغة القرآن في هذا الفعل، وكرر الله ~~تعالى الصفات مبالغة، وإن كان بعضها يتضمن بعضا، فالإسلام إشارة إلى ~~التصديق، والعمل والإيمان: # تخصيص للإخلاص وتنبيه على شرف موقعه، وقانتات معناه: مطيعات، والسائحات ~~قيل معناه: # صائمات، قاله أبو هريرة وابن عباس وقتادة والضحاك. وذكر الزجاج أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قاله، وقيل معناه هاجرات قاله زيد بن أسلم، وقال ابن ~~زيد: ليس في الإسلام سياحة إلا الهجرة، وقيل: معناه ذاهبات في طاعة الله، ~~وشبه الصائم بالسائح من حيث ينهمل السائح ولا ينظر في زاد ولا مطعم، وكذلك ~~الصائم يمسك عن ذلك فيستوي هو والسائح في الامتناع وشظف العيش لفقد الطعام، ~~وقوله تعالى: # ثيبات وأبكارا تقسيم لكل واحدة من الصفات المتقدمة، وليست هذه الواو مما ~~يمكن أن يقال فيها: # واو الثمانية لأنها هنا ضرورية، ولو سقطت لاختل هذا المعنى. # قوله عز وجل: PageV05P332 ### || [سورة التحريم (66) : الآيات 6 الى 8] # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا ~~أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها ~~الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا ~~معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ~~إنك على كل شيء قدير (8) # قوله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم معناه: اجعلوا وقاية بينكم وبين النار، ~~وقد تقدم غير مرة تعليل اللفظة، وقوله تعالى: وأهليكم معناه: بالوصية لهم ~~والتقويم والحمد على طاعة الله تعالى، وفي ms3539 حديث: «لا تزن فيزني أهلك» ، وفي ~~حديث آخر: «رحم الله رجلا قال: يا أهلاه، صلاتكم، صيامكم، مسكينكم، يتيمكم» ~~، وقرأ الجمهور: «وقودها» بفتح الواو، وقرأ مجاهد والحسن وطلحة وعيسى ~~والفياض بن غزوان وأبو حيوة بضمها، وقيل هما بمعنى، وقيل الضم مصدر والفتح ~~اسم، ويروى أن الحجارة: هي حجارة الكبريت، وقد تقدم القول في ذلك في سورة ~~البقرة. ويروى أنها جميع أنواع الحجارة، وفي بعض الحديث أن عيسى ابن مريم ~~سمع أنينا في فلاة من الأرض فتبعه حتى بلغ إلى حجر يئن ويحزن، فقال له: ما ~~بالك أيها الحجر؟ فقال: يا روح الله، إني سمعت الله يقول: وقودها الناس ~~والحجارة، فخفت أن أكون من تلك الحجارة، فعجب منه عيسى وانصرف، ويشبه أن ~~يكون هذا المعنى في التوراة أو في الإنجيل، فذلك الذي سمع الحجر إذا عبر ~~عنه بالعربية كان هذا اللفظ، ووصف الملائكة بالغلظة معناه في القلوب والبطش ~~الشديد والفظاظة، كما قال تعالى لنبيه: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك [آل عمران: 159] والشدة القوة، وقيل المراد شدتهم على الكفار، فهي ~~بمعنى الغلظ، ووصفهم تعالى بالطواعية لربهم، وكرر المعنى تأكيدا بقوله ~~تعالى: ويفعلون ما يؤمرون، وفي قوله تعالى: ويفعلون ما يؤمرون ما يقتضي ~~أنهم يدخلون الكفار النار بجد واختيار، ويغلظون عليهم، فكأنه قال بعد تقرير ~~هذا المعنى، فيقال للكفار: لا تعتذروا اليوم: أي إن المعذرة لا تنفعكم، ~~وإنما تجزون بأعمالكم فلا تلوموا إلا أنفسكم، ثم أمر عباده بالتوبة، ~~والتوبة فرض على كل مسلم، وتاب معناه: # رجع فتوبة العبد: رجوعه من المعصية إلى الطاعة، وتوبة الله تعالى على ~~العبد إظهار صلاحه ونعمته عليه في الهداية إلى الطاعة، وقبول توبة الكفار ~~يقطع بها على الله إجماعا من الأمة، واختلف الناس في توبة العاصي، فجمهور ~~أهل السنة على أنه لا يقطع بقبولها ولا ذلك على الله بواجب، والدليل على ~~ذلك دعاء كل واحد من المذنبين في قبول التوبة ولو كانت مقطوعا بها لما كان ~~معنى للدعاء في قبولها، وظواهر القرآن في ذلك هي كلها ms3540 بمعنى المشيئة، وروي ~~عن أبي الحسن الأشعري أنه قال: التوبة إذا توفرت شروطها قطع على الله ~~بقبولها لأنه تعالى أخبر بذلك. PageV05P333 # قال القاضي أبو محمد: وهذا المسك بظواهر القرآن، وعلى هذا القول أطبقت ~~المعتزلة، والتوبة الندم على فارط المعصية والعزم على ترك مثلها في ~~المستقبل، وهذا من المتمكن، وأما غير المتمكن كالمجبوب في الزنا فالندم ~~وحده يكفيه، والتوبة عبادة كالصلاة ونحوها، فإذا تاب العبد وحصلت توبته ~~بشروطها وقبلت ثم عاود الذنب، فتوبته الأولى لا تفسدها عودة بل هي كسائر ما ~~تحصل من العبادات، والنصوح بناء مبالغة من النصح إلى توبة نصحت صاحبها ~~وأرشدته، وقرأ الجمهور: «نصوحا» بفتح النون، وقرأ أبو بكر عن عاصم وخارجة ~~عن نافع والحسن والأعرج وعيسى: «نصوحا» بضم النون، وهو مصدر، يقال: نصح، ~~ينصح، نصاحة، ونصاحة قاله الزجاج، فوصف التوبة بالمصدر كالعدل والزور ~~وغيره، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح، هي أن يتوب ثم لا ~~يعود، وقال أبو بكر الوراق: هي أن تضيق عليك الأرض بما رحبت كتوبة الذين ~~خلفوا، وقوله تعالى: عسى ربكم الآية، ترجية، وقد روي أن عسى من الله واجبة، ~~والعامل في يوم قوله: يدخلكم، وروي في معنى قوله تعالى: يوم لا يخزي الله ~~النبي، أن محمدا صلى الله عليه وسلم تضرع في أمر أمته فأوحى الله إليه: إن ~~شئت جعلت حسابهم إليك، فقال: «يا رب أنت أرحم بهم» ، فقال الله تعالى: إذا ~~لا أخزيك فيهم، فهذا معنى قوله: # يوم لا يخزي الله النبي، والخزي المكروه الذي يترك الإنسان حيران خجلا ~~مهموما بأن يرى نقصه، أو سوء منزلته، وقوله تعالى: والذين آمنوا معه يحتمل ~~أن يكون معطوفا على النبي فيخرج المؤمنون من الخزي، ويحتمل أن يكون ابتداء، ~~ونورهم يسعى جملة هي خبره، ويبقى النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا مفضلا ~~بأنه لا يخزى، وقد تقدم القول في نظير قوله: يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم [التحريم: 8] ، وقرأ سهل بن سعد: «وبإيمانهم» ، بكسر الهمزة، ~~وقوله تعالى: ربنا أتمم لنا نورنا، قال الحسن بن ms3541 أبي الحسن هو عند ما يرون ~~من انطفاء نور المنافقين حسبما تقدم تفسيره، وقيل يقول من أعطي من النور ~~بقدر ما يرى قدميه فقط. # قوله عز وجل: ### || [سورة التحريم (66) : الآيات 9 الى 10] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين (10) # هذه الآية تأكيد لأمر الجهاد وفضله المتقدم، والمعنى دم على جهاد ~~الكافرين بالسيف، وجاهد المنافقين بنجههم وإقامة الحدود عليهم وضربهم في كل ~~جرائمهم، وعند قوة الظن بهم، ولم يعين الله تعالى لرسوله منافقا يقع القطع ~~بنفاقه، لأن التشهد الذي كانوا يظهرون كان ملبسا لأمرهم مشبها لهم بالعصاة ~~من الأمة. والغلظة عليهم هي فظاظة القلب والانتهار وقلة الرفق بهم، وقرأ ~~الضحاك: «وأغلظ» PageV05P334 # بكسر اللام وقطع الألف، وهذان المثلان اللذان للكفار والمؤمنين معناهما: ~~أن من كفر لا يغني عنه شيء ولا ينفعه وزر ولو كان متعلقا بأقوى الأسباب، ~~وأن من آمن لا يدفعه دافع عن رضوان الله تعالى ولو كان في أسوأ منشأ وأخسر ~~حال. وقال بعض الناس: إن في المثلين عبرة لزوجات النبي محمد عليه السلام، ~~حين تقدم عتابهن، وفي هذا بعد لأن النص أنه للكفار يبعد هذا. # واختلف الناس في خيانة هاتين المرأتين، فقال ابن عباس وغيره: خانتا في ~~الكفر، وفي أن امرأة نوح كانت تقول للناس: إنه مجنون، وأن امرأة لوط كانت ~~تنم إلى قومه متى ورده ضيف فتخبر به، وقال ابن عباس: وما بغت زوجة نبي قط، ~~ولا ابتلي الأنبياء في نسائهم بهذا، وقال الحسن في كتاب النقاش: # خانتاهما بالكفر والزنا وغيره، وقرأ الجمهور: «يغنيا» بالياء، وقرأ مبشر ~~بن عبيد: «تغنيا» بالتاء من فوق. # قوله عز وجل: ### || [سورة التحريم (66) : الآيات 11 الى 12] # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ms3542 (11) ومريم ابنت عمران ~~التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين (12) # امرأت فرعون اسمها آسية وقولها: وعمله معناه وكفره، وما هو عليه من ~~الضلالة، وهذا قول كافة المفسرين، وقال جمهور من المفسرين: معناه من ظلمه ~~وعقابه وتعذيبه لي، وروي في هذا أن فرعون اتصل به إيمانها بموسى، وأنها تحب ~~أن يغلب، فبعث إليها قوما، وقال: إن رأيتم منها ذلك فابطحوها في الأرض ~~ووتدوا يديها ورجليها وألقوا عليها أعظم حجر، وإن لم تروا ذلك فهي امرأتي. ~~قال، فذهب القوم فلما أحست بالشر منهم دعت بهذه الدعوات فقبض الله روحها ~~وصنع أولئك أمر الحجر بشخص لا روح فيه، وروي في قصصها غير هذا مما يطول ~~ذكره، فاختصرة لعدم صحته. وقال آخرون في كتاب النقاش: # وعمله كناية عن الوطء والمضاجعة. وهذا ضعيف. # واختلف الناس في الفرج الذي أحصنت مريم، فقال الجمهور: هو فرج الدرع الذي ~~كان عليها، وأنها كانت صينة، وأن جبريل عليه السلام: نفخ فيها الروح من جيب ~~الدرع، وقال قوم من المتأولين: هو الفرج الجارحة، فلفظة أحصنت: إذا كان فرج ~~الجارحة متمكنا حقيقة، والإحصان: صونه، وفيه هي مستعملة، وإذا قدرنا فرج ~~الدرع فلفظ أحصنت فيه مستعارة من حيث صانته، ومن حيث صار مسلكا لولدها، ~~وقوله تعالى: فنفخنا عبارة عن فعل جبريل حقيقة، وإن ذهب ذاهب إلى أن النفخ ~~فعل الله تعالى، فهو عبارة عن خلقه واختراعه الولد في بطنها، وشبه ذلك ~~بالنفخ الذي من شأنه أن يسير في الشيء برفق ولطف. وقوله تعالى: من روحنا ~~إضافة المخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك كما تقول: بيت الله وناقة الله، ~~وكذلك الروح الجنس كله هو روح الله. وقرأ الجمهور: «وصدقت» بشد الدال، وقرأ ~~أبو مجلز: PageV05P335 # بتخفيفها، وقرأ جمهور الناس: «بكلمات» على الجمع، وقرأ الجحدري: «بكلمة» ~~على الإفراد، فأما الإفراد فيقوي: أن يريد أمر عيسى ويحتمل أن يريد أنه اسم ~~جنس في التوراة، ومن قرأ على الجمع فيقوي أنه يريد التوراة، ويحتمل أن يريد ~~أمر عيسى. وقرأ ابن ms3543 كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ونافع: ~~«وكتابه» على الوحيد، وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم، وخارجة عن نافع: «وكتبه» ~~بضم التاء والجمع، وقرأ أبو رجاء بسكون التاء «وكتبه» ، وذلك كله مراد به ~~التوراة والإنجيل، والقانتون: العابدون، والمعنى كانت من القوم القانتين في ~~عبادتها وحال دينها. # (نجز تفسير سورة التحريم والحمد لله كثيرا) . PageV05P336 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الملك # وهي مكية بإجماع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل ليلة عند ~~أخذ مضجعه. رواه جماعة مرفوعا إلى جابر بن عبد الله، ويروى عنه أنه قال: ~~«إنها لتنجي من عذاب القبر وتجادل عن حافظها حتى لا يعذب» ، ويروى أن في ~~التوراة سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أجاد وطيب، وروي عن ابن عباس، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وددت أن سورة تبارك الذي بيده الملك ~~[الملك: 1] في قلب كل مؤمن» . # قوله عز وجل: ### || [سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سماوات طباقا ~~ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع ~~البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) # تبارك تفاعل من البركة، وهي التزيد في الخيرات، ولم يستعمل بيتبارك ولا ~~متبارك، وقوله: # بيده عبارة عن تحقيق «الملك» ، وذلك أن اليد في عرف الآدميين هي آلة ~~التملك فهي مستعرة، والملك على الإطلاق هو الذي لا يبيد ولا يختل منه شيء، ~~وذلك هو ملك الله تعالى، وقيل المراد في هذه الآية: ملك الملوك، فهو بمنزلة ~~قوله: اللهم مالك الملك [آل عمران: 26] ، عن ابن عباس رضي الله عنه. وقوله ~~تعالى: وهو على كل شيء قدير عموم، والشيء معناه في اللغة الموجود، والموت ~~والحياة معنيان يتعاقبان جسم الحيوان يرتفع أحدهما بحلول الآخر، وما في ~~الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالموت ms3544 يوم القيامة في صورة كبش ~~أملح فيذبح على الصراط» ، فقال أهل العلم: ذلك تمثال كبش يوقع الله عليه ~~العلم الضروري لأهل الدارين، إنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك ~~التمثال حاملا للموت على أنه يحل الموت فيه، فتذهب عنه حياة، ثم يقرن الله ~~تعالى بذبح ذلك التمثال إعدام الموت. وقوله تعالى: خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أي ليختبركم في حال الحياة ويجازيكم بعد الموت، وقال أبو قتادة ~~نحوه عن ابن عمر: قلت يا رسول الله: ما معنى قوله تعالى: # ليبلوكم أيكم أحسن عملا فقال: «يقول: أيكم أحسن عقلا، وأشدكم لله خوفا، ~~وأحسنكم في أمره ونهيه، نظرا وإن كانوا أقلكم تطوعا. وقال ابن عباس وسفيان ~~الثوري والحسن بن أبي الحسن: أيكم PageV05P337 # أحسن عملا أزهدكم في الدنيا. وقوله تعالى: «ليبلو» دال على فعل تقديره: ~~فينظر أو فيعلم أيكم، وقال جماعة من المتأولين: الموت والحياة، عبارة عن ~~الدنيا والآخرة، سمى هذه موتا من حيث إن فيها الموت، وسمى تلك الحياة من ~~حيث لا موت فيها، فوصفهما بالمصدرين على تقدير حذف المضاف، كعدل وزور، وقدم ~~الموت في اللفظ، لأنه متقدم في النفس هيبة وغلظة، وطباقا قال الزجاج: هو ~~مصدر، وقيل: هو جمع طبقة أو جمع طبق مثل: رحبة ورحاب، أو جمل وجمال، ~~والمعنى بعضها فوق بعض، وقال أبان بن ثعلب: سمعت أعرابيا يذم رجلا، فقال: ~~«شره طباق، خيره غير باق» ، وما ذكر بعض المفسرين في السماوات من أن بعضها ~~من ذهب وفضة وياقوت ونحو هذا ضعيف كله، ولم يثبت بذلك حديث، ولا يعلم أحد ~~من البشر حقيقة لهذا. وقوله تعالى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت معناه من ~~قلة تناسب، ومن خروج عن إتقان، والأمر المتفاوت، هو الذي يجاوز الحدود التي ~~توجب له زيادة أو نقصانا، وقرأ جمهور القراء: «من تفاوت» ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وابن مسعود وعلقمة والأسود وابن جبير وطلحة والأعمش: «من تفوت» ~~وهما بمعنى واحد، وقال بعض العلماء: في خلق الرحمن يعني به السماوات فقط، ~~وهي التي تتضمن اللفظ، وإياها أراد ms3545 بقوله: هل ترى من فطور، وإياها أراد ~~بقوله: # ينقلب إليك البصر الآية، قالوا وإلا ففي الأرض فطور، وقال آخرون: في خلق ~~الرحمن يعني به جميع ما في خلق الله تعالى من الأشياء، فإنها لا تفاوت فيها ~~ولا فطور، جارية على غير إتقان، ومتى كانت فطور لا تفسد الشيء المخلوق من ~~حيث هو ذلك الشيء، بل هي إتقان فيه، فليست تلك المرادة في الآية، وقال منذر ~~بن سعيد: أمر الله تعالى بالنظر إلى السماء وخلقها ثم أمر بالتكرير في ~~النظر، وكذلك جميع المخلوقات متى نظرها ناظر، ليرى فيها خللا أو نقصا، فإن ~~بصره ينقلب خاسئا حسيرا، ورجع البصر ترديده في الشيء المبصر. وقوله: كرتين ~~معناه مرتين، ونصبه على المصدر، والخاسئ المبعد بذل عن شيء أراده وحرص ~~عليه، ومنه الكلب الخاسئ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: # «اخسأ فلن تعد وقدرك» ، ومنه قوله تعالى للكفار الحريصين على الخروج من ~~جهنم: اخسؤا فيها [المؤمنون: 108] ، وكذلك هنا البصر يحرص على روية فطور أو ~~تفاوت فلا يجد ذلك، فينقلب خاسئا، والحسير العيي الكال، ومنه قول الشاعر: ~~[الطويل] # لهن الوجا لم كن عونا على النوى ... ولا زال منها طالح وحسير # قوله عز وجل: ### || [سورة الملك (67) : الآيات 5 الى 9] # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا ~~فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) # أخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا التي تلينا بمصابيح وهي النجوم، فإن ~~كانت جميع النجوم في PageV05P338 # السماء الدنيا فهذا اللفظ عام للكواكب، وإن كان في سائر السماوات كواكب، ~~فإما أن يريد كواكب سماء الدنيا فقط، وإما أن يريد الجميع على أن ما في ~~غيرها لما كانت هي تشق عنه، ويظهر منها، فقد زينت به بوجه ما، ms3546 ومن تكلف ~~القول بمواضع الكواكب وفي أي سماء هي، فقوله ليس من الشريعة. وقوله تعالى: ~~وجعلناها رجوما للشياطين معناه وجعلنا منها، وهذا كما تقول: أكرمت بني فلان ~~وصنعت بهم وأنت إنما فعلت ذلك ببعضهم دون بعض، ويوجب هذا التأويل في الآية ~~أن الكواكب الثابتة والبروج، وكل ما يهتدى به في البر والبحر فليست براجم، ~~وهذا نص في حديث السير، وقال قتادة رحمه الله: خلق الله تعالى النجوم زينة ~~للسماء ورجوما للشياطين وليهتدى بها في البر والبحر، فمن قال غير هذه ~~الخصال الثلاث فقد تكلف وأذهب حظه من الآخرة. وأعتدنا معنا: أعددنا والضمير ~~في: لهم عائد على الشياطين، وقرأ جمهور الناس: «وللذين كفروا بربهم عذاب ~~جهنم» بالرفع على الابتداء والخبر في المجرور المتقدم، وقرأ الحسن في رواية ~~هارون عنه: «عذاب» بالنصب على معنى «وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم» ، ~~قالوا: وعاطفة فعل على فعل، وتضمنت هذه الآية، أن عذاب جهنم للكافرين ~~المخلدين، وقد جاء في الأثر أنه يمر على جهنم زمن تخفق أبوابها قد أخلتها ~~الشفاعة، فالذي قال في هذا إن جهنم اسم تختص به الطبقة العليا من النار ثم ~~قد تسمى الطبقات كلها جهنم باسم بعضها، وهكذا كما يقال النجم للثريا، ثم ~~يقال ذلك للكواكب اسم جنس فالذي في هذه الآية هي جهنم بأسرها، أي جميع ~~الطبقات، والتي في الأثر هي الطبقة العليا، لأنها مقر العصاة، والشهيق: ~~أقبح ما يكون من صوت الحمار، فاحتدام النار وغليانها بصوت مثل ذلك، قوله ~~تعالى: تكاد تميز من الغيظ أي يزايل بعضها بعضا لشدة الاضطراب كما قال ~~الشاعر في صفة الكلب المحتدم في جربه: [الرجز] : # يكاد أن يخرج عن إهابه وقرأ الضحاك: «تمايز» بألف، وقرأ طلحة: «تتميز» ~~بتاءين، وقرأ الجمهور: «تكاد تميز» بضم الدال وفتح التاء مخففة، وقرأ ~~البزي: «تكاد» بضم الدال وشد التاء أنها «تتميز» وأدغم إحدى التاءين في ~~الأخرى. # وقرأ أبو عمرو بن العلاء: تكاد تميز بإدغام الدال في التاء، وهذا فيه ~~إدغام الأقوى في الأضعف، وقوله تعالى: من الغيظ معناه على الكفرة ms3547 بالله، ~~وقوله تعالى: كلما ألقي فيها فوج، الفوج: الفريق من الناس، ومنه قوله ~~تعالى: في دين الله أفواجا [النصر: 2] الآية، تقتضي أنه لا يلقى فيها أحد ~~إلا سئل على جهة التوبيخ عن النذر فأقر بأنهم جاؤوا وكذبوهم، وقوله: كلما ~~حصر. فإذا الآية تقتضي في الأطفال من أولاد المشركين وغيرهم، وفيمن نقدره ~~صاحب فترة أنهم لا يدخلون النار لأنهم لم يأتهم نذير، واختلف الناس في أمر ~~الأطفال، فأجمعت الأمة على أن أولاد الأنبياء في الجنة، واختلفوا في أولاد ~~المؤمنين، فقال الجمهور: هم في الجنة، وقال قوم هم في المشيئة، واختلفوا في ~~أولاد المشركين، فقالت فرقة: هم في النار، واحتجوا بحديث روي من آبائهم، ~~وتأول مخالف هذا الحديث، أنهم في أحكام الدنيا، وقال: هم في المشيئة، وقال ~~فريق: هم في الجنة، واحتج هذا الفريق بهذه الآية في مساءلة PageV05P339 # الخزنة، وبحديث وقع في صحيح البخاري في كتاب التفسير، يتضمن أنهم في ~~الجنة. وبقوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه، فالأطفال لم يبلغوا أن يصنع بهم شيء من هذا» . وقوله ~~تعالى: إن أنتم إلا في ضلال كبير يحتمل أن يكون من قول الملائكة للكفار حين ~~أخبروا عن أنفسهم أنهم كذبوا النذر، ويحتمل أن يكون من كلام الكفار للنذر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الملك (67) : الآيات 10 الى 15] # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم ~~فسحقا لأصحاب السعير (11) إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ~~(12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير (14) # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) # المعنى وقال الكفار للخزنة في محاورتهم: لو كنا نسمع أو نعقل سمعا أو ~~عقلا ينتفع به ويغني شيئا لآمنا ولم نستوجب الخلود في السعير، ثم أخبر ~~تعالى محمدا أنهم اعترفوا بذنبهم في وقت لا ينفع فيه الاعتراف، وقوله ~~تعالى: فسحقا نصب على جهة الدعاء عليهم ms3548 وجاز ذلك فيه، وهو من قبل الله ~~تعالى من حيث هذا القول مستقرا فيهم أزلا ووجوده لم يقع ولا يقع إلا في ~~الآخرة، فكأنه لذلك في حيز المتوقع الذي يدعى فيه، كما تقول: سحقا لزيد ~~وبعدا، والنصب في هذا كله بإضمار فعل، وأما ما وقع وثبت، فالوجه فيه الرفع ~~كما قال تعالى: ويل للمطففين [المطففين: 1] ، وسلام عليكم [الأنعام: 54، ~~الأعراف: 46، الرعد: 24، القصص: 55، الزمر: 73] ، وغير هذا من الأمثلة، ~~وقرأ الجمهور: # «فسحقا» بسكون الحاء، وقرأ الكسائي: «فسحقا» بضم الحاء وهما لغتان، ثم ~~وصف تعالى أهل الإيمان، وهم الذين يخشون ربهم، وقوله تعالى: بالغيب يحتمل ~~معنيين، أحدهما: بالغيب الذي أخبروا به من الحشر والصراط والميزان والجنة ~~والنار، فآمنوا بذلك، وخشوا ربهم فيه، ونحا إلى هذا قتادة والمعنى الثاني: ~~أنهم يخشون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، أي في خلواتهم، ومنه تقول العرب: ~~فلان سالم الغيب، أي لا يضر، فالمعنى يعملون بحسب الخشية في صلاتهم ~~وعباداتهم، وانفرادهم، فالاحتمال الأول: مدح بالإخلاص والإيمان، والثاني: ~~مدح بالأعمال الصالحة في الخلوات، وذلك أحرى أن يعملوها علانية، وقوله ~~تعالى: وأسروا قولكم أو اجهروا به مخاطبة لجميع الخلق. # قال ابن عباس: سببها أن المشركين قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم لا يسمعكم ~~إله محمد، فالمعنى أن الأمر سواء عند الله لأنه يعلم ما هجس في الصدور دون ~~أن ينطق به، فكيف إذا ينطق به سرا أو جهرا، وذات الصدور، ما فيها، وهذا كما ~~قال: الذئب مغبوط بذي بطنه، وقد تقدم تفسيره غير ما مرة. # وقوله تعالى: ألا يعلم من خلق اختلف الناس في إعراب: من، فقال بعض ~~النحاة: إعرابها رفع، كأنه قال: ألا يعلم الخالق خلقه؟ فالمفعول على هذا ~~محذوف، وقال قوم: إعرابها نصب، كأنه قال: ألا PageV05P340 # يعلم الله من خلق؟ قال مكي: وتعلق أهل الزيغ بهذا التأويل لأنه يعطي أن ~~الذين خلقهم الله هم العباد من حيث قال: من فتخرج الأعمال عن ذلك، لأن ~~المعتزلة تقول: العباد يخلقون أعمالهم. # قال القاضي أبو محمد: وتعلقهم بهذا التأويل ضعيف، والكلام مع المعتزلة ms3549 في ~~مسألة خلق الأعمال مأخذه غير هذا، لأن هذه الآية حجة فيها لهم ولا عليهم، ~~والذلول فعول بمعنى مفعول أي مذلول. فهي كركوب وحلوب، يقال: ذلول، بين الذل ~~بضم الذال، واختلف المفسرون في معنى: المناكب، فقال ابن عباس: أطرافها وهي ~~الجبال، وقال الفراء ومنذر بن سعيد: جوانبها، وهي النواحي، وقال مجاهد: هي ~~الطرف والفجاج، وهذا قول جار مع اللغة، لأنها تنكب يمنة ويسرة، وينكب ~~الماشي فيها، في مناكب. # وهذه الآية تعديد نعم في تقريب التصرف للناس، وفي التمتع فقي رزق الله ~~تعالى، والنشور: الحياة بعد الموت. # قوله عز وجل: ### || [سورة الملك (67) : الآيات 16 الى 20] # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من ~~قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما ~~يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم ~~من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) # قرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: «أأمنتم» بهمزتين مخففتين دون مد، ~~وقرأ أبو عمرو ونافع: # «النشور آمنتم» بمد وهمزة، وقرأ ابن كثير: «النشور وأمنتم» ببدل الهمزة ~~واوا لكونها بعد ضمة وهو بعد الواو. وقوله تعالى: من في السماء جار على عرف ~~تلقي البشر أوامر الله تعالى، ونزول القدر بحوادثه ونعمه ونقمه وآياته من ~~تلك الجهة، وعلى ذلك صار رفع الأيدي والوجوه في الدعاء إلى تلك الناحية. # وخسف الأرض: أن تذهب سفلا، وتمور معناه: تذهب وتتموج كما يذهب التراب ~~الموار وكما يذهب الدم الموار. ومنه قول الأعرابي: وغادرت التراب مورا، ~~والحاصب: البرد وما جرى مجراه لأنه في اللغة الريح ترمي بالحصباء، ومنه قول ~~الفرزدق: [البسيط] # مستقبلين شمال الريح ترجمهم ... بحاصب كنديف القطن منشور # وقرأ جمهور السبعة: «فستعلمون» بالتاء، وقرأ الكسائي وحده: «فسيعلمون» ~~بالياء، وقرأ السبعة وغيرهم: «نذير» بغير ياء على طريقهم في الفواصل ~~المشبهة بالقوافي، وقرأ نافع في رواية ورش وحده: # «نذيري» بالياء على الأصل، ms3550 وكذلك في «نكيري» والنكير: مصدر بمعنى ~~الإنكار، والنذير كذلك. ومنه قول حسان بن ثابت: [الوافر] # فأنذر مثلها نصحا قريشا ... من الرحمن ان قلبت نذيري PageV05P341 # ثم أحال على العبرة في أمر الطير، وما أحكم من خلقتها وذلك بين عجز ~~الأصنام والأوثان عنه، و: صافات جمع صافة، وهي التي تبسط جناحيها وتصفهما ~~حتى كأنها ساكنة، وقبض الجناح: ضمه إلى الجثة ومنه قول أبي خراش: [الطويل] ~~يحث الجناح بالتبسط والقبض وهاتان حالان للطائر يستريح من إحداهما للأخرى. ~~وقوله تعالى: ويقبضن عطف المضارع على اسم الفاعل وذلك جائز كما عطف اسم ~~الفاعل على المضارع في قول الشاعر: [الرجز] # بات يغشيها بعضب باتر ... يقصد في أسوقها وجائر # وقرأ طلحة بن مصرف: «أمن» بتخفيف الميم في هذه، وقرأ التي بعدها مثقلة ~~كالجماعة والجند أعوان الرجل على مذاهبه، وقوله تعالى: إن الكافرون إلا في ~~غرور خطاب لمحمد بعد تقرير، قل لهم يا محمد أمن هذا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الملك (67) : الآيات 21 الى 25] # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) أفمن يمشي ~~مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي أنشأكم ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ذرأكم ~~في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) # هذا أيضا توقيف على أمر لا مدخل للأصنام فيه، والإشارة بالرزق إلى المطر، ~~لأنه عظم الأرزاق، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم: لجوا وتمادوا في التمنع عن ~~طاعة الله، وهو العتو في نفور، أي بعد عن الحق بسرعة ومبادرة، يقال: نفر عن ~~الأمر نفورا، وإلى الأمر نفيرا، ونفرت الدابة نفارا. # واختلف أهل التأويل في سبب قوله: أفمن يمشي مكبا الآية، فقال جماعة من ~~رواة الأسباب: # نزلت مثلا لأبي جهل بن هشام وحمزة بن عبد المطلب، وقال ابن عباس وابن ~~الكلبي وغيره: نزلت مثلا لأبي جهل بن هشام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقال ~~ابن عباس أيضا ومجاهد والضحاك: نزلت مثالا للمؤمنين والكافرين على ms3551 العموم، ~~وقال قتادة: نزلت مخبرة عن حال القيامة، وإن الكفار يمشون فيها على وجوههم، ~~والمؤمنون يمشون على استقامة، وقيل للنبي: كيف يمشي الكافر على وجهه؟ قال: ~~«إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر على أن يمشيه في الآخرة على وجهه» ~~. # قال القاضي أبو محمد: فوقف الكفار على هاتين الحالتين حينئذ، ففي الأقوال ~~الثلاثة الأول المشي مجاز يتخيل، وفي القول الرابع هو حقيقة يقع يوم ~~القيامة ويقال: أكب الرجل، إذا رد وجهه إلى الأرض، وكبه: غبره، قال عليه ~~السلام: «وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم» ، فهذا الفعل PageV05P342 # خلاف للباب: أفعل لا يتعدى وفعل يتعدى، ونظيره قشعت الريح فأقشع، وأهدى ~~في هذه الآية أفعل من الهدى، وقرأ طلحة: «أمن يمشي» بتخفيف الميم، وإفراد ~~«السمع» لأنه اسم جنس يقع للكثير وقليلا نصب بفعل مضمر، وما: مصدرية، وهي ~~في موضع رفع، وقوله: قليلا ما تشكرون يقتضي ظاهره أنهم يشكرون قليلا، فهذا ~~إما أن يريد به ما عسى أن يكون للكافر من شكر وهو قليل غير نافع، وإما أن ~~يريد جملة فعبر بالقلة كما تقول العرب: هذه أرض قل ما تنبت كذا، وهي لا ~~تنبته بتة، ومن شكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه النعمة أنه كان ~~يقول في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره» ، و «ذرأكم» معناه: ~~بثكم والحشر المشار إليه، هو بعث القيامة، وإليه أشار بقوله: هذا الوعد ~~فأخبر تعالى أنهم يستعجلون أمر القيامة، ويوقفون على الصدق، في الإخبار ~~بذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الملك (67) : الآيات 26 الى 30] # قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيئت ~~وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) قل أرأيتم إن أهلكني ~~الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (28) قل هو الرحمن ~~آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) قل أرأيتم إن أصبح ~~ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) # أمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بأن علم ms3552 القيامة والوعد الصدق هو مما تفرد ~~الله به، وأن محمدا إنما هو نذير يعلم ما علم ويخبر بما أمر أن يخبر به، ~~وقوله: فلما رأوه الضمير للعذاب الذي تضمنه الوعد، وهذه حكاية حال تأتي ~~المعنى: فإذا رأوه و: زلفة معناه قريبا. قال الحسن: عيانا. وقال ابن زيد: # حاضرا، و: سيئت معناه: ظهر فيها السوء، وقرأ جمهور الناس: «سيئت» بكسر ~~السين، وقرأ أبو جعفر الحسن ونافع أيضا وابن كثير وأبو رجاء وشيبة وابن ~~وثاب وطلحة: بالإشمام بين الضم والكسر. وقرأ جمهور الناس ونافع بخلاف عنه: ~~«تدعون» بفتح الدال وشدها، على وزن: تفتعلون، أي تتداعون أمره بينكم، وقال ~~الحسن: يدعون أنه لا جنة ولا نار، وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك وقتادة ~~وابن يسار وسلام: # «يدعون» بسكون الدال على معنى: يستعجلون، كقولهم: عجل لنا قطنا، وأمطر ~~علينا حجارة وغير ذلك، وروي في تأويل قوله: قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن ~~معي أو رحمنا الآية، أنهم كانوا يدعون على محمد وأصحابه بالهلاك، وقيل بل ~~كانوا يترامون بينهم بأن يهلكوه بالقتل ونحوه فقال الله تعالى: قل لهم ~~أرأيتم إن كان هذا الذي تريدون بنا وتم ذلك فينا، أو أرأيتم إن رحمنا الله ~~فنصرنا ولم يهلكنا من يجيركم من العذاب الذي يوجبه كفركم على كل حال؟ وقرأ ~~ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، وعن عاصم: «إن أهلكني الله ومن ~~معي» بنصب الياءين، وأسكن الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر الياء في: # «معي» وقرأ حمزة: بإسكان الياءين، وروى المسيب عن نافع أنه أسكن ياء: ~~«أهلكني» ، قال أبو علي التحريك في الياءين حسن وهو الأصل، والإسكان كراهية ~~الحركة في حرف اللين، يتجانس ذلك، وقرأ PageV05P343 # الكسائي وحده: «فسيعلمون» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة، ثم ~~وقفهم تعالى على مياههم التي يعيشون منها إن غارت أي ذهبت في الأرض، ومن ~~يجيئهم بماء كثير واف، والغور: مصدر يوصف به على معنى المبالغة، ومنه قول ~~الأعرابي: وغادرت التراب مورا والماء غورا. # والمعين: فعيل من معنى الماء إذا كثر أو مفعول ms3553 من العين، أي جار كالعين، ~~أصله معيون، وقيل هو من العين، لكن من حيث يرى بعين الإنسان، لا من حيث ~~يشبه بالعين الجارية، وقال ابن عباس: # معين عذب وعنه في كتاب الثعلبي: معين جار، وفي كتاب النقاش: معين ظاهر، ~~وقال بعض المفسرين وابن الكلبي: أشير في هذا الماء إلى بئر زمزم، وبئر ~~ميمون، ويشبه أن تكون هاتان عظم ماء مكة، وإلا فكانت فيها بئار كثيرة كخم ~~والجفر وغيرهما. والله المستعان. PageV05P344 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القلم # وهي مكية، ولا خلاف فيها بين أحد من أهل التأويل. # قوله عز وجل: ### || [سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ~~ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) # فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) # ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) # ن حرف مقطع في قول الجمهور من المفسرين، فيدخله من الخلاف ما يدخل أوائل ~~السور، ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال مجاهد وابن عباس: نون، اسم ~~الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع فيما يروى. وقال ابن عباس والحسن ~~وقتادة والضحاك: النون اسم للدواة، فهذا إما أن يكون لغة لبعض العرب، أو ~~تكون لفظة أعجمية عربت، قال الشاعر: [الوافر] # إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألقت النون بالدمع السجوم # فمن قال إنه اسم الحوت جعل «القلم» الذي خلقه الله تعالى وأمره فكتب ~~الكائنات وجعل الضمير في يسطرون للملائكة، ومن قال بأن «نون» اسم للدواة، ~~جعل «القلم» هذا المتعارف بأيدي الناس. # نص ذلك ابن عباس وجعل الضمير في يسطرون للناس، فجاء القسم على هذا بمجموع ~~أم الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة، فإن القلم ~~أخ اللسان، ومطية الفطنة، ونعمة من الله عامة. وروى معاوية بن قرة، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: ن لوح من نور، وقال ابن عباس وغيره: ms3554 هو حرف ~~من حروف الرحمن، وقالوا إنه تقطع في القرآن: الر [يونس: 1، هود: 1، يوسف: ~~1، إبراهيم: 1، الحجر: 1] وحم [غافر: 1، فصلت: 1، الشورى: 1، الزخرف: 1، ~~الدخان: 1، الجاثية: 1، الأحقاف: 1] ، ون، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف «نون» ~~بالنصب، والمعنى: اذكر نون، وهذا يقوى مع أن يكون اسما للسورة، فهو مؤنث ~~سمي به مؤنث، ففيه تأنيث وتعريف، ولذلك لم ينصرف، وانصرف نوح، لأن الخفة ~~بكونه على ثلاثة أحرف غلبت على العجمة، وقرأ PageV05P345 # ابن عباس وابن أبي إسحاق والحسن: «نون» بكسر النون، وهذا كما تقول في ~~القسم بالله، وكما تقول: # «جبر» وقيل كسرت لاجتماع الساكنين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن ~~عامر وحمزة وحفص عن عاصم: «نون» بسكون النون، وهذا على أنه حرف منفصل فحقه ~~الوقوف عليه، وقرأ قوم، منهم الكسائي: # ن والقلم بالإدغام دون غنة، وقرأ آخرون بالإدغام وبغنة، وقرأ الكسائي ~~ويعقوب عن نافع وأبو بكر عن عاصم بالإخفاء بين الإدغام والإظهار. ويسطرون ~~معناه: يكتبون سطورا، فإن أراد الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به، ~~وإن أراد بني آدم، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها، وقوله: ما ~~أنت بنعمة ربك بمجنون هو جواب القسم وما هنا عاملة لها اسم وخبر، وكذلك هي ~~حيث دخلت الباء في الخبر، وقوله: بنعمة ربك اعتراض، كما يقول الإنسان: أنت ~~بحمد الله فاضل. وسبب هذه الآية، أن قريشا رمت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالجنون، وهو ستر العقول، بمعنى أن كلامه خطأ ككلام المجنون، فنفى ~~الله تعالى ذلك عنه وأخبره بأن له الأجر، وأنه على الخلق العظيم، تشريفا له ~~ومدحا. # واختلف الناس في معنى: ممنون فقال أكثر المفسرين هو الواهن المنقطع، ~~يقال: حبل منين، أي ضعيف. وقال آخرون: معناه غير ممنون عليك أي لا يكدره من ~~به. وقال مجاهد: معناه غير مصرد ولا محسوب محصل أي بغير حساب، وسئلت عائشة ~~رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: خلقه القرآن ~~أدبه وأوامره، وقال علي رضي الله عنه: الخلق العظيم أدب القرآن، وعبر ابن ~~عباس عن ms3555 الخلق بالدين والشرع وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده، أما أن ~~الظاهر من الآية أن الخلق هي التي تضاد مقصد الكفار في قولهم مجنون، أي غير ~~محصل لما يقول، وإنما مدحه تعالى بكرم السجية وبراعة القريحة والملكة ~~الجميلة وجودة الضرائب، ومنه قوله عليه السلام: «بعث لأتمم مكارم الأخلاق» ~~. # وقال جنيد: سمي خلقه عظيما، إذ لم تكن له همة سوى الله تعالى، عاشر الخلق ~~بخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وفي وصية بعض ~~الحكماء عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق، وحسن الخلق خير كله. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة، قائم الليل وصائم ~~النهار» . وقال: «ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن» ، وقال: «أحبكم إلى ~~الله أحسنكم أخلاقا» ، والعدل والإحسان والعفو والصلة من الخلق. وقوله ~~تعالى: فستبصر أي أنت وأمتك، ويبصرون أي هم. واختلف الناس في معنى قوله: ~~بأيكم المفتون. فقال أبو عثمان المازني: # الكلام تام في قوله: يبصرون، ثم استأنف قوله: بأيكم المفتون، وقال الأخفش ~~بل الإبصار عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، وأما الباء فقال أبو ~~عبيدة معمر وقتادة: هي زائدة، والمعنى: أيكم المفتون. وقال الحسن والضحاك: ~~المفتون بمعنى الفتنة، كما قالوا: ما له معقول، أي عقل، وكما قالوا: اقبل ~~ميسوره ودع معسوره، فالمعنى: بأيكم هي الفتنة والفساد الذي سموه جنونا، ~~وقال آخرون: # بأيكم فتن المفتون وقال الأخفش، المعنى: بأيكم فتنة المفتون، ثم حذف ~~المضاف وأقيم ما أضيف إليه مقامه، وقال مجاهد والفراء: الياء بمعنى: في أي، ~~في أي فريق منكم النوع المفتون. PageV05P346 # قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن قليل التكلف، ولا نقول إن حرفا بمعنى ~~حرف بل نقول إن هذا المعنى يتوصل إليه ب «في» وبالباء أيضا، وقرأ ابن عبلة ~~«في أيكم المفتون» . وقوله تعالى: إن ربك هو أعلم بمن ضل الآية، وعيد، ~~والعامل في قوله: بمن ضل، أعلم وقد قواه حرف الجر فلا يحتاج إلى إضمار فعل. ~~وقوله تعالى: فلا تطع المكذبين يريد قريشا، ms3556 وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك ~~وعظمناه، وودوا أن يداهنهم النبي صلى الله عليه وسلم ويميل إلى ما قالوا ~~فيميلوا هم أيضا إلى قوله ودينه، والادهان: الملاينة فيما لا يحل، ~~والمداراة الملاينة فيما يحل وقوله تعالى: فيدهنون معطوف وليس بجواب، لأنه ~~كان ينصب. والحلاف: المردد لحلفه الذي قد كثر منه، والمهين: الضعيف الرأي ~~والعقل، قاله مجاهد، وهو من مهن إذا ضعف. الميم فاء الفعل، وقال ابن عباس ~~المهين: الكذاب، والهماز: الذي يقع في الناس، وأصل الهمز في اللغة: الضرب ~~طعنا باليد أو بالعصا أو نحوه، ثم استعير للذي ينال بلسانه، قال المنذر بن ~~سعيد: وبعينه وإشارته، وسميت الهمزة، لأن في النطق بها حدة، وعجلة، فأشبهت ~~الهمز باليد. وقيل لبعض العرب: أتهمز الفأرة؟ قال: الهرة تهمزها، وقيل لآخر ~~أتهمز إسرائيل: فقال: إني إذا لرجل سوء. # والنميم: مصدر كالنميمة. وهو نقل ما يسمع مما يسوء ويحرش النفوس. وروى ~~حذيفة أن النبي قال: «لا يدخل الجنة قتات» ، وهو النمام، وذهب كثير من ~~المفسرين إلى أن هذه الأوصاف هي أجناس لم يرد بها رجل بعينه، وقالت طائفة: ~~بل نزلت في معين، واختلف فيه، فقال بعضها: هو الوليد بن المغيرة، ويؤيد ذلك ~~غناه، وأنه أشهرهم بالمال والبنين، وقال الشعبي وغيره: هو الأخنس بن شريق، ~~ويؤيد ذلك أنه كانت له هنة في حلقه كزنمة الشاة، وأيضا فكان من ثقيف ملصقا ~~في قريش، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: # هو أبو جهل، وذكر النقاش: عتبة بن ربيعة، وقال مجاهد: هو الأسود بن عبد ~~يغوث، وظاهر اللفظ عموم من هذه صفته، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي ~~الزمن، لا سيما لولاة الأمور. # قوله عز وجل: ### || [سورة القلم (68) : الآيات 12 الى 20] # مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين ~~(14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16) # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا ~~يستثنون (18) فطاف ms3557 عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) # قال كثير من المفسرين: الخبر هنا المال، فوصفه بالشح، وقال آخرون: بل هو ~~على عمومه في المال والأفعال الصالحة، ومن يمنع إيمانه وطاعته لله تعالى ~~فقد منع الخير، والمعتدي: المتجاوز لحدود الأشياء. والأثيم: فعيل من الإثم، ~~بمعنى: آثم، وذلك من حيث أعماله قبيحة تكسب الإثم، والعتل: # القوي البنية الغليظ الأعضاء المصحح القاسي القلب، البعيد الفهم، الأكول ~~الشروب، الذي هو بالليل جيفة وبالنهار حمار، فكل ما عبر به المفسرون عنه من ~~خلال النقص فعن هذه التي ذكرت بصدر، وقد ذكر النقاش، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: فسر العتل بنحو هذا، وهذه الصفات كثيرة التلازم، والعتل: PageV05P347 # الدفع بشدة، ومنه العتلة، وقوله: بعد ذلك معناه، بعد ما وصفناه به، فهذا ~~الترتيب إنما هو في قول الواصف، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف وإلا ~~فكونه عتلا، هو قبل كونه صاحب خير يمنعه، والزنيم: في كلام العرب، الملصق ~~في القوم وليس منهم، وقد فسر به ابن عباس هذه الآية، وقال مرة الهمداني: ~~إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة، يعني الذي نزلت فيه هذه الآية، ومن ذلك ~~قول حسان بن ثابت: [الطويل] # وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # ومنه قول حسان بن ثابت أيضا: [الطويل] # زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع # فقال كثير من المفسرين: هذا هو المراد في الآية. وذلك أن الأخنس بن شريق ~~كان من ثقيف، حليفا لقريش. وقال ابن عباس: أراد ب «الزنيم» أن له زنمة في ~~عنقه كزنمة الشاة، وهي الهنة التي تعلق في عنقها، وما كنا نعرف المشار ~~إليه، حتى نزلت فعرفناه بزنمته. قال أبو عبيدة: يقال للتيس زنيم إذ له ~~زنمتان، ومنه قول الأعرابي في صفة شاته: كأن زنمتيها نتوا قليسية. وروي أن ~~الأخنس بن شريق كان بهذه الصفة كان له زنمة. وروى ابن عباس أنه قال: لما ~~نزلت هذه الصفة، لم يعرف صاحبها حتى نزلت زنيم فعرف بزنمته. ms3558 وقال بعض ~~المفسرين: الزنيم: المريب، القبيح الأفعال. واختلفت القراءة في قوله: أن ~~كان ذا مال. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحفص عن عاصم وأهل ~~المدينة: «أن كان» على الخبر، وقرأ حمزة: «أأن كان» بهمزتين محققتين على ~~الاستفهام، وقرأ ابن عامر والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو جعفر: «آن كان» ~~على الاستفهام بتسهيل الهمزة الثانية، والعامل في أن كان فعل مضمر تقديره: ~~كفر أو جحد أو عند، وتفسير هذا الفعل، قوله: إذا تتلى عليه الآية، وجاز أن ~~يعمل المعنى وهو متأخر من حيث كان قوله أن كان في منزلة الظرف، إذ يقدر ~~باللام، أي لأن كان، وقد قال فيه بعض النحاة: إنه في موضع خفض باللام، كما ~~لو ظهرت، فكما يعمل المعنى في الظرف المتقدم فكذلك يعمل في هذا، ومنه قوله ~~تعالى: ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد [سبأ: 7] . فالعامل في: ~~إذا [سبأ: 7] ، معنى قوله: إنكم لفي خلق جديد [سبأ: 7] ، أي تبعثون، ونحوه ~~من التقدير، ولا يجوز أن يعمل: # تتلى في إذا لأنه مضاف إليه وقد أضيف إذا إلى الجملة ولا يجوز أن يعمل في ~~أن، قال لأنها جواب إذا ولا تعمل فيما قبلها. وأجاز أبو علي أن يعمل فيه ~~عتل وإن كان قد وصف، ويصح على هذا النظر أن يعمل فيه زنيم لا سيما على قول ~~من يفسره بالقبيح الأفعال، ويصح أن يعمل في أن كان، تطيعه التي يقتضيها ~~قوله: ولا تطع [القلم: 10] . وهذا على قراءة الاستفهام يبعد وإنما يتجه لا ~~تطعه لأجل كونه كذا، وأن كان، على كل وجه، مفعول من أجله وتأمل. وقد تقدم ~~القول في الأساطير في غير ما موضع. وقوله تعالى: سنسمه على الخرطوم معناه ~~على الأنف قاله المبرد، وذلك أن الخرطوم يستعار في أنف الإنسان. وحقيقته في ~~مخاطم السباع، ولم يقع التوعد في هذه الآية، بأن PageV05P348 # يوسم هذا الإنسان على أنفه بسمة حقيقة، بل هذه عبارة عن فعل يشبه الوسم ~~على الأنف. واختلف الناس في ذلك الفعل، فقال ابن عباس: ms3559 هو الضرب بالسيف أي ~~يضرب في وجهه، وعلى أنفه فيجيء ذلك الوسم على الأنف، وحل ذلك به يوم بدر. ~~وقال محمد بن يزيد المبرد: ذلك في عذاب الآخرة في جهنم، وهو تعذيب بنار على ~~أنوفهم. وقال آخرون ذلك في يوم القيامة، أي يوسم على أنفه بسمة يعرف بها ~~كفره وانحطاط قدره. وقال قتادة وغيره معناه: سنفعل به في الدنيا من الذم له ~~والمقت والإشهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى به فيكون ذلك كالوسم على الأنف ~~ثابتا بينا، وهذا المعنى كما تقول: سأطوقك طوق الحمامة، أي أثبت لك الأمر ~~بينا فيك، ونحو هذا أراد جرير بقوله: [الكامل] لما وضعت على الفرزدق ميسمي ~~وفي الوسم على الأنف تشويه، فجاءت استعارته في المذمات بليغة جدا. وإذا ~~تأملت حال أبي جهل ونظرائه وما ثبت لهم في الدنيا من سوء الأحدوثة رأيت ~~أنهم قد وسموا على الخراطيم. وقوله تعالى: إنا بلوناهم يريد قريشا، أي ~~امتحناهم، وأصحاب الجنة فيما ذكر قوم إخوة كان لأبيهم جنة وحرث مغل فكان ~~يمسك منه قوته، ويتصدق على المساكين بباقيه، وقيل بل كان يحمل المساكين معه ~~في وقت حصاده وجذه، فيجذيهم منه فمات الشيخ، فقال ولده: نحن جماعة وفعل ~~أبينا كان خطأ، فلنذهب إلى جنتنا ولا يدخلها علينا مسكين، ولا نعطي منها ~~شيئا، قال: فبيتوا أمرهم وعزمهم على هذا، فبعث الله عليها بالليل طائفا من ~~نار أو غير ذلك، فاحترقت، فقيل: أصبحت سوداء، وقيل: بيضاء كالزرع اليابس ~~المحصود، فلما أصبحوا إلى جنتهم لم يروها فحسبوا أنهم قد أخطؤوا الطريق، ثم ~~تبينوها فعلموا أن الله تعالى أصابهم فيها، فتابوا حينئذ وأنابوا وكانوا ~~مؤمنين من أهل الكتاب، فشبه الله تعالى قريشا بهم، في أنهم امتحنهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وهداه كما امتحن أولئك بفعل أبيهم وبأوامر شرعهم، فكما ~~حل بأولئك العقاب في جنتهم كذلك يحل بهؤلاء في جميع دنياهم وفي حياتهم، ثم ~~التوبة معرضة لمن بقي منهم كما تاب أولئك. وقال كثير من المفسرين: السنون ~~السبع التي أصابت قريشا هي بمثابة ms3560 ما أصاب أولئك في جنتهم. وقوله تعالى: ~~ليصرمنها أي ليجدنها، وصرام النخل: جد ثمره وكذلك في كل شجرة، ومصبحين ~~معناه: إذا دخلوا في الصباح، وقوله تعالى: ولا يستثنون ولا يتوقفون في ذلك، ~~أو ولا ينثنون عن رأي منع المساكين، وقال مجاهد معناه: لا يقولون إن شاء ~~الله، بل عزموا على ذلك عزم من يملك أمره، والطائف: الأمر الذي يأتي ~~بالليل، ذكر هذا التخصيص الفراء، ويرده قوله تعالى: إذا مسهم طائف من ~~الشيطان [الأعراف: 201] ، والصريم: قال الفراء ومنذر وجماعة: أراد به الليل ~~من حيث اسودت جنتهم. وقال آخرون: أراد به الصبح من حيث ابيضت كالحصيد، قاله ~~سفيان الثوري: والصريم، يقال لليل والنهار من حيث كل واحد منهما ينصرم من ~~صاحبه، وقال ابن عباس: الصريم، الرماد الأسود بلغة جذيمة، وقال ابن عباس ~~أيضا وغيره: الصريم، رملة باليمن معروفة لا تنبت فشبه جنتهم بها. # قوله عز وجل: ### || [سورة القلم (68) : الآيات 21 الى 29] # فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا ~~وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد ~~قادرين (25) # فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم ~~أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) PageV05P349 # «تنادوا» معناه: دعا بعضهم بعضا إلى المضي لميعادهم، وقرأ بعض السبعة: ~~«أن اغدوا» بضم النون وبعضهم بكسرها، وقد تقدم هذا مرارا. وقولهم إن كنتم ~~صارمين، يحتمل أن يكون من صرام النخل، ويحتمل أن يريد إن كنتم من أهل عزم ~~وإقدام على آرائكم من قولك سيف صارم، ويتخافتون معناه: يتكلمون كلاما خفيا، ~~ومنه قوله تعالى: ولا تخافت بها [الإسراء: 110] ، وكان هذا التخافت خوفا من ~~أن يشعر بهم المساكين، وكان لفظهم الذي يتخافتون به أن لا يدخلنها اليوم ~~عليكم مسكين. # وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: «لا يدخلنها» بسقوط أن، وقوله تعالى: على ~~حرد يحتمل أن يريد على منع من قولهم: حاردت الإبل، إذا قلت ألبانها ~~فمنعتها، وحاردت السنة، إذا كانت شهباء لا غلة لها، ومنه قول الشاعر ~~[الكميت] ms3561 : [الطويل] # وحاردت النكد الجلاد فلم يكن ... لعقبة قدر المستعيرين معقب # ويحتمل أن يريد بالحرد القصد، وبذلك فسر بعض اللغويين، وأنشد عليه ~~[القرطبي] : [الرجز] # أقبل سيل جاء من أمر الله ... يحرد حرد الحبة المغلة # أي يقصد قصدها، ويحتمل أن يريد بالحرد، الغضب، يقال: حرد الرجل حردا إذا ~~غضب، ومنه قول الأشهب بن رميلة: [الطويل] # أسود شرى لاقت أسودا خفية ... تساقوا على حرد دماء الأساود # وقوله تعالى: قادرين يحتمل أن يكون من القدرة، أي هم قادرون في زعمهم، ~~ويحتمل أن يكون من التقدير كأنهم قد قدروا على المساكين، أي ضيقوا عليهم، ~~ومنه قوله تعالى: ومن قدر عليه رزقه [الطلاق: 7] ، وقوله: فلما رأوها أي ~~محترقة حسبوا أنهم قد ضلوا الطريق، وأنها ليست تلك، فلما تحققوها علموا ~~أنها أصيبت، فقالوا: بل نحن محرومون، أي قد حرمنا غلتها وبركتها، فقال لهم ~~أعدلهم قولا وخلقا وعقلا وهو الأوسط، ومنه قوله تعالى: أمة وسطا [البقرة: ~~143] أي عدولا خيارا، وتسبحون، قيل هي عبارة عن طاعة الله وتعظيمه، والعمل ~~بطاعته. وقال مجاهد وأبو صالح: هي كانت لفظة، الاستثناء عندهم. # قال القاضي أبو محمد: وهذا يرد عليه قولهم: سبحان ربنا فبادر القوم عند ~~ذلك وتابوا وسبحوا واعترفوا بظلمهم في اعتقادهم منع الفقراء. # قوله عز وجل: ### || [سورة القلم (68) : الآيات 30 الى 38] # فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) ~~عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) # أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه ~~تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) PageV05P350 # يتلاومون معناه: يجعل كل واحد اللوم في حيز صاحبه، ويبرئ نفسه، ثم أجمعوا ~~على أنهم طغوا، أي تعدوا ما يلزم من مواساة المساكين، ثم انصرفوا إلى رجاء ~~الله تعالى، وانتظار الفرج من لدنه في أن يبدلهم بسبب توبتهم خيرا من تلك ~~الجنة. وقرأ: «يبدلنا» بسكون الباء وتخفيف الدال، جمهور القراء والحسن وابن ~~محيصن والأعمش، وقرأ نافع وأبو ms3562 عمرو: بالتثقيل وفتح الباء، وقوله تعالى: ~~كذلك العذاب ابتداء مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر قريش، والإشارة ~~بذلك إلى العذاب الذي نزل بالجنة، أي ذلك العذاب، هو العذاب الذي ينزل ~~بقريش بغتة، ثم عذاب الآخرة بعد ذلك أشد عليهم من عذاب الدنيا، وقال كثير ~~من المفسرين: العذاب النازل بقريش المماثل لأمر الجنة هو الجدب الذي أصابهم ~~سبع سنين، حتى رأوا الدخان وأكلوا الجلود، ثم أخبر تعالى: إن للمتقين عند ~~ربهم جنات النعيم، فروي أنه لما نزلت هذه قالت قريش: إن كانت ثم جنات نعيم، ~~فلنا فيها أكبر الحظ، فنزلت: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين، وهذا على جهة التوقيف والتوبيخ. وقوله تعالى: ~~ما لكم توبيخ آخر ابتداء وخبر جملة منحازة، وقوله تعالى: كيف تحكمون جملة ~~منحازة كذلك، وكيف في موضع نصب ب تحكمون، وقوله تعالى: أم هي المقدرة ببل ~~وألف الاستفهام، و: كتاب معناه: منزل من عند الله، وقوله تعالى: إن لكم فيه ~~لما تخيرون. قال بعض المتأولين: هذا استئناف قول على معنى: إن كان لكم ~~كتاب، فلكم فيه متخير، وقال آخرون: إن معمولة ل تدرسون، أي تدرسون في ~~الكتاب إن لكم ما تختارون من النعيم، وكسرت الألف من إن لدخول اللام في ~~الخبر، وهي في معنى: «أن» بفتح الألف. وقرأ طلحة والضحاك: «أن لكم» بفتح ~~الألف. وقرأ الأعرج «أأن لكم فيه» على الاستفهام. # قوله عز وجل: ### || [سورة القلم (68) : الآيات 39 الى 45] # أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم ~~أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) ~~يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ~~ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم ~~إن كيدي متين (45) # قوله تعالى: أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة مخاطبة للكفار، ~~كأنه يقول: هل أقسمنا لكم قسما فهو عهد لكم بأنا ننعمكم في يوم القيامة وما ~~بعده؟ وقرأ ms3563 جمهور الناس بالرفع على الصفة لأيمان، PageV05P351 # وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بالغة» بالنصب على الحال وهي حال من النكرة، ~~لأنها نكرة مخصصة بقوله علينا، وقرأ الأعرج: «أإن لكم لما تحكمون» وكذلك في ~~التي تقدمت في قوله: «أإن لكم فيه لما تخيرون» ، ثم أمر تعالى نبيه محمدا ~~على وجه إقامة الحجة، أن يسألهم عن الزعيم لهم بذلك من هو؟ # والزعيم: الضامن للأمر والقائم به، ثم وقفهم على أمر الشركاء، عسى أن ~~يظنوا أنهم ينفعونهم في شيء من هذا. وقرأ ابن أبي عبلة وابن مسعود: «أم لهم ~~شركاء فليأتوا بشركهم» بكسر الشين دون ألف، والمراد بذلك على القراءتين ~~الأصنام، وقوله تعالى: فليأتوا بشركائهم قيل هو استدعاء وتوقيف في الدنيا، ~~أي ليحضروهم حتى يرى هل هم بحال من يضر وينفع أم لا، وقيل هو استدعاء ~~وتوقيف على أن يأتوا بهم يوم القيامة، يوم يكشف عن ساق. وقوله تعالى: يوم ~~يكشف عن ساق، قال مجاهد: هي أول ساعة من يوم القيامة، وهي أفظعها، وتظاهر ~~حديث من النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه ينادي مناد يوم القيامة ليتبع كل ~~أحد ما كان يعبد» ، قال: «فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان ~~يعبد القمر القمر، وكذلك كل عابد لكل معبود ثم تبقى هذه الأمة وغبرات أهل ~~الكتاب، معهم منافقوهم وكثير من الكفرة، فيقال لهم: ما شأنكم لم تقفون، وقد ~~ذهب الناس فيقولون ننتظر ربنا فيجيئهم الله تعالى في غير الصورة التي عرفوه ~~بها، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، قال فيقول: أتعرفونه ~~بعلامة ترونها فيقولون: # نعم، فيكشف لهم عن ساق، فيقولون: نعم أنت ربنا، ويخرون للسجود فيسجد كل ~~مؤمن وتصير أصلاب المنافقين والكفار كصياصي البقر عظما واحدا، فلا يستطيعون ~~سجودا» . # قال القاضي أبو محمد: هكذا هو الحديث وإن اختلفت منه ألفاظ بزيادة ~~ونقصان، وعلى كل وجه فما ذكر فيه من كشف الساق وما في الآية أيضا من ذلك، ~~فإنما هو عبارة عن شدة الهول وعظم القدرة التي يرى الله تعالى ذلك اليوم ~~حتى ms3564 يقع العلم أن تلك القدرة إنما هي لله تعالى وحده، ومن هذا المعنى قول ~~الشاعر في صفة الحرب [جد طرفة] : مجزوء الكامل] # كشفت لهم عن ساقها ... وبدا عن الشر البواح # ومنه قول الراجز: [الرجز] وشمرت عن ساقها فشدوا وقول الآخر: [الرجز] # في سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عراقها # وأصل ذلك أنه من أراد الجد في أمر يحاوله فإنه يكشف عن ساقه تشميرا وجدا، ~~وقد مدح الشعراء بهذا المعنى فمنه قول دريد: [الطويل] # كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الضراء طلاع أنجد # وعلى هذا من إرادة الجد والتشمير في طاعة الله تعالى، قال صلى الله عليه ~~وسلم: «أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه» . وقرأ جمهور الناس: «يكشف عن ساق» ~~بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ ابن PageV05P352 # مسعود: «يكشف» بفتح الياء وكسر الشين على معنى يكشف الله، وقرأ ابن عباس: ~~«تكشف» بضم التاء على معنى تكشف القيامة والشدة والحال الحاضرة، وقرأ ابن ~~عباس أيضا: «تكشف» بفتح التاء على أن القيامة هي الكاشفة، وحكى الأخفش عنه ~~أنه قرأ: «نكشف» بالنون مفتوحة وكسر الشين، ورويت عن ابن مسعود. وقوله ~~تعالى: ويدعون ظاهره أن ثم دعاء إلى السجود، وهذا يرده ما قد تقرر في الشرع ~~من أن الآخرة ليست بدار عمل وأنها لا تكليف فيها، فإذا كان هذا فإنما ~~الداعي ما يرونه من سجود المؤمنين فيريدون هم أن يسجدوا عند ذلك فلا ~~يستطيعونه. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنهم يدعون إلى السجود على جهة ~~التوبيخ، وخرج بعض الناس من قوله: فلا يستطيعون أنهم كانوا يستطيعونه قبل ~~ذلك، وذلك غير لازم. وعقيدة الأشعري: أن الاستطاعة إنما تكون مع التلبس ~~بالفعل لما قبله، وهذا القدر كاف من هذه المسألة هاهنا. و: خاشعة نصب على ~~الحال وجوارحهم كلها خاشعة، أي ذليلة ولكنه خص الأبصار بالذكر لأن الخشوع ~~فيها أبين منه في كل جارحة. وقوله تعالى: ترهقهم ذلة أي تزعج نفوسهم وتظهر ~~عليهم ظهورا يخزيهم، وقوله تعالى: وقد كانوا يدعون إلى السجود يريد في ms3565 دار ~~الدنيا وهم سالمون مما نال عظام ظهورهم من الاتصال والعتو، وقال بعض ~~المتأولين: «السجود» هنا عبارة عن جميع الطاعات، وخص «السجود» بالذكر من ~~حيث هو عظم الطاعات، ومن حيث به وقع امتحانهم في الآخرة، وقال إبراهيم ~~التيمي والشعبي: أراد ب السجود الصلوات المكتوبة، وقال ابن جبير: المعنى ~~كانوا يسمعون النداء للصلاة: وحي على الفلاح فلا يجيبون، وفلج الربيع بن ~~خيثم: فكان يهادي بين رجلين إلى المسجد، فقيل له: إنك لمعذور، فقال: من سمع ~~حي على الفلاح، فليجب ولو حبوا، وقيل لابن المسيب: إن طارقا يريد قتلك ~~فاجلس في بيتك، فقال: أسمع حي على الفلاح فلا أجيب؟ والله لا فعلت. # وهذا كله قريب بعضه من بعض، وقوله تعالى: فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ~~وعيد ولم يكن ثم مانع، ولكنه كما تقول: دعني مع فلان، أي سأعاقبه، ومن في ~~موضع نصب عطفا على الضمير في: # «ذرني» أو نصبا على المفعول معه، و «الحديث» المشار إليه هو القرآن ~~المخبر بهذه الغيوب، والاستدراج هو: الحمل من رتبة إلى رتبة، حتى يصير ~~المحمول إلى شر وإنما يستعمل الاستدراج في الشر، وهو مأخوذ من الدرج، قال ~~سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم، ويمنعون الشكر، وقال غيره: كلما زادوا ~~ذنبا زادوا نعمة، وفي معنى الاستدراج قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله تعالى يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» . وقال الحسن: كم من مستدرج ~~بالإحسان إليه ومغرور بالستر عليه. وأملي لهم معناه: أؤخرهم ملاوة من ~~الزمن، وهي البرهة والقطعة، يقال: ملاوة: بضم الميم وبفتحها وبكسرها، ~~والكيد: عبارة عن العقوبة التي تحل بالكفار من حيث هي: على كيد منهم، فسمى ~~العقوبة باسم الذنب، والمتين: القوي الذي له متانة، ومنه المتن الظهر. # قوله عز وجل: ### || [سورة القلم (68) : الآيات 46 الى 52] # أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) ~~فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن تداركه ~~نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من ms3566 الصالحين ~~(50) # وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه ~~لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) PageV05P353 # هذه أم التي تتضمن الإضراب عن الكلام الأول لا على جهة الرفض له، لكن على ~~جهة الترك والإقبال على سواه، وهذا التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد به توبيخ الكفار لأنه لو سألهم أجرا فأثقلهم غرم ذلك لكان لهم بعض ~~العذر في إعراضهم وقرارهم، وقوله تعالى: أم عندهم الغيب فهم يكتبون معناه: ~~هل لهم علم بما يكون فيدعون مع ذلك أن الأمر على اختيارهم جار، ثم أمر ~~تعالى نبيه بالصبر لحكمه، وأن يمضي لما أمر به من التبليغ واحتمال الأذى ~~والمشقة، ونهى عن الضجر والعجلة التي وقع فيها يونس صلى الله عليه وسلم، ثم ~~اقتضبت القصة، وذكر ما وقع في آخرها من ندائه من بطن الحوت وهو مكظوم، أي ~~غيظه في صدره. وحقيقة الكظم: هو الغيظ والحزن والندم فحمل المكظوم عليه ~~تجوزا، وهو في الحقيقة كاظم، ونحو هذا قول ذي الرمة: [البسيط] # وأنت من حب مني مضمر حزنا ... عاني الفؤاد قريح القلب مكظوم # وقال النقاش: المكظوم، الذي أخذ بكظمه وهو مجاري القلب، ومنه سميت ~~الكاظمة وهي القناة في جوف الأرض. وقرأ جمهور الناس: «لولا أن تداركه» أسند ~~الفعل دون علامة تأنيث، لأن تأنيث النعمة غير حقيقي وقرأ أبي بن كعب وابن ~~مسعود وابن عباس: «تداركته» على إظهار العلامة، وقرأ ابن هرمز والحسن: ~~«تداركه» بشد الدال على معنى: تتداركه وهي حكاية حال تام، فلذلك جاء الفعل ~~مستقبلا بمعنى: لولا أن، يقال فيه تتداركه نعمة من ربه ونحوه، قوله تعالى: ~~فوجد فيها رجلين يقتتلان فهذا وجه القراءة، ثم أدغمت التاء في الدال، ~~والنعمة: هي الصفح والتوب، والاجتباء: الذي سبق له عنده، والعراء: الأرض ~~الواسعة التي ليس فيها شيء يوارى من بناء ولا نبات ولا غيره من جبل ونحوه، ~~ومنه قول الشاعر [أبو الخراش الهذلي] : [الكامل] # رفعت رجلا لا أخاف عثارها ... ونبذت بالأرض العراء ثيابي # وقد نبذ يونس عليه السلام بالعراء ولكن غير مذموم، ms3567 وفاجتباه معناه: ~~اختاره واصطفاه. ثم أخبر تعالى نبيه بحال نظر الكفار إليهم، وأنهم يكادون ~~من الغيظ والعداوة، يزلقونه فيذهبون قدمه من مكانها ويسقطونه. وقرأ جمهور ~~القراء: «يزلقونك» بضم الياء من أزلق، وقرأ نافع وحده: «يزلقونك» . بفتح ~~الياء من زلقت الرجل، يقال: زلق الرجل بكسر اللام وزلقته بفتحها مثل: حزن ~~وحزنته وشترت العين بكسر التاء وشترنها، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ~~«ليزهقونك» بالهاء، وروى النخعي أن في قراءة ابن مسعود: # «لينفدونك» ، وفي هذا المعنى الذي في نظرهم من الغيظ والعداوة قول ~~الشاعر: [الكامل] # يتقارضون إذا التقوا في مجلس ... نظرا يزيل مواطئ الأقدام # وذهب قوم من المفسرين إلى أن المعنى: يأخذونك بالعين، وذكر أن الدفع ~~بالعين كان في بني PageV05P354 # أسد، قال ابن الكلبي: كان رجل يتجوع ثلاثة أيام لا يتكلم على شيء إلا ~~أصابه بالعين، فسأله الكفار أن يصيب النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابهم إلى ~~ذلك، ولكن عصم الله تعالى نبيه، قال الزجاج: كانت العرب إذا أراد أحدهم أن ~~يعتان شيئا، تجوع ثلاثة أيام، وقال الحسن: دواء من أصابه العين أن يقرأ هذه ~~الآية، و «الذكر» في الآية القرآن، ثم قرر تعالى أن هذا القرآن العزيز ذكر ~~للعالمين من الجن والإنس، ووعظ لهم وحجة عليهم، فالحمد لله الذي أنعم علينا ~~به وجعلنا أهله وحماته لا رب غيره. # نجز تفسير سورة «ن والقلم» بحمد الله تعالى وعونه وصلى الله على محمد ~~وآله وسلم. PageV05P355 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحاقة # وهي مكية بالإجماع، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: خرجت يوما ~~بمكة متعرضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته قد سبقني للمسجد ~~الحرام، فجئت فوقفت وراءه، فافتتح سورة الحاقة # ، فلما سمعت سرد القرآن، قلت في نفسي إنه لشاعر، كما تقول قريش حتى بلغ ~~إلى قوله إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر، قليلا ما تؤمنون ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون، تنزيل من رب العالمين [الحاقة: 40- 41- 42- 43] . ثم ~~مر حتى انتهى إلى آخر السورة، فأدخل الله تعالى في ms3568 قلبي الإسلام. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحاقة (69) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة (4) # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) ~~سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) # الحاقة اسم فاعل، من حق الشيء يحق إذا كان صحيح الوجود، ومنه حقت كلمة ~~العذاب [الزمر: 71] ، والمراد به القيامة والبعث، قاله ابن عباس وقتادة، ~~لأنها حقت لكل عامل عمله. وقال بعض المفسرين: الحاقة مصدر كالعاقبة ~~والعافية، فكأنه قال: ذات الحق. وقال ابن عباس وغيره: سميت القيامة حاقة، ~~لأنها تبدي حقائق الأشياء واللفظة رفع بالابتداء، وما، رفع بالابتداء أيضا، ~~والحاقة الثانية: خبر ما، والجملة خبر الأول، وهذا كما تقول: زيد ما زيد، ~~على معنى التعظيم له والإبهام في التعظيم أيضا، ليتخيل السامع أقصى جهده. ~~وقوله تعالى: وما أدراك ما الحاقة مبالغة في هذا المعنى: أي أن فيها ما لم ~~تدره من أهوالها، وتفصيل صفاتها. وما، تقرير وتوبيخ. وقوله تعالى: ما ~~الحاقة ابتداء وخبر في موضع نصب ب أدراك، وما الأولى، ابتداء وخبرها أدراك ~~ما الحاقة، وفي أدراك، ضمير عائد على ما هو ضمير الفاعل. ثم ذكر تعالى ~~تكذيب «ثمود وعاد» بهذا الأمر الذي هو حق مشيرا إلى أن من كذب بذلك ينزل ~~عليه مثل ما نزل بأولئك. و «القارعة» من أسماء القيامة أيضا، لأنها تقرع ~~القلوب بصدمتها، وثمود اسم عربي معرفة، فإذا أريد به القبيلة لم ينصرف، ~~وإذا أريد به الحي انصرف، وأما عاد: فكونه على ثلاثة أحرف ساكن الوسط دفع ~~في صدر كل علة فهو مصروف. و «الطاغية» قال قتادة: معناه الصيحة التي خرجت ~~عن حد كل صيحة، وقال قوم: المراد PageV05P356 # بسبب الفئة الطاغية، وقال آخرون منهم مجاهد وابن زيد: المعنى بسبب الفعلة ~~الطاغية التي فعلوها. وقال ابن زيد: ما معناه: «الطاغية» مصدر كالعاقبة ~~فكأنه قال بطغيانهم، وقاله أبو عبيدة ويقوي هذا كذبت ثمود ms3569 بطغواها [الشمس: ~~11] وأولى الأقوال وأصوبها الأول لأنه مناسب لما ذكر في عاد، إذ ذكر فيها ~~الوجه الذي وقع به الهلاك، وعلى سائر الأقوال لا يتناسب الأمران لأن طغيان ~~ثمود سبب والريح لا يناسب ذلك لأنها ليست سبب الإهلاك، بل هي آلة كما في ~~الصيحة، و: «الصرصر» يحتمل أن يكون من الصر أي البرد، وهو قول قتادة، ~~ويحتمل أن يكون من صر الشيء إذا صوت، فقال قوم: صوت الريح صرصر، كأنه يحكي ~~هذين الحرفين. و «العاتية» معناه: الشديدة المخالفة، فكانت الريح عتت على ~~الخزان بخلافها وعتت على قوم عاد بشدتها. وروي عن علي بن أبي طالب وابن ~~عباس أنهما قالا: إنه لم ينزل من السماء قطرة ماء إلا بمكيال على يد ملك ~~ولا هبت ريح إلا كذلك إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإن الله أذن لهما ~~في الخروج دون إذن الخزان. والتسخير: استعمال الشيء باقتدار عليه. وروي أن ~~الريح بدأت بهم صبح يوم الأربعاء لثمان بقين لشوال، وتمادت بهم إلى آخر يوم ~~الأربعاء تكملة الشهر. # وحسوما، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وأبو عبيدة معناه: كاملة ~~تباعا لم يتخللها غير ذلك، وهذه كما تقول العرب ما لقيته حولا محرما، قال ~~الشاعر [طفيل الغنوي] : [الطويل] # عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا ثم حول محرم # وقال الخليل: حسوما، أي شؤما ونحسا، وقال ابن زيد: حسوما جمع حاسم كجالس ~~وقاعد، ومعناه أن تلك الأيتام قطعتهم بالإهلاك، ومنه حسم العلل ومنه ~~الحسام. والضمير في قوله فيها صرعى يحتمل أن يعود على دارهم وحلتهم لأن ~~معنى الكلام يقتضيها وإن لم يلفظ بها. قال الثعلبي، وقيل يعود على الريح، ~~وقد تقدم القول في التشبيه ب «أعجاز النخل» في سورة (اقتربت الساعة) . # والخاوية: الساقطة التي قد خلت أعجازها بلى وفسادا. ثم وقف تعالى على ~~أمرهم توقيف اعتبار ووعظ بقوله: هل ترى لهم من باقية اختلف المتأولون في: ~~باقية، فقال قوم منهم ابن الأنباري: هي هاء مبالغة كعلامة ونسابة والمعنى ~~من باق. وقال ابن ms3570 الأنباري أيضا معناه: من فئة باقية وقال آخرون: باقية ~~مصدر فالمعنى من بقاء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحاقة (69) : الآيات 9 الى 17] # وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم ~~أخذة رابية (10) إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم ~~تذكرة وتعيها أذن واعية (12) فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) ~~وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية (17) # وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد ~~الرحمن والناس: «من قبله» PageV05P357 # بفتح القاف وسكون الباء أي الأمم الكافرة التي كانت قبله، ويؤيد ذلك ذكره ~~قصة نوح في طغيان الماء لأن قوله: من قبله، قد تضمنه فحسن اقتضاب أمرهم بعد ~~ذلك دون تصريح. وقال أبو عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبان والحسن بخلاف ~~عنه وأبو رجاء والجحدري وطلحة: «ومن قبله» ، بكسر القاف وفتح الباء أي ~~أجناده وأهل طاعته ويؤيد ذلك أن في مصحف أبي بن كعب: «وجاء فرعون ومن معه» ~~، وفي حرف أبي موسى: «ومن تلقاءه» . وقرأ طلحة بن مصرف: «ومن حوله» . وقبل ~~الإنسان: ما يليه في المكان وكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة عندي وفي ذمتي ~~وما يليني بأي وجه وليني. و: المؤتفكات قرى قوم لوط، وكانت أربعا فيما روي، ~~وائتفكت: قلبت وصرفت عاليها سافلها فائتفكت هي فهي مؤتفكة، وقرأ الحسن هنا: ~~«والمؤتفكة» على الإفراد، و «الخاطئة» : إما أن تكون صفة لمحذوف كأنه قال ~~بالفعل الخاطئة، وإما أن يريد المصدر، أي بالخطأ في كفرهم وعصيانهم. وقوله ~~تعالى: فعصوا رسول ربهم يحتمل أن يكون الرسول: اسم جنس كأنه قال: فعصا ~~هؤلاء الأقوام والفرق أنبياء الله الذين أرسلهم إليهم، ويحتمل أن يكون ~~الرسول بمعنى: الرسالة، وقال الكلبي: يعني موسى، وقال غيره في كتاب ~~الثعلبي: # يعني لوطا والرابية: النامية التي قد عظمت جدا، ومنه ربا المال، ومنه ~~الربا، ومنه اهتزت وربت. ثم عدد تعالى على الناس نعمته في قوله: إنا لما ~~طغى ms3571 الماء الآية، والمراد: طغى الماء في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح. ~~والطغيان: الزيادة على الحدود المتعارفة في الأشياء، ومعناه طغا على خزانه ~~في خروجه وعلى البشر في أن أغرقهم، قال قتادة: علا على كل شيء خمسة عشر ~~ذراعا، والجارية: # السفينة، والضمير في لنجعلها # عائد على الفعلة أي من يذكرها ازدجر، ويحتمل أن يعود على الجارية، أي من ~~سمعها اعتبر. والجارية يراد بها سفينة نوح قاله منذر، وقال المهدوي: المعنى ~~في السفن الجارية، وقال قتادة: أبقى الله تعالى تلك السفينة حتى رأى بعض ~~عيدانها أوائل هذه الأمة وغيرها من السفن التي صنعت بعدها قد صارت رمودا. ~~وقوله تعالى: وتعيها أذن واعية # عبارة عن الرجل الفهم المنور القلب، الذي يسمع القول فيتلقاه بفهم وتدبر. ~~قال أبو عمران الجوني: واعية # عقلت عن الله عز وجل. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: # «إني دعوت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي» . قال علي: فما سمعت بعد ~~ذلك شيئا فنسيته. وقرأ الجمهور: «تعيها» بكسر العين على وزن تليها. وقرأ ~~ابن كثير في رواية الحلواني وقنبل وابن مصرف: # «وتعيها» بسكون العين جعل التاء التي هي علامة في المضارع بمنزلة الكاف ~~من كتف إذ حرف المضارع لا يفارق الفعل فسكن تخفيفا كما يقال: كتف ونحو هذا ~~قول الشاعر: # قالت سليمى اشتر لنا سويقا على أن هذا البيت منفصل، فهو أبعد لكن ضرورة ~~الشعر تسامح به، ثم ذكر تعالى أمر القيامة، و «الصور» : القرن الذي ينفخ ~~فيه، قال سليمان بن أرقم: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الصور فقال: «هو قرن من نور فمه أوسع من السماوات» ، والنفخة المشار إليها ~~في هذه الآية، نفخة القيامة التي للفزع ومعها يكون الصعق، ثم نفخة البعث، ~~وقيل: هي نفخات ثلاثة: نفخة الفزع ونفخة الصعق ثم نفخة البعث، والإشارة ~~بآياتنا هذه إلى نفخة الفزع، لأن حمل الجبال هو بعدها. وقرأ PageV05P358 # الجمهور: «نفخة» بالرفع، لما نعت صح ms3572 رفعه، وقرأ أبو السمال: «نخفة واحدة» ~~بالنصب. وقرأ جمهور القراء: «وحملت» بتخفيف الميم بمعنى حملتها الرياح ~~والقدرة، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه: «وحملت» بشد الميم، وذلك يحتمل ~~معنيين أحدهما أنها حاملة حملت قدرة وعنفا وشدة نفثها فهي محملة حاملة. # والآخر أن يكون محمولة حملت ملائكة أو قدرة. وقوله تعالى: فدكتا وقد ذكر ~~جمعا ساغ، ذلك لأن المذكور فرقتان وهذا كما قال الشاعر [القطامي] : ~~[الوافر] # ألم يحزنك أن حبال قومي ... وقومك قد تباينتا انقطاعا # ومنه قوله تعالى: كانتا رتقا [الأنبياء: 30] و «دكتا» معناه: سوى جميعها ~~كما يقال: ناقة دكا: # إذا ضعفت فاستوت حدبتها مع ظهرها، والواقعة: القيامة والطامة الكبرى، ~~وقال بعض الناس: هي إشارة إلى صخرة بيت المقدس وهذا ضعيف، وانشقاق السماء ~~هو تفطيرها وتمييز بعضها عن بعض وذلك هو الوهي الذي ينالها كما يقال في ~~الجدارات البالية المتشققة واهية، والملك اسم الجنس يريد به الملائكة، وقال ~~جمهور المفسرين: الضمير في أرجائها عائد على السماء أي الملائكة على ~~نواحيها وما لم يه منها والرجا: الجانب من الحائط والبئر ونحوه ومنه قول ~~الشاعر [المرادي] : [الطويل] # كأن لم تري قبلي أسيرا مقيدا ... ولا رجلا يرعى به الرجوان # أي يلقى في بئر فهو لا يجد ما يتمسك به. وقال الضحاك أيضا وابن جبير: ~~الضمير في أرجائها عائد على الأرض وإن كان لم يتقدم لها ذكر قريب لأن القصة ~~واللفظ يقتضي إفهام ذلك، وفسر هذه الآية بما روي أن الله تعالى يأمر ملائكة ~~سماء الدنيا فيقفون صفا على حافات الأرض ثم يأمر ملائكة السماء الثانية ~~فيصفون خلفهم ثم كذلك ملائكة كل سماء، فكلما فر أحد من الجن والإنس وجد ~~الأرض قد أحيط بها، قالوا فهذا تفسير هذه الآيات، وهو أيضا معنى قوله ~~تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] وهو أيضا تفسير قوله يوم ~~التناد يوم تولون مدبرين [غافر: 32- 33] على قراءة من شد الدال، وهو تفسير ~~قوله: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا [الرحمن: 33] ، واختلف الناس في ms3573 الثمانية الحاملين للعرش، فقال ابن ~~عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد عدتهم. وقال ابن زيد: هم ~~ثمانية أملاك على هيئة الوعول، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناس، ~~أرجلهم تحت الأرض السفلى ورؤوسهم وكواهلهم فوق السماء السابعة. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة ~~قواهم الله بأربعة سواهم» . والضمير في قوله: فوقهم للملائكة الحملة، وقيل ~~للعالم كله وكل قدرة كيفما تصورت فإنما هي بحول الله وقوته. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحاقة (69) : الآيات 18 الى 29] # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ~~هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية ~~(21) في جنة عالية (22) # قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) ~~وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) # ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) PageV05P359 # الخطاب في قوله تعالى: تعرضون لجميع العالم، وروي عن أبي موسى الأشعري ~~وابن مسعود أن في القيامة عرضتين فيهما معاذير وتوقيف وخصومات وجدال، ثم ~~تكون عرضة ثالثة تتطاير فيها الصحف بالأيمان والشمائل. وقرأ حمزة والكسائي: ~~«لا يخفى» بالياء وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن وثاب وطلحة والأعمش ~~وعيسى، وقرأ الباقون: بالتاء على مراعاة تأنيث خافية وهي قراءة الجمهور، ~~وقوله تعالى: خافية معناه ضمير ولا معتقد، والذين يعطون كتبهم بأيمانهم هم ~~المخلدون في الجنة أهل الإيمان. واختلف العلماء في الفرقة التي ينفذ فيها ~~الوعيد من أهل المعاصي متى تأخذ كتبها، فقال بعضهم الأظهر أنها تأخذها مع ~~الناس، وذلك يؤنسها مدة العذاب، قال الحسن: فإذا أعطى كتابه بيمينه لم ~~يقرأه حتى يأذن الله تعالى له، فإذا أذن له قال: هاؤم اقرؤا كتابيه، وقال ~~آخرون: الأظهر أنه إذا أخرجوا من النار والإيمان يؤنسهم وقت العذاب. # قال القاضي أبو محمد: وهذا ظاهر هذه الآية، لأن من يسير إلى النار فكيف ~~يقول هاؤم ms3574 اقرؤا كتابيه؟ وأما قوله هاؤم، فقال قوم: أصله هاوموا، ثم نقله ~~التخفيف والاستعمال، وقرأ آخرون هذه الميم ضمير الجماعة، وفي هذا كله نظر. ~~والمعنى على كل تعالوا، فهو استدعاء إلى الفعل المأمور به، وقوله تعالى: ~~اقرؤا كتابيه هو استبشار وسرور، وقوله: ظننت الآية، عبارة عن إيمانه بالبعث ~~وغيره، قال قتادة: ظن هذا ظنا يقينا فنفعه، وقوم ظنوا ظن الشك فشقوا به، ~~وظننت هنا واقعة موقع تيقنت وهي في متيقن لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس، ~~وهذا هو باب الظن الذي يوقع موقع اليقين، وقرأ بعض القراء: «كتابيه» و ~~«حسابيه» و «ماليه» و «سلطانيه» بالهاء في الوصل والوقف اقتداء بخط المصحف، ~~وهي في الوصل بينة الوقوف لأنها هاء السكت، فلا معنى لها في الوصل، وطرح ~~الهاءات في الوصل لا في الوقف الأعمش وابن أبي إسحاق، قال أبو حاتم: ~~قراءتنا إثبات في الوقف وطرح في الوصل، وبذلك قرأ ابن محيصن وسلام، وقال ~~الزهراوي في إثبات الهاء في الوصل لحن لا يجوز عنه أحد علمته، وراضية ~~معناه: ذات رضى فهو بمعنى مرضية، وليست بناء اسم فاعل، وعالية معناه في ~~المكان والقدر وجميع وجوه العلو، و «القطوف» : جمع قطف وهو يجتنى من الثمار ~~ويقطف، ودنوها: هو أنها تأتي طوع المتمنى فيأكلها القائم والقاعد والمضطجع ~~بفيه من شجرتها، وأسلفتم معناه: قدمتم: و «الأيام» : هي أيام الدنيا لأنها ~~في الآخرة قد خلت وذهبت. وقال وكيع وابن جبير وعبد العزيز بن رفيع: المراد ~~بما أسلفتم من الصوم وعمومها في كل الأعمال أولى وأحسن، والذين يؤتون ~~كتابهم بشمائلهم: هم المخلدون في النار أهل الكفر فيتمنون أن لو كانوا ~~معدومين لا يجري عليهم شيء، وقوله تعالى: يا ليتها كانت القاضية إشارة إلى ~~موتة الدنيا، أي ليتها لم يكن بعدها رجوع ولا حياة، وقوله تعالى: ما أغنى ~~يحتمل أن يريد الاستفهام على معنى التقرير لنفسه والتوبيخ، ويحتمل أن يريد ~~النفي المحض، و «السلطان» في الآية: # الحجة على قول عكرمة ومجاهد، قال بعضهم ونحا إليه ابن زيد ينطق بذلك ملوك ms3575 ~~الدنيا الكفرة، والظاهرة PageV05P360 # عندي أن سلطان كل أحد حاله في الدنيا من عدد وعدد، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» ~~. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحاقة (69) : الآيات 30 الى 40] # خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين ~~(34) # فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا ~~الخاطؤن (37) فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) # إنه لقول رسول كريم (40) # المعنى يقول الله تعالى: أو الملك بأمره للزبانية، خذوه واجعلوا على عنقه ~~غلا، قال ابن جرير: # نزلت في أبي جهل، وذرعها معناه مبلغ أذرع كيلها، وقد جعل الله تعالى ~~السبعمائة والسبعين والسبعة مواقف ونهايات لأشياء عظام، فذلك مشي البشر: ~~العرب وغيرهم على أن يجعلوها نهايات، وهذه السلسلة من الأشياء التي جعل ~~فيها السبعين نهاية. وقرأ السدي: «ذرعها سبعين» بالياء، وهذا على حذف خبر ~~الابتداء، واختلف الناس في قدر هذا الذرع، فقال محمد بن المنكدر وابن جرير ~~وابن عباس: هو بذراع الملك، وقال نوف البكالي وغيره: الذراع سبعون باعا في ~~كل باع كما بين الكوفة ومكة، وهذا يحتاج إلى سند، وقال حذاق من المفسرين: ~~هي بالذراع المعروفة هنا، وإنما خوطبنا بما نعرفه ونحصله، وقال الحسن: الله ~~أعلم بأي ذراع هي: وقال السويد بن نجيح في كتاب الثعلبي: إن جميع أهل النار ~~في تلك السلسلة، وقال ابن عباس: لو وضع حلقة منها على جبل لذاب كالرصاص، ~~وقوله تعالى: فاسلكوه معناه: أدخلوه، ومنه قول أبي وجزة السعدي يصف حمر ~~وحش: [البسيط] # حتى سلكن الشوى منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج # وروي أن هذه السلسلة تدخل في فم الكافر وتخرج من دبره فهي في الحقيقة ~~التي سلك فيها لكن الكلام جرى مجرى قولهم: أدخلت فمي في الحجر والقلنسوة في ~~رأسي، وروي أن هذه السلسلة تلوى حول الكافر حتى تغمه وتضغطه، فالكلام على ~~هذا ms3576 على وجهه وهو المسلوك، وقوله تعالى: ولا يحض على طعام المسكين المراد ~~به: ولا يحض على إطعام طعام المسكين، وأضاف «الطعام» إلى المسكين من حيث له ~~إليه نسبة ما وخصت هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر لأنها من أضر الخلال في ~~البشر إذا كثرت في قوم هلك مساكنهم، واختلف المتأولون في قوله: حميم، فقال ~~جمهور من المفسرين: هو الصديق اللطيف المودة، فنفى الله تعالى أن يكون ~~للكافر هنالك من يواليه، ونفى أن يكون له طعام إلا من غسلين، وقال محمد بن ~~المستنير: «الحميم» الماء السخن، فكأنه تعالى أخبر أن الكافر ليس له ماء ~~ولا شيء مائع ولا طعام إلا من غسلين، و «الغسلين» فيما قال اللغويون: ما ~~يجري من الجراح إذا غسلت، وقال ابن عباس: هو صديد أهل النار. وقال قتادة ~~وابن زيد: الغسلين والزقوم أخبث شيء وأبشعه، وقال الضحاك والربيع: هو شجر ~~يأكله أهل النار، وقال بعض المفسرين: هو شيء من ضريع PageV05P361 # النار، لأن الله تعالى قد أخبر أنهم ليس لهم طعام إلا من غسلين، وقال في ~~أخرى: من ضريع [الغاشية: 6] فهما شيء واحد أو اثنان متداخلان، ويحتمل أن ~~يكون الإخبار هنا عن طائفة وهناك عن طائفة، ويكون الغسلين والضريع متباينين ~~على ما يفهم منهما في لسان العرب وخبر ليس في به، قال المهدوي: ولا يصح أن ~~يكون هاهنا. # قال القاضي أبو محمد: وقد يصح أن يكون هنا ذلك إن شاء الله، والخاطئ: ~~الذي يفعل ضد الصواب متعمدا والمخطئ الذي يفعله غير متعمد، وقرأ الحسن ~~والزهري «الخاطيون» بالياء دون همز، وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف ~~عنه: «الخاطون» بضم الطاء دون همز، وقوله تعالى: فلا أقسم، قال بعض النحاة ~~«لا» زائدة والمعنى: فأقسم، وقال آخرون منهم: «لا» رد لما تقدم من أقوال ~~الكفار، والبداءة أقسم وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «فلأقسم» ، لام القسم معها ~~ألف أقسم، وقوله تعالى: بما تبصرون وما لا تبصرون. قال قتادة بن دعامة: ~~أراد الله تعالى أن يعمم في هذا القسم حميع مخلوقاته. وقال ms3577 غيره: أراد ~~الأجساد والأرواح. وهذا قول حسن عام، وقال ابن عطاء: «ما تبصرون» ، من آثار ~~القدرة وما لا تبصرون من أسرار القدرة، وقال قوم: أراد بقوله: وما لا ~~تبصرون الملائكة والرسول الكريم جبريل في تأويل جماعة من العلماء، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم في قول آخرين وأضيف القول إليه من حيث تلاه وبلغه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الحاقة (69) : الآيات 41 الى 52] # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ~~(42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا ~~منه باليمين (45) # ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة ~~للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) # وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) # نفى الله تعالى أن يكون القرآن من «قول شاعر» كما زعمت قريش، ونصب قليلا ~~بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون، وما يحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة، ~~ويحتمل أن تكون مصدرية ويتصف بالقلة، إما الإيمان وإما العدد الذي يؤمنون، ~~فعلى اتصاف إيمانهم بالقلة فهم الإيمان اللغوي لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة ~~لا تغني عنهم شيئا إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو حق صواب، ثم نفى تعالى أن يكون «قول ~~كاهن» كما زعم بعضهم، وقرأ ابن كثير وابن عامر والحسن والجحدري: «قليلا ما ~~يؤمنون وقليلا ما يذكرون» بالياء جميعا. وقرأ الباقون: بالتاء من فوق، ورجح ~~أبو عامر قراءة التاء بقوله تعالى: فما منكم من أحد وفي مصحف أبي بن كعب ~~«ما تتذكرون» بتاءين، وتنزيل رفع بالابتداء، أي هو تنزيل، ثم أخبر تعالى أن ~~محمدا لو تقول عليه شيئا لعاقبه بما ذكر، والتقول: أن يقول الإنسان عن آخر ~~أنه قال شيئا لم يقله. وقرأ ذكوان PageV05P362 # وابنه محمد: «ولو يقول» بالياء وضم القاف، وهذه القراءة معرضة بما صرحت ~~به قراءة الجمهور، ويبين التعريض قوله علينا بعض الأقاويل، وقوله تعالى: ~~لأخذنا منه باليمين اختلف في معناه، فقال ms3578 ابن عباس: باليمين، بالقوة ~~ومعناه: لنلنا منه عقابه بقوة منا، أو يكون المعنى: لنزعنا قوته، وقال ~~آخرون: # هي عبارة عن الهوان، كما يقال لمن يسجن أو يقام لعقوبة قد أخذ بيده ~~وبيمينه، والوتين: نياط القلب، قاله ابن عباس وهو عرق غليظ تصادفه شفرة ~~الناحر، ومنه قول الشماخ: [الوافر] # إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرادة فاشرقي بدم الوتين # فمعنى الآية لأذهبنا حياته معجلا، والحاجز: المانع، وجمع حاجزين على معنى ~~أحد لأنه يقع على الجميع، ونحوه قوله عليه السلام: «ولم تحل الغنائم لأحد ~~سوى الرؤوس قبلكم» . والضمير في قوله تعالى: وإنه لتذكرة عائد على القرآن، ~~وقيل على محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى: وإنا لنعلم أن منكم ~~مكذبين وعيد وكونه لحسرة على الكافرين هو من حيث كفروا ويرون من آمن به ~~ينعم وهم يعذبون، وقوله تعالى: لحق اليقين ذهب الكوفيون إلى أنها إضافة ~~الشيء إلى نفسه كدار الآخرة ومسجد الجامع. وذهب البصريون والحذاق إلى أن ~~الحق مضاف إلى الأبلغ من وجوهه، وقال المبرد: إنما هو كقولك عين اليقين ~~ومحض اليقين. ثم أمر تعالى نبيه بالتسبيح باسمه العظيم. وفي ضمن ذلك ~~الاستمرار على رسالته والمضي لأدائها وإبلاغها، وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: «اجعلوها في ركوعكم» واستحب التزام ذلك ~~جماعة من العلماء، وكره مالك لزوم ذلك لئلا يعد واجبا فرضا. PageV05P363 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المعارج # وهي مكية لا خلاف بين الرواة في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج ~~(3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) # فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) # ولا يسئل حميم حميما (10) # قرأ جمهور السبعة: «سأل» بهمزة مخففة، قالوا والمعنى: دعا داع، والإشارة ~~إلى من قال من قريش: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ms3579 حجارة من السماء [الأنفال: ~~32] . وروي أن قائل ذلك النضر بن الحارث، وإلى من قال: ربنا عجل لنا قطنا ~~[ص: 16] ، ونحو هذا، وقال بعضهم المعنى: بحث باحث، واستفهم مستفهم، قالوا ~~والإشارة إلى قول قريش: متى هذا الوعد؟ وما جرى مجراه قاله الحسن وقتادة، ~~فأما من قال استفهم مستفهم فالباء توصل توصيل عن، كأنه قال عن عذاب، وهذا ~~كقول علقمة بن عبدة: [الطويل] # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب # وقرأ نافع بن عامر: «سال سائل» ساكنة الألف، واختلفت القراءة بها، فقال ~~بعضهم: هي «سأل» المهموزة، إلا أن الهمزة سهلت كما قال لا هناك المرتع ونحو ~~ذلك. وقال بعض هي لغة من يقول سلت أسأل، ويتساولون، وهي بلغة مشهورة حكاها ~~سيبويه، فتجيء الألف منقلبة من الواو التي هي عين كقال وحاق، وأما قول ~~الشاعر [حسان بن ثابت] : [البسيط] # سالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما سالت ولم تصب # فإن سيبويه قال: هو على لغة تسهيل الهمزة. وقال غيره: هو على لغة من قال: ~~سلت، وقال بعضهم في الآية: هو من سال يسيل: إذا جرى وليست من معنى السؤال، ~~قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يسمى سايلا، والاخبار هاهنا عنه. PageV05P364 # قال القاضي أبو محمد: ويحتمل إن لم يصح أمر الوادي أن يكون الإخبار عن ~~نفوذ القدر بذلك العذاب قد استعير له لفظ السيل لما عهد من نفوذ السيل ~~وتصميمه، وقرأ ابن عباس: «سال سيل» بسكون الياء، وقرأ أبي بن كعب وابن ~~مسعود: «سال سال» مثل قال قال، ألقيت الياء من الخط تخفيفا، والمراد «سائل» ~~. وسؤال الكفار عن العذاب حسب قراءة الجماعة إنما كان على أنه كذب. فوصفه ~~الله تعالى بأنه واقع وعيدا لهم. وقوله تعالى: للكافرين. قال بعض النحويين: ~~اللام توصل المعنى توصيل «على» . وروي أنه في مصحف أبي بن كعب: «على ~~الكافرين» ، وقال قتادة والحسن المعنى: كأن قائلا قال لمن هذا العذاب ~~الواقع؟ فقيل للكافرين. والمعارج في اللغة الدرج في الأجرام، وهي هنا ~~مستعارة في الرتب والفواضل والصفات الحميدة، ms3580 قاله قتادة وابن عباس. وقال ~~ابن عباس: المعارج السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء. وقال ~~الحسن: هي المراقي إلى السماء، وقوله: # تعرج الملائكة معناه: تصعد على أصل اللفظة في اللغة. والروح عند جمهور ~~العلماء: هو جبريل عليه السلام خصصه بالذكر تشريفا. وقال مجاهد: الروح ~~ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن ~~الملائكة. وقال بعض المفسرين: هو اسم الجنس في أرواح الحيوان. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. فقال ~~منذر بن سعيد وجماعة من الحذاق: المعنى تعرج الملائكة والروح إليه في يوم ~~من أيامكم هذه مقدار المسافة أن لو عرجها آدمي خمسون ألف سنة، وقاله ابن ~~إسحاق فمن جعل «الروح» جبريل أو نوعا من الملائكة قال: المسافة هي من قعر ~~الأرض السابعة إلى العرش، قاله مجاهد. ومن جعل «الروح» جنس الحيوان قال ~~المسافة من وجه هذه الأرض إلى منتهى العرش علوا، قاله وهب بن منبه. وقال ~~قوم المعنى: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره في نفسه خمسين ~~ألف سنة من أيامكم، ثم اختلفوا في تعيين ذلك اليوم، فقال عكرمة والحكم: ~~أراد مدة الدنيا فإنها خمسون ألف سنة، لا يدري أحد ما مضى منها ولا ما بقي، ~~فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه في مدة الدنيا، وبقاء هذه البنية ويتمكن ~~على هذا في «الروح» أن يكون جنس أرواح الحيوان، وقال ابن عباس وغيره: بل ~~اليوم المشار إليه يوم القيامة ثم اختلفوا، فقال بعضهم قدره في الطول قدر ~~خمسين ألف سنة، وهذا هو ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل لا ~~يؤدي زكاة ماله إلا جعل له صفائح من نار يوم القيامة، تكوى بها جبهته وظهره ~~وجنباه في يوم كان مقداره ألف سنة» . وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري: بل ~~قدره في هوله وشدته ورزاياه للكفار قدر خمسين ألف سنة. وهذا كما تقول في ~~اليوم العصيب، إنه كسنة ونحو هذا قال أبو سعيد، قيل يا ms3581 رسول الله ما أطول ~~يوما مقداره خمسون ألف سنة، فقال: «والذي نفسي بيده ليخف على المؤمن حتى ~~يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة» ، وقال عكرمة: المعنى كان مقدار ما ينقضي ~~فيه من القضايا والحساب قدر ما ينقضي بالعدل في خمسين ألف سنة من أيام ~~الدنيا. وقد ورد في يوم القيامة أنه كألف سنة وهذا يشبه أن يكون في طوائف ~~دون طوائف. والعامل في قوله في يوم على قول من قال إنه يوم القيامة قوله ~~دافع وعلى سائر الأقوال تعرج، وقرأ جمهور القراء: «تعرج» بالتاء من فوق، ~~وقرأ الكسائي وحده: «يعرج» بالياء لأن التأنيث بالياء غير حقيقي، وبالياء ~~من تحت قرأ ابن مسعود لأنه كان يذكر الملائكة وهي قراءة PageV05P365 # الأعمش، ثم أمر تعالى نبيه بالصبر الجميل، وهو الذي لا يلحقه عيب من فشل ~~ولا تشكك ولا قلة رضى ولا غير ذلك. والأمر بالصبر الجميل محكم في كل حالة، ~~وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وقوله تعالى: إنهم يرونه بعيدا يعني ~~يوم القيامة لأنهم يكذبون به، فهو في غاية البعد عندهم، والله تعالى يراه ~~قريبا من حيث هو واقع وآت وكل آت قريب. وقال بعض المفسرين: الضمير في يرونه ~~عائد على العذاب. وقوله تعالى: يوم تكون نصب بإضمار فعل أو على البدل من ~~الضمير المنصوب. و «المهل» : # عكر الزيت قاله ابن عباس وغيره، فهي لسوادها وانكدار أنوارها تشبه ذلك. ~~والمهل أيضا: ماء أذيب من فضة ونحوها قاله ابن مسعود وغيره: فيجيء له ألوان ~~وتميع مختلط، والسماء أيضا- للأهوال التي تدركها- تصير مثل ذلك، و «العهن» ~~: الصوف دون تقييد. وقد قال بعض اللغويين: هو الصوف المصبوغ ألوانا، وقيل ~~المصبوغ أي لون كان، وقال الحسن: هو الأحمر، واستدل من قال إنه المصبوغ ~~ألوانا بقول زهير: # [الطويل] # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم # وحب الفنا هو عنب الثعلب، وكذلك هو عند طيبه، وقبل تحطمه ألوان بعضه ~~أخضر، وبعضه أصفر، وبعضه أحمر، لاختلافه في النضج، وتشبه «الجبال» به على ~~هذا القول ms3582 لأنها جدد بيض وحمر وسود فيجيء التشبيه من وجهين في الألوان وفي ~~الانتفاش. ومن قال إن العهن: الصوف دون تقييد، وجعل التشبيه في الانتفاش ~~وتخلخل الأجزاء فقط. قال الحسن: والجبال يوم القيامة تسير بالرياح ثم يشتد ~~الأمر فتنهد ثم يشتد الأمر بها فتصير هباء منبثا. وقرأ السبعة والحسن ~~والمدنيون وطلحة والناس: «ولا يسأل» على بناء الفعل للفاعل، والحميم في هذا ~~الموضع: القريب والوالي، والمعنى لا يسأله نصرة ولا منفعة لعلمه أنه لا ~~يجدها عنده، قال قتادة: المعنى لا يسأله عن حاله لأنها ظاهرة قد بصر كل أحد ~~حالة الجميع، وشغل بنفسه. وقرأ ابن كثير من طريق البزي وأبو جعفر وشيبة ~~بخلاف عنهما وأبو حيوة «لا يسأل» على بناء الفعل للمفعول. فالمعنى: ولا ~~يسأل إحضاره لأن كل مجرم له سيما يعرف بها، وكذلك كل مؤمن له سيما خير. # وقيل المعنى: لا يسأل عن ذنبه وأعماله ليؤخذ بها وليزر وزره. # قوله عز وجل: ### || [سورة المعارج (70) : الآيات 11 الى 23] # يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه ~~(12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها ~~لظى (15) # نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18) إن الإنسان ~~خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) # وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون ~~(23) PageV05P366 # ويبصرونهم على هذه القراءة قيل معناه في النار. وقال ابن عباس في المحشر ~~يبصر بالحميم حميمه ثم يفر عنه لشغله بنفسه. وتقول: بصر فلان بالشيء، ~~وبصرته به أريته إياه ومنه قول الشاعر: [الوافر] # إذا بصرتك البيداء فاسري ... وأما الآن فاقتصدي وقيلي # وقرأ قتادة بسكون الباء وكسر الصاد خفيفة، فقال مجاهد: يبصرونهم معناه ~~يبصر المؤمنون الكفار في النار، وقال ابن زيد: يبصر الكفار من أضلهم في ~~النار عبرة وانتقاما عليهم وخزيا لهم. # المجرم في هذه الآية الكافر بدليل شدة الوعد وذكر لظى وقد يدخل مجرم ~~المعاصي فيما ذكر من الافتداء، وقرأ جمهور الناس: «يومئذ» بكسر الميم، وقرأ ~~الأعرج بفتحها، ومن حيث أضيف إلى غير ms3583 متمكن جاز فيه الوجهان. وقرأ أبو حيوة ~~«من عذاب» منونا «يومئذ» مفتوح الميم، والصاحبة: هنا الزوجة، والفصيلة في ~~هذه الآية قرابة الرجل الأدنون، مثال ذلك بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، والفصيلة في كلام العرب: أيضا الزوجة، ولكن ذكر الصاحبة في هذه الآية ~~لم يبق في معنى الفصيلة إلا الوجه الذي ذكرناه. وقوله ثم ينجيه الفاعل هو ~~الفداء الذي تضمنه قوله لو يفتدي فهو المتقدم الذكر. وقرأ الزهري «تؤويه» و ~~«تنجيه» برفع الهاءين، وقوله تعالى: كلا إنها لظى رد لقولهم وما ودوه أي ~~ليس الأمر كذلك، ثم ابتدأ الإخبار عن لظى وهي طبقة من طبقات جهنم، وفي هذا ~~اللفظ تعظيم لأمرها وهولها. وقرأ السبعة والحسن وأبو جعفر والناس: «نزاعة» ~~بالرفع، وقرأ حفص عن عاصم: «نزاعة» بالنصب، فالرفع على أن تكون لظى بدلا من ~~الضمير المنصوب، «ونزاعة» خبر «إن» أو على إضمار مبتدأ، أي هي نزاعة أو على ~~أن يكون الضمير في إنها للقصة، ولظى ابتداء و «نزاعة» خبره، أو على أن تكون ~~لظى خبر و «نزاعة» بدل من لظى، أو على أن تكون لظى خبرا و «نزاعة» خبرا بعد ~~خبر. وقال الزجاج: «نزاعة» ، رفع بمعنى المدح. # قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول بأنها خبر ابتداء تقديره هي نزاعة، ~~لأنه إذا تضمن الكلام معنى المدح أو الذم جاز لك القطع رفعا بإضمار مبتدأ ~~أو نصبا بإضمار فعل. ومن قرأ بالنصب فذلك إما على مدح لظى كما قلنا، وإما ~~على الحال من لظى لما فيها من معنى التلظي، كأنه قال: كلا إنها النار التي ~~تتلظى نزاعة، قال الزجاج: فهي حال مؤكدة و: «الشوى» جلد الإنسان، وقيل جلد ~~الرأس والهامة، قاله الحسن. ومنه قول الأعشى: [مجزوء الكامل] # قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبا شواته # ورواه أبو عمرو بن العلاء سراته فلا شاهد في البيت على هذه الرواية. قال ~~أبو عبيدة: سمعت أعرابيا يقول اقشعرت شواتي، و «الشوى» أيضا: قوائم ~~الحيوان، ومنه عبل الشوى، و «الشوى» أيضا: كل عضو ليس بمقتل، ms3584 ومنه رمى ~~فأشوى إذا لم يصب المقتل، وقال ابن جرير: «الشوى» العصب والعقب، فنار لظى ~~تذهب هذا من ابن آدم وتنزعه. وقوله تعالى: تدعوا من أدبر وتولى يريد ~~الكفار، واختلف الناس في دعائها، فقال ابن عباس وغيره: هو حقيقة تدعوهم ~~بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقال الخليل بن أحمد هي عبارة عن حرصها عليهم ~~واستدنائها لهم، وما توقعه من عذابها، وقال ثعلب: تدعوا، معناه: تهلك، تقول ~~العرب: دعاك الله أي أهلكك، وحكاه الخليل عن العرب، و «أوعى» معناه: جعلها ~~في الأوعية تقول: وعيت العلم وأوعيت المال والمتاع، ومنه قول الشاعر [عبيد ~~بن الأبرص] : [البسيط] PageV05P367 # الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد # وهذه إشارة إلى كفار أغنياء جعلوا جمع المال أوكد أمرهم، ومعنى حياتهم ~~فجمعوه من غير حل ومنعوه من حقوق الله، وكان عبد الله بن عليكم لا يربط ~~كيسه، ويقول: سمعت الله تعالى يقول: وجمع فأوعى. وقوله تعالى: إن الإنسان ~~عموم لاسم الجنس، لكن الإشارة هنا إلى الكفار، لأن الأمر فيهم وكيد كثير، ~~والهلع جزع واضطراب يعتري الإنسان عند المخاوف وعند المطامع ونحوه قوله ~~عليه السلام: # «شر ما في الإنسان شح هالع» . وقوله إذا مسه، الآية، مفسر للهلع، وقوله ~~تعالى: إلا المصلين أي إلا المؤمنين الذين أمر الآخرة أوكد عليهم من أمر ~~الدنيا، والمعنى أن هذا المعنى فيهم يقل لأنهم يجاهدون بالتقوى، وقرأ ~~الجمهور: «على صلاتهم» بالإفراد، وقرأ الحسن: «صلواتهم» بالجمع. وقوله ~~تعالى: # دائمون قال الجمهور المعنى: مواظبون قائمون لا يملون في وقت من الأوقات ~~فيتركونها وهذا في المكتوب، وأما النافلة فالدوام عليها الإكثار منها بحسب ~~الطاقة، وقد قال عليه السلام: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه» . ~~وقال ابن مسعود: الدوام صلاتها لوقتها، وتركها كفر، وقال عقبة بن عامر: # دائمون يقرؤون في صلاتهم ولا يلتفتون يمينا ولا شمالا. ومنه الماء ~~الدائم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المعارج (70) : الآيات 24 الى 31] # والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون ~~بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ms3585 ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير ~~مأمون (28) # والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) # قال قتادة والضحاك: «الحق المعلوم» هي الزكاة المفروضة، وقال الحسن ~~ومجاهد وابن عباس: هذه الآية في الحقوق التي في المال سوى الزكاة وهي ما ~~ندبت الشريعة إليه من المواساة، وقد قال ابن عمر ومجاهد والشعبي وكثير من ~~أهل العلم: إن في المال حقا سوى الزكاة وهذا هو الأصح في هذه الآية لأن ~~السورة مكية، وفرض الزكاة وبيانها إنما كان بالمدينة. و «السائل» : ~~المتكفف، «والمحروم» المحارف الذي قد ثبت فقره ولم تنجح سعاياته لدنياه، ~~قالت عائشة: هو الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه. وقال بعض أهل العلم، ~~«المحروم» : من احترق زرعه، وقال بعضهم «المحروم» : من ماتت ماشيته، وهذه ~~أنواع الحرمان لأن الاسم يستلزم هذا خاصة، وقال عمر بن عبد العزيز ~~«المحروم» : الكلب أراد، والله أعلم أن يعطي مثالا من الحيوان ذي الكبد ~~الرطبة لما فيه من الأجر حسب الحديث المأثور، وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ~~ما المحروم. وحكى عنه النقاش أنه قال: وهو ابن سبعين سنة سألت عنه وأنا ~~غلام فما وجدت شفاء. # قال القاضي أبو محمد: يرحم الله الشعبي فإنه في هذه المسألة محروم، ولو ~~أخذه اسم جنس فيمن عسرت مطالبه بان له، وإنما كان يطلبه نوعا مخصوصا ~~كالسائل، ويوم الدين هو يوم القيامة، سمي PageV05P368 # بذلك لأنه يوم المجازاة، و «الدين» : الجزاء كما تقول العرب: # كما تدين تدان ومنه قول الفند الزماني: [الهزج] # ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا # والإشفاق من أمر يتوقع، لأن نيل عذاب الله للمؤمنين متوقع، والأكثر ناج ~~بحمد الله، لكن عذاب الله لا يأمنه إلا من لا بصيرة له، والفروج في هذه ~~الآية: هي الفروج المعروفة، والمعنى من الزنى، وقال الحسن بن أبي الحسن ~~أراد فروج الثياب وإلى معنى الوطء يعود. ثم استثنى تعالى الوطء الذي أباحه ~~الشرع في الزوجة والمملوكات. وقوله تعالى: إلا على أزواجهم ms3586 وحسن دخول على ~~في هذا الموضوع قوله: غير ملومين، فكأنه قال: إلا أنهم غير ملومين على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم. # وقوله تعالى: ابتغى معناه: طلب، وقوله: وراء ذلك معناه: سوى ما ذكر، كأنه ~~أمر قد حد فيه حد، فمن طلب بغيته وراء الحد فهو كمستقبل حد في الأجرام وهو ~~يتعدى، وراءه: أي خلفه، والعادون: # الذين يتجاوزون حدود الأشياء التي لها حدود كان ذلك في الأجرام أو في ~~المعنى. # قوله عز وجل: ### || [سورة المعارج (70) : الآيات 32 الى 39] # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) فمال الذين ~~كفروا قبلك مهطعين (36) # عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ~~(38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) # الأمانات: جمع أمانة، وجمعها لأنها تكون متنوعة من حيث هي في الأموال وفي ~~الأسرار فيما بين العبد وربه فيما أمره ونهاه عنه، قال الحسن: الدين كله ~~أمانة. وقرأ ابن كثير وحده من السبعة: «لأمانتهم» بالإفراد، والعهد: كل ما ~~تقلده الإنسان من قول أو فعل أو مودة، إذا كانت هذه الأشياء على طريق البر، ~~فهو عهد ينبغي رعيه وحفظه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حسن العهد ~~من الإيمان» و: راعون جمع راع أي حافظ، وقوله تعالى: والذين هم بشهاداتهم ~~قائمون معناه في قول جماعة من المفسرين: # أنهم يحفظون ما يشهدون فيه، ويتيقنونه ويقومون بمعانيه حتى لا يكون لهم ~~فيه تقصير، وهذا هو وصف من تمثيل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «على مثل ~~الشمس فاشهد» . وقال آخرون معناه الذين إذا كانت عندهم شهادة ورأوا حقا ~~يدرس أو حرمة لله تنتهك قاموا بشهادهم، وقال ابن عباس: شهادتهم في هذه ~~الآية: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» . وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» ، واختلف ~~الناس في معنى هذا الحديث بحسب المعنيين اللذين ذكرت في الآية، إحداهما: أن ~~يكون يحفظهما ms3587 متقنة فيأتي بها ولا يحتاج أن يستفهم عن شيء منها ولا أن ~~يعارض. والثاني: إذا رأى حقا يعمل بخلافه وعنده في إحياء الحق شهادة. وروي ~~أيضا عن النبي صلى الله PageV05P369 # عليه وسلم أنه قال: «سيأتي قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا ~~يستشهدون، ويظهر فيهم السمن» . # واختلف الناس في معنى هذا الحديث، فقال بعض العلماء: هم قوم مؤمنون ~~يتعرضون ويحرصون على وضع أسمائهم في وثائق الناس، وينصبون لذلك الحبائل من ~~زي وهيئة وهم غير عدول في أنفسهم فيغرون بذلك ويضرون. # قال القاضي أبو محمد: فهذا في ابتداء الشهادة لا في أدائها، ويجيء قوله ~~عليه السلام: «ولا يستشهدون» ، أي وهم غير أهل لذلك، وقال آخرون من ~~العلماء: هم شهود الزور، لأنهم يؤدونها والحال لم تشهدهم ولا المشهود عليه، ~~وقرأ حفص عن عاصم: «بشهاداتهم» على الجمع وهي قراءة عبد الرحمن، والباقون ~~«بشهادتهم» على الإفراد الذي هو اسم الجنس. والمحافظة على الصلاة إقامتها ~~في أوقاتها بشروط صحتها وكمالها، وقال ابن جريج: يدخل في هذه الآية التطوع. ~~وقوله تعالى: فمال الذين كفروا قبلك مهطعين الآية نزلت بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي عند الكعبة أحيانا ويقرأ القرآن، فكان كثير من ~~الكفار يقومون من مجالسهم مسرعين إليه يتسمعون قراءته ويقول بعضهم لبعض: # شاعر وكاهن ومفتر وغير ذلك. وقبلك معناه فيما يليك، و: «المهطع» الذي ~~يمشي مسرعا إلى شيء قد أقبل عليه ببصره. وقال ابن زيد: لا يطرف، و: عزين ~~جمع عزة، قال بعض النحاة أصلها عزوة، وقال آخرون منهم: أصلها عزهة، وجمعت ~~بالواو والنون عوضا مما انحذف منها نحو سنة وسنون، ومعنى العزة: الجمع ~~اليسير فكأنهم كانوا ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ومنه قول الراعي: [الكامل] # أخليفة الرحمن إن عشيرتي ... أمسى سوامهم عزين فلولا # وقال أبو هريرة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم حلق ~~متفرقون فقال: «ما لي أراكم عزين» وقوله تعالى: أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل ~~جنة نعيم نزلت لأن بعض الكفار قال: إن كانت ثم آخرة وجنة فنحن ms3588 أهلها وفيها، ~~لأن الله تعالى لم ينعم علينا في الدنيا بالمال والبنين وغير ذلك إلا لرضاه ~~عنا. وقرأ السبعة والحسن وطلحة: «يدخل» بضم الياء وفتح الخاء على بناء ~~الفعل للمفعول، وقرأ المفضل عن عاصم وابن يعمر والحسن وأبو رجاء وطلحة: ~~«يدخل» ، بفتحها وضم الخاء على بناء الفعل للفاعل. وقوله تعالى: كلا رد ~~لقولهم وطمعهم: أي ليس الأمر كذلك، ثم أخبر عن خلقهم من نطفة قذرة، فأحال ~~في العبارة عنها إلى علم الناس أي فمن خلق من ذلك فليس بنفس خلقه يعطى ~~الجنة، بل بالأعمال الصالحة إن كانت. وقال قتادة في تفسيرها: إنما خلقت من ~~قذر با ابن آدم فاتق الله، وقال أنس كان أبو بكر إذا خطبنا ذكر مناتي ابن ~~آدم ومروره من مجرى البول مرتين وكونه نطفة في الرحم ثم علقة ثم مضغة إلى ~~أن يخرج فيتلوث في نجساته طفلا فلا يقلع أبو بكر حتى يقذر أحدنا نفسه. # قوله عز وجل: ### || [سورة المعارج (70) : الآيات 40 الى 44] # فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) PageV05P370 # قرأ الجمهور: «فلا أقسم» وذلك على أن تكون «لا» زائدة، أو تكون ردا لفعل ~~الكفار وقولهم ثم يقع الابتداء بالقسم. وقرأ قوم من القراء «فلأقسم» دون ~~ألف مفردة، والمشارق والمغارب هي مطالع الشمس والقمر وسائر الكواكب وحيث ~~تغرب، لأنها مختلفة عند التفضيل فلذلك جمع، وقرأ عبد الله بن مسلم وابن ~~محيصن: «برب المشرق والمغرب» على الإفراد، ومتى ورد «المشرق والمغرب» ، وهي ~~عبارة عن موضع الشروق وموضع الغروب بجملته وإن كان يتفصل بالصاد، ومتى ورد ~~المشرقان والمغربان فهي عبارة عن طرفي مواضع الشروق وطرفي موضع الغروب. ~~وأقسم الله تعالى في هذه الآية بمخلوقاته على إيجاب قدرته على أن يبدل خيرا ~~من ذلك العالم، وأنه لا يسبقه شيء إلى إرادته. وقوله تعالى: فذرهم يخوضوا ms3589 ~~الآية وعيد وما فيه من معنى المهادنة فمنسوخ بآية السيف. وروي عن ابن كثير ~~أنه قرأ: «يلقوا» بغير ألف، وهي قراءة أبي جعفر وابن محيصن. ويوم يخرجون ~~بدل من قولهم يومهم. وقرأ الجمهور: «يخرجون» بفتح الياء وضم الراء. وروى ~~أبو بكر عن عاصم: ضم الياء وفتح الراء. # و: الأجداث القبور، والنصب: ما نصب للإنسان فهو يقصد مسرعا إليه من علم ~~أو بناء أو صنم لأهل الأصنام. وقد كثر استعمال هذا الاسم في الأصنام حتى ~~قيل لها الأنصاب، ويقال لشبكة الصائد نصب. # وقال أبو العالية إلى نصب يوفضون معناه: إلى غايات يستبقون. وقرأ جمهور ~~السبعة وأبو بكر عن عاصم «نصب» بفتح النون، وهي قراءة أبي جعفر ومجاهد ~~وشيبة وابن وثاب والأعرج، وقرأ الحسن وقتادة بخلاف عنهما: «نصب» بضم النون. ~~وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: «نصب» بضم النون والصاد وهي قراءة الحسن أيضا ~~وأبي العالية وزيد بن ثابت وأبي رجاء وقرأ مجاهد وأبو عمران الجوني «إلى ~~نصب» بفتح النون والصاد ويوفضون معناه: يسرعون ومنه قول الراجز: [الرجز] # لأنعتن نعامة ميفاضا ... خرجاء ظلت تطلب الاضاضا # وخاشعة نصب على الحال، ومعناه ذليلة منكسرة، وترهقهم معناه: تظهر عليهم ~~وتلح وتضيق نفوسهم، ومن هذه اللفظة المرهق من السادة بحوائج الناس، والمرهق ~~بالدين، وخلق فيها رهق أي إسراع إلى الناس وسيف فلان فيه رهق، ومنه مراهقة ~~الاحتلام، وإرهاق الصلاة أي مزاحمة وقتها. # نجز تفسير «سورة المعارج» والحمد لله كثيرا. PageV05P371 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة نوح # وهي مكية بإجماع من المتأولين. قال أبي بن كعب، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح. # قوله عز وجل: ### || [سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ms3590 لو كنتم ~~تعلمون (4) # «نوح» عليه السلام هو نوح بن لامك، وقد مر ذكره وذكر عمره صلى الله عليه ~~وسلم، وصرف نوح مع عجمته وتعريفه لخفته وسكون الوسط من حروفه، وقوله: أن ~~أنذر قومك يحتمل أن تكون أن: # مفسرة لا موضع لها من الإعراب، ويحتمل أن يكون التقدير «بأن أنذر قومك» ~~وهي على هذا في موضع نصب عند قوم من النحاة، وفي موضع خفض عند آخرين، وفي ~~مصحف عبد الله بن مسعود «إلى قومه أنذر قومك» دون أن، والعذاب الذي توعدوا ~~به: يحتمل أن يكون عذاب الدنيا وهو الأظهر والأليق بما يأتي بعد، ويحتمل أن ~~يكون عذاب الآخرة. وقرأ جمهور السبعة: «أن اعبدوا» ، بضم النون من «أن» ~~اتباعا لضمة الباء وتركا لمراعاة الحائل لخفة السكون، فهو كأن ليس ثم حائل. ~~وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو، وفي رواية عبد الوارث «أن اعبدوا» ، بكسر النون ~~وهذا هو الأصل في التقاء الساكنين من كلمتين. # ويغفر جواب الأمر وقوله تعالى: من ذنوبكم قال قوم من زائدة، وهذا نحو ~~كوفي، وأما الخليل وسيبويه فلا يجوز عندهم زيادتها في الواجب، وقال قوم: هي ~~لبيان الجنس، وهذا ضعيف لأنه ليس هنا جنس يبين، وقال آخرون هي بمعنى «عن» . ~~وهذا غير معروف في أحكام «من» ، وقال آخرون: هي لابتداء الغاية وهذا قول ~~يتجه كأنه يقول يبتدئ الغفران من هذه الذنوب العظام التي لهم. وقال آخرون: ~~هي للتبعيض، وهذا عندي أبين الأقوال، وذلك أنه لو قال: «يغفر لكم ذنوبكم» ~~لعم هذا اللفظ ما تقدم من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يجب ~~ما قبله، فهي بعض من ذنوبهم، فالمعنى يغفر لكم ذنوبكم، وقال بعض المفسرين: ~~أراد يغفر لكم من ذنوبكم المهم الموبق الكبير لأنه أهم عليهم، وبه ربما كان ~~اليأس عن الله قد وقع لهم وهذا قول مضمنه أن من للتبعيض والله تعالى ~~الموفق. وقرأ أبو PageV05P372 # عمرو: يغفر لكم بالإدغام، ولا يجيز ذلك الخليل وسيبويه، لأن الراء حرف ~~مكرر، فإذا أدغم في اللام ذهب التكرير واختل المسموع. وقوله تعالى: ms3591 ويؤخركم ~~إلى أجل مسمى مما تعلق المعتزلة به في قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم ~~قالوا: لو كان واحدا محدودا لما صح التأخير، إن كان الحد قد بلغ ولا ~~المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ. # قال القاضي أبو محمد: وليس لهم في الآية تعلق، لأن المعنى أن نوحا عليه ~~السلام، لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟ ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن ~~أجل قد حان لكم، لكن قد سبق في الأزل أنهم إما ممن قضى لهم بالإيمان ~~والتأخير وإما ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة، فكأن نوحا عليه السلام قال ~~لهم: آمنوا يبين لكم أنكم ممن قضي لهم بالإيمان والتأخير، وإن بقيتم فسيبين ~~لكم أنكم ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة ثم تشدد هذا المعنى ولاح بقوله: إن ~~أجل الله إذا جاء لا يؤخر. وقد حكى مكي القول بالأجلين ولم يقدره قدره، ~~وجواب لو، مقدر يقتضيه اللفظ كأنه قال: فما كان أحزمكم أو أسرعكم إلى ~~التوبة لو كنتم تعلمون. # قوله عز وجل: ### || [سورة نوح (71) : الآيات 5 الى 11] # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم ~~وأسررت لهم إسرارا (9) # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) # هذه المقالة قالها نوح عليه السلام بعد أن طال عمره وتحقق اليأس عن قومه، ~~وقوله: ليلا ونهارا عبارة عن استمرار دعائه، وأنه لم ين فيه قط، ويروى عن ~~قتادة أن نوحا عليه السلام كان يجيئه الرجل من قومه بابنه فيقول: احذر هذا ~~الرجل فإن أبي حذرني إياه، ويقول له إنه مجنون. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر: «دعائي إلا» بالهمز وفتح الياء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ~~«دعاي» بسكون الياء دون همز، وروى شبل عن ابن كثير: بنصب الياء دون همز مثل ~~هداي، وقرأ عاصم أيضا وسلام ويعقوب: بهمز وياء ساكنة. وقوله: وإني ms3592 كلما ~~دعوتهم لتغفر لهم معناه: ليؤمنوا فيكون ذلك سبب الغفران. وقوله تعالى: ~~جعلوا أصابعهم في آذانهم يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون عبارة عن ~~إعراضهم، وشدة رفضهم لأقواله، وكذلك قوله: استغشوا ثيابهم معناه: جعلوها ~~أغشية على رؤوسهم، والإصرار الثبوت على معتقد ما، وأكثر استعماله في ~~الذنوب، ثم كرر عليه السلام صفة دعائه لهم بيانا وتأكيدا وجهارا يريد ~~علانية في المحافل، والإسرار ما كان من دعاء الأفراد بينه وبينهم على ~~انفراد، وهذا غاية الجد. وقوله تعالى: استغفروا ربكم يرسل السماء يقتضي أن ~~الاستغفار سبب لنزول المطر في كل أمة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه استسقى بالناس فلم يزد على أن استغفر ساعة ثم PageV05P373 # انصرف فقال له قوم: ما رأيناك استسقيت يا أمير المؤمنين، فقال: والله لقد ~~استنزلت المطر بمجادح السماء، ثم قرأ الآية، وسقى رضي الله عنه، وشكى رجل ~~إلى الحسن الجرب فقال له: استغفر الله، وشكى إليه آخر الفقر، فقال: استغفر ~~إليه، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدا، فقال له استغفر الله، فقيل له ~~في ذلك، فنزع بهذه الآية. # قال القاضي أبو محمد: والاستغفار الذي أحال عليه الحسن ليس هو عندي لفظ ~~الاستغفار فقط، بل الإخلاص والصدق في الأعمال والأقوال، فكذلك كان استغفار ~~عمر رضي الله عنه، وروي أن قوم نوح كانوا قد أصابهم قحوط وأزمة، فلذلك ~~بدأهم في وعده بأمر المطر ثم ثنى بالأموال والبنين. قال قتادة: # لأنهم كانوا أهل حب للدنيا وتعظيم لأمرها فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق ~~التي يحبونها، و «مدرار» : # مفعال من الدر، كمذكار ومئناث، وهذا البناء لا تلحقه التأنيث. # قوله عز وجل: ### || [سورة نوح (71) : الآيات 12 الى 20] # ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سماوات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) # والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) ~~والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها ms3593 سبلا فجاجا (20) # وعدهم بالأموال والبنين والجنات والأنهار لمكان حبهم للدنيا، واختلف ~~الناس في معنى قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا فقال أبو عبيدة وغيره: ترجون معناه تخافون، ومنه قول الشاعر [أبو ~~ذؤيب الهذلي] : [الطويل] # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل # قالوا والوقار: العظمة والسلطان، فكأن الكلام على هذا وعيد وتخويف، وقال ~~بعض العلماء ترجون على بابها في الرجاء وكأنه قال: ما لكم لا تجعلون رجاءكم ~~لله وتلقاءه وقارا، ويكون على هذا التأويل منهم كأنه يقول: تؤدة منكم ~~وتمكنا في النظر لأن الكفر مضمنه الخفة والطيش وركوب الرأس، وقوله تعالى: ~~وقد خلقكم أطوارا قال ابن عباس ومجاهد: هي إشارة إلى التدريج الذي للإنسان ~~في بطن أمه من النطفة والعلقة والمضغة، وقال جماعة من أهل التأويل هي إشارة ~~إلى العبرة في اختلاف ألوان الناس وخلقهم وخلقهم ومللهم، والأطوار: الأحوال ~~المختلفة. ومنه قول النابغة: [البسيط] # فإن أفاق فقد طارت عمايته ... والمرء يخلق طورا بعد أطوار # وقرأ ألم تروا وقرأ «ألم يروا» على فعل الغائب وطباقا قيل هو مصدر أي ~~مطابقة أي جعل كل واحدة طبقا للأخرى ونحو قول امرئ القيس: [الرمل] طبق ~~الأرض تجري وتدر PageV05P374 # وقيل هو جمع طبق، وهو نعت لسبع، وقرأ ابن أبي عبلة، «طباق» بالخفض على ~~النعت ل سماوات، وقوله تعالى: وجعل القمر فيهن ساغ ذلك لأن القمر من حيث هو ~~في إحداها فهو في الجميع، ويروى أن القمر في السماء الدنيا، وقال عبد الله ~~بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العباس: إن الشمس والقمر أقفارهما إلى الأرض ~~وإقبال نورهما وارتفاعه في السماء، وهو الذي تقتضيه لفظة السراج، وقيل إن ~~الشمس في السماء الخامسة، وقيل في الرابعة، وقال عبد الله بن عمر: هي في ~~الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة. وقوله تعالى: أنبتكم من الأرض ~~نباتا استعارة من حيث أخذ آدم عليه السلام من الأرض ثم صار الجميع نباتا ~~منه، وقوله تعالى: نباتا مصدر جار على ms3594 غير المصدر، التقدير فنبتم نباتا، ~~والإعادة فيها: هي بالدفن فيها الذي هو عرف البشر، والإخراج: هو البعث يوم ~~القيامة لموقف العرض والجزاء، وقوله تعالى: بساطا يقتضي ظاهره أن الأرض ~~بسيطة كروية واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في نفسه اللهم إلا أن يتركب على ~~القول بالكروية نظر فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر كتاب الله ~~تعالى، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة. واستدل ابن مجاهد على صحة ذلك ~~بماء البحر المحيط بالمعمور، فقال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء ~~عليها. # والسبل: الطرق والفجاج: الواسعة. # قوله عز وجل: ### || [سورة نوح (71) : الآيات 21 الى 25] # قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ~~ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) ~~مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) # المعنى فلما لم يطيعوا ويئس نوح من إيمانهم قال نوح: رب إنهم عصوني ~~واتبعوا أشرافهم وغواتهم، فعبر عنهم بأن أموالهم وأولادهم زادتهم خسارا أي ~~خسرانا، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ونافع في رواية خارجة عنه ~~«وولده» بضم الواو وسكون اللام، وهي قراءة ابن الزبير والحسن والأعرج ~~والنخعي ومجاهد، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر «وولده» بفتح اللام والواو وهما ~~يمعنى واحد كبخل وبخل وهي قراءة أبي عبد الرحمن والحسن وأبي رجاء وابن وثاب ~~وأبي جعفر وشيبة، وقرأ «وولده» بكسر الواو والجحدري وزر والحسن وقتادة وابن ~~أبي إسحاق وطلحة، وقال أبو عمرو: «ولد» بضم الواو وسكون اللام العشيرة ~~والقوم، وقال أبو حاتم يمكن أن يكون الولد بضم الواو جمع الولد وذلك كخشب ~~وخشب، وقد قال حسان بن ثابت: [الكامل] # ما بكر آمنة المبارك بكرها ... من ولد محصنة بسعد الأسعد # وقرأ جمهور الناس: «كبارا» بشد الباء وهو بناء مبالغة، نحو حسان. قال ~~عيسى: وهي لغة يمانية وعليها قول الشاعر [أبو صدقة الدبيري] : [الكامل] PageV05P375 # والمرء يلحقه بفتيان الندى ms3595 ... خلق الكريم وليس بالوضاء # بضم الواو، وقرأ ابن محيصن وعيسى ابن عمر «كبار» بتخفيف الباء وهو بناء ~~مبالغة إلا أنه دون الأول، وقرأ ابن محيصن فيما روى عنه أبو الأخريط وهب بن ~~واضح بكسر الكاف، وقال ابن الأنباري جمع كبير فكأنه جعل المكر مكان ذنوب ~~أفاعل ونحوه. وقوله تعالى: وقالوا لا تذرن آلهتكم إخبار عن توصيهم بأصنامهم ~~على العموم، وما كان منها مشهور المكانة، وما كان منها يختص بواحد واحد من ~~الناس، ثم أخذوا ينصون على المشهور من الأصنام، وهذه الأصنام روي أنها ~~أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الدنيا، فلما ماتوا صورهم أهل ذلك العصر من ~~الحجر، وقالوا: ننظر إليها فنذكر أفعالهم فهلك ذلك الجيل وكثر تعظيم الآخر ~~لتلك الحجارة، ثم كذلك حتى عبدت ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها، وقيل بل ~~الأسماء فقط إلى قبائل من العرب، فكانت «ود» في كلب بدومة الجندل، وكانت ~~«سواع» في هذيل، وكانت يغوث في مراد، وكانت يعوق في همذان، وكانت «نسر» في ~~ذي الكلاع من حمير. وقرأ نافع وحده ورويت عن عاصم بضم الواو. وقرأ الباقون ~~والأعمش والحسن وطلحة وشيبة وأبو جعفر: # بخلاف عن الثلاثة «ودا» بفتح الواو، وقال الشاعر: [البسيط] # حياك ود فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما # فيقال إنه أراد بذلك الصنم، وقال آخر [الحطيئة] : [الطويل] # فحياك دو ما هداك لفتية ... وخوص بأعلى ذي فضالة هجد # يروى البيتان بضم الواو، وقرأ الأعمش: «ولا يغوثا ويعوقا» بالصرف، وذلك ~~وهم، لأن التعريف لازم ووزن الفعل. وقوله: وقد أضلوا كثيرا هو إخبار نوح ~~عنهم وهو منقطع مما حكاه عنهم. والمعنى وقد أضل هؤلاء القائلون كثيرا من ~~الناس الأتباع والعوام، ثم دعا عليهم إلى الله تعالى بأن لا يزيدهم إلا ~~ضلالا، وذكر الظالمين لتعم الدعوة كل من جرى مجراهم. وقال الحسن في كتاب ~~النقاش: أراد بقوله وقد أضلوا، الأصنام المذكورة وعبر عنها بضمير من يعقل ~~من حيث يعاملها جمهور أهلها معاملة من يعقل، ويسند إليها أفعال العقل. ~~وقوله تعالى: مما خطيئاتهم ms3596 ابتداء إخبار من الله تعالى لمحمد عليه السلام، ~~أي أن دعوة نوح أجيبت فآل أمرهم إلى هذا، و «ما» الظاهرة: في قوله مما ~~زائدة فكأنه قال: من خطيئاتهم أغرقوا وهي لابتداء الغاية، وقرأ «مما ~~خطيئتهم» على الإفراد الجحدري والحسن، وقرأ أبو عمرو وحده والحسن وعيسى ~~والأعرج وقتادة بخلاف عنهم «مما خطاياهم» على تكسير الجمع. وقال: فأدخلوا ~~نارا يعني جهنم، وعير عن ذلك بفعل الماضي من حيث الأمر متحقق. وقيل أراد ~~عرضهم على النار غدوا وعشيا عبر عنهم بالإدخال. وقوله: فلم يجدوا أي لم يجد ~~المغرقون أحدا سوى الله ينصرهم ويصرف عنهم بأس الله تعالى. # قوله عز وجل: ### || [سورة نوح (71) : الآيات 26 الى 28] # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) PageV05P376 # روى محمد بن كعب والربيع وابن زيد، أن نوحا عليه السلام لم يدع بهذه ~~الدعوة إلا بعد أخرج الله تعالى كل مؤمن من أصلابهم وأعقم أرحام النساء قبل ~~العذاب بسبعين سنة، قال قتادة: وبعد أن أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن. وقد كان قبل ذلك طامعا حدبا عليهم. وفي حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم «أنه ربما ضربه ناس منهم أحيانا حتى يغشى عليه، فإذا ~~أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» . وديارا أصله ديوارا وهو ~~فيعال من الدوران أي من يجيء ويذهب يقال منه دوار وزنه فيعال أصله ديوار، ~~وهذا كالقوام والقيام. وقرأ جمهور الناس: «ولوالدي» وقرأ أبي بن كعب ~~«ولأبوي» ، وقرأ سعيد بن جبير «ولوالدي» بكسر الدال يخص أباه بالدعوة. وقال ~~ابن عباس: لم يكفر بنوح ما بينه وبين آدم عليه السلام، وقرأ يحيى بن يعمر ~~والجحدري: «ولولدي» بفتح اللام وشد الياء المفتوحة وهي قراءة النخعي يخص ~~بالدعاء ابنيه، وبيته: المسجد فيما قال ابن عباس وجمهور المفسرين. وقال ابن ~~عباس أيضا: بيته: شريعته ms3597 ودينه استعار لها بيتا كما يقال: قبة الإسلام، ~~وفسطاط الدين. # وقيل أراد سفينته، وقيل داره. وقوله: للمؤمنين والمؤمنات تعميم بالدعاء ~~لمؤمني كل أمة، وقال بعض العلماء: إن الذي استجاب لنوح عليه السلام فأغرق ~~بدعوته أهل الأرض الكفار لجدير أن يستجيب له فيرحم بدعوته المؤمنين. و: ~~«التبار» الهلاك وذهاب الرسم، وقرأ حفص عن عاصم وهشام وأبو قرة عن نافع: ~~«بيتي» بتحريك الياء، وقرأ الباقون بسكونها. PageV05P377 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجن # وهي مكية بإجماع من المفسرين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) # قرأ جمهور الناس «قل أوحي إلي» من أوحى يوحي. وقرأ أبو أناس جوية بن ~~عائذ: «قل أوحى إلي» ، من وحي يحي ووحي وأوحى، بمعنى واحد، وقال العجاج: ~~«وحي لها القرار فاستقرت» . وقرأ أيضا جوية فيما روى عنه الكسائي، «قل أحي» ~~أبدلت الواو همزة كما أبدلوها في وسادة وإسادة، وغير ذلك. # وكذلك قرأ ابن أبي عبلة، وحكى الطبري عن عاصم أنه كان يكسر كل ألف في ~~السورة من «أن» و «إن» إلا قوله تعالى: وأن المساجد لله [الجن: 18] . وحكي ~~عن أبي عمرو أنه يكسر من أولها إلى قوله وأن لو استقاموا على الطريقة ~~[الجن: 16] فإنه كان يفتح همزة وما بعدها إلى آخر السورة. فعلى ما حكي يلزم ~~أن تكون الهمزة مكسورة في قوله «إنه استمع» ، وليس ما ذكر بثابت. وذكر أبو ~~علي الفارسي أن ابن كثير وأبا عمرو فتحا أربعة أحرف من السورة وكسرا غير ~~ذلك أنه استمع، وأن لو استقاموا [الجن: 16] ، وأن المساجد [الجن: 18] ، ~~وأنه لما قام [الجن: 19] ، وأن نافعا وعاصما في رواية أبي بكر والمفضل ~~وافقا في الثلاثة وكسرا وأنه لما قام [الجن: ms3598 19] مع سائر ما في السورة. ~~وذكر أن ابن عامر وحمزة والكسائي كانوا يقرأون كل ما في السورة بالفتح إلا ~~ما جاء بعد قول أو فاء جزاء، وكذلك حفص عن عاصم، فترتب إجماع القراء على ~~فتح الألف من أنه استمع و «أن لو استقاموا» «وأن المساجد» . وذكر الزهراوي ~~عن علقمة أنه كان يفتح الألف في السورة كلها. واختلف الناس في الفتح من هذه ~~الألفات وفي الكسر اختلافا كثيرا يطول ذكره وحصره وتقصي معانيه. قال أبو ~~حاتم: أما الفتح فعلى أوحي، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. وأما ~~الكسر فحكاية وابتداء وبعد القول. وهؤلاء النفر من الجن هم الذين صادفوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ببطن نخلة في صلاة الصبح وهو يريد عكاظ. ~~وقد تقدم قصصهم في سورة الأحقاف في تفسير قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا ~~من الجن [الأحقاف: 29] . PageV05P378 # وقول الجن: إنا سمعنا الآيات، هو خطاب منهم لقومهم الذين ولوا إليهم ~~منذرين، وقرآنا عجبا معناه ذا عجب، لأن العجب مصدر يقع من سامع القرآن ~~لبراعته وفصاحته ومضمناته، وليس نفس القرآن هو العجب. وقرأ جمهور الناس ~~«إلى الرشد» بضم الراء وسكون الشين. وقرأ عيسى الثقفي «إلى الرشد» بفتح ~~الراء والشين. وقرأ عيسى «إلى الرشد» ومن كسر الألف من قوله «وإنه تعالى» ~~فعلى القطع ويعطف الجملة على قوله إنا سمعنا، ومن فتح الألف من قوله وأنه ~~تعالى اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم هي عطف على أنه استمع، فيجيء على ~~هذا قوله تعالى مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن، وفي ~~هذا قلق. وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في به فكأنه يقول فآمنا به وبأنه ~~تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير ~~المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن. وقرأ جمهور الناس «جد ربنا» بفتح ~~الجيم وضم الدال وإضافته إلى الرب، وقال جمهور المفسرين معناه عظمته. # وروي عن أنس أنه قال: كان الرجل ms3599 إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد في أعيننا ~~أي عظم. وقال أنس بن مالك والحسن: جد ربنا معناه، فهذا هو من الجد الذي قال ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم: # «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ، وقال مجاهد: ذكره كله متجه لأن الجد هو حظ ~~المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة، فجد الله تعالى هو الحظ الأكمل من ~~السلطان الباهر والصفات العلية والعظمة، ومن هذا قول اليهودي حين قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم المدينة: «يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون» أي حظكم ~~من الخيرات وبختكم. وقال علي بن الحسين رضي الله عنه وأبو جعفر الباقر ~~وابنه جعفر والربيع بن أنس ليس لله جد، وهذه مقالة قوم جهلة من الجن، جعلوا ~~الله جدا أبا أب. قال كثير من المفسرين هذا قول ضعيف. وقوله: ولن نشرك ~~بربنا أحدا يدفعه، وكونهم فيما روي على شريعة متقدمة وفهمهم للقرآن. وقرأ ~~محمد بن السميفع اليماني «جد ربنا» وهو من الجد والنفع. وقرأ عكرمة «جد ~~ربنا» بفتح الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كأنه يقول تعالى عظيم هو ~~ربنا ف «ربنا» بدل والجد العظيم في اللغة. # وقرأ حميد بن قيس «جد ربنا» بضم الجيم. ومعناه ربنا العظيم حكاه سيبويه ~~وبإضافته إلى الرب فكأنه قال عظيم، وهذه إضافة تجديد يوقع النحاة هذا الاسم ~~إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف، كما تقول جاءني كريم زيد تريد زيدا الكريم ~~ويجري مجرى هذا عند بعضهم. # قول المتنبي [البسيط] عظيم الملك في المقل أراد الملك العظيم قال بعض ~~النحاة، وهذا المثال يعترض بأنه أضاف إلى جنس فيه العظيم والحقير، وقرأ ~~عكرمة أيضا «جدا ربنا» بفتح الجيم والدال وتنوينها ورفع الرب ونصب «جدا» ~~على التمييز كما تقول تفقأت شحما وتصببت عرقا، وقرأ قتادة «جدا ربنا» بكسر ~~الجيم ورفع الباء وشد الدال، فنصب جدا على الحال ومعناه تعالى حقيقة ~~ومتمكنا. وهذا معنى غير الأول، وقرأ أبو الدرداء «تعالى ذكر ربنا» ، وروي ~~عنه «تعالى جلال ربنا» . وقوله تعالى: وأنه كان يقول لا خلاف أن ms3600 هذا من قول ~~الجن، وكسر PageV05P379 # الألف فيه أبين وفتحها لا وجه له إلا اتباع العطف على الضمير. كأنهم ~~قالوا الآن بأن سفيهنا كان قوله شططا. والسفيه المذكور قال جميع المفسرين ~~هو إبليس لعنه الله. وقال آخرون هو اسم جنس لكل سفيه منهم. ولا محالة أن ~~إبليس صدر في السفهاء وهذا القول أحسن. والشطط: التعدي وتجاوز الحد بقول أو ~~فعل ومنه قول الأعشى: [البسيط] # أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وقوله تعالى: وأنا ظننا هو كلام أولئك النفر لا يحتمل غير ذلك، وكسر ~~الألف فيه أبين. # والمعنى: إنا كنا نظن قبل إيماننا أن الأقوال التي تسمع من إبليس وغواة ~~الجن والإنس في جهة الآلهة وما يتعلق بذلك حق وليست بكذب، لأنا كنا نظن بهم ~~أنهم لا يكذبون على الله ولا يرضون ذلك. وقرأ جمهور الناس «تقول» . وقرأ ~~الحسن والجحدري وابن أبي بكرة ويعقوب «تقول» بفتح القاف والواو وشد الواو، ~~والتقول خاص بالكذب، والقول عام له وللصدق، ولكن قولهم كذبا يرد القول هنا ~~معنى التقول. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجن (72) : الآيات 6 الى 10] # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ~~ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد ~~له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا (10) # هذه الألف من أنه كان مما اختلف في فتحها وكسرها والكسر أوجه. والمعنى في ~~الآية ما كانت العرب تفعله في أسفارها وتعزبها في الرعي وغيره، فإن جمهور ~~المفسرين رووا أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في واد، صاح بأعلى ~~صوته يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك فيعتقد ~~بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه، فروي أن الجن كانت عند ذلك تقول: ~~ما نملك لكم ولأنفسنا من الله شيئا. قال مقاتل: أول من ms3601 تعوذ بالجن قوم من ~~أهل اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا ذلك في العرب. وروي عن قتادة أن الجن لذلك ~~كانت تحتقر بني آدم وتزدريهم لما ترى من جهلهم، فكانوا يزيدونهم مخافة ~~ويتعرضون للتخيل لهم بمنتهى طاقاتهم ويغوونهم في إرادتهم لما رأوا رقة ~~أحلامهم، فهذا هو الرهق الذي زادته الجن ببني آدم. وقال مجاهد والنخعي ~~وعبيد بن عمير: بنو آدم زادوا الجن رهقا وهي الجرأة والانتخاء عليهم ~~والطغيان وغشيان المحارم والإعجاب، لأنهم قالوا سدنا الجن والإنس، وقد فسر ~~قوم الرهق بالإثم وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى: [البسيط] # لا شيء ينفعني من دون رؤيتها ... لا يشتفي وامق ما لم يصب رهقا # قال معناه ما لم يغش محرما فالمعنى زادت الإنس والجن مأثما لأنهم عظموهم ~~فزادوهم استحلالا لمحارم الله. وقوله وأنهم ظنوا كما ظننتم يريد به بني آدم ~~الكفار. وقوله كما ظننتم، مخاطبة PageV05P380 # لقومهم من الجن. وقولهم أن لن يبعث الله أحدا، يحتمل معنيين أحدهما: بعث ~~الحشر من القبور، والآخر بعث آدمي رسولا. وأن في قوله أن لن مخففة من «أن» ~~الثقيلة وهي تسد مسد المفعولين. # وذكر المهدوي تأويلا أن المعنى وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس فهي ~~مخاطبة من الله تعالى. وقولهم وأنا لمسنا قال معناه التمسنا ويظهر بمقتضى ~~كلام العرب أنها استعارة لتجربتهم أمرها وتعرضهم لها فسمي ذلك لمسا إذ كان ~~اللمس غاية غرضهم ونحو هذا قول المتنبي: [الطويل] # تعد القرى والمس بنا الجيش لمسة ... نبادر إلى ما تشتهي يدك اليمنى # فعبر عن صدم الجيش بالجيش وحربه باللمس، وهذا كما تقول المس فلانا في أمر ~~كذا، أي جرب مذهبه فيه، وملئت إما أن يكون في موضع المفعول الثاني ل ~~«وجدنا» ، وإما أن يقصر الفعل على مفعول واحد ويكون ملئت في موضع الحال، ~~وكان الأعرج يقرأ «مليت» لا يهمز، والشهب: كواكب الرجم، والحرس: يحتمل أن ~~يريد الرمي بالشهب. وكرر المعنى بلفظ مختلف، ويحتمل أن يريد الملائكة، ~~ومقاعد جمع مقعد، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة قعود ms3602 الجن ~~أنهم كانوا واحدا فوق واحد، فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا ~~يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها ثم يزيد الكهان بالكلمة ~~مائة كذبة، وقوله: فمن يستمع الآن الآية قطع على أن كل من استمع الآن أحرقه ~~شهاب. فليس هنا بعد سمع، إنما الإحراق عند الاستماع، وهذا يقتضي أن الرجم ~~كان في الجاهلية. ولكنه لم يكن يستأصل وكان الحرس ولكنه لم يكن شديدا، فلما ~~جاء الإسلام اشتد الأمر حتى لم يكن فيه ولا يسير سماحة، ويدل على ذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد رأى كوكبا راجما: «ماذا كنتم تقولون ~~لهذا في الجاهلية؟ قالوا كنا نقول: ولد ملك، مات ملك، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ليس الأمر كذلك، ثم وصف صورة قعود الجن» . وقد قال عوف بن الجزع ~~وهو جاهلي: [الكامل] # فانقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا # وهذا في أشعارهم كثير، ورصدا نعت لشهاب ووصفه بالمصدر، وقوله: وأنا لا ~~ندري أشر أريد بمن في الأرض الآية، معناه لا ندري أيؤمن الناس بهذا النبي ~~فيرشدون، أم يكفرون به فينزل بهم الشر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجن (72) : الآيات 11 الى 15] # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن ~~نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ~~فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) # وقولهم ومنا دون ذلك، أي غير الصالحين كأنه قال: ومنا قوم أو فرقة دون ~~صالحين، وهي لفظة PageV05P381 # تقع أحيانا موقع غير. والطرائق: السير المختلفة، والقدد كذلك هي الأشياء ~~المخالفة، كأنه قد قد بعضها من بعض وفصل. قال ابن عباس وعكرمة وقتادة: ~~طرائق قددا أهواء مختلفة. قال غيره فرق مختلفون. # قال الكميت: [البسيط] # جمعت بالرأي منهم كل رافضة ... إذ هم طرائق في أهوائهم قدد # وقولهم وأنا ظننا أن لن نعجز الظن هنا بمعنى العلم. وهذا إخبار ms3603 منهم عن ~~حالهم بعد إيمانهم بما سمعوا من محمد صلى الله عليه وسلم، والهدى، يريد ~~القرآن، سموه هدى من حيث هو سبب الهدى، والبخس: النقص، والرهق: تحميل ما لا ~~يطاق وما يثقل من الأنكاد ويقرح. قال ابن عباس: # البخس: نقص الحسنات، والرهق: الزيادة في السيئات. وقرأ الأعمش ويحيى بن ~~وثاب «فلا يخف» بالجزم دون ألف، وقسم الله تعالى بعد ذلك حال الناس في ~~الآخرة على نحو ما قسم قائل الجن، فقوله: # وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون والقاسط: الظالم، قاله مجاهد وقتادة ~~والناس، ومنه قول الشاعر: # [الكامل] # قوم هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا وهم قسطوا على النعمان # والمقسط: العادل، وإنما هذا التقسيم ليذكر حال الطريقين من النجاة ~~والهلكة، ويرغب في الإسلام من لم يدخل فيه، فالوجه أن يكون فمن أسلم، ~~مخاطبة من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات، ~~وتحروا: معناه طلبوا باجتهادهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتحروا ~~بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» . # وقوله تعالى: جهنم حطبا # نظير قوله تعالى: وقودها الناس والحجارة [البقرة: 24، التحريم: 6] . # قوله عز وجل: ### || [سورة الجن (72) : الآيات 16 الى 22] # وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن ~~يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل ~~إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) # قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن ~~أجد من دونه ملتحدا (22) # الضمير في قوله استقاموا قال أبو مجلز والفراء والربيع بن أنس وزيد بن ~~أسلم والضحاك بخلاف عنه: الضمير عائد على قوله من أسلم [الجن: 14] ، ~~والطريقة طريقة الكفر، لو كفر من أسلم من الناس لأسقيناهم إملاء لهم ~~واستدراجا. وقال قتادة وابن جبير وابن عباس ومجاهد الضمير عائد على ~~«القاسطين» . والمعنى على طريقة الإسلام والحق لأنعمنا عليهم، وهذا المعنى ~~نحو قوله: ولو أن أهل الكتاب آمنوا ms3604 واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم [المائدة: ~~65] ، وقوله لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم PageV05P382 # [المائدة: 66] . وهذا قول أبين لأن استعارة الاستقامة للكفر قلقة. وقرأ ~~الأعمش وابن وثاب «وأن لو» بضم الواو. وقال أبو الفتح هذا تشبيه بواو ~~الجماعة اشتروا الضلالة، والماء الغدق: هو الماء الكثير. وقرأ جمهور الناس ~~«غدقا» بفتح الدال، وقرأ عاصم في رواية الأعشى عنه بكسرها. وقوله تعالى: ~~لنفتنهم إن كان المسلمون فمعناه لنختبرهم، وإن كان القاسطون فمعناه ~~لنمتحنهم ونستدرجهم، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حيث يكون الماء فثم ~~المال، وحيث يكون المال فثم الفتنة، ونزع بهذه الآية، وقال الحسن وابن ~~المسيب وجماعة من التابعين: كانت الصحابة سامعين مطيعين، فلما فتحت كنوز ~~كسرى وقيصر وثب بعثمان فقتل وثارت الفتن. ويسلكه معناه يدخله، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي بفتح الياء أي «يسلكه» الله، وقرأ بعض التابعين «يسلكه» بضم ~~الياء من أسلك وهما بمعنى، وقرأ باقي السبعة «نسلكه» بنون العظمة، وقرأ ابن ~~جبير «نسلكه» بنون مضمومة ولام مكسورة. وصعدا معناه شاقا، تقول فلان في صعد ~~من أمره أي في مشقة، وهذا أمر يتصعدني، وقال عمر: ما تصعدني شيء كما تصعدني ~~خطبة النكاح، وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس: صعد جبل في النار، وقرأ قوم ~~«صعودا» بضم الصاد والعين، وقرأ الجمهور بفتح الصاد والعين، وقرأ ابن عباس ~~والحسن بضم الصاد وفتح العين، وقال الحسن: معناه لا راحة فيه، ومن فتح ~~الألف من أن المساجد لله جعلها عطفا على قوله قل أوحي إلي أنه [الجن: 1] ، ~~ذكره سيبويه، والمساجد قيل أراد بها البيوت التي هي للعبادة والصلاة في كل ~~ملة. # وقال الحسن: أراد كل موضع سجد فيه كان مخصوصا لذلك أو لم يكن، إذ الأرض ~~كلها مسجد لهذه الأمة. وروي أن هذه الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، ~~حينئذ فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: المواضع كلها لله فاعبده حيث كان ~~وقال ابن عطاء: «المساجد» : الآراب التي يسجد عليها، واحدها مسجد بفتح ~~الجيم، وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية لأن الجن قالت يا ms3605 رسول الله: كيف ~~نشهد الصلاة معك على نأينا عنك: فنزلت الآية يخاطبهم بها على معنى أن ~~عبادتكم حيث كنتم مقبولة. وقال الخليل بن أحمد: معنى الآية، ولأن المساجد ~~لله فلا تدعوا أي لهذا السبب، وكذلك عنده لإيلاف قريش [قريش: 1] ليعبدوا # [قريش: 3] وكذلك عنده وإن هذه أمتكم أمة [الأنبياء: 92، المؤمنون: 52] . ~~و «المساجد» المخصوصة بينة التمكن في كونها لله تعالى فيصح أن تفرد للصلاة ~~والدعاء وقراءة العلم، وكل ما هو خالص لله تعالى، وأن لا يتحدث بها في أمور ~~الدنيا. ولا يتخذ طريقا، ولا يجعل فيها لغير الله نصيب، ولقد قعدت للقضاء ~~بين المسلمين في المسجد الجامع بالمرية مدة، ثم رأيت فيه من سوء المتخاصمين ~~وأيمانهم وفجور الخصام وعائلته ودخول النسوان ما رأيت تنزيه البيت عنه ~~فقطعت القعود للأحكام فيه. وقوله عز وجل: وأنه لما قام عبد الله يحتمل أن ~~يكون خطابا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخبارا عن الجن، وقرأ بعض القراء ~~على ما تقدم «وأنه» بفتح الألف، وهذا عطف على قوله أنه استمع [الجن: 1] ، ~~والعبد على هذه القراءة قال قوم: هو نوح، والضمير في كادوا لكفار قومه، ~~وقال آخرون، هو محمد، والضمير في كادوا للجن. المعنى أنهم كادوا يتقصفون ~~عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم «وإنه لما قام» بكسر الألف، والعبد ~~محمد عليه السلام، والضمير في كادوا يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ~~ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه PageV05P383 # وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحا إلا على ~~تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير: معنى الآية، إنما قول الجن ~~لقومهم يحكون، والعبد محمد صلى الله عليه وسلم. # والضمير في كادوا لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم ~~عليه لبد. واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد ~~بن مناف بن ربع: [البسيط] # صافوا بستة أبيات وأربعة ... حتى كأن عليهم جانيا لبدا # يريد الجراد سماه جانيا لأنه يجني كل شيء، ويروى جابيا بالباء لأنه يجبي ~~الأشياء بأكله، ms3606 وقرأ جمهور السبعة وابن عباس: «لبدا» بكسر اللام جمع لبدة، ~~وقال ابن عباس: أعوانا. وقرأ ابن عامر بخلاف عنه وابن مجاهد وابن محيصن: ~~«لبدا» بضم اللام وتخفيف الباء المفتوحة وهو جمع أيضا. وروي عن الجحدري: ~~«لبدا» بضم اللام والباء. وقرأ أبو رجاء: «لبدا» بكسر اللام، وهو جمع لا بد ~~فإن قدرنا الضمير للجن فتقصفهم عليه لاستماع الذكر، وهذا تأويل الحسن ~~وقتادة وأدعوا معناه أعبده، وقرأ جمهور السبعة وعلي بن أبي طالب: «قال ~~إنما» ، وهذه قراءة تؤيد أن العبد نوح، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عنه: # «قال إنما» وهذه تؤيد بأنه محمد عليه السلام وإن كان الاحتمال باقيا من ~~كليهما. واختلف القراء في فتح الياء من ربي وفي سكونها. ثم أمر تعالى محمدا ~~نبيه عليه السلام بالتبري من القدرة وأنه لا يملك لأحد ضرا ولا رشدا، بل ~~الأمر كله لله. وقرأ الأعرج «رشدا» بضم الراء والشين، وقرأ أبي بن كعب «لكم ~~غيا ولا رشدا» . وقولهم من دونه أي من عند سواه. و «الملتحد» : الملجأ الذي ~~يمال إليه ويركن، ومنه الإلحاد الميل، ومنه اللحد الذي يمال به إلى أحد شقي ~~القبر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الجن (72) : الآيات 23 الى 28] # إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ~~(24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا (28) # اختلف الناس في تأويل قوله إلا بلاغا: فقال الحسن ما معناه أنه استثناء ~~منقطع، والمعنى لن يجيرني من الله أحد إلا بلاغا، فإني إن بلغت رحمني بذلك، ~~والإجارة: للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته، وقال بعض ~~النحاة على هذا المعنى هو استثناء متصل. والمعنى لن أجد ملتحدا إلا بلاغا، ~~أي ms3607 شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع، فيجبرني الله. وقال قتادة: ~~التقدير لا أملك إلا بلاغا إليكم، فأما الإيمان أو الكفر فلا أملكه. وقال ~~بعض المتأولين إلا بتقدير الانفصال، و «إن» PageV05P384 # شرط و «لا» نافية كأنه يقول: ولن أجد ملتحدا إن لم أبلغ من الله ورسالته، ~~ومن في قوله من الله لابتداء الغاية. وقوله تعالى: ومن يعص الله يريد الكفر ~~بدليل الخلود المذكور. وقرأ طلحة وابن مصرف، «فإن له» على معنى فجزاؤه أن ~~له، وقوله حتى إذا رأوا، ساق الفعل في صيغة الماضي تحقيقا لوقوعه. وقوله ~~تعالى: من أضعف يحتمل أن تكون من في موضع رفع على الاستفهام والابتداء ~~وأضعف خبرها، ويحتمل أن تكون في موضع نصب ب «سيعلمون» ، وأضعف خبر ابتداء ~~مضمر، ثم أمره تعالى بالتبري من معرفة الغيب في وقت عذابهم الذي وعدوا به، ~~والأمد: المدة والغاية، وعالم يحتمل أن يكون بدلا من ربي [الجن: 20] ويحتمل ~~أن يكون خبر ابتداء مضمر على القطع، وقرأ السدي: «عالم الغيب» على الفعل ~~الماضي ونصب الباء، وقرأ الحسن: «فلا يظهر» بفتح الياء والهاء «أحد» ~~بالرفع. وقوله تعالى: إلا من ارتضى من رسول معناه فإنه يظهره على ما شاء ~~مما هو قليل من كثير، ثم يبث تعالى حول ذلك الملك الرسول حفظة رصدا لإبليس ~~وحزبه من الجن والإنس، وقوله تعالى: ليعلم قال قتادة معناه ليعلم محمد أن ~~الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم وحفظوا ومنع منهم. وقال سعيد بن جبير: معناه ~~يعلم محمد أن الملائكة الحفظة، الرصد النازلين بين يديه جبريل وخلفه قد ~~أبلغوا رسالات ربهم. وقال مجاهد ليعلم من كذب وأشرك أن الرسل قد بلغت. # قال القاضي أبو محمد: وهذا العلم لا يقع لهم إلا في الآخرة، وقيل معناه ~~ليعلم الله رسالته مبلغة خارجة إلى الوجود لأن علمه بكل شيء قد تقدم، وقرأ ~~الجمهور: «ليعلم» بفتح الياء أي الله تعالى. # وقرأ ابن عباس: «ليعلم» بضم الياء، وقرأ أبو حيوة: «رسالة ربهم» على ~~التوحيد، وقرأ ابن أبي عبلة: # «وأحيط» على ما لم ms3608 يسم فاعله، وقوله تعالى: وأحصى كل شيء معناه كل شيء ~~معدود، وقوله تعالى: # ليعلم الآية، مضمنه أنه تعالى قد علم ذلك، فعلى هذا الفعل المضمر انعطف ~~وأحاط، وأحصى والله المرشد للصواب بمنه. PageV05P385 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المزمل # وهي مكية كلها في قول المهدوي وجماعة، وقال الجمهور: هي مكية إلا قوله ~~تعالى: إن ربك يعلم [الزمل: 20] إلى آخر السورة، فإن ذلك نزل بالمدينة. # قوله عز وجل: ### || سورة المزمل (73) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) ~~أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ~~(6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) ~~رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) # واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) # قوله تعالى: يا أيها المزمل نداء للنبي صلى الله عليه وسلم، واختلف الناس ~~لم نودي بهذا، فقالت عائشة والنخعي وجماعة: لأنه كان وقت نزول الآية متزملا ~~بكساء، والتزمل: الالتفاف في الثياب بضم وتشمير، ومنه قول امرئ القيس: ~~[الطويل] # كأن أبانا في أفانين ودقة ... كبير أناس في بجاد مزمل # أي ملفوف، وخفض مزمل في هذا البيت هو على الجوار، وإنما هو نعت لكبير، ~~فهو عليه السلام على قول هؤلاء، إنما دعي بهيئة في لباسه. وقال قتادة، كان ~~تزمل في ثيابه للصلاة واستعد فنودي على معنى يا أيها المستعد للعبادة ~~المتزمل لها، وهذا القول مدح له صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة معناه: # يا أيها المزمل للنبوءة وأعبائها، أي المتشمر المجد. وقال جمهور المفسرين ~~والزهري بما في البخاري من أنه عليه السلام لما جاءه الملك في غار حراء ~~وحاوره بما حاوره رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة فقال: زملوني ~~زملوني: فنزلت يا أيها المدثر [المدثر: 1] ، وعلى هذا نزلت يا أيها المزمل. ~~وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب «يا أيها المتزمل» . وقرأ بعض السلف «يا ms3609 ~~أيها المزمل» بفتح الزاي وتخفيفها وفتح الميم وشدها، والمعنى الذي زمله ~~أهله أو زمل للنبوءة. وقرأ عكرمة «يا أيها المزمل» بكسر الميم المشددة ~~وتخفيف الزاي أي المزمل نفسه، واختلف الناس في هذا الأمر بقيام الليل كيف ~~كان؟ فقال جمهور أهل العلم: هو أمر على جهة الندب مذ كان لم يفرض قط، ويؤيد ~~هذا: الحديث PageV05P386 # الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة في رمضان خلف حصير ~~احتجره فصلى وصلى بصلاته ناس ثم كثروا من الليلة القابلة ثم غص المسجد بهم ~~في الثالثة أو الرابعة فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصبوا بابه ~~فخرج مغضبا وقال: «إني إنما تركت الخروج لأني خفت أن يفرض عليكم» . وقيل ~~إنه لم يكلمهم إلا بعد الصبح. وقال آخرون: كان فرضا في وقت نزول هذه الآية. ~~واختلف هؤلاء فقال بعضهم: كان فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ~~وبقي كذلك حتى توفي عليه السلام، وقيل: # بل نسخ عنه ولم يمت إلا والقيام تطوع، وقال بعضهم: كان فرضا على الجميع ~~ودام الأمر على ما قال سعيد بن جبير عشر سنين، وقالت عائشة وابن عباس دام ~~عاما، وروي عنها أيضا ثمانية أشهر ثم رحمهم الله تعالى. فنزلت: إن ربك يعلم ~~أنك تقوم [المزمل: 20] فخفف عنهم. وقال قتادة بقي عاما أو عامين. وقرأ أبو ~~السمال «قم الليل» بضم الميم لاجتماع الساكنين، والكسر في الكلام العرب ~~أكثر كما قرأ الناس، وقوله تعالى: نصفه يحتمل أن يكون بدلا من قوله قليلا، ~~وكيف ما تقلب المعنى، فإنه أمر بقيام نصف الليل أو أكثر شيء أو أقل شيء، ~~فالأكثر عند العلماء لا يزيد على الثلثين، والأقل لا ينحط عن الثلث ويقوي ~~هذا حديث ابن عباس في بيت ميمونة قال: فلما انتصف الليل أو قبله بقليل قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلزم على هذا الذي ذكرناه أن يكون نصف ~~الليل قد وقع عليه الوصف بقليل، وقد يحتمل عندي قوله إلا قليلا، أن يكون ~~استثناء من القيام، فيجعل ms3610 الليل اسم جنس، ثم قال إلا قليلا، أي الليالي ~~التي تخل بقيامها عند العذر البين. وهذا النظر يحسن مع القول مع الندب جدا. ~~وقد تكلم الجرجاني رحمه الله في نظمه في هذه الآية بتطويل وتدقيق غير مفيد ~~أكثره غير صحيح. وقرأ الجمهور: «أو انقص» بضم الواو، وقرأ الحسن وعاصم ~~وحمزة بكسر الواو، وقرأ عيسى بالوجهين، والضمير في منه وعليه عائدان على ~~النصف، وقوله تعالى: ورتل القرآن معناه في اللغة تمهل وفرق بين الحروف ~~لتبين. والمقصد أن يجد الفكر فسحة للنظر وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب ~~ويفيض عليه النور والرحمة. قال ابن كيسان: المراد تفهمه تاليا له ومنه ~~الثغر الرتل الذي بينه فسخ وفتوح. وروي أن قراءة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانت بينة مترسلة لو شاء أحد أن يعد الحروف لعدها. والقول الثقيل: هو ~~القرآن. واختلف الناس لم سماه ثقيلا، فقالت جماعة من المفسرين: لما كان يحل ~~في رسول الله من ثقل الجسم حتى أنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت ~~به، وحتى كادت فخذه أن ترض فخذ زيد بن ثابت رحمه الله. وقال أبو العالية ~~والقرطبي: بل سماه ثقيلا لثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده ونحو ~~ذلك. وقال حذاق العلماء: معناه ثقيل المعاني من الأمر بالطاعات والتكاليف ~~الشرعية من الجهاد ومزاولة الأعمال الصالحة دائمة، قال الحسن: إن الهذ خفيف ~~ولكن العمل ثقيل. وقوله تعالى: إن ناشئة الليل هي أشد وطئا، قال ابن جبير ~~وابن زيد هي لفظة حبشية نشأ الرجل إذا قام من الليل، ف ناشئة على هذا، جمع ~~ناشئ، أي قائم، وأشد وطئا معناه ثبوتا واستقلالا بالقيام، وأقوم قيلا، أي ~~بخلو أفكارهم وإقبالهم على ما يقرأونه. # وقال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين: ناشئة الليل ما بين المغرب ~~والعشاء، وقالت عائشة ومجاهد: القيام بعد النوم، ومن قام أول الليل قبل ~~النوم فلم يقم ناشئة، وقال ابن جبير وابن زيد PageV05P387 # وجماعة: ناشئة الليل ساعاته كلها لأنها تنشأ شيئا بعد شيء. وقال أبو مجلز ~~وابن ms3611 عباس وابن الزبير والحسن: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة، وما كان قبلها ~~فليس ب ناشئة، قال ابن عباس: # كانت صلاتهم أول الليل فهي أشد وطئا أي أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليكم ~~من القيام لأن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ؟ وقال الكسائي: ناشئة ~~الليل أوله، وقال ابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشئة وأشد وطئا، على ~~هذا يحتمل أن يكون أشد ثبوتا فيكون نسب الثبوت إليها من حيث هو القائم ~~فيها. ويحتمل أن يريد أنها صعبة القيام لمنعها النوم كما قال «اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر» فذكرها تعالى بالصعوبة ليعلم عظم الأجر فيها كما وعد على ~~الوضوء على المكاره والمشي في الظلام إلى المساجد ونحوه. وقرأ الجمهور: ~~«وطئا» بفتح الواو وسكون الطاء، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وابن الزبير وابن ~~عباس: «وطاء» على وزن فعال، والمعنى موافقة لأنه يخلو البال من أشغال ~~النهار وأشغابه، فيوافق قلب المرء لسانه، وفكره عبارته فهذه مواطأة صحيحة، ~~وبهذا المعنى فسر اللفظ مجاهد وغيره، وقرأ قتادة في رواية حسين: «وطاء» ~~بكسر الواو وسكون الطاء والهمزة مقصورة، وقرأ أنس «وأصوب قيلا» ، فقيل له ~~إنما هو أقوم، فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد. وقوله تعالى: إن لك في النهار ~~سبحا طويلا أي تصرفا وترددا في أمورك كما يتردد السابح في الماء. ومنه سمي ~~الفرس سابحا لتثنيه واضطرابه، وقال قوم من أهل العلم إنما معنى الآية ~~التنبيه على أنه إن فات حزب الليل بنوم أو عذر فليخلف بالنهار فإن فيه سبحا ~~طويلا، وقرأ يحيى بن يعمر وعكرمة: «سبخا طويلا» بالخاء منقوطة، ومعناه خفة ~~لك من التكاليف، والتسبيخ التخفيف، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«ولا تسبخي عنه» لعائشة في السارق الذي سرقها، فكانت تدعو عليه، معناه لا ~~تخففي عنه. قال أبو حاتم: فسر يحيى السبح بالنوم. # وقال سهل: واذكر اسم ربك يراد اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء ~~صلاتك، وتبتل معناه: انقطع من كل شيء إلا منه وافرغ إليه. قال زيد بن أسلم: ~~التبتل ms3612 رفض الدنيا ومنه تبتل الحبل، وقولهم في الهبات ونحوها بتلة، ومنه ~~البتول، وتبتيلا مصدر على غير المصدر، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم ~~في رواية أبي بكر: «رب المشرق» بالخفض على البدل من ربك، وقرأ الباقون وحفص ~~عن عاصم: «رب» على القطع أي هو رب أو على الابتداء والخبر لا إله إلا هو. ~~وقرأ ابن عباس وأصحاب عبد الله: «رب المشارق والمغارب» بالجمع. والوكيل: ~~القائم بالأمر الذي يوكل إليه الأشياء، وقوله تعالى: واصبر على ما يقولون ~~الآية، قيل هي موادعة منسوخة بآية السيف، والمراد بالآية قريش. وقال بعض ~~العلماء: قوله واهجرهم هجرا جميلا منسوخ، وأما الصبر على ما يقولون فقد ~~يتوجه أحيانا ويبقى حكمه، وفيما يتوجه من الهجر الجميل من المسلمين، قال ~~أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم. والقول الأول أظهر ~~لأن الآية إنما هي في كفر قريش وردهم رسالته وإعلائهم بذلك لا يمكن أن يكون ~~الحكم في هذه المعاني باقيا. # قوله عز وجل: ### || [سورة المزمل (73) : الآيات 11 الى 18] # وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما ~~(12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال ~~كثيبا مهيلا (14) إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا (15) # فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما ~~يجعل الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) PageV05P388 # قوله تعالى: وذرني والمكذبين وعيد لهم، ولم يتعرض أحد لمنعه منهم، لكنه ~~إبلاغ بمعنى لا تشغل بهم فكرا، وكلهم إلي. والنعمة غضارة العيش وكثرة ~~المال. والمشار إليهم كفار قريش أصحاب القليب ببدر. ويروى أنه لم يكن بين ~~نزول الآية وبين بدر إلا مدة يسيرة نحو عام وليس الأمر كذلك، والتقدير الذي ~~يعضده الدليل من إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي أن بين الأمرين ~~نحو العشرة الأعوام، ولكن ذلك قليل أمهلوه، ولدينا بمنزلة عندنا، و ~~«الأنكال» جمع نكل، وهو القيد من الحديد، ويروى أنها قيود سود من نار، و ~~«الطعام ذو ms3613 الغصة» ، شجرة الزقوم قاله مجاهد وغيره، وقيل شوك من نار وتعترض ~~في حلوقهم لا تخرج ولا تنزل قاله ابن عباس، وكل مطعوم هنالك فهو ذو غصة، ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق، والعامل في قوله يوم ~~ترجف، الفعل الذي تضمنه قوله إن لدينا، وهو استقرار أو ثبوت، والرجفان: ~~الاهتزاز والاضطراب من فزع وهول، و «المهيل» اللين الرخو الذي يذهب بالريح ~~ويجيء مهيلة. والأصل مهيول استثقلت الضمة على الياء فسكنت واجتمع ساكنان ~~فحذفت الواو وكسرت الهاء بسبب الياء. وقوله تعالى: إنا أرسلنا إليكم الآية ~~خطاب للعالم، لكن المواجهون قريش، وقوله شاهدا عليكم نحو قوله وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا [النساء: 41] ، وتمثيله لهم أمرهم بفرعون وعيد كأنه يقول: ~~فحالهم من العذاب والعقاب إن كفروا سائرة إلى مثل حال فرعون، وقوله تعالى: ~~فعصى فرعون الرسول يريد موسى عليه السلام، والألف واللام للعهد. والوبيل: ~~الشديد الرديء العقبى، ويقال: كلأ وبيل ومستوبل إذا كان ضارا لما يرعاه. ~~وقوله تعالى: فكيف تتقون معناه تجعلون لأنفسكم، ويوما مفعول ب تتقون، وقيل ~~هو مفعول ب كفرتم على أن يجعله بمنزلة جحدتم، ف تتقون على هذا من التقوى، ~~أي تتقون عقاب الله يوما، ويجعل يصح أن يكون مسندا إلى اسم الله تعالى، ~~ويصح أن يكون مسندا إلى اليوم. # وقوله تعالى: الولدان شيبا يريد صغار الأطفال، وقال قوم هذه حقيقة تشيب ~~رؤوسهم من شدة الهول كما قد ترى الشيب في الدنيا من الهم المفرط كهول البحر ~~ونحوه. وقال آخرون من المتأولين: هو تجوز وإبلاغ في وصف هول ذلك اليوم. ~~وواحد «الولدان» وليد، وواحد الشيب أشيب. وقوله تعالى: السماء منفطر به قيل ~~هذا على النسب أي ذات انفطار كامرأة حائض وطالق، وقيل السماء تذكر وتؤنث، ~~وينشد في التذكير: [الوافر] # فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السحاب # وقيل من حيث لم يكن تأنيثها حقيقيا، جاز أن تسقط علامة التأنيث لها، وقيل ~~لم يرد اللفظ قصد السماء بعينها وإنما أراد ما علا من مخلوقات الله كأنه ms3614 ~~قصد السقف فذكر على هذا المعنى، قاله منذر بن PageV05P389 # سعيد وأبو عبيدة معمر والكسائي: و «الانفطار» التصدع والانشقاق على غير ~~نظام، بقصد، والضمير في به، قال المنذر وغيره: هو عائد على اليوم، وقال ~~مجاهد: هو عائد على الله تعالى، وهذا نظير قوله يوم تشقق السماء بالغمام ~~[الفرقان: 25] الذي هو ظل يأتي الله فيها. والمعنى يأتي أمره وقدرته، وكذلك ~~هنا منفطر به أي بأمره وسلطانه، والضمير في قوله وعده ظاهر أنه لله تعالى. ~~ويحتمل أن يكون لليوم لأنه يضاف إليه من حيث هو منه. # قوله عز وجل: ### || [سورة المزمل (73) : الآيات 19 الى 20] # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار ~~علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم ~~مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل ~~الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) # الإشارة ب هذه يحتمل أن تكون إلى ما ذكر من الأنكال والجحيم والأخذ ~~الوبيل ونحوه. ويحتمل أن تكون إلى السورة بأجمعها ويحتمل أن تكون إلى ~~القرآن، أي أن هذه الأقوال المنصوصة، فيه، تذكرة، والتذكرة مصدر كالذكر. ~~وقوله تعالى: فمن شاء الآية، ليس معناه إباحة الأمر وضده، بل يتضمن معنى ~~الوعد والوعيد. والسبيل هنا: سبيل الخير والطاعة. وقوله تعالى: إن ربك يعلم ~~الآية نزلت تخفيفا لما كان استمر استعماله من قيام الليل إما على الوجوب أو ~~على الندب حسب الخلاف الذي ذكرناه، ومعنى الآية: أن الله تعالى يعلم أنك ~~تقوم أنت وغيرك من أمتك قياما مختلفا فيه، مرة يكثر ومرة يقل، ومرة أدنى من ~~الثلثين، ومرة أدني من الثلث، وذلك لعدم تحصيل البشر لمقادير الزمن مع عدم ~~النوم، وتقدير الزمان حقيقة إنما هو ms3615 لله تعالى، وأما البشر فلا يحصي ذلك ~~فتاب الله عليهم، أي رجع بهم من الثقل إلى الجنة وأمرهم بقراءة ما تيسر، ~~ونحو هذا يعطي عبارة الفراء ومنذر فإنهما قالا تحصوه تحفظوه، وهذا التأويل ~~هو على قراءة من قرأ «ونصفه وثلث» بالخفض عطفا على الثلثين، وهي قراءة أبي ~~عمرو ونافع وابن عامر. وأما من قرأ «ونصفه وثلثه» بالنصب عطفا على أدنى وهي ~~قراءة باقي السبعة، فالمعنى عنده آخر، وذلك أن الله تعالى قرر أنهم يقدرون ~~الزمان على نحو ما أمر به في قوله نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ~~[المزمل: 3- 4] ، فلم يبق إلا أن يكون قوله لن تحصوه لن تستطيعوا قيامه ~~لكثرته وشدته فخفف الله عنكم فضلا منه لا لقلة جهلهم بالتقدير وإحصاء ~~الوقت، ونحو هذا تعطي عبارة الحسن وابن جبير تحصوه تطيعوه، وقرأ جمهور ~~القراء والناس «وثلثه» بضم اللام، وقرأ ابن كثير في رواية شبل عنه: # «وثلثه» بسكون اللام. وقوله تعالى: فاقرؤا ما تيسر من القرآن إباحة، هذا ~~قول الجمهور، وقال ابن جبير وجماعة هو فرض لا بد منه ولو خمسين آية، وقال ~~الحسن وابن سيرين قيام الليل فرض، ولو قدر PageV05P390 # حلب شاة، إلا أن الحسن قال: من قرأ مائة آية لم يحاجه القرآن، واستحسن ~~هذا جماعة من العلماء، قال بعضهم: والركعتان بعد العتمة مع الوتر مدخلتان ~~في حكم امتثال هذا الأمر، ومن زاد زاده الله ثوابا. # وإن في قوله تعالى: علم أن مخففة من الثقيلة. والتقدير أنه يكون، فجاءت ~~السين عوضا من المحذوف، وكذلك جاءت لا في قول أبي محجن: [الطويل] # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # والضرب في الأرض: هو السفر للتجارة، وضرب الأرض هو المشي للتبرز والغائط. ~~فذكر الله تعالى أعذار بني آدم التي هي حائلة بينهم وبين قيام الليل وهي ~~المرض والسفر في تجارة أو غزو، فخفف عنه القيام لها. وفي هذه الآية فضيلة ~~الضرب في الأرض بل تجارة وسوق لها مع سفر الجهاد، وقال عبد الله بن عمر: ms3616 ~~أحب الموت إلي بعد القتل في سبيل الله أن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في ~~الأرض أبتغي من فضل الله، ثم كرر الأمر. بقراءة ما تيسر منه تأكيدا و ~~«الصلاة» و «الزكاة» هما المفروضتان، ومن قال إن القيام بالليل غير واجب ~~قال معنى الآية خذوا من هذا الثقل بما تيسر وحافظوا على فرائضكم، ومن قال ~~إن شيئا من القيام واجب قال: قرنه الله بالفرائض لأنه فرض. وإقراض الله ~~تعالى: هو إسلاف العمل الصالح عنده. وقرأ جمهور الناس «هو خيرا» على أن ~~يكون هو فصلا، وقرأ محمد بن السميفع وأبو السمال «هو خير» بالرفع على أن ~~يكون هو ابتداء، و «خير» خبره والجملة تسد مسد المفعول الثاني ل تجدوه. # ثم أمر تعالى بالاستغفار وأوجب لنفسه صفة الغفران لا إله غيره، قال بعض ~~العلماء فالاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية ومن قوله تعالى: كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 17] . # قال القاضي أبو محمد: وعهدت أبي رحمه الله يستغفر إثر كل مكتوبة ثلاثا ~~بعقب السلام ويأثر في ذلك حديثا، فكأن هذا الاستغفار من التقصير وتفلت ~~الفكر أثناء الصلاة، وكان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر ثم يجلسون ~~للاستغفار إلى صلاة الصبح. # نجز تفسير سورة «المزمل» بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وآله. PageV05P391 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المدثر # وهي مكية بإجماع من أهل التأويل. # قوله عز وجل: ### || سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) # والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في ~~الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) # على الكافرين غير يسير (10) # اختلف القراء في المدثر على نحو ما ذكرناه في المزمل [المزمل: 1] ، وفي ~~حرف أبي بن كعب المدثر ومعناه المتدثر بثيابه، و «الدثار» ، ما يتغطى ~~الإنسان به من الثياب، واختلف الناس لم ناداه ب المدثر، فقال جمهور ~~المفسرين بما ورد في البخاري من أنه لما فرغ من رؤية جبريل على كرسي بين ~~السماء والأرض ms3617 فرعب منه ورجع إلى خديجة فقال: زملوني زملوني نزلت يا أيها ~~المدثر، وقال النخعي وقتادة وعائشة نودي وهو في حال تدثر فدعي بحال من ~~أحواله. وروي أنه كان يدثر في قطيفة. وقال آخرون: معناه أيها النائم. وقال ~~عكرمة معناه يا أيها المدثر للنبوة وأثقالها، واختلف الناس في أول ما نزل ~~من كتاب الله تعالى فقال جابر بن عبد الله وأبو سلمة والنخعي ومجاهد هو يا ~~أيها المدثر الآيات. وقال الزهري والجمهور هو اقرأ باسم ربك الذي خلق ~~[العلق: 1] وهذا هو الأصح. وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك. وقوله تعالى: ~~قم فأنذر بعثة عامة إلى جميع الخلق. قال قتادة، المعنى أنذر عذاب الله ~~ووقائعه بالأمم، وقوله تعالى: وربك فكبر معناه عظمه بالعبادة وبث شرعه. # وروي عن أبي هريرة أن بعض المؤمنين قال: بم نفتتح صلاتنا؟ فنزلت وربك ~~فكبر. واختلف المتأولون في معنى قوله وثيابك فطهر، فقال ابن سيرين وابن زيد ~~بن أسلم والشافعي وجماعة: هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، وذهب الشافعي وغيره ~~من هذه الآية إلى وجوب غسل النجاسات من الثياب، وقال الجمهور: # هذه الألفاظ استعارة في تنقية الأفعال والنفس والعرض، وهذا كما تقول فلان ~~طاهر الثوب، ويقال للفاجر دنس الثوب، ومنه قول الشاعر [غيلان بن سلمة ~~الثقفي] : [الطويل] # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من خزية أتقنع # وقال الآخر: [الرجز] # لاهم إن عامر ابن جهم ... أو ذم حجا في ثياب دهم PageV05P392 # أي دنسه. وقال ابن عباس والضحاك وغيره، المعنى لا تلبسها على غدرة ولا ~~فجور، وقال ابن عباس: المعنى لا تلبسها من مكسب خبيث، وقال النخعي: المعنى ~~طهرها من الذنوب، وهذا كله معنى قريب بعضه من بعض، وقال طاوس: المعنى قصرها ~~وشمرها، فذلك طهرة للثياب. وقرأ جمهور الناس «والرجز» بكسر الراء، وقرأ حفص ~~عن عاصم والحسن ومجاهد وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والنخعي وابن وثاب ~~وقتادة وابن أبي إسحاق والأعرج: و «الرجز» بضم الراء. فقيل هما بمعنى يراد ~~بهما الأصنام والأوثان، وقيل هما لمعنيين الكسر للنتن ms3618 والتقابض وفجور ~~الكفار والضم لصنمين: «إساف ونائلة» ، قاله قتادة. وقيل للأصنام عموما، ~~قاله مجاهد وعكرمة والزهري. وقال ابن عباس «الرجز» السخط، فالمعنى اهجر ما ~~يؤدي إليه ويوجبه، وقال الحسن: كل معصية رجز، وروى جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسر هذه الآية بالأوثان. واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ~~ولا تمنن تستكثر. فقال ابن عباس وجماعة معه: لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه، ~~فكأنه من قولهم، من إذا أعطى، قال الضحاك، وهذا خاص بالنبي عليه السلام، ~~ومباح لأمته لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: وما آتيتم ~~من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله [الروم: 39] ، وهذا معنى ~~أجنبي من معنى هذه السورة. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: ولا تمنن ~~تستكثر لا تقل دعوت فلم أجب وروى قتادة أن المعنى لا تدل بعملك، ففي هذا ~~التأويل تحريض على الجد وتخويف، وقال ابن زيد: # معناه ولا تمنن على الناس بنبوءتك تستكثر بأجر أو بكسب تطلبه منهم. وقال ~~الحسن بن أبي الحسن: معناه ولا تمنن على الله بجدك تستكثر أعمالك ويقع لك ~~بها إعجاب، فهذه كلها من المن الذي هو تعديد اليد وذكرها. وقال مجاهد: ~~معناه ولا تضعف تستكثر ما حملناك من أعباء الرسالة وتستكثر من الخير، فهذه ~~من قولهم حبل منين أي ضعيف، وفي قراءة ابن مسعود: «ولا تمنن أن تستكثر» ، ~~وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «تستكثر» بجزم الراء، وذلك كأنه قال لا تستكثر، ~~وقرأ الأعمش: «تستكثر» بنصب الراء، وذلك على تقدير أن مضمرة وضعف أبو حاتم ~~الجزم، وقرأ ابن أبي عبلة: «ولا تمنن فتستكثر» بالفاء العاطفة والجزم، وقرأ ~~أبو السمال: «ولا تمن» بنون واحدة مشددة. ولربك فاصبر، أي لوجه ربك وطلب ~~رضاه كما تقول فعلت لله تعالى، والمعنى على الأدنى من الكفار وعلى العبادة ~~وعن السهوات وعلى تكاليف النبوة، قال ابن زيد وعلى حرب الأحمر والأسود لقد ~~حمل أمرا عظيما. # والناقور الذي ينفخ فيه وهو الصور، قاله ابن عباس وعكرمة. وقال ms3619 خفاف بن ~~ندبة: [الوافر] # إذا ناقورهم يوما تبدى ... أجاب الناس من غرب وشرق # وهو فاعول من النقر، وقال أبو حباب: # أمنا زرارة بن أوفى فلما بلغ في الناقور خر ميتا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «كيف أنعم وصاحب القرن قد ~~التقمه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ» ففزع أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ # قال: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» . ويوم عسير معناه ~~في عسر في الأمور الجارية على PageV05P393 # الكفار فوصف اليوم بالعسر لكونه ظرف زمان له. وكذلك تجيء صفته باليسر. ~~وقرأ الحسن «عسر» بغير ياء. # قوله عز وجل: ### || [سورة المدثر (74) : الآيات 11 الى 25] # ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ~~ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) # كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) ~~فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) # ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر ~~يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) # قوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا وعيد محض، المعنى أنا أكفي عقابه وشأنه ~~كله. ولا خلاف بين المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ~~المخزومي، فروي أنه كان يلقب الوحيد، أي لأنه لا نظير له في ماله وشرفه في ~~بيته، فذكر الوحيد في الآية في جملة النعمة التي أعطي وإن لم يثبت هذا، ~~فقوله تعالى: خلقت وحيدا معناه منفردا قليلا ذليلا، فجعلت له المال ~~والبنين، فجاء ذكر الوحدة مقدمة حسن معها وقوع المال والبنين، وقيل المعنى ~~خلقته وحدي لم يشركني فيه أحد، ف وحيدا حال من التاء في خلقت، والمال ~~الممدود: قال مجاهد وابن جبير هو ألف دينار، وقال سفيان: بلغني أنه أربعة ~~آلاف دينار وقاله قتادة، وقيل: عشرة آلاف دينار، فهذا مد في العدد، وقال ~~النعمان بن بشير هي الأرض لأنها مدت، وقال عمر بن الخطاب: # المال الممدود الربع المستغل مشاهرة، فهو مد في الزمان لا ms3620 ينقطع، وشهودا ~~معناه حضورا متلاحقين، قال مجاهد وقتادة: كان له عشرة من الولد، وقال ابن ~~جبير: ثلاثة عشر، والتمهيد: التوطئة والتهيئة، قال سفيان: المعنى بسطت له ~~العيش بسطا. وقوله تعالى: ثم يطمع أن أزيد وصفه بجشع الوليد وعتبة في ~~الازدياد من الدنيا، وقوله تعالى: كلا زجر ورد على أمنية هذا المذكور، ثم ~~أخبر عنه أنه كان معاندا مخالفا لآيات الله وعبره، يقال بعير عنود للذي ~~يمشي مخالفا للإبل. ويحتمل أن يريد بالآيات آيات القرآن وهو الأصح في ~~التأويل سبب كلام الوليد في القرآن بأنه سحر، و «أرهقه» معناه أكلفه بمشقة ~~وعسر، وصعودا: عقبة في جهنم، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كلما وضع عليها شيء من الإنسان ذاب، والصعود في اللغة: العقبة ~~الشاقة. وقوله تعالى مخبرا عن الوليد إنه فكر وقدر الآية، روى جمهور ~~المفسرين أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ومدحه، ثم سمع كذلك مرارا حتى ~~كاد أن يقارب الإسلام، ودخل إلى أبي بكر الصديق مرارا، فجاءه أبو جهل فقال: ~~يا وليد، أشعرت أن قريشا قد ذمتك بدخولك إلى ابن أبي قحافة وزعمت أنك إنما ~~تقصد أن تأكل طعامه، فقد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن ~~تقول في هذا الكلام قولا يرضيهم، ففتنه أبو جهل فافتتن، وقال: افعل ذلك ثم ~~فكر فيما عسى أن يقول في القرآن، فقال: أقول شعر ما هو بشعر، أقول PageV05P394 # هو كاهن؟ ما هو بكاهن، أقول هو سحر يؤثر هو قول البشر، أي لبس منزل من ~~عند الله قال أكثر المفسرين، فقوله تعالى: فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر هو ~~دعاء عليه وتقبيح لحاله أي أنه ممن يستحق ذلك. وروي عن الزهري وجماعة غيره ~~أن الوليد حاج أبا جهل وجماعة من قريش في أمر القرآن وقال: والله إن له ~~لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لحياة وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو ولا ~~يعلى ونحو هذا من الكلام فخالفوه فقالوا له: هو شعر، فقال والله ms3621 ما هو ~~بشعر، ولقد عرفنا الشعر هزجه وبسيطه، قالوا: فهو كاهن، قال والله ما هو ~~بكاهن، لقد رأينا الكهان وزمزمتهم، قالوا: هو مجنون، قال: والله ما هو ~~بمجنون، ولقد رأينا المجنون وخنقه، قالوا: هو سحر، قال أما هذا فيشبه أنه ~~سحر ويقول أقوال نفسه. # قال القاضي أبو محمد: فيحتمل قوله تعالى: فقتل كيف قدر أن يكون دعاء عليه ~~على معنى تقبيح حاله، ويحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه الأول ~~ومدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه فيجري هذا مجرى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل بن سهيل: «ويل أمه مسعر حرب» ، ومجرى ~~قول عبد الملك بن مروان: قاتل الله كثيرا كأنه رآنا حين قال كذا، وهذا معنى ~~مشهور في كلام العرب، ثم وصف تعالى إدباره واستكباره وأنه ضل عند ذلك وكفر، ~~وإذا قلنا إن ذلك دعاء على مستحسن فعله فيجيء قوله تعالى: ثم نظر، معناه ~~نظر فيما احتج به القرآن فرأى ما فيه من علو مرتبة محمد عليه السلام ف عبس ~~لذلك وبسر أي قطب وقبض ما بين عينيه وأربد وجهه حسدا له فأدبر واستكبر، أي ~~ارتكس في ضلاله وزال إقباله أولا ليهتدي ولحقته الكبرياء، وقال هذا سحر، ~~ويؤثر معناه يروى ويحمل، أي يحمله محمد عن غيره، وعلى التأويل أن الدعاء ~~عليه دعاء على مستقبح فعله يجيء قوله ثم نظر معناه معادا بعينه لأن فكر ~~وقدر يقتضيه لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا الوليد فقال له: انظر وفكر فلما فكر قال ما تقدم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المدثر (74) : الآيات 26 الى 30] # سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر ~~(29) عليها تسعة عشر (30) # سقر هو الدرك السادس من جهنم على ما روي، و «أصليه» معناه أجعله فيها ~~مباشرا لنارها، وقوله تعالى: وما أدراك ما سقر هو على معنى التعجب من عظم ~~أمرها وعذابها ثم بين ذلك بقوله لا تبقي ولا تذر المعنى: لا ms3622 تبقي على من ~~ألقي فيها، ولا تذر غاية من العذاب إلا وصلته إليها، وقوله تعالى: لواحة ~~للبشر، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو رزين وجمهور الناس: معناه، مغيرة ~~للبشرات، محرقة للجلود مسودة لها، و «البشر» جمع بشرة، وتقول العرب: لاحت ~~النار الشيء إذا أحرقته وسودته، وقال الشاعر [الأعشى] : [الخفيف] PageV05P395 # لاحة الصيف والغيار وإشفا ... ق على سقبة كقوس الضال # وأنشد أبو عبيدة: [الرجز] يا بنت عمي لاحني الهواجر وقال الحسن وابن ~~كيسان: لواحة بناء مبالغة من لاح يلوح إذا ظهر، والمعنى أنها تظهر للناس ~~وهم البشر من مسيرة خمسمائة عام، وذلك لعظمها وهولها وزفيرها. وقرأ عطية ~~العوفي «لواحة» بالنصب، وقوله تعالى: عليها تسعة عشر ابتداء وخبره مقدم في ~~المجرور، ولا خلاف بين العلماء أنهم خزنة جهنم المحيطون بأمرها الذين إليهم ~~جماع أمر زبانيتها، وقد قال بعض الناس: إنهم على عدد حروف بسم الله الرحمن ~~الرحيم لأن بها تقووا، وروي أن قريشا لما سمعت هذا كثر إلغاطهم فيه وقالوا: ~~لو كان هذا حقا، فإن هذا العدد قليل، فقال أبو جهل: هؤلاء تسعة عشر، وأنتم ~~الدهم، أفيعجز عشرة منا عن رجل منهم، وقال أبو الأشدي الجمحي: أنا أجهضهم ~~على النار، إلى غير هذا من أقوالهم السخيفة، فنزلت في أبي جهل: أولى لك ~~فأولى [القيامة: 34- 35] الآية، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن شبل ~~«تسعة عشر» بسكون العين، وذلك لتوالي الحركات، وقرأ أنس بن مالك وأبو حيوة ~~«تسعة عشر» برفع التاء، وروي عن أنس بن مالك أنه قرأ «تسعة أعشر» ، وضعفها ~~أبو حاتم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المدثر (74) : الآيات 31 الى 42] # وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر ms3623 (33) والصبح ~~إذا أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) # نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس بما كسبت ~~رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) # عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) # وقوله تعالى: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة تبيين لفساد أقوال قريش، ~~أي إن جعلناهم خلقا لا قبل لأحد من الناس بهم وجعلنا عدتهم هذا القدر فتنة ~~للكفار ليقع منهم من التعاطي والطمع في المبالغة ما وقع وليستيقن أهل ~~الكتاب: التوراة والإنجيل أن هذا القرآن من عند الله، إذ هم يجدوه هذه ~~العدة في كتبهم المنزلة التي لم يقرأها محمد صلى الله عليه وسلم ولا هو من ~~أهلها، ولكن كتابه يصدق ما بين يديه من كتب الأنبياء إذ جميع ذلك حق يتعاضد ~~منزل من عند الله، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وغيرهم، وبورود الحقائق ~~من عند الله عز وجل يزداد كل ذي إيمان إيمانا ويزول الريب عن المصدقين من ~~أهل الكتاب ومن المؤمنين، وقوله تعالى: وليقول الذين في قلوبهم مرض الآية، ~~نوع من الفتنة لهذا الصنف المنافق أو الكافر، أي جاروا وضلوا ولم يهتدوا ~~لقصد الحق فجعلوا يستفهم بعضهم بعضا عن مراد الله تعالى بهذا المثل ~~استبعادا أن يكون هذا من عند الله، قال الحسين بن الفضل: السورة مكية ولم ~~يكن بمكة نفاق فإنما المرض في هذه الآية الاضطراب وضعف الإيمان. # قوله تعالى: كذلك يضل الله من يشاء أي بهذه الصفة وهذا الرين على القلوب ~~يضل، ثم أخبر PageV05P396 # تعالى أنه يهدي من يشاء من المؤمنين لما ورد بذلك لعلمهم بالقدرة ووقوف ~~عقولهم على كنه سلطان الله تعالى، فهم موقنون متصورون صحة ما أخبرت به ~~الأنبياء وكتب الله تعالى، ثم قال: وما يعلم جنود ربك إلا هو إعلاما بأن ~~الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء ~~كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا ~~فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة. وقوله تعالى: وما ms3624 هي إلا ذكرى للبشر ~~قال مجاهد الضمير في قوله وما هي للنار المذكورة، أي يذكرها البشر ~~فيخافونها فيطيعون الله تعالى. وقال بعض الحذاق. قوله تعالى: ما هي يراد ~~بها الحال والمخاطبة والنذارة، قال الثعلبي: وقيل وما هي، يراد نار الدنيا، ~~أي إن هذه تذكرة للبشر بنار الآخرة، وقوله عز وجل: كلا رد على الكافرين ~~وأنواع الطاغين على الحق، ثم أقسم ب القمر، تخصيص تشريف وتنبيه على النظر ~~في عجائبه وقدرة الله تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها ~~واختلافها على نظام واحد لا يختل، وكذلك هو القسم ب الليل وب الصبح، فيعود ~~التعظيم في آخر الفكرة وتحصيل المعرفة إلى الله تعالى مالك الكل وقوام ~~الوجود ونور السماء والأرض، لا إله إلا هو العزيز القهار. وقرأ ابن كثير ~~وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «إذ أدبر» بفتح الدال ~~والباء، وهي قراءة ابن عباس وابن المسيب وابن الزبير ومجاهد وعطاء ويحيى بن ~~يعمر وأبي جعفر وشيبة وأبي الزناد وقتادة وعمر بن عبد العزيز والحسن وطلحة. ~~وقرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم، «إذا أدبر» بسكون الدال وبفعل رباعي، وهي ~~قراءة سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنهم والأعرج وأبي شيخ ~~وابن محيصن وابن سيرين، قال يونس بن حبيب: «دبر» معناه انقضى و «أدبر» ~~معناه تولى. وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب «إذ أدبر» بفتح الدال وألف ~~وبفعل رباعي وهي قراءة الحسن وأبي رزين وأبي رجاء ويحيى بن يعمر. وسأل ~~مجاهد ابن عباس عن دبر الليل فتركه حتى إذا سمع المنادي الأول للصبح قال ~~له: يا مجاهد، هذا حين دبر الليل، وقال قتادة: دبر الليل ولى. قال الشاعر ~~[الأصمعي] : [الكامل] # وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم ... بهضاب هامدة كأمس الدابر # والعرب تقول في كلامها كأمس المدبر، قال أبو علي الفارسي: فالقراءتان ~~جميعا حسنتان و «أسفر الصبح» أضاء وانتشر ضوءه قبل طلوع الشمس بكثير ~~والإسفار رتب أول ووسط وآخر، ومن هذه اللفظة السفر، والسفر بفتح السين، ~~والسفير وسفرت المرأة ms3625 عن وجهها كلها ترجع إلى معنى الظهور والانجلاء، وقرأ ~~عيسى بن الفضيل وابن السميفع: «إذا أسفر» ، فكأن المعنى طرح الظلمة عن وجهه ~~وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى: إنها لإحدى الكبر قال قتادة وأبو رزين ~~وغيره: الضمير لجهنم، ويحتمل أن يكون الضمير للنذارة، وأمر الآخرة فهو ~~للحال والقصة، وتكون هذه الآية مثل قوله عز وجل قل هو نبأ عظيم أنتم عنه ~~معرضون [ص: 68] ، و «الكبر» ، جمع كبيرة، وقرأ جمهور القراء «لإحدى» بهمزة ~~في ألف إحدى، وروي عن ابن كثير أنه قرأ «لاحدى» دون همزة، وهي قراءة نصر بن ~~عاصم، قال أبو علي: # التخفيف في لإحدى الكبر، أن تجعل الهمزة فيها بين بين، فأما حذف الهمزة ~~فليس بقياس وقد جاء حذفها. قال أبو الأسود الدؤلي: [الكامل] # يا أبا المغيرة رب أمر معضل ... فرجته بالنكر مني والدها PageV05P397 # وأنشد ثعلب: [الكامل] # إن لم أقاتل فالبسوني برقعا ... وفتخات في اليدين أربعا # وقوله تعالى: نذيرا للبشر قال الحسن بن أبي الحسن: لا نذير إذ هي من ~~النار. وهذا القول يقتضي أن نذيرا حال من الضمير في إنها. أو من قوله ~~لإحدى، وكذلك أيضا على الاحتمال في أن تكون إنها يراد بها قصة الآخرة وحال ~~العالم، وقال أبو رزين: الله جل ذكره هو النذير، فهذا القول يقتضي أن نذيرا ~~معمول الفعل تقديره: ليس نذيرا للبشر أو ادعوا نذيرا للبشر، وقال ابن زيد ~~محمد عليه السلام هو النذير: فهذا القول يقتضي أن نذيرا معمول لفعل. وهذا ~~اختيار الخليل في هذه الآية ذكره الثعلبي قال: ولذلك يوصف به المؤنث، وقرأ ~~ابن أبي عبلة «نذير» بالرفع على إضمار هو، وقوله تعالى: لمن شاء منكم أن ~~يتقدم أو يتأخر، قال الحسن هو وعيد نحو قوله تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر [الكهف: 29] ، وقوله تعالى: ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين [الحجر: 24] . # قال القاضي أبو محمد: هو بيان في النذارة وإعلام أن كل أحد يسلك طريق ~~الهدى والحق إذا حقق النظر، أي هو بعينه يتأخر عن هذه الرتبة بغفلته وسوء ms3626 ~~نظره ثم قوي هذا المعنى بقوله: كل نفس بما كسبت رهينة إذ ألزم بهذا القول ~~أن المقصر مرتهن بسوء عمله. وقال الضحاك: المعنى كل نفس حقت عليها كلمة ~~العذاب، ولا يرتهن تعالى أحدا من أهل الجنة إن شاء الله، والهاء في رهينة ~~للمبالغة، أو على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان وقوله تعالى: إلا أصحاب ~~اليمين، استثناء ظاهر الانفصال، وتقديره لكن أصحاب اليمين، وذلك لأنهم لم ~~يكتسبوا ما هم به مرتهنون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أصحاب ~~اليمين في هذه الآية، أطفال المسلمين، وقال ابن عباس: هم الملائكة، وقال ~~الضحاك: هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وقال الحسن وابن كيسان: هم ~~المسلمون المخلصون وليسوا بمرتهنين، ثم ذكر تعالى حال أصحاب اليمين وأنهم ~~في جنات يسأل بعضهم بعضا عمن غاب من معارفه، فإذا علموا أنهم مجرمون في ~~النار، قالوا لهم أو قالت الملائكة: ما سلككم في سقر؟ # وسلك معناه: أدخل، ومنه قول أبي وجزة السعدي: # حتى سلكن الشوى منهن في مسك ... من نسل جوابة الآفاق مهداج # قوله عز وجل: ### || [سورة المدثر (74) : الآيات 43 الى 56] # قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع ~~الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) # فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم ~~حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة (52) # كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) PageV05P398 # هذا هو اعتراف الكفار على أنفسهم وفي نفي الصلاة يدخل الإيمان بالإيمان ~~بالله والمعرفة به والخشوع والعبادة. والصلاة تنتظم على عظم الدين وأوامر ~~الله تعالى وواجبات العقائد، وإطعام المساكين ينتظم الصدقة فرضا وطواعية، ~~وكل إجمال ندبت إليه الشريعة بقول أو فعل والخوض مع الخائضين عرفه في ~~الباطل، قال قتادة: المعنى كلما غوى غاو غووا معه، والتكذيب بيوم الدين كفر ~~صراح وجهل بالله تعالى، واليقين معناه عندي صحة ms3627 ما كانوا يكذبون به من ~~الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة، وقال المفسرون: اليقين الموت، وذلك ~~عندي هنا متعقب لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حي، فإنما اليقين الذي ~~عنوا في هذه الآية الشيء الذي كانوا يكذبون به وهم أحياء في الدنيا فتيقنوه ~~بعد الموت. # وإنما يتفسر اليقين بالموت في قوله تعالى: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ~~[الحجر: 99] . ثم أخبر تعالى أن شفاعة الشافعين لا تنفعهم فتقرر من ذلك أن ~~ثم شافعين، وفي صحة هذا المعنى أحاديث: # قال صلى الله عليه وسلم: «يشفع الملائكة ثم النبيون ثم العلماء ثم ~~الشهداء ثم الصالحون، ثم يقول الله تعالى: شفع عبادي وبقيت شفاعة أرحم ~~الراحمين، فلا يبقى في النار من كان له إيمان» ، وروى الحسن أن الله تعالى ~~يدخل الجنة بشفاعة رجل من هذه الأمة مثل ربيعة ومضر وفي رواية أبي قلابة ~~أكثر من بني تميم، وقال الحسن كنا نتحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل ~~بيته، ثم قال عز وجل: فما لهم عن التذكرة معرضين أي والحال المنتظرة هي هذه ~~الموصوفة، وقوله تعالى في صفة الكفار المعرضين بتول واجتهاد في نفور كأنهم ~~حمر مستنفرة إثبات لجهالتهم لأن الحمر من جاهل الحيوان جدا، وقرأ الأعمش: # «حمر» بإسكان الميم، وفي حرف ابن مسعود «حمر نافرة» ، وقرأ نافع وابن ~~عامر والمفضل عن عاصم: # «مستنفرة» بفتح الفاء، وقرأ الباقون بكسرها، واختلف عن نافع وعن الحسن ~~والأعرج ومجاهد، فأما فتح الفاء فمعناها استنفرها فزعها من القسورة، وأما ~~كسر الفاء فعلى أن نفر واستنفر بمعنى واحد مثل عجب واستعجب وسخر واستسخر ~~فكأنها نفرت هي، ويقوي ذلك قوله تعالى: فرت وبذلك رجح أبو علي قراءة كسر ~~الفاء، واختلف المفسرون في معنى القسورة فقال ابن عباس وأبو موسى الأشعري ~~وقتادة وعكرمة: «القسورة» الرماة، وقال ابن عباس أيضا وأبو هريرة وجمهور من ~~اللغويين: «القسورة» الأسد، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # مضمر تحذره الأبطال ... كأنه القسورة الرئبال # وقال ابن جبير: «القسورة» : رجال القنص، وقاله ابن عباس أيضا، وقيل: ~~«القسورة» ركز الناس، ms3628 وقيل: «القسورة» الرجال الشداد، قال لبيد: # إذا ما هتفنا هتفة في ندينا ... أتانا الرجال العاندون القساور # وقال ثعلب: «القسورة» سواد أول الليل خاصة لآخره أو اللفظة مأخوذة من ~~القسر الذي هو الغلبة والقهر، وقوله تعالى: بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى ~~صحفا منشرة معناه من هؤلاء المعارضين، أي يريد كل إنسان منهم أن ينزل عليه ~~كتاب من الله، وكان هذا من قول عبد الله بن أبي أمية وغيره. وروي أن PageV05P399 # بعضهم قال إن كان يكتب في صحف ما يعمل كل إنسان فلتعرض ذلك الصحف علينا ~~فنزلت الآية، ومنشرة: معناه منشورة غير مطوية، وقرأ سعيد بن جبير «صحفا» ~~بسكون الحاء وهي لغة يمانية، وقرأ: # «منشرة» بسكون النون وتخفيف الشين، وهذا على أن يشبه نشرت الثوب بأنشر ~~الله الميت إذا لطى كالموت، وقد عكس التيمي التشبيه في قوله: [الكامل] # ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور # ولا يقال في الميت يحيى منشور إلا على تشبيه بالثوب وأما محفوظ اللغة ~~فنشرت الصحيفة وأنشر الله الميت، وقد جاء عنهم نشر الله الميت، وقوله ~~تعالى: كلا رد على إرادتهم أي ليس الأمر كذلك، ثم قال: بل لا يخافون الآخرة ~~المعنى هذه العلة والسبب في إعراضهم فكان جهلهم بالآخرة سبب امتناعهم للهدى ~~حتى هلكوا، وقرأ أبو حيوة: «تخافون» بالتاء من فوق رويت عن ابن عامر، ثم ~~أعاد الرد والزجر بقوله تعالى: كلا وأخبر أن هذا القول والبيان وهذه ~~المحاورة بجملتها تذكرة، فمن شاء وفقه الله تعالى لذلك ذكر معاده فعمل له، ~~ثم أخبر تعالى أن ذكر الإنسان معاده وجريه إلى فلاحه إنما هو كله بمشيئة ~~الله تعالى وليس يكون شيء إلا بها، وقرأ نافع وأهل المدينة وسلام ويعقوب: ~~«تذكرون» بالتاء من فوق، وقرأ أبو جعفر وعاصم وأبو عمرو والأعمش وطلحة وابن ~~كثير وعيسى والأعرج: «يذكرون» بالياء من تحت، وروي عن أبي جعفر بالتاء من ~~فوق وشد الذال كأنه تتذكرون فأدغم، وقوله تعالى: هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة خبر جزم معناه: # أن الله تعالى أهل ms3629 بصفاته العلى ونعمه التي لا تحصى ونقمه التي لا تدفع ~~لأن يتقى ويطاع ويحذر عصيانه وخلاف أمره، وأنه بفضله وكرمه أهل أن يغفر ~~لعباده إذا اتقوه، وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه ~~الآية فقال: يقول ربكم جلت قدرته وعظمته: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله ~~غيري ومن اتقى أن يجعل معي إلها غيري فأنا أغفر له، وقال قتادة: معنى الآية ~~هو أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر الذنوب. # نجز تفسير سورة المدثر والحمد لله كثيرا. PageV05P400 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القيمة # وهي مكية بإجماع من المفسرين وأهل التأويل، وروي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قال: # من سأل عن القيامة أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعها، فليقرأ هذه السورة، ~~وقال المغيرة بن شعبة: يقول الناس القيامة القيامة، وإنما قيامة المرء ~~موته، وروي أيضا عن ابن جبير أنه حضر جنازة رجل فقال: أما هذا فقد قامت ~~قيامته. ويروى مثله عن علقمة، وذكره الثعلبي. # قال القاضي أبو محمد: وقيامة الرجل في خاصته ليست بالقيامة الجامعة لجميع ~~الخلق بعد البعث. # لكن المغيرة رضي الله عنه كأنه قال: هذا لمن يستبعد قيام الآخرة، ويظن ~~طول الأمد بينه وبينها فتوعده بقيام نفسه. # قوله عز وجل: ### || [سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق ~~البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) # يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ ~~المستقر (12) ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة (14) # ولو ألقى معاذيره (15) # قرأ جمهور السبعة: «لا أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة» وقرأ ~~ابن كثير والحسن بخلاف عنه والأعرج «لأقسم بيوم القيامة ولأقسم بالنفس» ، ~~فأما القراءة الأولى فاختلف في تأويلها فقال ابن جبير: «لا» استفتاح كلام ~~بمنزلة ألا ms3630 وأنشدوا على ذلك [المتقارب] # فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يعلم القوم أني أفر # وقال أبو علي الفارسي: «لا» صلة زائدة كما زيدت في قوله لئلا يعلم أهل ~~الكتاب [الحديد: 29] ويعترض هذا بأن هذه في ابتداء كلام. ولا تزاد «لا» وما ~~نحوها من الحروف إلا في تضاعيف كلام. # فينفصل عن هذا بأن القرآن كله كالسورة الواحدة وهو في معنى الاتصال فجاز ~~فيه هذا، وقال الفراء: «لا» نفي لكلام الكفار وزجر لهم ورد عليهم، ثم ~~استأنف على هذه الأقوال الثلاثة قوله: أقسم، ويوم القيامة أقسم الله به ~~تنبيها منه لعظمه وهوله. وقوله تعالى: «ولا أقسم بالنفس اللوامة» القول في ~~«لا» على نحو ما PageV05P401 # تقدم، وأما القراءة الثانية فتحتمل أمرين. إما أن تكون اللام دخلت على ~~فعل الحال. التقدير لأنا أقسم فلا تلحق لأن النون نون التوكيد إنما تدخل في ~~الأكثر لتفرق بين فعل الحال والفعل المستقبل فهي تلزم المستقبل في الأكثر، ~~وإما أن يكون الفعل خالصا للاستقبال فكأن الوجه والأكثر أن تلحق النون إما ~~الخفيفة وإما الثقيلة، لكن قد ذكر سيبويه أن النون قد تسقط مع إرادة ~~الاستقبال وتغني اللام عنها. كما تسقط اللام وتغني النون عنها وذلك في قول ~~الشاعر: [الكامل] # وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن قتيلهم لم يثأر # المراد لأثارن، وأما قوله «ولا أقسم بالنفس اللوامة» فقيل «لا» نافية، ~~وإن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، ونفى أن يقسم بالنفس اللوامة نص عليه ~~الحسن، وقد ذهب هذا المذهب قوم ممن قرأ «لا أقسم ولأقسم» ، وذلك قلق وهو في ~~القراءة الثانية أمكن وجمهور المتأولين على أن الله تعالى أقسم بالأمرين، ~~واختلف الناس في النفس اللوامة ما معناه، فقال الحسن هي اللوامة لصاحبها في ~~ترك الطاعة ونحوه، فهي على هذا ممدوحة، ولذلك أقسم الله تعالى بها، وقال ~~ابن عباس: هي الفاجرة الجشعة اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا ~~وأعراضها فهي على هذا ذميمة وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها والنفس في ~~الآية اسم جنس لنفوس البشر، وقال ابن جبير ms3631 ما معناه: إن القسم بها هي اسم ~~الجنس لأنها تلوم على الخير وعلى الشر، وقيل المراد نفس آدم لأنها لم تزل ~~اللائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة. # قال القاضي أبو محمد: وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة ~~بالسوء، فإنها لوامة في الطرفين مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على ~~فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت. وقوله تعالى: أيحسب الإنسان تقرير ~~وتوبيخ، والإنسان اسم جنس وهذه أقوال كانت لكفار قريش فعليها هو الرد، وقرأ ~~جمهور الناس: «نجمع عظامه» بالنون ونصب الميم من العظام، وقرأ قتادة «أن لن ~~يجمع عظامه» بالياء ورفع الميم من العظام، ومعنى ذلك في القيامة وبعد البعث ~~من القبور، وقرأ أبو عمرو بإدغام العين ثم قال تعالى: بلى وهي إيجاب ما ~~نفي، وبابها أن تأتي بعد النفي والمعنى بل يجمعها قادرين بنصب قادرين على ~~الحال. وقرأ ابن أبي عبلة «قادرون» بالرفع، وقال القتبي: نسوي بنانه معناه ~~نتقنها سوية، والبنان: الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد ~~الفناء والإرمام، قيل لهم إنما تجمع ويسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وهي ~~عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور ~~المفسرين: نسوي بنانه معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظما واحدا كخف ~~البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى قادرين لأن في الدنيا على أن نجعلها دون ~~تفرق، فتقل منفعته بيده، فكأن التقدير بلى نحن أهل أن نجمعها قادرين على ~~إزالة منفعة بيده، ففي هذا توعد ما، والقول الأول أحرى مع رصف الكلام، ولكن ~~على هذا القول جمهور العلماء، وقوله تعالى: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ~~قال بعض المتأولين: الضمير في أمامه عائد على الإنسان، ومعنى الآية أن ~~الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبدا قدما راكب رأسه ومطيع ~~أمله ومسوفا بتوبته، قاله مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي، ~~وقال السدي: المعنى ليظلم على قدر طاقته، وقال الضحاك PageV05P402 # المعنى يركب رأسه في طلب الدنيا دائما، وقوله تعالى: ليفجر أمامه تقديره ~~لكن ms3632 يفجر، وقال ابن عباس ما يقتضي أن الضمير في أمامه عائد على يوم ~~القيامة، والمعنى أن الإنسان هو في زمن وجوده أمام يوم القيامة وبين يديه، ~~ويوم القيامة خلفه فهو يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين ~~يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه، ونظيره قوله تعالى: ~~ليفجر قول قيس بن سعد (أردت لكيما يعرف الناس أنها سراويل قيس والوفود ~~شهود) . # وبل في أول الآية هي إضراب على معنى الترك لا على معنى إبطال الكلام ~~الأول، وقد تجيء بل لإبطال القول الذي قبلها، وسؤال الكافر أيان يوم ~~القيامة هو على معنى التكذيب والهزء كما تقول لمحدث بأمر تكذبه متى يكون ~~هذا؟ وأيان لفظة بمعنى متى، وهي مبينة لتضمنها معنى الاستفهام فأشبهت ~~الحروف المتضمنة للمعاني. وكان حقها أن تبنى على السكون، لكن فتحت النون ~~لالتقاء الساكنين الألف وهي وقرأ أبو عمرو والحسن ومجاهد وقتادة والجحدري ~~وعاصم والأعمش وأبو جعفر وشيبة «برق البصر» بكسر الراء بمعنى شخص وشق وحار. ~~وقرأ نافع وعاصم بخلاف، وعبد الله بن أبي إسحاق وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم ~~«برق» بفتح الراء، بمعنى لمع وصار له بريق وحار عند الموت، والمعنى متقارب ~~في القراءتين، وقال أبو عبيدة «برق» بالفتح شق، وقال مجاهد هذا عند الموت، ~~وقال الحسن هذا في يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس: «وخسف القمر» على أنه ~~فاعل، وقرأ أبو حيوة: «خسف» بضم الخاء وكسر السين و «القمر» مفعول لما يسم ~~فاعله. يقال خسف القمر وخسفه الله، وكذلك الشمس، وقال أبو عبيدة وجماعة من ~~اللغويين الخسوف والكسوف بمعنى واحد، قال ابن أبي أويس: الكسوف ذهاب بعض ~~الضوء والخسوف ذهاب جميعه، وروي عن عروة وسفيان أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت» . وقوله تعالى: وجمع ~~الشمس والقمر غلب عليه التذكير على التأنيث، وقيل ذلك لأن تأنيث الشمس غير ~~حقيقي، وقيل المراد بين الشمس والقمر، وكذلك قرأ ابن أبي عبلة. واختلف ~~المتأولون في معنى ms3633 الجمع بينهما فقال عطاء بن يسار: يجمعان فيقذفان في ~~النار، وقيل في البحر، فتصير نار الله العظمى، وقيل يجمع الضوءان فيذهب ~~بهما، وقرأ جمهور الناس «أين المفر» بفتح الميم والفاء على المصدر أي أين ~~الفرار، وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وأيوب السختياني وكلثوم بن عياض ~~ومجاهد ويحيى بن يعمر وحماد بن سلمة وأبو رجاء وعيسى وابن أبي إسحاق: «أين ~~المفر» بفتح الميم وكسر الفاء على معنى أين موضع الفرار، وقرأ الزهري: «أين ~~المفر» بكسر الميم وفتح الفاء بمعنى أين الجيد الفرار، وكلا زجر يقال ~~للإنسان يومئذ ثم يعلن أنه لا وزر له أي ملجأ، وعبر المفسرون عن الوزر ~~بالحبل، قال مطرف بن الشخير وغيره، وهو كان وزر فرار العرب في بلادهم، ~~فلذلك استعمل، والحقيقة أنه الملجأ كان جبلا أو حصنا أو سلاحا أو رجلا أو ~~غيره. وقوله تعالى: إلى ربك يومئذ المستقر # معناه إلى حكم ربك أو نحوه من التقدير والمستقر # رفع بالابتداء وخبره في المقدر الذي يتعلق به المجرور المتقدم. تقدير ~~الكلام المستقر ثابت أو كائن إلى ربك يومئذ، والمستقر # : موضع الاستقرار، وقوله تعالى: بما قدم وأخر # قسمة تستوي في كل عمل، أي يعلم بكل ما فعل ويجده محصلا، قال ابن عباس ~~وابن مسعود المعنى بما قدم # في حياته وأخر # من سنة يعمل بها بعده، وقال ابن عباس أيضا: PageV05P403 # بما قدم # من المعاصي وأخر # من الطاعات، وقال زيد بن أسلم: بما قدم # لنفسه من ماله وبما أخر منه للوارث، وقوله تعالى: بل الإنسان # إضراب بمعنى الترك لا على معنى إبطال القول الأول، وبصيرة # يحتمل أن يكون خبرا عن الإنسان ولحقته هاء التأنيث كما لحقت علامة ~~ونسابة، والمعنى فيه وفي عقله وفطرته حجة وطليعة وشاهد مبصر على نفسه، ~~والهاء للتأنيث، ويراد ب «البصيرة» جوارحه أو الملائكة الحفظة وهذا تأويل ~~ابن عباس، و «المعاذير» هنا قال الجمهور: هي الأعذار جمع معذرة، وقال السدي ~~والضحاك: هي الستور بلغة اليمن يقولون للستر المعذار، وقال الحسن: المعنى ~~بل الإنسان على نفسه # بلية ومحنة، كأنه ms3634 ذهب إلى البصيرة التي هي طريقة الدم وداعية طلب الثأر ~~وفي هذا نظر. # قوله عز وجل: ### || [سورة القيامة (75) : الآيات 16 الى 30] # لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) # وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه ~~يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) # كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت ~~الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) # الضمير في به # عائد على كتاب الله تعالى ولم يجر له ذكر، ولكن القرائن تبينه، فهذا ~~كقوله تعالى: توارت بالحجاب [ص: 32] ، وكقوله تعالى: كلا إذا بلغت التراقي ~~يعني النفس، واختلف المتأولون في السبب الموجب أن يؤمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذا الأمر، فقال الشعبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه ~~على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى ربما أراد النطق ببعض ما ~~أوحي إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر أن لا يجعل بالقرآن من قبل أن يفضى ~~إليه وحيه. وجاءت هذه الآية في هذا المعنى. وقال الضحاك: كان سببها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب ذلك ~~عليه وشق، فنزلت الآية في ذلك، وقال كثير من المفسرين وهو في صحيح البخاري ~~عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان ~~مما يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه، فنزلت الآية بسبب ذلك ~~وأعلمه الله تعالى أنه يجمعه له في صدره، وقرآنه # يحتمل أن يريد به وقراءته أي تقرأه أنت يا محمد، والقرآن مصدر كالقراءة ~~ومنه قول الشاعر [حسان بن ثابت] في عثمان رضي الله عنه وأرضاه: [البسيط] # ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # ويحتمل أن يريد إن علينا جمعه # وتأليفه في صدر صدرك فهو مصدر من قولك قرأت أي جمعت، ومنه قولهم في ~~المرأة التي لم تلد ما ms3635 قرأت سلاقط، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم] : ~~[الوافر] # ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا # وقوله تعالى: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # أي قراءة الملك الرسول عنا. وقوله تعالى: فاتبع # يحتمل PageV05P404 # أن يريد بذهنك وفكرك، أي فاستمع قراءته وقاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد ~~فاتبع # في الأوامر والنواهي، قاله ابن عباس أيضا وقتادة والضحاك. وقرأ أبو ~~العالية: «قرته» ، «فإذا قرته فاتبع قرته» بفتح القاف والراء والتاء من غير ~~همز ولا ألف في الثالثة، وقوله تعالى: ثم إن علينا بيانه، قال قتادة وجماعة ~~معه: معناه أن نبينه لك ونحفظكه، وقال كثير من المتأولين معناه أن تبينه ~~أنت، وقال قتادة أيضا وغيره معناه أن نبين حلاله وحرامه ومجمله ومفسره، ~~وقوله تعالى: كلا بل تحبون العاجلة رجوع إلى مخاطبة قريش، فرد عليهم وعلى ~~أقوالهم في رد الشريعة بقوله: كلا ليس ذلك كما تقولون. وإنما أنتم قوم قد ~~غلبتكم الدنيا بشهواتها، فأنتم تحبونها حبا تتركون معه الآخرة والنظر في ~~أمرها. وقرأ الجمهور «تحبون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~والحسن ومجاهد والجحدري وقتادة «يحبون» بالياء على ذكر الغائب وكذلك ~~«يذرون» . ولما ذكر الآخرة أخبر بشيء من حال أهلها بقوله: وجوه رفع ~~بالابتداء وابتداء بالنكرة لأنها تخصصت بقوله يومئذ وناضرة خبر وجوه. وقوله ~~تعالى: إلى ربها ناظرة جملة هي في موضع خبر بعد خبر، وقال بعض النحويين: ~~ناضرة نعت ل وجوه، وإلى ربها ناظرة خبر عن وجوه، فعلى هذا كثر تخصص الوجوه ~~فحسن الابتداء بها. وناضرة معناه ناعمة، والنضرة النعمة وجمال البشرة، قال ~~الحسن: وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى: إلى ربها ناظرة ~~حمل هذه الآية أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى، وهي ~~رؤية دون محاذاة ولا تكييف ولا تحديد كما هو معلوم، موجود لا يشبه ~~الموجودات كذلك هو لا يشبه المرئيات في شيء، فإنه ليس كمثله شيء لا إله إلا ~~هو، وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حدثتكم ms3636 عن ~~الدجال أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة ~~البدر لا تضامون في رؤيته» ، وقال الحسن: تنظرون إلى الله تعالى بلا إحاطة، ~~وأما المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى، فذهبوا في هذه الآية إلى أن ~~المعنى إلى رحمة ربها ناظرة أو إلى ثوابه أو ملكه، فقدروا مضافا محذوفا، ~~وهذا وجه سائغ في العربية كما تقول، فلان ناظر إليك في كذا، أي إلى صنعك في ~~كذا. والرواية إنما تثبتها بأدلة قاطعة غير هذه الآية، فإذا # ثبتت حسن تأويل أهل السنة في هذه الآية وقوي، وذهب بعض المعتزلة في هذه ~~الآية إلى أن قوله إلى ليست بحرف الجر وإنما هي إلى واحد الآلاء فكأنه قال ~~نعمة ربها منتظرة، أو ناظرة من النظر بالعين، ويقال نظرتك بمعنى انتظرتك، ~~ومنه قول الحطيئة: [البسيط] # وقد نظرتكم أبناء عائشة ... للخمس طال بها حبسي وتبساسي # والتبساس أن يقال للناقة بس بس لتدر على الحالب، وفسر أبو عبيدة في غريبه ~~هذا البيت على رواية أخرى وهي: طال بها حوزي وتنساسي بالنون وهو السير ~~الشديد فتأمله، و «الباسرة» العابسة المغمومة النفوس. والبسور أشد العبوس، ~~وإنما ذكر تعالى الوجوه لأنه فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غم، والمراد ~~أصحاب الوجوه، وقوله تعالى: تظن أن يفعل إن جعلناه بمعنى توقن فهو لم يقع ~~بعد على ما بيناه وإن جعلنا الظن هنا على غلبته، فذلك محتمل، و «الفاقرة» : ~~المصيبة التي تكسر فقار الإنسان، قال ابن المسيب: هي قاصمة الظهر، وقال أبو ~~عبيدة: هي من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار، وقوله PageV05P405 # تعالى: كلا إذا بلغت زجر آخر لقريش وتذكير لهم بموطن من مواطن الهول وأمر ~~الله تعالى الذي لا محيد لبشر عنه وهي حالة الموت والمنازعة التي كتبها ~~الله على كل حيوان، وبلغت يريد النفس، والتراقي ترقوة وهي عظام أعلى الصدر، ~~ولكل أحد ترقوتان، لكن من حيث هذا الأمر في كثير ms3637 من جمع، إذ النفس المرادة ~~اسم جنس، والتراقي هي موازية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحشرجة ~~ونزاع الموت، يسره الله علينا بمنه، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: من ~~راق # فقال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو قلابة: معناه من يرقى ويطب ويشفى ونحو ~~هذا مما يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضا وسليمان التيمي ومقاتل وابن ~~سليمان: هذا القول للملائكة: والمعنى من يرقى بروحه، أي يصعد إلى السماء ~~أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقرأ حفص عن عاصم بالوقف على من # ويبتدىء راق # . وأدغم الجمهور، قال أبو علي: لا أعرف وجه قراءة عاصم، وكذلك قرأ «بل ~~ران» ، وقوله تعالى: # وظن أنه الفراق يريد وتيقن المريض أنه فراق الأحبة والأهل والمال ~~والحياة، وهذا يقين فيما لم يقع بعد ولذلك استعملت فيه لفظة الظن، وقرأ ابن ~~عباس «أيقن أنه الفراق» ، وقال في تفسيره ذهب الظن واختلف في معنى قوله ~~والتفت الساق بالساق، فقال ابن عباس والحسن والربيع بن أنس وإسماعيل بن أبي ~~خالد هذه استعارة لشدة كرب الدنيا في آخر يوم منها وشدة كرب الآخرة في أول ~~يوم منها لأنه بين الحالين قد اختلطا له، وهذا كما تقول شمرت الحرب عن ساق، ~~وعلى بعض التأويلات في قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق [القلم: 42] وقال ابن ~~المسيب والحسن: هي حقيقة، والمراد ساق الميت عند تكفينه أي لفهما الكفن. ~~وقال الشعبي وأبو مالك وقتادة: هو التفافهما بشدة المرض لأنه يقبض ويبسط ~~ويركب هذا على هذا، وقال الضحاك: المراد أسوق حاضريه من الإنس والملائكة ~~لأن هؤلاء يجهزون روحه إلى السماء وهولاء بدنه إلى قبره، وقوله تعالى: إلى ~~ربك معناه إلى حكم ربك وعدله، فإما إلى جنة وإما إلى نار، والمساق مصدر من ~~السوق. # قوله عز وجل: ### || [سورة القيامة (75) : الآيات 31 الى 40] # فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) ~~أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) # أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان ~~علقة فخلق ms3638 فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى (40) # قال جمهور المتأولين: هذه الآية كلها إنما نزلت في أبي جهل بن هشام. # قال القاضي أبو محمد: ثم كادت هذه الآية أن تصرح له في قوله تعالى: يتمطى ~~فإنها كانت مشية بني مخزوم، وكان أبو جهل يكثر منها، وقوله تعالى: فلا صدق ~~ولا صلى تقديره فلم يصدق ولم يصل، وهذا نحو قول الشاعر [طرفة بن العبد] : ~~[الطويل] # فأي خميس فإنا لا نهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما PageV05P406 # وقول الآخر [أبي خيراش الهذلي] : [الرجز] # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما # فلا في الآية عاطفة، وصدق معناه برسالة الله ودينه، وذهب قوم إلى أنه من ~~الصدقة، والأول أصوب، ويتمطى معناه يمشي المطيطى وهي مشية بتبختر قال زيد ~~بن أسلم: كانت مشية بني مخزوم، وهي مأخوذة من المطا وهو الظهر لأنه يتثنى ~~فيها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مشت أمتي المطيطى وخدمتهم الروم ~~وفارس سلط بعضهم على بعض» . وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي جهل ... ~~وقوله تعالى: أولى لك وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيدا، والمعنى أولى لك ~~الازدجار والانتهاء وهو مأخوذ من ولى، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجرا، ومنه ~~قوله تعالى: فأولى لهم طاعة [محمد: 20] ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لبب أبا جهل يوما في البطحاء وقال له: «إن الله يقول لك أولى لك ~~فأولى» ، فنزل القرآن على نحوها. وفي شعر الخنساء: [المتقارب] # سئمت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها # وقوله تعالى: أيحسب توقيف وتوبيخ، وسدى معناه مهملا لا يؤمر ولا ينهى، ثم ~~قرر تعالى على أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا تؤملت لم ينكر معها جواز ~~البعث من القبور عاقل. وقرأ الجمهور: # «ألم يك» بالياء من تحت، وقرأ الحسن: «ألم تك» بالتاء من فوق، و «النطفة» ~~: القطعة من الماء. يقال ذلك للقليل والكثير، و «المني» معروف، وقرأ ابن ~~عامر وحفص عن عاصم وأبو عمرو بخلاف وابن ms3639 محيصن والجحدري وسلام ويعقوب: ~~«يمنى» بالياء، يراد بذلك المني، ويحتمل أن يكون يمنى من قولك أمنى الرجل، ~~ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الخلق، فكأنه قال: من مني تخلق، وقرأ ~~جمهور السبعة والناس. «تمنى» بالتاء، يراد بذلك النطفة، و «تمنى» يحتمل ~~الوجهين اللذين ذكرت، و «العلقة» : القطعة من الدم، لأن الدم هو العلق، ~~وقوله تعالى: فخلق فسوى معناه فخلق الله منه بشرا مركبا من أشياء مختلفة ~~فسواه شخصا مستقلا، وفي مصحف ابن مسعود «يخلق» بالياء فعلا مستقبلا، ~~والزوجين: # النوعين، ويحتمل أن يريد المزدوجين من البشر، ثم وقف تعالى توقيف التوبيخ ~~وإقامة الحجة بقوله: # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى وقرأ الجمهور بفتح الياء الأخيرة من ~~«يحيي» ، وقرأ طلحة بن مصرف وسليمان والفياض بن غزوان بسكونها، وهي تنحذف ~~من اللفظ لسكون اللام من الموتى، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا قرأ هذه الآية قال: «سبحانك اللهم وبحمدك وبلى» ، ويروى أنه كان ~~يقول: «بلى» فقط. # نجز تفسير سورة القيامة والحمد لله رب العالمين. PageV05P407 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإنسان # قال بعض المفسرين هي مكية كلها، وحكى النقاش والثعلبي عن مجاهد وقتادة ~~أنها مدنية، وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكية وهي قوله تعالى: ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا [الإنسان: 24] ، والباقي مدني، وأنها نزلت في صنيع علي ~~بن أبي طالب في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلة، ثم ليتيم ليلة، ~~ثم لأسير ليلة متواليات، وقيل نزلت في صنيع ابن الدحداح والله أعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا (6) # هل في كلام العرب قد يجيء بمعنى «قد» . حكاه سيبويه. لكنها لا ms3640 تخلو من ~~تقرير وبابها المشهور الاستفهام المحض والتقرير أحيانا. فقال ابن عباس ~~وقتادة هي هنا بمعنى «قد» ، والإنسان يراد به آدم عليه السلام، و «الحين» : ~~هي المدة التي بقي طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أي أنه شيء ولم يكن مذكورا ~~منوها به في العالم وفي حالة العدم المحض قبل لم يكن شيئا ولا مذكورا، وقال ~~أكثر المتأولين: هل تقرير، و «الإنسان» اسم الجنس، أي إذا تأمل كل إنسان ~~نفسه علم بأنه قد مر حين من الدهر عظيم لم يكن هو فيه شيئا مذكورا، أي لم ~~يكن موجودا، وقد يسمى الموجود شيئا فهو مذكور بهذا الوجه، و «الحين» هنا: ~~المدة من الزمن غير محدودة تقع للقليل والكثير، وإنما تحتاج إلى تحديد ~~الحين في الأيمان، فمن حلف أن لا يكلم أخاه حينا، فذهب بعض الفقهاء إلى أن ~~الحين سنة، وقال بعضهم: ستة أشهر، والقوي في هذا أن «الإنسان» اسم جنس وأن ~~الآية جعلت عبرة لكل أحد من الناس ليعلم أن الصانع له قادر على إعادته. # وقوله تعالى: إنا خلقنا الإنسان هو هنا اسم الجنس بلا خلاف. لأن آدم لم ~~يخلق من نطفة، وأمشاج معناه أخلاط واحدها مشج بفتح الميم والشين قاله ابن ~~السكيت وغيره، وقيل: مشج مثل عدل PageV05P408 # وأعدال، وقيل: مشيج مثل شريف وأشراف، واختلف في المقصود من الخلط، فقيل ~~هو أمشاج ماء الرجل بماء المرأة، وأسند الطبري حديثا وهو أيضا في بعض ~~المصنفات «إن عظام ابن آدم وعصبة من ماء الرجل، ولحمه وشحمه من ماء المرأة» ~~. وقيل هو اختلاط أمر الجنين بالنقلة من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى ~~غير ذلك. فهو أمر مختلط، وقيل هو اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء ~~فيه، ونبتليه معناه نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا هو حال من الضمير في ~~خلقنا كأنه قال: مختبرين له بذلك، وقوله تعالى: فجعلناه عطف جملة تعم على ~~جملة تعم، وقال بعض النحويين إنما المعنى فنبتليه جعلناه سميعا بصيرا، ثم ~~ترتب اللفظ موجزا متداخلا كأنه قال نبتليه فلذلك جعلناه، والابتلاء على ms3641 هذا ~~إنما هو بالإسماع والإبصار لا بالإيجاب وليس نبتليه حالا، وقوله تعالى: إنا ~~هديناه السبيل يحتمل أن يريد السبيل العامة للمؤمن والكافر فذلك يختلق ~~الحواس وموهبة الفطرة ونصب الصنعة الدالة على الصانع، ف هديناه على هذا ~~بمعنى أرشدناه كما يرشد الإنسان إلى الطريق ويوقف عليه، ويحتمل أن يريد ~~السبيل اسم الجنس، أي هدى المؤمن لإيمانه والكافر لكفره ف هديناه على هذا ~~معناه أريناه وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وقوله ~~تعالى: إما شاكرا وإما كفورا. حالان وقسمتهما إما، قاله أبو عمرو الداني، ~~وقرأ أبو العاج «إما شاكرا وإما كفورا» وأبو العاج كثير بن عبد الله السلمي ~~شامي ولى البصرة لهشام بن عبد الملك، وأعتدنا معناه أعددناه، وقرأ نافع ~~والكسائي وأبو بكر عن عاصم «سلاسلا» بالصرف وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة ~~من يصرف كل ما لا يصرف إلا أفعل وهي لغة الشعراء. ثم كثر حتى جرى في ~~كلامهم، وقد علل بعبة وهي أنه لما كان هذا الضرب من الجموع يجمع لشبه ~~الآحاد فصرف، وذلك من شبه الآحاد موجود في قولهم صواحب وصاحبات وفي قول ~~الشاعر [الفرزدق] : [الكامل] نواكسي الأبصار بالياء جمع نواكس، وهذا ~~الإجراء في «سلاسلا وقواريرا» أثبت في مصحف ابن مسعود ومصحف أبي بن كعب ~~ومصحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة: ~~«سلاسل» ، على ترك الصرف في الوقف والوصل، وهي قراءة طلحة وعمرو بن عبيد، ~~وقرأ أبو عمرو وحمزة فيما روي عنهما: # «سلاسل» في الوصل و «سلاسلا» دون تنوين في الوقف، ورواه هشام عن ابن عامر ~~لأن العرب من يقول رأيت عمرا يقف بألف، وأيضا فالوقوف، بالألف «سلاسلا» ~~اتباع لخط المصحف، و «الأبرار» جمع بار كشاهد وأشهاد، وقال الحسن هم الذين ~~لا يؤذون الذر، ولا يرضون الشر، و «الكأس» : ما فيه نبيذ ونحوه مما يشرب ~~به، قال ابن كيسان: ولا يقال الكأس إلا لما فيه نبيذ ونحوه، ولا يقال ظعينة ~~إلا إذا كان عليها امرأة ولا مائدة إلا وعليها طعام وإلا ms3642 فهي خوان. ~~والمزاج: ما يمزج به الخمر ونحوها، وهي أيضا مزاج له لأنهما تمازجا مزاجا، ~~قال بعض الناس: «المزاج» نفس الكافور، وقال قتادة نعم قوم يمزج لهم ~~بالكافور ويختم لهم بالمسك، وقال الفراء: يقال إنه في الجنة عين تسمى ~~كافورا. وقال بعض المتأولين إنما أراد كافورا في النكهة والعرف كما تقول ~~إذا مزجت طعاما هذا الطعام مسك. وقوله تعالى: عينا هو بدل من قوله كافورا، ~~وقيل هو مفعول بقوله يشربون، أي يشربون ماء هذه العين من كأس PageV05P409 # عطرة كالكافور، وقيل نصب عينا على المدح أو بإضمار أعني، وقوله يشرب بها ~~بمنزلة يشربها. فالباء زائدة، وقال الهذلي: شربن بماء البحر. أي شربن ماء ~~البحر، وقرأ ابن أبي عبلة: «يشربها عباد الله» ، وعباد الله هنا خصوص في ~~المؤمنين الناعمين لأن جميع الخلق عباده، ويفجرونها معناه يبثقونها بعود ~~قصب ونحوه حيث شاؤوا، فهي تجري عند كل أحد منهم، هكذا ورد الأثر، وقال ~~الثعلبي: وقيل هي عين في دار النبي صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور ~~الأنبياء والمؤمنين، وهذا قول حسن. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإنسان (76) : الآيات 7 الى 13] # يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك ~~اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) # وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا (13) # وصف الله تعالى حال الأبرار أنهم كانوا يوفون بالنذر، أي بكل ما نذروه ~~وأعطوا به عهدا. يقال وفى الرجل وأوفى، و «اليوم» المشار إليه يوم القيامة، ~~ومستطيرا معناه متصلا شائعا كاستطارة الفجر والصدع في الزجاجة. وبه شبه في ~~القلب، ومن ذلك قول الأعشى: [المتقارب] # فبانت وقد أسأرت في الفؤاد ... صدعا على نأيها مستطيرا # وقول ذي الرمة: [الوافر] # أراد الظاعنون لحيزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطاروا # وقوله تعالى: على حبه يحتمل أن يعود الضمير على الطعام، أي وهو محبوب ~~للفاقة والحاجة. ms3643 # وهذا قول ابن عباس ومجاهد. ويحتمل أن يعود على الله تعالى أي لوجهه ~~وابتغاء مرضاته، قاله أبو سليمان الدراني. والأول أمدح لهم لأن فيه الإيثار ~~على النفس. وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر. # وقال الحسين بن الفضل: الضمير عائد على الإطعام، أي محبين في فعلهم ذلك ~~لا رياء فيه ولا تكلف، و «المسكين» الطواف المتكشف في السؤال، و «اليتيم» ~~الصبي الذي لا أب له من الناس. والذي لا أم له من البهائم وهي صفة قبل ~~البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد حلم» . و «الأسير» ~~معروف. فقال قتادة: أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام، وقال ~~الحسن: ما كان أسراهم إلا مشركين، لأن كل كبد رطبة ففيها أجر. وقال بعض ~~العلماء: هذا إما نسخ بآية السيف وإما أنه محكم لتحفظ حياة الأسير إلى أن ~~يرى الإمام فيه ما يرى، وقال مجاهد وابن جبير وعطاء: أراد المسجونين من ~~الناس. ولهذا يحض على صدقة السجن، فهذا تشبيه، ومن قول عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول. وروى الخدري أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسر الأسير هنا بالمملوك والمسجون. وقال: أراد أسرى ~~المسلمين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا في طلب الفداء، PageV05P410 # وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير هنا المرأة، ودليله قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم» ، وقوله تعالى: إنما نطعمكم ~~لوجه الله المعنى يقولون لهم عند الإطعام، وهذا إما أن يكون المطعم يقول ~~ذلك نصا فحكي ذلك. وإما أن يكون ذلك مما يقال في الأنفس وبالنية فمدح بذلك، ~~هذا هو تأويل ابن مجاهد وابن جبير، وقرأ أبو عمرو في رواية عباس بجزم الميم ~~من «نطعمكم» ، قال أبو علي أسكن تخفيفا، و «الشكور» : مصدر الشكر، ووصف ~~اليوم بعبوس هو على التجوز، كما تقول ليل نائم أي فيه نوم، و «القمطرير» ~~والقماطر: هو في معنى العبوس والارتداد، تقول اقمطر الرجل إذا جمع ما بين ~~عينيه غضبا، ومنه ms3644 قول الشاعر [القرطبي] : [الطويل] # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا ... عليكم إذا ما كان يوم قماطر # وقال آخرون: # ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها ... ولج بها اليوم العبوس القماطر # وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه مثل القطران. ~~وعبر ابن عباس عن «القمطرير» بالطويل. وعبر عنه ابن الكلبي بالشديد، وذلك ~~كله قريب في المعنى. وقرأ الجمهور «فوقاهم» بتخفيف القاف. وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع «فوقاهم» بشد القاف. و «النضرة» : جمال البشرة، وذلك لا يكون إلا ~~مع فرح النفس وقرة العين. وقرأ علي بن أبي طالب «وجازاهم» بألف، وقوله بما ~~صبروا، عام عن الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، ففي هذا يدخل كل ما خصص ~~الناس من صوم وفقر ونحوه. # ومتكئين حال من الضمير المنصوب في جزاهم وهو الهاء والميم، وقرأ أبو جعفر ~~وشيبة «متكيين» بغير همز، و «الأرائك» السرر المستورة بالحجال، هذا شرط ~~لبعض اللغويين، وقال بعض اللغويين: كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو فهو ~~أريكة وإن لم يكن في حجلة، وقوله تعالى: لا يرون فيها الآية عبارة عن ~~اعتدال مس هوائها وذهاب ضرري الحر والقر عنها، وكون هوائها سجسجا كما في ~~الحديث المأثور ومس الشمس وهو أشد الحر، و «الزمهرير» : هو أشد البرد، وقال ~~ثعلب: «الزمهرير» بلغة طيىء القمر. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإنسان (76) : الآيات 14 الى 20] # ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها ~~كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) # ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) # اختلف النحويون في إعراب قوله تعالى: ودانية، فقال الزجاج وغيره: هو حال ~~عطفا على متكئين [الإنسان: 13] ، وقال أيضا: ويجوز أن يكون صفة للجنة، ~~فالمعنى وجزاهم جنة دانية. وقرأ جمهور الناس «دانية» . وقرأ الأعمش «ودانيا ~~عليهم» . وقرأ أبو جعفر «ودانية» بالرفع. وقرأ أبي بن كعب PageV05P411 # «ودان» مفرد مرفوع في الإعراب، ودنو الظلال بتوسط أنعم لها، ms3645 لأن الشيء ~~المظل إذا بعد فترة ظله لا سيما من الأشجار والتذليل أن تطيب الثمرة فتتدلى ~~وتنعكس نحو الأرض، و «التذليل» في الجنة هو بحسب إرادة ساكنيها. قال قتادة ~~ومجاهد وسفيان: إن كان الإنسان قائما تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعدا ~~فكذلك. # وإن كان مضطجعا فكذلك. فهذا تذليلها لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك. ومن ~~اللفظة قول امرئ القيس: # [الطويل] كأنبوب السقي المذلل ومنه قول الأنصاري: والنخل قد ذللت فهي ~~مطوقة بثمرها. و «القطوف» : جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه. و ~~«آنية» جمع إناء. و «الكوب» ما لا عروة له ولا أذن من الأواني. وهي معروفة ~~الشكل في تلك البلاد. وهو الذي تقول له العامة القب، لكنها تسمي بذلك ما له ~~عروة. وذلك خطأ أيضا. وقال قتادة: الكوب القدح. والقوارير: الزجاج. واختلف ~~القراء فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «قواريرا قواريرا» بالإجراء ~~فيهما على ما قد تقدم في قوله «سلاسلا» ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ~~«قوارير قوارير» بترك الإجراء فيهما. وقرأ ابن كثير «قواريرا» بالإجراء في ~~الأول، «قوارير» بترك الإجراء في الثاني، وقرأ أبو عمرو «قواريرا» ووقف ~~بألف دون تنوين «قوارير» بترك الإجراء في الثاني. وقوله تعالى: من فضة ~~يقتضي أنها من زجاج ومن فضة وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه ومن فضة في ~~جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة. وقال أبو علي جعلها من فضة لصفائها ~~وملازمتها لتلك الصفة وليست من فضة في حقيقة أمرها. وإنما هذا كما قال ~~الشاعر [البعيث] : [الطويل] # ألا أصبحت أسماء جاذمة الوصل ... وضنت عليها والضنين من البخل # وقوله تعالى: قدروها يحتمل أن يكون الضمير للملائكة، ويحتمل أن يكون ~~للطائفين، ويحتمل أن يكون للمنعمين، والتقدير إما أن يكون على قدر الأكف ~~قاله الربيع، أو على قدر الري قاله مجاهد، وهذا كله على قراءة من قرأ ~~«قدروها» بتخفيف القاف، وقرأ ابن أبزى وعلي والجحدري وابن عباس والشعبي ~~وقتادة: «قدروها» بضم القاف وكسر الدال، قال أبو علي: كأن اللفظ قدروا ~~عليها، وفي ms3646 المعنى قلب لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم فهي مثل قوله: ~~ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة [القصص: 76] ، ومثل قول العرب: إذا طلعت ~~الجوزاء، ألفى العود على الحرباء، حكاه أبو علي، وكون الزنجبيل مزاجها هو ~~على ما ذكرناه في العرف ولذع اللسان. وذلك من لذات المشروب، و «الزنجبيل» : # طيب حار، وقال الشاعر [الأعشى] : [الرجز] # كأن جنيا من الزنجبيل ... بات بفيها وأريا مشورا # وقال المسيب بن علس: [الكامل] # وكأن طعم الزنجبيل به ... إذ ذقته وسلافة الخمر # وقال قتادة: «الزنجبيل» ، اسم لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفا، ~~وتمزج لسائر أهل PageV05P412 # الجنة، وعينا بدل من كأس أو من عين على القول الثاني، وسلسبيلا قيل هو ~~اسم بمعنى السلس المنقاد الجرية، وقال مجاهد: حديدة الجرية، وقيل: هي عبارة ~~عن حسن إيساغها، قال ابن الأعرابي: لم أسمع هذه اللفظة إلا في القرآن، وقال ~~آخرون: سلسبيلا صفة لقوله عينا. وتسمى بمعنى توصف وتشهر وكونه مصروفا مما ~~يؤكد كونه صفة للعين لا اسما، وقال بعض المقرءين والتصحيح من الألوسي: # سلسبيلا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسؤال السبيل إليها. وهذا ~~قول ضعيف لأن براعة القرآن وفصاحته لا تجيء هكذا، واللفظة معروفة في اللسان ~~وأن السلسل والسلسبيل، بمعنى واحد ومتقارب. ومخلدون قال جمهور الناس: معناه ~~باقون من الخلود، وجعلهم ولدانا لأنهم في هيئة الولدان في السن لا يتغيرون ~~عن تلك الحال، وقال أبو عبيدة وغيره مخلدون معناه مقرطون، والخلدات حلي ~~يعلق في الآذان، ومنه قول الشاعر: [الكامل] # ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوب الكثبان # وشهرة هذه اللغة في حمير، وشبههم ب «اللؤلؤ المنثور» في بياضهم وانتشارهم ~~في المساكن يجيئون ويذهبون وفي جمالهم، ومنه سميت المرأة درة وجوهرة، ثم ~~كرر ذكر الرؤية مبالغة، وثم ظرف والعامل فيه رأيت أو معناه؟ وقال الفراء ~~التقدير: رأيت ما ثم وحذفت ما، وقرأ حميد الأعرج «ثم» بضم الثاء، و ~~«النعيم» : ما هم فيه من حسن عيش، و «الملك الكبير» : قال سفيان: هو ~~استئذان الملائكة وتسليمهم عليهم وتعظيمهم لهم، فهم في ذلك كالملوك، ms3647 وقال ~~أكثر المفسرين: «الملك الكبير» اتساع مواضعهم، فروي عن عبد الله بن عمر أنه ~~قال: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام كلهم مختلف شغله من ~~شغل أصحابه، وأدنى أهل الجنة منزلة من ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى ~~أقصاه كما يرى أدناه. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإنسان (76) : الآيات 21 الى 26] # عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك ~~القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر ~~اسم ربك بكرة وأصيلا (25) # ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) # قرأ نافع وحمزة وأبان عن عاصم: «عاليهم» على الرفع بالابتداء وهي قراءة ~~الأعرج وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن وابن عباس بخلاف عنه، وقرأ الباقون ~~وعاصم «عاليهم» بالنصب على الحال، والعامل فيه لقاهم [الإنسان: 11] أو ~~جزاهم [الإنسان: 12] ، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن ومجاهد ~~والجحدري وأهل مكة، وقرأ الأعمش وطلحة: «عاليتهم» ، وكذلك هي في مصحف عبد ~~الله، وقرأ أيضا الأعمش «عاليتهم» بالنصب على الحال، وقد يجوز في النصب في ~~القراءتين أن يكون PageV05P413 # على الظرف لأنه بمعنى فوقهم، وقرأت عائشة رضي الله عنها «علتهم» بتاء فعل ~~ماض، وقرأ مجاهد وقتادة وابن سيرين وأبو حيوة «عليهم» ، و «السندس» : رقيق ~~الديباج والمرتفع منه، وقيل «السندس» : الحرير الأخضر، و «الإستبرق» ~~والدمقس هو الأبيض، والأرجوان هو الأحمر، وقرأ حمزة والكسائي «خضر وإستبرق» ~~بالكسر فيهما وهي قراءة الأعمش وطلحة، ورويت عن الحسن وابن عمر بخلاف عنه ~~على أن «خضر» نعت للسندس، وجائز جمع صفة الجنس إذا كان اسما مفردا كما ~~قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم الأبيض، وفي هذا قبح، والعرب تفرد ~~اسم الجنس وهو جمع أحيانا فيقولون: حصى أبيض، وفي القرآن الشجر الأخضر [يس: ~~80] ونخل منقعر [القمر: 20] فكيف بأن لا يفرد هذا الذي هو صفة لواحد في ~~معنى جمع. «وإستبرق» في هذه القراءة عطف على سندس، وقرأ نافع ms3648 وحفص عن عاصم ~~والحسن وعيسى خضر وإستبرق بالرفع فيهما، «خضر» نعت ل ثياب. و «إستبرق» عطف ~~على الثياب. وقرأ أبو عمرو وابن عامر «خضر» بالرفع صفة ل ثياب، «وإستبرق» ~~خفضا، عطف على سندس، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «خضر» خفضا ~~«وإستبرق» رفعا فخفض «خضر» على ما تقدم أولا. «وإستبرق» على الثياب. ~~والإستبرق غليظ الديباج، وقرأ ابن محيصن: «وإستبرق» موصولة الألف مفتوحة ~~القاف كأنه مثال الماضي من برق وإستبرق وتعجب واستعجب، قال أبو حاتم: لا ~~يجوز، والصواب أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميرا، ويؤيد ذلك دخول اللام ~~المعرفة عليه، والصواب فيه الألف وإجراؤه على قراءة الجماعة، وقرأ أبو حيوة ~~«عليهم ثياب» بالرفع «سندس خضر وإستبرق» رفعا في الثلاثة، وقوله تعالى: ~~وحلوا أي جعل لهم حلي، و «أساور» جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهي من حلي ~~الذراع، وقوله تعالى: شرابا طهورا قال أبو قلابة والنخعي معناه لا يصير ~~بولا بل يكون رشحا من الأبدان أطيب من المسك، وهنا محذوف يقتضيه القول ~~تقديره يقول الله لهم والملائكة عنه: إن هذا كان لكم جزاء الآية، وقوله ~~تعالى: إنا نحن نزلنا الآية تثبيت لمحمد عليه السلام وتقوية لنفسه على ~~أفعال قريش وأقوالهم وحكم ربه هو أن يبلغ ويكافح ويتحمل المشقة ويصبر على ~~الأذى ليعذر الله إليهم، وقوله تعالى: آثما أو كفورا هو تخيير في أن يعرف ~~الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين لأن كل واحد منهم فهو آثم وهو ~~كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة بحيث يقع الإثم على العاصي. # قال القاضي أبو محمد: واللفظ أيضا يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من ~~العصاة أو كفور من المشركين، وقال أبو عبيدة: أو بمعنى الواو وليس في هذا ~~تخيير، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأبا بكرة وأصيلا ومن الليل بالسجود ~~والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أن يريد قول سبحان الله، وذهب قوم من أهل ~~العلم إلى أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس منهم ابن حبيب ms3649 وغيره. ~~فالبكرة: صلاة الصبح، والأصيل: الظهر والعصر ومن الليل: المغرب والعشاء، ~~وقال ابن زيد وغيره كان هذا فرضا ونسخ فلا فرض إلا الخمس، وقال قوم هو ~~محكوم على وجه الندب. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإنسان (76) : الآيات 27 الى 31] # إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم ~~وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما ~~حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) PageV05P414 # الإشارة ب هؤلاء إلى كفار قريش، و «العاجلة» الدنيا وحبهم لها، لأنهم لا ~~يعتقدون غيرها، ويذرون وراءهم معناه فيما يأتي من الزمن بعد موتهم، وقال ~~لبيد: [الطويل] # أليس ورائي إن تراخت منيتي ... أدب مع الولدان إن خف كالنسر # ووصف اليوم بالثقل على جهة النسب، أي: ذا ثقل من حيث الثقل فيه على ~~الكفار، فهو كليل نائم، ثم عدد النعمة على عباده في خلقهم وإيجادهم وإتقان ~~بنيتهم وشد خلقتهم، والأسر: الخلقة واتساع الأعضاء والمفاصل، وقد قال أبو ~~هريرة والحسن والربيع الأسر: المفاصل والأوصال، وقال بعضهم الأسر: القوة، ~~ومنه قل الشاعر: [الوافر] # فأنجاه غداة الموت مني ... شديد الأسر عض على اللجام # وقول آخر [الأخطل] : [الكامل] # من كل محتدب شديد أسره ... سلس القياد تخاله مختالا # قال الطبري ومنه قول العامة: خذه بأسره يريدون خذه كله. # قال القاضي أبو محمد: وأصل هذا في ما له شد ورباط كالعظم ونحوه، وليس هذا ~~مما يختص بالعامة بل هو من فصيح كلام العرب. اللهم إلا أن يريد بالعامة ~~جمهور العرب ومن اللفظة الإسار وهو القيد الذي يشد به الأسير، ثم توعد ~~تعالى بالتبديل واجتمع من القولين تعديد النعمة والوعيد بالتبدل احتجاجا ~~على منكري البعث، أي من هذا الإيجاد والتبديل إذا شاء في قدرته، فكيف تتعذر ~~عليه الإعادة، وقوله تعالى: إن هذه تذكرة يحتمل أن يشير إلى هذه الآية أو ~~إلى السورة بأسرها أو إلى الشريعة بجملتها. # وقوله تعالى: فمن شاء اتخذ ليس ms3650 على جهة التخيير بل فيه قرينة التحذير، ~~والحض على اتخاذ السبيل، و «السبيل» هنا: ليس النجاة، وقوله تعالى: وما ~~تشاؤن إلا أن يشاء الله نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في ~~نفوسهم، ولا يرد هذا وجود ما لهم من الاكتساب والميل إلى الكفر. # وقرأ عبد الله «وما تشاؤون إلا ما شاء الله» . وقرأ يحيى بن وثاب ~~«تشاؤون» بكسر التاء. وقوله تعالى: # عليما حكيما معناه يعلم ما ينبغي أن ييسر عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا ~~يعلمها إلا هو. والظالمين نصب بإضمار فعل تقديره ويعذب الظالمين أعد لهم، ~~وفي قراءة ابن مسعود «وللظالمين أعد لهم» بتكرير اللام، وقرأ جمهور السبعة ~~«وما تشاؤون» بالتاء على المخاطبة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يشاؤون» ~~بالياء، وقرأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة «والظالمون» بالرفع، ~~قال أبو الفتح: وذلك على ارتجال جملة مستأنفة. (انتهى) . # نجز تفسير سورة الإنسان بحمد الله وعونه. PageV05P415 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المرسلات # وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وحكى النقاش أنه قيل إن فيها من المدني ~~قوله: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون [المرسلات: 48] على قول من قال إنها ~~حكاية عن حال المنافقين في القيامة، وإنها بمعنى قوله تعالى: يدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون [القلم: 42] وقال ابن مسعود: نزلت هذه السورة ونحن مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء، الحديث بطوله. # قوله عز وجل: ### || [سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات ~~فرقا (4) # فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم ~~طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) # وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم ~~الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل (14) # ويل يومئذ للمكذبين (15) # قال كثير من المفسرين: المرسلات، الرسل إلى الناس من الأنبياء كأنه قال: ~~والجماعات المرسلات، وقال أبو صالح ومقاتل وابن مسعود: المرسلات الملائكة ~~المرسلة بالوحي، وبالتعاقب على العباد طرفي النهار، وقال ابن مسعود أيضا ~~وابن عباس ومجاهد وقتادة: المرسلات، الرياح، وقال الحسن بن ms3651 أبي الحسن: ~~المرسلات السحاب. وعرفا معناه على القول الأول عرفا من الله وإفضالا على ~~عباده ببعثة الرسل. # ومنه قول الشاعر [الحطيئة] : [البسيط] # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # ويحتمل أن يريد بقوله عرفا أي متتابعة على التشبيه بتتابع عرف الفرس ~~وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا ~~إليه، ويحتمل أن يريد بالعرف أي بالحق، والأمر بالمعروف، وهذه الأقوال في ~~عرف تتجه في قول من قال في المرسلات إنها الملائكة، ومن قال إن المرسلات ~~الرياح اتجه في العرف القول الأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة وبها ~~الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا فقه فيه، ويكون الصنف الآخر من ~~الرياح في قوله فالعاصفات PageV05P416 # عصفا، ويحتمل أن يكون بمعنى والمرسلات الرياح التي يعرفها الناس ~~ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي «العاصفات» ، ويحتمل أن ~~يريد بالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب هب عرف من ~~ريح، والقول في العرف مع أن المرسلات هي الرياح يطرد على أن المرسلات ~~السحاب، وقرأ عيسى «عرفا» بضم الراء، و «العاصفات» من الريح الشديدة ~~العاصفة للشجر وغيره، واختلف الناس في قولهم والناشرات، فقال مقاتل والسدي ~~هي الملائكة تنشر صحف العباد بالأعمال، وقال ابن مسعود والحسن ومجاهد ~~وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين: الناشرات ~~الرمم الناشرات في بعث يوم القيامة يقال نشرت الميت، ومنه قول الأعشى: # [السريع] يا عجبا للميت الناشر وقال آخرون: الناشرات التي تجيء بالأمطار ~~تشبه بالميت ينشر، وقال أبو صالح: الناشرات الأمطار التي تحيي الأرض، وقال ~~بعض المتأولين: الناشرات طوائف الملائكة التي تباشر إخراج الموتى من قبورهم ~~للبعث فكأنهم يحيونهم، و «الفارقات» قال ابن عباس وابن مسعود وأبو صالح ~~ومجاهد والضحاك: هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. وقال ~~قتادة والحسن وابن كيسان: # «الفارقات» ، آيات القرآن، وأما الملقيات ذكرا فهي في قول الجمهور ~~الملائكة. قال مقاتل جبريل وقال آخرون هي الرسل، وقرأ جمهور ms3652 الناس: ~~«فالملقيات» بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره إلى الرسل. # وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، «فالملقيات» بفتح اللام والقاف وشدها، ~~أي تلقيه من قبل الله تعالى، وقرأ ابن عباس أيضا «فالملقيات» بفتح اللام ~~وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و «الذكر» الكتب المنزلة والشرائع ~~ومضمناتها. واختلف القراء في قوله تعالى: عذرا أو نذرا، فقرأ ابن كثير ~~ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر وشيبة بسكون الذال في ~~«عذر» وضمها في «نذر» ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~وإبراهيم التيمي بسكون الذال فيهما، وقرأ طلحة وعيسى والحسن بخلاف، وزيد بن ~~ثابت وأبو جعفر وأبو حيوة والأعمش عن أبي بكر عن عاصم بضمها فيهما. # فإسكان الذال على أنهما مصدران يقال عذر وعذير ونذر ونذير كنكر ونكير، ~~وضم الذال يصح معه المصدر، ويصح أن يكون جمعا لنذير وعاذر للذين هما اسم ~~فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما ~~النصب في قوله عذرا أو نذرا فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك على البدل من ~~الذكر، ويصح أن يكون على المفعول للذكر كأنه قال فالملقيات أن يذكر عذرا، ~~ويصح أن يكون عذرا مفعولا لأجله أي يلقي الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا ~~كان عذرا أو نذرا جمعا فالنصب على الحال. وقرأ إبراهيم التيمي «عذرا ونذرا» ~~بواو بدل أو. وقوله تعالى: إنما توعدون لواقع هو الذي وقع عليه القسم ~~والإشارة إلى البعث، و «طمس النجوم» : إزالة ضوئها واستوائها مع سائر جرم ~~السماء، و «فرج السماء» : هو بانفطارها حتى يحدث فيها فروج، و «نسف PageV05P417 # الجبال» : هو بعد التسيير وقيل كونها هباء وهو تفريقها بالريح. وقرأ ~~جمهور القراء: «أقتت» بالهمز وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمزة عيسى ~~وخالد، وقرأ أبو عمرو وحده «وقتت» بالواو، وأبو الأشهب وعيسى وعمرو بن ~~عبيد، قال عيسى هي لغة سفلى مضر، وقرأ أبو جعفر بواو واحدة خفيفة القاف وهي ~~قراءة ابن مسعود والحسن، وقرأ الحسن بن ms3653 أبي الحسن «ووقت» بواوين على وزن ~~فوعلت، والمعنى جعل لها وقت منتظر فجاء وحان. والواو في هذا كله الأصل ~~والهمزة بدل. وقوله تعالى: لأي يوم أجلت تعجيب على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم ~~فسر تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله ليوم الفصل يعني بين الخلق في منازعتهم ~~وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في ~~الأحكام ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم تعالى يوم الفصل بقوله: وما ~~أدراك ما يوم الفصل على نحو قوله تعالى: # وما أدراك ما الحاقة [الحاقة: 2] وغير ذلك، ثم أثبت الويل للمكذبين في ~~ذلك اليوم، والمعنى للمكذبين به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و «الويل» : ~~هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير وعمار بن ~~ياسر أن واديا في جهنم اسمه «ويل» . # قوله عز وجل: ### || [سورة المرسلات (77) : الآيات 16 الى 28] # ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ~~ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين (20) # فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ~~ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) # أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ~~ويل يومئذ للمكذبين (28) # قرأ جمهور القراء «ثم نتبعهم» بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبو ~~عمرو فيما روي عنه «ثم نتبعهم» بجزم العين عطفا على نهلك وهي قراءة الأعرج ~~وبحسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في الأولين، فمن قرأ الأولى جعل ~~الأولين الأمم التي قدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع الآخرين من قريش ~~وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم. ومن قرأ الثانية جعل الأولين ~~قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، والآخرين قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من ~~مدة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي حرف عبد الله «وسنتبعهم» ثم قال كذلك ~~نفعل بالمجرمين أي في المستقبل فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار، وأما ~~تكرار ويل يومئذ للمكذبين في هذه السورة فقيل إن ذلك لمعنى التأكيد فقط، ~~وقيل بل في كل ms3654 آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب بذلك ~~الذي في الآية. ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز ~~البعث. و «الماء المهين» : معناه الضعيف وهو المني من الرجل والمرأة. و ~~«القرار المكين» : الرحم أو بطن المرأة، و «القدر المعلوم» : وقت الولادة ~~ومعلوم عند الله في شخص، فأما عند الآدميين فيختلف، فليس بمعلوم قدر شخص ~~بعينه. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونافع والكسائي «فقدرنا» بشد ~~الدال، وقرأ الباقون «فقدرنا» بتخفيف الدال، وهما بمعنى من القدرة، والقدر ~~من التقدير والتوقيف. وقوله القادرون يرجح قراءة الجماعة. أما أن ابن PageV05P418 # مسعود روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر القادرين بالمقدرين. وقدر ~~ابن أبي عبلة «فقدرنا» بشد الدال «فنعم المقتدرون» ، و «الكفات» : الستر ~~والوعاء الجامع للشيء بإجماع، تقول كفت الرجل شعره إذا جمعه بخرقة، فالأرض ~~تكفت الأحياء على ظهرها، وتكفت الأموات في بطنها وأحياء على هذا التأويل ~~معمول لقوله كفاتا لأنه مصدر. وقال بعض المتأولين أحياء وأمواتا، إنما هو ~~بمعنى أن الأرض فيها أقطار أحياء وأقطار أموات يراد ما ينبت وما لا ينبت، ~~فنصب أحياء على هذا إنما هو على الحال من الأرض، والتأويل الأول أقوى. # وقال بنان خرجنا مع الشعبي إلى جنازة فنظر إلى الجبانة فقال: هذه كفات ~~الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الأحياء، وكانت العرب تسمي بقيع ~~الغرقد كفتة لأنها مقبرة تضم الموتى، وفي الحديث «خمروا آنيتكم وأوكئوا ~~أسقيتكم واكفتوا صبيانكم وأجيفوا أبوابكم وأطفئوا مصابيحكم» . ودفن ابن ~~مسعود قملة في المسجد ثم قرأ ألم نجعل الأرض كفاتا. # قال القاضي أبو محمد: ولما كان القبر كفاتا كالبيت قطع من سرق منه. و ~~«الرواسي» : الجبال، لأنها رست أي ثبتت، و «الشامخ» : المرتفع، ومنه شمخ ~~بأنفه أي ارتفع واستعلى شبه المعنى بالشخص، و «أسقى» معناه: جعله سقيا ~~للغلات والمنافع، وسقى معناه للشفة خاصة، هذا قول جماعة من أهل اللغة. # وقال آخرون هما بمعنى واحد. و «الفرات» : الصافي العذب، ولا يقال للملح ~~فرات ms3655 وهي لفظة تجمع ماء المطر ومياه الأنهار وخص النهر المشهور بهذا تشريفا ~~له وهو نهر الكوفة، وسيحان هو نهر بلخ، وجيحان هو دجلة، والنيل نهر مصر. ~~وحكي عن عكرمة أن كل ماء في الأرض فهو من هذه، وفي هذا بعد والله أعلم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المرسلات (77) : الآيات 29 الى 40] # انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ~~ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر ~~(33) # ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ~~(36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) # فإن كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40) # الضمير في قوله انطلقوا، هو للمكذبين [الإنسان: 19- 24] الذين لهم الويل ~~يقال لهم انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الآخرة، ولا خلاف في كسر ~~اللام من قوله انطلقوا في هذا الأمر الأول، وقرأ يعقوب في رواية رويس ~~«انطلقوا إلى ظل» بفتح اللام على معنى الخبر، وقرأ جمهور الناس «انطلقوا» ~~بكسر اللام على معنى تكرار، الأمر الأول وبيان المنطلق إليه، وقال عطاء ~~الظل الذي له ثلاث شعب هو دخان جهنم، وروي أنه يعلو من ثلاثة مواضع يراه ~~الكفار فيظنون أنه مغن فيهرعون إليه فيجدونه على أسوأ وصف. وقال ابن عباس: ~~المخاطبة إنما تقال يومئذ لعبدة الصليب إذا اتبع كل واحد ما كان يعبد فيكون ~~المؤمنون في ظل الله ولا ظل إلا ظله، ويقال لعبدة الصليب انطلقوا إلى ظل ~~معبودكم PageV05P419 # وهو الصليب وله ثلاث شعب، والتشعب تفرق الجسم الواحد فرقا ثم نفى عنه ~~تعالى محاسن الظل، والضمير في إنها لجهنم، وقرأ عيسى بن عمر «بشرار» بألف ~~جمع شرارة وهي لغة تميم، و «القصر» في قول ابن عباس وجماعة من المفسرين اسم ~~نوع القصور وهو إلا دورا لكبار مشيدة، وقد شبهت العرب بها النوق ومن المعنى ~~قول الأخطل: [البسيط] # كأنها برج رومي يشيده ... لز بجص وآجر وجيار # وقال ابن عباس أيضا: «القصر» : خشب كان في الجاهلية يقطع من جزل ms3656 الحطب من ~~النخل وغيره على قدر الذراع وفوقه ودونه يستعد به للشتاء يسمى «القصر» ~~واحده قصرة وهو المراد في الآية، وإنما سمي القصار لأنه يخبط بالقصرة، وقال ~~مجاهد: «القصر» حزم الحطب. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن جبير ~~«القصر» جمع قصرة وهي أعناق النخل والإبل وكذلك أيضا هي في الناس، وقال ابن ~~عباس جذور النخل، وقرأ ابن جبير أيضا والحسن: «كالقصر» بكسر القاف وفتح ~~الصاد، وهي جمع قصرة كحلقة وحلق من الحديد، واختلف الناس في «الجمالات» ، ~~فقال جمهور من المفسرين: هو جمع جمال على تصحيح البناء كرجال ورجالات، وقال ~~آخرون أراد ب «الصفر» السود، وأنشد على ذلك بيت الأعشى: # [الخفيف] # تلك خيلي منه، وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب # وقال جمهور الناس: بل «الصفر» الفاقعة لأنها أشبه بلون الشرر بالجمالات، ~~وقرأ الحسن «صفر» بضم الصاد والفاء، وقال ابن عباس وابن جبير: «الجمالات» ~~قلوس من السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها ~~أجرام عظام، وقال ابن عباس: «الجمالات» قطع النحاس الكبار وكان اشتقاق هذه ~~من اسم الجملة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «جمالة» بكسر الجيم لحقت ~~التاء جمالا لتأنيث الجمع فهي كحجر وحجارة، وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن ~~والأعمش: # «جمالة» بضم الجيم، وقرأ باقي السبعة والجمهور وعمر بن الخطاب «جمالات» ~~على ما تفسر بكسر الجيم، وقرأ ابن عباس أيضا وقتادة وابن جبير والحسن وأبو ~~رجاء بخلاف عنهم «جمالات» بضم الجيم، واختلف عن نافع وأبي جعفر وشيبة وكان ~~ضم الجيم فيهما من الجملة لا من الجمل وكسرها من الجمل لا من الجملة. ولما ~~ذكر تعالى المكذبين قال مخاطبا لمحمد صلى الله عليه وسلم هذا يوم لا ينطقون ~~أي يوم القيامة أسكتتهم الهيبة وذل الكفر، وهذا في موطن قاض بأنهم لا ~~ينطقون فيه إذ قد نطق القرآن بنطقهم ربنا أخرجنا، ربنا أمتنا. فهي مواطن. ~~ويوم مضاف إلى قوله لا ينطقون. وقرأ الأعرج والأعمش وأبو حيوة «هذا يوم» ~~بالنصب لما أضيف إلى غير متمكن بناه فهي ms3657 فتحة بناء وهو في موضع رفع، ويحتمل ~~أن يكون ظرفا وتكون الإشارة ب هذا إلى رميها بشرر كالقصر، وقوله فيعتذرون ~~معطوف على يؤذن ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي، والوجهان جائزان، ~~وقوله تعالى: هذا يوم الفصل جمعناكم مخاطبة للكفار يومئذ. و «الأولون» ~~المشار إليهم قوم نوح وغيرهم PageV05P420 # ممن جاء في صدر الدنيا وعلى وجه الدهر، ثم وقف تعالى عبيده الكفار ~~المستوجبين عقابه بقوله: فإن كان لكم كيد فكيدون أي إن كان لكم حيلة أو ~~مكيدة تنجيكم فافعلوها. # قوله عز وجل: ### || [سورة المرسلات (77) : الآيات 41 الى 50] # إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ ~~للمكذبين (45) # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل ~~لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون ~~(50) # ذكر تعالى حالة المتقين بعقب ذكر حالة أهل النار ليبين الفرق، و «الظلال» ~~في الجنة عبارة عن تكائف الأشجار وجودة المباني وإلا فلا شمس تؤذي هنالك ~~حتى يكون ظل يجير من حرها. وقرأ الجمهور «في ظلال» ، وقرأ الأعرج والأعمش ~~«في ظلل» بضم الظاء، و «العيون» : الماء النافع، وقوله تعالى: مما يشتهون ~~إعلام بأن المأكل والمشرب هنالك إنما يكون برسم شهواتهم بخلاف ما هي الدنيا ~~عليه، فإن ذلك فيه شاذ ونادر، والعرف أن المرء يرد شهوته إلى ما يقتضيه ~~وجده. وهنا محذوف يدل عليه اللفظ تقديره يقال لهم كلوا وهنيئا نصب على ~~الحال، ويجوز أن يكون نصبه على جهة الدعاء، والكاف في قوله إنا كذلك كاف ~~تشبيه، والإشارة بذلك إلى ما ذكره من تنعيم أهل الجنة، وقوله تعالى: كلوا ~~وتمتعوا مخاطبة لقريش على معنى قل لهم يا محمد، وهذه صيغة أمر معناها ~~التهديد والوعيد، وقد بين ذلك قوله قليلا، ثم قرر لهم الإجرام الموجب ~~لتعذيبهم، وقال من جعل السورة كلها مكية: إن هذه الآية نزلت في المنافقين، ~~وقال مقاتل: نزلت في ثقيف لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: حط عنا ~~الصلاة ms3658 فإنا لا ننحني فإنها سبة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~«لا خير في دين لا صلاة فيه» . # وقوله تعالى: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون قيل هي حكاية عن حال ~~المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس فأرادوا هم السجود فانصرفت أصلابهم إلى ~~الأرض وصارت فقاراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة في ~~آخرين هذه حال كفار قريش في الدنيا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدعوهم وهم لا يجيبون، وذكر الركوع عبارة عن جميع الصلاة، هذا قول الجمهور، ~~وقال بعض المتأولين عنى بالركوع التواضع كما قال الشاعر: [الطويل] ترى ~~الأكم فيها سجدا للحوافر أي متذللة، وتأول قتادة الآية قاصدة الركوع نفسه. ~~وقال: عليكم بحسن الركوع، والذي أقول إن ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين ~~سائر أحوال العبادة إنما كان لأن كثيرا من العرب كان يأنف من الركوع ~~والسجود ويراها هيئة منكرة لما كان في أخلاقهم من العجرفة، ألا ترى أن ~~بعضهم قد سئل فقيل له: كيف PageV05P421 # تقول؟ استخذأت أو استخذيت؟ فقال: كل لا أقول. فقيل له لم؟ قال: لأن العرب ~~لا تستخذي، فظن أنه سئل عن المعنى ولم يفهم أنه سئل عن اللفظ. وفي كتاب ~~السير عن بعض العرب أنه استعفى متكلما عن قومه ونفسه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصلاة فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال له: «لا بد ~~من الصلاة» ، فقال عند ذلك سنؤتيكها، وإن كانت دناءة، وقوله تعالى: فبأي ~~حديث بعده يؤمنون يؤيد أن الآية كلها في قريش، والحديث الذي يقتضيه الضمير ~~هو القرآن، وهذا توقيف وتوبيخ، وروي عن يعقوب أنه قرأ «تؤمنون» بالتاء من ~~فوق على المواجهة ورويت عن ابن عامر. (انتهى) . PageV05P422 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النبإ # وهي مكية بإجماع، وليس فيها نسخ ولا حكم إلا ما قاله بعض الناس في قوله ~~تعالى: لابثين فيها أحقابا [النبأ: 23] من أنه منسوخ وهو قول خلف لأن ~~الأخبار لا تنسخ وإنما ذكرنا هذا القول تنبيها على فساده. ms3659 # قوله عز وجل: ### || سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 16] # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا ~~سيعلمون (4) # ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) ~~وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) # وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) # لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) # أصل عم «عن ما» ، ثم أدغمت النون بعد قلبها فبقي «عما» في الخبر ~~والاستفهام، ثم حذفوا الألف في الاستفهام فرقا بينه وبين الخبر، ثم من ~~العرب من يخفف الميم تخفيفا فيقول: «عم» ، وهذا الاستفهام ب عم هو استفهام ~~توقيف وتعجب منهم، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وعكرمة وعيسى: «عما» بالألف، ~~وقرأ الضحاك: «عمه» بهاء، وهذا إنما يكون عند الوقف. والنبإ العظيم قال ابن ~~عباس وقتادة هو الشرع الذي جاء به محمد، وقال مجاهد وقتادة: هو القرآن ~~خاصة، وقال قتادة أيضا: هو البعث من القبور، ويحتمل الضمير في يتساءلون أن ~~يريد جميع العالم فيكون الاختلاف حينئذ يراد به تصديق المؤمنين وتكذيب ~~الكافرين ونزغات الملحدين. ويحتمل أن يراد بالضمير الكفار من قريش، فيكون ~~الاختلاف شك بعض وتكذيب بعض. وقولهم سحر وكهانة وشعر وجنون وغير ذلك. وقال ~~أكثر النحاة قوله: عن النبإ العظيم، متعلق ب يتساءلون الظاهر كأنه قال: لم ~~يتساءلون عن هذا النبأ، وقال الزجاج: الكلام تام في قوله: عم يتساءلون ثم ~~كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول: يتساءلون عن النبإ العظيم، فاقتضى ~~إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي تقتضيه الحال والمجاورة ~~اقتضابا للحجة وإسراعا إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى: قل أي شيء ~~أكبر شهادة قل الله شهيد [الأنعام: 19] وأمثلة كثيرة، وقد وقع التنبيه ~~عليها في مواضعها. وقرأ السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش: كلا ~~سيعلمون بالياء في الموضعين على ذكر الغائب، فظاهر الكلام أنه رد على PageV05P423 # الكفار في تكذيبهم وعيد لهم في المستقبل وكرر الزجر تأكيدا، وقال الضحاك ~~المعنى: كلا سيعلمون يعني الكفار على ms3660 جهة الوعيد، ثم كلا سيعلمون: يعني ~~المؤمنين على جهة الوعد. وقرأ ابن عامر فيما روى عنه مالك بن دينار والحسن ~~بخلاف: «كلا ستعلمون» بالتاء في الموضعين على مخاطبة الحاضر كأنه تعالى ~~يقول: قل لهم يا محمد وكرر عليهم الزجر والوعيد تأكيدا وكل تأويل في هذه ~~القراءة غير هذا فمتعسف وقرأ ... «كلا سيعلمون» بالياء على جهة الرد ~~والوعيد للكفار، «ثم كلا ستعلمون» بالتاء من فوق على جهة الرد على الكفار ~~والوعد والمؤمنين. والعلم في هذه الآية بمعنى ستعرفون، فلذلك لم يتعد، ثم ~~وقفهم تعالى على آياته وغرائب مخلوقاته وقدرته التي يوجب النظر فيها ~~الإقرار بالبعث والإيمان بالله تعالى. # و «المهاد» : الفراش الممهد الوطيء وكذلك الأرض لبنيتها، وقرأ مجاهد ~~وعيسى وبعض الكوفيين «مهدا» ، والمعنى نحو الأول، وشبه الجبال ب «الأوتاد» ~~لأنها تمسك وتثقل وتمنع الأرض أن تميد، وأزواجا معناه أنواعا في ألوانكم ~~وصوركم وألسنتكم، وقال الزجاج وغيره معناه مزدوجين ذكرا وأنثى، و «السبات» ~~: # السكون، وسبت الرجل معناه استراح واتدع وترك الشغل، ومنه السبات وهي علة ~~معروفة سميت بذلك لأن السكون والسكوت أفرط على الإنسان حتى صار ضارا قاتلا، ~~والنوم شبيه به إلا في الضرر، وقال أبو عبيدة: سباتا قطعا للأعمال والتصرف، ~~والسبت: القطع ومنه سبت الرجل رأسه إذا قطع شعره، ومنه النعال السبتية وهي ~~التي قطع عنها الشعر، ولباسا مصدر، وكان الميل كذلك من حيث يغشي الأشخاص، ~~فهي تلبسه وتتدرعه، وقال بعض المتأولين: جعله لباسا لأنه يطمس نور الأبصار، ~~ويلبس عليها الأشياء والتصريف يضعف هذا القول، لأنه كان يجب أن يكون ملبسا، ~~ولا يقال لباسا إلا من لبس الثياب والنهار معاشا على حذف مضاف أو على ~~النسب، وهذا كما تقول ليل نائم، و «السبع الشداد» : السموات. والأفصح في ~~لفظة السماء التأنيث ووصفها بالشدة، لأنه لا يسرع إليها فساد لوثاقتها، و ~~«السراج» : الشمس، و «الوهاج» : الحار المضطرم الاتقاد المتعالي اللهب، ~~وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الشمس في السماء الرابعة إلينا طهرها ~~ولهبها مضطرم علوا. واختلف الناس في المعصرات، فقال الحسن ms3661 بن أبي الحسن ~~وأبي بن كعب وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة: هي السموات. وقال ابن ~~عباس وأبو العالية والربيع والضحاك: المعصرات السحاب القاطرة، وهو مأخوذ من ~~العصر، لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء وهذا قول الجمهور وبه فسر عبيد ~~الله بن الحسن بن محمد العنبري القاضي بيت حسان: [الكامل] كلتاهما حلب ~~العصير وقال بعض من سميت هي السحاب التي فيها الماء تمطر كالمرأة المعصر ~~وهي التي دنا حيضها ولم تحض بعد، وقال ابن الكيسان: قيل للسحاب معصرات من ~~حيث تغيث فهي من المعصرة ومنه قوله تعالى: وفيه يعصرون [يوسف: 49] . قال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة: المعصرات الرياح، لأنها تعصر السحاب، وقرأ ابن ~~الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وقتادة وعكرمة: «وأنزلنا بالمعصرات» ، ~~فهذا يقوي أنه أراد الرياح، و «الثجاج» : السريع الاندفاع كما يندفع الدم ~~عن عروق الذبيحة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: ما أفضل ~~الحج؟ قال: «العج والثج» أراد التضرع إلى الله بالدعاء الجهير PageV05P424 # وذبح الهدي، و «الحب» : جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان، و «النبات» : ~~العشب الذي يستعمل رطبا لإنسان أو بهيمة، فذكر الله تعالى موضع المنفعتين ~~وألفافا جمع لف بضم اللام، ولف جمع لفاء. والمعنى ملتفات الأغصان والأوراق، ~~وذلك موجود مع النضرة والري، وقال جمهور اللغويين ألفافا جمع لف بكسر ~~اللام، واللف: الجنة الملتفة بالأغصان، وقال الكسائي: ألفافا، جمع لفيف. ~~وقد قال الشاعر: [الطويل] # أحابيش ألفاف تباين فرعهم ... وجذمهم عن نسبة المتقرب # قوله عز وجل: ### || [سورة النبإ (78) : الآيات 17 الى 23] # إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) ~~وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم ~~كانت مرصادا (21) # للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) # يوم الفصل هو يوم القيامة، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين ~~والكافرين، وبين الحق والباطل. و «الميقات» مفعال من الوقت، كميعاد من ~~الوعد، وقوله: يوم ينفخ بدل من اليوم الأول، و «الصور» : القرن الذي ينفخ ~~فيه لبعث الناس. هذا قول الجمهور، ويحتمل ms3662 هذا الموضع أن يكون «الصور» فيه ~~جمع صورة أي يوم يرد الله فيه الأرواح إلى الأبدان، هذا قول بعضهم في الصور ~~وجوزه أبو حاتم، والأول أشهر وبه تظاهرت الآثار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى ~~في قوله ثم نفخ فيه أخرى [الزمر: 68] . # وقرأ أبو عياض «في الصور» بفتح الواو، و «الأفواج» : الجماعات يتلو بعضها ~~بعضا، واحدها فوج، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ~~وشيبة والحسن: «وفتحت» ، بشد التاء على المبالغة، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي: «وفتحت» دون شد. وقوله تعالى: فكانت أبوابا قيل معناه: تتفطر ~~وتتشقق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدارات، وقال آخرون فيما حكى مكي ~~بن أبي طالب: الأبواب هنا فلق الخشب التي تجعل أبوابا لفتوح الجدارات أي ~~تتقطع السماء قطعا صغارا حتى تكون كألواح الأبواب. # والقول الأول أحسن، وقال بعض أهل العلم: تتفتح في السماء أبواب للملائكة ~~من حيث يصعدون وينزلون. وقوله تعالى: فكانت سرابا عبارة عن تلاشيها وفنائها ~~بعد كونها هباء منبثا، ولم يرد أن الجبال تعود تشبه الماء على بعد من ~~الناظر إليها، ومرصادا: موضع الرصد، ومنه قوله تعالى: إن ربك لبالمرصاد ~~[الفجر: 14] ، وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: «لا يدخل أحد الجنة ~~حتى يجوز على جهنم، فمن كانت عنده أسباب نجاة نجا وإلا هلك» . وقال قتادة: ~~تعلمن أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وفي الحديث الصحيح: «إن ~~الصراط جسر ينصب على متن جهنم ثم يجوز عليه الناس فناج ومكردس» ، وقال بعض ~~المتأولين: مرصادا مفعال بمعنى راصد، وقرأ أبو معمر المنقري: «أن جهنم» ~~بفتح الألف والجمهور: على كسرها، و «الطاغون» : الكافرون، و «المآب» : ~~المرجع، PageV05P425 # و «الأحقاب» : جمع حقب بفتح القاف، وحقب: بكسر الحاء، وحقب: بضم القاف، ~~وهو جمع حقبة ومنه قول متمم: [الطويل] # وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن تصدعا # وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، ويقال للسنة أيضا حقبة، وقال بشر ~~بن كعب: حدها على ما ورد في الكتب المنزلة ثلاثمائة سنة، ms3663 وقال هلال الهجري: ~~ثمانون سنة قالا في كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم من ألف سنة. وقال ~~ابن عباس وابن عمر: الحقب ستون ألف سنة، وقال الحسن: # الحقب سبعون ألف سنة، وقيل: خمسون ألف سنة، وقال أبو أمامة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: إنه ثلاثون ألف سنة وكثر الناس في هذا اللازم أن الله ~~تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون أحقابا كلما مر حقب جاء غيره إلى ما لا ~~نهاية، قال الحسن: ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ومن الناس من ظن لذكر ~~الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن ~~حيان: الحقب سبعة عشر ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى: فذوقوا فلن نزيدكم ~~إلا عذابا [النبأ: 30] ، وقد ذكرنا فساد هذا القول، وقال آخرون الموصوفون ~~باللبث أحقابا عصاة المؤمنين، وهذا أيضا ضعيف ما بعده في السورة يدل عليه، ~~وقال آخرون: إنما المعنى: لابثين فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا، ~~فهذه الحال يلبثون أحقابا ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم، ~~وقرأ الجمهور «لابثين» ، وقرأ حمزة وحده وابن مسعود وعلقمة وابن وثاب وعمرو ~~بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وابن جبير: «لبثن» جمع لبث، وهي قراءة معترضة لأن ~~فعلا إنما يكون فيما صار خلقا كحذر وفرق، وقد جاء شاذا فيما ليس بخلق وأنشد ~~الطبري وغيره في ذلك بيت لبيد: [الكامل] # أو مسحل عمل عضادة سمحج ... بسراته ندب له وكلوم # قال المعترض في القراءة: لا حجة في هذا البيت لأن عملا قد صار كالخلق ~~الذي واظب على العمل به حتى أنه ليسمى به في وقت لا يعمل فيه كما تقول كاتب ~~لمن كانت له صناعة وإن لم يكتب أكثر أحيانه، قال المحتج لها: شبه لبث ~~بدوامه بالخلق لما صار اللبث من شأنه. # قوله عز وجل: ### || [سورة النبإ (78) : الآيات 24 الى 37] # لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا ~~(26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) # وكل شيء أحصيناه كتابا ms3664 (29) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين ~~مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) # وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء ~~حسابا (36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) # قال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي: «البرد» في هذه ~~الآية: النوم، والعرب PageV05P426 # تسمه بذلك لأنه يبرد سؤر العطش، ومن كلامهم منع البرد البرد، وقال جمهور ~~الناس: «البرد» في الآية: # مسر الهواء البارد وهو القر، أي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكسر غرب الحر، ~~فالذوق على هذين القولين مستعار، وقال ابن عباس: «البرد» : الشراب المستلذ، ~~ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل] # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # ومنه قول الآخر: [الطويل] # أماني من سعدى حسان كأنما ... سقتني بها سعدى على ظمأ بردا # ثم قال تعالى: ولا شرابا إلا حميما فالاستثناء متصل و «الحميم» : الحار ~~الذائب وأكثر استعماله في الماء السخن والعرق ومنه الحمام، وقال ابن زيد: ~~«الحميم» : دموع أعينهم، وقال النقاش: ويقال «الحميم» : الصفر المذاب ~~المتناهي الحر، واختلف الناس في «الغساق» ، فقال قتادة والنخعي وجماعة: # هو ما يسيل من أجسام أهل النار من صديد ونحوه، يقال: غسق الجرح: إذا سال ~~منه قيح ودم، وغسقت العين: إذا دمعت وإذا خرج قذاها، وقال ابن عباس ومجاهد: ~~«الغساق» : مشروب لهم مفرط الزمهرير، كأنه في الطرف الثاني من الحميم يشوي ~~الوجوه ببرده. وقال عبد الله بن بريدة: «الغساق» : المنتن، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم وجماعة من الجمهور: «غساقا» ، بتخفيف ~~السين وهو اسم على ما قدمناه، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن أبي ~~إسحاق السبيعي والحكم بن عتبة وقتادة وابن وثاب: «غساقا» مشددة السين وهي ~~صفة أقيمت مقام الموصوف، كأنه قال ومشروب غساق أي سائل من أبدانهم، وقوله ~~تعالى: وفاقا معناه لأعمالهم وكفرهم أي هو جزاؤهم الجدير بهم الموافق مع ~~التحذير لأعمالهم فهي كفر، و «الجزاء» : نار، ويرجون قال أبو عبيدة وغيره: ~~معناه: يخافون، وقال غيره: الرجاء هنا على بابه، ms3665 ولا رجاء إلا وهو مقترن ~~بخوف ولا خوف إلا وهو مقترن برجاء، فذكر أحد القسمين لأن المقصد العبارة عن ~~تكذيبهم كأنه قال: إنهم كانوا لا يصدقون بالحساب، فلذلك لا يرجونه ولا ~~يخافونه، وقرأ جمهور الناس: «كذابا» بشد الذال وكسر الكاف وهو مصدر بلغة ~~بعض العرب، وهي يمانية ومنه قول أحدهم وهو يستفتي: # ألحلق أحب إليك أم القصار؟ # ومنه قول الشاعر: [الطويل] # لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي ... وعن حاجة قضاؤها من شفائيا # وهذا عندهم مصدر من فعل، وقال الطبري: لم يختلف القراء في هذا الموضع في ~~كذابا. # قال القاضي أبو محمد: وأراه أراد السبعة، وأما في الشاذ، فقرأ علي بن أبي ~~طالب وعوف الأعرابي وعيسى والأعمش وأبو رجاء: «كذابا» بكسر الكاف وبتخفيف ~~الذال، وقرأ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: # «كذابا» بضم الكاف وشد الذال على أنه جمع كاذب ونصبه على الحال قاله أبو ~~حاتم. وقوله تعالى: وكل شيء أحصيناه، يريد كل شيء شأنه أن يحضر في هذا ~~الخبر وربط لآخر القصة بأولها أي هم مكذبون PageV05P427 # وكافرون، ونحن قد أحصينا، فالقول لهم في الآخرة ذوقوا فلن نزيدكم إلا ~~عذابا رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر تعالى أمر أهل ~~النار عقب بذكر أهل الجنة ليبين الفرق. و «المفاز» : # موضع الفوز لأنهم زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة. و «الحدائق» : البساتين ~~التي عليها حلق وجدارات وحظائر. وأترابا معناه: على سن واحدة، والتربان هما ~~اللذان مسا التراب في وقت واحد، و «الدهاق» : المترعة فيما قال الجمهور، ~~وقال ابن جبير معناه: المتتابعة وهي من الدهق، وقال عكرمة: # هي الصفية، وفي البخاري قال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول للساقي: ~~اسقنا كأسا دهاقا، و «اللغو» : سقط الكلام وهو ضروب، وقد تقدم القول في ~~كذابا إلا أن الكسائي من السبعة قرأ في هذا الموضع «كذابا» بالتخفيف وهو ~~مصدر، ومنه قول الأعشى: [مجزوء الكامل] # فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه # واختلف المتأولون: في قوله: حسابا، فقال جمهور المفسرين واللغويين معناه: ~~محسبا، كافيا ms3666 في قولهم أحسبني هذا الأمر أي كفاني، ومنه حسبي الله، وقال ~~مجاهد معناه: إن حسابا معناه بتقسط على الأعمال لأن نفس دخول الجنة برحمة ~~الله وتفضله لا بعمل، والدرجات فيها والنعيم على قدر الأعمال، فإذا ضاعف ~~الله لقوم حسناتهم بسبعمائة مثلا ومنهم المكثر من الأعمال والمقل أخذ كل ~~واحد سبعمائة بحسب عمله وكذلك في كل تضعيف، فالحساب ها هو موازنة أعمال ~~القوم. وقرأ الجمهور «حسابا» : بكسر الحاء وتخفيف السين المفتوحة، وقرأ ابن ~~قطب «حسابا» : بفتح الحاء وشد الشين، قال أبو الفتح جاء بالاسم من أفعل على ~~فعال، كما قالوا أدرك فهو: دراك، فقرأ ابن عباس وسراج: «عطاء حسنا» بالنون ~~من الحسن وحكى عنه المهدوي أنه قرأ «حسبا» بفتح الحاء وسكون السين وبالباء، ~~وقرأ شريح بن يزيد الحمصي: «حسابا» بكسر الحاء وشد السين المفتوحة، وقرأ ~~نافع وأبو عمرو والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأهل الحرمين: «رب» بالرفع، وكذلك ~~«الرحمن» ، وقرأ ابن عامر وعاصم وابن مسعود وابن أبي إسحاق وابن محيصن ~~والأعمش «رب» وكذلك «الرحمن» وقرأ حمزة والكسائي «رب» : بالخفض و «الرحمن» ~~بالرفع وهي قراءة الحسين وابن وثاب وابن محيصن بخلاف عنه ووجوه هذه ~~القراءات بينة، وقوله تعالى: لا يملكون الضمير للكفار أي لا يملكون من ~~أفضاله وأجماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها، وهذا في موطن خاص. # قوله عز وجل: ### || [سورة النبإ (78) : الآيات 38 الى 40] # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم ~~عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ~~(40) # اختلف الناس في الروح المذكورة في هذا الموضع، فقال الشعبي والضحاك: هو ~~جبريل عليه السلام ذكره خاصة من بين الملائكة تشريفا، وقال ابن مسعود: هو ~~ملك كريم أكبر الملائكة خلقة يسمى PageV05P428 # ب «الروح» ، وقال ابن زيد: كان أبي يقول هو القرآن، وقد قال الله تعالى: ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52] أي من أمرنا. # قال القاضي أبو محمد: فالقيام ms3667 فيه مستعار يراد ظهوره ومثول آثاره، ~~والأشياء الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه ومع هذا ففي القول قلق، وقال مجاهد: ~~الروح خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون، وقال ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «الروح خلق غير الملائكة لهم حفظة للملائكة كما الملائكة ~~حفظة لنا» ، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: الروح هنا اسم جنس: يراد به ~~أرواح بني آدم والمعنى يوم تقوم الروح في أجسادها إثر البعث والنشأة ~~الآخرة، ويكون الجميع من الإنس والملائكة صفا ولا يتكلم أحد هيبة وفزعا إلا ~~من أذن له الرحمن من ملك أو نبي وكان أهلا أن يقول صوابا في ذلك الموطن، ~~وقال ابن عباس: الضمير في يتكلمون عائد على الناس خاصة و «الصواب» المشار ~~إليه لا إله إلا الله، قال عكرمة أي قالها في الدنيا. وقوله تعالى: ذلك ~~اليوم الحق أي الحق كونه ووجوده، وفي قوله: فمن شاء اتخذ إلى ربه مكانا وعد ~~ووعيد وتحريض، و «المآب» : # المرجع وموضع الأوبة، والضمير الذي هو الكاف والميم في نذرناكم # هو لجميع العالم وإن كانت المخاطبة لمن حضر النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الكفار، و «العذاب القريب» : عذاب الآخرة، ووصفه بالقرب لتحقق وقوعه وأنه ~~آت وكل آت قريب والجميع داخل في النذارة منه، ونظر المرء إلى اقدمت يداه # من عمل قيام الحجة عليه، وقال ابن عباس مرء # هنا المؤمن، وقرأ ابن أبي إسحق: «المرء» بضم الميم وضعفها أبو حاتم، ~~وقوله تعالى: يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا # قيل إن هذا تمن أن يكون شيئا حقيرا لا يحاسب ولا يلتفت إليه، وهذا قد ~~نجده في الخائفين من المؤمنين فقد قال عمر بن الخطاب: # ليتني كنت بعرة، وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر: إن الله تعالى يحضر ~~البهائم يوم القيامة فيقتص لبعضها من بعض ثم يقول لها من بعد ذلك: كوني ~~ترابا، فيعود جميعها ترابا، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله، قال أبو القاسم ~~بن حبيب: رأيت في بعض التفاسير أن كافر # هنا إبليس إذا ms3668 رأى ما حصل للمؤمنين من بني آدم من الثواب قال: اليتني كنت ~~ترابا # ، أي كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أولا. # نجز تفسير سورة النبإ والحمد لله حق حمده. PageV05P429 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النازعات # وهي مكية بإجماع من المتأولين. # قوله عز وجل: ### || سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات ~~سبقا (4) # فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ ~~واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) # قال ابن مسعود وابن عباس: النازعات، الملائكة تنزع نفوس بني آدم، وغرقا ~~على هذا القول إما أن يكون مصدر بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، وإما أن ~~يكون كما قال علي وابن عباس: # تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم، وقال السدي وجماعة: النازعات: النفوس تنزع ~~بالموت إلى ربها، وغرقا هنا بمعنى الإغراق أي تغرق في الصدر، وقال عطاء ~~فيما روي عنه: النازعات، الجماعات النازعات بالقسي، وغرقا بمعنى الإغراق، ~~وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش: # النازعات: النجوم لأنها تنزع من أفق إلى أفق، وقال قتادة: النازعات، ~~النفوس التي تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها ولها نزاع عند الموت، وقال ~~مجاهد: النازعات المنايا لأنها تنزع نفوس الحيوان، وقال عطاء وعكرمة: ~~النازعات القسي أنفسها لأنها تنزع بالسهام. واختلف المتأولون في الناشطات، ~~فقال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة لأنها تنشط النفوس عند الموت، أي تحلها ~~كحل العقال وتنشط بأمر الله أي حيث كان، وقال مجاهد: الناشطات: المنايا، ~~وقال ابن عباس أيضا وقتادة والأخفش والحسن: الناشطات النجوم لأنها تنشط من ~~أفق إلى أفق، أي تذهب وتسير بسرعة، ومن ذلك قيل البقر الوحش النواشط لأنهن ~~يذهبن بسرعة من موضع إلى آخر، وقال عطاء: الناشطات في الآية: البقرة ~~الوحشية وما جرى مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر، ومن هذا ~~المعنى قول الشاعر [همان بن قحافة] : [الرجز] # أرى همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورا وطورا واسطا # وكأن هذه اللفظة في هذا التأويل ms3669 مأخوذة من النشاط، وقال عطاء أيضا ~~وعكرمة: الناشطات الأوهان. ويقال: نشطت البعير والإنسان إذا ربطته ونشطته: ~~إذا حللته، وحكاه الفراء وخولف فيه ومنه PageV05P430 # الحديث «كأنما أنشط من عقال» ، وقال ابن عباس أيضا: الناشطات النفوس ~~المؤمنة تنشط عند الموت للخروج، و «السبح» : العوم في الماء، وقد يستعمل ~~مجازا في خرق الهواء والتقلب فيه، واختلف في السابحات في الآية، فقال قتادة ~~والحسن: هي النجوم لأنها تسبح في فلك، وقال مجاهد وعلي رضي الله عنه: هي ~~الملائكة لأنها تتصرف في الآفاق بأمر الله تجيء وتذهب، وقال أبو روق: ~~السابحات: # الشمس والقمر والليل والنهار، وقال بعض المتأولين: السابحات: السماوات، ~~لأنها كالعائمة في الهواء، وقال عطاء وجماعة: السابحات: الخيل، ويقال ~~للفرس: سابح، وقال آخرون: السابحات الحيتان، دواب البحر فما دونها وذلك من ~~عظيم المخلوقات، فروي أن الله تعالى بث في الدنيا ألف نوع من الحيوان، منها ~~أربعمائة في البر وستمائة في البحر، وقال عطاء أيضا: السابحات: السفن، وقال ~~مجاهد أيضا: السابحات: المنايا تسبح في نفوس الحيوان. واختلف الناس في ~~«السابقات» ، فقال مجاهد: هي الملائكة، وقيل الرياح، وقال عطاء هي الخيل، ~~وقيل: النجوم، وقيل المنايا تسبق الآمال، وقال الشاعر [عدي بن زيد] : ~~[الخفيف] لا أرى الموت يسبق الموت شيء وأما «المدبرات» ، فلا أحفظ خلافا ~~أنها الملائكة ومعناه أنها تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى وصرفها فيها ~~كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات، وقال ابن زيد: الراجفة: الأرض تهتز ~~بأهلها لنفخة الصور الأولى، وقيل الراجفة: النفخة نفسها، والرادفة: النفخة ~~الأخرى، ويروى أن بينهما أربعين سنة، وقال عطاء: الراجفة: القيامة نفسها، ~~والرادفة: البعث، وقال ابن زيد: # الراجفة: الموت، والرادفة: الساعة. وقال أبي بن كعب: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال: «يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت ~~الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» ، ثم أخبر تعالى عن قلوب تجف ~~ذلك اليوم، أي ترتعد خوفا وفرقا من العذاب، ووجيف القلب يكون من الفزع ~~ويكون من الإشفاق، ومنه قول الشاعر قيس بن الحطيم: [المنسرح] # إن بني ms3670 جحجما وأسرتهم ... أكبادنا من ورائهم تجف # ورفع قلوب بالابتداء وجاز ذلك وهي نكرة لأنها قد تخصصت بقوله: يومئذ، ~~واختلف الناس في جواب القسم أي هو، فقال الفراء والزجاج: هو محذوف دل ~~الظاهر عليه تقديره: لتبعثن أو لتعاقبن يوم القيامة، وقال بعض النحاة: هو ~~في قوله تعالى: إن في ذلك لعبرة لمن يخشى [النازعات: 26] ، وهذا ضعيف لبعد ~~القول ولأن المعنى هالك يستحق ابن، وقال آخرون: هو في قوله يوم على تقدير ~~حذف اللام كأنه قال ليوم، وقال آخرون: وهو موجود في جملة قوله تعالى: يوم ~~ترجف الراجفة قلوب يومئذ واجفة كأنه قال: لتجفن قلوب يوم كذا، ولما دلت على ~~أصحابها ذكر بعد ذلك أبصارها، وخشوعها ذلها، وما يظهر فيها من الهم بالحال، ~~وقوله تعالى: يقولون هي حكاية حالهم في الدنيا، معناه: هم الذين يقولون ~~وقولهم أإنا هو على جهة الاستخفاف والعجب والتكذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق ~~وابن يعمر: «أإنا» بهمزتين ومدة على الاستفهام، وقرأ جمهور القراء: «أإنا» ~~باستفهام وهمزة PageV05P431 # واحدة، والحافرة لفظة توقعها العرب على أول أمر رجع إليه من آخره، يقال: ~~عاد فلان في الحافرة، إذا ارتكس في حال من الأحوال ومنه قول الشاعر: ~~[الوافر] # أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار # والمعنى: أإنا لمردودون إلى الحياة بعد مفارقتها بالموت، وقال مجاهد ~~والخليل: الحافرة: # الأرض فاعلة بمعنى محفورة، وقيل بل هو على النسب أي ذات حفر، والمراد: ~~القبور لأنها حفرت للموتى، فالمعنى أإنا لمردودون أحياء في قبورنا، وقال ~~زيد بن أسلم: الحافرة في النار، وقرأ أبو حيوة «في الحفرة» بغير ألف، فقيل: ~~هو بمعنى الحافرة، وقيل هي الأرض المنتنة المتغيرة بأجساد موتاها من قولهم ~~حفرت أسنانه إذا تأكلت وتغير ريحها، و «الناخرة» : المصوتة بالريح المجوفة، ~~ومنه قول الشاعر: [الطويل] # وأخليتها من مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تنخر # ويروى تصفر وناخرة، هي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وعمر بن الخطاب ~~وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير ومسروق ومجاهد وجماعة سواهم، ~~وقرأ الباقون وحفص ms3671 عن عاصم وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود ~~والحسن والأعرج وأبو رجاء وجعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن وابن جبير وأهل مكة ~~وشبل وقتادة وأيوب والنخعي: «نخرة» ، دون ألف بعد النون، ومعناه: # بالية متعفنة قد صارت رميما، يقال: نخر العود والعظم: إذا بلي وصار ~~يتفتت، وحكي عن أبي عبيدة وأبي حاتم والفراء وغيرهم أن الناخرة والنخرة ~~بمعنى واحد كطامع وطمع وحاذر وحذر، والأكثر من الناس على ما قدمناه. قال ~~أبو عمرو بن العلاء: «الناخرة» التي لم تنخر بعد والنخرة التي قد بليت. # قوله عز وجل: ### || [سورة النازعات (79) : الآيات 12 الى 24] # قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة ~~(14) هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) # اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك ~~فتخشى (19) فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) # ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) # ذكر الله تعالى عنهم قولهم: تلك إذا كرة خاسرة وذلك أنهم لتكذيبهم ~~بالبعث، وإنكارهم، قالوا: لو كان هذا حقا، لكانت كرتنا ورجعتنا خاسرة وذلك ~~لهم إذ هي النار، وقال الحسن: خاسرة معناه: كاذبة أي ليست بكائنة، وروي أن ~~بعض صناديد مكة قال ذلك، ثم أخبر الله تعالى عن حال القيامة، فقال فإنما هي ~~زجرة واحدة، أي نفخة في الصور فإذا الناس قد نشروا وصاروا أحياء على وجه ~~الأرض، وفي قراءة عبد الله «فإنما هي رقة واحدة» ، و «الساهرة» : وجه ~~الأرض، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الوافر] PageV05P432 # وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به فلهم مقيم # وقال وهب بن منبه: «الساهرة» : جبل بالشام يمده الله لحشر الناس يوم ~~القيامة كيف شاء، وقال أبو العالية وسفيان: «الساهرة» : أرض قريبة من بيت ~~المقدس، وقال قتادة: «الساهرة» : جهنم، لأنه لا نوم لمن فيها وقال ابن ~~عباس: «الساهرة» : أرض مكة، وقال الزهري: «الساهرة» : الأرض كلها، ثم وقف ~~تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على جهة جمع النفس لتلقي الحديث، ms3672 ~~فقال: هل أتاك حديث موسى الآية، و «الوادي المقدس» : واد بالشام، قال منذر ~~بن سعيد: هو بين المدينة ومصر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والأعمش وابن ~~إسحاق: «طوى» بكسر الطاء منونة، ورويت عن عاصم، وقرأ الجمهور: «طوى» بضمها، ~~وأجرى بعض القراء «طوى» وترك إجراءه ابن كثير وأبو عمرو ونافع وجماعة، وقد ~~تقدم شرح اللفظة في سورة طه. وقوله تعالى: اذهب إلى فرعون تفسير النداء ~~الذي ناداه به، ويحتمل أن يكون المعنى قال اذهب وفي هذه الألفاظ استدعاء ~~حسن، وذلك أنه أمر أن يقول به: هل لك إلى أن تزكى، وهذا قول جواب كل عاقل ~~عنده نعم أريد أن أتزكى، والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، ~~وفسر بعضهم: تزكى بتسلم وفسرها بقول: لا إله إلا الله، وهذا تخصيص وما ~~ذكرناه يعم جميع هذا، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بخلاف عنه: «تزكى» بشد ~~الزاي، وقرأ الباقون: «تزكى» بتخفيف الزاي، ثم أمر موسى أن يفسر له التزكي ~~الذي دعاه إليه بقوله: وأهديك إلى ربك فتخشى، والعلم تابع للهدى والخشية ~~تابعة للعلم، إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] ، والآية الكبرى: ~~العصا واليد، قاله مجاهد وغيره، وهما نصب موسى للتحدي فوقعت المعارضة في ~~الواحدة وانقلب فيها فريق الباطل. وقال بعض المفسرين: أدبر يسعى حقيقة قام ~~من موضعه موليا فارا بنفسه عن مجالسة موسى عليه السلام، وقال مجاهد: أدبر ~~كناية عن إعراضه عن الإيمان، ويسعى معناه: # يتحذم حل أمر موسى عليه السلام والرد في وجه شرعه، وقوله فحشر معناه: جمع ~~أهل مملكته ثم ناداهم بقوله: أنا ربكم الأعلى. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~المعنى: فنادى فحشر، وقوله: أنا ربكم الأعلى نهاية في المخرقة ونحوها باق ~~في ملوك مصر وأتباعهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة النازعات (79) : الآيات 25 الى 36] # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها (29) # والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها ms3673 ~~(32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) # يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) # نكال منصوب على المصدر، قال قوم الآخرة قوله: ما علمت لكم من إله غيري ~~[القصص: 38] ، والأولى قوله: أنا ربكم الأعلى [النازعات: 24] ، وروي أنه ~~مكث بعد قوله: PageV05P433 # أنا ربكم الأعلى [النازعات: 24] أربعين سنة، وقيل هذه المدة بين ~~الكلمتين، وقال ابن عباس: # الأولى قوله: ما علمت لكم من إله غيري [القصص: 38] ، والآخرة قوله: أنا ~~ربكم الأعلى [النازعات: 24] . وقال أبو زيد: الأولى كفره وعصيانه، والآخرة ~~قوله: أنا ربكم الأعلى [النازعات: # 24] وقال ابن زيد: الأولى الدنيا، والآخرة: الدار الآخرة، أي أخذه الله ~~بعذاب جهنم وبالغرق في الدنيا، وقال مجاهد: عبارة عن أول معاصيه وكفره ~~وآخرها أي نكل بالجميع، ونكال نصب على المصدر، والعامل فيه على رأي سيبويه ~~«أخذ» لأنه في معناه، وعلى رأي أبي العباس المبرد فعل مضمر من لفظ نكال، ثم ~~وقف تعالى على موضع العبرة بحال فرعون وتعذيبه، وفي الكلام وعيد للكفار ~~المخاطبين برسالة محمد عليه السلام، ثم وقفهم مخاطبة منه تعالى للعالم ~~والمقصد الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى: قل لهم يا محمد أأنتم أشد خلقا ~~الآية، وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور لا يتعذر على قدرة ~~الله تعالى، و «السمك» : الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا ~~وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، وقوله تعالى: فسواها يحتمل أن يريد جعلها ~~ملساء مستوية ليس فيها مرتفع ومنخفض، ويحتمل أن يكون عبارة عن إتقان خلقها ~~ولا يقصد معنى إملاس سطحها والله تعالى أعلم كيف هي. # وأغطش معناه: أظلم، والأغطش الأعمى ومنه قول الشاعر [الأعشى] : ~~[المتقارب] # نحرت لهم موهنا ناقتي ... وليلهم مدلهم غطش # ونسب الليل والضحى إليها من حيث هما ظاهران منها وفيها، وقوله تعالى: ~~والأرض بعد ذلك دحاها متوجه على أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها، ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقرأ ~~مجاهد: و «الأرض مع ذلك» ، وقال قوم: إن بعد ذلك معناه ms3674 مع ذلك، والذي قلناه ~~تترتب عليه آيات القرآن كلها، ونسب الماء والمرعى إلى الأرض حيث هما يظهران ~~فيها، ودحو الأرض بسطها ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] # دار دحاها ثم أسكننا بها ... وأقام بالأخرى التي هي أمجد # وقرأ الجمهور: «والأرض» نصبا، وقرأ الحسن وعيسى: «والأرض» بالرفع، وقرأ ~~الجمهور: # و «الجبال» نصبا، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: «والجبال» رفعا، وأرساها ~~معناه: أثبتها، وجمع هذه النعم إذا تدبرت فهي متاع للناس، و «الأنعام» ~~يتمتعون فيها وبها، وقرأ الجمهور: «متاعا» بالنصب، وقرأ ابن أبي عبلة: ~~«متاع» بالرفع، والطامة الكبرى هي القيامة، قاله ابن عباس والضحاك، وقال ~~الحسن وابن عباس أيضا: النفخة الثانية، وقوله: ما سعى معناه: ما عمل من ~~سائر عمله، ويتذكر ذلك بما يرى من جزائه، وقرأ جمهور الناس: «وبرزت» بضم ~~الباء وشد الراء المكسورة، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار وعائشة: «وبرزت» بفتح ~~الباء والراء، وقرأ جمهور الناس: «لمن يرى» بالياء أي لمن يبصر ويحصل، وقرأ ~~عكرمة ومالك بن دينار وعائشة: «لمن ترى» بالتاء أي تراه أنت، فالإشارة إلى ~~كفار مكة أو إشارة إلى الناس، والمقصد كفار مكة، ويحتمل أن يكون المعنى: ~~لمن تراه الجحيم كما قال تعالى: إذا رأتهم من مكان بعيد [الفرقان: 12] وقرأ ~~ابن مسعود: «لمن رأى» على فعل ماض. PageV05P434 # قوله عز وجل: ### || [سورة النازعات (79) : الآيات 37 الى 46] # فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى (41) # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحاها (46) # طغى معناه: تجاوز الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها بأن كفر وآثر ~~الحياة الدنيا على الآخرة لتكذيبه بالآخرة. والمأوى والمسكن حيث يأوي المرء ~~ويلازم، ومقام ربه هو القيامة، وإنما المراد مقامه بين يدي ربه، فأضاف ~~المقام إلى الله عز وجل من حيث بين يديه وفي ذلك تفخيم للمقام وتعظيم لهوله ~~وموقعه ms3675 من النفوس، قال ابن عباس: المعنى خافه عند المعصية فانتهى عنها، ~~والهوى: # هو شهوات النفس وما جرى مجراها، وأكثر استعماله إنما هو في غير المحمود، ~~قال سهل التستري: لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين، وقال بعض ~~الحكماء: إذا أردت الصواب فانظر هواك فخالفه، وقال الفضيل: أفضل الأعمال ~~خلاف الهوى، وقوله تعالى: يسئلونك عن الساعة الآية نزلت بسبب أن قريشا كانت ~~تلح في البعث عن وقت الساعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم ~~بها ويتوعدهم بها ويكثر من ذلك، و: أيان مرساها معناه: متى ثبوتها ووقت ~~رسوها أي ثبوتها كأنه يسر إلى غاية ما ثم يقف كما تفعل السفينة التي ترسو. ~~وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: «إيان» بكسر الألف. ثم قال لنبيه عليه السلام ~~على جهة التوقيف فيم أنت من ذكراها أي من ذكر تحديدها ووقتها أي لست من ذلك ~~في شيء إنما أنت منذر، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسأل عن الساعة كثيرا، فلما نزلت هذه الآية انتهى. وقرأ أبو جعفر وعمر ~~بن عبد العزيز وأبو عمرو بخلاف، وابن محيصن والأعرج وطلحة وعيسى: «منذر» ~~بتنوين الراء، وقرأ جمهور القراء: «منذر» بإضافة «منذر» إلى من، ثم قرب ~~تعالى أمر الساعة بإخباره أن الإنسان عند رؤيته إياها لم يلبث إلا عشية يوم ~~أو بكرته، فأضاف الضحى إلى العشية من حيث هما طرفان للنهار، وقد بدأ بذكر ~~أحدهما فأضاف الآخر إليه تجوزا وإيجازا. # نجز تفسير النازعات والحمد لله كثيرا. PageV05P435 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة عبس # وهي مكية بإجماع المفسرين، قصص هذه السورة التي لا تتفهم السورة إلا به ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إسلام قريش وأشرافهم، ~~وكان يتحفى بدعائهم إلى الله تعالى، فبينما هو يوما مع رجل من عظمائهم قيل ~~الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل عتيبة بن ربيعة، وقيل شيبة وقيل العباس، ~~وقيل أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كان في جمع منهم فيهم عتبة والعباس ms3676 وأبو ~~جهل إذ أقبل عبد الله بن أم مكتوم القرشي الفهري من بني عامر بن لؤي وهو ~~رجل أعمى يقوده رجل آخر فأومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قائده أن ~~يؤخر عنه ففعل فدفعه عبد الله نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ~~استدنني يا محمد، علمني مما علمك الله، وكان في ذلك كله قطع لحديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع الرجل المذكور من قريش، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد قرأ عليه القرآن، ثم قال له: أترى بما أقول بأسا، فكان ~~ذلك الرجل يقول: لا والدمى يعني الأصنام، ويروى: لا والدماء، يعني الذبائح ~~للأصنام، فلما شغب عليه أمر عبد الله بن أم مكتوم عبس وأعرض عنه، وذهب ذلك ~~الرجل فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إلى بيته فلوى رأسه وشخص ~~بصره، وأنزلت عليه هذه السورة. قال سفيان الثوري: فكان بعد ذلك إذا رأى ابن ~~أم مكتوم بسط له رداءه، وقال له أنس بن مالك: رأيته يوم القادسية وعليه درع ~~ومعه راية سوداء، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة مرتين. # قوله عز وجل: ### || [سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 17] # بسم الله الرحمن الرحيم # عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى (4) # أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك ~~يسعى (8) وهو يخشى (9) # فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة ~~(13) مرفوعة مطهرة (14) # بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الإنسان ما أكفره (17) # «العبوس» : تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر، وفي مخاطبته بلفظ ذكر ~~الغائب مبالغة في العتب لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال كثير من العلماء وابن ~~زيد وعائشة وغيرها من الصحابة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما ~~شيئا من الوحي، لكتم هذه الآيات، وآيات قصة زيد وزينب بنت جحش، PageV05P436 # و «التولي» : هنا الإعراض، وأن: مفعول من أجله، وقرأ الحسن أن جاءه بمدة ~~تقرير ms3677 وتوقيف والوقف مع هذه القراءة على تولى وهي قراءة عيسى. وذكر الله ~~تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر المعنى الذي شأن البشر احتقاره، وبين ~~أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى ~~كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز، ومنه قول ~~المحدثين سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا. # ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة، وقد سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عائشة تذكر امرأة، فقالت: إنها القصيرة. فقال لها: لقد ~~قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته ثم خاطب تعالى نبيه فقال: وما يدريك لعله ~~يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله، ثم ابتدأ ~~القول: لعله يزكى أي تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه، وأصل يزكى: ~~يتزكى، فأدغم التاء في الزاي وكذلك يذكر، وقرأ الأعرج. «يذكر» بسكون الذال ~~وضم الكاف، ورويت عن عاصم، وقرأ جمهور السبعة: «فتنفعه» بضم العين على ~~العطف، وقرأ عاصم وحده والأعرج: «فتنفعه» بالنصب في جواب التمني، لأن قوله ~~أو يذكر في حكم قوله: لعله يزكى، ثم أكد تعالى عتب نبيه عليه السلام بقوله: ~~أما من استغنى أي بماله، و: تصدى معناه: تتعرض بنفسك، وقرأ ابن كثير ونافع: ~~«تصدى» بشد الصاد على إدغام التاء، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء ~~وقتادة وعيسى والأعمش: «تصدى» ، بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر ~~بن القعقاع: «تصدى» ، بضم التاء وتخفيف الصاد على بناء الفعل للمجهول، أي ~~تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا، تقول: تصدى الرجل وصديته، كما ~~تقول: تكسب وكسبته، ثم قال تعالى محتقرا لشأن الكفار: وما عليك ألا يزكى ~~وما يضرك ألا يفلح، فهذا حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الاكتراث بهم، ثم ~~قال مبالغا في العتب: وأما من جاءك يسعى أي يمشي، وقيل المعنى: يسعى في ~~شؤونه وأمر دينه وتقربه منك، وهو يخشى الله تعالى، فأنت عنه تلهى، أي ~~تشتغل، تقول لهيت عن ms3678 الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من ذوات ~~الواو، وإما أن المعنى يتداخل، وقرأ الجمهور من القراء: «تلهى» بفتح التاء ~~على حذف التاء الواحدة، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه، «تلهى» بالإدغام، وقرأ ~~طلحة بن مصرف: «تتلهى» بتاءين، وروي عنه «تلهى» بفتح التاء وسكون اللام ~~وتخفيف الهاء المفتوحة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «تلهى» بضم التاء وسكون ~~اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«وما استأثر الله به فاله عنه» ، وقوله تعالى في هاتين: وأما من فالسبب ما ~~ذكر من كفار قريش وعبد الله بن أم مكتوم، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه ~~الأوصاف، فحمله الشرع والعلم مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه ~~على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذه السورة، ثم قال: كلا يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن هذه ~~السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر تذكرة لجميع العالم لا يؤثر ~~فيها أحد دون أحد، وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا ~~التأويل إجلال لمحمد صلى الله عليه وسلم وتأنيس له، وقوله تعالى: فمن شاء ~~ذكره يتضمن وعدا ووعيدا على نحو قوله تعالى: فمن شاء اتخذ PageV05P437 # إلى ربه مآبا # [النبأ: 39] وقوله تعالى: في صحف يتعلق بقوله: إنها تذكرة، وهذا يؤيد أن ~~التذكرة يراد بها جميع القرآن، وقال بعض المتأولين: الصحف هنا اللوح ~~المحفوظ، وقيل: صحف الأنبياء المنزلة، وقيل: مصاحف المسلمين، واختلف الناس ~~في «السفرة» ، فقال ابن عباس: هم الملائكة لأنهم كتبة يقال: سفرت أي كتبت، ~~ومنه السفر، وقال ابن عباس أيضا: الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين الله ~~تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة: هم القراء وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن ~~منبه: هم الصحابة لأنهم بعضهم يسفر إلى بعض في الخبر والتعلم، والقول الأول ~~أرجح، ومن اللفظة قول الشاعر: [الوافر] . # وما أدع السفارة بين قومي ... وما أسعى ms3679 بغش إن مشيت # و «الصحف» على هذا صحف عند الملائكة أو اللوح، وعلى القول الآخر هي ~~المصاحف، وقوله تعالى: قتل الإنسان ما أكفره دعاء على اسم الجنس وهو عموم ~~يراد به الخصوص، والمعنى: قتل الإنسان الكافر، ومعنى قتل أي هو أهل أن يدعى ~~عليه بهذا، وقال مجاهد: قتل بمعنى لعن، وهذا تحكم، وقوله تعالى: ما أكفره ~~يحتمل معنى التعجب، ويحتمل معنى الاستفهام توقيفا أي أي شيء أكفره أي جعله ~~كافرا، وقيل إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالا وجهزه إلى ~~الشام، فبعث عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني كافر برب النجم ~~إذا هوى، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم ابعث عليه ~~كلبك حتى يأكله» ، ويروى أنه قال: «ما يخاف أن يرسل الله عليك كلبه» ، ثم ~~إن عتبة خرج في سفرة فجاء الأسد فأكله بين الرفقة. # قوله عز وجل: ### || [سورة عبس (80) : الآيات 18 الى 32] # من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم ~~أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) # كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء ~~صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) # وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) ~~متاعا لكم ولأنعامكم (32) # قوله تعالى: من أي شيء خلقه استفهام على معنى التقرير على تفاهة الشيء ~~الذي خلق الإنسان منه، وهي عبارة تصلح للتحقير والتعظيم والقرينة تبين ~~الغرض، وهذا نظير قوله: لأي يوم أجلت ليوم الفصل [المرسلات: 13] واللفظ ~~المشار إليه ماء الرجل وماء المرأة، وقرأ جمهور الناس: «فقدره» بشد الدال، ~~وقرأ بعض القراء: «فقدره» بتخفيفها، والمعنى جعله بقدر واحد معلوم من ~~الأعضاء والخلق والأجل وغير ذلك من أنحائه حسب إرادته تعالى في إنسان ~~إنسان، واختلف المتأولون في معنى قوله: ثم السبيل يسره فقال ابن عباس ~~وقتادة وأبو صالح والسدي: هي سبيل الخروج من بطن المرأة ms3680 ورحمها، وقال الحسن ~~ما معناه: إن السبيل هي سبيل النظر القويم المؤدي إلى الإيمان، وتيسره له ~~هو هبة العقل، وقال PageV05P438 # مجاهد: أراد السبيل عامة اسم الجنس في هدى وضلال أي يسر قوما لهذا كقوله ~~تعالى: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [الإنسان: 3] ، وقوله ~~تعالى: وهديناه النجدين [البلد: 10] وقوله تعالى: # فأقبره معناه أمر أن يجعل له قبر، وفي ذلك تكريم لئلا يطرح كسائر ~~الحيوان، والقابر هو الذي يتناول جعل الميت في قبره، والمقبر الذي يأمر ~~بقبر الميت، ويقرره، وأنشره معناه: أحياه، يقال: نشر الميت وأنشره الله، ~~وقوله: إذا شاء يريد إذا بلغ الوقت الذي شاءه وهو يوم القيامة، وقرأ بعض ~~القراء: # شاء أنشره بتحقيق الهمزتين، وقرأ جمهور الناس: شاء أنشره بمدة وتسهيل ~~الهمزة الأولى، وقرأ شعيب بن أبي حمزة: «شاء نشره» ، وقرأ الأعمش: «شاء ~~انشره» بهمزة واحدة، وقوله تعالى: كلا لما يقض ما أمره رد لما عسى أن ~~للكفار من الاعتراضات في هذه الأقوال المسرودة ونفي مؤكد لطاعة الإنسان ~~لربه وإثبات أنه ترك حق الله تعالى، ولم يقض ما أمره، قال مجاهد: لا يقضي ~~أحد أبدا ما افترض عليه، ثم أمر تعالى الإنسان بالعبرة والنظر إلى طعامه ~~والدليل فيه، وذهب أبي بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيره إلى أن المراد ~~إلى طعامه إذا صار رجيعا ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا، وعلى أي شيء يتفانى ~~أهلها وتستدير رحاها، وهذا نظير ما روي عن ابن عمر: أن الإنسان إذا أحدث ~~فإن ملكا يأخذ بناصيته عند فراغه فيرد بصره إلى نحوه موقفا له ومعجبا فينفع ~~ذلك من له عقل، وذهب الجمهور إلى أن معنى الآية: فلينظر إلى مطعوماته وكيف ~~يسرها الله تعالى له بهذه الوسائط المذكورة من صب الماء وشق الأرض، ويروى ~~أن رجلا أضافه عابد فقدم إليه رغيفا قفارا فكأن الرجل استخشنه فقال له: كله ~~فإن الله تعالى لم ينعم به وكمله حتى سخر فيه ثلاثمائة وستين عاملا الماء ~~والريح والشمس ثلاثة من ذلك، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «أنا صببنا» بفتح ms3681 ~~الألف على البدل وهي قراءة الأعرج وابن وثاب والأعمش، ورد على هذا الإعراب ~~قوم بأن الثاني ليس الأول وليس كما ردوا لأن المعنى: فلينظر الإنسان إلى ~~إنعامنا في طعامه فترتب البدل وصح، «وأنا» في موضع خفض، وقرأ الجمهور: ~~«إنا» بكسر الألف على استئناف تفسير الطعام، وقرأ بعض القراء: «أنى» بمعنى ~~كيف ذكرها أبو حاتم، و «صب الماء» : هو المطر، و «شق الأرض» : هو بالنبات، ~~و «الحب» : جمع حبة بفتح الحاء وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه كالقمح ~~والشعير ونحوه، والحبة بكسر الحاء كل ما ينبت من البزور ولا يحفل به ولا هو ~~بمتخذ، و «القضب» قال بعض اللغويين: هي الفصافص، وهذا عندي ضعيف، لأن ~~الفصافص هي للبهائم فهي دخل في الأب، وقال أبو عبيدة: «القضب» الرطبة، قال ~~ثعلب: لأنه يقضب كل يوم. والذي أقوله إن «القضب» هنا هو كل ما يقضب ليأكله ~~ابن آدم، وغضا من النبات كالبقول والهليون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم ~~ولا ذكر له في الآية إلا في هذه اللفظة، والغلب الغلاظ الناعمة، و ~~«الحديقة» الشجر الذي قد أحدق بجدار أو نحوه، و «الأب» : المرعى قاله ابن ~~عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة، وقال الضحاك: «الأب» : التبن، وفي اللفظة ~~غرابة وقد توقف في تفسيرها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ومتاعا نصب على ~~المصدر، والمعنى تتمتعون به أنتم وأنعامكم، فابن آدم في السبعة المذكورة ~~والأنعام في الأب. PageV05P439 # قوله عز وجل: ### || [سورة عبس (80) : الآيات 33 الى 42] # فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) ~~وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) # وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ~~ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42) # الصاخة: اسم من أسماء القيامة، واللفظة في حقيقتها إنما هي لنفخة الصور ~~التي تصخ الآذان أي تصمها، ويستعمل هذا اللفظ في الداهية التي يصم نبؤها ~~الآذان لصعوبته، وهذه استعارة وكذلك في الصيحة المفرطة التي يصعب وقعها على ~~الأذن، ثم ذكر تعالى فرار المرء من القوم الذين معهودهم أن لا ms3682 يفر عنهم في ~~الشدائد، ثم رتبهم تعالى الأول فالأول محبة وحنوا، وقرأ أبو أناس جوية «من ~~أخيه وأمه وأبيه» بضم الهاء في كلها، وقال منذر بن سعيد وغيره: هذا الفرار ~~هو خوف من أن يتبع بعضهم بعضا بتبعات إذ الملابسة تعلق المطالبة، وقال ~~جمهور الناس: إنما ذلك لشدة الهول على نحو ما روي أن الرسل تقول يومئذ نفسي ~~نفسي لا أسألك غيري، و «الشأن الذي يغنيه» : هو فكرة في سيئاته وخوفه على ~~نفسه من التخليد في النار، والمعنى يغنيه عن اللقاء مع غيره والفكرة في ~~أمره، قال قتادة: أفضى كل إنسان إلى ما يشغله عن غيره. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعائشة: «لا يضرك في القيامة كان عليك ثياب أم لا» ، وقرأ هذه ~~الآية وقال نحوه: لسودة، وقد قالتا: وا سوأتاه ينظر بعض الناس إلى بعض يوم ~~القيامة، وقرأ جمهور الناس: # «يغنيه» بالغين منقوطة وضم الياء على ما فسرناه، وقرأ ابن محيصن والزهري ~~وابن السميفع: «يعنيه» بفتح الياء والعين غير منقوطة من قولك عناني الأمر ~~أي قصدني وأردني. ثم ذكر تعالى اختلاف الوجوه من المؤمنين الواثقين برحمة ~~الله حين بدت لهم تباشيرها من الكفار، ومسفرة: معناه: نيرة باد ضوؤها ~~وسرورها، وترهقها معناه تلح عليها، و: «القترة» الغبار و «الغبرة» الأولى ~~إنما هي العبوس والهم كما يرى على وجه المهموم والميت والمريض شبه الغبار، ~~وأما «القترة» : فغبار الأرض ويقال إن ذلك يغشاهم من التراب الذي تعوده ~~البهائم، ثم فسر تعالى أصحاب هذه الوجوه المغبرة بأنهم الكفرة قريش يومئذ ~~ومن جرى مجراهم قديما وحديثا. # نجز تفسير سورة عبس والحمد الله كثيرا. PageV05P440 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التكوير # وهي مكية بإجماع من المتأولين. # قوله عز وجل: ### || سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا ~~العشار عطلت (4) # وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا ~~الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) # وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا ms3683 ~~الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) # هذه كلها أوصاف يوم القيامة، و «تكوير الشمس» : هو أن تدار ويذهب بها إلى ~~حيث شاء الله كما يدار كور العمامة، وعبر المفسرون عن ذلك بعبارات، فمنهم ~~من قال: ذهب نورها قاله قتادة، ومنهم من قال: رمي بها، قاله الربيع بن خيثم ~~وغير ذلك مما هو أشياء توابع لتكويرها، و «انكدار النجوم» : هو انقضاضها ~~وهبوطها من مواضعها، ومنه قول الراجز [العجاج] : [الرجز] # أبصر خربان فلاة فانكدر ... تقضي البازي إذا البازي كسر # وقال ابن عباس: انكدرت: تغيرت، من قولهم: ماء كدر، أي متغير اللون، ~~وتسيير الجبال هو قبل نسفها، وإنما ذلك في صدر هول القيامة، و: العشار جمع ~~عشراء وهي الناقة التي قد مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب ~~وتهممهم بها عظيم للرغبة في نسلها، فإنها تعطل عند أشد الأهوال، وقرأ مضر ~~عن اليزيدي: «عطلت» بتخفيف الطاء، و «حشر الوحوش» : جمعها، واختلف الناس في ~~هذا الجمع ما هو؟ فقال ابن عباس: حشرت بالموت لا تبعث في القيامة ولا يحضر ~~في القيامة غير الثقلين، وقال قتادة وجماعة: حشرت للجمع يوم القيامة، ويقتص ~~للجماء من القرناء فجعلوا ألفاظ هذا الحديث حقيقة لا مجازا مثالا في العدل. ~~وقال أبي بن كعب: حشرت في الدنيا في أول هول يوم القيامة فإنها تفر في ~~الأرض وتجتمع إلى بني آدم تأنيسا بهم، وقرأ الحسن: «حشرت» بشد الشين على ~~المبالغة، و «تسجير البحار» ، قال قتادة والضحاك معناه: فرغت من مائها وذهب ~~حيث شاء الله وقال الحسن: يبست، وقال الربيع بن خيثم معناه: ملئت، وفاضت ~~وفجرت من أعاليها، وقال أبي بن كعب وابن عباس وسفيان PageV05P441 # ووهب وابن زيد: معناه: أضرمت نارا كما يسجر التنور، وقال ابن عباس: جهنم ~~في البحر الأخضر، ويحتمل أن يكون المعنى ملكت، وقيد اضطرابها حتى لا تخرج ~~على الأرض بسبب الهول فتكون اللفظة مأخوذة من ساجور الكلب، وقيل: هذه مجاز ~~في جهنم، تسجر يوم القيامة وقد تقدم نظير هذه الأقوال منصوصة لأهل العلم في ~~تفسير قوله ms3684 تعالى: والبحر المسجور [الطور: 6] . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~«سجرت» بتخفيف الجيم، وقرأ الباقون: بشدها، وهي مترجحة بكون البحار جميعا ~~كما قال كتابا يلقاه منشورا [الإسراء: 13] ، وكما قال: صحفا منشرة [المدثر: ~~52] ، ومثله قصر مشيد [الحج: 45] وبروج مشيدة [النساء: 78] ، لأنها جماعة، ~~وذهب قوم من الملحدين إلى أن هذه الأشياء المذكورة استعارات في كل ابن آدم ~~وأحواله عند موته، والشمس نفسه والنجوم عيناه وحواسه، والعشار ساقاه، وهذا ~~قول سوء وخيم غث ذاهب إلى إثبات الرموز في كتاب الله تعالى، و «تزويج ~~النفوس» : هو تنويعها، لأن الأزواج هي الأنواع والمعنى: جعل الكافر مع ~~الكافر والمؤمن مع المؤمن وكل شكل مع شكله، رواه النعمان بن بشير عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقاله عمر بن الخطاب وابن عباس، وقال: هذا نظير قوله ~~تعالى: وكنتم أزواجا ثلاثة [الواقعة: 7] وفي الآية على هذا حض على خليل ~~الخبر، فقد قال عليه السلام: «المرء مع من أحب» ، وقال: «فلينظر أحدكم من ~~يخالل» ، وقال الله تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67] ، وقال مقاتل بن ~~سليمان: زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور وغيرهن. وقال عكرمة والضحاك ~~والشعبي: زوجت الأرواح الأجساد، وقرأ عاصم: «زوجت» غير مدغم، والموؤدة: اسم ~~معناه المثقل عليها، ومنه: ولا يؤده [البقرة: 255] ومنه اتأد، أي توقد، ~~وأثقل وعرف هذا الاسم في البنات اللواتي كان قوم من العرب يدفنونهن أحياء ~~يحفر الرجل شبه البر أو القبر ثم يسوق ابنته فيلقيها فيها، وإذا كانت صغيرة ~~جدا خد لها في الأرض ودفنها، وبعضهم: كان يفعل ذلك خشية الإملاق وعدم ~~المال، وبعضهم: غيرة وكراهية للبنات وجهالة. وقرأ الجمهور: «الموءودة» ~~بالهمز من وأد في حرف ابن مسعود: «وإذا الماودة» ، وقرأ البزي: # «الموودة» بضم الواو الأولى وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعمش: «المودة» بسكون ~~الواو على وزن: الفعلة، وقرأ بعض السلف: «المودة» بفتح الواو والدال ~~المشددة، جعل البنت مودة، وقرأ جمهور الناس: «سئلت» ، وهذا على جهة التوبيخ ~~للعرب الفاعلين ذلك، لأنها تسأل ليصير الأمر إلى سؤال الفاعل، ويحتمل أن ~~تكون مسؤولة عنها مطلوبا ms3685 الجواب منهم. كما قال تعالى: إن العهد كان مسؤلا ~~[الإسراء: 34] ، وكما يسأل التراث والحقوق. # وقرأ ابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن زيد وأبو الضحى ومجاهد وجماعة كثيرة ~~منهم ابن مسعود والربيع بن خيثم: «سألت» ، ثم اختلف هؤلاء فقرأ أكثرهم: ~~«قتلت» بفتح التاء وسكون اللام، وقرأ أبو جعفر: «قتلت» بشد التاء على ~~المبالغة، وقرأ ابن عباس وجابر وأبو الضحى ومجاهد: # «قتلت» بسكون اللام وضم التاء، وقرأ الأعرج والحسن: «سيلت» بكسر السين ~~وفتح اللام دون همز، واستدل ابن عباس بهذه الآية في أن أولاد المشركين في ~~الجنة لأن الله تعالى قد انتصر لهم من ظلمهم، و «الصحف المنشورة» : قيل هي ~~صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل امرئ كتابه، وقيل هي PageV05P442 # الصحف التي تتطاير بالأيمان، والشمائل بالجزاء، وقرأ نافع وابن عامر ~~وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة: «نشرت» بتخفيف ~~الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي: # «نشرت» بشد الشين على المبالغة، و «الكشط» : التقشير، وذلك كما يكشط جلد ~~الشاة حين تسلخ، و «كشط السماء» : هو طيها كطي السجل، وفي مصحف عبد الله بن ~~مسعود: «قشطت» بالقاف وهما بمعنى واحد، وسعرت معناه: أضرمت نارها، وقرأ ~~نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: «سعرت» بشد العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: بتخفيفها وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه. وقال قتادة: سعرها غضب الله تعالى وذنوب بني آدم وأزلفت الجنة ~~معناه: قربت ليدخلها المؤمنون، وقرأ عمر بن الخطاب وجماعة من المفسرين إلى ~~هذين، انتهى الحديث وذلك أن الغرض المقصود بقوله وإذا وإذا في جميع ما ذكر ~~إما تم بقوله: علمت نفس ما أحضرت، أي ما أحضرت من شر فدخلت به جهنم أو من ~~خير فدخلت به الجنة، ونفس هنا اسم جنس، أي عملت النفوس ووقع الإفراد لتنبيه ~~الذهن على حقارة المرء الواحد وقلة دفاعه عن نفسه. # قوله عز وجل: ### || [سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى 29] # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح ms3686 إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) # ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ~~ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) # وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين ~~(27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~(29) # قوله تعالى: فلا إما أم تكون «لا» زائدة، وإما أن يكون رد القول قريش في ~~تكذيبهم بنبوة محمد عليه السلام، وقولهم إنه ساحر وكاهن ونحو ذلك، ثم أقسم ~~الله تعالى بالخنس الجوار الكنس فقال جمهور المفسرين: إن ذلك الدراري ~~السبعة: الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري، وقال علي بن ~~أبي طالب: المراد الخمسة دون الشمس والقمر. وذلك أن هذه الكواكب تخنس في ~~جريها أي تتقهقر فيما ترى العين، وهو جوار في السماء، وأثبت يعقوب الياء في ~~«الجواري» في الوقف وحذفها الباقون وهي تكنس في أبراجها أي تستتر، وقال علي ~~بن أبي طالب أيضا والحسن وقتادة: المراد النجوم كلها لأنها تخنس بالنهار ~~حين تختفي، وقال عبد الله بن مسعود والنخعي وجابر بن زيد وجماعة من ~~المفسرين: المراد بالخنس الجوار الكنس: بقر الوحش لأنها تفعل هذه الأفعال ~~في كناسها وهي المواضع التي تأوي إليها من الشجر والغيران ونحوه، وقال ابن ~~عباس وابن جبير والضحاك: هي الظباء، وذهب هؤلاء في الخنس إلى أنه من صفة ~~الأنوف لأنها يلزمها الخنس، وكذلك هي بقر الوحش أيضا ومن ذلك قول الشاعر ~~[الطويل] # سوى نار بض أو غزال صريمة ... أغن من الخنس المناخر توأم PageV05P443 # «وعسعس الليل» في اللغة: إذا كان غير مستحكم الإظلام، وقال الحسن بن أبي ~~الحسن: ذلك في وقت إقباله وبه وقع القسم، وقال زيد بن أسلم وابن عباس ~~ومجاهد وقتادة: ذلك عند إدباره وبه وقع القسم، ويرجح هذا قوله بعد: والصبح ~~إذا تنفس، فكأنهما حالان متصلتان ويشهد له قول علقمة بن قرط: # [الرجز] # حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا # وقال المبرد أبو العباس: أقسم بإقباله وإدباره، قال الخليل: ms3687 يقال عسعس ~~الليل وسعسع إذا أقبل وأدبر، و «تنفس الصبح» : استطار واتسع ضوؤه، وقال ~~علوان بن قس: [الطويل] # وليل دجوجي تنفس فجره ... لهم بعد أن خالوه لن يتنفسا # والضمير في إنه للقرآن، و «الرسول الكريم» في قول جمهور المتأولين: جبريل ~~عليه السلام، وقال آخرون: هو محمد عليه السلام في الآية، والقول الأول أصح، ~~وكريم في هذه الآية يقتضي رفع المذام، ثم وصفه بقوة منحه الله إياها، ~~واختلف الناس في تعليق: عند ذي العرش، فذهب بعض المتأولين إلى تعلقه بقوله: ~~ذي قوة، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله: ذي قوة وتعلق الظرف: ب مكين، ~~ومكين معناه: له مكانة ورفعة، وقوله تعالى: مطاع ثم أمين أي مقبول القول ~~مصدق بقوله مؤتمن على ما يرسل به، ويؤدي من وحي وامتثال أمر، وقرأ أبو ~~جعفر: «ثم أمين» بضم الثاء، وذكر الله تعالى نفسه بالإضافة إلى عرشه تنبيها ~~على عظم ملكوته، وأجمع المفسرون على أن قوله: وما صاحبكم يراد به محمد صلى ~~الله عليه وسلم، والضمير في رآه: جبريل عليه السلام، وهذه الرؤية التي كانت ~~بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض. وقيل هذه الرؤيا ~~التي رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء، وسمى ذلك الموضع أفقا مجازا، وقد ~~كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه، ووصف ~~الأفق ب المبين، لأنه كان بالشرق من حيث تطلع الشمس، قاله قتادة، وأيضا فكل ~~أفق فهو في غاية البيان، وقوله تعالى: وما هو على الغيب بضنين بالضاد ~~بمعنى: بخيل أي يشح به، ولا يبلغ ما قيل له، ويبخل كما يفعل الكاهن حتى ~~يعطى حلوانه، وبالضاد هي خطوط المصاحف كلها، فيما قاله الطبري وهي قراءة ~~نافع وعاصم وابن عامر وحمزة وعثمان بن عفان وابن عباس والحسن وأبي رجاء ~~والأعرج وأبي جعفر وشيبة وجماعة وافرة. وقرأ ابن كثير وعمرو والكسائي وابن ~~مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة وعمر بن عبد ~~العزيز وابن جبير وعروة بن ms3688 الزبير ومسلم وابن جندب ومجاهد وغيرهم: «بظنين» ~~، بالظاء أي بمتهم، وهذا في المعنى نظير وصفه ب أمين، وقيل معناه: بضعف ~~القوة عن التبليغ من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء، ورجح أبو عبيد ~~قراءة: الظاء مشالة لأن قريشا لم تبخل محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يأتي ~~به وإنما كذبته، فقيل ما هو بمتهم، ثم نفى تعالى عن القرآن أن يكون كلام ~~شيطان على ما قالت قريش: إن محمدا كاهن، ورجيم معناه: مرجوم مبعد بالكواكب ~~واللعنة وغير ذلك، وقوله تعالى: فأين PageV05P444 # تذهبون توقيف وتقرير على معنى: أين المذهب لأحد عن هذه الحقائق، و ~~«الذكر» هنا: مصدر بمعنى التذكرة، ثم خصص تعالى من شاء الاستقامة بالذكر ~~تشريفا وتنبيها وذكرا لتكسبهم أفعال الاستقامة، ثم بين تعالى أن تكسب المرء ~~على العموم في استقامة وغيرها إنما يكون مع خلق الله تعالى واختراعه ~~الإيمان في صدر المرء، وروي أنه نزل قوله تعالى: لمن شاء منكم أن يستقيم ~~فقال أبو جهل: هذا أمر قد وكل إلينا، فإن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، ~~فنزلت وما تشاؤن إلا أن يشاء الله يقول الله تعالى: يا ابن آدم: # تريد وأريد فتتعب فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد. PageV05P445 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الانفطار # وهي مكية بإجماع. # قوله عز وجل: ### || [سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) # علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي ~~خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) # وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12) # هذه أوصاف يوم القيامة، و «انفطار السماء» : تشققها على غير نظام مقصود ~~إنما هو انشقاق لتزول بنيتها وانتثار الكواكب سقوطها من مواضعها التي هي ~~فيها كنظام، و «تفجير البحار» : يحتمل أن يكون من امتلائها فتفجر من ~~أعاليها وتفيض على ما وليها، ويحتمل أن يكون تفجير تفريع، ويحتمل أن يكون ~~فيضانها، ms3689 فيذهب الله ماءها حيث شاء، وقيل: فجر بعضها إلى بعض فاختلط العذب ~~بالملح وصارت واحدا، وهذا نحو الاختلاف في سجرت [التكوير: 6] في السورة ~~التي قبل، وقرأ مجاهد والربيع بن خيثم: «فجرت» بتخفيف الجيم، و «بعثرة ~~القبور» : نبشها عن الموتى الذين فيها، وقوله تعالى: علمت نفس هو جواب إذا، ~~ونفس هنا اسم الجنس وإفرادها لتبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن ~~منفعة ذاتها إلا من رحم الله تعالى، وقال كثير من المفسرين في معنى قوله ~~تعالى: ما قدمت وأخرت إنها عبارة عن جميع الأعمال لأن هذا التقسيم يعم ~~الطاعات المعمولة والمتروكة وكذلك المعاصي. وقال ابن عباس والقرظي محمد بن ~~كعب: ما قدمت في حياتها وما أخرت مما سنته فعمل به بعد موتها، ثم خاطب ~~تعالى جنس ابن آدم على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر بربه ~~الكريم فيعصيه ويجعل له ندا وغير ذلك من أنواع الكفر وهو الخالق الموجد بعد ~~العدم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: «جهله» وقاله عمر وقرأ إنه ~~كان ظلوما جهولا [الأحزاب: 72] ، وقال قتادة: عدوه المسلط عليه، وقال بعض ~~العلماء: غره ستر الله عليه، وقال غيره: غره كرم الله، ولفظة PageV05P446 # الكريم تلقن هذا الجواب، فهذا من لطف الله تعالى لعباده العصاة من ~~المؤمنين، وقرأ ابن جبير والأعمش: # «ما أغرك» على وزن أفعلك، والمعنى ما دعاك إلى الاغترار أن يكون المعنى ~~تعجبا محضا، وقرأ الجمهور: «فعدلك» بتشديد الدال، وكان صلى الله عليه وسلم: ~~إذا نظر إلى الهلال، قال: «آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك» لم يختلف الرواة ~~في شد الدال، وقرأ الكوفيون والحسن وأبو جعفر وطلحة والأعمش وأبو رجاء ~~وعيسى بن عبيد: «فعدلك» بتخفيف الدال، والمعنى عدل أعضاءك بعضها ببعض أي ~~وازن بينها، وقوله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك، ذهب الجمهور إلى أن في ~~متعلقة ب ركبك، أي في قبيحة أو حسنة أو مشوهة أو سليمة ونحو هذا، وذهب بعض ~~المتأولين إلى أن المعنى فعدلك في أي صورة: بمعنى إلى أي صورة ms3690 حتى قال ~~بعضهم: المعنى: لم يجعلك في صورة خنزير ولا حمار، وذهب بعض المتأولين إلى ~~أن المعنى: الوعيد والتهديد، أي الذي إن شاء ركبك في صورة حمار أو خنزير أو ~~غيره، وما في قوله: ما شاء، زائدة فيها معنى التأكيد، والتركيب والتأليف ~~وجمع الشيء إلى شيء، وروى خارجة عن نافع: «ركبك كلا» بإدغام الكاف في ~~الكاف، ثم رد على سائر أقوالهم ورد عنها بقوله: كلا، ثم أثبت لهم تكذيبهم ~~بالدين، وهذا الخطاب عام ومعناه الخصوص في الكفار، وقرأ جمهور الناس: ~~«تكذبون» بالتاء من فوق، وقرأ الحسن وأبو جعفر: «يكذبون» بالياء، و «الدين» ~~هنا يحتمل أن يريد الشرع، ويحتمل أن يريد الجزاء والحساب. و «الحافظون» : ~~هم الملائكة الذين يكتبون أعمال ابن آدم، وقد وصفهم بالكرم الذي هو نفي ~~المذام. ويعلمون ما يفعل ابن آدم لمشاهدتهم حاله، وقد روي حديث ذكره سفيان: ~~يقتضي أن العبد إذا عمل سيئة مما لا ترى ولا تسمع، مثل الخواطر المستصحبة ~~ونحوها أن الملك يجد ريح تلك الخطرة الخفية بإدراك قد خلقه الله لهم. # قوله عز وجل: ### || [سورة الانفطار (82) : الآيات 13 الى 19] # إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها يوم الدين ~~(15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) # ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله (19) # «الأبرار» : جمع بر وهو الذي قد اطرد بره عموما فيرونه في طاعته إياه، ~~وبر أبويه وبر الناس في دفع ضره عنهم وجلب ما استطاع الخير إليهم، وبر ~~الحيوان وغير ذلك في أن لم يفسد شيئا منها عبثا ولغير منفعة مباحة، و ~~«الفجار» : الكفار، و «يصلون» معناه: يباشرون حرها بأبدانهم، ويوم الدين هو ~~يوم الجزاء، وقوله تعالى: وما هم عنها بغائبين قال بعض المتأولين: هذا تأكد ~~في الإخبار عن أنهم يصلونها، وأنهم لا يمكنهم الغيب عنها يومئذ، وقال ~~آخرون: وما هم عنها بغائبين في البرزخ، كأنه تعالى لما أخبر عن صليهم إياها ~~يوم الدين وذلك أنهم يرون مقاعدهم من النار غدوة ms3691 وعشية فهم مشاهدون لها، ثم ~~عظم تعالى قدر هول يوم القيامة بقوله: وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ~~وقرأ ابن كثير وأبو PageV05P447 # عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب: «يوم لا تملك» برفع الميم من «يوم» ~~على معنى هو يوم، وقرأ الباقون والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج: «يوم» ~~بالنصب على الظرف، والمعنى: الجزاء يوم فهو ظرف في معنى خبر الابتداء، ثم ~~أخبر تعالى بضعف الناس يومئذ وأنه لا يغني بعضهم عن بعض وأن الأمر له تبارك ~~وتعالى، وقال قتادة كذلك: هو اليوم ولكنه هنالك لا ينازعه أحد ولا يمكن هو ~~أحدا من شيء منه كما يمكنه في الدنيا. PageV05P448 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المطففين # وهي مكية في قول جماعة من المفسرين، واحتجوا لذكر الأساطير، وهذا على أن ~~هذا تطفيف الكيل والوزن كان بمكة حسبما هو في كل أمة لا سيما مع كفرهم، ~~وقال ابن عباس والسدي والنقاش وغيره: # السورة مدنية، قال السدي: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان ~~يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص، فنزلت السورة فيه، يقال إنها أول سورة نزلت ~~بالمدينة، وقال ابن عباس أيضا فيما روي عنه: نزل بعضها بمكة ونزل أمر ~~التطفيف بالمدينة، لأنهم كانوا أشد الناس فسادا في هذا المعنى فأصلحهم الله ~~تعالى بهذه السورة، وقال آخرون: نزلت السورة بين مكة والمدينة، وذلك ليصلح ~~الله تعالى أمرهم قبل ورود رسوله عليهم. # قال القاضي أبو محمد: وأمر الكيل والوزن وكيد جدا، وتصرفه في المدن ضروري ~~في الأموال التي هي حرام بغير حق والفساد فيه كبير لا تنفع فيما وقع منه ~~التوبة، ولا يخلص إلا رد المظلمة إلى صاحبها، وقال مالك بن دينار: احتضر ~~جار لي فجعل يقول: جبلان من نار، فقلت له ما هذا؟ فقال لي: يا أخي، كان لي ~~مكيالان، آخذ بالوافي وأعطي بالناقص، وقال عكرمة: أشهد على كل كيال أو وزان ~~أنه في النار، وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس ~~المكاييل وألسنة الموازين. # قوله عز وجل: ### || سورة المطففين ms3692 (83) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) # ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) # ويل معناه: الثبور والحزن والشقاء الأدوم، وقد روي عن ابن مسعود وغيره أن ~~واديا في جهنم يسمى «ويلا» ، ورفع ويل على الابتداء، ورفع على معنى ثبت لهم ~~واستقر وما كان في حيز الدعاء والترقب فهو منصوب نحو قولهم: رعيا وسقيا، و ~~«المطفف» : الذي ينقص الناس حقوقهم، والتطفيف: # النقصان أصله في الشيء الطفيف وهو النزر، والمطفف إنما يأخذ بالميزان ~~شيئا طفيفا، وقال سلمان: # الصلاة مكيال، فمن أوفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في ~~المطففين، وقال بعض العلماء: # يدخل التطفيف في كل قول وعمل، ومنه قول عمر طففت، ومعناه: نقصت الأجر ~~والعمل وكذا قال مالك رحمه الله: يقال لكل شيء وفاء وتطفيف فقد جاء ~~بالنقيضين، وقد ذهب بعض الناس إلى أن التطفيف هو PageV05P449 # تجاوز الحد في وفاء ونقصان، والمعنى والقرائن بحسب قول قول تبين المراد ~~وهذا عندي جد صحيح، وقد بين تعالى أن التطفيف إنما أراد به أمر الوزن ~~والكيل، واكتالوا على الناس معناه: قبضوا منهم وكالوهم معناه: قبضوهم، ~~يقال: كلت منك واكتلت عليك، ويقال: وكلت لك فلما حذفت اللام تعدى الفعل، ~~قال الفراء والأخفش. # وأنشد أبو زيد: [الكامل] # ولقد جنتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر # وعلى هذا المعنى هي قراءة الجمهور، وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين ويقف ~~على «كالوا» و «وزنوا» بمعنى: هم يخسرون إذا كالوا ووزنوا. ورويت عن حمزة، ~~فقوله: «هم» تأكيد للضمير، وظاهر هذه الآية يقتضي أن الكيل والوزن على ~~البائع وليس ذلك بالجلي، وصدر الآية هو في المشترين، فذمهم بأنهم يستوفون ~~ويشاحون في ذلك، إذ لا تمكنهم الزيادة على الاستيفاء لأن البائع يحفظ نفسه، ~~فهذا مبلغ قدرتهم في ترك الفضيلة والسماحة المندوب إليها، ثم ذكر أنه إذا ~~باعوا أمكنهم من الظلم والتطفيف أن يخسروا لأنهم يتولون الكيل للمشتري منهم ms3693 ~~وذلك بحالة من يخسر البائع إن قدر، ويخسرون معدى بالهمزة يقال: خسر الرجل ~~وأخسره غيره، والمفعول ل كالوهم محذوف، ثم وقفهم تعالى على أمر القيامة ~~وذكرهم بها وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم من المؤمنين وأريد بها ~~مع ذلك من غبر من الأمة، ويظن هنا بمعنى: يعلم ويتحقق، و «اليوم العظيم» : ~~يوم القيامة، ويوم ظرف عمل فيه فعل مقدر يبعثون ونحوه، وقال الفراء: هو بدل ~~من ليوم عظيم، لكنه بني ويأبى ذلك البصريون، لأنه مضاف إلى معرب، وقام ~~الناس فيه لرب العالمين يختلف الناس فيه بحسب منازلهم، فروى عبد الله بن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقام فيه خمسين ألف سنة» . وهذا ~~بتقدير شدته، وقيل: ثلاثمائة سنة، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن ~~عمر: مائة سنة وقيل ثمانون سنة، وقال ابن مسعود: # أربعون سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يؤمرون ولا يكلمون، وقيل غير هذا، ~~ومن هذا كله آثار مروية ومعناها: إن لكل قوم مدة ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم ~~ذلك. وروي أن القيام فيه على المؤمن على قدر ما بين الظهر إلى العصر، وروي ~~عن بعض الناس: على قدر صلاة، وفي هذا القيام هو إلجام العرق للناس، وهو ~~أيضا مختلف، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر: «أنه ~~يلجم الكافر إلجاما» ، ويروى أن بعض الناس يكون فيه إلى أنصاف ساقيه وبعضهم ~~إلى فوق، وبعضهم إلى أسفل. # قوله عز وجل: ### || [سورة المطففين (83) : الآيات 7 الى 17] # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ~~ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) # وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) # ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) PageV05P450 # هذه الآية وما بعدها يظهر أنها من نمط المكي، وهذا أحد الأقوال التي ms3694 ~~ذكرناها قبل، وكلا يجوز أن يكون ردا لأقوال قريش، ويحتمل أن يكون استفتاحا ~~بمنزلة «ألا» ، وهذا قول أبي حاتم واختياره، و «الفجار» الكفار، وكتابهم ~~يراد فيه الذي فيه تحصيل أمرهم وأفعالهم، ويحتمل عندي أن يكون المعنى ~~وعدادهم وكتاب كونهم هو في سجين، أي هنالك كتبوا في الأزل، وقرأ أبو عمرو ~~والأعرج وعيسى: # الفجار بالإمالة والأبرار [المطففين: 18] بالفتح قاله أبو حاتم، واختلف ~~الناس في: سجين ما هو؟ فقال الجمهور: هو فعيل من السجن كسكير وشريب أي في ~~موضع ساجن، فجاء بناء مبالغة، قال مجاهد: وذلك في صخرة تحت الأرض السابعة، ~~وقال كعب حاكيا عن التوراة وأبي بن كعب: هو في شجرة سوداء هنالك، وقيل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: في بر: هنالك وقيل تحت خد إبليس، وقال عطاء ~~الخراساني: هي الأرض السفلى، وقاله البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال عكرمة: # سجين، عبارة عن الخسران والهوان، كما نقول: بلغ فلان الحضيض إذا صار في ~~غاية الخمول، وقال قوم من اللغويين: سجين نونه بدل من لام هو بدل من ~~«السجيل» . وقوله تعالى: وما أدراك ما سجين تعظيم لأمر هذا السجين وتعجب ~~منه، ويحتمل أن يكون تقرير استفهام، أي هذا مما لم يكن يعرفه قبل الوحي. ~~وقوله تعالى: كتاب مرقوم من قال بالقول الأول في سجين ف كتاب مرتفع عنده ~~على خبر إن، والظرف الذي هو: لفي سجين ملغى، ومن قال في سجين بالقول الثاني ~~ف كتاب مرتفع على خبر ابتداء مضمر، والتقدير هو كتاب مرقوم، ويكون هذا ~~الكلام مفسر في السجين ما هو؟ ومرقوم معناه: مكتوب، رقم لهم بشر، ثم أثبته ~~تعالى للمكذبين بيوم الحساب والدين بالويل، وقوله: يومئذ، إشارة إلى ما ~~يتضمنه المعنى في قوله كتاب مرقوم، وذلك أنه يتضمن أنه يرتفع ليوم عرض ~~وجزاء، وبهذا يتم الوعيد ويتجه معناه و «المتعدي» : الذي يتجاوز حدود ~~الأشياء، و «الأثيم» : بناء مبالغة في آثم، وقرأ الجمهور: «تتلى» ، بالتاء، ~~وقرأ أبو حيوة: «يتلى» ، بالياء من تحت، و «الأساطير» : جمع أسطورة ms3695 وهي ~~الحكايات التي سطرت قديما، وقيل هو جمع: أسطار، وأسطار: جمع سطر، ويروى أن ~~هذه الآية نزلت بمكة في النضر بن الحارث بن كلدة وهو الذي كان يقول: أساطير ~~الأولين، وكان هو قد كتب بالحيرة أحاديث رستم واسبنذباذ، وكان يحدث بها أهل ~~مكة، ويقول أنا أحسن حديثا من محمد، فإنما يحدثكم ب أساطير الأولين، وقوله ~~تعالى: كلا زجر ورد لقولهم: أساطير الأولين، ثم أوجب أن ما كسبوا من الكفر ~~والطغيان والعتو، قد ران على قلوبهم، أي غطى عليها وغلب فهم مع ذلك لا ~~يبصرون رشدا ولا يخلص إلى قلوبهم خير، ويقال: رانت الخمر على عقل شاربها ~~وران الغش على قلب المريض، وكذلك الموت، ومنه قول الشاعر: [الخفيف] ثم لما ~~رآه رانت به الخمر وإن لا يرينه باتقاء PageV05P451 # والبيت لأبي زيد، وقال الحسن وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت ~~القلب، ويروى عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الرجل إذا أذنب صارت نقطة سوداء على قلبه ثم كذلك حتى يتغطى» فذلك الرين ~~الذي قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر: بل ران بإدغام في الراء، وقرأ نافع: بل ران غير ~~مدغمة، وقرأ عاصم: بل ويقف ثم يبتدئ ران، وقرأ حمزة والكسائي: بالإدغام ~~وبالإمالة في ران، وقرأ نافع أيضا: بالإدغام والإمالة، قال أبو حاتم: ~~القراءة بالفتح والإدغام، وعلق اللوم بهم فيما كسبوه وإن كان ذلك بخلق منه ~~واختراع لأن الثواب والعقاب متعلق بكسب العبد، وكلا في قوله تعالى: كلا ~~إنهم عن ربهم يصلح فيها الوجهان اللذان تقدم ذكرهما، والضمير في قوله: إنهم ~~عن ربهم هو للكفار، قال بالرؤية وهو قول أهل السنة، قال إن هؤلاء لا يرون ~~ربهم فهم محجوبون عنه، واحتج بهذه الآية مالك بن أنس عن مسألة الرؤية من ~~جهة دليل الخطاب وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصص، وقال الشافعي: لما ~~حجب قوم بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى، ومن ms3696 قال بأن لا رؤية وهو قول ~~المعتزلة، قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربهم وغفرانه، وصلي ~~الجحيم مباشرة حر النار دون حائل، وقوله تعالى: ثم يقال هذا الذي، على معنى ~~التوبيخ لهم والتقريع، وقوله تعالى: هذا الذي كنتم به تكذبون، مفعول لم يسم ~~فاعله لأنه قول بني له الفعل الذي يقال، وقوله: هذا، إشارة إلى تعذيبهم ~~وكونهم في الجحيم. # قوله عز وجل: ### || [سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 29] # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم ~~(20) يشهده المقربون (21) إن الأبرار لفي نعيم (22) # على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق ~~مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم ~~(27) # عينا يشرب بها المقربون (28) إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون (29) # لما ذكر تعالى أمر كتاب الفجار [المطففين: 7] ، عقب بذكر كتاب ضدهم ليبين ~~الفرق، و «الأبرار» جمع بر، وقرأ ابن عامر: «الأبرار» بكسر الراء، وقرأ ~~نافع وابن كثير بفتحها، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: بإمالتها، وعليون ~~قيل هو جمع على وزن فعل بناء مبالغة يريد بذلك الملائكة، فلذلك أعرب بالواو ~~والنون، وقيل يريد المواضع العلية لأنه علو فوق علو، فلما كان هذا الاسم ~~على هذا الوزن لا واحد له أشبه عشرين فأعرب بإعراب الجموع إذ أشبهها، وهذا ~~أيضا كقنسرين فإنك تقول طابت قنسرين ودخلت قنسرين، واختلف الناس في الموضع ~~المعروف، ب عليين ما هو؟ فقال قتادة: قائمة العرش اليمنى، وقال ابن عباس: ~~السماء السابعة تحت العرش، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الضحاك: هو عند سدرة المنتهى، وقال ابن عباس: عليون: الجنة، وقال ~~مكي: هو في السماء PageV05P452 # الرابعة، وقال الفراء عن بعض العلماء: في السماء الدنيا، والمعنى أن ~~كتابهم الذي فيه أعمالهم هنالك تهمما بها وترفيعا لها، وأعمال الفجار في ~~سجين في أسفل سافلين، لأنه روي عن أبي بن كعب وابن عباس: أن أعمالهم يصعد ~~بها إلى السماء فتأباها، ثم ترد إلى الأرض فتأباها أرض بعد أرض حتى ms3697 تستقر ~~في سجن تحت الأرض السابعة، وكتاب مرقوم في هذه الآية خبر إن والظرف ملغى، ~~والمقربون في هذه الآية: الملائكة المقربون عند الله تعالى أهل كل سماء، ~~قاله ابن عباس وغيره، والأرائك: جمع أريكة وهي السرر في الحجال، وينظرون ~~معناه إلى ما عندهم من النعيم، ويحتمل أن يريد ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ينظرون إلى أعدائهم في النار كيف يعذبون» ، ~~وقرأ جمهور الناس «تعرف» على مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح التاء ~~وكسر الراء، «نضرة» نصبا. وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وطلحة ويعقوب: ~~«تعرف» بضم التاء وفتح الراء، «نضرة» رفعا، وقرأ «يعرف» بالياء، لأن تأنيث ~~النضرة ليس بحقيقي والنضرة النعمة والرونق و «الرحيق» : # الخمر الصافية، ومنه قول حسان: [الكامل] # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # ومختوم، يحتمل أن يختم على كؤوسه التي يشرب بها تهمما وتنظيفا، والأظهر ~~أنه مختوم شرابه بالرائحة المسكية حسبما فسر قوله تعالى: ختامه مسك، واختلف ~~المتأولون في قوله: ختامه مسك فقال علقمة وابن مسعود معناه: خلطه ومزاجه، ~~فقال ابن عباس والحسن وابن جبير معناه: خاتمته أن يجد الرائحة عند خاتمته. ~~الشرب رائحة المسك، وقال أبو علي: المراد لذاذة المقطع وذكاء الرائحة مع ~~طيب الطعم، وكذلك قوله: كان مزاجها كافورا [الإنسان: 5] ، وقوله تعالى: ~~زنجبيلا [الإنسان: 17] أي يحذي اللسان، وقد قال ابن مقبل: [البسيط] # مما يفتق في الحانوت ناطقها ... بالفلفل الجوز والرمان مختوم # قال مجاهد معناه: طينه الذي يختم به مسك بدل الطين الذي في الدنيا، وهذا ~~إنما يكون في الكؤوس لأن خمر الآخرة ليست في دنان إنما هي في أنهار، وقرأ ~~الجمهور: «ختامه» ، وقرأ الكسائي وعلي بن أبي طالب والضحاك والنخعي: ~~«خاتمه» ، وهذه بينة المعنى: أنه يراد بها الطبع على الرحيق، وروي عنهم ~~أيضا كسر التاء، ثم حرض تعالى على الجنة بقوله: وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون، والتنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه، فكأن ~~نفسيهما يتباريان فيه، وقيل هو من قولك شيء نفسي، ms3698 فكان هذا يعظمه ثم يعظمه ~~الآخر ويستبقان إليه، و «المزاج» : الخلط، والضمير عائد على الرحيق، واختلف ~~الناس في تسنيم، فقال ابن عباس وابن مسعود: تسنيم أشرف شراب في الجنة وهو ~~اسم مذكر لماء عين في الجنة وهي عين يشربها المقربون صرفا. ويمزج رحيق ~~الأبرار بها، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح وغيرهم، وقال ~~مجاهد ما معناه: إن تسنيما مصدر من سنمت إذا عليت ومنه السنام، فكأنها عين ~~قد عليت على أهل الجنة فهي تنحدر، PageV05P453 # وذهب قوم إلى أن الأبرار و «المقربين» في هذه الآية لمعنى واحد، يقال: ~~لكل من نعم في الجنة، وذهب الجمهور من المتأولين إلى أن منزلة الأبرار دون ~~المقربين، وأن الأبرار: هم أصحاب اليمين وأن المقربين هم السابقون، وعينا ~~منصوب إما على المدح، وإما أن يعمل فيه تسنيم على رأي من رآه مصدرا، أو ~~ينتصب على الحال من تسنيم أو يسقون، قاله الأخفش وفيه بعد، وقوله تعالى: # يشرب بها معناه: يشربها كقول الشاعر [أبو ذؤيب الهذلي] : [الطويل] # شربن بماء البحر ثم تصعدت ... متى لجج خضر لهن نئيج # ثم ذكر تعالى أن الأمر الذي أجرموا بالكفر أي كسبوه كانوا في دنياهم ~~يضحكون من المؤمنين ويستخفون بهم ويتخذونهم هزؤا، وروي أن هذه الآية نزلت ~~في صناديد قريش وضعفة المؤمنين، وروي أنها نزلت بسبب أن علي بن أبي طالب ~~وجمعا معه مروا بجمع من كفار مكة، فضحكوا منهم واستخفوا بهم عبثا ونقصان ~~عقل، فنزلت الآية في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة المطففين (83) : الآيات 30 الى 36] # وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) ~~وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) ~~فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) # على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) # الضمير في مروا # للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفار، وأما الضمير في يتغامزون # فهو للكفار لا يحتمل غير ذلك، وكذلك في قوله: انقلبوا فاكهين معناه: ~~أصحاب فاكهة ومزج ونشاط وسرور باستخفافهم بالمؤمنين يقال: رجل فاكه كلابن ~~وتامر هكذا بألف، ms3699 وهي قراءة الجمهور، ويقال: رجل فكه من هذا المعنى. وقرأ ~~عاصم في رواية حفص: «فكهين» بغير ألف، وهي قراءة أبي جعفر وأبي رجاء والحسن ~~وعكرمة، وأما الضمير في: «رأوا» وفي قالوا: قال الطبري وغيره: هو للكفار، ~~والمعنى أنهم يرمون المؤمنين بالضلال، والكفار لم يرسلوا على المؤمنين حفظة ~~لهم، وقال بعض علماء التأويل: بل المعنى بالعكس، وإن معنى الآية: وإذا رأى ~~المؤمنون الكفار قالوا إنهم لضالون وهو الحق فيهم، ولكن ذلك يثير الكلام ~~بينهم، فكأن في الآية حضا على الموادعة، أي أن المؤمنين لم يرسلوا حافظين ~~على الكفار، وهذا كله منسوخ على هذا التأويل بآية السيف، ولما كانت الآيات ~~المتقدمة قد نطقت بيوم القيامة، وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول: ~~فاليوم على حكاية ما يقال يومئذ وما يكون، والذين رفع بالابتداء، وقوله ~~تعالى: على الأرائك ينظرون معناه: إلى عذابهم في النار، قال كعب: لأهل ~~الجنة كوى ينظرون منها، وقال غيره بينهم جسم عظيم شفاف يرون معه حالهم، وهل PageV05P454 # ثوب الكفار؟ تقرير وتوقيف لمحمد عليه السلام وأمته، ويحتمل أن يريد: ~~ينظرون هل ثوب، والمعنى هل جوزي، ويحتمل أن يكون المعنى يقول بعضهم لبعض، ~~وقرأ ابن محيصن وأبو عمرو وحمزة والكسائي: «هثوب» بإدغام اللام في الثاء، ~~قال سيبويه: وذلك حسن وإن كان دون إدغام في الراء لتقاربهما في المخرج، ~~وقرأ الباقون: «هل ثوب» لا يدغمون، وفي قوله تعالى: ما كانوا، حذف تقديره ~~جزاء ما كانوا أو عقاب ما كانوا يفعلون. # نجز تفسير سورة «المطففين» بحمد الله. PageV05P455 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الانشقاق # وهي مكية بلا خلاف بين المتأولين. # قوله عز وجل: ### || [سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ~~فيها وتخلت (4) # وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله ~~مسرورا (9) # وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا ~~(12) إنه كان ms3700 في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) # بلى إن ربه كان به بصيرا (15) # هذه أوصاف يوم القيامة، و «انشقاق السماء» : هو تفطيرها لهول يوم ~~القيامة، كما قال: وانشقت السماء فهي يومئذ واهية [الحاقة: 16] ، وقال ~~الفراء والزجاج وغيره: هو تشققها بالغمام، وقال قوم: # تشققها تفتيحها أبوابا لنزول الملائكة وصعودهم في هول يوم القيامة، وقرأ ~~أبو عمرو: «انشقت» يقف على التاء كأنه يشمها شيئا من الجر، وكذلك في ~~أخواتها، قال أبو حاتم: سمعت إعرابا فصيحا في بلاد قيس بكسر هذه التاءات، ~~وهي لغة، وأذنت معناه: استمتعت، وسمعت، أي أمره ونهيه، ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» ، ومنه قول ~~الشاعر [قعنب بن أم صاحب] : [البسيط] # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا # وقوله تعالى: وحقت، قال ابن عباس وابن جبير معناه: وحق لها أن تسمع ~~وتطيع، ويحتمل أن يريد: وحق لها أن تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى، و «مد ~~الأرض» : هو إزالة جبالها حتى لا يبقى فيها عوج ولا أمت فذلك مدها، وفي ~~الحديث: «إن الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة مد الأديم العكاظي» . # وألقت ما فيها: يريد الموتى قاله الجمهور، وقال الزجاج: ومن الكنوز، وهذا ~~ضعيف لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال، وإنما تلقي يوم القيامة الموتى، وتخلت ~~معناه: خلت عما كان فيها أي لم تتمسك منهم بشيء، وقوله تعالى: يا أيها ~~الإنسان مخاطبة للجنس، و «الكادح» : العامل بشدة وسرعة واجتهاد PageV05P456 # مؤثر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل وله ما يغنيه حاءت ~~مسألته خدوشا أو كدوحا في وجهه يوم القيامة» ، والمعنى أنك عامل خيرا أو ~~شرا وأنت لا محالة في ذلك سائر إلى ربك، لأن الزمن يطير بعمر الإنسان، ~~فإنما هو مدة عمره في سير حثيث إلى ربه، وهذه آية وعظ وتذكير، أي فكر على ~~حذر من هذه الحال واعمل عملا صالحا تجده، وقرأ طلحة: بإدغام كاف كادح ومن ~~هذه اللفظة قول الشاعر: ms3701 [الوافر] # وما الإنسان إلا ذو اغترار ... طوال الدهر يكدح في سفال # وقال قتادة: من استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، وقوله تعالى: ~~فملاقيه معناه: # فملاقي عذابه أو تنعيمه، واختلف النحاة في العامل: في إذا، فقال بعض ~~النحاة العامل: انشقت، وأبى ذلك كثير من أئمتهم، لأن إذا: مضافة إلى انشقت ~~ومن يجز ذلك تضعف عنده الإضافة، ويقوى معنى الجزاء، وقال آخرون منهم: ~~العامل فملاقيه، وقال بعض حذاقهم: العامل فعل مضمر، وكذلك اختلفوا في جواب ~~إذا، فقال كثير من النحاة: هو محذوف لعلم السامع به، وقال أبو العباس ~~المبرد والأخفش: هو في قوله: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه، إذا انشقت السماء، انشقت فأنت ملاقي الله، وقيل التقدير فيا أيها ~~الإنسان، وجواب إذا في الفاء المقدرة، وقال الفراء عن بعض النحاة: هو أذنت ~~على زيادة تقدير الواو، وأما الضمير فملاقيه، فقال جمهور المتأولين هو عائد ~~على الرب، فالفاء على هذا عاطفة ملاق على كادح، وقال بعض الناس: هو عائد ~~على الكدح، فالفاء على هذا عاطفة جملة على التي قبلها، والتقدير فأنت ~~ملاقيه، والمعنى ملاقي جزائه خيرا كان أو شرا، ثم قسم تعالى الناس إلى: ~~المؤمن والكافر، فالمؤمنون يعطون كتبهم بأيمانهم ومن ينفذ عليه الوعيد من ~~عصاتهم فإنه يعطى كتابه عند خروجه والنار، وقد جوز قوم أن يعطاه أولا قبل ~~دخوله النار، وهذه الآية ترد على هذا القول، و «الحساب اليسير» : هو العرض: ~~وأما من نوقش الحساب، فإنه يهلك ويعذب، كذلك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعائشة رضي الله عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «من حوسب عذب» فقالت عائشة: ألم يقل الله فسوف يحاسب حسابا يسيرا الآية، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك العرض، وأما من نوقش الحساب ~~فيهلك» وفي الحديث من طريق ابن عمر: «إن الله تعالى يدني العبد حتى يضع ~~عليه كنفه، فيقول: ألم أفعل بك كذا وكذا يعدد عليه نعمه ثم يقول له: فلم ~~فعلت ms3702 كذا وكذا لمعاصيه، فيقف العبد حزينا فيقول الله تعالى: سترتها عليك في ~~الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» ، وقالت عائشة: سمعت رسول النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا» . قلت يا رسول الله وما هو؟ ~~فقال: «أن يتجاوز عن السيئات» ، وروي عن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من حاسب نفسه في الدنيا، هون الله تعالى حسابه يوم القيامة» ، وقوله ~~تعالى: إلى أهله أي الذين أعد الله له في الجنة، إما من نساء الدنيا، وإما ~~من الحور العين وإما من الجميع، والكافر يؤتى كتابه من ورائه لأن يديه ~~مغلولتان، وروي أن يده تدخل من صدره حتى تخرج من وراء ظهره، فيأخذ كتابه ~~بها، ويقال إن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان أبو ~~سلمة من أفضل المؤمنين، وأخوه من عتاة الكافرين، ويدعوا ثبورا معناه: يصيح ~~منتحبا، وا ثبوراه، وا خزياه، ونحو هذا مما معناه: # هذا وقتك، وزمانك أي احضرني، والثبور، اسم جامع للمكاره كالويل، وقرأ ابن ~~كثير ونافع، وابن عامر PageV05P457 # والكسائي والحسن وعمر بن عبد العزيز والجحدري وأبو السناء والأعرج: ~~«ويصلى» بشد اللام وضم الياء على المبالغة، وقرأ نافع أيضا وعاصم في رواية ~~أبان: بضم الياء وتخفيف اللام، وهي قراء أبي الأشهب وعيسى وهارون عن أبي ~~عمرو، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وقتادة وعيسى وطلحة والأعمش: # بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل، وفي مصحف ابن مسعود: «وسيصلى» ، وقوله ~~تعالى: في أهله، يريد في الدنيا أي تملكه ذلك لا يدري إلا السرور بأهله دون ~~معرفة الله والمؤمن إن سر بأهله لا حرج عليه، وقوله تعالى: إنه ظن أن لن ~~يحور، معناه: لن يرجع إلى الله تعالى مبعوثا محشورا، قال ابن عباس: # لم أعلم ما معنى يحور، حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حوري، أي ارجعي، ~~والظن هنا على بابه، وأن وما بعدها تسد مسد مفعولي ظن وهي أن المخففة من ~~الثقيلة، والحور: الرجوع على الأدراج، ومنه: اللهم إني أعوذ بك من الحور ms3703 ~~بعد الكور. ثم رد تعالى على ظن هذا الكافر بقوله: # بلى، أي يحور ويرجع، ثم أعلمهم أن الله تعالى لم يزل بصيرا بهم لا تخفى ~~عليه أفعال أحد منهم، وفي هذا وعيد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الانشقاق (84) : الآيات 16 الى 25] # فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن ~~طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) # وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله ~~أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) # «لا» زائدة، والتقدير فأقسم، وقيل: «لا» راد على أقوال الكفار وابتداء ~~القول أقسم، وقسم الله تعالى بمخلوقاته هو على جهة التشريف لها، وتعريضها ~~للعبرة، إذ القسم بها منبه منها، و «الشفق» : # الحمرة التي تعقب غيبوبة الشمس مع البياض التابع لها في الأغلب، وقيل ~~«الشفق» هنا النهار كله قاله مجاهد، وهذا قول ضعيف، وقال أبو هريرة وعمر بن ~~عبد العزيز: «الشفق» : البياض الذي تتلوه الحمرة، ووسق: معناه جمع وضم، ~~ومنه الوسق أي الأصوع المجموعة، والليل يسق الحيوان جملة أي يجمعها في نفسه ~~ويضمها، وكذلك جميع المخلوقات التي في أرض والهواء من البحار والجبال ~~والرياح وغير ذلك، و «اتساق القمر» : كماله وتمامه بدرا، فالمعنى امتلأ من ~~النور، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وابن عباس وعمر بخلاف عنهما، ~~وأبو جعفر والحسن والأعمش وقتادة وابن جبير: «لتركبن» بضم الباء على مخاطبة ~~الناس، والمعنى «لتركبن» الشدائد: الموت والبعث والحساب حالا بعد حال أو ~~تكون من النطفة إلى الهرم كما تقول طبقة بعد طبقة وعن تجيء في معنى بعد كما ~~يقال: ورث المجد كابرا عن كابر وقيل المعنى «لتركبن» هذه الأحوال أمة بعد ~~أمة، ومنه قول العباس بن عبد المطلب عن النبي عليه السلام: PageV05P458 # وأنت لما بعثت أشرقت الأ ... رض وضاءت بنورك الطرق # تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى علم بدا طبق # أي قرن من الناس لأنه طبق الأرض، وقال الأقرع بن حابس: [البسيط] # إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ms3704 ... وساقني طبق منه إلى طبق # أي حال بعد حال، وقيل المعنى: «لتركبن» الآخرة بعد الأولى، وقرأ عمر بن ~~الخطاب أيضا: # «ليركبن» على أنهم غيب، والمعنى على نحو ما تقدم، وقال أبو عبيدة ومكحول: ~~المعنى «لتركبن» سنن من قبلكم. # قال القاضي أبو محمد: كما جاء في الحديث: شبرا بشبر، وذراعا بذراع، فهذا ~~هو طبق عن طبق، ويلتئم هذا المعنى مع هذه القراءة التي ذكرنا عن عمر بن ~~الخطاب، ويحسن مع القراءة الأولى، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعمرو بن ~~مسعود ومجاهد والأسود وابن جبير ومسروق والشعبي وأبو العالية وابن وثاب ~~وعيسى: «لتركبن» ، بفتح الباء على معنى: أنت يا محمد، وقيل المعنى: حال بعد ~~حال من معالجة الكفار، وقال ابن عباس المعنى: سماء بعد سماء في الإسراء، ~~وقيل هي عدة بالنصر، أي «لتركبن» العرب قبيلا بعد قبيل، وفتحا بعد فتح كما ~~كان ووجد بعد ذلك، قال ابن مسعود: المعنى: «لتركبن» السماء في أهوال ~~القيامة، حالا بعد حال تكون كالمهل وكالدهان وتتفطر وتتشقق، فالسماء هي ~~الفاعلة، وقرأ ابن عباس أيضا وعمر رضي الله عنهما: «ليركبن» بالياء على ذكر ~~الغائب، فإما أن يراد محمد صلى الله عليه وسلم على المعاني المتقدمة، وقاله ~~ابن عباس يعني: نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإما ما قال الناس في كتاب ~~النقاش من أن المراد: القمر، لأنه يتغير أحوالا من سرار واستهلال وإبدار، ~~ثم وقف تعالى نبيه، والمراد أولئك الكفار بقوله: فما لهم لا يؤمنون، أي من ~~حجتهم مع هذه البراهين الساطعة، وقرأ الجمهور: «يكذبون» بضم الياء وشد ~~الذال، وقرأ الضحاك: بفتح الباء وتخفيف الذال وإسكان الكاف، ويوعون معناه: ~~يجمعون من الأعمال والتكذيب والكفر، كأنهم يجعلونها في أوعية، تقول: وعيت ~~العلم وأوعيت المتاع، وجعل البشارة في العذاب لما صرح له، وإذا جاءت مطلقة، ~~فإنما هي من الخبر، ثم استثنى تعالى من كفار قريش القوم الذين كان سبق لهم ~~الإيمان في قضائه، وممنون معناه: مقطوع من قولهم: حبل منين أي مقطوع، ومنه ~~قول الحارث بن حلزة اليشكري: [الخفيف] # فترى خلفهن ms3705 من شدة الرجع ... منينا كأنني أهباء # يريد غبارا متقطعا، وقال ابن عباس: ممنون، بمعنى: معدود عليهم محسوب منغص ~~بالمن. PageV05P459 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البروج # وهي مكية بإجماع من المتأولين لا خلاف في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب ~~الأخدود (4) # النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) # اختلف الناس في البروج، فقال الضحاك وقتادة: هي القصور، ومنه قول الأخطل: ~~[البسيط] # كأنها برج رومي يشيده ... لز بجص وآجر وأحجار # وقال ابن عباس: البروج النجوم، لأنها تتبرج بنورها، والتبرج: التظاهر ~~والتبدي، وقال الجمهور وابن عباس أيضا: البروج هي المنازل التي عرفتها ~~العرب وهي اثنا عشر على ما قسمته العرب وهي التي تقطعها الشمس في سنة، ~~والقمر في ثمانية وعشرين يوما، وقال قتادة معناه: ذات الرمل، والسماء يريد ~~أنها مبنية في السماء، وهذا قول ضعيف، واليوم الموعود هو يوم القيامة ~~باتفاق، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: الموعود به، وقوله: ~~ومشهود، معناه: عليه أو له أو فيه، وهذا يترتب بحسب الحساب في تعيين المراد ~~ب «شاهد ومشاهد» ، فقد اختلف الناس في المشار إليه بهما فقال ابن عباس: ~~الشاهد الله تعالى، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن عباس والحسن بن علي ~~وعكرمة: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، قال الله ~~تعالى: إنا أرسلناك شاهدا [الأحزاب: 45، الفتح: 8] ، وقال في يوم القيامة ~~وذلك يوم مشهود [هود: 103] ، وقال مجاهد وعكرمة أيضا: الشاهد آدم وجميع ~~ذريته، والمشهود يوم القيامة، ف شاهد اسم جنس على هذا، وقال بعض من بسط قول ~~مجاهد وعكرمة: شاهد أراد به رجل مفرد أو نسمة من النسم، ففي هذا تذكير ~~بحقارة المسكين ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، وقال الحسن بن أبي الحسن ~~وابن عباس أيضا: الشاهد يوم عرفة، ويوم ms3706 الجمعة، والمشهود يوم القيامة، وقال ~~ابن عباس وعلي وأبو هريرة والحسن وابن المسيب وقتادة: شاهد يوم الجمعة، ~~ومشهود يوم عرفة، وقال ابن عمر: شاهد يوم الجمعة، ومشهود يوم النحر، وقال ~~جابر: شاهد يوم الجمعة، ومشهود الناس، وقال محمد بن كعب: PageV05P460 # الشاهد أنت يا ابن آدم، والمشهود الله تعالى، وقال ابن جبير بالعكس، ~~وتلا: وكفى بالله شهيدا [النساء: 79- 166، الفتح: 28] ، وقال أبو مالك: ~~الشاهد عيسى، والمشهود أمته، قال الله تعالى: # وكنت عليهم شهيدا [المائدة: 117] قال ابن المسيب: شاهد يوم التروية، ~~ومشهود يوم عرفة، وقال بعض الناس في كتاب النقاش: الشاهد يوم الاثنين ~~والمشهود يوم الجمعة، وذكره الثعلبي، وقال علي بن أبي طالب: الشاهد يوم ~~عرفة، والمشهود يوم النحر، وعنه أيضا: شاهد يوم القيامة ومشهود يوم عرفة. ~~وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: شاهد يوم الجمعة ومشهود يوم ~~عرفة. قاله علي وأبو هريرة والحسن، وقال إبراهيم النخعي: الشاهد يوم الأضحى ~~والمشهود يوم عرفة. # قال القاضي أبو محمد: ووصف هذه الأيام ب شاهد لأنها تشهد لحاضريها ~~بالأعمال، والمشهود فيما مضى من الأقوال بمعنى المشاهد بفتح الهاء وقال ~~الترمذي: الشاهد الملائكة الحفظة، والمشهود عليهم الناس، وقال عبد العزيز ~~بن يحيى عند الثعلبي: الشاهد محمد، والمشهود عليهم أمته نحو قوله تعالى: ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] أي شاهدا، قال: الشاهد الأنبياء: ~~والمشهود عليهم أممهم، وقال الحسن بن الفضل: الشاهد أمة محمد، والمشهود ~~عليهم قوم نوح، وسائر الأمم حسب الحديث المقصود في ذلك، وقال ابن جبير ~~أيضا: الشاهد، الجوارح التي تنطق يوم القيامة فتشهد على أصحابها، والمشهود ~~عليهم أصحابها، وقال بعض العلماء: الشاهد الملائكة المتعاقبون في الأمة، ~~والمشهود قرآن الفجر، وتفسيره قول الله تعالى: إن قرآن الفجر كان مشهودا ~~[الإسراء: 87] . وقال بعض العلماء: الشاهد، النجم، والمشهود عليه الليل ~~والنهار، أي يشهد النجم بإقبال هذا وتمام هذا، ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم، وقال بعض العلماء: الشاهد الله ~~تعالى والملائكة وأولو العلم، والمشهود به الوحدانية وأن الدين عند ms3707 الله ~~الإسلام، وقيل الشاهد: مخلوقات الله تعالى، والمشهود به وحدانيته، وأنشد ~~الثعلبي في هذا المعنى قول الشاعر [أبو العتاهية] : [المتقارب] # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد # وقيل المعنى: فعل الله بهم ذلك لأنهم أهل له، فهو على جهة الدعاء بحسب ~~البشر، لا أن الله يدعو على أحد، وقيل عن ابن عباس معناه: لعن، وهذا تفسير ~~بالمعنى، وقيل هو إخبار بأن النار قتلتهم، قاله الربيع بن أنس، وسيأتي ~~بيانه، واختلف الناس في أصحاب الأخدود، فقيل: هو قوم كانوا على دين كان لهم ~~ملك فزنى بأخته، ثم حمله بعض نسائه على أن يسن في الناس نكاح البنات ~~والأخوات، فحمل الناس على ذلك فأطاعه كثير وعصته فرقة فخذ لهم أخاديد، وهي ~~حفائر طويلة كالخنادق، وأضرم لهم نارا وطرحهم فيها، ثم استمرت المجوسية في ~~مطيعيه، وقال علي بن أبي طالب: الأخدود، ملك حمير، كان بمزارع من اليمن، ~~اقتتل هو والكفار مع المؤمنين، ثم غلب في آخر الأمر فحرقهم على دينهم إذ ~~أبوا دينه، وفيهم كانت المرأة ذات الطفل التي تلكأت، فقال لها الطفل: امضي ~~في النار فإنك على الحق، وحكى النقاش عن علي رضي الله عنه، أن نبي أصحاب ~~الأخدود كان حبشيا، وأن الحبشة بقية PageV05P461 # أصحاب الأخدود، وقيل: أصحاب الأخدود ذو نواس في قصة عبد الله بن التامر ~~التي وقعت في السير، وقيل: كان أصحاب الأخدود في بني إسرائيل. # قال القاضي أبو محمد: ورأيت في بعض الكتب أن أصحاب الأخدود هو محرق وآله ~~الذي حرق من بني تميم المائة، ويعترض هذا القول بقوله تعالى: وهم على ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود، فينفصل عن هذا الاعتراض بأن هذا الكلام من قصة ~~أصحاب الأخدود، وأن المراد بقوله: وهم قريش الذين كانوا يفتنون المؤمنين ~~والمؤمنات، واختلف الناس في جواب القسم، فقال بعض النحاة: هو محذوف لعلم ~~السامع به، وقال آخرون: هو في قوله تعالى: قتل، والتقدير لقتل، وقال قتادة: ~~هو في قوله: إن بطش ربك لشديد [البروج: 12] . وقال آخرون: هو في قوله: إن ~~الذين فتنوا ms3708 المؤمنين [البروج: 10] . وقوله تعالى: النار، بدل من الأخدود، ~~وهو بدل اشتمال، وهي قراءة الجمهور: # «النار» بخفض الراء، وقرأ قوم «النار ذات» بالرفع على معنى: قتلهم النار، ~~و «الوقود» بالضم مصدر من وقدت النار إذا اضطرمت، و «الوقود» : بفتح الواو، ~~ما توقد به، وقرأ الجمهور: بفتح الواو، وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة: ~~بضمها، وكان من قصة هؤلاء أن الكفار قعدوا وضم المؤمنون، وعرض عليهم الكفر، ~~فمن أبي رمي في أخدود النار فاحترق، فروي أنه أحرق عشرين ألفا، وقال الربيع ~~بن أنس وأصحابه وابن إسحاق وأبو العالية: بعث الله تعالى على المؤمنين ريحا ~~فقبضت أرواحهم أو نحو هذا، وخرجت النار فأحرقت الكافرين الذين كانوا على ~~جانبي الأخدود، وعلى هذا يجيء قتل خبر الادعاء، وقال قتادة: # إذ هم عليها قعود، يعني المؤمنين، ونقموا معناه: اعتدوا، وقرأ جمهور ~~الناس: «نقموا» ، بفتح القاف، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: «نقموا» بكسر ~~القاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة البروج (85) : الآيات 10 الى 16] # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد ~~(13) وهو الغفور الودود (14) # ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) # فتنوا معناه: أحرقوا، وفتنت الذهب والفضة في النار أحرقتهما، والفتين ~~حجارة الحرة السود لأن الشمس كأنها أحرقتها، ومن قال إن هذه الآيات الأواخر ~~في قريش جعل الفتنة الامتحان والتعذيب، ويقوي هذا التأويل بعض التقوية قوله ~~تعالى: ثم لم يتوبوا لأن هذا اللفظ في قريش أحكم منه في أولئك الذين قد علم ~~أنهم ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان فيهم وقت نزول الآية من تاب بعد ذلك ~~وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، و «جهنم» و «الحريق» طبقتان من النار، ومن ~~قال إن النار خرجت وأحرقت الكافرين القعود، جعل «الحريق» في الدنيا، و ~~«البطش» : الأخذ بقوة وشرعة، ويبدئ ويعيد، قال الضحاك وابن زيد معناه: يبدئ ~~الخلق بالإنشاء ويعيد بالحشر، ms3709 وقال ابن عباس ما معناه: إن ذلك عام في جميع ~~الأشياء، فهي عبارة عن أنه يفعل كل شيء إنه يبدئ ويعيد كلما ينعاد، وهذان ~~قسمان PageV05P462 # مستوفيان جميع الأشياء، وقال الطبري معناه: يبدئ العذاب، ويعيده على ~~الكفار، والغفور الودود صفتا فعل، الأولى ستر على عباده، والثانية لطف بهم ~~وإحسان إليهم، وخصص «العرش» بإضافة نفسه إليه تشريفا، وتنبيها على أنه أعظم ~~المخلوقات، وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم والحسن وابن وثاب والأعمش ~~وعمرو بن عبيد: «المجيد» بخفض الدال صفة للعرش، وهذا على أن المجد والتمجيد ~~قد يوصف به كثير من الجمادات، وقد قالوا مجدت الدابة إذا سمنت، وأمجدتها ~~إذا أحسنت علفها، وقالوا: # في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار: كثرت نارهما، وقرأ الباقون ~~والجمهور: «ذو العرش» ، وروى ابن عباس: «ذي العرش» ، نعتا لقوله إن بطش ~~ربك. # قوله عز وجل: ### || [سورة البروج (85) : الآيات 17 الى 22] # هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) ~~والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) # في لوح محفوظ (22) # هذا توقيف للنبي صلى الله عليه وسلم وتقرير بمعنى: لجعل هؤلاء الكفرة ~~الذين يخالفونك وراء ظهرك ولا تهتم بهم، فقد انتقم الله من أولئك الأقوياء ~~الشداد، فكيف هؤلاء و «الجنود» الجموع المعدة للقتال، والجري نحو غرض واحد، ~~وناب فرعون في الذكر مناب قومه وآله، إذ كان رأسهم، وفرعون وثمود في موضع ~~حفض على البدل من الجنود، ثم ترك القول بحاله، وأضرب عنه إلى الإخبار بأن ~~هؤلاء الكفار بمحمد عليه السلام وشرعه، لا حجة لهم عليه ولا برهان بل هو ~~تكذيب مجرد سببه الحسد، ثم توعدهم بقوله: والله من ورائهم محيط، أي وعذاب ~~الله ونقمته، وقوله: من ورائهم، معناه: ما يأتي بعد كفرهم وعصيانهم، ثم ~~أعرض عن تكذيبهم مبطلا له وردا عليه، أنه: قرآن مجيد أي مذمة فيه، وهذا مما ~~تقدم من وصف الله تعالى بالمجد والتمجد، وقرأ ابن السميفع اليماني «قرآن ~~مجيد» على الإضافة، وأن يكون الله تعالى، هو المجيد، و «اللوح» : هو اللوح ~~المحفوظ الذي ms3710 فيه جميع الأشياء، وقرأ خفض القراء: «في لوح محفوظ» بالخفض ~~صفة ل لوح المشهور بهذه الصفة، وقرأ نافع وحده بخلاف عنه وابن محيصن ~~والأعرج: «محفوظ» بالرفع صفة القرآن على نحو قوله تعالى: # وإنا له لحافظون [الحجر: 9] ، أي هو محفوظ في القلوب، لا يدركه الخطأ ~~والتعديل، وقال أنس: إن اللوح المحفوظ هو في جبهة إسرافيل، وقيل: هو من درة ~~بيضاء قاله ابن عباس، وهذا كله مما قصرت به الأسانيد، وقرأ ابن السميفع: ~~«في لوح» بضم اللام. # نجز تفسير سورة البروج والحمد لله رب العالمين. PageV05P463 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطارق # وهي مكية لا خلاف بين المفسرين في ذلك. # قوله عز وجل: ### || سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس ~~لما عليها حافظ (4) # فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) # فما له من قوة ولا ناصر (10) # أقسم الله تعالى ب السماء المعروفة في قول جمهور المتأولين، وقال قوم: ~~السماء هنا، المطر، والعرب تسميه سماء، لما كان من السماء، وتسمي السحاب ~~سماء، ومن ذلك قول الشاعر [جرير] : [الوافر] # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # وقول النابغة: [الكامل] كالأقحوان غداة غب سمائه والطارق الذي يأتي ليلا، ~~وهو اسم جنس لكل ما يظهر ويأتي ليلا، ومنه نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الناس من أسفارهم أن يأتي الرجل أهله طروقا، ومنه طروق الخيال، وقال ~~الشاعر: # [البسيط] # يا نائم الليل مغترا بأوله ... إن الحوادث قد تطرقن أسحارا # ثم بين الله تعالى الجنس المذكور بأنه النجم الثاقب، وقيل بل معنى الآية: ~~والسماء وجميع ما يطرق فيها من الأمور والمخلوقات، ثم ذكر تعالى بعد ذلك ~~على جهة التنبيه أجل الطارقات قدرا وهو النجم الثاقب، فكأنه قال: وما أدراك ~~ما الطارق، وحق الطارق، واختلف المتأولون في النجم الثاقب، فقال الحسن بن ~~أبي الحسن ما معناه: إنه اسم للجنس، لأنها كلها ms3711 ثاقبة، أي ظاهرة الضوء، ~~يقال ثقب النجم إذا أضاء، وثقبت النار، كذلك، وثقبت الرائحة إذا سطعت، ~~ويقال للموقد اثقب نارك، أي أضئها، وقال ابن زيد: أراد نجما مخصوصا: وهو ~~زحل، ووصفه بالثقوب، لأنه مبرز على الكواكب في PageV05P464 # ذلك، وقال ابن عباس: أراد الجدي، وقال بعض هؤلاء يقال: ثقب النجم، إذا ~~ارتفع فإنما وصف زحلا بالثقوب لأنه أرفع الكواكب مكانا. وقال ابن زيد ~~وغيره: النجم الثاقب: الثريا، وهو الذي يطلق عليه اسم النجم معرفا، وجواب ~~القسم في قوله: إن كل نفس الآية، وقرأ جمهور الناس: «لما» ، مخففة الميم، ~~قال الحذاق من النحويين وهم البصريون: مخففة من الثقيلة، واللام: لام ~~التأكيد الداخلة على الخبر، وقال الكوفيون: إن، بمعنى: ما النافية، واللام ~~بمعنى: إلا، فالتقدير ما كان نفس إلا عليها حافظ، وقرأ عاصم وابن عامر ~~وحمزة والكسائي والحسن والأعرج وأبو عمرو ونافع بخلاف عنهما وقتادة: # «لما» بتشديد الميم، وقال أبو الحسن الأخفش: «لما» بمعنى: إلا، لغة ~~مشهورة في هذيل وغيرهم، يقال: # أقسمت عليك لما فعلت كذا، أي إلا فعلت كذا، ومعنى هذه الآية فيما قال ~~قتادة وابن سيرين وغيرهما: إن كل نفس مكلفة فعليها حافظ يحصي أعمالها ~~ويعدها للجزاء عليها، وبهذا الوجه تدخل الآية في الوعيد الزاجر، وقال ~~الفراء، المعنى: عليها حافظ يحفظها حتى يسلمها إلى القدر، وهذا قول فاسد ~~المعنى لأن مدة الحفظ إنما هي بقدر، وقال أبو أمامة: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تفسير هذه الآية إن لكل نفس حفظة من الله تعالى يذبون عنها ~~كما يذب عن العسل، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الطير ~~والشياطين، وقوله تعالى: فلينظر الإنسان مم خلق، توقيف لمنكري البعث على ~~أصل الخلقة، أي أن البعث جائز ممكن، ثم بادر اللفظ إلى الجواب اقتضابا ~~وإسراعا إلى إقامة الحجة، إذ لا جواب لأحد إلا هذا، ودافق، قال كثير: هو ~~بمعنى: مدفوق، وقال الخليل وسيبويه: هو على النسب أي ذي دفق، والدفق: دفق ~~الماء بعضه إلى بعض، تدفق الوادي والسيل، إذا جاء يركب ms3712 بعضه بعضا، ويصح أن ~~يكون الماء دافقا، لأن بعضه يدفع بعضا، فمنه دافق ومنه مدفوق. وقوله تعالى: ~~يخرج من بين الصلب والترائب، قال قتادة والحسن وغيره: معناه من بين صلب كل ~~واحد من الرجل والمرأة وترائبه، وقال سفيان وقتادة أيضا وجماعة: من بين صلب ~~الرجل وترائب المرأة، والضمير في يخرج يحتمل أن يكون للإنسان، ويحتمل أن ~~يكون للماء، وقرأ الجمهور: «الصلب» ، وقرأ أهل مكة وعيسى: # «الصلب» بضم اللام على الجميع، والتريبة من الإنسان: ما بين الترقوة إلى ~~الثدي، وقال أبو عبيدة: معلق الحلي على الصدر، وجمع ذلك: ترائب ومنه قول ~~الشاعر [المثقب العبدي] : [الوافر] # ومن ذهب يسن على تريب ... كلون العاج ليس بذي غضون # وقال امرؤ القيس: [الطويل] ترائبها مصقولة كالسجنجل فجمع التريبة وما ~~حولها فجعل ذلك ترائب، وقال مكي عن ابن عباس: إن الترب أطراف المرء ورجلاه ~~ويداه وعيناه، وقال معمر: الترائب، جمع تريبة، وهي عصارة القلب، ومنها يكون ~~الولد، وفي هذه الأقوال تحكم على اللغة، وقال ابن عباس: الترائب موضع ~~القلادة، وقال أيضا: هي ما بين ثدي المرأة، وقال ابن جبير: هي أضلاع الرجل ~~التي أسفل الصلب، وقال مجاهد: هي الصدر، وقال هي التراقي، وقيل هي ما بين ~~المنكبين والصدر. PageV05P465 # وقوله تعالى: إنه على رجعه لقادر الضمير في إنه لله تعالى، واختلف ~~المفسرون في الضمير في رجعه، فقال قتادة وابن عباس: هو على الإنسان أي على ~~رده حيا بعد موته، وقال الضحاك: # هو عائد على الإنسان لكن المعنى يرجعه ماء كما كان أولا، وقال الضحاك ~~أيضا: يرد من الكبر إلى الشباب، وقال عكرمة ومجاهد: هو عائد على الماء، أي ~~يرده في الإحليل، وقيل في الصلب، والعامل في يوم على هذين القولين الأخيرين ~~فعل مضمر تقديره اذكر يوم تبلى السرائر، وعلى القول الأول، وهو أظهر ~~الأقوال وأبينها، اختلفوا في العامل في يوم، فقيل: العامل ناصر من قوله ~~تعالى: ولا ناصر، وقيل العامل الرجع في قوله تعالى: على رجعه، قالوا وفي ~~المصدر من القوة بحيث يعمل وإن حال خبر ان ms3713 بينه وبين معموله، وقال الحذاق ~~العامل فعل مضمر تقديره: إنه على رجعه لقادر، فرجعه يوم تبلى السرائر، وكل ~~هذه الفرق فسرت من أن يكون العامل «قادر» ، لأن ذلك يظهر منه تخصيص القدرة ~~في ذلك اليوم وحده، وإذا تؤمل المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب، جاز أن ~~يكون العامل «قادر» ، وذلك أنه قال: إنه على رجعه لقادر، أي على الإطلاق ~~أولا وآخرا وفي كل وقت، ثم ذكر تعالى وخصص من الأوقات الوقت الأهم على ~~الكفار لأنه وقت الجزاء والوصل إلى العذاب ليجتمع الناس إلى حذره والخوف ~~منه، وتبلى السرائر معناه: تختبر وتكشف بواطنها، وروى أبو الدرداء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أن السرائر التي يبتليها الله تعالى من العباد: ~~التوحيد والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة. # قال القاضي أبو محمد: هذه عظم الأمر، وقال قتادة: الوجه في الآية، العموم ~~في جميع السرائر، وليس يمتنع في الدنيا من المكاره إلا بأحد الوجهين: إما ~~بقوة في ذات الإنسان، وإما بناصر خارج عن ذاته، فأخبره الله تعالى عن ~~الإنسان أنه يعدمها يوم القيامة، فلا يعصمه من أمر الله شيء. # قوله عز وجل: ### || [سورة الطارق (86) : الآيات 11 الى 17] # والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو ~~بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) # وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) # السماء في هذا القسم يحتمل أن تكون المعروفة، ويحتمل أن تكون السحاب، ~~والرجع المطر وماؤه، ومنه قول الهذلي: [السريع] # أبيض كالرجع رسوب إذا ... ما شاخ من محتفل يختلي # وقال ابن عباس: الرجع، السحاب فيه المطر، قال الحسن: لأنه يرجع بالرزق كل ~~عام، قال غيره لأنه يرجع إلى الأرض، وقال ابن زيد: الرجع مصدر رجوع الشمس ~~والقمر والكواكب من حال إلى حال، ومنه منزلة تذهب وترجع، والصدع: النبات، ~~لأن الأرض تتصدع عنه، وهذا قول من قال: إن الرجع المطر، وقال مجاهد: الصدع: ~~ما في الأرض من شعاب ولصاب وخندق وتشقق PageV05P466 # بحرث وغيره، وهي أمور فيها معتبر، وهذا قول يناسب القول الثاني في الرجع، ~~والضمير في إنه للقرآن ms3714 ولم يتقدم له ذكر، من حيث القول في جزء منه والحال ~~تقتضيه، وفصل: معناه جزم فصل الحقائق من الأباطيل، و «الهزل» : اللعب ~~الباطل، ثم أخبر تعالى عن قريش إنهم يكيدون في أفعالهم وأقوالهم وتمرسهم ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وتدبرهم رد أمره، ثم قوى ذلك بالمصدر وأكده ~~وأخبر عن أنه يفعل بهم عقابا سماه كيدا على العرف في تسمية العقوبة باسم ~~الذنب، ثم ظهر من قوله تعالى: # فمهل الكافرين أن عقابه لهم الذي سماه: كيدا، متأخر حتى ظهر ببدر وغيره، ~~وقرأ جمهور الناس: # «أمهلهم» ، وقرأ ابن عباس: «مهلهم» ، وفي هذه الآية موادعة نسختها آية ~~السيف، وقوله تعالى: رويدا معناه: قليلا، قاله قتادة، وهذه حال هذه اللفظة ~~إذا تقدمها شيء تصفه كقولك سر رويدا وتقدمها فعل يعمل فيها كهذه الآية، ~~وأما إذا ابتدأت بها فقلت: رويدا يا فلان، فهي بمعنى الأمر بالتماهل يجري ~~مجرى قولهم: صبرا يا زيد، وقليلا يا عمرو. PageV05P467 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأعلى # وهي مكية في قول الجمهور، وحكى النقاش عن الضحاك أنها مدنية، وذلك ضعيف، ~~وإنما دعا إليه قول من قال: إن ذكر صلاة العيد فيها. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 13] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج ~~المرعى (4) # فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) # سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيى (13) # سبح في هذه الآية، بمعنى نزه وقدس وقل سبحانه عن النقائص والغير جمعا وما ~~يقول المشركون، والاسم الذي هو: ألف، سين، ميم، يأتي في مواضع من الكلام ~~الفصيح يراد به المسمى، ويأتي في مواضع يراد به التسمية نحو قوله عليه ~~السلام: «إن لله تسعة وتسعين اسما» وغير ذلك، ومتى أريد به المسمى فإنما هو ~~صلة كالزائد كأنه قال في هذه الآية: سبح ربك، أي نزهه، وإذا كان الاسم ms3715 ~~واحدا من الأسماء كزيد وعمرو، فيجيء في الكلام على ما قلت، تقول زيد قائد ~~تريد المسمى، وتقول: # زيد ثلاثة أحرف تريد به التسمية، وهذه الآية تحتمل هذا الوجه الأول، ~~وتحتمل أن يراد بالاسم التسمية نفسها على معنى نزه اسم ربك عن أن يسمى به ~~صنم أو وثن، فيقال له إله ورب ونحو ذلك، والأعلى يصح أن يكون صفة للاسم، ~~ويحتمل أن يكون صفة للرب، وذكر الطبري أن ابن عمر وعليا قرآ هذه السورة: ~~«سبحان ربي الأعلى» قال وهي في مصحف أبي بن كعب كذلك، وهي قراءة أبي موسى ~~الأشعري وابن الزبير ومالك بن أبي دينار، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: # «سبحان ربي الأعلى» ، وكان ابن مسعود وابن عامر وابن الزبير يفعلون ذلك، ~~ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم» ، ~~وقال قوم: معنى سبح اسم ربك نزه اسم ربك تعالى عن أن تذكره إلا وأنت خاشع، ~~وقال ابن عباس معنى الآية: صل باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم الله، ~~وحذف حرف الجر، و «سوى» ، معناه عدل وأتقن حتى صارت الأمور مستوية دالة على ~~قدرته ووحدانيته، وقرأ جمهور القراء «قدر» بشد الدال فيحتمل أن يكون من ~~القدر والقضاء، ويحتمل أن يكون PageV05P468 # من التقدير والموازنة، وقوله تعالى: فهدى عام لوجوه الهدايات فقال ~~الفراء: معناه هدى وأضل، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى، وقال مقاتل ~~والكلبي: هدى الحيوان إلى وطء الذكور الإناث، وقيل هدى المولود عند وضعه ~~إلى مص الثدي، وقال مجاهد: هدى الناس للخير والشر، والبهائم للمراتع.. # قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال مثالات، والعموم في الآية أصوب في كل ~~تقدير وفي كل هداية، والمرعى: النبات، وهو أصل في قيام المعاش إذ هو غذاء ~~الأنعام ومنه ما ينتفع به الناس في ذواتهم، و «الغثاء» ما يبس وجف وتحطم من ~~النبات، وهو الذي يحمله السيل، وبه يشبه الناس الذين لا قدر لهم. و ~~«الأحوى» : قيل هو الأخضر الذي ms3716 عليه سواد من شدة الخضرة والغضارة، وقيل هو ~~الأسود سوادا يضرب إلى الخضرة ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب # قال قتادة: تقدير هذه الآية أخرج المرعى، أحوى أسود من خضرته ونضارته، ~~فجعله غثاء عند يبسه، ف أحوى حال، وقال ابن عباس: المعنى فجعله غثاء أحوى ~~أي أسود، لأن الغثاء إذا قدم وأصابته الأمطار اسود وتعفن فصار أحوى بهذه ~~الصفة. وقوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى، قال الحسن وقتادة ومالك بن أنس: هذه ~~الآية في معنى قوله تعالى: لا تحرك به لسانك # [القيامة: 16] الآية، وعد الله أن يقرئه وأخبره أنه لا ينسى نسيانا لا ~~يكون بعده ذكر، فتذهب الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرك ~~شفتيه مبادرة خوفا منه أن ينسى، وفي هذا التأويل آية النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أنه أمي، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمنه من نسيانه. وقال ~~آخرون: ليست هذه الآية في معنى تلك، وإنما هذه وعد بإقرار الشرع والسور، ~~وأمره أن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم أن ترك النسيان ليس ~~في قدرته، فقد نهي عن إغفال التعاهد، وأثبت الياء في «تنسى» لتعديل رؤوس ~~الآي، وقال الجنيد: معنى فلا تنسى، لا تترك العمل بما تضمن من أمر ونهي، ~~وقوله تعالى: # إلا ما شاء الله، قال الحسن وقتادة وغيره مما قضى الله تعالى بنسخه، وأن ~~ترفع تلاوته وحكمه. وقال الفراء وجماعة من أهل المعاني: هو استثناء صلة في ~~الكلام على سنة الله تعالى في الاستثناء، وليس ثم شيء أبيح نسيانه، وقال ~~ابن عباس: إلا ما شاء الله أن ينسيكه لتسن به على نحو قوله عليه السلام: ~~«إني لأنسى أو أنسى لأسن» ، وقال بعض المتأولين: إلا ما شاء الله أن يغلبك ~~النسيان عليه ثم يذكرك به بعد، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~سمع قراءة عباد بن بشر يرحمه الله: «لقد أذكرني كذا في سورة كذا وكذا» . # قال القاضي أبو محمد: ms3717 ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم ممتنع فيما أمر ~~بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ~~ذلك وعلى أن يسن، أو على النسخ، ثم أخبر تعالى إنه يعلم الجهر من الأشياء، ~~وما يخفى منها، وذلك لإحاطته بكل شيء علما، وبهذا يصح الخبر بأنه لا ينسى ~~شيئا إلا ذكره الله تعالى به. وقوله تعالى: ونيسرك لليسرى معناه: نذهب بك ~~نحو الأمور المستحسنة في دنياك وأخراك من النصر والظفر وعلو الرسالة ~~والمنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة، ثم PageV05P469 # أمره تعالى بالتذكير، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: إن نفعت الذكرى ~~فقال الفراء والزهراوي معناه: وإن لم تنفع، فاقتصر على القسم الواحد ~~لدلالته على الثاني، وقال بعض الحذاق: إنما قوله إن نفعت الذكرى، اعتراض ~~بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش، أي إن نفعت الذكرى، في هؤلاء الطغاة ~~العتاة، وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر] # لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي # وهذا كله كما تقول لرجل قل لفلان وأعد له إن سمعك، إنما هو توبيخ للمشار ~~إليه، ثم أخبر تعالى أنه سيذكر من يخشى الله والدار الآخرة، وهم العلماء ~~والمؤمنون كل بقدر ما وفق، ويتجنب الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة، فكفر ~~ووجب له صلي النار، وقال الحسن: النار الكبرى نار الآخرة، والصغرى نار ~~الدنيا، وقال بعض المفسرين: إن نار جميع الآخرة وإن كانت شديدة فهي تتفاضل، ~~ففيها شيء أكبر من شيء، وقال الفراء: الكبرى هي السفلى من أطباق النار، ~~وقوله تعالى: ثم لا يموت فيها ولا يحيى معناه: لا يموت فيها موتا مريحا، ~~ولا يحيى حياة هنية فهو لا محالة حي، وقد ورد في خبر: إن العصاة في النار ~~موتى. # قال القاضي أبو محمد: وأراه على التشبيه لأنه كالسبات والركود والهمول ~~فجعله موتا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الأعلى (87) : الآيات 14 الى 19] # قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~(16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) # صحف إبراهيم ms3718 وموسى (19) # أفلح في هذه الآية معناه: فاز ببغيته، وتزكى معناه: طهر نفسه ونماها إلى ~~الخير. قال ابن عباس: قال لا إله إلا الله فتطهر من الشرك، وقال الحسن: من ~~كان عمله زاكيا، وقال أبو الأحوص: من رضخ من ماله وزكاه، وقوله وذكر اسم ~~ربه معناه: وحده وصلى له الصلوات التي فرضت عليه، وتنفل أيضا بما أمكنه من ~~صلاة وبر، وقال أبو سعيد الخدري وابن عمر وابن المسيب: هذه الآية في صبيحة ~~يوم الفطر فتزكى، أدى زكاة الفطر، وذكر اسم ربه، هو ذكر الله في طريق ~~المصلى إلى أن يخرج الإمام، والصلاة هي صلاة العيد، وقد روي هذا التفسير عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة وكثير من المتأولين: تزكى: أدى زكاة ~~ماله، و «صلى» معناه صلى الخمس، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يؤثرون الحياة ~~الدنيا، فالكافر يؤثرها إيثار كفر يرى أن لا آخرة، والمؤمن يؤثرها إيثار ~~معصية وغلبة نفس إلا من عصم الله، وقرأ أبو عمرو وحده «يؤثرون» بالياء، ~~وقال: يعني الأشقين، وهي قراءة ابن مسعود والحسن وأبي رجاء والجحدري، وقرأ ~~الباقون والناس: «تؤثرون» بالتاء على المخاطبة، وفي حرف أبي بن كعب «بل ~~أنتم تؤثرون» ، وسبب الإيثار حب العاجل والجهل ببقاء الآخرة، وقال عمر: ما ~~في الدنيا في الآخرة إلا كنفخة أرنب. وقوله تعالى: إن هذا قال الضحاك: أراد ~~القرآن، وروي أن القرآن انتسخ من الصحف PageV05P470 # الأولى # ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: الإشارة إلى معاني السورة، وقال ابن ~~زيد: الإشارة إلى هذين الخبرين «إفلاح من تزكى» وإيثار الناس للدنيا مع فضل ~~الآخرة عليها، وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه بهذا. وقوله تعالى: لفي ~~الصحف الأولى أي لم ينسخ هذا قط في شرع من الشرائع فهو في الأولى وفي ~~الأخيرات، ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن مما أدرك الناس من ~~كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» أي أنه مما جاءت به ~~الأولى واستمر في الغي، وقرأ الجمهور «الصحف» مضمومة الحاء، وروى هارون ms3719 عن ~~أبي عمرو بسكون الحاء، وهي قراءة الأعمش، وقرأ أبو رجاء: إبراهيم بغير ~~الياء ولا ألف، وقرأ ابن الزبير «ابراهام» في كل القرآن، وكذلك أبو موسى ~~الأشعري، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة «إبراهم» بكسر الهاء وبغير ياء في ~~جميع القرآن وروي أن صحف إبراهيم نزلت في أول ليلة من رمضان، والتوراة في ~~السادسة من رمضان والزبور في اثني عشرة منه والإنجيل في ثمان عشرة منه ~~والقرآن في أربع عشرة. # نجز تفسير سورة الأعلى والحمد لله كثيرا. PageV05P471 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الغاشية # وهي مكية لا خلاف في ذلك بين أهل التأويل. # قوله عز وجل: ### || [سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى ~~نارا حامية (4) # تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من ~~جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) # في جنة عالية (10) لا تسمع فيها لاغية (11) # قال بعض المفسرين: هل بمعنى قد، وقال الحذاق: هي على بابها توقيف، فائدته ~~تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، وقيل المعنى هل كان هذا من علمك لولا ما ~~علمناك، ففي هذا التأويل تعديد النعمة. والغاشية: القيامة لأنها تغشى ~~العالم كله بهولها وتغييرها لبنيته، قاله سفيان وجمهور من المتأولين، وقال ~~ابن جبير ومحمد بن كعب: الغاشية، النار، وقد قال تعالى: وتغشى وجوههم النار ~~[إبراهيم: 50] ، وقال: ومن فوقهم غواش [الأعراف: 41] فهي تغشى سكانها ~~والقول الأول يؤيده قوله تعالى: وجوه يومئذ، والوجوه الخاشعة، وجوه الكفار ~~وخشوعها ذلها وتغيرها بالعذاب، واختلف الناس في قوله تعالى: عاملة ناصبة ~~فيها والنصب، التعب، لأنها تكبرت عن العمل لله في الدنيا فأعملها في الآخرة ~~في ناره. وقال عكرمة والسدي: المعنى: عاملة في الدنيا ناصبة يوم القيامة، ~~فالعمل على هذا هو مساعي الدنيا. وقال ابن عباس وزيد بن أسلم وابن جبير: ~~المعنى: هي عاملة في الدنيا ناصبة فيها لأنها على غير هدى، فلا ثمرة لعملها ~~إلا النصب وخاتمته النار. قالوا: والآية في القسيسين وعبدة ms3720 الأوثان وكل ~~مجتهد في كفر، وقد ذهب هذا المذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تأويل ~~الآية، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهدا، وفي الحديث أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال إن فيهم المجتهد. وقرأ ابن كثير في رواية ~~شبل وابن محيصن: «عاملة ناصبة» بالنصب على الذم، والناصب فعل مضمر تقديره ~~أذم أو أعني ونحو هذا، وقرأ الستة وحفص عن عاصم والأعرج وطلحة وأبو جعفر ~~والحسن: «تصلى» بفتح التاء وسكون الصاد على بناء الفعل للفاعل، أي الوجوه، ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن ~~محيصن، واختلف عن نافع وعن الأعرج «تصلى» بضم التاء وسكون الصاد، وذلك ~~يحتمل أن يكون من صليته النار على معنى أصليته، PageV05P472 # فيكون كتضرب، ويحتمل أن يكون من أصليت، فتكون كتكرم، وقرأ بعض الناس: ~~«تصلى» بضم التاء وفتح الصاد وشد اللام على التعدية بالتضعيف، حكاها أبو ~~عمرو بن العلاء، و «الحامية» ، المتوقدة المتوهجة، و «الآنية» : التي قد ~~انتهى حرها كما قال تعالى: وبين حميم آن [الرحمن: 44] ، قاله ابن عباس ~~والحسن ومجاهد، وقال ابن زيد: معنى آنية: حاضرة لهم من قولك آن الشيء إذا ~~حضر، واختلف الناس في «الضريع» ، فقال الحسن وجماعة من المفسرين: هو ~~الزقوم، لأن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أن الكفار لا طعام لهم إلا من ~~ضريع، وقد أخبر أن الزقوم طعام الأثيم، فذلك يقتضي أن الضريع الزقوم، وقال ~~سعيد بن جبير «الضريع» : الحجارة. وقال مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة: # «الضريع» شبرق النار، وقال أبو حنيفة: «الضريع» الشبرق وهو مرعى سوء لا ~~تعقد السائمة عليه شحما ولا لحما، ومنه قول أبي عيزارة الهذلي: [الطويل] # وحبسن في هزم الضريع فكلها ... جرباء دامية اليدين حرود # وقال أبو ذؤيب: # رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ... وعاد ضريعا بان منه الخائض # وقيل «الضريع» : العشرق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الضريع» : شوك ~~في النار، وقال بعض اللغويين: «الضريع» يبيس العرفج إذا تحطم، وقال آخرون: ms3721 ~~هو رطب العرفج، وقال الزجاج: هو نبت كالعوسج، وقال بعض المفسرين: «الضريع» ~~نبت في البحر أخضر منتن مجوف مستطيل له بورقية كثيرة، وقال ابن عباس: ~~«الضريع» : شجر من نار. وكل من ذكر شيئا مما ذكرناه فإنما يعني أن ذلك من ~~نار ولا بد، وكل ما في النار فهو نار. وقال قوم: ضريع واد في جهنم، وقال ~~جماعة من المتأولين: # «الضريع» طعام أهل النار ولم يرد أن يخصص شيئا مما ذكرناه، وقال بعض ~~اللغويين: وهذا لا تعرفه العرب، وقيل: «الضريع» : الجلدة التي على العظم ~~تحت اللحم، ولا أعرف من تأول الآية بهذا، وأهل هذه الأقاويل يقولون الزقوم ~~لطائفة، والضريع لطائفة والغسلين لطائفة، واختلف في المعنى الذي سمي ضريعا ~~فقيل هو ضريع بمعنى مضرع أي مضعف للبدن مهزل. ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ولد جعفر بن أبي طالب: «ما لي أراهما ضارعين» ؟ يريد هزيلين، ومن ~~فعيل بمعنى مفعل قول عمرو بن معد يكرب: [الوافر] # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع # يريد السمع، وقيل ضريع فعيل من المضارعة، أي الاشتباه لأنه يشبه المرعى ~~الجيد ويضارعه في الظاهر وليس به. ولما ذكر تعالى وجوه أهل النار، عقب ذلك ~~بذكره وجوه أهل الجنة ليبين الفرق، وقوله تعالى: لسعيها يريد لعملها في ~~الدنيا وطاعتها، والمعنى لثواب سعيها والتنعيم عليه، ووصف الجنة بالعلو ~~وذلك يصح من جهة المسافة والمكان ومن جهة المكانة والمنزلة أيضا، وقرأ نافع ~~وحده وابن كثير وأبو عمرو بخلاف عنهما والأعرج وأهل مكة والمدينة «لا تسمع ~~فيها لاغية» أي ذات لغو، فهي على النسب، وفسره بعضهم على معنى لا تسمع فيها ~~فئة أو جماعة لاغية ناطقة بسوء. قال أبو عبيدة: PageV05P473 # لاغية مصدر كالعاقبة والخائنة، وقرأ الجحدري «لا تسمع» بضم التاء، ~~«لاغية» بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «لا يسمع» بالياء من تحت مضمومة ~~«لاغية» بالرفع، وهي قراءة ابن محيصن وعيسى والجحدري أيضا. إلا أنه قرأ ~~«لاغية» بالنصب على معنى لا يسمع أحد كلمة لاغية من قولك أسمعت زيدا. # وقرأ الباقون ms3722 ونافع في رواية خارجة والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر وقتادة ~~وابن سيرين وأبو عمرو بخلاف عنه «لا تسمع» بفتح التاء ونصب «لاغية» ، ~~والمعنى إما على الكلمة وإما على الفئة، والفاعل ب «تسمع» إما الوجوه وإما ~~محمد صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وإنما أنت أيها المخاطب عموما، واللغو ~~سقط القول، فذلك يجمع الفحش وسائر الكلام السفساف الناقص وليس في الجنة ~~نقصان ولا عيب في فعل ولا قول، والحمد لله ولي النعمة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الغاشية (88) : الآيات 12 الى 26] # فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق ~~مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى ~~الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) # لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر ~~(24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) # عين في هذه الآية اسم جنس، ويحتمل أن تكون عينا مخصوصة ذكرت على جهة ~~التشريف لها. و «رفع السرر» أشرف لها، و «الأكواب» أوان كالأباريق لا عرى ~~لها ولا آذان ولا خراطيم، وشكلها عند العرب معروف. وموضوعة معناه بأشربتها ~~معدة و «النمرقة» الوسادة، ويقال نمرقة بكسر النون والراء وقال زهير: ~~[الطويل] # كهولا وشبانا حسانا وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق # و «الزرابي» واحدتها زريبة، ويقال بفتح الزاي وهي كالطنافس لها خمل، قاله ~~الفراء وهي ملونات، ومبثوثة معناه كثيرة متفرقة، ثم أقام تعالى الحجة على ~~منكري قدرته على بعث الأجساد بأن وقفهم على موضع العبرة في مخلوقاته، ~~والإبل في هذه الآية هي الجمال المعروفة، هذا قول جمهور المتأولين، وفي ~~الجمل آيات وعبر لمن تأمل ليس في الحيوان ما يقوم من البروك بحمله سواه وهو ~~على قوته غاية في الانقياد. قال الثعلبي في بعض التفاسير: إن فأرة جرت ~~بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الجحر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر، ~~وكان سريح القاضي يقول لأصحابة: اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر؟؟؟ إلى ~~الإبل كيف خلقت، وقال أبو العباس المبرد الإبل هنا ms3723 السحاب، لأن العرب قد ~~تسميها بذلك إذ تأتيها أرسالا كالإبل وتزجى كما تزجى الإبل في هيئتها ~~أحيانا تشبه الإبل والنعام، ومنه قول الشاعر: # [المتقارب] PageV05P474 # كأن السحاب دوين السما ... نعام تعلق بالأرجل # وقرأ أبو عمرو بخلاف وعيسى «الإبل» بشد اللام وهي السحاب فيما ذكر قوم من ~~اللغويين والنقاش، وقرأ الجمهور «خلقت» بفتح القاف وضم الخاء، وقرأ علي بن ~~أبي طالب «خلقت» بفتح الخاء وسكون القاف على فعل التكلم، وكذلك رفعت ونصبت ~~«وسطحت» ، وقرأ أبو حيوة «رفعت» و «نصبت» و «سطحت» بالتشديد فيها، ونصبت ~~معناه: أثبتت قائمة في الهواء لا تنتطح، وقرأ الجمهور «سطحت» ، وقرأ هارون ~~الرشيد «سطحت» بشد الطاء على المبالغة، وهي قراءة الحسن، وظاهر هذه الآية ~~أن الأرض سطح لا كرة، وهو الذي عليه أهل العلم، والقول بكريتها وإن كان لا ~~ينقص ركنا من أركان الشرع، فهو قول لا يثبته علماء الشرع، ثم أمر تعالى ~~نبيه بالتذكير بهذه الآية ونحوها، ثم نفى أن يكون مصيطرا على الناس، أي ~~قاهرا جاهدا لهم مع تكبر تسلطا عليهم، يقال تسيطر علينا فلان، وقرأ بعض ~~الناس «بمسيطر» بالسين وبعضهم بالصاد، وقد تقدم وقرأ هارون «بمصيطر» بفتح ~~الطاء وهي لغة تميم وليس في كلام العرب على هذا البناء غير مسيطر ومبيطر ~~ومبيقر ومهيمن. وقوله تعالى: إلا من تولى وكفر قال بعض المتأولين الاستثناء ~~متصل والمعنى إلا من تولى فإنك مصيطر عليه فالآية على هذا لا نسخ فيها وقال ~~آخرون منهم: # الاستثناء منفصل، والمعنى لست عليهم بمصيطر وتم الكلام. وهي آية موادعة ~~منسوخة بالسيف ثم قال إلا من تولى وكفر فيعذبه الله، وهذا هو القول الصحيح ~~لأن السورة مكية، والقتال إنما نزل بالمدينة، ومن بمعنى الذي. وقرأ ابن ~~عباس وزيد بن أسلم وقتادة وزيد بن على «ألا من تولى» بفتح الهمزة على معنى: ~~استفتاح الكلام، ومن على هذه القراءة شرطية، والعذاب الأكبر عذاب الآخرة ~~لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقتل وغيره، وقرأ ابن مسعود «فإنه يعذبه ~~الله» وقرأ الجمهور «إيابهم» مصدر من آب يؤوب إذا ms3724 رجع، وهو الحشر، والمراد ~~إلى الله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «إيابهم» بشد الياء على وزن فعال بكسر ~~الفاء أصله فيعال من أيب فعل أصله فيعل، ويصح أن يكون أوب فيجيء إيوابا، ~~وسهلت الهمزة وكان اللازم في الإدغام يردها أوابا، لكن استحسنت فيه الياء ~~على غير قياس. (انتهى) . PageV05P475 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفجر # وهي مكية عند جمهور المفسرين، وحكى أبو عمرو الداني في كتابه المؤلف في ~~تنزيل القرآن عن بعض العلماء أنه قال: هي مدنية، والأول أشهر وأصح. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) # هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد ~~(7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) # وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) # قال جمهور من المتأولين: الفجر هنا المشهور الطالع كل يوم، قال ابن عباس: ~~«الفجر» النهار كله، وقال ابن عباس أيضا وزيد بن أسلم: «الفجر» الذي أقسم ~~الله به، صلاة الصبح، وقراءتها هو قرآن الفجر، وقال مجاهد: إنما أراد فجر ~~يوم النحر، وقال الضحاك: المراد فجر ذي الحجة، وقال مقاتل: # المراد فجر ليلة جمع، وقال ابن عباس: أيضا: المراد فجر أول يوم من ~~المحرم، لأنه فجر السنة، وقيل المراد فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال ~~عكرمة: المراد فجر يوم الجمعة. واختلف الناس في «الليالي العشر» فقال بعض ~~الرواة: هي العشر الأولى من رمضان، وقال الضحاك وابن عباس: هي العشر ~~الأواخر من رمضان، وقال بنان وجماعة من المتأولين: هي العشر الأولى من ~~المحرم، وفيه يوم عاشوراء، وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وعطية العوفي ~~وابن الزبير رضي الله عنه: هي عشر ذي الحجة، وقال مجاهد: هي عشر موسى التي ~~أتمها الله له، وقرأ الجمهور «وليال» ، وقرأ بعض القراء «وليالي عشر» ~~بالإضافة وكأن هذا على أن العشر مشار إليه معين ms3725 بالعلم به، ثم وقع القسم ~~بلياليه فكأن العشر اسم لزمه حتى عومل معاملة الفرد، ثم وصف ومن راعى فيه ~~الليالي قال العشر الوسط، واختلف الناس في الشفع والوتر فقال جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة وروى أيوب عنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: «الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر» ، ~~وروى عمران بن حصين عنه عليه السلام أنه قال: «هي الصلوات منها الشفع ومنها ~~الوتر» ، وقال ابن الزبير وغيره: # الشفع اليومان من أيام التشريق، والوتر، اليوم الثالث، وقال آخرون: ~~الشفع، العالم PageV05P476 # والوتر، الله إذ هو الواحد محضا وسواه ليس كذلك، وقال بعض المتأولين: ~~الشفع آدم وحواء، والوتر الله، وقال ابن سيرين ومسروق وأبو صالح: الشفع ~~والوتر شائعان الخلق كله، الإيمان والكفر والإنس والجن وما اطرد على نحو ~~هذا فهي أضداد أو كالأضداد، وترها الله تعالى فرد أحد. وقيل الشفع: الصفا ~~والمروة، والوتر البيت، وقال الحسن بن الفضل: الشفع أبواب الجنة لأنها ~~ثمانية أبواب، والوتر أبواب النار لأنها سبعة أبواب، وقال مقاتل: الشفع ~~الأيام والليالي، والوتر يوم القيامة لأنه لا ليل بعده، والوتر اتحاد صفات ~~الله تعالى، عز محض وكرم محض ونحوه، وقيل: # الشفع، قرآن الحج والعمرة، والوتر الإفراد في الحج، وقال الحسن: أقسم ~~الله تعالى بالعدد لأنه إما شفع وإما وتر، وقال بعض المفسرين: الشفع حواء ~~والوتر آدم عليه السلام. وقال ابن عباس ومجاهد: الوتر صلاة المغرب والشفع ~~صلاة الصبح، وقال أبو العالية: الشفع الركعتان من المغرب والوتر الركعة ~~الأخيرة. وقال بعض العلماء: الشفع تنفل الليل مثنى مثنى والوتر الركعة ~~الأخيرة المعروفة. وقرأ جمهور القراء والناس «والوتر» بفتح الواو، وهي لغة ~~قريش وأهل الحجاز، وقرأ حمزة والكسائي والحسن بخلاف وأبو رجاء وابن وثاب ~~وطلحة والأعمش وقتادة: «والوتر» بكسر الواو، وهي لغة تميم وبكر بن وائل، ~~وذكر الزهراوي أن الأغر رواها عن ابن عباس وهما لغتان في الفرد، وأما الدخل ~~فإنما هو وتر بالكسر لا غير، وقد ذكر الزهراوي أن الأصمعي حكى فيه ms3726 اللغتين ~~الفتح والكسر، وسرى الليل ذهابه وانقراضه، هذا قول الجمهور، وقال ابن قتيبة ~~والأخفش وغيره: المعنى إذا يسري فيه فيخرج هذا الكلام مخرج ليل نائم ونهار ~~بطال. وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: أراد بهذا ليلة جمع لأنه يسرى فيها، وقرأ ~~الجمهور: «يسر» دون ياء في وصل ووقف، وقرأ ابن كثير: «يسري» بالياء في وصل ~~ووقف، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه «يسري» بياء في الوصل ودونها في الوقف ~~وحذفها تخفيف لاعتدال رؤوس الآي إذ هي فواصل كالقوافي، قال اليزيدي: الوصل ~~في هذا وما أشبهه بالياء، والوقف بغير ياء على خط المصحف. ووقف تعالى على ~~هذه الأقسام العظام هل فيها مقنع وحسب لذي عقل. و «الحجر» العقل والنهية، ~~والمعنى فيزدجر ذو الحجر وينظر في آيات الله تعالى، ثم وقف تعالى على مصانع ~~الأمم الخالية الكافرة وما فعل ربك من التعذيب والإهلاك، والمراد بذلك توعد ~~قريش ونصب المثل لها. و «عاد» قبيلة لا خلاف في ذلك، واختلف الناس في إرم ~~فقال مجاهد وقتادة: هي القبيلة بعينها، وهذا على قول ابن الرقيات: ~~[المنسرح] # مجدا تليدا بناه أوله ... أدرك عادا وقبله إرما # وقال زهير: [البسيط] # وآخرين ترى الماذي عدتهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم # قال ابن إسحاق: إرم هو أبو عاد كلها، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن ~~نوح، وقال: هو أحد أجدادها، وقال جمهور المفسرين: إرم مدينة لهم عظيمة كانت ~~على وجه الدهر باليمن، وقال محمد بن كعب: هي «الإسكندرية» ، وقال سعيد بن ~~المسيب والمقري: هي دمشق، وهذان القولان PageV05P477 # ضعيفان، وقال مجاهد إرم معناه القديمة، وقرأ الجمهور «بعاد وإرم» فصرفوا ~~«عادا» على إرادة الحي ونعت ب إرم بكسر الهمزة على أنها القبيلة بعينها، ~~ويؤيد هذا قول اليهود للعرب: سيخرج فينا نبي نتبعه نقتلكم معه قتل عاد ~~وإرم، فهذا يقتضي أنها قبيلة، وعلى هذه القراءة يتجه أن يكون إرم أبا لعاد ~~أو جدا غلب اسمه على القبيل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بعاد إرم» بترك ~~الصرف في «عاد» وإضافتها إلى ms3727 إرم، وهذا يتجه على أن يكون إرم أبا أو جدا ~~وعلى أن تكون مدينة، وقرأ الضحاك «بعاد أرم» بفتح الدال والهمزة من «أرم» ~~وفتح الراء والميم على ترك الصرف في «عاد» والإضافة، وقرأ ابن عباس والضحاك ~~«بعاد إرم» بشد الميم على الفعل الماضي بمعنى بلي وصار رميما، يقال ارم ~~العظم وأرم وأرمه الله تعدية رم بالهمزة، وقرأ ابن عباس أيضا: «ارم ذات» ~~بالنصب في التاء على إيقاع الإرمام عليها، أي أبلاها ربك وجعلها رميما، ~~وقرأ ابن الزبير: «أرم ذات العماد» بفتح الهمزة وكسر الراء، وهي لغة في ~~المدينة، وقرأ الضحاك بن مزاحم «أرم» بسكون الراء وفتح الهمزة وهو تخفيف في ~~«ارم» كفخذة وفخذ، واختلف الناس في قوله تعالى: ذات العماد فمن قال إرم ~~مدينة، قال العماد أعمدة الحجارة التي بنيت بها، وقيل القصور العالية ~~والأبراج يقال لها عماد، ومن قال إرم قبيلة قال العماد إما أعمدة بنيانهم ~~وإما أعمدة بيوتهم التي يرحلون بها لأنهم كانوا أهل عمود ينتجعون البلاد، ~~قاله مقاتل وجماعة. # وقال ابن عباس: هي كناية عن طول أبدانهم، وقرأ الجمهور: «يخلق» بضم الياء ~~وفتح اللام «مثلها» رفعا، وقرأ ابن الزبير «يخلق» بفتح الياء وضم اللام ~~«ومثلها» نصبا، وذكر أبو عمرو الداني عنه أنه قرأ «نخلق» بالنون وضم اللام ~~«مثلها» نصبا، وذكر التي قبل هذه عن عكرمة، والضمير في مثلها يعود إما على ~~المدينة وإما على القبيلة، وقرأ يحيى بن وثاب «وثمودا» بتنوين الدال، ~~وجابوا الصخر معناه خرقوه ونحتوه، وكانوا في أوديتهم قد نحتوا بيوتهم في ~~حجارة، و «الوادي» ما بين الجبلين وإن لم يكن فيه ماء، هذا قول كثير من ~~المفسرين في معنى جابوا الصخر بالواد. وقال الثعلبي: يريد بوادي القرى، ~~وقال قوم: # المعنى جابوا واديهم وجلبوا ماءهم في صخر شقوه، وهذا فعل ذوي القوة ~~والآمال، وقرأ ابن كثير «بالوادي» بياء، وقرأ أكثر السبعة «بالواد» دون ياء ~~واختلف في ذلك نافع، وقد تقدم هذا، وفرعون هو فرعون موسى، واختلف الناس في ~~أوتاده فقيل أبنيته العالية العظيمة، قاله محمد ms3728 بن كعب، وقيل جنوده الذين ~~بهم يثبت ملكه وقيل المراد أوتاد أخبية عساكره وذكرت لكثرتها ودلالتها على ~~غزواته وطوفه في البلاد، قاله ابن عباس ومنه قول الأسود بن يعفر: # في ظل ملك ثابت الأوتاد وقال قتادة: كان له أوتاد يلعب عليها الرجال بين ~~يديه وهو مشرف عليهم، وقال مجاهد: كان يوتد الناس بأوتاد الحديد يقتلهم ~~بذلك يضربها في أبدانهم حتى تنفذ إلى الأرض، وقيل إنما فعل ذلك بزوجته ~~آسية، وقيل إنما فعل بماشطة ابنته لأنها كانت آمنت بموسى، والطغيان تجاوز ~~الحدود، والصب يستعمل في السوط لأنه يقتضي سرعة في النزول، ومنه قول الشاعر ~~في المحدودين في الإفك: # فصبت عليهم محصرات كأنها ... شآبيب ليست من سحاب ولا قطر # ومن ذلك قول المتأخر في صفة الخيل: PageV05P478 # صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل # وإنما خص «السوط» بأن يستعار للعذاب لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما ~~لا يقتضيه السيف ولا غيره، وقال بعض اللغويين: «السوط» هنا مصدر من ساط ~~يسوط إذا اختلط فكأنه قال خلط عذاب، و «المرصاد» موضع الرصد، قاله ~~اللغويون، أي أنه عند لسان كل قائل، ومرصد لكل فاعل، وعلى هذا التأويل في ~~المرصاد جواب عامر بن عبد قيس لعثمان حين قال له: أين ربك يا أعرابي؟ قال ~~بالمرصاد، ويحتمل أن يكون «المرصاد» في الآية اسم فاعل كأنه قال لبالراصد ~~فعبر بالمبالغة، وروي في بعض الحديث أن على جسر جهنم ثلاث قناطر على ~~إحداهما الأمانة وعلى إحداهما [الرحم] وعلى الأخيرة الرب تبارك وتعالى، ~~فذلك قوله لبالمرصاد. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 22] # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون ~~اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما ~~(19) # وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك ~~والملك صفا صفا (22) # ذكر الله تعالى في هذه الآية: ما كانت قريش تقوله تستدل به على إكرام ms3729 ~~الله تعالى وإهانته لعبده، وذلك أنهم كانوا يرون أن من عنده الغنى والثروة ~~والأولاد فهو المكرم، وبضده المهان، ومن حيث كان هذا المقطع غالبا على ~~كثيرين من الكفار، جاء التوبيخ في هذه الآية لاسم الجنس، إذ يقع بعض ~~المؤمنين في شيء من هذا المنزع، ومن ذلك حديث الأعراب الذين كانوا يقدمون ~~المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن نال خيرا قال هذا دين حسن، ومن ~~ناله شر قال هذا دين سوء، وابتلاه معناه: اختبره، ونعمه معناه: جعله ذا ~~نعمة، وقرأ ابن كثير «أكرمني» بالياء في وصل ووقف وحذفها عاصم وابن عامر ~~وحمزة والكسائي في الوجهين، وقرأ نافع بالياء في الوصل وحذفها في الوقف، ~~وكذلك «أهانني» ، وخير في الوجهين أبو عمرو، وقرأ جمهور الناس: «فقدر» ~~بتخفيف الدال، بمعنى ضيق، وقرأ الحسن بخلاف وأبو جعفر وعيسى «قدر» بمعنى: ~~جعله على قدر، وهما بمعنى واحد في معنى التضييق لأنه ضعف قدر مبالغة لا ~~تعدية، ويقتضي ذلك قول الإنسان أهانن، لأن «قدر» معدى إنما معناه أعطاه ما ~~يكفيه ولا إهانة مع ذلك. ثم قال تعالى: كلا ردا على قولهم ومعتقدهم، أي ليس ~~إكرام الله تعالى وإهانته، في ذلك، وإنما ذلك ابتلاء فحق من ابتلي بالغنى ~~أن يشكر ويطيع، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر، وأما إكرام الله تعالى فهو ~~بالتقوى، وإهانته فبالمعصية، ثم أخبرهم بأعمالهم من أنهم لا يكرمون اليتيم ~~وهو من بني آدم الذي فقد أباه وكان غير بالغ. ومن البهائم ما فقد أمه، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب البيوت إلى الله، بيت فيه يتيم مكرم» ، ~~وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «يحضون» بمعنى: يحض بعضهم بعضا أو PageV05P479 # تحضون أنفسكم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «تحاضون» بفتح التاء بمعنى ~~تتحاضون، أي يحض قوم قوما، وقرأ أبو عمرو و «يحضون» بياء من تحت مفتوحة ~~وبغير ألف، وقرأ عبد الله بن المبارك «تحاضون» بضم التاء على وزن تقاتلون، ~~أي أنفسكم، أي بعضكم بعضا ورواها الشيرزي عن الكسائي، وقد يجيء فاعلت بمعنى ~~فعلت وهذا ms3730 منه، وإلى هذا ذهب أبو علي وأنشد: # تحاسنت به الوشي ... قرات الرياح وخوزها # أي حسنت وأنشد أيضا: [لرجز] إذا تخازرت وما بي من خزر ويحتمل أن تكون ~~مفاعلة، ويتجه ذلك على زحف ما فتأمله، وقرأ الأعمش «تتحاضون» بتاءين، وطعام ~~في هذه الآية بمعنى إطعام، وقال قوم: أراد نفس طعامه الذي يأكل، ففي الكلام ~~حذف تقديره على بدل طعام المسكين، وقد تقدم القول في (سورة براءة) في ~~المسكين والفقير بمعنى يغني عن إعادته، وعدد عليهم جدهم في أكل التراث ~~لأنهم لا يورثون النساء ولا صغار الأولاد إنما كان يأخذ المال من يقاتل ~~ويحمي الحوزة. و «اللم» : الجمع واللف. قال الحسن: هو أن يأخذ في الميراث ~~حظه وحظ غيره، وقال أبو عبيدة: لممت ما على الخوان إذا أكلت جميع ما عليه ~~بأسره، ومنه لم الشعث، ومنه قول النابغة: [الطويل] # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # والجم: الكثير الشديد، ومنه قول الشاعر [أبو خراش الهذلي] : [الرجز] # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما # ومنه «الجم» من الناس، ثم قال تعالى: كلا ردا على أفعالهم هذه وتوطئة ~~للوعيد، أي سيرون أفعالهم ليس على قوم إذا دكت الأرض، ودك الأرض تسويتها ~~بذهاب جبالها، والناقة الدكاء التي لا سمن لها، وقوله تعالى: وجاء ربك ~~والملك معناه: وجاء قدره وسلطانه وقضاؤه، قال منذر بن سعيد: # معناه: ظهوره للخلق هنالك ليس مجيء نقلة وكذلك مجيء الصاخة ومجيء الطامة، ~~والملك اسم جنس: يريد جميع الملائكة، وروي أن ملائكة كل سماء تكون صفا حول ~~الأرض في يوم القيامة، وذكر الطبري في ذلك حديثا طويلا اختصرته، وبهذا ~~المعنى يتفسر قوله تعالى: يوم التناد [غافر: 32] على قراءة من شد الدال. ~~وقوله تعالى في سورة الرحمن: إن استطعتم أن تنفذوا [الرحمن: 33] الآية. ~~وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي في هذه الآية «تكرمون» ~~بالتاء، وكذلك سائر الأفعال بعدها على الخطاب، وقرأ أبو عمرو والحسن ومجاهد ~~وأبو رجاء وقتادة والجحدري «يكرمون» في جميعها على ذكر ms3731 الغائب إذ قد تقدم ~~اسم جنس الإنسان. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفجر (89) : الآيات 23 الى 30] # وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) يقول يا ليتني ~~قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) ~~يا أيتها النفس المطمئنة (27) # ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30) PageV05P480 # روي في قوله تعالى: وجيء يومئذ بجهنم أنها تساق إلى الحشر بسبعين ألف ~~زمام، يمسك كل زمام سبعون ألف ملك فيخرج منها عنق فينتقي الجبابرة من ~~الكفار في حديث طويل مختلف الألفاظ، و «جهنم» هنا: هي النار بجملتها، وروي ~~أنه لما نزلت وجيء يومئذ بجهنم تغير لون النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله ~~تعالى: يتذكر الإنسان معناه: يتذكر عصيانه وطغيانه، وينظر ما فاته من العمل ~~الصالح. ثم قال تعالى: وأنى له الذكرى ثم ذكر عنه أنه يقول: يا ليتني قدمت ~~لحياتي، واختلف في معنى قوله: لحياتي فقال جمهور المتأولين معناه: لحياتي ~~الباقية يريد في الآخرة، وقال قوم من المتأولين: المعنى لحياتي في قبري عند ~~بعثي الذي كنت أكذب به وأعتقد أني لن أعود حيا. وقال آخرون: لحياتي هنا ~~مجاز، أي ليتني قدمت عملا صالحا لأنعم به اليوم وأحيا حياة طيبة، فهذا كما ~~يقول الإنسان أحييتني في هذا الأمر، وقال بعض المتأولين لوقت أو لمدة حياتي ~~الماضية في الدنيا، وهذا كما تقول جئت لطلوع الشمس ولتاريخ كذا ونحوه. وقرأ ~~جمهور القراء وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأبو عبد الرحمن: «يعذب» و «يوثق» ~~بكسر الذال الثاء، وعلى هذه القراءة، فالضمير عائد في عذابه ووثاقه لله ~~تعالى، والمصدر مضاف إلى الفاعل ولذلك معنيان: أحدهما أن الله تعالى لا يكل ~~عذاب الكفار يومئذ إلى أحد، والآخر أن عذابه من الشدة في حيز لم يعذب قط ~~أحد بمثله، ويحتمل أن يكون الضمير للكافر والمصدر مضاف إلى المفعول، وقرأ ~~الكسائي وابن سيرين وابن أبي إسحاق وسوار القاضي «يعذب» و «يوثق» بفتح ~~الذال والثاء ورويت كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالضميران على ms3732 هذا ~~للكافر الذي هو بمنزلة جنسه كله والمصدر مضاف إلى المفعول ووضع عذاب موضع ~~تعذيب كما قال [القرطبي] : # [الوافر] وبعض عطائك المائة الرتاعا ويحتمل أن يكون الضميران في هذه ~~القراءة لله تعالى، كأنه قال: لا يعذب أحد قط في الدنيا عذاب الله للكفار، ~~فالمصدر مضاف إلى الفاعل، وفي هذا التأويل تحامل، وقرأ الخليل بن أحمد ~~«وثاقه» بكسر الواو. ولما فرغ ذكر هؤلاء المعذبين عقب تعالى بذكر نفوس ~~المؤمنين وحالهم فقال: يا أيتها النفس المطمئنة الآية، والمطمئنة معناه: ~~الموقنة غاية اليقين، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال: ولكن ليطمئن ~~قلبي [البقرة: 260] ، فهي درجة زائدة على الإيمان، وهي أن لا يبقى على ~~النفس في يقينها مطلب يحركها إلى تحصيله، واختلف الناس في هذا النداء متى ~~يقع فقال ابن زيد وغيره: هو عند خروج نفس المؤمن من جسده في الدنيا. وروي ~~أن أبا بكر الصديق سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «إن ~~الملك سيقولها لك يا أبا بكر عند موتك» ، ومعنى ارجعي إلى ربك على هذا ~~التأويل، ارجعي بالموت، وقال: وقوله في عبادي أي في أعداد عبادي الصالحين، ~~وهذه قراءة الجمهور PageV05P481 # بجمع «عبادي» ، وقال قوم: النداء عند قيام الأجساد من القبور، فقوله: ~~ارجعي إلى ربك معناه بالبعث من موتك ارجعي إلى الله. وقيل الرب هنا الإنسان ~~ذو النفس، أي ادخلي في الأجساد، والنفس اسم جنس، وقال بعض العلماء: هذا ~~النداء هو الآن للمؤمنين لما ذكر حال الكفار قال يا مؤمنون دوموا وجدوا حتى ~~ترجعوا راضين مرضيين، ف النفس على هذا اسم الجنس، وقرأ ابن عباس وعكرمة ~~وأبو شيخ والضحاك واليماني ومجاهد وأبو جعفر: «فادخلي في عبدي» ، والنفس ~~على هذا ليست باسم الجنس، وإنما خاطب مفردة. قال أبو شيخ: الروح يدخل في ~~البدن، وفي مصحف أبي بن كعب: «يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة إيتي ربك ~~راضية مرضية فارجعي في عبدي» ، وقرأ سالم بن عبد الله «فادخلي في عبادي ~~ولجي جنتي» ، وتحتمل قراءة «عبدي» أن يكون العبد اسم جنس ms3733 جعل عباده كالشيء ~~الواحد دلالة على الالتحام كما قال عليه السلام وهم يد على من سواهم وقال ~~آخرون: إنما هو في الموقف عند ما ينطلق بأهل النار إلى النار، فنداء النفوس ~~على هذا إنما هو نداء أرباب النفوس، ومعنى ارجعي إلى ربك على هذا إلى رحمة ~~ربك، والعباد هنا الصالحون المنعمون. PageV05P482 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البلد # وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وقال قوم هي مدنية. # قوله عز وجل: ### || [سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد (4) # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره ~~أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) # وهديناه النجدين (10) # قرأ الحسن بن أبي الحسن «لأقسم» دون ألف، وقرأ الجمهور: «لا أقسم» ، ~~واختلفوا فقال الزجاج وغيره: «لا» صلة زائدة مؤكدة، واستأنف قوله أقسم، ~~وقال مجاهد لا رد للكلام متقدم للكفار، ثم استأنف قوله أقسم، وقال بعض ~~المتأولين لا نفي للقسم بالبلد، أخبر الله تعالى أنه لا يقسم به، ولا خلاف ~~بين المفسرين أن «البلد» المذكور هو مكة، واختلف في معنى قوله وأنت حل بهذا ~~البلد فقال ابن عباس وجماعة: معناه وأنت حلال بهذا البلد يحل لك فيه قتل من ~~شئت، وكان هذا يوم فتح مكة، وعلى هذا يتركب قول من قال السورة مدنية نزلت ~~عام الفتح، ويتركب على التأويل قول من قال: لا نافية أي إن هذا البلد لا ~~يقسم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته، ويتجه أيضا أن تكون ~~لا غير نافية. وقال بعض المتأولين: وأنت حل بهذا البلد معناه: حال ساكن ~~بهذا البلد، وعلى هذا يجيء قول من قال هي مكية، والمعنى على إيجاب القسم ~~بين وعلى نفيه أيضا يتجه على معنى القسم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء ~~القوم وكفرهم، وذكر الثعلبي عن شرحبيل بن سعد أن معنى وأنت حل أي قد جعلوك ~~حلالا مستحل ms3734 الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا، وإعراب البلد عطف بيان، ~~وقوله تعالى: ووالد وما ولد قسم مستأنف على قول من قال لا نافية، ومعطوف ~~على قول من رأى لا غير نافية، واختلف الناس في معنى قوله: ووالد وما ولد، ~~فقال مجاهد: هو آدم وجميع ولده، وقال بعض رواة التفسير: هو نوح وجميع ولده، ~~وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وجميع ولده، وقال ابن عباس ما معناه: أن ~~الوالد والولد هنا على العموم فهي أسماء جنس يدخل فيها جميع الحيوان، وقال ~~ابن عباس وابن جبير وعكرمة: ووالد معناه: كل من ولد وأنسل، وقوله وما ولد، ~~لم يبق تحته إلا العاقر الذي ليس بوالد البتة، والقسم واقع على قوله: لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد، واختلف الناس في PageV05P483 # «الكبد» ، فقال جمهور الناس: «الإنسان» اسم الجنس كله، و «الكبد» المشقة ~~والمكابدة، أي يكابد أمر الدنيا والآخرة، ومن ذلك قول لبيد: [المنسرح] # يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد # وقول ذي الإصبع: [البسيط] # لي ابن عم لو ان الناس في كبد ... لظل محتجرا بالنبل يرميني # وبالمشقة في أنواع أحوال الإنسان فسره الجمهور، وقال الحسن: لم يخلق الله ~~خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وقال ابن عباس وعبد الله بن شداد وأبو صالح ~~والضحاك ومجاهد في كبد معناه: منتصف القامة واقفا، وقال ابن زيد: «الإنسان» ~~: آدم عليه السلام، وفي كبد معناه: في السماء سماها كبدا، وهذان قولان قد ~~ضعفا والقول الأول هو الصحيح، وروي أن سبب الآية وما بعدها هو أبو الأشدين ~~رجل من قريش شديد القوة، اسمه أسيد بن كلدة الجمحي، كان يحسب أن أحدا لا ~~يقدر عليه، ويقال بل نزلت في عمرو بن ود، ذكره النقاش، وهو الذي اقتحم ~~الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق، وقال مقاتل: نزلت في ~~الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره ~~بالكفارة فقال: لقد أهلكت مالا في الكفارات والنفقات مذ تبعت محمدا، وكان ~~كل واحد منهم ms3735 قد ادعى أنه أنفق مالا كثيرا على إفساد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو في الكفارات على ما تقدم، فوقف القرآن على جهة التوبيخ ~~للمذكور، وعلى جهة التوبيخ لاسم الجنس كله. ويقدر نصب ب لن وأن مخففة من ~~الثقيلة، وكان قول هذا الكافر: أهلكت مالا لبدا كذبا منه، فلذلك قال: أيحسب ~~أن لم يره أحد أي أنه رئي وأحصي فعله فما باله يكذب؟ ومن قال إن المراد اسم ~~الجنس غير مفرد، جعل قوله تعالى: # أيحسب أن لم يره أحد بمعنى أيظن الإنسان أن ليس عليه حفظة يرون أعماله ~~ويحصونها إلى يوم الجزاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما ~~عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وجسمه فيما أبلاه وماله من أين كسبه وأين ~~أنفقه» ، واختلف القراء في قوله «لبدا» ، فقرأ جمهور القراء بضم اللام وفتح ~~الباء، وقرأ مجاهد «لبدا» بضمهما وذلك جمع لبدة أو جمع لبود بفتح اللام، ~~وقرأ أبو جعفر يزيد «لبدا» بضم اللام وفتح الباء وشدها فيكون مفردا نحو ~~«زمل» ويكون جمع لا بد، وقد روي عن أبي جعفر «لبدا» بسكون الباء، والمعنى ~~في هذه القراءات كلها مالا كثيرا متلبدا بعضه فوق بعض من التكاثف والكثرة، ~~وقرأ الأعمش: «لم يره» بسكون الراء لتوالي الحركات، ثم عدد تعالى على ~~الإنسان نعمه التي بها تقوم الحجة، وهي جوارحه. وقرن تعالى «الشفتين» ~~باللسان لأن نعمة العبارة والكلام، لا يصح إلا بالجميع.. وفي الحديث: يقول ~~الله تعالى: «ابن آدم إن نازعك لسانك إلى ما لا يحل، فقد أعنتك عليه بشفتين ~~فأطبقهما عليه» . واختلف الناس في النجدين فقال ابن مسعود وابن عباس ~~والناس: طريقا الخير والشر، أي عرضنا عليه طريقهما، وليست الهداية هنا ~~بمعنى الإرشاد. وقال ابن عباس أيضا والضحاك: «النجدان» : # ثديا الأم وهذا مثال، والنجد: الطريق المرتفع، وأنشد الأصمعي: [الطويل] # كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الأرزاء طلاع أنجد PageV05P484 # قوله عز وجل: ### || [سورة البلد (90) : الآيات 11 الى 20] # فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو ms3736 إطعام ~~في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) # أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) # في هذه الآية على عرف كلام العرب، استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من ~~حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل، وهي ما صعب منه وكان صعودا، واقتحم ~~معناه: دخلها وجاوزها بسرعة وضغط وشدة، وأما المفسرون فرأوا أن العقبة يراد ~~بها جبل في جهنم، لا ينجي منه إلا هذه الأعمال ونحوها، قاله ابن عباس ~~وقتادة، وقال الحسن: العقبة جهنم، قال هو وقتادة فاقتحموها بطاعة الله، وفي ~~الحديث: «إن اقتحامها للمؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء» ، واختلف ~~الناس في قوله فلا فقال جمهور المتأولين: هو تحضيض بمعنى «فألا» ، وقال ~~آخرون وهو دعاء بمعنى أنه ممن يستحق أن يدعى عليه بأن لا يفعل خيرا، وقيل ~~هي نفي، أي «فما اقتحم» ، وقال أبو عبيدة والزجاج وهذا نحو قوله تعالى: # فلا صدق ولا صلى [القيامة: 31] فهو نفي محض كأنه قال: وهبنا له الجوارح ~~ودللناه على السبيل فما فعل خيرا، ثم عظم الله تعالى أمر العقبة في النفوس ~~بقوله: وما أدراك ما العقبة؟ ثم فسر اقتحام العقبة بقوله فك رقبة وذلك أن ~~التقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ هذا على قراءة من قرأ «فك رقبة» ~~بالرفع على المصدر، وأما من قرأ «فك» على الفعل الماضي ونصب الرقبة، فليس ~~يحتاج أن يقدر وما أدراك ما اقتحام، بل يكون التعظيم للعقبة نفسها، ويجيء ~~«فك» بدلا من اقتحم ومبينا. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة «فك رقبة أو ~~إطعام» ، وقرأ أبو عمرو «فك رقبة» بالنصب، «أو أطعم» ، وقرأ بعض التابعين ~~«فك رقبة» بالخفض، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أيضا والكسائي «فك رقبة» بالنصب ~~«أو إطعام» . # وترتيب هذه القراءات ووجوهها بينة، وفك الرقبة معناه: بالعتق من رقبة ~~الأسر أو الرق، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعتق نسمة ~~مؤمنة أعتق الله بكل ms3737 عضو منها عضوا منه من النار» . وقال أعرابي للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: دلني على عمل أنجو به، فقال: «لئن قصرت القول لقد عرضت ~~المسألة فك رقبة، وأعتق النسمة» ، فقال الأعرابي: أليس هما واحد؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # «لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها» . # قال القاضي أبو محمد: وكذلك فك الأسير إن شاء الله، وفداؤه أن ينفرد ~~الفادي به، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: «وأبق على ذي الرحمن ~~الظالم، فإن لم تطق هذا كله، فكف لسانك إلا من خير» ، و «المسغبة» : ~~المجاعة. والساغب: الجائع. وقرأ جمهور الناس «ذي مسغبة» على نعت يوم، وقرأ ~~علي بن أبي طالب والحسن وأبو رجاء «ذا مسغبة» على أن يعمل فيها «أطعم» أو ~~«إطعام» على القراءتين المذكورتين، وفي هذا حذف الموصوف وإقامة الصفة ~~مقامه، لأن التقدير إنسانا ذا مسغبة ووصفت الصفة لما قامت مقام موصوفها ~~المحذوف، وأشبهت الأسماء، و «المسغبة» : الجوع العام، وقد PageV05P485 # يقال في الخاص: سغب الرجل إذا جاع. وقوله تعالى: ذا مقربة معناه: ذا ~~مقربة لتجتمع الصدقة والصلة، وهذا نحو ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: «تصدقي على زوجك فهي صدقة لك وصلة» ، وأو ~~في قوله أو مسكينا ذا متربة فيها معنى الإباحة ومعنى التخيير، لأن الكلام ~~يتضمن معنى الحض والأمر فيها أيضا معنى التفضيل المجرد، لأن الكلام يجري ~~مجرى الخبر الذي لا تكون أو فيه إلا منفصلة، وأما معنى الشك أو الإبهام فلا ~~مدخل لها في هذه الآية، والإبهام نحو قوله تعالى: وإنا أو إياكم [سبأ: 24] ~~، وقول أبي الأسود: [الوافر] # أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة أو عليا # وذا متربة معناه: مذقعا قد لصق بالتراب وهذا مما ينحو إلى أن المسكين أشد ~~فاقة من الفقير، قال سفيان: هم المطروحون على ظهر الطريق قعودا على التراب ~~لا بيوت لهم. وقال ابن عباس هو الذي يخرج من بيته ثم يقلب وجهه إلى بيته ~~مستيقنا أنه ms3738 ليس فيه إلا التراب، وقوله تعالى: ثم كان معطوف على قوله اقتحم ~~وتوجه فيه معاني، فلا اقتحم المذكورة من النفي والتحضيض والدعاء، ورجح أبو ~~عمرو بن العلاء قراءته فك بقوله ثم كان، ومعنى قوله ثم كان أي كان وقت ~~اقتحامه العقبة من الذين آمنوا وليس المعنى أنه يقتحم، ثم يكون بعد ذلك لأن ~~الاقتحام كان يقع من غير مؤمن وذلك غير نافع. # وقوله تعالى: وتواصوا بالصبر معناه: على طاعة الله وبلائه وقضائه وعن ~~الشهوات والمعاصي. # وبالمرحمة، قال ابن عباس: كل ما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. وقال آخرون: ~~هو التراحم وعطف بعض من الناس على بعض، وفي ذلك قوام الناس ولو لم يتراحموا ~~جملة هلكوا، والميمنة مفعلة، وهي فيما روي عن يمين العرش، وهو موضع الجنة ~~ومكان المرحومين من الناس، والمشأمة الجانب الأشأم وهو الأيسر، وفيه جهنم، ~~وهو طريق المعذبين يؤخذ بهم ذات الشمال، وهذا مأخوذ من اليمن والشام للواقف ~~بباب الكعبة متوجها إلى مطلع الشمس، واليد الشؤمى هي اليسرى، وذهب الزجاج ~~وقوم إلى ذلك من اليمن والشؤم، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع والكسائي ~~وأبو بكر عن عاصم «موصدة» على وزن موعدة وكذلك في سورة الهمزة، وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة وحفص عن عاصم «مؤصدة» بهمز الواو في السورتين، ومعناهما جميعا، ~~مطبقة معلقة. يقال: أوصدت وآصدت، بمعنى أطبقت وأغلقت، فهي «موصدة» دون همز ~~من أوصدت، وقد يحتمل أن يهمز من يراها من أوصدت من حيث قبل الواو حرف مضموم ~~على لغة من قرأ بالسوق، ومنه قول الشاعر [جرير] : # أحب المؤقدان إلي مؤسى بالهمز فيهما، و «مؤصدة» من آصدت، ويحتمل أن تسهل ~~الهمزة فتجيء «موصدة» من أصدت ومن اللفظة الوصيد. وقال الشاعر [الأعشى] : ~~[الكامل] # قوما يعالج قملا أبناؤهم ... وسلاسلا حلقا وبابا موصدا PageV05P486 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشمس # وهي مكية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) # والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما ms3739 سواها (7) فألهمها ~~فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) # وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال ~~لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم فسواها (14) # ولا يخاف عقباها (15) # أقسم الله تعالى ب الشمس إما على التنبيه منها وإما على تقدير ورب الشمس، ~~و «الضحى» بضم الضاد والقصر: ارتفاع الضوء وكماله، وبهذا فسر مجاهد. وقال ~~قتادة: هو النهار كله، وقال مقاتل: # ضحاها حرها كقوله تعالى في سورة (طه) ولا تضحى [طه: 119] ، و «الضحاء» ~~بفتح الضاد والمد ما فوق ذلك إلى الزوال، والقمر يتلو الشمس من أول الشهر ~~إلى نصفه في الغروب تغرب هي ثم يغرب هو ويتلوها في النصف الآخر بنحو وآخر، ~~وهي أن تغرب هي فيطلع هو، وقال الحسن بن أبي الحسن: # تلاها معناه: تبعها دأبا في كل وقت لأنه يستضيء منها فهو يتلوها لذلك. # قال القاضي أبو محمد: فهذا اتباع لا يختص بنصف أول من الشهر ولا بآخره، ~~وقاله الفراء أيضا، وقال الزجاج وغيره: تلاها: معناه امتلأ واستدار، فكان ~~لها تابعا في المنزلة والضياء والقدر، لأنه ليس في الكواكب شيء يتلو الشمس ~~في هذا المعنى غير القمر، قال قتادة: وإنما ذلك ليلة البدر تغيب هي فيطلع ~~هو. # والنهار ظاهر هذه السورة والتي بعدها أنه من طلوع الشمس، وكذلك قال ~~الزجاج في كتاب «الأنواء» وغيره: واليوم من طلوع الفجر، ولا يختلف أن ~~نهايتهما مغيب الشمس، والضمير في جلاها يحتمل أن يعود على الشمس ويحتمل أن ~~يعود على الأرض أو على الظلمة وإن كان لم يجر له ذكر فالمعنى يقتضيه، قاله ~~الزجاج. و «جلى» معناه كشف وضوى، والفاعل بجلى على هذا التأويلات PageV05P487 # النهار، ويحتمل أن يكون الفاعل الله تعالى كأنه قال: والنهار إذا جلى ~~الله الشمس، فأقسم بالنهار في أكمل حالاته، ويغشى معناه: يغطي: والضمير ~~للشمس على تجوز في المعنى أو للأرض، وقوله تعالى: # وما بناها وكل ما بعده من نظائره في السورة، يحتمل أن يكون ما فيه بمعنى ~~الذي قال أبو عبيدة: أي ms3740 ومن بناها، وهو قول الحسن ومجاهد، لأن ما، تقع عامة ~~لمن يعقل ولما لا يعقل، فيجيء القسم بنفسه تعالى، ويحتمل أن تكون ما في ~~جميع ذلك مصدرية، قاله قتادة والمبرد والزجاج كأنه قال والسماء وبنيانها، و ~~«طحا» بمعنى «دحا» و «طحا» أيضا في اللغة بمعنى ذهب كل مذهب، ومنه قول ~~علقمة بن عبدة: [الطويل] # طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عمر حان مشيب # والنفس التي أقسم بها، اسم الجنس، وتسويتها إكمال عقلها ونظرها، ولذلك ~~ربط الكلام بقوله تعالى: فألهمها الآية، فالفاء تعطي أن التسوية هي هذا ~~الإلهام، ومعنى قوله تعالى: فجورها وتقواها أي عرفها طرق ذلك وجعل لها قوة ~~يصح معها اكتساب الفجور أو اكتساب التقوى، وجواب القسم في قوله قد أفلح، ~~التقدير: لقد أفلح، والفاعل ب «زكى» يحتمل أن يكون الله تعالى، وقاله ابن ~~عباس وغيره كأنه قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زكاها الله تعالى، ~~ومن: تقع على جمع وإفراد، ويحتمل أن يكون الفاعل ب «زكى» الإنسان وعليه تقع ~~من وقاله الحسن وغيره، كأنه قال: قد أفلح من زكى نفسه أي اكتسب الزكاء الذي ~~قد خلقه الله، وزكاها معناه: طهرها ونماها بالخيرات، ودساها معناه: أخفاها ~~وحقرها أي وصغر قدرها بالمعاصي والبخل بما يجب، يقال دسا يدسو ودسى بشد ~~السين يدسي وأصله دسس، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # ودسست عمرا في التراب فأصبحت ... حلائله يبكين للفقد ضعفا # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: «اللهم آت ~~نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» ، هذا الحديث يقوي ~~أن المزكي هو الله تعالى، وقال ثعلب معنى الآية وقد خاب من دساها في أهل ~~الخير بالرياء وليس منهم في حقيقته، ولما ذكر تعالى خيبة من دسى نفسه، ذكر ~~فرقة فعلت ذلك يعتبر بهم وينتهى عن مثل فعلهم، و «الطغوى» مصدر، وقرأ الحسن ~~وحماد بن سليمان «بطغواها» بضم الطاء مصدر كالعقبى والرجعى، وقال ابن عباس: ~~«الطغوى» هنا العذاب كذبوا به حتى نزل ms3741 بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ~~فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية [الحاقة: 5] ، وقال جمهور المتأولين الباء ~~سببية، والمعنى كذبت ثمود بنبيها بسبب طغيانها وكفرها، وانبعث عبارة عن ~~خروجه إلى عقر الناقة بنشاط وحرص، وأشقاها هو قد أربى سالف وهو أحد التسعة ~~الرهط المفسدين، ويحتمل أن يقع أشقاها على جماعة حاولت العقر، ويروى أنه لم ~~يفعل فعله بالناقة حتى مالأه عليه جميع الحي، فلذلك قال تعالى: فعقروها ~~لكونهم متفقين على ذلك ورسول الله صالح عليه السلام، وقوله تعالى: ناقة ~~الله وسقياها نصب بفعل مضمر تقديره احفظوا أو ذروا أو احذروا على معنى: ~~احذروا الإخلال بحق ذلك، وقد تقدم أمر الناقة والسقيا في غير هذه السورة ~~بما أغنى عن إعادتها، وقدم تعالى التكذيب على العقر لأنه PageV05P488 # كان سبب العقر، ويروى أنهم كانوا قد أسلموا قبل ذلك وتابعوا صالحا مدة ثم ~~كذبوا وعثروا، والجمهور من المفسرين على أنهم كانوا على كفرهم، و «دمدم» ~~معناه: أنزل العقاب مقلقا لهم مكررا ذلك وهي الدمدمة، وفي بعض المصاحف ~~«فدهدم» وهي قراءة ابن الزبير بالهاء بين الدالين، وفي بعضهم «فدمر» ، وفي ~~مصحف ابن مسعود «فدماها عليهم» ، وقوله تعالى: بذنبهم أي بسبب ذنبهم، وقوله ~~تعالى: # فسواها، معناه: فسوى القبيلة في الهلاك لم ينج منهم أحد، وقرأ نافع وابن ~~عامر والأعرج وأهل الحجاز وأبي بن كعب: «فلا يخاف» بالفاء وكذلك في مصاحف ~~أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون «ولا» بالواو وكذلك في مصاحفهم، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه «ولم يخف عقباها» ، والفاعل ب يخاف على قراءة ~~من قرأ بالفاء يحتمل أن يكون الله تعالى، والمعنى فلا درك على الله في فعله ~~بهم لا يسأل عما يفعل، وهذا قول ابن عباس والحسن، وفي هذا المعنى احتقار ~~للقوم وتعفية لأثرهم، ويحتمل أن يكون صالحا عليه السلام، أي لا يخاف عقبى ~~هذه الفعلة بهم إذ كان قد أنذرهم وحذرهم، ومن قرأ «ولا يخاف» بالواو فيحتمل ~~الوجهين اللذين ذكرنا، ويحتمل أن يكون الفاعل ب يخاف أشقاها المنبعث، قاله ~~الزجاج وأبو علي، وهو ms3742 قول السدي والضحاك ومقاتل، وتكون الواو واو الحال ~~كأنه قال انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه، والعقبى: جزاء ~~المسيء وخاتمته وما يجيء من الأمور بعقبه، واختلف القراء في ألفات هذه ~~السورة والتي بعدها ففتحها ابن كثير وعاصم وابن عامر، وقرأ الكسائي ذلك كله ~~بالإضجاع، وقرأ نافع ذلك كله بين الفتح والإمالة، وقرأ حمزة «ضحاها» مكسورة ~~و «تليها وضحاها» مفتوحتين وكسر سائر ذلك، واختلف عن أبي عمرو فمرة كسر ~~الجميع ومرة كقراءة نافع، قال الزجاج سمى الناس الإمالة كسرا وليس بكسر ~~صحيح، والخليل وأبو عمرو يقولان إمالة. (انتهى) . # نجز تفسيرها والحمد لله كثيرا. PageV05P489 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الليل # وهي مكية في قول الجمهور، وقال المهدوي وقيل هي مدنية وقيل فيها مدني ~~وعددها عشرون آية بإجماع. # قوله عز وجل: ### || [سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 21] # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) # فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل ~~واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) # فسنيسره للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى ~~(12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) # لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) ~~الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) # إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) # أقسم الله ب الليل إذا يغشى الأرض وجميع ما فيها وب النهار إذا تجلى، أي ~~ظهر وضوى الآفاق، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # تجلى السرى من وجهه عن صحيفة ... على السير مشراق كريم شجونها # وقوله تعالى: وما خلق الذكر والأنثى يحتمل أن تكون بمعنى الذي كما قالت ~~العرب في سبحان ما سبح الرعد بحمده، وقال أبو عمرو وأهل مكة يقولون للرعد ~~سبحان ما سبحت له، ويحتمل أن تكون ما مصدرية، وهو مذهب الزجاج. وقرأ جمهور ~~الصحابة «وما خلق الذكر» ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن ~~مسعود وأبو الدرداء وسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وعلقمة ms3743 وأصحاب عبد ~~الله: «والذكر والأنثى» وسقط عندهم وما خلق. وذكر ثعلب أن من السلف من قرأ ~~«وما خلق الذكر والأنثى» بخفض «الذكر» على البدل من ما على أن التقدير وما ~~خلق الله وقراءة علي ومن ذكر تشهد لهذه، وقال الحسن: المراد هنا ب الذكر ~~والأنثى آدم وحواء، وقال غيره عام، و «السعي» العمل. فأخبر تعالى مقسما أن ~~أعمال العباد شتى، أي مفترقة جدا بعضها في رضى الله وبعضها في سخطه، ثم قسم ~~تعالى الساعين فذكر أن من أعطى وظاهر ذلك إعطاء المال، وهي أيضا تتناول ~~إعطاء الحق في كل شيء، قول وفعل، وكذلك البخل المذكور بعد أن يكون بالإيمان ~~وغيره من الأقوال التي حق الشريعة أن لا يبخل PageV05P490 # بها، ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أنه كان يعتق ضعفة ~~العبيد الذين أسلموا وكان ينفق في رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله، ~~وكان الكفار بضد ذلك، وهذا قول من قال السورة كلها مكية، قال عبد الله بن ~~أبي أوفى: نزلت هذه السورة في أبي بكر الصديق وأبي سفيان بن حرب، وقال ~~مقاتل: مر أبو بكر على أبي سفيان وهو يعذب بلالا فاشتراه منه، وقال السدي: ~~نزلت هذه الآية بسبب أبي الدحداح الأنصاري، وذلك أن نخلة لبعض المنافقين ~~كانت مطلة على دار امرأة من المسلمين لها أيتام فكانت التمر تسقط عليهم ~~فيأكلونه فمنعهم المنافق من ذلك، واشتد عليهم، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «بعنيها بنخلة في الجنة» ، فقال: لا أفعل، فبلغ ذلك أبا الدحداح ~~فذهب إليه واشترى منه النخلة بحائط له، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله: أنا أشتري النخلة في الجنة بهذه، ففعل ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على الحائط ~~الذي أعطى أبو الدحداح وقد تعلقت أقناؤه فيقول: «وكم قنو معلق لأبي الدحداح ~~في الجنة» ، وفي البخاري أن هذا اللفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3744 ~~يقوله في الأقناء التي كان أبو الدحداح يعلقها في المسجد صدقة، وهذا كله ~~قول من يقول بعض السورة مدني. واختلف الناس في «الحسنى» ما هي في هذه ~~السورة، فقال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: هي لا إله إلا الله، وقال ابن ~~عباس وعكرمة وجماعة: هي الخلف الذي وعد الله تعالى به، وذلك نص في حديث ~~الملكين إذ يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ~~ممسكا تلفا. وقال مجاهد والحسن وجماعة: «الحسنى» : # الجنة. وقال كثير من المفسرين «الحسنى» : الأجر والثواب مجملا. وقوله ~~تعالى: فسنيسره لليسرى، ومعناه: سيظهر تيسيرنا إياه يتدرج فيه من أعمال ~~الخير وختم بتيسير قد كان في علم الله أولا، و «اليسرى» : # الحال الحسنة المرضية في الدنيا والآخرة، و «العسرى» : الحال السيئة في ~~الدنيا والآخرة ولا بد ومن جعل بخل في المال خاصة جعل استغنى في المال أيضا ~~لتعظم المذمة، ومن جعل البخل عاما في جميع ما ينبغي أن يبذل من قول وفعل ~~قال استغنى عن الله ورحمته بزعمه، ثم وقف تعالى على موضع غناء ماله عنه وقت ~~ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما ماله عنه وقت ~~ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما في المال، ~~واختلف الناس في معنى تردى: فقال قتادة وأبو صالح معناه تردى في جهنم، أي ~~سقط من حافاتها، وقال مجاهد: تردى معناه هلك من الردى، وقال قوم معناه تردى ~~بأكفانه من الرداء، ومنه قول مالك بن الربيب: [الطويل] # وخطا بأطراف الأسنة مضجعي ... وردا على عيني فضل ردائيا # ومنه قول الآخر: [الطويل] # نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تلوى فيهما وحنوط # ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا، أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم ~~الإدراك، كما قال تعالى: وعلى الله قصد السبيل [النحل: 9] ثم كل أحد بعد ~~يتكسب ما قدر له، وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان، ولو كان كذلك لم ~~يوجد كافر. ثم أخبر تعالى أن «الآخرة والأولى» أي الدارين. PageV05P491 # وقوله تعالى: فأنذرتكم إما ms3745 مخاطبة منه وإما على معنى قل لهم يا محمد، ~~وقرأ جمهور السبعة «تلظى» بتخفيف التاء، وقرأ البزي عن ابن كثير بشد التاء ~~وإدغام الراء فيها. وقرأها كذلك عبيد بن عمير، وروي أيضا عنه «تتلظى» ~~بتاءين وكذلك قرأ ابن الزبير وطلحة، وقوله تعالى: لا يصلاها إلا الأشقى أي ~~لا يصلاها صلي خلود، ومن هنا ضلت المرجئة لأنها أخذت نفي الصلي مطلقا في ~~قليله وكثيره، والأشقى هنا، الكافر بدليل قوله الذي كذب، والعرب تجعل أفعل ~~في موضع فاعل مبالغة كما قال طرفة: [الطويل] # تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد # ولم يختلف أهل التأويل أن المراد ب الأتقى إلى آخر السورة أبو بكر ~~الصديق، ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات، وقوله تعالى: يتزكى معناه: ~~يتطهر ويتنمى وظاهر هذه الآية أنه في المندوبات، وقوله تعالى: وما لأحد ~~عنده الآية، المعنى: وليس إعطاؤه ليجزي نعما قد أزلت إليه، بل هو مبتدئ ~~ابتغاء وجه الله تعالى، وروي في سبب هذا أن قريشا قالوا لما أعتق أبو بكر ~~بلالا كانت لبلال عنده يد، وذهب الطبري إلى أن المعنى وليس يعطي ليبث نعما ~~يجزي بها يوما ما وينتظر ثوابها، وحوم في هذا المعنى وحلق بتطويل غير مغن ~~ويتجه المعنى الذي أراد بأيسر من قوله وذلك أن التقدير وما لأحد عنده إعطاء ~~ليقع عليه من ذلك لأحد جزاء بل هو لمجرد ثواب الله تعالى وجزائه، وقوله ~~تعالى: إلا ابتغاء نصب بالاستثناء المنقطع وفيه نظر والابتغاء الطلب، ثم ~~وعده تعالى بالرضى في الآخرة، وهذه عدة لأبي بكر رضي الله عنه، وقرأ «يرضى» ~~بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، وهذه الآية تشبه الرضى في قوله تعالى: ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 31] الآية. انتهى. PageV05P492 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الضحى # وهي مكية لا خلاف في ذلك بين الرواة. # قوله عز وجل: ### || سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللآخرة خير لك ~~من ms3746 الأولى (4) # ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ~~ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) # وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) # تقدم تفسير الضحى بأنه سطوع الضوء وعظمه، وقال قتادة: الضحى هنا، النهار ~~كله، وسجى معناه سكن واستقر ليلا تاما. وقال بعض المفسرين سجى معناه أقبل، ~~وقال آخرون: # معناه أدبر والأول أصح، ومنه قول الشاعر [الحارثي] : [الرجز] # يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج # ويقال بحر ساج أي ساكن ومنه قول الأعشى: [الطويل] # وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدعامصا # وطرف ساج إذا كان ساكنا غير مضطرب النظر، وقرأ جمهور الناس «ودعك» بشد ~~الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام «ودعك» بتخفيف الدال من ~~التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام «ودعك» بتخفيف الدال بمعنى ترك، ~~وقلى معناه: أبغض. واختلف في سبب هذه الآية فقال ابن عباس وغيره: # أبطأ الوحي مرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة مدة اختلفت في ~~حدها الروايات حتى شق ذلك عليه فجاءت امرأة من الكفار هي أم جميل امرأة أبي ~~لهب، فقالت: يا محمد: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت الآية بسبب ذلك. ~~وقال ابن وهب عن رجال عن عروة بن الزبير أن خديجة قالت له: ما أرى الله إلا ~~قد خلاك لإفراط جزعك لبطء الوحي عنك، فنزلت الآية بسبب ذلك، وقال زيد بن ~~أسلم: إنما احتبس عنه جبريل لجرو كلب كان في بيته، وقوله تعالى: وللآخرة ~~خير لك من الأولى يحتمل أن يريد الدارين الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن ~~إسحاق وغيره، ويحتمل أن يريد حاليه في الدنيا قبل نزول السورة PageV05P493 # وبعدها فوعده الله تعالى على هذا التأويل بالنصر والظهور، وكذلك قوله ~~تعالى: ولسوف يعطيك ربك الآية، قال جمهور الناس: ذلك في الآخرة، وقال بعضهم ~~من أهل البيت هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يرضى وأحد من ms3747 أمته في النار، وروي أنه عليه السلام لما نزلت قال: # «إذا لا أرضى وأحد من أمتي في النار» ، وقال ابن عباس: رضاه أن لا يدخل ~~أحد من أهل بيته في النار، وقال ابن عباس أيضا: رضاه أن الله تعالى وعده ~~بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم، وقال بعض العلماء رضاه ~~في الدنيا بفتح مكة وغيره، وفي مصحف ابن مسعود: «ولسيعطيك ربك فترضى» ، ثم ~~وقفه تعالى على المراتب التي رجه عنها بإنعامه ويتمه، كان فقد أبيه وكونه ~~في كنف عمه أبي طالب، وقيل لجعفر بن محمد الصادق لم يتم النبي عليه السلام ~~من أبويه، فقال لئلا يكون عليه حق لمخلوق، وقرأ الأشهب العقيلي «فأوى» ~~بالقصر بمعنى رحم، تقول أويت لفلان أي رحمته، وقوله تعالى: # ووجدك ضالا أي وجده إنعامه بالنبوة والرسالة على غير الطريقة التي هو ~~عليها في نبوته، وهذا قول الحسن والضحاك وفرقة، والضلال يختلف، فمنه القريب ~~ومنه البعيد، فالبعيد ضلال الكفار الذين يعبدون الأصنام ويحتجون لذلك ~~ويعتبطون به، وكان هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه عليه السلام أقرب ~~ضلال وهو الكون واقفا لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد ~~وينظر، وقال السدي: # أقام على أمر قومه أربعين سنة، وقيل معنى وجدك ضالا أي تنسب إلى الضلال، ~~وقال الكلبي ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم. # قال القاضي أبو محمد: ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعبد صنما قط، ~~ولكنه أكل ذبائحهم حسب حديث زيد بن عمرو في أسفل بارح وجرى على يسير من ~~أمرهم وهو مع ذلك ينظر خطأ ما هم فيه ودفع من عرفات وخالفهم في أشياء ~~كثيرة، وقال ابن عباس هو ضلاله وهو صغير في شعاب مكة، ثم رده الله تعالى ~~إلى جده عبد المطلب، وقيل هو ضلاله من حليمة مرضعته، وقال الترمذي وعبد ~~العزيز بن يحيى: ضالا معناه خامل الذكر لا يعرفك الناس فهداهم إليك ربك، ~~والصواب أنه ضلال من توقف لا يدري كما قال عز ms3748 وجل: ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان [الشورى: 52] قال ثعلب قال أهل السنة: هو تزويجه بنته في ~~الجاهلية ونحوه، والعائل الفقير، وقرأ اليماني «عيلا» بشد الياء المكسورة ~~ومنه قول الشاعر [أحيحة] : [الوافر] # وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل # وأعال: كثر عياله، وعال: افتقر، ومنه قول الله تعالى: وإن خفتم عيلة ~~[التوبة: 28] وقوله تعالى: فأغنى قال مقاتل معناه رضاك بما أعطاك من الرزق، ~~وقيل فقيرا إليه فأغناك به، والجمهور على أنه فقر المال وغناه، والمعنى في ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أغني بالقناعة والصبر وحببا إليه فقر الحال ~~وغناه، وقيل أغني بالكفاف لتصرفه في مال خديجة ولم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قط كثير المال ورفعه الله عن ذلك، وقال: «ليس الغنى عن كثرة العرض ~~ولكنه غنى النفس» . وكما عدد الله عليه هذه النعم الثلاث وصاه بثلاث وصايا ~~في كل نعمة وصية مناسبة لها، فبإزاء قوله ألم يجدك يتيما فآوى قوله PageV05P494 # فأما اليتيم فلا تقهر، وبإزاء قوله ووجدك ضالا فهدى قوله وأما السائل فلا ~~تنهر، هذا عليه قول من قال إن السائل هنا هو السائل عن العلم والدين وليس ~~بسائل المال، وهو قول أبي الدرداء والحسن وغيره، وبإزاء قوله ووجدك عائلا ~~فأغنى قوله وأما بنعمة ربك فحدث. ومن قال إن السائل هو سائل المحتاج وهو ~~قول الفراء عن جماعة، ومعنى فلا تنهر جعلها بإزاء قوله ووجدك عائلا فأغنى، ~~وجعل قوله وأما بنعمة ربك فحدث بإزاء قوله ووجدك ضالا فهدى، وقال إبراهيم ~~بن أدهم نعم القول السؤال يجملون زادنا إلى الآخرة، فلا تنهر، معناه: فرد ~~ردا جميلا إما بعطاء وإما بقول حسن، وفي مصحف ابن مسعود «ووجدك عديما ~~فأغنى» ، وقرأ ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي، «فأما اليتيم فلا تكهر» ~~بالكاف، قال الأخفش هي بمعنى القهر، ومنه قول الأعرابي: وقاكم الله سطوة ~~القادر وملكة الكاهر، وقال أبو حاتم لا أظنها بمعنى القهر لأنه قد قال ~~الأعرابي الذي بال في المسجد: فأكهرني النبي صلى الله عليه وسلم ms3749 فإنها هي ~~بمعنى الإشهار وأمره الله تعالى بالتحدث بالنعمة، فقال مجاهد والكسائي: # معناه: بث القرآن وبلغ ما أرسلت به، وقال آخرون بل هو عموم في جميع ~~النعم، وكان بعض الصالحين يقول: لقد أعطاني الله كذا وكذا، ولقد صليت ~~البارحة كذا وذكرت الله كذا، فقيل له: إن مثلك لا يقول هذا، فقال إن الله ~~تعالى يقول: وأما بنعمة ربك فحدث، وأنتم تقولون لا تحدث، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «التحدث بالنعم شكر» ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«من أسديت إليه نعمة فذكرها فقد شكرها ومن سترها فقد كفرها» ، ونصب اليتيم ~~ب تقهر والتقدير مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم. # نجز تفسيرها والحمد لله كثيرا. PageV05P495 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشرح # وهي مكية بإجماع من المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ~~ذكرك (4) # فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ~~ربك فارغب (8) # عدد الله على نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه عليه في أن شرح صدره للنبوة ~~وهيأه لها، وذهب الجمهور إلى أن شرح الصدر المذكور هو تنويره بالحكمة ~~وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، وقال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شرحه بشق ~~جبريل عنه في وقت صغره، وفي وقت الإسراء إذ التشريح شق اللحم. وقرأ أبو ~~جعفر المنصور «ألم نشرح» بنصب الحاء على نحو قول الشاعر [طرفة] : [المنسرح] # أضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس # ومثله في نوادر أبي زيد: [الرجز] # من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر # كأنه قال: «ألم نشرحن» ثم أبدل من النون ألفا ثم حذفها تخفيفا، وهي قراءة ~~مردودة، و «الوزر» الذي وضعه الله عنه هو عند بعض المتأولين الثقل الذي كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيرته قبل المبعث إذ كان يرى سوء ما قريش ~~فيه من ms3750 عبادة الأصنام. وكان لم يتجه له من الله تعالى أمر واضح، فوضع الله ~~تعالى عنه ذلك الثقل بنبوته وإرساله. وقال أبو عبيدة وغيره المعنى: خففنا ~~عليك أثقال النبوة وأعناك على الناس، وقال قتادة وابن زيد والحسن وجمهور من ~~المفسرين: الوزر هنا، الذنوب. وأصله الثقل، فشبهت الذنوب به، وهذه الآية ~~نظير قوله تعالى: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2] وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل النبوة وزره صحبة قومه وأكله ~~من ذبائحهم ونحو هذا، وقال الضحاك: وفي كتاب النقاش حضوره مع قومه المشاهد ~~التي لا يحبها الله تعالى. PageV05P496 # قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها ضمها المنشأ كشهوده حرب الفجار ينبل على ~~أعماله وقلبه، وفي ذلك كله منيب إلى الصواب، وأما عبادة الأصنام فلم يلتبس ~~بها قط، وقرأ أنس بن مالك «وحططنا عنك وزرك» ، وفي حرف ابن مسعود «وحللنا ~~عنك وقرك» . وفي حرف أبي «وحططنا عنك وقرك» ، وذكر أبو عمرو أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صوب جميعها، وقال المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء ~~بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهمهم بها وتحسرهم عليها، وأنقض معناه جعله نقضا، ~~أي هزيلا معيبا من الثقل، وقيل معناه أسمع له نقيضا وهو الصوت. وهو مثل ~~نقيض السفن وكل ما حملته ثقلا فإنه ينتقض تحته، وقال عباس بن مرداس: ~~[الطويل] # وأنقض ظهري ما تطوقت مضهم ... وكنت عليهم مشفقا متحننا # وقوله تعالى: ورفعنا لك ذكرك معناه، نوهنا باسمك، وذهبنا به كل مذهب في ~~الأرض، وهذا ورسول الله بمكة، وقال أبو سعيد الخدري والحسن ومجاهد وقتادة: ~~معنى قوله ورفعنا لك ذكرك أي قرنا اسمك باسمنا في الأذان وخطب. وروي في هذا ~~الحديث «إن الله تعالى قال: إذا ذكرت معي» . # وهذا متجه إلى أن الآية نزلت بمكة قديما. والأذان شرع بالمدينة، ورفع ~~الذكر نعمة على الرسول، وكذلك هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس، وخمول ~~الاسم والذكر حسن للمنفردين للعبادة، وقد جعل الله تعالى النعم أقساما بحسب ~~ما يصلح لشخص شخص، وفي الحديث: «إن ms3751 الله تعالى يوقف عبدا يوم القيامة فيقول ~~له: ألم أفعل بك كذا وكذا؟ يعدد عليه نعمه، ويقول في جملتها: ألم أحمل ذكرك ~~في الناس» ، والمعنى في هذا التعديد الذي على النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~يا محمد قد فعلنا بك جميع هذا فلا تكترث بأذى قريش، فإن الذي فعل بك هذه ~~النعم سيظفرك بهم وينصرك عليهم ثم قوى رجاءه بقوله: فإن مع العسر يسرا، أي ~~ما تراه من الأذى فرج يأتي، وكرر تعالى ذلك مبالغة وتثبيتا للخير، فقال بعض ~~الناس: # المعنى إن مع العسر يسرا في الدنيا، وإن مع العسر يسرا في الآخرة، وذهب ~~كثير من العلماء إلى أن مع كل عسر يسرين بهذه الآية من حيث العسر معروف ~~للعهد واليسر منكر، فالأول غير الثاني، وقد روي في هذا التأويل حديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يغلب عسر يسرين» . وأما قول عمر به ~~فنص في الموطأ في رسالته إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقرأ عيسى ويحيى بن وثاب ~~وأبو جعفر: «العسر واليسر» بضمتين، وقرأ ابن مسعود فإن مع العسر يسرا واحدا ~~غير مكرر، ثم أمر تعالى نبيه إذا فرغ من شغل من أشغال النبوة والعبادة أن ~~ينصب في آخر، والنصب التعب، فالمعنى أن يرأب على ما أمر به ولا يفتر، وقال ~~ابن عباس: المعنى فإذا فرغت من فرضك فانصب في النفل عبادة لربك، وقال ابن ~~مسعود: فانصب في قيام الليل، وعن مجاهد، فإذا فرغت من شغل دنياك فانصب في ~~عبادة ربك، وقيل المعنى إذا فرغت من الركعات فاجلس في التشهد وانصب في ~~الدعاء، وقال ابن عباس وقتادة: معنى الكلام فإذا فرغت من العبادة فانصب في ~~الدعاء. وقال الحسن بن أبي الحسن: # المعنى فإذا فرغت من الجهاد فانصب في العبادة، ويعترض هذا التأويل بأن ~~الجهاد فرض بالمدينة، وقرأ أبو السمال «فرغت» بكسر الراء وهي لغة، وقرأ قوم ~~«فانصب» بشد الباء وفتحها، ومعناه إذا PageV05P497 # فرغت من الجهاد «فانصب» إلى المدينة، ذكرها النقاش منبها على أنها خطأ، ~~وقرأ ms3752 آخرون من الإمامية «فانصب» بكسر الصاد بمعنى إذا فرغت من أمر النبوة ~~«فانصب» خليفة، وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم، ومر شريح على ~~رجلين يصطرعان، وقال ليس بهذا أمر الفراغ تلا هذه الآية. وقوله تعالى: # وإلى ربك فارغب أمر بالتوكل على الله تعالى وصرف وجه الرغبات إليه لا إلى ~~سواه، وقرأ ابن أبي عبلة «فرغب» بفتح الراء وشد الغين مكسورة. # نجز تفسيرها والحمد لله على كل حال. PageV05P498 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التين # قوله عز وجل: ### || سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم (4) # ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) # اختلف الناس في معنى التين والزيتون اللذين أقسم الله تعالى بهما، فقال ~~ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل: هو ~~التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~أصحابه تينا أهدي إليه، فقال: «لو قلت إن فاكهة أنزلت من الجنة لقلت هذه، ~~لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس» ، ~~وقال عليه السلام: «نعم السواك سواك الزيتون ومن الشجرة المباركة هي سواكي ~~وسواك الأنبياء قبلي» ، وقال كعب وعكرمة: القسم بمنابتها، وذلك أن التين ~~ينبت بدمشق، والزيتون ينبت بإيلياء فأقسم الله تعالى بالأرضين، وقال قتادة: ~~هما جبلان بالشام، على أحدهما دمشق، وعلى الآخر بيت المقدس، وقال ابن زيد: ~~التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد إلياء، وقال ابن عباس وغيره: التين مسجد ~~نوح والزيتون مسجد إبراهيم، وقيل التين والزيتون وطور سينين، ثلاثة مساجد ~~بالشام، وقال محمد بن كعب القرظي: التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد ~~إيلياء، وأما طور سينين، فلم يختلف أنه جبل بالشام كلم الله عليه موسى، ~~ومنه نودي، وفيه مسجد موسى فهو الطور، واختلف في قوله سينين، فقال مجاهد ~~وعكرمة: معناه حسن مبارك، وقيل معناه ذو ms3753 الشجر، وقرأ الجمهور بكسر السين ~~«سينين» ، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو رجاء بفتح السين وهي لغة بكر وتميم ~~«سينين» ، وقرأ عمر بن الخطاب وطلحة والحسن وابن مسعود: «سيناء» بكسر ~~السين، وقرأ أيضا عمر بن الخطاب: «سيناء» بالفتح، والبلد الأمين مكة بلا ~~خلاف، وقيل معنى سينين: المبارك، وقيل معنى سينين: شجر واحدتها سينية، قاله ~~الأخفش سعيد بن مسعدة و «أمين» : فعيل من الأمن بمعنى آمن أي آمن من فيه ~~ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، والقسم واقع على قوله تعالى: لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم ينبغي له، ولا يدفع هذا أن يكون غيره من المخلوقات ~~كالشمس وغيرها أحسن تقويما منه بالمناسبة، وقال بعض العلماء بالعموم أي ~~«الإنسان» أحسن المخلوقات تقويما، ولم ير قوم الحنث على من حلف بالطلاق أن ~~زوجته PageV05P499 # أحسن من الشمس، واحتجوا بهذه الآية، واختلف الناس في تقويم الإنسان ما ~~هو؟ فقال النخعي ومجاهد وقتادة: حسن صورته وحواسه، وقال بعضهم: هو انتصاب ~~قامته، وقال أبو بكر بن طاهر في كتاب الثعلبي: # هو عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز، وقال عكرمة: هو الشباب والقوة، ~~والصواب أن جميع هذا هو حسن التقويم إلا قول عكرمة، إذ قوله يفضل فيه بعض ~~الحيوان، والإنسان هنا اسم الجنس. وتقدير الكلام في تقويم أحسن تقويم، لأن ~~أحسن صفة لا بد أن تجري على موصوف، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ثم ~~رددناه أسفل سافلين، فقال عكرمة وقتادة والضحاك والنخعي: معناه بالهرم ~~وذهول العقل وتفلت الفكر حتى يصير لا يعلم شيئا، أما إن المؤمن مرفوع عنه ~~القلم، والاستثناء على هذا منقطع، وهذا قول حسن وليس المعنى أن كل إنسان ~~يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة، وقرأ ابن مسعود: ~~«السافلين» بالألف واللام، ثم أخبر أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن نال ~~بعضهم هذا في الدنيا فلهم في الآخرة أجر غير ممنون، وقال الحسن ومجاهد ~~وقتادة وابن زيد وأبو العالية: المعنى رددناه أسفل سافلين في النار على ~~كفره ثم استثنى الذين آمنوا ms3754 استثناء منفصلا، فهم على هذا ليس فيهم من يرد ~~أسفل سافلين في النار على كفره، وفي حديث عن أنس قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله تعالى حسابه، فإذا بلغ ستين ~~رزقه الإنابة، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتبت ~~حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته ~~وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل شيئا كتب الله له ما كان ~~يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة» . وفي حديث «إن المؤمن إذا رد إلى أرذل ~~العمر كتب الله له خير ما كان يعمله في قوته، وذلك أجر غير ممنون» . وممنون ~~معناه: محسوب مصرد يمن عليهم، قاله مجاهد وغيره، وقال كثير من المفسرين ~~معناه مقطوع من قولهم حبل منين، أي ضعيف منقطع، واختلف في المخاطب بقوله ~~تعالى: فما يكذبك بعد بالدين فقال قتادة والفراء والأخفش: هو محمد عليه ~~السلام، قال الله له: فماذا الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو ~~الدين بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، ويحتمل أن يكون ~~«الدين» على هذا التأويل جميع دينه وشرعه، وقال جمهور من المتأولين: ~~المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين، تجعل له أندادا، ~~وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل، وقال منصور قلت لمجاهد: قوله تعالى: فما ~~يكذبك يريد به النبي صلى الله عليه وسلم قال معاذ الله يعني به الشاك، ثم ~~وقف تعالى جميع خلقه على أنه أحكم الحاكمين على جهة التقرير، وروي عن قتادة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه السورة قال: بلى وأنا على ~~ذلك من الشاهدين. PageV05P500 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العلق # وهي مكية بإجماع. وهي أول ما نزل من كتاب الله تعالى، نزل صدرها في غار ~~حراء حسبما ثبت في صحيح البخاري وغيره، وروي من طريق جابر بن عبد الله أن ~~أول ما نزل: يا ms3755 أيها المدثر [المدثر: 1] وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل: ~~أول ما نزل فاتحة الكتاب، والقول الأول أصح، والترتيب في أخبار النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقتضي ذلك. # قوله عز وجل: ### || [سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 19] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) ~~الذي علم بالقلم (4) # علم الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) ~~إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) # عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) ~~أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) # كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ~~ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) # في صحيح البخاري في حديث عائشة رضي الله عنها، قال: أول ما بدئ به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا ~~جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه التحنث في غار حراء، فكان يخلو فيه فيتحنث ~~فيه الليالي ذوات العدد ثم ينصرف حتى جاءه الملك وهو في غار حراء، فقال له: ~~اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني ثم كذلك ثلاث مرات، فقال له ~~في الثالثة: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق إلى قوله ما لم ~~يعلم، قال فرجع بها رسول ترجف بوادره الحديث بطوله، ومعنى هذه الآية، اقرأ ~~هذا القرآن باسم ربك، أي ابدأ فعلك بذكر اسم ربك، كما قال: اركبوا فيها بسم ~~الله [هود: 41] هذا وجه. ووجه آخر في كتاب الثعلبي أن المعنى: اقرأ في أول ~~كل سورة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم ووجه آخر أن يكون المقروء الذي أمر ~~بقراءته هو باسم ربك الذي خلق، كأنه قال له: اقرأ هذا اللفظ، ولما ذكر الرب ~~وكانت العرب في الجاهلية تسمي الأصنام أربابا جاءه بالصفة التي لا شركة ~~للأصنام فيها، وهي قوله تعالى: الذي خلق، ثم مثل لهم من المخلوقات ما لا ~~مدافعة فيه، وما يجده ms3756 كل مفطور في نفسه، فقال: خلق الإنسان من علق، PageV05P501 # وخلقة الإنسان من أعظم العبر حتى أنه ليس في المخلوقات التي لدينا أكثر ~~عبرا منه في عقله وإدراكه ورباطات بدنه وعظامه، والعلق جمع علقة، وهي ~~القطعة اليسيرة من الدم، والإنسان هنا: # اسم الجنس، ويمشي الذهن معه إلى جميع الحيوان، وليست الإشارة إلى آدم، ~~لأنه مخلوق من طين، ولم يكن ذلك متقررا عند الكفار المخاطبين بهذه الآية، ~~فلذلك ترك أصل الخلقة وسيق لهم الفرع الذي هم به مقرون تقريبا لأفهامهم، ثم ~~قال تعالى: اقرأ وربك الأكرم على جهة التأنيس، كأنه يقول: امض لما أمرت به ~~وربك ليس كهذه الأرباب، بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص، فهو ينصرك ويظهرك، ~~ثم عدد تعالى نعمة الكتاب بالقلم على الناس وهي موضع عبرة وأعظم منفعة في ~~المخاطبات وتخليد المعارف، وقوله تعالى: علم الإنسان ما لم يعلم قيل: ~~المراد محمد عليه السلام، وقيل: اسم الجنس وهو الأظهر، وعدد نعمته اكتساب ~~المعارف بعد جهله بها، وقوله تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى الآية نزلت بعد ~~مدة من شأن أبي جهل بن هشام، وذلك أنه طغى لغناه ولكثرة من يغشى ناديه من ~~الناس، فناصب رسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة ونهاه عن الصلاة في ~~المسجد، ويروى أنه قال: لئن رأيت محمدا يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه، ~~فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد عليه القول وانتهره وتوعده، فقال ~~أبو جهل: أيتوعدني، وما والي بالوادي أعظم نديا مني، ويروى أيضا أنه جاء ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي فهم بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة، ثم كع ~~عنه وانصرف، فقيل له: ما هذا؟ فقال: # لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار، وهول وأجنحة، ويروى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لو دنا مني لأخذته الملائكة عيانا» ، فهذه السورة من ~~قوله: كلا إلى آخرها نزلت في أبي جهل، وكلا: # هي رد على أقوال أبي جهل وأفعاله، ويتجه أن تكون بمعنى: حقا، فهي تثبيت ~~لما بعدها ms3757 من القول والطغيان: تجاوز الحدود الجميلة، والغني: مطغ إلا من ~~عصم الله والضمير في رآه للإنسان المذكور، كأنه قال: أن رأى نفسه غنيا، وهي ~~رؤية قلب تقرب من العلم، ولذلك جاز أن يعمل فعل الفاعل في نفسه، كما تقول: ~~وجدتني وطننتني ولا يجوز أن تقول: ضربتني، وقرأ الجمهور: «أن رآه» ، بالمد ~~على وزن رعاه، واختلفوا في الإمالة وتركها، وقرأ ابن كثير من طريق قنبل: ~~«أن رأه» ، على وزن رعه، على حذف لام الفعل وذلك تخفيف، ثم حقر غنى هذا ~~الإنسان وما له بقوله: إن إلى ربك الرجعى # أي الحشر والبعث يوم القيامة، والرجعى # : مصدر كالرجوع، وهو على وزن: العقبى ونحوه، وفي هذا الخبر: وعيد للطاغين ~~من الناس، ثم صرح بذكر الناهي لمحمد عليه السلام، ولم يختلف أحد من ~~المفسرين في أن الناهي: أبو جهل، وأن العبد المصلي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقوله تعالى: # أرأيت توقيف وهو فعل لا يتعدى إلى مفعولين على حد الرؤية من العلم بل ~~يقتصر به، وقوله تعالى: # ألم يعلم بأن الله يرى إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث يصلح ~~مع كل واحد منهما فجاء بها في نسق ثم جاء بالوعيد الكافي لجميعها اختصارا ~~واقتضابا، ومع كل تقرير من الثلاثة تكملة مقدرة تتسع العبارات فيها، وقوله: ~~ألم يعلم دال عليها مغن، وقوله تعالى: إن كان يعني العبد المصلي، وقوله: إن ~~كذب وتولى، يعني الإنسان الذي ينهى، ونسب الرؤية إلى الله تعالى بمعنى يدرك ~~أعمال الجميع بإدراك: سماه رؤية، والله منزه عن الجارحة وغير ذلك من ~~المماثلات المحدثات، ثم توعد تعالى PageV05P502 # إن لم ينته بأن يؤخذ بناصيته فيجر إلى جهنم ذليلا، تقول العرب: سفعت بيدي ~~ناصية الفرس، والرجل إذا جذبتها مذللا له، قال عمرو بن معد يكرب: [الكامل] # قوم إذا سمعوا الصياح رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع # فالآية على نحو قوله: فيؤخذ بالنواصي والأقدام [الرحمن: 41] وقال بعض ~~العلماء بالتفسير: # لنسفعا معناه: لنحرقن من قولهم سفعته النار إذا أحرقته، واكتفى بذكر ~~الناصية لدلالتها على الوجه، وجاء ms3758 لنسفعا في خط المصحف بألف بدل النون، ~~وقرأ أبو عمرو في رواية هارون: «لنسفعن» مثقلة النون، وفي مصحف ابن مسعود: ~~«لأسفعن بالناصية ناصية كاذبة فاجرة» ، وقرأ أبو حيوة: «ناصية كاذبة خاطئة» ~~بالنصب في الثلاثة، وروي عن الكسائي أنه قرأ بالرفع فيها كلها، والناصية ~~مقدم شعر الرأس، ثم أبدل النكرة من المعرفة في قوله: ناصية كاذبة ووصفها ~~بالكذب والخطإ من حيث صفة لصاحبها، كما تقول: يد سارقة، وقوله: فليدع ناديه ~~إشارة إلى قول أبي جهل، وما بالوادي أكثر ناديا مني، والنادي والندى المجلس ~~ومنه دار الندوة ومنه قول زهير: [الكامل] # وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل # ومنه قول الأعرابية: سيد ناديه، وثمال عافية، والزبانية ملائكة العذاب ~~واحدهم زبنية، وقال الكسائي زبني، وقال عيسى بن عمر والأخفش: زابن وهم ~~الذين يدفعون الناس في النار، والزبن الدفع، ومنه حرب زبون أي تدفع الناس ~~عن نفسها، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترموم # ومنه قول عتبة بن أبي سفيان: وقد زبتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي ~~أمنا، ومنه قول الشاعر: # [الوافر] # عدتني عن زيارتك الأعادي ... وحالت بيننا حرب زبون # وحذف الواو من سندع في خط المصحف اختصارا وتخفيفا، والمعنى: سندع ~~الزبانية لعذاب هذا الذي يدعو ناديه، وقرأ ابن مسعود: «فليدع إلى ناديه» ، ~~ثم قال تعالى لمحمد عليه السلام: كلا ردا على قول هذا الكافر وأفعاله لا ~~تطعه أي لا تلتفت إلى نهية وكلامه، واسجد لربك واقترب إليه بسجودك وبالطاعة ~~والأعمال الصالحة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما ~~يكون العبد من ربه إذا سجد، فأكثروا من الدعاء في السجود فقمين أن يستجاب ~~لكم» . وقال مجاهد: ثم قال ألم تسمعوا: # واسجد واقترب، وروى ابن وهب عن جماعة من أهل العلم أن قوله تعالى: واسجد ~~خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن اقترب خطاب لأبي جهل، أي إن كنت تجترئ ~~حتى ترى كيف تهلك، وهذه السورة فيها سجدة عند جماعة من أهل العلم، ms3759 منهم في ~~مذهب مالك ابن وهب. PageV05P503 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القدر # اختلف الناس في موضع نزول هذه السورة، فقال قتادة: هي مكية، وقال ابن ~~عباس وغيره: هي مدنية. # قوله عز وجل: ### || [سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر ~~خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) # سلام هي حتى مطلع الفجر (5) # الضمير في أنزلناه للقرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة المعنى عليه، فقال ~~ابن عباس وغيره: أنزله الله تعالى ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة، ثم ~~نجمه على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة، وقال الشعبي وغيره: إنا ~~ابتدأنا إنزال هذا القرآن إليك في ليلة القدر، وقد روي أن نزول الملك في ~~حراء كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل وقد روي أنه قد ~~نزل في الرابع عشر من رمضان، فلا يستقيم هذا التأويل إلا على قول من يقول ~~إن ليلة القدر تستدير الشهر كله ولا تختص بالعشر الأواخر، وهو قول ضعيف، ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم يرده في قوله: «فالتمسوها في العشر الأواخر ~~من رمضان» وقال جماعة من المتأولين معنى قوله: إنا أنزلناه في ليلة القدر، ~~إنا أنزلنا هذه السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها. وإذا كانت السورة من ~~القرآن جاء الضمير للقرآن تفخيما وتحسينا، فقوله تعالى: في ليلة هو قول عمر ~~بن الخطاب: لقد خشيت أن ينزل في قرآن ليلة نزول سورة الفتح، ونحو قول عائشة ~~في حديث الإفك: لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن، وليلة القدر: هي ~~ليلة خصها الله تعالى بفضل عظيم وجعلها أفضل من ألف شهر، لا ليلة قدر فيها، ~~قاله مجاهد وغيره، وخصت هذه الأمة بهذه الفضيلة لما رأى محمد عليه السلام ~~أعمال أمته فتقاصرها، وقوله تعالى: وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر ~~عبارة عن تفخيم لها، ثم أداره تعالى بعد قوله: ليلة القدر ms3760 خير، قال ابن ~~عيينة في صحيح البخاري ما كان في القرآن: وما أدراك فقد أعلمه، وما قال: ~~«وما يدريك» فإنه لم يعلم، وذكر ابن عباس وقتادة وغيره: أنها سميت ليلة ~~القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العالم كلها ويدفع ~~ذلك إلى الملائكة لتمتثله، وقد روي مثل هذا في ليلة النصف من شعبان، ولهذا ~~ظواهر من كتاب الله عز وجل على نحو قوله تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم ~~[الدخان: 4] ، وأما PageV05P504 # الصحة المقطوع بها فغير موجودة، وقال الزهري معناه: ليلة القدر العظيم ~~والشرف الشأن من قولك: رجل له قدر، وقال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر ~~لأنها تكسب من أحياها قدرا عظيما لم يكن من قبل، وترده عظيما عند الله ~~تعالى، وقيل سميت بذلك لأن كل العمل فيها له قدر خطير، وليلة القدر مستديرة ~~في أوتار العشر الأواخر من رمضان، هذا هو الصحيح المعول عليه، وهي في ~~الأوتار بحسب الكمال والنقصان في الشهر، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ~~ليلة عشرين في كل ليلة إلى آخر الشهر، لأن الأوتار مع كمال الشهر، ليست ~~الأوتار مع نقصانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الثالثة تبقى ~~لخامسة تبقى، لسابعة تبقى» ، وقال: «التمسوها في الثالثة والخامسة والسابعة ~~والتاسعة» ، وقال مالك: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وقال ابن حبيب: ~~يريد مالك إذا كان الشهر ناقصا، فظاهر هذا أنه عليه السلام احتاط في كمال ~~شهر ونقصانه، وهذا لا تتحصل معه الليلة إلا بعمارة العشر كله، وروي عن أبي ~~حنيفة وقوم: أن ليلة القدر رفعت، وهذا قول مردود، وإنما رفع تعيينها، وقال ~~ابن مسعود: من يقم السنة كلها يصبها، وقال أبو رزين هي أول ليلة من شهر ~~رمضان، وقال الحسن: هي ليلة سبع عشرة، وهي التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، ~~وقال كثير من العلماء: هي ليلة ثلاث وعشرين، وهي رواية عبد الله بن أنيس ~~الجهني، وقاله ابن عباس، وقال أيضا هو وجماعة من الصحابة: هي ليلة سبع ~~وعشرين، واستدل ابن عباس على قوله ms3761 بأن الإنسان خلق من سبع وجعل رزقه في ~~سبع، واستحسن ذلك عمر رضي الله عنه، وقال زيد بن ثابت وبلال: هي ليلة أربع ~~وعشرين، وقال بعض العلماء: أخفاها الله تعالى عن عباده ليجدوا في العمل ولا ~~يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها، ثم عظم تعالى أمر ليلة القدر على نحو ~~قوله: وما أدراك ما الحاقة [الحاقة: 2] وغير ذلك، ثم أخبر أنها أفضل لمن ~~عمل فيها عملا من ألف شهر، وهي ثمانون سنة وثلاثة أعوام وثلث عام. وروي عن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه # قال حين عوتب في تسليمه الأمر لمعاوية: إن الله تعالى أرى نبيه في المنام ~~بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك فأعطاه الله ليلة القدر، ~~وهي خير من مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون الناس هذا القدر من ~~الزمان. # قال القاضي أبو محمد: ثم كشف الغيب أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان ~~الجعدي هذا القدر من الزمان بعينه مع أن القول يعارضه أنه قد ملك بنو أمية ~~في غرب الأرض مدة غير هذه، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ~~قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . والروح هو جبريل ~~وقيل: هم صنف حفظة الملائكة وقوله تعالى: بإذن ربهم من كل أمر اختلف الناس ~~في معناه، فمن قال إن في هذه الليلة تقدر الأمور للملائكة قال: إن هذا ~~التنزل لذلك، ومن لابتداء الغاية أي نزولهم من أجل هذه الأمور المقدرة ~~وسببها، ويجيء سلام خبرا بنداء مستأنفا أي سلام هذه الليلة إلى أول يومها، ~~وهذا قول نافع المقرئ والفراء وأبي العالية، وقال بعضهم من بمعنى الباء أي ~~بكل أمر، ومن لم يقل بقدر الأمور في تلك الليلة قال معنى الآية تنزل ~~الملائكة والروح فيها بإذن ربهم بالرحمة والغفران والفواضل، ثم جعل قوله من ~~كل أمر متعلقا بقوله: سلام هي أي من كل أمر مخوف ينبغي أن يسلم منه فهي ~~سلام، وقال مجاهد: ms3762 لا يصيب أحدا فيها داء. وقال الشعبي ومنصور: سلام بمعنى PageV05P505 # التحية أي تسلم الملائكة على المؤمنين، وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبي: ~~«من كل امرئ» أي يسلم فيها من كل امرئ سوء، فهذا على أن سلاما بمعنى سلامة، ~~وروي عنه أن سلاما بمعنى تحية، «وكل امرئ» يراد بهم الملائكة أي من كل ملك ~~تحية على المؤمنين، وهذا للعاملين فيها بالعبادة. وذهب من يقول بانتهاء ~~الكلام في قوله: سلام إلى أن قوله هي إنما هذا إشارة إلى أنها ليلة سبع ~~وعشرين من الشهر، إذ هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة، وذكر ~~هذا الغرض ابن بكير وأبو بكر الوراق والنقاش عن ابن عباس، وقرأ جمهور ~~السبعة: «حتى مطلع الفجر» بفتح اللام، وقرأ الكسائي والأعمش وأبو رجاء وابن ~~محيصن وطلحة: «حتى مطلع» بكسر اللام، فقيل هما بمعنى مصدران في لغة بني ~~تميم، وقيل الفتح المصدر والكسر موضع الطلوع عند أهل الحجاز، والقراءة ~~بالفتح أوجه على هذا القول، والأخرى تتخرج على تجوز كان الوقت ينحصر في ذلك ~~الموضع ويتم فيه، ويتجه الكسر على وجه آخر، وهو أنه قد شذ من هذه المصادر ~~ما كسر كالمعجزة، وقولهم علاه المكبر بفتح الميم وكسر الباء، ومنه المحيض ~~فيجري المطلع مصدرا مجرى ما شذ، وفي حرف أبي بن كعب رضي الله عنه: «سلام هي ~~إلى مطلع الفجر» . PageV05P506 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البينة # وهي مكية في قول جمهور المفسرين، وقال ابن الزبير وعطاء بن يسار إنها ~~مدنية والأول أشهر. # قوله عز وجل: ### || سورة البينة (98) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة (5) # وفي حرف أبي بن كعب: «ما كان الذين» ، وفي حرف ابن مسعود: «لم يكن ~~المشركين وأهل الكتاب منفكين» ms3763 . وقوله تعالى: منفكين معناه منفصلين ~~متفرقين، تقول انفك الشيء عن الشيء إذا انفصل عنه، وما انفك التي هي من ~~أخوات كان لا مدخل بها في هذه الآية، ونفى في هذه الآية أن تكون هذه ~~الصنيعة منفكة، واختلف الناس عماذا، فقال مجاهد وغيره: لم يكونوا منفكين عن ~~الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة، وأوقع المستقبل موضع الماضي في تأتيهم، ~~لأن باقي الآية وعظمها لم يرده بعد، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكين ~~عن معرفة صحة نبوة محمد عليه السلام، والتوكف لأمره حتى جاءتهم البينة ~~تفرقوا عند ذلك، وذهب بعض النحويين إلى هذا النفي المتقدم مع منفكين يجعلها ~~تلك التي هي مع كان، ويرى التقدير في خبرها عارفين أمر محمد أو نحو هذا، ~~ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد لم يكن ~~هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم ~~رسولا منذرا تقوم عليهم به الحجة، وتتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما ~~كانوا ليتركوا سدى وبهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، وقرأ بعض الناس: ~~«والمشركون» بالرفع، وقرأ الجمهور: # «والمشركين» بالخفض ومعناهما بين، والبينة معناه: القصة البينة والجلية، ~~والمراد محمد عليه السلام، وقرأ الجمهور: «رسول الله» بالرفع وقرأ أبي: ~~«رسولا» بالنصب على الحال، والصحف المطهرة: القرآن في صحفه، قاله الضحاك ~~وقتادة، وقال الحسن الصحف المطهرة في السماء، وقوله عز وجل: فيها كتب قيمة ~~فيه حذف مضاف تقديره فيها أحكام كتب وقيمة: معناه قائمة معتدلة آخذة للناس PageV05P507 # بالعدل وهو بناء مبالغة، فإلى قيمة هو ذكر من آمن من الطائفتين، ثم ذكر ~~تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا في ~~أمر محمد إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل مصفقين على ~~نبوته وصفته، فلما جاء من العرب حسدوه، وقرأ جمهور الناس: «مخلصين» بكسر ~~اللام، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «مخلصين» بفتح اللام، وكأن الدين على هذه ~~القراءة منصوب ب بعد أو بمعنى ms3764 يدل عليه على أنه كالظرف أو الحال، وفي هذا ~~نظر، وقيل لعيسى عليه السلام: من المخلص لله؟ قال الذي يعمل العمل لله ولا ~~يحب أن يحمده الناس عليه، وحنفاء: جمع حنيف وهو المستقيم المائل إلى طرق ~~الخير، قال ابن جبير: لا تسمي العرب حنيفا إلا من حج واختتن، وقال ابن ~~عباس: حنفاء: حجاجا مسلمين، وحنفاء نصب على الحال، وكون «الصلاة» مع ~~«الزكاة» في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها يقوي من قول السورة مدنية، ~~لأن الزكاة فرضت بالمدينة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دفع لمناقضة ~~أهل الكتاب بالمدينة، وقرأ الجمهور: «وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة ~~القيمة أو الفرقة القيمة، وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: هنا الكتب التي ~~جرى ذكرها، وقرأ بعض الناس: «وذلك الدين القيمة» ، فالهاء في «القيمة» على ~~هذه القراءة كعلامة ونسابة، ويتجه ذلك أيضا على أن يجعل الدين بمنزلة ~~الملة. # قوله عز وجل: ### || [سورة البينة (98) : الآيات 6 الى 8] # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) ~~جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) # حكم الله في هذه الآية بتخليد الكافرين من أهل الكتاب والمشركين وهم عبدة ~~الأوثان في النار وبأنهم شر البرية، و «البرية» جميع الخلق لأن الله تعالى ~~برأهم أو أوجدهم بعد العدم، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج: «البريئة» بالهمز ~~من برأ، وقرأ الباقون والجمهور: «البرية» بشد الياء بغير همز على التسهيل، ~~والقياس الهمز إلا أن هذا مما ترك همزه كالنبي والذرية، وقرأ بعض النحويين: ~~«البرية» مأخوذ من البراء وهو التراب، وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ وغلطا ~~وهو اشتقاق غير مرضي، والذين آمنوا وعملوا الصالحات شروط جميع أمة محمد، ~~ومن آمن بنبيه من الأمم الماضية، وقرأ بعض الناس «خير» . # وقرأ بعض قراء مكة: «خيار» بالألف، وروي حديث عن النبي صلى الله عليه ms3765 ~~وسلم أنه قرأ هذه الآية: «أولئك هم خير البريئة» . # ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه «أنت يا علي وشيعتك من خير البرية» ~~، ذكره الطبري، وفي الحديث: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا خير ~~البرية» ، فقال له: ذلك إبراهيم عليه السلام، وقوله تعالى: جزاؤهم عند ربهم ~~جنات عدن تجري من تحتها الأنهار فيه حذف مضاف تقديره سكنى PageV05P508 # جنات عدن أو دخول جنات عدن، والعدن الإقامة والدوام، عدن بالموضع أقام ~~فيه، ومنه المعدن لأنه رأس ثابت، وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي ~~سوطها، وقوله: رضي الله عنهم ورضوا عنه قيل ذلك في الدنيا، فرضاه عنهم هو ~~ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه: هو رضاهم بجميع ما ~~قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار. قال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله ~~رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه، وقال أبو بكر بن ~~طاهر: الرضى عن الله خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور، ~~وقال السري السقطي: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟ وقيل ~~ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من النعم، ورضاهم عنه هو ~~ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم ~~ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: أنا ~~أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا، وخص الله بالذكر ~~أهل الخشية لأنها رأس كل بركة الناهية عن المعاصي الآمرة بالمعروف. PageV05P509 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزلزلة # وهي مكية، قاله ابن عباس وغيره. وقال قتادة ومقاتل: هي مدنية، لأن آخرها ~~نزل بسبب رجلين كانا بالمدينة. # قوله عز وجل: ### || سورة الزلزلة (99) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما ~~لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) # بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ms3766 (6) فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) # العامل في: إذا على قول جمهور النحاة، وهو الذي يقتضيه القياس فعل مضمر ~~يقتضيه المعنى وتقديره: تحشرون أو تجازون، ونحو هذا، ويمتنع أن يعمل فيه ~~زلزلت لأن إذا مضافة إلى زلزلت، ومعنى الشرط فيها ضعيف وقال بعض النحويين: ~~يجوز أن يعمل فيها زلزلت، لأن معنى الشرط لا يفارقها، وقد تقدمت نظائرها في ~~غير سورة، وزلزلت معناه: حركت بعنف، ومنه الزلزال، وقوله تعالى: زلزالها ~~أبلغ من قوله: زلزال، دون إضافة إليها، وذلك أن المصدر غير مضاف يقع على كل ~~قدر من الزلزال وإن قل، وإذا أضيفت إليها وجب أن يكون على قدر ما يستحقه ~~ويستوجبه جرمها وعظمها، وهكذا كما تقول: أكرمت زيدا كرامة فذلك يقع على كل ~~كرامة وإن قلت بحسب زيد، فإذا قلت كرامته أوجبت أنك قد وفيت حقه، وقرأ ~~الجمهور: «زلزالها» بكسر الزاي الأولى، وقرأ بفتحها عاصم الجحدري، وهو أيضا ~~مصدر كالوسواس وغيره. و «الأثقال» : الموتى الذين في بطنها قاله ابن عباس، ~~وهذه إشارة إلى البعث، وقال قوم من المفسرين منهم منذر بن سعيد الزجاج ~~والنقاش: أخرجت موتاها وكنوزها. # قال القاضي أبو محمد: وليست القيامة موطنا لإخراج الكنوز، وإنما تخرج ~~كنوزها وقت الدجال. # و «قول الإنسان ما لها» هو قول على معنى التعجب من هول ما يرى، قال جمهور ~~المفسرين: الإنسان هنا يراد به الكافر، وهذا متمكن لأنه يرى ما لم يظن به ~~قط ولا صدقه، وقال بعض المتأولين هو عام في المؤمن والكافر، فالكافر على ما ~~قدمناه، والمؤمن وإن كان قد آمن بالبعث فإنه استهول المرأى، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» . و «أخبار الأرض» قال ابن مسعود ~~والثوري وغيره: هو PageV05P510 # شهادتهما بما عمل عليها من عمل صالح أو فاسد، فالحديث على هذا حقيقة، ~~والكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتها ~~وحصلتها، وانتزع بعض العلماء من قوله تعالى: # تحدث أخبارها أن قول المحدث: حدثنا وأخبرنا سواء، وقال الطبري ms3767 وقوم: ~~التحديث في الآية مجاز، والمعنى أن ما تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها ~~وتفتت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها، ويؤيد ~~القول الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن ~~جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» ، وقرأ عبد الله بن مسعود: ~~«تنبئ أخبارها» ، وقرأ سعيد بن جبير: «تبين» وقوله تعالى: بأن ربك أوحى لها ~~الباء باء السبب، وقال ابن عباس وابن زيد والقرظي المعنى: أوحى لها، وهذا ~~الوحي على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحي إلهام، ويحتمل أن يكون وحيا برسول ~~من الملائكة، وقد قال الشاعر: # أوحى لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت # والوحي في كلام العرب إلقاء المعنى إلقاء خفيا، وقال بعض المتأولين: أوحى ~~لها معناه: # أوحى إلى ملائكته المصرفين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال، وقوله تعالى: ~~لها بمعنى: من أجلها ومن حيث الأفعال فيها فهي لها، وقوله تعالى: يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا بمعنى: يتصرفون موضع وردهم مختلفي الأحوال وواحد ~~الأشتات: شت، فقال جمهور الناس: # الورد، هو الكون في الأرض بالموت والدفن، والصدر: هو القيام للبعث، ~~وأشتاتا: معناه: قوم مؤمنون وقوم كافرون، وقوم عصاة مؤمنون، والكل سائر إلى ~~العرض ليرى عمله، ويقف عليه، وقال النقاش: الورد هو ورد المحشر، والصدر ~~أشتاتا: هو صدر قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار، وقوله تعالى: ليروا أعمالهم ~~إما أن يكون معناه جزاء أعمالهم يراه أهل الجنة من نعيم وأهل النار ~~بالعذاب، وإما أن يكون قوله تعالى: ليروا أعمالهم متعلقا بقوله: بأن ربك ~~أوحى لها، ويكون قوله: يومئذ يصدر الناس أشتاتا اعتراضا بين أثناء الكلام، ~~وقرأ جمهور الناس: «ليروا» ، بضم الياء على بناء الفاعل للمفعول، وقرأ ~~الحسن والأعرج وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة: «ليروا» بفتح الياء على ~~بنائه للفاعل، ثم أخبر تعالى أنه من عمل عملا رآه قليلا كان أو كثيرا، ~~فخرجت العبارة عن ذلك بمثال التقليل، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام مفهوم ~~الخطاب، وهو أن يكون المذكور والمسكوت ms3768 عنه في حكم واحد، ومنه قوله تعالى: ~~فلا تقل لهما أف [الإسراء: 23] ، وهذا كثير، وقال ابن عباس وبعض المفسرين: ~~رؤية هذه الأعمال هي في الآخرة، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها، فيرى ~~الخير كله من كان مؤمنا، والكافر لا يرى في الآخرة خيرا، لأن خيره قد عجل ~~له في الدنيا، وكذلك المؤمن أيضا تعجل له سيئاته الصغار في دنياه في ~~المصائب والأمراض ونحوها فيجيء من مجموع هذا أن من عمل من المؤمنين مثقال ~~ذرة من خير أو شر رآه، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيرا في الآخرة. ومنه ~~حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت ما كان عبد الله ~~بن جدعان يفعله من البر وصلة الرحم وإطعام الطعام، أله في ذلك أجر؟ قال: ~~«لا، لأنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» . وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، يسمي هذه الآية الجامعة الفادة، وقد نص على ذلك حين سئل عن ~~الحمر الحديث، وأعطى PageV05P511 # سعد بن أبي وقاص سائلا ثمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد: ما هذا؟ إن ~~الله تعالى قبل منا مثاقيل الذر وفعلت نحو هذا عائشة في حبة عنب وسمع هذه ~~الآية صعصعة بن عقال التيمي عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حسبي لا ~~أبالي أن لا أسمع غيرها، وسمعها رجل عند الحسن، فقال: انتهت الموعظة، فقال ~~الحسن: فقه الرجل، وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «يره» ، بسكون ~~الهاء في الأولى والأخيرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة ~~والكسائي ونافع فيما روى عنه ورش والحلواني عن قالون عنه في الأولى «يرهو» ~~، وأما الآخرة فإنه سكون وقف، وأما من أسكن الأولى فهي على لغة من يخفف ~~أمثال هذا ومنه قول الشاعر: # ونضواي مشتاقان له أرقان وهذه على لغة لم يحكها سيبويه، لكن حكاها ~~الأخفش، وقرأ أبو عمرو: «يره» بضم الهاء فيهما مشبعتان، وقرأ أبان عن عاصم ~~وابن عباس وأبو حيوة وحميد بن الربيع ms3769 عن الكسائي: «يره» ، بضم الياء، وهي ~~رؤية بصره بمعنى: يجعل يدركه ببصره، والمعنى: يرى جزاءه وثوابه، لأن ~~الأعمال الماضية لا ترى بعين أبدا، وهذا الفعل كله هو من رأيت بمعنى أدركت ~~ببصري، فتعديه إنما هو إلى مفعول واحد، وقرأ عكرمة: «خيرا يراه» و «شرا ~~يراه» ، وقال النقاش: ليست برؤية بصر، وإنما المعنى يصيبه ويناله، ويروى أن ~~هذه السورة نزلت وأبو بكر يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فترك أبو بكر ~~الأكل وبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك، فقال: يا ~~رسول الله: أو أسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يا أبا بكر: ما رأيت في الدنيا مما تكره، فمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك ~~مثاقيل ذر الخير إلى الآخرة، و «الذرة» نملة صغيرة حمراء رقيقة لا يرجح لها ~~ميزان، ويقال إنها تجري إذا مضى لها حول، وقد تؤول ذلك في قول امرئ القيس: ~~[الطويل] # من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا # وحكى النقاش أنهم قالوا: كان بالمدينة رجلان، أحدهما لا يبالي عن الصغائر ~~يرتكبها، وكان الآخر: يريد أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من الصدقة، ~~فنزلت الآية فيهما، كأنه يقال لأحدهما: # تصدق باليسير، فإن مثقال ذرة الخير ترى، وقيل للآخر: كف عن الصغائر فإن ~~مقادير ذر الشر ترى. # نجز تفسيرها والحمد لله كثيرا. PageV05P512 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العاديات # وهي مكية في قول جماعة من أهل العلم، وقال المهدوي عن أنس بن مالك: وهي ~~مدنية. # قوله عز وجل: ### || [سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا ~~(4) # فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) ~~وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) # وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) # اختلف الناس في المراد: ب العاديات، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: ~~أراد الخيل لأنها تعدو ms3770 بالفرسان وتصيح بأصواتها، قال بعضهم: وسببها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا إلى بني كنانة سرية فأبطأ أمرها عليه حتى ~~أرجف بهم بعض المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله عليه السلام قد فعلت ~~جميع ما في الآية، وقال آخرون: القسم هو بالخيل جملة لأنها تعدو ضابحة ~~قديما وحديثا، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم ~~القيامة، وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن عمير: ~~العاديات في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال علي: والقسم بالإبل ~~العاديات من عرفة ومن مزدلفة إذا وقع الحاج وبإبل غزوة بدر فإنه لم يكن في ~~الغزوة غير فرسين: فرس المقداد وفرس الزبير بن العوام، والضبح: تصويت جهير ~~عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعتاد من صوت ~~الحيوان الذي يضبح. وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ليس يضبح من ~~الحيوان غير الخيل والكلاب، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، ~~وذلك أن الإبل تضبح والأسود من الحيات والبوم والصدى والأرنب والثعلب، ~~والقوس هذه كلها قد استعملت لها العرب الضبح، وأنشد أبو حنيفة في صفة قوس: ~~[الرجز] # حنانة من نشم أو تالب ... تضبح في الكف ضباح الثعلب # والظاهر في الآية، أن القسم بالخيل أو بالإبل أو بهما، قوله تعالى: ~~فالموريات قدحا قال علي بن أبي طالب وابن مسعود: هي الإبل، وذلك أنها في ~~عدوها ترجم الحصى بالحصى فيتطاير منه النار فذلك القدح. قال ابن عباس: هي ~~الخيل، وذلك بحوافرها في الحجارة وذلك معروف. وقال عكرمة: PageV05P513 # الموريات قدحا: هي الألسن، فهذا على الاستعارة أي ببيانها تقدح الحجج ~~وتظهرها. وقال مجاهد: # الموريات قدحا، يريد به مكر الرجال، وقال قتادة: «الموريات» ، الخيل تشعل ~~الحرب، فهذا أيضا على الاستعارة البينة، وقال ابن عباس أيضا وجماعة من ~~العلماء: الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه نارا، وذلك شائع في ~~الأمم طول الدهر وهو نفع عظيم من الله ms3771 تعالى، وقد وقف عليه في قوله تعالى: ~~أفرأيتم النار التي تورون [الواقعة: 71] معناه: تظهرون بالقدح، قال عدي بن ~~زيد: # [الخفيف] # فقدحنا زنادا وورينا ... فوق جرثومة من الأرض نار # وقوله تعالى: فالمغيرات صبحا قال علي وابن مسعود: هي الإبل من مزدلفة إلى ~~منى أو في بدر، والعرب تقول: أغار إذا عدا جريا ونحوه، وقال ابن عباس ~~وجماعة كثيرة: هي الخيل واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير ~~الأمم، وعرف الغارات أنها مع الصباح لأنها تسري ليلة الغارة والنقع: الغبار ~~الساطع المثار، وقرأ أبو حيوة: «فأثرن» بشد الثاء، والضمير في: به ظاهر أنه ~~للصبح المذكور، ويحتمل أن يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى وإن كان ~~لم يجر له ذكر، ولهذا أمثلة كثيرة، ومشهورة إثارة النقع هو للخيل ومنه قول ~~الشاعر [البسيط] # يخرجن من مستطير النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو هنا الإبل تثير النقع بأخفافها، ~~وقوله تعالى: فوسطن به جمعا قال ابن عباس وعلي: هي الإبل، وجمعا: هي ~~المزدلفة، وقال ابن عباس: هي الخيل، والمراد جمع من الناس هم المغيرون، ~~وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة وابن أبي ليلى: «فوسطن» بشد السين. وقال بشر ~~بن أبي حازم: [الكامل] # فوسطن جمعهم وأفلت حاجب ... تحت العجاجة في الغبار الأقتم # وذكر الطبري عن زيد بن أسلم: أنه كان يكره تفسير هذه الألفاظ، ويقول: هو ~~قسم أقسم الله به، وجمهور الأمة وعلماؤها مفسرون لها كما ذكرنا، والقسم ~~واقع على قوله: إن الإنسان لربه لكنود وروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «أتدرون ما الكنود؟ قالوا لا يا رسول الله، قال: هو الكفور ~~الذي يأكل وحده ويمنع رفده، ويضرب عبده» . وقد يكون من المؤمنين الكفور ~~بالنعمة، فتقدير الآية: إن الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرض كنود لا تنبت ~~شيئا، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكنود اللائم لربه الذي يعد السيئات وينسى ~~الحسنات، والكنود العاصي بلغة كندة، ويقال للخيل كنود، وقال أبو زبيد: ~~[الخفيف] ms3772 # إن تفتني فلم أطب بك نفسا ... غير أني أمنى بدهر كنود # وقال الفضيل: الكنود الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة ويعامل الله على ~~عقد عوض، وقوله تعالى: وإنه على ذلك لشهيد يحتمل الضمير أن يعود على الله ~~تعالى، وقاله قتادة: أي وربه شاهد عليه، وتفسير هذا الخبر يقتضي الشهادة ~~بذلك، ويحتمل أن يعود على «الإنسان» أي أفعاله وأقواله وحاله PageV05P514 # المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه، فهو شاهد على نفسه بذلك، وهذا قول ~~الحسن ومجاهد، والضمير في قوله تعالى: وإنه لحب الخير عائد على «الإنسان» ~~لا غير، والمعنى من أجل حب الخير إنه لشديد، أي بخيل بالمال ضابط له، ومنه ~~قول الشاعر [طرفة بن العبد] : [الطويل] # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # والخير المال على عرف ذلك في كتاب الله تعالى، قال عكرمة: الخير حيث وقع ~~في القرآن فهو المال، ويحتمل أن يراد هنا الخير الدنياوي من مال وصحة وجاه ~~عند الملوك ونحوه، لأن الكفار والجهال لا يعرفون غير ذلك، فأما المحب في ~~خير الآخرة فممدوح له مرجو له الفوز وقوله تعالى: أفلا يعلم، توقيف على ~~المال والمصير أي أفلا يعلم مآله فيستعد له، و «بعثرة ما في القبور» : ~~تقصيه مما يستره والبحث عنه، وهذه عبارة عن البحث، وفي مصحف ابن مسعود: ~~«بحث ما في القبور» ، وفي حرف أبي: # «وبحثرت القبور» ، و «تحصيل ما في الصدور» : تمييزه وكشفه ليقع الجزاء ~~عليه من إيمان وكفر ونية، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يبعث ~~الناس يوم القيامة على نياتهم» ، وقرأ يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم: بفتح ~~الحاء والصاد، ثم استؤنف في الخبر الصادق، الجزم بأن الله تعالى خبير بهم ~~يومئذ، لكن خصص يومئذ لأنه يوم المجازاة، فإليه طمحت النفوس، وهذا وعيد ~~مصرح. # نجز تفسير سورة «العاديات» . PageV05P515 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القارعة # وهي مكية بلا خلاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ms3773 ~~كالفراش المبثوث (4) # وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة ~~راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) # وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) # قرأ: «القارعة ما القارعة» بالنصب عيسى، قال جمهور المفسرين: القارعة يوم ~~القيامة نفسها لأنها تقرع القلوب بهولها، وقال قوم من المتأولين: القارعة: ~~صيحة النفخة في الصور، لأنها تقرع الأسماع، وفي ضمن ذلك القلوب، وفي قوله ~~تعالى: وما أدراك تعظيم لأمرها، وقد تقدم مثله، ويوم: ظرف، والعامل فيه ~~القارعة. وأمال أبو عمرو: القارعة، و «الفراش» : طير دقيق يتساقط في النار ~~ويقصدها، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق، ومنه قول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم: «أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها تقاحم ~~الفراش والجنادب» ، وقال الفراء: # «الفراش» في الآية: غوغاء الجراد وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء، ~~المبثوث هنا معناه: # المتفرق، جمعه وجملته موجودة متصلة، وقال بعض العلماء: الناس أول قيامهم ~~من القبور كالفراش المبثوث، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، يدعوهم ~~الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر فهم حينئذ كالجراد المنتشر، لأن الجراد ~~إنما توجهه إلى ناحية مقصودة، واختلف اللغويون في: «العهن» ، فقال أكثرهم: ~~هو الصوف عاما، وقال آخرون: وهو الصوف الأحمر، وقال آخرون: هو الصوف الملون ~~ألوانا، واحتج بقول زهير: # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم # والفنا: عنب الثعلب، وحبه قبل التحطم منه الأخضر والأحمر والأصفر، وكذلك ~~الجبال جدد بيض وحمر وسود وصفر، فجاء التشبيه ملائما، وكون الجبال كالعهن، ~~إنما هو وقت التفتيت قبل النسف PageV05P516 # ومصيرها هباء، وهي درجات، والنفش: خلخلة الأجزاء وتفريقها عن تراصها، وفي ~~قراءة ابن مسعود وابن جبير: «كالصوف المنفوش» ، و «الموازين» : هي التي في ~~القيامة، فقال جمهور العلماء والفقهاء والمحدثين: ميزان القيامة بعمود ~~ليبين الله أمر العباد بما عهدوه وتيقنوه، وقال مجاهد: ليس تم ميزان إنما ~~هو العدل مثل ذكره بالميزان إذ هو أعدل ما يدري الناس، وجمعت الموازين ~~للإنسان لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة، وثقل هذا الميزان هو ms3774 بالإيمان ~~والأعمال، وخفته بعدمها وقلتها، ولن يخف خفة موبقة ميزان مؤمن. وعيشة راضية ~~معناه: ذات رضى على النسب، وهذا قول الخليل وسيبويه، وقوله تعالى: # فأمه هاوية قال كثير من المفسرين: المراد بالأم نفس الهاوية، وهي درك من ~~أدراك النار، وهذا كما يقال للأرض: أم الناس لأنها تؤويهم، وكما قال عتبة ~~بن أبي سفيان في الحرب: فنحن بنوها وهي أمنا، فجعل الله الهاوية أم الكافر ~~لما كانت مأواه، وقال آخرون: هو تفاؤل بشر فيه تجوز في أم الولاد، كما ~~قالوا: أمه ثاكل وخوى نجمه وهوى نجمه ونحو هذا، وقال أبو صالح وغيره: ~~المراد أم رأسه لأنهم يهوون على رؤوسهم، وقرأ طلحة: «فإمه» بكسر الهمزة وضم ~~الميم مشددة، ثم قرر تعالى نبيه على دراية أمرها وتعظيمه ثم أخبره أنها نار ~~حامية، وقرأ: «ما هي» بطرح الهاء في الوصل ابن إسحاق والأعمش، وروى المبرد ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: لا أم لك، فقال: يا رسول الله، ~~أتدعوني إلى الهدى وتقول: لا أم لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنما أردت لا نار لك، قال الله تعالى: فأمه هاوية. PageV05P517 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التكاثر # وهي مكية لا أعلم فيها خلافا. # قوله عز وجل: ### || سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف ~~تعلمون (4) # كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين ~~(7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) # «ألهى» معناه: شغل بلذاته، ومنه لهو الحديث والأصوات واللهو بالنساء، ~~وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر، وقرأ ابن عباس وعمران الجوني وأبو صالح: ~~«أألهاكم» على الاستفهام، والتكاثر هي المفاخرة بالأموال والأولاد والعدد ~~جملة، وهذا هجيرى أبناء الدنيا: العرب وغيرهم لا يتخلص منهم إلا العلماء ~~المتقون، وقد قال الأعشى: [السريع] # ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك ~~إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، ms3775 أو تصدقت فأمضيت» ، واختلف المتأولون ~~في معنى قوله تعالى: حتى زرتم المقابر، فقال قوم: حتى ذكرتم الموت في ~~تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثرتم بالعظام الرمام، وقال المعنى: حتى متم ~~وزرتم بأجسادكم مقابرها أي قطعتم بالتكاثر أعماركم، وعلى هذا التأويل روي ~~أن أعرابيا سمع هذه الآية فقال: بعث القوم للقيامة ورب الكعبة، فإن الزائر ~~منصرف لا مقيم، وحكى النقاش هذه النزعة من عمر بن عبد العزيز، وقال آخرون: ~~هذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة بكم ~~عن العبادة والتعلم زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة بذكره، وقال ثم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها ولا تقولوا ~~هجرا» فكان نهيه عليه السلام في معنى الآية، ثم أباح بعد لمعنى الاتعاظ لا ~~لمعنى المباهاة والتفاخر كما يصنع الناس في ملازمتها وتسنيمها بالحجارة ~~والرخام وتلوينها شرفا وبنيان النواويس عليها، وقوله تعالى: كلا سوف تعلمون ~~زجر ووعيد ثم كرر تأكيدا، ويأخذ كل إنسان من الزجر والوعيد المكررين على ~~قدر حظه من التوغل فيما يكره، هذا تأويل PageV05P518 # جمهور الناس، وقال علي بن أبي طالب: «كلا ستعلمون في القبور ثم كلا ~~ستعلمون في البعث» ، وقال الضحاك: الزجر الأول وعيده هو للكفار والثاني ~~للمؤمنين، وقرأ مالك بن دينار: «كلا ستعلمون» فيهما، وقوله تعالى: كلا لو ~~تعلمون علم اليقين جواب لو محذوف مقدر في القول أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ ~~أنفسكم من الهلكة، و «اليقين» أعلى مراتب العلم، ثم أخبر تعالى الناس أنهم ~~يرون الجحيم، وقرأ ابن عامر والكسائي: «لترون» بضم التاء، وقرأ الباقون ~~بفتحها وهي الأرجح، وكذلك في الثانية، وقرأ علي بن أبي طالب بفتح التاء ~~الأولى وضمها في الثانية، وروي ضمها عن ابن كثير وعاصم، و «ترون» أصله ~~ترأيون نقلت حركة الهمزة إلى الراء وقلبت الياء ألفا لحركتها بعد مفتوح، ثم ~~حذفت الألف لسكونها. # وسكون الواو بعدها ثم جلبت النون المشددة فحركت الواو بالضم لسكونها ~~وسكون النون الأولى من المشددة إذ قد حذفت نون الإعراب للبناء، وقال ابن ms3776 ~~عباس: هذا خطاب للمشركين، فالمعنى على هذا أنها رؤية دخول. وصلي وهو عين ~~اليقين، وقال آخرون: الخطاب للناس كلهم، فهي كقوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها [مريم: 71] ، فالمعنى أن الجميع يراها، ويجوز الناجي ~~ويتكردس فيها الكافر، وقوله تعالى: ثم لترونها عين اليقين تأكيدا في الخبر، ~~وعين اليقين حقيقته وغايته، وروي عن الحسن وأبي عمرو أنهما همزا «لترؤن» ~~ولترؤنها» بخلاف عنهما، وروى ابن كثير: «ثم لترونها» بضم التاء، ثم أخبر ~~تعالى أن الناس مسؤولون يومئذ عن نعيمهم في الدنيا كيف نالوه ولم آثروه ~~وتتوجه في هذا أسئلة كثيرة بحسب شخص شخص من منقادة لمن أعطي فهما في كتاب ~~الله تعالى، وقال ابن مسعود والشعبي وسفيان ومجاهد: النعيم هو الأمن ~~والصحة، وقال ابن عباس: هو البدن والحواس يسأل المرء فيما استعملها، وقال ~~ابن جبير: هو كل ما يتلذذ به من طعام وشراب، وأكل رسول الله عليه السلام هو ~~وبعض أصحابه رطبا وشربوا عليها ماء فقال لهم: «هذا من النعيم الذي تسألون ~~عنه» ومضى يوما عليه السلام هو وأبو بكر وعمر وقد جاؤوا إلى منزل أبي ~~الهيثم بن التيهان فذبح لهم شاة وأطعمهم خبزا ورطبا واستعذب لهم ماء وكانوا ~~في ظل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتسألن عن ~~نعيم هذا اليوم» ، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «النعيم المسئول عنه كسرة ~~تقوته والماء يرويه وثوب يواريه» ، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «أن النعيم المسئول عنه الماء البارد في الصيف» ، وقال عليه السلام: ~~«من أكل خبز البر وشرب الماء البارد فذلك النعيم الذي يسأل عنه» ، وقال ~~عليه السلام: «بيت يكنك وخرقة تواريك وكسرة تشد قلبك، وما سوى ذلك فهو ~~نعيم» . وقال النبي عليه السلام: «كل نعيم فهو مسؤول عنه إلا نعيم في سبيل ~~الله عز وجل» . # نجز تفسير سورة التكاثر PageV05P519 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العصر # وهي مكية. # قوله عز وجل: ### || [سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر ms3777 (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) # قال ابن عباس: العصر: الدهر، يقال فيه عصر وعصر بضم العين والصاد، وقال ~~امرؤ القيس: # وهل يعمن من كان في العصر الخالي وقال قتادة: العصر العشي، وقال أبي بن ~~كعب: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: «أقسم ربكم بآخر ~~النهار» ، وقال بعض العلماء: وذكره أبو علي العصر: اليوم، والعصر: # الليلة ومنه قول حميد: [الطويل] # ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # وقال بعض العلماء: العصر: بكرة والعصر: عشية وهما الأبردان، وقال مقاتل: ~~العصر هي الصلاة الوسطى أقسم بها، و «الإنسان» اسم الجنس، و «الخسر» : ~~النقصان وسوء الحال، وذلك بين غاية البيان في الكافر لأنه خسر الدنيا ~~والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن وإن كان في خسر دنياه في ~~هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة ~~وربحه الذي لا يفنى، ومن كان في مدة عمره في التواصي بالحق والصبر والعمل ~~بحسب الوصاة فلا خسر معه، وقد جمع له الخير كله، وقرأ علي بن أبي طالب: ~~«والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان» ، وفي مصحف عبد الله: # «والعصر لقد خلقنا الإنسان في خسر» وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ «إن ~~الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر إلا الذين» ، وقرأ عاصم والأعرج: ~~«لفي خسر» بضم السين، وقرأ سلام أبو المنذر: # «والعصر» بكسر الصاد «وبالصبر» بكسر الباء، وهذا لا يجوز إلا في الوقف ~~على نقل الحركة، وروي عن أبي عمرو: «بالصبر» بكسر الباء إشماما، وهذا أيضا ~~لا يكون إلا في الوقف. # نجز تفسير سورة العصر. PageV05P520 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الهمزة # وهي مكية بلا خلاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) ~~كلا لينبذن في الحطمة (4) # وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) ~~إنها عليهم مؤصدة ms3778 (8) في عمد ممددة (9) # ويل لفظ يجمع الشر والحزن، وقيل ويل: واد في جهنم، و «الهمزة» الذي يهمز ~~الناس بلسانه أي يعيبهم، ويغتابهم، وقال ابن عباس: هو المشاء بالنميم. # قال القاضي أبو محمد: ليس به لكنهما صفتان تتلازم، قال الله تعالى: هماز ~~مشاء بنميم [القلم: 11] ، وقال مجاهد: «الهمزة» الذي يأكل لحوم الناس، وقيل ~~لأعرابي: أتهمز إسرائيل فقال: إني إذا لرجل سوء، حسب أنه يقال له أتقع في ~~سبه، و «اللمزة» قريب من المعنى في الهمزة، قال الله تعالى: # ولا تلمزوا أنفسكم [الحجرات: 11] ، وقرأ ابن مسعود والأعمش والحسن: «ويل ~~الهمزة اللمزة» ، وهذا البناء الذي هو فعلة يقتضي المبالغة في معناه، قال ~~أبو العالية والحسن: الهمز بالحضور واللمز بالمغيب، وقال مقاتل ضد هذا، ~~وقال مرة: هما سواء، وقال ابن أبي نجيح: الهمز باليد والعين، واللمز ~~باللسان، وقال تعالى: ومنهم من يلمزك في الصدقات [التوبة: 58] وقيل نزلت ~~هذه الآية في الأخنس بن شريق وقيل في جميل بن عامر الجمحي ثم هي تتناول كل ~~من اتصف بهذه الصفات، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر: ~~«جمع» بشدة الميم، والباقون بالتخفيف، وقوله وعدده معناه: أحصاه وحافظ على ~~عدده وأن لا ينتقص، فمنعه من الخيرات ونفقة البر، وقال مقاتل: المعنى ~~استعده وذخره وقرأ الحسن: # «وعدده» بتخفيف الدالين، فقيل المعنى جمع مالا وعددا من عشرة، وقيل أراد ~~عددا مشددا فحل التضعيف، وهذا قلق، وقوله: يحسب أن ماله أخلده معناه: يحسب ~~أن ماله هو معنى حياته وقوامها، وأنه حفظه مدة عمره ويحفظه، ثم رد على هذه ~~الحسبة وأخبر إخبارا مؤكدا أنه ينبذ في الحطمة أي التي PageV05P521 # تحطم ما فيها وتلتهبه، وقرأ: «يحسب» بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة، ~~وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف عنه: «لينبذان» بنون مكسورة مشددة قبلها ألف، ~~يعني هو ماله، وروي عنه ضم الذال على نبذ جماعة هو ماله وعدده، أو يريد ~~جماعة الهمزات ثم عظم شأنها وأخبر أنها نار الله الموقدة التي يبلغ إحراقها ~~القلوب ولا يخمد، والفؤاد القلب، ويحتمل أن يكون المعنى أنها ms3779 لا يتجاوزها ~~أحد حتى تأخذه بواجب عقيدة قلبه ونيته فكأنها متطلعة على القلوب باطلاع ~~الله تعالى إياها، ثم أخبر بأنها عليهم موصدة ومعناه مطبقة أو مغلقة، قال ~~علي بن أبي طالب: أبواب النار بعضها فوق بعض، وقوله تعالى: في عمد هو جمع ~~عمود كأديم وأدم، وهي عند سيبويه أسماء جمع لا جموع جارية على الفعل، وقرأ ~~ابن مسعود: # «موصدة بعمد ممددة» ، وقال ابن زيد: المعنى في عمد حديد مغلولين بها ~~والكل من نار، وقال أبو صالح: # هذه النار هي في قبورهم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: ~~«عمد» بضم العين والميم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بفتحهما، وقرأ الجمهور: ~~«ممددة» بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم: «ممددة» بالرفع على اتباع مؤصدة. # نجز تفسيرها بحمد الله. PageV05P522 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفيل # وهي مكية بإجماع الرواة. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) # فجعلهم كعصف مأكول (5) # كيف نصب بفعل والجمهور على أنه فيل واحد، وقال الضحاك: ثمانية، فهو اسم ~~الجنس وقوله مردود، وحكى النقاش: ثلاثة عشر، وهذه السورة تنبيه على ~~الاعتبار في أخذ الله تعالى لأبرهة ملك الحبشة ولجيشه حين أم به الكعبة ~~ليهدمها، وكان صاحب فيل يركبه، وقصته مشروحة في السير الطويلة، واختصاره ~~أنه بنى في اليمن بيتا وأراد أن يرد إليه حج العرب، فذهب أعرابي فأحدث في ~~البيت الذي بنى أبرهة فغضب لذلك واحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة، وغلب ~~من تعرضه في طريقه من قبائل العرب، فلما وصل ظاهر مكة وفر عبد المطلب وقريش ~~إلى الجبال والشعاب، وأسلموا له البلد، وغلب طغيانه، ولم يكن للبيت من ~~البشر من يعصمه ويقوم دونه، جاءت قدرة الواحد القهار وأخذ العزيز المقتدر، ~~فأصبح أبرهة ليدخل مكة ويهدم الكعبة فبرك فيله بذي الغميس ولم يتوجه قبل ~~مكة فبضعوه بالحديد فلم يمش إلى ناحية مكة وكان ms3780 إذا وجهوه إلى غيرها هرول، ~~فبينا هم كذلك في أمر الفيل بعث الله عليهم طيرا جماعات جماعات سودا من ~~البحر وقيل خضرا، عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه وكل حجر فوق ~~العدسة ودون الحمصة فرمتهم بتلك الحجارة، فكان الحجر منها يقتل المرمي ~~وتتهرى لحومهم جذريا، وأسقاما، فانصرف أبرهة بمن معه يريد اليمن فماتوا في ~~طريقهم متفرقين في كل مرحلة، وتقطع أبرهة أنملة أنملة حتى مات وحمى الله ~~بيته المرفع، فنزلت الآية منبهة على الاعتبار بهذه القصة، ليعلم الكل أن ~~الأمر كله لله، ويستسلموا للإله الذي ظهرت في ذلك قدرته، حين لم تغن ~~الأصنام شيئا ف «أصحاب الفيل» : أبرهة الملك ورجاله، وقرأ أبو عبد الرحمن: ~~«ألم تر» بسكون الراء، و «التضليل» الخسار والتلف، و «الأبابيل» : # جماعات تجيء شيئا بعد شيء، قال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه وهذا هو ~~الصحيح لا ما تكلفه بعض النحاة وقال [معبد بن أبي معبد الخزاعي] : [البسيط] # كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سارت الأرض بالجرد الأبابيل PageV05P523 # وقد تقدم تفسير «حجارة السجيل» غير مرة، وهي من سنج وكل أي ماء وطين، ~~كأنها الآجر ونحوه مما طبخ، وهي المسومة عند الله تعالى للكفرة الظالمين، و ~~«العصف» : ورق الحنطة وتبنه ومنه قول علقمة بن عبدة: [البسيط] # تسقى مذانب قد مالت عصيفتها ... حدورها من أتي الماء مطموم # والمعنى صاروا طينا ذاهبا كورق حنطة أكلته الدواب وراثته فجمع المهانة ~~والخسة وأتلف، وقرأ أبو الخليج الهذلي «فتركتهم كعصف» ، قال أبو حاتم، وقرأ ~~بعضهم: «فجعلتهم» يعنون الطير بفتح اللام وتاء ساكنة، وقال عكرمة: العصف حب ~~البر إذا أكل فصار أجوف، وقال الفراء: هو أطراف الزرع قبل أن يسنبل، وهذه ~~السورة متصلة في مصحف أبي بن كعب بسورة لإيلاف قريش لا فصل بينهما، وقال ~~سفيان بن عيينة: كان لنا إمام يقرأ بهما متصلة سورة واحدة. PageV05P524 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة قريش # وهي مكية بلا خلاف. # قوله عز وجل: ### || [سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) إيلافهم ms3781 رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت ~~(3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) # قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي: لإيلاف قريش ~~إيلافهم على إفعال والهمزة الثانية ياء، وقرأ ابن عامر «لألآف» على فعال ~~إيلافهم على أفعال بياء في الثانية، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بهمزتين فيهما ~~الثانية ساكنة، قال أبو علي: وتحقيق عاصم هاتين الهمزتين لا وجه له، وقرأ ~~أبو جعفر: «إلفهم» بلام ساكنة، وقريش ولد النضر بن كنانة، والتقرش: التكسب، ~~وتقول ألف الرجل الأمر وآلفه غيره، فالله عز وجل آلف قريشا أي جعلهم يألفون ~~رحلتين في العام، رحلة في الشتاء وأخرى في الصيف. ويقال أيضا ألف بمعنى ~~آلف، وأنشد أبو زيد: [الطويل] # من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى في جيدها يتوضح # فألف وإلاف مصدر ألف، و «إيلاف» مصدر آلف، قال بعض الناس: كانت الرحلتان ~~إلى الشام في التجارة، وقيل الأرباح، ومنه قول الشاعر: [الكامل] # سفرين بينهما له ولغيره ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف # وقال ابن عباس: كانت رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى بصرى من أرض ~~الشام. قال أبو صالح: كانتا جميعا إلى الشام، وقال ابن عباس أيضا: كانوا ~~يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، ويرحلون في الشتاء إلى مكة ~~للتجارة وسائر أغراضهم، فهاتان رحلتا الشتاء والصيف، قال الخليل بن أحمد ~~فمعنى الآية: لأن فعل الله بقريش هذا ومكنهم من الفهم هذه النعمةليعبدوا رب ~~هذا البيت. # قال القاضي أبو محمد: وذكر البيت هنا متمكن لتقدم حمد الله في السورة ~~التي قبل، وقال الأخفش، وغيره: لإيلاف، متعلقة بقوله: فجعلهم كعصف مأكول ~~[الفيل: 5] ، أي ليفعل بقريش هذه PageV05P525 # الأفاعيل الجميلة، وقال بعض المفسرين معنى الآية: أعجبوا لإيلاف قريش، ~~هذه الأسفار وإعراضهم عن عبادة الله، ثم أمرهم بالعبادة بعد وأعلمهم أن ~~الله تعالى هو الذي أطعمهم وآمنهم لا سفرهم، المعنى: فليعبدوا الذي أطعمهم ~~بدعوة إبراهيم حيث قال: وارزقهم من الثمرات، وآمنهم بدعوته حيث قال: رب ~~اجعل هذا البلد آمنا [إبراهيم: 35] ولا يشتغلوا بالأسفار التي ms3782 إنما هي طلب ~~كسب وعرض دنيا، وقال النقاش: كانت لهم أربع رحل، وهذا قول مردود، وقال ~~عكرمة: معنى الآية كما ألفوا هاتين الرحلتين لدنياهم ليعبدوا رب هذا البيت # لآخرتهم، وقال قتادة: إنما عددت عليهم الرحلتان لأنهم كانوا يأمنون الناس ~~في سفرتهم، والناس يغير بعضهم على بعض، ولا يمكن قبيلا من العرب أن يرحل ~~آمنا، كما تفعل قريش، فالمعنى فليعبدوا الذي خصهم بهذه الحال فأطعمهم ~~وآمنهم، وقوله تعالى: من جوع معناه أن أهل مكة قاطنون بواد غير ذي زرع عرضة ~~للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى، وأن جعلها بدعوة إبراهيم تجبى إليها ~~ثمرات كل شيء، وقوله تعالى: من خوف أي جعلهم لحرمة البيت مفضلين عند العرب ~~يأمنون والناس خائفون، ولولا فضل الله تعالى في ذلك لكانوا بمدارج المخاوف. ~~وقال ابن عباس والضحاك: من خوف معناه من الجذام فلا ترى بمكة مجذوما. PageV05P526 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الماعون # وهي مكية بلا خلاف علمته، وقال الثعلبي: هي مدنية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام ~~المسكين (3) فويل للمصلين (4) # الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7) # هذا توقيف وتنبيه لتتذكر نفس السامع كل من يعرفه بهذه الصفة، وهمز أبو ~~عمرو: «أرأيت» بخلاف عنه ولم يهمزها نافع وغيره، و «الدين» الجزاء ثوابا ~~وعقابا، والحساب هنا قريب من الجزاء ثم قال تعالى: فذلك الذي يدع اليتيم أي ~~ارقب فيه هذه الخلال السيئة تجدها، ودع اليتيم: دفعه بعنف، وذلك إما أن ~~يكون المعنى عن إطعامه والإحسان إليه، وإما أن يكون عن حقه وماله، فهذا ~~أشد، وقرأ أبو رجاء: # «يدع» ، بفتح الدال خفيف بمعنى لا يحسن إليه، وقوله تعالى: ولا يحض على ~~طعام المسكين أي لا يأمر بصدقة ولا يرى ذلك صوابا، ويروى أن هذه السورة ~~نزلت في بعض المضطرين في الإسلام بمكة الذين لم يحققوا فيه وفتنوا ~~فافتتنوا، وكانوا على هذه الخلق من الغشم وغلظ العشرة والفظاظة ms3783 على ~~المسلمين، وربما كان بعضهم يصلي أحيانا مع المسلمين مدافعة وحيرة فقال ~~تعالى فيهم: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. قال ابن جريج: كان أبو ~~سفيان ينحر كل أسبوع جزورا فجاءه يتيم، فقرعه بعصا فنزلت السورة فيه، قال ~~سعد بن أبي وقاص: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون، فقال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، يريد والله أعلم تأخير ترك ~~وإهمال، وإلى هذا نحا مجاهد، وقال قتادة ساهون، هو الترك لها وهم الغافلون ~~الذين لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل، وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي ~~قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم، وفي قراءة ابن مسعود: «لاهون» بدل ساهون، ~~وقوله تعالى: الذين هم يراؤن بيان أن صلاة هؤلاء ليست لله تعالى بينة ~~إيمان، وإنما هي رياء للبشر فلا قبول لها، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو الأشهب: ~~«يرؤون» مهموزة مقصورة مشددة الهمزة، وروي عن ابن أبي إسحاق: «يرؤون» بغير ~~شد في الهمزة، وقوله تعالى: PageV05P527 # ويمنعون الماعون وصف لهم بقلة النفع لعباد الله، وتلك شرخلة، وقال علي بن ~~أبي طالب وابن عمر: # الماعون، الزكاة، وقال الراعي: [الكامل] # قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا # وقال ابن مسعود: هو ما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية والمقص ~~ونحوه، وقاله الحسن وقتادة وابن الحنفية وابن زيد والضحاك وابن عباس، وقال ~~ابن المسيب: الماعون بلغة قريش: المال، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «الماء والنار والملح» ، روته عائشة رضي الله ~~عنها، وفي بعض الطرق زيادة الإبرة والخمير، وحكى الفراء عن بعض العرب أن ~~الماعون: # الماء: وقال ابن مسعود: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عارية القدر والدلو ونحوها. PageV05P528 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكوثر # وهي مكية قوله عز وجل: ### || [سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3) # قرأ الحسن: «إنا أنطيناك» ، وهي ms3784 لغة في أعطى، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «واليد المنطية خير من السفلى» ، وقال الأعشى: [المتقارب] # جيادك خير جياد الملوك ... تصان الجلال وتنطى الشعير # قال أنس وابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين: الكوثر: نهر في ~~الجنة، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت، ونحو هذا من ~~صفاته، وإن اختلفت ألفاظ الرواة، وقال ابن عباس أيضا: الكوثر: الخير ~~الكثير. # قال القاضي أبو محمد: كوثر: بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي ~~أعطى الله محمدا عليه السلام من النبوة والحكمة والعلم بربه والفوز برضوانه ~~والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: إنا ~~أعطيناك الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير: النهر الذي في الجنة هو من الخير ~~الذي أعطاه الله إياه، فنعم ما ذهب إليه ابن عباس، ونعم ما تمم ابن جبير ~~رضي الله عنهم، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله ~~على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية. قال الحسن: # الكوثر، القرآن، وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأتباع، وقال ~~جعفر الصادق: نور في قلبه دله عليه وقطعه عما سواه، وقال أيضا: هو الشفاعة، ~~وقال هلال بن يساف: هو التوحيد، وقوله تعالى: # فصل لربك وانحر أمر بالصلاة على العموم، ففيه المكتوبات بشروطها والنوافل ~~على ندبها، والنحر: # نحر البدن والنسك في الضحايا في قول جمهور الناس، فكأنه قال: ليكن شغلك ~~هذين، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد، وقال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي وينحر وقاله ~~قتادة، والقرطبي وغيره في الآية طعن على كفار مكة، أي إنهم يصلون لغير الله ~~مكاء وتصدية، وينحرون للأصنام ونحوه، فافعل أنت هذين لربك تكن على صراط ~~مستقيم، وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية يوم الحديبية وقت صلح قريش قيل ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم: صل وانحر الهدي، PageV05P529 # وعلى هذا تكون الآية من المدني، وروي عن علي بن أبي ms3785 طالب رضي الله عنه ~~أنه قال: معنى الآية: صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة، ~~فالنحر على هذين ليس بمصدر نحر بل هو الصدر، وقال آخرون المعنى: ارفع يدك ~~في استفتاح صلاتك عند نحرك، وقوله تعالى: إن شانئك هو الأبتر رد على مقالة ~~كان كثير من سفهاء قريش يقولها لما لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولد فكانوا يقولون: هو أبتر يموت فنستريح منه ويموت أمره بموته، فقال الله ~~تعالى وقوله الحق: إن شانئك هو الأبتر، أي المقطوع المبتور من رحمة الله ~~تعالى ولو كان له بنون فهم غير نافعيه، «والشانئ» : المبغض، وقال قتادة ~~الأبتر هنا يراد به الحقير الذليل، وقال عكرمة: مات ابن للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فخرج أبو جهل يقول: بتر محمد، فنزلت السورة. وقال ابن عباس: نزلت ~~في العاصي بن وائل سمى النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه عبد الله ~~أبتر. PageV05P530 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكافرون # وهي مكية إجماعا. # قوله عز وجل: ### || [سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) # ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6) # قرأ أبي بن كعب وابن مسعود: «قل للذين كفروا» ، وروي في سبب نزول هذه ~~السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من عتاة قريش ورجالاتها قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونزوجك من شئت من كرائمنا ونملكك ~~علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا ولنعبد إلهك حتى نشترك، فحيث كان ~~الخير نلناه جميعا، هذا معنى قولهم ولفظهم، لكن للرواة زيادة ونقص، وروي أن ~~هذه الجماعة المذكورة الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب ~~وأمية بن خلف وأبو جهل وابنا الحجاج ونظراؤهم ممن لم يسلم بعد، ولرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معهم في هذه المعاني مقامات نزلت السورة في إحداها بسبب ~~قولهم ms3786 هلم نشترك في عبادة إلهك وآلهتنا، وروي أنهم قالوا: اعبد آلهتنا ~~عاما، ونعبد إلهك عاما، فأخبرهم عن أمره عز وجل أن لا يعبد ما يعبدون وأنهم ~~غير عابدين ما يعبد، فلما كان قوله: لا أعبد محتملا أن يراد به الآن ويبقى ~~المستأنف منتظرا ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله: ولا أنا عابد ما ~~عبدتم، أي أبدا وما حييت، ثم جاء قوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد الثاني ~~حتما عليهم أنهم لا يؤمنون به أبدا كالذي كشف الغيب، فهذا كما قيل لنوح صلى ~~الله عليه وسلم: إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأما أن هذا في معنيين ~~وقوم نوح عمموا بذلك، فهذا، معنى الترديد الذي في السورة وهو بارع الفصاحة ~~وليس بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته مع التأكيد والإبلاغ، وزاد الأمر بيانا ~~وتبريا منهم، وقوله: لكم دينكم ولي دين وفي هذا المعنى الذي عرضت قريش نزل ~~أيضا: قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون [الزمر: 64] وقرأ أبو عمر: ~~«ولي ديني» ساكنة الياء، من لي ونصبها الباقون بخلاف كل واحد منهم، ~~والقراءتان حسنتان، وقرأ أبو عمرو: «عابد» و «عابدون» ، والباقون: بفتح ~~العين وهاتان حسنتان أيضا، ولم تختلف السبعة في حذف الياء من دين، وقرأ ~~سلام ويعقوب: «ديني» بياء في الوصل والوقف، وقال بعض العلماء في هذه ~~الألفاظ مهادنة ما وهي منسوخة بآية القتال. PageV05P531 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النصر # وهي مدنية بإجماع. # قوله عز وجل: ### || سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) # قرأ ابن عباس: إذا جاء نصر الله والفتح، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~جمعا من الصحابة الأشياخ وبالحضرة لابن عباس عن معنى هذه السورة وسببها، ~~فقالوا كلهم بمقتضى ظاهر ألفاظها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عند ~~الفتوح التي فتحت عليه مكة وغيرها بأن يسبح ربه ويحمده ويستغفره، فقال ms3787 لابن ~~عباس: ما تقول أنت يا عبد الله؟ فقال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعلمه الله بقربه إذا رأى هذه الأشياء، فقال عمر ما أعلم منها إلا ما ذكرت، ~~وهذا المنزع الذي ذكره ابن عباس ذكره ابن مسعود وأصحابه ومجاهد وقتادة ~~والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عليه السلام ~~لما فتحت مكة وأسلمت العرب جعل يكثر أن يقول «سبحان الله وبحمده، اللهم إني ~~أستغفرك» يتأول القرآن في هذه السورة، وقال لها مرة: «ما أراه إلا حضور ~~أجلي» ، وتأوله عمر والعباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدقهما. ~~و «النصر» الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم: # هو غلبته لقريش ولهوازن وغير ذلك، والفتح: هو فتح مكة والطائف ومدن ~~الحجاز وكثير من اليمن ودخول الناس في الإسلام أفواجا، كان بين فتح مكة إلى ~~موته صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر بن عبد البر النمري رحمه الله في ~~كتاب الاستيعاب في الصحابة في باب أبي خراش الهذلي: لم يمت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين ~~والطائف، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده، ثم كان بعده من الردة ما كان ~~ورجعوا كلهم إلى الدين. # قال القاضي أبو محمد: والمراد والله أعلم عرب عبدة الأوثان، وأما نصارى ~~بني تغلب فما أراهم أسلموا قط في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ~~أعطوا الجزية، والأفواج: الجماعة إثر الجماعة، كما قال تعالى: ألقي فيها ~~فوج [الملك: 8] وقال مقاتل: المراد بالناس أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل، ~~وقاله عكرمة، وقال الجمهور: المراد جميع وفود العرب لأنهم قالوا: إذا فتح ~~الحرم لمحمد عليه PageV05P532 # السلام وقد حماه الله من الحبشة وغيرهم فليس لكم به يدان، وذكر جابر بن ~~عبد الله فرقة الصحابة فبكى وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«دخل الناس في الدين أفواجا وسيخرجون منه أفواجا» وقوله: إنه كان توابا ~~يعقب ms3788 ترجية عظيمة للمستغفرين، جعلنا الله منهم، وحكى النقاش عن ابن عباس أن ~~«النصر» صلح الحديبية، وأن «الفتح» فتح مكة، وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق في حجة الوداع وعاش ~~بعدها ثمانين يوما أو نحوها صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم. PageV05P533 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المسد # وهي مكية بإجماع. # قوله عز وجل: ### || [سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات ~~لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) # في جيدها حبل من مسد (5) # روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه: وأنذر ~~عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214] قال: «يا صفية بنت عبد المطلب، ويا فاطمة ~~بنت محمد لا أملك لكما من الله شيئا سلاني من مالي ما شئتما» ، ثم صعد ~~الصفا فنادى بطون قريش: «يا بني فلان، يا بني فلان» ، وروي أنه صاح بأعلى ~~صوته: «يا صباحاه» فاجتمعوا إليه من كل وجه، فقال لهم: «أرأيتم لو قلت لكم ~~إني أنذركم خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير ~~بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: # تبا لك سائر اليوم، ألهذا، جمعتنا» ؟ فافترقوا عنه ونزلت السورة، وتبت ~~معناه: خسرت، والتباب: # الخسار والدمار، وأسند ذلك إلى اليدين من حيث اليد موضع الكسب والربح وضم ~~ما يملك، ثم أوجب عليه أنه قد تب أي حتم ذلك عليه، ففي قراءة عبد الله بن ~~مسعود: «تبت يدا أبي لهب وقد تب» ، و «أبو لهب» : هو عبد العزى بن عبد ~~المطلب، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سبقت له الشقاوة، وقرأ ابن ~~كثير وابن محيصن: «أبي لهب» بسكون الهاء، وقرأ الباقون: بتحريك الهاء، ولم ~~يختلفوا في فتحها في ذات لهب، وقوله تعالى: ما أغنى عنه ماله وما كسب يحتمل ~~أن تكون ما نافية، ويكون الكلام خبرا عن أن جميع أحواله الدنياوية لم تغن ~~عنه شيئا حين ms3789 حتم عذابه بعد موته، ويحتمل أن تكون ما استفهاما على وجه ~~التقرير أي أين الغناء الذي لماله ولكسبه؟ وما كسب: يراد به عرض الدنيا من ~~عقار ونحوه، أو ليكون الكلام دالا على أنه أتعب فيه نفسه لم يجئه عفوا لا ~~بميراث وهبة ونحوه، وقال كثير من المفسرين: المراد ب ما كسب بنوه، فكأنه ~~قال: ما أغنى عنه ماله وولده، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير ~~ما كسب الرجل من عمل يده وإن ولد الرجل من كسبه» ، وروي أن أولاد أبي لهب ~~اختصموا عند ابن عباس فتنازعوا وتدافعوا، فقام ابن عباس ليحجز بينهم، فدفعه ~~أحدهم، فوقع على فراشه، وكان قد كف بصره فغضب وصاح: أخرجوا عني الكسب ~~الخبيث، وقرأ الأعمش وأبي بن كعب: «وما اكتسب» وقوله: سيصلى نارا ذات لهب ~~حتم عليه بالنار وإعلام بأنه يوافي على PageV05P534 # كفره، وانتزع أهل الأصول من هذه الآية تكليف ما لا يطاق، وأنه موجود في ~~قصة أبي لهب، وذلك أنه مخاطب مكلف أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومكلف ~~أن يؤمن بهذه السورة وصحتها، فكأنه قد كلف أن يؤمن، وأن يؤمن أنه لا يؤمن، ~~قال الأصوليون ومتى ورد تكليف ما لا يطاق فهي أمارة من الله تعالى أنه قد ~~حتم عذاب ذلك المكلف كقصة أبي لهب، وقرأ الجمهور «سيصلى» بفتح الياء، وقرأ ~~ابن كثير والحسن وابن مسعود بضمها، وقوله تعالى: وامرأته حمالة الحطب هي أم ~~جميل أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية بن أبي سفيان، وعطف قوله وامرأته على ~~المضمر المرفوع دون أن يؤكد الضمير بسبب الحائل الذي ناب مناب التأكيد، ~~وكانت أم جميل هذه مؤذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بلسانها ~~وغاية قدرتها، وقال ابن عباس: كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق النبي صلى ~~الله عليه وسلم وطريق أصحابه ليعقرهم، فلذلك سميت حمالة الحطب، وعلى هذا ~~التأويل، ف حمالة معرفة يراد به الماضي، وقيل إن قوله حمالة الحطب استعارة ~~لذنوبها التي تحطبها على نفسها لآخرتها، ف حمالة ms3790 على هذا نكرة، يراد بها ~~الاستقبال، وقيل هي استعارة لسعيها على الدين والمؤمنين، كما تقول: فلان ~~يحطب على فلان وفي حبل فلان، فكانت هي تحطب على المؤمنين وفي حبل المشركين، ~~وقال الشاعر: [الرجز] # إن بني الأدرم حمالوا الحطب ... هم الوشاة في الرضى وفي الغضب # وقرأ ابن مسعود: «ومرياته» ، وقرأ الجمهور: «حمالة» بالرفع، وقرأ عاصم: ~~«حمالة» بالنصب على الذم، وهي قراءة الحسن والأعرج وابن محيصن، وقرأ ابن ~~مسعود: «حمالة للحطب» بالرفع ولام الجر، وقرأ أبو قلابة: «حاملة» الميم بعد ~~الألف، وقوله: في جيدها حبل من مسد، قال ابن عباس والضحاك والسدي وابن زيد: ~~الإشارة إلى الحبل حقيقة الذي ربطت به الشوك وحطبه، قال السدي: «المسد» ~~الليف، وقيل: ليف المقل ذكره أبو الفتح وغيره، وقال ابن زيد: هو شجر باليمن ~~يسمى المسد، تصنع منه الحبال، وقال النابغة: [البسيط] # مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد # القعو: البكرة، والمسد: الحبل، وقال عروة بن الزبير وسفيان ومجاهد ~~وغيرهم: هذا الكلام استعارة والمراد سلسلة من حديد في جهنم ذرعها سبعون ~~ذراعا، ونحو هذا من العبارات، وقال قتادة: حبل من مسد، قلادة من ودع، قال ~~ابن المسيب: كان لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها على عداوة محمد. # قال القاضي أبو محمد: فإنما عبر عن قلادتها ب حبل من مسد على جهة التفاؤل ~~لها، وذكر تبرجها في هذا السعي الخبيث، وروي في هذا الحديث أن هذه السورة ~~لما نزلت وقرئت، بلغت أم جميل فجاءت أبا بكر وهو مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في المسجد، فقالت: يا أبا بكر: بلغني أن صاحبك هجاني ولأفعلن وأفعلن ~~وإني شاعرة وقد قلت فيه: [الرجز] مذمما قلينا ودينه أبينا فسكت أبو بكر ~~ومضت هي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حجبني عنها ملائكة فما ~~رأتني وكفى الله شرها» . PageV05P535 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإخلاص # هذه السورة مكية، قاله مجاهد بخلاف عنه وعطاء وقتادة، وقال ابن عباس ~~والقرظي وأبو العالية هي مدنية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 ms3791 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا ~~أحد (4) # قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والربيع بن خيثم: «قل هو الله أحد الواحد ~~الصمد» ، وروى أبي بن كعب أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن نسب ربه تعالى عما يقول الجاهلون فنزلت هذه السورة، وروى ابن عباس أن ~~اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد صف لنا ربك ~~وانسبه فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها، فارتعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى خر مغشيا عليه ونزل عليه جبريل بهذه السورة، وقال أبو العالية قال ~~قتادة: الأحزاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # انسب لنا ربك، فأتاه الوحي بهذه السورة، وأحد معناه: فرد من جميع جهات ~~الوحدانية، ليس كمثله شيء، وهو ابتداء والله ابتداء ثان وأحد خبره، والجملة ~~خبر الأول، وقيل: هو ابتداء والله خبره وأحد بدل منه، وحذف أبو عمرو ~~التنوين من أحد لالتقاء الساكنين: «أحد الله» وأثبتها الباقون مكسورة ~~للالتقاء، وأما وفقهم كلهم فبسكون الدال، وقد روي عن أبي عمرو: الوصل بسكون ~~الدال، وروي عنه أيضا تنوينها، والصمد في كلام العرب السيد الذي يصمد إليه ~~في الأمور ويستقل بها، وأنشدوا: [الطويل] # ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وبهذا تفسر هذه الآية لأن الله جلت قدرته هو موجود الموجودات، وإليه تصمد ~~به قوامها، ولا غني بنفسه إلا هو تبارك وتعالى، وقال كثير من المفسرين: ~~الصمد الذي لا جوف له، كأنه بمعنى المصمت، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ~~ولا يشرب، وفي هذا التفسير كله نظر، لأن الجسم في غاية البعد عن صفات الله ~~تعالى. فما الذي تعطينا هذه العبارات، والله الصمد ابتداء وخبر، وقيل: # الصمد نعت، والخبر فيما بعد، وقوله تعالى: لم يلد ولم يولد رد على إشارة ~~الكفار في النسب PageV05P536 # الذي سألوه، وقال ابن عباس: تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في ذات الله ~~تعالى. ms3792 # قال القاضي أبو محمد: لأن الأفهام تقف دون ذلك حسيرة، والمؤمنون يعرفون ~~الله تعالى بواجب وجوده وافتقار كل شيء إليه واستغنائه عن كل شيء وينفي ~~العقل عنه كل ما لا يليق به تبارك وتعالى، وأن ليس كمثله شيء، وكل ما ذكرته ~~فهو في ضمن هذه السورة الوجيزة البليغة، وقوله تعالى: ولم يكن له كفوا أحد ~~معناه: ليس له ضد ولا ند ولا شبيه، والكفأ والكفؤ والكفاء النظير، وقرأ: ~~«كفؤا» بضم الكاف وهمز مسهل نافع والأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ بالهمز ~~عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه، وقرأ حمزة: «كفوا» بالهمز وإسكان الفاء وروي عن ~~نافع «كفا» بفتح الفاء وبغير همز. وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: ~~«ولم يكن له كفاء أحد» ، بكسر الكاف وفتح الفاء، والمد، وكفوا: خبر كان ~~واسمها أحد، والظرف ملغى، وسيبويه رحمه الله يستحسن أن يكون الظرف إذا تقدم ~~خبرا، ولكن قد يجيء ملغى في أماكن يقتضيها المعنى كهذه الآية، وكما قال ~~الشاعر: # ما دام فيهن فصيل حيا ويحتمل أن يكون: كفوا، حالا لما قدم من كونه وصفا ~~للنكرة، كما قال: لعزة موحشا طلل، قال سيبويه: وهذا يقل في الكلام، وبابه ~~الشعر، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» . # قال القاضي أبو محمد: بما فيها من التوحيد. PageV05P537 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفلق # هذه السورة قال ابن عباس هي مدنية، وقال قتادة: هي مكية. # قوله عز وجل: ### || [سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ~~النفاثات في العقد (4) # ومن شر حاسد إذا حسد (5) # الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو آحاد أمته، وقال ابن عباس ~~وابن جبير والحسن والقرظي وقتادة ومجاهد وابن زيد: الفلق: الصبح، كقوله ~~تعالى: فالق الإصباح [الأنعام: 96] وقال ابن عباس أيضا وجماعة من الصحابة ~~والتابعين وغيرهم: الفلق: جب في جهنم ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ms3793 وقوله: من شر ما خلق يعم كل موجود له شر، وقرأ عمرو بن عبيد ~~وبعض المعتزلة القائلين: بأن الله لم يخلق الشر «من شر ما خلق» على النفي ~~وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، الله خالق كل شيء، واختلف الناس في: ~~«الغاسق إذا وقب» فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: «الغاسق» : الليل ووقب ~~معناه: أظلم ودخل على الناس، وقال الشاعر [ابن قيس الرقيات] : [المديد] # إن هذا الليل قد غسقا ... واشتكيت الهم والأرقا # وقال محمد بن كعب: «الغاسق إذا وقب» ، النهار دخل في الليل، وقال ابن زيد ~~عن العرب، «الغاسق» سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وقال ~~عليه السلام: النجم هو الغاسق فيحتمل أن يريد الثريا، وقال لعائشة وقد نظر ~~إلى القمر: «تعوذي بالله من شر غاسق إذا وقب، فهذا هو» ، وقال القتبي ~~وغيره: هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف، قال الزهري في «الغاسق إذا وقب» : # الشمس إذا غربت، ووقب في كلام العرب: دخل، وقد قال ابن عباس في كتاب ~~النقاش: «الغاسق إذا وقب» : ذكر الرجل، فهذا التعوذ في هذا التأويل نحو ~~قوله عليه السلام وهو يعلم السائل التعوذ: «قل أعوذ بالله من شر سمعي وشر ~~قلبي وشر بصري وشر لساني وشر منيي» ، ذكر الحديث جماعة والنفاثات في العقد ~~السواحر، ويقال إن الإشارة أولا إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي كن ساحرات ~~وهن اللواتي سحرن مع أبيهم النبي صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشرة ~~عقدة، فأنزل الله تعالى إحدى عشرة آية PageV05P538 # بعد العقد، هي المعوذتان، فشفى الله النبي صلى الله عليه وسلم، والنفث ~~شبه النفخ دون تفل ريق، وهذا النفث هو على عقد تعقد في خيوط ونحوها على اسم ~~المسحور فيؤذى بذلك، وهذا الشأن في زمننا موجود شائع في صحراء المغرب، ~~وحدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطا أحمر قد عقد فيه عقد على فصلان فمنعت ~~بذلك رضاع أمهاتها، فكان إذا حل جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع ~~أعاذنا الله من شر السحر والسحرة بقدرته، ms3794 وقرأ عبد الله بن القاسم والحسن ~~وابن عمر: «النافثات في العقد» ، وقوله تعالى: # ومن شر حاسد إذا حسد قال قتادة: من شر عينه ونفسه، يريد بالنفس السعي ~~الخبيث والإذاية كيف قدر لأنه عدو مجد ممتحن، وقال الشاعر: # كل عداوة قد ترجى إفاقتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد # وعين الحاسد في الأغلب لاقعة نعوذ بالله من شرها ولا أعدمنا الله حسدة. ~~[الكامل] # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # والحسد: في الاثنين اللتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسد ~~مستحسن غير ضار» ، وإنما هو باعث على خير، وهذه السورة خمس آيات فقال بعض ~~الحذاق: وهي مراد الناس بقولهم للحاسد إذا نظر إليهم: الخمس على عينيك، وقد ~~غلطت العامة في هذا فيشيرون في ذلك بالأصابع لكونها خمسة، وأمال أبو عمرو ~~حاسد، والباقون بفتح الحاء وقال الحسن بن الفضل: ذكر الله تعالى الشر في ~~هذه السورة ثم ختمها بالحسد ليظهر أنه أخس طبع. PageV05P539 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الناس # قال ابن عباس وغيره: هي مدنية، وقال قتادة: هي مكية. # قوله عز وجل: ### || سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس ~~(4) # الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) # الوسواس اسم من أسماء الشيطان، وهو أيضا ما توسوس به شهوات النفس وتسوله، ~~وذلك هو الهواء الذي نهي المرء عن اتباعه وأمر بمعصيته والغضب الذي وصى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرحه وتركه حين قال له رجل أوصني، فقال: لا ~~تغضب، قال زدني: قال: لا تغضب، وقوله: # الخناس معناه: على عقبه المستتر أحيانا وذلك في الشيطان متمكن إذا ذكر ~~العبد وتعوذ وتذكر فأبصر كما قال تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: 201] ، وإذا فرضنا ذلك في الشهوات ~~والغضب ونحوه فهو يخنس بتذكير النفس اللوامة بلمة الملك وبأن الحياء يردع ~~والإيمان يردع بقوة فتخنس تلك العوارض المتحركة وتنقمع عند ms3795 من أعين بتوفيق. ~~وقد اندرج هذان المعنيان من الوسواس في قوله تعالى: من الجنة والناس أي من ~~الشياطين ونفس الإنسان، ويظهر أيضا أن يكون قوله: والناس، يراد به من يوسوس ~~بخدعه من البشر، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان، وكلهم قرأ «الناس» ~~غير ممالة، وروى الدوري عن الكسائي أنه أمال النون من الناس في حال الخفض ~~ولا يميل في الرفع والنصب، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ: قل هو الله ~~أحد [الإخلاص: 1] والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، فيبدأ برأسه ~~ووجهه وما أقبل من جسده، ففعل ذلك ثلاثا، وقال قتادة رحمه الله: إن من ~~الناس شياطين ومن الجن شياطين، فتعوذوا بالله من شياطين الإنس والجن. PageV05P540 ms3796