######OpenITI# #META# bkid: 120922 #META# bk: أمالي ابن الشجري #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: أمالي ابن الشجري #META# المؤلف: ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة، المعروف بابن الشجري (المتوفى: 542ه) #META# المحقق: الدكتور محمود محمد الطناحي #META# الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# الطبعة: الأولى، 1413 ه - 1991 م #META# عدد الأجزاء: 3 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن الشجري #META# authinf: ابن الشجري (450 - 542 ه = 1058 - 1148 م). هبة الله بن علي بن محمد الحسني، أبو السعادات، الشريف، المعروف بابن الشجري: من أئمة العلم باللغة والأدب وأحوال العرب. مولده ووفاته ببغداد. كان نقيب الطالبيين بالكرخ. من كتبه «الأمالي - ط» في جزأين، أملاه في 84 مجلسا، و «الحماسة - ط» ضاهى به حماسة أبي تمام، و «ديوان مختارات الشعراء - ط» و «ديوان شعر - ط» وكتاب «ما اتفق لفظه واختلف معناه» و «شرح اللمع لابن جني» و «شرح التصريف الملوكي». وكان حسن البيان حلو الألفاظ. نسبته إلى «شجرة» وهي قرية من أعمال المدينة. نقلا عن «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 120922 #META# over: 2 #META# seal: 5F918076 #META# oauth: 818 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 2 #META# vername: None #META# cat: الأدب والبلاغة #META# lng: ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة، المعروف بابن الشجري #META# higrid: 542 #META# ad: 542 #META# aseal: 1360A6AD #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/120922 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # أخبرنا الشيخ الأجل المسند أبو حفص عمر (¬1) بن محمد بن طبرزد البغدادي، ~~قرأة عليه وأنا أسمع بدمشق في ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة. # قال: أخبرنا السيد الشريف العلامة ذو الشرفين أبو السعادت هبة الله بن ~~علي بن محمد بن حمزة العلوي الحسني المعروف بابن الشجري، قراءة عليه وأنا ~~أسمع ببغداد قال (¬2): # المجلس الأول # (مسألة) # قال أطال الله بقاءه (¬3): إنما وجب بناء ما قبل ياء المتكلم على ~~الكسرة؛ لأنهم لو أعربوه لم تسلم الياء مع الضم والفتح، إذ الضم يقتضى ~~قلبها إلى الواو، والفتح يقتضى قلبها ألفا. # فإن قيل: قد فعلوا ذلك فى نحو يا غلاما. # ¬_________ # (¬1) عمر بن محمد بن معمر-بتشديد الميم-بن طبرزد. محدث مشهور، سمع ~~وحدث كثيرا، مولده سنة 516، وتوفى ببغداد سنة 607. وفيات الأعيان 3/ 124، ~~والعبر 5/ 24. وطبرزد، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكون الراء وفتح ~~الزاى، فارسى، وهو نوع من السكر. وفيات الأعيان، والمعرب للجواليقى ص 228. # (¬2) لم يرد هذا الإسناد فى الأصل، وأثبته من ه. # (¬3) فى ه: رضى الله عنه. # ----NO PAGE NO------ PageV00P220 # قيل: إنما فعلوا ذلك فى النداء؛ لأنه باب تغيير وتخفيف لكثرة استعماله، ~~وجاء ذلك فيه قليلا، والأكثر: يا غلامى، فلما تعذر رفع الحرف المتصل ~~بهذه/الياء ونصبه، كسروه ليسلم. # حكم أبو الفتح عثمان بن جنى فى كتابه الذى سماه (كتاب الخصائص) (¬1) على ~~الكسرة فى غلامى ونحوه بأنها لا حركة إعراب ولا حركة بناء، وإنما حكم بذلك ~~لأن الاسم الذى اتصلت به الياء لم يشبه الحرف، ولا تضمن معناه. # وأقول (¬2): إن هذه الحركة (¬3) حركة بناء كحركة التقاء الساكنين فى نحو ~~لم يخرج القوم، و {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} (¬4) وإن كانت فى ~~كلمة معربة. وأقول: إن كل حركة لم تحدث (¬5) عن عامل حركة بناء، كما حكم ~~أبو على فى الباب الثانى من الجزء الثانى (¬6) من كتاب الإيضاح، بأن حركة ~~التقاء الساكنين حركة بناء، وذلك فى قوله: # «وحركات البناء التى تتعاقب على أواخر هذه المبنية نحو حركة التقاء ~~الساكنين فى اردد القوم». # ألا ترى أن ms001 أبا الفتح قد نص على ما قلته فى قوله: الإعراب ضد البناء فى ~~المعنى ومثله فى اللفظ، والفرق بينهما زوال الإعراب لتغير العامل، وانتقاله ~~(¬7)، ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته. # أراد أن البناء حدوثه عن علة لا عن عامل، فالعلة التى أوجبت الكسرة فى لم ~~يخرج القوم التقاء الساكنين، والعلة التى أوجبت الكسرة فى غلامى ونحوه ~~انقلاب الياء واوا لو ضم ما قبلها، وانقلابها ألفا لو فتح ما قبلها. PageV01P004 # (مسألة) قال حرس الله نعمته (¬1): استدلوا على أن الظرف إذا وقع خبرا ~~تضمن ضميرا منتقلا إليه (¬2) من الخبر الأصلى المرفوض استعماله، وهو مستقر ~~أو كائن، أو نحو ذلك بقول كثير (¬3): # /فإن يك جثمانى بأرض سواكم ... فإن فؤادى عندك الدهر أجمع # إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها ... فظلت لها نفسى تتوق وتنزع # ووجه هذا الاستدلال أن قوله: «أجمع» لا بد أن يكون تابعا لمرفوع، وليس فى ~~قوله: «فإن فؤادى عندك الدهر» مرفوع ظاهر، فلم يبق إلا أن يكون تابعا ~~للضمير المستكن فى قوله: «عندك». # (مسألة) قال كبت الله أعداءه (¬4): حذف الضمير العائد من الصلة أقيس من ~~حذف العائد من الصفة، لأن الصلة تلزم الموصول، ولا تلزم الصفة الموصوف، ~~فتنزل الموصول (¬5) والصلة منزلة اسم واحد، فحسن الحذف (¬6) لما جرت أربعة ~~أشياء مجرى شيء واحد، وهى الموصول والفعل والفاعل والمفعول، وإنما شبهوا ~~الصفة بالصلة من حيث كانت موضحة للموصوف، كما توضح الصلة الموصول، ومن حيث ~~كانت الصفة لا تعمل فى الموصوف، كما لا تعمل الصلة فى الموصول، فحذفوا ~~العائد من الجملة الوصفية، كما حذفوه من الجملة الموصول بها فى نحو: {أهذا ~~الذي بعث الله رسولا} (¬7)، وذلك نحو قول الحارث بن كلدة (¬8) الثقفى: PageV01P005 # فما أدرى أغيرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا # وقول جرير (¬1): # أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح # التقدير: أصابوه، وحميته. # وقد حذفوا العائد المجرور مع الجار كقول كثير (¬2): # /من اليوم زوراها خليلى إنها ... سيأتى عليها حقبة لا نزورها # التقدير: لا نزورها فيها، ومثله فى التنزيل: {واتقوا يوما لا ms002 تجزي نفس عن ~~نفس شيئا} (¬3) التقدير: لا تجزى فيه، كما قال: {واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله} (¬4) وكذلك تقدر فى الجمل المعطوفة على الأولى، لأن حكمهن حكمها، ~~فالتقدير ولا تقبل منها شفاعة فيه، ولا يؤخذ منها عدل فيه، ولا هم ينصرون فيه. # واختلف النحويون فى هذا الحرف، فقال الكسائى: لا يجوز أن يكون المحذوف ~~إلا الهاء، أراد أن الجار حذف أولا، ثم حذف العائد ثانيا. # وقال نحوي آخر: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا «فيه». # وقال أكثر أهل العربية، منهم سيبويه، والأخفش: يجوز الأمران (¬5). PageV01P006 # والأقيس عندى: أن يكون (¬1) حرف الظرف حذف أولا، فجعل الظرف مفعولا [به] ~~(¬2) على السعة، كما قال (¬3): # ويوم شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى الطعن النهال نوافله # وكقول الآخر: # فى ساعة يحبها الطعام (¬4) # أراد شهدنا فيه، ويحب فيها، ثم حذف الجارين توسعا، والأصل: # لا تجزى فيه، ثم لا تجزيه، ثم لا تجزى، وإنما (¬5) جاز حذف الجار من ضمير ~~الظرف كما جاز حذفه من مظهره، إذ كنت تقول: قمت فى اليوم، وقمت اليوم، PageV01P007 # كذلك قلت: اليوم قمت فيه، واليوم قمته، ولولا تقدير العوائد من هذه الجمل ~~لأضيف اليوم إلى لا تجزى، فقيل: واتقوا يوم لا تجزى نفس، لأن إضافته إلى ~~الجملة تخرج الجملة عن أن تكون وصفا، وإذا خرجت عن/أن تكون وصفا بطل ~~الاحتياج إلى عائد منها لفظا وتقديرا. # وحذف العائد من الصلة إنما يقع بالمنصوب المتصل غالبا نحو: قام الذى ~~أكرمت و {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} (¬1) فإن كان مجرورا منصوبا فى المعنى ~~جاز حذفه، كقولك: هذا الذى زيد ضارب، وعجبت مما أنت صانع، ومثله: # {فاقض ما أنت قاض} (¬2) التقدير: ضاربه وصانعه وقاضيه، فإن اتصل العائد ~~بحرف جر، نحو قام الذى مررت به، فحذفه قليل جدا، فمما جاء من ذلك فى الشعر ~~القديم قول القائل (¬3): # وقد كنت تخفى حب سمراء حقبة ... فبح لان منها بالذى أنت بائح # الأصل: بائح به، ثم بائحه، ثم بائح، ومثله فى التنزيل: {ذلك الذي يبشر ~~الله عباده} (¬4) الأصل: يبشر به، ثم يبشره، ثم ms003 يبشر. # فإن كان العائد متصلا مرفوعا فى المعنى لم يجز حذفه كقولك: قام الذى أعجب ~~ضربه زيدا، لا يجوز الذى أعجب ضرب زيدا، لأن الهاء فاعل المصدر، وإنما جاز ~~حمل المجرور على المنصوب لاتفاقهما فى كونهما فضلتين، وقد شبهوا العائد من ~~جملة الخبر إلى المخبر عنه، بالعائد من جملة الصفة إلى الموصوف فحذفوه، ~~وحذفه ضعيف، لا يحسن استعماله فى حال السعة، وإنما قبح ذلك لأن الفعل إذا ~~وقع خبرا وكان متعديا فحذفت الضمير الذى تعدى إليه، تسلط الفعل على المبتدأ PageV01P008 # فنصبه، كقولك فى زيد ضربته: زيدا ضربت، فهذا وجه الكلام. # فإن قلت: زيد ضربت، على إرادة الهاء لم يجز ذلك إلا فى الشعر، على أن ~~الروايات قد تظاهرت عن ابن عامر بأنه قرأ «وكل» {وعد الله الحسنى} (¬1) فى ~~سورة الحديد خاصة، وكذلك جاءت/الرواية بالرفع فى قول الراجز (¬2): # قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع # رووه بالرفع لما تقدم على الفعل، وحجز حرف النفى بينهما، وإن كان ذلك لا ~~يمنع من تسلط الفعل عليه (¬3)، فلما كان الضمير متى حذفته من جملة الخبر ~~تسلط الفعل على المبتدأ، ومتى حذفته من جملة الصفة لم يتسلط الفعل على ~~الموصوف، لأن الصفة كبعض الموصوف، كما أن الصلة كبعض الموصول: جاز حذف ~~العائد من جملة الصفة، وقبح حذفه من جملة الخبر. PageV01P009 # والبيت المنسوب إلى الحارث بن كلدة (¬1) من مقطوعة متضمنة ألطف عتاب ~~وأحسنه، قالها وقد خرج إلى الشام، فكتب إلى بنى عمه فلم يجيبوه، وهى: # ألا أبلغ معاتبتى وقولى ... بنى عمى فقد حسن العتاب (¬2) # وسل هل كان لى ذنب إليهم ... هم منه فأعتبهم غضاب # كتبت إليهم كتبا مرارا ... فلم يرجع إلى لها جواب # فما أدرى أغيرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا # فمن يك لا يدوم له وصال ... وفيه حين يغترب انقلاب # فعهدى دائم لهم وودي ... على حال إذا شهدوا وغابوا # وإنما قال: «أم مال أصابوا» لأن الغنى فى أكثر الناس يغير الإخوان على ~~إخوانهم. فمن ذلك ما روى أن أبا الهول (¬3) الشاعر ms004 كان له صديق ضرب فى ~~البلاد فأيسر، فاحتاج أبو الهول إليه فلم يجده بحيث يحب، فكتب إليه: # /لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت فيها بعد عسر أخا يسر (¬4) # لقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر PageV01P010 # ومن جيد الشعر فى العتاب أبيات أنس بن زنيم الهذلى (¬1)، وقد وفد على عمر ~~بن عبيد الله (¬2) بن معمر التيمى، فى جماعة من الشعراء، فصده الحاجب عن ~~الدخول لخماشة (¬3) كانت بينهما، وأذن لغيره، فلما طال حجابه كتب إليه (¬4): # لقد كنت أسعى فى هواك وأبتغى ... رضاك وأرجو منك ما لست لاقيا # حفاظا وإمساكا لما كان بيننا ... لتجزينى يوما فما كنت جازيا # أرانى إذا ما شمت منك سحابة ... لتمطرنى عادت عجاجا وسافيا (¬5) # إذا قلت نالتنى سماؤك يا منت ... شآبيبها أو أثجمت عن شماليا (¬6) # وأدليت دلوى فى دلاء كثيرة ... فأبن ملاء غير دلوى كما هيا PageV01P011 # أأقصى ويدنى من يقصر رأيه ... ومن ليس يغنى عنك مثل غنائيا # فلما قرأ الأبيات عنف حاجبه، وأذن له وقال: ويحك ما الذى دهاك؟ قال: / ~~فعل حاجبك وطول مقامى ببابك، وأنت تعطى من أقبل وأدبر، ولا تلتفت إلى، فقال ~~له: يا هذا أشهدت معى مودأة هجر (¬1)؟ قال: لا، قال: فهل كنت معى يوم ~~الخوارج (¬2) بدولاب الأهواز؟ قال: لا، قال: فهل لك على من يد تستحق بها ما ~~طلبت؟ قال: نعم كنت أجلس بين يديك فأسمع حديثك فأنشر محاسنه وأطوى مساويه، ~~قال: إن فى هذا لما يشكر، كم أقمت بالباب؟ قال: أربعين يوما، فأمر له ~~بأربعين ألفا. # الشؤبوب: الدفعة من المطر، ويقال: أثجم المطر: إذا دام، والاثعنجار: # الهطلان. # ... PageV01P012 ### || AUTO المجلس الثانى # تقاسيم فى التثنية # قال أدام الله نعمته (¬1): التثنية والجمع المستعملان بالحرف أصلهما ~~التثنية والجمع بالعطف، فقولك: جاء الرجلان، ومررت بالزيدين (¬2) أصله: جاء ~~الرجل والرجل، ومررت بزيد وزيد، فحذفوا العاطف والمعطوف، وأقاموا حرف ~~التثنية مقامهما اختصارا، وصح ذلك لاتفاق الذاتين فى التسمية بلفظ واحد، ~~فإن اختلف لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرير بالعاطف، كقولك: جاء الرجل ~~والفرس، ومررت بزيد وبكر، إذ ms005 كان ما فعلوه من الحذف فى المتفقين يستحيل فى ~~المختلفين، ولما التزموا فى تثنية المتفقين ما ذكرناه من الحذف كان (¬3) ~~التزامه فى الجمع مما لا بد منه ولا مندوحة عنه، لأن حرف الجمع ينوب عن ~~ثلاثة فصاعدا إلى ما لا يدركه الحصر. # ويدلك على صحة ما ذكرته لك أنهم ربما رجعوا إلى الأصل فى تثنية المتفقين ~~وما فويق (¬4) ذلك من العدد، فاستعملوا التكرير بالعاطف، إما للضرورة، وإما ~~للتفخيم، فالضرورة كقول القائل (¬5): PageV01P013 # كأن بين فكها والفك # أراد أن يقول: بين فكيها، فقاده تصحيح/الوزن والقافية إلى استعمال العطف، ومثله: # ليث وليث فى مكان ضنك (¬1) # ومثله فيما جاوز الاثنين قول أبى نواس (¬2): # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس (¬3) # فإن استعملت هذا فى السعة فإنما تستعمله لتفخيم الشىء الذى تقصد تعظيمه، ~~كقولك لمن تعنفه بقبيح تكرر منه، وتنبهه على تكرير عفوك عنه: قد صفحت لك عن ~~جرم وجرم وجرم وجرم، وكقولك لمن يحقر أيادى أسديتها إليه، PageV01P014 # أو ينكر ما أنعمت به عليه: قد أعطيتك ألفا وألفا وألفا، فهذا أفخم فى ~~اللفظ، وأوقع فى النفس من قولك: قد صفحت لك عن أربعة أجرام، وقد أعطيتك ~~ثلاثة آلاف. # والتثنية تنقسم إلى ثلاثة أضرب: تثنية لفظية، وتثنية معنوية وردت بلفظ ~~الجمع، وتثنية لفظية كان حقها التكرير بالعطف. # فالضرب الأول عليه معظم الكلام، كقولك فى رجل: رجلان، وفى زيد: زيدان. # والضرب الثانى: تثنية آحاد ما فى الجسد كالأنف والوجه والبطن والظهر، ~~تقول: ضربت رءوس الرجلين، وشققت بطون الحملين (¬1)، ورأيت ظهوركما، وحيا ~~الله وجوهكما، فتجمع وأنت/تريد: رأسين وبطنين وظهرين ووجهين، ومن ذلك فى ~~التنزيل قوله جل ثناؤه: {فقد صغت قلوبكما} (¬2) وجروا على هذا السنن فى ~~المنفصل عن الجسد، فقالوا: مد الله فى أعماركما، ونسأ الله فى آجالكما، ~~ومثله فى المنفصل فيما حكاه سيبويه (¬3): ضع رحالهما. # ومن العرب من يعطى هذا كله حقه من التثنية، فيقولون (¬4): ضربت رأسيهما، PageV01P015 # وشققت بطنيهما، وعرفت ظهريكما، وحيا الله وجهيكما، فمما ورد بهذه اللغة ~~قول الفرزدق (¬1): # بما فى فؤادينا من الشوق ms006 والهوى # وقول أبى ذؤيب (¬2): # فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التى لا ترقع # أراد بطعنات نوافذ، والعبط: جمع العبيط: وهو البعير الذى ينحر لغير داء. # والجمع فى هذا ونحوه، هو الوجه، كما جاء فى التنزيل: {قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} (¬3)، وجمع هميان بن قحافة بين اللغتين فى قوله: # ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين (¬4) # المهمه: المفازة الخرقاء، والقذف والقذيف: البعيد، والمرت: كل مكان لا ~~ينبت مرعى. # وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد، لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن ~~المراد، كقولك: ضربت رأس الرجلين، وشققت بطن الحملين، ولا يكادون يستعملون PageV01P016 # هذا إلا فى الشعر (¬1)، وأنشدوا شاهدا عليه: # كأنه وجه تركيين قد غضبا ... مستهدفين لطعن غير تذبيب (¬2) # ذب فلان عن فلان: دفع عنه، وذبب فى الطعن والدفع: إذا لم يبالغ فيهما. # قال سيبويه (¬3): وسألته، يعنى الخليل، عن قولهم: ما أحسن وجوههما ~~[فجمعوا وهم يريدون اثنين (¬4)] فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول ~~الاثنين: نحن فعلنا [ذاك (¬5)]، ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون مفردا ~~(¬6)، وبين ما يكون شيئا من شيء. # /والقول فى تفسير هذه الحكاية: أنهم قالوا: ما أحسن وجوه الرجلين، ~~فاستعملوا الجمع موضع الاثنين، كما قال الاثنان: نحن فعلنا، ونحن إنما هو ~~ضمير موضوع للجماعة، وإنما استحسنوا ذلك لما بين التثنية والجمع من ~~التقارب، من PageV01P017 # حيث كانت التثنية عددا تركب من ضم واحد إلى واحد، وأول الجمع، وهو ~~الثلاثة، تركب من ضم واحد إلى اثنين، فلذلك قال: «لأن الاثنين جميع» وقوله: # «ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون مفردا وبين ما يكون شيئا من شيء» ~~معناه أنهم أعطوا المفرد حقه من لفظ التثنية، فقالوا فى رجل: رجلان، وفى وجه: # وجهان، ولم يفعل ذلك أهل اللغة العليا فى قولهم: ما أحسن وجوه الرجلين، ~~وذلك أن الوجه المضاف إلى صاحبه إنما هو شيء من شيء، فإذا ثنيت الثانى ~~منهما علم السامع ضرورة أن الأول لا بد من أن يكون وفقه فى العدة (¬1)، ~~فجمعوا الأول كراهة أن يأتوا بتثنيتين متلاصقتين فى مضاف ومضاف إليه، ms007 ~~والمتضايفان يجريان مجرى الاسم الواحد، فلما كرهوا أن يقولوا: ما أحسن وجهى ~~الرجلين، فيكونوا كأنهم قد جمعوا فى اسم واحد بين تثنيتين، غيروا لفظ ~~التثنية الأولى بلفظ الجمع، إذ العلم محيط بأنه لا يكون للاثنين أكثر من ~~وجهين، فلما أمنوا اللبس فى وضع الوجوه موضع الوجهين استعملوا أسهل اللفظين (¬2). # فأما ما فى الجسد منه اثنان، فتثنيته إذا ثنيت المضاف إليه واجبة، تقول: ~~فقأت عينيهما، وقطعت أذنيهما، لأنك لو قلت: أعينهما وآذانهما، لالتبس بأنك ~~أوقعت الفعل بالأربع. # فإن قيل: فقد جاء فى القرآن: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} (¬3) ~~فجمع اليد، وفى الجسد يدان، فهذا يوجب بظاهر اللفظ إيقاع القطع بالأربع. # الجواب: أن المراد: فاقطعوا أيمانهما، وكذلك هى فى مصحف عبد الله (¬4)، ~~فلما/ علم بالدليل الشرعى أن القطع محله اليمين، وليس فى الجسد إلا يمين ~~واحدة، جرت مجرى آحاد الجسد فجمعت كما جمع الوجه والظهر والقلب (¬5). PageV01P018 # والضرب الثالث من ضروب التثنية: تثنية التغليب، وذلك أنهم أجروا ~~المختلفين مجرى المتفقين، بتغليب أحدهما على الآخر، لخفته أو شهرته، جاء ~~ذلك مسموعا فى أسماء صالحة، كقولهم للأب والأم: الأبوان، وللشمس والقمر: ~~القمران، ولأبى بكر وعمر رضى الله عنهما: العمران، غلبوا القمر على الشمس ~~لخفة التذكير، وغلبوا عمر على أبى بكر، لأن أيام عمر امتدت فاشتهرت، ومن ~~زعم أنهم أرادوا بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فليس قوله ~~بشىء، لأنهم نطقوا بالعمرين من قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، وروى أنهم ~~قالوا لعثمان رضوان الله عليه: نسألك سيرة العمرين، وقال الفرزدق (¬1): # أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع # أراد لنا شمسها وقمرها، وعنى بالشمس إبراهيم، وبالقمر محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وبالنجوم عشيرة (¬2) النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك ~~أراد المتنبى بالقمرين الشمس والقمر فى قوله (¬3): # واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وقت معا # ولو لم يرد الشمس والقمر لم يدخل (¬4) الألف واللام، ولقال: أرتنى قمرين. # وقيل فى قوله تعالى: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} (¬5): ~~إن المراد ms008 المشرق والمغرب، فغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين. PageV01P019 # وقالوا لمصعب بن الزبير (¬1) وابنه المصعبان، وقالوا لعبد الله بن الزبير ~~وأخيه مصعب: الخبيبان، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب، قال الراجز (¬2): # قدنى من نصر الخبيبين قدى # وقد أفرد صاحب (إصلاح المنطق) لهذا الضرب (¬3) بابا. # كان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ~~(¬4) من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام فحسن إسلامه، وترك قول الشعر فى ~~الإسلام، وسأله عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فى خلافته، عن شعره ~~واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول ~~بيتا من الشعر بعد إذ علمنى الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان ~~عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة، وعاش إلى بعض أيام معاوية، وكان عطاؤه بالكوفة، ~~وكتب معاوية إلى زياد بأن المال قد قل وكثر أهل العطاء، فانقص من أعطيات ~~أهل الشرف خمسمائة [خمسمائة (¬5)] فنقصهم زياد عند أخذهم للعطاء رجلا رجلا، ~~حتى انتهى إلى لبيد، فقال (¬6) له: هذان الخرجان يا أبا عقيل فما هذه ~~العلاوة (¬7)؟ فقال له لبيد: أمضها لا أبا لك، فعن قليل ما يرجع إليك ~~الخرجان والعلاوة، فاستحيا منه زياد لسنه PageV01P020 # وشرفه، فأعطاه عطاءه على تمامه، ولم يفعل ذلك مع أحد غيره، فكان ذلك آخر ~~ما قبض [من العطاء (¬1)]. # وكان لبيد آلى على نفسه فى الجاهلية ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم الناس ~~حتى تسكن، وألزم ذلك (¬2) نفسه فى الإسلام، وخطب الوليد بن عقبة بن أبى ~~معيط الناس بالكوفة فى يوم صبا، فقال: معاشر الناس، إن أخاكم لبيد بن ربيعة ~~آلى على نفسه فى الجاهلية ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم الناس حتى تسكن، ~~وأقام على سنته فى الإسلام، وهذا اليوم من أيامه فأعينوه، وأنا أول من ~~يعينه، ونزل عن المنبر، فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه بهذه الأبيات: # أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبى عقيل (¬3) # أشم الأنف أصيد عامرى ... طويل الباع كالسيف الصقيل # وفى ابن الجعفرى بما عليه ... على العلات والمال ms009 القليل # فلما وصلت الأبيات إلى لبيد، قال لبنت له: يا بنية أجيبيه، فقد رأيتنى ~~وما أعيا بجواب شاعر، فقالت: # إذا هبت رياح أبى عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا # أشم الأنف أصيد عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا # بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بنى حام قعودا # أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا # فعد إن الكريم له معاد ... وظنى بابن أروى أن يعودا PageV01P021 # فقال لها أبوها: أحسنت لولا أنك استزدتيه، فقالت: إن الأمراء لا يستحيا ~~من الطلب إليهم، ولا غضاضة على سائلهم، فقال: وأنت فى هذا القول أشعر. # ... PageV01P022 ### || AUTO المجلس الثالث # قال كبت الله أعداءه (¬1): كان بنو زياد العبسيون الربيع وعمارة وقيس ~~وأنس، كل واحد منهم قد رأس فى الجاهلية وقاد جيشا، وأمهم فاطمة بنت الخرشب ~~الأنمارية، وكانت إحدى المنجبات (¬2)، وهى التى سئلت فقيل لها: أى بنيك ~~أفضل؟ فقالت: # ربيع، بل عمارة، بل قيس، بل أنس، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أدرى. وكان لكل ~~واحد منهم لقب، فكان عمارة يقال له: الوهاب، وكان الربيع يقال له: # الكامل، وقيس يقال (¬3) له: الجواد، وأنس يقال له: أنس الحفاظ، وكان ~~عمارة آلى على نفسه ألا يسمع صوت أسير ينادى فى الليل/إلا افتكه، وفيه يقول ~~المسيب ابن عامر (¬4). # جزى الله عنى والجزاء بكفه ... عمارة عبس نضرة وسلاما # كسيف الفرند العضب أخلص صقله ... تراوحه أيدى الرجال قياما # إذا ما ملمات الأمور غشينه ... تفرجن عنه أصلتيا حساما PageV01P023 # لعمرك ما ألفيته متعبسا ... ولا ماله دون الصديق حراما # النضرة: الحسن، ونضر الله وجهك: حسنه، ومنه {وجوه يومئذ ناضرة} (¬1) ~~{ولقاهم نضرة وسرورا} (¬2) والسلام: التحية، والسلام: السلامة، والسلام: ~~الله جلت عظمته، ومن السلامة قول الشاعر: # تحيى بالسلامة أم بكر ... وهل لى بعد قومى من سلام (¬3) # ومن السلامة أيضا قول الله جل ثناؤه: {لهم دار السلام عند ربهم} (¬4) ~~وسمى الله الجنة دار السلام، لسلامة أهلها من الآفات: الفقر والمرض والموت ~~والأحزان. # والفرند: جوهر السيف. والأصلتى: الحسن، والأصلتى: الماضى من كل شيء. # ونصب «قياما» على الحال من الرجال، والحال من المضاف إليه ms010 قليلة، فمن ذلك ~~قول الجعدى يصف فرسا (¬5): # كأن حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب # نصب «مدبرا» على الحال من الهاء، والحامية: ما فوق الحافر، وقيل الحامية: # ما عن يمين الحافر وشماله (¬6)، وهذا أثبت. # وأنشدوا فى الحال من المضاف إليه قول تأبط شرا: (¬7) PageV01P024 # سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى ... فيا خير مسلوب ويا شر سالب # ولست أرى أن «بائسا» حال من ضمير المتكلم الذى فى «سلاحى» ولكنه عندى حال ~~من مفعول «سلبت» المحذوف، والتقدير: سلبتنى بائسا سلاحى، وجاء بالحال من ~~المحذوف لأنه مقدر عنده منوى، ومثل ذلك فى القرآن قوله جل وعز: # {ذرني ومن خلقت وحيدا} (¬1) فوحيدا حال من الهاء العائدة فى التقدير على ~~«من» ومثله: {أهذا الذي بعث الله رسولا} (¬2) ألا ترى أنك لا بد أن تقدر ~~خلقته وحيدا، وبعثه الله رسولا، لأن الاسم الموصول لا بد له من عائد لفظا ~~أو تقديرا. # وإنما وجب العدول (¬3) عن نصب «بائس» على الحال من الياء التى فى «سلاحى» ~~لما ذكرته لك من عزة حال المضاف إليه، فإذا وجدت مندوحة عنه وجب تركه. # وسلب: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، كقولك: سلبت زيدا ~~ثوبا، وقالوا: سلب زيد ثوبه، بالرفع على بدل الاشتمال، وثوبه، بالنصب على ~~أنه مفعول ثان، وفى التنزيل: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} ~~(¬4) فيجوز على هذا أن تجعل «بائسا» مفعولا ثانيا بتقدير حذف الموصوف: أى ~~سلبت سلاحى رجلا بائسا، كما تقول: لتعاملن منى رجلا منصفا، ومما جاءت فيه ~~الحال من المضاف إليه فى القرآن قوله تعالى: {قل بل ملة إبراهيم حنيفا} ~~(¬5) قيل: # إن «حنيفا» حال من إبراهيم، وأوجه من ذلك عندى أن تجعله حالا من «الملة» ~~وإن خالفها بالتذكير، لأن الملة فى معنى الدين، ألا ترى أنها قد أبدلت من ~~الدين فى قوله جل وعز: {دينا قيما ملة إبراهيم} (¬6) فإذا جعلت «حنيفا» ~~حالا من «الملة» PageV01P025 # فالناصب له هو الناصب للملة، وتقديره: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، وإنما ~~أضمر «نتبع» لأن ما حكاه الله عنهم من قولهم: {كونوا هودا أو ms011 نصارى تهتدوا} معناه: # اتبعوا اليهودية أو النصرانية، فقال لنبيه قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا. # وإنما ضعف مجىء الحال من المضاف/إليه، لأن العامل فى الحال ينبغى أن يكون ~~هو العامل فى ذى الحال. # رجعنا إلى ما بدأنا به من الإخبار عن عمارة بن زياد العبسى. قالوا: وكان ~~عمارة يحسد عنترة على شجاعته، إلا أنه كان يظهر تحقيره، ويقول لقومه: إنكم ~~قد أكثرتم من ذكره، ولوددت أنى لقيته خاليا حتى أريحكم منه، وحتى أعلمكم ~~أنه عبد، وكان عمارة مع جوده كثير المال، وكان عنترة لا يكاد يمسك إبلا، ~~ولكن يعطيها إخوته ويقسمها فيهم، فبلغه ما يقول عمارة فقال (¬1): # أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلنى فها أنا ذا عمارا # متى ما تلقنى خلوين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا # وسيفى صارم قبضت عليه ... أشاجع لا ترى فيها انتشارا # حسام كالعقيقة فهو كمعى ... سلاحى لا أفل ولا فطارا # ومطرد الكعوب أحص صدق ... تخال سنانه فى الليل نارا # ستعلم أينا للموت أدنى ... إذا دانيت لى الأسل الحرارا # وخيل قد دلفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا # المذروان: جانبا الأليتين المقترنان، ومن كلام العرب: «جاء ينفض مذرويه ~~(¬2)» PageV01P026 # إذا جاء يتهدد. وهذا الحرف مما شذ عن [قياس (¬1)] نظائره، وكان حقه أن ~~تصير واوه إلى الياء كما صارت إلى (¬2) الياء فى قولهم: ملهيان ومغزيان، ~~لأن الواو متى وقع فى هذا النحو طرفا رابعا فصاعدا استحق الانقلاب إلى ~~الياء، حملا على انقلابه فى الفعل فى نحو يلهى ويغزى، وإنما انقلبت الواو ~~ياء فى قولك: ملهيان ومغزيان وإن لم تكن طرفا، لأنها فى تقدير الطرف، من ~~حيث كان حرف التثنية لا يحصن ما اتصل به، لأن دخوله كخروجه، وصحت الواو فى ~~المذروين؛ لأنهم بنوه على التثنية، فلم يفردوا فيقولوا مذرى (¬3)، كما ~~قالوا: ملهى، فصحت لذلك، كما صحت الواو والياء فى العلاوة والنهاية، فلم ~~يقلبا إلى الهمزة، لأنهم بنوا الاسمين على التأنيث، وكما صحت الياء فى ~~الثنايين من قولهم: عقلته بثنايين: إذا عقلت يديه جميعا بطرفى حبل، لأنهم ~~صاغوه مثنى، ولو أنهم تكلموا ms012 بواحده لقالوا: ثناء، مهموز كرداء، ولقالوا فى ~~تثنيته: ثناءان وثناءين، كرداءين. # وقوله: «متى ما تلقنى خلوين» نصب «خلوين» على الحال من الفاعل والمفعول، ~~أراد خاليين، ويروى، برزين: أى بارزين، ومثله الحال من ضمير الاثنين ~~المستتر فى الظرف من قوله عز وجل: {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين} (¬4). # والرانفة: طرف الألية الذى يلى الأرض إذا كان الإنسان قائما. وأما الألية PageV01P027 # فقال أبو على الحسن بن أحمد الفارسى رحمه الله: قد جاء (¬1) من المؤنث ~~بالياء حرفان، لم يلحق فى تثنيتهما التاء وذلك قولهم: خصيان وأليان، فإذا ~~أفردوا قالوا: خصية وألية، وأنشد أبو زيد (¬2): # ترتج ألياه ارتجاج الوطب # وأنشد سيبويه (¬3): # كأن خصييه من التدلدل ... ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل # انتهى كلامه (¬4). وقد جاءت فى قوله-: «روانف أليتيك» تاء التأنيث، كما ~~ترى، /فالعرب إذا مختلفة فى ذلك. PageV01P028 # ومعنى «تستطار»: تستخف، ويحتمل قوله «وتستطارا» وجهين من الإعراب، ~~أحدهما: أن يكون مجزوما معطوفا على جواب الشرط، وأصله: # تستطاران، فسقطت نونه للجزم، فالألف على هذا ضمير عائد على الروانف، وعاد ~~إليها وهى جمع ضمير تثنية، لأنها من الجموع الواقعة فى مواقع التثنية، نحو قولك: # وجوه الرجلين، فعاد الضمير على معناها دون لفظها، إذ المعنى رانفتا ~~أليتيك، كما أن معنى الوجوه من قولك: حيا الله وجوهكما، معنى الوجهين، لأنه ~~لا يكون لواحد أكثر من وجه، كما أنه ليس للألية إلا رانفة واحدة. # والوجه الثانى: أن يكون نصبا على الجواب بالواو، بتقدير: وأن تستطارا ~~(¬1)، فالألف على هذا لإطلاق القافية، والتاء للخطاب، وهى فى الوجه الأول ~~للتأنيث، ويجوز أن تجعل التاء فى هذا الوجه أيضا لتأنيث الروانف، وجاء ~~الجواب بعد الشرط والجزاء، كما يجيء بعد الكلام الذى ليس بواجب، كالنهى ~~والنفى فى قولهم: «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، و «لا يسعنى شيء ويعجز ~~عنك»، ومثله فى انتصاب الجواب بالواو بعد الشرط والجزاء قول الله عز وجل: ~~{إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} -ثم قال: - {أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير. ويعلم الذين يجادلون} (¬2) ومن قرأ: {ويعلم} رفعا-وهو ms013 ~~نافع (¬3) وابن عامر-استأنفه، ومثله فى النصب على الجواب بعد الواو قول ~~النابغة (¬4): # فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام # ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام PageV01P029 # قد روى [ونأخذ (¬1)] جزما بالعطف على جواب الشرط، ويروى: «ونأخذ»، رفعا ~~على الاستئناف، ويروى: «ونأخذ»، نصبا على الجواب، ومثله الجواب بالفاء بعد ~~الشرط والجزاء فى قول الله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء} (¬2) الاختلاف فى «فيغفر» كالاختلاف فى ~~«ونأخذ» قرأه ابن كثير (¬3)، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائى، جزما ~~بالعطف على «يحاسبكم» وقرأ عاصم وابن عامر، رفعا على الاستئناف، ويروى (¬4) ~~نصبه على الجواب عن ابن عباس (¬5) رضى الله عنه، وإنما نصبوا الجواب بعد ~~جملة الشرط والجزاء، لأن الجزاء متعلق بالشرط، يقع بوقوعه ويمتنع بامتناعه، ~~فأشبه النفى. # والأشاجع: عروق ظاهر الكف، واحدها: أشجع، وبه سمى الرجل، وهو قبل التسمية ~~مصروف كما ينصرف أفكل، ويقال: رجل عارى الأشاجع: إذا كان قليل لحم الكف. # وقوله: «حسام كالعقيقة فهو كمعى» العقيقة: الشقة من البرق، وهى ما انعق ~~منه، وانعقاقه: تشققه. والكمع، والكميع: الضجيع، وجاء فى الحديث- النهى عن ~~المكامعة والمكاعمة-والمكامعة: أن يضطجع الرجلان فى ثوب واحد ليس بينهما ~~حاجز، والمكاعمة: أن يقبل الرجل الرجل على (¬6) فيه. # وقوله: «لا أفل ولا فطارا»: أى لا فل فيه ولا فطر، والفل: الثلم، والفطر: # الشق. PageV01P030 # وموضع قوله: «كالعقيقة» رفع، وصف لحسام، ففى الكاف ضمير عائد على ~~الموصوف. وانتصاب «أفل» على الحال من المضمر فى الكاف، والعامل فى الحال ما ~~فى الكاف من معنى التشبيه، والتقدير: حسام يشبه العقيقة غير منفل ولا منفطر. # وقوله: «ومطرد الكعوب»: أى متتابع الكعوب، أى ليس فى كعوبه اختلاف [يقال ~~(¬1)]: اطرد القول: إذا تتابع، والكعوب من الرمح: العقد ما بين كل أنبوبين كعب. # والأحص: الأملس، يقال: انحص رأسه: إذا ذهب شعره، وسنة حصاء: # لانبت فيها # والصدق: الصلب، وقوله: # ستعلم أينا للموت أدنى ... إذا دانيت لى الأسل الحرارا # أراد: إلى الموت أدنى، وإذا دانيت إلى الأسل، فوضع اللام فى ms014 موضع «إلى»، ~~لأن الدنو وما تصرف منه أصله التعدى بإلى، ومثله فى إقامة اللام مقام «إلى» ~~قول الله سبحانه: {بأن ربك أوحى لها} (¬2) أى أوحى إليها، ومثله {قل الله ~~يهدي للحق} ثم قال: {أفمن يهدي إلى الحق} (¬3). # والأسل: الرماح. والحرار: العطاش، ومن دعائهم: «رماه الله بالحرة (¬4) ~~تحت القرة»: أى بالعطش تحت البرد. PageV01P031 # وقوله: «وخيل قد دلفت لها بخيل» الدليف: المشى الرويد، وهو فويق الدبيب، ~~وهو مشى الكتيبة إلى الكتيبة. # وقوله: «عليها الأسد تهتصر» معنى تهتصر: تجتذب أقرانها، يقال: # هصرت الغصن واهتصرته: إذا جذبته، ويقال: رجل هصر: إذا كان شديد الجذب ~~للأقران، ومنه اشتقاق: مهاصر، اسم رجل. آخر المجلس. # ... PageV01P032 ### || AUTO المجلس الرابع # باب يشتمل على تفسير أبيات، إعرابا ومعنى # بيت للكميت بن زيد الأسدى، من قصيدة مدح بها بعض (¬1) ملوك بنى أمية: # صر رجل الغراب ملكك فى النا ... س على من أراد فيه الفجورا (¬2) # نصب «رجل الغراب»، على المصدر، قال أبو عبيد القاسم بن سلام: رجل الغراب: ~~ضرب من صر أخلاف الناقة لا ينحل، ولا يقدر فصيل على أن يرضع معه، انتهى كلامه. # قال كبت (¬3) الله عدوه: إن هذا مثل ضربه وتشبيه، ومفعول «صر» محذوف، ~~والمعنى: صر ملكك البلاد فمنعها من المفسدين وفطمهم منها، كما يمنع الفصيل ~~لبن أمه بالصر، والتقدير: صر البلاد ملكك صرا مثل الصر المعروف برجل ~~الغراب. # بيت للشماخ (¬4). # إذا الأرطى توسد أبرديه ... خدود جوازئ بالرمل عين # الأبردان: الغداة والعشى، والجوازئ من البقر والظباء: التى جزأت بالرطب PageV01P033 # عن الماء، أى استغنت، وهو جمع جازئ وجازئة، والمصدر الجزء مضموم الأول، ~~والجزوء أيضا على الفعول (¬1)، والعين: الواسعة العيون، الواحد أعين ~~وعيناء. # ويقال: ما موضع الأرطى؟ # والجواب: نصب (¬2) بتوسد، ولا حاجة بك إلى إضمار فعل ينصبه (¬3)، يكون ~~هذا مفسرا له، لأن الظاهر غير مشغول عن (¬4) العمل فيه، وانتصاب «أبرديه ~~(¬5)» على الظرف، والهاء عائدة على الأرطى، ولو أنها اتصلت بالفعل فقيل: ~~توسده، وجب أن تضمر للأرطى ناصبا يفسره هذا الظاهر، ولكنه كقولك: إذا زيدا ~~أكرم بكر طرفى نهاره كان كذا. # أنشد أبو ms015 العباس محمد بن يزيد، فى المقتضب (¬6): # بعد اللتيا واللتيا والتى ... إذا علتها أنفس تردت # لم يأت للموصولين الأولين بصلة، لأن صلة الموصول الثالث دلت على ما أراد، ومثله: # من اللواتى والتى واللاتى ... زعمن أنى كبرت لداتى (¬7) # وصل اللاتى وحذف صلة اللواتى والتى، للدلالة عليها. PageV01P034 # ومما حذف منه صلة موصولين، فلم يؤت فيه بصلة أخرى، قول سلمى (¬1) بن ~~ربيعة السيدى: # /ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها ... وكفيت جانيها اللتيا والتى # أراد اللتيا والتى تأتى على النفوس، لأن تأنيث اللتيا والتى هاهنا إنما ~~هو لتأنيث الداهية، ألا ترى إلى قول الراجز (¬2): # بعد اللتيا واللتيا والتى ... إذا علتها أنفس تردت # وتردت: تفعلت من الردى، مصدر ردى يردى: إذا هلك، وإن شئت أخذته من ~~التردى: الذى هو السقوط من علو، ومنه «المتردية (¬3)»: الشاة التى تسقط من ~~جبل أو حائط، أو فى بئر فتموت، ومنه: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} (¬4) أى ~~إذا سقط على رأسه فى جهنم. # وحذف الصلة (¬5) من هذا الضرب من الموصولات إنما هو لتعظيم الأمر وتفخيمه ~~(¬6)، ومثل ذلك حذف الأجوبة فى نحو: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} ~~(¬7) PageV01P035 # ونحو: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ~~فارجعنا نعمل صالحا} (¬1) تقدير الجواب، والله أعلم: لرأيت أمرا هائلا، ومن ~~ذلك قولهم: «أصاب الناس جهد ولو ترى أهل مكة» (¬2) تقدير المحذوف: لرأيتهم ~~بأسوإ حال، وقد جاء التحقير فى كلامهم للتعظيم كقوله (¬3): # وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل # أراد بالدويهية الموت، ولا داهية أعظم منها، وكقول أوس بن حجر (¬4): # فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن ... لتبلغه حتى تكل وتعملا # أى لم تكن لتبلغ رأسه. # فتحقير اللتيا هاهنا إنما هو تعظيم، ويبعد أن يكون أراد باللتيا الفعلة ~~الهينة لقوله: «وكفيت جانيها اللتيا»، والفعلة الهينة لا يكاد فاعلها يسمى جانيا. # /فأما قوله: «ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها» فالرأب: الإصلاح، والثأى: # الفساد، والظرف متعلق بالثأى: أى أصلحت ما فسد بينها. # بيت، سأل عن إعرابه ومعناه أبو الحسن على بن عبد الرحمن ms016 المغربى: # أنى ترد لى الحمول أراهم ... ما أقرب الملسوع منه الداء (¬5) # فأجبت بأن الداء مبتدأ قدم خبره عليه، وإن كان الخبر جملة، اتساعا، لأن PageV01P036 # البصريين مجمعون (¬1) على جواز تقديم الجملة على المخبر بها عنه، كقولك: ~~مررت به المسكين، وأكرمت أخاه زيد، أى المسكين مررت به، وزيد أكرمت أخاه، ~~والمعلق للجملة بالمبتدإ الهاء فى «منه» فالتقدير: الداء ما أقرب الملسوع ~~منه، كقولك: # زيد ما أحسن وجهه، وجاز الإخبار بجملة التعجب، لأن التعجب ضرب من الخبر، ~~من حيث يدخله التصديق والتكذيب، ومثل ذلك الإخبار بنعم وفاعلها، فى قولك: ~~نعم الرجل زيد، فى قول من جعل زيدا مبتدأ، كأنك قلت: زيد نعم الرجل، وإنما ~~ألزموا الخبر المركب من نعم وفاعلها التقديم على المبتدأ غالبا؛ لقوة ~~عنايتهم بالمدح. # والأصل فى الحمول أن تكون الأحمال، واتسعوا فيها حتى استعملوها ~~للمتحملين. # ومن ذلك قول المتنبى فى وصف الدنيا (¬2): # من رآها بعينها شاقه القط ... ان فيها كما تشوق الحمول # أى كما يشوق المتحملون (¬3). # وقوله: «أنى ترد لى الحمول» استفهام أخرجه مخرج الإنكار، وقال: # «أراهم» فأعاد إلى الحمول ضمير العقلاء الذكور، لأنه ذهب بالحمول إلى ~~المتحملين. # وقد جاءت الحمول بمعنى النساء المتحملات فى قول معقر بن حمار البارقى: PageV01P037 # أمن آل شعثاء الحمول البواكر ... مع الصبح قد زالت بهن الأباعر (¬1) # والمعنى أنه استبعد بقاءه إلى حين رجعة المتحملين إليه ونظره إليهم، ~~فقال: / كيف يرد لى الذين تحملوا حتى أراهم، أى لا يكون ذلك؛ لأنى كالملسوع ~~الذى داؤه المؤدى إلى موته أقرب الأشياء إليه، لأن داء الملسوع لا تكاد ~~ترجى السلامة منه. # امرؤ القيس، فى وصف ناقته (¬2): # تخدى على العلات سام رأسها ... روعاء منسمها رثيم دامى # جالت لتصرعنى فقلت لها اقصرى ... إنى امرؤ صرعى عليك حرام # خدى البعير يخدى خديا، ووخد يخد وخدانا ووخدا: كلاهما من السير السريع. # وقوله: «على العلات» أى على ما بها من الكلال والجوع والعطش. # و «سام رأسها»: أى مرتفع من نشاطها، وموضع «سام» نصب على الحال، ولكنه ~~أسكنه ضرورة، كقول بشر بن أبى خازم (¬3): # كفى ms017 بالنأى من أسماء كافى PageV01P038 # فرأسها إذا مرتفع بسام، دون الابتداء، ارتفاع الفاعل بفعله، لأن اسم ~~الفاعل إذا اعتمد عمل عمل الفعل، واعتماده أن يكون خبرا أو صفة أو صلة أو حالا. # وروعاء: حديدة الفؤاد، ترتاع من كل شيء، وانتصابها على الحال. # والمنسم للبعير كالظفر للإنسان. # ورثيم: مشقوق، فعيل بمعنى مفعول، صكته الحجارة فرثمته، وأصل الرثم فى ~~الأنف، يقال: رثمت أنفه: إذا شققته حتى يسيل [منه (¬1)] دم، ولكنه استعاره ~~للمنسم. # وقوله: اقصرى، من القصر الذى هو الحبس، أى احبسى جولانك، ومنه {حور ~~مقصورات} (¬2). # وقوله: «إنى امرؤ صرعى عليك» كان حقه أن يقول: صرعه، فيعيد إلى امرئ ضمير ~~غيبة، لأنه اسم غيبة، ولكنه لما وقع خبرا عن ياء المتكلم، والخبر المفرد هو ~~المخبر عنه، أعاد إليه من الجملة التى وصفه بها ضمير متكلم، ونظير ذلك فى ~~التنزيل قوله جلت عظمته: {إنكم قوم تجهلون} (¬3) كان قياسه: يجهلون بالياء، ~~لأنه صفة قوم، وقوم اسم غيبة، والتاء/خطاب، ولكن حسن إجراء الخطاب وصفا ~~لقوم، لوقوعه خبرا عن ضمير المخاطبين. # وقال أبو حاتم سهل بن محمد فى قوله: «صرعى عليك حرام»: المعنى أنه حاذق ~~بالركوب، فهذه الناقة لا تقدر أن تصرعه، وقال غير أبى حاتم: معناه قد آتيت ~~إليك من الإحسان ما لا ينبغى لك معه أن تصرعينى، أى قد حرم إحسانى إليك ~~صرعى عليك. PageV01P039 # وهذا البيت انفرد الأصمعى (¬1) بروايته، وروى «حرام» مكسور الميم، ولو ~~رواه بضمها على الإقواء (¬2) كان أحب إلى، وقال أبو حاتم فى تعليل الكسر ~~فيه: أخرج «حرام» مخرج كفاف، من قول الراجز (¬3): # يا ليت حظى من جداك الضافى ... والفضل أن تتركنى كفاف # عدل (¬4) كفاف عن كاف، وإن شئت قدرتها معدولة عن التركة الكافة. انتهى كلامه. # قال أدام الله نعمته (¬5): حرام لا يتأتى فيها العدل عن فاعل أو فاعلة، ~~كما تأتى ذلك فى كفاف، وكفاف قد اتسع استعمالها فى الشعر القديم، وقد ورد ~~فى أشعار المتأخرين، كقول أبى العلاء المعرى، فى ابتداء مرثية أبى أحمد ~~الموسوى والد المرتضى والرضى: # أودى فليت الحادثات كفاف ... مال ms018 المسيف وعنبر المستاف (¬6) # المسيف: الذى ذهب ماله (¬7)، والمستاف مفتعل من السوف، وهو الشم. PageV01P040 # عدل كفاف عن كافة، أى ليت الحادثات كفت عنا خيرها وشرها، فلم تسد إلينا ~~خيرا، ولم توقع بنا شرا، فقام هذا بهذا. # وإذا كان العدل فى «كفاف» ممكنا وفى «حرام» متعسفا وجب اطراح المتعسف، ~~وأن تحمل هذه اللفظة على وجه يستقيم به فيها الكسر، وذلك أن يكون /ألحقها ~~ياء النسب للمبالغة (¬1)، من حيث كانت وصفا، كقولهم فى الأحمر: أحمرى، وفى ~~الدوار: دوارى، قال الراجز (¬2): # والدهر بالإنسان دوارى # ثم خفف الياء من «حرامى» ضرورة، كما خففها القائل (¬3): # قتلت علباء وهند الجملى # فهذا أمثل مما رآه أبو حاتم، ويجب على هذا الوجه إثبات الياء فى الخط. # ... PageV01P041 ### || AUTO المجلس الخامس # بيت للرضى من قصيدة مدح بها الطائع، رضى الله عنه: # قد كان جدك عصمة العرب الألى ... فاليوم أنت لهم من الإعدام (¬1) # قوله: «الألى» يحتمل (¬2) وجهين، أحدهما: أن يكون اسما ناقصا بمعنى الذين ~~أراد الألى سلفوا، فحذف الصلة للعلم بها، كما حذفها عبيد بن الأبرص فى قوله: # نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا (¬3) # أراد نحن الألى عرفتهم. # والوجه الثانى: أن يكون أراد الأولى، فحذف الواو التى هى عين الفعلى، كما ~~حذفها الأسود بن يعفر فى قوله: # وأتبعت أخراهم طريق الاهم ... كما قيل نجم قد خوى متتايع (¬4) PageV01P042 # قيل: إنه أراد هجوت آخرهم كما هجوت أولهم، أى ألحقت آخرهم بأولهم فى ~~الهجاء، ويقال: خوت النجوم: إذا سقطت فلم يكن عن سقوطها مطر. # ويدلك على أنه أراد بألاهم أولاهم أمران، أحدهما: معادلتها لأخراهم، ~~ومثله قول أمية بن أبى الصلت (¬1): # وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا ... أن سوف تلحق أخرانا بأولانا # /ومثله فى كتاب الله عز وجل: {قالت أولاهم لأخراهم} (¬2). # /والثانى: أنها لا تخلو من أن يكون المراد بها ما ذكرته، أو تكون «ألى» ~~المبهمة التى فى قول الأعشى (¬3): # هاؤلا ثم هاؤلا كلا اعطي ... ت نعالا محذوة بنعالى # أو تكون التى (¬4) بمعنى الذين، كقول بشر (¬5): PageV01P043 # ونحن ألى ضربنا رأس حجر # فلا يجوز أن ms019 تكون المبهمة ولا الموصولة، لأن تينك لا تضافان، فثبت ما ~~ذكرته أن المراد بها أولاهم، وإنما استجازوا مثل هذا الحذف فى المعتل ~~الأصلى تشبيها له بالزائد، كقولهم فى الرءوف: الرؤف، وفى العلابط: العلبط، ~~وفى العرنتن: # العرتن، وفى العريقصان: العرقصان، ومن ذلك حذفهم اللام من مراما (¬1)، فى ~~قولهم مرامى تشبيها لها بألف التأنيث فى حبارى، وحذفهم الياء الساكنة التى ~~هى عين فى تحية، تشبيها بالياء الزائدة فى حنيفة، فقالوا: تحوى (¬2)، كما ~~قالوا: حنفى، وكذلك شبهوا اللامات المعتلة بالحركة الزائدة، فحذفوهن للجزم ~~فى نحو: لم يدع ولم يمش ولم يخش، كما حذفوا الحركة من الصحيح. # العلابط: القطيع الضخم من الغنم، والعرنتن: ضرب من الشجر، والعريقصان: ~~اسم جنس من الدواب. # بيت للرضى، قال (¬3) أدام الله نعمته: سئلت عنه: # تزهى على تلك الظبا ... ء فليت شعرى من أباها (¬4) # وقف الهوى بى عندها ... وسرت بقلبى مقلتاها # يحتمل قوله: «من أباها» ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون بمعنى قولك: # أبواها، فهو تثنية أب، على لغة من قال: هذان أبان، ورأيت أبين، ومررت ~~/بأبين، فلم يرد لامه فى التثنية، كما لم يرد اللام من قال: يدان ودمان، ~~وأنشدوا PageV01P044 # على هذه اللغة قول الفرزدق (¬1). # يا خليلى اسقيانى ... أربعا بعد اثنتين # من شراب كدم الجو ... ف يحر الكليتين # واصرفا الكأس عن الجا ... هل يحيى بن حصين # لا يذوق اليوم كأسا ... أو يفدى بالأبين # وعلى هذا المذهب ثناه المتنبي فى قوله (¬2): # تسل بفكر فى أبيك فإنما ... بكيت فكان الضحك بعد قريب # فوزن أباها وأبيك: فعاها وفعيك، وحذفا منهما النونين للإضافة. # والثانى: أن يكون المراد بقوله «أباها» واحدا، على لغة من قال: هذا أبا، ~~ورأيت أبا، ومررت بأبا، فأبدل من الواو التى هى لام الفعل ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، إذا الأصل فيه: أبو كقلم، فجاء به على حد عصا، ويدل على ~~أنه فى الأصل فعل مفتوح العين جمعه على آباء، فجاء على حد جبل وأجبال، وهذه ~~اللغة رواها أبو العباس ثعلب. # والثالث: أن يكون معنى قوله: «من أباها» من كان لها ms020 أبا، فأباها على هذا ~~فعل كقولك: رآها، من قولهم: أبوت ثلاثة: أى كنت أبا لثلاثة. # ورووا أن أعرابيا وقف على قوم فسألهم فقال: إنى أبوت عشرة، وأخوت عشرة، ~~وأنا اليوم وحيد، فرحم الله من أمر بمير أو دعا بخير. # وقوله: «تزهى» من الزهو، الذى هو الكبر، لا يستعملونه إلا مضموم الأول PageV01P045 # على ما لم يسم فاعله، تقول: زهيت علينا يا رجل (¬1) تزهى، فأنت مزهو، أى ~~تكبرت، ولا تقول: زهوت، فتجعل الفعل له، لأن الفعل إنما هو للشيء الذى ~~يحمله على الزهو، كالمال والجمال والسلطان، وإنما يفسرون زهيت بتكبرت ~~مجازا، وتفسيره (¬2): حملت على التكبر. # /وقوله: «ليت شعرى من أباها» لك فى خبر «ليت» مذهبان: إن شئت قلت: هو ~~محذوف لطول الكلام، وتقديره: واقع أو موجود، وإن شئت قلت: لما كان قوله ~~«ليت شعرى» مؤديا معنى ليتنى أشعر، استغنى عن خبر، كما استغنى المبتدأ فى ~~قولك: أقائم أخواك، حيث أدى معنى يقوم، وقوله: «من أباها» جملة ابتداء عمل ~~فى موضعها المصدر، كأنه قال: ليت أن أشعر أى الناس أباها. # وأما قول القائل: # ليت شعرى إذا القيامة قامت ... ودعا بالحساب أين المصيرا (¬3) # وقبله: # خمر الشيب لمتى تخميرا ... وحدا بى إلى القبور البعيرا # فإن المصير منصوب بالمصدر (¬4)، وأين: خبر مبتدأ محذوف، تقديره أين هو، ~~وقد PageV01P046 # أساء بشيئين، بحذف المبتدأ، وبالفصل بين شعرى ومعموله بأين، وهو أجنبى، ~~ولو أعطى الكلام حقه قيل: ليت شعرى المصير أين هو؟ # وقوله: «خمر الشيب لمتى» معناه غطى سوادها، ومنه الخمار لتغطيته الوجه، ~~والخمر لأنها تغطى العقل، والخمر: ما يوارى من الشجر، وعنى بالبعير عمره، ~~كقولهم: من كان الليل والنهار مطيته أسرعا به السير. # بيت سئلت عنه # غير مأسوف على زمن ... ينقضى بالهم والحزن (¬1) # فقيل: بم يرتفع «غير»؟ فأقول: إن قوله: «مأسوف» مفعول من الأسف، وهو ~~الحزن، «وعلى» متعلقة (¬2) به، كقولك: أسفت على كذا أسفا، وحزنت عليه حزنا، ~~ولهفت عليه لهفا، وأسيت عليه أسى، وموضع قوله: «بالهم» نصب على الحال، ~~والتقدير: ينقضى مشوبا بالهم و «غير» رفع بالابتداء، ولما أضيفت ms021 إلى اسم ~~المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور، استغنى المبتدأ عن خبر، كما استغنى ~~«قائم ومضروب» فى قولك: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلاماك (¬3)، عن خبر، من ~~حيث سد الاسم المرفوع بهما مسد الخبر، لأن «قائم ومضروب» قاما مقام يقوم ~~ويضرب، فتنزل كل واحد منهما مع المرفوع به منزلة الجملة، وكذلك إذا أسندت ~~اسم المفعول إلى الجار والمجرور سد الجار والمجرور مسد الاسم الذى يرتفع ~~به، كقولك: أمحزون PageV01P047 # على زيد؟ وما مأسوف على بكر، كما تقول فى الفعل: أيحزن على زيد؟ وما يؤسف ~~على بكر، فلما كانت «غير» للمخالفة فى الوصف، فجرت [لذلك (¬1)] مجرى حرف ~~النفى، وأضيفت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور، -والمتضايفان ~~بمنزلة الاسم الواحد-سد ذلك مسد الجملة، حيث أفاد قولك: # غير مأسوف على زيد، ما يفيده قولك: ما يؤسف على زيد (¬2). # ربيعة بن مقروم الضبى: # وواردة كأنها عصب القطا ... تثير عجاجا بالسنابك أصهبا (¬3) # كففت بمثل السيد نهد مقلص ... كميش إذا عطفاه ماء تحلبا # إن احتج محتج لمن أجاز: عرقا تصببت، فالدافع له أن يقول: إن العامل فى ~~الماء هو الرافع للعطفين، من حيث كان التقدير: إذا تحلب عطفاه ماء، كقولك: ~~إذا زيد راكبا خرج (¬4) أكرمته، وإنما احتجت إلى إضمار الفعل بعد «إذا»، ~~لأنها تطلب الفعل كما تطلبه «إن» الشرطية، والاسم بعدها يرتفع أو ينتصب ~~بفعل مضمر يفسره الظاهر، كما ارتفع بعد «إن» فى نحو: {إن امرؤ هلك} (¬5) ~~وانتصب بعدها فى نحو: # لا تجزعى إن منفسا أهلكته (¬6) PageV01P048 # فمثال المرتفع بعد إذا {إذا السماء انشقت} (¬1) -و {إذا السماء انفطرت} ~~(¬2) ومثال المنتصب بعدها: # إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر (¬3) # فإن قيل: لم نجد اسمين معا مرفوعا ومنصوبا عمل فيهما فعل مضمر. # قيل: بلى، قال سيبويه فى (باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره (¬4)): # من ذلك قول العرب: أما أنت منطلقا انطلقت معك [أى لأن كنت منطلقا انطلقت ~~معك] (¬5) وأما زيد ذاهبا ذهبت معه، قال عباس بن مرداس: # أبا خراشة أما أنت ذا نفر ms022 ... فإن قومى لم تأكلهم الضبع (¬6) # ثم قال: فإنما هى «أن» ضمت إليها «ما» وهى ما التوكيد، وألزمت (¬7) «ما» ~~لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزنادقة ~~واليمانى. انتهى كلامه. PageV01P049 # وهذا الذى قد ذكره من مجىء اسمين مرفوع ومنصوب بفعل مضمر وإن لم يكثر ~~فإنه قد ورد كما ترى. # ولو زعم زاعم أن «عطفاه» رفع بالفعل المضمر، وأن «ماء» منتصب بقوله ~~«تحلبا» على قول من روى: # وما كان نفسا بالفراق تطيب (¬1) # لم يبعد قوله # فأما قول سيبويه: «كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزنادقة واليمانى» ~~فتفسيره أن أصل الزنادقة: الزناديق، وأصل اليمانى: اليمنى، فحذفوا الياء من ~~الزناديق، وعوضوا منها هاء التأنيث، وحذفوا الياء الساكنة من اليمنى، ~~وعوضوا منها الألف. # والسيد: الذئب، والنهد من الخيل: الجسيم، والمقلص: المرتفع، والكميش: # الصغير الجردان (¬2). # والضبع فى قوله: «فإن قومى لم تأكلهم الضبع» فيها قولان، أحدهما أنه عنى ~~بالضبع السنة الشديدة، ومنه الحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم: «أن ~~رجلا جاءه فقال: يا رسول الله، أكلتنا الضبع، وتقطعت عنا الخنف» (¬3) عنى ~~بالخنف جمع خنيف: وهو ثوب من كتان رديء. # والثانى: أنه أراد [أن قومه (¬4)] لم يقتلوا فتأكلهم الضباع. PageV01P050 ### || AUTO المجلس السادس # بيت للمتنبى لم يعرض له أحد من مفسرى شعره، وهو (¬1): # وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم # يقال: من أى الرؤيتين «ترى» الأول والثانى، أمن رؤية العين، أم من رؤية ~~القلب، أم أحدهما من رؤية العين، والثانى من رؤية القلب؟ # وأيهما العامل فى «ناطق»؟. # وما معنى «يكون» الأول والثانى، أناقصان هما أم تامان، أم أحدهما ناقص ~~والآخر تام؟ # وما معنى «ما» الأولى والثانية؟. # وعلام انتصاب «أصغر وأكذب»؟. # وما معنى الواو فى قوله: «ويقسم» وظاهر أمرها أنها عاطفة؟ فما المعنى فى ~~عطف «يقسم» على «يكون»؟ فإن قلت: إنها واو الحال فأنت لا تقول: رأيت زيدا ~~ويضحك، تريد ضاحكا، فإن حذفت الواو صح أن يكون حالا. # الجواب: إن كل واحد من الفعلين المأخوذين من الرؤية قد ms023 تعدى إلى مفعول ~~واحد، وهو الهاء، لأن «أصغر» منصوب على المصدر، و «ناطقا» منصوب على PageV01P051 # الحال [وإذا (¬1)] كان لم يتعد إلا إلى مفعول واحد ثبت أنه من الرؤية ~~التى هى الإبصار، دون الرؤية التى هى العلم، وإنما قلنا (¬2) إن «أصغر» ~~منصوب (¬3) على المصدر؛ لأنه مضاف إلى «ما» وهى مصدرية، وأفعل الموضوع ~~للمفاضلة إنما هو بعض ما يضاف إليه، فصار كقولك: سرت أشد السير، وكذلك ~~«أكذب» حكمه حكم «أصغر» والناصب «ناطقا» هو الأول منهما، وقد علمت أن الهاء ~~من «تراه» عائدة على عين، فلو كان من الرؤية التى يراد بها العلم اقتضى ~~مفعولا ثانيا، يكون هو الأول فى المعنى، كقولك: رأيت الله غالبا (¬4)، ولما ~~كانت الهاء/ عائدة على جثة، فلم يجز لذلك أن يكون المفعول الثانى حدثا، ~~وكان انتصاب «ناطقا» على الحال، علمت أن «تراه» بمعنى تبصره، لا بمعنى ~~تعلمه، فتقدير الإعراب: تراه ناطقا أحقر رؤيتك إياه، فالتحقير تناول الرؤية ~~فى اللفظ، والمراد تحقير المرئى، لأن المعنى: تراه ناطقا أحقر منه إذا ~~رأيته ساكتا. # وأما «يكون» الأول والثانى فكلاهما بمعنى يوجد، فإن قلت: أجعل الأول ~~ناقصا وأجعل خبره «أكذب»، لم يجز ذلك؛ لما ذكرته من انتصاب «أكذب» على ~~المصدر؛ لإضافته إلى المصدر، وإذا ثبت أنه اسم حدث لإضافته إلى «ما» ~~المصدرية، والمضمر فى «يكون» عائد على عين، وخبر «كان» إذا كان مفردا فهو ~~واسمها عبارة عن شيء واحد، بطل أن تجعل «يكون» ناقصا، لفساد الإخبار عن ~~الجثث بالأحداث. # والواو فى قوله «ويقسم» واو الحال، فالجملة بعده حال، عمل فيها «يكون» ~~الأول، وهى جملة ابتداء، والمبتدأ محذوف، فالتقدير: وهو يقسم، وحذف «هو» PageV01P052 # كما حذف الأعشى «هى» من قوله (¬1): # وردت على سعد بن قي ... س ناقتى ولما بها # أراد: وهى لما بها من الجهد، فحذف المبتدأ من جملة الحال، فالتقدير: # ويوجد (¬2) وهو مقسم وجودا أكذب وجوده (¬3)، فالوصف بالكذب يتناول وجوده ~~لفظا وهو فى المعنى موجه إليه، إذا المعنى: يوجد مقسما أكذب منه إذا وجد ~~غير مقسم، وإنما أضاف الكذب إلى وجوده وكونه، كما ms024 أضافوا الخطابة إلى كون ~~الأمير فى قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما (¬4)» فالتقدير عند النحويين: ~~أخطب أوقات كون الأمير إذا كان قائما، وهذا اتساع جرى فى كلام العرب، كما ~~قالوا: «نام ليلك» والمعنى: نمت ليلك كله، قال الشاعر (¬5): # لقد لمتنا يا أم غيلان فى السرى ... ونمت وماليل المطى بنائم # وقال آخر (¬6): # /فنام ليلى وتجلى همى # ومثله فى الاتساع وصف النهار بمبصر فى قوله تعالى: {الله الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} (¬7) وإنما النهار مبصر فيه، ومن هذا ~~الضرب قوله PageV01P053 # جل وعز: {بل مكر الليل والنهار} (¬1) [وحقيقته مكركم فى الليل والنهار (¬2)]. # روى عن أبى العباس ثعلب (¬3) أنه قال: كان الكسائى والأصمعى يوما بحضرة ~~الرشيد، وكانا ملازمين له، يقيمان بإقامته، ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائى: # أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم ... أم كيف يجزوننى السوءى من الحسن (¬4) # أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن # فقال الأصمعى: إنما هو رئمان أنف، بالنصب، فقال له الكسائى: اسكت ما أنت ~~وهذا! يجوز رئمان أنف، ورئمان أنف، ورئمان أنف، بالرفع والنصب والخفض، أما ~~الرفع فعلى الرد (¬5) على «ما» لأنها فى موضع رفع بينفع، التقدير: # كيف ينفع رئمان أنف، والنصب بتعطى، والخفض على الرد على الهاء التى فى به. # قال: فسكت الأصمعى، ولم يكن له علم بالعربية، إنما كان صاحب لغة، لم يكن ~~صاحب إعراب. انتهى كلامه. PageV01P054 # وأقول: إن الضمير الذى هو الهاء والميم فى قوله: «بفعلهم» يعود على عامر، ~~لأنه أراد به القبيلة، وقوله: «من الحسن» متعلق بحال محذوفة، والتقدير: كيف ~~يجزوننى السوءى بدلا من الحسن، ومثله فى التنزيل: {أرضيتم بالحياة الدنيا ~~من الآخرة} (¬1) أى بدلا (¬2) من الآخرة، وقال جل ثناؤه: {ولو نشاء لجعلنا ~~منكم ملائكة في الأرض يخلفون} (¬3) التقدير: لجعلنا بدلا منكم ملائكة، وقال كثير. # وإنا لنعطى العقل دون دمائنا ... ونأبى فلا نستاق من دمنا عقلا (¬4) # أراد بدلا من دمنا، والعقل هاهنا: الدية، وقال آخر فى وصف الإبل: # كسوناها من الريط اليمانى ... مسوحا فى بنائقها فضول (¬5) # أى كسوناها بدلا ms025 من الريط مسوحا، والريط: جمع ريطة، وهى الملاءة التى لا ~~تكون لفقين، والبنائق: جمع بنيقة، وهى كل رقعة ترقع فى القميص كاللبنة ~~ونحوها، وأراد بالمسوح عرقها، شبهه لسواده بالمسوح. # والعلوق من النوق: التى تأبى أن ترأم ولدها أو بوها، والبو-يقال له الجلد ~~(¬6) أيضا-: # جلد الحوار يحشى ثماما أو حشيشا غيره ويقدم إليها لترأمه فتدر عليه فتحلب ~~فهى ترأمه بأنفها وينكره قلبها، فرأمها له أن تشمه فقط، ولا ترسل لبنها، ~~وهذا يضرب مثلا لمن يعد بكل جميل ولا يفعل منه شيئا، لأن قلبه منطو على ~~ضده. PageV01P055 # وقوله: «ما تعطى العلوق به رئمان أنف» ما خبرية بمعنى الذى، وهى واقعة ~~على البو، وانتصاب «الرئمان» هو الوجه الذى يصح به المعنى والإعراب، وإنكار ~~الأصمعى (¬1) لرفعه إنكار فى موضعه، لأن رئمان العلوق للبو بأنفها هو ~~عطيتها ليس لها عطية غيره، فإذا أنت رفعته لم يبق لها عطية فى البيت، لفظا ~~ولا تقديرا، ورفعه على البدل من «ما» لأنها فاعل «ينفع» وهو بدل الاشتمال، ~~ويحتاج إلى تقدير ضمير يعود منه على المبدل منه، كأنك قلت: رئمان أنفها ~~إياه، وتقدير مثل هذا الضمير قد ورد فى كلام العرب، ولكن فى رفعه ما ذكرت ~~لك من إخلاء «تعطى» من مفعول فى اللفظ والتقدير (¬2)، وجر الرئمان على ~~البدل أقرب إلى الصحيح قليلا، وإعطاء الكلام حقه من المعنى والإعراب ~~إنما/هو بنصب الرئمان، ولنحاة الكوفيين فى أكثر كلامهم تهاويل فارغة من ~~حقيقة (¬3). # ذو الإصبع العدوانى: # لقينا منهم جمعا ... فأوفى الجمع ما كانا (¬4) PageV01P056 # كأنا يوم قرى إن ... ما نقتل إيانا # قتلنا منهم كل ... فتى أبيض حسانا # يرى يرفل فى بردي ... ن من أبراد نجرانا # البيت الثانى من أبيات «الكتاب (¬1)» شاهد على وضع الضمير المنفصل موضع ~~المتصل. # قوله: «فأوفى الجمع ما كانا» أى فأوفى الجمع الذى لقيناه ما كان عليه أن ~~يفعله، وقرى (¬2): اسم مكان. # وكان حق الكلام أن يقول: نقتل أنفسنا، لأن الفعل لا يتعدى فاعله إلى ~~ضميره إلا أن يكون من أفعال العلم والحسبان والظن، لا تقول: ضربتنى ولا ~~أضربنى ms026 (¬3)، ولا ضربتك، بفتح التاء، ولا زيد ضربه، على إعادة الضمير إلى ~~زيد، ولكن تقول: # ضربت نفسى، وضربت نفسك، وزيد ضرب نفسه، وإنما تجنبوا تعدى الفعل إلى ضمير ~~فاعله، كراهة أن يكون الفاعل مفعولا فى اللفظ، فاستعملوا فى موضع الضمير ~~النفس، نزلوها منزلة الأجنبى، واستجازوا ذلك فى أفعال العلم والظن الداخلة ~~على جملة الابتداء، فقالوا: حسبتنى فى الدار، وظننتنى منطلقا، وظننتك ~~قادما، وزيد خاله عالما، وعمرو يراه محسنا، بمعنى يعلمه، كما جاء فى ~~التنزيل: # {إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى} (¬4) ولم يأت ذلك فى غير هذا الباب، ~~إلا فى فعلين قالوا: عدمتنى وفقدتنى، وأنشدوا لجران العود (¬5): PageV01P057 # لقد كان لى عن ضرتين عدمتنى ... وعما ألاقى منهما متزحزح # /ولما لم يمكن هذا الشاعر أن يقول: نقتل أنفسنا، ولا نقتلنا، وضع «إيانا ~~موضع «نا» وحسن ذلك قليلا أن استعمال المتصل هاهنا قبيح أيضا، وأن الضمير ~~المنفصل أشبه بالظاهر من المتصل، فإيانا أشبه بأنفسنا من «نا» ولكن أقبح من ~~هذا قول الراجز (¬1): # إليك حتى بلغت إياكا # لأن اتصال الكاف ببلغت حسن، فكذلك وضع «إياهم» فى موضع «هم» من قوله (¬2): # بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض فى دهر الدهارير # قبيح، ومثله فى ضمير الرفع قول طرفة (¬3): # أصرمت حبل الوصل أم صرموا ... يا صاح بل قطع الوصال هم PageV01P058 # وأما معنى قوله: «كأنا نقتل إيانا» فإنه شبه المقتولين بنفسه وقومه، فى ~~الحسن والسيادة، فلذلك وصفهم بقوله: # قتلنا منهم كل ... فتى أبيض حسانا # وبقوله: # يرى يرفل فى بردي ... ن من أبراد نجرانا # أى هم سادة يلبسون أبراد اليمن، فكأننا بقتلنا إياهم قتلنا أنفسنا، ونصب ~~«حسانا (¬1)» على الوصف لكل، ولو كان فى نثر لجاز «حسانين» وصفا لكل، على ~~معناها، لأن لفظها لفظ واحد ومعناها معنى جمع، فلذلك عاد إليها ضمير واحد ~~فى قوله تعالى: {كل آمن بالله} (¬2) وضمير جمع فى قوله تعالى: {وكل أتوه ~~داخرين} (¬3) وأفرد خبرها فى قوله تعالى: {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} ~~(¬4) وجمع فى قوله جل وعز: {وكل أتوه داخرين} ومثل ذلك فى إجراء الوصف على ms027 ~~المضاف تارة والمضاف إليه أخرى، قولك: أخذت خمسة أثواب طوالا، على النعت ~~للعدد، وطوال، على النعت للمعدود، وجاء الوصف للمعدود فى قوله جل ثناؤه: / ~~{إني أرى سبع بقرات سمان} (5) وفى قوله: {وسبع سنبلات خضر} (¬5) وجاء وصف ~~العدد فى قوله سبحانه: {الذي خلق سبع سماوات طباقا} (¬6) قيل: «طباقا (¬7)» ~~جمع طبقة، كرقبة ورقاب، وقيل: جمع طبق، كجبل PageV01P059 # وجبال، لأن السماء كالطبق لما تحتها، قال امرؤ القيس (¬1): # ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر # الديمة: مطر يدوم أياما، وهى هاهنا سحابة يدوم مطرها، وصارت الواو فيها ~~إلى الياء، لسكونها وانكسار ما قبلها، فإذا حقرتها أعدت الواو فقلت: دويمة، ~~وكذلك الفعل منها، تقول: دومت السحابة. # وهطلاء: ذات هطلان، وهو تتابع القطر. # وفيها وطف: أى استرخاء، وهى (¬2) أن يكون لها شبه الهدب من ربابها، ~~والرباب: # سحاب رقيق دون السحاب الكثيف. # وتحرى: من قولهم: تحرى فلان بالمكان: تمكث فيه (¬3). # وتدر: ترسل درتها، أى ترسل ما فيها من الماء، كما ترسل الناقة لبنها. # وقد قيل فى قوله تعالى: {سبع سماوات طباقا}: إن «طباقا» نصب على المصدر، ~~أى طوبقت طباقا، والتفسير الأول أحب إلى. # ويقال: حسن وحسنة، فإذا بالغوا فى الحسن قالوا: حسان وحسانة مخففان، فإذا ~~أرادوا النهاية فيه قالوا: حسان وحسانة، مثقلان، قال (¬4): # دار الفتاة التى كنا نقول لها ... يا ظبية عطلا حسانة الجيد # وإذا طال الثوب على لابسه وجره فى مشيه وركله، قيل: جاء يرفل فى ثيابه، ~~يفعلون ذلك تكبرا، قال شاعر الكوفة (¬5): PageV01P060 # ولا يرمح الأذيال من جبرية ... ولا يخدم الدنيا وإياه تخدم (¬1) # وأراد بأبراد نجران أبراد اليمن، لأن نجران من ناحية اليمن، وبين البصرة ~~والكوفة مكان فى البرية يسمى نجران. # ... PageV01P061 ### || AUTO / المجلس السابع # قال كبت الله عدوه: قال لقيط بن يعمر الإيادى (¬1): # يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... هاجت لى الهم والأحزان والوجعا # الجرع والجرعاء: رملة لا تنبت. # ويقال: ما معنى «محتل» هاهنا، وعلام انتصب «الجرع» وبماذا تتعلق «من» وما ~~معناها، أهى لابتداء الغاية أم للتبعيض أم للتبيين؟ # الجواب: محتل هاهنا: مصدر بمعنى الاحتلال، ms028 لأن العرب إذا بنوا المفعل ~~بمعنى المصدر، مما جاوز الثلاثة جاءوا به على صيغة اسم المفعول، فقالوا: ~~أكرمته مكرما، ودحرجته مدحرجا، وقطعته مقطعا، واستخرجت المال مستخرجا، قال ~~جرير (¬2): # ألم تعلم مسرحى القوافى ... فلا عيا بهن ولا اجتلابا # أراد تسريحى، وفى التنزيل: {ومزقناهم كل ممزق} (¬3) أى كل تمزيق، وفيه: PageV01P062 # {أنزلني منزلا مباركا} (¬1) أى إنزالا. # والمصدر مضاف إلى فاعله، لأن الهاء عائدة على «عمرة» لا على الدار. # وانتصاب «الجرع» على الظرف، وكان حقه إيصال الفعل إليه بفى، ولكنه حذف ~~«فى» كما حذفها القائل (¬2): # لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب # أراد: فى الطريق، فحذف «فى» ضرورة. # و «من» هاهنا خارجة عن معانيها الثلاثة؛ الابتداء والتبعيض والتبيين، ~~ومعناها معنى لام العلة، كقولك: جئت من أجلك ولأجلك، وأكرمته من خوفه ~~ولخوفه، وهى متعلقة بهاجت، فجملة النداء منقطعة مما بعدها، كأنه نادى الدار ~~تلهفا ثم ترك خطابها، وقال: من احتلال عمرة فى الجرع هاجت لى الهم. # سلمى بن ربيعة، أخو بنى السيد # زعمت تماضر أننى إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتى (¬3) # الزعم والزعم (¬4): القول عن غير صحة، قال الله جل ثناؤه: {زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا} (¬5). PageV01P063 # و «تماضر» من أسماء النساء، كزينب وسعاد، والتاء فيه على رأى بعض ~~البصريين (¬1) فاء، فهو عندهم فعالل، لأن التاء متى وقعت فى مواقع الحروف ~~الأصول فهى أصل، حتى يقوم دليل على زيادتها، كتاء ترجمان (¬2) وتبراك، وهو ~~اسم مكان (¬3)، وتبرك فلان بالمكان: أقام فيه، فترجمان فعللان كجلجلان، وهو ~~السمسم، وتبراك: فعلال كقرطاس، وتبرك: فعلل، مثل دحرج، وكذلك تاء كبريت ~~وحلتيت أصل، لوقوعها موقع الزاى من دهليز، وكذلك التاء الواقعة حشوا كتاء ~~عتريف، وهو الرجل الخبيث، وعترفان، وهو الديك، وبحتر، وهو القصير. # فتاء تماضر عند هؤلاء أصل، لوقوعها موقع العين من عذافر، والدال من ~~دوادم، وقالوا للبعير الصلب: عذافر، ولما يخرج من السمر، وهو ضرب من الشجر ~~شبه الدم: دوادم، وبعض التصريفيين (¬4) يشتق تماضر من اللبن المضير ~~والماضر: وهو الحامض، فهو على هذا القول تفاعل، ولا أرى ms029 بهذا القول بأسا، ~~ويقوى ذلك أن النساء يوصفن بالبياض. # والزعم يقتضى مفعولين، كما يقتضيهما الحسبان ونحوه. # ومذهب سيبويه أن «أن» تسد فى هذا الباب مسد المفعولين، لأنها تتضمن جملة ~~أصلها مبتدأ وخبر، كما أن المفعولين فى هذا الباب أصلهما الابتداء وخبره، ~~ومذهب أبى الحسن الأخفش أن «أن» بصلتها سدت مسد مفعول واحد، والمفعول الآخر ~~مقدر، تقديره: كائنا أو واقعا، والذى ذهب إليه سيبويه أولى، لأن المفعول ~~المقدر عند الأخفش لم يظهر فى شيء من كلام العرب. # و «أبينون» عند سيبويه (¬5) تصغير اسم/للجمع غير مسموع، وتقديره: ابنا، PageV01P064 # مقصور، مثل أعمى، فهو اسم سموا به الجمع ولم ينطقوا به، ولكن لما سمع ~~تصغيره دل على أن المكبر أفعل، وليس «أبينون» جمعا لتصغير ابن، لو كان كذلك ~~لقيل: بنيون، وليس أيضا بجمع لتصغير أبناء، لأن ذلك يقتضى أن يقال: # أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو ~~والنون، ولما بطل هذان علمت أنه جمع لتحقير اسم وضع دالا على الجمع، غير ~~داخل فى أبنية التكسير، والمكبر: ابنا، وتصغيره: أبين يا فتى، مثل أعيم، ~~ووزن أبينون: أفيعون حذفت لامه كما حذفت اللام فى قولك: قاضون. # والخلة فى الكلام على معان: أحدها الحاجة، والثانى الخصلة، والثالث ~~الاختلال، وهو المراد فى هذا البيت، وأصل الخلل: الفرجة بين الشيئين، أى ~~زعمت تماضر أن أبناءها الأصاغر يسدون بعدى ما اختل من الأمور. # ... PageV01P065 ### || AUTO المجلس السابع # باب # يشتمل على تفسير آى من كتاب الله تعالى وتعريبها # إعراب قوله عز وجل: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} (¬1) انفرد نافع بنصب ~~الميم من «يوم»، وأجمع الباقون من السبعة على رفعها (¬2)، فمن رفعها ~~فالإشارة بهذا إلى اليوم، وهو يوم القيامة، أى هذا اليوم يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم، فهذا مبتدأ، ويوم ينفع الصادقين صدقهم خبره، وموضع الجملة نصب بوقوع ~~القول عليها، وموضع الجملة التى هى «ينفع الصادقين صدقهم» جر بإضافة «يوم» إليها. # ومن نصب الميم فموضع «هذا» فى قراءته نصب، مفعول لقال، وانتصاب «يوم» على ~~الظرف للقول، والإشارة بهذا إلى القصص الذى ms030 تقدم ذكره فى قوله تعالى: {وإذ ~~قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني/وأمي إلهين من دون الله} ~~(¬3) إلى قوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم} فالمعنى: قال الله هذا الكلام فى يوم ينفع الصادقين صدقهم، PageV01P066 # وحقيقته: يقول الله، وكذلك معنى إذ قال الله: إذا يقول الله، وإنما حسن ~~إيقاع الماضى فى موضع الآتى، لأن أمر القيامة لظهور براهينه، وصدق المخبر ~~به بمنزلة ما وقع وشوهد (¬1)، وقال أبو النجم (¬2): # ثم جزاه الله عنا إذ جزى ... جنات عدن فى العلالى العلى # فوضع «إذ جزى» فى موضع إذا يجزى (¬3)، ومثله: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار} (¬4) وقد جاء فى القرآن عكس هذا، فمن ذلك قوله تعالى: {فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل} (¬5) وقوله: {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} ~~(¬6) وضع «يعبد» فى موضع «عبد» و «تقتلون» فى موضع «قتلتم» وقال الطرماح (¬7): # وإنى لآتيكم تشكر ما مضى ... من الود واستيجاب ما كان فى غد # وضع «كان» فى موضع «يكون» ونقيضه قول زياد الأعجم: # وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح (¬8) PageV01P067 # ووجه استجازتهم هذا الإبدال مع تضاد الأفعال أن الأفعال جنس واحد (¬1)، ~~وإنما خولف بين صيغها، لتدل كل صيغة على زمان غير الذى تدل عليه الأخرى، ~~وإذا تضمن الكلام معنى يزيح الإلباس، جاز وضع بعضها فى موضع بعض توسعا. # وأجاز الفراء (¬2) أن يكون النصب فى {يوم ينفع} بناء، وموضع «يوم» رفع، ~~فيكون المعنى فى قراءة نافع كالمعنى فى الأخرى، ولم يجز ذلك أحد من ~~البصريين، لأن المضارع معرب، وإنما يجيزون البناء فى المضاف إذا كان فيه ~~إبهام، كمثل وغير وحين، وأضيف إلى مبنى، كإضافة حين إلى «عاتبت» فى قوله (¬3): # /على حين عاتبت المشيب على الصبا # وإضافة «يوم» إلى «إذ» فى نحو {من عذاب يومئذ} (¬4) و {من خزي يومئذ} ~~(¬5) وإضافة «مثل» إلى «أن» فى قوله تعالى: {إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ~~(¬6) وإضافة «غير» إلى «أن» فى قول القائل (¬7): PageV01P068 # لم يمنع الشرب منها غير أن ms031 هتفت ... حمامة فى غصون ذات أوقال # وإضافة «بين» إلى الضمير فى قوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} (¬1) والإعراب ~~فى هذه الأحرف ونظائرها حسن، وإنما سرى البناء من المضاف إليه إلى المضاف ~~كما سرى إليه منه الاستفهام فى نحو: غلام أيهم تضرب؟، والجزاء فى نحو: صاحب ~~من تكرم أكرم. # ووجه إجازة الفراء الفتح فى «يوم ينفع» حمله الفعل على الفعل، والقياس ~~يمنع من جوازه، وقد قرئ فيما شذ من القراءات السبع: {هذا يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم} بنصب «صدقهم (¬2)» مع نصب «يوم» وإسناد «ينفع» إلى ضمير راجع إلى ~~الله سبحانه وتعالى، ويحتمل نصب «صدقهم» ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مفعولا ~~له، أى ينفع الله الصادقين لصدقهم. # والثانى: أن تنصبه على المصدر، لا بفعل مضمر، ولكن تعمل فيه الصادقين، ~~فتدخله فى صلة (¬3) الألف واللام، وتقدير الأصل: ينفع الله الصادقين صدقا، ~~ثم أضيف إلى ضمير «هم» فقيل: صدقهم، كما تقول: أكرمت القوم إكراما، ~~وأكرمتهم إكرامهم، قال الله تعالى فى الإفراد: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} ~~(¬4) وفى الإضافة: {وقد مكروا مكرهم} (¬5) ومثله: {وزلزلوا زلزالا} (¬6) و ~~{إذا زلزلت الأرض زلزالها} (¬7). PageV01P069 # والثالث: أن تنصبه بتقدير حذف الباء، لأنك تقول: نفعته بكذا، فيكون ~~الأصل: ينفع الله الصادقين بصدقهم، فلما سقطت الباء وصل الفعل، ومثله فى ~~إسقاط الباء ثم إيصال الفعل قوله سبحانه: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} ~~(¬1) أى بأوليائه، لأن المعنى يخوفكم (¬2) بهم، ويدلك عليه قوله: # {فلا تخافوهم} (¬3) آخر المجلس. # ... PageV01P070 ### || AUTO المجلس الثامن # / وهو مجلس يوم السبت مستهل جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # تفسير قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} ~~(¬1) الآية. يقال للرجل: تعال، أى تقدم، وللمرأة: تعالى، وللاثنين ~~والاثنتين: # تعاليا، ولجماعة الرجال: تعالوا، ولجماعة النساء: تعالين، وجعلوا التقدم ~~ضربا من التعالى والارتفاع، لأن المأمور بالتقدم فى أصل وضع هذا الفعل، ~~كأنه كان قاعدا فقيل له: تعال، أى ارفع شخصك بالقيام وتقدم، واتسعوا فيه ~~حتى جعلوه للواقف والماشى، ويدلك على أن التقدم الآن (¬2) قد صار ضربا من ~~الارتفاع قولهم: ارتفع فلان ms032 وفلان (¬3) إلى الحاكم: أى تقدما إليه، ورفع ~~فلان فى سيره: أى تقدم فيه، وأصله أنه كأنه أخب ناقته ليتقدم فرفع الخبب ~~شخصها وشخصه، واستعملوا التعالى # . PageV01P071 # للارتفاع وحده، مجردا من معنى التقدم فى قولهم: تعالى الله. # والوجه فى «ما» أن تكون خبرية، فى موضع نصب بأتل، والمعنى: تعالوا أتل ~~الذى حرمه ربكم عليكم، فإن علقت «عليكم» بحرم فهو الوجه، لأنه الأقرب، وهو ~~اختيار البصريين، وإن علقت بأتل فجيد، لأنه الأسبق، وهو اختيار الكوفيين ~~(¬1)، فالتقدير فى هذا القول: أتل عليكم الذى حرم ربكم. # وأجاز الزجاج (¬2) أن تكون «ما» استفهامية، فى موضع نصب بحرم، والجملة من ~~الفعل والفاعل والمفعول محكية بالتلاوة، لأن التلاوة بمنزلة القول، فكأنه ~~قيل: تعالوا أتل أى شيء حرم ربكم عليكم، أهذا الذى ادعيتم تحريمه، أم هذا ~~الذى جئتكم بتحريمه؟ وجوز أن يكون المراد بالمتلو المحرمات المذكورة فى ~~قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به} (¬3). # /فأما قوله: {ألا تشركوا به شيئا} فيحتمل العامل فيه وجوها: أحدها فى قول ~~بعض معربى (¬4) القرآن أن يكون فى موضع نصب، بدلا من «ما». # والثانى: أجازه هذا المعرب: أن يكون فى موضع رفع، على تقدير مبتدأ محذوف، ~~أى: هو ألا تشركوا به شيئا، ولا يصح عندى هذان التقديران، إلا أن يحكم ~~بزيادة «لا» لأن الذى حرمه الله عليهم هو أن يشركوا به، فإن حكمت بأن PageV01P072 # «لا» للنفى صار المحرم ترك الإشراك، فإذا قدرت بها الطرح كما لحقت مزيدة ~~فى نحو: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} (¬1) و {ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك} استقام القولان. # وأجاز الزجاج فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون منصوبا بتقدير طرح اللام، ~~وإضمار «أبين» أى أبين لكم الحرام لأن لا تشركوا به شيئا، لأنهم إذا حرموا ~~ما أحل الله لهم فقد جعلوا غير الله بمنزلة الله، ولما جعلوه فى قبولهم منه ~~بمنزلة الله، صاروا بذلك مشركين. # والثانى: ms033 أن يكون محمولا على المعنى، فتضمر له فعلا من لفظ الأول ومعناه، ~~وتقديره: أتل عليكم ألا تشركوا به شيئا، أى أتل عليكم تحريم الإشراك. # والثالث: أن يكون منصوبا بتقدير: أوصيكم بألا تشركوا به شيئا؛ لأن قوله: # {وبالوالدين إحسانا} (¬2) محمول على معنى: وأوصيكم بالوالدين إحسانا. ~~انتهى كلام الزجاج. # ويدل على تقدير إضمار الإيصاء قوله فى آخر الآية: {ذلكم وصاكم} فانتصاب ~~{إحسانا} على أنه مفعول ثان لأوصيكم، كقولك: أوصيك بزيد خيرا. قال أبو ~~النجم (¬3): # أوصيت من برة قلبا حرا ... بالكلب خيرا والحماة شرا # ويحتمل عندى قوله: {ألا تشركوا به} وجهين آخرين، أحدهما: أن تكون «أن» ~~مفسرة بمعنى «أى» كالتى فى قوله تعالى: {وانطلق الملأ منهم أن امشوا} (¬4) ~~معناه: أى امشوا، وتكون «لا (¬5)» نهيا، و «أن» المفسرة تؤدى معنى PageV01P073 # القول، فكأنه قيل: أقول: لا تشركوا به شيئا، وتنصب «إحسانا» فى هذا الوجه ~~على المصدر، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. # فإن قيل: إن «أحسن» إنما يتعدى بإلى كما قال تعالى: {وأحسن كما أحسن الله ~~إليك} (¬1) قيل: إنه قد يعدى أيضا بالباء، كما جاء فى التنزيل: {وقد أحسن ~~بي إذ أخرجني من السجن} (¬2) وكذلك نقيضه (¬3)، عدته العرب تارة بالباء، ~~وتارة بإلى فقالوا: أسأت إليه، وأسأت به، قال كثير: # أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت (¬4) # والوجه الثانى: أن تجعل {عليكم} منفصلة مما قبلها، فتكون إغراء بمعنى ~~الزموا، كأنه اجتزأ بقوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم} ثم قيل على وجه ~~الاستئناف: {عليكم ألا تشركوا به شيئا} أى عليكم ترك الإشراك، وعليكم ~~إحسانا بالوالدين، وأن لا تقتلوا أولادكم، وأن لا تقربوا الفواحش، كما ~~تقول: عليك شأنك، أى الزم شأنك، وكما قال تعالى: {عليكم أنفسكم} (¬5) أى ~~الزموا أنفسكم. # وقوله: {من إملاق} أى من خوف إملاق، ومن أجل إملاق، والإملاق والإفلاس ~~والإقتار والإعدام: كله الفقر، واستعملت «من» فى موضع لام العلة كقولهم: ~~زرته من حبى له، ولحبى له، كما استعملت «الباء» مكان «اللام» فى قوله ~~تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ms034 وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا} (¬6). PageV01P074 # وقوله: {ما ظهر منها} موضعه نصب على البدل من {الفواحش} {وما بطن} عطف ~~عليه، وقيل فى تفسير ما بطن: إنه الزنا، وما ظهر: اتخاذ الأخدان على جهة ~~الربية، والأخدان: جمع خدن، وهو الصديق، يكون للمرأة، ويكون للرجل. # وقوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} الألف/واللام فى النفس لتعريف ~~الجنس، كقولهم: أهلك الناس الدرهم والدينار (¬1)، ومثله: {إن الإنسان خلق ~~هلوعا} (¬2) ألا ترى أنه سبحانه قال: {إلا المصلين} (¬3) وقد أدخلوا الألف ~~واللام فى الأوصاف على (¬4) هذا المعنى، كقوله جلت عظمته: {ويوم يعض الظالم ~~على يديه} (¬5) وكقول الأخيلية: # كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... بنجد ولم يهبط مع المتغور (¬6) # ومنه قول الراجز (¬7): # إن تبخلى يا مى أو تعتلى ... أو تصبحى فى الظاعن المولى # أى فى الظاعنين المولين. PageV01P075 # وقوله: {ذلكم وصاكم به} الكاف والميم فى {ذلكم} بخلاف الكاف والميم فى ~~{وصاكم؛} لأنهما فى {ذلكم} حرف للخطاب، لا يحكم لموضعه بشىء من الإعراب، ~~وهما فى {وصاكم} ضمير موضوع للمخاطبة موضعه نصب، ولو حكمت بأنه فى {ذلكم} ~~ضمير وجب الحكم بأنه فى موضع جر بالإضافة، وأسماء الإشارة لا تصح إضافتها؛ ~~لأن ذلك جمع بين تعريفين، تعريف الإشارة وتعريف الإضافة. # ويقال فى قوله تعالى: {لعلكم تعقلون} و {لعلكم تذكرون} (¬1) و {لعلكم ~~تتقون} (¬2) ونحو ذلك مما ورد فى كلامه (¬3) القديم سبحانه، كيف وقع «لعل» ~~فى كلام الله تعالى؟ ولعل إنما هو حرف موضوع للرجاء، والراجى شاك، بدلالة ~~أنك تقول: لعلى أدخل الجنة، وأرجو أن أدخل الجنة، ولا تقول: أرجو أن يدخل ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم الجنة، ولا: لعل النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم يدخل الجنة، لأنك على غير يقين من دخولك الجنة، وغير شاك فى دخول ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم الجنة. # وعن هذا السؤال ثلاثة أجوبة: أحدها: أن ما جاء من هذا فى كلامه سبحانه، ~~فهو على شك المخاطبين، فكأنه قيل: افعلوا ذلك على الرجاء منكم/والطمع أن ~~تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا، وإلى هذا ذهب سيبويه (¬4) فى قوله ms035 عز وجل: ~~{اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} (¬5) ~~قال: معناه اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى. PageV01P076 # والثانى: أن العرب قد استعملت «لعل» مجردة من الشك، بمعنى لام كى، ~~فالمعنى: لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك قول الشاعر: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق (¬1) # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب فى الملا متألق # المعنى: كفوا الحروب لنكف، ولو (¬2) كانت «لعل» هاهنا شكا لم يوثقوا لهم ~~كل موثق [وهذا القول عن قطرب (¬3)]. # والثالث: أن يكون «لعل» بمعنى التعرض للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك ~~متعرضين لأن تعقلوا أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. # تأويل قوله تعالى: {قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون ~~لزاما} (¬4) هذه الآية من الآى المشكلة التى تعلقت بها الملحدة، وأنا إن ~~شاء الله أكشف لك غموضها وأبرز مكنونها. # يقال: ما عبأت بفلان: أى ما باليت به، أى ما كان له عندى وزن ولا قدر، ~~والمصدر العبء، و «ما» استفهامية، ظهر ذلك فى أثناء كلام الزجاج (¬5)، وصرح ~~به الفراء (¬6)، PageV01P077 # وليس يبعد أن تكون نافية، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام، فهو نفى خرج مخرج ~~الاستفهام، كما قال: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (¬1). # وقال ابن قتيبة (¬2): فى هذه الآية مضمر، وله أشكلت، أى ما يعبأ بعذابكم ~~(¬3) ربى، قال: ويوضح ذلك قوله: {فسوف يكون لزاما} أى يكون العذاب لمن كذب ~~(¬4) بالحق لازما. انتهى كلامه. # وأقول: إن حذف المضاف فى كلام العرب وأشعارها وفى الكتاب العزيز أكثر من ~~أن يحصى (¬5)، وأحسنه ما دل عليه معنى/أو قرينة أو نظير أو قياس، فدلالة ~~المعنى كقوله جل جلاله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} (¬6) أى حب ~~العجل، وكقوله: {وسئل القرية} (¬7) أى أهل القرية، وكقوله: {فأتاهم الله من ~~حيث لم يحتسبوا} (¬8) أى أمر الله، وكقوله: {الحج أشهر معلومات} (¬9) أى PageV01P078 # [الحج (¬1)] حج أشهر معلومات، وكقولهم: ما زلنا (¬2) نطأ السماء حتى ~~أتيناكم، أى ماء السماء، وكقول مهلهل: # نبئت أن النار بعدك أو قدت ... واستب ms036 بعدك يا كليب المجلس (¬3) # أى أهل المجلس، وكقول المرقش (¬4): # ليس على طول الحياة ندم # أى على فقد طول الحياة. # والقرينة مع المعنى كقول النابغة (¬5): # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى المطارة عاقل # أى على مخافة وعل [وهو تيس الجبل (¬6)] ودل على ذلك تقدم ذكر المخافة، ~~وأنه قصد إلى تشبيه حدث بحدث. PageV01P079 # ودلالة القياس كقولهم: الليلة الهلال (¬1)، أى طلوع الهلال، والجباب ~~شهرين، أى لبس الجباب، وكقوله (¬2): «اليوم خمر وغدا أمر» أى اليوم شرب ~~خمر، وغدا حدوث أمر، وإنما دل على هذه المحذوفات أن ظروف الزمان لا تكون ~~أخبارا عن الأعيان. # ودلالة النظير مع القياس [والقرينة (¬3)] كقوله سبحانه: {هل يسمعونكم إذ ~~تدعون} (¬4) أراد هل يسمعون دعاءكم؟ كما قال فى الأخرى: {إن تدعوهم لا ~~يسمعوا دعاءكم} (¬5). # ودلالة القياس على هذا المحذوف أنك لا تقول: سمعت زيدا وتمسك حتى تأتى ~~بعد ذلك بلفظ مما يسمع، كقولك: سمعته يقرأ، وسمعته ينشد، فتقدير ابن قتيبة: # ما يعبأ بعذابكم ربى، نظيره فى التنزيل قوله عز وجل: {ما يفعل الله/ ~~بعذابكم} (¬6). # وقد جاء فى تفسير قوله: {ما يعبؤا بكم:} أى ما يفعل الله بكم، حكى ذلك ~~الزجاج (¬7). # وحقيقة القول (¬8) عندى فيه أن موضع «ما» نصب، والتقدير: أى عبء يعبأ PageV01P080 # بكم ربى، أى أى مبالاة يبالى ربى بكم، وحذف جواب «لولا» كما حذف جواب ~~«لو» فى قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى} (¬1) أى لكان هذا القرآن، والمصدر الذى هو الدعاء على هذا القول ~~مضاف إلى مفعوله، فى قول الفراء (¬2)، وفاعله محذوف، فالتقدير: لولا دعاؤه ~~(¬3) إياكم، أى لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، وجواب «لولا (¬4)» تقديره: ~~لم يعبأ بكم، أى لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده لم يبل (¬5) بذكركم. # وذهب ابن قتيبة (¬6)، -وهو قول أبى على الفارسى-إلى أن الدعاء مضاف إلى ~~فاعله، والمفعول محذوف، الأصل (¬7): لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب ~~«لولا» تقديره فى هذا الوجه: لم يعذبكم، ونظير قوله: لولا دعاؤكم آلهة من ~~دونه قوله: {إن الذين ms037 تدعون من دون الله عباد أمثالكم} (¬8). # وقوله: {فقد كذبتم} أى كذبتم بما دعيتم إليه، هذا على القول الأول، ~~وكذبتم بوحدانية الله، على القول الثانى {فسوف يكون لزاما} أى يكون تكذيبكم ~~ملازما لكم، والمراد جزاء تكذيبكم، كما قال الله تعالى: {ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا} (¬9) أى جزاء ما عملوا، وكما قال جل وعلا: {هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون} (¬10) أى جزاء ما كنتم تكنزون، وحسن إضمار التكذيب ~~لتقدم ذكر فعله، PageV01P081 # لأنك إذا ذكرت الفعل دل بلفظه على مصدره، كما قالوا: «من كذب كان شرا له ~~(¬1)» أى كان الكذب، ومثله قوله تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم} ~~(¬2) أى لكان الإيمان، وقوله: {وإن تشكروا يرضه لكم} (¬3) أى يرض الشكر لكم. # والتفاسير مجمعة على أن/المراد بقوله: {فسوف يكون لزاما} ما نزل بهم يوم ~~بدر، وقال الزجاج: «وقرئت {لزاما} مفتوحة اللام، قال: وتأويله: فسوف يكون ~~تكذيبكم لازما لكم، فلا تعطون التوبة منه، وتلزمكم العقوبة، فيدخل فى هذا ~~يوم بدر وغيره من العذاب الذى يلزمهم (¬4)». # وأقول: إن اللزام بالكسر: مصدر لازم لزاما، مثل خاصم خصاما، واللزام ~~بالفتح: مصدر لزم لزاما، مثل سلم سلاما، أى سلامة، قال الشاعر: # تحيى بالسلامة أم بكر ... وهل لى بعد قومى من سلام (¬5) # ومنه: {لهم دار السلام عند ربهم} (¬6) أى دار السلامة، فاللزام بالفتح: # اللزوم، واللزام: الملازمة، والمصدر فى القراءتين وقع موقع اسم الفاعل، ~~فاللزام وقع موقع ملازم، واللزام وقع موقع لازم، كما قال تعالى: {قل أرأيتم ~~إن أصبح ماؤكم غورا} (¬7) أى غائرا، وإن شئت قدرت مضافا، أى كان العذاب ذا ~~لزام، وذا لزام. # آخر المجلس. # ... PageV01P082 ### || AUTO المجلس التاسع # مجلس يوم السبت، ثامن جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # تفسير قوله تعالى: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب} -إلى قوله ~~تعالى-: {والأعناق} (¬1) يقال: وهبت لك درهما، ووهبتك درهما، كما تقول: # وزنت لك الدراهم، ووزنتك الدراهم، وكلت لك البر، وكلتك البر، كما جاء فى ~~التنزيل: {وإذا كالوهم أو وزنوهم} (¬2) أى كالوا لهم، ووزنوا لهم، وقد عدوا ~~لفظ الأمر ms038 من وهب إلى مفعولين، الثانى منهما هو الأول، وأخرجوه من معنى ~~الهبة، وأدخلوه فى معنى الحسبان، كقولك: هب زيدا مسيئا واعف عنه، أى احسبه ~~مسيئا، وهب الأمير سوقة وخاطبه، أى ظنه وعده كذلك، والمعنى نزله فى ظنك هذه ~~المنزلة، قال قيس/بن الملوح (¬3): # هبونى امرأ منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير # وداود من الأعجمية التى وافقت العربية فى الوزن، فجاء على مثال فاعول، ~~كعاقول وكافور، ومثله فى الزنة من الأعلام الأعجمية: سابور، وقابوس، ومن PageV01P083 # غير الأعلام قولهم لمكيال الخل: راقود-وقال بعض اللغويين-: الراقود (¬1) ~~ما يجعل فيه الخل، ويسمى الخابية. # وإحدى الواوين من داود وما أشبهه، كطاوس وناوس وهاون محذوفة من الخط، ~~لأنهم يكرهون تكرير الأشباه فى كلمة. # وسليمان مصغر سلمان، وكل اسم آخره ألف ونون زائدتان، فتصغيره محمول على ~~تكسيره، فإن علمت أن العرب كسرته فقلبت ألفه فى التكسير ياء، وأثبتت نونه، ~~فجاءت به على مثال فعالين، حملت تصغيره على تكسيره، فصغرته على مثال ~~فعيلين، كقولك فى سلطان وسرحان وورشان (¬2): سليطين وسريحين ووريشين، ~~لقولهم: سلاطين وسراحين ووراشين، فإن لم تعلم العرب كسرته على هذا الحد ~~أقررت ألفه فجئت به على مثال فعيلان، كقولك فى سكران وعثمان وسلمان: سكيران ~~وعثيمان وسليمان، لأنهم لم يقولوا: سكارين ولا عثامين ولا سلامين، وإن شئت ~~حذفت الألف من سليمان فى الخط لطوله بالحرف السادس. # و «نعم» من الألفاظ الموضوعة لغاية المدح، فلذلك مدح الله به نفسه فى ~~قوله: {هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} (¬3) ومدح بها أنبياءه، فقال فى ~~سليمان وأيوب: {نعم العبد} وأراد نعم العبد سليمان، ونعم العبد أيوب، ولكن ~~المقصود بالمدح قد يحذف تخفيفا إذا تقدم ذكره، وحذفه يقوى قول من يرى رفعه ~~بالابتداء، لأنك إن جعلته خبر مبتدأ مقدر، كان الحذف واقعا بجملة، وحذف ~~المفرد أسهل من حذف الجملة. PageV01P084 # و (أواب) من أوب إذا رجع/صوته بالتسبيح، و {يا جبال أوبي معه} (¬1) رجعى ~~معه، أى سبحى، والأواب أيضا: التائب. # والصافن من الخيل: القائم الذى يثنى إحدى يديه، أو إحدى رجليه حتى يقف ms039 ~~بها على سنبكه، والسنبك: مقدم الحافر، فثلاث من قوائمه حوافرها مطبقة على ~~الأرض، والرابعة متصل بالأرض طرف حافرها فقط، هذا قول أهل اللغة وأصحاب ~~التفاسير. # وقال بعض اللغويين: الصافن: القائم، ثنى إحدى قوائمه أو لم يثنها، وأصوب ~~القولين (¬2) عندى الأول، بدليلين، أحدهما: قول الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا (¬3) # والثانى قراءة عبد الله «فاذكروا اسم الله عليها صوافن» (¬4) أراد معقلات ~~قياما على ثلاث، شبه الإبل التى تقام لتنحر وإحدى قوائم البعير معقولة، ~~بالخيل الصافنة. # والجياد: جمع جواد، وكان القياس أن تصح الواو فى الجياد، لتحركها فى ~~الواحد، كما صحت الواو فى الطوال، لتحركها فى طويل، ولكنه مما شذ إعلاله ~~كشذوذ التصحيح فى القود والاستحواذ ونحوهما، وقد قال بعضهم فى جمع الطويل: # طيال، وأنشدوا: PageV01P085 # تبين لى أن القماءة ذلة ... وأن أعزاء الرجال طيالها (¬1) # وإنما يجب قلب الواو ياء فى هذا المثال من الجمع إذا سكنت فى الواحد، ~~كواو ثوب وحوض، المنقلبة ياء فى ثياب وحياض. # والجواد من الخيل: كأنه الذى يأتى بجرى بعد جرى، كالجواد من الناس، الذى ~~يعطى مرة بعد مرة، وفرقوا بين مصادرهما، فقالوا: رجل جواد بين الجود، وفرس ~~جواد بين الجودة والجودة. # وفى قراءة عبد الله: {إني أحببت حب الخير} [بطرح قوله: فقال (¬2)] وجاء ~~فى قراءته عكس هذا: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} يقولان ~~{ربنا} (¬3) والقول كثيرا (¬4) ما يحذف لقوة العلم بمكانه، وقد اتسع حذفه ~~فى القرآن، كقوله/ تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم} ~~(¬5) أى يقولون: سلام عليكم، وكقوله: {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم} (¬6) أى فيقال لهم: أكفرتم [بعد إيمانكم (¬7)] وكقوله: {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم} PageV01P086 # {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (¬1) أى يقولون: ما نعبدهم. # وظاهر لفظ قوله تعالى: {أحببت حب الخير} أن انتصاب {حب الخير} على ~~المصدر، وليس كذلك، لأنه لم يخبر أنه أحب حبا مثل حب (¬2) الخير، كما قال: # {فشاربون شرب الهيم} (¬3) أى شربا مثل شرب الهيم، وكقولك: ضربته ضرب ~~الأمير اللص، ms040 أى ضربا مثل ضرب الأمير اللص، لأنه لو أراد هذا لأخرج الخيل ~~عن أن تكون من الخير، إذ التقدير: أحببت الخيل حبا مثل حب الخير، وإذا كان ~~هذا القياس ظاهر الفساد كما ترى، كان انتصاب {حب الخير} على وجهين: # أحدهما: أن يكون مفعولا به، والمعنى آثرت حب الخير، لأنك إذا أحببت الشىء ~~فأنت مؤثر له، وهذا قول الفراء (¬4) والزجاج، و {الخير} هاهنا: هو الخيل، ~~وتسميتها بالخير مطابق لقوله عليه السلام: «الخيل معقود فى نواصيها الخير (¬5)». # وقوله: {عن ذكر ربي} إن شئت علقته بالمعنى الذى حملت {أحببت} عليه وجعلت ~~«عن» نائبة مناب «على»، كما قال تعالى: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} (¬6) ~~أى على نفسه، فكأنه قيل: آثرت حب الخير على ذكر ربى، وإن شئت علقت «عن» ~~بحال (¬7) محذوفة تقديرها: آثرت حب الخير غافلا عن ذكر ربى، أو منصرفا عن ~~ذكر ربى. PageV01P087 # والوجه الآخر: أن يكون {أحببت} من قولهم: أحب البعير: إذا وقف فلم ينبعث، ~~والإحباب فى الإبل كالحران فى ذوات الحافر، وأنشدوا: # /حلت عليه بالقطيع ضربا ... ضرب بعير السوء إذ أحبا (¬1) # فيكون انتصاب {حب الخير} على أنه مفعول له، و «عن» متعلقة بمعنى أحببت، ~~لأنه بمعنى تثبطت، وهذا القول عن أبى عبيدة، حكاه عنه على بن عيسى الرمانى، ~~قال: قال أبو عبيدة: أحب البعير إحبابا، وهو أن يبرك فلا يثور، وذلك فى ~~الإبل كالحران فى الخيل، ومنه (¬2) قوله تعالى: {إني أحببت حب الخير عن ذكر ~~ربي} أى لصقت (¬3) بالأرض لحب الخير حتى فاتتنى الصلاة، قال أهل التفسير: # وكانت هذه الخيل وردت على سليمان عليه السلام من غنيمة جيش كان له، فلما ~~صلى الظهر دعا بها فلم تزل تعرض عليه حتى غابت الشمس ولم يصل العصر، وكان ~~مهيبا لا يبتدأ بشىء ولا يجسر أحد أن ينبهه لوقت صلاة، ولم يكن ذلك عن تكبر منه. # قال الزجاج: ولست أدرى أكانت صلاة العصر مفروضة فى ذلك الوقت أم لا؟ إلا ~~أن عرض الخيل شغله حتى جاز (¬4) وقت يذكر فيه الله تعالى، [قال (¬5)]: PageV01P088 # وقال ms041 (¬1) أهل اللغة فى قوله: {حتى توارت بالحجاب:} يعنى [به] الشمس، ولم ~~يجر لها ذكر، قال: وهذا لا أحسبهم أعطوا فيه الفكر حقه (¬2)، لأن فى الآية ~~دليلا على الشمس، وهو قوله: {إذ عرض عليه بالعشي} لأن معناه إذ عرض عليه ~~بعد زوال الشمس (¬3)، وليس يجوز الإضمار إلا أن يجرى له ذكر أو دليل بمنزلة الذكر. # انتهى كلامه. # وأقول (¬4): إن إضمار الغائب مستعمل فى كلام العرب على أربعة أوجه: الأول: # عود الضمير إلى مذكور قبله، كقولك: زيد لقيته، وهند قامت، وأخواك ~~أكرمتهما، وإخوتك انطلقوا، والنساء برزن، هذا هو الأصل فى ضمير الغيبة. # والثانى: توجيه الضمير إلى مذكور بعده، ورد فى سياقة الكلام مؤخرا ورتبته ~~/التقديم، كقولك: ضرب غلامه زيد، وأكرمتهما أخواك، وكقولهم: «فى بيته يؤتى ~~الحكم (¬5)»، وكقول زهير (¬6): # إن تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا # ومثله فى التنزيل: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} (¬7) {ولا يسئل عن ذنوبهم ~~المجرمون} (¬8). PageV01P089 # والثالث: رجوع الضمير إلى معلوم قام قوة العلم به، وارتفاع اللبس فيه ~~بدليل لفظى أو معنوى مقام تقدم الذكر له، فأضمروه اختصارا أو ثقة (¬1) بفهم ~~السامع، كقوله: {حتى توارت بالحجاب} أضمر الشمس لدلالة ذكر {بالعشي} عليها، ~~من حيث [كان (¬2)] ابتداء العشى بعد زوال الشمس، ومثله: {إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر} (¬3) أضمر القرآن، لأن ذكر الإنزال دل عليه، ومثله: {فلولا إذا ~~بلغت الحلقوم} (¬4) و {كلا إذا بلغت التراقي} (¬5) أضمر النفس لدلالة ذكر ~~{الحلقوم} و {التراقي} عليها، ومثله قول حاتم (¬6): # أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # أراد حشرجت النفس: أى ترددت، ومثله إضمار الأرض لقوة الدلالة عليها فى ~~قوله: {كل من عليها فان} (¬7) و {ما ترك على ظهرها من دابة} (¬8) ومنه قول ~~الحطيئة (¬9): # ألا طرقتنا بعد ما هجعوا هند ... وقد سرن خمسا واتلأب بنا نجد # أراد هجع أصحابى، فأضمرهم وأضمر المطايا فى سرن، والبيت أول القصيدة، ~~ومنه فى شعر المحدثين قول دعبل (¬10): PageV01P090 # نفر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كل أطلس مائق # إن كان إبراهيم مضطلعا ms042 بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق # /أراد مضطلعا بالخلافة، وقول ابن المعتز (¬1). # وندمان دعوت فهب نحوى ... وسلسلها كما انخرط العقيق # أضمر «الخمر»، لأن ذكر الندمان دل عليها، ومن ذلك قول المتنبى (¬2): # خليلى ما هذا مناخا لمثلنا ... فشدا عليها وارحلا بنهار # أضمر «المطايا» لدلالة المناخ عليها، وهذا فى الشعر القديم والمحدث غير محصور. # وقول دعبل: «نفر ابن شكلة» شكلة: أم إبراهيم بن المهدى، وعنى بنفوره ~~وثوبه على الخلافة والمأمون بخراسان، وقوله: «فهفا إليه كل أطلس» أى خف ~~إليه، من قولهم: هفا الظليم: إذا عدا، وهفت الصوفة: إذا طارت فى الهواء. # والأطلس: الذئب الأغبر، شبه أتباعه بالذئاب الغبر. # والمائق: الأحمق. # وقوله: «مضطلعا بها»: أى قويا على حملها، يقال: اضطلع فلان بالأمر: أى ~~قام به، وقويت أضلاعه على حمله. # وكان مخارق من حذاق المغنين، وكان إبراهيم مغنيا بالعود. # والرابع: إضمار غائب لا يعود على مذكور ولا معلوم، وهو الضمير المجهول ~~الذى يلزمه التفسير، إما بالجملة، وإما بالمفرد المنصوب، فالمفسر بالجملة ~~ضمير الشأن والقصة فى نحو: هو زيد منطلق، و {هو الله أحد} (¬3) وإنه أنا ~~ذاهب، و {إنه} PageV01P091 # {أنا الله} (¬1) فهذا ضمير الشأن، وهى هند جالسة، فهى ضمير القصة، كما ~~قال جل ثناؤه: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} (¬2). # والمفسر بالمفرد الإضمار فى نعم وبئس ورب، نحو نعم غلاما زيد، و {بئس ~~للظالمين بدلا} (¬3) الأصل: نعم الغلام، وبئس البدل، فلما أضمرا فسرا بنكرة ~~من لفظيهما، والمضمر فى «رب» كقولك: ربه رجلا عالما أدركت، وجاز أن يلاصق ~~«رب» المضمر وهى لا تليها المعارف؛ لأنه غير عائد على مذكور، فهو جار مجرى ~~ظاهر منكور. # وقوله: {فطفق مسحا بالسوق والأعناق} طفق من/أفعال المقاربة، التى تلزم ~~بعدها الأفعال المستقبلة، كجعل وأخذ وكرب، تقول: طفق يفعل كذا، وجعل يتكلم ~~بحجته، وأخذ يلوم زيدا، وكربت الشمس تغيب: أى قاربت المغيب، والتقدير: فطفق ~~يمسح مسحا بالسوق، لا بد له من يفعل [كذا (¬4)]، كما قال تعالى: {وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة} (¬5) ولا يجوز أن تقدر أن {مسحا} (¬6) وقع ~~موقع ماسحا، كما وقع ms043 {غورا} موقع غائرا فى قوله تعالى: {قل أرأيتم إن أصبح ~~ماؤكم غورا} (¬7) لأن هذا الضرب من الأفعال يلزمه يفعل، ظاهرا أو مقدرا. # والمسح هاهنا: القطع، ومنه اشتقاق التمساح، لدابة من دواب البحر، لأنه ~~يقطع بأسنانه كما يقطع السيف. PageV01P092 # وقوله: {بالسوق} يجوز أن يكون وصفا لمسح، فتكون الباء متعلقة بمحذوف، أى ~~مسحا واقعا بالسوق، ويجوز أن يكون مفعولا به، عمل فيه الفعل المقدر، والباء ~~زائدة، أى فطفق يمسح الرءوس من (¬1) الأعناق مسحا، والسوق: جمع ساق، كدار ~~ودور، ونار ونور، أنشد أبو زيد (¬2)، وهو من أبيات الإيضاح (¬3): # شهدت ودعوانا أميمة أننا ... بنو الحرب نصلاها إذا شب نورها # ومثله مما أنث بتاء التأنيث: ناقة ونوق، وقارة-وهى الجبل المنفرد-وقور، ~~ولابة-وهى الحرة-ولوب، وساحة وسوح، قال الشاعر (¬4): # وكان سيان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت السوح # هكذا أنشده الرواة «سيان» مرفوعا على إضمار (¬5) الشأن فى «كان». # وروى عن ابن كثير أنه قرأ: {بالسوق} على الفعول (¬6)، وهمز الواو للزوم ~~الضمة PageV01P093 # لها، وإن كانت وسطا، كما همزوها أولا فى نحو وجوه ووقتت (¬1). # والتفاسير مجمعة على أنه ضرب بالسيف سوق الخيل وأعناقها، وقول الحسن [فى ~~ذلك (¬2)] وقتادة سواء، قالا: نسف (¬3) عراقيبها، وضرب أعناقها، وقال ~~قتادة: ما نازعه بنو إسرائيل فيما فعل، ولكن ولوه (¬4) /من ذلك ما ولاه الله. # وقال الزجاج: لم يك سليمان ليضرب سوقها وأعناقها إلا وقد أباحه الله ذلك، ~~ولو لم يكن ما فعله مباحا لكان قد جعل التوبة من الذنب بذنب عظيم. # وقال قوم: إنه مسح بالماء سوقها وأعناقها بيده، وهذا القول غير صحيح، ~~لأنه لم تأت به رواية عن السلف، ولأن شغلها إياه عن ذكر الله لا يوجب مسح ~~سوقها وأعناقها بالماء، وإنما قالوا ذلك لأن قتلها منكر، وليس ما يبيحه ~~الله بمنكر، وجائز أن يكون ذلك أبيح لسليمان وحظر فى هذا الوقت. # وكان مالك بن أنس يذهب إلى أنه لا ينبغى أن يؤكل لحم الخيل (¬5)، لأن ~~الله تعالى قال: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} (¬6) وقال فى ~~الإبل: {لتركبوا منها ومنها تأكلون} (¬7). # ... PageV01P094 ### || AUTO ms044 المجلس العاشر # وهو مجلس يوم السبت، الثانى والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين ~~وخمسمائة. # تأويل آية أخرى: سألنى سائل عن قوله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} ~~(¬1) فقال: ما معنى تستجيبون بحمده؟ وبم تتعلق الباء، فقد زعم بعض المفسرين ~~(¬2) أن معنى بحمده: بأمره. # فأجبت بأن الحمد هو الثناء والمدح، وليس بمعروف فى لغات العرب على ~~اختلافها [أن الحمد (¬3)] بمعنى الأمر، وأما تستجيبون فمعناه تجيبون، قال ~~كعب بن سعد الغنوى: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب (¬4) # أراد فلم يجبه، ومثله فى التنزيل: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} PageV01P095 # {ويزيدهم من فضله} (¬1) أى ويجيب، ويجوز أن يعلق (¬2) الباء بتستجيبون، ~~كما تقول: # نادانى فلان فأجبته (¬3) بالتلبية، ويجوز أن يعلقها بحال محذوفة، ~~فالتقدير: معلنين بحمده، /ومثله فى جواز تعلق الباء بالفعل المذكور، ~~وتعلقها بالمحذوف قوله تعالى: # {فسبح بحمد ربك} (¬4) إن شئت علقت الباء بالتسبيح، أى فسبح بالثناء على ~~ربك، وإن شئت قدرت: فسبح معلنا بحمد ربك. # والخطاب فى الآية للمشركين، لأنه جاء على سياقة قوله، حاكيا ذلك عن منكرى ~~البعث: {أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا} (¬5) وقوله: # {فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم} (¬6) أى ~~يحركون رءوسهم استهزاء {ويقولون متى هو} أى متى البعث، ومعلوم أن من يشرك ~~بالله يستكبر إذا قيل له: لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} (¬7) فقد ألحق بالله سبحانه نقصا عظيما ~~بإشراكه فى عبادته أحجارا لا تضر ولا تنفع، فإذا دعاه الله حين تزول ~~الشكوك، أجابه بالثناء عليه والحمد له، وأحد أوصاف الثناء على الله والحمد ~~له توحيده، فجوابه: «لبيك اللهم لبيك، لا إله إلا أنت». # آية أخرى: إن سأل سائل عن قوله تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ~~ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا} (¬8) فقال: كيف وصف الله الأعين بأنها كانت ~~فى غطاء عن الذكر، والذكر إنما هو مسموع لا مرئى، وكيف وصفهم بأنهم كانوا ~~لا يستطيعون ms045 سمعا، ونفى الاستطاعة للسمع نفى القدرة (¬9) عليه؟ PageV01P096 # فالجواب: أن هذين الوصفين عبارة عن الإعراض منهم عند سماع الذكر، وعن ترك ~~الإصغاء إليه والقبول له، فقوله: {كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} أي كانوا ~~معرضين بأبصارهم وقت سماع الذكر، عن المتكلم به، وقوله: {وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا} أى كان سماع الذكر ثقيلا عليهم، فلا يستمعون له ولا ينصتون ~~إليه، كما تقول: ما أستطيع أن أرى فلانا، ولا أستطيع أن أسمع كلامه، تريد ~~أنك كاره لذلك، لا أنك فى الحقيقة غير قادر عليه، وقد حكى الله/عنهم أنهم ~~كان بعضهم ينهى بعضا عن الإصغاء إلى سماع تلاوة كتاب الله، ويأمرونهم ~~بالتكلم باللغو عند سماعه، وذلك قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} (¬1) وقد بالغ الله سبحانه فى ذمهم ~~بعدولهم عن الحق فى قوله: # {صم بكم عمي} (¬2) ولو كانوا بهذه الأوصاف على الحقيقة لم يكلفوا فرضا، ~~لأن الصمم ذهاب السمع، والبكم هو الخرس، وإنما أراد أنهم (¬3) صم عن استماع ~~الحق، بكم عن التكلم به، عمى عن النظر إلى قائله، فهذا على تشبيههم بمن ~~لحقته آفات فى سمعه ولسانه وبصره، قال الشاعر: # أصم عما ساءه سميع (¬4) # فوصف الممدوح بالصمم مع وصفه له بسميع، وهو اللفظ الموضوع للمبالغة فى ~~السمع، وذلك على وجهين مختلفين، مجيئه معدولا عن فاعل، كما جاء قدير ورحيم ~~معدولين عن قادر وراحم، والآخر مجيئه معدولا من مفعل فى قول عمرو بن ~~معديكرب (¬5): PageV01P097 # أمن ريحانة الداعى السميع ... يؤرقنى وأصحابى هجوع # أى الداعى المسمع. # ويحتمل قوله: {كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} أن يريد به أنهم كانوا إذا ~~سمعوا التلاوة غطوا وجوههم وسدوا آذانهم بأصابعهم، كما كان قوم نوح يفعلون ~~ذلك إذا دعاهم إلى الله، وذلك قوله: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم} (¬1) كانوا يفعلون ذلك مبالغة فى ~~الإعراض عن سماع دعائه والنظر إليه. ### ||| AUTO تأويل آية أخرى # : # سألنى سائل مكاتبة من المشهد بالغرى (¬2) على [على (¬3)] صاحبه السلام، ~~عن قوله عز من قائل: ms046 {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} (¬4)، ~~الآية، فقال: # ما معنى/الاصطفاء، وما أصله الذى اشتق منه، وما حقيقة معنى المقتصد، وإلى ~~أى شيء هذا السبق، وما معنى الخيرات هاهنا، وكيف دخل الظالم لنفسه فى الذين ~~اصطفاهم الله، وقد قال تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} ~~(¬5) وإلى أى شيء تتوجه الإشارة فى قوله: {ذلك هو الفضل الكبير} (¬6). # فأجبت بأن معنى (¬7) اصطفينا: اخترنا، واشتقاقه من الصفو، وهو الخلوص من PageV01P098 # شائب الكدر، وأصله اصتفونا، فأبدلت التاء طاء والواو ياء، أما الطاء فإن ~~العرب تبدلها من تاء افتعال إذا كان فاؤه صادا، لأن بين الصاد والطاء وفاقا ~~من جهتين: # الإطباق والاستعلاء، وبين الطاء والتاء وفاقا من جهة المخرج، فلما حصل ~~بين الصاد والطاء ما ذكرناه من التوافق، مع ما بينها وبين التاء ~~من/التنافر، أبدلوا الطاء من التاء لتقارب مخرجيهما، وأما إبدال الياء من ~~الواو، فإن الواو متى وقعت فى الماضى رابعة فصاعدا قلبت ياء، نحو: اصطفيت ~~واستدعيت ورجيت وأعطيت، حملا على قلبها فى قولك: اصطفى وأستدعى وأرجى ~~وأعطى، فلما كانت تصير فى المستقبل إلى الياء لانكسار ما قبلها، حملوا ~~الماضى عليه، وحسن حمل الفعل على الفعل، لأن الأفعال (¬1) جنس واحد. # والعبد يجمع فى القلة على الأعبد، وفى الكثرة على العباد والعبيد ~~والعبدان، وكأن العبدان (¬2) جمع العبيد، على قياس قضيب وقضبان وخصي ~~وخصيان، قال الحطيئة (¬3): # هو الواهب الكوم الصفايا لجاره ... يروحها العبدان من عازب ندى # الكوم: العظام الأسنمة، والصفايا: جمع ناقة صفي، وهى الكثيرة اللبن، ~~والعازب: المكان المتنحى عن مرعى الناس. # والعباد مختص بالله تعالى، يقولون: نحن عباد الله، لا يكادون يضيفونه إلى ~~الناس (¬4)، وقد جاء ذلك فيما أنشده سيبويه من قول القائل (¬5): PageV01P099 # أتوعدني بقومك يا ابن جحل ... أشابات يخالون العبادا # بما جمعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا (¬1) # والعبيد: اسم للجمع، وليس بتكسير عند (¬2) سيبويه، لخروجه عن القياس، ~~ومثله: الكليب والمعيز والضئين، فى جمع كلب ومعز وضأن، وقالوا أيضا فى جمع ~~العبد: العبدى (¬3) والمعبوداء، ممدود، ومثله فى جمع شيخ: مشيوخاء، ms047 وفى جمع ~~عير: معيوراء. # والمقتصد فى اللغة: اللازم للقصد، وهو ترك الميل، ومنه قول جابر بن حنى ~~التغلبى: # نعاطى الملوك السلم ما قصدوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم (¬4) # أى نعطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أى ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرم ~~علينا/إن جاروا، فلذلك كان المقتصد له منزلة بين المنزلتين، فهو فوق الظالم ~~لنفسه، ودون السابق بالخيرات. PageV01P100 # والسبق هاهنا: السبق إلى الطاعات لله، والخيرات: الأعمال الصالحة، ~~والتقدير: فمنهم فريق ظالم لنفسه، ومنهم فريق مقتصد، ومنهم فريق سابق ~~بالخيرات (¬1). # وفى الظالم لنفسه ثلاثة أقوال، قيل: الموحد الحامل كتاب الله، الذى يشوب ~~مع صحة العقد فى التوحيد أعمالا سيئة بأعمال صالحة، كما قال تعالى: {خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا} (¬2) وقيل: هو المنافق، وقيل: هو الكافر، ودليل ~~القول الأول فيما حكاه الزجاج، الخبر المروى عن عمر رضوان الله عليه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا ~~مغفور له» (¬3) فعلى هذا يقدر مفعول الاصطفاء من قوله: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا} مضافا حذف، كما حذف المضاف فى: {وسئل القرية} (¬4) أى ~~اصطفينا دينهم، فبقى: اصطفيناهم، فحذف العائد إلى الموصول كما حذف فى قوله ~~تعالى: {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} (¬5) أى تزدريهم، وقد ذكرنا فيما ~~تقدم (¬6) علة حسن حذف العائد إذا كان منصوبا، فالاصطفاء إذا موجه إلى ~~دينهم، كما قال تعالى: {إن الله اصطفى لكم الدين} (¬7). # وقوله عليه السلام: «سابقنا سابق» أى سابقنا إلى الطاعات سابق إلى ~~الجنات، PageV01P101 # كما قال تعالى: {والسابقون السابقون} (¬1) أى السابقون إلى الإيمان ~~السابقون إلى الجنة. # وقال قتادة، وهو قول الحسن: الظالم لنفسه هو المنافق، نطق بكتاب الله ~~وصدق بلسانه وخالف بعمله، والمقتصد صاحب اليمين، والسابق بالخيرات هو ~~المقرب، قال: وإن الناس نزلوا/عند الموت فى ثلاثة منازل، وذلك قول الله عز ~~وجل: {فأما إن كان من المقربين* فروح وريحان وجنة نعيم} (¬2) إلى آخر ~~السورة، أى إنك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وقد علمت ما أعد لهم، ومعنى ~~{فنزل} أى فغذاء من حميم، {وتصلية ms048 جحيم} أى إقامة على جحيم، قال: # وجعل لهم يوم القيامة ثلاثة منازل، فقال تعالى: {فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة* وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة* والسابقون السابقون* أولئك ~~المقربون} (¬3). # وقال الضحاك بن مزاحم: المقتصد: المؤمن، والظالم لنفسه: المشرك، والسابق ~~بالخيرات: المقرب، وبعضهم أفضل من بعض، كما قال فى الصافات: # {ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} (¬4). # وقال الفراء (¬5) كقول الضحاك، قال: فمنهم ظالم لنفسه: هذا الكافر، ومنهم ~~مقتصد: هؤلاء أصحاب اليمين، والسابق بالخيرات: هم المقربون، كالآية التى فى ~~الواقعة، موافقا تفسيرها تفسيرها، فأصحاب الميمنة هم المقتصدون، وأصحاب ~~المشأمة فى النار، والسابقون السابقون أولئك المقربون: انتهت الحكاية عنه. # وأقول: إن الضمائر الثلاثة من قوله: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} PageV01P102 # {ومنهم سابق بالخيرات} تعود فى هذين القولين على العباد، فى قول من فسر ~~الظالم لنفسه بالمنافق، وقول من فسره بالمشرك، فتقديره: ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا، فمن عبادنا ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق ~~بالخيرات. وأما الإشارة فى قوله: {ذلك هو الفضل الكبير} فموجهة إلى السبق ~~الذى دل عليه (سابق) كما وجهت الإشارة إلى الصبر والغفران فى قوله: {ولمن ~~صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} (¬1) لدلالة فعليهما عليهما، وكما عاد ~~الضمير إلى السفه، الذى دل عليه السفيه فى قول القائل (¬2): # إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف # /أى جرى إلى السفه، ومثله قول القطامى (¬3): # هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والساسة الأول # أراد الآخذون بالملك، فأضمره لدلالة ذكر الملوك عليه، والإشارة بمنزلة ~~الإضمار، ألا ترى أنها قد سدت مسد الضمير فى قوله تعالى: {إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا} (¬4) فالإشارة من «أولئك» قامت مقام ~~الضمير العائد من الجملة إلى المخبر عنه، فكأنه قيل: كلهن كان عنه مسئولا. # آخر المجلس. # ... PageV01P103 ### || AUTO المجلس الحادى عشر # مجلس يوم السبت، سلخ جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # تفسير مسائل وأبيات ### ||| AUTO مسألة # (¬1) # من مذاهب العرب للمبالغة إعطاء الأعيان حكم المصادر، وإعطاء المصادر حكم ~~الأعيان، فمن ذلك قولهم: «أخطب ms049 ما يكون الأمير قائما (¬2)» فأخطب إنما هو ~~للأمير، وقد أضافوه إلى «ما» المصدرية، ولفظة أفعل التى وضعوها للمفاضلة ~~مهما أضيفت إليه صارت بعضه، ولما أضافوا أخطب إلى «ما» وهى موصولة بيكون ~~صار أخطب كونا، فالتقدير. أخطب كون الأمير، فهذا وصف للمصدر بما يوصف به ~~العين، والمعنى راجع إلى الأمير، فلذلك سدت الحال مسد خبر [هذا (¬3)] ~~المبتدأ، إذ الحال لا تسد مسد خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ اسم حدث، ~~كقولك: ضربى زيدا جالسا، ولا تسد الحال مسد خبر المبتدأ إذا كان اسم عين، ~~فالعامل فى هذه الحال PageV01P104 # «كان» التامة مضمرة، فهى حال من ضمير مستتر فى فعل مجرور الموضع، بإضافة ~~ظرف زمانى إليه، عمل فيه اسم فاعل محذوف، فالتقدير: ضربى زيدا إذا كان ~~جالسا، أو إذ كان جالسا، تقدر/ما يقتضيه الفعل من زمان التوقع أو المضى ~~(¬1)، وذو الحال الضمير المستكن فى «كان» وهى كان التى بمعنى وجد، وموضعها ~~جر بإضافة «إذا» إليها أو «إذ»، والعامل فى هذا الظرف اسم فاعل مقدر، كالذى ~~تقدره فى قولك: الخروج يوم السبت، أى واقع يوم السبت، فأما قول المتنبى (¬2): # بحب قاتلتى والشيب تغذيتى ... هواى طفلا وشيبى بالغ الحلم # فيحتمل موضع «هواى وشيبى» الرفع والجر، فالرفع على أن يكونا مبتدءين، ~~وطفلا وبالغ الحلم حالان سدا مسد الخبرين، على ما قررته فى قولك: ضربى زيدا ~~جالسا، فالتقدير: هواى إذ كنت طفلا، وشيبى إذ كنت بالغ الحلم، والجر على أن ~~تبدلهما من الحب والشيب، وحسن (¬3) إبدال الهوى من الحب إذ كان بمعناه، ~~والعامل فى الحالين على هذا القول المصدران اللذان هما هواى وشيبى، ~~فالتقدير: # تغذيتى بحبى قاتلتى، وبالشيب بأن هويت طفلا، وبأن شبت بالغ الحلم. والقول ~~الأول قول عثمان بن جنى، والثانى قول الربعى، وكلاهما سديد. # والنصف الآخر من البيت تفصيل لما أجمله فى النصف الأول، لأنه بين [به ~~(¬4)] وقت المحبة ووقت الشيب، والمعنى: هويت وأنا طفل، وشبت حين احتملت، ~~فصار الهوى والشيب كالغذاء لى. # ومن إعطاء العين حكم المصدر حتى وصفوه بالمصدر، أو جرى خبرا عنه ms050 قوله PageV01P105 # تعالى: {وجاؤ على قميصه بدم كذب} (¬1) أى مكذوب به، وقوله: {قل أرأيتم إن ~~أصبح ماؤكم غورا} (¬2) أى غائرا، وقوله: {ثم ادعهن يأتينك سعيا} (¬3) أى ~~ساعيات، فسعيا مصدر وقع موقع الحال، كقولهم: قتلته صبرا، أى مصبورا، ~~والمعنى محبوسا، ومن ذلك قوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} (¬4) أى إن ابنك ~~عمل، فى أحد الأقوال الثلاثة، والقول الثانى: أن يكون فى الكلام/تقدير حذف ~~مضاف، أى إنه ذو عمل، والثالث: أن يعاد الضمير إلى المصدر الذى هو السؤال، ~~لدلالة فعله عليه، فالمعنى: إن سؤالك إياى أن أنجى كافرا غير صالح، وأوجهها ~~أنه جعله (¬5) العمل اتساعا؛ لكثرة وقوع العمل غير الصالح منه، كقولهم: # ما أنت إلا نوم، وما زيد إلا أكل وشرب، وإنما أنت دخول وخروج، ومنه قول ~~الخنساء (¬6): # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار # فى أحد الوجهين، لأنه يتأول على: هى ذات إقبال وإدبار، ومن ذلك قول ~~الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا (¬7) PageV01P106 # قد ذكرت (¬1) قبل أن الصفون مصدر صفن: إذا ثنى فى وقوفه إحدى قوائمه فوقف ~~على سنبكها، وقد يكون الصفون أيضا فى غير (¬2) هذا جمع صافن، قال عمرو بن ~~كلثوم (¬3): # تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا # وكسير على هذا المعنى من الأوصاف المعدولة عن فاعل إلى فعيل للمبالغة، ~~فكسير أبلغ فى الوصف من كاسر، كما أن رحيما وسميعا وقديرا أبلغ من سامع ~~وراحم وقادر، لأن الموصوف بفعيل هو الذى يكثر منه ذلك الفعل، ومعنى كاسر: ~~ثان، من قولك: ثنى يده: أى لواها، وثنى الفرس قائمته، ومن ذلك قوله تعالى: ~~{ثاني عطفه} (¬4) أى لاويا عنقه تكبرا، وانتصاب «كسيرا» على أنه خبر ما يزال. # وقوله: مما يقوم على الثلاث: ما مصدرية، فالمعنى: من قيامه، ومن متعلقة ~~بالخبر المحذوف، فتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث فما يزال ~~كسيرا، أى ثانيا إحدى قوائمه، حتى كأنه مخلوق من القيام على الثلاث. # ومثله فى وصف/العين باسم الحدث قول الآخر (¬5): # ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنت علينا ms051 والضنين من البخل # كأنه قال: والضنين مخلوق من البخل، ومثله: # *وهن من الإخلاف قبلك والمطل (¬6) ... * PageV01P107 # أى: والنساء خلقن فى أول الدهر من الإخلاف والمطل، فهذا كله من تنزيل ~~الأعيان منزلة المصادر. # فأما تنزيل المصادر منزلة الأعيان، فكقولهم: موت مائت، وشيب شائب، وشعر ~~شاعر (¬1)، قال ابن مقبل (¬2): # إذا مت عن ذكر القوافى فلن ترى ... لها شاعرا مثلى أطب وأشعرا # وأكثر بيتا شاعرا ضربت به ... بطون حبال الشعر حتى تيسرا # أراد بخبال الشعر أسباب الشعر، لأن الحبل (¬3) يسمى سببا. # وقد ذهب بعضهم فى قوله: «مما يقوم على الثلاث كسيرا» إلى أن «ما» بمعنى ~~الذى، والمضمر فى «يقوم» عائد على «ما»، وكسيرا حال من الضمير، وهو بمعنى ~~مكسور، كقتيل ومقتول، والمعنى: كأنه من الحيوان الذى يقوم على الثلاث ~~مكسورا، وخبر «ما يزال» الجملة من كأن واسمها وخبرها، والقول الأول قول أهل ~~العلم الموثوق بعلمهم. PageV01P108 ### ||| AUTO مسألة أخرى # / قال سيبويه (¬1): وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت ~~أحدا يفعل ذاك إلا زيدا، هذا وجه (¬2) الكلام، وإن حملته على الإضمار الذى ~~فى الفعل فقلت: إلا زيد، فرفعت، فعربى، قال الشاعر (¬3): # فى ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكى علينا إلا كواكبها # وكذلك: ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن رفعت فجائز حسن، وإنما اختير ~~النصب هاهنا؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه، (¬4) ولا ~~يكون بدلا إلا من منفى، لأن (¬5) المبدل منه منصوب منفى، ومضمره مرفوع، ~~فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا من أحد، لأنه هو المنفى، وجعلوا «يقول ~~ذاك» وصفا للمنفى، وقد تكلموا بالآخر، لأن معناه معنى المنفى، إذ كان وصفا ~~لمنفى. انتهى كلامه. ومعنى قوله: تكلموا بالآخر، أى تكلموا بالرفع فى ~~المستثنى. # وأقول: إن إبدال المستثنى إنما يقع فيما كان غير واجب، نفيا أو نهيا، أو ~~استفهاما، وذلك قولهم: ما خرج أحد إلا زيد، ولا تمرر بأحد إلا عبد الله، ~~وهل لقيت أحدا إلا محمدا، فإن وصفت المستثنى منه بجملة من فعل وفاعل مضمر، ~~كقولك: ما رأيت أحدا يقول ms052 ذاك، فحكم الصفة حكم الموصوف، فى تناول PageV01P109 # النفي [لها (¬1)] فإذا استثنيت من الضمير [الذى (¬2)] فى يقول، فكأنك ~~استثنيت من الموصوف المضمر المنفى، فلذلك جاز الرفع فى المستثنى، من حيث ~~كان بدلا من مرفوع عائد على المنفى. # والبيت الذى أنشده سيبويه شاهدا على جواز الرفع، من مقطوعة (¬3) لرجل من ~~الأنصار، وروى أنه لما أدخلت حبابة على يزيد بن عبد الملك دخلت وعليها ثياب ~~معصفرة، وبيدها دف وهى تصفقه بيدها، /وتغنى بهذه الأبيات: # ما أحسن الجيد من مليكة واللبا ... ات إذ زانها ترائبها # يا ليتنى ليلة إذا هجع الن ... اس ونام الكلاب صاحبها # فى ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكى علينا إلا كواكبها # رفع «كواكبها» على البدل من المضمر فى «يحكى»، ولولا احتياجه إلى تصحيح ~~القافية كان النصب فيها أولى، من ثلاثة أوجه (¬4): أحدها إبدالها من الظاهر ~~الذى تناوله النفى على الحقيقة، والثانى نصبها على أصل باب الاستثناء، ~~كقراءة ابن عامر اليحصبى: «ما فعلوه إلا قليلا منهم» (¬5)، والثالث أنه ~~استثناء من غير الجنس، كقولك: ما فى الدار أحد إلا الخيام، وأهل الحجاز ~~مجمعون فيه على النصب، وعلى ذلك أجمع القراء فى قوله تعالى: {ما لهم به من ~~علم إلا اتباع الظن} (¬6). PageV01P110 # والبيت الذى ذكره سيبويه يقع فى أكثر نسخ الكتاب غير منسوب إلى شاعر ~~مسمى، ووجدته فى كتاب لغوى منسوبا إلى عدى بن زيد، وتصفحت نسختين من ديوان ~~شعر عدى فلم أجد فيهما هذه المقطوعة، بل وجدت له قصيدة على هذا الوزن وهذه ~~القافية، أولها (¬1): # لم أر مثل الأقوام فى غبن الأي ... ام ينسون ما عواقبها # يرون إخوانهم ومصرعهم ... وكيف تعتاقهم مخالبها # فما ترجى النفوس من طلب الخي ... ر وحب الحياة كاذبها (¬2) # قوله: «فى غبن الأيام» يدل على أنهم قد استعملوا الغبن المتحرك الأوسط فى ~~البيع، والأشهر: غبنته فى البيع غبنا، بسكون وسطه، والأغلب على الغبن ~~المفتوح أن يستعمل (¬3) فى الرأى، وفعله غبن يغبن مثل ركب يركب، يقال: غبن ~~رأيه، والمعنى: فى رأيه، ومفعول الغبن فى البيت محذوف، أى فى غبن الأيام ms053 ~~إياهم، / ومما استعمل فيه الغبن المفتوح الأوسط فى البيع قول الأعشى (¬4): # لا يقبل الرشوة فى حكمه ... ولا يبالى غبن الخاسر # وقوله: «ما عواقبها» ما استفهامية، «وينسون» معلق، كما علق (¬5) نقيضه، ~~وهو يعلمون، فالتقدير: ينسون أى شيء عواقبها، ويحتمل «ما» أن تكون موصولة ~~بمعنى الذى أو التى، وكونها بمعنى التى هاهنا حسن، و «عواقبها» فى هذا ~~الوجه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ينسون التى هى عواقبها، أى ينسون الأشياء PageV01P111 # التى هى عواقب الأيام، وجاز حذف العائد من الصلة، وهو أحد جزئى الجملة، ~~على ضعف، كما روى عن رؤبة بن العجاج أنه قرأ: {مثلا ما بعوضة} (¬1) بمعنى ~~الذى هو بعوضة، وعلى هذا قرأ يحيى بن يعمر: {تماما على الذي أحسن} (¬2) أى ~~الذى هو أحسن، وهذا وإن كان قبيحا من حيث كان المحذوف ضميرا مرفوعا، وهو ~~أحد ركنى الجملة، فقد جاء مثله فى الشعر (¬3)، نحو ما رواه الخليل عن العرب ~~من قولهم: # ما أنا بالذى قائل لك سوءا، وروى (¬4) شيئا، وإنما حسن حذف المبتدأ ~~العائد هاهنا لتكثر الصلة بالموصول والجار والمجرور، ومثله فى التنزيل قوله ~~تعالى: {وهو الذي في} PageV01P112 # {السماء إله} (¬1) التقدير: الذى هو فى السماء إله، وقوى الحذف هاهنا ~~لطول الصلة بالظرف، والظرف متعلق بإله، لأنه فى معنى معبود. # فإن قيل: هلا كان {إله} مبتدأ، والظرف خبرا عنه قدم عليه، لأن المبتدأ ~~متى كان نكرة وخبره ظرف وجب تقديم الظرف، كقولك: فى الدار رجل، وإذا كان ~~{إله} مبتدأ والظرف خبره، لم يحتج [به (¬2)] إلى تقدير جزء آخر. # فالجواب: أن هذا التقدير يؤدى إلى إخلاء الصلة من عائد على الموصول (¬3) ~~لفظا وتقديرا؛ لأنك إذا جعلت الظرف خبرا عن إله أضمرت فيه عائدا/على إله، ~~وبقى الموصول بغير عائد، فقد ثبت بهذا صحة ما قررته من تقدير مبتدأ راجع ~~إلى الموصول. # ومعنى قوله: «وحب الحياة كاذبها» أن حب (¬4) النفوس للحياة قد يستحيل ~~بغضا، لما يتكرر عليها من الشدائد والآفات التى يتمنى صاحبها الموت، كما ~~قال المتنبى (¬5): # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن ms054 يكن أمانيا # واللبة: الموضع الذى [يكون (¬6)] عليه طرف القلادة، والترائب: واحدتها ~~تريبة، وقيل: تريب، وهو الصدر، وإنما جمع اللبة والتربية بما حولهما، كأنه ~~سمى ما يجاور اللبة لبة، وما يجاور التربية تربية، كما قالوا: شابت مفارقه، ~~وبعير PageV01P113 # ذو عثانين (¬1)، ومثل البيت (¬2) فى جمع اللبة والتربية قول الآخر (¬3): # والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر # وفى التنزيل: {يخرج من بين الصلب والترائب} (¬4). # آخر المجلس. # ... PageV01P114 ### || AUTO المجلس الثانى عشر ### ||| AUTO بيت للمتنبى # (¬1) # أى يوم سررتنى بوصال ... لم ترعنى ثلاثة بصدود # وإنما أذكر من شعره ما أهمله مفسروه، فأنبه على معنى أو إعراب أغفلوه، ~~وهذا البيت لبعده من التكلف، وخلوه من التعسف، وسرعة انصبابه إلى السمع ~~وتولجه فى القلب، أهملوا تأمله فخفى عنهم ما فيه. # والذى يتوجه فيه من السؤال أن يقال: ما وجه تعلق عجزه بصدره، وهل للجملة ~~الأخيرة موضع من الإعراب؟ # فإن قيل: نعم، قيل: ما هو؟ وكم وجها من وجوه الإعراب يحتمل؟ وهل يجوز أن ~~تكون «أى» فيه شرطية، لتتعلق الجملة بالجملة تعلق الجزاء بالشرط كقولك: # «أى يوم لقينى زيد لم أعرض عنه»، تريد أى يوم لقينى أقبلت عليه. # والجواب عن هذا السؤال أنه لا يصح حمل «أى» على معنى الشرط؛ لأن فى ذلك ~~مناقضة للمعنى الذى أراده الشاعر (¬2)، فكأنه قال: إن سررتنى يوما بوصالك PageV01P115 # أمنتنى ثلاثة أيام من صدودك، وهذا عكس مراده فى البيت، وإنما «أى» ~~استفهام خرج مخرج النفى، كقولك لمن يدعى أنه أكرمك: أي يوم أكرمتنى؟ تريد ~~ما أكرمتنى قط، قال الهذلى (¬1): # فاذهب فأى فتى فى الناس أحرزه ... من حتفه ظلم دعج ولا جبل # ذهب بأى مذهب النفى، فأدخل مع لا حرف العطف، كما تقول: ما قام زيد ولا ~~عمرو، فمعنى البيت: ما سررتنى يوما بوصالك إلا رعتنى ثلاثة أيام بصدودك (¬2) # /فإن قلت: أجعل كل واحدة من الجملتين قائمة بنفسها، لا علقة لها بالأخرى، ~~فلا أحكم للجملة الأخيرة بموضع من الإعراب. # فإن (¬3) فى ذلك [أيضا (¬4)] فسادا للمعنى المراد، لأن قولك: «أى يوم ~~سررتنى بوصال» يفيد معنى: ما ms055 سررتنى قط بوصال، ثم قولك مستأنفا: «لم ترعنى ~~ثلاثة بصدود» يفيد معنى أنت تصد عنى يومين، وتصلنى فى الثالث، فما ينتظم ~~صدودك ثلاثة أيام، وفى هذا تناقض يبطل المعنى المقصود، فقد ثبت بما قلته ~~أنه لا بد من علقة بين الكلامين. # والعلقة بينهما تصح من ثلاثة أوجه: أحدها أن تجرى الجملة وصفا لوصال، ~~فتحكم على موضعها بالجر، والعائد منها إلى الموصوف مقدر، وقد ذكرت لك فيما ~~تقدم (¬5) أن العرب قد حذفت عائد الصفة حذفا يقارب حذف عائد الصلة PageV01P116 # كحذف الهاء (¬1) فى قوله (¬2): # *وما شيء حميت بمستباح* # وفى قول الله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} (¬3) أراد لا ~~تجزى فيه، كما قال: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} (¬4) وإذا قدرت مثل ~~ذلك فى البيت اتصل الكلامان فصح المعنى، وتقدير العائد فى البيت: أى يوم ~~سررتنى بوصال لم ترعنى بعده ثلاثة أيام بصدود، فالهاء عائدة على وصال، ~~فكأنك قلت: # ما سررتنى يوما بوصال مأمون بعده صدودك (¬5) ثلاثة أيام، وإذا ثبت صحة ~~هذا المعنى بهذا التقدير، فإن شئت قدرت أنك حذفت الظرف أولا، فبقى «لم ~~ترعنيه» ثم حذفت الهاء ثانيا، على مذهب من قدر فى الآية حذف الجار أولا، ~~فبقى «لا تجزيه» ثم حذف الهاء، وإن شئت قدرت أنك حذفت الظرف والعائد حذفة ~~واحدة، فهذا أحد الأوجه الثلاثة. # والوجه الثانى: أنك تقدر بالجملة العطف، وتضمر العاطف، فكأنك قلت: # أى يوم سررتنى بوصال فلم ترعنى ثلاثة بصدود، والعرب تضمر/الفاء والواو ~~العاطفتين، فمما جاء فيه إضمار الفاء قوله سبحانه: {وإذ قال موسى لقومه إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين} (¬6) فأضمر الفاء فى {قالوا} لتمام كلام موسى عليه السلام، ثم ~~أضمر الفاء فى {قال} (¬7) لتمام كلام قومه، وهذا كثير فى القرآن. # ومما أضمرت فيه الواو قول الحطيئة (¬8): PageV01P117 # إن امرأ رهطه بالشام منزله ... برمل يبرين جارا شد ما اغتربا # أراد: ومنزله برمل يبرين، وكذلك أضمرها الراجز فى قوله: # لما رأيت نبطا أنصارا ... شمرت عن ms056 ركبتى الإزارا (¬1) # كنت لها من النصارى جارا # أراد: وكنت (¬2)، وليس للجملة فى هذا الوجه موضع من الإعراب، لأنها فى ~~التقدير معطوفة على جملة لا موضع لها. # والثالث: أن تجعل الجملة حالا من التاء فى «سررتنى» والعائد على التاء من ~~حالها هو الضمير المستتر فى «ترعنى» فكأنك قلت: أى يوم سررتنى غير رائع لى، ~~وهذه حال مقدرة كقولك: «مررت برجل معه صقر صائدا به غدا (¬3)» أى مقدرا به ~~الصيد، ومثله فى التنزيل: {طبتم فادخلوها خالدين} (¬4) أى مقدرين الخلود، ~~ومن ذلك: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم} (¬5) أى ~~مقدرين التحليق، لأن التحليق لا يكون فى وقت الدخول، وكذلك المراد: أى يوم ~~سررتنى بوصالك غير مقدر أنك تروعنى ثلاثة أيام بصدودك. فهذه ثلاثة أقوال ~~جارية فى مضمار كلام العرب. # ومن روى: «لم ترعنى ثلاثة» برفع «ثلاثة» على إسناد الفعل إليها، كانت PageV01P118 ### ||| CHECK بيت آخر له # العلقة بين الجملتين بتقدير الوصف أو العطف، وبطل أن تكون الجملة حالا ~~لخلو/ «ترعنى» من ضمير يعود على ذى الحال. # بيت آخر (¬1) له: # جربت من نار الهوى ما تنطفى ... نار الغضا وتكل عما تحرق # وهذا البيت أيضا مما أمروه على أسماعهم إمرارا، فلم يعطوه حصة من التفكر، ~~ولم يولوه طرفا من التأمل، ويتوجه فيه سؤال عن معنى «ما» الأولى، وسؤال عن ~~الفاعل المستكن فى «تحرق» إلى أى النارين يعود؟ وسؤال عما فيه من الحذوف، ~~وسؤال عن الجار الذى هو «عن» بم يتعلق؟ فإن الانطفاء والكلول كلاهما مما ~~يتعدى بعن، قال الأخطل (¬2): # وأطفأت عنى نار نعمان بعد ما ... أغذ لأمر عاجز وتجردا # وأنا أوضح لك، إن شاء الله تعالى، الأجوبة عن هذه الأسولة (¬3)، بعد أن ~~أذكر لك نبذة تستفيدها، من اشتقاق وغيره، فمن ذلك أن معنى التجريب تكرير ~~الاختبار، لأن أمثلة التفعيل موضوعة للمبالغة والتكثير، وأصله من قولهم: جربته: # أى داويته من الجرب، فنظرت أيصلح حاله أم لا، ومثله: قردت البعير: أى ~~أزلت عنه القراد، وقرعت الفصيل: أى داويته من القرع، وهو داء يلحق الفصال. # وألف ms057 الغضا أصلها الياء، لقولهم: أرض غضياء (¬4)، ولا تجوز إمالته وإن ~~كانت ألفه من الياء، لأن فيه حرفين مستعليين (¬5). PageV01P119 # ويقال: طفئت النار وانطفأت (¬1)، مهموز، ولكنه أبدل من همزة تنطفئ ياء ~~لانكسار ما قبلها، كما أبدل الفرزدق من المفتوح ما قبلها ألفا فى قوله (¬2): # راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هناك المرتع # وهذا لا يسمى تخفيفا (¬3)، وإنما هو إبدال لا يجوز إلا فى الشعر، ~~والتخفيف الذى يقتضيه القياس فى هذا النحو أن تجعل الهمزة فيه بين بين. # وأما «ما» من قوله: «ما تنطفى» فمصدرية، والضمير الذى فى «تحرق» / عائد ~~على «نار الهوى»، وقوله: «عما تحرق» متعلق «بتكل» ومعمول «تنطفى» محذوف، ~~وذلك اختيار البصريين فى إعمال (¬4) الفعلين، كقولك: رضيت وصفحت عن زيد ~~[أردت: رضيت عن زيد وصفحت عن زيد (¬5)] فحذفت معمول الأول لدلالة معمول ~~الثاني عليه، وحجتهم أن الثانى أقرب إلى المعمول، فإن استعملت الاختيار ~~الكوفي فعلقت (¬6) الجار بالأول، فلأنه الأسبق فى الذكر، فهذا أحد ~~المحذوفات من البيت. # والمحذوف الثانى: العائد إلى «ما» الثانية من صلتها، وفيه حذفان آخران، ~~لأن تقدير معنى البيت: جربت من قوة نار الهوى انطفاء نار [الغضا (¬7)] ~~وكلولها عن إحراق ما تحرقه نار الهوى، لا بد من تقدير هذين المضافين، القوة ~~والإحراق؛ لأن المعنى يقتضيهما، وإنما خص الغضا، لأن ناره أشد النيران ~~وأبقاها. PageV01P120 ### ||| AUTO ومن هذه القصيدة # : # كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق (¬1) # ذكرت هذا البيت لأنهم أضربوا عن الكلام فيه صفحا، وفيه ما يقتضى أسئلة، ~~أولها: كيف قال: بدت منها الشموس، فذكر المشبه به دون المشبه، وأسقط أداة ~~التشبيه؟ والثانى: كيف جمع الشمس وليس فى العالم إلا شمس واحدة، وهل فعل ~~ذلك أحد من الشعراء القدماء قبله؟ # والثالث: فى أى شيء شبه هؤلاء الممدوحين بالشمس؟ # والجواب أنه كان حق تشبيههم بالشمس أن يقال: رجال مثل الشمس، ولكنه جاء ~~به على حذف المشبه وإسقاط أداة التشبيه، ليجعل كل واحد منهم الشمس على ~~الحقيقة، ثم جمع الشمس ليقابل جماعة بجماعة، وبالغ فيما أراده من المعنى ms058 ~~بإخباره أنه كبر الله سبحانه متعجبا من طلوع شموس فى/غير جهة، المشرق، لأن ~~ديارهم كانت فى جهة المغرب. # ومثل ذلك فى إسقاط المشبه وحرف التشبيه، قصدا لتحقيق الشبه قولك: # لقيت فلانا فلقيت حاتما جودا، والنابغة شعرا، والأحنف حلما، وإياسا ذكاء، ~~وعمرو بن العاص دهاء، وخالد بن صفوان بلاغة، ويحيى (¬2) بن عبد الحميد كتابة. # فأما استجازة جمع الشمس فلاختلاف مطالعها ومغاربها، وازدياد حميها (¬3) ~~وانتقاصه، وتغير لونها فى الأصائل، ولذلك قالوا: شمس الشتاء، وشمس الصيف، ~~وشمس الضحى، وشمس الأصيل، فأضافوا إلى هذه الأشياء المتضادة، وليس شمس ~~غيرها، ولذلك جاء فى التنزيل على الأصل: {رب المشرق والمغرب} (¬4) أى مكان PageV01P121 # الشروق ومكان الغروب، وجاء فيه: {رب المشرقين ورب المغربين} (¬1) أراد ~~مشرق الشتاء ومغربه [ومشرق الصيف ومغربه (¬2)] وجاء فيه: {برب المشارق ~~والمغارب} (¬3) لأن للشمس فى كل يوم مشرقا ومغربا غير مشرقها ومغربها فى ~~اليوم الذى قبله. # وأما جمع الشمس فى الشعر القديم فنحو قول مالك الأشتر (¬4): # حمى الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برق أو شعاع شموس # وأما المعانى التى نزلهم بها منزلة الشمس، فمنها أن علو أقدارهم ~~واشتهارهم فى الناس كعلو الشمس واشتهارها، ومنها أن الانتفاع بهم كالانتفاع ~~بضيائها، ونماء النبات بها، ومنها أن إشراق وجوههم وصفاء ألوانهم كإشراقها ~~وصفائها (¬5). ### |||| AUTO بيت آخر منها # (¬6): # أمطر على سحاب جودك ثرة ... وانظر إلى برحمة لا أغرق # يقال: سحاب ثر، للكثير الماء، واستعاروه للفرس الكثير الجرى، قال الشاعر (¬7): # وقد أغدو إلى الهيجا ... ء بالمحتنك الثر (¬8) PageV01P122 # /المحتنك: الذى احتنكه (¬1) السن، وذلك إذا قرح (¬2)، وقالوا للناقة ~~الغزيرة وللطعنة الواسعة، وللعين الكثيرة الدمع: ثرة. # ونصب «ثرة» على الحال، وأنث الحال لأن السحاب بمعنى السحائب، ومن قال: ~~سحاب ثر، فلأن السحاب اسم مفرد يقع على الجنس، كالشجر والنخل، والأغلب عليه ~~التذكير، كما جاء فى التنزيل: {والسحاب المسخر} (¬3) و {من الشجر الأخضر} ~~(¬4) و {أعجاز نخل منقعر} (¬5) وجاء التأنيث فى قوله تعالى: # {وينشئ السحاب الثقال} (¬6) و {أعجاز نخل خاوية} (¬7) وأنث الشجر فى قوله: # {لآكلون من شجر من زقوم. فمالؤن منها البطون} (¬8) وذكره فى قوله: {شجر ms059 ~~فيه تسيمون} (¬9). # وكان الوجه فى إعراب «لا أغرق» الجزم، على أن يكون جوابا للطلب الذى هو ~~قوله: «انظر إلى» بتقدير: فإنك إن تنظر (¬10) إلى لا أغرق، ولهذا الحرف ~~ذكرت هذا البيت. PageV01P123 # ورفعه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أراد لئلا أغرق، وحذف لام العلة، ثم ~~حذف «أن» فرفع، كما فعل فى قوله (¬1): # أوجد ميتا قبيل أفقدها # أراد أن أفقدها، فحذف «أن» فارتفع الفعل لفقد الناصب، قال طرفة (¬2): # ألا أي هذا الزاجرى أحضر الوغى # أراد أن أحضر [الوغى (¬3)] فلما أسقط «أن» رفع، وإن كانت مرادة، ويدلك ~~على أن الأصل أن أحضر قوله: # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى # والثانى: أن تكون الفاء فيه مقدرة، وإذا كانت الفاء فى الجواب مقدرة ~~ارتفع الفعل بتقديرها، كما يرتفع بإثباتها، وإذا كانوا يحذفونها من جواب ~~(¬4) الشرط الصريح فيرفعون، كان حذفها من جواب الأمر النائب عن الشرط أسهل، ~~فمما حذفت فيه من جواب الشرط قوله: # /من يفعل الحسنات الله يشكرها (¬5) PageV01P124 # فأما قوله جل ثناؤه: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} (¬1) بضم ~~الضاد وتشديد الراء ورفعها (¬2)، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: تقدير الفاء، ~~والثانى: التقديم والتأخير، كأنه قيل: لا يضركم كيدهم شيئا إن تصبروا ~~وتتقوا، وبهذا التقدير ارتفع «تصرع» من قول الراجز (¬3): # يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع # وإن شئت رفعته بتقدير الفاء (¬4)، والثالث: أن يكون ضم الراء إتباعا لضمة ~~الضاد، كقولك: لم يردكم، والأصل: يضرركم، فألقيت ضمة المثل الأول على ~~الساكن قبله، وحرك الثانى بالضم إتباعا للضمة قبله، فلما حرك الثانى وقد ~~سكن الأول وجب الإدغام، وتحريك الثانى فى هذا النحو بالفتح هو الوجه (¬5)؛ ~~لخفة الفتحة مع التضعيف، وبه قرأ فى هذا الحرف المفضل الضبى عن عاصم بن أبى ~~النجود. # ... PageV01P125 ### || AUTO المجلس الثالث عشر # وهو مجلس يوم السبت، رابع جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين وخمسمائة. ### ||| AUTO إعراب بيت وما يتصل به # ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد (¬1) # هذا البيت من مقطوعة لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسى، ms060 وكان سيد ~~قومه، ونشأت (¬2) بينه وبين الربيع بن زياد العبسى شحناء فى [شأن (¬3)] درع ~~ساومه فيها، فلما نظر إليها وهو على ظهر فرسه وضعها على القربوس ثم ركض ~~بها، فلم يردها عليه، فاعترض قيس فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهى إحدى ~~المنجبات، وهى أم الربيع بن زياد، وقد ذكرت هذا فيما مر من الأمالى (¬4)، ~~وكانت/حين عرض لها قيس في ظعائن من بنى عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها ~~بدرعه، فقالت له: # ما رأيت كاليوم قط فعل رجل! أين ضل حلمك؟ أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد PageV01P126 # أبدا وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينا وشمالا، فقال الناس فى ذلك ما شاءوا ~~أن يقولوا، «وإن حسبك من شر سماعه»، فأرسلتها مثلا (¬1)، فعرف قيس ما قالت، ~~فخلى سبيلها، ثم اطرد إبلا لبنى زياد، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن ~~جدعان التيمى معاوضة بأدراع وسيوف، ثم جاور ربيعة بن قرط بن سلمة بن قشير، ~~وهو ربيعة الخير، ويكنى أبا هلال، وقيل: هو ربيعة بن قرط بن عبد (¬2) بن ~~أبى بكر بن كلاب. # وقال قيس فى ذلك: # ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد # ومحبسها على القرشى تشرى ... بأدراع وأسياف حداد # كما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد # هم فخروا على بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادى # وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد # بداهية تدق الصلب منه ... فتقصم أو تجوب على الفؤاد # أطوف ما أطوف ثم آوى ... إلى جار كجار أبى دؤاد # تظل جياده يعسلن حولى ... بذات الرمث كالحدإ الغوادى # كفانى ما أخاف أبو هلال ... ربيعة فانتهت عنى الأعادى # كأنى إذ أنخت إلى ابن قرط ... أنخت إلى يلملم أو نضاد PageV01P127 # قوله: «ألم يأتيك (¬1)» أثبت الياء فى موضع الجزم لإقامة الوزن كما [أثبت ~~الآخر (¬2)] فى قوله (¬3): # هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع # /ووجه ذلك أنهما نزلا الواو والياء منزلة الحرف الصحيح، فقدرا فيهما ~~الحركة، فكأن الجازم دخل ولفظ الفعل: يأتيك وتهجو ms061 بضم لاميهما، كقولك: ~~يضربك ويخرج، فأسقط الحركة المقدرة كما يسقط الحركة الملفوظ بها، ويدلك على ~~أن الحركة فى هذا النحو مرادة أن الشاعر متى احتاج إليها أظهرها، كما أظهر ~~الضمة فى ياء المنقوص، والكسرة فى نحو: # جاءنى ناعى بنعي سليمى (¬4) # ونحو ما أنشده سيبويه (¬5) لأعرابى من بنى كليب: # فيوما يجازين (¬6) ... الهوى غير ماضى # ويوما ترى منهن غول تغول PageV01P128 # وقد أثبتوا الألف فى موضع الجزم، تشبيها بالياء كقوله (¬1): # إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها ولا تملق # وكقول الآخر: # ما أنس لا أنساه آخر عيشتى (¬2) # فأما إثباتها فى قوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} (¬3) فلأنه نفى لا نهى، ~~أى فلست تنسى إذا أقرأناك، أعلمه الله أنه سيجعل له آية تبين بها الفضيلة ~~له، وذلك أن الملك كان ينزل عليه بالوحى فيقرؤه عليه ولا يكرره، فلا ينسى ~~صلى الله عليه وآله وسلم شيئا مما يوحيه إليه وهو أمى لا يخط بيده كتابا ~~ولا يقرؤه، قال الله سبحانه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (¬4). # وقوله: {إلا ما شاء الله} (¬5) فيه قولان: أحدهما: إلا ما شاء الله أن ~~تنساه ثم تذكره بعد، والآخر: إلا ما شاء الله أن يؤخره فتترك تلاوته على ~~أصحابك إلى وقت آخر، فعلى هذا يكون معنى {فلا تنسى}: فلا تترك، كما قال: ~~{نسوا الله فنسيهم} (¬6) أى تركوا الله فتركهم. PageV01P129 # وروى (¬1) أن المأمون قال لأبى على المنقرى: بلغنى أنك أمى، وأنك لا تقيم ~~الشعر، /وأنك تلحن، فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبق لسانى ~~بشىء منه، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يكتب ولا يقيم الشعر، فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتنى ~~رابعا، وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~فضيلة، وهو فيك وفى أمثالك نقيصة، وإنما منع النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذلك لنفى الظنة عنه، لا لعيب فى الشعر والكتابة. # وفى فاعل «يأتيك» قولان، قيل: إنه مضمر مقدر، كما حكى سيبويه (¬2) «إذا ms062 ~~كان غدا فأتنى» أى إذا كان ما نحن عليه (¬3) من الرخاء أو البلاء غدا ~~فأتنى، وتقديره: # ألم يأتك النبأ، ودل على ذلك قوله: «والأنباء تنمى» وقيل إن الباء فى ~~قوله: «بما لاقت (¬4)» زائدة، و «ما» هى الفاعل، كما زيدت الباء مع الفاعل ~~فى: {كفى بالله} (¬5) ومع المبتدأ فى قولهم: «بحسبك قول السوء» ومع المفعول ~~فى نحو: (¬6) «لا يقرأن PageV01P130 # بالسور» ونحو: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (¬1) وهى ومجرورها على ~~القول الأول فى موضع النصب، لا متعلقة بتنمى. # وقوله: «كما لاقيت» العامل فيه محذوف، تقديره: لاقيت منهم كما لاقيت من ~~حمل بن بدر، ومثله فى حذف الفعل منه للدلالة عليه قول يزيد بن مفرغ الحميرى (¬2): # لا ذعرت السوام فى وضح الصب ... ح مغيرا ولا دعيت يزيدا # يوم أعطى من المخافة ضيما ... والمنايا يرصدننى أن أحيدا # طالعات أخذن كل سبيل ... لا شقيا ولا يدعن سعيدا # أراد: لا يدعن شقيا، فحذف. # فأما قوله تعالى جده: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} (¬3) فهذا التشبيه ~~فى الظاهر كأنه منقطع مما قبله، لأنه جاء بعد قوله: {يسئلونك عن الأنفال قل ~~الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن ~~كنتم مؤمنين} (¬4) ثم وصف المؤمنين فقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون* ~~الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات ~~عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} (¬5) [ثم قال (¬6)]: {كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق}. PageV01P131 # وقد قيل فى اتصاله بما قبله وبما بعده أقوال رغبت عن ذكرها، لبعدها عن ~~التأويل (¬1)، وأوجه ما قيل فيه أن موضع الكاف رفع خبر مبتدأ محذوف، وذلك ~~أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى قلة المؤمنين يوم بدر، وكراهتهم ~~للقتال قال: # «من قتل منهم واحدا فله كذا، ومن أسر واحدا فله كذا» وقيل: إنه جعل ~~للقاتل سلب المقتول، ليرغبهم فى القتال، فلما فرغ من أهل بدر، قام سعد بن ~~معاذ، فقال: يا رسول الله إن ms063 نفلت هؤلاء (¬2) ما سميت لهم بقى [نفر (¬3)] ~~كثير من المسلمين بلا شيء، فأنزل الله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} ~~يصنع فيها ما يشاء، فسكتوا وفى أنفسهم من ذلك كراهية، فقال الله تعالى: ~~{فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله} أى اقبلوا ما أمركم ~~الله ورسوله (¬4) به فى الغنائم وغيرها، ثم قال: {كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق} والتقدير: كراهيتهم (¬5) لما فعلت فى الغنائم كإخراجك من بيتك على ~~كره منهم، ودل على ذلك قوله: {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون}. # وذات الإصاد: مكان (¬6). # وقوله: «وردوا دون غايته جوادى» كان قيس بن زهير خاطر حذيفة بن بدر ~~الفزارى على فرسيه، داحسن والغبراء، وفرسى حذيفة الخطار والحنفاء، فجاء PageV01P132 # داحس سابقا، وقد أكمنت له فزارة رجلا ليصده عن الغاية إن جاء/سابقا، فلطم ~~وجهه ثم أمسكه، فجاء إلى الغاية مسبوقا. # وقوله: «منيت بخصم سوء»: أى بليت به، والنآد: الشديدة من الدواهى. # والقصم: الكسر، وجار أبى دؤاد: هو الحارث (¬1) بن همام بن مرة بن ذهل بن ~~شيبان، كان أبو دؤاد الإيادى جاوره، فخرج صبيان الحى يلعبون فى غدير فغمسوا ~~(¬2) ابن أبى دؤاد فقتلوه، فقال الحارث: لا يبقى فى الحى صبى إلا غرق فى ~~الغدير، فودى ابن أبى دؤاد تسع ديات أو عشرا. # ويعسلن: من العسلان، وهو اهتزاز العادى، والحدأ: جمع حدأة، طائر معروف، ~~ويلملم ونضاد: جبلان، ويقال أيضا: يرمرم. ### ||| AUTO بيت آخر # (¬3): # فإن لها جارين لن يغدرا بها ... أبو جعدة العادى وعرفاء جيأل # أبو جعدة: الذئب، وعرفاء (¬4) جيأل: الضبع، والضمير يعود على غنم تقدم ~~ذكرها، وإذا اجتمع الذئب والضبع اشتغل كل واحد منهما بالآخر، وسلمت PageV01P133 # الغنم، وفى كتاب سيبويه (¬1) «اللهم ضبعا وذئبا». ### ||| AUTO بيت آخر # : # وقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهماها يقرع العظم نابها (¬2) # الضغم: العض، ومنه قيل للأسد: ضيغم، و «ها» من قوله: # «لضغمهماها» ضمير الضغمة، وانتصابه انتصاب المصدر، وفاعل المصدر محذوف، ~~والتقدير: لضغمى إياهما الضغمة (¬3)، واللام متعلقة بيقرع. ### ||| AUTO عدى بن زيد العبادى # (¬4): # أرواح مودع أم بكور ... أنت فانظر لأى حال تصير # قال أبو ms064 على: رواح مودع: كقولهم: ليل نائم، ولو أنشد «مودع» جاز، ~~وكان/التقدير: مودع فيه، وحذف كما حذف من قوله (¬5): # *كبير أناس فى بجاد مزمل* # أى مزمل فيه. انتهى كلامه. PageV01P134 # كأن ثبيرا فى عرانين وبله ... كبير أناس فى بجاد مزمل # البجاد: الكساء المخطط، والمزمل: الملفف، ولولا تقدير «فيه» هاهنا وجب ~~رفع «مزمل» على الوصف لكبير، وتقدير «فيه» أمثل من حمل (¬1) الجر على ~~المجاورة، شبه الجبل فى أوائل الوبل، وهو المطر الشديد الوقع، العظيم ~~القطر، بكبير قوم متلفف بكساء. # ويروى: «لأى ذاك تصير» وقال: لأى ذاك، ولم يقل: ذينك، لأنهم قد يوقعون ~~ذاك وذلك على الجمل، يقول القائل: زارنى أمس زيد وأخوك معه وهما يضحكان، ~~فتقول: قد علمت ذلك، ولذلك جازت إضافة «بين» إلى ذلك فى قوله تعالى: {لا ~~فارض ولا بكر عوان بين ذلك} (¬2) ومثله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما} (¬3) ألا ترى أن إضافة «بين» فى قولك: # جلست بين زيد، لا يجوز حتى تقول: وبكر، أو بين الزيدين، أو بين القوم، أو ~~نحو ذلك. # وأما قوله: «لأى حال» ولم يقل: لأية حال، فيجوز أن يكون على لغة من [ذكر ~~الحال، ويجوز أن يكون على لغة من (¬4)] أنثها لأن تأنيثها غير حقيقى، ويجوز ~~أن يكون حمل الحال على الشأن، لأنهما فى المعنى متقاربان. # ويحتمل «رواح» أن يكون خبرا عن «أنت»، بتقدير: أذو رواح أنت؟ ويحتمل أن ~~يكون مبتدأ خبره محذوف، أى ألك رواح؟ ويحتمل أن يكون خبر PageV01P135 # مبتدأ محذوف، أى أرواحك رواح مودع؟ فعلى هذين التقديرين يرتفع «أنت» بفعل ~~مضمر يفسره «انظر» وإن شئت رفعته بتقدير: أم ذو بكور أنت؟ وإن شئت رفعته ~~بالمصدر الذى هو «بكور» رفع الفاعل بفعله، كقولك: أم بكور زيد، بتقدير: أم ~~أن يبكر زيد، وإن شئت جعلته فى قول أبى الحسن الأخفش (¬1) مبتدأ وخبره ~~«فانظر» والفاء زائدة، وإلى هذا ذهب فى قوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} (¬2) وسيبويه (¬3) وغيره من البصريين قدروا الخبر: فيما ~~فرض عليكم، أو فيما يتلى عليكم: السارق والسارقة، ms065 أى حد السارق والسارقة. # قال أبو على: إذا قلت: زيدا فاضرب، فزيد منصوب بهذا الفعل، وليست الفاء ~~بمانعة من العمل، وتسمى هذه الفاء معلقة، كأنها تعلق الفعل المؤخر بالاسم ~~المقدم، فهى تشبه الزائدة، ويدلك على أن العامل هو هذا الفعل قولك: بزيد ~~فامرر، لأن (¬4) الباء لا بد لها من شيء تتعلق به. # ... PageV01P136 ### || AUTO المجلس الرابع عشر # وهو من القصيدة التى هذا البيت أولها: # أيها الشامت المعير بالد ... هر أأنت المبرأ الموفور (¬1) # أم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام بل أنت جاهل مغرور # من رأيت المنون عرين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير # أين كسرى خير الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور # وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... وم لم يبق منهم مذكور # وأخو الحضر إذ بناه وإذ د ... جلة تجبى إليه والخابور # شاده مرمرا وجلله كل ... سا فللطير فى ذراه وكور # لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور # وتفكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير # سره ملكه وكثرة ما يح ... ويه والبحر معرضا والسدير # فارعوى قلبه فقال فما غب ... طة حى إلى الممات يصير # ثم بعد الفلاح والملك والإم ... ة وارتهم هناك القبور # /ثم أضحوا كأنهم ورق ج ... ف فألوت به الصبا والدبور # وكذاك الأيام يغدرن بالنا ... س وفيها العوصاء والميسور PageV01P137 # إن يصبنى بعض (¬1) ... الأذاة فلا وا # ن ضعيف ولا أكب عثور # وأنا الناصر الحقيقة إن أظ ... لم يوم تضيق فيه الصدور # يوم لا ينفع الرواغ ولا يق ... د (¬2) م إلا المشيع النحرير # قوله: «أيها الشامت» خاطب به عدى (¬3) بن مرينا الأسدى، وقوله: «المعير ~~بالدهر» أراد بنوائب الدهر، يقال: عيرته بكذا، وعيرته كذا، وطرح الباء ~~أكثر، قال المتلمس (¬4): # يعيرنى أمى رجال ولا أرى ... أخا كرم إلا بأن يتكرما # وقوله: «المبرأ» أراد المبرأ من المصائب، والموفور: الذى لم يؤخذ من ماله ~~شيء، يقال: وفر فلان يوفر. # وقوله: «من رأيت المنون عرين» المنون يذكر ويؤنث، فمن ذكره أراد الدهر، ~~ومن أنثه أراد المنية، ويكون واحدا ms066 وجمعا، وقوله: «عرين» يدل على أنه ذهب ~~به مذهب الجمع، كأنه أراد الدهور أو المنايا، وقيل للدهر أو الموت: المنون، ~~لأنه يقطع منن الأشياء، أى قواها. # و [قوله (¬5)] «عرين» معناه اعتزلن، ومنه (¬6) ومنه العرية، وهى النخلة ~~التى إذا عرض النخل على بيع ثمرته عريت منه، أى عزلت عن المساومة، ويروى: ~~«خلدن» أى تركنه يخلد. PageV01P138 # والضيم: القهر. # والخفير: المانع، والحامى، يقال: خفرته: إذا منعته وحميته، وأخفرته: إذا ~~نقضت عهده وأسلمته. # وأبى أبو على فى «المنون» إلا الرفع (¬1)، ولم يجز فيها النصب بوجه؛ لأن ~~رأيت فى معنى علمت، وقد وقع متوسطا، فلا يخلو من أن يكون ملغى أو معملا، ~~فإن اعتقدت إلغاءه حكمت بأن «من» مبتدأ و «المنون» مبتدأ ثان، و «عرين» ~~جملة من فعل وفاعل فى موضع خبر المبتدأ الثانى، والجملة التى هى المبتدأ ~~الثانى وخبره خبر عن المبتدأ الأول، والعائد إلى «المنون» من خبرها النون، ~~والعائد إلى «من» محذوف، كما حذف عائد المبتدأ فى قوله (¬2): # قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع # وفى قول الآخر: # *ثلاث كلهن قتلت عمدا (¬3) ... * # وفى قراءة من قرأ: وكل {وعد الله الحسنى} (¬4). # والتقدير: أى إنسان فيما ترى، المنون عرينه؟ وإن اعتقدت إعمال «رأيت» ~~حكمت بأن «من» مفعول أول، والجملة التى هى «المنون عرين» فى موضع المفعول ~~الثانى، والتقدير: أى إنسان علمت، المنون عرينه، كقولك: أزيدا علمت الهندات ~~أكرمنه؟. PageV01P139 # ويتجه عندى نصب «المنون» على أن تجعلها مفعولا لرأيت، «وعرين» فى موضع ~~المفعول الثانى، وتجعل «من» مبتدأ، و «رأيت» ومفعوليها خبرا عنه، والعائد ~~إلى المبتدأ الهاء المحذوفة التى هى مفعول «عرين» وجاز (¬1) وجاز حذف ~~العائد إلى المبتدأ من الجملة المخبر بها عنه، على قولك: زيد ضربت، وقول ~~امرئ القيس (¬2): # فلما دنوت تسديتها ... فثوب نسيت وثوب أجر # وقولهم: «شهر ثرى وشهر ترى وشهر مرعى (¬3)» أى شهر ترى فيه العشب. # فكأنك قلت: أى إنسان علمت النساء أكرمن؟ أردت أكرمنه، فحذفت. # ومواضع حذف العائد ثلاثة: الصلة والصفة والخبر، وحذفه من الصلة أقيس من ~~حذفه من الصلة، وحذفه ms067 من الصفة أقيس من حذفه من الخبر، وإنما استحسنوا حذفه ~~من الصلة حتى اتسع ذلك فى القرآن اتساع الإثبات، لئلا يكون اسم من أربعة ~~(¬4) أشياء، فحذفه من «الذى» مثل: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم} (¬5) وإثباته مثل: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} (¬6) وحذفه ~~من «من» مثل: PageV01P140 # {ذرني ومن خلقت وحيدا} (¬1) وإثباته مثل: {ومن رزقناه منا رزقا/ حسنا} ~~(¬2) واستحسنوا حذف العائد من الصفة، قياسا على حذفه من الصلة، لاشتراك ~~الصلة والصفة فى أشياء، منها أن الصفة تتمم وتكمل وتوضح وتخصص، كما أن ~~الصلة كذلك، ومنها أن الصفة لا تعمل فى الموصوف، كما أن الصلة لا تعمل فى ~~الموصول، ومنها أن الصفة لا تتقدم على الموصوف، كما أن الصلة لا تتقدم على ~~الموصول، ومنها أن العامل فى الموصوف والصفة واحد، كما أن العامل فى ~~الموصول والصلة كذلك. # ويفترقان فى أن الموصول لا يكاد يستغنى عن الصلة، والموصوف قد يستغنى عن ~~الصفة، فلذلك لم يتأكد تقديرك الصفة مع الموصوف اسما واحدا، كما تأكد ذلك ~~فى الصلة والموصول، فإزالة العائد من الصلة كإزالة الياء من اشهيباب، فى قولك: # اشهباب (¬3). # وأما خبر المبتدأ فيفارق الصلة والصفة بأنه ليس مع المبتدأ كاسم واحد، ~~وأنه ليس العامل فيهما واحدا، على رأى أكثر النحويين، وأنه قد يتقدم على ~~المبتدأ، وأنه إذا لم يشغل فى نحو قولك: زيد ضربته، عمل فى المبتدأ. # وقوله: # أين كسرى خير الملوك أنو شروان # كان أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، من أعظم ملوك ~~فارس، أعاد أمور (¬4) دولتهم إلى أحوالها بعد ضعفها واختلالها، ونفى رءوس ~~المزادقة، وعمل بسيرة أردشير بن بابك بن ساسان، وافتتح أنطاكية، وكان معظم ~~جنود PageV01P141 # قيصر فيها، وبنى بناحية المدائن المدينة التى سماها رومية، على صورة ~~أنطاكية، وأنزل السبى الذى سباه من أنطاكية فيها، وافتتح مدينة هرقل ~~والإسكندرية، وملك آل المنذر على العرب، وسار نحو الهياطلة، واستعان عليهم ~~بخاقان، وكان قد صاهره، فأوقع بهم، وأنزل جنوده/بفرغانة، فلما انصرف من ~~خراسان قدم عليه سيف ms068 بن ذى يزن الحميرى، يستنصر على الحبشة، فبعث معه ~~إسوارا (¬1) من عظماء أساورته فى جند من الديلم، فافتتحوا اليمن، ونفوا ~~عنها السودان، وأقاموا هناك إلى أن جاء الله بالإسلام، وكانت مدة ملكه سبعا ~~وأربعين سنة وأشهرا. # وقوله: «أم أين قبله سابور»: كان قبل أنوشروان بدهر طويل سابور بن أردشير ~~بن بابك بن ساسان، وبعد سابور بن أردشير بدهر: سابور بن هرمز بن نرسى، وكان ~~يلقب ذا الأكتاف، وهو الذى عناه، وإنما قيل له: ذو الأكتاف، لأنه غزا العرب ~~فى مشاتيها حتى أوغل فى بلادها وغور مياهها، وكان يخلع أكتاف من ظفر به ~~[منهم (¬2)]. وكسرى: لقب كان لملوك الفرس، وقيصر لملوك الروم، وخاقان لملوك ~~الترك، وبغبور (¬3) لملوك الهند، وتبع لملوك حمير. # وروى الكوفيون كسرى، بكسر (¬4) الكاف، ورواه البصريون بفتحها، إلا أبا ~~عمرو بن العلاء، وجمعته العرب جمعين على غير القياس، وهما الأكاسرة والكسور ~~(¬5)، PageV01P142 # وذلك أن حد الأفاعلة أن يكون جمعا لإفعال ونحوه، كإسكاف وأساكفة، وأما ~~الكسور فكأنهم جمعوه عليه بتقدير طرح ألفه، فهو كجذع وجذوع، فى قول من كسر ~~أوله، ودرب ودروب، فى قول من فتحه، واستعمل الكسور أبو نصر عبد العزيز بن ~~عمر بن نباتة، فى قصيدة مدح بها الملك بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة ~~وابنه أبا منصور، فقال: # وتفرست فيه غير محاب ... أنه كائن أبا للكسور (¬1) # يا لها من مخيلة كان يوما ... شامها أردشير فى سابور # وقوله: «وأخو الحضر إذ بناه» يحتمل «أخو الحضر» أن يكون معطوفا على ~~الأسماء المرتفعة بالابتداء، فالتقدير: أين كسرى أم أين سابور، وأين بنو/ ~~الأصفر، وأين أخو الحضر؟ ويجوز أن تقطعه عما قبله، فترفعه بالابتداء وتجعل ~~الخبر عنه «شاده»، و «شاده» هو العامل فى الظرف الذى هو «إذ» ومعنى شاده: ~~رفعه، وقصر مشيد: مرفوع، وقيل: مبنى بالشيد، وهو الجص، ويقال لكل حجر أملس: ~~«مرمر» وأراد شاده بمرمر، فلما حذف الباء عاقبها النصب، فالتقدير: وأخو ~~الحضر إذ بناه، رفعه بمرمر. # وقوله: «وجلله (¬2) كلسا» يقال: جللته الثوب وبالثوب، وطرح الباء أكثر، ~~والكلس: الصاروج، وهو ms069 الجيار أيضا، وذراه: أعاليه، واحدتها: ذروة، PageV01P143 # مكسورة الأول، ومثلها لحية ولحى، فى قول من ضم، والكسر أفصح، ونظيرها فى ~~الشذوذ قرية وقرى (¬1). # والحضر: مدينة بين دجلة والفرات بحيال تكريت، شاهدت (¬2) بقاياها ~~ودخلتها، وقيل: إن الذى بناها الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن ~~عمرو ابن النخع بن سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، وكان ملك الجزيرة، ~~ومعه من بنى العبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، ونال ملكه الشام، ~~وأغار على طرف من بلاد العجم، على عهد سابور ذى (¬3) الأكتاف، وفتح مدينة ~~من مدنهم يقال لها: بهرسير، وقتل من الأعاجم أعدادا، فقال فى ذلك عمر (¬4) ~~بن ألاه بن جدى، أحد بنى عمران بن الحاف بن قضاعة: # دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع ملجزيرة كالسعير (¬5) # لقيناهم بمجر من علاف ... على الخيل الصلادمة الذكور # فلاقت فارس منا نكالا ... وقتلنا هرابذ شهر زور (¬6) PageV01P144 # قوله: «ملجزيرة» حذف نون «من» لسكونها وسكون اللام، تشبيها للنون الساكنة ~~بحروف اللين، لأن فيها غنة تضارع ما فيهن من المد واللين، ومثله قول عمرو ~~ابن كلثوم: # /فما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل (¬1) # وقول الآخر: # أبلغ أبا دختنوس مألكة ... غير الذى قد يقال ملكذب (¬2) # أبو دختنوس: لقيط (¬3) بن زرارة التميمى، ودختنوس: اسم بنته، وكان ~~مجوسيا. # فأما قولهم فى بنى الحرث وبنى الهجيم وبنى العنبر: بلحرث وبلهجيم ~~وبلعنبر، فإنهم حذفوا الياء من «بنى» لسكونها وسكون لام التعريف، ثم ~~استخفوا حذف النون كراهة لاجتماع المتقاربين، كما كرهوا اجتماع المثلين، ~~فحذفوا الأول فى نحو: # غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم (¬4) # أراد: على الماء، ونظير هذا الحذف فى الكلمة الواحدة قولهم فى ظللت ~~ومسست: ظلت ومست، ومنهم من يسقط حركة ما قبل المحذوف ويلقى حركة المحذوف ~~عليه، فيقول: ظلت ومست، يحرك الظاء والميم بكسر اللام والسين، PageV01P145 # وقرأ قوم: {فظلتم تفكهون} (¬1) و {إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} (¬2) فإن ~~كان ما قبل المحذوف ساكنا لم يكن بد من إلقاء حركته على الساكن لئلا يلتقى ~~ساكنان، ms070 وذلك قولهم فى أحسست: أحست، قال أبو زبيد (¬3): # سوى أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس # الأشوس: الذى ينظر بأحد شقى عينيه تغيظا، وقيل: هو الذى يصغر عينيه ويضم ~~أجفانه، والهاء التى فى «به» و «إليه» تعود على الأسد، ولأبى زبيد معه حديث. # فأما نحو بنى النجار فلم يخففوه فيقولوا بنجار، لئلا يجمعوا بين إعلالين ~~متواليين: الحذف والإدغام (¬4). # والمجر: الجيش العظيم، وعلاف: بطن من قضاعة، والصلادم من/ الخيل: الشداد، ~~واحدها صلدم، وأدخل الهاء فى الصلادمة تأكيدا لتأنيث الجمع، ومثله الصياقلة ~~والصيارفة، ودخول الهاء فى الجمع لمعان، هذا أحدها، والثانى: # دخولها فى نحو: الجحاجحة والتنابلة، عوضا من ياء الجحاجيح والتنابيل. # والثالث: دخولها فى نحو: المهالبة والمناذرة، دالة على ما تدل عليه الياء ~~فى المهلبيين والمنذريين. # والرابع: دخولها فى جمع أسماء أعجمية جاءت على هذا المثال، وذلك نحو: # الجواربة والموازجة والكيالجة، وواحد الموازجة: موزج، وهو الخف (¬5)، ~~وإنما دخلت PageV01P146 # الهاء فى جمع هذه الأسماء الأعجمية للمشابهة بين الاسم الذى تلحقه علامة ~~النسب، وبين الأعجمى المعرب، من حيث كانا منتقلين؛ هذا منتقل إلى التعريب، ~~وذلك منتقل من العلمية إلى الوصفية، وقد دخلت الهاء فيما اجتمع فيه النسب ~~والعجمة، وذلك نحو: السبابجة (¬1) والبرابرة، يريدون: السبيجيين ~~والبربريين، ودخولها فى هذا أوجب من دخولها فى المهالبة والموازجة، لاجتماع ~~المعنيين فيه. # ... PageV01P147 ### || AUTO المجلس الخامس عشر # وهو مجلس يوم السبت، ثامن وعشرين من جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين ~~وخمسمائة. # ثم إن سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم، فأقام على الحضر أربع سنين، ~~وإن النضيرة بنت الضيزن رآها سابور ورأته، فعشقها وعشقته، وكان من أجمل أهل ~~دهره، وكانت من أحسن أهل زمانها، فأرسلت إليه: ما الذى تجعل لى إن دللتك ~~على عورة المدينة؟ فقال: أجعل لك حكمك، وأرفعك على نسائى، /وأخصك بنفسى ~~دونهن، فدلته (¬1) على قنوات كان يجرى الماء فيها من دجلة إلى المدينة، ~~فقطع الماء عنهم، وفتحها عنوة، وقتل الضيزن وأباد بنى العبيد، وأصيبت قبائل ~~من حلوان بن الحاف بن قضاعة فانقرضوا. # قال ابن دريد (¬2): تفرعت ms071 قضاعة بين الحاف والحاذى (¬3)، واشتقاق الحاف ~~من الحفا، والحاذى من الاحتذاء. انتهى كلامه. # والحاف: مما حذفت العرب ياءه اجتزاء بالكسرة، كقولهم: العاص (¬4)، فى ~~العاصى PageV01P148 # ابن أمية بن عبد شمس، وفى العاصى بن وائل السهمى، وكقولهم: اليمان، فى ~~أبى حذيفة بن اليمانى، وكقوله تعالى: {دعوة الداع} (¬1). # وقال عمر (¬2) بن ألاه، يذكر من هلك فى تلك الوقعة: # ألم يحزنك والأنباء تنمى ... بما لاقت سراة بنى العبيد (¬3) # ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وفرسان الكتائب من تزيد # أتاهم بالفيول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود # جاء فى هذه الأبيات سناد الحذو، والحذو: حركة ما قبل الردف، فإن كانت ضمة ~~مع كسرة فلا عيب، وإن كانت مع إحداهما فتحة، سمى ذلك سنادا (¬4)، كقول عمرو ~~بن كلثوم (¬5): # تصفقها الرياح إذا جرينا # مع قوله: # ولا تبقى خمور الأندرينا # و: # تربعت الأجارع والمتونا # وكذلك مجىء فتحة العبيد مع كسرة تزيد وضمة الجنود. # رجع الحديث: وهدم سابور المدينة، واحتمل النضيرة بنت الضيزن، فأعرس بها PageV01P149 # فى عين (¬1) التمر، فلم تزل ليلتها تتضور من خشونة فراشها، وهو من حرير ~~محشو بقز، فالتمس ما يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة (¬2) من عكنها قد ~~أثرت فيها، فقال لها سابور: ويحك، بأى شيء كان يغذوك أبوك؟ فقالت: بالزبد ~~والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفوة الخمر، فقال لها: غذاك بهذا ثم لم تصلحى ~~له، فكيف بك أن تصلحى لى وأنا واترك؟ وأمر رجلا فركب فرسا جموحا، وعصب ~~غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطعها، وذكرها بعض شعرائهم فى قوله: # أقفر الحضر من نضيرة فالمر ... باع منها فجانب الثرثار (¬3) # وقد قيل إن صاحب الحضر هو الساطرون بن أسطيرون، وكان ملك السريانيين، ~~وكان من رستاق من رساتيق الموصل، يقال له: باجرمى، وشاهد هذا القول قول أبى ~~دواد الإيادى، واسمه جارية بن الحجاج (¬4): # وأرى الموت قد تدلى من الحض ... ر على رب أهله الساطرون # وقيل: إن ملوك الحيرة من ولده. # وقوله: «لم يهبه ريب المنون» ريب المنون: حادث الدهر، كذا قال المفسرون ~~فى قوله تعالى: {نتربص به ريب المنون} (¬5). # وقد روى «وتذكر رب ms072 الخورنق» بالرفع، و «رب الخورنق» بالنصب، فمن رفع، ~~فتذكر فى روايته: ماض سكنت راؤه للإدغام، ومن نصب أراد: تذكر أيها PageV01P150 # المعير بالدهر رب الخورنق، فسكون الراء فى هذا القول بناء، على مذهب ~~البصريين، وجزم على مذهب الكوفيين، و «رب الخورنق» مفعول، وهو فى القول ~~الأول فاعل. # ومن روى: «وتفكر رب الخورنق» فليس فيه إلا الرفع، لأن «تفكر» غير متعد، ~~فهو مسند إلى رب الخورنق، وسكون رائه للإدغام، كسكونها فى {أمر ربي بالقسط} ~~(¬1) فى الإدغام الكبير لأبى عمرو. # ومن روى «تذكر» روى «وللهدى تذكير»، وكان القياس: وللهدى تذكر وتفكر، لأن ~~مصدر تفعلت: التفعل، فأما التفعيل فمصدر فعلت، كقوله: كلمته تكليما، وسلمت ~~تسليما، ولكن المصدرين إذا تقارب/لفظاهما مع تقارب معنييهما جاز وقوع كل ~~واحد منهما موضع صاحبه، كقوله تعالى: {وتبتل إليه تبتيلا} (¬2). # ورب الخورنق: النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو ابن ~~عدى بن نصر بن ربيعة اللخمى. # ويروى: «والبحر معرضا، ومعرض» ويروى: «والنخل». # والخورنق والسدير: بناءان، وهما معربان، وكان النعمان هذا من أشد الملوك ~~نكاية، وأبعدهم مغارا، غزا أهل الشام مرارا، وأكثر المصائب فى أهله، وسبى ~~وغنم، وكان قد أعطى الملك والكثرة والغلبة، مع فتاء السن. # قال أبو عثمان بن بحر الجاحظ: عاش النعمان بن امرئ القيس ثمانين سنة، ~~وبنى الخورنق فى عشرين سنة، وكان لما عزم على بنائه بعث إلى بلاد الروم ~~فأتى PageV01P151 # برجل مشهور بعمل المصانع (¬1) والحصون والقصور للملوك، يقال (¬2) له ~~سنمار، وكان يبنى سنين ويغيب سنين، يريد بذلك أن يطمئن البناء، فلما فرغ ~~منه تعجب النعمان من حسنه، وإتقان عمله، فقال له سنمار عند ذلك تقربا إليه ~~بالحذق وحسن المعرفة: أبيت اللعن، والله إنى لأعرف فيه موضع حجر لو زال ~~لزال جميع البنيان، فقال له: أوكذلك؟ قال: نعم، قال: لا جرم والله لأدعنه ~~لا يعلم بمكانه أحد، ثم أمر به فرمى من أعلاه فتقطع، فذكرته العرب فى ~~أشعارها، فمن ذلك قول سليط بن سعد: # جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى ms073 سنمار (¬3) # قوله: جزى بنوه أبا الغيلان: أعاد الهاء إلى المفعول وهى متصلة بالفاعل، ~~وكلاهما فى رتبته، كقولك: ضرب غلامه زيدا، ولم يجز ذلك أحد من النحويين لأن ~~رتبة الضمير التأخير عن مظهره، فإذا تقدم المضمر على مظهره لفظا/ومعنى، لم ~~يجز أن ينوى به غير رتبته، واستعماله فى الشعر من أقبح الضرورات (¬4)، فأما ~~قول الآخر (¬5): PageV01P152 # جزى ربه عنى عدى بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل # فقد تأولوه على إعادة الهاء إلى المصدر الذى دل عليه «جزى» فقدروه: جزى ~~رب الجزاء، وهو عندى كالبيت الذى قبله. # وقوله: «كما يجزى سنمار» أراد كما جزى سنمار، فوضع المستقبل موضع الماضى، ~~وخلاف ذلك قول أبى النجم (¬1): # ثم جزاه الله عنا إذ جزى ... جنات عدن فى العلالى العلى # وضع «إذ جزى» موضع «إذا يجزى» وقد قدمت (¬2) شرح هذا، وقال عبد العزى بن ~~امرئ القيس [الكلبى (¬3)]: # جزانى جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب # سوى رصه البنيان عشرين حجة ... يعلى عليه بالقراميد والسكب # وظن سنمار به كل حبرة ... وفاز لديه بالمودة والقرب # فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب # سنمار: اسم (¬4) عربى، ذكره سيبويه (¬5) فى الأبنية، يقال: رجل سنمار: ~~إذا كان حسن الوجه أبيضه، ويقال للقمر: سنمار. PageV01P153 # وقوله: «سوى رصه البنيان»، رص البنيان: ضم بعضه إلى بعض، وفى التنزيل: ~~{كأنهم بنيان مرصوص} (¬1). # والقراميد: جمع القرمد، وهو الآجر، والياء فيه كالياء فى الصياريف، ~~وحذفها مما لا يخل بالوزن، ولكنه كان ممن لا يقبل طباعه الزحاف، ويقال: ~~/قرمدة وآجرة، مشددة الراء، وآجرة، خفيفتها، وآجورة. # والسكب: الصاروج (¬2)، والحبرة: الفرح. وقول عدى (¬3): # فارعوى قلبه فقال فما غب ... طة حى إلى الممات يصير # ارعوى: رجع وكف، والغبطة: السرور والفرح، والغبطة أيضا: حسن الحال، وذلك ~~أن النعمان بن امرئ القيس ضربت له فازة (¬4) بأعلى الخورنق فى عام [قد ~~(¬5)] بكر وسميه وتتابع وليه (¬6)، وأخذت الأرض فيه زينتها، من اختلاف ~~ألوان نبتها، فهى فى أحسن منظر ومختبر، من نور ربيع مونق، فى صعيد كأنه قطع ~~الكافور، ms074 فلو أن نطفة ألقيت فيه لم تترب، فنظر النعمان فأبعد النظر فرأى ~~البر والبحر، وصيد الظباء والحمر، وصيد الطير والحيتان، والنجف إذ ذاك بحر ~~تتلاطم أمواجه، وتتواثب حيتانه، وسمع غناء الملاحين وتطريب الحادين، ورأى ~~الفرسان تتلاعب بالرماح فى الميادين، ورأى أنواع الزهر من النخيل والشجر فى ~~البساتين، وسمع أصوات الطير على اختلافها وائتلافها، فأعجب بذلك إعجابا ~~شديدا، وقال PageV01P154 # لجلسائه: هل رأيتم مثل هذا المنظر والمسمع؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة ~~الحجة، والمضى على أدب الحق ومنهاجه، فقال له: أيها الملك، قد سألت عن أمر ~~أفتأذن فى الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت هذا الذى أنت فيه، أشيء لم تزل ~~فيه، أم شيء صار إليك ممن كان قبلك وهو زائل عنك، وصائر إلى من بعدك؟ فقال: ~~بل هو شيء صار إلى ممن كان قبلى، وسيزول عنى إلى من يكون بعدى، قال: فأراك ~~إنما أعجبت بشىء تكون فيه قليلا، وتغيب عنه طويلا، وتكون [غدا (¬1)] بحسابه ~~مرتهنا، فقال: ويحك! فكيف المخلص؟ قال: إما أن تقيم فى ملكك، وتعمل فيه ~~بطاعة الله على ما ساءك وسرك، وإما أن تضع تاجك وتخلع (¬2) لباسك، وتلبس ~~أمساحا، وتعبد الله فى جبل/حتى يأتيك أجلك، قال: # فإذا كان السحر فاقرع على الباب، فإنى مختار أحد الرأيين، فإن اخترت ما ~~أنا فيه كنت وزيرا لا تعصى، وإن اخترت السياحة فى الفلوات والقفار والجبال ~~كنت رفيقا لا تخالف، فقرع عليه بابه عند السحر فإذا هو قد وضع تاجه ولباسه، ~~وتهيأ للسياحة، فلزما جبلا يعبدان الله فيه حتى أتتهما آجالهما. # وقوله: «ثم بعد الفلاح والملك والإمة» الفلاح: البقاء، والإمة: النعمة. # وقوله: «ثم أضحوا كأنهم ورق جف» روى بعض الرواة: جف، أى يابس. # وقوله: «فألوت به الصبا» أى ذهبت به. # وقوله: «فلا وان ضعيف ولا أكب عثور» الوانى: الفاتر، ومنه قوله تعالى: # {ولا تنيا في ذكري} (¬3). والأكب: من الانكباب، والعثور هاهنا: المخطئ فى ~~رأيه. PageV01P155 # وقوله: «وفيها العوصاء والميسور» العوصاء: العسر، والميسور: اليسر. # وقوله: «وأنا الناصر الحقيقة» الحقيقة: ما يحق على الرجل أن ms075 يحميه، وقيل: # الحقيقة: الراية. # وقوله: «إن أظلم يوم» أى إن ستر الغبار عين الشمس فأظلم النهار، ويجوز أن ~~يريد: أن الشدة تغطى على القلوب فلا يهتدى للرأى فيه. # وقوله: # يوم لا ينفع الرواغ ولا يق ... دم إلا المشيع النحرير # الرواغ: الفرار، والمشيع: الشجاع، كأنه الذى يشيعه قلبه، والنحرير: # الحاذق بالشىء، العالم به. آخر المجلس. # ... PageV01P156 ### || AUTO المجلس السادس عشر # وهو مجلس يوم السبت، سادس رجب، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # قال رؤبة بن العجاج، يصف حمر الوحش (¬1): # سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق # سمى حوافرهن مساحى؛ لأنها تسحو [الأرض (¬2)] أى تقشرها، وأسكن الياء من ~~«مساحيهن» فى موضع النصب لإقامة الوزن. # /قال أبو العباس محمد بن يزيد: وهو (¬3) من أحسن الضرورات، لأنهم ألحقوا ~~حالة بحالتين، يعنى أنهم جعلوا المنصوب كالمجرور والمرفوع، مع أن السكون ~~أخف من أخف الحركات، ولذلك اعتزموا على إسكان الياء فى ذوات الياء من ~~المركبات، نحو معديكرب، وقالى قلا. # والحقق: جمع حقة (¬4)، وتقطيطها: تقطيعها وإصلاحها. PageV01P157 # ونصب التقطيط على المصدر (¬1)، لأن التقطيط تسوية، فالتقدير: سوى مساحيهن ~~تسوية مثل تقطيط الحقق، وحذف المصدر وصفته، كقولك: ضربته ضرب الأمير اللص، ~~تريد ضربا مثل ضرب الأمير اللص. # والتفليل: التثليم والتكسير، وارتفاعه بإسناد «سوى» إليه، والطرق: # ما تطارق من الصفا بعضه فوق بعض، الواحدة: طرقة. # ومثل «سوى مساحيهن» فى إسكان يائه قوله: # كأن أيديهن بالقاع الفرق ... أيدى جوار يتعاطين الورق (¬2) # القرق: الأملس، والورق: الدراهم، وفى التنزيل: {فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه} (¬3)، ويتعاطين: يناول بعضهن بعضا. # ومن المسكن المنون قول الفرزدق (¬4): # يقلب رأسا لم يكن رأس سيد ... وعينا له حولاء باد عيوبها # فهذا على قولك: رأيت امرأة ضاحكا إخوتها، فهو بمنزلة يضحك إخوتها. # فإن قلت: فهلا كان عيوبها مبتدأ، وباد خبره؟ # قلت (¬5): لو كان كذلك لوجب تأنيث «باد» لأنك تقول: عيوبك بادية، PageV01P158 # ولا تقول: عيوبك باد، وإنما جاز فى الشعر: # فإن الحوادث أودى بها (¬1) # حملا للحوادث على الحدثان، كما حمل الآخر الحدثان على الحوادث فأنثه فى قوله: # /وحمال المئين إذا ألمت ... بنا ms076 الحدثان والأنف النصور (¬2) ### ||| AUTO بيت فى وصف امرأة # : # لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى ... تزججها من حالك واكتحالها (¬3) # رجل يقظ (¬4) وجمعه أيقاظ، ومثله فى الزنة: نجد وأنجاد، والنجد: الشجاع، ~~والأخفية: واحدها خفاء، وهو كساء يغطى به وطب اللبن، وسمى العيون على سبيل ~~الاستعارة أخفية، لأنها كالأغطية للرقاد، كما أن الأخفية أغطية للوطاب. # والجر فى «أخفية الكرى» على حد جر الوجوه فى قولك: الحسان الوجوه، فكأنه ~~قال: الأيقاظ العيون، ويجوز [فيها (¬5)] النصب، كما جاز الحسن الوجه، ~~تشبيها بقولك: الضارب الرجل، فاعلم. PageV01P159 # وتزججها: فى معنى تزجيجها حاجبيها بالخضاب، والحالك: الشديد السواد، ~~واشتقاق التزجيج من الزج (¬1)، أراد أنها تجعل حاجبيها بالخضاب كالزج فى ~~التحديد. # ... جرير بن الخطفى (¬2): # وكائن بالأباطح من صديق ... يرانى لو أصبت هو المصابا # قالوا فى معنى «كم» الخبرية: كأين وكائن، مثل كاعن، لغتان كثر ~~استعمالهما، إلا أن الخفيفة أكثر فى الشعر، والثقيلة أكثر فى القراءة، ولم ~~يقرأ من السبعة بالخفيفة إلا ابن كثير (¬3) وحده، ووافقه من غير السبعة ~~يزيد بن القعقاع المدنى، وأصل الثقيلة: أى، دخلت عليها كاف التشبيه، فعملت ~~فيها الجر، وأزيلتا عن معنييهما، فجعلتا كلمة واحدة مضمنة معنى «كم» التى ~~للتكثير، ووصل التنوين بها فى الوقف، وجعلت له صورة فى الخط، وصار كأنه حرف ~~من الأصل، فلذلك وقف القراء عليها بالنون، اتباعا لخط المصحف، إلا أبا ~~عمرو، فإنه أسقطها؛ لأنها فى الأصل تنوين، ووافقه من غير السبعة يعقوب بن ~~إسحاق الحضرمى. # وأما الخفيفة فأصلها: كأين، فقدموا الياء على الهمزة، وحركوا كل واحدة ~~منهما/بحركة الأخرى، كما يفعلون فيما يقدمون بعض حروفه على بعض، كقولهم فى ~~جمع بئر: آبار، والأصل: أبآر [فصارت (¬4)] كيئن مثل كيعن، فخففوها كما ~~خففوا نحو ميت فصار كيئن مثل كيعن، فأبدلوا الياء وهى ساكنة ألفا فصارت ~~كائن، كما PageV01P160 # قالوا فى النسب إلى طيىء: طائى وطيىء، فيعل، وكان قياسه طيئى، مثل طيعى، ~~كقولك فى النسب إلى سيد: سيدى، فقلبوا الياء ألفا بوجود أحد شرطيها، وهو ~~انفتاح ما قبلها، وإذا كانوا قد قلبوا [الياء (¬1)] الساكنة ألفا مع انكسار ~~ما ms077 قبلها، فقالوا فى النسب إلى الحيرة: حارى، فقلبها مع وجود الفتحة قبلها أسهل. # وقال بعض البصريين، وهو أيضا مأثور عن الخليل: أصل كائن: كأين، وذلك أنهم ~~قدموا الياء الأولى وهى الساكنة المدغمة على الهمزة، فانفتحت الياء بانفتاح ~~الهمزة، وسكنت الهمزة بسكون الياء، فصار: كيأين، مثل كيعين، فلما تحركت ~~الياء وقبلها فتحة الكاف انقلبت ألفا، والهمزة بعدها ساكنة، فحركت الهمزة ~~بالكسر لالتقاء الساكنين، فصادفت كسرتها كسرة الياء بعدها، فاستثقلوا أن ~~يقولوا: كائين، كما استثقلوا أن يقولوا: مررت بقاضى، فأسكنوا الياء فصادف ~~سكونها سكون النون بعدها، فوجب حذفها لالتقاء الساكنين، كما وجب حذف الياء ~~من قاض لسكونها وسكون التنوين، فحذفوها فاتصلت الهمزة بالنون، فصار كائن ~~مثل قاض. # فأما قوله: «يرانى لو أصبت هو المصابا» فمعنى يرانى: يعلمنى، والمراد ~~بالمصاب المصيبة، كقولهم: جبر الله مصابك-أى مصيبتك-وهو فى الأصل مصدر ~~بمعنى الإصابة، ومن ذلك قول الشاعر (¬2): # أظليم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم # أراد إن إصابتكم رجلا. # وقوله: «هو» فصل، وهو الذى يسميه الكوفيون/عمادا، وهذا الضرب PageV01P161 # من الإضمار (¬1) لا بد أن يكون وفق ما قبله فى الغيبة والخطاب [والتكلم ~~(¬2)] لأن فيه نوعا من التوكيد، تقول: علمت زيدا هو المنطلق، وعلمتك أنت ~~المنطلق، وعلمتنى أنا المنطلق. # ويتوجه على هذا سؤالان، أحدهما: كيف وقع ضمير الغيبة بعد ضمير المتكلم، ~~وحق الفصل أن يكون وفقا لما قبله، فيقال: يرانى أنا المصاب. # كما جاء فى التنزيل: {إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا} (¬3). # والسؤال الآخر: أن المفعول الثانى فى باب العلم والظن يلزم أن يكون هو ~~المفعول الأول، فكيف جاز أن يكون المراد بالمصاب المصيبة، والمفعول الأول ~~هو الياء من يرانى؟. # والجواب عن السؤالين أن فى قوله: «يرانى» تقدير مضاف يعود ضمير الغيبة ~~إليه، أى يرى مصابى هو المصاب [والمعنى: يرى مصابى هو المصاب (¬4)] العظيم، ~~ولو أنه قال: يراه (¬5) لو أصبت هو المصابا، فأعاد الهاء من «يراه» إلى ~~الصديق، والمعنى يرى نفسه، كما جاء فى التنزيل: {إن الإنسان ليطغى* أن رآه ~~استغنى} (¬6) PageV01P162 # لسقط ما ذكرته من الاعتراض، ms078 ولم يحتج إلى تقدير مضاف [ولكان المصاب اسم ~~المفعول من قولك: أصيب زيد فهو مصاب (¬1)] ولكن المروى: يرانى. # ... لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، يصف حمارا وأتانا وحشيين (¬2): # يعلو بها حدب الإكام مسحج ... قد رابه عصيانها ووحامها # بأحزة الثلبوت يربأ فوقها ... قفرا مراقب (¬3) خوفها آرامها # الحدب من الأرض: ما ارتفع، قال الله سبحانه: {وهم من كل حدب ينسلون} (¬4) ~~أى يسرعون مع تقارب الخطو، كمشى الذئب إذا أسرع، يقال: مر ينسل ويعسل، ~~والمصدر النسلان والعسلان، والإكام: جمع أكمة، وهى مرتفع من الأرض ملبس ~~حجارة سوداء، وجمعوها على فعال، كرقبة ورقاب، وجمعوها أيضا على الأكم ~~والأكم، قال الشاعر (¬5): # سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذى الأكم # /بشدتنا: أى بحملتنا. والقف: ما ارتفع من الأرض فى صلابة، وسفحه: # وجهه، قال أبو دواد (¬6): # يختطى الأكم والخبار بقدر ... من يد رسلة ورجل زبون # الخبار: الأرض اللينة، ويد رسلة: لينة المفاصل، والزبون: من الزبن، وهو ~~الدفع. PageV01P163 # وقالوا أيضا: آكام، فيجوز أن يكون جمع أكم، كجبل وأجبال، ويجوز أن يكون ~~جمع أكم، كبرد وأبراد، وقالوا أيضا: آكم، فهذا جمع أكم، على سبيل الشذوذ، ~~كقولهم فى جبل: أجبل، قال: # إنى لأكنى عن أجبال بأجبلها ... وذكر أودية عن ذكر واديها (¬1) # ومسحج: مكدم، كدمته الحمر، ويقال: رابنى الأمر: إذا أدخل [عليك (¬2)] شكا وخوفا. # والوحام والوحم: أن تشتهى المرأة شيئا على حبلها، وقد وحمناها: أى ~~أطعمناها شهوتها، ووحام الأتان: أن تشتهى المرعى، ومسحج رفع بيعلو، أى يعلو ~~بالأتان حدب الأكام حمار مسحج. # فإن قيل: فهل يجوز إسناد «يعلو» إلى ضمير الحمار، ونصب «مسحج» على الحال؟ # قيل: ليس ذلك بممتنع، ولكن العرب كثيرا ما تدع هذا وتسند الفعل إلى صفة ~~النكرة المحذوفة، كقوله: # خود إذا قامت إلى خدرها ... قامت قطوف الخطو مكساله (¬3) # أى قامت امرأة قطوف الخطو، فأما قول الله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه ~~مبارك} (¬4) فليس من هذا الفن، ولا يحسن نصب «مبارك» على الحال من الهاء فى ~~«أنزلناه» لأن رفعه يوجب أن يكون مباركا قبل إنزاله، ms079 وفى وقت إنزاله، وبعد ~~إنزاله، ونصبه يوجب أن يكون مباركا فى وقت إنزاله خاصة. PageV01P164 # وقوله: «بأحزة الثلبوت» الأحزة: جمع حزيز، وهو الغليظ من الأرض، المستدق ~~المنقاد، والثلبوت: /ماء لبنى ذبيان، وقيل: هو واد فى أرض بنى عامر. # وقوله: «يربأ فوقها» أى يكون كالربيئة، وهو طليعة القوم وحافظهم الذى ~~ينظر لهم على مكان مرتفع، ويسمى الديدبان. # وقوله: «قفرا مراقب خوفها» المراقب: المواضع المشرفة، والقفر: الخالى، ~~والتقدير: يربأ فوقها على مراقب قفر، فحذف «على» فعاقبها النصب، وقدم الصفة ~~فانتصبت على الحال، ويروى: قفر المراقب (¬1)، بالنصب على ما قلناه من تقدير الجار. # وقوله: «خوفها آرامها» الآرام: الأعلام، واحدها أرم وإرم، والتقدير: ~~مواضع خوفها، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه، أى مواضع خوف هذه ~~المراقب أعلامها، وذلك لما يكمن خلف الأعلام من صائد (¬2) وغيره. آخر ~~المجلس. # ... PageV01P165 ### || AUTO المجلس السابع عشر # وهو مجلس يوم السبت، ثالث عشر رجب، من سنة أربع وعشرين وخمس مائة، ومن ~~القصيدة التى منها هذه الأبيات قوله (¬1): # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها # وهذا البيت من أبيات الكتاب (¬2)، ذكره شاهدا على الاتساع فى الظروف ~~بإجرائها مجرى الأسماء. # والمضمر فى «غدت» ضمير بقرة وحشية تقدم ذكرها، ويروى «فعدت» من العدو، ~~والفرج: موضع المخافة، ومثله الثغر والثغرة، والعورة، و «مولى المخافة» ~~[معناه ولى المخافة (¬3)] أى مكان يلى المخافة، وموضع «كلا» رفع بالابتداء، ~~والجملة من تحسب وفاعله ومفعوله خبر المبتدأ، وعائد الجملة الهاء التى فى ~~اسم «أن» وعاد إلى «كلا» ضمير مفرد، لأنه اسم مفرد، وإن أفاد معنى التثنية، ~~وموضع المبتدأ مع الجملة التى هى خبره نصب بأنها خبر «غدت» لأن منهم من ~~يجعل «غدا» فى الإعمال بمنزلة أصبح وأضحى، ومن جعلها تامة كان موضع الجملة ~~بعدها نصبا /على الحال، ومن رواها بالعين غير المعجمة، فالجملة حال لا غير. PageV01P166 # وخلفها رفع على البدل من «كلا»، والتقدير: فغدت وخلفها وأمامها تحسب أنه ~~يلى المخافة، وإن رفعته بتقدير: هو خلفها وأمامها فجائز. # وبعض النحويين (¬1) أبدله من «مولى المخافة» وذلك فاسد من طريق ms080 المعنى؛ ~~لأن البدل يقدر إيقاعه فى مكان المبدل منه، وإن منع من ذلك موجب اللفظ فى ~~بعض الأماكن، فلو قلت: كلا الفرجين تحسب أنه خلفها وأمامها، لم تحصل بذلك ~~فائدة، لأن الفرجين هما خلفها وأمامها، فليس فى إيقاع الحسبان على ذلك فائدة. # ... وقال العباس بن مرداس السلمى، يخاطب كليب بن عييمة السلمى: # أكليب مالك كل يوم ظالما ... والظلم أنكد غبه ملعون (¬2) # أتريد قومك ما أراد بوائل ... يوم القليب سميك المطعون # وأظن أنك سوف ينفذ مثلها ... فى صفحتيك سنانى المسنون # قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وأخال أنك سيد مغيون # عييمة: منقول من محقر العيمة، وهى شهوة اللبن، أو محقر العيمة، بكسر ~~العين، وهى خيار المال، ومنه قولهم: اعتام الرجل: أى أخذ العيمة، قال طرفة (¬3): # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # وقوله: «ما لك» ما استفهامية، وموضعها رفع بالابتداء، «ولك» الخبر، ~~والخبر PageV01P167 # هو العامل فى الظرف والحال، وإن شئت نصبت الظرف بالحال، ومثله فى ~~التنزيل: # {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين} (¬1) إن شئت نصبت «قبلك» بالخبر، وإن شئت ~~أعملت فيه «مهطعين» وكان حق المعنى أن لا يعمل فى الحال، لأن الحال عبارة ~~عن ذى الحال، ولكن عمل فيها المعنى لشبهها (¬2) بالظرف، من حيث/ كان قولك: ~~جاءنى زيد راكبا، معناه: جاء فى حال الركوب، ولذلك عطف عليها الظرف فى قوله ~~تعالى: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين* وبالليل} (¬3) وليس الشبه الذى بينهما ~~بمستحكم، لأنك لا تقدر أن تقول: جاء زيد فى راكب، كما تقول: # جاء فى يوم السبت، وجلس فى مكانه (¬4)، وإنما أدخلوا حرف الظرف على لفظ ~~متأول، ولما لم يستحكم الشبه (¬5) بين الظرف والحال امتنعوا من تقديم الحال ~~على العامل المعنوى، وإن لم يمتنعوا من تقديم الظرف على المعنى العامل فيه، ~~كقولهم: «كل (¬6) يوم لك ثوب» فإن جاءت الحال بلفظ الظرف جاز تقديمها على ~~المعنى، كقوله تعالى: {هنالك الولاية لله الحق} (¬7) هنالك ظرف فى موضع ~~الحال، والعامل فيه قوله: «لله» وذو الحال المضمر المستكن فى «لله». # وقوله: «والظلم أنكد غبه ملعون» النكد: ms081 العسر وخروج الشىء إلى طالبه ~~بشدة، وغبه: عاقبته، واللعن: الطرد والإبعاد، يقال للرجل المطرود: لعين. PageV01P168 # وقوله: «أتريد قومك ما أراد بوائل» أراد: بقومك، فحذف الباء، فظهر النصب ~~المعاقب لها، ومثله النصب فى قول الآخر: # ومن قبل آمنا وقد كان قومنا ... يصلون للأوثان قبل محمدا (¬1) # نصب «محمدا» بآمنا، والأصل: بمحمد. # وأراد بوائل بكرا وتغلب ابنى وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن ~~جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. # وقوله: «سميك المطعون» أراد كليب بن ربيعة [بن مرة (¬2)] بن الحارث بن ~~زهير ابن جشم بن حبيب (¬3) بن تغلب بن وائل، طعنه جساس بن مرة بن ذهل بن ~~شيبان ابن ثعلبة، فقتله (¬4)، وسأذكر قصته بعد شرح هذه الأبيات بمشيئة الله. # وقوله: «ينفذ مثلها» أى مثل الطعنة التى طعنها جساس بن مرة كليب بن/ ~~ربيعة، وحسن إضمار الطعنة ولم يجر لها ذكر، لأن ذكر المطعون دل عليها، كما ~~دل السفيه على السفه فى قول القائل (¬5): # إذا نهى السفيه جرى إليه # أراد إلى السفه، وقد شرحت هذا فيما قدمته من الأمالى، وذكرت أنه لا بد من PageV01P169 # دليل على ما يعود [الضمير (¬1)] عليه إذا لم يجر له ذكر، كقوله تعالى: ~~{وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل} -ثم قال: - ~~{وتراهم يعرضون عليها} (¬2) فأضمر النار أو جهنم، لأن ذكر العذاب دل عليها. # وقوله: «وأخال أنك سيد مغيون» أخال بفتح أوله، وهو الأصل، وإخال بالكسر ~~فيه لغة الذين (¬3) كسروا حرف المضارعة، مما جاء على مثال تفعل نحو تعجب ~~وتعلم وتركب، لتدل كسرته على كسرة العين من عجب وعلم وركب، ونحو ذلك، ~~يقولون: أنا أعجب وأنت تعلم ونحن نركب، واستثقلوا الكسرة على الياء ~~فألزموها الفتح. # ومغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه، أى غطى عليه، وفى الحديث: # «إنه ليغان على قلبى (¬4)» ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد ~~روى «معيون» بالعين غير المعجمة، أى مصاب بالعين، ومغيون هو الوجه، وكلاهما ~~مما جاء فيه التصحيح، وإن كان الاعتلال ms082 (¬5) فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، ~~وبر مكيول، وثوب مخيوط، والقياس: معين، ومزيت، ومكيل، ومخيط، حملا على غين ~~وزيت وكيل وخيط، قال أبو على: «ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر، ~~ألا تراهم قد قالوا: الغوور، فهو مثل مفعول (¬6) من الواو، لو صح» انتهى ~~كلامه. PageV01P170 # وقد صححوا أحرفا من ذوات الواو، وقالوا: مسك مدووف، وثوب مصوون، وفرس مقوود. # والغوور: مصدر غارت عينه تغور غوورا، وإنما صح اسم المفعول من هذا ~~التركيب، فخالف بذلك اسم الفاعل، لأن اسم (¬1) المفعول غير جار على فعله، ~~فى حركاته وسكونه، كما تجرى أسماء الفاعلين/على أفعالها، فلما خالف اسم ~~المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه فى إعلاله. # وهذا ما وعدتك به من حديث كليب بن ربيعة، وذلك أن العرب كانت تضرب به ~~المثل فى العز، فيقولون: «أعز (¬2) من كليب وائل»، وكان سيد ربيعة بن نزار ~~فى دهره، وهو الذى كان ينزلهم فى منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل، ولا ~~ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزه وبغيه أنه اتخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلا ~~مكلئا قذف بذلك الجرو فيه فيعوى، فلا يقرب أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، أو أن ~~يؤذن بحرب، وكذلك كان يفعل فى الماء (¬3)، وفى أرض الصيد، كان إذا ورد ~~الماء قذف بالجرو عند الحوض، فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان ~~يحمى الصيد، فيقول: صيد أرض كذا فى جوارى، فلا يهاج ذلك الصيد، وكان لا ~~يخوض معه أحد فى حديث، ولا يمر أحد بين يديه [وهو جالس (¬4)] ولا يحتبى فى ~~مجلسه غيره، فصار فى العز والبغى مثلا، وكان سبب قتله أن البسوس، وهى امرأة ~~من غنى، وضربت العرب بها المثل فى الشؤم، فقالوا: «أشأم (¬5) من البسوس» ~~كانت فى جوار جساس بن مرة، فمرت إبل لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة ~~للبسوس PageV01P171 # فوردت معها، فرآها كليب فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة؟ فقال الرعاء: # للبسوس جارة جساس، فرماها بسهم فانتظم ضرعها، فأقبلت الناقة تعج وضرعها ~~يسيل دما ولبنا، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها ms083 ثم صاحت: وا ذلاه، وا ~~جاراه، فأحمشت (¬1) جساسا، أى أغضبته، فركب فرسه وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن ~~الحارث بن ذهل بن شيبان، على فرسه ومعه رمح، فركضا نحو الحمى والخباء، ~~فلقيا رجلا فسألاه: من رمى الناقة؟ فقال: من حلأكما عن برد الماء، وسامكما ~~الخسف فأقررتما به، فزادهما ذلك حمية وغضبا. # /يقال: حلأه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلانا الخسف: إذا أولاه ~~الدنية، وقيل: أراد ذلك منه. # رجع الحديث: فأقبلا حتى وقفا على كليب، فقال له جساس: يا أبا الماجد، أما ~~علمت أنها ناقة جارتى؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك، فمه؟ أتراك مانعى ~~أن أذب عن حماى! فأحفظه ذلك-يقال: أحفظته إذا أغضبته-فحمل عليه فطعنه، ~~وطعنه عمرو فقتلاه. وذلك قول مهلهل بن ربيعة أخى كليب: # وكليب قتيل عمرو وجسا ... س قد أودى فماله من تلاق (¬2) # وقال كليب لجساس، وهو يجود بنفسه: اسقنى ماء، فقال له جساس: # «هيهات! تجاوزت الأحص وشبيثا (¬3)»، فذهب قوله مثلا، والأحص وشبيث: # ماءان (¬4)، وفى ذلك هاجت حرب بكر وتغلب ابنى وائل أربعين عاما. PageV01P172 # وقالت الشعراء فى بغي كليب، وضربوه مثلا، فمن ذلك قول عمرو بن الأهتم ~~السعدي: # فإن كليبا كان يظلم رهطه ... فأدركه مثل الذى تريان (¬1) # فلما حساه السم رمح ابن عمه ... تذكر غب الظلم أى أوان # وقول رجل من بنى عبس (¬2): # أتيت مأتى كليب فى عشيرته ... لو كان فى الحى خرق (¬3) مثل جساس # وقول معبد بن سعنة الضبى: # أظن ضرار أننى سأطيعه ... وأنى سأعطيه الذى كنت أمنع # إذا اغرورقت عيناه واحمر وجهه ... وقد كاد غيظا جلده يتمزع # كفعل كليب ظن بالجهل أنه ... يحوز أكلاء المياه ويمنع (¬4) # يتمزع: يتقطع، والمزعة: القطعة من اللحم، وقد تكسر (¬5) ميمها. # وسعنة: منقول من قولهم: ما له (¬6) سعنة ولا معنة: أى ما له شيء كثير ولا ~~قليل، وممن قال فى ذلك النابغة الجعدى، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس PageV01P173 # ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة [قال لعقال بن ~~خويلد، أحد بنى كعب بن ربيعة ms084 بن عامر بن صعصعة (¬1)]: # كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهم # فقال لجساس أغثنى بشربة ... من الماء فامننها على وأنعم # الناب: الناقة المسنة، وشبه الطعنة بحاشية البرد، لحمرة الدم، والمسهم: # المخطط الذى عليه أمثال السهام. # وقال بعض النسابين المتقدمين (¬2)، كل اسم فى العرب من تركيب (ع د س) فهو ~~عدس، مفتوح الدال، إلا عدس بن زيد بن تميم، فإنه مضموم الدال. انتهى كلامه. # وأقول: إن من فتح الدال منه عدله عن عادس، فلم يصرفه، فإن شئت اشتققت ~~عادسا من العدس، وهو شدة الوطء، يقال: عدسه يعدسه: إذا وطئه بشدة، وإن شئت ~~أخذته من قولهم: عدس فى الأرض: إذا ذهب فيها، وأنشدنى الشريف أبو المعمر ~~يحيى بن محمد، شيخنا رضى الله عنه، قال: أنشدنا أبو القاسم ابن برهان، ~~لحاجب بن زرارة التميمى: # شربت الخمر حتى خلت أنى ... أبو قابوس أو عبد المدان (¬3) # أمشى فى بنى عدس بن زيد ... رخى البال معتقل اللسان PageV01P174 # فضم الشريف الدال وكسر السين، وكان ابن برهان له فى علم النسب قدم راسخة، ~~وذكر أبو بكر بن دريد فى كتاب الاشتقاق (¬1) أنه عدس بن زيد، مفتوح الدال. # وأبو قابوس: أراد به النعمان بن المنذر، وعبد المدان من بنى الحارث بن ~~كعب، كان من أكابر ساداتهم، وقال شريك بن الأعور الحارثى، وقد حركه ~~معاوية/بكلام أغضبه، وكان من ولد عبد المدان: # أيشتمنى معاوية بن حرب ... وسيفى صارم ومعى لسانى (¬2) # وحولى من ذوى يمن ليوث ... ضراغمة تهش إلى الطعان # فلا تبسط لسانك يا ابن حرب ... فإنك قد بلغت مدى الأمانى # فإن تك من أمية فى ذراها ... فإنى فى ذرى عبد المدان # وإن تك للشقاء لنا أميرا ... فإنا لا نقيم على الهوان # فترضاه معاوية. # وقابوس غير مصروف، لأنه أعجمي، وأصله كاووس (¬3). # ... PageV01P175 ### || AUTO المجلس الثامن عشر # وهو مجلس يوم السبت، العشرين من رجب، من سنة أربع وعشرين وخمس مائة. ~~وأبيات (¬1) الجعدى من قصيدة أولها: # أيا دار سلمى بالحزون ألا اسلمى ... نحييك ms085 عن شحط (¬2) وإن لم تكلمى # عفت بعد حى من سليم وعامر ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم (¬3) # ومسكنها بين الفرات إلى اللوى ... إلى شعب ترعى بهن فعيهم # أقامت به البردين ثم تذكرت ... منازلها بين الجواء فجرثم # ليالى تصطاد الرجال بفاحم ... وأبيض كالإغريض لم يتثلم # خاطب الدار بقوله: أيا دار سلمى، وبقوله: اسلمى وما بعده، ثم انصرف عن ~~خطابها إلى إضمار الغيبة فى قوله: عفت، والعرب كثيرا ما تنصرف عن الغيبة ~~إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، وهذا الفن من التصرف متسع فى القرآن ~~وفى الشعر، قال أبو كبير الهذلى (¬4): PageV01P176 # يا لهف نفسى كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر # فخاطب بعد الغيبة، ونقيض ذلك فى قول كثير: # /أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت (¬1) # أراد: لا أنت ملومة ولا مقلية، أى مبغضة إن تبغضت و [مثله (¬2)] فى ~~التنزيل: {ما ودعك ربك وما قلى} (¬3) ونظيره فى التنزيل: {حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم} (¬4) ومثله: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون} (¬5) وقال جل ثناؤه: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} ~~(¬6) ثم قال: {يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين} (¬7) ثم قال: {وأنتم فيها خالدون}. # والخروج من الغيبة إلى الخطاب جاء فى قوله تعالى: {الحمد لله رب ~~العالمين} (¬8) وتعقيبه بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} (¬9). PageV01P177 # وقوله: «ومسكنها» ترك إضمار الدار إلى إضمار سلمى، وقوله: «إلى شعب» ~~الشعب (¬1): جمع شعبة، وهو مسيل من ارتفاع إلى بطن الوادى، أصغر من التلعة. # وقوله: «أقامت به البردين» أضمر المسكن بعد إضمار الشعب، وأراد بالبردين ~~طرفى الشتاء، والبردان أيضا: الغداة والعشى. # وقوله: «وأبيض كالإغريض» شبه ثغرها بالإغريض، وهو الطلع. وسليم وعامر ~~اللذان ذكرهما: سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن (¬2) عيلان، ~~وعامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن ~~قيس عيلان. # وقوله: ودقوا بينهم عطر منشم: أراد امرأة من خزاعة يقال لها: منشم (¬3) ~~بنت الوجيه، كانت ms086 تبيع العطر فى الجاهلية، فلما وقعت الحرب بين جرهم وخزاعة ~~كانت إذا حضر القتال تجيء بالطيب مدقوقا فى الأوعية فتطيب به فتيان خزاعة، ~~فكان من مس من ذلك الطيب شيئا لم يرجع من يومه حتى يبلى، فإما أن يحمل ~~جريحا، أو يقتل، فضربت العرب المثل بعطرها فى الشؤم، قال زهير للحارث بن ~~عوف، وهرم بن سنان المريين: # تداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم (¬4) PageV01P178 # هذا قول نصر بن شاهد الخزاعى، وزعم إسحاق بن زكريا اليربوعى أن منشم ~~امرأة من بنى غدانة، وهى صاحبة يسار الكواعب. # ومن حديثها (¬1) أن يسار الكواعب كان عبدا أسود دميما قبيحا، وقيل له: # يسار الكواعب، لأن النساء [الكواعب (¬2)] كن إذا رأينه ضحكن من قبحه، ~~وكان يظن أنهن إنما يضحكن من عجبهن به، حتى نظرت إليه امرأة مولاه، وهى ~~منشم، فضحكت فظن أنها خضعت إليه، فقال لصاحب له أسود، كان يكون معه فى ~~الإبل: قد والله عشقتنى مولاتى، فلأزورنها الليلة، ولم يكن يفارق الإبل، ~~فقال له صاحبه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكل لحم الحوار، وإياك وبنات ~~الأحرار، فقال له: يا صاحب، أنا يسار الكواعب، والله ما رأتنى حرة قط إلا ~~عشقتنى، فلما أمسى قال لصاحبه: احفظ على الإبل حتى أنصرف إليك، فنهاه صاحبه ~~فلم ينته، حتى دخل على امرأة مولاه، يريدها عن نفسها، فقالت له: مكانك فإن ~~للحرائر طيبا فأشمك إياه، فقال لها: فهاتيه، فأتته بطيب وبموسى خذمة (¬3)، ~~أى قاطعة، فأشمته الطيب، ثم أنحت بالموسى على أنفه فاستوعبته قطعا، فخرج ~~هاربا حتى أتى صاحبه ودمه يسيل، فقال له: لا يبعد الله غيرك، وضربت به ~~العرب المثل فى الشر، وبطيب منشم، قال الفرزدق لجرير: # فهل أنت إن ماتت أتانك راحل ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب (¬4) PageV01P179 # وإنى لأخشى إن رحلت إليهم ... عليك الذى لاقى يسار الكواعب # رفع قافية وجر أخرى، وهذا يسمى الإقواء، من قولهم: أقوى الحابل: /إذا جاء ~~بقوة من قوى الحبل تخالف سائر قواه (¬1). # وقيل: منشم: امرأة كانت بالبحرين، دقت عطرا لقوم ms087 فتحالفوا عليه وغمسوا ~~أيديهم فيه، ثم وقع بينهم شر بعد ذلك، فتشاءموا بذلك العطر. # وقيل: منشم: امرأة كان لها خلم، يعنى صديقا، فشم زوجها من رأس خلمها ~~رائحة دهنه وعطره، وقد كان اتهمه بها، فحقق عند ذلك ما وقع فى ظنه، فقتله، ~~فوثب قومه على زوجها فقتلوه، فوقعت بين قوميهما الحرب حتى تفانوا، فضربت ~~العرب بها المثل فى الشؤم. PageV01P180 # ويقال: إن منشم امرأة من جرهم، كانت تبيع العطر، فكانوا إذا أرادوا أن ~~يحتربوا تطيبوا من عطرها عند القتال. # وقال أبو عمرو الشيبانى: هى امرأة من خزاعة، كانت تبيع العطر، فإذا ~~حاربوا اشتروا منها كافورا لقتلاهم، فتشاءموا بها، وكانت تسكن مكة. ### ||| AUTO بيت للمتنبى # : # حشاى على جمر ذكى من الهوى ... وعيناى فى روض من الحسن ترتع (¬1) # الحشا: ما بين الضلع التى فى آخر الجنب إلى الورك، والجمع أحشاء، وذكت ~~النار تذكو: اتقدت وارتفع لهبها. والروضة: موضع يتسع ويجتمع فيه الماء ~~فيكثر نبته، ولا يقال لموضع الشجر: روضة. والرتوع فى الأصل للماشية: وهو ~~ذهابها ومجيئها فى الرعى، وكثر ذلك حتى استعمل للآدميين، وفى التنزيل: ~~«نرتع ونلعب» (¬2) ومن قرأ «نرتع» بكسر العين، فهو نفتعل (¬3) من الرعى، ~~وأصل رتع: أكل ما شاء، ومنه قول سويد بن أبى كاهل: # ويحيينى إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمى رتع (¬4) # وإنما قال: عيناى، فثنى ثم قال: ترتع، فأخبر عن الاثنتين بفعل (¬5) ~~واحدة، لأن /العضوين المشتركين فى فعل واحد، مع اتفاقهما فى التسمية، يجرى ~~عليهما PageV01P181 # ما يجرى على أحدهما (¬1)، ألا ترى أن كل واحدة من العينين لا تكاد تنفرد ~~بالرؤية دون الأخرى، فاشتراكهما فى النظر كاشتراك الأذنين فى السمع، ~~والقدمين فى السعى، ويجوز أن يعبر عنهما بواحدة، يقال: رأيته بعينى، وسمعته ~~بأذنى، وما سعت فى ذاك قدمى، كما قال: # خدلج الساقين خفاق القدم (¬2) # فإن قلت: بعينى وبأذنى وقدمى، فثنيت فهو حق الكلام، والأول أخف وأكثر ~~استعمالا. # ولك فى هذا الباب (¬3) أربعة أوجه من الاستعمال، أحدها: أن تستعمل ~~الحقيقة فى الخبر والمخبر عنه، وذلك قولك: عيناى رأتاه، وأذناى سمعتاه، ~~وقدماى ms088 سعتا فيه، والثانى: أن تعبر عن العضوين بواحد، وتفرد الخبر حملا على ~~اللفظ، تقول: عينى رأته، وأذنى سمعته، وقدمى سعت فيه، وإنما استعملوا ~~الإفراد فى هذا تخفيفا، وللعلم بما يريدون، فاللفظ على الإفراد، والمعنى ~~على التثنية. # فلو قيل على هذا: «وعينى فى روض من الحسن ترتع» كان جيدا. # والثالث: أن تثنى العضو، وتفرد الخبر، لأن حكم العينين أو الأذنين أو ~~القدمين حكم واحدة، لاشتراكهما فى الفعل، فتقول: أذناى سمعته، وعيناى رأته، ~~وقدماى سعت فيه، كما قال: وعيناى فى روض من الحسن ترتع، ومنه قول سلمى ابن ~~ربيعة السيدى: PageV01P182 # فكأن فى العينين حب قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلت (¬1) # ومثله قول امرئ القيس (¬2): # لمن زحلوفة زل ... بها العينان تنهل # وللفرزدق (¬3): # /ولو بخلت يداى بها وضنت ... لكان على للقدر الخيار # والرابع: أن تعبر عن العضوين بواحد، وتثنى الخبر، حملا على المعنى، ~~كقولك: أذني سمعتاه، وعينى رأتاه، وهذا قليل، ومنه قول امرئ القيس (¬4): # وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيهما من أخر # وقول الآخر: # إذا ذكرت عينى الزمان الذى مضى ... بصحراء فلج ظلتا تكفان (¬5) # فأما ما أنشده ابن السكيت (¬6) من قول الراجز: # والساق منى باردات (¬7) ... الرير PageV01P183 # فكان الوجه أن يقول: باردة، حملا على لفظ الساق، أو باردتان؛ لأن المراد ~~بالساق الساقان، ولكنه جمع فى موضع التثنية لقرب الجمع من التثنية، ويشبه ~~ذلك قولك (¬1): ضربت رءوسهما، ويمكن أن تكون الألف فى باردات إشباعا كقول ~~القائل (¬2): # وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح # أراد: بمنتزح، فأشبع الفتحة فنشأت عنها الألف. # ويقال: مخ رار ورير، للرقيق منه. # وقوله: «من الهوى» مفسر للجمر، وكذلك قوله: «من الحسن» مفسر للروض، فمن ~~متعلقة بمحذوف، وصف للمفسر. # وقال: «حشاى» والمراد ما جاور الحشا، وهو القلب، والعرب تعبر عن الشىء ~~بمجاوره، فالمعنى: قلبى على جمر من الهوى شديد التوقد لفراقهم، وعينى ترتع ~~(¬3) من وجه الحبيب فى روض من الحسن، واستعار الرتوع للعين، لتصويب النظر ~~وتصعيده فى محاسن المنظور إليه، واستعار لحسنه روضا، تشبيها لعينيه ~~بالنرجس، ولخديه بالشقيق، ولثغره بالأقحوان، ومعنى ms089 البيت ناظر إلى قول أبى ~~تمام (¬4): PageV01P184 # /أفى الحق أن يمسى بقلبى مأتم ... من الشوق والبلوى وعيناى فى عرس # وأنشدت للرضى (¬1): # فالقلب فى مأتم والعين فى عرس # واستعمال المأتم لجماعة النساء فى المناحة خاصة مما لم ترده العرب، ولكنه ~~عندهم لجماعة، فى المناحة وغيرها، قال أبو حية (¬2): # رمته أناة (¬3) ... من ربيعة عامر # نؤوم الضحى فى مأتم أى مأتم # وقول امرئ القيس فيما ذكرته شاهدا: # وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيهما من أخر # وصف به عين فرس، ومعنى حدرة: مكتنزة ضخمة، وبدرة: تبدر النظر (¬4)، وشقت ~~مآقيهما من أخر: أى اتسعت من آخرها. # والبيت من ثالث البحر المسمى المتقارب، عروضه (¬5) سالمة وضربه محذوف، ~~ووزنه PageV01P185 # فعل، وقد استعمل فيه الخرم الذى يسمى الثلم (¬1)، فى أول النصف الثانى، ~~وقل ما يوجد الخرم إلا فى أول البيت (¬2). # وقوله: لمن زحلوفة: الزحلوفة: الزلاقة التى يترجح فيها الصبيان فيزلقون، ~~ويروى «زحلوقة» بالقاف. آخر المجلس. # ... PageV01P186 ### || AUTO المجلس التاسع عشر # وهو مجلس يوم السبت، سابع وعشرين (¬1) رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # قال أعشى تغلب، واسمه ربيعة بن نجوان، وقال أبو جعفر محمد بن حبيب: هو ~~نعمان بن نجوان (¬2)، وكان نصرانيا من بنى معاوية بن جشم بن بكر بن حبيب بن ~~عمرو بن غنم بن تغلب: # كأن بنى مروان بعد وليدهم ... جلاميد ما تندى وإن بلها القطر (¬3) # وكانوا أناسا ينفحون فأصبحوا ... وأكثر ما يعطونك النظر الشزر # /أننسى (¬4) ... إذا ما لم تنبكم كريهة # وندعى إذا ما هزهز الأسل الحمر # ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعل ... وقد خاب من كانت سريرته الغدر # وكائن دفعنا عنكم من عظيمة ... ولكن أبيتم لا وفاء ولا شكر # ونحن قتلنا مصعبا قد علمتم ... بمسكن يوم الحرب أنيابها خضر PageV01P187 # فما رب ذاك الفضل كاسر عينه ... هشام ولا عبد العزيز ولا بشر # فإن تكفروا ما قد علمتم فربما ... أتيح لكم قسرا بأسيافنا النصر # قوله: «بعد وليدهم» أراد الوليد بن عبد الملك، لا الوليد بن يزيد بن عبد الملك. # وقوله: «وكانوا أناسا ينفحون» وزن أناس: فعال، وناس منقوص منه، عند أكثر ms090 ~~النحويين، فوزنه عال، والنقص والإتمام فيه متساويان فى كثرة الاستعمال ما ~~دام منكورا، فإذا دخلت عليه الألف واللام التزموا فيه الحذف، فقالوا: ~~الناس، ولا يكادون يقولون: الأناس إلا فى الشعر، كقوله (¬1): # إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا # وحجة هذا المذهب وقوع الإنس على الناس، فاشتقاقه من الأنس: نقيض الوحشة، ~~لأن بعضهم يأنس ببعض. # وذهب الكسائى إلى أن الناس لغة مفردة، وهو اسم تام، وألفه منقلبة عن واو، ~~واستدل بقول العرب فى تحقيره: نويس، قال: ولو كان منقوصا من أناس، لرده ~~التحقير إلى أصله فقيل: أنيس. # وقال بعض من وافق الكسائى فى هذا القول: إنه مأخوذ من النوس، مصدر ناس ~~ينوس: إذا تحرك، ومنه قيل لملك من ملوك حمير (¬2): ذو نواس، لضفيرتين PageV01P188 # كانتا تنوسان على عاتقه، قال الفراء (¬1): والمذهب الأول أشبه، وهو مذهب ~~المشيخة. # وقال أبو على: أصل الناس: الأناس، فحذفت الهمزة التى هى فاء، ويدلك ~~على/ذلك الإنس والأناسى، فأما قولهم فى تحقيره: نويس، فإن الألف لما صارت ~~ثانية وهى زائدة، أشبهت ألف فاعل، يعنى أنها أشبهت بكونها ثانية وهى زائدة، ~~ألف ضارب، فقيل: نويس، كما قيل: ضويرب. # وقال سلمة بن عاصم، وكان من أصحاب الفراء: الأشبه فى القياس أن يكون كل ~~واحد منهما أصلا بنفسه، فأناس من الأنس، وناس من النوس، لقولهم (¬2) فى ~~تحقيره: نويس، كبويب فى تحقير باب. # ومعنى ينفحون: يعطون المال، يقال: نفحه بالمال: إذا أعطاه، ولفلان نفحات ~~من المعروف: أى عطايا. # والنظر الشزر: نظر الغضبان بمؤخر عينه. # وقوله: «أننسى» يحتمل أن يكون من النسيان، الذى هو نقيض الذكر، بضم ~~الذال، من قولهم: اجعله منك على ذكر: أى لا تنسه، ويحتمل أن يكون من ~~النسيان الذى هو الترك، من قوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} (¬3) أى تركوا ~~الله فتركهم. # وقوله: «ما لم تنبكم كريهة» يقال: نابه أمر: أى نزل به، والكريهة: الشدة ~~فى الحرب. PageV01P189 # وقوله: «هزهز الأسل» الأسل: القنا، والهزهزة: الهز. # وقوله: «ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعل» شمعل: ترخيم شمعلة، وهو منقول من ~~قولهم: ناقة شمعلة: أى سريعة، ms091 ومنه اشمعل فى أمره: إذا جد فيه ومضى، قال ~~الشماخ (¬1): # رب ابن عم لسليمى مشمعل # وهو شمعلة بن فائد بن هلال التغلبي، وكان عظيم القدر فى البادية، ذا جمال ~~وفضل، وكان نصرانيا، فطالبه هشام بن عبد الملك بأن يسلم، لما رأى من فضله ~~وجماله، فأبى، فقال له هشام: لئن لم تفعل لأطعمنك لحمك، وقال: حزوا من فخذه ~~حزة خفيفة ولا تزيدوا على ذلك، ففعلوا، فقال: لو قطعت لما أسلمت على هذا ~~الوجه، فلما خلى عنه قال أعداؤه: أطعمه هشام لحمه، فقال (¬2): # أمن حزة فى الفخذ منى تباشرت ... عداتى فلا نقص على ولا وتر # وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر # ورخم «شمعلة» فى غير النداء ضرورة، وأعربه، لأنه رخمه على لغة من قال: # يا حار، ولو رخمه على اللغة الأخرى أقر فتحة اللام، واتفق النحاة على ~~جواز الترخيم فى غير النداء، على لغة الذين قالوا: يا حار، بالضم، لأن ~~أصحاب هذه اللغة يجعلون الاسم بمنزلة ما لم يحذف منه شيء، فهم لا يريدون ~~المحذوف، واختلفوا فى PageV01P190 # الترخيم على اللغة الأخرى، فأجازه سيبويه، وأنشد فيه أبياتا، منها قول ~~زهير (¬1): # خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرحم (¬2) بالغيب تذكر # أراد عكرمة، فحذف التاء، وبقيت فتحة الميم دالة عليها. # ومنها قول ابن حبناء (¬3): # إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا # أراد حارثة، وقول حسان بن ثابت (¬4): # أتانى عن أمى نثا حديث ... وما هو فى المغيب بذى حفاظ # وقول جرير (¬5): PageV01P191 # ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أماما # حذف تاء التأنيث من أمامة، وهى مرفوعة بأضحت، وبقى فتحة الميم، وجاء ~~بعدها بألف الإطلاق، ومثل هذا فيما أنشده قول ابن أحمر (¬1): # أبو حنش يؤرقنا وطلق ... وعمار وآونة أثالا # أراد أثالة، وأنشد قبله (¬2) ليعلم أن القوافى منصوبة: # /أرى ذا شيبة حمال ثقل ... وأبيض مثل صدر الرمح نالا (¬3) # يقال: رجل نال: إذا كثر (¬4) نائله، كقولهم: رجل مال: إذا كان كثير ~~المال، والأصل نول ومول، بوزن وتد، لأن مثال ms092 فعل من أمثلة المبالغة فى ~~الوصف، ومنه فى التنزيل: {بل هم قوم خصمون} (¬5) ومثل نال ومال: كبش صاف: ~~كثير الصوف، ويوم راح: شديد الريح، ومن الياء: يوم طان: كثير الطين. # ومثل ترخيم شمعلة ترخيم حنظلة فى قول القائل (¬6): PageV01P192 # ألا ما لهذا الدهر من متعلل ... عن الناس مهما شاء بالناس يفعل # وهذا ردائى عنده يستعيره ... ليسلبنى عزى أمال بن حنظل # فأما ترخيم حنظلة فى قول الراجز (¬1): # وقد وسطت مالكا وحنظلا ... صيابها والعدد المجلجلا # فتحتمل الفتحة أن تكون فتحة البناء التى فى حنظلة، على لغة من قال: يا ~~حار بالكسر، وتحتمل أن تكون نصبا على اللغة الأخرى بالعطف على مالك، والألف ~~فى القول الأول للإطلاق، وفى القول الثانى بدل من التنوين. # ومثله قول الآخر (¬2): # أرق لأرحام أراها قريبة ... لحار بن كعب لالجرم وراسب # تحتمل الكسرة أن تكون التى للبناء فى حارث، على لغة الذين أبقوا ما قبل ~~المحذوف على ما كان عليه، ويحتمل أن يكون جرا على اللغة الأخرى، وأراد ~~لحار، فحذف التنوين، كما تحذفه فى قولك: لزيد بن بكر. # وأبى أبو العباس محمد بن يزيد أن يكون ترخيم الضرورة، إلا على لغة من قال: # يا حار، بالضم، وخرج بعض الأبيات التى أنشدها سيبويه على ما يسوغ فى ~~مذهبه الذى عول عليه، وروى بعض تلك الأبيات على غير رواية صاحب الكتاب، ~~فروى عجز بيت جرير: # /وما عهد كعهدك يا أماما (¬3) # . PageV01P193 # وقال فى قول زهير: «يا آل عكرم» إنه ترخيم عكرمة، على لغة من قال: يا حار ~~بالضم، وكان حقه أن يقول: يا آل عكرم، بالجر، ولكنه جعل عكرم قبيلة، فلم ~~يصرف لاجتماع التعريف والتأنيث. # قال السيرافى: وعكرمة هذا: عكرمة بن خصفة بن قيس (¬1) عيلان بن مضر، وهو ~~أبو القبائل. # وقال أبو العباس فى قول ابن حبناء: «إن ابن حارث» كما قال فى «يا آل ~~عكرم» وقال فى قول ابن أحمر: # أبو حنش يؤرقنا وطلق ... وعمار وآونة أثالا # إن أثالا ترخيم أثالة، على لغة من قال: يا حار، بالضم، وانتصابه بالعطف ~~على الضمير ms093 المنصوب فى «يؤرقنا». # وهؤلاء المسمون فى البيت من عشيرة ابن أحمر، كانوا هلكوا قتلا أو موتا، ~~فرثاهم، فقوله «أثالا» على مذهب سيبويه ممن كان قتل أو مات يومئذ، لأنه ~~معطوف على الأسماء المرفوعة، وفتحة اللام هى فتحتها التى فى أثالة، وهو ~~(¬2) فى قول أبى العباس ممن كان يومئذ حيا، لأن التأريق واقع عليه، وفتحة ~~اللام على مذهبه إعراب. # قال السيرافى (¬3): والذى عندى أنه وقع وهم فى أن الرجل أثالة، وإنما هو ~~أثال، ولا نعلم فى أسماء العرب ولا فى أسماء المواضع أثالة، وقد عرف من ~~كلامهم فى PageV01P194 # أسماء الناس وغيرهم أثال، ووافق سيبويه فى أنه داخل فى جملة الهالكين ~~يومئذ، وجعل انتصابه بإضمار فعل دل عليه «يؤرقنا» فكأنه قال: ونتذكر آونة ~~أثالا، وآونة: جمع أوان. # ومن الاحتجاج لأبى العباس فى هذه المسألة أن من يقول: يا حار، يريد ~~المحذوف، وإذا (¬1) أراد/المحذوف كان منادى مستوجبا إعراب النداء، وإذا ~~استوجب إعراب النداء لم يصح أن يرخم فى غير النداء، لاختلاف الإعراب والحكم ~~فى البابين، باب النداء، وباب الخبر، وهذا لا يلزم سيبويه، لأن الترخيم فى ~~اللغتين أصله فى باب النداء دون غيره، وإن اختلف الحكم فيهما، وإذا ثبت ~~جوازه فى أحد الوجهين، والأصل فيهما واحد جاز فى الوجه الآخر. # ومما يدل على مذهب سيبويه، ولم يكن فيه ما تأوله أبو العباس فى بيت زهير، ~~فزعم أنه أراد يا آل عكرم، بالجر والتنوين، قول الشاعر: # أبا عرو لا تبعد فكل ابن حرة ... سيدعوه داعى موته فيجيب (¬2) # ألا ترى أنه لا يمكن أبا العباس أن يقول: إن «عرو» قبيلة، كما قال ذلك فى ~~عكرمة، ولا يمكنه أن يقول: أراد أبا عرو، بالجر والتنوين، فمنعه من ذلك أن ~~عرو لا ينصرف للتأنيث (¬3) فى التعريف، وكذلك قول حسان: # أتانى عن أمى نثا حديث # شاهد لسيبويه على أبى العباس، لأنه أراد أمية بن أبى الصلت الثقفى (¬4)، ~~ولم يرد PageV01P195 # القبيلة التى هى أمية بن عبد شمس، ويوضح ذلك مع الرواية قوله: # وما هو فى المغيب بذى حفاظ # فقد ms094 ثبت بهذا صحة ما ذهب إليه سيبويه. # وقوله: «نثا حديث»: أى ظاهر حديث، يقال: نثا الحديث ينثره: إذا أظهره، ~~وقال بعض أهل اللغة: النثا: الذكر القبيح، وقال أكثرهم: النثا: الخبر، يكون ~~فى الخير والشر، فأما الثناء فممدود، وهو المدح لا غير. # وقول زهير: «واذكروا أواصرنا» الأواصر: جمع آصرة، وهى القرابة. # وقول الراجز: صيابها والعدد المجلجلا. # الصياب: جمع صيابة، وهى الخيار من كل شيء. والمجلجل: المصوت، وسحاب ~~مجلجل: ذو رعد. # وقول أعشى تغلب: # وقد خاب من كانت سريرته الغدر # أنث الغدر لما كان السريرة فى المعنى، /لأن الخبر المفرد هو فى المعنى ما ~~أخبرت به عنه، ومثل هذا فى التنزيل فيما وردت به الرواية عن نافع وأبى عمرو ~~وعاصم، فيما رواه عنه أبو بكر بن عياش: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا} ~~(¬1) بنصب الفتنة، وإسناد «تكن» إلى «أن قالوا»، فالتقدير: ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا قولهم، وجاز تأنيث القول لأنه الفتنة فى المعنى، ومثله رفع ~~الإقدام ونصب العادة فى قول لبيد (¬2): PageV01P196 # فمضى (¬1) ... وقدمها وكانت عادة # منه إذا هى عردت إقدامها # وإنما استجاز تأنيث الإقدام لتأنيث خبره، لأن الخبر إذا كان مفردا فهو ~~المخبر عنه فى المعنى، وقد قيل فى الآية وفى بيت لبيد قول آخر، وذلك أنهم ~~حملوا «أن قالوا» على معنى المقالة، وحملوا الإقدام على معنى التقدمة، فجاء ~~التأنيث فى فعليهما، كما جاء تأنيث فعل العذر فى قول حاتم (¬2): # أماوى قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنى فى طلابكم العذر # لأنه ذهب به مذهب المعذرة (¬3)، والقول الأول هو المأخوذ به، والثانى قول ~~الكسائى، وليس فى بيت أعشى تغلب إلا ما ذكرناه أولا، فيجب أن يكون العمل عليه. # وقوله: «وكائن دفعنا عنكم» قد تقدم القول فى أصل كائن (¬4)، ومعناها، ~~وموضعها نصب بدفعنا، لأنه غير مشغول عنها، وقوله: «من عظيمة» تبيين لها، ~~وقوله: «ولكن أبيتم لا وفاء ولا شكر» حذف مفعول «أبيتم» وكذلك حذف خبر ~~المبتدأ الذى هو «وفاء» والتقدير: أبيتم أن تفوا (¬5) لنا وتشكروا، فلا ~~وفاء عندكم ولا شكر-آخر المجلس. # ... PageV01P197 ### || AUTO ms095 المجلس الموفى العشرين # وهو مجلس يوم السبت، رابع شعبان من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # /وقوله: «ونحن قتلنا مصعبا» كانت تغلب ممن أبلى فى محاربة مصعب بن ~~الزبير، مع عبد الملك بن مروان، وتغلب من ربيعة، والذى تولى قتل مصعب ربعى، ~~وهو عبيد (¬1) الله بن زياد بن ظبيان، أحد بنى تيم اللات بن ثعلبة، ويكنى ~~أبا مطر، وكان فاتكا جلفا فظا جبارا، وهو الذى قال له مالك بن مسمع: أكثر ~~الله فى العشيرة مثلك، فقال: سألت ربك شططا (¬2). # ومسكن: من دجيل، ويعرف أيضا بدير الجاثليق، وهو المكان الذى فيه قبر ~~مصعب، ولم يصرف مسكن، لأنه ذهب به مذهب البقعة. # وكان مصعب جمع الشجاعة والجود [والجمال (¬3)] وبذل له عبد الملك الأمان، ~~وجعل له بعد ذلك حكمه، فقال له ابنه عيسى: اقبل ما بذله لك، فقال: # لا والله، لا تتحدث عنى نساء قريش على مغازلها أنى هبت الموت، ولكن اذهب ~~أنت حيث شئت، فقال عيسى: لا والله، لا يتحدث الناس عنى أنى أسلمت PageV01P198 # أبى ضنا (¬1) عليه بنفسى، وقاتل حتى قتل، وتمثل مصعب بقول القائل (¬2): # فإن الألى بالطف (¬3) ... من آل هاشم # تآسوا فسنوا للكرام التآسيا # وقاتل حتى قتل، فقال بعض شعراء الكوفة (¬4): # لقد أورث المصرين حزنا وذلة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم # تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم # فما قاتلت فى الله بكر بن وائل ... ولا صبرت عند اللقاء تميم # وقوله: «يوم الحرب أنيابها خضر» أضاف اليوم إلى جملة الابتداء، وأصل ~~إضافة أسماء الزمان إلى الجمل إضافتها إلى جملة الفعل، للشبه الذى بين ~~الفعل والزمان، وذلك من حيث كان الفعل عبارة عن أحداث متقضية، كما أن ~~الزمان حادث يتقضى، والفعل نتيجة حركات الفاعلين، كما أن الزمان نتيجة ~~حركات الفلك، ولذلك بنوا الفعل على أمثلة مختلفة، ليدل كل مثال على زمان ~~غير الزمان/ الذى يدل عليه المثال الآخر، ولما أضافوا اسم الزمان إلى جملة ~~الفعل لما ذكرنا، أضافوه أيضا إلى جملة الابتداء، لأنها أختها، فمن إضافته ~~إلى جملة الفعل فى التنزيل، قوله تعالى: {يوم ms096 يخرجون من الأجداث} (¬5) و ~~{هذا يوم لا ينطقون} (¬6) PageV01P199 # وأضافه القطامى إلى جملة الابتداء فى قوله (¬1): # الضاربين عميرا عن بيوتهم ... بالتل يوم عمير ظالم عادى # وسمى السيوف والرماح والسهام أنياب الحرب، لأنهم يقولون: عضتهم الحرب، ~~وحرب ضروس. # وقوله: «كاسر عينه هشام» أراد هشام بن عبد الملك، وكان أحول، وعبد العزيز ~~وبشر: ابنا مروان بن الحكم. # وقوله: «أتيح لكم قسرا بأسيافنا النصر» الإتاحة: التقدير، أتاح الله الشىء: # أى قدره، والقسر: القهر، ومنه قيل للأسد: قسورة، لأن الواو فيه زائدة، ~~والنصر: الإعانة، والنصر: الإتيان، نصرت أرض بنى فلان: أتيتها، والنصر: # الإمطار، نصرت الأرض: إذا مطرت. # ومجىء الألف فى قول القائل: «وقد أسلماه مبعد وحميم» لغة الذين قالوا: # «أكلونى (¬2) البراغيث»، تقول على هذه اللغة: قاما أخواك، وخرجوا إخوتك، ~~وانطلقن إماؤك. فالألف والواو والنون علامات للتثنية والجمع، بمنزلة علامة ~~التأنيث فى نحو: خرجت هند، وجاءت المرأة، وإنما لزمت علامة التأنيث الحقيقى ~~فى لغة جميع العرب، ولم تلزم علامة التثنية والجمع، لأن التأنيث معنى لازم، ~~والتثنية والجمع لا يلزمان، ألا ترى أن الاثنين يفترقان، وكذلك الجماعة، ~~فمما جاء على هذه اللغة قول الشاعر (¬3): PageV01P200 # ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه # وقول الآخر: # /يلوموننى فى اشتراء النخي ... ل قومى فكلهم ألوم (¬1) # وقول الفرزدق (¬2): # ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه # [ديافي: منسوب إلى قرية بالشام. والسليط: الشيرق، وهو دهن السمسم (¬3)] ~~وقد استعمل المتنبي هذه اللغة فى مواضع من شعره، منها قوله (¬4): # ورمى وما رمتا يداه فصابنى ... سهم يعذب والسهام تريح # وقوله (¬5): # نفديك من سيل إذا سئل الندى ... هول إذا اختلطا دم ومسيح # المسيح: هاهنا العرق، وسمى مسيحا لأنه يمسح، فهو فعيل بمعنى مفعول. # وقد حمل بعض النحويين موضعين من القرآن على هذه اللغة: أحدهما قوله ~~تعالى: {ثم عموا وصموا كثير منهم} (¬6) والآخر قوله جلت عظمته: {وأسروا} PageV01P201 # {النجوى الذين ظلموا} (¬1) فكثير والذين ظلموا، على هذا القول فاعلان ~~(¬2)، وتحتمل الواو فى «عموا وصموا» أن يكونا ضميرين، و «كثير» بدلا من ~~الواو التى فى «عموا» والواو الأخرى ms097 عائدة على «كثير» فكأنه قيل: عمى كثير ~~منهم وصموا، وإنما اخترت هذا ليتناول العمى والصمم الكثير منهم لفظا ومعنى، ~~ويحتمل (¬3) [كثير] أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وهم كثير منهم، أى ~~أصحاب [هذين الوصفين (¬4)] كثير منهم، وتحتمل واو «وأسروا النجوى» أن تكون ~~ضميرا عائدا على الناس، و «الذين ظلموا» بدلا منها، ويحتمل موضع «الذين ~~ظلموا» أن يكون جرا على البدل من الهاء والميم اللتين فى «قلوبهم» فكأنه ~~قيل: لاهية قلوب الذين ظلموا، ويحتمل أن يكون موضعه رفعا على البدل من ~~الواو التى فى «استمعوه» فكأنه قيل: استمعه الذين ظلموا وهم يلعبون، ويحتمل ~~أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أى هم الذين ظلموا، ويحتمل أن يكون موضعه ~~نصبا/على البدل من الهاء والميم اللتين فى «يأتيهم» فكأنه قيل: ما يأتى ~~الذين ظلموا من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه لاعبين، ويحتمل أن يكون منصوب ~~الموضع على الذم، بتقدير: أعنى الذين ظلموا [أو أذم الذين ظلموا (¬5)] ~~ويحتمل أن يكون موضعه رفعا بالقول المضمر الذى حكيت به الجملة الاستفهامية ~~بعده، كأنه قيل: يقول الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم. # وقال (¬6) السيرافى فى شرح الكتاب فى قولهم: «أكلونى البراغيث» ثلاثة PageV01P202 # أوجه: أحدها ما قاله سيبويه، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة ~~وليست ضميرا، والثانى: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلونى خبرا مقدما، ~~فالتقدير: # البراغيث أكلونى، والثالث: أن تكون الواو ضميرا على شرط التفسير، ~~والبراغيث بدلا منه، كقولك: ضربونى وضربت قومك، فتضمر قبل الذكر على شرط ~~التفسير، قال: وقد كان الوجه على تقديم (¬1) علامة الجماعة أن يقال: أكلتنى ~~البراغيث، لأن ضمير ما لا يعقل من الذكور كضمير الإناث، إلا أنهم جعلوا ~~البراغيث مشبهة بما يعقل حين وصفوها بالأكل، وهى (¬2) مما يوصف بالقرص ~~كالبق وشبهه، فأجروها مجرى العقلاء، ولهذا نظائر، منها قوله تعالى: {إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (¬3) لما وصفها ~~بالسجود الذى لا يكون إلا للعقلاء، أجراها فى الإضمار والجمع مجراهم، وكذلك ~~القول فى قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} (¬4) لما ms098 وجه الخطاب ~~إلى النمل، والخطاب لا يوجه فى الحقيقة إلا إلى العقلاء أجريت فى الإضمار ~~مجرى العقلاء. انتهى كلام أبى سعيد. # وأقول: إن حمل الأكل على السجود والخطاب، فى الاختصاص بالعقلاء، سهو منه، ~~لأن البهائم مشاركة للعقلاء فى الوصف بالأكل، والقول عندى/ أننا لا نحمل ~~قولهم: أكلونى البراغيث، على الأكل الحقيقى، بل نحمله (¬5) على معنى ~~العدوان والظلم والبغى، كقولهم: أكل فلان جاره: أى ظلمه وتعدى عليه، وعلى ~~ذلك قول علفة بن عقيل بن علفة المرى لأبيه: PageV01P203 # أكلت بنيك أكل الضب حتى ... وجدت مرارة الكلإ الوبيل (¬1) # أى ظلمتهم وبغيت عليهم، ومنه قول الممزق العبدى: # فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... وإلا فأدركنى ولما أمزق (¬2) # أى إن كنت مظلوما فتول [أنت (¬3)] ظلمى، فظلمك لى أحب إلى من أن يظلمنى ~~غيرك، فإذا حملنا الأكل فى قولهم: «أكلونى البراغيث» على هذا المعنى، صح ~~إجراء البراغيث مجرى العقلاء، لأن الظلم والبغى والتعدى من أوصاف العقلاء. # وقول علفة بن عقيل: «أكلت بنيك أكل الضب» شبه فيه الأكل المستعار للتعدى ~~بالأكل الحقيقى، فإن شئت قدرت أن المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، ~~أى أكلت بنيك أكلا مثل أكلك الضب، وخص الضب بذلك لأن أكل الضباب يعجب ~~الأعراب، قال راجزهم (¬4): # وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يعدو بالواد # الكشى (¬5): جمع كشية، وهى شحمة مستطيلة فى عنق الضب إلى فخذه، وإن شئت ~~قدرت المصدر مضافا إلى فاعله، والمفعول محذوف، أى أكلت بنيك أكلا PageV01P204 # مثل أكل الضب أولاده (¬1)، ومن أمثالهم (¬2): «أعق من ضب»، لأنه فيما ~~يؤثر يأكل أولاده، وقال بعض أهل اللغة: قولهم: أعق من ضب، أصله: من ضبة، ~~وكثر ذلك فى كلامهم، فأسقطوا الهاء، قال: وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك ~~أنها إذا باضت حرست بيضها من الحية والورل (¬3)، وغير ذلك مما يقدر عليه، ~~فإذا نقبت أولادها وخرجت من البيض ظنتها شيئا يريد بيضها فوثبت عليها ~~فقتلتها وأكلتها، فلا ينجو منها/إلا الشريد. # علفة: منقول من واحد العلف، وهو ثمر الطلح (¬4)، والوبيل فى قوله: # «وجدت مرارة الكلإ الوبيل» الوبيل: ms099 الوخيم، ويقال: وبل ووخم، بحذف الياء ~~منهما، والوبيل أيضا: الضرب الشديد، والوبيل: الحزمة من الحطب، والوبيل: # خشبة القصار التى يدق بها الثوب بعد غسله، والوبيل من الرجال: الذى لا ~~يصلح شيئا يتولاه. # وكان عقيل بن علفة غيورا، فكان يجيع بناته ويعريهن، فقيل له فى ذلك، ~~فقال: أجيعهن فلا يبطرن، وأعريهن فلا يظهرن (¬5)، وكان من غيرته [أنه (¬6)] ~~يسافر معه ببناته، فبينما هو فى بعض أسفاره ومعه بنوه وبناته إذ قال: # قضت وطرا من دير سعد وربما ... على عجل ناطحنه بالجماجم (¬7) # ثم قال لابنه العملس: أجز يا عملس، فقال: # فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم (¬8) PageV01P205 # فقال لابنته الجرباء: أجيزى يا جرباء، فقالت: # كأن الكرى سقاهم صرخدية ... عقارا تمشى فى المطا والقوائم # فقال: والله ما وصفتها بهذا الوصف إلا وقد شربتها، وأقبل عليها بالقطيع ~~يضربها، فحال بنوه بينه وبينها، ورماه أحدهم بسهم فانتظم فخذيه، فقال: # إن بنى ضرجونى بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم (¬1) # ومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم # أخزم: اسم فحل، والشنشنة: الشبه، وقيل: هى السجية والخليقة، وهذا مثل ~~قديم اجتلبه عقيل بن علفة، لأن أخزم (¬2) هذا فى أكثر القولين جد حاتم ~~الطائى، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أخزم بن أبى أخزم. ~~والعملس: من أسماء الذئب، والصرخدية: منسوبة إلى صرخد، قرية (¬3)، والمطا: الظهر. # /والقطيع: السوط. # وأخذ الشريف الرضى قول العملس: # نشاوى من الإدلاج ميل العمائم # فى قوله: # من الركب ما بين النقا والأناعم ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم (¬4) # ... PageV01P206 ### || AUTO المجلس الحادى والعشرون # وهو مجلس [يوم السبت (¬1)] ثالث عشر شعبان، سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # ومن قصيدة لابن أحمر الباهلى، وهو عمرو بن أحمر بن العمرد بن عامر بن عبد ~~شمس بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وكان من شعراء ~~الجاهلية، وأدرك الإسلام: # أبت عيناك إلا أن تلجا ... وتختالا بمائهما اختيالا (¬2) # كأنهما شعيبا مستغيث ... يزجى ظالعا بهما ثفالا # وهى خرزاهما فالماء يجرى ... خلالهما وينسل انسلالا ms100 # على حيين فى عامين شتا ... فقد عنا طلابهما وطالا (¬3) # وأيام المدينة ودعونا ... فلم يدعوا لقائلة مقالا # فأية ليلة تأتيك سهوا ... فتصبح لا ترى منهم خيالا # يؤرقنا أبو حنش وطلق ... وعمار وآونة أثالا # أراهم رفقتى حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا PageV01P207 # إذا أنا كالذى أجرى لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا # أرى ذا شيبة حمال ثقل ... وأبيض مثل صدر السيف نالا # غطارف لا يصد الضيف عنهم ... إذا ما طلق البرم العيالا # بهم فخر المفاخر يوم حفل ... إذا ما عد بأسا أو فعالا # وبيض لم يخالطهن فحش ... نسين وصالنا إلا سؤالا # /وجرد يعله الداعى إليها ... متى ركب الفوارس أو متالا (¬1) # فوارسهن لا كشف خفاف ... ولا ميل إذا العرضى مالا # قوله: # أبت عيناك إلا أن تلجا # دخلت «إلا» هاهنا موجبة للنفى الذى تضمنه هذا الفعل، ألا ترى أنك إذا ~~قلت: أبى زيد أن يقوم، فقد نفيت قيامه، فإذا قلت: أبى إلا أن يقوم، فقد ~~أوجبت بإلا قيامه، لأن المعنى: لم يرد إلا أن يقوم، وفى التنزيل: {ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره} (¬2) أى لا يريد الله إلا إتمام نوره. # وقولهم: أبى يأبى، مما شذ عن القياس، لمجيئه على فعل يفعل، بفتح العين من ~~الماضى والمستقبل، وليست عينه ولا لامه من حروف الحلق، وكان قياسه: يأبى ~~مثل يأتى (¬3). PageV01P208 # وقيل فى علة ذلك قولان: أحدهما أنهم حملوه على منع، لأن الإباء والمنع ~~نظيران، فحملوه على نظيره، كما حملوا يذر (¬1) على يدع، لاتفاقهما فى ~~المعنى، وإن لم يكن فى يذر حرف حلقى. # والقول الآخر: أنهم أجروا الألف مجرى الهمزة، لأنها من مخرجها، فقالوا: # أبى يأبى، كما قالوا: بدأ يبدأ، والقول الأول أصح، لأن ألفات الأفعال لسن ~~بأصول، وإنما هن منقلبات عن ياء أو واو، وألف «يأبى» إنما وجدت بعد وجود ~~الفتحة الملاصقة لها، فلولا الفتحة لم تصر الياء ألفا، والفتحة فى يمنع ~~ويبدأ ويجبه، ونحو ذلك إنما حدثت بعد وجود حرف الحلق. # وقال بعض النحويين: إنما فتحوا عين يأبى على سبيل الغلط، توهموا أن ماضيه ms101 ~~على فعل، وعول أبو القاسم الثمانيني على هذا القول، والصواب ما ذكرته أولا. # وقد حكيت حروف أخر (¬2) متأولة، وهن سلا يسلى، وقلى يقلى، وغسا الليل ~~يغسا، وجبا يجبا، من قولهم: جبا الخراج يجباه، ووجه تأولها أن بعض العرب ~~قالوا/سلى يسلى، مثل رضى يرضى، وقال آخرون: سلا يسلو، مثل خلا يخلو، فركبت ~~(¬3) طائفة ثالثة من اللغتين لغة ثالثة، وأخذوا الماضى من لغة من قال: # سلا، والمستقبل من لغة من قال: يسلى، قال رؤبة (¬4): # لو أشرب السلوان ما سليت ... ما بى غنى عنك وإن غنيت # السلوان: جمع سلوانة، وهى خرزة كانوا يقولون: من شرب عليها سلا، قال آخر: # شربت على سلوانة ماء مزنة ... فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو (¬5) PageV01P209 # وكذلك الأحرف الأخر، قال قوم: قلى يقلى، مثل مشى يمشى، وقال آخرون: قلى ~~يقلى، مثل شقى يشقى، فركبت قبيلة أخرى لغة أخرى، فقالوا: # قلى يقلى، وكذلك قال بعضهم على القياس: غسا (¬1) يغسو، وبعض [غسا (¬2)] ~~يغسى، وقال قليل منهم: غسا يغسى، وحكى عن آخرين: أغسى يغسى # وجاء من الصحيح على طريقة هذه الأحرف حرفان، أحدهما قولهم على القياس: ~~قنط يقنط، مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط، مثل علم يعلم، وقال آخرون: قنط يقنط، ~~مثل منع يمنع، فأخذوا الماضى من لغة من فتح عينه، والمستقبل من لغة من فتح عينه. # والحرف الآخر لحقه الشذوذ من جهتين، وذلك قول بعضهم: ركنت أركن، مثل ركبت ~~أركب، قال الخليل: هى لغة سفلى مضر، وقول آخرين: ركنت أركن، مثل خرجت أخرج، ~~وركبت قبيلتان أخريان من اللغتين لغيتين نادرتين، فقالت إحداهما: ركنت ~~أركن، مثل سألت أسأل، وقالت الأخرى: ركنت أركن، بكسر العين من الماضى وضمها ~~من المستقبل، وهذه أوغل فى الشذوذ، ومثلها ما حكى عن ناس قليل أنهم قالوا: ~~فضل يفضل (¬3). # فأما ما عينه أو لامه حرف من حروف الحلق الستة، فإن العين من مضارع فعل ~~من هذا الضرب تفتح، طلبا للتشاكل، وذلك أن الفتحة من الألف، /والألف تنشأ ~~من الحلق، فحركوا العين بالحركة التى هى أقرب الحركات إلى حروف ms102 الحلق. # والحروف الحلق ثلاثة مخارج، فأقصاها مخرج الهمزة والهاء، وأوسطها مخرج PageV01P210 # العين والحاء، وأدناها إلى الفم مخرج الغين والخاء، فمما وقع الحلقى فيه همزة: # سأل يسأل، ودأب يدأب [وبدأ يبدأ (¬1)] وبسأ به يبسأ، إذا أنس به # ومما الحلقى منه هاء: ذهب يذهب، ونهض ينهض، وجبه يجبه، ونقه المريض ينقه. # ومما الحلقى منه عين: جعل يجعل، ونعت ينعت، وصنع يصنع، ورتع (¬2) يرتع. # ومما الحلقى منه حاء: سحر يسحر، ونحر ينحر، ومدح يمدح، وسنح يسنح. # ومما الحلقى منه غين: شغل يشغل، وفغرفاه يفغر، ونزغ الشيطان ينزغ، ونبغ ~~الرجل ينبغ: إذا قال الشعر فأجاد وليس ذلك فى أصله، ومنه النابغة. # ومما الحلقى منه خاء: فخر يفخر، وشخص يشخص، وسلخ يسلخ، وشمخ بأنفه يشمخ. # وليس هذا بمطرد، بل قد يتبع بعض الأفعال القياس، فيجىء على يفعل أو يفعل، ~~كقولهم: رجع يرجع، وزأر يزئر، ونأم ينئم، والنئيم: صوت فيه ضعف، ومنه دخل ~~يدخل، ونفخ ينفخ، وفرغ يفرغ، وصلح يصلح، وهو كثير، وربما جاء فيه الفتح ~~وغيره، كقولهم: صبغ يصبغ ويصبغ، ومضغ يمضغ ويمضغ، ودبغ يدبغ ويدبغ، ومخض ~~يمخض ويمخض، ونطح ينطح وينطح، ومنح يمنح ويمنح، وهذا كثير أيضا (¬3). # فإن كان (¬4) حرف الحلق فاء لم تفتح له العين، لأن الفاء من يفعل لا تكون ~~إلا PageV01P211 # ساكنة، وإنما تتحرك فى المعتل العين بحركة منقولة إليها، كتحركها فى يقول ويبيع. # رجع التفسير إلى بيت ابن أحمر، وقوله: «وتختالا بمائهما» من قولهم: ~~اختالت السماء وتخيلت وأخالت وخيلت: إذا تهيأت للمطر، وسحابة مخيلة، بضم ~~أولها: /متهيئة للمطر، وما أحسن مخيلتها، مفتوحة الميم: أى دلالتها على ~~الأمطار. # وقوله: «كأنهما شعيبا مستغيث» شبه عينيه بشعيبى رجل استغاث بالماء لشدة ~~عطشه وعطش أهله، وإذا كان كذلك بالغ فى ملء سقائه. والشعيب: المزادة ~~الضخمة، وقال بعضهم: السقاء البالى. # وقوله: يزجى ظالعا بهما ثفالا # أى يسوق بالمزادتين بعيرا غامزا (¬1) بطيئا، وإذا كان بهذين الوصفين كان ~~انصباب الماء أكثر. # وقوله: «وهى خرزاهما» الوهى: الاسترخاء، أى استرخى خرزا هاتين المزادتين، ~~«فالماء يجرى خلالهما» أى خلال الخرزين. # وقوله: ms103 «على حيين» الحى من أحياء العرب: قبيلة متجاورة بيوتها. # وإن علقت «على» بتلجا، لفظا لم يجز، لأنه صلة «أن»، وقد فصل (¬2) بينه ~~وبين «على» كلام أجنبي، وكذلك لا تعلقه بتختالا، لأنه معطوف على «تلجا» فقد ~~دخل بالعطف فى الصلة، ولكن تعلقه بفعل مقدر يدل عليه «تلجا» كأنك قلت: ~~تبكيان على حيين، لأنه أراد بقوله: «أن تلجا» لجاجهما في البكاء. # وقوله: «في عامين» متعلق بشتا، ومعنى «شتا (¬3)» افترقا، ولا يجوز أن ~~تكتب PageV01P212 # «شتا» هاهنا بالياء، كالتى فى قوله تعالى: {وقلوبهم شتى} (¬1) لأن ألف ~~«شتا» فى البيت ضمير، وشتى فى الآية اسم على فعلى، جمع شتيت، كقتيل وقتلى، ~~وإنما ذكرت هذا لأنى وجدته فى نسخة بالياء. # وقوله: # فلم يدعوا لقائلة مقالا # أى لم يدعوا بهلاكهم لنائحة تأبينا، والتأبين: مدح الميت، أى قد أنفد ~~الحزن عليهم أقوال النوائح. # وقوله: # فأية ليلة تأتيك سهوا # أى تأتيك ذات سكون ولين، أى ليست تمر بك ليلة لا شر فيها يسهرك إلا رأيت ~~منهم خيالا # وقوله: «يؤرقنا أبو حنش» قد تقدم (¬2) الكلام فى هذا البيت. # وقوله: «أراهم رفقتى» [أى أراهم رفقتى (¬3)] فى المنام، «حتى إذا ما ~~تجافى الليل»: أى ارتفع، من قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} (¬4) ~~أى تنبو عنها وترتفع. # وقوله: «انخزل»: أى انقطع، وجواب إذا/من قوله: # إذا أنا كالذى أجرى لورد PageV01P213 # أوقع إذا المكانية جوابا للزمانية، لأن الزمانية من أدوات الشرط، ~~والمكانية تكفى من الفاء فى الجواب، كقوله تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون} (¬1) أى فهم (¬2) يقنطون، والمعنى: أراهم فى المنام ~~كأنهم رفقة لى، فإذا استيقظت عند زوال الليل، كنت كالذى أجرى دابته ليرد ~~سرابا ظنه ماء فلم يدرك (¬3) ما يبل يده. # وقوله: «أرى ذا شيبة» أى أرى منهم فى منامى أشيب حمالا للثقل، وأبيض كصدر ~~السيف فى المضاء والحسن، نالا: أى ذا نوال كثير (¬4). # وقوله: «غطارف» القياس: غطاريف أو غطارفة، على تعويض تاء التأنيث من ~~الياء، لأن الواحد غطريف أو غطراف، وإذا وقع حرف اللين رابعا لم يحذف فى ~~التكسير ms104 والتحقير، لأنهم قد استجازوا أن يعوضوا من الحرف المحذوف ياء قبل ~~الطرف، كقولك فى تكسير جردحل (¬5) وتحقيره: جراديح وجريديح، فإذا ظفروا ~~بحرف اللين واقعا هذا الموقع تمسكوا [به (¬6)] إلا إذا اضطر شاعر، ونقيض ~~هذا زيادة الياء فيما لم يدخله حذف، كزيادتها فى الصياريف من قوله (¬7): PageV01P214 # تنفى يداها الحصا فى كل هاجرة ... نفى الدراهيم تنقاد الصياريف # والغطريف: السيد السخى، وقال بعض أهل اللغة: الغطريف: من الغطرفة، وهى ~~التكبر، ومثلها الغطرسة. # وقوله: «لا يصد الضيف عنهم إذا ما طلق البرم العيالا» أى لا يتجاوزهم ~~الضيوف فى وقت تطليق البرم عياله، وذلك فى زمان البرد والجدب، والبرم: الذى ~~لا يدخل مع القوم فى الميسر، ولا يتحمل غرما لإصلاح حال. آخر المجلس. # ... PageV01P215 ### || AUTO المجلس الثانى والعشرون # وهو مجلس يوم الثلاثاء، الثالث والعشرين من جمادى الأولى، سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة. # يتضمن تفسير ما بقى من أبيات ابن أحمر، وتفسير قول الله تعالى: {واصبر ~~نفسك مع الذين يدعون ربهم} (¬1). # قوله: # بهم فخر المفاخر يوم حفل # أى يوم اجتماع، يقال: حفل القوم واحتفلوا، والمحفل: مكان اجتماعهم. # وقوله: # إذا ما عد بأسا أو فعالا # البأس: الشدة فى الحرب، والفعال بفتح الفاء: كل فعل حسن، من حلم أو سخاء ~~أو إصلاح بين الناس، أو نحو ذلك، فإن كسرت فاءه صلح لما حسن من الحال وما ~~لم يحسن. # وقوله: «وبيض» اختلف النحويون فى هذه الواو، فذهبت طائفة من المحققين، PageV01P216 # منهم أبو على وعثمان بن جنى، إلى أنها عاطفة جملة على جملة، ورب هى ~~الجارة مضمرة بعدها، وجاز إعمال الجار مضمرا، لأن اللفظ بالواو سد مسده، ~~وقال من (¬1) خالفهم: بل الواو هى الجارة، لأنها صارت عوضا من رب، فعملت ~~عملها، بحكم نيابتها عنها، كما عملت همزة الاستفهام وحرف التنبيه الجر فى ~~القسم، بحكم النيابة عن واوه نحو: آلله لتنطلقن؟ ولاها الله ذا، وقالوا: لو ~~كانت عاطفة لم تقع فى أول الكلام، لوقوعها فى نحو: # وبلد عامية أعماؤه (¬2) # عامية: مستعار من عمى العين، وأعماؤه: أقطاره. # وقال من زعمها عاطفة: إنهم إذا استعملوها ms105 فى أول الكلام عطفوا بها على ~~كلام مقدر [فى نفوسهم (¬3)] واحتجوا بأن العرب قد أضمرت رب بعد الفاء فى ~~جواب الشرط، كقول ربيعة بن مقروم الضبى. # فإن أهلك فذى حنق لظاه ... يكاد علي يلتهب التهابا (¬4) # وقال تأبط شرا (¬5): # فإما تعرضن أميم عنى ... وينزعك الوشاة أولو النياط (¬6) PageV01P217 # فحور قد لهوت بهن عين ... نواعم فى البرود وفى الرياط # فالفاء جواب الشرط كما ترى، فلا بد أن يكون التقدير: فرب ذى حنق، / وفرب ~~حور، لأن الفاء لم توجد جارة فى شيء من كلامهم. # قال أبو على: «وقد (¬1) انجر الاسم بعد «بل» فى قوله (¬2): # بل بلد ملء الفجاج قتمه # فلو كان الجر بالواو دون رب المضمرة، لكان الجر فى قوله: «بل بلد» ببل، ~~قال: وهذا لا نعلم أحدا به اعتداد يقوله». # وقوله: # وجرد يعله الداعى إليها # يقال: علهت إلى الشىء: إذا نازعتك نفسك إليه. # وقوله: # متى ركب الفوارس أو متالا # تقديره: أو متى (¬3) لا ركبوا، ولا ركبوا بمعنى لم يركبوا، كما جاء فى ~~التنزيل: {فلا صدق ولا صلى} (¬4) أى فلم يصدق ولم يصل، ومثله: # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأى عبد لك لا ألما (¬5) PageV01P218 # أى لم يلم بالذنوب، ومثله للأعشى (¬1): # أى نار الحرب لا أوقدها # ومنه قول المتنبى (¬2): # يطأن من الأبطال من لا حملنه # و «متى» هاهنا شرط، وجوابه محذوف للدلالة عليه، فالتقدير: متى ركب ~~الفوارس أو متى لم يركبوا عله الداعى إليها، وأراد بالداعى الذى يدعوها ~~لشدة تنزل به. # وينبغى أن تكتب «متالا» الثانية بالألف، لأن ألفها ردف، وإذا صورتها ياء ~~كان ذلك داعيا إلى جواز إمالتها، وإمالتها تقربها من الياء، وإذا كانت ~~الألف ردفا انفردت بالقصيدة أو المقطوعة. # وقوله: «فوارسهن لا كشف خفاف ولا ميل» الكشف: جمع الأكشف، وهو الذى لا ~~ترس معه، والميل: جمع الأميل، وهو الذى لا يحسن الركوب. وقال ابن السكيت ~~(¬3): العرضى: الذى فيه عجارف، فليس برقيق، قال: ويقال للناقة التى ليست ~~بذلول: فيها عرضية. PageV01P219 # والنياط فى البيت الذى أوردته آنفا لتأبط: # فإما تعرضن أميم عنى ... وتنزعك الوشاة أولو ms106 النياط # [النياط (¬1)]: جمع نوطة، وهى الحقد، والنياط أيضا: معلق القلب (¬2)، قال ~~أبو الحسين بن فارس/فى المجمل (¬3): «ونياط المفازة مشتق منه، كأنها قد ~~نيطت بغيرها، ولذلك قيل للأرنب: مقطعة النياط»، والصواب عندى أنهم قالوا ~~[لها (¬4)] مقطعة النياط، لأنها تقطع نياط قلب الكلب بالعدو (¬5) فى طلبها، ~~كما قالوا لها: مقطعة الأسحار، يريدون جمع سحر، وهى الرئة. # وروى بعضهم «أولو النباط»، وفسره بأنه الكذب، فكأنه من استنباط الحديث، ~~وهو استخراجه، وأصله استنباط الماء، ويقال لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية ~~العين أو معرفة القلب: قد استنبط، وأنبطت الماء أيضا: # استخرجته، ويقال للماء الذى يخرج من البئر أول ما تحفر: نبط، بفتح أوله ~~وثانيه، ومنه سمى النبط من الناس، لاستخراجهم ماء العيون. ### ||| AUTO تفسير قول الله عز وجل # {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا} (¬6) الصبر فى قولك: صبرت على كذا وصبرت عنه، PageV01P220 # معناه: حبست نفسى عليه وحبستها عنه، فلذلك تعدى اصبر فى قوله: {واصبر ~~نفسك} بغير وساطة (¬1) الجار، لأن المعنى: احبس نفسك، وقولهم: «قتل فلان ~~صبرا» معناه حبسا، وهو مصدر وقع موقع الحال، يريدون مصبورا، قال عنترة (¬2): # فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع # أى حبست نفسا عارفة للشدائد. # وقرأ ابن عامر (¬3): {بالغداة} وبها قرأ أبو عبد الرحمن السلمى، وأوجه ~~القراءتين: # {بالغداة} لأن غدوة معرفة: علم للحين (¬4)، ومثلها بكرة، تقول: جئتك أمس ~~غدوة، ولقيته اليوم بكرة. # /قال الفراء (¬5): سمعت أبا الجراح يقول فى غداة يوم بارد: ما رأيت كغدوة ~~قط، يريد غداة يومه، وقال الفراء: ألا ترى أن العرب لا تضيفها، وكذلك لا ~~تدخلها الألف واللام، إنما يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غدوة ~~الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. انتهى كلامه. # وأقول: إن حق الألف واللام الدخول على النكرات، وإنما دخلتا فى الغداة، ~~لأنك تقول: خرجنا فى غداة باردة، وهذه غداة طيبة. # ووجه قراءة ابن عامر ms107 أن سيبويه (¬6) قال: «زعم الخليل أنه يجوز أن تقول: ~~أتيتك (¬7) اليوم غدوة وبكرة، فجعلتهما (¬8) بمنزلة ضحوة». PageV01P221 # وإنما علقوا غدوة وبكرة على الوقت علمين، لأنهما جعلا اسمين لوقت منحصر، ~~ولم يفعلوا ذلك فى ضحوة وعشية، لأنهما لوقتين متسعين. # ومما يحتج به لليحصبى، والسلمى (¬1) أن بعض أسماء الزمان قد استعملته ~~العرب معرفة بغير الألف واللام، وقد سمع منهم إدخال الألف واللام [عليه ~~(¬2)] نحو ما حكاه أبو زيد من قولهم (¬3): لقيته فينة فينة يا فتى، غير ~~مصروف، ولقيته الفينة بعد الفينة (¬4)، أى الحين بعد الحين، ووجه إدخال ~~الألف واللام فى هذا الضرب أنه يقدر فيه الشياع. # قال أبو على: ومثل ما حكاه سيبويه (¬5) من قول العرب: هذا يوم اثنين ~~مباركا فيه، وجئتك يوم اثنين مباركا فيه، استعملوه معرفة بغير ألف ولام، ~~كما استعملوه معرفة بألف ولام، ومن ثم انتصب الحال عنه. # وإنما خص الله سبحانه الدعاء بالغداة والعشى لشرف هذين الوقتين، فللدعاء ~~فيهما فضل، وقال قتادة (¬6): هما صلاتان، صلاة الصبح وصلاة العصر، فذهب ~~بالدعاء إلى الصلاة، وقال الزجاج (¬7): يدعونه بالتوحيد والإخلاص، ~~ويعبدونه، فقوله: «ويعبدونه» موافق لقول قتادة: هما صلاتان، صلاة الصبح ~~وصلاة العصر، /قال: ومعنى {يريدون وجهه} لا يقصدون بعبادتهم إلا إياه، وقال ~~قتادة: ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم (¬8): # «الحمد لله الذى جعل فى أمتى من أمرنى أن أصبر نفسى معه». PageV01P222 # وقوله: {ولا تعد عيناك عنهم} أى لا تتجاوزهم عيناك، من قولهم (¬1): لا ~~تعد هذا الأمر، ولا تتعده، أى لا تتجاوزه، ولكنه أوصل إلى المفعول بعن، ~~حملا على المعنى، لأنك إذا جاوزت الشىء وتعديته فقد انصرفت عنه، فحمل {لا ~~تعد عيناك عنهم} على: لا تنصرف عيناك عنهم، وبهذا اللفظ فسره الفراء (¬2)، ~~ولهذا نظائر فى القرآن، وفى شعر العرب، فمنها تعدية الرفث بإلى فى قوله ~~تعالى جده: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} (¬3) وأنت لا تقول: ~~رفثت إلى النساء، ولكنه جيء به محمولا على الإفضاء الذى يراد به الملامسة ~~فى مثل قوله تعالى: {وقد ms108 أفضى بعضكم إلى بعض} (¬4) ومنها تعدية الإحماء فى ~~قوله: {يوم يحمى عليها في نار جهنم} (¬5) وهو متعد بنفسه فى قولك: أحميت ~~الحديدة، قال (¬6) الشاعر (¬7): # إن تك جلمود صخر لا أؤيسه (¬8) ... أو قد عليه فأحميه فينصدع # أؤيسه: أذلله، وإنما حمل «يحمى» على يوقد، لأن الإيقاد عليها هو السبب PageV01P223 # المؤدى إلى إحمائها، فأجرى {يحمى عليها} مجرى يوقد عليها، والمعنى تحمى هى. # ومن ذلك تعدية «يخالف» بعن في قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره} (¬1) وهو فى قولك: خالفت زيدا، غير مفتقر إلى التعدى بالجار، وإنما ~~جاء محمولا على ينحرفون عن أمره، أو يروغون (¬2) عن أمره. # ومثله تعدية «رحيم» بالباء فى نحو: {وكان بالمؤمنين رحيما} (¬3) حملا على ~~رءوف فى نحو {بالمؤمنين رؤف رحيم} (¬4) ألا ترى أنك تقول: رأفت به، ولا ~~تقول: رحمت به، ولكنه لما وافقه فى المعنى نزل منزلته فى التعدية، ومن هذا ~~الضرب قول أبى كبير الهذلى: # /حملت به فى ليلة مزءودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل (¬5) # عدى «حملت» بالباء، وحقه أن (¬6) يصل إلى المفعول بنفسه، كما جاء فى ~~التنزيل: {حملته أمه كرها} (¬7) [ولكنه (¬8) قال: حملت به، لأنه فى معنى: ~~حبلت به] PageV01P224 # وشبيه بهذا وضع الجار فى موضع الجار، لاتفاق الفعلين فى المعنى، كقوله تعالى: # {من بعد أن أظفركم عليهم} (¬1) والجارى على ألسنتهم: ظفرت به، وأظفرنى ~~الله به، ولكن جاء أظفركم عليهم، محمولا على أظهركم عليهم (¬2). # ومن (¬3) زعم أنه كان حق الكلام: «لا تعد عينيك عنهم» لأن «تعدو» متعد ~~بنفسه، فليس قوله بشىء، لأن عدوت وجاوزت بمعنى، وأنت لا تقول: جاوز فلان ~~عينيه عن فلان، ولو جاءت التلاوة (¬4) بنصب العينين، لكان اللفظ بنصبهما ~~محمولا أيضا على: لا تصرف عينيك عنهم، وإذا كان كذلك فالذى وردت به التلاوة ~~من رفع العينين يئول إلى معنى النصب فيهما، إذ كان {لا تعد عيناك عنهم} ~~بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم: لا تصرف عينيك ~~عنهم، فالفعل مسند إلى العينين وهو فى الحقيقة موجه إلى النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم، كما ms109 قال: {فلا تعجبك أموالهم} (¬5) فأسند الإعجاب إلى ~~الأموال، والمعنى لا تعجب يا محمد بأموالهم. فتبين ما ذكرته فى هذا الفصل، ~~فإذا عرفته عرفت جهل الذى زعم أنه كان حق العينين فى الآية النصب. PageV01P225 # ويزيدك وضوحا فى أن معنى الرفع كمعنى النصب، وأن الفعل فى كلا الوجهين ~~محمول على معنى الصرف، قول الزجاج (¬1): إن معنى لا تعد عيناك عنهم: لا ~~تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوى الهيئات والزينة، وذلك أن جماعة من عظماء ~~المشركين قالوا للنبى عليه السلام: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة ~~الضأن، وهم موال وليسوا بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون خبابا وصهيبا ~~وعمارا وسلمان وبلالا، ومن أشبههم، فأمره الله أن يجعل إقباله على ~~المؤمنين، ويلزم/نفسه مجالستهم، ولا يلتفت إلى قول من سول له مباعدتهم ~~بقوله: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ومعنى أغفلنا قلبه: وجدناه غافلا ~~(¬2)، كقولك: لقيت فلانا فأحمدته، أى وجدته محمودا. وقال عمرو بن معديكرب ~~لبنى الحارث بن كعب: # «والله (¬3) لقد سألناكم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم ~~فما أفحمناكم» أى ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. # وقوله: {وكان أمره فرطا} قال المفسرون: سرفا، وقال بعضهم: سرفا وتضييعا، ~~وقال أبو عبيدة (¬4): ندما، وقال ابن قتيبة كقول أبى عبيدة، وقال: أصله ~~العجلة والسبق، يقال: فرط منه قول قبيح: أى سبق، ومنه فرس فرط: أى متقدم ~~للخيل. PageV01P226 # وقال الزجاج (¬1): أى كان أمره التفريط، والتفريط: تقديم العجز، وقال ~~الفراء (¬2): # كان أمره متروكا لإفراطه فى القول، يعنى عيينة بن حصن الفزارى، قال: نحن ~~رءوس مضر وأشرافها، إن أسلمنا أسلم الناس، وعاب سلمان وأشباهه. آخر المجلس. # ... PageV01P227 ### || AUTO المجلس الثالث والعشرون # وهو مجلس يوم الثلاثاء، سلخ جمادى الأولى من سنة ست وعشرين وخمسمائة. # تفسير قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} (¬1). # يقال: اجتنبت الشىء: أى اعتزلته جانبا، وإن شئت أخذته من ms110 الجنابة، وهى ~~البعد، قال علقمة بن عبدة (¬2): # فلا تحرمنى نائلا عن جنابة ... فإنى امرؤ وسط البيوت غريب # فالمعنى على هذا: باعدوا، وكلا القولين يرجع إلى أصل واحد. # والظن هاهنا: /التهمة، ومنه قراءة من قرأ: «وما هو على الغيب بظنين» (¬3) ~~أى بمتهم، قال أبو على فى كتاب العوامل: وعلى هذا قوله: «أو ظنين فى ولاء» ~~والصواب: «أو ظنينا» هكذا هو منصوب، عطف على مستثنى موجب فى رسالة (¬4) PageV01P228 # عمر رضوان الله عليه إلى أبى موسى، وذلك قوله: «المسلمون عدول بعضهم على ~~بعض إلا مجلودا فى حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب». # وقال أبو إسحاق الزجاج (¬1): أمر الله باجتناب كثير من الظن، وهو أن نظن ~~بأهل الخير سوءا، إذا كنا نعلم أن الذى ظهر منهم خير، فأما أهل السوء ~~والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذى ظهر منهم. # وقوله: {ولا تجسسوا}: أى ولا تبحثوا عن الأخبار، ومنه أخذ الجاسوس، فهذا ~~يعرف بالنطق والسمع، وقد يكون هذا المعنى باليد، كقولك: جسست الكبش بيدى، ~~وذلك لتنظر أسمين هو أم هزيل. # وقال ابن دريد (¬2): وقد يكون الجس بالعين، وأنشد: # فاعصوصبوا ثم جسوه بأعينهم (¬3) # قال الضحاك بن مزاحم: قوله: {ولا تجسسوا} أى لا تلتمس عورة أخيك، وقرأه ~~(¬4) أبو رجاء والحسن وابن سيرين: {ولا تجسسوا} بالحاء، وهو من إحساس ~~البصر، ومنه قوله تعالى: {هل تحس منهم من أحد} (¬5) أى هل ترى؟ PageV01P229 # وقوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا} قال قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن الغيبة أن ~~تذكر أخاك بما يشينه، وتعيبه بما فيه، فإن كذبت عليه فذاك البهتان، وقال ~~الزجاج (¬1): الغيبة أن تذكر الإنسان من خلفه بسوء، وإن كان فيه السوء، ~~فأما ذكره بما ليس فيه فذلك البهت والبهتان، كذلك جاء عن النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # وقوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} الهاء فى {فكرهتموه} ~~عائدة على الأكل، وفى الكلام اختصار/شديد، والتقدير فيما أراه أن الجملة ~~التى هى {فكرهتموه} خبر لمبتدإ مقدر، وبعدها تقدير كلامين حذفا للدلالة ~~عليهما، ms111 كأنه قيل: فأكل لحم أخيكم ميتا كرهتموه، والغيبة مثله فاكرهوها، ~~والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره معطوفة على الجواب الذى يقتضيه ~~الاستفهام، لأن قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} جوابه: # لا و «لا» إنما تقع فى الجواب نائبة عن جملة، وكذلك كل حرف جوابى، نحو ~~بلى ونعم، يقوم مقام جملة، فإذا قال القائل: ألم أكرمك؟ قلت: بلى، ~~فالتقدير: بلى قد أكرمتنى، وإن قلت: لا، فالتقدير: لا لم تكرمنى، فالحرف ~~الجوابى ينوب عن هذه الجملة، وربما جيء بها مذكورة بعده توكيدا كقوله ~~تعالى: {ألم يأتكم نذير* قالوا بلى قد جاءنا نذير} (¬2) وإذا عرفت هذا ~~فجواب قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} تقديره: لا يحب أحد منا ~~ذلك، فقيل لهم: فأكل لحم أخيكم ميتا كرهتموه، والغيبة مثله فاكرهوها. ~~{واتقوا الله} فيجوز أن يكون قوله: {واتقوا الله} معطوفا على هذا الأمر ~~المقدر، ويجوز أن يكون معطوفا على ما تقدم من الجملة الأمرية فى أول الآية، ~~وهى قوله: {اجتنبوا كثيرا من الظن} PageV01P230 # ويجوز أن يكون معطوفا على الجملة النهيية التى هى قوله: {ولا يغتب بعضكم ~~بعضا} فإن عطفته على المحذوف المقدر فحسن، ونظيره قوله: {اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت} (¬1). # التقدير: فضرب فانفجرت، وقد جاء ما هو أكثر من هذا، وهو تقدير معطوفين، ~~فى قوله جل اسمه: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى} (¬2) ~~التقدير: فضربوه (¬3) فحيى، وجاء ما هو أشد من هذا، وهو تقدير ثلاث جمل ~~معطوفة فى قوله تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون} -ثم قال: - {يوسف أيها الصديق} (¬4) فالتقدير: فأرسلوه ~~فأتى يوسف فقال له: /يوسف أيها الصديق. فحذوف القرآن كثيرة عجيبة، والذى ~~ذكرته من التقديرات والحذوف فى هذه الآية مشتمل على حقيقة الإعراب مع ~~المعنى. # وذكر الزجاج وأبو على فى تفسير قوله: {فكرهتموه} تفسيرا تضمن المعنى دون ~~حقيقة الإعراب، قال الزجاج فى تقدير (¬5) المحذوف: فكما تكرهون أكل لحمه ~~ميتا، كذلك تجنبوا ذكره بالسوء [غائبا (¬6)] وقال أبو على فى التذكرة: فكما ~~(¬7) كرهتم أكل لحمه ميتا ms112 فاكرهوا غيبته واتقوا الله. PageV01P231 # وقال الفراء: فقد كرهتموه فلا تفعلوه (¬1)، يريد: فقد كرهتم أكل لحمه ~~ميتا فلا تغتابوه، فإن هذا كهذا (¬2)، فلم يفصح بحقيقة المعنى. # وقرئ فيما خرج عن القراءات المشهورة {فكرهتموه} بالتشديد (¬3)، على ما لم ~~يسم فاعله، أى بغض إليكم. # وقرأ نافع بن أبى نعيم [ميتا (¬4)] بالتشديد، والميت والميت بمعنى، ~~كالهين والهين، واللين واللين، والطيب والطيب، ومنه طيبة، اسم المدينة، ~~سماها به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مخففة من طيبة، ويدلك على أنه ~~لا فرق بين الميت والميت قول الشاعر (¬5): # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # ألا ترى أنه أوقع المخفف والمشدد على شيء واحد، قال أبو على فى الحجة: # وكذلك قول الآخر: # ومنهل فيه الغراب الميت (¬6) # قال: فلو شدد لجاز. PageV01P232 # قلت: يجوز ذلك إذا أخرج عما بعده، لأن بعده: # سقيت منه القوم واستقيت # وانتصاب «ميت» فى الآية على الحال من «أخيه» وقد قدمت فيما مر من الأمالى ~~(¬1) أن الحال من المضاف إليه مما قل استعماله، وجاء ذلك فى قول الجعدى (¬2): # كأن حواميه مدبرا # وفى قول أبى الصلت الثقفى (¬3): # فى رأس غمدان دارا منك محلالا # فى أحد الوجهين، وسأذكر لك إن شاء الله شرح هذين البيتين، بعد استقصاء ~~الكلام فى «كل وبعض» وذلك أنه تعالى جده قطع «بعضا» عما يقتضيه من الإضافة ~~فى قوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا} وكذلك قوله: {كل آمن بالله} (¬4) والأصل: ~~لا يغتب بعضكم بعضكم، وكلهم آمن بالله، ولتقدير الإضافة فيهما امتنع بعض ~~النحويين من إدخال الألف واللام عليهما، ويجوز فى قياس قول سيبويه، وفى رأى ~~أبى على، لحاق الألف واللام لهما، وذلك أن سيبويه أجاز فى قول الشاعر (¬5): # ترى خلقها نصفا قناة قويمة ... ونصفا نقا يرتج أو يتمرمر PageV01P233 # [يروى: «ترى خلفها» ودل على ذلك قوله: «ونصفا نقا» وذلك لأن العجيزة لا ~~تكون إلا خلفها (¬1)]. # أن تنصب نصفا على أنه حال (¬2)، يعنى أنه كان أصله: ترى خلقها قناة قويمة ~~نصفا، ونقا يرتج نصفا، فلما قدم وصف النكرة عليها، صار انتصابه على ms113 الحال، ~~ولما أجاز انتصاب «نصف» على الحال دل ذلك على أنه عنده نكرة، وإذا كان نكرة ~~جاز دخول الألف واللام عليه، لأنه إنما يكون فى قطعه عن الإضافة معرفة، إذا ~~قدرت إضافته إلى معرفة، وإذا لم تقدر إضافته إلى معرفة كان نكرة، وإذا كان ~~نكرة جاز دخول الألف واللام عليه، كما جاء فى التنزيل: {فلها النصف} (¬3) ~~وكل وبعض مجراهما مجرى نصف، لأنه يقتضى الإضافة إلى ما هو نصف له، كما أن ~~كلا يقتضى الإضافة إلى ما هو كل له، وبعضا يقتضى الإضافة إلى ما هو بعض له، ~~فإذا قدرت إضافة كل وبعض إلى المعارف كانا معرفتين، وإذا قدرت إضافتهما إلى ~~النكرات كانا نكرتين، فهما فى هذا بمنزلة نصف، تقول: نصف دينار، ونصف ~~الدينار، وكل رجل، وكل الرجال، وبعض رغيف، وبعض الرغيف. # قال أبو على: ومما يدل على صحة جواز دخول الألف واللام عليهما أن أبا ~~الحسن الأخفش حكى أنهم يقولون: مررت بهم كلا، فينصبونه على الحال، ويجرونه ~~مجرى: مررت بهم جميعا، وإذا جاز انتصابه على الحال، فيما حكاه عن PageV01P234 # /العرب، فلا إشكال فى جواز دخول الألف واللام عليه، ولا اعتبار بما وقع ~~من المعارف فى مواقع الأحوال، كقولهم (¬1): طلبته جهدك، ورجع عوده على ~~بدئه، وأرسلها العراك، لأن هذه مصادر عملت فيها أفعال من ألفاظها مقدرة، ~~وتلك الأفعال واقعة فى مواقع الأحوال، والأفعال نكرات فلا يمتنع وقوع الفعل ~~موقع الحال، والتقدير: طلبته تجهد جهدك، ورجع يعود عوده، وأرسلها يعارك ~~بعضها بعضها العراك. # فإن قيل: فقد قالوا: القوم فيها الجماء الغفير، فنصبوا الجماء على الحال، ~~وفيه الألف واللام وليس بمصدر. # قيل: إن النحويين قد قدروا الألف واللام فى هذا الاسم تقدير الزيادة، كما ~~قدروهما زائدين فى قولهم: إنى لأمر بالرجل مثلك فيكرمنى، وكما جاءت ~~زيادتهما فى مواضع كثيرة نحو: # على قنة العزى وبالنسر عندما (¬2) # و: # يا ليت أم العمر كانت صاحبى (¬3) PageV01P235 # و: # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا (¬1) # وكزيادتهما فى الذى ونحوه، وإذا ساغ التأويل فى قولهم: «هم فيها الجماء ~~الغفير» لم يكن ms114 لمن جعل الحال معرفة حجة فى ذلك، وتأنيث الجماء لتأنيث ~~الجماعة، واشتقاقها من الجم وهو الكثير، وفى التنزيل: {وتحبون المال حبا ~~جما} (¬2) والغفير: مأخوذ من الغفر، وهو التغطية والستر، كأنهم يسترون ~~الأرض بكثرتهم. # فإن قلت: فقد قالوا: كلمته فاه إلى فى، فنصبوا المضاف إلى المعرفة على ~~الحال وليس بمصدر فنعمل فيه فعلا من لفظه، ونحكم بأن فعله واقع موقع الحال، ~~ولا هو من أسماء الفاعلين وغيرها، مما يقدر بإضافته (¬3) الانفصال. # فالجواب: أن «فاه» عند النحويين منتصب بمحذوف مقدر، وذلك المحذوف كان هو ~~الحال فى الحقيقة، وهذا المنصوب المعرفة قائم مقامه، وتقديره: جاعلا (¬4) ~~/فاه إلى فى. # على أن هذه الكلم التى وضعوها مواضع الأحوال وهى معارف، لو كانت خالية PageV01P236 # من تأويل يدخلها فى حيز النكرات لما ساغ الاحتجاج بها، لأن ذلك عدول عن ~~العام الشائع إلى الشاذ النادر. # فقد ثبت بما ذكرنا أن دخول الألف واللام على «كل وبعض» جائز من جهتين: ~~إحداهما أنك لا تقدرهما مضافين إلى معرفة، وإذا لم تقدر إضافتهما إلى معرفة ~~جريا مجرى «نصف» وغيره من النكرات المتصرفة. # والجهة الأخرى: أن يكون «كل» على ما ذكره أبو الحسن من استعمالهم إياه ~~حالا بمعنى جميعا، فيجوز دخول الألف واللام عليه، كما دخلا فى الجميع، فقد ~~ثبت بهذا أن من امتنع من دخول الألف واللام عليهما مخطئ. # فإن قيل: فقد علمت أن «كلا وبعضا» مما لا ينفك من الإضافة لفظا ومعنى، أو ~~معنى لا لفظا، فهما فى ذلك بمنزلة «قبل وبعد» فما الفرق بينهما وبين «قبل ~~وبعد» حتى أجزتم دخول الألف واللام عليهما، ولم يأت ذلك فى «قبل وبعد» وحتى ~~(¬1) جاء بناء «قبل وبعد» على الضم فى حال إفرادهما، إذا قدرا مضافين إلى ~~معرفة، ولم يأت ذلك فى كل وبعض؟ # فالجواب: أن امتناع الألف واللام من الدخول على «قبل وبعد» من حيث لم ~~يستعملا إلا ظرفين ناقصى التمكن، فجريا فى ذلك مجرى الظروف التى لم تتمكن ~~كإذ ولدن وعند ولدى، وساغ البناء فيهما إذا أفردا لنقصان تمكنهما فى حال ms115 ~~الإضافة، ألا تراهما لا يرفعان مضافين، وليس بعد نقصان التمكن مع حذف ~~المضاف إليه، وهو جار مجرى بعض أجزاء المضاف إلا البناء، وليس كذلك «كل ~~وبعض»، لأنهما اسمان متمكنان كل التمكن، فأنعم النظر فيما ذكرته لك من هذه ~~الفصول، لتعرف حقيقتها بتوفيق الله. PageV01P237 ### || AUTO المجلس الرابع والعشرون # / وهو مجلس يوم الثلاثاء، الثامن من جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة. # يتضمن قول النابغة الجعدى فى وصف فرس: # كأن حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب (¬1) # حجارة غيل برضراضة ... كسين طلاء من الطحلب # الحاميتان: ناحيتا الحافر عن يمين وشمال، وقال ابن قتيبة (¬2): ~~«الحاميتان عن يمين السنبك وشماله، والسنبك: طرف مقدم الحافر»، وقيل: ~~الحامية: أعلى الحافر، والقول الأول أثبت. # والغيل: الماء الجارى على وجه الأرض. # والرضراضة: [الأرض (¬3)] الصلبة، ويستحب فى الحوافر أن تكون سودا أو خضرا ~~لا يبيض منها شيء، لأن ابيضاضها رقة، شبه حوافره بحجارة مقيمة فى ماء قليل، ~~وذلك أصلب لها، ويقال للصخرة التى بعضها فى الماء وبعضها خارج: أتان PageV01P238 # الضحل، والضحل: الماء القليل، وذلك النهاية فى صلابتها، وإياها عنى ~~المتنبى بقوله: # أنا صخرة الوادى إذا ما زوحمت (¬1) # وإذا كانت جوانب الحافر صلابا، على الوصف الذى ذكرناه، وكانت سودا أو ~~خضرا، فمقاديمها أصلب وأشد سوادا أو خضرة. # وقوله: «خضبن» عند أبى على: فى موضع نصب، بأنه حال من الحوامى، والعامل ~~فيه ما فى «كأن» من معنى الفعل، كقول النابغة الآخر، فى وصف قرن الثور، ~~ونفوذه فى صفحة الكلب: # كأنه خارجا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد (¬2) # والشرب: جمع شارب، والمفتأد: المطبخ والمشتوى. # ولم يجعل «خضبن» خبر كأن، لأنه جعل خبرها قوله: «حجارة غيل» ولم يجز أن ~~يكونا خبرين لكأن، على حد قولهم: هذا حلو حامض (¬3)، أى قد جمع الطعمين، ~~قال: لأنك لا تجد فيما أخبروا/عنه بخبرين أن يكون أحدهما مفردا والآخر ~~جملة، لا تقول: زيد خرج عاقل. # والقول عندى أن يكون موضع «خضبن» رفعا بأنه خبر كأن، وقوله: PageV01P239 # «حجارة غيل» خبر مبتدأ محذوف، أى هى حجارة غيل، وأداة التشبيه ms116 محذوفة، ~~كما قال: # فهن إضاء صافيات الغلائل (¬1) # أى مثل إضاء، والإضاء: الغدران، واحدها: أضاة، فعلة جمعت على فعال، كرقبة ~~ورقاب، شبه الدروع فى صفائها بالغدران، ومثله فى حذف حرف التشبيه فى ~~التنزيل: {وأزواجه أمهاتهم} (¬2) أى مثل أمهاتهم فى تحريمهن عليهم، ~~والتزامهم تعظيمهن. # وأما قوله: «مدبرا» فحال من الهاء، والعامل على رأى أبى على ما تقدره فى ~~المضاف إليه من معنى الجار، يعنى أن التقدير: كأن حوامى ثابتة له مدبرا، أو ~~كائنة له، قال: ولا يجوز تقديم هذه الحال، لأن العامل فيها معنى لا فعل ~~محض، قال: ولا يجوز أن يكون العامل فى قوله: «مدبرا» ما فى «كأن» من معنى ~~الفعل، لأنه إذا عمل فى حال لم يعمل فى أخرى، يعنى أن «كأن» قد عمل فى موضع ~~«خضبن» النصب على الحال، فلا يعمل فى قوله: «مدبرا». وهذا القول يدل على ~~أنه يجيز أن ينصب حال المضاف إليه العامل فى المضاف، وإذا كان هذا جائزا ~~عنده، وقد قررت لك أن تجعل (¬3) «خضبن» خبر كأن، فالعامل إذا PageV01P240 # فى قوله «مدبرا» ما فى كأن من معنى الفعل، وهذا-أعنى نصب حال المضاف إليه ~~بالعامل فى المضاف-إنما يجوز إذا كان المضاف ملتبسا بالمضاف إليه، كالتباس ~~الحوامى بما هى له، ولا يجوز فى قولك: ضربت غلام هند جالسة، أن تنصب ~~«جالسة» بضربت، لأن الغلام غير ملتبس بهند، كالتباس الحوامى بصاحبها، ولا ~~يجوز عندى أن تنصب «جالسة» بما تقدره من معنى اللام فى المضاف إليه، فكأنك ~~قلت: ضربت غلاما كائنا لهند جالسة، لأن ذلك يوجب أن يكون الغلام لهند فى ~~حال جلوسها خاصة، وهذا مستحيل، فكذلك قوله: «كأن حواميه مدبرا» إن ~~قدرت/فيه: حوامى ثابتة له مدبرا، وجب أن يكون الحوامى له فى حال إدباره، ~~دون حال إقباله، وهذا يوضح لك فساد إعمالك فى هذه الحال معنى الجار المقدر ~~فى المضاف إليه، فلا يجوز إذا: ضربت غلام هند جالسة لذلك (¬1)، ولعدم ~~التباس المضاف بالمضاف إليه. # ونظير ما ذكرناه: من جواز مجىء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف ~~ملتبسا ms117 به، قوله تعالى: {فظلت أعناقهم لها خاضعين} (¬2) أخبر بخاضعين عن ~~المضاف إليه، ولو أخبر عن المضاف لقال: خاضعة، أو خضعا أو خواضع، وإنما حسن ~~ذلك، لأن خضوع أصحاب الأعناق بخضوع أعناقهم (¬3)، وقد قيل فيه غير هذا، ~~وذلك ما جاء فى التفسير، من أن المراد بأعناقهم كبراؤهم، وقال أهل اللغة: # أعناقهم: جماعاتهم، كقولك: جاءنى عنق (¬4) من الناس: أى جماعة، فالخبر فى ~~هذين القولين عن الأعناق. # وقال أبو على فى «مخضب» من قول الأعشى (¬5): PageV01P241 # أرى رجلا منكم (¬1) ... أسيفا كأنما # يضم إلى كشحيه كفا مخضبا # أقوالا: أحدها: أن يكون (¬2) وصفا لكف، وقال: يجوز أن يكون كقوله (¬3): # ولا أرض أبقل إبقالها # ويجوز أن يكون حمل الكف على العضو، كما حمل الآخر البئر على القليب، فى قوله: # يا بئر يا بئر بنى عدى ... لأنزحن قعرك بالدلى (¬4) # حتى تعودى أقطع الولى # أى حتى تعودى قليبا أقطع (¬5) الولى، لأن التذكير فى القليب أكثر، ألا ~~ترى أنهم قد قالوا فى جمعه: أقلبة، يعنى أن أفعلة هو القياس فى جمع ما كان ~~على فعيل ونحوه، كفعال وفعال [وفعال (¬6)] إذا كان واقعا على مذكر، كقفيز ~~وحمار وغراب وفدان (¬7)، فإذا كان اسما لمؤنث غلب عليه جمعه على أفعل، ~~كيمين وأيمن، وشمال PageV01P242 # وأشمل، وعناق/وأعنق، وعقاب وأعقب، وأتان وآتن، وقد جاء فى القليب التذكير ~~والتأنيث، فجمعهم إياه على أقلبة، كقفيز وأقفزة، دليل على قوة التذكير فيه، ~~فلما لم يقل: قطعاء الولى، علمنا أنه حمل البئر على القليب. # وأما «الولى» فكأنه أراد به الماء الذى يلى الماء الموجود فى البئر، إذا ~~نزح الموجود وليه ماء آخر، كان معدوما فظهر. # قال أبو على: ومثله فى الحمل على المعنى قول الأعشى أيضا (¬1): # لقوم وكانوا هم المنفدين ... شرابهم قبل إنفادها # أنث الشراب، حيث كان الخمر فى المعنى، كما ذكر «الكف» حيث كان عضوا فى ~~المعنى، وهذا النحو كثير. # قلت: إن قوله: «لقوم» وصف لنكرة تقدم ذكرها [فى قوله (¬2)]: # فباتت ركاب بأكوارها ... لدينا وخيل بألبادها # وإنما قال: «باتت ركاب بأكوارها، وخيل بألبادها» لأنهم جاءوا فى طلب ~~الخمر، فباتت ms118 ركابهم وخيلهم بحالها، لأنهم على سفر، والركاب: إبل القوم ~~التى يركبونها ويمتارون عليها، وواحد الأكوار: كور، وهو رحل البعير بأداته. # وفى تأنيث الضمير من قوله: «قبل إنفادها» قولان: أحدهما أن يكون أراد قبل ~~إنفاد عقولهم، فيكون من باب: {ما ترك على ظهرها من دابة} (¬3) لأن ذكر ~~الشراب وإنفاده دليل على نفاد عقول شاربيه، وقد أشبعت الكلام على هذا الضرب ~~من الإضمار فيما سبق من (¬4) الأمالى، وهذا قول الأصمعى. PageV01P243 # والقول الآخر الذى ذكره أبو على هو قول المورج السدوسى، وذلك حمل الشراب ~~على الخمر، ومفعول الإنفاد على هذا القول محذوف، أى قبل إنفادها عقولهم، ~~والفاعل فى القول الأول هو المحذوف، أى قبل إنفاد الشراب عقولهم، لأن فاعل ~~المصدر يحذف كثيرا. # /فإن قيل: ما وجه التمدح بإنفاد خمرهم قبل نفاد عقولهم؟ # فالجواب: أنهم يمدحون ويتمدحون بكثرة شرب الخمر، فيقولون: رجل خمير ~~وشريب، كما قال (¬1): # شريب خمر مسعر لحروب # وإنما بنوه على فعيل، لأنه من أبنية التكثير، ومثله: رجل سكيت: كثير ~~السكوت، وإذا لم يكد يسكر شارب الخمر دل ذلك على إدمان شربها، وبذلك مدح ~~المتنبى سيف الدولة فى قوله (¬2): # تعجبت المدام وقد حساها ... فلم يسكر وجاد فما أفاقا # ومدح آخر فقال (¬3): # مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهنئتها من شارب مسكر السكر # قال أبو على: ويجوز أن يكون جعل «المخضب (¬4)» للرجل، لأنك تقول: رجل ~~مخضوب: إذا خضبت يده، كما تقول: مقطوع: إذا قطعت يده، فتقول على هذا: رجل ~~مخضب: إذا خضبت يده، ويقوى ذلك قول الشاعر: PageV01P244 # سقى العلم الفرد الذى فى ظلاله ... غزالان مكحولان مختضبان (¬1) # فإذا استقام ذلك أمكن أن تجعل «مخضبا» صفة لرجل المنكور، وإن شئت جعلته ~~حالا من الضمير المرفوع فى يضم، أو المجرور فى قوله: «كشحيه» لأنهما فى ~~المعنى لرجل المنكور. انتهى كلامه، وذلك فى باب ما أنث من الأسماء من غير ~~لحاق (¬2) علامة من العلامات الثلاث به. # وأقول (¬3): إنك إذا جعلته حالا (¬4) من المضمر فى «يضم» كان أمثل من أن ~~تجعله حالا من المضاف إليه، إلا أن ذلك جاز ms119 لالتباس الكشحين بما أضيفتا ~~إليه، وأما إجازته أن يكون وصفا لرجل، ففاسد فى المعنى، وهو محمول على ترك ~~إنعام نظره فيه، لأنك إذا فعلت ذلك أخرجته من حيز التشبيه والمجاز، فصار ~~وصفا حقيقيا، والشاعر لم يرد/ذلك، لأن الرجل الذى عناه لم يكن مخضبا على ~~الحقيقة، وإنما شبهه بمن قطعت يده، وضمها إليه مخضبة بالدم. # والأسيف: الحزين، والأسيف [أيضا (¬5)] والأسف: الشديد الغضب، من قوله ~~تعالى: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} (¬6) وقوله: {فلما آسفونا} PageV01P245 # {انتقمنا منهم} (¬1). # فالمعنى: أرى رجلا منكم (¬2) حزينا أو شديد الغضب، كأنه من بغضه لى وغضبه ~~على (¬3) قد قطعت كفه فضمها إلى خاصرتيه مخضبة بدمها، فإذا جعلت «مخضبا» ~~وصفا لرجل، فالتقدير: أرى رجلا منكم مخضبا، كأنه يضم إلى كشحيه كفا، فجعلت ~~التخضيب حقيقة له، فأخرجته من التشبيه، وليس الأمر كذلك. # فأما إجازته أن يكون قوله: «كفا مخضبا» كقول الآخر: # ولا أرض أبقل إبقالها # وأن يكون حمل الكف على العضو، فعليه اعتراض (¬4)، وهو أن يقال: أى فرق ~~بين هذين الوجهين، ونحن إنما نحمل الأرض فى قوله: # ولا أرض أبقل إبقالها # على المكان، كما نحمل الكف على العضو؟ # والجواب: أن بينهما فصلا، وهو أن يجعل تأنيث الأرض فى قوله: # ولا أرض أبقل إبقالها # معتدا به، إلا أنه مع الاعتداد به لما كان تأنيثا ضعيفا، لأنه غير حقيقى، ~~وليست له علامة، جاز فى الضرورة تذكير المضمر فى «أبقل»، ويجعل الكف بمنزلة ~~العضو، فلا يعتد بتأنيثها، بل يجعلها مجردة من معنى التأنيث، حتى كأنه PageV01P246 # قال: عضوا مخضبا، ومثله فى حمل المؤنث على النظير المذكر قول المتنبى (¬1): # مثلت عينك فى حشاى جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء # كان الوجه أن يقول: فتشابهتا، ولكنه حمل الجراحة على الجرح، والعين على ~~العضو. آخر المجلس. # ... PageV01P247 ### || AUTO المجلس الخامس والعشرون # وهو مجلس يوم الثلاثاء، منتصف جمادى الآخرة، من سنة ست وعشرين وخمسمائة. # يتضمن ما وعدتك به من تفسير قول أبى الصلت الثقفى: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا (¬1) # يقال: هنأه الطعام والشراب يهنئه، ms120 وما كان هنيئا، ولقد هنؤ، والمصدر ~~الهنء، وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنيئ، وهنيئ اسم الفاعل من هنؤ، ~~كظريف من ظرف، ويحتمل أن يكون معدولا عن هانئ، من قولك: هنأنى فهو هانئ، ~~كما عدل رحيم وعليم، عن راحم وعالم، ومنه سمى الرجل: هانئا، لا من قولهم. ~~هنأت البعير: إذا طليته بالهناء، وهو القطران، ولذلك قال بعض العرب: # إنما سميت هانئا لتهنئ (¬2). # وذهب أبو على (¬3) إلى أن «هنيئا» حال وقعت موقع الفعل، بدلا من اللفظ ~~به، كما وقع المصدر فى قولهم: سقيا له ورعيا، بدلا من اللفظ بسقاه الله ~~ورعاه الله، PageV01P248 # فلا يجوز ظهور الفعل معه، لأنه قام مقامه، فصار عوضا عنه، فقوله: «هنيئا» ~~لا تعلق له باشرب، لأنه وقع موقع ليهنئك أو هنأك أو هنؤ، والتقدير: ليهنئك ~~شربك. أو هنأك شربك، أو هنؤ شربك. # قال: ويدلك على كونه بدلا من الفعل تعاقبهما على الموضع الواحد، كقوله (¬1): # أظفره الله فليهنئ له الظفر # فهذا بمنزلة: فهنيئا له الظفر، واستدل أيضا على أن هنيئا صار بدلا من ~~اللفظ بالفعل، بأنه أجرى بلفظ الإفراد على الجميع، فى قوله تعالى: {كلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم} (¬2) وقوله: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم ~~تعملون. متكئين} (¬3) أراد أنه قال تعالى: {هنيئا} ولم يقل: هنئين، فأفرد ~~بعد لفظ الجمع، لأن «هنيئا» ناب عن الفعل، فصار بدلا من اللفظ به، والفعل ~~لا يجمع فكذلك ما ناب عنه، فصار بدلا منه، وأجاز فى «متكئين» أن يكون حالا ~~من الواو فى «كلوا» وأن يكون حالا من المضمر فى «هنيئا» قال: وكونه حالا من ~~المضمر فى «هنيئا» أقيس، لأنه أقرب إليه. # /قال: وإذا ثبت أن «هنيئا» بدل من هنؤ أو هناك أو ليهنئك، لم يكن حالا من ~~المضمر فى «اشرب» كما أن الفعل الذى هو بدل منه لا يكون كذلك، قال: # ووجه كون «هنيئا» بدلا من الفعل من جهة القياس: أن الحال مشبهة (¬4) ~~للظرف، PageV01P249 # من حيث كانت مفعولا فيها، كما أن الظرف مفعول فيه، فمن حيث وقعت الظروف ~~فى الأمر ms121 [العام (¬1)] وغيره بدلا من الفعل، فى قولهم: إليك ووراءك وعليك ~~زيدا، ودونك عمرا، وجاءنى من عندك، والذى فى الدار زيد، كذلك وقعت الحال ~~بدلا من الفعل. أراد أن إليك ووراءك، وقعا موقع: تنح وارجع، وعليك ودونك، ~~وقعا موقع: الزم وخذ، ووقع الظرف فى قولك: جاءنى من عندك، والذى فى الدار ~~زيد، موقع: استقر. # قال: فكما قامت هذه الظروف مقام الأفعال، وصارت بمنزلتها، فكان كل واحد ~~منها بدلا من فعل، كذلك صار الحال فى قولهم: هنيئا بدلا من الفعل الذى هو ~~اهنأ أو ليهنئك أو هنأك أو هنؤ، ولما اجتمع الظرف والحال فيما ذكرنا، من ~~كون كل واحد منهما مفعولا فيه، اجتمعا فى أن عملت فيهما معانى الأفعال، نحو: # زيد فيها قائما، وكل (¬2) يوم لك ثوب، ولولا ما ذكرناه من الشبه بينهما ~~ما كان من حكم المعنى أن يعمل فى الاسم المنتصب على الحال، ألا ترى أن ~~الحال عبارة عن الاسم الذى يكون مفعولا به، فى نحو: ضربت زيدا مشدودا، فكما ~~أن المفعول به لا تعمل فيه المعانى، كذلك كان القياس فيما هو عبارة عن ~~المفعول به أن لا يعمل فيه المعنى، لولا ما حصل بين الظرف والحال من ~~المناسبة. # قال: ومثل قوله: «اشرب هنيئا» فى أن «هنيئا» غير متعلق باشرب، وإن كان ~~ذلك فيه جائزا قبل أن يكون بدلا: انتفاء تعلق الظرف فى نحو: عندك زيدا، ~~/ودونك بكرا، بالفعل الذى صار الظرف بدلا منه، وإن كان تعلقه به جائزا قبل ~~أن يقع موقعه، ويعمل عمله، فصار إذا ذكرته معه فكأنك كررت الفعل PageV01P250 # مرتين كقول القائل (¬1): # إذا جشأت نفسى أقول لها ارجعى ... وراءك واستحيى بياض اللهازم # فقوله: «ارجعى وراءك» بمنزلة ارجعى ارجعى، وعلى هذا حمل قول الله تعالى: ~~{قيل ارجعوا وراءكم} (¬2) [لا على أن «وراءكم» ظرف عمل فيه ارجعوا (¬3)] ~~ومنه ما أنشده أبو عبيدة (¬4): # فقلت لها فيئي إليك فإننى ... حرام وإنى بعد ذاك لبيب # فهذا كأنه قال: فيئي فيئي، ومثله قول الآخر فيما أنشده أحمد بن يحيى: # اذهب إليك فإنى من ms122 بنى أسد ... أهل القباب وأهل الخيل والنادى (¬5) # انتهت الحكايات عن أبى على رحمه الله. # فإن قيل: فما فاعل الحال فى [قوله: «اشرب هنيئا» وما فاعل الفعل الذى ~~صارت الحال بدلا منه على (¬6)] قول أبى على؟ # فالجواب: أن الفاعل على قوله ضمير المصدر الذى دل عليه اشرب، فكأنه قيل: ~~هنيئا شربك، وليهنئك شربك، وهنؤ شربك، وهنأك شربك، ومثله فى إضمار المصدر ~~الذى دل عليه فعله قوله تعالى: {ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا} (¬7) أراد PageV01P251 # فما يزيدهم التخويف، وقوله: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم} (¬1) أى ~~لكان الإيمان. # وقول الزجاج فى تفسير قول الله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا} مخالف لقول ~~أبى على، وذاك أنه قال: إن «هنيئا» وقع وهو صفة فى موضع المصدر، فالمعنى: # كلوا واشربوا هنئتم هنيئا [وليهنئكم ما صرتم إليه هنيئا (¬2)] أراد أن ~~«هنيئا» وقع موقع هناء، كما وقع قائما وصائما فى قول القائل: # قم قائما قم قائما ... إنى عسيت صائما (¬3) # فى موضع صياما وقياما، وعكس هذا إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل فى نحو: # {إن أصبح ماؤكم غورا} (¬4) أى غائرا، وموقع/اسم المفعول فى نحو: قتلته ~~صبرا، أى مصبورا. # وقول الزجاج أقيس من قول أبى على، لأنه نصب «هنيئا» نصب المصدر، PageV01P252 # والمصدر قد استعملته العرب بدلا من الفعل فى نحو: سقيا له ورعيا، وجاء ~~هنيئا على قول الزجاج مفردا بعد لفظ الجمع فى قوله تعالى: {كلوا واشربوا ~~هنيئا} لأنه وقع موقع المصدر، والمصدر يقع مفردا فى موضع التثنية، وفى موضع ~~الجمع، كقولك: ضربتهما ضربا وقتلتهم (¬1) قتلا، لأنه اسم جنس، بمنزلة العسل ~~والبر والزيت، فلا يصح تثنيته [وجمعه (¬2)] إلا أن يتنوع، وجعل أبو الفتح ~~بن جنى «هنيئا» فى قول كثير (¬3): # هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت # حالا وقعت بدلا من اللفظ بالفعل، وخالف أبا على فى تقدير ذلك الفعل، فزعم ~~أن التقدير: ثبت هنيئا لعزة ما استحلت من أعراضنا، فحذف «ثبت» وأقام ~~«هنيئا» مقامه فرفع به الفاعل الذى هو «ما استحلت»، وكذلك قال فى قول ~~المتنبى (¬4): # هنيئا لك ms123 العيد الذى أنت عيده # قال: العيد مرفوع بفعله، والأصل: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت ~~الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه. # وقول أبى الفتح فى هذا أشبه من قول أبى على، لأن أبا على زعم أن هنيئا ~~وقع موقع ليهنئك، وهذا لفظ أمر، والأمر لا يقع حالا، أو موقع هنأك، وهذا ~~لفظ خبر يراد به الدعاء، كقولهم: رحم الله فلانا، والدعاء أيضا لا يكون ~~حالا. PageV01P253 # والفاعل فى «اشرب هنيئا» على تقدير أبى الفتح مضمر أيضا، كأنه قيل: # اشرب ثبت هنيئا شربك، وقال أبو على أيضا فى أثناء كلامه فى قوله: «اشرب ~~هنيئا»: «فهذا بمنزلة اشرب واهنأ، جملة أتبعت جملة (¬1)»، فأتى فى التقدير ~~بعاطف ليس فى الكلام، وصرح بلفظ الأمر، والعدول عن هذا التقدير إلى ما قدره ~~ابن جنى أولى، ثم إن أبا على تلزمه المطالبة له بناصب هذه الحال، فلا بد/أن ~~يقول إن الناصب لها هو الفعل الذى هو بدل منه، لأنه قد منع أن تكون متعلقة ~~باشرب، فالتقدير على مذهبه فيها: اهنأ هنيئا، وهذا كقولك، اجلس جالسا، أى ~~اجلس فى حال جلوسك، وهذا كلام بعيد من الفائدة، ولا يلزم هذا الاعتراض ~~الزجاج، لأن التقدير عنده: هنئتم هنيئا، أو ليهنئكم ما صرتم إليه هنيئا، ~~كما أن التقدير فى قول القائل: قم قائما: قم قياما. # فأما فتحة الظرف من قولهم: وراءك أوسع لك (¬2)، ومن قولهم: عندك زيدا، ~~ودونك بكرا، فهى بناء عند حذاق النحويين، لأن الظرف وقع موقع الأمر المبنى، ~~فأدى معناه وعمل عمله. # وأما قوله: «عليك التاج» فجملة فى موضع الحال، يجوز أن يكون العامل فى ~~موضعها: اشرب، فيكون التقدير: اشرب متوجا، ويجوز أن يكون العامل فى موضعها ~~على مذهب أبى على: هنيئا، كأنه قال: اهنأ متوجا، ويعمل فيها على مذهب ~~الزجاج الفعل الذى نصب هنيئا نصب المصدر، والتقدير: هنئت هناء متوجا. # وأما قوله: «مرتفقا» فيمكن أن يكون حالا من أحد ثلاثة أشياء، وذلك الضمير ~~الذى فى «اشرب» أو الذى فى «هنيئا» على قول أبى على، ms124 أو الكاف من PageV01P254 # «عليك» والضمائر الثلاثة واحد فى المعنى، لأنهن للمخاطب، وحسن أن يكون ~~«مرتفقا» حالا من الكاف فى عليك، لقربها منه، ولملاءمة التتويج للارتفاق، ~~وهو الاتكاء. # وأما قوله: «فى رأس غمدان» فيمكن تعلق الظرف فيه بعاملين: أحدهما ~~«مرتفقا» والآخر ما فى «عليك» من معنى الفعل، فأما تعلقه بمرتفق فعلى ~~وجهين: أحدهما أن يكون ظرفا، كأنه بين موضع الارتفاق أين هو، والآخر أن ~~يكون الظرف فى موضع الحال من الذكر (¬1) الذى فى مرتفق، فيتعلق/على هذا ~~الوجه بمحذوف، وفيه ذكر يعود إلى ذى الحال، والتقدير: كائنا أو مستقرا فى ~~رأس غمدان، والثانى من العاملين اللذين جاز تعلق الظرف بهما هو ما فى ~~«عليك» من معنى الفعل. # وتعلق الظرف أيضا بعليك على ضربين: أحدهما أن يكون ظرفا، والآخر أن يكون ~~حالا، فتعلقه بعليك على وجه الظرف هو أن يبين الموضع الذى علاه فيه التاج، ~~ولا ذكر فى الظرف على هذا الوجه، لأنه لم يتعلق بمحذوف، وإنما تعلق بمعنى ~~الفعل، كما يتعلق بنفس الفعل لو قيل: توجت فى رأس غمدان، وإذا كان حالا ~~فالعامل فيه العامل فى ذى الحال، وذو الحال أحد ثلاثة أشياء: إن شئت جعلته ~~حالا من الضمير المستكن فى «عليك» العائد إلى التاج، وذلك فى قول من رفع ~~التاج بالابتداء، وإن شئت جعلته حالا من التاج، فى قول (¬2) من رأى أن يرفع ~~هذا النحو بالظرف، فالتاج مرتفع بعليك ارتفاع الفاعل، ولا ذكر فى «عليك» ~~على هذا القول، والتاج إذا هو ذو الحال، وإن شئت كان ذا الحال الكاف من ~~«عليك» كأنه قال: عليك التاج حالا فى رأس غمدان. PageV01P255 # وأما قوله: «دارا» فحال من رأس غمدان، وأجاز أبو على (¬1) أن يكون حالا ~~من غمدان، قال: لأن الحال قد جاءت من المضاف إليه، نحو ما أنشده أبو زيد (¬2): # عوذ وبهثة حاشدون عليهم ... حلق الحديد مضاعفا يتلهب # وليس فى هذا البيت شاهد قاطع بأن «مضاعفا» حال من «الحديد» بل الوجه أن ~~يكون حالا من «الحلق» لأمرين: أحدهما: ضعف مجىء الحال من المضاف إليه، ms125 على ~~ما قدمت ذكره فى أماكن من هذه الأمالى (¬3)، والآخر: أن وصف الحلق بالمضاعف ~~أشبه من وصف الحديد به، كما قال أبو الطيب (¬4): # أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن فى الحلق المضاعف والقنا # ويتوجه ضعف ما قاله من جهة أخرى، وذلك أنه لا عامل (¬5) [له] فى هذه ~~الحال إذا كانت من الحديد، إلا ما قدره فى الكلام من معنى الفعل بالإضافة، ~~وذلك قوله: ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة من أن تكون بمعنى اللام أو من (¬6). # وأقول: إن «مضاعفا» فى الحقيقة إنما هو حال من الذكر المستكن فى «عليهم» ~~إن رفعت «الحلق» بالابتداء، وإن رفعته بالظرف على قول الأخفش والكوفيين، ~~فالحال منه، لأن الظرف حينئذ يخلو من ذكر (¬7). PageV01P256 # فإن قيل: إن «دارا» اسم غير وصف، فكيف انتصب على الحال، ومن شرائط الحال ~~الاشتقاق، لأنها صفة معنوية، ومن شرط الصفة أن تكون مشتقة. # فالجواب: أنهم قد استعملوا أسماء لست بأوصاف أحوالا، فمن ذلك فى التنزيل ~~قوله تعالى: {هذه ناقة الله لكم آية} (¬1) وقولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا ~~(¬2)» وقولهم: «العجب من بر مررنا به قبل قفيزا بدرهم (¬3)» قال أبو على: ~~وهذا من طريق القياس بين أيضا، لأن الحال إنما هى زيادة فى الخبر، فكما أن ~~الخبر يكون تارة اسما وتارة وصفا، فكذلك الزيادة عليه. # وأقول: إن هذه الأسماء التى استعملوها أحوالا، لا بد لها من تأويل يدخلها ~~فى حيز المشتق، كما قالوا: «مررت بقاع عرفج كله (¬4)»، لأنهم ذهبوا به مذهب ~~خشن كله، وقوله تعالى حاكيا عن صالح عليه السلام: {هذه ناقة الله لكم آية} ~~أراد علامة دالة على أنى نبى، وقولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» تقديره: ~~هذا إذا كان صلبا أطيب منه إذا كان لينا، وقولهم: «العجب من بر مررنا به ~~قبل قفيزا بدرهم» أى مقدرا ثمانية مكاكيك بدرهم، وكذلك نصب «دارا» على ~~الحال، لأنه ذهب بها مذهب المسكن والمنزل. PageV01P257 # وقوله: «منك» وصف لدار، بتقدير حذف مضاف، أى دارا من دورك. # /ومحلال: من الحلول، وهو النزول، وجاء بلفظ التذكير، والدار اسم ms126 مؤنث، ~~لأن ما جاء على مفعال يستوى فيه الذكور والإناث، كاستوائهما فى فعول، ~~قالوا: امرأة مذكار ومئناث، كما قالوا: امرأة صبور وشكور. # ... PageV01P258 ### || AUTO المجلس السادس والعشرون # وهو مجلس يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة، سنة ست وعشرين وخمسمائة. # سألتنى سددك الله وأيدك، ووفقك لما يرضيه وأرشدك، أن أذكر لك أبيات أبى ~~الصلت التى منها: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا # وأفسر منها ما يجب تفسيره، والممدوح بها سيف بن ذى يزن الحميرى، وذلك أنه ~~بعد ظفره بالحبشة واستقراره فى دار مملكته، وفدت عليه وفود العرب يهنئونه ~~بالملك والظفر، ودخل عليه أبو الصلت فى وفد ثقيف، وقيل: إن قائل هذه ~~الأبيات أمية بن أبى الصلت (¬1)، فأنشده: # ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... لجج فى البحر للأعداء أحوالا # أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذى قالا # ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة ... من السنين لقد أبعدت قلقالا # حتى أتى ببنى الأحرار يقدمهم ... تخالهم فوق سهل الأرض أجبالا # لله درهم من عصبة صبر ... ما إن رأيت لهم فى الناس أمثالا PageV01P259 # بيض مرازبة غلب أساورة ... أسد تربب فى الغيضات أشبالا # حملت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى البحر فلالا (¬1) # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا (¬2) # /ثم اطل المسك (¬3) ... إذ شالت نعامتهم # وأسبل اليوم فى برديك إسبالا # هذى المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا (¬4) # الوتر: الذحل، قال يونس: أهل العالية يقولون: الوتر، بالكسر، فى العدد ~~والذحل، وتميم تقول: وتر، بالفتح فيهما. # وكان ذو يزن ملكا، وإليه نسبت الرماح اليزنية. # وأذواء اليمن كان منهم ملوك، ومنهم أقيال، والقيل: دون الملك، فمن ~~الأذواء الأوائل: أبرهة ذو المنار، وابنه عمرو، ذو الأدعار، والمنار: مفعل ~~من النور (¬5)، والأدعار: جمع عود دعر (¬6)، وهو الكثير الدخان، وقيل هو: ~~الأذعار بالذال المعجمة (¬7)، PageV01P260 # وبعد ذى الأدعار بدهر: «ذو معاهر»، واسمه حسان، واشتقاق معاهر من العهر، ~~وهو الفجور، واشتقاق حسان من الحس، وهو القتل، من قوله جلت عظمته: {إذ ~~تحسونهم بإذنه} (¬1) ولو ms127 اشتققته من الحسن صرفته، ولم ينصرف فى القول ~~الأول، لأنه فعلان، وتصرفه فى الثانى، لأنه فعال. # وبعد ذى المعاهر بزمان «ذو رعين الأكبر» واسمه يريم، ورعين: اسم حصن كان ~~له، وهو فى الأصل تصغير رعن، والرعن: الأنف النادر من الجبل، ويريم من ~~قولك: فلان لا يريم مكانه: أى لا يبرح من مكانه، قال زهير (¬2): # لمن طلل برامة لا يريم # و «ذو رعين الأصغر» واسمه عبد كلال. # وبعده بدهر: «ذو شناتر» واسمه ينوف، من قولهم: ناف الشىء ينوف: إذا طال ~~وارتفع، والشناتر (¬3): الأصابع فى لغة أهل اليمن. # ومنهم «ذو القرنين» واسمه الصعب، و «ذو غيمان» وهو من الغيم، الذى هو ~~العطش وحرارة الجوف، و «ذو أصبح» وإليه تنسب السياط الأصبحية، و «ذو سحر ~~وذو جدن» وجدن: اسم مرتجل، و «ذو شعبان» و «ذو فائش» واسمه سلامة، وفائش: ~~من الفياش، وهو المفاخرة، و «ذو حمام» والحمام: حمى الإبل (¬4)، و «ذو ~~ترخم» من قولهم: ما أدرى أى ترخم PageV01P261 # هو؟ أى أى الناس، و «ذو يحصب» من قولهم: حصبه يحصبه: إذا رماه بالحصباء، ~~وهى الحصى الصغار، و «ذو عسيم (¬1)»، ويحتمل أن يكون من العسم، وهو يبس فى ~~المرفق، وأن يكون من العسم، وهو الطمع، و «ذو قثاث» واشتقاقه من قولهم: قث ~~يقث: إذا جمع، و «ذو حوال» واسمه عامر، وحوال: # من المحاولة، وهى الطلب، و «ذو مهدم» وهو مفعل من هدمت البيت، و «ذو ~~الجناح» واسمه شمر، و «ذو أنس» والأنس: الجماعة من الناس، و «ذو سحيم» ~~وسحيم: تصغير أسحم، وهو الشديد السواد، و «ذو الكباس» والكباس: الرجل ~~العظيم الرأس، و «ذو حفار» وهو من قولك: حفر البئر. # و «ذو نواس» واسمه زرعة، ونواس من النوس، وهو تذبذب الشىء وشدة حركته، ~~وسمى بذلك لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه، وهو صاحب الأخدود الذى حرق فيه ~~المؤمنين، وكانوا نصارى من أهل نجران، على الدين الأول الذى جاء به عيسى بن ~~مريم عليه السلام، وكان ذو نواس دعاهم إلى اليهودية فأبوا فحرقهم، ثم ظهرت ~~الحبشة على اليمن، ms128 فحاربوا ذا نواس أشد حرب، فلما أيقن بالهلاك اعترض البحر ~~بفرسه، فكان آخر العهد به، وذكره عمرو بن معديكرب، فى شعر قاله لعمر رضى ~~الله عنه، وقد خفقه عمر بالدرة، لكلام دار بينهما فقال: # أتضربنى كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس (¬2) # فكم ملك قديم قد رأينا ... وعز ظاهر الجبروت قاس # فأصبح أهله بادوا وأضحى ... ينقل من أناس فى أناس # /فقال: صدقت يا أبا ثور، وقد هدم ذلك كله الإسلام PageV01P262 # ومنهم «ذو الكلاع الأكبر، وذو الكلاع الأصغر» وأدرك الأصغر الإسلام، كتب ~~إليه النبى صلى الله عليه وآله وسلم، مع جرير بن عبد الله البجلى، فأسلم ~~وأعتق يوم أسلم أربعة آلاف عبد، وهاجر بقومه فى أيام أبى بكر رضى الله عنه ~~إلى المدينة، ثم سكنوا حمص. # واشتقاق الكلاع من الكلع، وهو شقاق ووسخ يكون فى القدم، يقال منه: # كلعت رجله، وروى فى كاف «ذى الكلاع» الضم والفتح، كما قالوا: سفيان ~~وسفيان، فضموا سينه وكسروها (¬1)، وكما قالوا: القطامى والقطامى، بفتح ~~القاف وضمها. # ومنهم «ذو عثكلان» وعثكلان من الأسماء المرتجلة، و «ذو ثعلبان» ~~والثعلبان: ذكر الثعالب، و «ذو زهران» و «ذو مكارب» من قولهم: # رجل ذو مكارب: أى ذو مفاصل شداد، واحدها مكرب، و «ذو مناخ» وكان نزل (¬2) ~~ببعلبك. و «ذو ظليم» واسمه حوشب، والحوشب: العظيم البطن، والظليم: # ذكر النعام، وشهد ذو الظليم صفين مع معاوية. # و «يزن»: اسم مرتجل، وهو غير مصروف فى حال السعة، لأن أصله: # يزأن، مثل يسأل، فخففوا همزته، فصار وزنه: يفل، مثل يسل، ومنهم من رد ~~عينه فى النسب، فقال (¬3): رمح يزأنى. # ولجج: ركب لجج البحر، ولجة البحر: معظمه، وقوله: «للأعداء» أى لطلب ~~الأعداء، وقوله: «أحوالا» أراد جمع حول، لا جمع حال، وقوله: # «شالت نعامته» أى تفرقت جماعته. PageV01P263 # و «هرقل» غير مصروف للتعريف والعجمة، وهو اسم ملك الروم، وكان وفد عليه ~~سيف يستنصره على الحبشة، فشاور فى ذلك وزراءه، فقالوا له: إن الحبشة على ~~دينك، وهذا دينه مخالف لدينك، فوعده ومطله سنين، فلما يئس منه رجع إلى ms129 ~~الحيرة، فصار إلى ملك من ملوك فارس، /وهو هرمز بن قباذ، فبعث معه جندا، ~~فأمر عليهم إسوارا من أكابر أساورته يقال له: وهرز، وكان قد أتى عليه مائة ~~وعشرون سنة، وسقط حاجباه على عينيه، فساروا فى البحر فى عشر سفائن، فغرق ~~منها ثلاث، وأرفئوا ما بقى منها إلى ساحل عدن، وتسامعت بهم الحبشة، ~~فاجتمعوا إلى ملكهم مسروق بن أبرهة، واستعدوا لقتالهم، وخرج مسروق على فيل، ~~وعلى رأسه تاج من ذهب، وبين عينيه ياقوته حمراء، وانضم إلى سيف جمع كثير من ~~أهل اليمن، والتقوا فاقتتلوا مليا، فقال وهرز: على أى الدواب ملكهم؟ ~~فقالوا: على الفيل، فقاتلهم ساعة، فقالوا له: قد تحول إلى فرس، فقاتلهم ~~ساعة، فقالوا له: # قد تحول إلى بغل، فقال (¬1): ابن الحمار! ذل الأسود وذل ملكه، ثم قال: ~~اسمتوا لى سمته، فلما استقر بصره عليه، وقد رفع حاجبيه عن عينيه، أخذ قوسه ~~ولم يكن أحد يوترها غيره، وسدد إليه سهما، وقال: إنى راميه رمية، فإن أكبت ~~عليه الحبشة ولم يتفرقوا، فاحملوا عليهم فإنى قد قتلته، وإن أكبوا عليه ثم ~~تفرقوا، فلا تبرحوا مكانكم. # ثم نزع فى قوسه فرماه ففلق الياقوتة، وتغلغل السهم فى رأسه، فخر لوجهه، ~~فأكبت عليه الحبشة ولم يتفرقوا، فحملت الفرس عليهم، فقتلوا من أدركوه منهم ~~وانهزم الباقون، فكان الرجل منهم يأخذ العود، فيضعه فى فيه يستأمن به، ~~ويدخل النفر منهم [إلى (¬2)] الحائط أو الدار، فتقتلهم النساء والصبيان، ~~حتى أتى على آخرهم. PageV01P264 # وكان كسرى عهد إلى وهرز فقال: إذا ظفرت بالحبشة فاجمع وجوه أهل اليمن، ~~وسلهم عن سيف، فإن كان ابن ملوكها كما زعم، فتوجه بهذا التاج وملكه عليهم، ~~وإن كان كاذبا فاقتله واكتب إلى لأكتب إليك برأيى، فلما تمكن فى البلد جمع ~~أبناء الملوك ورؤساء اليمن، وقال لهم: كيف سيف فيكم؟ فقالوا: ملكنا وابن ~~أملاكنا، أدرك بثأرنا، فتوجه وملكه، وكتب إلى كسرى بذلك، فأقر/وهرز ومن معه ~~باليمن، فهم الأبناء (¬1) إلى اليوم. # وقوله: «أبعدت قلقالا» القلقال: سرعة الحركة، ورجل قلقل: خفيف، وبعير ~~قلاقل: سريع، وليس فى الكلام ms130 فعلال إلا من المضاعف (¬2)، نحو الخضخاض، وهو ~~ضرب من القطران، والجثجاث، وهو نبت، ومن الصفات الحسحاس، وهو من الرجال: ~~السخى المطعم، والقسقاس: الدليل الهادى. # وقوله: «حتى أتى ببنى الأحرار» سميت فارس: الأحرار، لأنهم خلصوا من سمرة ~~العرب وشقرة الروم وسواد الحبشة، وكل خالص فهو حر، وطين حر: # لا رمل (¬3) فيه. # والمرازية: واحدهم مرزبان، وهو العظيم من الفرس، قال سويد بن أبى كاهل ~~اليشكرى: # ومنا بريد إذ تحدى جموعكم ... فلم تقربوه، المرزبان المسور (¬4) PageV01P265 # ولهذا البيت قصة، وفيه ما يقتضى كلاما وسؤالا، وسأذكر ذلك بعد انتهاء ~~الكلام فيما نحن فيه، إن شاء الله تعالى. # وقوله: «غلب أساورة» واحد الغلب: أغلب، وهو الغليظ العنق، وواحد ~~الأساورة: أسوار، وهو الفارس من الفرس، وقد كسر بعضهم أوله، والضم أشهر (¬1). # وقوله: «تربب فى الغيضات» الغيضة: الأجمة، وتربب: تربى. # وقوله: # أضحى شريدهم فى البحر فلالا (¬2) # وضع الشريد فى موضع الشراد، فلذلك وصفه بفلال (¬3)، وفعيل كثيرا ما ~~تستعمله العرب فى معنى الجماعة، كما جاء فى التنزيل: {والملائكة بعد ذلك ~~ظهير} (¬4) وجاء: {وحسن أولئك رفيقا} (¬5) و {خلصوا نجيا} (¬6). # وغمدان: قصر كان بصنعاء، لم ير مثله من البنيان القديم، وكانت الملوك ~~تنزله حتى هدمه عثمان بن عفان رضى الله عنه فى أيامه، وله رسوم باقية إلى ~~اليوم، وصنعاء من المدن التى لا يدرى من بناها: صنعاء باليمن، وإصطخر ~~بفارس، والأبلة بالعراق، وتدمر بالشام. # وقول سويد بن أبى كاهل: PageV01P266 # ومنا بريد إذ تحدى جموعكم ... فلم تقربوه، المرزبان المسور (¬1) # فبارزه منا غلام بصارم ... حسام إذا لاقى الضريبة يبتر # قاله لبنى شيبان يوم ذى قار، وقد برز إسوار من عظماء الأعاجم مسور، فى ~~أذنيه درتان، فتحدى للبراز، فنادى فى بنى شيبان، فلم يبارزه أحد، فدنا من ~~بنى يشكر فدعا إلى البراز، فخرج إليه بريد (¬2) بن حارثة، أخو بنى ثعلبة بن ~~عمرو، فطعنه فأرماه عن فرسه، ثم نزل إليه فأجهز عليه ضربا بالسيف، وأخذ ~~حليته وسلاحه، ففخر سويد بذلك على بنى شيبان. # وقوله: «تحدى جموعكم» يقال: تحدى فلان فلانا: إذا دعاه إلى أمر ليظهر ms131 ~~عجزه فيه، ونازعه الغلبة فى قتال أو كلام أو غير ذلك، ويقول له إذا أراد ~~ذلك منه: أنا حدياك، أى أبرز لك وحدى (¬3)، والنبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~تحدى العرب قاطبة بالقرآن، حيث قالوا: افتراه، فأنزل الله عليه: {أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} (¬4) فلما عجزوا عن الإتيان بعشر ~~سور تشاكل القرآن، قال تعالى: {قل فأتوا بسورة مثله} (¬5) ثم كرر هذا فقال: ~~{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (¬6) أى من ~~كلام مثله، وقيل (¬7): من PageV01P267 # بشر مثله، ويحقق القول الأول الآيتان المقدم ذكرهما، فلما عجزوا عن أن ~~يأتوا بسورة تشبه القرآن، على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، قال: {قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا} (¬1). # فإن قيل: فما العامل فى «إذ» من قوله: «إذ تحدى جموعكم» وهل يجوز أن يعمل ~~فيه «تحدى»؟ # فالجواب: لا يصح أن يعمل فيه «تحدى» لأن المضاف (¬2) إليه لا يعمل فى ~~المضاف، من حيث كان المضاف إليه حالا محل التنوين من المضاف، معاقبا له، ~~فهو متنزل/منزلة جزء من أجزاء المضاف، وإذا فسد أن يعمل فيه «تحدى» احتمل ~~العامل فيه تقديرين: أحدهما أن قوله: «ومنا بريد» كلام افتخر فيه ببريد، ~~وفعله فى ذلك اليوم، فكأنه قال: فخرناكم ببريد إذ تحدى جموعكم المرزبان، أو ~~أفخرنا بريد، أى جعلنا نفخر. # والتقدير الآخر، أن يكون أراد: اذكروا إذ تحدى جموعكم المرزبان، كما قيل ~~فى قوله عز وجل: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} (¬3) إن ~~التقدير: واذكر إذ قال ربك للملائكة، وقد ظهر هذا العامل المقدر هاهنا فى ~~قوله تعالى: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم} (¬4). # والهاء من قوله: تقربوه عائدة على المرزبان، وإن كان مؤخرا فى اللفظ فإنه ~~مقدم فى المعنى، لأن أصل الكلام: إذ تحدى جموعكم المرزبان فلم تقربوه، ~~ومثله فى إعمال الأول: أكرمنى وأكرمته زيد، عادت الهاء من قولك: أكرمته، ~~على زيد، PageV01P268 # وهو مؤخر، لأن النية ms132 به التقديم، ومثله فى إعمال الأول قول ذى الرمة (¬1): # ولم أمدح لأرضيه بشعرى ... لئيما أن يكون أصاب مالا # ... PageV01P269 ### || AUTO المجلس السابع والعشرون # وهو مجلس يوم الثلاثاء، سابع رجب، سنة ست وعشرين وخمس مائة. # قال زيد بن عبد (¬1) ربه، وقيل: ليزيد بن الحكم الثقفى: # تكاشرنى كرها كأنك ناصح ... وعينك تبدى أن صدرك لى دوى (¬2) # لسانك لى أرى وعينك (¬3) ... علقم # وشرك مبسوط وخيرك ملتوى # أراك إذا لم أهو أمرا هويته ... ولست لما أهوى من الأمر بالهوى # /عدوك يخشى صولتى إن لقيته ... وأنت عدوى ليس هذا بمستوى PageV01P270 # وكم موطن لولاى طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوى # إذا ما ابتنى المجد ابن عمك لم تعن ... وقلت ألا (¬1) بل ليت بنيانه خوى # وإنك إن قيل ابن عمك غانم ... شج أو عميد أو أخو مغلة لوى # تملأت من غيظ عليه فلم يزل ... بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوى # وقال النطاسيون إنك مشعر ... سلالا ألا بل أنت من حسد جوى # جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... خلالا ثلاثا لست عنها بمرعوى # فليت كفافا كان خيرك كله ... وشرك عنى ما ارتوى الماء مرتوى (¬2) # قوله: «تكاشرنى» يقال: كاشر الرجل الرجل: إذا كشر كل واحد منهما لصاحبه، ~~وهو أن يبدى له أسنانه عند التبسم. # وقوله: «كرها» مصدر وقع فى موضع الحال، أى كارها، ومثله فى التنزيل: # {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} (¬3) أى كارهات، والكره بالضم: اسم ~~للمكروه، ومنه: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} (¬4) وقيل إنهما لغتان، مثل ~~الشرب والشرب، والضعف والضعف، /ومن غير المصادر: الدف والدف، والشهد ~~والشهد. # والدوى: الذى به داء. والأرى: العسل، والعلقم: الحنظل الأخضر. PageV01P271 # وقوله: «لسانك لى أرى وعينك علقم» من باب: «فهن إضاء صافيات (¬1)» ~~{وأزواجه أمهاتهم} (¬2) وأبو يوسف أبو حنيفة، وأداة التشبيه فى هذا كله ~~محذوفة، وبتقديرها انتصب المميز فى قولك: زيد زهير شعرا، وأخوك حاتم جودا، ~~وفى قول مهيار (¬3): # أين ظباء المنحنى ... سوالفا وأعينا # أراد: أين أمثال ظباء المنحنى، فحذف المضاف وأعمله مقدرا فى النكرة ~~المفسرة. # وقوله: «يخشى صولتى» الصولة: مصدر صال ms133 (¬4) عليه، إذا استطال عليه، ~~والمراد بالصولة الكثرة، كالصول، وليست بمنزلة الضربة من الضرب، والقولة من ~~القول، ولكنهما كالغلبة والغلب، فالصولة مصدر جاء على فعلة، كالرحمة، فإذا ~~قلت: فلان ذو صولة، لم ترد أنه يفعل ذلك مرة فقط. # وقوله: «وكم موطن» أى كم مكان حرب، ومقام حرب، وفى التنزيل: {لقد نصركم ~~الله في مواطن كثيرة} (¬5) أى مكانات (¬6) حرب، ويروى: «وكم خطة» PageV01P272 # والخطة: الحال الشاقة، ويقال: طاح الرجل يطوح ويطيح، إذا هلك، فمن قال: # يطوح قال: طحت، مثل قلت، ومن قال: يطيح قال: طحت، مثل بعت. # وقوله: «كما هوى بأجرامه» يقال: هوى يهوى هويا، إذا سقط، وبأجرامه: # أى بذنوبه (¬1)، جمع جرم، ويروى «بإجرامه» مصدر أجرم، يقال: جرم وأجرم، ~~لغتان، إذا أذنب، وأجرم لغة القرآن. # والنيق: أرفع الجبل، وقلته: ما استدق من رأسه، والجملة التى هى «لولاى ~~طحت» محلها جر على النعت لموطن، والعائد منها إلى الموصوف محذوف مع حرف ~~الجر، والتقدير: كم موطن لولاى طحت فيه، فحذف «فيه» فى مرة (¬2)، ومنهم من ~~يقدر حذف الجار أولا، ثم حذف الضمير بعده، وقد استوفيت القول فى هذا فى بعض ~~ما قدمته من الأمالى (¬3). # ويقال: خوى المنزل يخوى، مثل رمى يرمى، وخوى يخوى، مثل رضى يرضى، لغتان، ~~الأولى منهما أشهر. PageV01P273 # وقوله: # شج أو عميد أو أخو مغلة لوى # الشجى: الحزين المهموم، والشجى: الغصان، وكل ما اعترض فى الحلق فمنع من ~~الإساغة فهو شجى، والعميد: الذى فدحه (¬1) المرض حتى احتاج إلى أن يعمد، أى ~~يسند، فهو فعيل فى معنى مفعول، وعميد القوم: هو سيدهم، فعيل فى معنى فاعل، ~~من قولك: عمدت الشىء: إذا جعلت له عمادا. # والمغلة والمغل أيضا: وجع البطن، فيكون فى الدواب عن أكل التراب. # واللوى: الوجع الجوف، والمصدر اللوى (¬2). # وقوله: «تنشوى» يقال: شويت اللحم فانشوى، هذا حقيقة مطاوع شويت، وقد ~~قالوا: شويته فاشتوى، وهى رديئة (¬3)، والصحيح أن اشتويت بمعنى شويت، جاء ~~منه افتعلت بمعنى فعلت، كما قالوا: قدرت واقتدرت، وعلوت واعتليت، فالمشتوى ~~هو الرجل. # والنطاسى: العالم، وأراد بالنطاسيين العلماء بالطب. # وقوله: «مشعر سلالا» ms134 أى ملبس شعارا من سلال، والشعار: ما ولى الجسد من ~~الثياب. والسلال: السل، والجوى: من الجوى، وهو داء القلب. # وقوله: PageV01P274 # جمعت وفحشا غيبة ونميمة (¬1) # أراد: جمعت غيبة ونميمة وفحشا، فقدم المعطوف على المعطوف عليه، ولا يجوز ~~تقديم التابع على المتبوع للضرورة إلا فى العطف، دون الصفة والتوكيد ~~والبدل، فلو قلت: ضربت رأسه زيدا، وأكلت كله الرغيف، لم يجز، وأشد من هذا ~~فى الامتناع أن تقول: رأيت (¬2) أجمعين القوم، لأنك أوليت «أجمعين» العامل، ~~والعرب لم تستعمله إلا تابعا، وكذلك لا يجوز: مررت بالطويل زيد، على أن ~~تجعل الطويل صفة لزيد، ولكن إن أردت: مررت بالرجل الطويل، فحذفت ~~الموصوف/وأبدلت زيدا من الصفة، جاز على قبح، لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة ~~مقامه مما شدد فيه سيبويه (¬3)، وإن كان قد ورد ذلك فى الاستعمال على شذوذه ~~(¬4)، كقوله تعالى: # {وقليل من عبادي الشكور} (¬5) أى العبد الشكور، وكقوله: {أن اعمل سابغات} ~~(¬6) أى دروعا سابغات، وكقوله: {وذلك دين القيمة} (¬7) أى الأمة القيمة. # وإنما جاز فى الضرورة تقديم المعطوف على المعطوف عليه، ولم يجز ذلك فى ~~الصفة والتوكيد والبدل، لأن المعطوف (¬8) غير المعطوف عليه، والصفة هى ~~الموصوف، PageV01P275 # وكذلك المؤكد عبارة عن المؤكد، والبدل إما أن يكون هو المبدل أو بعضه أو ~~شيئا ملتبسا به. # ومثل قوله: # جمعت وفحشا غيبة ونميمة # قول الآخر: # ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام (¬1) # وقوله: «خلالا ثلاثا» بدل من قوله: «غيبة ونميمة وفحشا» بدل نكرة من ~~نكرة، وجمع من جمع. # وقوله: «لست عنها بمرعوى» يقال: ارعوى عن القبيح: أى رجع عنه. ### ||| AUTO فصل فى وقوع المضمر بعد «لولا» التى يرتفع الاسم بعدها بالابتداء # وللنحويين فى ذلك ثلاثة مذاهب: فمذهب سيبويه (¬2) أنه يرى إيقاع المنفصل ~~المرفوع بعدها هو الوجه، كقولك: لولا أنت فعلت كذا، ولولا أنا لم يكن كذا، PageV01P276 # ولا يمتنع من إجازة استعمال المتصل بعدها، كقولك: لولاى ولولاك ولولاه، ~~ويحكم بأن المتصل بعدها مجرور بها، فيجعل لها مع المضمر حكما يخالف حكمها ~~مع المظهر. # ومذهب الأخفش أن الضمير المتصل بعدها ms135 مستعار للرفع، فيحكم بأن موضعه رفع ~~بالابتداء، وإن كان بلفظ الضمير المنصوب أو المجرور، فيجعل حكمها مع المضمر ~~موافقا حكمها مع المظهر. # ومذهب أبى العباس محمد (¬1) بن يزيد أنه لا يجوز أن يليها من المضمرات ~~إلا المنفصل المرفوع، واحتج بأنه لم يأت فى القرآن غير ذلك، وذلك قوله ~~تعالى: {لولا أنتم لكنا مؤمنين} (¬2) وقد ذكرت أن هذا هو الوجه عند سيبويه، ~~ولكنه وأبا الحسن الأخفش رويا عن العرب وقوع الضمائر المتصلة بعدها، واحتج ~~سيبويه بقول الشاعر فى هذه القصيدة: «وكم موطن لولاى طحت» ودفع أبو العباس ~~الاحتجاج بهذا البيت، وقال: إن (¬3) فى هذه القصيدة شذوذا فى مواضع، وخروجا ~~عن القياس، فلا معرج على هذا البيت. # وأقول: إن الحرف الشاذ أو الحرفين أو الثلاثة، إذا وقع ذلك فى قصيدة من ~~الشعر القديم، لم يكن قادحا فى قائلها، ولا دافعا للاحتجاج بشعره، وقد جاء ~~فى شعر لأعرابى: PageV01P277 # لولاك هذا العام لم أحجج (¬1) # وللمحتج لسيبويه أن يقول: إنه لما رأى الضمير فى لولاى ولولاك ولولاه، ~~خارجا عن حيز ضمائر الرفع، وليست لولا من الحروف المضارعة للفعل، فتعمل ~~النصب كحروف النداء، ألحقها بحروف الجر. # وحجة الأخفش أن العرب قد استعارت ضمير الرفع المنفصل للنصب فى قولهم: # لقيتك أنت، وكذلك استعاروه للجر فى قولهم: مررت بك أنت، أكدوا المنصوب ~~والمجرور بالمرفوع كما ترى، وأشد (¬2) من هذا إيقاعهم إياه بعد حرف الجر فى قولهم: # «أنا كأنت (¬3)، وأنت كأنا»، فكما استعاروا المرفوع للنصب والجر فيما ~~ذكرت لك، كذلك استعملوا (¬4) المنصوب للرفع فى قولهم: لولاى ولولاك ولولاه، ~~وكذلك خالف الأخفش سيبويه فى الضمير المتصل بعسى فى قول بعض العرب: عسانى ~~أن أفعل، وعساك أن تفعل، وعساه أن يفعل، فزعم/الأخفش أن هذا الضمير فاعل ~~عسى، وإن كان بلفظ ضمير النصب، كما كان «أنت» فى قولهم: لقيتك أنت، فى محل ~~النصب، وإن كان موضوعا للرفع، [فكذلك (¬5)] تنزل ضمير النصب فى عسانى وعساك ~~وعساه وعساكما وعساكم وعساكن وعساهما وعساهم وعساهن [بمنزلة PageV01P278 # الضمير فى عسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتن، وعسينا وعسوا وعسين، ومذهب ms136 سيبويه ~~(¬1) أن الضمير فى عسانى وعساك وعساه منصوب بمنزلة الضمير من رمانى ورماك ~~ورماه، لأنه ضمير نصب اتصل بفعل فوجب الحكم بأنه مفعول، وقولك: أن أفعل وأن ~~تفعل وأن يفعل (¬2)] فاعل (¬3) عسى، وجاز لعسى أن تخالف حكمها فتنصب ~~الضمير، وحقها أن ترتفع بها الضمائر، كما يرتفع بها الاسم الظاهر فى قولك: # عسيت أن أفعل، وعسى زيد أن يفعل، لأنها مواخية لعل، لتقاربهما فى المعنى، ~~فتنزل عسانى وعساك وعساه، منزلة لعلى ولعلنى ولعلك ولعله، وهذا عندى هو ~~الوجه، ومذهب الأخفش مذهب يونس. # ... PageV01P279 ### || AUTO المجلس الثامن والعشرون # وهو مجلس يوم الثلاثاء، السادس والعشرين، من شعبان سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة. # يتضمن تفسير قوله من هذه الأبيات: # فليت كفافا كان خيرك كله ... وشرك عنى ما ارتوى الماء مرتوى (¬1) # قال بعض أهل الأدب: هذا البيت مشكل، وقد زاده تفسير أبى على له إشكالا. # وأقول: إن اسم (¬2) ليت ضمير محذوف، وحذف هذا النحو مما تجوزه الضرورة، ~~فإن شئت قدرته ضمير الشأن والحديث، وإن شئت قدرته ضمير المخاطب. # وكفافا: معناه كافا، وهو خبر كان، وخيرك اسمها، وكله توكيد له، والجملة ~~التى هى كان واسمها وخبرها خبر اسم ليت، فالتقدير على أن المحذوف ضمير ~~الشأن: فليته كان خيرك كله كفافا، ومثله فى هذا الإضمار: {إنه أنا الله} ~~(¬3) أى PageV01P280 # إن الشأن، أنا الله، ولا يلزم الجمل إذا كانت أخبارا عن ضمير الشأن أن ~~تتضمن عائدا إليه، لأن الجملة نفسها هى الشأن، فإن حكمت بأن التقدير: فليتك ~~كان كفافا خيرك، فجائز، والعائد على اسم ليت الذى هو ضمير المخاطب الكاف من ~~قوله: خيرك، /ومثله فى حذف الضمير على التقديرين (¬1) قول الآخر (¬2): # فليت دفعت الهم عنى ساعة ... فبتنا على ما خيلت ناعمى بال # أراد: فليتك أو فليته. # فإن قلت: هل يجوز (¬3) أن تنصب «كفافا» بليت، وتجعل «كان» مستغنية ~~بمرفوعها، بمعنى حدث ووقع، وتخبر بالجملة التى هى كان وفاعلها عن كفاف؟ # قيل: إن ذلك لا يصح، لخلو الجملة التى هى كان ومرفوعها من عائد على كفاف، ~~فلو قلت: ليت زيدا قام عمرو، ms137 لم يجز لعدم ضمير فى اللفظ وفى التقدير، راجع ~~على اسم ليت، فإن قلت: إليه أو معه، أو نحو ذلك، صح الكلام. # وأما قوله: «وشرك (¬4)» فقد روى مرفوعا ومنصوبا، فمن رفعه فبالعطف على ~~اسم كان، و «مرتوى» فى رأى أبى على خبره، وكان حق «مرتوى» أن ينتصب، لأنه ~~معطوف على «كفافا» كما تقول: كان زيد جالسا وبكر قائما، تريد: وكان بكر ~~قائما، فكأنه قال: ليتك أو ليت الشأن كان خيرك كفافا، وكان شرك مرتويا PageV01P281 # عنى، وأسكن ياء «مرتوى» فى موضع النصب، لإقامة الوزن، كقول بشر: # كفى بالنأى من أسماء كافى (¬1) # وكان حقه كافيا، لأنه حال، كما قال الآخر: # كفى الدهر لو وكلته بى كافيا (¬2) # ومن روى «وشرك» نصبا، حمله على ليت، وليس المراد بالحمل على ليت أنه ~~منصوب بالعطف على منصوب ليت المذكورة، لأن منصوبها غير ملفوظ به، ولأنك لو ~~لفظت بضمير الشأن لم يجز العطف عليه، لأنه مجهول غير عائد على مذكور، فكيف ~~وهو محذوف؟ ولكنك تحمله على ليت أخرى تقدرها، وليس هذا إضمارا لليت، ولكنه ~~حذف لها، على نية الاعتداد بها، حتى كأنها فى اللفظ، وحسن ذلك تقدم ذكرها. # ومثله فى إعمال ليت وهى محذوفة، جر رؤبة بالباء المقدرة، وقد قيل له: ~~/كيف أصبحت؟ فقال: «خير عافاك الله (¬3)»، فالتقدير: وليت شرك مرتوى [عنى، ~~فمرتوى (¬4)] فى هذا الوجه مرفوع، لأنه خبر ليت، فهذا الذى أراده أبو على بقوله: # إن حملت العطف على كان، كان مرتوى (¬5)، [فى موضع نصب، وإن حملته على PageV01P282 # ليت، نصبت قوله: وشرك. ومرتوى] مرفوع، و «عن» فى الوجهين متعلقة بمرتوى، ~~وجاز تعلقها به، حملا على المعنى، لا بموجب اللفظ، لأن حق اللفظ أن يقول: ~~ارتويت منه أو به، ولكنه محمول على معنى كاف، لأن الشارب إذا روى كف عن الشرب. # ومثله فى القرآن: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} (¬1) وليس حق خالف أن ~~يعدى بعن، ولكنه محمول على معنى يعدلون عن أمره، ومثله تعدية الرفث بإلى، ~~فى قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} (¬2) ولا ms138 يقال: ~~رفثنا إلى النساء، إلا أن ذلك جاء حملا على الإفضاء فى قوله: {وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض} (¬3) وقد استقصيت هذا الفن فيما تقدم (¬4). # وارتوى بمعنى روى، جاء افتعل بمعنى فعل، كقولهم: رقى وارتقى، ومثله من ~~الصحيح خطف واختطف. # و «الماء» بمقتضى ما ذهب إليه أبو على مرفوع، وفى رفعه تأويلان: أحدهما ~~أن تقدر مضافا، أى ما ارتوى شارب الماء، أو أهل الماء، وحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، فاكتسى إعرابه، كقول مهلهل (¬5): # واستب بعدك يا كليب المجلس # أى أهل المجلس، وفى التنزيل: {وأشربوا في قلوبهم العجل} (¬6) [أى حب ~~العجل (¬7)]. PageV01P283 # والتأويل الآخر: أن يراد: ما ارتوى الماء نفسه، وجاز أن يوصف الماء ~~بالارتواء، على طريق المبالغة، كما جاء وصفه بالعطش للمبالغة فى قول ~~المتنبي (¬1): # وجبت هجيرا يترك الماء صاديا # وما هذه مصدرية زمانية، فهى وصلتها فى تأويل ارتواء، وموضعها بصلتها نصب ~~على الظرف، بتقدير مضاف، أى مدة ما ارتوى الماء، أى مدة ارتواء الماء، ~~ومثله فى التنزيل: {خالدين فيها ما دامت السماوات} (¬2) أى مدة دوام ~~السماوات. # وقد تكلف بعض المتأخرين نصب الماء فى القول الذى ذهب إليه أبو على فى ~~البيت، وذلك على إضمار فاعل ارتوى، قياسا على ما حكاه سيبويه، من قولهم: # «إذا كان غدا فأتنى (¬3)»، أى إذا كان ما نحن فيه من الرخاء أو البلاء ~~غدا، فقدر: # ما ارتوى الناس الماء، وأنشد على هذا قول الشاعر (¬4): # فإن كان لا يرضيك حتى تردنى ... إلى قطرى ما إخالك راضيا # أراد إن كان لا يرضيك شأنى، أوما أنا عليه، فأضمر ذلك للعلم به. # وأقول: إن الإضمار فيما حكاه سيبويه، وفى البيت الشاهد، حسن؛ لأنه معلوم، ~~وتقدير إضمار الناس فى قوله: «ما ارتوى الماء» بعيد. PageV01P284 # وغير أبى على ومن اعتمد على قوله، رووا نصب (¬1) «الماء» ولم يرووا فيه ~~الرفع، فلزموا ظاهر اللفظ والمعنى، فذهبوا إلى أن فاعل ارتوى مرتوى، وأبو ~~طالب العبدى منهم، وذلك أنه ذكر لفظ أبى على فى تعريب البيت، ثم قال: وأنا ~~مطالب بفاعل ارتوى، ثم مثل قوله: «ما ms139 ارتوى الماء مرتوى» بقوله: ما شرب ~~الماء شارب، أى أبدا، فدل كلامه على أنه لم يعرف المعنى الذى ذهب إليه أبو ~~على، من نصب مرتوى، على أنه خبر كان، أو رفعه على أنه خبر ليت. # والقول عندى فيه أن الالتزام (¬2) بالظاهر على ما ذهب إليه العبدى أشبه ~~بمذاهب العرب فيما يريدون به التأبيد، كقولهم: لا أفعل (¬3) كذا ما طار ~~طائر، ولا أكلمك ما سمر سامر، وقد مر بى كلام لأبى على، ذهب عنى مكانه، ~~يتضمن تجويز رفع مرتوى بارتوى، وأنا منذ زمان أجيل فكرى وطرفى فى تعرف ~~المكان الذى سنح لى فيه كلامه، فلا أقف عليه (¬4). # و «عن» فيما ذهب إليه العبدى متعلقة بمعنى «كفافا» كأنه قال: فليتك كان ~~خيرك وشرك كافا عنى ما ارتوى الماء مرتوى. # فأما نصب «الماء» فبتقدير حذف الجار، أى ما ارتوى من الماء، أو بالماء، ~~وحذف الجار ثم إيصال الفعل إلى المجرور به مما كثر استعماله فى القرآن ~~والشعر، فمن ذلك قوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} (¬5) أراد: من ~~قومه، ومثله PageV01P285 # قول الفرزدق (¬1): # ومنا الذى اختير الرجال سماحة # وقول رؤبة (¬2)، وذكر النبى صلى الله عليه وآله وسلم: # تحت التى اختار له الله الشجر # أى تحت التى اختارها الله له من الشجر، يعنى الشجرة التى بويع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم تحتها، ومنه قوله تعالى: {ورفع بعضهم درجات} (¬3) ~~أى إلى درجات (¬4)، وقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح} (¬5) أى على عقدة ~~النكاح (¬6)، كما قال القائل (¬7): PageV01P286 # عزمت على إقامة ذى صباح ... لأمر ما يسود من يسود # ومن حذف الباء قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} (¬1) أى ~~يخوفكم بأوليائه، فلذلك قال: {فلا تخافوهم} ومن حذف اللام قوله: # {ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} (¬2) [أراد: ويبغون لها عوجا (¬3)] ومثله: # {والقمر قدرناه منازل} (¬4) أى قدرنا له منازل (¬5)، وحذف حرف الظرف كثير كقوله: # ويوم شهدناه سليما وعامرا (¬6) # وقول الآخر: # فى ساعة يحبها الطعام # أى يحب فيها ### ||| AUTO بيت للرضى # من قصيدة رثى بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الكاتب ms140 الصابى: # إن الوفاء كما اقترحت فلو تكن ... حيا إذا ما كنت بالمزداد (¬7) # جز بلو، وليس حقها أن يجزم (¬8) بها، لأنها مفارقة لحروف الشرط، وإن ~~اقتضت PageV01P287 # جوابا كما تقتضيه إن الشرطية، وذلك أن حرف الشرط ينقل الماضى إلى ~~الاستقبال، كقولك: إن خرجت غدا خرجنا، ولا تفعل ذلك «لو» وإنما تقول: /لو ~~خرجت أمس خرجنا، وقد جاء الجزم بلو فى مقطوعة لامرأة من بنى الحارث بن كعب (¬1): # فارسا ما غادروه ملحما ... غير زميل ولا نكس وكل # لو يشأ (¬2) ... طار به ذو ميعة # لاحق الآطال نهد ذو خصل # غير أن البأس منه شيمة ... وصروف الدهر تجرى بالأجل PageV01P288 # الرواية نصب «فارس (¬1)» بمضمر يفسره الظاهر و «ما» صلة (¬2)، والمفسر من ~~لفظ المفسر، لأن المفسر متعد بنفسه إلى ضمير المنصوب، ولكن لو تعدى بحرف جر ~~أضمرت له من معناه دون لفظه، كقولك: أزيدا مررت به؟ التقدير: أجزت زيدا؟ ~~لأنك إن أضمرت مررت، أضمرت الجار، وذلك مما لا يجوز، فالتقدير إذا: غادروا فارسا. # ويجوز رفع «فارس» بالابتداء، والجملة التى هى «غادروه» وصف له، وغير ~~زميل: خبره، ولا موضع من الإعراب فى وجه النصب للجملة التى هى «غادروه»، ~~لأنها مفسرة، فحكمها حكم الجملة المفسرة، وحسن رفع «فارس»، بالابتداء وإن ~~كان نكرة، لأنه تخصص بالصفة، وإذا نصبته نصبت «غير زميل» وصفا له، ويجوز أن ~~يكون وصفا للحال التى هى «ملحما». # والملحم: الذى ألحمته الحرب، وذلك أن ينشب فى المعركة، فلا يتجه له منها ~~مخرج، ويقال للحرب: الملحمة، والزميل: الجبان الضعيف، والنكس من الرجال: ~~الذى لا خير فيه، مشبه بالنكس من السهام، وهو الذى (¬3) ينكسر فوقه، فيجعل ~~أعلاه أسفله، والوكل: الذى يكل أمره إلى غيره، والميعة: النشاط، والميعة: ~~أول جرى الفرس، والميعة: أول الشباب. # والآطال: الخواصر، وواحدها: إطل، وقد يخفف (¬4)، وهو أحد ما جاء من PageV01P289 # الأسماء على فعل، ومنه إبل، /وحبر (¬1)، من قولهم: بأسنانه حبر، ومن ~~الصفات: # بلز وهى الضخمة من النساء، وأتان إبد، أى متوحشة. # ولاحق الآطال: أى قد لصقت إطله بأختها، من الضمر، وجمعت الإطل فى موضع ~~التثنية، ms141 وذلك أسهل من الجمع فى موضع الوحدة، كقولهم، شابت مفارقه، وبعير ~~ذو عثانين (¬2)، ولو قالت: لاحق الإطلين، بسكون الطاء، أعطت الوزن والمعنى حقهما. # والنهد من الخيل: الجسيم المشرف. # وقولها: «غير أن البأس» نصب «غير» على الاستثناء المنقطع، والبأس: # الشدة فى الحرب، والشيمة: الطبيعة، وصروف الدهر: أحداثه. ### ||| AUTO مسألة # إن سئل عن كلا وكلتا، فقيل: لم خالفت إضافتهما إلى المضمر إضافتهما إلى ~~المظهر، وكان آخرهما فى الإضافة إلى الضمير ألفا فى الرفع، وياء فى الجر ~~والنصب، وفى الإضافة إلى الظاهر ألفا فى الرفع والنصب والجر؟ # فالجواب: أنهما لما لزمتهما الإضافة، وقد تجاذبهما الإفراد والتثنية، ~~فكان (¬3) لفظهما لفظ المفرد، ومعناهما معنى المثنى، فتنزل كلا فى اللفظ ~~منزلة معى (¬4)، وكلتا منزلة دفلى (¬5)، بدلالة الإخبار عنهما بالمفرد، ~~وإعادة الضمير إليهما مفردا، فى نحو: PageV01P290 # كلا غلاميك منطلق، وكلتا جاريتيك حاضرة، وكلاهما أكرمته، وكلتاهما رأيتها ونحو: # أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص (¬1) # و {كلتا الجنتين آتت أكلها} (¬2) حملا بحكم (¬3) لفظيهما على المفردات، ~~وبحكم معناهما على المثنيات، فأعربا بالإضافة إلى المظهر بالحركات المقدرة، ~~فقيل: كلا غلاميك وكلتا جاريتيك، فى الرفع والنصب والجر، فحكم بأن على ~~الألف ضمة مقدرة، فى الرفع، وفتحة فى النصب، وكسرة فى الجر، كما يقدر ذلك ~~فى عصا زيد، /وذكرى محمد، واستعملا فى الإضافة إلى الضمير على هيئة المثنى، ~~فكانا فى الرفع بالألف، وفى الجر والنصب بالياء، وإن كانت الألف فى كلاهما ~~والياء فى كليهما ليستا بحرفى تثنية، بل هما فى موضع لام الفعل، والألف فى ~~كلتاهما ألف التأنيث، انقلبت ياء فى موضع الجر والنصب، فقد خالف حكم هذين ~~الاسمين فى الإعراب حكم سائر أسماء العربية. # ويتوجه [فيهما (¬4)] سؤال آخر، فيقال: فلم حملا على حكم المفردات فى ~~إضافتهما إلى المظهر، وعلى حكم المثنيات فى إضافتهما إلى المضمر؟ # فالجواب عن هذا: أن الإعراب بالحركات أصل للإعراب بالحروف، والاسم الظاهر ~~أصل للمضمر، فأعطيا الإعراب الأصلى فى إضافتهما إلى الأصل الذى هو المظهر، ~~وأعطيا شكل إعراب التثنية الذى هو إعراب فرعى، فى إضافتهما إلى ms142 PageV01P291 # الفرع الذى هو المضمر (¬1). فتأمل ما استنبطته لك فى هاتين اللفظتين حق ~~التأمل، فهو من أعجب ما ألقته أفئدة العرب على ألسنتها. آخر المجلس. # ... PageV01P292 ### || AUTO المجلس التاسع والعشرون # وهو مجلس يوم الثلاثاء، التاسع من شوال، من سنة ست وعشرين وخمسمائة. # بيت للأخطل (¬1): # إن العرارة والنبوح لدارم ... والمستخف أخوهم الأثقالا # قال أبو على فى بعض أماليه: أنشدناه إبراهيم بن السرى الزجاج، وذكر أن ~~الرواية فى «المستخف» بالنصب وبالرفع، فأما «الأثقال» فخارج من الصلة، ~~ومنتصب بمضمر دل عليه المستخف، انتهت الحكاية (¬2) عن الزجاج. # وهذا جميع ما ذكره فى البيت، فى الجزء الذى وقع إلى، ولعله قد استوفى ~~القول /فيه فى موضع (¬3) آخر. # وذكر أبو سعيد السيرافى فى شرح الكتاب أن نصب «المستخف» بالعطف على اسم ~~إن، ورفعه بالابتداء والاستئناف. # وأقول: إنك إذا جعلته مبتدأ، فهو بمعنى الذى استخف، أو الذى يستخف، PageV01P293 # و «أخوهم» خبره، والعائد على الألف واللام المضمر فى مستخف، و «هم» من ~~«أخوهم» عائد على دارم، لأنه اسم قبيلة، فكأنه قال: والذى يستخف الأثقال ~~أخوهم، إلا أنه لما أخر الأثقال، بطل انتصابها بالمستخف، للفصل بالخبر الذى ~~هو أخوهم، بينها وبين المستخف، لأن الفصل بالأجنبى أخرها من الدخول فى صلة ~~الألف واللام، فوجب أن يضمر لها ناصبا من لفظ (¬1) المستخف، فكأنه قال بعد ~~قوله: «والمستخف أخوهم»: يستخف الأثقال. # ومن نصب المستخف، فبالعطف على العرارة، وأخوهم معطوف على خبر إن، وهو ~~قوله: «لدارم» ونظيره قولك: إن المال لزيد وعمرا صديقه، وتقديره: إن المال ~~كائن لزيد، وإن عمرا صديقه. # وأسهل من هذا عند أبى سعيد أن تكون الألف واللام بمعنى الذين، فيرتفع ~~أخوهم بمستخف، ارتفاع الفاعل (¬2) بفعله، و «هم» من «أخوهم» عائد على الألف ~~واللام، و «الأثقال» داخلة فى صلة المستخف، فكأنه قال: وإن الذين يستخف ~~أخوهم الأثقال لدارم، أى إن لدارم القوم الذين يستخف بعضهم الأثقال، أى ~~فيهم قبيلة يستخف بعضها الأثقال. # وأسهل من هذا عندى أن ترفع المستخف بتقدير: وهم المستخف أخوهم الأثقالا، ~~والمضمر المقدر عائد [على دارم، وهم من «أخوهم» ms143 عائد (¬3)] على الألف ~~واللام، لأنهما بمعنى الذين، فكأنك قلت: وهم الذين يستخف أخوهم الأثقالا. PageV01P294 # والعرارة: الكثرة والعز، والعرارة فى غير هذا: سوء الخلق، والعرارة: ~~/واحدة العرار: شجر طيب الريح. # والنبوح: ضجة الناس وجلبتهم. # ومثل الفصل فى هذا البيت قول الكميت: # كذلك تيك وكالناظرات ... صواحبها ما يرى المسحل (¬1) # شبه ناقته بعير عانة (¬2)، وشبه صواحب ناقته من الإبل بأتن العير، ~~فالمعنى: # كذلك الحمار تلك الناقة، والناظرات: بمعنى المنتظرات، من قوله تعالى: {هل ~~ينظرون إلا الساعة} (¬3) فهذا لا يكون إلا بمعنى ينتظرون، لأن النظر الذى ~~بمعنى الإبصار لا يقع إلا على الأعيان، ومنه قول الشاعر (¬4) فى مرثية: # هل أنت ابن ليلى إن نظرتك رائح ... مع الركب أوغاد غداة غد معى # والنظر المراد به الانتظار بمنزلة الانتظار فى التعدى، والذى يراد به ~~الإبصار يتعدى بالجار، كقوله تعالى: {انظروا إلى ثمره} (¬5). PageV01P295 # والمسحل: الحمار، واشتقاقه من السحيل، وهو النهيق، وقوله: «ما يرى ~~المسحل» كان حقه أن يقدم على المبتدأ، الذى هو صواحبها، لأنه فى المعنى ~~معمول للناظرات، فلما قدم صواحبها عليه، لم ير أهل العربية نصبه إلا بمضمر ~~يدل عليه ما تقدم، لأن الفصل بينه وبين الناظرات يمنع من دخوله فى صلة ~~الألف واللام، فهو مع الفصل خارج عندهم من الصلة، محمول على فعل مقدر، كأنه ~~لما قال: # وكالناظرات صواحبها، أضمر ينتظرن، والمعنى: وصواحب هذه الناقة مثل الأتن ~~المنتظرات ما يراه العير من الورود، ليفعلن كفعله، ومثله قول الشماخ (¬1): # وهن وقوف ينتظرن قضاءه ... بضاحى عذاة أمره وهو ضامز # أى ينتظرن قضاءه أمره، وهو وروده بهن، والضاحى من الأرض: الظاهر البارز، ~~والعذاة: الأرض الطيبة التربة، والكريمة النبت، والضامز: الرجل الساكت، ~~شبهه فى إمساكه عن النهاق به، والضامز من الإبل: الممسك عن الجرة. # وفى البيت فصل بالظرف الأجنبى، بين المصدر ومنصوبه، لأن قوله: # «بضاحى عذاة» متعلق بوقوف أو ينتظرن، فهو أجنبى من المصدر الذى هو «قضاء» ~~فوجب لذلك حمل المفعول على فعل الآخر (¬2)، كأنه لما قال: «ينتظرن [قضاءه ~~(¬3)] بضاحى عذاة» أضمر «يقضى»، فنصب به «أمره (¬4)»، ومن ذلك PageV01P296 # قول ms144 المتنبى (¬1): # يعطى فلا مطله يكدرها ... بها ولا منه ينكدها # أراد: فلا مطله بها، فلما فصل بالأجنبى، بين المصدر والباء، أضمر للباء ~~ما تتعلق به، بعد قوله: يكدرها، وتقديره: لا يمطل بها، ومن هذا الضرب فى ~~التنزيل: {إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر} (¬2) المعنى: إنه على ~~رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، ولما فصل خبر إن بين المصدر الذى هو الرجع، ~~وبين الظرف، بطل (¬3) عمله فيه، فلزم إضمار ناصب من لفظ الرجع، فكأنه قيل: # يرجعه يوم تبلى السرائر. # والمطل بإنجاز الوعد، مأخوذ من قولهم: مطلت الحديدة: إذا ضربتها بالميقعة ~~لتطول، وشبهوا بذلك إطالة العدات، والمن بالنعمة: التقريع بها. # وكل ما خرج إلى طالبه بشدة فهو نكد، وقوله عز من قائل: {والذي خبث لا ~~يخرج إلا نكدا} (¬4) قيل معناه: قليلا عسيرا. # والهاءات من قوله: يكدرها وينكدها، عائدة على الأيادى من قوله: PageV01P297 # له أياد إلى سابقة (¬1) # وليس يريد بقوله: «فلا مطله يكدرها» وقوله: «ولا منه ينكدها» أن له مطلا ~~لا يكدر، ومنا لا ينكد، وإنما أراد انتفاء المطل والمن عنه ألبتة، ومن هذا ~~الضرب قول امرئ القيس (¬2): # على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود الديافى جرجرا # لم يرد أن فيه (¬3) منارا لا يهتدى به، ولكنه نفى أن يكون به منار، ~~والمعنى لا منار فيه فيهتدى به، ومنه قول الآخر فى وصف مفازة: # لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر (¬4) # /لم يرد أن بها أرانب لا تفزعها أهوالها، ولا ضبابا غير منجحرة، ولكنه ~~نفى أن يكون بها حيوان. # فحقيقة المعنى أنها أياد لا يكدرها مطل، ولا ينكدها من. # وقول امرئ القيس: «على لاحب»: أى على طريق واضح، ويقال له: لحب أيضا، ~~والمنار: جمع منارة، وأصلها منورة، مفعلة من النور، وسميت بذلك لأنها فى ~~الأصل: كل مرتفع عليه نار، ولذلك قالوا فى جمعها: مناور. PageV01P298 # وسافه: شمه، ومصدره السوف. # والعود: البعير الهرم، وجمعه عودة، وقد عود البعير: إذا صار عودا، وذلك ~~بعد بزوله بأربع سنين، واشتقاقه من عاد يعود، لأنه لعلو سنه يعود ms145 فى الطرق مرارا. # والديافى: منسوب إلى دياف، قرية بالشام، وقيل: بالجزيرة، وقيل: بل دياف ~~أنباط بالشام، وفتح بعضهم أوله. # والجرجرة: صوت يردده البعير فى حنجرته، وإنما يجرجر فى الطريق إذا شمه، ~~لما يعرف من شدته وصعوبة مسلكه. # ومما وقع الفصل فيه بين المصدر وما اتصل به فى المعنى، فوجب حمله على فعل ~~يدل عليه المصدر قول المتنبى (¬1): # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # قوله: «بأن تسعدا» متعلق فى المعنى بالوفاء، لأنه أراد: وفاؤكما بأن ~~تسعدا كالربع، فلما فصل بينهما بأجنبي، وجب عند النحويين تعليقه بمضمر، ~~تقديره عند أبى الفتح: وفيتما بأن تسعدا، والمعنى: وفيتما بإسعادى وفاء ~~ضعيفا، ولذلك شبه وفاءهما بالربع الدارس. # قال أبو الفتح: كلمته وقت القراءة فى إعراب هذا البيت، فقلت له: بأى شيء ~~تتعلق الباء من «بأن»؟ فقال: بالمصدر الذى هو وفاؤكما، فقلت له: وبما ارتفع ~~«وفاؤكما»؟ فقال: بالابتداء، فقلت: وما خبره؟ فقال: كالربع، فقلت: وهل /يصح ~~أن تخبر عن اسم وقد بقيت منه بقية، وهى الباء ومجرورها؟ فقال: هذا لا أدرى ~~ما هو، إلا أنه قد جاء فى الشعر (¬2) له نظائر، وأنشدنى: PageV01P299 # لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت ترقب حبها أن يحصدا (¬1) # أى لسنا كإياد، فدارها الآن ليست منصوبة بحلت هذه، وإن كان المعنى يقتضى ~~ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا بعد تمامه (¬2)، وإنما هى منصوبة بفعل مضمر ~~يدل عليه «حلت» الظاهرة، كأنه قال فيما بعد: حلت دارها، انتهى كلام أبى الفتح. # ومعنى البيت أنه خاطب صاحبيه، وقد كانا عاهداه بأن يسعداه ببكائهما عند ~~ربع أحبته، فقال: وفاؤكما بإسعادى مشبه للربع، ثم بين (¬3) وجه الشبه ~~بينهما بقوله: # «أشجاه طاسمه» يعنى أن الربع إذا تقادم عهده فدرس، كان أشجى لزائره، أى ~~أبعث لشجوه، أى لحزنه، لأنه لا يتسلى به المحب، كما يتسلى بالربع الواضح، ~~وكذلك الوفاء بالإسعاد إذا لم يكن بدمع ساجم [أى هامل، كان أبعث للحزن، ~~فأراد ابكيا معى بدمع ساجم (¬4)] فإن الدمع أشفى للغليل إذا سجم، كما أن ~~الربع أشجى للمحب ms146 إذا عفا وطسم، كما قال جرير (¬5): # لا تطلبن خئولة فى تغلب ... فالزنج أكرم منهم أخوالا # غضبت العبيد من الزنج، وقالوا: من يعذرنا من ابن الخطفى؟ من لنا بمن (¬6) ~~يرد عليه؟ فقال رجل منهم، يقال له: سفيح (¬7) بن رباح، مولى بنى ناجية: أنا PageV01P300 # لكم [به (¬1)] ثم قال: # إن الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا (¬2) # قد قست شعرك يا جرير وشعره ... فقصرت عنه يا جرير وطالا # ووزنت فخرك يا جرير وفخره ... فخففت عنه حين قلت وقالا # الزنج لو لاقيتهم فى صفهم ... لاقيت ثم جحاجحا أبطالا # /كان ابن ندبة (¬3) ... فيكم من نجلنا # وخفاف المتحمل الأثقالا # قولهم: «من يعذرنا من ابن الخطفى» أى من يأتينا بعذر منه فيما قال؟ أى ~~ليس له فى ذلك عذر (¬4)، وقولهم: من لنا بمن يرد عليه؟ يقال: من لى بكذا؟: ~~أى من كافل لى به؟ وقول سفيح: أنا لكم به، أى كافل لكم بمن يرد عليه. # ويقال: صخرة ملمومة وململمة، إذا كانت صلبة مستديرة. # والأوعال: تيوس الجبال، واحدها: وعل، وجمعه فى الكثرة وعول، وأنثاه ~~أروية، وجمعها أروى وأراوى، مثل عذارى. # وانتصاب الأوعال بطالت، أى طالت الصخرة المشبه بها الفرزدق الأوعال، فليس ~~تنالها الأوعال، وإنما قال هذا، لأن مأوى الوعل قلل الجبال. # وطال هذه: أصلها طول، مفتوح العين، فلذلك تعدت، والأخرى التى نقيضها PageV01P301 # قصر أصلها طول، بضم العين، واسم الفاعل منها طويل، ومن الأولى طائل، ~~يقال: طاولنى فطلته، أى غلبته فى الطول، وقال: فليس تنالها، ولم يقل: # فليست، لأنه أضمر فى «ليس» الشأن. # وقيل: بل شبه «ليس» بما، فأخلاها من ضمير، كما قالوا: «ليس الطيب إلا ~~المسك (¬1)». # ويقال: قست الشىء بالشىء: أى قدرته به، وقوله: «قست شعرك وشعره» تحتمل ~~الواو أن تكون عاطفة، وأن تكون بمعنى مع، وأن تكون بمعنى الباء، كما قالوا: ~~اشتريت الحملان: حملا ودرهما، يريدون بدرهم (¬2). # والبطل: الشجاع، وألزموه فى الجمع مثال أفعال، كما قالوا فى الاسم: أرسان ~~[وأقلاب (¬3)] وأقلام وأقتاب، فلم يجاوزوا ذلك، ومصدره البطولة والبطالة، ~~وفعله بطل، مثل ظرف، واشتقاقه فيما زعموا من البطلان، ms147 قالوا: لأنه الذى ~~تبطل عنده الدماء (¬4). # /والجحجاح: السيد، وقياس جمعه: جحاجيح، ويحذفون الياء ويعوضون PageV01P302 # منها تاء التأنيث (¬1)، فيقولون: جحاجحة، وحذف الياء مع ترك التعويض جائز ~~فى الشعر، وأجازه بعضهم فى غير الشعر. # والنجل: الولد [يقع على الواحد وما جاوزه من العدد، كالنسل، وتناجل القوم ~~وتناسلوا وتوالدوا (¬2)]. # و «خفاف» هو ابن ندبة، فلا يجوز أن يكون ارتفاعه بالعطف عليه، لأن عطف ~~الشىء على نفسه غير جائز، ولكنك ترفعه بالابتداء، و «المتحمل» خبره، ولك أن ~~تجعله خبر مبتدإ محذوف، والمتحمل صفته، يريد: وهو خفاف المتحمل. # آخر المجلس. # ... PageV01P303 ### || AUTO المجلس الموفى الثلاثين # وهو مجلس يوم الثلاثاء، السادس عشر من شوال، سنة ست وعشرين وخمسمائة. ### ||| AUTO مسألة # إن قيل: لم لزم حذف النون من اسم الفاعل إذا اتصلت به الكاف والهاء، ~~ونظائرهما من الضمائر، فى قولهم: مكرماك ومكرموك، وضارباه وضاربوه، ولم ~~يقولوا: مكرمانك ولا مكرمونك، ولا ضاربانه ولا ضاربونه، كما قالوا فى الفعل: # يكرمانك ويكرمونك، ويضربانه ويضربونه؟ # فالجواب: أن بين النونين فرقا، وذلك أن النون فى الفعل إعراب، فهى تثبت ~~إذا اتصل الفعل بمضمر أو مظهر، علامة للرفع، وتسقط فى الجزم والنصب، والنون ~~فى الاسم إنما هى بدل من حركة الواحد وتنوينه، فهى تسقط إذا أضفته إلى اسم ~~ظاهر، كقولك: مكرما زيد، ومكرمو عمرو، وتثبت إذا حملته على الفعل فقلت: # مكرمان زيدا ومكرمون عمرا، فإذا اتصل بالضمير اعتزمت العرب على حذفها ~~ألبتة، فقالوا: مكرماك ومكرموك، وضارباه وضاربوه، قصروه فى هذه الحال على ~~الإضافة، كما جاء فى التنزيل: {إنا منجوك وأهلك} (¬1) و {إنا رادوه إليك} PageV01P304 # {وجاعلوه من المرسلين} (¬1). # /وعلة ذلك عند النحويين أن الحذف لزم النون فى هذا الوجه، حملا لها على ~~التنوين، كأنهم لما ألزموا التنوين الحذف، فى قولهم: مكرمك وضاربه، فلم ~~يقولوا: # مكرمنك ولا ضاربنه، ألزموا النون الحذف، فلم يقولوا: مكرمانك ولا ~~مكرمونك، ولا ضاربانه ولا ضاربونه، قالوا: وإنما لزم حذف التنوين مع الضمير ~~لأنه مماثله، من حيث كان التنوين مما لا ينفصل، كما أن هذا الضمير وضع ~~متصلا، فلا ينفصل، وكرهوا (¬2) الجمع ms148 بينه وبين التنوين، كما كرهوا الجمع ~~بين حرفين لمعنى واحد، كالجمع بين إن ولام التوكيد، وبين حرف النداء ولام ~~التعريف، ولما كان هذا الضرب [من الضمير (¬3)] يلزمه الاتصال، وكان التنوين ~~يحذف مع الاسم الظاهر حذف جواز، فيقال: ضارب زيد، حذف مع هذا الضمير حذف ~~وجوب، فقيل: ضاربك، ولم يقولوا: ضاربنك، كما قالوا: ضارب زيدا، لأن زيدا ~~ونحوه مما وضع منفصلا قائما بنفسه، والكاف ونحوها مما وضع متصلا، لا يقوم ~~بنفسه، ولما وجب عندهم حذف التنوين لما ذكروه، حملت النون على التنوين، ~~فألزمت الحذف فى الموضع الذى لزم فيه حذف التنوين. # وأقول: إن فى العلة التى ذكرها النحويون نظرا، من حيث كان الشبه العارض ~~بين التنوين والضمير غير مانع من الجمع بينهما، كما لم يمتنع الجمع بين هذا ~~الضمير ونون التوكيد الخفيفة، فى نحو: لا يطغينك مالك، {ولا يستخفنك الذين} PageV01P305 # {لا يوقنون} (¬1) فى قراءة من خفف النون، وحكم هذه النون حكم التنوين فى ~~أنه لا ينفصل. # وأقول أيضا: إن النون التى تزاد فى التثنية والجمع، وإن كانت توافق ~~التنوين، فى أنها تحذف فى الإضافة، فإنها تخالفه بثبوتها فى مواضع لا يثبت ~~فيها التنوين، فمن ذلك ثبوتها مع الألف واللام، فى نحو: الزيدان والزيدون، ~~وفى النداء فى قولهم: # يا زيدان ويا زيدون، وفى باب التبرئة فى نحو: لا زيدين عندى، ولا زيدين، ~~وإذا كانت النون مخالفة للتنوين بثبوتها فى هذه الأماكن، فليس بمستنكر أن ~~يجوز ثباتها مع الضمير، وإن لم يجز ثبات التنوين. # والجواب الذى خطر لى فى امتناع ثبوت التنوين والنون مع الضمير: أن اتصال ~~الاسم بالاسم يوجب عمل الأول فى الثانى، ولا يخلو الأول من أن يكون جامدا ~~أو مشتقا أو مضارعا للمشتق، والجامد على ضربين، مصدر وغير مصدر، فغير ~~المصدر: كجمل وجبل وجعفر، فهذا الضرب لا يعمل فيما اتصل به إلا الجر، تقول: ~~جمل زيد، وجبلا (¬2) طيىء وجعفرو (¬3) عشيرتكم، إلا ما كان من ذلك مقدارا، ~~وما أشبه المقدار، فإنه ينصب النكرات من أسماء الأجناس على التمييز، كقولك: # قفيز برا، ms149 ومنوان سمنا، والمصدر يعمل الجر بحق الأصل، لأنه فى الجمود ~~بمنزلة الجمل والجبل وجعفر، ويعمل النصب بحق الشبه بالفعل، كقولك: ضرب زيد، ~~وضرب زيدا، وكذلك المشتق يعمل الجر بحق الاسمية، ويعمل النصب بحق مشابهته ~~للفعل، وهو أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين، ونحوهما من الصفات، تقول: ~~ضارب زيد، وضارب زيدا، وضاربا بكر وضاربان بكرا، وضاربو أخيك وضاربون أخاك، ~~والمضارع للمشتق أسماء العدد، من نحو عشرين وثلاثين، ومضارعتها لأسماء ~~الفاعلين من جهة قولك: عشرون وعشرين، كما تقول: ضاربون وضاربين، فهذا PageV01P306 # الضرب يعمل الجر والنصب، فالجر فى المعارف والنكرات، والنصب فى النكرات ~~خاصة، تقول فى الجر: تلك عشرو زيد، وهذه عشرو رجل آخر (¬1)، وقبضت خمسيك، ~~وخمسى بكر، وخمسى رجل غيره، وفى النصب: عندى عشرون رجلا، وقبضت خمسين ~~درهما، فقد بان لك أن عمل الاسم الجر حكم توجبه الإضافة، والإضافة مختص بها ~~الاسم دون الفعل، وعمله النصب عارض طرأ عليه بمضارعته الفعل، فوضح أن عمله ~~النصب فرع على عمله الجر [لأن عمله الجر (¬2)] بحق الأصل، وعمله النصب بحق ~~الشبه بالفعل، ألا ترى أن الأسماء المعربة لا يمتنع شيء منها من عمل الجر، ~~والجوامد منها العارية من شبه الفعل وما ضارع الفعل (¬3) ممتنعة من عمل ~~النصب، فلما كانت الإضافة جائزة فى جميعها، والنصب يجوز فى بعضها دون بعض، ~~علمت أن عملها النصب فرع على عملها الجر، ولما كان اسم الفاعل يتصل ~~بالمفعول تارة بحق الأصل، كقولك: ضارب زيد، وتارة بحق الفرع، وهو شبهه ~~بالفعل، كقولك: ضارب زيدا، ثم اتصل بالضمير، ألزمه الضمير الأصل الذى هو ~~الإضافة، لأن الضمير يرد ما اتصل به إلى أصله، فلذلك وجب حذف التنوين ~~والنون، فقيل: ضاربك وضارباك وضاربوك، فاعرفه. # ويزيد هذا القول وضوحا قولهم فى باب النداء وباب التبرئة: إن الاسم ~~الطويل مضارع للمضاف، من أجل طوله، فلذلك انتصب فى البابين، كما ينتصب ~~المضاف، فقيل: يا ضاربا زيدا، كما قيل: يا ضارب زيد، ولا ضاربا رجلا عندى، ~~كما قيل: لا ضارب رجل، وإذا كان الاسم الطويل مشبها بالمضاف، فالمشبه فرع ~~على ms150 ما شبه به، فقد بين لك هذا أن عمله النصب فرع على عمله الجر، فلذلك رد ~~الضمير اسم الفاعل إلى عمل الجر ألبتة. PageV01P307 # وإن شئت قلت: إن الاسم المشتق فرع على الجامد [لأن المشتق مأخوذ من ~~الفعل، والأفعال فروع على الأسماء، لأنها مأخوذة من مصادرها، والأسماء ~~الجوامد من نحو: رجل وحمار وفرس وزيد وجعفر، لا تعمل النصب؛ لعدم شبهها ~~بالفعل، فهى مقصورة فى العمل على الجر، بحكم نيابتها عن حرفه، وإذا ثبت بما ~~ذكرته أن المشتق الذى هو اسم الفاعل ونحوه فرع على الجامد (¬1)] والجامد لا ~~يعمل إلا الجر، والجر يحدث عن الإضافة، وكان اسم الفاعل يعمل فى الأسماء ~~الظاهرة، جرا ونصبا، ألحقه اتصاله بالضمير بالأصول التى هى الجوامد، وذلك ~~لأن الضمير قد ثبت أنه/فرع على المظهر، فلم يجمعوا بين فرعين، عمل النصب ~~والضمير، ويدلك على أن الضمير يرد ما اتصل به إلى أصله أنك تقول: أعطيتكمو ~~درهما، وإن شئت قلت: أعطيتكم، فحذفت الواو، وإثباتها هو الأصل، فإذا قلت: ~~الدرهم أعطيتكموه، رده اتصاله بالضمير إلى أصله، ولم يجز غير ذلك، كما جاء ~~فى التنزيل: {أنلزمكموها} (¬2) وكذلك أكرمتموا هندا، وأكرمتم، بإثبات الواو ~~وحذفها، فإن قلت: هند أكرمتموها، أثبت الواو لا غير، كما قال تعالى: {وتلك ~~الجنة التي أورثتموها} (¬3). ### ||| AUTO تعريب بيت للأخطل # (¬4): # كانت منازل ألاف عهدتهم ... إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانا # خبر المبتدأين اللذين هما «نحن وذاك» محذوفان، أراد: عهدتهم إخوانا إذ ~~نحن متألفون (¬5) أو متآخون، يدل على التقدير الأول ذكر الألاف، وعلى ~~الثانى ذكر PageV01P308 # الإخوان، وأراد إذ ذاك كائن، ولا يجوز أن يكون «إذ ذاك» خبر «نحن» لأن ~~ظروف الزمان لا يصح الإخبار بها عن الأعيان، فلو قلت: زيد أمس، لم تحصل ~~بذلك فائدة، و «إذ» الأولى ظرف لعهدتهم، وأما الثانية فيعمل فيها الخبر ~~المقدر الذى هو متألفون أو متآخون. # وأما قوله: «دون الناس» فيحتمل أن يكون العامل فيه «عهدتهم» ويحتمل أن ~~تعلقه بالخبر المضمر، كأنك قلت: متألفون دون الناس، ويجوز أن تعلقه بمحذوف ~~غير الخبر المقدر، على ms151 أن يكون فى الأصل صفة لإخوان، كأنه قال: عهدتهم ~~إخوانا دون الناس، أى (¬1) متصافين دون الناس، فلما قدم على الموصوف صار ~~حالا، وجاز أن تجعله وصفا لعين وحالا منه، لأنه ظرف مكانى. # فإن قيل: إلام توجهت الإشارة بذاك؟ فالجواب: إلى التجاور الذى دل عليه ~~ذكر المنازل. ### ||| AUTO تعريب قول المتنبى # (¬2): # كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل # الكفاية: بلوغ الغاية فى الشىء، فقولهم: كفاك به رجلا، وهو كافيك من رجل: ~~معناه قد بلغ الغاية فى خصال المدح، وفلان كاف: إذا قام بالأمر، وانتهى إلى ~~الغاية فى التدبير، ويكفى ويجزئ ويغنى بمعنى واحد، فهذا يتعدى إلى مفعول ~~واحد، كقولك: يكفينى درهم، وكفانى قرص: أى أجزأنى وأغنانى عن كل (¬3) قرص ~~آخر، وعن بعض قرص [آخر (¬4)] فأما كفى المتعدى إلى مفعولين، فى نحو: كفيت PageV01P309 # فلانا شر فلان، فمعناه منعته منه وحلت بينه وبينه، ومنه فى التنزيل: # {فسيكفيكهم الله} (¬1) فهما مختلفان معنى وعملا، فمن الضرب الأول قوله: # كفى ثعلا فخرا بأنك منهم # فثعلا مفعول به، وفخرا تمييز، والفاعل أن بصلتها، والباء مزيدة، كما زيدت ~~فى {كفى بالله} (¬2) وفى زيادتها فى كفى بالله قولان: أحدهما قول الزجاج ~~(¬3)، وهو أنه دخله معنى اكتفوا بالله، والقول الآخر (¬4) «أنها دخلت ~~لتأكيد الاتصال، لأن الاسم فى قولك: كفى الله، يتصل بالفعل اتصال الفاعلية، ~~فإذا قلت: كفى بالله، اتصل اتصال الإضافة واتصال الفاعلية، وفعلوا ذلك ~~إيذانا بأن الكفاية من الله سبحانه ليست كالكفاية من غيره، فى عظم المنزلة، ~~فضوعف لفظها لتضاعف معناها» فإذا قلت: كفى بزيد عالما، حملته على معنى اكتف به. # وثعل: رهط الممدوح، بطن من طيئ، وثعالة: من أسماء الثعلب. # وأهل هاهنا: معناه مستأهل ومستحق، فلذلك علق به «لأن أمسيت من أهله» لأنه ~~بمنزلة اسم الفاعل المقوى باللام، فى وصوله إلى المفعول، وإن كان فعله ~~متعديا بنفسه، كقولك: ظلم فلان فلانا، وهو ظالم له، وكذلك استحق فلان هذا ~~الصنع، واستأهله، وهو مستحق له ومستأهل له، ولو قلت: مستحقه ومستأهله، ~~وهو/ظالمه، لم يكن إيصاله (¬5) بنفسه ms152 فى الحسن كإيصاله باللام، فلذلك PageV01P310 # جاء فى التنزيل: {فمنهم ظالم لنفسه} (¬1) ومما جاء فيه أهل فى معنى ~~مستأهل، قوله تعالى: {وكانوا أحق بها وأهلها} (¬2) أى ومستأهليها. # وقد روى فى «دهر» الرفع والنصب، فالرفع رواية ابن جنى والربعى، والنصب ~~رواية الشاميين، وعليها اعتمد المعرى. # قال أبو الفتح: ارتفع «أهل» لأنه وصف لدهر، وارتفع «دهر» بفعل مضمر دل ~~عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه ~~رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه ~~بالابتداء، إلا على حذف الخبر، وليس فى قوة إضمار الفعل هاهنا، انتهى كلامه (¬3). # والمعرى أسقط حكم الرفع، وذلك أنه قال: وبعض الناس يرفع «دهرا» ولا ينبغى ~~أن يلتفت إليه، وعطف (¬4) «دهرا» على «ثعلا» ورفع «أهل» بتقدير: هو أهل، ~~وحكاية اللفظ الذى قدره للنصب: كفى ثعلا فخرا أنك منهم، وكفى دهرا هو أهل ~~لأن أمسيت من أهله أنه أهل، لكونك من أهله. وهذا قول فيه إسهاب كما ترى، ~~وتكلف شاق، والرفع، وإن كان فيه تكلف إضمار فعل، أقرب متناولا وأصح معنى، ~~وأكثر فائدة. # وحمل الربعى نصب «دهر» على أنه معطوف على اسم إن، وأهل خبر عنه، أى كفى ~~ثعلا فخرا أنك منهم، وأن دهرا أهل لأن أمسيت من أهله، وهذا القول بعيد من ~~حصول فائدة، ثم قال: والرفع أجود، على: وليفخر دهر، وهو روايتى، والنصب ~~رواية شامية، ذكرتها لتعرف. PageV01P311 # فهذه جملة الأقوال فى رفع «دهر» ونصبه، وإن رفعته بالابتداء وأضمرت له ~~خبرا مدلولا عليه بأول الكلام، فليس بضعيف وإن كان نكرة، لأنه (¬1) متخصص ~~بالصفة، والتقدير: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله فاخر بك. # وأما قول/أبى الفتح إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، فقول من لم ينعم ~~النظر، وقنع بأول لمحة، فقد يجوز عطف «دهر» على فاعل (¬2) كفى، وهو المصدر ~~المقدر، لأن «أن» مع خبرها هاهنا بمعنى الكون، لتعلق «منهم» باسم الفاعل ~~المقدر الذى هو كائن، فالتقدير: كفى ثعلا فخرا كونك منهم، ودهر مستحق لأن ~~أمسيت من ms153 أهله، أى وكفاهم فخرا دهر أنت فيه، فأراد أنهم فخروا بكونه منهم، ~~وفخروا بزمانه لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام (¬3): # كأن أيامهم من حسنها جمع # والعادة جارية فى الكلام والشعر بمدح زمان الممدوح، وذم زمان المذموم. # وعطف «دهر» وهو اسم حدث على الكون المقدر، وهو اسم حدث، ودهر موصوف بصفة ~~فيها ضمير عائد على اسم إن، وهو التاء من «أمسيت» فهذا وجه فى الرفع، صحيح ~~المعنى، ليس فيه تقدير محذوف، والأوجه المذكورة عمن عزوتها إليهم ليس فيها ~~وجه خال من حذف، إلا الوجه الذى ذهب إليه الربعى فى النصب، وهو قول لا ~~تصحبه فائدة، فأبو الفتح والربعى قدرا فعلا لرفع «دهر» والمعرى قدر مبتدأ ~~لرفع «أهل» وقدر المعرى أيضا لنصب دهر ما حكيت لك لفظه الشاق. PageV01P312 # ويتجه عندى فى إعراب البيت بعد هذا وجه لم يذهب إليه من تقدم، كما لم ~~يذهبوا (¬1) إلى عطف «دهر» على فاعل «كفى»، وهو أنك ترفع الفخر بإسناد ~~«كفى» إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة، فتجعلها معدية متعلقة بالفخر، ~~وتجر «الدهر» بالعطف على مجرور الباء، وترفع «الأهل» [بتقدير (¬2)] المبتدأ ~~الذى تقدم ذكره، فيصير اللفظ: كفى ثعلا فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن ~~أمسيت من أهله، والمعنى أنهم اكتفوا بفخرهم [به (2)] وبزمانه عن الفخر ~~بغيرهما. # ... PageV01P313 ### || AUTO المجلس الحادى والثلاثون # / وهو مجلس يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة. ### ||| AUTO مسألة # (¬1) # الخلاف فى اسم المفعول من الثلاثي المعتل العين، نحو: قال وباع وخاف ~~وهاب. الاسم المبنى للمفعول من هذا الضرب يلحقه الإعلال، كما لحق فعله، ~~واسم الفاعل منه، والإعلال فى الباب مختلف، فمنه قلب فقط، وذلك فى الماضى ~~واسم الفاعل، ومنه نقل فقط، وذلك فى نحو: يقول ويبيع، ومنه قلب بعد نقل، ~~وذلك فى [نحو يخاف ويهاب، ومنه حذف بعد نقل، وذلك فى (¬2)] مثال الأمر، وفى ~~الاسم المبنى للمفعول، لأن أصله مما عينه واو: مقوول ومخووف، فنقلوا الضمة ~~من عينه إلى فائه، فالتقى ساكنان، العين وواو مفعول، فحذفوا أحدهما، فصار ~~إلى مقول ومخوف، ms154 فمذهب الخليل وسيبويه أن المحذوف واو مفعول، ومذهب أبى ~~الحسن الأخفش أن المحذوف هو العين، فوزنه على قولهما: مفعل، وعلى قوله: # مفول، وأصله مما عينه ياء: مبيوع ومهيوب، فلما نقلت ضمة عينه إلى فائه، ~~ثم PageV01P314 # حذف على مذهب الخليل وسيبويه واو مفعول، أبدل من الضمة المنقولة كسرة، ~~فقيل: مبيع ومهيب، مخافة أن تنقلب الياء لسكونها وضم ما قبلها واوا، فيقال: # مبوع ومهوب، فيلتبس ذوات الياء بذوات الواو، والأخفش يزعم أن الياء من ~~مبيع ونحوه، أصلها واو مفعول، لأن الياء التى هى عين سقطت فى قوله، فكرهوا ~~أن يقولوا: مبوع، فتوافق ذوات الياء ذوات الواو فى اللفظ، فأبدلوا من الضمة ~~كسرة، فصارت واو مفعول ياء، فوزن مبيع على المذهب الأول: مفعل، وعلى مذهب ~~الأخفش: مفيل. # فمن حجة الخليل وسيبويه أن حذف واو مفعول الزائدة أولى من حذف/حرف أصل، ~~وهو مع كونه أصلا متحصن بكونه عينا سابقا للزائد. # ومن جواب الأخفش عن هذا القول: أن واو مفعول وإن كانت زائدة، فإنها زيدت ~~لمعنى، فوجب المحافظة عليها، وقد وجدناهم حذفوا الأصل وأبقوا الزائد، ~~والأصل سابق للزائد، وذلك فى قول من قال: تق الله، قال عبد الله بن همام ~~السلولى: # زيادتنا نعمان لا تنسينها ... تق الله فينا والكتاب الذى تتلو (¬1) # وقالوا فى الماضى: تقى، وفى المستقبل: يتقى، والأصل: اتقى واتق ويتقى، ~~فأسقطوا التاء التى هى فاء، وأبقوا تاء افتعل، لأنها لمعنى، فوزن تق [تع ~~(¬2)] وتقى تعل، ويتقى يتعل، وإذا كانوا قد حذفوا الفاء وهى سابقة للزائد، ~~والفاء أقوى من PageV01P315 # العين، وأبعد من الاعتلال، وأثبتوا (¬1) الزائد لأنه لمعنى، فحذف العين ~~وإثبات الحرف الزائد لمعنى أسهل. # ومن جواب الخليل وسيبويه عن هذا أن واو مفعول ليست وحدها دالة على وضعه ~~للمفعول، ولكنها والميم مشتركان فى ذلك، ودلالة الميم أقوى من دلالتها ~~عليه، ألا تراها تنفرد بهذا المعنى فيما جاوز الثلاثة، نحو مخرج ومدحرج ~~ومستخرج، وليست الواو كذلك، وإذا كان حكم الميم حكم الواو فى هذا المعنى، ~~جاز حذف الواو، اجتزاء بإحدى الدلالتين. # وليس احتجاج الأخفش بحذف ms155 التاء من اتقى، وإثبات التاء الزائدة، بلازم، ~~لأن تاء افتعل علامة مفردة، فلو سقطت بطل المعنى الذى زيدت له، فليس حكم ~~الزيادتين لمعنى حكم الزيادة الواحدة. # فمن جواب أبى الحسن عن هذا: أن الزيادة التى لمعنى إذا شركتها (¬2) فى ~~الدلالة عليه زيادة أخرى، جرتا مجرى الزيادة الواحدة، لأن الدلالة تحصل ~~بمجموعهما معا، وإذا حصلت الدلالة/بمجموعهما، لم يجز أن تحذف إحداهما، كما ~~لم يجز أن تحذف الزيادة المفردة (¬3) إذ كان وقوع الدلالة على المعنى بهما ~~كوقوع الدلالة بالزيادة الواحدة، فلو جاز أن تحذف إحداهما، وجب حذف الأخرى ~~معها، كما أنهم لما حذفوا إحدى الزيادتين فى سعدان ونحوه للترخيم، أتبعوها ~~الأخرى. # فمن جواب سيبويه والخليل عن هذا: أننا إذا جعلنا حكم الزيادة حكم الأصل ~~فى باب الحذف، لم يلزمنا أكثر من ذلك، وقد وجدناهم استجازوا حذف بعض PageV01P316 # الحروف الأصول، لدلالة ما يبقى على ما يلقى، كحذفهم النون فى لم يك، ~~والياء فى لا أدر (¬1)، وفى قوله تعالى: {والليل إذا يسر} (¬2) وإذا ~~استجازوا ذلك فى الأصول، كان فى الزيادة أجوز، فإن لم يكن أجوز كان الزائد ~~مساويا للأصل فى هذا، فإذا ساغ حذف بعض الحروف الأصلية، لدلالة الباقى ~~عليه، كذلك يجوز حذف بعض الزائد، لدلالة الباقى منها عليه. # وقوله: إن الحرفين اللذين زيدا معا لمعنى، لو جاز حذف أحدهما تبعه الآخر، ~~كالزائدين فى سعدان ونحوه: غير لازم، لأن السين والتاء زيدا معا فى باب ~~استفعل، وقد قالوا: اسطاع يسطيع، فحذفوا إحداهما لأن الباقية تدل على ~~المحذوفة، وهما فى كونهما زائدين معا لمعنى، كالميم والواو فى مفعول. # وشيء آخر ينفصل به جنسا الزيادتين، وهو أن الزيادتين فى مفعول وقعتا ~~متفرقتين غير متطرفتين، والألف والنون فى مروان ونحوه، وقعا متلاصقين (¬3) ~~متطرفين فلما وقعا بهذين الوصفين كان الحذف أغلب عليهما، إذ كان الطرف ~~موضعا تحذف فيه الأصول فى الترخيم والتكسير والتحقير، فقد افترق حكما جنسى ~~الزيادتين بما بينته لك. # ويزيد ذلك عندك وضوحا، أن من حذف ياءي (¬4) النسب لياءى النسب، فقال /فى ~~النسب إلى بختى: بختى، ms156 لم يحذف الألف من يمان ونحوه، إذا نسب إليه، وإن ~~كانت الألف كإحدى الياءين من يمنى، قد (¬5) زيدت هى والياء جميعا لمعنى، ~~وإنما PageV01P317 # أجمعوا فى النسب إلى يمان على يمانى، حيث انفصلت الياء عن الألف، كما ~~انفصلت واو مفعول عن ميمه. # ومما احتج به الأخفش: أن العين لما دخلت عليها ألف فاعل، لحقها الإعلال ~~بالإبدال أو الحذف، فالإبدال إبدالهم الهمزة من الواو والياء، فى قائل ~~وبائع، والحذف فى قول بعض العرب: شاك السلاح، برفع الكاف، وأصله شائك، فاعل ~~من الشوكة، وهى الحد، فوزنه فى هذا القول: فال، ومن قال: شاكى السلاح، قدم ~~اللام على العين، فمثاله: فالع، ولحقها الإعلال فى الماضى بالقلب، وفى ~~المستقبل بالنقل، وإذا كانت قد أعلت فى اسم الفاعل بالقلب أو الحذف، وفى ~~الفعل بالقلب أو النقل، فكذلك أعلت فى اسم المفعول بالحذف. # والجواب: أنها قد أعلت فى اسم المفعول بالنقل، قياسا على نقلها فى يقول ~~ويبيع، فكما نقلت حركتها فى يقول ويبيع، إلى الفاء، كذلك نقلت فى مقول ~~ومبيع، فمن ادعى زيادة على هذا فعليه الدليل. # ومن حجته أيضا: أن العين هى التى لحقها الحذف فى قل وبع، فكذلك هى التى ~~حذفت فى مقول ومبيع. # والجواب: أن هذا لا يلزم، لأن الساكن الثانى فى قل وبع، حرف صحيح، وإذا ~~اجتمع حرف علة وحرف صحة فحرف العلة أولى بالحذف، والساكنان فى مفعول ~~متساويان فى الاعتلال. # ومن حجته: أن الساكنين إذا التقيا فى كلمة، حذف الأول منهما، كحذف الياء ~~من قاض، دون التنوين. # وهذا لا يلزم؛ لأن التنوين علم للصرف، فلو حذف/التبس المنصرف بغير ~~المنصرف، ولا دليل عليه لو حذف، كدلالة الميم فى مقول ومبيع على أنه اسم PageV01P318 # مفعول، فلذلك وجب حذف ياء قاض، دون التنوين، ولأن الكسرة قبل يائه تدل ~~عليها، ولأن التنوين حرف صحيح، وقد تقدم أن الساكنين إذا التقيا وأحدهما ~~معتل وقع الحذف بالمعتل. # ومن حجج أبى الحسن أيضا: أن واو مفعول لو كانت هى المحذوفة، وقع بذلك ~~لبس، بين اسم المفعول والمصدر الذى جاء ms157 على المفعل، كالمسير والمبيت. # وهذا القول ليس بشىء، لأن هذا النحو من المصادر إنما يوافق اسم المفعول، ~~مما عينه ياء، فى هجائه وزنته، على قول الخليل وسيبويه، فالمصدر واسم ~~المفعول فى مذهب الخليل وسيبويه، مثاله بعد النقل من مفعل: مفعل، مكسور ~~الفاء ساكن العين، وهما متفقان على مذهب الأخفش فى الهجاء، وإن كانا ~~مختلفين فى الزنة، فوزن مبيع فى قوله، إذا أردت به اسم المفعول: مفيل، وإذا ~~أردت به المصدر: # مفعل، بكسر الفاء وسكون العين، فاللفظ فى كلا القولين واحد، وإن اختلفا ~~فى التقدير، فكيف يقع لبس بين المصدر واسم المفعول فى مذهب الخليل وسيبويه ~~دون مذهبه؟ ولا فرق بينهما على المذهبين فى اللفظ، ثم إن اسم المفعول ينفصل ~~من المصدر فى المعنى، بما يصحب كل واحد منهما من القرينة، كقولك: قبضت ~~المبيع، وبعت الثوب مبيعا، وهل اتفاق المصدر واسم المفعول هاهنا إلا ~~كاتفاقهما فى الزنة، إذا بنيتهما مما جاوز الثلاثة، نحو أكرم ودحرج ~~واستخرج، والقرائن فارقة بينهما، تقول: أخوك المكرم، وعدلك المدحرج، ومالك ~~المستخرج، وأكرمت زيدا مكرما، ودحرجت العدل مدحرجا، واستخرجت المال ~~مستخرجا، ومنه: {وقل رب أنزلني منزلا} (¬1) أى إنزالا، وقرأ بعض أصحاب ~~الشواذ: {ومن يهن الله فما له من مكرم} (¬2) أى إكرام. PageV01P319 # ومن حجة سيبويه والخليل: أن الظاهر من ثبات (¬1) الياء حذف واو مفعول، ~~فثبات الياء فى مبيع، يدل على أن المحذوف واو مبيوع، ولو كانت الياء ذاهبة ~~والواو ثابتة، لقالوا مبوع، وادعاء الأخفش أن ياء مبيع أصلها واو مبيوع، ~~ليس بظاهر، والأخذ بالظاهر أولى. # وشيء آخر يحتج به عليه: وذلك أنه يزعم أنهم يفرقون بين ذوات الياء وذوات ~~الواو، بإبدال الضمة كسرة فى الجمع، من نحو: بيض وعين، كراهة أن يقولوا: # بوض وعون، فيلتبس بنحو سود وعور، قال: ولو صغت مثال فعل من البياض، أريد ~~به واحدا لقلت: بوض، والخليل وسيبويه يريان هذا الفرق فى الجموع والآحاد، ~~فيقال للأخفش، فى قوله: إنهم أبدلوا من الضمة فى مبيوع كسرة، فانقلبت واو ~~مفعول ياء، لئلا تلتبس ذوات الياء بذوات ms158 الواو: قد تركت أصلك، لأنك تزعم أن ~~هذا مختص (¬2) به الجمع دون الواحد. # ومما يحتج به عليه: أنهم قالوا من الشوب: مشوب ومشيب، وقالوا: غار منول ~~(¬3) ومنيل، وهو من النول، فلو كانت الواو (¬4) من مقول هى واو مفعول لم ~~تقلب ياء فى مشيب ومنيل، لأن واو مفعول لا تقلب ياء، إلا أن تدغم فى الياء ~~فى نحو مرمي ومخشى، فلما قالوا فى مشوب: مشيب، دل على أن واو مشوب عين قلبت ~~ياء، كما قلبت عين حور للإتباع ياء، فى قوله (¬5): PageV01P320 # عيناء حوراء من العين الحير # واختلفت العرب فى اسم المفعول من بنات الياء، فتممه بنو تميم، فقالوا: # معيوب ومخيوط ومكيول ومزيوت، وقال أهل الحجاز (¬1): معيب ومخيط ومكيل ~~ومزيت، وأجمع الفريقان على نقص ما كان من بنات الواو، إلا ما جاء على جهة ~~الشذوذ، وهو قولهم: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وفرس مقوود، وقول مقوول، ~~والأشهر: مصون/ومدوف ومقول ومقود، وأبو العباس محمد بن يزيد (¬2) أجاز ~~إتمام ما كان من ذوات الياء فى الشعر خاصة، وأنشد فى ذلك قول علقمة (¬3): # حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الطل مغيوم # قال: وأنشد أبو عمرو بن العلاء: # وكأنها تفاحة مطيوبة (¬4) # وأنشد، أعنى أبا العباس، لعباس بن مرداس: # قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وإخال أنك سيد مغيون (¬5) # مغيون: من قولهم: غين على كذا: أى غطى عليه، وكأنه مأخوذ من الغين، الذى ~~هو الغيم، ومنه قول الشاعر (¬6): PageV01P321 # كأنى بين خافيتى عقاب (¬1) ... أصاب حمامة فى يوم غين # فمعنى مغيون: مغطى على عقله. # وقد روى «معيون» بالعين، أى مصاب بالعين. # والبصريون أجمعون لا يجيزون إتمام ما كان منه من ذوات الواو، إلا أبا ~~العباس (¬2)، فإنه جوز ذلك فى الضرورة، قياسا على السوور والغوور (¬3)، ~~مصدرى سرت سوورا، وغارت عينه غوورا، قال: فهذا أثقل من «مفعول» من الواو، ~~لأن فيه واوين وضمتين، وذكر مع السوور النوور، وهو قريب منه فى الثقل، ~~وأنشد بيت أبى ذؤيب فى وصف ظبية: # فسود ماء المرد فاها فلونه ... كلون النوور وهى أدماء سارها (¬4) # المرد: ثمر (¬5) الأراك، ms159 والنوور: دخان الفتيلة يتخذ كحلا للوشم، وسارها: # بمعنى سائرها، أى باقيها، وارتفاعه على البدل (¬6) من «هى» وغوور العين: ~~دخولها، والسوور: الوثوب فى غضب، قال الأخطل فى وصف الخمر (¬7): # لما أتوها بمصباح ومبزلهم ... سارت إليهم سوور الأبجل الضارى # الأبجل: عرق فى باطن الذراع، ويقال: ضرا العرق يضرو: إذا نفخ دمه/ولم ~~ينقطع (¬8). تم المجلس. # ... PageV01P322 # هذه زيادة ألحقت بهذا الجزء، فى شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلاثين ~~وخمسمائة، ولم تعد فى مجالسه، وهى مضمنة فوائد جمة. # منها الكلام فى قوله عز وجل: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا} (¬1) قيل فى الإنسان هاهنا قولان: أحدهما أنه آدم عليه ~~السلام، والآخر: أن المراد به الناس، كما جاء: {إن الإنسان لفي خسر} (¬2) ~~فلذلك استثنى منه فقيل: {إلا الذين آمنوا} واختلف فى «هل» هاهنا فقيل: هى ~~بمعنى قد، وقيل: هى على بابها فى الاستفهام. # قال بعض المفسرين (¬3) والأحسن أن تكون للاستفهام الذى معناه التقرير، ~~وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث، فلا بد أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل لا ~~إنسان فيه، فيقال له: فالذى أحدث الناس وكونهم بعد عدمهم، كيف يمتنع عليه ~~إحياؤهم بعد موتهم؟ وهى معنى (¬4) قوله: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا ~~تذكرون} (¬5) أى فهلا تذكرون فتعلمون أن من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن، قادر ~~على إعادته بعد عدمه. # وقال أبو إسحاق الزجاج (¬6) قوله عز وجل: {هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر لم يكن شيئا مذكورا} المعنى: ألم يأت على الإنسان حين من الدهر، ~~وإنما قال: لم يكن شيئا مذكورا؛ لأنه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه ~~الروح، ويجوز أن يعنى به جميع الناس، أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا، إلى ~~أن صاروا شيئا مذكورا. PageV01P323 # وروى عن أبى أحمد عبد السلام بن الحسين البصرى (¬1): أنه قال: كتب إلى ~~شيخنا أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدى (¬2) رقعة نسختها: أريد، ~~قدمت قبلك، أن تسأل القاضى أبا (¬3) سعيد، أدام الله عزه، عما أنا ذاكره فى ~~هذه ms160 الرقعة، وتتطول بتعريفى ما يكون فى الجواب: # /ذكر أبو العباس محمد بن يزيد فى الكتاب المقتضب (¬4)، عند تحديد حروف ~~المعانى مواضع «قد» فقال: تكون اسما بمعنى حسب، فى قولك: قدك، وتكون حرفا ~~فى موضعين، أحدهما أن يكون قوم يتوقعون جواب: هل قام زيد؟ فيقال: قد قام، ~~وتكون فى موضع ربما كقوله (¬5): # قد أترك القرن مصفرا أنامله # ثم ذكر «هل» فقال: ومن الحروف هل، وهى لاستقبال الاستفهام نحو [قولك ~~(¬6)]: هل جاء زيد؟ وتكون بمنزلة قد، فى قوله جل اسمه: {هل أتى على الإنسان ~~حين من الدهر}. # وهو قد ذكر مواضع «قد» وحصرها، ففى أى مواضع «قد» الثلاثة تكون «هل» PageV01P324 # بمعناها؟ والعلم محيط بأنها لا تكون بمعنى حسب، ولا تكون جوابا لقول من قال: # هل قام زيد؟ فيقال: [هل قام] بمعنى قد قام، لأن المجيب [يكون] كأنه قد ~~حكى كلام المستفهم، وهذا غير معروف فى كلام العرب، ولا يحسن أن تكون بمعنى ~~«ربما» فى قوله: «قد أترك القرن» لأن المعنى ربما أترك القرن، و «هل» لا ~~تتضمن هذا المعنى، وما علمت أحدا من أهل اللغة قال إن «هل» تكون فى شيء من ~~الكلام ولا القرآن بمعنى «قد» والنحويون يقولون فى قوله جل اسمه: {هل أتى ~~على الإنسان} إن المعنى ألم يأت؟ منهم الزجاج، فمن، جعلنى الله فداءك، على ~~بتعجيل الجواب، فإنى أتطلعه. # فوقفت القاضى أبا سعيد على الرقعة، فأملى على ما كتبته على ظهرها: # بسم الله الرحمن الرحيم {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} على قول من ~~جعله بمنزلة «قد» إنما تكون «قد» من قسم دخولها للفعل (¬1) المتوقع، فكأنه ~~قيل لقوم يتوقعون الإخبار عما أتى على الإنسان، والإنسان آدم: قد أتى على ~~الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، لأن آدم بقى زمانا طينا. # ... /قول أبى الطيب (¬2): # ويصطنع المعروف مبتدئا به ... ويمنعه من كل من ذمه حمد # قال أبو الفتح: معناه يعطى معروفه المستحقين، ومن تزكو عنده الصنيعة، ~~ويمنعه من كل ساقط، إذا ذم أحدا فقد مدحه. # قوله: «إذا ذم ms161 أحدا فقد مدحه» تفسير غير مرضى، لأنه لا يخلو من أحد ~~معنيين: أحدهما أنه يورى عن الذم الصريح بكلام يشبه المدح، أو يريد أنه يضع PageV01P325 # المدح الصريح موضع الذم، وليس يلحقه بهذين عيب، ولا يستحق أن يحرم بذلك ~~معروفا. # والمعنى غير ما ذهب إليه أبو الفتح، وذلك أنه وصف الممدوح بالتيقظ، ~~ومعرفة ما يأتى وما يدع، فيضع الصنائع فى موضعها، فيعطى ذوى الأقدار قبل أن ~~يسألوه، كما قيل: «السخى من جاد بماله تبرعا، وكف عن أموال الناس تورعا ~~(¬1)» ويمنع ماله من كل دنىء، إذا ذمه الناس فقد مدحوه، أى يقوم الذم له ~~مقام المدح لغيره، لدناءة عرضه ولؤم أصله، فالمعنى أنه يقل عن الذم، كما ~~قال (¬2): # صغرت عن المديح فقلت أهجى ... كأنك ما صغرت عن الهجاء # والذم من قوله: «من ذمه حمد» مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، فالتقدير ~~من ذم الناس إياه، كما جاء: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} (¬3) والمعنى ~~بسؤاله (¬4) نعجتك، وأبو الفتح ذهب إلى أن الذم مضاف إلى الفاعل، وأن ~~المفعول محذوف، ففسر (¬5) على هذا التقدير، فأفسد المعنى، لأنه أراد من ذمه ~~الناس حمد (¬6). # ومن [فى (¬7)] قوله: «من ذمه» اسم نكرة، والجملة بعده نعت له، كأنه قال: PageV01P326 # من كل إنسان ذمه حمد، ولا يجوز أن يكون بمعنى الذى، لأن «كلا» لا تضاف ~~إلى (¬1) واحد معرفة، /إلا أن يكون مما يصح تبعيضه، كقولك: رأيت كل البلد، ~~ولا تقول: لقيت كل الرجل الذى أكرمته، فإن قلت: لقيت كل رجل أكرمته، حسن ~~ذلك، وصحت إضافته إلى المفرد النكرة، كما تصح إضافته إلى الجمع المعرفة، ~~نحو: لقيت كل الرجال الذين أكرمتهم، وقد ذكرت «من» إذا كانت نكرة موصوفة فى ~~مواضع (¬2). # وقال وقد عرض عليه ابن طغج سيفا، فأشار به أبو الطيب إلى رجل من الحاضرين ~~كان يشنؤه: # أتأذن لى ولك السابقات ... أجربه لك فى ذا الفتى (¬3) # يقال فى قوله: «أتأذن» أهو استفهام صريح، أم المراد به غير الاستفهام؟ ~~ويقال: السابقات صفة لمحذوف، فما تقدير المحذوف؟ ويقال: هل لهذه الجملة، ~~أعنى «ولك ms162 السابقات» موضع من الإعراب؟ ويقال: ما معنى هذه الواو؟ ويقال: كم ~~حذفا فى قوله: «أجربه»، وما معنى «لك» هاهنا؟ ولو قال: # أجربه، استغنى الكلام عن لك. # الجواب: أن قوله: «أتأذن (¬4)» استفهام لفظى، وهو فى المعنى طلب، كأنه ~~قال: ائذن لى، ومثل ذلك فى التنزيل: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم} (¬5) والمعنى: أسلموا. # وأما السابقات، فتقدير موصوفها: الحسنات السابقات، أو الأيادى PageV01P327 # السابقات، أى فاجعل تجريبى (¬1) لهذا السيف فى ذا الرجل يدا من أياديك. # وأما الواو فى «ولك السابقات» فواو (¬2) ابتداء، لا واو الحال، وإنما لم ~~تكن واو الحال، لأنها معترضة، والجملة المعترضة لا يكون لها موضع من ~~الإعراب، ومعنى قولهم: جملة معترضة، أنها تقع بين مخبر عنه وخبره، أو بين ~~فعل وفاعله، أو بين موصوف وصفته، أو بين الفعل ومفعوله، فالموصوف والصفة ~~كقوله تعالى: # {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (¬3) والفعل والفاعل كقول/قيس بن زهير ~~العبسى: # ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد (¬4) # قوله: «بما لاقت» فاعل «يأتيك»، والباء زائدة، ومثله قول آخر (¬5): # وقد أدركتنى والحوادث جمة ... أسنة قوم لاضعاف ولا عزل # الأعزل: الذى لا رمح معه، والمخبر عنه وخبره كقول ابن هرمة (¬6): # إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشىء ما كان يرزؤها # ويدل على أن الواو الداخلة على الجملة المعترضة ليست واو الحال شيئان: PageV01P328 # أحدهما أن الحال لا تقع معترضة، والثانى أن قوله: «والله يكلؤها» دعاء، ~~وجملة الدعاء لا تقع حالا، وقد جاء الدعاء بالفعل مع هذه الواو فى قول أبى ~~محلم الشيبانى: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان (¬1) # فقوله: «ولك السابقات» اعتراض بين «تأذن» ومفعوله. # وفى قوله: «أجربه» حذفان، لأن الأصل: فى أن أجربه، فحذف الجار، وحذف «أن» ~~فارتفع الفعل، ولو نصبته بتقدير «أن» لجاز على المذهب الكوفى (¬2). # وقوله: «لك» اللام لام المفعول من أجله، والتقدير: أجربه لاختبارك [أى ~~لاختبارك (¬3)] إياه، فحذف المضاف، وفى التنزيل: {ألم نشرح لك صدرك} (¬4) ~~ولو قيل: ألم نشرح صدرك، اكتفى الكلام، ولكن جيء بك على معنى: لهدايتك. # وقوله يخاطب سيف الدولة (¬5): # إذا ms163 الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل # فيه قولان [أحدهما (¬6)] قال أبو الفتح: أى لا تعط الناس أشعارى فيفسدوها ~~بسلخ معانيها. وقال المعرى: يقول: أعط الناس مالك، ولا تعطهم شعرى، أى لا ~~تجعلهم فى طبقتى فتقل للشاعر: أنت مثل فلان، وشعرك مثل شعره. PageV01P329 # /وأقول: إن الذى أراده المتنبي غير ما قالاه، أما قول أبى الفتح: لا تعط ~~الناس أشعارى فيفسدوها بسلخ معانيها، فليس بشىء، لأمرين: أحدهما أنه (¬1) ~~لا يمكنه ستر مدائحه له عن الناس، والآخر: أن المراد بالمديح أن يسير فى ~~الناس، وأجود الشعر ما تداولته الألسن، وتناقلته الرواة. # وأما قول المعرى فهو معنى قريب، وإن كان أبو الطيب لم يرده، وإنما أراد: # لا تحوجنى (¬2) إلى مدح غيرك، وحكى أبو زكريا، قوليهما فقط. # قوله (¬3): # لم لا تحذر العواقب فى غي ... ر الدنايا أو ما عليك حرام # أصل لم: لما، وسقطت ألف «ما» حين وليتها اللام الجارة، لأنها استفهامية ~~[ومن لغتهم العليا إسقاط ألف «ما» إذا كانت استفهاما ووليها الجار، وذلك ~~للفرق بين الاستفهامية والخبرية فمثال الاستفهامية (¬4)] فى التنزيل: {عم ~~يتساءلون} (¬5) ومثال الخبرية: {وما ربك بغافل عما تعملون} (¬6). # واللام فى «لم» متعلقة بتحذر، ولزم اللام التقديم، لاتصالها بالاستفهام، ~~ومن شأن الاستفهام التصدر. PageV01P330 # فأما «ما» الثانية فهى موصولة بمعنى الذى، أو موصوفة بمعنى شيء، وقد حذف ~~المبتدأ من الصلة أو الصفة، وموضع «ما» خفض بالعطف على «الدنايا» كأنه قال: ~~أو الذى هو عليك حرام، وإن شئت قدرت: أو شيء هو عليك حرام، وإنما حسن حذف ~~المبتدأ من الصلة، لطول الكلام بعليك، كما روى الخليل عن العرب: «ما أنا ~~بالذى قائل لك [شيئا (¬1)]» ومثله فى التنزيل: {وهو الذي في السماء إله} ~~(¬2) التقدير: وهو الذى هو فى السماء إله، وحسن حذف «هو» لتقدم ذكره، ولطول ~~الكلام بفى ومجرورها، وهما فضلة متعلقة بإله، كأنه قيل: الذى [هو (¬3)] ~~معبود فى السماء. # فإن قيل: فهلا رفع «إله» بالابتداء، وقوله: «فى السماء» خبره، وكانت ~~الجملة صلة «الذى» واستغنى بذلك عن تقدير «هو»؟ # فالجواب: ms164 أن ذلك يمتنع، من حيث كانت الجملة تخلو حينئذ من عائد إلى ~~«الذى» ظاهر ومقدر، لأنه إذا ارتفع «إله» بالابتداء، كان المضمر فى الظرف ~~عائدا على المبتدأ، وتعرت الجملة من ضمير يعود على الموصول لفظا وتقديرا، ~~وذلك مما لا يجوز مثله. # والدنايا: جمع دنيئة، مهموزة، وأصله الدنائئ، بهمزتين، الأولى منقلبة عن ~~الياء التى فى دنيئة (¬4)، والثانية لام الكلمة، وهى الظاهرة فى الواحد، ~~وتقديره: الدناعع، فثقل الجمع بين الهمزتين المتحركتين، فأبدل من الثانية ~~للكسرة قبلها ياء، فصار الدنائى، فى تقدير: الدناعى، ثم طلبوا التخفيف ~~بتغيير آخر، فأبدلوا من الكسرة PageV01P331 # فتحة، فصارت الياء ألفا، لانفتاح ما قبلها، وكونها فى موضع حركة، فصار ~~الدناء، فى [تقدير (¬1)] الدناعا، وإذا كانوا قد قالوا فى الصحارى ~~والمدارى: صحارا ومدارا، كان التغيير فى ذوات الهمز أوجب، ولما آل فى ~~التقدير إلى الدناء، استثقلوا الجمع بين ثلاثة أمثال، الألفين والهمزة ~~بينهما، فأبدلوا منها الياء. # فأما معنى البيت، فالمراد بالاستفهام النفى، كأنه قال: لست تحذر عاقبة ~~فعل، إلا أن يكون دنيئة، أو شيئا محرما، فإنك تتهيب هذين، فتعف عن فعلهما، ~~خوفا من عاقبتهما، فعاقبة الدنيئة العار، وعاقبة الحرام النار، ولا تحذر ~~العاقبة فى غير هذين، كبذل الأموال وعاقبته الفقر، والإقدام على الأهوال، ~~وعاقبته القتل. ### ||| AUTO ومما اختلف فيه قوله # (¬2): # وإن الذى حابى جديلة طيىء ... به الله يعطى من يشاء ويمنع # ذهب أبو الفتح إلى أن «حابى» بمعنى حبا، مأخوذ من الحباء، وهو العطية، ~~واسم الله تعالى مرتفع به، أى إن الذى حبا الله به جديلة يعطى، فالجملة ~~التى هى «يعطى» وفاعله خبر اسم إن. # وخولف أبو الفتح فى هذا القول، على أن عليه أكثر مفسرى شعر المتنبى، ~~والذى قاله الراد (¬3) على أبى الفتح أن معنى حابى: بارى، من/قولهم: حابيت ~~فلانا، أى باريته فى الحباء، مثل باهيته فى العطاء، كما يقال: كارمته، أى ~~باريته فى الكرم، قال: وليس بمعروف أن معنى حابيته بكذا: حبوته به. PageV01P332 # فعلى هذا القول يكون فاعل «حابى (¬1)» مضمرا فيه، يعود على «الذى» واسم ~~الله مرفوعا بالابتداء، ms165 وخبره الجملة التى هى «يعطى» وفاعله ومفعوله، أى إن ~~الذى بارى جديلة طيئ فى الحباء، الله يعطى به من يشاء، ومفعول «يمنع» ~~محذوف، دل عليه مفعول «يعطى» ومفعول «يشاء» المذكور، و «يشاء» المحذوف، ~~محذوفان، فالتقدير: يعطى به الله من يشاء أن يعطيه، ويمنع به من يشاء أن ~~يمنعه، على أن المضمرين فى يعطيه ويمنعه يعودان على الممدوح، والمعنى أنه ~~ملك قد فوض الله إليه أمر الخلق، فى الإعطاء والمنع، فالمدح على هذا يتوجه ~~إليه وإلى عشيرته، لأن المباراة فى العطاء أنهم يعطون فيعطى مباهيا لهم ~~بعطائه، والمعنى فى قول أبى الفتح: إن الذى حبا الله به جديلة طيىء بأن ~~جعله منهم، يعطى من يشاء إعطاءه، ويمنع من يشاء منعه، لأنه يعطى تكرما لا ~~قهرا، ويمنع عزة لا بخلا. # وأقول: إن أصل فاعلته أن يكون من اثنين فصاعدا، وأن فاعله مفعول فى ~~المعنى ومفعوله فاعل فى المعنى، كقولك: خاصمته وسابقته وشاريته وشاركته ~~(¬2)، ولم يأت من واحد إلا فى أحرف نوادر، كقولهم: طارقت النعل، وعاقبت ~~اللص، وعافاك الله، وقاتلهم الله، فأبو الفتح ذهب بقولهم: حابيت زيدا مذهب ~~هذه الألفاظ الخارجة من القياس، وقد جاء حابى بمعنى حبا فى قول أشجع بن ~~عمرو السلمى، يمدح جعفر [بن يحيى (¬3)] بن خالد البرمكى، حين ولاه الرشيد ~~خراسان: # إن خراسان وإن أصبحت ... ترفع من ذى الهمة الشانا # /لم يحب هارون بها جعفرا ... لكنه حابى خراسانا # أى لم يحب جعفرا بخراسان، لكن حبا خراسان بجعفر، فهذا يعضد قول PageV01P333 # أبى الفتح، ولو وضع منشد «حبا» فى موضع «حابى» لم يكسر الوزن، لأن الجزء ~~الذى هو حابى: مستفعلن، فإذا وضعت مكانه «حبا» دخله الزحاف الذى يسمى ~~الخبن، فصار مفاعلن. # وهو من البحر المسمى السريع، ولكن التعويل فى مثل هذا على الرواية. ومما ~~جاء فيه يحابى بمعنى يبارى فى الحباء، قول سبرة بن عمرو الفقعسى: # أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر (¬1) # [ظاهر هاهنا: بمعنى زائل (¬2)]. # نحابى بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب فى أثمانها ونقامر # فقوله: «نحابى بها أكفاءنا» ms166 لا يكون إلا بمعنى نباريهم فى الحباء، وقد ~~ورد أحابى فى شعر زهير بمعنى أخص، وذلك فى قوله (¬3): # أحابى به ميتا بنخل وأبتغى ... إخاءك بالقيل الذى أنا قائل # قالوا: أراد أحابى بهذا الشعر ميتا بنخل، يعنى بالميت أبا الممدوح، أى ~~أخصه به، ونخل: أرض (¬4) بها قبره. # والإعراب فى هذا البيت كالإعراب فى قول أبى الفتح، لا فرق بينهما إلا من ~~جهة أن «حابى» فى قول أبى الفتح بمعنى أعطى، وأحابى هاهنا بمعنى أخص، ولو ~~قال قائل: إن «أحابى به» فى بيت زهير بمعنى أحبو به، لم يبعد قوله من ~~الصواب، لأن فى مدح الابن الحى طيب ذكر للأب الميت. PageV01P334 # وإنما قال: «جديلة طيىء» فخص، لأن الجدائل ثلاثة: جديلة طيىء فى قحطان، ~~وهو جديلة بن خارجة بن سعد العشيرة بن مذحج، وفى مضر: # جديلة، قال أبو عبيدة: هم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن ~~نزار، وفى ربيعة: جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. ### ||| AUTO / مما أنكر على أبى الطيب # تشديد النون من «لدن» فى قوله (¬1): # فأرحام شعر يتصلن لدنه ... وأرحام مال ما تنى تتقطع # وقيل: إن هذا غير معروف فى لغة العرب، وقال أبو الفتح: قوله: «لدنه» فيه ~~قبح وبشاعة، لأن النون إنما تشدد إذا كان بعدها نون، نحو لدنى ولدنا، كما ~~قال جل ثناؤه: {قد بلغت من لدني عذرا} (¬2) {وعلمناه من لدنا علما} (¬3) ~~وأقرب ما يصرف هذا إليه أن يقال: شبه بعض الضمير ببعض ضرورة، فكما قال: # لدنى، قال: لدنه، فحمل أحد الضميرين على صاحبه، وإن لم يكن فى الهاء ما ~~يوجب الإدغام من زيادة نون قبلها، كما قالوا: يعد، فحذفوا الواو، لوقوعها ~~بين ياء وكسرة، ثم قالوا: أعد وتعد ونعد، فحذفوا الواو، وإن لم يكن هناك ما ~~يجب له حذفها، قال: ويجوز أن يكون ثقل النون ضرورة، لا لمصاحبتها الضمير، ~~كما قالوا فى القطن: القطن، وفى الجبن: الجبن، وأنشد أبو زيد: # مثل الجمان جال فى سلكنه (¬4) # زاد نونا شديدة. PageV01P335 # وقال آخر: # إن شكلى وإن ms167 شكلك شتى ... فالزمى الخص واخفضى تبيضضى (¬1) # فزاد ضادا، وقال سحيم العبد (¬2): # وما دمية من دمى ميسنا ... ن معجبة نظرا واتصافا # قالوا: أراد ميسان، فزاد النون، وقال الأسدى (¬3): # وجاشت من جبال السغد نفسى ... وجاشت من جبال خواررزم # أراد خوارزم، فغيرها. # واحتج لأبى الطيب غير أبى الفتح، فيما ذكره القاضى أبو الحسن على بن عبد ~~العزيز الجرجانى (¬4)، فقال: إن العلة فى جواز هذه الزيادة أن الهاء لما ~~كانت خفية (¬5) وكانت النون ساكنة، ومن حق النون الساكنة أن تبين عند حروف ~~الحلق، حسن تشديدها، لتظهر ظهورا شافيا، فهذه علة قريبة قد يحتمل للشاعر ~~تغيير الكلام لأجلها، ويؤكد ذلك أن النون أقرب الحروف إلى حرفى العلة، ~~الياء والواو، وأكثرها شبها بهما ومناسبة لهما، لأنها تدغم فيهما، وزيدت ~~ثالثة ساكنة، فى نحو جحنفل (¬6)، كما PageV01P336 # زيدت حروف العلة بهذا الوصف، فى نحو: فدوكس (¬1) وسميدع وعذافر، وتبدل ~~منها الألف فى الوقف، إذا كانت خفيفة، فى نحو: اضربا، وجعلت إعرابا فى ~~الأمثلة الخمسة، تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين، كما جعلا إعرابا ~~فى التثنية والجمع الذى على حدها، وتحذف إذا كانت ساكنة لالتقاء الساكنين، ~~فى نحو: # اضرب الغلام، بفتح الباء، فلما حلت من مناسبتهن هذا المحل، احتملت ما ~~يحتملنه من الزيادة، وحروف العلة أوسع الحروف تصرفا، ولذلك استجازوا زيادة ~~الياء فى الصياريف، والواو فى فأنظور، والألف فى منتزاح. انتهى كلامه، أراد ~~زيادة الياء فى الصياريف من قول القائل (¬2): # تنفى يداها الحصى فى كل هاجرة ... نفى الدراهيم تنقاد الصياريف # وزيادة الواو فى: فأنظر، من قول الآخر: # من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور (¬3) # وزيادة الألف فى: منتزح من قول الآخر (¬4): PageV01P337 # وأنت من الغوائل (¬1) ... حين ترمى # ومن ذم الرجال بمنتزاح # وقد كان أبو الطيب، فيما ذكر الجرجانى (¬2)، خوطب فى ذلك، فجعل مكان ~~«لدنه»: «ببابه» وروى: «بجوده» واحتج بنحو ما احتج به أبو الفتح، من ~~الأبيات التى تتضمن الزيادة والتغيير. # قال أبو الفتح: واستعمل «لدن» بغير «من» وهو قليل فى الكلام، لا يكادون ~~/يستعملونها إلا ومعها «من» كما جاء فى التنزيل: {من لدن ms168 حكيم عليم} (¬3) و ~~{قد بلغت من لدني عذرا} (¬4) وأنشد سيبويه (¬5): # من لد شولا وإلى إتلائها # نصب «شولا» بإضمار كان، أى من لدن أن كانت شولا إلى أن أتلت، أى تلتها ~~أولادها، هذا قول أبى على (¬6)، مضافا إلى قول أبى الفتح. # وقد جاء «لدن» بغير «من» فيما أنشده يعقوب من قوله (¬7): # فإن الكثر أعيانى قديما ... ولم أقتر لدن أنى غلام # وقال كثير: PageV01P338 # وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكل مكان (¬1) # زاد اللام فى قوله: لكالهائم. # ولدن (¬2) من الظروف التى لم تتمكن، لغلبة الإبهام عليها، وفيه لغات: ~~أولها لدن مثل عضد، والثانية لدن مثل عضد، والثالثة لدن مثل عضد، خففوه ~~تارة بإسكان أوسطه، وتارة بنقل الحركة إلى أوله، وحركوا النون لالتقاء ~~الساكنين، وخصوها بالحركة التى كانت للدال. # والرابعة لد، بحذف النون، كما أنشد سيبويه: «من لد شولا» ووجه حذف النون ~~فيما ذكره أبو على (¬3)، أنهم حذفوها لالتقاء الساكنين، فى قولهم: لد ~~الصلاة، كما حذفوا التنوين من الأسماء الأعلام، فى نحو زيد بن فلان، ثم ~~أجروا النون فى الحذف، ولم يلقها ساكن، مجراها فى الحذف لالتقاء الساكنين. # والخامسة لد، بحذف النون، بعد نقل الضمة إلى اللام. # والسادسة لد، بحذف النون وضم اللام، إتباعا لضمة الدال، وإنما يحذفون ~~النون إذا أضافوه إلى المظهر، فإن أضافوه إلى المضمر ردوها، فقالوا: لدنك ~~ولدنه ولدنا. # والسابعة لدن بفتح الدال، وأصل هذه اللغة أنهم حذفوا النون بعد إسكان ~~الدال PageV01P339 # ثم ردوها، ففتحوا الدال لالتقاء الساكنين، تشبيها للدال بآخر الفعل مع ~~النون الخفيفة، فى نحو: {لنسفعا} (¬1) ولا يكون هذا العمل إلا مع غدوة، قال ~~أبو زيد: # قالوا (¬2): جئت فلانا لدن غدوة، ففتحوا الدال. وقال سيبويه: شبهوها ~~بالخفيفة مع الفعل، ففتحوا الدال، كما فتحوا آخر الفعل. # قال أبو على: ولم يكن حقها أن تحذف النون منها، لأن الحذف إنما يكون فى ~~الأسماء المتمكنة، ولما أشبه «لدن» الحروف، لم يحسن الحذف منه، فاستكرهوه ~~وجعلوا النون بمنزلة الزائد، وقد أضيف إلى الفعل فى قول القطامى (¬3): # صريع غوان راقهن ورقنه ms169 ... لدن شب حتى شاب سود الذوائب # ويمكن أن تكون إضافته إلى الفعل، كإضافة «حيث» إليه، لأنه فى الإبهام ~~مثله، ويمكن أن يكون المعنى: لدن أن شب، فحذف «أن» ويقوى ذلك ثبات «أن» فى ~~قول الأعشى (¬4): # أرانى لدن أن غاب رهطى كأنما ... يرى (¬5) بى فيكم طالب الضيم أرنبا # وقال أبو على أيضا: فأما ما روي عن عاصم من قراءته {لدنه} (¬6) فالكسرة ~~فيه PageV01P340 # ليست كسرة جر، وإنما هى كسرة التقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما ~~أسكنت الباء، من سبع، والنون ساكنة، فلما التقيا كسر الثانى منهما. # وقوله: «فأرحام شعر (¬1)» استعار الأرحام للشعر، وجعلها [متصلة عند ~~الممدوح، ثم قال: وأرحام مال، فاستعارها للمال وجعلها (¬2)] متقطعة عند ~~الممدوح، لما سنذكره، والرحم: علاقة القرابة، ومعنى «تنى» تفتر، قال العجاج (¬3): # فما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر # وفى التنزيل: {ولا تنيا في ذكري} (¬4) ومنه قولهم: امرأة وناة: إذا كان ~~فيها فتور عند القيام، فالمعنى: ما تفتر عن التقطع، والأصل: ما تنى عن أن ~~تتقطع، فحذف «عن» ثم حذف «أن» فارتفع الفعل. # ولدن ولدى وعند نظائر، إلا أن «عند» أمكن منهما. # ومن الفرق (¬5) بينها وبينهما أنك تقول: هذا القول عندى صواب، ولا تقول: ~~هو لدى صواب، وكذلك لا تقول: قولك لدنى صواب، وقال أبو هلال الحسن بن عبد ~~الله بن سهل العسكرى: تقول: عندى مال [وإن كان غائبا عنك، ولا تقول: # لدى مال إلا فى المال الحاضر، لأن لدى إنما هو لما يليك، ولا تقول: لدنى ~~مال (¬6)] وإن كان حاضرا. فقد جعل لعند مزية على لدى، وجعل للدى مزية على ~~لدن. PageV01P341 # وأجاز أبو العلاء المعرى أن يقال: لدنى مال، غائبا كان أو حاضرا، ومنع أن ~~يكون بين عند ولدن فرق، فى جميع أحوالها، وقول أبى هلال أثبت، وقد قاله ~~غيره (¬1)، والذى ذكرته أولا من قولهم: هذا القول عندى صواب، وامتناعهم أن ~~يقولوا: هو لدى صواب، فرق واضح. # قال أبو الفتح: ومعنى البيت أنه يحب المديح، فيهين له المال. # وقال أبو العلاء: ms170 استعار الأرحام للشعر والمال، كما يفعل الشعراء، ~~فيخرجون الأشياء من أصولها مستعارة، فيقولون: «ماء الصبابة، وغمام العطاء» ~~انقضى كلامه. # وليست الاستعارة مختصة بالشعر، وإنما هى ضرب من البديع يتسع فى النثر ~~كاتساعه فى النظم، وقد كثر ذلك فى القرآن، فمنه استعارة الجناح للذل فى ~~قوله تعالى، موصيا للولد بوالديه: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} (¬2) ~~أراد: لن لهما من مبالغتك فى الرحمة جانبك متذللا، ومنه استعارة الساق لشدة ~~(¬3) الأمر، فى قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} (¬4) ألا ترى أنك تقول لمن ~~يحتاج إلى الجد فى أمر: شمر عن ساقك [فيه (¬5)] واشدد حيازيمك (¬6) له، ~~فيكون هذا القول أوكد فى نفسه من قولك: جد فى أمرك. # /ومن ذلك قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ~~(¬7) PageV01P342 # فحقيقة «قدمنا»: عمدنا، وقدمنا أبلغ، لأنه دل فيه على ما كان من إمهاله ~~لهم، حتى كأنه كان غائبا عنهم ثم قدم، فاطلع منهم على غير ما ينبغى، ~~فجازاهم بحسبه، وقوله: {فجعلناه هباء منثورا} حقيقته: أبطلناه حتى لم يحصل ~~منه شيء، فالاستعارة هاهنا أبلغ من الحقيقة. # ومن ذلك قوله: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} (¬1) حقيقة «طغا» ~~علا وطما، فالاستعارة أبلغ، لأن فيها دلالة على القهر، وذلك أن الطغيان علو ~~فيه غلبة وقهر. # ومن ذلك قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} (¬2) حقيقته: كثر الشيب فى ~~الرأس وظهر، فاستعار له الاشتعال، لفضل ضياء النار على ضياء الشيب. # ومن ذلك قوله: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا} (¬3) استعار له السراج، أو للقرآن، فى قول من قدر حذف مضاف، ~~فأراد: وذا سراج منير. # ومن ذلك استعارة النبى صلى الله عليه وآله وسلم للغيرة أنفا، وقد رأى ~~عليا وفاطمة عليهما السلام، فى بيت فرد الباب عليهما، وقال: «جدع الحلال ~~أنف الغيرة (¬4)». PageV01P343 # فالاستعارة تتضمن من زيادة الفائدة ما لا تتضمنه الحقيقة، ولولا ذلك كان ~~استعمال الحقيقة أولى، فاختصاص المعرى الشعر بهذا الضرب من البديع، قول من ~~لم يقف على ما فى كتاب الله من ms171 الاستعارات المعدودة فى إعجاز القرآن. # ثم أقول: إن اتصال أرحام الشعر عند الممدوح يحتمل معنيين، أحدهما: أنه ~~يقبل الشعر ويثيب عليه، فيحصل بينهما اتصال، كاتصال القرابات، والآخر: # أنه يمدح بأشعار كثيرة، تجتمع عنده، فيتصل بعضها ببعض، كاتصال الأرحام. # وكذلك تقطع أرحام المال يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون اجتماعه عنده ~~كالرحم بينهما، وتفريقه كقطع الرحم، والثانى: أن المال لا يجتمع عنده، كما ~~قال (¬1): # وكلما لقى الدينار صاحبه ... فى ملكه افترقا من قبل يصطحبا # فمنعه من اجتماع المال كأنه قطع لأرحام مشتبكة بين صنوف الأموال. # ... وسئلت عن قوله، فى جملة مسائل وردت من الموصل: # كل ما لم يكن من الصعب فى الأن ... فس سهل فيها إذا هو كانا (¬2) # فأجبت بأن «ما» نكرة موصوفة بالجملة، فموضع الجملة خفض، ويكن وكان ~~تامتان، فى معنى يقع ووقع، وقوله: «من الصعب» صفة أخرى، فمن متعلقة بمحذوف، ~~فهى ومجرورها فى موضع خفض، و «سهل» خبر «كل» فالتقدير: # كل شيء غير واقع صعب فى الأنفس، سهل فيها إذا وقع، والمعنى أن الأمر يصعب ~~على النفس (¬3) قبل وقوعه، فإذا وقع سهل، وهذا من قول أعشى باهلة (¬4): PageV01P344 # لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه ... وكل شيء سوى الفحشاء يأتمر # معنى لا يصعب الأمر: لا يجده صعبا، كقولهم: أحمدت الرجل، أى وجدته ~~محمودا، وأبخلته: وجدته بخيلا، ومنه قول عمرو بن معديكرب لبنى الحارث بن ~~كعب: «والله لقد قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجيناكم ~~فما أفحمناكم (¬1)» أى ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين، وكذلك أصعبت الأمر: # وجدته صعبا. # والريث: الإبطاء، يقال: راث الخبر: أى أبطأ، يقول: لا يجد الأمر صعبا إلا ~~وقت (¬2) [إبطاء] ركوبه إياه. # ... /وسئلت عن قول سحيم عبد بنى الحسحاس (¬3): # جنونا بها فيما اعتشرنا علاقة ... علاقة حب مستسرا وباديا # فأجبت بأن «جنونا» نصب على المصدر، أى جننت جنونا، وقوله: # «علاقة» مفعول من أجله، والعلاقة، والعلق: الحب الشديد، ومن كلامهم: # «نظرة من ذى علق (¬4)» أى من ذى هوى قد علق بمن يهواه قلبه، قال الشاعر ~~(¬5): PageV01P345 # علق الأحشاء من هند علق ms172 ... مستسر فيه نصب وأرق # أراد: جننت بها لعلاقة، أى لحب شديد، ويجوز أن تنصب «علاقة» على البدل من ~~«جنونا»، وقوله: «علاقة حب» بدل من قوله: «علاقة» كما تقول: # لقيت غلاما غلام بزاز، فتبين الأول بالثانى. # و «مستسرا» نصب على النعت لقوله: «علاقة حب» وذكر الوصف، والموصوف مؤنث ~~لأمرين، أحدهما: أن العلاقة بمعنى العلق، والآخر: أنها إذا كانت بدلا من ~~«جنونا» فهى الجنون، وقد ورد تذكير المؤنث للحمل على المعنى كثيرا، كقول ~~الأعشى (¬1): # يضم إلى كشحيه كفا مخضبا # ذكر الكف، لأنه ذهب بها مذهب العضو، ومنه قوله (¬2): # فإما ترينى ولى لمة ... فإن الحوادث أودى بها # ذكر ضمير الحوادث، لأنه ذهب بها مذهب الحدثان، ومنه فى التنزيل تذكير خبر ~~الرحمة فى قوله تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} (¬3) لأن المراد ~~بالرحمة هاهنا فى بعض التفسير: الغيث. # ويجوز أن تجعل «مستسرا» نعتا لجنونا، والقول الأول أحسن، لقرب النعت من ~~المنعوت، وإذا حققنا القول فى معنى العلاقة فهى التعلق بالحب، فلهذا أضافها ~~الشاعر إليه، فيجوز على هذا فى نصب «مستسرا» وجهان آخران: أحدهما أن تجعله ~~حالا من «حب» وإن كان نكرة، وكان مجىء الحال منها ضعيفا، وإنما PageV01P346 # أجزت هذا لأمرين، أحدهما: /أن كون الحال من النكرة جائز، يجوز أن تقول: # مررت بامرأة جالسة، وهذا رجل مقبلا. # والثانى: أن المضاف إلى «حب» مصدر، فحب منصوب فى المعنى بعلاقة، على أنه ~~مفعول به، وفاعل المصدر محذوف، فالتقدير: علاقتى حبا، أى تعلقى إياه، ~~فالعامل فى الحال المضاف الذى هو العلاقة، فليست كالحال التى عمل فيها ما ~~قبل المضاف فى نحو «سلبت سلاحى بائسا (¬1)». # والوجه الآخر من وجهى النصب فى «مستسر» أن يكون نعتا لحب، على معناه، ~~وانتصابه فى هذا الوجه أقوى من انتصابه على الحال، ألا ترى أن مفعول المصدر ~~المجرور، قد عطف عليه المنصوب فى قول الشاعر (¬2): # قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا # كما وصف فاعل المصدر مجرورا بمرفوع، فى قول لبيد (¬3)، فى وصف العير ~~والأتان: # يوفى ويرتقب النجاد كأنه ... ذو إربة كل ms173 المرام يروم # حتى تهجر فى الرواح وهاجها (¬4) ... طلب المعقب حقه المظلوم PageV01P347 # فعلى هذا تقول: عجبت من ضرب زيد الظريف عمرا، والظريف، خفضا ورفعا، وعجبت ~~من ضرب زيد الظريف عمرو، والظريف، خفضا ونصبا، فهذان وجهان آخران فى نصب ~~«مستسر» واضحان. # ويروى: # جننت بها فيما اعتشرنا علالة # والعلالة: البقية من كل شيء، يقال لبقية الحب: علالة، وكذلك بقية (¬1) ~~اللبن فى الضرع، وبقية جرى الفرس، فالمعنى: جننت بها لبقية حبى، والوجه هو ~~الرواية الأولى. # واعتشرنا: من المعاشرة، وهى المصاحبة، والعشير: الصاحب، وفى التنزيل: # {لبئس المولى ولبئس العشير} (¬2). ### ||| AUTO / وسئلت فى جملة المسائل الواردة # من الموصل، عما دار من الكلام بين سيبويه والكسائى، بحضرة يحيى بن خالد ~~البرمكى. # فقلت: إن الكسائى، فيما وردت به الرواية، سأل سيبويه، فقال: كيف تقول: ~~«كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هى، أم فإذا هو إياها ~~(¬3)»؟ فقال سيبويه: «فإذا هو هى» ولا يجوز النصب، فقال له الكسائى: # أخطأت، ثم سأله عن مسائل من هذا النحو، منها: خرجت فإذا عبد الله القائم، ~~والقائم، برفع القائم ونصبه، فقال سيبويه فى ذلك بالرفع دون النصب، فقال ~~الكسائى: PageV01P348 # العرب ترفع هذا كله وتنصبه، فدفع سيبويه قوله. # فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم ~~بينكما؟ # فقال الكسائى: هذه العرب ببابك، قد اجتمعت من كل أوب، ووفدت عليك من كل ~~صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل البصرة وأهل ~~الكوفة منهم، فليحضروا ويسألوا. # فقال يحيى وابنه جعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا، وفيهم أبو فقعس ~~وأبو زياد (¬1) وأبو الجراح وأبو ثروان، فسئلوا عما جرى بين الكسائى ~~وسيبويه، فتابعوا الكسائى، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه، فقال له: ~~قد تسمع! فاستكان سيبويه، وأقبل الكسائى على يحيى، فقال: أصلح الله الوزير، ~~إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت أن لا ترده خائبا، فأمر له بعشرة ~~آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، فأقام هناك ولم يعد إلى البصرة. # وأقول: إن الصحيح فى ms174 هاتين المسألتين قول سيبويه، لأن «إذا» هذه هى ~~المكانية الموضوعة للمفاجأة، فهى (¬2) تؤدى معنى الظرف الذى يشار به إلى ~~المكان، / وهو هناك وثم، فيجوز أن يقتصر على الاسم المرفوع بعدها، على أنه ~~مبتدأ، وهى خبره، كقولك: خرجت فإذا زيد، المعنى: فثم زيد، أو فهناك زيد، ~~فإن جئت بعد المرفوع بنكرة، فلك فيها مذهبان، أحدهما: أن ترفعها بأنها خبر ~~المبتدأ، فتكون «إذا» فضلة، يعمل فيها الخبر، تقول: فإذا زيد قائم، كما ~~تقول: هناك زيد قائم، وفى الدار زيد قائم، والمذهب الآخر: أن تنصب النكرة ~~على الحال، تقول: PageV01P349 # فإذا زيد قائما، فتكون «إذا» مستقرا، موضعها رفع بأنها خبر المبتدأ، وهى ~~الناصبة للحال، لنيابتها عن الاستقرار. # وقول الكسائى: فإذا عبد الله القائم، بنصب القائم، لا وجه له، لأن الحال ~~لا تكون معرفة، وإذا بطل النصب فى القائم، فهو فى الضمير من قوله: فإذا هو ~~إياها، أشد بطولا. # وإنما أنكر سيبويه النصب، لأنه لم يره مطابقا للقياس، ولم ير له وجها ~~يقارب الصواب، ولما لم يظفر الكسائى بحجة قياسية، يدفع بها إنكار سيبويه ~~للنصب، كان قصاراه الالتجاء إلى السماع، والتشبث بقول أعراب أحضروا فسئلوا ~~عن ذلك، وكان للكسائى بهم أنسة، وسيبويه إذ ذاك غريب طارئ عليهم. # وذكر قوم من البصريين أن الكسائى جعل لهم جعلا، استمالهم به إلى تصويب ~~قوله، وقيل: إنما قصد الكسائى بسؤاله عما علم أنه لا وجه له فى العربية، ~~واتفق هو والفراء على ذلك، ليخالفه سيبويه، فيكون الرجوع إلى السماع، ~~فينقطع المجلس عن النظر والقياس. # ... ومما قاله أبو الطيب فى صباه قوله (¬1): # أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفى وما عدلا # أحيا (¬2): فعل متكلم، والجملة التى هى «أيسر» وخبره فى موضع نصب على ~~الحال من المضمر فى «أحيا» أى أعيش وأقل ما قاسيت، أو أهون ما قاسيت ما قتل ~~غيرى، /أخبر بحياته فى هذه الحال كالمتعجب، وحقيقة المعنى: كيف أعيش وأهون ~~الأشياء التى قاسيتها فى الهوى الشىء الذى قتل المحبين؟ PageV01P350 # والضعف والضعف: لغتان، كالزعم والزعم، والفقر والفقر، ms175 وزعم قوم أن الضعف ~~بالضم فى الجسم، والضعف فى العقل، وليس هذا بقول يعتمد (¬1) عليه، لأن ~~القراء قد ضموا الضاد وفتحوها فى قوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف} (¬2). ### ||| AUTO مسألة # إن قيل: كيف كرر المعنى فى قوله: # والبين جار على ضعفى وما عدلا # لأنه أثبت للبين الجور، ونفى عنه العدل، والمعنى فيهما واحد؟ # فالجواب: أن الجائر فى وقت قد يعدل فى وقت آخر، فيوصف بالجور إذا جار، ~~وبالعدل إذا عدل، وشبيه بذلك فى التنزيل قوله تعالى، فى وصف الأوثان: # {أموات غير أحياء} (¬3) فوصفها بأموات قد دل (¬4) على أنها غير أحياء، ~~والمعنى أنها أموات لا تحيى فى مستقبل الأزمان، كما يحيى الناس عند قيام ~~الساعة. # ومنها (¬5): PageV01P351 # لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا # هذا مأخوذ من قول أبى تمام (¬1): # لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا # الأحباب: جمع حب، كعدل وأعدال، ومثله من الوصف: نقض وأنقاض، ولا ينبغى أن ~~يكون جمع حبيب، كشريف وأشراف، ويتيم وأيتام، لأمرين، أحدهما: أن الأول أقيس ~~وأكثر، والثانى: أن يتيما وشريفا من باب فعيل الذى بمعنى فاعل، وحبيبا: ~~فعيل الذى بمعنى مفعول (¬2)، فأصله محبوب، كما أن قتيلا/ أصله مقتول، فقد ~~افترقا. # والمصدر الذى هو «مفارقة» مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة ~~السؤال فى قوله تعالى: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك} (¬3) ولا يحسن أن تقدر: لولا ~~مفارقة المحبين الأحباب، وإن كان ذلك جائزا من طريق الإعراب، لأن المحب لا ~~يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنية إلى روحه، وإنما هو مفارق لا مفارق. # وقوله: «لها» من الحشو الذى لا فائدة فيه، لأن المعنى غير مفتقر إليه، ~~فهو من الزيادات الموضوعة لإقامة الوزن، وقد حمل عدم الفائدة به بعض أدباء ~~المغرب (¬4) PageV01P352 # على أن جعله جمع لهاة، على حد حصاة وحصى، وأضافه إلى «المنايا» ورفعه ~~بإسناد «وجدت» إليه، فاستعار للمنايا لهوات، على معنى [أنها (¬1)] كشىء ~~يبتلع الناس، والمراد أفواه المنايا، ولكنه استعمل اللهاة فى موضع الأفواه، ~~لمجاورة اللهاة للفم، وهذا قول ms176 محتمل لو كان مرادا للشاعر، وهو لعمر الله ~~يشبه طريقته فى الاستعارات، وإذا لم يكن مرادا له، حملت «لها» على ما تزيده ~~العرب مبالغة فى التبيين، وإن كان الكلام مستغنيا عنه، كقولك: ما وجدت لى ~~إليك طريقا، فقولك «لى» زيادة، ومثله قول محمد بن يزيد الأموى: # فلا قدرت عليك يد الليالى ... ولا وجدت إليك لها سبيلا # وقد جاء فى بيت للشماخ ما هو أنفر من هذا، وذلك قوله (¬2): # وكنت إذا لاقيتها كان سرنا ... لنا بيننا مثل الشواء الملهوج (¬3) PageV01P353 # والمعنى غير مفتقر إلى قوله: «لنا بيننا»، الملهوج من الشواء: الذى فيه نيوءة. # فأما موضع قوله: «لها» فإنه وصف فى المعنى لسبلا، فالأصل: سبلا كائنة ~~لها، فلما قدمه صار حالا من سبل، ومثله قوله: «إلى أرواحنا» الأصل: سبلا ~~مسلوكة إلى أرواحنا، فلما قدم بطلت الوصفية فيه، وحكم بأنه حال. ### ||| AUTO مسألة # إن قيل: إن العادة جرت بأن يقال: ما وجدت إليه سبيلا، ولا يقال: # ما وجدت إليه سبلا، فما معنى الجمع هاهنا؟ # فالجواب: إن ذكر الجمع هاهنا أصح فى المعنى، لأن فراق المحبوب للمحب يوجد ~~للمنية سبلا إلى روحه، مباينة للسبيل الذى جرت عادة المنية به، وذلك أن ~~فراقه له إنما يكون فى الأغلب مع الهجر، فالمنية تدرك روحه، من طريق العشق، ~~وطريق الفراق، وطريق الشوق، وطريق الهجر، فقد سلكت إلى روحه سبلا شتى، ~~فلذلك استعمل الجمع. ### |||| AUTO ومنها قوله # (¬1): # بما بجفنيك من سحر صلى دنفا ... يهوى الحياة وأما إن صددت فلا # الدنف: المرض الملازم، ويقال للمريض: دنف ودنف، بالكسر والفتح، فإن فتحت ~~لم تثن ولم تجمع ولم تؤنث، لأنه مصدر موصوف به الشخص، كما قالوا: # رجل كرم [ورجلان كرم (¬2)] ورجال كرم، وكذلك المؤنث وتثنيته وجمعه. PageV01P354 # قال الشاعر (¬1): # وأن يعرين إن كسى (¬2) ... الجوارى # فتنبو العين عن كرم عجاف # فإن كسرت ثنيت وجمعت وأنثت، لأنه صفة، كحذر وبطر. # والباء التى فى قوله: «بما» متعلقة بحال محذوفة، وهى حال من الياء فى ~~«صلى» PageV01P355 # والباء التى فى قوله: «بجفنيك» نائبة مناب «فى» كما تقول: زيد ms177 بالبصرة، ومثله: # {للذي ببكة مباركا} (¬1) وهى متعلقة فى التقدير بفعل لا باسم فاعل، لأنها ~~صلة «ما» والظروف وحروف الخفض إذا كانت صلات، لم تتعلق باسم فاعل، لأن اسم ~~الفاعل مفرد، وإن تضمن ضميرا، من حيث لا اعتداد بالمضمر فيه، والصلة لا ~~تكون إلا جملة أو ما يقوم مقام الجملة، كالظرف، فالتقدير: صلى دنفا، مسئولة ~~بما فى جفنيك من السحر، /كما تقول: بالله زرنى، أى زرنى مسئولا بالله. # قال أبو الفتح: الفاء فى قوله: «فلا» جواب «أما» لا جواب «إن»، ومثله: # {وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين} (¬2) انقضى كلامه. # وأقول: إنما كانت الفاء جواب «أما» لأن «أما» أسبق المجابين، وجواب الشرط ~~محذوف، دل عليه الجواب المذكور، ونظير ذلك قولك: «والله إن زرتنى لأكرمنك» ~~جعل (¬3) الجواب للقسم لتقدمه، وسد جواب القسم مسد جواب الشرط، وكذلك إن ~~قدمت الشرط جعلت الجواب له، فقلت: إن تزرنى والله أكرمك، ومما جاء فى ~~التنزيل، من ذكر خبر الأسبق قوله تعالى: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم} (¬4) ~~لما كانت اللام فى «لئن» مؤذنة بالقسم، كان الجواب للقسم، وكذلك مجىء لولا ~~فى قوله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون} (¬5) ثم مجىء «لو» بعدها فى قوله: PageV01P356 # {لو تزيلوا} وجاء الجواب فى قوله: {لعذبنا الذين كفروا} وجب الحكم بأنه ~~جواب «لولا» لتقدمها، وهو ساد مسد جواب «لو». # وقوله: «يهوى الحياة» تحتمل ألف «يهوى» الإثبات فى الخط والحذف، فحذفها ~~للجزم على جواب الأمر، لأن الأمر أحد الأشياء التى تنوب عن الشرط، ~~فالتقدير: صلى دنفا فإن تصليه يهو الحياة، وإثباتها على إجرائه وصفا لدنف، ~~كما جاء الجزم والرفع فى {يصدقني} من قوله تعالى: {فأرسله معي ردءا يصدقني} (¬1) # وقول الشاعر: «وأما إن صددت فلا» مما حذف منه جملة، حذفها كالنطق بها، ~~لأن قوله: «يهوى الحياة» دال على أنه أراد: فلا يهوى الحياة، والمعنى من ~~قول دعبل (¬2): # ما أطيب العيش فأما على ... أن لا أرى وجهك يوما فلا # لو أن يوما منك أو ساعة ... تباع بالدنيا إذن ما غلا # ... /كرر المتنبى معنى ms178 فى أبيات مختلفة الألفاظ، فضل فيها الفرع على ~~أصله، فأحسن فيها كل الإحسان، فمنها قوله (¬3): # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # وقوله فى مرثية أخت سيف الدولة (¬4): # فإن تكن تغلب الغلباء (¬5) ... عنصرها # فإن فى الخمر معنى ليس فى العنب PageV01P357 # وقوله (¬1): # فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد # وقوله (¬2): # وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام # الرغام: التراب. # ... PageV01P358 ### ||| AUTO فصل فى سوى # سوى فى الاستثناء معدودة فى الظروف، فهى فى محل نصب على الظرف، ومؤدية ~~معنى «غير»، فإن فتحت أولها مددتها ونصبتها نصب الظرف، فقلت: # خرج القوم سواء زيد، ولا يدخل الخافض عليهما إلا فى الشعر كقوله (¬1): # تجانف عن جل اليمامة ناقتى ... وما قصدت من أهلها لسوائكا # أى لغيرك، وأراد عن جل أهل اليمامة، أى أكثرهم، وإنما لم يدخل الخافض ~~عليهما، لأنهما من الظروف التى لا تتصرف، ووجه الظرفية فيهما أنك تقول: # أخذت رجلا ليعمل ما أكلفه سوى زيد، أى مكان زيد، وأنهم قد وصلوا بهما، ~~فقالوا: جاء الذى سوى زيد، ومررت بالذى سواء بكر، وليستا فى باب الاستثناء ~~من/المساواة، وإنما هما مشتملتان على حروف المساواة، ومعناهما معنى «غير»، ~~فإن أخرجتهما من باب الاستثناء جاءتا على ضروب، أحدها: استعمالهما بمعنى ~~المكان المتوسط بين المكانين، فمن ذلك فى التنزيل: {فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى} (¬2) أى مكانا يكون النصف مما بيننا ~~وبينك، وكذلك تقول فى الممدودة: هذا مكان سواء، أى متوسط بين المكانين، ~~وجاء فى PageV01P359 # الآية: {سوى} و {سوى} مكسور الأول ومضمومه، وقد استعملوا المقصورة بمعنى ~~القصد فقالوا: قصدت سوى فلان، أى قصدت قصده، وهذا أغرب (¬1) ما جاء فيها، ~~قال (¬2): # فلأصرفن سوى حذيفة مدحتى ... لفتى العشى وفارس الأجراف # أراد قصد حذيفة. # واستعملوا الممدودة بمعنى الوسط، كما جاء فى التنزيل: {فاطلع فرآه في ~~سواء الجحيم} (¬3) أراد فى وسط الجحيم. # واستعملوها مصدرا فى معنى اسم الفاعل المشتق من الاستواء، كقوله جل ذكره: ~~{سواء العاكف فيه والباد} (¬4) أى مستو ms179 فيه هذا وهذا، ومنه قولهم: # «مررت برجل سواء والعدم (¬5)» برفع العدم بالعطف على المضمر فى سواء، ~~والوجه أن تؤكده بمنفصل فتقول: هو والعدم، فإن رفعت سواء، فلا بد من ~~المنفصل، تقول: # سواء هو والعدم، فهو مبتدأ والعدم معطوف عليه، وسواء خبر عنهما. # وقد استعملوها للتسوية بين الشيئين المتضادين، كقولهم: سواء على أقمت أم ~~قعدت، كما جاء فى التنزيل: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} (¬6) أى ~~سواء عليهم PageV01P360 # إنذارك لهم وترك إنذارك، ومثله: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} (¬1) أى ~~سواء علينا جزعنا وصبرنا. # ... سأل حبشى (¬2) بن محمد بن شعيب الواسطى، عن إعراب قول المتنبى (¬3): # /ما لمن ينصب الحبائل فى الأر ... ض ومرجاه أن يصيد الهلالا # فأجبت (¬4) بأنه يروى «مرجاه» بإضافة «مرجا» إلى الهاء، و «مرجاة» بتاء ~~التأنيث منصوبة نصب المفعول معه، كما تقول: مالك وزيدا؟ فمرجاة مثل مسعاة ~~ومرضاة ومعلاة، وأجاز أبو الفتح فيها الخفض بالعطف على «من» ومن روى ~~«مرجاه» فيحتمل أن يكون فى موضع رفع بالابتداء، و «أن يصيد» خبره، والجملة ~~فى موضع الحال، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا على أنه مفعول معه، فالواو فى ~~القول الأول واو الحال، وفى الثانى بمعنى مع، وإن حملته على ما أجازه أبو ~~الفتح فى «مرجاة» من الخفض، فالواو عاطفة، قال أبو الفتح: وهذا مثل ضربه، ~~فأراد: أين هم من الظفر بك على بعدهم من ذلك؟ # وسأل عن قول كعب بن سعد: # فقلت ادع أخرى وارفع الصوت بعدها ... لعل أبى المغوار منك قريب (¬5) PageV01P361 # فأجبت بأنه أراد: لعل (¬1) لأبى المغوار منك مكان قريب، فخفف (¬2) «لعل» ~~وألغاها كما يلغون «إن وأن ولكن»، إذا خففوهن، وكذلك «كأن» فى قوله (¬3): # وصدر مشرق النحر ... كأن ثدياه حقان # ولما حذف اللام المتطرفة بقى «لعل» ساكن اللام، فأدغمها فى لام الجر، ~~وفتح لام الجر لاستثقال الكسرة على المضاعف، والقياس فى الخط أن تكتب ~~منفصلة من لعل. # ... ونولك فى قولهم: لا نولك أن تفعل (¬4)، مأخوذ من التناول للشيء، وهم ~~يريدون به الاختيار، فإذا قالوا: نولك أن تفعل كذا، فمعناه ينبغى لك ms180 أن ~~تفعل، والاختيار لك أن تفعل، ويقولون: لا نولك أن تفعل كذا، ومعناه: لا ~~ينبغى لك أن تفعل كذا، ولم يلزم تكريره وإن كان معرفة، لأنه بمعنى لا ينبغى ~~لك، فلم يلزم /تكريره، كما لا يلزم تكرير الفعل إذا دخلت (¬5) عليه «لا» ~~وعلل المبرد هذا بقوله: إن الأفعال وقعت موقع الأسماء النكرات التى تنصبها ~~«لا»، وتبنى معها، لأن الأفعال تقع فى مواقع النكرات، أوصافا وأحوالا، ~~فلذلك لم تحتج إلى تكرير «لا»، ولو قدرتها تقدير: لا رجل فى الدار ولا ~~امرأة، لقلت: لا يقوم زيد ولا ينطلق، وصار جوابا لمن قال: أيقوم زيد أم ~~ينطلق؟. PageV01P362 # قال أبو سعيد: وهذا القول لا يصح على موضوع أصحابنا، لأنهم يقولون: # عوامل الأسماء لا تدخل على الأفعال، والصحيح عندى أن «لا» الواقعة على ~~الفعل، لا يلزمها التكرير، لأنها جواب يمين، واليمين قد تقع على فعل واحد ~~مجحود، فلا يلزم فيها تكرير «لا» كقولك: والله لا أخرج إلى البصرة، بل لا ~~معنى لتكريرها ويمينك واقعة على شيء واحد. # ووجه آخر أيضا، وهو أن قولك: لا أفعل، نقيض قولك: لأفعلن، كقولك فى نفى: ~~والله لأضربن زيدا: والله لا أضرب زيدا، فمن حيث لم يجب ضم فعل آخر إلى ~~قولك: لأضربن، لم يجب ضم فعل آخر إلى قولك: لا أضرب، وأيضا فإن الفعل قد ~~ينفى بلم ولن، ولا يلزمهما تكرير، ف «لا» مثلهما فى أنها تنفى الفعل، وإن ~~كانت تختص بجواب اليمين. # قال سيبويه (¬1): اعلم أن «لا» قد تكون فى بعض المواضع هى والمضاف إليه ~~بمنزلة اسم واحد، وذلك قولهم: أخذته (¬2) بلا ذنب، وغضبت من لا شيء، وذهبت ~~بلا عتاد، والمعنى: ذهبت بغير عتاد، ومثل ذلك: أجئتنا بغير شيء؟ أى رائقا، ~~وتقول إذا قللت الشىء: ما كان إلا كلا شيء، وإنك ولا شيئا سواء، ومن هذا ~~النحو قول الشاعر (¬3): # /تركتنى حين لا مال أعيش به ... وحين جن زمان الناس أو كلبا PageV01P363 # والرفع (¬1) عربى جيد، على قوله: «حين (¬2) لا مستصرخ» و «لا براح (¬3)» ~~والنصب أجود من الرفع، يعنى فى ms181 غير البيت الذى أنشده، قال: # لأنك إذا قلت: لا غلام، فهى أكثر من الرافعة التى بمعنى ليس، قال الشاعر: # حنت قلوصى حين لا حين محن (¬4) # وأما قول جرير (¬5): # ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين PageV01P364 # فإنما هو حين حين، و «لا» بمنزلة «ما» إذا ألغيت. # قال أبو سعيد: جئت بغير شيء، إنما يراد به جئت خاليا من (¬1) شيء معك، ~~وهذا معنى قوله: رائقا، لأن الرائق هو الخالى، واشتقاقه من راق الشراب: إذا ~~صفا، كأنه جاء ولم يعلق به شيء. # وقوله: «حين لا حين محن» حين منصوب بلا، كقولك: لا مثل زيد، ولا غلام ~~امرأة، وخبره محذوف، التقدير [حين (¬2)] لا حين محن لنا (¬3)، و «حين» ~~الأول مضاف إلى الجملة، التى هى لا حين محن لنا، كما تضاف أسماء الزمان إلى الجمل. # وأما قول جرير: «حين لا حين» فحين الأول مضاف إلى الثانى، وفصلت «لا» بين ~~الخافض والمخفوض، كفصلها فى: جئت بلا شيء، كأنه قال: حين لا حين فيه لهو ~~ولعب، أو نحو ذلك من الإضمار، لأن المشيب يمنع من اللهو واللعب. # قال سيبويه (¬4): واعلم أن المعارف لا تجرى مجرى النكرات فى هذا الباب، ~~لأن «لا» لا تعمل فى معرفة، فأما قول الشاعر: # لا هيثم الليلة للمطى (¬5) # فإنه جعله نكرة، أراد لا مثل هيثم، وقال ابن الزبير (¬6) الأسدى: # أرى الحاجات عند أبى خبيب ... نكدن ولا أمية فى البلاد PageV01P365 # أراد: ولا أمثال أمية، وقالوا: «قضية ولا أبا حسن (¬1)» قال الخليل: ~~تجعله نكرة، فقلت: كيف يكون هذا، وإنما أرادوا عليا عليه السلام؟ فقال: ~~لأنه لا يجوز/لك أن تعمل «لا» إلا فى نكرة، فإذا جعلت «أبا حسن» نكرة، حسن ~~لك أن تعمل «لا» وعلم المخاطب أنه قد دخل فى هؤلاء المنكورين (¬2). # فإن قلت: لم يرد أن ينفى كل من اسمه على، فإنما أراد أن ينفى منكورين، ~~كلهم فى صفة على، كأنه قال: لا أمثال على لهذه القضية، ودل هذا الكلام على ~~أنه ليس لها على، وأنه مغيب عنها، وإن جعلته ms182 نكرة ورفعته كما رفعت «لا ~~براح» فجائز (¬3). # ... PageV01P366 ### ||| AUTO مسألة # (¬1) # إذا قال رجل لامرأته: إن أكلت إن شربت فأنت طالق. # الفتيا: أنها إن أكلت ثم شربت، لا يحنث، وإن شربت ثم أكلت حنث، فيكون ~~الشرط الثانى هو الأول فى المعنى، هذا هو الحكم بإجماع الفقهاء. # وأما العلة عند أهل العربية، فينبغى أن تعلم أولا أنه متى كان فى الكلام ~~قسم وشرط، فإن الجواب يكون عن الأسبق منهما، مثل أن تقول: والله إن قمت ~~لأقومن، لأقومن جواب القسم، والشرط معترض، وجوابه فى الكلام، كما سنذكر، ~~وإن تقدم الشرط كان القسم معترضا، والجواب للشرط، مثل: إن قمت والله قمت، ~~ولا يجوز أن تقول: إن قمت والله لأقومن، فتأتى بجواب القسم، وقد تقدم ~~الشرط، ولا: والله إن قمت قمت، فتأتى بجواب الشرط وقد تقدم القسم. # فإذا استقر هذا وعلم، عدنا إلى ال ### ||| AUTO مسألة # فقلنا: قوله: «إن أكلت إن شربت فأنت طالق» فأنت طالق، جزاء «إن أكلت» ~~وإن شربت، شرط آخر، جوابه إن أكلت فأنت طالق، فقوله: «إن أكلت» فى نية ~~التأخير، وإن تقدم لفظا، فإذا فعلت الشرب الذى هو المقدم فى المعنى وأكلت ~~بعده، وقع الحنث، ومثل هذا قولك: ظننت زيدا قائما، إذا تقدمت ظننت، فليس ~~إلا إعمالها، فإن توسطت جاز الإلغاء والإعمال، تقول فى الإعمال: قائما ظننت ~~زيدا، فقائما/فى نية التأخير وإن تقدم فى اللفظ، كذلك قوله: إن أكلت إن ~~شربت فأنت طالق، لما كان الجزاء عن الأول، وجب أن يكون الأول بعد الثانى، ~~يتلو الجزاء حكما وتقديرا، فهذه علة ال ### ||| AUTO مسألة # ، فاعلم ذلك إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله ~~وسلامه. # ... PageV01P367 ### || AUTO المجلس الثانى والثلاثون # وهو مجلس يوم السبت، ثامن شهر ربيع الأول، من سنة ست وثلاثين وخمسمائة. # قالت الخنساء، واسمها تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية، تبكى من هلك من ~~قومها، وتفتخر بهم: # تعرقنى الدهر نهسا وحزا ... وأوجعنى الدهر قرعا وغمزا (¬1) # وأفنى رجالى فبادوا معا ... فأصبح قلبى بهم مستفزا # كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ ms183 الناس إذ ذاك من عز بزا # وكانوا سراة بنى مالك ... وزين العشيرة فخرا وعزا # وهم فى القديم سراة الأدي ... م والكائنون من الخوف حرزا # وهم منعوا جارهم والنسا ... ء يحفز أحشاءها الخوف حفزا # غداة لقوهم بملمومة ... رداح تغادر للأرض ركزا # ببيض الصفاح وسمر الرماح ... فبالبيض ضربا وبالسمر وخزا # وخيل تكدس بالدارعين ... وتحت العجاجة يجمزن جمزا # جززنا نواصى فرسانها ... وكانوا يظنون أن لا تحزا PageV01P368 # ومن ظن ممن يلاقى الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا (¬1) # نعف ونعرف حق الجوار ... ونتخذ الحمد والمجد كنزا # /تفسير قولها: «تعرقنى الدهر» البيت (¬2) يقال: عرقت العظم وتعرقته: # إذا أخذت ما عليه من اللحم، ويقال للعظم الذى أخذ لحمه: العراق. # والنهس (¬3): القبض على اللحم بالأسنان ونتره، ومثله النهش، وقيل: بل ~~النهش بمقدم الفم، وهو قول أبى زيد، والأول قول الأصمعى. # والحز: قطع غير نافذ، ومثله الفرض (¬4)، ويكون نافذا، لقولهم: حزة من ~~بطيخ، وحزة من كبد. # والقرع: مصدر قرعته بالعصا وبالسيف، والمقارعة بالسيوف. # والغمز: غمزك الشىء اللين بيدك كالتين ونحوه، أرادت أن الدهر أوجعها ~~بكبريات نوائبه وصغرياتها. # وانتصاب «نهسا وحزا» بتقدير: نهسنى نهسا، وحزنى حزا، وإضمار ناصب المصدر ~~المأخوذ من لفظه كثير الاستعمال، كقولهم: «ما أنت إلا نوما وما أنت إلا ~~أكلا وشربا (¬5)» يريدون: تنام نوما، وتأكل أكلا، وتشرب شربا، ويجوز أن ~~يكون انتصاب «نهسا وحزا» على الحال، ووقوع المصدر فى موضع اسم الفاعل، PageV01P369 # وموضع اسم المفعول حالا، مما اتسع استعماله، ويجوز أن يكون انتصابهما ~~بتقدير حذف الجار: أى تعرقنى بنهس وحز، ويجوز أن تنصبهما على التمييز، لأن ~~التعرق لما احتمل أكثر من وجه، فجاز أن يكون بالنهس وأن يكون بالحز أو ~~الكشط أو غير ذلك، كان ذكر كل واحد منهما تبيينا. # وقولها: «قرعا وغمزا» يحتمل الأوجه الأربعة. # وكررت لفظ «الدهر» فلم تضمره، تعظيما للأمر. # والتكرير (¬1) للتعظيم على ضربين، أحدهما: استعماله بعد تمام الكلام، كما ~~جاء فى هذا البيت، وهو كثير فى القرآن، كقوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم ~~الله والله بكل شيء عليم} (¬2) ومنه: {فبدل الذين ظلموا قولا ms184 غير الذي قيل ~~لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} (¬3). # /والضرب الآخر: مجىء تكرير الظاهر فى موضع المضمر، قبل أن يتم الكلام، ~~كقول الشاعر (¬4): # ليت الغراب غداة ينعب دائبا ... كان الغراب مقطع الأوداج # ومثله فى التنزيل: {الحاقة. ما الحاقة} (¬5) {القارعة. ما القارعة} (¬6) ~~كان القياس، لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم: الحاقة ما هى، ومنه قول ~~عدى بن زيد (¬7): # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا PageV01P370 # فكرر لفظة «الموت» ثالثة، وهو من الضرب الأول. # ومثل قوله تعالى: {الحاقة. ما الحاقة} قوله: {فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة. وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة} (¬1) كرر لفظ {أصحاب الميمنة} ~~تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثواب، وكرر لفظ {أصحاب المشئمة} تعظيما لما ~~ينالهم من أليم العذاب. # وأما قوله تعالى: {والسابقون السابقون} (¬2) فليس هذا تكريرا من الفن ~~الذى قدمت ذكره، ولكنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون توكيدا، كتكرير الجمل ~~للتوكيد، نحو قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا} (¬3) ~~وكقول الخنساء (¬4): # هممت بنفسى بعض الهموم ... فأولى لنفسى أولى لها # وكقول القائل (¬5): # وكل حظ امرئ دونى سيأخذه ... لا بد لا بد أن يحتازه دونى # وكقول عمرو بن كلثوم (¬6): PageV01P371 # إليكم يا بنى بكر إليكم # ومما جاء فيه من هذا الضرب تكرير ثلاث جمل، قول الآخر: # فأين إلى أين النجاء ببغلتى ... أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس (¬1) # أراد: إلى أين تذهب؟ إلى أين تذهب؟ أتاك اللاحقوك، أتاك اللاحقوك، احبس ~~البغلة احبس البغلة، فحذف الفعل والفاعل من اللفظين الأولين، وحذف الفاعل ~~من أحد اللفظين الثانيين، وحذف المفعولين من اللفظين الثالثين، وحذف أحد ~~الفاعلين من قوله: «أتاك أتاك اللاحقوك» يقوى (¬2) ما ذهب إليه الكسائى من ~~حذف الفاعل، فى باب إعمال الفعلين، ألا تراه لو أضمر الفاعل ولم يحذفه، ~~لقال: أتوك أتاك اللاحقوك، أو أتاك أتوك اللاحقوك. # ومن تكرير المفرد قول القائل (¬3): # أبوك أبوك أربد غير شك ... أحلك فى المخازى حيث حلا PageV01P372 # رفع الأب الثانى على الإبدال من الأول، ورفع «أربد» بدلا من الثانى، وقوله: # «أحلك ms185 فى المخازى حيث حلا» خبر عن الأول، ولم يكفه هذا التكرير للتوكيد، ~~حتى زاد فى توكيده، فقال: «غير شك» وأجازوا فيه أن يكون الأب الثانى خبرا ~~عن الأول، كقول العجلى (¬1): # أنا أبو النجم وشعرى شعرى # أى شعرى شعرى الذى قد سمعتم به، ونحوه قول الآخر: # إذ الناس ناس والبلاد بلاد (¬2) # فعلى هذا يكون المعنى: أبوك أبوك الذى شاعت مخازيه، والمخازى: جمع مخزاة، ~~وهى كل فعل قبيح، يخزى فاعله، أى يعرضه للخزى، وهو الطرد والمقت، ويقال ~~منه: أخزاه الله. # وقوله: «غير شك» أى حقا (¬3)، كأنه قال: لا شكا، أى لا أشك شكا. # ومن تكرير الجملة قول عنترة (¬4): # أبينا أبينا أن تضب لثاتكم ... على مرشقات كالظباء عواطيا # اللثة: لحم الأسنان، وتضب: تسيل من الشهوة، يقال: ضب فوه يضب، PageV01P373 # وبض يبض: إذا سال، ويقال لمن اشتهى شيئا: إن فمه يتحلب من الشهوة، ويقال: ~~جاء فلان تضب لثته: إذا جاء وهو حريص على الشىء. # يقول: أبينا أن تضب لثاتكم على نسائنا، من الشهوة لهن، أى أبينا أن ~~تأخذوهن/وأنتم حراص عليهن. # والمرشقات من الظباء: اللواتى يمددن أعناقهن إذا نظرن، يقال: أرشقت ~~الظبية، وروى بعضهم: رشقت، وليست بشائعة. # والعواطى: اللواتى يتناولن الأغصان يجذبنها ليأكلن ما فيها من الثمر، ~~ونصب «عواطى» على الحال. # والوجه الثانى من وجهى: {والسابقون السابقون} أن يكون السبق الثانى غير ~~الأول، فيكون الثانى خبرا عن الأول، والمراد: السابقون إلى الإيمان ~~السابقون إلى الجنة، وإذا جعلت الثانى توكيدا، فخبر الأول {أولئك ~~المقربون}. # وقولها: «فبادوا معا» انتصاب «معا» على الحال، بمنزلة جميعا، وهو فى ~~الأصل ظرف موضوع للصحبة، وأجاز بعض النحويين أن يكون حرفا، وتنوينه ودخول ~~الجار [عليه (¬1)] يخرجانه من الحرفية، وذلك فيما رواه البصرى والكوفى، فى قولهم: # جئت من معهم، وكان معها فانتزعته من معها، كما تقول: كان عندها فانتزعته ~~من عندها، فتغير آخره لتغير العامل فيه، وتنوينه إذا استعمل حالا يدخلانه ~~فى حيز الأسماء، وذهب أبو على إلى أن من فتحه، فهو عنده ظرف، ومن أسكنه ~~جعله حرفا، أراد أن من أسكنه نزله ms186 منزلة الأدوات الثنائية، نحو هل وبل، ~~وقد، وأنشد (¬2) فى ذلك: PageV01P374 # فريشى منكم وهواى معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما (¬1) # وإنما ذهب من ذهب إلى كونه حرفا، لمجيئه على حرفين، ولا يعلم له أصل فى ~~بنات الثلاثة. # قال أبو العباس ثعلب: سألت (¬2) ابن قادم: ما الفرق بين قام زيد وعمرو ~~معا، وقام زيد وعمرو جميعا؟ فجعل يركض إلى الليل، فلما ضج (¬3) قلت له: قام ~~زيد وعمرو معا، وقع القيام منهما فى وقت واحد، لا يكون إلا هذا، وقام زيد ~~وعمرو جميعا، /يجوز أن يكون القيام منهما وقع فى وقت واحد، ويجوز أن يكون ~~وقع فى وقتين، وكذلك مات زيد وعمرو جميعا، يكون زمان موتهما مختلفا، ومات ~~ذا مع ذا، لا يكون موتهما إلا فى وقت واحد. # وعند بعض النحويين أن «معا» فى قولك: جاءوا معا، ينتصب على الظرف، ~~كانتصابه فى قولك: معهم، وإنما فكت إضافته وبقيت علة نصبه على ما كانت ~~عليه، والصحيح ما ذكرته أولا، لأنه قد نقل من ذلك الموضع، وصار معناه معنى جميعا. # وقولها: «مستفزا» أى مستخفا، يقال: استفز فلان فلانا، بمعنى استخفه، وفى ~~التنزيل: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} (¬4). # وقولها: كأن لم يكونوا حمى يتقى # الحمى: نقيض المباح، وعز هاهنا: معناه غلب، من قول الله عز وجل: PageV01P375 # {وعزني في الخطاب} (¬1). # وبز: معناه سلب، تقول: بززت الرجل: إذا سلبته سلاحه، ويقال للسلاح ~~المسلوب: هذا بز فلان. # و «من» فى البيت بمعنى الذى، وموضعها مع «عز» رفع بالابتداء، و «بز» ~~خبرها، والجملة التى هى المبتدأ وخبره، خبر عن المبتدأ الأول الذى هو ~~«الناس» والعائد إلى الناس محذوف، كما حذفوه من قولهم: «السمن منوان بدرهم ~~(¬2)» يريدون: # منوان منه، وكذلك التقدير: من عز منهم بز، ولا يجوز أن يكون «إذ ذاك» ~~خبرا عن الناس، لما ذكرته لك من امتناع الإخبار بظروف الزمان عن الأشخاص، ~~وإذا بطل أن يكون «إذ ذاك» خبرا عن «الناس» بقى أن يتعلق ببز. ولا يجوز أن ~~تكون «من» شرطية، لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله ms187 بإجماع ~~البصريين، كما لا يتقدم على الاستفهام ما يكون فى حيزه، وأجاز قوم من ~~البغداديين (¬3) أن يعمل جواب الشرط فيما تقدم عليه، لمفارقته الاستفهام ~~بكونه جزاء، فعلى قول هؤلاء تحتمل «من» أن تكون شرطا. # /فأما «ذاك» فموضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أى ذاك كائن أو موجود، ~~ولا يجوز أن يكون موضع «ذاك» على انفراده خفضا، لأن «إذ» لا تضاف إلا إلى ~~جملة، فموضع الجملة التى هى «ذاك» وخبره جر. # وقولها: «وكانوا سراة بنى مالك» سراة القوم: سادتهم، ذوو السخاء ~~والمروءة، واحدهم: سرى، وانتصاب «فخرا وعزا» على التمييز، والعامل فيهما ~~المصدر الذى هو الزين. PageV01P376 ### ||| AUTO مسألة # إن قيل: لم حذفوا من الخط ألف ملك وصلح وخلد، إذا سموا بهن، ولم يحذفوا ~~ألف سالم وعامر؟ # قيل: لما كثرت التسمية بهؤلاء الثلاثة وأمنوا اللبس فيهن، لأنهم لم يسموا ~~بملك ولا بصلح ولا بخلد، حذفوا ألفاتهن، تخفيفا (¬1)، لأنهم يعتمدون ~~التخفيف فى الخط، كما يعتمدونه فى اللفظ، ولم يحذفوا ألف سالم وعامر، مخافة ~~الالتباس بسلم وعمر، ونظيرهن فى ذلك حارث (¬2)، حذفوا ألفه، لأنهم لم يسموا بحرث. # وقولها: «فى القديم سراة الأديم» سراة الشىء: ظاهره، وجمعها فى البيت بين ~~القديم والأديم، يسمى فى صناعة الشعر: الترصيع، ومنه قول امرأة (¬3) جاهلية ~~فى مرثية: # رفاع ألوية شهاد أندية ... سداد أوهية فتاح أسداد # قوال محكمة نقاض مبرمة ... فراج مبهمة طلاع أنجاد # قولها: «سداد أوهية» الوهى: الشق فى الأديم وغيره، والواهى: المنشق، وليس ~~(¬4) حق فاعل أن يجمع على أفعلة، ولكنها أتبعته الألوية والأندية، كما ~~قالوا: إنى لآتيه بالغدايا والعشايا، والغداة لا تجمع على الغدايا، وإنما ~~أتبعوها العشايا، فإذا PageV01P377 # أفردوا لم يقولوا: غدايا، ومثله فى الإتباع قول الآخر (¬1): # هتاك أخبية ولاج أبوبة ... يخلط بالجد منه البر واللينا # جمع الباب على أبوبة، لمكان أخبية، ولو أفرد لم يقل: أبوبة. # والأندية ليست بجمع ناد، لما قلنا من أن فاعلا (¬2) لا يجمع على أفعلة، ~~ولكنها جمع ندي، كرغيف وأرغفة، وهو مجلس القوم ومتحدثهم، وفى التنزيل: ~~{وأحسن نديا} (¬3). # وقولها: «قوال محكمة» أى قصيدة محكمة. # و ms188 «نقاض مبرمة» أى قضية مبرمة، من قولهم: أبرمت الأمر: أى أحكمته، وأبرمت ~~الحبل: إذا ضفرته فأجدت ضفره، وفى التنزيل: {أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون} (¬4). # وقولها: «فراج مبهمة» أى خطة مبهمة، والخطة: الأمر الشاق، وكل أمر ملتبس ~~خطة، وإذا (¬5) بولغ فى وصفه بشدة الالتباس، قيل: خطة عوصاء، والمبهم من ~~الأمور والأبواب: الذى ما له مأتى، قال: # الفارجو باب الأمير المبهم (¬6) PageV01P378 # وقولها: «طلاع أنجاد» الأنجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض، وقالوا ~~أيضا فى جمعه: أنجد، وهو القياس (¬1). # ومن مستحسن الترصيع فى الشعر المحدث قول مروان بن أبى حفصة (¬2): # هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا # وقول المتنبى (¬3): # معطى الكواعب والجرد السلاهب وال ... بيض القواضب والعسالة الذبل # وقوله (¬4): # فنحن فى جذل والروم فى وجل ... والبر فى شغل والبحر فى خجل # /ومن قيل الخنساء أيضا (¬5): # طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا # يحمله القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا # يقال: عالنى الشىء: أى أثقلنى وغلبنى، وقد ورد هذا الفن من البديع فى ~~القرآن، فمنه ما اختلف إعرابه، ومنه ما جاء متفق الإعراب، فما اختلف إعرابه ~~قوله PageV01P379 # تعالى: {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} (¬1) ومما اتفق ~~إعرابه قوله عز وجل: {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض} (¬2) وقوله: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب} (¬3) وليس {العذاب} رأس آية عند جميع أصحاب ~~الأعداد، إلا الكوفيين (¬4). # وقولها: # يحفز أحشاءها الخوف حفزا # الحفز: الدفع، والحفز: الطعن بالرمح، والحفز: السوق والحث. # وقولها: «بملمومة رداح» أى بكتيبة ملمومة، وهى التى كثر عددها، واجتمع ~~فيها المقنب إلى المقنب، والرداح: الكثيرة الفرسان، وامرأة رداح: ثقيلة ~~الأوراك. # والركز: الصوت الخفى، وفى التنزيل: {أو تسمع لهم ركزا} (¬5). # وقولها: «ببيض الصفاح وسمر الرماح» جمعها بين الصفاح والرماح، كجمعها ~~القديم والأديم، ويقال لكل سيف عريض: صفيحة، وقياسها فى الجمع صفائح، ~~كسفينة وسفائن، وليس حقها أن تجمع على فعال، وجمعها على الصفاح يحتمل ~~وجهين، ms189 أحدهما: أن يكونوا جمعوها أولا على الصفيح، كالسفينة والسفين، ثم ~~جمعوا الصفيح على الصفح، قياسا على رغيف ورغف، وكثيب وكثب، ثم جمعوا الصفح ~~على الصفاح، كالمشط والمشاط، ومثله جمع الجمد، PageV01P380 # وهو المكان/المرتفع، على الجماد، ومما (¬1) جاء جمع جمع الجمع قولهم: ~~أصائل، والواحد: أصيل، فقدروا جمعه على أصل، كقضيب وقضب، ثم جمعوا الأصل فى PageV01P381 # التقدير على آصال، كمشط وأمشاط، وعنق وأعناق، ثم جمعوا الآصال على أصائل، ~~وكان قياسه: أصائيل، على أفاعيل، كأقوال وأقاويل، وأنعام وأناعيم، ولكنهم ~~ألزموه القصر، استثقالا لتوالى ثلاثة أحرف معتلة: الألف والهمزة والياء، ~~والهمزة مقاربة للألف فى المخرج. # والوجه الآخر فى الصفاح: أن يكون جمع صفحة، كجفنة وجفان، والصفحة: وجه ~~السيف، فالتقدير على هذا: بسيوف بيض الصفاح. # وأما وصفهم الرماح بالسمرة، إذا بالغوا فى مدحها، فإن القنا إذا بقى حتى ~~يسمر فى منابته، دل ذلك على نضجه وشدته. # ... PageV01P382 ### || AUTO المجلس الثالث والثلاثون # يتضمن تتمة تفسير أبيات الخنساء، وغير ذلك، وهو مجلس يوم السبت، الخامس ~~عشر من شهر ربيع الأول، من سنة ست وثلاثين وخمسمائة. # قولها: «ببيض الصفاح»: الباء متعلقة بحال من المضمر فى «تغادر» أى تغادر ~~الملمومة للأرض ركزا ملتبسة ببيض الصفاح. # والباء من قولها: «فالبيض ضربا» متعلقة بالفعل الناصب للمصدر، أى فيضربون ~~بالبيض ضربا، وكذلك «وبالسمر وخزا» تقديره: ويخزون بالسمر وخزا، والوخز: ~~الطعن بالرمح وغيره، ولا يكون نافذا. # وقولها: # وخيل تكدس بالدارعين # التكدس: مشى الفرس مثقلا. # وقولها: «يجمزن جمزا» الجمز من السير: أشد من العنق (¬1)، ومنه قيل ~~للبعير: # جماز. # والباء فى قولها: «بأن لا يصاب» زائدة، كما زيدت فى قوله تعالى: {ألم ~~يعلم بأن الله يرى} (¬2) ولو أسقطتها لكان الجزء بإسقاطها مخروما، وهذا ~~الوزن من/ PageV01P383 # المتقارب، فوزن الجزء فعولن، فلو سقطت الباء (¬1) صار فعلن، والخرم إنما ~~يأتى فى الجزء الأول من البيت، وقد جاء فى الجزء الأول من النصف الثانى من ~~قول امرئ القيس: # وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيهما من أخر (¬2) # وقد ذكرت هذا البيت وما فيه فيما قدمته من الأمالى. # ويجوز فى قولها: «يصاب» الرفع، ms190 على أن تكون «أن» مخففة من الثقيلة، ~~والنصب على أن تكون المصدرية التى وضعت خفيفة، والقول فيهما أن كل واحدة ~~منهما مختصة بنوع من الفعل، ولهما اشتراك فى نوع منه، فالمخففة من الثقيلة ~~تقع بعد الأفعال الثابتة المستقرة فى النفوس، نحو أيقنت وعلمت ورأيت، فى ~~معنى علمت، فحكمها فى ذلك حكم الثقيلة، وقد عرفت أن الثقيلة موضوعة ~~للتوكيد، فهى ملائمة فى المعنى لما ثبت واستقر من الأفعال، لأن التوكيد لا ~~يقع بما لا يثبت فى النفوس، تقول: علمت أنك منطلق، وأيقنت أنك جالس، وكذلك ~~تقول: أعلم أن لا يقوم زيد، وأرى أن سيقوم [بكر (¬3)] برفع يقوم، كما جاء ~~فى التنزيل: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا} (¬4) وجاء فيه: {لئلا يعلم ~~أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} (¬5) المعنى أنهم لا يقدرون ~~(¬6)، وكذلك [هى (¬7)] فى مصحف أبى. PageV01P384 # والناصبة للفعل ليست من التوكيد فى شيء، وهى مع ذلك تصرف الفعل إلى ~~الاستقبال الذى لا ينحصر وقته، فهى بهذا ملائمة للفعل الذى ليس بثابت، نحو ~~الطمع والرجاء والخوف والتمنى والإشفاق والاشتهاء، تقول: أرجو أن يقوم، ~~وأطمع أن تعطينى، وأخاف أن تسبقنى، وأشفق أن تفوتنى، وأشتهى أن تزورنى، كما ~~جاء فى القرآن: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي} (¬1) وجاء فيه: / {وأخاف أن ~~يأكله الذئب} (¬2) و {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} (¬3). # وأما ما اشتركا فيه من الفعل، فالظن والحسبان والزعم والخيلان، فهذا ~~النحو لا يمتنع وقوع كل واحدة منهما بعده، تقول فى الناصبة للفعل: ظننت أن ~~تنطلق، وأظن أن تخرج، وفى التنزيل: {إن ظنا أن يقيما حدود الله} (¬4) وفيه: ~~{تظن أن يفعل بها فاقرة} (¬5) وتقول فى الثقيلة والمخففة منها: أظن أنك ~~منطلق، وأظن أن لا تقوم يا فتى، وإنما حسن هذا لأنه شيء قد استقر فى ظنك، ~~كما استقر فى علمك، إذا قلت: علمت أنك منطلق، وكذلك تقول فيما يستقر فى ~~حسبانك: حسبت [أنك جالس، وأحسب أن ستقوم، وفيما لم يستقر: حسبت (¬6)] أن ~~تكرمنى، وعلى الوجهين قرأ القراء: {وحسبوا ألا تكون ms191 فتنة} (¬7) فرفع {تكون} ~~أبو عمرو، وحمزة والكسائى، وفتحها ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر، ومثل ~~ذلك قولك فيما استقر فى زعمك: زعمت أن ستنطلق، قال (¬8): PageV01P385 # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع # وتقول فيما ليس بثابت عندك: أزعم أن تخرج يا فتى، ولا يجوز: علمت أن ~~تخرجوا، فأما إجازة سيبويه (¬1): ما علمت إلا أن تقوم، فأتى بعد العلم ~~بالناصبة للفعل، فلأنه كلام (¬2) خرج مخرج الإشارة، فجرى مجرى فعلها إذا ~~قلت: أشير عليك أن تقوم، ولو أراد العلم القاطع جعلها المخففة، وأتى ~~بالعوض، فقال: # ما علمت إلا أن ستقوم، ويقبح أن تقول: أرجو أنك تفعل، وأطمع أن ستقوم، ~~قال سيبويه: ولو قال: أخشى أن (¬3) لا تفعل، يريد أن يخبره أنه يخشى أمرا ~~قد استقر عنده أنه كائن، جاز، وليس وجه الكلام. # وأنكر أبو العباس محمد بن يزيد ما أجازه سيبويه، من إيقاع الناصبة للفعل ~~بعد العلم، على الوجه الذى قرره سيبويه، وأنكر أيضا إيقاعه بعد الخوف ~~والخشية، المخففة من الثقيلة، فقال فى المقتضب (¬4)، فى باب الأفعال التى ~~لا تكون معها/إلا أن الثقيلة، والأفعال التى لا تكون معها إلا الخفيفة، ~~والأفعال المحتملة للثقيلة والخفيفة: وزعم سيبويه أنه يجوز (¬5): خفت أن لا ~~تقوم يا فتى، إذا خاف شيئا كالمستقر [عنده (¬6)] وهذا بعيد، قال: وأجاز أن ~~تقول: ما أعلم إلا أن تقوم يا فتى، إذا لم ترد علما واقعا، وكان هذا القول ~~على معنى المشورة، أى أرى من الرأى أن تقوم، قال: وهذا فى البعد كالذى قبله. # وأقول: إن استبعاد أبى العباس لما أجازه سيبويه، من إيقاع المخففة بعد ~~الخوف، PageV01P386 # على المعنى الذى عناه سيبويه، استبعاد غير واقع موقعه، لأن الشعر القديم ~~قد ورد بما أنكره أبو العباس، وذلك قول أبى محجن الثقفى: # إذا مت فادفنى إلى أصل كرمة ... تروى عظامى بعد موتى عروقها (¬1) # ولا تدفننى بالفلاة فإننى ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف فى الشعر وفى القرآن، ومجىء الثقيلة أشد، ~~فالشعر قوله (¬2): # وما خفت ms192 يا سلام أنك قاطعى # والقرآن قوله تعالى: {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} (¬3)، وكذلك ~~استبعاده لإجازة سيبويه: ما أعلم إلا أن تقوم، استبعاد فى غير حقه، لأن ~~سيبويه قد أوضح المعنى الذى أراده به فى قوله: «وتقول: ما علمت إلا أن ~~تقوم، إذا أردت (¬4) أنك لم تعلم شيئا كائنا ألبتة، ولكنك تكلمت به على وجه ~~الإشارة، كما تقول: أرى من الرأى أن تقوم، فأنت لا تخبر أن قياما قد ثبت ~~كائنا أو يكون فيما يستقبل» والذى PageV01P387 # قاله سيبويه غير مدفوع مثله، لأنهم كثيرا ما يستعملون معنى بلفظ معنى ~~آخر، ألا ترى أنهم يستعملون علم الله، بمعنى أقسم بالله، فيقولون: علم الله ~~لأفعلن، فهذا عندهم قسم صريح، فكما استعملوا علم الله، بمعنى أقسم بالله، ~~كذلك استعملوا العلم بمعنى المشورة، فيما قاله سيبويه، وقد (¬1) تلقوا ~~العلم والظن بما يتلقون به الأقسام، وإن/لم يريدوا بهما معنى القسم، كقوله ~~تعالى: {وظنوا ما لهم من محيص} (¬2) وكقوله: {لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض} (¬3) جاءت «ما» بعد الظن والعلم، مجيئها فى قولك: أقسم بالله ما ~~فعلت، وإذا تأملت ما ذكرته لك، من استعمال معنى بلفظ معنى آخر، فى الكتاب ~~العزيز، وفى الشعر القديم، وفى الكلام الفصيح، وقفت من ذلك على أمر عجيب، ~~فأول فهمك ما أذكره لك من هذا الفن، بعد ذكر أصول المعانى وفروعها. # قال أبو الحسن الأخفش، فى كتابه الذى سماه: الأوسط: معانى الكلام ستة، ~~وهى محيطة بالكلام: خبر واستخبار، وهو الاستفهام، ودعاء نحو: يا زيد ويا ~~عبد الله، وتمن، نحو: ليت زيدا أتانا، وأ لا ماء باردا، وأمر، نحو قولك: ~~أقبل وأدبر، وطلب [وهو (¬4)] بصيغة الأمر، كقولك للخليفة: أجرنى (¬5)، انظر ~~فى أمرى، فالأمر لمن هو دونك، والطلب إلى من أنت دونه. # وقال غير الأخفش: معانى الكلام، خبر واستخبار-وهو طلب الخبر-وافعل ولا ~~تفعل، ونداء وتمن وعرض، وقال آخرون: وإباحة وندب. # ولعمرى إن صيغة افعل، تتناول مع تناولها الأمر الإباحة والندب وغيرهما، ~~مما ستقف عليه. PageV01P388 # وقوم جعلوا النهى داخلا فى حيز الأمر، ولذلك لم يذكره ms193 الأخفش، قالوا: ~~لأنك إذا قلت: لا تأكل، كان بمنزلة قولك: دع الأكل. # وعند قوم من المحققين أن الصيغتين تدلان على معنيين، كل واحد منهما قائم ~~بنفسه، وإن اشتركا فى بعض المواضع. # وقد أدخل قوم النداء فى باب الأمر، فقالوا: إذا قلت: يا رجل، فكأنك قلت: # تنبه، وليس هذا القول بشىء، لأنك إذا قلت: يا زيد، لم تقل (¬1): قد ~~أمرته، وقال بعضهم: النداء خبر من/وجه، وغير خبر من وجه، فإذا قلت: يا فسق، ~~فهذا خبر، لدخول التصديق والتكذيب فيه، فلذلك أوجب الفقهاء الحد على القاذف ~~(¬2) بهذا اللفظ، فإذا قلت: يا زيد، فليس بخبر، لامتناع التصديق والتكذيب فيه. # وجعل بعض أهل العلم التعظيم (¬3) لله سبحانه، معنى مفردا، وكذلك التعجب، ~~وأدخلهما آخرون فى الخبر، فقالوا: إذا قال القائل: لا إله إلا الله، فقد ~~أخبر أنه معترف بذلك، وأنه من أهل هذه المقالة، وقال من جعله معنى بنفسه: ~~لو كان تعظيم الله خبرا محضا، لما جاز أن يتكلم به المرء خاليا ليس معه من ~~يخاطبه [به (¬4)] ولكنه تعبد لله، وإقرار بربوبيته، يتعرض به قائله للثواب، ~~ويتجنب العقاب، فهؤلاء جعلوا هذا الضرب من الكلام خارجا عن الخبر المحض، ~~كقول المرء خاليا بنفسه: أساء إلى فلان، وغصبنى مالى، وأشمت بى عدوى، يقول ~~ذلك على وجه التحزن والتفجع، وكذلك يقول على وجه التشكر (¬5): أحسن إلى ~~فلان، وبذل لى ماله وجاهه، فجعلوا التعظيم لله معنى على حدته، وإن كان بلفظ ~~الخبر. PageV01P389 # ومن أخرج التعجب من الخبر، وجعله معنى منفردا على حياله، قال: إن فى لفظه ~~من معنى المبالغة ما ليس فى الخبر المحض. والصحيح أنه داخل فى حيز الخبر، ~~لأنك إذا قلت: ما أحسن زيدا، فكأنك قلت: زيد حسن جدا، وتمثيله عند الخليل ~~وسيبويه: شيء (¬1) أحسن زيدا، وعند الأخفش: الذى أحسن زيدا شيء وعند آخرين: ~~شيء أحسن زيدا كائن. # واختلفوا فى العرض، فقال قوم: هو من الخبر، لأنه إذا عرض عليك النزول ~~فقال: ألا تنزل، فقد أخبر بأنه يحب نزولك عنده، وأدخله قوم فى الاستفهام؛ ~~لأن لفظه كلفظه، ms194 ولو كان استفهاما لم يكن المخاطب به مكرما لمن خاطبه، ولا ~~موجبا عليه بذلك شكرا. # وزعم قوم أن التحضيض معنى منفرد، وقال آخرون: إنه إذا قال: هلا فعلت كذا، ~~/فقد أمر المحضوض بذلك الفعل. # وقال بعضهم: التمنى داخل فى الخبر، وكذلك الترجى، لأنه إذا قال: ليت لى ~~مالا، فقد أخبر أنه تمنى ذلك، ولو كان الأمر على ما قال لما امتنع فيه ~~التصديق والتكذيب. # وذهب بعضهم إلى أن الجزاء قسم منفرد، وليس الأمر كذلك، لأن قول الله ~~سبحانه: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا} (¬2) يدخله التصديق. # وإذا عرفت هذا، فالخبر أوسع المعانى، وهو أن يخبر المتكلم غيره بما يفيده ~~معرفته، وحده دخول التصديق والتكذيب فيه، وهو على ضربين: موجب وغير موجب، ~~فالموجب: ما عرى من أدوات النفى، وهى «لا-ولن-وما-ولم-ولما» PageV01P390 # فى نحو {بل لما يذوقوا عذاب} (¬1) و «إن» فى نحو: {إن عندكم من سلطان ~~بهذا} (¬2) ولات فى نحو: {ولات حين مناص} (¬3) أى وليس الحين حين مهرب. # ومن الأفعال: «ليس وأبى» يدلك على أن «أبى» نفى (¬4) صريح، قولك: # أبى زيد إلا أن يقوم، كقولك: لم يرد زيد إلا أن يقوم، كما جاء فى ~~التنزيل: # {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} (¬5). # ومن أدوات النفى «غير» لأنها للمخالفة، فهى نقيض «مثل» تقول: جاءنى رجل ~~مثلك، أى يشابهك، ورجل غيرك: أى يخالفك. # فمثال الموجب: زيد منطلق، وفى الدار زيد، وجاء محمد، وسيخرج خالد، ودحرج ~~العدل، وسيباع الثوب. # وقد يكون النفى جحدا، فإذا كان النافى (¬6) صادقا فيما قاله سمى كلامه ~~نفيا، وإن كان يعلم أنه كاذب فيما نفاه سمى ذلك النفى جحدا، فالنفى إذن أعم ~~من الجحد، لأن كل جحد نفى، وليس كل نفى جحدا، فمن النفى قوله تعالى: # {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} (¬7) ومن الجحد نفى فرعون وقومه لآيات ~~موسى، فى قوله تعالى: {فلما جاءتهم آياتنا مبصرة} -أى واضحة- {قالوا هذا ~~سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} (¬8) المعنى: جحدوا ~~بها ظلما وعلوا، أى ترفعا عن الإيمان بما جاء به موسى، فقولهم: {هذا ms195 سحر ~~مبين} PageV01P391 # خبر موجب، يراد به النفى، أى ما هذا حق، فلذلك قال: {وجحدوا بها} أى ~~نفوها وهم يعلمون أنها من عند الله. # ومن العلماء بالعربية من لا يفرق بين النفى والجحد، والأصل فيه ما ذكرت لك. # وقد ورد الخبر والمراد به الأمر، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} (¬1) وقوله: {والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} (¬2) فظاهر هذا الكلام خبر ~~إلا أن علماء المسلمين اتفقوا على أن النساء عليهن أن يعتددن لطلاقهن ثلاثة ~~أقراء، إذا كان الحيض موجودا، وأن يتربصن بأنفسهن إذا توفى عنهن أزواجهن ~~أربعة أشهر وعشرا، فعلم بإجماع علماء المسلمين أن المراد بذلك الأمر. # ومما يدخل فى هذا المعنى باتفاق أهل الإسلام قوله جل وعز: {فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم} (¬3) وقوله: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~(¬4) وقوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك} (¬5) فالهدى أو ما ذكر معه متفق على أنه واجب على المتمتع الذى ~~وصفه الله بما وصفه، وكذلك العدة من الأيام الأخر، متفق على أنها واجبة على ~~من أفطر إذا كان مريضا أو على سفر، والفدية من الصيام أو الصدقة أو النسك ~~واجبة على من كان PageV01P392 # به أذى من رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدى محله، فالمعنى: فمن لم يجد فليصم ~~ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع، وكذلك معنى الآية الأخرى: ومن كان [منكم ~~(¬1)] مريضا أو على سفر فليصم من أيام أخر عدة ما أفطر، وكذلك المعنى فى ~~الثالثة: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فليفد بصيام أو صدقة أو ~~نسك، والمرفوعات الثلاثة، رفعها بالابتداء، وأخبارها محذوفة، تقديرها: ~~فعليه عدة من أيام أخر، أى صيام عدة، وكذلك فعليه فدية. # ونظير هذه الآيات فى مجىء الخبر بمعنى الأمر، قوله: {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين} ms196 (¬2) أى لترضع الوالدات أولادهن، وقوله: {ولله على ~~الناس حج البيت} (¬3) أى حجوا أيها الناس البيت، وقوله: {قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوآتكم} (¬4) معناه: البسوا واستتروا عند الطواف بالبيت، ولا ~~تطوفوا عراة، ومن الخبر الذى يراد به التعزية والأمر بالصبر، قوله جل وعلا: ~~{ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} (¬5) أى اصبر على ما يقول لك ~~المشركون، وتعز بمن كان قبلك من الرسل الذين أوذوا. # ومن الخبر الذى أريد به الأمر قولهم: «أمكنك الصيد» أى ارمه، وقولهم: # «اتقى الله امرؤ وصنع خيرا» (¬6) أى ليتق الله وليصنع خيرا. # ومن الخبر الذى أريد به النهى قوله تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله ~~أبدا} (¬7) أى لا تعودوا. PageV01P393 # ومما جاء بلفظ الخبر والمراد به أمر تأديب قوله تعالى: {إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} ~~(¬1) معناه: # قولوا سمعنا قولك، وأطعنا حكمك. # وأما قوله عز وجل: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا ~~معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} (¬2) فقال بعض المفسرين: هو أمر معناه: # استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم-وقال آخرون: هو ندب. # ومن الخبر الذى معناه إباحة، قوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ~~أو بيوت أمهاتكم} (¬3) معناه: كلوا مع هؤلاء، وليأكلوا معكم، وكلوا من هذه ~~البيوت. # ومن الخبر الذى معناه ندب قوله: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} (¬4) ~~معناه: افعلوا بهن من المعروف مثل ما يلزمهن لكم، وقوله: {وللرجال عليهن ~~درجة} (¬5) معناه: أفضلوا عليهن وأحسنوا إليهن، وخذوا بالفضل. # ومن الخبر الذى هو أمر قول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: «لا صلاة لمن ~~لم يقرأ بفاتحة (¬6) الكتاب» أى اقرءوا فى الصلوات الفاتحة، ومنه {كتب ~~عليكم الصيام} (¬7) معناه: صوموا، وقوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة} (¬8) معناه: فأنظروه إلى ميسرته. PageV01P394 # ومن الخبر الذى أريد به الدعاء [قولهم (¬1)]: «غفر الله لك، ورحم الله ms197 ~~فلانا، ويرحم الله فلانا» لو كان هذا خبرا على ظاهره، لكنت موجبا لرحمة ~~الله ومغفرته للمدعو له، وليس الأمر كذلك، وإنما قصدت الرغبة إلى الله فى ~~إيجاب المغفرة والرحمة له، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى، حاكيا عن يوسف: ~~{يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} (¬2) ومنه قول الشاعر (¬3): # ويرحم الله عبدا قال آمينا # وقول الآخر (¬4): # أجمعت خلتى مع الهجر بينا ... جلل الله ذلك الوجه زينا # والقسم ضرب من الخبر، كقولك: أقسم بالله لأفعلن، وليمن الله لأذهبن، ~~ولعمرك لأنطلقن، وقد استعملوه مجردا من ألفاظ الأيمان، كقولهم: علم الله ~~لقد كان ذلك، ويعلم الله ما كان ذلك، واختلف النحويون فى قوله تعالى: {هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في ~~سبيل الله} (¬5) فذهب أبو العباس المبرد إلى أن قوله: {تؤمنون} {وتجاهدون} معناه: # آمنوا وجاهدوا، واستدل بالجزم فى قوله تعالى: {يغفر لكم} {ويدخلكم} (¬6) ~~لأنه جواب PageV01P395 # الأمر، الذى جاء بلفظ الخبر، فهو محمول على المعنى، ودل على ذلك أيضا أنه ~~فى حرف (¬1) عبد الله: (آمنوا وجاهدوا). # وقال غير أبى العباس: {تؤمنون} {وتجاهدون} عطف بيان على ما قبله، كأنه ~~لما قال: {هل أدلكم على تجارة} لم يدر ما التجارة، فبينها بالإيمان ~~والجهاد، فعلم بذلك أن المراد بها الإيمان والجهاد، فيكون {يغفر لكم} على ~~هذا جواب الاستفهام، فهو محمول على المعنى، لأن المعنى: هل تؤمنون وتجاهدون ~~يغفر لكم، لأن التجارة لما بينت بالإيمان والجهاد، صار {تؤمنون} {وتجاهدون} ~~كأنهما قد وقعا بعد «هل» فحمل {يغفر لكم} {ويدخلكم} على هذا المعنى. # وقال الفراء (¬2) {يغفر} جواب الاستفهام. فإن كان مراده (¬3) المعنى الذى ~~ذكرته فهو حسن، وقد كان يجب عليه أن يوضح مراده، وإن كان أراد أن قوله: ~~{يغفر} جواب لظاهر قوله: {هل أدلكم على تجارة} فذلك غير جائز، لأن الدلالة ~~على الإيمان والجهاد لا تجب بها المغفرة وإدخال الجنات، وإنما يجبان ~~بالقبول (¬4) والعمل. # ومما جاء فيه لفظ الخبر بمعنى الإغراء، قول عمر رضوان الله عليه (¬5): ~~«أيها الناس PageV01P396 # كذب عليكم الحج والعمرة» معناه: عليكم بالحج ms198 والعمرة [والزموا الحج ~~والعمرة (¬1)] ومثله قول معقر بن حمار البارقى: # وذبيانية أوصت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف (¬2) # أى عليكم بالقراطف، وهى القطف (¬3)، وبالقروف فاغنموهما (¬4)، والقروف: ~~أوعية من أدم يتخذ فيها الخلع، وهو لحم يقطع صغارا، ويحمل فى السفر، وقيل: ~~هو القديد المشوى، ومثله قول عنترة، وقال أبو عبيدة والأصمعى: هو لخزز بن لوذان: # كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتى غبوقا فاذهبى (¬5) # وقبل هذا البيت: # لا تذكرى فرسى وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب # إن الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوهى ما شئت ثم تحوبى # قال ابن السكيت: كان لعنترة امرأة بخيلة (¬6)، لا تزال تلومه فى فرس كان ~~يؤثره بالغبوق، وهو شرب العشى، فتهددها بالضرب الأليم، فى قوله: # فيكون جلدك مثل جلد الأجرب PageV01P397 # أى أضربك فيبقى أثر الضرب عليك كالجرب، وقيل: بل أراد أدعك وأجتنبك، كما ~~يجتنب الجرب. # وقوله: «تحوبى» التحوب: التوجع، ثم قال: «كذب العتيق» أى عليك بالعتيق، ~~وهو التمر، والشن: القربة الخلق، والماء يكون فيها أبرد منه فى القربة ~~الجديدة، يقول: عليك بالتمر فكليه، والماء البارد فاشربيه، ودعينى أوثر ~~فرسى [باللبن (¬1)] ثم قال: # إن العدو لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحلى وتخضبى # الوسيلة: القربة، وقيل: المنزلة القريبة، وقوله: «أن يأخذوك» موضعه نصب ~~(¬2)، بتقدير حذف الخافض، أى: فى أن يأخذوك، أى لهم قربة إليك فى أخذهم ~~إياك، قذفها بإرادتها أن تؤخذ مسبية، فلذلك قال: «تكحلى وتخضبى»، ثم قال: # ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النعامة عند ذلك مركبى # أى ليس عليك من الأمر ما على، والحدج (¬3): مركب من مراكب النساء، وابن ~~النعامة: فرسه، وقيل: أراد باطن قدمه، وقيل: أراد الطريق، والأول أصح (¬4)، ~~ثم قال: # وأنا امرؤ إن يأخذونى عنوة ... أقرن إلى شر الركاب وأجنب # قوله: «عنوة» أى قسرا، والركاب: الإبل [التى (¬5)] يحمل عليها الأثقال، PageV01P398 # الواحد منها: راحلة، ثم قال: # إنى أحاذر أن تقول ظعينتى ... هذا غبار ساطع فتلبب # يقال للمرأة: ظعينة، ما دامت فى هودج، والتلبب: التحزم (¬1)، أى تحزم ~~للمحاربة. # ومما جاء فيه الوعيد بلفظ الخبر فى التنزيل، قوله ms199 تعالى: {سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق} (¬2) {ستكتب شهادتهم ويسئلون} (¬3) {سنفرغ لكم ~~أيه الثقلان} (¬4) {إن ربك لبالمرصاد} (¬5). # وقد ورد الخبر الموجب، والمراد به النفى، كقول الأعشى (¬6): # أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث عن عطائى جامدا # أى لم يعطنى شيئا. # ... PageV01P399 ### || AUTO المجلس الرابع والثلاثون # يتضمن القول فى الاستخبار # الاستخبار والاستفهام والاستعلام واحد، فالاستخبار: طلب الخبر، ~~والاستفهام: طلب الفهم، والاستعلام: طلب العلم، والاستخبار نقيض الإخبار، ~~من حيث لا يدخله صدق ولا كذب، وأدواته حروف وأسماء وظروف، فالحروف: # الهمزة وهل وأم، والهمزة أم الباب، ألا تراها تكون للإثبات، كقوله (¬1): # أطربا وأنت قنسرى # خاطب (¬2) نفسه مستفهما، وهو مثبت، أى قد طربت (¬3)، ولا يجوز: هل طربا؟ ~~ويدلك على قوة الهمزة فى بابها أن حرف العطف الذى من شأنه أن يقع قبل ~~المعطوف، لا يتقدم عليها، بل لها الرتبة الصدرية عليه، كقولك: أفلم أكرمك، ~~أولم أحسن إليك؟ كما جاء فى التنزيل: {أفكلما جاءكم رسول} (¬4) - {أوكلما} PageV01P400 # {عاهدوا عهدا} (¬1) وجاء تقديم العاطف على «هل» على القياس، تقول: هل جاء ~~زيد، وهل عندك محمد؟ # والأسماء المستفهم بها «من وما وكم وأى» فى نحو: أى القوم عندك؟ وأى/ ~~الخيل ركبت؟ فإن أضفتها إلى اسم من أسماء الزمان أو المكان، أخرجتها بذلك ~~إلى الظرفية، لأنها بعض ما تضاف إليه، كقولك: أى الشهور خرجت؟ وأى المنازل نزلت؟ # والظروف المستفهم بها «أين وكيف ومتى وأيان وأنى» وإنما عدوا «كيف» فى ~~الظروف، للاستفهام بها عن الحال، والحال تشبه الظرف (¬2)، لأنها عبارة عن ~~الهيئة التى يقع فيها الفعل، ولذلك تقول: كيف زيد جالسا؟ أى على أى هيئة ~~جلوسه، كما تقول: أين زيد قائما؟ فينوب «كيف» مناب اسم الفاعل فى نصب ~~الحال، كنيابة أين. # فأما أوضاع هذه الكلم: فأين وضعت فى هذا الباب للاستفهام عن المكان [ومتى ~~(¬3)] وأيان للاستفهام عن الزمان، وإنما قلت: فى هذا الباب، لأن «أين» ~~تفارق الاستفهام إلى الشرط، وكذلك متى، وكيف يستفهم بها عن الأحوال، وأنى ~~يتجاذبها شبهان، شبه أين، وشبه كيف، وقد جاء التنزيل بهما، فى قوله: # {يا مريم ms200 أنى لك هذا} (¬4) أى من أين لك هذا؟ وفى قوله: {أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها} (¬5) أى كيف يحيى هذه الله؟ PageV01P401 # و «من» للاستفهام عن العقلاء، و «ما» يستفهم بها عن ذوات غير العقلاء، ~~وعن صفات العقلاء، فذوات غير العقلاء ضربان: أجسام وأحداث، والأجسام ضربان: ~~أحدهما الحيوانات الصوامت، والآخر الجمادات والنباتات والمائعات، وغير ذلك، ~~يقول القائل: ما معك؟ فتقول: فرس أو دينار أو غصن آس، أو ماء ورد، ومثال ~~الاستفهام بها عن صفات العقلاء، أن تقول: من عندك؟ فتقول: زيد، فيستفهمك ~~بعد ذلك عن صفته، فيقول: وما زيد؟ فتقول: رجل طويل أسمر بزاز، وفى التنزيل: ~~{قال فرعون وما رب العالمين} (¬1). # و «كم» يستفهم بها عن الأعداد، وأى تستغرق هذا كله، لأن الإضافة/ تلزمها، ~~لفظا أو تقديرا، فهى عبارة عن بعض ما تضاف إليه. ### ||| AUTO ### ||| AUTO فصل # والاستفهام يقع صدر الجملة، وإنما لزم تصديره، لأنك لو أخرته تناقض ~~كلامك، فلو قلت: جلس زيد أين؟ وخرج محمد متى؟ جعلت أول كلامك جملة خبرية، ~~ثم نقضت الخبر بالاستفهام، فلذلك وجب أن تقدم الاستفهام، فتقول: أين جلس ~~(¬2) زيد؟ ومتى خرج محمد؟ لأن مرادك أن تستفهم عن مكان جلوس زيد، وزمان ~~خروج محمد، فزال بتقديم الاستفهام التناقض. ### ||| AUTO ### ||| AUTO فصل # وقد ورد الاستفهام بمعان مباينة له، فمن ذلك مجيئه بمعنى الأمر، كقوله تعالى: # {فهل أنتم منتهون} (¬3) أى انتهوا، ومثله: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ~~(¬4) أى PageV01P402 # أحبوا هذا، وكذلك {أفلا تذكرون} (¬1) أى تذكروا، و {ألم يأن للذين آمنوا ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله} (¬2) أى اخشعوا، {وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين أأسلمتم} (¬3) أى أسلموا، {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله} (¬4) ~~أى قاتلوا. # ومما جاء فى الشعر من مجىء الاستفهام بمعنى الأمر والنهى، قول امرئ القيس (¬5): # قولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل # أى لا تغتروا وكونوا على حذر، ومثله للأعشى (¬6): # ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت الإبل # أى انته عنا فلست تضرنا. # ومما جاء بمعنى الأمر بالتنبه قوله تعالى: {ألم تر ms201 إلى الذي حاج إبراهيم ~~في ربه} (¬7)، {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} (¬8)، {ألم تر إلى الذين خرجوا ~~من ديارهم وهم ألوف} (¬9) كل هذا بمعنى تنبه على هذا، واصرف فكرك إليه، ~~واعجب منه. # /ويكون تنبيها على الشكر (¬10) كقوله: {ألم يجدك يتيما فآوى} (¬11). # ويكون توبيخا كقوله: {أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما} (¬12)، ~~{أفبالباطل} PageV01P403 # {يؤمنون} (¬1)، {أتعبدون ما تنحتون} (¬2)، {كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم} (¬3) {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} (¬4) وكذلك هى ~~توبيخ فى قراءة من قرأها بلفظ الخبر. # ومن الاستفهام الذى ورد بمعنى الأمر، والمراد به التوبيخ قوله: {ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} (¬5) أى هاجروا (¬6). # وقد جاء التوبيخ فى الظاهر لغير المذنب، مبالغة فى تعنيف فاعل الذنب، وفى ~~تكذيبه، كقول الله سبحانه لعيسى عليه السلام: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله} (¬7) وبخه، والمراد بذلك تكذيب قومه، ومثله: {أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء} (¬8). # وقد جاء الاستخبار والمراد به الخبر، كقوله تعالى: {أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين} (¬9) أى جهنم مثواهم، وكقوله: {فما لكم كيف تحكمون} (¬10) أى قد ~~حكمتم بالباطل، حين جعلتم لله ما تكرهونه لأنفسكم، ومنه: {أفمن يتقي بوجهه ~~سوء العذاب يوم القيامة} (¬11) خبر «من» محذوف، تقديره: كمن ينعم فى الجنة، PageV01P404 # والمعنى: ليس هذا هكذا، ومثله فى مجىء الاستفهام والمراد به الخبر المنفى ~~قوله تعالى: {أروني ماذا خلقوا من الأرض} (¬1) أى لم يخلقوا شيئا، وجاء ~~بمعنى الخبر الموجب فى قوله: {أليس الله بكاف عبده} (¬2) المعنى: الله يكفى ~~عبده، و {هل لك إلى أن تزكى} (¬3) أى أدعوك إلى أن تزكى، وبمعنى الخبر ~~المنفى قوله: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة} (¬4) ~~أى ليسا سواء، ويكون خبرا بافتخار، كقوله تعالى حاكيا عن فرعون: {أليس لي ~~ملك مصر} (¬5) ومما جاء فيه الاستفهام بمعنى الخبر الموجب، قول جرير (¬6): # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # أى أنتم خير من ركب المطايا، فلذلك قال عبد الملك حين أنشده هذا البيت: # /نحن كذلك، ولو قال جرير هذا على جهة الاستخبار، ms202 لم يكن مدحا، وكيف يكون ~~هذا استفهاما، وقد جعل الرواة لهذا البيت مكانا عليا، حتى قال بعضهم: # هو أمدح بيت (¬7). # وقد جاء لفظ الاستفهام الصريح المستعمل بالهمزة وأم، خبرا فى قول القائل (¬8): # ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران PageV01P405 # المعنى: ما ضرها هجاؤك وبولك، وأكثر ما يجيء هذا بعد التسوية كقولك: # سواء على أقمت أم قعدت، أى سواء على قيامك وقعودك، {وسواء عليهم أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم} (¬1) أى سواء عليهم إنذارك إياهم وترك إنذارك، ومثله: # {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} (¬2) التقدير: جزعنا وصبرنا سواء، فسواء فى ~~هذا ليس بمبتدإ، كما ظن بعضهم، وإنما هو خبر المبتدأ المقدر، على ما مثلته ~~لك، وكيف يكون قولك: «أقمت» خبرا لسواء، وهو جملة خالية من عائد إلى «سواء» ~~ظاهر أو مقدر، وكذلك «ضر» فى قوله: # ما ضر تغلب وائل أهجوتها # مسند إلى الفاعل المقدر، الذى هو هجاؤك. # ومثل مجىء الاستفهام بمعنى الخبر بعد التسوية، مجيئه فى قولك: ما أدرى ~~أزيد فى الدار أم عمرو؟ ومنه قول زهير (¬3): # وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء # وحذف الآخر الهمزة فى قوله (¬4): PageV01P406 # لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان # أراد: أبسبع؟ وقد قيل فى قول عمر بن أبى ربيعة (¬1): # ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد القطر والحصى والتراب # إنه أراد: أتحبها؟ فحذف همزة الاستفهام، وقيل: إنه أراد الخبر، أى أنت ~~تحبها. ومعنى: «قلت بهرا»: أى قلت: نعم أحبها حبا بهرنى بهرا. # ومما لم يختلف فى حذف/همزة الاستفهام منه قول الكميت بن زيد: # ولا لعبا منى وذو الشيب يلعب (¬2) # أراد: أوذو الشيب يلعب؟ وقول عمران بن حطان: # وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر ... أتونى فقالوا من ربيعة أو مضر (¬3) # أم الحى قحطان (¬4) .... # أراد: أمن ربيعة؟ وكذلك قيل فى حكاية [قول (¬5)] موسى عليه السلام: {وتلك ~~نعمة تمنها علي} (¬6) إن المراد: أو تلك؟ # ومن الاستفهام الذى أريد به النفى قوله جل اسمه: {فاستفتهم ألربك البنات ~~ولهم البنون} (¬7) أى لا يكون هذا، ms203 وقوله حاكيا عنهم: {أأنزل عليه الذكر ~~من} PageV01P407 # {بيننا} (¬1) أى ما أنزل عليه الذكر، ومثله: {أشهدوا خلقهم} (¬2) أى لم ~~يشهدوا ذلك، وكذلك قوله: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي} (¬3) معناه: ليس ~~ذلك إليك، كما قال: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء} (¬4) وكذلك ~~قوله: {فمن يهدي من أضل الله} (¬5) معناه: لا يهديه أحد، وقوله: {أفعيينا ~~بالخلق الأول} (¬6) أى لم نعى به، ومنه قول النابغة (¬7): # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أى الرجال المهذب # أى ليس أحد (¬8) من الرجال مهذبا بلا ذنب له، ومثله: # فهذى سيوف يا صدى بن مالك ... حداد ولكن أين بالسيف ضارب (¬9) # أى ليس أحد يضرب بالسيف، ومثله: # ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم (¬10) PageV01P408 # أى ليس يوجد هذا. # ومما جاء بلفظ الاستفهام ومعناه الوعيد قوله: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} ~~(¬1) معناه: أفنترككم ولا نذكركم بعقابنا؟ # ومما جاء بمعنى الحث قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} (¬2) ويكون ~~تهددا على جهة التنبيه، كقوله: {ألم نهلك الأولين} (¬3) إلى آخر القصة، ~~ويكون تحذيرا كقوله: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} (¬4)، ~~ويكون/تعجبا، كقول جرير: (¬5): # غيضن من عبراتهن وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا # وكقول الآخر: # وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادى الخصاصة والجهد (¬6) # وكقول الأعشى (¬7): # شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا # جعل الخبر والاستفهام جميعا تعجبا، ويكون عرضا، كقولك: ألا تنزل عندنا؟ ~~ألا تنال من طعامنا؟ والعرض بأن يكون طلبا أولى من أن يكون استفهاما، وإنما ~~أدخله من أدخله فى حيز الاستفهام، لأن لفظه لفظ الاستفهام، وليس كل PageV01P409 # ما كان بلفظ الاستفهام يكون استفهاما حقيقيا، على ما بينته (¬1) لك، ولو ~~كان العرض استفهاما، ما كان المخاطب به مكرما، ولا أوجب لقائله على المقول ~~له شكرا. ### ||| AUTO فصل يتضمن القول فى الأمر # وأقول: حد الأمر: استدعاء الفعل بصيغة مخصوصة مع علو الرتبة، وقد استحق ~~هذا الاسم باجتماع هذه الثلاثة، فأما علو الرتبة، فإن أصحاب المعانى قالوا: ~~الأمر لمن دونك، والطلب والمسألة لمن فوقك، كقولك للخليفة: ms204 أجرنى، وسموا ~~هذه الصيغة إذا وجهت إلى الله تعالى: دعاء، لأن الدعاء الذى هو النداء ~~يصحبها، كقولك: اللهم اغفر لى، ويا رب ارحمنى، وإذا كانت لمن فوقك من ~~الآدميين سموها سؤالا وطلبا، فهى بهذين الاسمين إذا وجهت إلى الله سبحانه أولى. # وقد قدمنا أن للأمر صيغتين، إحداهما للمواجه، وهى افعل، والأخرى للغائب، ~~وهى ليفعل، فمثال الأمر الواجب: {كونوا قوامين لله} (¬2) - {قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله} (¬3) - {اعبدوا ربكم الذي خلقكم} (¬4) - {أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس} (¬5) {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (¬6) - {ثم ليقضوا تفثهم ~~وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} (¬7). # وقد وردت هذه الصيغة والمراد بها الندب والاستحباب، والندب: كل ما فى ~~فعله PageV01P410 # ثواب، وليس فى تركه عقاب، كقوله: {اذكروا الله ذكرا كثيرا} (¬1) وقوله: ~~{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} (¬2) وكقول النبى ~~عليه وآله السلام: «من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل (¬3)». # وقد جاءت هذه الصيغة والمراد بها إباحة الشىء بعد حظره، كقوله: {فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} (¬4) بعد قوله: {إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} وكذلك قوله: ~~{وإذا حللتم فاصطادوا} (¬5) بعد قوله: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (¬6) ~~ومنه: {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها} (¬7) ومنه: {فالآن باشروهن} (¬8) ~~ومنه: {واهجروهن في المضاجع واضربوهن} (¬9) ومنه: {فكلوا مما أمسكن عليكم} ~~(¬10) فكل هذا مما ليس فى فعله ثواب، ولا فى تركه عقاب. # ويكون هذا اللفظ الأمرى بمعنى الوعيد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} ~~(¬11) - {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (¬12) - {فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه} (¬13) - {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ~~وشاركهم} PageV01P411 # {في الأموال والأولاد وعدهم} (¬1) - {قل تمتع بكفرك قليلا} (¬2) - {ذرهم ~~يأكلوا ويتمتعوا} (¬3) - {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} (¬4). # وقد جاء اللفظ تأديبا وإرشادا إلى أصلح الأمور وأحزمها، كقوله: {وأشهدوا ~~إذا تبايعتم} (¬5) ثم لم يختلف (¬6) أهل العلم فى أن ترك الإشهاد عند ~~التبايع لا يكون مفسدا للبيع، وأن قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته} (¬7) دليل على أن/الأمر بالإشهاد عند التبايع إرشاد ms205 وتأديب، ~~ومثله فى مجىء هذا اللفظ إرشادا على غير إلزام قوله: {فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع} (¬8). # وكما جاء الخبر معناه الأمر فيما قدمت ذكره، من نحو {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} (¬9) كذلك جاء لفظ الأمر والمراد به الخبر، فى قوله ~~تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} (¬10) المعنى: فيمد له ~~الرحمن مدا. # ويكون أيضا لفظ الأمر للخضوع، كما كان دعاء فى نحو: اللهم اغفر لنا، ~~وليرحم (¬11) الله PageV01P412 # زيدا، وذلك نحو قول المذنب لسيده، أو لذى سلطان [عليه (¬1)]: افعل بى ما ~~شئت، وابلغ منى رضاك، تذللا منه وإقرارا بذنبه. # ويكون لفظ الأمر أيضا لإظهار عجز الذى وجه إليه ذلك اللفظ، ويسمى هذا ~~الضرب تحديا، كقوله جل وعلا: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات} (¬2) فلما عجزوا عن ذلك قال: {فأتوا بسورة مثله} (¬3) وقال: {وإن ~~كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} (¬4) يدلك على أن ~~المعنى تبيين عجزهم عن ذلك قوله: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} (¬5) وقوله: ~~{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (¬6). # ويكون لفظ الأمر أيضا تنبيها على القدرة، والمخاطب غير مأمور بأن يحدث ~~فعلا، فيكون بفعل ذلك الفعل مطيعا، وبتركه له عاصيا، كقوله تعالى: {قل ~~كونوا حجارة أو حديدا} (¬7) يعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لأعدناكم، ألم ~~تسمع إلى قوله حاكيا عنهم ومجيبا لهم: {فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم ~~أول مرة} (7) فهذا يبين لك أن لفظ الأمر فى هذا الموضع تنبيه على قدرته ~~سبحانه. # ويكون لفظ الأمر أيضا لما لا فعل فيه لمن وجه إليه أصلا، كقوله: {فقلنا ~~لهم كونوا قردة خاسئين} (¬8) المعنى: فكوناهم قردة، ألا ترى أن هذا ليس من ~~الأمر PageV01P413 # /الذى يمكن المأمور أن يفعله أو يتركه، ولكنه فعل واقع به من الله عز وجل. # واعلم أن من أصحاب المعانى من قال: إن صيغة الأمر مشتركة بين هذه ~~المعانى، وهذا غير ms206 صحيح، لأن الذى يسبق إلى الفهم هو طلب الفعل، فدل على أن ~~الطلب حقيقة فيها دون غيره، ولكنها حملت على غير الأمر الواجب بدليل، ~~والأمر الواجب هو الذى يستحق بتركه الذم، كقوله تعالى: {وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون} (¬1) فذمهم على ترك الركوع، بقوله: {فويل يومئذ ~~للمكذبين} (1). ### ||| AUTO فصل # النهى: هو المنع من الفعل بقول مخصوص، مع علو الرتبة، وصيغته: لا تفعل ~~ولا يفعل فلان، فمن النهى للمواجه: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق} (¬2) - {ولا تدع مع الله إلها آخر} (¬3) ومنه قوله عليه السلام: «لا ~~تباغضوا ولا تحاسدوا (¬4)» ومن النهى للغائب: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين} (¬5) - {ولا يغتب بعضكم بعضا} (¬6) فهذا كله يراد ~~به التحريم. # وقد ترد هذه الصيغة والمراد بها التنزيه، كقوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل ~~بينكم} (¬7) أى لا تتركوه، وليس ذلك بحتم، وكقول النبى صلى الله عليه وآله ~~وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها PageV01P414 # ثلاثا (¬1)» ولا تحمل هذه الصيغة على التنزيه إلا بدليل. # وقد ورد النهى بغير هذه الصيغة، وذلك نحو قوله تعالى: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} (¬2) و {حرمت عليكم الميتة} (¬3). # وقد جاء النهى بلفظ الوعيد، كقوله جل اسمه: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} (¬4) /وكقوله عليه السلام: (¬5) ~~«من شرب فى آنية الفضة فإنما يجرجر فى جوفه نار جهنم». # ومما جاء من النهى بلفظ النفى قوله جل وعز: {ما كان للنبي والذين آمنوا ~~أن يستغفروا للمشركين} (¬6) أراد: لا يستغفروا لهم، ومنه: {ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه} (¬7) أى لا ترتابوا فيه، أى لا تشكوا فيه، ومثله: {لا تبديل ~~لكلمات الله} (¬8) أى لا تبدل أيها الإنسان كلمات الله، ومنه: {لا إكراه في ~~الدين} (¬9) أى لا تكرهوا فى الدين، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ومنه: ~~{فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (¬10) أى لا ترفثوا فى الحج ولا ~~تفسقوا ولا تجادلوا، ومعنى لا رفث PageV01P415 # ولا فسوق: أى لا جماع (¬1) ولا كلمة من أسباب ms207 الجماع، ومعنى: ولا جدال فى الحج: # أى لا يسوغ للرجل أن يجادل أخاه فى الحج، فيخرجه جداله إلى ما لا ينبغى. # ومن النهى بلفظ الخبر أيضا: {ألهاكم التكاثر} (¬2) ومعناه: لا يلهكم ~~التكاثر، كما قال: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} (¬3) ومنه: ~~{يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين} (¬4) يقول: # لا تطيعوهم، ومنه: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} (¬5) يقول: لا ~~تغلوا واستنوا بنبيكم، ومنه: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} ~~(¬6) يقول: لا ترغبوا فى متاع الدنيا، وارغبوا فى الآخرة، ومنه: {أينما ~~تكونوا يدرككم الموت} (¬7) معناه: لا تجزعوا من الموت، وقاتلوا فإن الموت ~~ملاقيكم. تم المجلس. # ... PageV01P416 ### || CHECK المجلس الخامس والثلاثون القول فى النداء وهو الدعاء # المجلس الخامس والثلاثون # القول فى النداء (¬1) وهو الدعاء # عامة الناظرين فى المعانى يزعمون أن لفظ النداء لمعنى واحد، لا ~~يتجاوزه/إلى غيره، قالوا: لأن قولك: يا زيد، ويا عبد الله، صوت يدل المدعو ~~على أنك تريد منه أن يقبل عليك، لتخاطبه بما تريد أن تخاطبه به، وليس ~~النداء إخبارا ولا استخبارا، ولا أمرا ولا نهيا، ولا تمنيا ولا عرضا، وإنما ~~تلقى إلى المدعو من هذه المعانى ما شئت بعد دعائك إياه، قالوا: والدليل على ~~أنه صوت خال من هذه المعانى أن البهائم تنادى بأصوات موضوعات لها، وهى لا ~~تخبر ولا تستخبر، كقولهم للإبل إذا دعوها للشرب: جأجأ، مهموز، يقولون: ~~جأجأت بإبلى، ويقولون للضأن إذا دعوها: حاحا، وللمعز: عاعا، غير مهموزين، ~~والفعل منهما: حاحيت وعاعيت، والمصدر الحيحاء والعيعاء (¬2)، عن ابن ~~السكيت، وأنشد: # يا عنز هذا شجر وماء ... وحجرة فى جوفها صلاء (¬3) # عاعيت لو ينفعنى العيعاء ... وقبل ذاك ذهب الحيحاء PageV01P417 # وقد وجدت للنداء وجوها، أكثرها لا تخرجه عن كونه نداء، فمن ذلك أن نداءك ~~لله سبحانه فى قولك: يا الله يا رحمن يا رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه ~~الحسنى وصفاته العلى، يكون خضوعا وتضرعا وتعظيما. وقد يقتصر على ألفاظ ~~المدح للمدعو، إذا كان قصدك تعظيمه، ومرادك مدحه، ms208 كقولك: يا سيد الناس، ويا ~~خير مطلوب إليه، ويا فارس الهيجاء، تريد: أنت سيد الناس، وأنت خير مطلوب ~~إليه، وأنت فارس الهيجاء، فيكون نداؤه بذلك داخلا فى الخبر، كما يكون نداؤك ~~لله جلت عظمته، إقرارا منك بالربوبية [وتعبدا (¬1)] وبحسب ذلك يكون النداء ~~ذما للمنادى وتقصيرا به، وزريا عليه، كقولك: يا فسق ويا خبث، ويا أبخل ~~الناس، ويا مستحل الحرام، وما أشبه هذا، مما تقتصر عليه ولا تذكر معه شيئا ~~غيره، كما اقتصرت على نداء الممدوح بما ناديته، فالنداء فى هذا الوجه/داخل ~~فى حيز الخبر، وقد ورد النداء مرادا به الخبر فى شيء من كلامهم، وذلك فى قولهم: # «اللهم اغفر لنا أيتها العصابة» قال أبو العباس محمد بن يزيد (¬2): معناه ~~أخص هذه العصابة. # وقد يكون دعاؤك لمن هو مقبل عليك، ومستغن عن دعائك له، على جهة التوكيد، ~~حتى إن الداعى قد ينادى نفسه وقلبه، كقول القائل (¬3): # فيا نفس صبرا لست والله فاعلمى ... بأول نفس غاب عنها حبيبها # وكقول الآخر (¬4): # فلو يا قلب كنت اليوم حرا ... زجرت النفس ويحك عن هواها PageV01P418 # وقد يوجه النداء إلى من لم يقصد إسماعه، وذلك إلى غائب تكتب إليه، تتشوقه ~~أو تمدحه أو تذمه، كقولك فى مكتوبك: يا زيد، جمع الله بينى وبينك، ويا ~~محمد، ما أكرمك، ويا خالد ما ألأمك، أو تقول لميت تندبه: يا زيد، ما أجل ~~مصيبتنا بفقدك، ويا عبد الله، لقد هدنا هلكك، غير أن أكثر العرب يخالفون ~~بين اللفظ بالندبة، واللفظ بالنداء، فيجعلون «وا» مكان «يا» ويلحقون آخر ~~الاسم ألفا، فإذا سكتوا ألحقوها هاء ساكنة، كقولك: وا سيد المسلميناه، وا ~~أمير المؤمنيناه، فاقتصارك على قولك: يا سيد الناس، ويا فارس الهيجاء، ~~كاقتصارهم على مدح المندوب. # ومما نادوه مما ليس إسماعه متوهما، الديار والأطلال، كقول النابغة (¬1): # يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد # وكقول امرئ القيس (¬2): # ألا عم صباحا أيها الطلل البالى ... وهل ينعمن من كان فى العصر الخالى # وقد ينادون الأوقات، بمعنى الاشتكاء لطولها، أو المدح لها بما نالوا ms209 من ~~السرور /فيها، فمن الاشتكاء لطول الليل قول امرئ القيس (¬3): # ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل # وقول الأعشى (¬4): # وحتى يبيت القوم فى الصف ليلهم ... يقولون أصبح ليل والليل عاتم PageV01P419 # أراد: ياليل، فحذف حرف النداء، وحذفه إذا صح أن يكون المنادى صفة لأى، ~~قليل، لشذوذه عن القياس (¬1). # ويروى: «يقولون نور صبح». # ومن وصف الليل بالقصر، لما نال واصفه فيه من السرور، وأحسن ما شاء، قول ~~الشريف أبى الحسن الرضى، رضى الله عنه وأرضاه، وإن كان متأخرا، فإنما نسج ~~المتأخرون على منوال المتقدمين: # يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر (¬2) # ومن ذلك نداء أمير المؤمنين على عليه السلام للدنيا وخطابه لها، فيما ~~ذكره لمعاوية ضرار بن ضمرة النهشلى، وقد سأله عنه فقال فيما وصفه (¬3) به: # أشهد لقد رأيته وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، ماثلا فى محرابه، ~~قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: «يا دنيا ~~ألى تعرضت، لا حان حينك، قد بتتك ثلاثا لا رجعة لى فيك، فعمرك قصير، وعيشك ~~حقير، وخطرك يسير». # وقد جاء النداء تحذيرا، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد} (¬4) وجاء ~~استغاثة، كقول عمر رضى الله عنه (¬5)، لما طعنه العلج: «يا لله وللمسلمين». # وقال أبو العباس المبرد (¬6): من قال: يا بؤسا لزيد، جعل النداء بمعنى ~~الدعاء على PageV01P420 # المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة: # يا بؤس للحرب التى ... وضعت أراهط فاستراحوا (¬1) # /كأنه دعاء على الحرب، وأراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام. # وقد استعملوا النداء توجعا وتأسفا كقوله (¬2): # وبعد غد يا لهف نفسى من غد ... إذا راح أصحابى ولست برائح # وقد ورد النداء تعجبا، كقول الراجز (¬3): # يا ريها اليوم على مبين ... على مبين جرد القصيم # جمع بين الميم والنون رويين، لتقارب مخرجيهما، كقول الآخر: # بنى إن البر شيء هين ... المنطق الطيب والطعيم (¬4) PageV01P421 # ومثله لأبى جهل بن هشام (¬1): # ما تنقم الحرب العوان منى ... بازل (¬2) عامين حديث السن # لمثل هذا ولدتنى أمى # وقال آخر، فجمع بين الطاء والدال لتقاربهما: # إذا ms210 ركبت فاجعلونى وسطا ... إنى كبير لا أطيق العندا (¬3) # العند: جمع ناقة عنود، وهى التى لا تستقيم فى سيرها، وهذا يسمى فى عيوب ~~القوافى الإكفاء. # ومما جاء فيه النداء تعجبا قول الحطيئة (¬4): # طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا # أراد: ما أحسنه من قوام، كما أراد الراجز: ما أرواها اليوم، على الماء ~~المسمى بمبين، ونصب «منتقبا»، بالعطف على موضع (¬5) «من قوام» و «ما» ~~زائدة، والمنتقب: موضع النقاب، وآونة: جمع أوان، ومثله من التعجب بلفظ ~~النداء قول امرأة من طيئ: PageV01P422 # فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه ... ببطن الشرى مثل الفنيق المسدم (¬1) # /أى ما أضيع الفتيان بعده، إذ يعتلونه، أى يقودونه، يعنى أعداءه، مثل ~~الفحل من الإبل، والمسدم: المكعوم الذى حشى فمه بالسدام، وهو الكعامة ~~ليمنعه من العض. # فهذه وجوه شتى قد احتملها النداء، وإن كان فى أصل وضعه لتنبيه المدعو، ~~والذى حملنى على تلخيصها، ما ذكرته لك من إنكار كثير منهم أن يكون لفظ ~~النداء محتملا لمعنى غيره، وقد أريتك أن أكثر معانى الكلام ليس لفظ من ~~ألفاظها إلا وهو محتمل لمعان مباينة للمعنى الذى وضع له ذلك [اللفظ (¬2)] ~~فلا يكون فى احتماله لتلك المعانى ما يخرجه عن معناه الأصلى. # وأقول: إنه كما جاز فى الألفاظ المفردة ما يتفق لفظه ويختلف معناه، كذلك ~~جاز أن يكون فى الألفاظ المركبة المفيدة ما يختلف معناه واللفظ واحد، ~~كقولهم فى المفرد: العين، لعين الإنسان وكل ذى بصر، والعين: الرجل المتجسس، ~~والعين: سحابة تأتى من ناحية (¬3) القبلة، والعين: مطر يدوم خمسا أو ستا لا ~~يقلع، والعين: الدنانير الناضة (¬4)، والعين: الميل فى الميزان، وعين ~~الركبة: النقرة التى فيها [وعين الماء (¬5)] وعين الشمس، وعين القبلة، وعين ~~الشىء: نفسه (¬6). PageV01P423 ### ||| AUTO فصل # الكلام (¬1) ينقسم فى المعانى عند بعض أصحاب المعانى إلى أربعة أقسام: ~~خبر واستخبار وطلب ودعاء، فالخبر أوسعها، وهو أن يخبر المتكلم المكلم بما ~~يفيد معرفته، والاستخبار: أن يطلب المستخبر من المستخبر إخباره بما ليس ~~عنده، فأما الخطاب بلفظة افعل، فلا يخلو أن يكون لمن دونك (¬2) أو ms211 لنظيرك، ~~أو لمن هو أعلى منك، فإن كان لمن دونك، سميته أمرا، وإن كان لنظيرك سميته ~~مسألة، وإن كان لمن هو أعلى منك سميته طلبا، وإن كان لله سبحانه سميته ~~سؤالا ودعاء وطلبا، وإنما اختلفت التسمية، لاختلاف المخاطبين بهذه اللفظة، ~~لأنك تستقبح أن تقول: [أمرت والدى، كما تستقبح أن تقول (¬3)]: سألت غلامى. # /والنهى بلفظة: لا تفعل، هو عند قوم بمعنى الأمر، قالوا: لأنك إذا قلت: # نهيته عن كذا، فقد أمرته بغيره، فإذا قلت: لا ترحل، فكأنك قلت: أقم، وإذا ~~قلت: لا تصم، فكأنك قلت: أفطر، وكذلك إذا أمرته بشىء، فكأنك نهيته عن ~~نقيضه، فإذا قلت: ارحل، فكأنك قلت: لا تقم، وإذا قلت: صم، فكأنك قلت: لا ~~تفطر، وهما عند آخرين معنيان، كل واحد منهما قائم بنفسه، وإن اشتركا فى بعض ~~المواضع. # وقد أدخل قوم الدعاء الذى هو النداء، فى باب الأمر، قالوا: لأنك إذا قلت: # يا رجل، فكأنك قلت: تنبه واسمع، فجعلوا المعانى ثلاثة، وليس قول هؤلاء ~~بشىء، لأنك إذا قلت: يا زيد، لم تقل (¬4): أمرته ولا نهيته. PageV01P424 # وقال قوم: الجزاء قسم آخر، إذا قلت: من يأتنى آته. وقال قوم: التعجب قسم ~~آخر، إذا قلت: ما أحسن زيدا، وقال آخرون: تعظيم الله قسم آخر، إذا قلت: لا ~~إله إلا الله، وقالوا: العرض قسم آخر، إذا قلت: ألا تنزل عندنا، وقالوا: ~~التحضيض قسم آخر، إذا قلت: هلا صنعت كذا، وقالوا: التمنى قسم آخر، إذا قلت: ~~ليت لى مالا. # وأقول: إن هذا كله يرجع إلى ما قدمت ذكره، إلا التمنى، لأنه إذا قال: من ~~يأتنى آته، فقد أخبر، وإذا قال: ما أحسن زيدا، فقد أخبر أن زيدا حسن جدا، ~~وإذا قال: لا إله إلا الله، سبحان الله، فقد أخبر بأنه يعترف بذلك، وأنه من ~~أهل هذه المقالة، وإذا قال: ألا تنزل عندنا، فلفظه لفظ الاستفهام ومعناه ~~الطلب، فكأنه قال: انزل عندنا. # وأما التحضيض فإنه داخل فى حيز الأمر، وأدوات التحضيض: هلا وألا ولولا ~~ولوما، واختصاصه بالفعل كاختصاص الشرط بالأفعال، تقول: هلا أكرمت ms212 زيدا، ~~ولولا تعطى جعفرا، وفى التنزيل: {لو ما تأتينا بالملائكة} (¬1)، وقال عنترة (¬2): # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى # أراد: هلا سألت الخيل بما لم تعلمى، أى عما لم تعلمى، ومثل تأدية الباء ~~هاهنا معنى «عن» تأديتها فى قوله تعالى: {الرحمن فسئل به خبيرا} (¬3) أى ~~فسل عنه خبيرا. # ويجوز حذف الفعل من هذا الضرب، إذا دل عليه دليل حال، أو دليل لفظ، PageV01P425 # فدليل الحال كقولك لمن تراه يعطى: هلا زيدا، تريد: هلا تعطى زيدا، ولمن ~~تراه يضرب: لولا خالدا، تريد: لولا تضرب خالدا، ودليل اللفظ كقول الشاعر: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكمى المقنعا (¬1) # أراد: لولا عددتم أو تعدون الكمى، وإن شئت قدرت: لولا عقرتم أو تعقرون، ~~بدلالة العقر عليه. # وقد جاء التوبيخ بلفظ التحضيض فى قوله: {لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء} (¬2). # وأما التمنى فزعم قوم أنه داخل فى الخبر، لأنه إذا قال: ليت لى مالا، فقد ~~أخبر بأنه تمنى ذلك، فكأنه قال: وددت أن لى مالا، وليس الأمر عندى على ما ~~قالوا، لأن التمنى مما أجابته العرب بالفاء، كما أجابوا الأمر والنهى ~~والاستفهام، كما PageV01P426 # جاء فى التنزيل: {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} (¬1) والفاء لا ~~يجاب بها الخبر الموجب إلا فى ضرورة شعر، كقوله: # سأترك منزلى لبنى تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (¬2) # ويقوى ذلك أنك لو قلت: ليت لى مالا، لما عورضت بتصديق ولا تكذيب، فقد خرج ~~التمنى عن حيز الخبر بهذين. # ومن التمنى قوله تعالى، حاكيا عن الكفار: {فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين} (¬3) /فالنصب فى قوله: {فنكون} يحتمل وجهين، أحدهما: أن يجعل ~~{فنكون} جوابا مثل {فأفوز} (¬4) والآخر أن يكون معطوفا على المصدر الذى هو ~~{كرة} كأنه قيل: فلو أن لنا أن نكر إلى الدنيا فنكون من المؤمنين، ومثل ذلك ~~فى عطف الفعل المنصوب بأن مضمرة، على مصدر، قول امرأة أعرابية (¬5) من نساء ~~معاوية، اشتاقت أهلها: # للبس عباءة وتقر عينى ... أحب إلى من لبس الشفوف # الشفوف: الثياب الرقاق، واحدها ms213 شف، وإنما أضمروا فى هذا النحو PageV01P427 # «أن» ليوافق المعطوف المعطوف عليه، فى الاسمية. # والتحضيض كالتمنى، فى إجابته بالفاء، فى قوله: {لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن} «وأكون» {من الصالحين} (¬1) كما أجيب بها التمنى فى قوله: ~~{فأفوز} - و- {فنكون من المؤمنين} وقوله: «وأكون» مما انفرد به أبو عمرو ~~(¬2)، فأما من قرأ: {وأكن} فإنه جزمه بالعطف على موضع فأصدق، ألا ترى أن ~~الفاء إذا حذفت من هذا النحو، انجزم الفعل، كقولك: زرنى أكرمك، وكما قال تعالى: # {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} (¬3) -و- {أرسله معنا غدا} «نرتع ونلعب» (¬4) ~~ومثله فى الجزم بالعطف على الموضع، قراءة حمزة والكسائى: {من يضلل الله فلا ~~هادي له ويذرهم} (¬5) جزما {يذرهم} لأنهما عطفاه على موضع {فلا هادي له} ~~ومثله قول الشاعر (¬6): # فأبلونى بليتكم لعلى ... أصالحكم وأستدرج نويا # جزم «أستدرج» بالعطف على موضع «لعلى أصالحكم» ألا ترى أنه لو حذف لعلى ~~انجزم «أصالحكم» جوابا للأمر. PageV01P428 # وقوله: «نويا» قلب ألف «النوى» ياء لما أضافها إلى ياء المتكلم، وإنما ~~فعل ذلك بعض العرب، لأن إضافة الاسم إلى ياء المتكلم توجب كسر ما قبل ~~الياء، ولما لم يصح تحريك الألف جعلوا قلبها إلى الياء عوضا من الكسرة ~~التى/تقتضيها ياء المتكلم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: «فمن تبع هدى» (¬1) و ~~«قال هى عصى» (¬2) و {يا بشرى هذا غلام} (¬3) وعليه أنشدوا لأبى ذؤيب (¬4): # سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع # والنوى من الكلم المؤنثة، لأن معناها النية التى ينويها المفارق، طالبا ~~للمكان الشاط، وسمع الأصمعى منشدا ينشد: # فما للنوى جد النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة للقرائن (¬5) # فقال: لو قيض لهذا البيت شاة لأتت عليه. انقضى الكلام فى معانى الكلام. # ... PageV01P429 ### ||| AUTO فصل # (¬1) # كتب إلى رجل من أماثل كتاب العجم، يسأل عن هذا البيت، أصحيح إعرابه أم ~~فاسد؟ وذكر أنه لشاعر أصفهانى (¬2) من أهل هذا العصر، وهو: # يؤلل عصلا لا بناهن هينة ... ضعافا ولا أطرافهن نوابيا # رفع «بناهن» بلا، ونصب «هينة» بأنه خبرها، وإنما فعل [ذلك (¬3)] لينصب ~~القافية، لأنه لما أعمل «لا» الأولى هذا العمل، أعمل «لا» ms214 الثانية عمل ~~الأولى، ولحنه فى هذا نحوي من أهل أصفهان، لأنه جعل اسم لا معرفة، وقال: إن ~~من شبه لا بليس [من العرب (¬4)] رفعوا بها النكرة دون المعرفة. # فأجبت عن هذا بأنى وجدت قوما من النحويين معتمدين على أن «لا» المشبهة ~~بليس، إنما ترفع النكرات خاصة، كقولك: لا رجل حاضرا، ولم يجيزوا: لا الرجل ~~حاضرا، كما يقال: ليس الرجل حاضرا، وعللوا هذا بأن «لا» ضعيفة فى باب ~~العمل، لأنها إنما تعمل بحكم الشبه، لا بحكم الأصل فى العمل، والنكرة ضعيفة PageV01P430 # جدا، فلذلك لم يعمل العامل الضعيف إلا فى النكرات، كقولك: عشرون رجلا، / ~~ولى مثله فرسا، وزيد أحسنهم أدبا، فلما كانت «لا» أضعف العاملين (¬1)، ~~والنكرة أضعف المعمولين، خصوا الأضعف بالأضعف، وجاء فى شعر أبى الطيب أحمد ~~بن الحسين إعمال «لا» فى المعرفة فى قوله (¬2): # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا # ووجدت أبا الفتح عثمان بن جنى غير منكر لذلك، فى تفسيره لشعر المتنبى، ~~ولكنه قال بعد إيراد البيت: شبه «لا» بليس، فنصب بها الخبر. # وأقول: إن مجيء مرفوع «لا» منكورا فى الشعر القديم هو الأعرف، إلا أن ~~خبرها كأنهم ألزموه الحذف، وذلك فى قول سعد بن مالك بن ضبيعة: # من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (¬3) # أراد: لا براح لى، أو عندى، وفى قول رؤبة (¬4) بن العجاج: # والله لولا أن يحش الطبخ ... بى الجحيم حين لا مستصرخ # أراد: لا مستصرخ لى، ومر بى بيت للنابغة الجعدى، فيه مرفوع «لا» معرفة ~~(¬5)، وهو: PageV01P431 # وحلت سواد القلب لا أنا مبتغ ... سواها ولا عن حبها متراخيا (¬1) # وقبله: # دنت فعل ذى حب فلما تبعتها ... تولت وردت حاجتى فى فؤاديا # وبعده (¬2): # وقد طال عهدى بالشباب وظله ... ولاقيت أياما تشيب النواصيا # وإنما ذكرت هذين البيتين، مستدلا بهما على نصب القافية، لئلا يتوهم ~~متوهم، أن البيت فرد مصنوع، لأن إسكان الياء فى قوله «متراخيا» ممكن مع ~~تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطويل (¬3) الثالث، مثل: # /أقيموا بنى النعمان عنا ms215 صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرءوسا (¬4) # وإذا صح نصب قافية البيت، فلا تخلوا [لا (¬5)] الأولى أن تكون معملة أو ~~ملغاة فإن كانت معملة، فمبتغ خبرها، وكان حقه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء فى ~~موضع النصب، كما أسكنها الآخر فى قوله (¬6): # كفى بالنأى من أسماء كافى PageV01P432 # وكان حقه «كافيا» لأنه حال بمنزلة المنصوب فى قوله تعالى: {وكفى بالله ~~وليا وكفى بالله نصيرا} (¬1) ومثله فى إسكان الياء فى موضع النصب، قول ~~الفرزدق (¬2): # يقلب رأسا لم يكن رأس سيد ... وعينا له حولاء باد عيوبها # قال: «باد»، وكان حقه: باديا، إتباعا لقوله: «عينا» ولا يجوز أن يكون ~~«عيوبها» مبتدأ وخبره «باد» لأنه لو أراد ذلك لزمه أن يقول: بادية، ألا ترى ~~أنك لو قدمت العيوب، لم يصح أن تقول: عيوبها باد، كما لا تقول: الرجال ~~جالس، وإذا كان كذلك فالنصب فى قوله: «متراخيا» بالعطف على مبتغ، لأنه ~~منصوب الموضع فكأنه قال: لا أنا مبتغيا سواها، ولا متراخيا عن حبها. # فإن جعلت «لا» الأولى ملغاة كان قوله: «أنا مبتغ» مبتدأ وخبرا، ولزمك أن ~~تعمل الثانية، ويكون اسمها محذوفا، تقديره: ولا أنا عن حبها متراخيا، وحسن ~~حذفه لتقدم ذكره. # فإن قيل: فهل يجوز أن يكون قوله: «متراخيا» حالا، والعامل فيه الظرف الذى ~~هو «عن» كما يعمل الظرف فى الحال، إذا قلنا: زيد فى الدار جالسا؟ # قيل: لا يجوز ذلك، لأن «عن» ظرف ناقص، وإنما يعمل فى الحال الظرف التام، ~~ألا ترى أن قولك: زيد فى الدار، كلام مفيد، ولو قلت: زيد عنك راحلا، ومحمد ~~فيك راغبا، لم يجز، لأنك لو أسقطت راحلا وراغبا، فقلت: زيد عنك، ومحمد فيك، ~~لم يكن كلاما مفيدا، فإذن لا يصح إلا أن ترفع راحلا وراغبا، وتعلق الجارين بهما. # /ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالى، فى كتاب عتيق يتضمن المختار من شعر ~~الجعدى: «لا أنا باغيا سواها» فهذه الرواية تكفيك تكلف الكلام على «مبتغ». PageV01P433 # فأما قوله: «يؤلل عصلا» فمعنى يؤلل: يحدد أنيابا عصلا، والعصل: شدة الناب ~~مع اعوجاج فيه، وهو ناب أعصل. # والبنى: جمع ms216 بنية، يريد أصول الأنياب. وقوله: «هينة» مخفف هينة، كقولهم ~~فى ميت: ميت، وكما جاء فى الحديث: «المؤمن هين لين (¬1)». # والنوابى: من قولهم: نبا السيف ينبو: إذا ضربت به فرجع إليك، ولم يعمل فى ~~الضربية. # وقول رؤبة: «يحش الطبخ» يقال: حششت النار أحشها: إذا أذكيتها، والطبخ: ~~واحدهم: طابخ، كساجد وسجد، وراكع وركع، شبه ملائكة النار بالطباخين. # وقوله: «حين لا مستصرخ» أى حين لا أحد هناك يستصرخ، كما يوجد ذلك فى ~~الدنيا. # وقول سعد بن مالك: «وضعت أراهط» ذكر «أراهط» أبو على، فى باب ما جاء بناء ~~جمعه على غير بناء واحده (¬2)، كقولهم فى جمع باطل: أباطل وأباطيل، كأنه ~~جمع إبطال أو إبطيل، وأراهط كأنه جمع أرهط، قال: وأفعل لم يستعمل PageV01P434 # عنده فى هذا [قوله: عنده، يعنى سيبويه. وقوله: وأفعل لم يستعمل فى هذا ~~(¬1)] يعنى أنه لم يثبت عنده أنهم جمعوا الرهط الذى هو العصابة دون العشرة ~~على أرهط، ولكنهم استعملوا الأرهط فى الرهط الذى هو أديم تلبسه الحائض، ~~يكون قدره ما بين السرة إلى الركبة. # وغير سيبويه قد حكى فى الرهط الذى هو العصابة أنهم جمعوه على أرهط، ~~وجمعوا الأرهط على الأراهط، كما جمعوا الكلب على الأكلب، ثم جمعوا الأكلب ~~على الأكالب. # ومما جمعوه على غير القياس: «حديث» قالوا فى جمعه: أحاديث (¬2)، وأحاديث ~~كأنه جمع إحداث، كإعصار وأعاصير، ولا يجوز أن يكون أحاديث جمع أحدوثة، ~~/كأغلوطة وأغاليط، لأنهم قد قالوا: حديث النبى، وأحاديث النبى صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ولم يقولوا: أحدوثة النبى. # ومما جمعوه على غير القياس قولهم فى جمع الربى، وهى الشاة التى تحبس ~~للبن، وقيل: الحديثة العهد بالولاد: رباب، مضموم الأول، ومثله قولهم فى جمع ~~التوأم وهو الذى يولد مع آخر: تؤام، وفى جمع الظئر وهى الداية: ظؤار، وفى ~~جمع الثني: ثناء، وهو ولد الشاة إذا دخل فى السنة الثانية، والبعير إذا ~~ألقى ثنيته، وذلك إذا دخل فى السنة السادسة، وفى جمع الرخل: رخال وهى ~~الأنثى من أولاد الضأن، وفى جمع النفساء، وهى المرأة التى وضعت: نفاس، وقيل ms217 أيضا: # نفاس، بكسر أوله، والنفاس أيضا بالكسر: ولادها. . . تم المجلس. # [آخر الجزء الأول من أمالى ابن الشجري، رحمه الله، بتجزئة محققه، غفر ~~الله له، ويليه الجزء الثانى وأوله: المجلس السادس والثلاثون]. # ... PageV01P435 # [الجزء الثاني] ### | AUTO المجلس السادس والثلاثون ### || AUTO [مسائل:] # / يذكر فيه، وفيما يليه المسائل (¬1) الواردة من الموصل، وهى ثمانى مسائل: ### ||| AUTO [المسألة:] الأولى # : # السؤال عن الراجع إلى «القتال» من خبره، فى قول الشاعر (¬2): # فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرا فى عراض المواكب # وعن معنى البيت. ### ||| AUTO [المسألة:] الثانية # : # السؤال عن قول الله تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} (¬3) لم لم ~~يجمع الضمير الذى هو التاء فى {أرأيتكم} ولم يثن فى أرأيتكما؟ ### ||| AUTO [المسألة:] الثالثة # : # السؤال عن حد الاسم الذى يسلم من الطعن. ### ||| AUTO [المسألة:] الرابعة # : # السؤال عن وجه رفع «الشر» ونصبه، ونصب «الماء» ورفعه فى قول الشاعر (¬4): PageV02P003 # فليت كفافا كان خيرك كله ... وشرك عنى ما ارتوى الماء مرتوى ### ||| AUTO [المسألة:] الخامسة # : # السؤال عن «مزين» تصغير أى شيء هو؟ ### ||| AUTO [المسألة:] السادسة # : # / السؤال عن العلة الموجبة لفتح التاء فى «أرأيتكم» وهو لجماعة ### ||| AUTO [المسألة:] السابعة # : # السؤال عن العامل فى «إذا» من قول الشاعر: # وبعد غد يا لهف نفسى من غد ... إذا راح أصحابى ولست برائح (¬1) ### ||| AUTO [المسألة:] الثامنة # : # السؤال عن تبيين إعراب قول أبى على: «أخطب ما يكون الأمير (¬2) قائما، ~~وشربى السويق ملتوتا». ### || AUTO [الجواب:] ### ||| AUTO [الجواب عن المسألة الأولى:] # بتوفيق الله وحسن تسديده، عن المسألة الأولى: # إن الجملة المركبة من «لا» واسمها وخبرها، وقعت خبرا عن القتال، فى قوله: # فأما القتال لا قتال لديكم # وهى عارية عن ضمير عائد منها إلى المبتدأ، وإنما جاز ذلك، لأن اسم «لا» ~~نكرة شائعة مستغرقة للجنس المعرف بالألف واللام، فقتال المنكور مشتمل على ~~القتال الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: لا إله إلا الله، عمت لفظة «إله» جميع ~~ما يزعم المبطلون أنه مستحق لإطلاق هذه اللفظة عليه، وليس يجرى قولك: لا ~~رجل فى الدار، إذا رفعت، مجرى قولك: لا رجل فى الدار، ms218 إذا ركبت، لأنك إذا قلت: # لا رجل فى الدار، جاز أن تعقبه بقولك: بل رجلان، وبل ثلاثة، ولا يجوز ذلك ~~مع تركيب «لا» لأنك إذا رفعت فإنما نفيت واحدا، وإذا ركبت فإنما نفيت الجنس PageV02P004 # أجمع، وإذا عرفت هذا فدخول القتال الأول تحت الثانى يقوم مقام عود الضمير ~~إليه، ومثل هذا البيت ما أنشده سيبويه (¬1): # ألا ليت شعرى هل إلى أم معمر ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا # فالصبر من حيث كان معرفة داخل تحت الصبر المنفى، لشياعه بالتنكير، ونظير ~~هذا أن قولهم: نعم الرجل زيد، فى قول من رفع زيدا بالابتداء، فأراد: /زيد ~~نعم الرجل، يدخل فيه زيد تحت الرجل، لأن المراد بالرجل هاهنا الجنس، ~~فيستغنى المبتدأ بدخوله تحت الخبر عن عائد إليه من الجملة، ويوضح لك هذا أن ~~قولك: زيد نعم الرجل، كلام مستقل، وقولك: زيد قام الرجل، كلام غير مستقل، ~~وإن كان قولك: قام الرجل، جملة من فعل وفاعل، كما أن قولك: نعم الرجل كذلك، ~~ولم يستقم قولك: زيد قام الرجل، حتى تقول: إليه أو معه، أو نحو ذلك، لكون ~~الألف واللام فيه لتعريف العهد، فالمراد به واحد بعينه، والرجل فى قولك: ~~زيد نعم الرجل، بمنزلة الإنسان فى قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} (¬2) ~~ألا ترى أنه استثنى منه {الذين آمنوا} والاستثناء من واحد مستحيل، لا يصح ~~إذا استثنيت واحدا من واحد، فكيف إذا استثنيت جمعا من واحد، ومثله: {(وإنا ~~إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها)} (¬3) والمراد بالإنسان هاهنا الناس ~~كافة، فلذلك قال: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور}. PageV02P005 # وإذا كان الاسم المعرف بالألف واللام نحو الرجل والإنسان، قد استوعب ~~الجنس، فما ظنك باسم الجنس المنكور المنفى فى قوله: «لا قتال لديكم» وقول ~~الآخر: «فأما الصبر عنها فلا صبرا» والتنكير والنفى يتناولان من العموم ~~مالا يتناوله التعريف والإيجاب، ألا ترى أن قولهم: ما أتاني من أحد، وقوله ~~تعالى: {ما سبقكم بها من أحد} (¬1) متناول غاية العموم، ولو حاولت أن تقول: ~~أتانى من أحد، كان ms219 ذلك داخلا فى باب استحالة الكلام. # ويشبه ما ذكرته من الاستغناء بدخول الاسم المبتدأ فى اسم العموم الذى ~~بعده، عن عود ضمير إليه من الجملة، تكرير الاسم الظاهر مستغنى به عن ذكر ~~المضمر، وذلك إذا أريد تفخيم الأمر وتعظيمه، كقول عدي بن زيد: # /لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا (¬2) # واستغنى بإعادة ذكر الموت عن الهاء، لو قال مع صحة الوزن: يسبقه، ومثله ~~فى التنزيل: {الحاقة. ما الحاقة} (¬3) {القارعة. ما القارعة} (¬4) {وأصحاب ~~اليمين ما أصحاب اليمين} (¬5) فالحاقة مبتدأ، وقوله: ما الحاقة: جملة من ~~مبتدأ وخبر خالية من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأن تكرير الظاهر أغنى عن ~~الضمير العائد، فالتقدير: # أى شيء الحاقة؛ وكذلك: ما القارعة، وما أصحاب اليمين، التقدير فيهما: أى ~~شيء القارعة، وأى شيء أصحاب اليمين، كما تقول: زيد رجل أى رجل، فاستغنى ~~بتكرير الظاهر عن أن يقال: الحاقة ما هي، والقارعة ما هي، وأصحاب اليمين ما ~~هم. وإنما حسن تكرير الاسم الظاهر فى هذا النحو، أن (¬6) تكريره هو الأصل، PageV02P006 # ولكنهم استعملوا المضمرات، فاستغنوا بها عن تكرير المظهرات، إيجازا ~~واختصارا، فلما أرادوا الدلالة على التفخيم، جعلوا تكرير الظاهر أمارة لما ~~أرادوه (¬1) [من ذلك. # وأما معنى البيت: فإنه أراد] ذم الذين خاطبهم فيه، فأراد: ليس عندكم قتال ~~وقت احتياجكم إليه، ولا تحسنونه، وإنما عندكم أن تركبوا الخيل وتسيروا فى ~~المواكب العراض. # وفى البيت حذف اقتضاه إقامة الوزن، لم يسأل عنه صاحب هذه المسائل، وهو ~~حذف الفاء من جواب أما، وذلك أن «أما» حرف استئناف، وضع لتفصيل الجمل، وحكم ~~الفاء بعده حكم (¬2) الفعل، فى امتناعها من ملاصقة «أما» لأن الفاء إذا ~~اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق فعل الجزاء فعل الشرط، ~~كذلك الفاء، ألا ترى أن الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل ~~بينها وبين الشرط زيد، وكذلك إذا قال: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين ~~الشرط والفاء الضمير المستكن فيه، فلما تنزلت «أما» منزلة الفعل الذى هو ~~الشرط لم ms220 يجز أن تلاصقه الفاء. # فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، فلذلك (¬3) /جاز حذفها ~~فى الشعر. # قيل: لا تخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء (¬4)، فلا يجوز أن تكون ~~عاطفة، لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا ~~يجوز أن تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السعة، فلم يبق إلا ~~أن تكون جزاء. PageV02P007 # وهى حرف وضع لتفصيل الجمل، وقطع ما قبله عما بعده عن العمل، وأنيب (¬1) ~~عن جملة الشرط وحرفه، فإذا قلت: أما زيد فعاقل، فالمعنى والتقدير عند ~~النحويين: مهما يكن من شيء فزيد عاقل، فاستحق بذلك جوابا، وجوابه جملة ~~تلزمها الفاء، إما أن تكون مبتدئية أو فعلية، والفعلية إما أن تكون خبرية ~~أو أمرية أو نهيية. # ولا بد أن يفصل بين «أما» وبين الفاء فاصل، مبتدأ أو مفعول أو جار ~~ومجرور، فالمبتدأ كقولك: أما زيد فكريم، وأما بكر فلئيم، والمفعول كقولك: ~~أما زيدا فأكرمت، وأما عمرا فأهنت، والجار والمجرور، كقولك: أما فى زيد ~~فرغبت، وأما على بكر فنزلت، ومثال [وقوع (¬2)] الجملة الأمرية قولك: أما ~~محمدا فأكرم (¬3)، وأما عمرا فأهن، كأنك قلت: مهما يكن من شيء فأكرم محمدا، ~~ومهما يكن من شيء فأهن عمرا، ومثال النهى قولك: أما زيدا فلا تكرم، وأما ~~عمرا فلاتهن، ومثله فى التنزيل: {فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا ~~تنهر} (¬4). # ومثال فصلك بالجار والمجرور، فى قولك: أما بزيد فامرر، قوله تعالى: # {وأما بنعمة ربك فحدث} (¬5). # وإنما لم يجز أن تلاصق «أما» الفعل، لأن «أما» لما تنزلت منزلة الفعل ~~الشرطى، والفعل لا يلاصق الفعل، امتنعت من ملاصقة الأفعال. # فإن قيل: فقد تقول: زيد كان يزورك، وعمرو ليس يعلم بك، فيلاصق كان وليس، ~~الفعل. PageV02P008 # فالجواب: أن الضمير المستتر فى كان وليس (¬1)، فاصل فى التقدير بينهما ~~وبين ما يليهما، وهذا الفاصل يبرز إذا قلت: الزيدان كانا يزورانك، والعمران ~~ليسا يلمان بك، وكذلك حكم الجمع إذا قلت: كانوا وليسوا، وحكم (¬2) الفاء ~~حكم/الفعل فى امتناعها من ملاصقة «أما» لأن الفاء ms221 إذا اتصلت بالجزاء صارت ~~كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق الجزاء الشرط، كذلك الفاء، ألا ترى [أن (¬3)] ~~الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل بينها وبين الشرط زيد، ~~وكذلك إذا قلت: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين الشرط والفاء الضمير ~~المستكن فيه، فلما تنزلت «أما» منزلة الفعل الذى هو الشرط، لم يجز أن ~~تلاصقه الفاء. # فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، لحذفها فى الشعر؟. # قيل: لا يخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء، فلا يجوز أن تكون عاطفة ~~لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا يجوز أن ~~تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السعة، فلم يبق إلا أن تكون جزاء. # وإذا عرفت هذا، فالفاء بعد «أما» لازمة؛ لما ذكرت لك من نيابة «أما» عن ~~الشرط وحرفه، فإن حذفها الشاعر فللضرورة، كما جاز له حذفها من جواب الشرط، ~~كقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: # من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله سيان (¬4) # كان الوجه أن يقول: فالله، ومثل حذفها من قوله: PageV02P009 # فأما القتال لا قتال لديكم # حذفها من قول بشر بن أبى خازم (¬1): # وأما بنو عامر بالنسار ... غداة لقوا القوم كانوا نعاما # ومع هذا التشديد فى حذف الفاء من جواب «أما» قد جاء حذفها فى التنزيل، ~~ولكنه حذف كلا حذف، وإنما حسن ذلك حتى جعله كطريق مهيع (¬2)، حذفها مع ما ~~اتصلت به من القول، لأن القول قد كثر حذفه (¬3) فى التنزيل، لأنه جار ~~فى/حذفه مجرى المنطوق به، فمن ذلك قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب. سلام عليكم} (¬4) أى يقولون سلام عليكم، ومثله: {وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا} (¬5) أى يقولان (¬6) ربنا تقبل ~~منا، ومثله: # {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا} (¬7) ~~والآية التى ورد فيها حذف الفاء قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} (¬8) التقدير: فيقال لهم: ms222 أكفرتم ~~بعد (¬9) [إيمانكم] فحذفها هاهنا من أحسن الحذوف، وأجراها فى ميدان ~~البلاغة. PageV02P010 # والغالب على «أما» التكرير، كقوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين} ~~(¬1) ثم قال: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} ثم قال: {وأما الجدار فكان ~~لغلامين} وقد جاءت غير مكررة فى قوله: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ~~ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ~~فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} (¬2). # واعلم أن «أما» لما نزلت منزلة الفعل نصبت، ولكنها لم تنصب المفعول به، ~~لضعفها، وإنما نصبت الظرف الصحيح، كقولك: أما اليوم فإنى منطلق، وأما عندك ~~فإنى جالس، وتعلق بها حرف الظرف، فى نحو قولك: أما فى الدار فزيد نائم، ~~وإنما لم يجز أن يعمل ما بعد الظرف فى الظرف، لأن ما بعد «إن» لا يعمل فيما ~~قبلها، وعلى ذلك يحمل قول أبى على (¬3): «أما على إثر ذلك فإنى جمعت» ومثله ~~قولك: أما فى زيد فإنى رغبت، ففى متعلقة بأما نفسها فى قول سيبويه وجميع ~~النحويين، إلا أبا العباس المبرد، فإنه (¬4) زعم أن الجار متعلق برغبت، وهو ~~قول مباين للصحة، خارق للإجماع، لما ذكرته لك من أن «إن» تقطع ما بعدها عن ~~العمل فيما قبلها، فلذلك أجازوا: زيدا جعفر ضارب، ولم يجيزوا: زيدا إن ~~جعفرا ضارب. # /فإن قلت: أما زيدا فإنى ضارب، فهذه المسألة فاسدة فى قول جميع النحويين، ~~لما ذكرته لك من أن «أما» لا تنصب المفعول الصريح، وأن «إن» PageV02P011 # لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو فى مذهب أبى العباس (¬1) جائز، وفساده واضح. # آخر المجلس ولله الحمد والمنة. # ... PageV02P012 ### | AUTO المجلس السابع والثلاثون ### || AUTO [الجواب عن] المسألة الثانية # : # أما مجىء الفاعل المضمر مفردا فى قوله: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله} ~~وكذلك فى التثنية إذا قلت (¬1): أرأيتكما، وفى خطاب جماعة النساء إذا قلت: ~~أرأيتكن، فإنما أفرد الضمير فى هذا النحو، لأنه لو ثني وجمع، فقيل: أرأيتما ~~كما وأ رأيتموكم، وأ رأيتنكن، كان ذلك جمعا بين خطابين، ولا يجوز (¬2) ~~الجمع بين خطابين، كما لا يجوز الجمع بين ms223 استفهامين، ألا ترى أنك إذا قلت: # يا زيد، فقد أخرجته بالنداء من الغيبة إلى الخطاب، لوقوعه موقع الكاف من ~~قولك: أدعوك وأناديك، فلذلك قال الشاعر (¬3): # يا أيها الذكر الذي قد سؤتنى ... وفضحتنى وطردت أم عياليا # وكان القياس أن يقول: قد ساءنى وفضحنى وطرد، لأن الذى (¬4) اسم غيبة، PageV02P013 # ولكنه لما أوقع الذى صفة للذكر، وقد وصف المنادى بالذكر، جاز له إعادة ~~ضمائر الخطاب إليه، ويوضح لك هذا أنك تقول: يا غلامى ويا غلامنا ويا ~~غلامهم، ولا تقول: # يا غلامكم، لأنه جمع بين خطابين، خطاب النداء والخطاب بالكاف، فلذلك ~~وحدوا التاء فى التثنية والجمع، وألزموها الفتح فى الحالين، وفى خطاب ~~المرأة إذا قلت: أرأيتك، لأنهم جردوها من الخطاب. # ... PageV02P014 ### || AUTO [الجواب عن] المسألة الثالثة # أما حد الاسم، فإن سيبويه (¬1) حد الفعل ولم يحد الاسم، لما يعتور حد ~~الاسم من/الطعن، وعول على أنه إذا كان الفعل محدودا والحرف محصورا معدودا ~~فما فارقهما فهو اسم. # وحد بعض النحويين المتأخرين (¬2) الاسم، فقال: الاسم كلمة تدل على معنى ~~فى نفسها، غير مقترنة بزمان محصل، وإنما قال: تدل على معنى فى نفسها، تحرزا ~~من الحرف، لأن الحرف يدل على معنى فى غيره، وقال: غير مقترنة بزمان، تحرزا ~~من الفعل، لأن الفعل وضع ليدل على الزمان، ووصف الزمان بمحصل، ليدخل فى ~~الحد أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والمصادر، من حيث كانت هذه الأشياء ~~دالة على الزمان، لاشتقاق بعضها من الفعل، وهو اسم الفاعل واسم المفعول، ~~واشتقاق الفعل من بعضها، وهو المصدر، إلا أنها تدل على زمان مجهول، ألا ترى ~~أنك إذا PageV02P015 # قلت: ضربى زيدا شديد، احتمل أن يكون الضرب قد وقع، وأن يكون متوقعا، وأن ~~يكون حاضرا. # ومما اعترض به على هذا الحد قولهم: آتيك مضرب الشول (¬1)، ومقدم الحاج، ~~وخفوق النجم (¬2)، لدلالة هذه الأسماء على الزمان، مع دلالتها على الحدث ~~الذى هو الضراب والقدوم والخفقان، فقد دلت على معنيين. # وأسلم حدود الاسم من الطعن قولنا: الاسم ما دل على مسمى به دلالة الوضع (¬3). # وإنما قلنا: ما دل، ولم نقل: كلمة ms224 تدل، لأننا وجدنا من الأسماء ما وضع من ~~كلمتين، كمعدى كرب، وأكثر من كلمتين كأبى عبد الرحمن. # وقلنا: دلالة الوضع، تحرزا مما دل دلالتين، دلالة الوضع ودلالة الاشتقاق، ~~كمضرب الشول وأخويه، وذلك أنهن وضعن ليدللن على الزمان فقط، ودللن على اسم ~~الحدث، لأنهن اشتققن منه، فلسن كالفعل فى دلالته على الحدث والزمان، لأن ~~الفعل وضع ليدل على هذين المعنيين معا. # فقولنا: دلالة الوضع، يزيح عن هذا الحد اعتراض من اعترض على الحد الأول، ~~بمضرب الشول وأخويه. # وإذا تأملت/الأسماء كلها حق التأمل، وجدتها لا يخرج شيء منها عن هذا ~~الحد، على اختلاف ضروبها، فى الإظهار والإضمار، وما كان واسطة بين المظهر PageV02P016 # والمضمر، وذلك أسماء الاشارة، وعلى تباين الأسماء فى الدلالة على ~~المسميات، من الأعيان والأحداث، وما سميت به الأفعال، من نحو صه وإيه ورويد ~~وبله وأف وهيهات، فالمسمى بصه: قولك: اسكت، وبإيه: حدث، وبرويد: أمهل ~~وببله: دع (¬1)، وبأف: أتضجر، وبهيهات: بعد، وكذلك ما ضمن معنى الحرف، نحو ~~متى وأين وكم وكيف، فمتى وضع ليدل على الأزمنة، وأين على الأمكنة، وكم على ~~الأعداد، وكيف على الأحوال. # وهذه الكلم ونظائرها من نحو من وما وأيان وأنى، مما طعن به على الحد ~~الأول، لقول قائله: كلمة تدل على معنى فى نفسها، فقال الطاعن: إن كل واحد ~~من هذه الأسماء قد دل على الاستفهام أو الشرط، وعلى معنى آخر، كدلالة أين ~~على المكان، وعلى الاستفهام أو الشرط، وكذلك متى ومن وما، فقد دل الاسم ~~منها على معنيين، كدلالة الفعل على معنيين، الزمان المعين والحدث. # وليس لمعترض أن يعترض بهذا على الحد الذى قررناه، لأننا قلنا: ما دل على ~~مسمى به دلالة الوضع، ولم نقل: ما دل على معنى. # ... PageV02P017 ### || AUTO [الجواب عن] المسألة الرابعة # السؤال عن قول الشاعر، وهو يزيد بن الحكم الثقفى: # فليت كفافا كان خيرك كله ... وشرك عنى ما ارتوى الماء مرتوى # تعريب هذا البيت قد تقدم فيما سلف (¬1) من الأمالى، ولكنا أعدنا تعريبه ~~هاهنا لزيادة فائدة وإيضاح مشكل، ولكونه فى جملة المسائل الواردة. ms225 # فنقول: إن اسم ليت محذوف، وهو ضمير الشأن والحديث، وحذفه مما /لا يسوغ ~~إلا فى الضرورة، ومثله: # فليت دفعت الهم عنى ساعة ... فبتنا على ما خيلت ناعمى بال (¬2) # ألا ترى أن «ليت» لا تباشر الأفعال، فلو لم يكن التقدير: فليته، لم تجز ~~ملاصقته للفعل، ومن ذلك قول الآخر (¬3): # إن من لام فى بنى بنت حسا ... ن ألمه وأعصه فى الخطوب # انجزام «ألمه» دل على أن «من» شرطية، وإذا كانت شرطية، لم يكن بد من ~~الفصل بينها وبين إن، لأن أسماء الشرط حكمها حكم أسماء الاستفهام، فى أن PageV02P018 # العامل فيها يقع بعدها، كقولك: أيهم تكرم أكرم، كما تقول إذا استفهمت: ~~أيهم أكرمت؟ ونظير ذلك قول الآخر: # إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء (¬1) # وأنشد سيبويه (¬2): # ولكن من لا يلق أمرا ينوبه ... بشكته ينزل به وهو أعزل # الأعزل: الذى لا سلاح معه، وعلى هذا قول أبى الطيب أحمد بن الحسين: # وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق (¬3) # وإذا عرفت هذا، فإن كفافا خبر كان، وخيرك: اسمها، وكله: توكيد له، ~~والجملة التى هى كان واسمها وخبرها: خبر ليت، فالتقدير: ليته، أى ليت الشأن ~~كان خيرك كله كفافا عنى، أى كافا. # ومن روى: «وشرك» رفعه بالعطف على قوله: «خيرك» فدخل فى حيز كان، فكأنه ~~قال: وكان شرك، فغير أبى علي يقدر خبر كان المضمر محذوفا، دل PageV02P019 # عليه خبر كان المظهر، ويقدر المحذوف بلفظ المذكور (¬1)، وهو القياس، ~~ونظير ذلك فى حذف الخبر لدلالة الخبر الآخر عليه، وهما من لفظ واحد، قول ~~الشاعر (¬2): # /نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف # أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثله فى دلالة أحد ~~الخبرين على الآخر، فى التنزيل: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (¬3) التقدير: ~~والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، ولو كان خبرا عنهما لكان: ~~يرضوهما (¬4). # فالتقدير على هذا: وكان شرك كفافا، وهذا على أن يكون «ارتوى» مسندا إلى مرتوى. # وذهب أبو علي (¬5) إلى أن الخبر ms226 مرتو، وكان حقه مرتويا، ولكنه أسكن الياء PageV02P020 # لإقامة الوزن والقافية، وهو من الضرورات المستحسنة، لأنه رد حالة إلى ~~حالتين، أعنى أن الشاعر حمل حالة النصب على حالة الرفع والجر، ومثله قول ~~الآخر (¬1): # كفى بالنأى من أسماء كافى # وقوله (¬2): # يا دار هند عفت إلا أثافيها # وحسن الإخبار عن الشر بمرتو، لأن الارتواء يكف الشارب عن الشرب، فجاز ~~لذلك تعليق عنى بمرتوى، كما يتعلق بكاف أو كفاف، فكأنه قال: وكان شرك كافا عنى. # ومن قال: «وشرك» بالنصب، حمله على ليت، ولا يجوز أن يكون محمولا على ليت ~~المذكورة، لأن ضمير الشأن لا يصح العطف عليه لو كان ملفوظا به، فكيف وهو ~~محذوف؟ وإذا امتنع حمله على ليت المذكورة، حملته على أخرى مقدرة، وحسن ذلك، ~~لدلالة المذكورة عليها، كما حسن حذف «كل» فيما أورده سيبويه، من قول الشاعر (¬3): # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا # أراد: وكل نار، فحذف «كل» وأعملها مقدرة، كما كان يعملها PageV02P021 # لو ظهرت، فكأنه على هذا [المثل (¬1)] قال: وليت شرك مرتو عنى، فمرتو فى ~~هذا التقدير على ما يستحقه من إسكان يائه، لكونه خبرا لليت، وعلى مذهب أبى ~~علي فى كون مرتو خبرا لكان/أو لليت، يجوز فى الماء الرفع، ورفعه بتقدير حذف ~~مضاف، أى ما ارتوى أهل الماء، كما جاء: {وسئل القرية} (¬2) أى أهل القرية، ~~و {حتى تضع الحرب أوزارها} (¬3) أى يضع أهل الحرب أسلحتهم، ومن كلامهم: ~~«صلى المسجد» (¬4) أى أهل المسجد، و «ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم» (¬5) ~~يريدون ماء السماء. # وقد كثر حذف المضاف جدا، مما يشهد فيه ما أبقى على ما ألقى، كقول المرقش: # ليس على طول الحياة ندم (¬6) # أراد على فوت طول الحياة، وكقول الأعشى (¬7): # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا # أراد اغتماض ليلة أرمد، وأضاف الاغتماض المقدر إلى الليلة، كما أضيف ~~المكر PageV02P022 # إلى الليل والنهار، فى قوله جل وعز: {بل مكر الليل والنهار} (¬1) فانتصاب ~~الليلة انتصاب المصدر، لا انتصاب (¬2) الظرف، وكيف يكون انتصابها انتصاب ~~الظرف مع قوله بعد: # وبت كما بات السليم مسهدا # وأجاز ms227 بعض المتأخرين أن يكون الماء رفعا، بأنه فاعل ارتوى، من غير تقدير ~~مضاف، قال: وجاز وصف الماء بالارتواء للمبالغة، كما جاز وصفه بالعطش لذلك ~~فى قوله (¬3): # وجبت هجيرا يترك الماء صاديا # ومن نصب الماء متبعا مذهب أبى على: أراد ما ارتوى الناس الماء، أى من ~~الماء، أضمر الفاعل وحذف الخافض، فوصل الفعل فنصب، كما جاء فى التنزيل: # {واختار موسى قومه سبعين رجلا} (¬4) أى من قومه، وجاء فيه حذف الباء من ~~قوله: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} (¬5) أراد يخوفكم بأوليائه، ودليل ~~ذلك قوله: {فلا تخافوهم وخافون} وجاء حذف «على» من قوله: {ولا تعزموا عقدة ~~النكاح} (¬6). # ومثل إضمار الفاعل هاهنا ولم يتقدم ذكر ظاهر يرجع الضمير إليه، ما حكاه ~~سيبويه من قولهم (¬7): «إذا كان غدا فأتنى»، أى إذا كان ما نحن فيه من ~~الرخاء أو البلاء غدا. PageV02P023 # /و «ما» فى قوله: «ما ارتوى» مصدرية، وأبو طالب (¬1) العبدى لم يعرف فى ~~هذا البيت إلا نصب الماء، ولم يتجه له إلا إسناد ارتوى إلى مرتو، وذلك أنه قال: # معنى ما ارتوى الماء مرتو: ما شرب الماء شارب. # ثم قال: وأما ما ذكره الشيخ أبو على من قوله: وإن حملت العطف على كان، ~~كان «مرتو» فى موضع نصب، وإن حملته على ليت، نصبت قوله: # «وشرك» ومرتو مرفوع، فكلام لم يفسره رحمه الله. # ثم قال: ومر بى بعد هذا فى تعليقى، كلام للشيخ أبى على، أنا حاكيه على ~~الوجه، وهو أنه أورد البيت، ثم قال بعد ايراده: ليت محمول على إضمار (¬2) ~~الحديث، وكفافا: خبر كان، فأما قوله: «وشرك عنى ما ارتوى الماء مرتوى» ~~فقياس من أعمل الثانى أن يكون «شرك» مرتفعا بالعطف على كان، ومرتو فى موضع ~~نصب، إلا أنه أسكن فى الشعر، مثل: # كفى بالنأى من أسماء كافى (¬3) # ومن أعمل الأول نصب «شرك» بالعطف على ليت، ومرتو فى موضع رفع، لأنه ~~الخبر، وما ارتوى الماء: فى موضع نصب، ظرف، يعمل فيه مرتو، هذا ما ذكره أبو على. # ثم قال العبدى: وقد تقدمت مطالبتى بفاعل ارتوى، ms228 وإذا ثبت ما ذكرته، علم ~~أن الأمر على ما قلته، والمعنى عليه لا محالة، انتهى كلام العبدى. PageV02P024 # وقد مر بى كلام لأبى على فى «التذكرة»، يشير فيه إلى ما قاله العبدى. # واختيار أبى على ما اختاره فى هذا البيت، من كون «مرتو» خبرا لكان، أو ~~ليت، مع صحة إسناد ارتوى إلى مرتو، معنى وإعرابا، من مراميه البعيدة. # ... PageV02P025 ### || AUTO [الجواب عن] المسألة الخامسة # وأما «مزين» فلفظة تحتمل معنيين، لكل واحد منهما وزن غير وزن الآخر، ~~أحدهما أن تكون عبارة عن مكبر، ووزنه مفعل، وهو اسم الفاعل من قولك: /زين ~~يزين فهو مزين، كقولك: بين يبين فهو مبين. # والآخر أن تكون عبارة عن مصغر، وزنه مفيعل، وهو مصغر مزدان، ومزدان أصله ~~مزتين، مفتعل من الزينة، فقلبت ياؤه ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار ~~إلى مزتان، فكره اجتماع الزاى والتاء، لأن الزاى مجهور، والتاء حرف مهموس، ~~فكرهوا التنافر، فأبدلوا التاء دالا، لأن الدال توافق الزاى فى الجهر، ~~وتقارب التاء فى المخرج، ولما أريد تصغير مزدان، وعدة حروفه [خمسة (¬1)] ~~اثنان زائدان، الميم والدال، ووجب (¬2) أن يرد إلى أربعة بحذف (¬3) أحد ~~الزائدين، لم يخل من أن تحذف الميم أو الدال، فكان حذف الدال أولى، لأمرين، ~~أحدهما أن الميم تدل على اسم الفاعل، والحرف الدال على معنى أولى بالمحافظة ~~عليه، والثانى أن الدال أقرب إلى الطرف، والطرف وما قاربه أحق بالحذف، ولما ~~حذفت الدال بقى مزان، فقيل فى تصغيره: مزين، كقولك فى تصغير غراب: غريب، ~~فالضمة التى فى المصغر غير الضمة التى فى المكبر، كما أن الضمة التى فى أول ~~بلبل تزول إذا قلت: بليبل. # ... PageV02P026 ### || AUTO [الجواب عن] المسألة السادسة # وأما فتح (¬1) التاء فى: أرأيتكم وأ رأيتكما وأ رأيتك يا هذه وأ رأيتكن، ~~فقد علمت أنك إذا قلت: رأيت يا رجل، فتحت التاء، وإذا قلت: رأيت يا فلانة، ~~كسرتها، وإذا خاطبت اثنين أو اثنتين أو جماعة ذكورا أو إناثا، ضممتها، ~~فقلت: رأيتما ورأيتم ورأيتن، وقد ثبت واستقر أن التذكير أصل للتأنيث، وأن ~~التوحيد أصل للتثنية والجمع، ms229 فلما خصوا الواحد المذكر المخاطب بفتح التاء، ~~ثم جردوا التاء من الخطاب، فانفردت به الكاف فى أرأيتك، وأ رأيتك يا زينب، ~~والكاف وما زيد عليها فى أرأيتكما وأ رأيتكم وأ رأيتكن، ألزموا التاء ~~الحركة الأصلية، وذلك لما ذكرته لك من كون الواحد أصلا للاثنين وللجماعة، ~~وكون/المذكر أصلا للمؤنث، فاعرف هذا واحتفظ به. PageV02P027 ### || AUTO [الجواب عن] المسألة السابعة # وأما قول الشاعر: # وبعد غد يا لهف نفسى من غد ... إذا راح أصحابى ولست برائح # فالعامل فى الظرف المصدر الذى هو اللهف، وإن جعلت «من» زائدة، على ما كان ~~يراه أبو الحسن الأخفش من زيادتها فى الواجب (¬1)، وعليه حمل قوله تعالى: # {فكلوا مما أمسكن عليكم} (¬2) وقوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ~~(¬3) فالتقدير فى هذا القول: يا لهف نفسى غدا، فإذا قدرت هذا جعلت إذا بدلا ~~من غد، فهذان وجهان واضحان. # ولك وجه ثالث، وهو أن تعمل فى «إذا» معنى الكلام، وذلك أن قوله: # «يا لهف نفسى» لفظه لفظ النداء، ومعناه التوجع، فإذا حملته على هذا، ~~فالتقدير: أتأسف وأتوجع وقت رواح أصحابى وتخلفى عنهم. # ... PageV02P028 ### || AUTO [الجواب عن] المسألة الثامنة # قول أبى على: «أخطب (¬1) ما يكون الأمير قائما» أخطب من باب أفعل الذى هو ~~بعض ما يضاف إليه، كقولك: زيد أكرم الرجال، وحمارك أفره الحمير، والياقوت ~~أفضل الحجارة، فزيد بعض الرجال، والحمار بعض الحمير، والياقوت بعض الحجارة، ~~ولا تقول: الياقوت أفضل الزجاج، لأنه ليس (¬2) منه، كما لا تقول: حمارك ~~أحسن الرجال، وإذا ثبت هذا، فإن «ما» التى أضيف إليها «أخطب» مصدرية ~~زمانية، كالتى فى قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السماوات} (¬3) أى مدة ~~دوام السموات، فقوله: أخطب ما يكون الأمير، تقديره: أخطب أوقات كون الأمير، ~~كما قدرت في الآية مدة دوام السموات، أو مدد دوام السموات، فقد صار أخطب ~~بإضافته/إلى الأوقات فى التقدير وقتا، لما مثلته لك من كون أفعل هذا بعضا ~~لما يضاف إليه، وإضافة الخطابة إلى الوقت توسع وتجوز، كما وصفوا الليل ~~بالنوم، فى قولهم: نام ليلك، وذلك لكون النوم فيه، قال: # لقد ms230 لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم (¬4) # ومثله إضافة المكر إلى الليل والنهار فى قوله عز وجل: {بل مكر الليل ~~والنهار} (¬5) وإنما حسن إضافة المكر إليهما لوقوعه فيهما، والتقدير: بل ~~مكركم فى الليل والنهار. PageV02P029 # وإذا عرفت هذا، فأخطب مبتدأ محذوف الخبر، والحال التى هى «قائما» سادة ~~مسد خبره، فالتقدير: أخطب أوقات كون الأمير إذا كان قائما. # ولما كان أخطب مضافا إلى الكون لفظا، وإلى الأوقات تقديرا، وقد بينت لك ~~أن أفعل هذا بعض لما يضاف إليه، وقد صار فى هذه المسألة وقتا وكونا، فجاز ~~لذلك الإخبار عنه بظرف الزمان، الذى هو إذا الزمانية، وإذا كان «قائما» ~~نصبا على الحال، فكان المقدرة فى هذا النحو هى التامة المكتفية بمرفوعها، ~~التى بمعنى حدث ووقع ووجد، ولا يجوز أن تكون الناقصة، لأن الناقصة لا يلزم ~~منصوبها التنكير، والمنصوب هاهنا لا يكون إلا نكرة، فثبت بلزوم التنكير له ~~أنه حال، وإذا ثبت أنه حال، فهو حال من ضمير فاعل مستكن فى فعل، موضعه مع ~~مرفوعه جر، بإضافة ظرف إليه، عمل فيه اسم فاعل محذوف، وتفسير هذا أن قائما ~~حال من الضمير المستتر فى كان، وكان مع الضمير جملة فى موضع جر بإضافة ~~«إذا» إليها، لأن إذا وإذ تلزمهما الإضافة إلى جملة توضح معنييهما، كما ~~توضح الصلة معنى الموصول، ولذلك بنيا، فإذا تضاف، إلى جملة فعلية، لأنها ~~شرطية، والشرط إنما يكون بالفعل، وإذ تضاف إلى جملة الاسم، كما تضاف إلى ~~جملة الفعل، فإذا فى المسألة ظرف أوقع خبرا عن المبتدأ/الذى هو أخطب، ~~والظرف متى وقع خبرا، عمل فيه اسم فاعل محذوف، مرفوض إظهاره، نحو قولك: زيد ~~خلفك، والخروج يوم السبت، فالتقدير: مستقر خلفك، وواقع يوم السبت. # فتأمل جملة الكلام فى هذه المسألة، فقد أبرزت لك غامضها، وكشفت لك ~~مخبوءها. # وأما قوله: «شربى (¬1) السويق ملتوتا» فداخل فى هذا الشرح، وأقول: إن ~~شربى PageV02P030 # مضاف ومضاف إليه، فشرب مصدر أضيف إلى فاعله، والسويق انتصب بأنه مفعوله، ~~وخبره على ما قررته محذوف، سدت الحال مسده، ms231 فقولك: ملتوتا كقولك فى المسألة ~~الأولى: قائما، غير أن الظرف المقدر فى الأولى هو إذا، والمقدر فى هذه ~~محمول على المعنى، فإن كان الإخبار قبل الشرب، أردت شربى السويق إذا كان ~~ملتوتا، وإن كان الشرب سابقا للإخبار أردت شربى السويق إذ كان ملتوتا، ~~وبالله التوفيق. # ... PageV02P031 ### | AUTO المجلس الثامن والثلاثون # يتضمن فنونا من المعانى والإعراب، فمن ذلك قول مهيار فى مرثية (¬1): # أحسنت فيك فساءهم تقصيرهم ... ذنب المصيب إلى المعين المقصد # معناه مشكل، مفتقر إلى تفسير مستوفى، وذلك أن المعين هو اسم المفعول، من ~~قولهم: عانه: إذا أصابه بعينه، وأصله معيون، كقولك: بعت الثوب فهو مبيع، ~~وأصله مبيوع، فحذفت ضمة الياء، فالتقى ساكنان، الياء والواو، فحذفت ~~إحداهما، على الخلاف بين سيبويه والأخفش، وقد مضى ذكر ذلك فى الأمالى ~~السالفة (¬2). # والمقصد: هو المقتول، من قولهم: رماه فأقصده: إذا قتله فى مكانه، وفى ~~الكلام تقدير مبتدأ ومضاف محذوفين، كأنه لما تمت الجملتان اللتان هما أحسنت ~~فيك فساءهم تقصيرهم، ابتدأ بجملة أخرى، فقال: ذنبى إليهم مثل ذنب المصيب ~~/بالعين إلى المصاب، فحذف المبتدأ الذى هو ذنبى، ثم حذف المضاف الذى هو ~~مثل، والمعنى: إن المصيب بالعين لا ذنب له فى الحقيقة، لأن كل من أبصر لا ~~يعد مذنبا بنظره إلى المستحسنات، ولا يكون أيضا مذنبا إذا استحسن بقلبه كل ~~مستحسن ينظر إليه، لأنه لم يقصد بذلك المنظور إليه، وإنما نظره واستحسانه ~~طبع، لا يقدر على تركه، فقال: كذلك أنا جودت فى هذا الشعر ووصفك أيها ~~المرثى بطبعى، فساء هؤلاء القوم تقصيرهم عن مثله، وإن كنت لم أقصد بذلك PageV02P032 # مساءتهم، فكنت كالعاين الذى ينظر ويستحسن بطبعه، فيصيب بعينه، فهو غير ~~قاصد ضرر المعين، فمن هذا الوجه شبه نفسه بالعائن، وشبههم بالمصاب بالعين، ~~ويشبه ذلك قول أبى الطيب أحمد بن الحسين (¬1): # نلومك يا علي لغير ذنب ... لأنك قد زريت على العباد # يعنى أنه فعل أفعالا حسنة، لم يفعلها غيره من الناس، فعيبوا بتقصيرهم عن ~~مثلها، فصار بذلك كأنه زار عليهم، يقال: زريت عليه: إذا عبته، وأزريت به: ms232 # إذا قصرت (¬2) به. # ... PageV02P033 ### || AUTO مسألة # سئل عما تصدر به كتب الإقرارات، وهو: «أقر فلان وأشهد على نفسه» فقيل: أي ~~الألفاظ الثلاثة أولى بالاستعمال، أيقر ويشهد، أم أقر وأشهد، أم أقر ويشهد؟ ~~وهل يكون صادقا فى قوله: أقر وأشهد على نفسه، وهو لم يشهد؟ # فكان الجواب: إن الإقرار والإشهاد يقعان معا فى وقت واحد، لأنه إذا تلفظ ~~بالإقرار بمحضر من الشاهد، فقد حصل الإشهاد بحصول الإقرار، من غير فصل، ومن ~~قبل أن يثبت الشاهد خطه، وإنما كتب الشروطى: أقر، لأنه حينئذ أقر بقلبه ~~ونيته، فإذا أقر عند الشاهد [بلسانه (¬1)] فقد وقع الإشهاد مع/الإقرار، ~~وإقراره بلسانه أن يقول له الشاهد: أهكذا تقول؟ فيقول: نعم، وإنما آثروا: ~~أقر وأشهد، دون يقر ويشهد، لأن لفظ الماضى أوكد وأبعد (¬2) من الشبهة، من ~~حيث كان دالا على إقرار قد وقع، فوقع الإشهاد بوقوعه، والمستقبل يدل على ~~إقرار متوقع، على أن العرب قد أوقعت بعض أمثلة الأفعال موقع بعض، مع حصول ~~العلم بما يقصدونه، فأوقعوا الماضى فى موضع المستقبل، والمستقبل فى موضع ~~الماضى، فمن إيقاع المستقبل فى موضع الماضى، قوله تعالى: {فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل} (¬3) أوقع «تقتلون» فى موضع «قتلتم» ومثله: {ما يعبدون ~~إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} (¬4) المعنى: كما عبد آباؤهم، ومن إيقاع ~~الماضى فى موضع المستقبل قوله تعالى: # {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة} (¬5) أراد: ينادى، لأن هذا النداء إنما ~~يكون يوم القيامة، ومثله: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني} PageV02P034 # {وأمي إلهين من دون الله} (¬1) أراد: وإذا يقول الله، لأن هذا القول إنما ~~يوجه من الله تعالى إلى عيسى بن مريم عليه السلام فى يوم البعث، ومما جاء ~~من ذلك فى الشعر قول الطرماح: # وإنى لآتيكم تشكر ما مضى ... من البر واستيجاب ما كان فى غد (¬2) # أوقع كان فى موضع يكون، وجاء بعكس ذلك قول زياد الأعجم: # فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح (¬3) # وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخادم وذبائح # أراد: فلقد كان. ms233 # قال أبو الفتح عثمان (¬4) بن جنى: قال لى أبو على: سألت يوما أبا بكر، ~~يعنى ابن السراج، عن الأفعال؛ يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغى للأفعال ~~كلها أن تكون مثالا واحدا، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها، لاختلاف ~~أحوال الزمان، فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه، من لفظ أو حال/جاز وقوع ~~بعضها فى موقع بعض. # قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبى بكر عال سديد (¬5). # ... ### ||| AUTO بيت # ومن يك باديا ويكن أخاه ... أبا الضحاك ينتسج الشمالا (¬6) PageV02P035 # الهاء فى قوله: «أخاه» عائدة إلى البدو الذى هو ضد الحضر، يقال: بدا فلان ~~يبدو بدوا: إذا حل فى البر (¬1)، ودل على عود الهاء إلى البدو قوله: باديا، ~~كما دل السفيه على السفه، فأضمره القائل: # إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف (¬2) # أى جرى إلى السفه، ومثله قول القطامى: # هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والساسة الأول (¬3) # أراد: والآخذون بالملك، فأضمره لدلالة الملوك عليه، ومثله فى التنزيل ~~قوله جل وعز: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} ~~(¬4). PageV02P036 # قوله: {هو خيرا لهم} هو: ضمير البخل، والبخل هو المفعول الأول، الذى ~~يقتضيه {يحسبن} وحسن حذفه لدلالة {يبخلون} عليه، وقوله: # {هو} يسمى عمادا عند الكوفيين، وفصلا عند البصريين. # ومثل ذلك فى إضمار المصدر الذى دل عليه فعله قوله تعالى: {وإن تشكروا ~~يرضه لكم} (¬1) أى يرض الشكر، وكذلك أضمر المصدر فى قوله جل جلاله: {الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا} (¬2) أى ~~فزادهم قول الناس إيمانا. # ومما قدر له فاعل من لفظه «بدا» فى قوله تعالى جده: {ثم بدا لهم من بعد ~~ما رأوا الآيات ليسجننه} (¬3) التقدير: ثم بدا لهم بداء (¬4)، لا بد من ~~تقدير هذا الفاعل، لأن الفعل مطالب بفاعله، ولا يصح إسناده إلى {ليسجننه} ~~لأن إسناد الفعل إلى الفعل مستحيل، ولما لم يكن للفعل مندوحة عن إسناده إلى ~~فاعل، أو ما يقوم مقام الفاعل، كالمفعول فى/نحو ضرب زيد، أسند بدا إلى ms234 ~~الفاعل الذى أظهره الشاعر فى قوله (¬5): # لعلك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك فى تلك القلوص بداء PageV02P037 # وألسن العرب متداولة [له (¬1)] فى قولهم: بدا لى فى هذا الأمر بداء، أى ~~تغير رأيى عما كان عليه، ويقال: فلان ذو بدوات: إذا بدا له الرأى بعد الرأى. # وقوله: «أبا الضحاك» نصب على النداء، فكأنه قال: ومن يك باديا ويكن أخا ~~البدو، يا أبا الضحاك، وجعله أخا البدو، كقولك: يا أخا العرب، ويا أخا الحضر. # وإنما قال: ومن يك باديا، ثم قال: ويكن أخا البدو، لأنه قد يحل فى البدو ~~من ليس من أهل البدو، فيسمى باديا ما دام مقيما فى البدو. # فأما الشمال فقد جاءت فى العربية على معان، منها اليد الشمال، ومنها ~~خليقة الإنسان، وجمعها شمائل، يقال: فلان كريم الشمائل، أى كريم الخلائق، ~~قال عنترة (¬2). # وكما علمت شمائلى وتكرمى # وقد جمعت اليد الشمال أيضا على الشمائل، فى قوله جل اسمه: {يتفيؤا ظلاله ~~عن اليمين والشمائل} (¬3) وجمعت على الأشمل، فى قول الراجز (¬4): # يبرى لها عن أيمن وأشمل # يبرى لها: يعرض لها. # والشمال: وعاء كالكيس يجعل فيه ضرع الشاة، يحفظ به، يقال: PageV02P038 # شملت الشاة: أى جعلت لها شمالا، وهذا هو المراد هاهنا. # وينتسج: يفتعل، من قولك: نسجت الثوب، فالمعنى: من يكن من أهل البدو يمارس ~~ما يحتاج إليه الغنم. ### ||| AUTO بيت # إن هند الكريمة الحسناء ... وأي من أضمرت لوأى وفاء (¬1) # إن: هاهنا فعل أمر من قولهم: وأيت، أي وعدت، وهو موجه إلى امرأة، وقد أكد ~~بالنون الثقيلة، فأصله: إى (¬2)، كما تقول إذا أمرتها من وفيت: فى بقولك، ~~ومن/وعيت: عى كلامى، ولما اتصل بالنون أوجب ذلك إسقاط الياء، لالتقاء ~~الساكنين، فقيل: إن، كما تقول من الوفاء: فن بما تقولين. # وأما «هند» فضمتها بناء، لأنها مناداة، وحذف حرف النداء، كما حذف من قوله ~~تعالى: {يوسف أيها الصديق} (¬3) # وقوله: «الكريمة الحسناء» صفتان، ووجه نصبهما أنهما محمولتان على الموضع، ~~لأن المنادى المفرد المعرفة يجوز فى صفته المفردة المعرفة بالألف واللام، ~~النصب حملا على الموضع، لأن النصب الذى ظهر ms235 فى قولك: يا عبد الله، ويا ~~مكرما زيدا، ويا غلاما هلم، إذا لم ترد غلاما بعينه، محكوم به على موضع زيد ~~فى قولك: # يا زيد، ويجوز فى صفته الرفع، حملا على اللفظ، لأن ضمته وإن كانت بناء، ~~تشبه ضمة الإعراب، لاطرادها فى كل اسم منادى مفرد معرفة، كاطراد الضمة فى ~~كل PageV02P039 # اسم مبتدأ مسند إليه خبر، فتقول على هذا: يا زيد الطويل، فتصفه بالمرفوع ~~رفعا صريحا، لما ذكرته لك، وإن شئت الطويل، تنصبه، كما نصب جرير صفة عمر، ~~فى قوله يمدح عمر بن عبد العزيز: # يعود الفضل منك على قريش ... وتفرج عنهم الكرب الشدادا (¬1) # وتبنى المجد يا عمر بن ليلى ... وتكفى الممحل السنة الجمادا # فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا # كان كعب بن مامة الإيادى، وأوس بن حارثة بن لام الطائى، وأمه سعدى، من ~~سادات أجواد العرب فى الجاهلية. # وقوله: «وأي من أضمرت» نصب على المصدر، لأن المعنى: إى وأى من أضمر ~~الوفاء، أى عدى عدة وفية. # وهذا البيت والذى قبله من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين، لا تزال ~~تداولها ألسن الممتحنين. # وإنما قال: «من أضمرت» فأنث، لأن «من» لفظة موغلة/فى الإبهام، تقع لشدة ~~إبهامها على الواحد المذكر والمؤنث، وعلى الاثنين، وعلى الجماعة ذكورا، ~~والجماعة إناثا، فعود الضمير إليها مفردا مذكرا حمل على اللفظ، وعوده مؤنثا ~~أو مثنى أو مجموعا، على المعنى، فعلى المعنى قال: «وأي من أضمرت» كأنه قال: # وأي امرأة أضمرت، وجاء على التثنية قول الفرزدق (¬2): PageV02P040 # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # وجاء على الجمع فى التنزيل قوله تعالى: {ومن الشياطين من يغوصون له} (¬1) ~~وقوله: {ومنهم من يستمعون إليك} (¬2) وعلى اللفظ قوله: {ومنهم من يستمع ~~إليك} (¬3) وجاء على اللفظ ثم على المعنى قوله: {ومن يقنت منكن لله ورسوله ~~وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين} (¬4) ومثله: {من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (¬5). # ... PageV02P041 ### || AUTO فصل # اقتضاه ذكر «إن» فى أول البيت المذكور آنفا # اعلم أن «إن» ms236 المكسورة المشددة على ضربين: لغوي وصناعي، فمن اللغوى ~~المؤكدة الداخلة على الجملة، ومنه المستعملة جوابا بمعنى نعم، في نحو قوله: # قالوا غدرت فقلت إن وربما ... نال المنى وشفى الغليل الغادر (¬1) # ومنه قولك: إن يا هذا، إذا أمرته بالأنين، ومن ذلك قولك: إن ذاهب، تريد: ~~إن أنا ذاهب، فهذه إن النافية التى فى قوله تعالى: {إن عندكم من سلطان ~~بهذا} (¬2) أى ما عندكم، خففت (¬3) همزة «أنا» بإلقاء فتحتها على نون «إن» ~~ثم حذفتها فصار «إن نا» ذاهب، فتوالى مثلان متحركان، فأسكنت الأول وأدغمته. # ومن ضروبها أنهم قالوا: أن الماء في الحوض [يؤنه (¬4)] أنا، إذا صبه، فإن ~~بنيته للمفعول قلت: قد أن الماء، وإن كسرت أوله على قول من كسر أول الفعل ~~المبني للمفعول، من/المضاعف، نحو شددت الحبل، وقددت الجلد، فقال: قد شد ~~الحبل وقد الجلد، والأصل: شدد وقدد، فنقلوا الكسرة إلى أوله، وأدغموا المثل ~~فى المثل، كما قالوا فى المعتل العين: قيل القول، وغيض الماء، والأصل: قول ~~وغيض -قلت على هذا: إن الماء، أى صب، ومنه قراءة من كسر فقال: {ولو ردوا} PageV02P042 # {لعادوا} (¬1) وهذا الوجه والذى قبله يتجاذبهما اللغوى والصناعى. # «وإن» من قوله: # إن هند الكريمة الحسناء # صناعى لا غير. # ... PageV02P043 ### || AUTO مسألة # سئلت عن قول فقيه، ناظر فقيها، فقال فى مناظرته: العشر والخراج مئونة فلا ~~يجتمعان، فأنكر مناظره قوله «مئونة»، وقال: يجب أن يقال: مئونتان. # فأجبت بأن ذلك جائز من وجهين، أحدهما أن العشر والخراج ينزلان منزلة شيء ~~واحد، لاتفاقهما فى أنهما من الحقوق السلطانية، فجاز أن يخبر عنهما بخبر ~~مفرد، ونظير ذلك قول حسان (¬1): # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا # قال: «ما لم يعاص» فأفرد الضمير، وإن كان لاثنين، وذلك لأن كل واحد منهما ~~بمنزلة الآخر، فجريا مجرى الواحد، ألا ترى أن شرخ الشباب هو اسوداد الشعر، ~~ولولا أنهما لاصطحابهما صارا بمنزلة المفرد، كان حق الكلام أن يقال: # يعاصيا. # وأشد من هذا القول قول القائل (¬2) يصف رجلا متعربا (¬3) فى فلاة: # أخو الذئب يعوى والغراب ومن ms237 يكن ... شريكيه يطمع نفسه شر مطمع # جعل الذئب والغراب بمنزلة الواحد، فأعاد إليهما ضميرا مفردا؛ لأنهما (¬4) ~~كثيرا PageV02P044 # ما يصطحبان فى الوقوع على الجيف، ولولا ذلك كان حقه أن يقول: ومن/يكونا ~~شريكيه، فهذا أشد من الإفراد فى بيت حسان، لأنه أفرد المضمر فى «يكن» وجاء ~~بالخبر مثنى، فهذا أحد القولين فى المسألة. # والقول الآخر: أن يكون قوله: «مئونة» خبرا عن العشر وحده، وخبر الخراج ~~محذوف، لدلالة الخبر الأول عليه، كأنه قال: العشر مئونة والخراج مئونة، ~~فحذف خبر الثانى، وإن شئت قدرت خبر الأول محذوفا، كما قال (¬1): # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف # أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثل ذلك فى حذف أحد ~~الخبرين فى التنزيل قوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (¬2) قال: # يرضوه، ولم يقل: يرضوهما، لأن الضمير عاد إلى أحد المبتدأين، إن شئت ~~أعدته إلى اسم الله تعالى، وإن شئت أعدته إلى رسوله (¬3) [ومذهب صاحب ~~الكتاب أن الضمير عائد إلى رسوله] لأنه أقرب الاسمين إليه، والخبر عن الله ~~سبحانه محذوف، ويصح هذا التقدير فى بيت حسان، ولا يصح فى البيت الآخر، ~~لمجيء الضمير فى «يكن» مفردا، ومجىء الخبر مثنى، فيصح: إن شرخ الشباب ما لم ~~يعاص كان جنونا، والشعر الأسود كذلك، ولا يصح: ومن يكن الذئب شريكيه، فلا ~~يحمل الذئب والغراب إلا على الاتحاد، لكثرة الاصطحاب. # ومما جاء فى التنزيل نظير المسألة، حذو القذة (¬4) بالقذة، قوله جل وعز: PageV02P045 # {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} (¬1) جاء الخبر مفردا، لاتفاق المال ~~والبنين فى التزيين، كاتفاق العشر والخراج، فى كونهما حقين سلطانيين، وإن ~~شئت كان على حذف أحد الخبرين، وقد جاء فيما شذ من القراءات (¬2): «زينتا ~~الحياة» بألف، على التثنية. # ... PageV02P046 ### || AUTO مسألة # سئل عن قول الله عز وجل: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها /وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} (¬1). # فقيل: ما معنى {استوى} وكيف كان قول الله لهما، وقولهما له، هل كان كخطاب ~~بعضنا لبعض، وكيف جاء {قالتا} على التثنية، وكذلك {أتينا} ms238 وجاء {طائعين} ~~على الجمع، وكيف جاء طائعين دون طائعات، مع تأنيث السماء والأرض؟ # الجواب: أن معنى استوى: عمد وقصد (¬2). # وأما التثنية فى {قالتا} وفى قوله: {ائتيا} فإن الضميرين عادا مثنيين إلى ~~لفظ السماء والأرض، لأن لفظهما لفظ الآحاد، وإن كان معناهما على الجمع، لأن ~~السماء جمع سماوة، كحمام وحمامة، وسحاب وسحابة، ألا ترى أنه قد جاء وصف ~~السحاب بالجمع فى قوله: {وينشئ السحاب الثقال} (¬3) وإن كان قد جاء وصفه ~~(¬4) بالواحد فى قوله: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض} (¬5) فالسحاب ~~والحمام والنخل والشجر، وما أشبههن مما وقع الفرق بينه وبين واحده بتاء ~~التأنيث، فليست بجموع حقيقية، وإنما هن أسماء للجمع، فلذلك يجوز فيها ~~التذكير والتأنيث، كقوله: {أعجاز نخل منقعر} (¬6) و {أعجاز نخل خاوية} (¬7) ~~ويدلك على PageV02P047 # أن السماء من هذا الباب تقع على جماعة قوله {ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات} (¬1) وكذلك قوله: {فقضاهن سبع سماوات} (¬2) بعد قوله: {ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان}. # وأما الأرض هاهنا فهى من الآحاد التى استغنى بلفظها عن لفظ الجمع، كقوله ~~تعالى: {ثم يخرجكم طفلا} (¬3) وكقوله: {والملائكة بعد ذلك ظهير} (¬4) و {في ~~جنات ونهر} (¬5) وكقول الشاعر: # كلوا فى نصف بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص (¬6) # فالمراد بالأرض هاهنا سبع أرضين، يدلك على ذلك قوله تعالى: {الله الذي ~~خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} (¬7) فالسماء والأرض هاهنا تجريان/مجرى ~~الفرقتين أو الفريقين، تقول: الفرقتان قالتا، والفريقان قالا، ولو قلت: ~~الفرقتان قالوا، كان حسنا، كما قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا} (¬8). # وجاء قوله: {طائعين} جمعا منصوبا على الحال من السماء والأرض، حملا PageV02P048 # على المعنى، كما تقول: جاء الفريقان متسلحين، وجاء الجيشان متفرقين. # وأما مجىء الحال أعنى طائعين، بلفظ جمع التذكير، ففيه قولان: # أحدهما: أن الأشياء التى أخبر (¬1) [الله عنها بأنها خوطبت وخاطبت، ~~كالسماء والأرض، والأشياء التى أخبر] عنها بالسجود، فى قوله: {إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (¬2) والنملة التى أخبر الله ~~عنها بأنها تكلمت فقالت: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده} ms239 (¬3) والنمل التى فهمت ذلك الكلام، أجريت كلها مجرى العقلاء، لأن ~~الخطاب والإجابة عنه مما يختص به العقلاء، وكذلك السجود والكلام وفهمه، مما ~~يوصف به ذوو العقول، فلذلك قال: طائعين، ولم يقل: طائعات، وقال: {رأيتهم لي ~~ساجدين}، ولم يقل: رأيتها لى ساجدات، وقال فى خطاب النملة (¬4) [للنمل] ~~{ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان} ولم يقل: ادخلن مساكنكن لا يحطمنكن. # والقول الآخر فى طائعين: أن المراد أتينا نحن ومن فينا طائعين، والقول ~~الأول أشبه. # وأما قوله: {طوعا أو كرها} فطوعا وكرها مصدران، وضعا فى موضع الحال، ~~كقولك: جئته ركضا (¬5) [أى راكضا] وقتلته صبرا، أى مصبورا، والمصبور ~~المحبوس، قال عنترة: # فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع (¬6) PageV02P049 # أى حبست عن الفرار نفسا حرة، تثبت إذا تطلعت أنفس الجبناء، فالتقدير: ~~ائتيا طائعتين أو كارهتين. # وقوله: {طوعا} مصدر طعت طوعا، كقولك: عدت/عودا، ودرت دورا، وهو بمعنى ~~أطعت إطاعة. # وأما القول فإن العرب قد تصرفت فيه على معان، فمنها أنهم نزلوه بمنزلة ~~الكلام، فعبروا به عن الصوت والحرف، وفرق النحويون بينه وبين الكلام، ~~فقالوا: # إن الكلام يتناول المفيد خاصة، والقول يقع على المفيد وغير المفيد، فهو ~~أعم، لأن كل كلام قول، وليس كل قول كلاما. # ومن معانى القول: أنهم عبروا به عن حديث النفس، فقالوا: قلت فى نفسى كذا ~~وكذا، ومن هذا الضرب فى التنزيل: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول} (¬1) والكلام لا يكون إلا بحرف وصوت، فلذلك لا يجوز: تكلمت فى نفسى، ~~كما جاز: قلت فى نفسى. # ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الاعتقاد والرأى، فقالوا: هذا قول الخوارج، ~~أى اعتقادهم ورأيهم. # ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الحركة والإيماء بالشىء، فقالوا: قال برأسه ~~كذا فنطحنى، وقال بيده كذا فطرف عينه، وقالت النخلة هكذا (¬2) فمالت، ~~فعبروا بالقول عن الفعل الذى هو حركة. # وقد أسندوا القول إلى مالا يصح منه نطق من (¬3) الجمادات وغيرها، كقول ~~الراجز: PageV02P050 # امتلأ الحوض وقال قطنى ... سلا رويدا قد ملأت بطنى (¬1) # وإنما أراد أن الحوض لما امتلأ فلم تبق فيه سعة لزيادة، عبر ms240 عنه بأنه قال: # قطنى، أى حسبى، فسل الماء منى سلا رفيقا، فقد ملأت بطنى، وإنما أراد أنه ~~لو كان للحوض عقل وصح منه نطق، لقال هذا القول، ومثله قول الآخر: # فقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا كالدر لما يثقب (¬2) # المعنى أنه لما أراد انهمال عينيه بالدمع، فوافق انهمالهما إرادته، عبر ~~عن ذلك بالقول تشبيها، فكأنه قال لهما: انهملا فقالتا سمعا وطاعة، وكذلك ~~القول/ فى الآية، وهو أن الله جل جلاله، عمد إلى السماء وهى دخان، وإلى ~~الأرض وهى زبد، فأراد أن يكونهما على غير الوصفين اللذين كانتا عليهما، ~~فتكونتا بإرادته، على الوصفين اللذين هما الآن عليهما، فعبر عن إرادته بأنه ~~قال لهما: ائتيا طوعا أو كرها، وعبر عن انقيادهما لمشيئته، بأنهما قالتا: ~~أتينا طائعين. PageV02P051 ### | CHECK المجلس التاسع والثلاثون اسم الفاعل إذا جرى على غير من هوله # المجلس التاسع والثلاثون # اسم الفاعل (¬1) إذا جرى على غير من هوله # ، خبرا أو وصفا، لزمك إبراز ضمير المتكلم والمخاطب والغائب، مخافة اللبس، ~~وليس كذلك الفعل؛ لأن ما فى أوائل الأفعال المضارعة، من الزوائد الدالة على ~~المتكلمين والمخاطبين والغائبين، وما يتصل بأواخر الأفعال الماضية، من ~~الضمائر الموضوعة لهؤلاء الفرق الثلاث، يمنع من اللبس، كقولك فى المضارع، ~~إذا عنيت نفسك أو مخاطبا: زيد أكرمه، وجعفر تكاتبه، وفى الماضى: زيد ~~أكرمته، وجعفر كاتبته، ألا ترى أن هذا كلام غير مفتقر إلى إبراز الضمير، ~~الذى هو أنا وأنت، لدلالة حرف المضارعة عليهما، وللاستغناء فى الماضى بتاء ~~المتكلم وتاء المخاطب عنهما، ولو قلت: زيد مكرمه، وجعفر مكاتبه، لم يدل ~~مكرمه ومكاتبه على ما دل عليه أكرمه وتكاتبه، وأكرمته وكاتبته، فلزمك أن ~~تقول: مكرمه أنا، ومكاتبه أنت، ولو قلت: زيد مكرمى، وجعفر مكاتبك، لم يلزمك ~~إبراز المضمر (¬2) فيه، لأنه قد جرى خبرا على من هوله، وكذلك تقول: زيد ~~نكرمه، وجعفر أكرمناه، فلا تضطر إلى إبراز الضمير، فإن قلت: زيد مكرموه، ~~وجب أن تقول: نحن. # وكذلك قولك: زيد تكرمونه، كلام مستقيم، فإن وضعت فى موضع تكرمونه اسم ~~الفاعل، قلت: مكرموه أنتم. ms241 PageV02P052 # وتقول فى إضمار الغائب: زيد جعفر مكرمه هو، فزيد (¬1) مبتدأ وجعفر مبتدأ ~~ثان، أخبرت عنه باسم الفاعل، الذى هو مكرمه، /واسم الفاعل لزيد، فلزمك ~~إبراز الضمير، مخافة الالتباس، فإن كان مكرمه لجعفر، لم يلزمك إبراز ~~الضمير، لأنك أخبرت به عمن هوله. # والفعل فى هذه المسألة بمنزلة اسم الفاعل، تقول: زيد جعفر يكرمه هو، إذا ~~جعلت يكرمه لزيد، وزيد جعفر يكرمه، إذا جعلته لجعفر. # وتقول: هند زيد تكرمه، فلا تبرز ضميرها المستتر فى الفعل، فإن قلت: # هند زيد مكرمته، قلت: هى، فأبرزت ضميرها، كما أبرزت ضمير زيد، فى قولك: ~~زيد جعفر مكرمه هو. # فإن قيل: إنما أبرزنا المضمر (¬2) فى قولنا: زيد جعفر مكرمه هو، مخافة ~~اللبس، وليس فى قولنا: هند زيد مكرمته، لبس، لأن تأنيث اسم الفاعل يشهد ~~بأنه لهند، كما يشهد التأنيث فى قولنا: هند زيد تكرمه. # فالجواب: أنه لما لزمنا إبراز الضمير من اسم الفاعل فيما يخاف فيه اللبس، ~~أبرزناه فيما لا يخاف اللبس فيه، ليستمر بابه على قياس واحد، ألا ترى أنهم ~~حذفوا الواو من مضارع وعد، لوقوعها بين ياء وكسرة، فقالوا: يعد، ثم حملوا ~~الهمزة والنون والتاء على الياء، فقالوا: أعد ونعد وتعد، وليس فيهن مع ~~الكسرة ما فى الياء من الثقل، ولكنهم أرادوا أن يستمر الباب على سنن واحد، ~~ومثل هذا استثقالهم اجتماع الهمزتين فى مضارع أفعل، نحو أكرم وأحسن، كرهوا ~~أن يقولوا: أأكرم، كما قالوا: PageV02P053 # أدحرج، فحذفوا الهمزة، فأصاروه إلى أكرم (¬1)، واعتمدوا حذفها مع بقية ~~حروف المضارعة، فقالوا: نكرم وتكرم ويكرم، مع عدم الثقل الذى كرهوه فى ~~اجتماع الهمزتين. # وتقول فى الوصف باسم الفاعل: مر زيد بامرأة مكرم لها هو، ومرت هند برجل ~~مكرمة له هى، فإن استعملت فى موضعه الفعل قلت: مر زيد بامرأة يكرمها، ومرت ~~هند برجل تكرمه، فلم تحتج إلى إبراز الضمير من الفعل، وتقول فى التثنية: ~~مر/الزيدان بامرأتين مكرمين لهما هما، وفى الجمع: مر الزيدون بنساء مكرمين ~~لهن هم، ومرت الهندات برجال مكرمات لهم هن. # وإذا عرفت هذا، فاعلم أن قول ms242 النحويين: أبرزت الضمير، يريدون أخليت اسم ~~الفاعل من المضمر المستكن فيه، وأسندته إلى هذا الضمير الملفوظ به، فنزلته ~~منزلة الفاعل الظاهر، فليست هذه الضمائر كالضمائر المؤكدة للضمائر ~~المستكنة، كقولك: زيد منطلق هو، وهند جالسة هى، والهندان جالستان هما، ~~والقوم جالسون هم، والهندات جالسات هن، وكذلك حكم الفعل الذى يبرز فاعله، ~~إذا قلت: زيد جعفر يكرمه هو، فجعلت يكرمه لزيد، وذلك لأنك أخبرت به عن غير ~~من هو له، فهو الآن خال من ضمير مستكن، واسم المفعول حكمه فى هذا الإضمار ~~حكم اسم الفاعل، تقول: هند زيد محمولة إليه هى، وزيد هند محمول إليها هو. # قال أبو إسحاق الزجاج، فى قول الله عز وجل: {إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ~~غير ناظرين إناه} (¬2): غير منصوبة على الحال، المعنى إلا أن يؤذن لكم غير PageV02P054 # منتظرين، قال: «ولا يجوز الخفض فى غير، لأنها إذا كانت نعتا لطعام، لم ~~يكن بد من إظهار الفاعل، فلا يجوز إلا: غير ناظرين إناه أنتم». أراد أن ~~غيرا مضاف إلى اسم الفاعل، فلو وصف به الطعام أجرى (¬1) على غير من هو له، ~~فوجب إبراز الضمير الذى فى ناظرين. # ومعنى إناه: نضجه (¬2) وبلوغه، يقال: أنى يأنى إنى: إذا نضج وبلغ، وقد ~~جاء نظرت بمعنى انتظرت، وهذا منه، ومنه: {هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ~~بغتة} (¬3) أى ينتظرون. # واعلم أن الكوفيين خالفوا البصريين، فى التزام إبراز الضمير إذا جرى على ~~غير من هو له، خبرا أو نعتا، واحتجوا بقول الأعشى (¬4): # وإن امرأ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة ويهماء سملق PageV02P055 # لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أن المعان موفق # قالوا: وقد أجرى اسم المفعول، وهو قوله: «لمحقوقة» على اسم إن، خبرا، وهو ~~للمرأة (¬1) المخاطبة. # ودفع أبو علي هذا الاعتراض، بأن قال: ليس فى قوله: «لمحقوقة» ضمير، لأنه ~~مسند إلى المصدر، الذى هو «أن تستجيبى» فالتقدير: لمحقوقة استجابتك، فجعل ~~التأنيث فى قوله: «لمحقوقة» للاستجابة. # والموماة: الأرض التى ليس فيها ماء. # واليهماء: التى لا طريق بها (¬2) # والسملق: الأرض المستوية، ويقال أيضا: عجوز ms243 سملق: إذا كانت سيئة الخلق. # ... قال أبو علي فى باب تخفيف الهمزة (¬3): «ولا تخفف الهمزة إلا فى موضع ~~يجوز أن يقع فيه ساكن غير مدغم، إلا أن يكون الساكن الذى بعده (¬4) الهمزة ~~المخففة الألف، نحو هباءة». PageV02P056 # قلت: قد ألغز فى كلامه هذا، وما وجدت لأحد من مفسرى كتابه، الذى وسمه ~~بالإيضاح (¬1)، تفسير هذا الكلام، ولكنهم حادوا عنه إلى تفسير قوله بعد: # «فإن الألف احتملت ذلك لزيادة المد فيها، واختصاصها بما لا يكون فى الياء ~~والواو، كاختصاصها بالتأسيس، وانفرادها بالردف» وأنا بمشيئة الله أكشف لك ~~من غامضه. # فأقول: إن مراده بهذا أنه لا يجوز تخفيف الهمزة بين بين، إلا إذا وقعت ~~بعد حرف متحرك، وذلك فى نحو: سأل ولؤم وسئم (¬2)، وإنما لم يجز أن تخفف بين ~~بين إذا وقعت بعد حرف ساكن، فى نحو: يسأل ويلؤم ويزئر (¬3)، مضارع زأر ~~الأسد، لأنها إذا انفتحت جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا انضمت جعلتها ~~بين/الهمزة والواو الساكنة، وإذا انكسرت جعلتها بين الهمزة والياء الساكنة، ~~ولذلك قال سيبويه (¬4): ألا ترى أنك لا تتم الصوت هاهنا وتضعفه، لأنك ~~تقربها من الساكن، ولولا ذلك لم يدخل الحرف وهن. انتهى كلامه. # وإذا قربتها من الساكن، لم يجز أن تأتى بها بعد حرف ساكن، كما لا يجوز أن ~~تجمع بين ساكنين، فإذا كان الساكن الذى قبل الهمزة ألفا، جاز تخفيفها بعده ~~بين بين، لأن زيادة المد الذى فى الألف يقوم مقام الحركة، ولا يكون ذلك فى ~~الواو والياء الساكنتين، فى نحو: مكلوءة (¬5) وخطيئة، وساغ فى نحو هباءة؛ ~~لأن الألف أمكن منهما فى المد، من حيث (¬6) لا يفارق المد، والواو والياء ~~يتحرك ما قبلهما بحركة PageV02P057 # لا تجانسهما، فضعف بذلك مدهما، كالواو فى سوء ونوء، والياء فى شيء وفىء، ~~ولذلك انفردت الألف بوقوعها ردفا فى القصيدة، كقول القائل: # قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار (¬1) # لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ... ولا تكف يد عن حرمة الجار # فلو وضعت فى هذه القافية مع الجار: النور أو الخير، كان خطا ms244 بإجماع ~~العرب، فالواو والياء يجيئان ردفين فى القصيدة، وربما جاءا فى بيت كقوله (¬2): # أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير # واختصت الألف بكونها تأسيسا، وذلك أن يكون بينها وبين الحرف المسمى رويا، ~~حرف لقبه القوافيون الدخيل، كالزاى من المنازل، فى قول ذى الرمة: (¬3) # خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بوعساء حزوى فابكيا فى المنازل # والردف: كل حرف مد قبل الروى، بغير فصل. # وإنما قال: «ساكن (¬4) غير مدغم»، تحرزا من الياء والواو الساكنين، وذلك ~~أن الساكن المدغم يصح وقوعه/بعدهما، كقولهم في تحقير أصم: أصيم، وفى تفوعل ~~من المد: تمود (¬5) الثوب، فلهما بذلك مزية على السواكن الصحيحة، PageV02P058 # وللألف عليهما مزية، بوقوع الساكن غير المدغم بعدها، فى قراءة من قرأ ~~{محياي ومماتي} (¬1) بسكون الياء من {محياي} وإذا صح وقوع الساكن غير ~~المدغم بعدها، فوقوع المدغم أصح وأمكن، كقولهم: دابة وشابة (¬2)، فلذلك جاز ~~أن تخفف الهمزة بعدها بين بين، كما تخفف بعد الحرف الصحيح، إذا تحرك فى نحو ~~ما مثلته لك من قولهم: سأل ولؤم وسئم، فإذا خففتها مفتوحة بعد الألف، ~~جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا خففتها مضمومة بعدها، جعلتها بين الهمزة ~~والواو الساكنة، وإذا خففتها مكسورة بعدها، جعلتها بين الهمزة والياء ~~الساكنة، فالأولى فى نحو: تساءلنا، والثانية فى نحو: التساؤل، والثالثة فى ~~نحو: المسائل. # وقال سيبويه (¬3) فى هذا الفصل: واعلم أنه لا يجوز أن تجعل الهمزة بين ~~بين إلا فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، إلا الألف وحدها، لأنك تجيز ذلك ~~فيها، لأن الألف يكون بعدها الساكن. # فقوله: لا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين إلا فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، ~~معناه أنك لا تخففها إلا بعد متحرك، ولا تخففها بين بين بعد ساكن، لأن ~~الساكن لا يجتمع مع الساكن، وكذلك لا يجتمع مع ما قرب إلى الساكن، ثم ~~استثنى الألف من السواكن، لأن الساكن يقع بعدها، كما يقع بعد المتحرك. # فاعرف ما ذكرته فى هذا الفصل، فإنه فى كلام أبى علي أغمض منه فى كلام ~~سيبويه. # ... PageV02P059 ### || AUTO فصل ms245 # فى الحذوف الواقعة بالأسماء والأفعال والحروف # فالأسماء التى وقع بها الحذف ثلاثة عشر ضربا، الأول: المبتدأ وخبره. # /والثانى: خبر كان وإن ولا، والثالث: المفعول به، والرابع: المضاف، ~~والخامس: الموصوف، والسادس: المنادى، والسابع: المفسر، والثامن: الضمير ~~العائد إلى الموصول، والتاسع: العائد إلى الموصوف، والعاشر: العائد إلى ~~المبتدأ، والحادى عشر: المضاف إليه فى باب الغايات، والثانى عشر: ياء ~~المتكلم، والثالث عشر: الاسم الذى ينوب عنه الظرف، خبرا وصفة وحالا. # فمما جاء فيه حذف المبتدأ قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ~~البلاد. متاع قليل (¬1)} (¬2) [تقديره: تقلبهم متاع قليل، أو ذاك متاع ~~قليل] ومثله: # {فصبر جميل} (¬3) أى شأنى صبر جميل، ومثله: {وما أدراك ما الحطمة. نار ~~الله الموقدة} (¬4) التقدير: الحطمة نار الله الموقدة، وجاء الحذف فى قوله ~~تعالى: {طاعة وقول معروف} (¬5) فقيل: تقديره: أمرنا طاعة، واحتج صاحب هذا ~~القول بقول الشاعر (¬6): # فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود PageV02P060 # فقال: قد أظهر الشاعر المبتدأ المحذوف فى الآية. # والقول الآخر: أن قوله: {طاعة} مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: # طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما (¬1). # ويقول القائل: الهلال والله (¬2)، أى هذا الهلال، وكذلك تقول على التوقع ~~والانتظار: زيد والله، أى هذا زيد، واسم الإشارة الذى هو «هذا»، كثيرا ما ~~يحذف مبتدأ، لأن حذفه كالنطق به، لكثرته على الألسنة، فمما جاء حذفه فيه فى ~~التنزيل قوله: {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر} (¬3) أى هذا سحر، وقوله: # {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} (¬4) أراد: ~~هذا بلاغ، فحذف الذى أظهره فى قوله: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به} (¬5) ~~ومثله: {سورة أنزلناها} (¬6) أى هذه سورة أنزلناها. # ويقول لك القائل: من عندك؟ فتقول: زيد، أى زيد عندى، فتحذف الخبر، ويقول: ~~من/جاءك؟ فتقول: أخوك، تريد أخوك جاءنى، قال الله سبحانه: {ولئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله} (¬7) أى الله خالقنا، وتقول: زيد PageV02P061 # أكرمت أباه وجعفر، أردت: وجعفر أكرمت أباه، فحذفت خبر الثانى لدلالة خبر ~~الأول عليه، كما حذف خبر المبتدأ الموصول المعطوف، ms246 لدلالة خبر الموصول ~~الأول عليه، فى قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} (¬1) فقوله: {إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر} جملة شرطية، وقعت خبرا للمبتدإ الذى هو {اللائي يئسن من المحيض} وقوله: # {واللائي لم يحضن} مبتدأ ثان محذوف الخبر، وتقديره: واللائي لم يحضن ~~فعدتهن ثلاثة أشهر. # ومن الأخبار التى ألزموها الحذف، خبر المبتدأ الواقع بعد لولا، فى قولك: # لولا زيد لعاقبتك، تريد: لولا زيد موجود أو حاضر، وإنما ألزموا هذا الخبر ~~الحذف، لطول الكلام بجواب لولا، ومثله حذف الخبر فى قولهم: لعمر الله ~~لأفعلن، وليمن الله لأذهبن، تريد: لعمر الله المقسم به، وكذلك ليمن الله ~~المحلوف به، ولكن قولك: لأفعلن ولأذهبن، طول الكلام، فحسن لذلك حذف الخبر، ~~ومثل هذا سد الفاعل مسد الخبر فى نحو: أذاهب أخواك؟ فذاهب مبتدأ، ارتفع ~~أخواك به، ارتفاع الفاعل بإسناد الفعل إليه، فى قولك: أيذهب أخواك؟ ولما ~~تنزل اسم الفاعل منزلة الفعل، وارتفع الاسم بعده به، على حد ارتفاعه، أغنى ~~ذلك عن تقدير خبر هذا المبتدأ، ولم يصح الإخبار عنه لفظا ولا تقديرا، كما ~~لا يصح الإخبار عن الفعل. # ومما حذف خبره لدلالة المعنى عليه، المبتدأ الذى هو «أنت» فى قول ذى ~~الرمة (¬2): PageV02P062 # هيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آنت أم أم سالم # أراد: أأنت أم أم سالم أحسن؟ # ومثال حذف (¬1) خبر كان، أن يقول لك: من كان/فى الدار؟ فتقول: # كان أبوك، فتحذف الظرف، ويقول: من كان قائما؟ فتقول: كان حموك، فتحذف ~~«قائما» وجاء حذف خبر «إن» فى قول الأعشى (¬2): # إن محلا وإن مرتحلا ... وإن فى السفر إذ مضوا مهلا # أراد: إن لنا محلا، وإن لنا مرتحلا، وقال الأخطل (¬3): # سوى أن حيا من قريش تفضلوا ... على الناس أو (¬4) أن الأكارم نهشلا # أراد: أو أن الأكارم نهشلا تفضلوا على الناس، والبيت آخر القصيدة (¬5). # وقال أبو عبيد (¬6) فى حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن ~~المهاجرين PageV02P063 # قالوا: يا رسول الله، إن الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا، وفعلوا ms247 بنا ~~وفعلوا، فقال: # «ألستم تعرفون ذلك لهم؟ قالوا: بلى (¬1)، قال: فإن ذلك» (¬2). قوله: «فإن ~~ذلك» معناه: # فإن ذلك مكافأة منكم لهم، أى معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة لهم، وهذا ~~كحديثه الآخر: «من أزلت إليه نعمة فليكافئ بها فإن لم يجد فليظهر ثناء ~~حسنا» (¬3) فقوله عليه السلام: «فإن ذلك» يريد به هذا المعنى. # قال أبو عبيد: وهذا اختصار من كلام العرب (¬4)، يكتفى منه بالضمير، لأنه ~~قد علم ما أراد به قائله. # وروى أن رجلا جاء (¬5) إلى عمر بن عبد العزيز، فجعل يمت بقرابته، فقال ~~عمر: فإن ذاك، ثم ذكر له حاجته فقال: لعل ذاك. لم يزده على أن قال: فإن ~~ذاك، ولعل ذاك، أى إن ذاك كما قلت، ولعل حاجتك أن تقضى، وقال ابن قيس ~~الرقيات. PageV02P064 # بكرت على عواذلى ... يلحيننى وألومهنه (¬1) # ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه # أى إنه قد كان ما يقلن. انتهى كلام أبى عبيد. # وأقول: إن بعض النحويين (¬2) جعل «إن» فى هذا البيت بمعنى نعم، وجعل ~~الهاء/للسكت، ومثله فى استعمال «إن» بمعنى نعم قول الآخر: # قالوا غدرت فقلت إن وربما ... نال المنى وشفى الغليل الغادر (¬3) # والهاء فى تفسير أبى عبيد ضمير الشأن (¬4). # وجاء حذف خبر «لا» فى قولهم: لا بأس (¬5) [يريدون: لا بأس] عليك، وكذلك ~~قولنا: «لا إله إلا الله» تقدير الخبر: لا إله لنا، أو فى الوجود إلا الله ~~(¬6)، PageV02P065 # وقوله تعالى: {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} (¬1) التقدير: ولا خلة فيه ~~ولا شفاعة فيه، فحذف خبر الثانية والثالثة، لدلالة الخبر الأول [عليهما ~~(¬2)] وكذلك خبر لا المشبهة بليس، فى قوله: # من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (¬3) # وقد تقدم ذكر ذلك. # فأما حذف المفعول فكثير فى باب إعمال الفعلين، كقولك: أكرمت وأكرمنى زيد، ~~أردت: أكرمت زيدا وأكرمنى زيد، فحذفت مفعول الأول لدلالة فاعل الثانى عليه، ~~وقريب من هذا حذف مفعول الثانى لدلالة مفعول الأول عليه، فى قوله تعالى: ~~{والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} (¬4) ~~التقدير: والحافظات فروجهن، والذاكرات الله كثيرا. # ومما حذف ms248 لدلالة ما قبله عليه، المنصوب فى قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسماوات} (¬5) أراد: والسموات غير السموات. # وحذف المفعول يكثر للعلم به، وذلك لاقتضاء الفعل له كقوله: # {ما ودعك ربك وما قلى} (¬6) أراد: وما قلاك (¬7)، وكذلك: {ألم يجدك يتيما ~~فآوى} أى فآواك، {ووجدك ضالا فهدى} أى فهداك، {ووجدك عائلا فأغنى} أى ~~فأغناك. PageV02P066 # وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكثير جدا، وقد قدمت (¬1) ذكر ~~طرف منه، وذلك نحو قولهم: «صلى المسجد»، أى أهل المسجد، ومنه قول/مهلهل بن ربيعة: # نبئت أن النار بعدك أو قدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس (¬2) # أراد: استب أهل المجلس، ومنه: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} (¬3) أى إلى أهل ~~مدين، ألا ترى أن الضمير الذى هو الهاء والميم فى {أخاهم} لا يعود على ~~{مدين} نفسها، وإنما يعود على أهلها، وقد أظهر هذا المحذوف فى موضع آخر، ~~وهو قوله: {وما كنت ثاويا في أهل مدين} (¬4) ومنه قول حميد بن ثور (¬5): # قصائد يستحلى الرواة نشيدها ... ويلهو بها من لاعب الحى سامر # يعض عليها الشيخ إبهام كفه ... ويخزى بها أحياؤكم والمقابر # أى: وأهل المقابر، ومنه: {وسئل القرية التي كنا فيها} (¬6) أى أهل القرية ~~{والعير التي أقبلنا فيها} أى أصحاب العير {ولكن البر من آمن بالله} (¬7) ~~أى بر من آمن بالله، وإن شئت قدرت: ولكن ذا البر من آمن بالله، ومنه {الحج ~~أشهر معلومات} (¬8) أى أشهر الحج أشهر معلومات، وإن شئت قدرت: الحج حج أشهر ~~معلومات، ومن ذلك قول النابغة: PageV02P067 # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى المطارة عاقل (¬1) # أى على مخافة وعل، ومنه قول الآخر: # كأن خزا تحته وقزا ... وفرشا محشوة إوزا (¬2) # أى ريش إوز، ومثله: # أنا أبو شرفاء مناع الخفر (¬3) # أى مناع ذوات الخفر، يعنى النساء، ومنه قولهم: الليلة الهلال، أى طلوع ~~الهلال، ومن رفع الليلة، أراد الليلة ليلة الهلال، ومثل النصب فى الليلة، ~~النصب فى اليوم وغد، من قولهم (¬4): «اليوم خمر وغدا أمر» أى اليوم شرب ~~خمر، وغدا حدوث أمر. # /وأما حذف الموصوف وإقامة الصفة ms249 مقامه، فكقولهم: صلاة الأولى (¬5)، ومسجد ~~الجامع، أى صلاة الساعة الأولى من زوال الشمس، ومسجد الوقت الجامع، أو ~~اليوم الجامع، ومنه {حق اليقين} (¬6) {وحب الحصيد} (¬7) أى حق العلم ~~اليقين، وحب النبت الحصيد، ومن ذلك دار الآخرة، قال أبو العباس محمد بن ~~يزيد، فى قول الله سبحانه: {ولدار الآخرة خير} (¬8) إن المراد: ولدار ~~الساعة PageV02P068 # الآخرة، قال: لأن الساعة مراد بها يوم القيامة، وكذلك قال أبو على الحسن ~~بن أحمد، فى الإيضاح (¬1)، وخطر لى فى تقدير إضافتها أن التقدير: ولدار ~~الحياة الآخرة، وقوى ذلك عندى قوله: {متاع الحياة الدنيا} (¬2) وقوله: {وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (¬3) فالحياة الدانية نقيض الحياة الآخرة. # ومن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله: {وذلك دين القيمة} (¬4) أى دين ~~الأمة (¬5) القيمة، ومثله: {أن اعمل سابغات} (¬6) أى دروعا سابغات. # وجاء حذف المنادى فى قراءة من قرأ: (ألا يا اسجدوا لله (¬7)) أراد: ألا ~~يا هؤلاء اسجدوا لله، ومثله: # يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار (¬8) PageV02P069 # أراد: يا هؤلاء لعنة الله على سمعان، وأنشد سيبويه (¬1): # ألا يا إننى سلم ... لأهلك فاقبلى سلمى # أراد: ألا يا هذه. # وحذف المفسر كقولهم: الكر (¬2) بعشرين، يريدون: بعشرين دينارا، فحذفوا ~~المفسر للعلم به. # ... PageV02P070 ### | AUTO المجلس الموفى الأربعين # يتضمن ما بقي من ذكر حذف الاسم # ، وضروبا من ذكر حذف الفعل. # أما حذف الضمير العائد إلى الموصول من صلته، فحسن (¬1) كثير فى التنزيل، ~~/كقوله: {أهذا الذي بعث الله رسولا} (¬2) و {ذرني ومن خلقت وحيدا} (¬3) يريد: # بعثه (¬4)، وخلقته، ومنه قوله تعالى: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم} (¬5) حذف «ها» من «كتبها» كما حذف «هم» من قوله: {وسلام على ~~عباده الذين اصطفى} (¬6). # وجاء حذف العائد من جملة الصفة إلى الموصوف، فى قول جرير: # أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (¬7) # حذف الهاء من «حميته» ومثله للحارث بن كلدة الثقفى: # فما أدرى أغيرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا (¬8) # أراد: أصابوه، وفى التنزيل: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} (¬9) PageV02P071 # أراد: لا تجزى فيه، فحذف ms250 الجار والمجرور المقرين فى قوله تعالى: {واتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله} (¬1) والعرب تقول فى أشهر الشتاء (¬2): «شهر ثرى ~~وشهر ترى وشهر مرعى» فالأول حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو ثرى، والثرى: ~~التراب الندى، والثانى حذفوا منه العائد إلى الموصوف، وحذفوا معه المفعول، ~~أى شهر ترى فيه أطراف العشب، والثالث كالأول، حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو مرعى. # وأما حذف الهاء من خبر المبتدأ، فقد جاء وهو ضعيف، قالوا فيما رواه ~~النحويون: زيد ضربت، وجاء فى شعر امرئ القيس: # فلما دنوت تسديتها ... فثوب نسيت وثوب أجر (¬3) # أراد: فثوب نسيته، وثوب أجره، ومعنى تسديتها: ركبتها، وأنشد سيبويه: # قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع (¬4) # أراد: لم أصنعه، وكذلك أنشدوا برفع «كل»: # ثلاث كلهن قتلت عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود (¬5) # ومنه قراءة ابن عامر: «وكل وعد الله الحسنى» (¬6) رفع «كلا» بتقدير: # وعده الله. # /وإنما ضعف حذف العائد من الخبر، لأن الجملة التى تقع خبرا عن المبتدأ PageV02P072 # إنما هى حديث عنه وأجنبية منه، فالعائد منها يعلقها به، ولكنهم شبهوها ~~بالجملة التى تقع وصفا، كما شبهوا جملة الصفة بجملة الصلة، من حيث كانت ~~الصفة توضح الموصوف كما توضح الصلة الموصول، إلا أن الموصول يلزمه أن يوصل، ~~والموصوف لا يلزمه أن يوصف. # وإنما حسن وكثر حذف العائد من الصلة، لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم ~~مفرد، فالصلة منه كبعض أجزاء كلمة، فهى كالفاء والراء من جعفر، فإذا قلت: # الذى أكرمه أخوك زيد، فقد تنزلت أربعة أشياء منزلة اسم مفرد، وهى الذى ~~والفعل وفاعله ومفعوله، وهو الضمير العائد، فآثروا التخفيف بحذف بعض ~~الأربعة (¬1)، وكان الضمير أولى بالحذف، لأن المفعول فضلة، وقد ورد حذفه فى ~~غير الصلة كثيرا حسنا، كما أريتك آنفا، فى نحو قوله تعالى: {ما ودعك ربك ~~وما قلى} (¬2) فكان حذفه من الصلة لهذه العلة أقوى من حذفه من الصفة، وحذفه ~~من الصفة أقوى من حذفه من الخبر. # وأما حذف ياء المتكلم فحسن، لدلالة الكسرة قبلها عليها، وإنما يكون ذلك ~~فى النداء، ms251 لأن النداء مما يكثر فيه الحذف والتغيير، لكثرة استعماله، ألا ~~ترى أن المخبر يقدم النداء على إخباره، فيقول: يا زيد قد كان كذا، وكذلك ~~المستخبر يقول: يا فلان هل زيد عندك؟ وكذلك الآمر والناهى، فلما كثر النداء ~~فى كلامهم جدا، كثر التغيير فيه بالحذف تخفيفا، ولذلك اختص به الترخيم، ~~فإذا ناديت غلامك فأفصح الأوجه فيه أن تقول (¬3): يا غلام، فتجتزئ بالكسرة ~~من الياء، ومثله: {يا عباد فاتقون} (¬4) و {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} ~~(¬5) والأصل: PageV02P073 # يا غلامى، بفتحها، قياسا لها على كاف الخطاب، ومن قال: يا غلامى، ~~بإسكانها، فلأن السكون أخف من الحركة الخفيفة، ومن حذفها واجتزأ بالكسرة، ~~جاء بتخفيف/ثان، كما أن من قال: يا غلاما، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ~~ألفا، جاء بتخفيف أكثر من الأول والثانى، فرارا من ثقل الكسرة والياء، إلى ~~خفة الفتحة والألف، وقد قرئ فى سورة الزخرف بالأوجه الثلاثة، فتحها ~~وإسكانها وحذفها، من قوله: {يا عباد لا خوف} (¬1). # وأما حذف المضاف إليه فى الغايات فمثاله: جئت قبل، وجئت يا فلان بعد، ~~أصله: جئت قبلك، وجئت بعدى، فحذفت المضاف إليه، فاستحق الظرف البناء، لأن ~~المحذوف كجزء منه، لأنه يقتضيه، فتنزل بعد حذفه منزلة بعض كلمة، فأشبه ~~الحرف الذى جاء لمعنى، وبنوه على حركة، لأنهم لما نقلوه من الإعراب إلى ~~البناء، لم يكونوا ليبنوه على أضعف وجوه البناء، فيسووا بينه وبين ما بنى ~~فى أصل وضعه، كمن وكم. # ومن قال إن الحركة فى قبل وبعد لالتقاء الساكنين، عورض بما ليس فيه ~~التقاء ساكنين من الغايات، كقولهم: جئت من عل، وابدأ بهذا أول، كما قال (¬2): # لعمرك ما أدرى وإنى لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول # وإنما بنوا هذا الضرب على الضمة دون الفتحة والكسرة، لأنه إنما يعرب PageV02P074 # بالنصب والخفض، دون الرفع، فلو بنوه (¬1) على أحدهما التبست حركة بنائه ~~بحركة إعرابه، وفى التنزيل: {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا} (¬2) وفيه {لله الأمر من قبل ومن بعد} (¬3) أى من قبل غلبهم ومن بعد ~~غلبهم، فلما ms252 حذف ما أضيفا إليه بنيا. # فهذان الظرفان أصل الغايات، وما عداهما من الظروف محمول عليهما، وإنما ~~سميت غايات؛ لأن المضاف إليه كان غاية كلامك، كقولك: جئت قبل زيد وبعد ~~محمد، فلما حذفت المضاف إليه صار المضاف غاية كلامك ومنتهاه. # والمضاف من هذا الضرب يتعرف بالمضاف إليه/محذوفا، كما كان يتعرف به ~~مذكورا؛ لأنك تنويه وتقدره، تقول: جاء زيد قبل جعفر، وجاء خالد بعد، أردت ~~بعده، أى بعد جعفر، فحذفته وأنت تريده، وتقول: جاء القوم وأخوك خلف، ومحمد ~~قدام، تريد: خلفهم وقدامهم، أنشد أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف ~~بالزاهد، قال: أنشدنا (¬4) [أبو العباس أحمد بن يحيى، قال: # أنشدنا] أبو عبد الله بن الأعرابى: # ألبان إبل تعلة بن مسافر ... ما دام يملكها علي حرام (¬5) PageV02P075 # وطعام حجناء بن أوفى مثلها ... ما دام يسلك فى البطون طعام (¬1) # إن الذين يسوغ فى أحلاقهم ... زاد يمن عليهم للئام # لعن الإله تعلة بن مسافر ... لعنا يشن عليه من قدام # أراد من قدامه، فلما حذف الهاء بناه. # الحلق: يجمع حلوقا، على القياس، وجمعه على أفعال شاذ، كزند وأزناد، وفرد ~~وأفراد، وفرخ وأفراخ، قال الأعشى (¬2): # وزندك أثقب أزنادها # أثقب: من ثقبت النار، بتشديد القاف: إذا أذكيتها، وقال الحطيئة (¬3): # ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر # وقد كثر فى فعل: أفعال، وإن كان خارجا عن القياس، فجاء فى حبر: # أحبار، ونطق به التنزيل (¬4)، وجاء مع ما ذكرناه من زند وفرد وفرخ: أهل ~~وآهال، ولحظ وألحاظ، وسمع وأسماع، واتسع فى المضاعف، فقيل فى رب وجد وعم ومن: # أرباب وأجداد وأعمام وأمنان (¬5). وأما أفنان فجمع فنن، وهو الغصن، لا ~~جمع فن، وفى PageV02P076 # التنزيل: {ذواتا أفنان} (¬1) وإنما جمعوا الفن على القياس، فقالوا: فنون، ~~كصك، وصكوك، وبت وبتوت، وهو الكساء الغليظ. # وقوله: «يشن عليه» أى يصب عليه، من قولهم: شننت على الماء. # /وأما حذف الاسم الذى ينوب عنه الظرف، خبرا وصفة وحالا، فمثال الخبر: زيد ~~خلفك، أى مستقر (¬2) خلفك، وكذلك الرحيل يوم السبت [أى كائن (¬3) يوم ~~السبت] ومثال الصفة: ms253 مررت برجل عند زيد، وبقوم حول جعفر، التقدير: # مستقر عند زيد، ومستقرين حول جعفر، ومثال الحال: مررت بزيد قدام بكر، أى ~~مستقرا قدام بكر، وهذا جعفر خلف محمد، أى كائنا خلف محمد، إذا كانا ماشيين ~~أو راكبين، ومستقرا خلف محمد، إذا كانا جالسين. # واسم الفاعل فى هذا الموضع مما رفضوا إظهاره تخفيفا، وللعلم به، فحذفوه ~~وأنابوا الظرف منابه، وانتقل الضمير الذي فيه إلى الظرف، فتضمنه الظرف، ~~وحسن العطف عليه والتوكيد له بالضمير المنفصل، تقول: مررت برجل قدامك هو ~~وبكر، وقد أكده كثير بن عبد الرحمن بأجمع، فى قوله: PageV02P077 # فإن يك جثمانى بأرض سواكم ... فإن فؤادى عندك الدهر أجمع (¬1) # ليس قبل «أجمع» ما يصح أن يحمل عليه إلا اسم إن، والضمير الذى فى الظرف ~~والدهر، فاسم إن والدهر منصوبان، فبقى حمله على المضمر فى قوله: # «عندك» وإنما أضمر فيه لكونه خبرا، فالتقدير: مستقر عندك أجمع. # ... PageV02P078 ### || AUTO فصل # أما الحذف الواقع بالفعل، فإنه ينقسم إلى ستة أضرب، الأول: حذفه على ~~شريطة التفسير، والثانى: حذفه مع إن، والثالث: حذفه للدلالة عليه، والرابع: # حذفه مع أما، والخامس: حذفه جوابا، والسادس: حذفه اختصارا وإيجازا. # فحذف الفعل على شريطة التفسير (¬1)، يقع فى سبعة مواضع: الاستفهام والأمر ~~والنهى والشرط والتحضيض والنفى والعطف. # فحذفه فى الاستفهام، كقولك: أزيدا أكرمته، أزيدا مررت به، أزيدا ضربت ~~أخاه؟ / {أبشرا منا واحدا نتبعه} (¬2) فالعوامل فى هذه المنصوبات أفعال ~~مقدرة قبلها، تفسرها الأفعال المذكورة بعدها، ولا يجوز أن تنصبها بالتى ~~بعدها، لأن تلك قد تعدت إلى ما تقتضيه من المفعول، ظاهرا أو مضمرا، ~~فالتقدير: # أأكرمت زيدا أكرمته، أجزت زيدا مررت به، أأهنت زيدا ضربت أخاه، أنتبع ~~بشرا منا واحدا نتبعه؟ # وإنما أضمرت جزت، ولم تضمر مررت، لأن مررت لا يتعدى إلا بالجار، فلو ~~أضمرته أضمرت حرف الجر، وحرف الجر لا يضمر، وأضمرت أهنت فى قولك: أزيدا ~~ضربت أخاه؟ لأن الضرب لم يقع بزيد، وإنما وقعت به الإهانة بضرب أخيه، ومثل ~~تقديرك جزت زيدا، ولم تقدر مررت، التقدير فى قول جرير (¬3): # أثعلبة الفوارس أو ms254 رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا PageV02P079 # مدح فى هذا البيت ثعلبة ورياحا، وذم طهية والخشاب، فلذلك وصف ثعلبة ~~بالفوارس، فالتقدير إذن: أحقرت ثعلبة؟ ولم يجز إضمار عدلت، لتعديه بالباء. # وتقول فى الأمر والنهى: زيدا أكرمه، وعمرا لا تضربه، تقدر الناصب على ما ~~مثلته لك، فتقدر للأول: أكرم، وللثانى: لا تضرب. # ولو رفعت فى هذه المواضع، فقلت: أزيد ضربته؟ وزيد أكرمه، وعمرو لا تضربه، ~~جاز ذلك على ضعف، وإنما ضعف فى الاستفهام، لأن الاستفهام يطلب الفعل، ولو ~~أنك حذفت حرف الاستفهام من قولك: أزيدا ضربته، عمل الابتداء، وضعف النصب، ~~لزوال المقتضى له، كما يضعف الرفع إذا قلت: أزيد ضربته؟ # والجملتان الأمرية والنهيية يضعف الإخبار بهما، لأن الخبر حقه أن يكون ~~محتملا للتصديق والتكذيب (¬1) # قال أبو علي: قد كنت أستبعد إجازة سيبويه الإخبار بجملتى الأمر والنهى، ~~/حتى مر بى قول الشاعر: # إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما (¬2) PageV02P080 # ومثله قول الآخر (¬1): # ولو أصابت لقالت وهى صادقة ... إن الرياضة لا تنصبك للشيب # ومثال إضمار الفعل بعد حرف الشرط ناصبا، قولك: إن زيدا أكرمته نفعك، ~~تريد: إن أكرمت زيدا، ومثله قول النمر بن تولب: # لا تجزعى إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى (¬2) # ومثال إضماره رافعا، قولك: إن زيد زارنى أحسنت إليه، ومثله فى التنزيل: # {إن امرؤ هلك} (¬3) {وإن امرأة خافت} (¬4) {وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره} (¬5) ولو قلت: إن زيد يزرنى أحسن إليه، فجزمت، جاز ذلك على ضعف ~~(¬6)، وجاز فى «إن» لأنها أصل الباب، ولا يجوز هذا فى غيرها إلا فى الشعر، ~~كما قال (¬7): # ومتى واغل ينبهم يحيو ... ه وتعطف عليه كأس الساقى # الواغل: الذى يدخل على القوم وهم على شرابهم من غير إذن. # وقال آخر (¬8): PageV02P081 # صعدة نابتة فى حائر ... أينما الريح تميلها تمل # وإضمار الماضى بعد إذا الزمانية، كقولك: إذا زيد حضر أعطيته، ومثله فى ~~التنزيل: {إذا الشمس كورت} (¬1) و {إذا السماء انفطرت} (¬2) وهو كثير، ~~وارتفاعه عند سيبويه بالفعل المقدر، وأبو الحسن الأخفش يرفع الاسم بعد ~~«إذا» هذه ms255 بالابتداء، وهو قول ضعيف (¬3)، لاقتضاء هذا الظرف جوابا، كما ~~يقتضيه حرف الشرط، ولأنه ينقل الماضى إلى الاستقبال، كقولك: إذا جاء زيد ~~غدا أكرمته، كما تقول: إن جاء زيد غدا، وقد جزموا به فى الشعر، كقوله (¬4): # ترفع لى خندف والله يرفع لى ... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد # وكقول الآخر (¬5): # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب # وإنما (¬6) لم يجزموا به فى حال السعة، كما جزموا بمتى، لأنه خالف «إن» ~~من حيث شرطوا (¬7) به فيما لا بد من كونه، كقولك: إذا جاء الصيف سافرت، ~~وإذا PageV02P082 # انصرم الشتاء قفلت، ولا تقول: إن جاء الصيف، ولا إن انصرم الشتاء، لأن ~~الصيف لا بد من مجيئه، والشتاء لا بد من انصرامه، وكذا لا تقول: إن جاء ~~شعبان، كما تقول: إذا جاء شعبان، وتقول: إن جاء زيد لقيته، فلا تقطع ~~بمجيئه، فإن قلت: إذا جاء، قطعت بمجيئه، فلما خالفت إذا إن، فيما تقتضيه إن ~~من الإبهام، لم يجزموا بها فى سعة الكلام. # و «لو» من الحروف التى تقتضى الأجوبة، وتختص بالفعل، ولكنهم لم يجزموا ~~به، لأنه لا ينقل الماضى إلى الاستقبال، كما تفعل حروف الشرط، تقول: لو ~~زارنى زيد أمس أكرمته، وربما جزموا به فى الضرورة، قالت امرأة من بنى ~~الحارث بن كعب: # فارسا ما غادروه ملحما ... غير زميل ولا نكس وكل (¬1) # لو يشاء طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل # غير أن البأس منه شيمة ... وصروف الدهر تجرى بالأجل # واقتدى بها فى الجزم (¬2) [به] أبو الحسن الرضى، رضي الله عنه، فقال فى ~~قصيدة، رثى بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابى: # إن الوفاء كما اقترحت فلو تكن ... حيا إذا ما كنت بالمزداد (¬3) # قولها: «فارسا ما غادروه» نصبت «فارسا» بمضمر فسره «غادروه»، و «ما» ~~زيادة/والملحم: الذى أحيط به فى الملحمة، وهو الموضع الذى يلتحم فيه ~~المحاربون. # والزميل: الجبان الضعيف. PageV02P083 # والنكس من الرجال: الذى لا خير فيه، شبهوه بالسهم الذى ينكسر فوقه، فيجعل ~~أعلاه (¬1) أسفله. # ويقال: رجل وكل ووكلة، وهو العاجز الذى يكل ms256 أمره إلى غيره. # والميعة: النشاط وأول جرى الفرس. # ولاحق الآطال: ضامر الخواصر، وواحد الآطال: إطل. # والنهد من الخيل: العظيم المشرف، وقد تقدم ذكر هذه الأبيات فى الأمالى ~~الأول، وذكرت هنا لطول العهد. # وأما «إذا (¬2)» المكانية، فهى حرف استئناف، موضوع للمفاجأة، فجملة ~~الابتداء والخبر تقع بعده، كقولك: خرجت فإذا زيد جالس، المعنى: فهناك زيد ~~جالس، ولما كانت اسما للمكان أخبروا بها عن الأعيان، فقالوا: خرجت فإذا ~~أخوك جالسا، فأخوك مبتدأ، وإذا خبره، ونصبوا بها الحال، كما ينصبون الحال ~~بالظرف، فى قولك: خلفك زيد جالسا. # ومثال إضمار الفعل بعد حرف التحضيض، كقولك: هلا زيدا أعطيته، ولولا أخاك ~~أكرمته، ومنه قوله: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطري لولا الكمي المقنعا (¬3) # أراد: لولا تعدون الكمى، أو لولا تعقرون الكمى، وقد تقدم ذكر هذا البيت. PageV02P084 # وسبيل النفى سبيل الاستفهام، تقول: ما زيدا ضربته، وما زيدا مررت به، وما ~~زيدا ضربت أخاه، تقدر هاهنا من الأفعال ما قدرته هناك، قال الشاعر (¬1): # فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر # أراد: فلا هبن ذا جلال، ونصب ذا ضياع، بيتركن، لأنه لم يشغل بالعمل فى ~~غيره، وهذا كقولك: زيدا جعفر يضرب. # وأما حذف الفعل فى العطف على شريطة التفسير، فيقتضى أن تكون الجملة ~~/المبدوء (¬2) بها فعلية، كقولك: خرج زيد وعمرا كلمته، ومررت بجعفر وخالدا ~~أهنته، وضربت بكرا ومحمدا أكرمته، ولا تبالى كان الفعل الأول متعديا أو غير متعد. # وإنما قوى إضمار الفعل إذا بدئ بجملة الفعل، طلبا للتشاكل بين الجملتين، ~~فأضمرت فعلا، لتكون قد عطفت جملة على جملة تشاكلها، فشاكلت بين الكلامين، ~~ولو رفعت فقلت: أكرمت زيدا وخالد أهنته، خالفت بين الجملتين. # فإن كانت الجملة المبدوء بها اسمية، قوى الرفع، لمشاكلة الثانية للأولى، ~~كقولك: زيد منطلق وخالد ضربته، ومثله فى التنزيل: {وأكثرهم كاذبون.} # {والشعراء يتبعهم الغاوون} (¬3) ولو نصب {الشعراء} بتقدير: ويتبع الغاوون ~~الشعراء، PageV02P085 # كان النصب ضعيفا، لتخالف الكلامين، ونقيض ذلك قوة النصب فى قوله تعالى: # {وكل شيء فصلناه تفصيلا} (¬1) وذلك لتقدم جمل فعلية، فى ms257 قوله عز وجل: # {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} فلو رفع قارئ ممن يؤخذ ~~بقراءته فقال: {وكل شيء فصلناه} ساغ الرفع فى العربية على ضعف. # وفى قوله تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} (¬2) قولان: أحدهما ~~أن تنصب {فريقا} الأول، على أنه مفعول قدم على ناصبه، لأن {هدى} لم يشغل ~~عنه بالعمل فى غيره، وتنصب {فريقا} الثانى بإضمار فعل، فى معنى قوله: {حق ~~عليهم الضلالة} تقديره: وأضل فريقا، فعلى هذا القول يكون الوقف على قوله: ~~{كما بدأكم تعودون} (¬3) والقول الثانى: أن تنصب فريقا وفريقا، على الحال ~~من المضمر فى {تعودون} أى تعودون فريقا مهديا وفريقا مضلا، فعلى هذا القول ~~لا يجوز الوقف على {تعودون} لتعلق الحال بما قبلها، ويقوى هذا القول قراءة ~~(¬4) أبى بن كعب: «تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة». # /وقوله جل وعلا: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} ~~(¬5) انتصاب (¬6) {الظالمين} فيه بتقدير حذف «يعذب» لأن قوله: {أعد لهم} PageV02P086 # {عذابا} يفسره، من حيث كان إعداد العذاب يؤول إلى التعذيب، ولا يجوز ~~إضمار «أعد» لما قدمته لك فى غير موضع، من أن الفعل إذا تعدى بالخافض، لا ~~يصح إضماره. # وفى مصحف ابن مسعود: «وللظالمين أعد لهم» بلام الجر فى {الظالمين} على ~~تقدير: وأعد للظالمين أعد لهم، ويجوز فى العربية (¬1) رفع {الظالمين} ~~بالابتداء، والجملة التى هى {أعد لهم عذابا} خبره. # وروى عن الأصمعى أنه سمع من يقرأ بذلك، وليس بمعمول به فى القرآن، لأنه ~~مخالف لخط المصحف، وللقراءة المجمع عليها. # وأجاز الفراء (¬2) أن يكون الرفع فيه بمنزلة الرفع فى قوله: (¬3) ~~{والشعراء يتبعهم الغاوون} وليس بمثل له، لأن قبل قوله: {والشعراء} جملة من ~~مبتدأ وخبر، وقبل {الظالمين} جملة فعلية، فالرفع فى {الشعراء} هو الوجه، ~~على ما ذكرته لك، والقراء مجمعون على الرفع فيه، والنصب فى {الظالمين} هو الوجه. # ... PageV02P087 ### | AUTO المجلس الحادى والأربعون # يتضمن ما بقى من ذكر النصب على شريطة التفسير # فى العطف ms258 # ، وما يلى ذلك من الضروب # اختلف القراء فى رفع {القمر} ونصبه، من قوله تعالى: {والقمر قدرناه ~~منازل} (¬1) فرفعه (¬2) ابن كثير ونافع وأبو عمرو، فوجه الرفع أن قبله جملة ~~من مبتدأ وخبر، وهى قوله: {والشمس تجري} (¬3) ووجه النصب عند أبى على: أنه ~~تقدمه فعل وفاعل، فالفعل {تجري} وفاعله الضمير المستكن فيه، ولما جرى ذكر ~~فعل، حسن إضمار الفعل، قال أبو على: من نصب، فقد حمله سيبويه (¬4) على: ~~زيدا ضربته، قال: /وهو عربى، يعنى أنه قد يجوز إضمار الفعل، وإن لم يتقدم ~~ذكر فعل، فكأن سيبويه لم يعتد بذكر {تجري} فنصب بعد ذكر الجملة المبتدئية، ~~كما تقول مبتدئا: # زيدا ضربته، فتنصبه وإن لم يتقدمه فعل. # قال أبو على: ويجوز فى نصبه وجه آخر، وهو أن تحمله على الفعل الذى هو خبر ~~المبتدأ، على ما أجازه سيبويه، من قولك: زيد ضربته وعمرا أكرمته، وهو أن ~~تحمله مرة على الابتداء، ومرة على الخبر الذى هو جملة من فعل وفاعل، وهو ~~{تجري} من قوله: {والشمس تجري لمستقر لها} {والقمر قدرناه} انتهى كلام أبى ~~على. PageV02P088 # وأقول: إن الرفع فى هذا الحرف أقوى، لأمرين: أحدهما: تقدم المبتدأ الذى ~~هو {الشمس} على الخبر الذى هو {تجري} (¬1) فمراعاة الاسم الذى الفعل فى ~~ضمنه أولى، ألا ترى أن سيبويه (¬2) لم يعتد بالفعل الذى هو {تجري} وحمل نصب ~~{القمر} على قولك: زيدا ضربته. # والثانى: أن «قدر» يتعدى إلى مفعول واحد، وقد تعدى هاهنا إلى مفعولين، ~~الهاء والمنازل، وإنما تعدى إلى الهاء بتقدير حرف الخفض، أى قدرنا له منازل ~~(¬3)، هذا هو المعنى، ألا ترى أنك تقول: قدرت لزيد دينارا، ولا تقول: قدرت ~~زيدا دينارا، وإذا كان حق «قدر» أن يتعدى بالجار، وكان إضماره مخالفا ~~للقياس، كما أن (¬4) [إضمار] «مررت» فى قولك: خرج زيد وعمرا مررت به، لا ~~يجوز، وموجب نصب {القمر} عندى ذكر المصدر، الذى هو التقدير فى قوله: # {ذلك تقدير العزيز العليم} ألا ترى أن المصدر إذا وقع هذا الموضع، فإنه ~~فى تقدير التحليل إلى أن والفعل، كقوله: {ولولا دفع الله ms259 الناس} (¬5) أى: ~~ولولا أن دفع الله الناس، فكأنه قيل: ذلك أن قدره العزيز العليم، أى قدر ~~جريان الشمس لمستقر لها، أى إلى مستقر لها، ومعنى اللام هاهنا معنى «إلى» ~~كما قال تعالى: # {بأن ربك أوحى لها} (¬6) أى: إليها، والإشارة بقوله: {ذلك} إلى الجريان ~~الذى/ دل عليه {تجري} وجهت الإشارة إلى المصدر، الذى دل عليه فعله، كما عاد ~~الضمير إلى الشكر، لدلالة فعله عليه، فى قوله تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم} ~~(¬7). PageV02P089 # وإذا عرفت هذا، فالناصب للقمر فعل مقدر، معطوف على الفعل الذى انسبك منه ~~ومن «أن» المصدر الذى هو التقدير، فالقمر داخل بالعطف فى صلة التقدير، ~~فكأنه قال: ذلك أن قدره العزيز العليم، وقدر القمر، أى قدر جريان القمر، ثم ~~استأنف الجملة التى بعده، فقال: قدرناه منازل، أى قدرنا له منازل، وحذفت ~~اللام هاهنا كما حذفت من قوله: {ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} (¬1) ~~أى: ويبغون لها عوجا، فعلى هذا التقدير الذى قدرته، لا يكون {قدرناه} مفسرا ~~لناصب القمر، بل يكون جملة مستأنفة، فى استئنافها التخلص من كون الفعل ~~المفسر متعديا بالجار، فتأمل ما قررته فى هذا الفصل فهو مما خطر لى. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم} (¬2) حسن ~~النصب هاهنا بإضمار {أغرقنا»} لتقدم قوله: {اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فدمرناهم} ثم جاء بعدها: {وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك} ~~فأضمر (¬3) ناصب غير «أغرقنا»، وتقديره: وأهلكنا عادا، ثم جاء: {وكلا ضربنا ~~له الأمثال} فأضمر فعل ثالث، فالتقدير: ووعظنا كلا، لأن ضرب الأمثال وعظ، ~~ثم جاء: {وكلا تبرنا} فلم يضمر ناصب لكل، لأن {تبرنا} لم يشتغل عن العمل فيه. # وقد ورد فى التنزيل حرف منصوب، نصبه فى الظاهر خارج عن القياس، لأنه لا ~~داعى إلى النصب فيه ظاهرا، والقراء مجتمعون على النصب فيه، وهو {كل} فى ~~قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (¬4) أجمع البصريون على أن # - PageV02P090 # رفعه أجود (¬1)، لأنه لم يتقدمه ما يقتضى إضمار ناصب، وقال الكوفيون: ~~نصبه أجود، لأنه قد تقدمه عامل ناصب، ms260 وهو «إن» فاقتضى ذلك/إضمار «خلقنا» وقوله: # {خلقناه} مفسر للضمير (¬2). # ووجدت بعض معربى (¬3) القرآن مسددا ومقويا لمذهب الكوفيين، لأن ما ذهبوا ~~إليه يقتضى العموم فى المخلوقات، أنها كلها لله، من حيث كان التقدير: إنا ~~خلقنا كل شيء بقدر، فقوله: {بقدر} متعلق بخلقنا، ولو رفع {كل} لكان ~~{خلقناه} صفة لشيء، وتعلق قوله: {بقدر} بمحذوف، لكونه خبرا للمبتدإ، ~~فالتقدير: كل شيء مخلوق لنا بقدر، وهذا يقتضى الخصوص فى المخلوقات، وإذا ~~كان {خلقناه} مفسرا للناصب، الذى هو «خلقنا» لم يجز أن يكون وصفا لشيء، لأن ~~الصفة لا تكون مفسرة لما قبل الموصوف، فحكمها فى ذلك حكم الصلة. # وذكر بعض النحويين وجها آخر فى نصب {كل}، وهو أن يكون منصوبا بخلقناه، ~~على أن تكون الهاء ضمير المصدر، الذى دل عليه {خلقناه} كما كانت الهاء فى ~~قول الشاعر: # هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب (¬4) PageV02P091 # ضمير المصدر الذى هو الدرس (¬1)، فالتقدير: للقرآن يدرس درسا، وكذلك ~~التقدير: إنا كل شيء خلقناه خلقا، وهذا القول وإن كان يصح به النصب فى {كل} ~~فإنه مقتض للعموم فى المخلوقات أنها كلها لله جلت عظمته، لأن قوله: # {بقدر} يتعلق فى هذا الوجه بخلقنا. PageV02P092 # وخطر لى فى نصب {كل} وجه مخالف للوجهين المذكورين، وهو أن يكون قوله: {كل ~~شيء} نصبا على البدل من اسم إن، وهو بدل الاشتمال، لأن الله سبحانه محيط ~~بمخلوقاته، فيكون التقدير: إن كل شيء خلقناه بقدر، فيكون قوله: {خلقناه} ~~صفة لشيء، وقوله: {بقدر} متعلقا بمحذوف، لأنه خبر إن. # فإن عورض هذا القول بأن ضمير المتكلم وضمير المخاطب لا يبدل منهما، لأن ~~البدل إنما/يراد به تخصيص المبدل منه، وضمير المتكلم والمخاطب فى غاية ~~التعريف، فلا حاجة بهما إلى التخصيص. # فالجواب عن هذه المعارضة، بأن الإبدال من ضمير المتكلم وضمير المخاطب لا ~~يسوغ إذا كان البدل هو المبدل منه، وذلك بدل الشىء من الشىء، وهو هو، ~~ويسمونه بدل الكل، وأما بدل الاشتمال وبدل البعض، فيسوغان فى ضمائر ~~المتكلمين والمخاطبين، لأن بدل الاشتمال وبدل البعض لا يخصصان المبدل ms261 منه، ~~لأنهما ليسا إياه، ألا تراك إذا قلت: إنك كلامك يثقل علي، فنصبت «كلامك» ~~لأنك أبدلته من الكاف، كان حسنا، فالتقدير: إن كلامك يثقل علي، وكذلك لو ~~قلت: إنى لأبغضك كلامك، كان مستقيما، وكذلك بدل البعض، كقولك: إنى أحبك ~~وجهك، تريد أحب وجهك، وكذلك إذا قلت: # زيد يحبنى علمى، أردت: يحب علمى، فكلام مستقيم. # وقد جاء فى التنزيل إبدال البعض من ضمير المخاطبين المجرور، وأعيد فى ~~البدل حرف الجر، فى قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجوا الله} (¬1) فقوله: {لمن كان يرجوا الله} بدل (¬2) من قوله: {لكم} PageV02P093 # وأعيدت اللام فى البدل، كما أعيدت فى قوله تعالى: {قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم} (¬1) وكذلك أعيدت فى قوله: ~~{لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة} (¬2) فقوله: {لمن آمن منهم} ~~بدل البعض، وقوله: {لبيوتهم} بدل الاشتمال. # فإن قيل: إن بدل الاشتمال حقه أن يكون الأول مشتملا على الثانى، كقوله ~~تعالى: {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه} (¬3) فالشهر مشتمل على القتال، ~~وقوله: {لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم} بعكس ذلك، لأن البيوت تشتمل عليهم. # قيل: إن المراد هاهنا اشتمال الملكية، ومثل ذلك: سرق زيد ثوبه. PageV02P094 ### || AUTO فصل # / قد مضى إضمار الفعل على شريطة التفسير، ويليه إضماره مع «إن» وذلك فى ~~قولهم (¬1): «الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر» التقدير: ~~إن كان عملهم (¬2) [خيرا فجزاؤهم خير، وإن كان عملهم] شرا فجزاؤهم شر، ~~ومثله فى إضمار «كان» قول ليلى الأخيلية: # لا تقربن الدهر آل مطرف ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما (¬3) # أى إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما، ومثله قول النعمان بن المنذر، للربيع ~~ابن زياد العبسى، من أبيات فى قصة جرت له مع نفر من بنى عامر بن صعصعة: PageV02P095 # قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا (¬1) # أى إن كان حقا وإن كان كذبا، وتقول: افعل هذا وإلا هجرتك (¬2) [تريد: # وإلا تفعله هجرتك] فتحذف جملة الشرط، وجاء فى شعر ms262 للأحوص بن محمد ~~الأنصارى (¬3): # سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام # فإن يكن النكاح أحل أنثى ... فإن نكاحها مطر حرام # فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام # أراد: وإن لا تطلقها يعل، وسيبويه (¬4) يروى: «يا مطر» بالرفع والتنوين، ~~يشبهه بالمرفوع الذى لا ينصرف، فينونه على لفظه اضطرارا كقولك فى الشعر: ~~هذا أحمد يا فتى، وأبو عمرو بن العلاء ومن أخذ أخذه، يردون المنادى إلى ~~الأصل، فينصبون وينونون. # ومثل بيت الأحوص، فى حذف جملة الشرط قول الآخر: # أقيموا بنى النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرءوسا (¬5) # التقدير: وإن لا تقيموا صدوركم تقيموا الرءوس. PageV02P096 # /والضرب الثالث من حذف الفعل، حذفه للدلالة عليه، كقولك إذا كنت محذرا: ~~الأسد الأسد، وكذلك: الطريق الطريق، تريد: خل الطريق، وقد أظهر الشاعر هذا ~~الفعل، فى قوله (¬1): # خل الطريق لمن يبنى المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر # ومثله: النجاء النجاء، تريد: انج النجاء، ولا بد من تكرير المنصوب إذا ~~حذفت الفعل، فإن أظهرته لم تكرره، ولكن تقول: انج النجاء، وخل الطريق، ~~واحذر الأسد، وقد يقوم العطف مقام التكرير، كقولهم: «أهلك والليل»، فهذا ~~تقديره فى الإعراب: بادر أهلك (¬2) وبادر الليل، وتقديره فى المعنى: بادر ~~أهلك قبل الليل، ومثله: رأسه والجدار، تقديره فى الإعراب: انطح رأسه ~~والجدار، وفى المعنى: انطح رأسه بالجدار، ومثله فى العطف: {ناقة الله ~~وسقياها} (¬3) أى احذروا ناقة الله وسقياها، وفيه تقدير حذف مضافين، أى ~~احذروا عقر ناقة الله، وقطع سقياها، ومنه قول الحطيئة (¬4): # فإياكم وحية بطن واد ... هموز الناب ليس لكم بسي # قدره النحويون: إياكم احذروا، كأنه حذرهم أنفسهم مع الحية الذى (¬5) ~~وصفه، أى احذروا تسويل أنفسكم عداوة حية، من صفته كذا وكذا. PageV02P097 # والهمز: الكدم والعض، والسي: المثل. # ومن هذا الضرب قولهم فى الدعاء: سقيا لك ورعيا، يريدون: سقاك الله سقيا، ~~ورعاك الله رعيا، وقولهم: لك، يسميه النحويون تبيينا، فهو فى تقدير ~~الانقطاع، والتعلق بمحذوف، أى هذا لك. # ومن المنصوب فى الدعاء بفعل محذوف، ما حكى عن الحجاج (¬1)، أنه قال فى ms263 ~~خطبته: «امرأ اتقى الله، امرأ حاسب نفسه، امرأ أخذ بعنان قلبه فعلم ما يراد ~~به» أراد: رحم الله امرأ، فإن قلت: امرؤ، فهو على تقدير: ليتق (¬2) الله امرؤ. # ومن هذا الباب، أعنى/باب الدعاء، قولهم للقادم: خير (¬3) مقدم، يضمرون: ~~قدمت، ويجوز: خير مقدم، أى مقدمك خير مقدم. # ومما جاء فيه الحذف قولهم: وراءك (¬4) أوسع لك، وحسبك خيرا لك، PageV02P098 # التقدير: ارجع وراءك وائت مكانا أوسع لك، فحذفوا الفعلين والموصوف الذى ~~هو المكان، وكذلك حسبك خيرا لك، معناه: اكتف ائت أمرا خيرا لك، وأما قوله ~~تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} (¬1) ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن التقدير: يكن خيرا، وهذا قول الكسائى (¬2)، ومن مذهب سيبويه أن ~~«كان» لا يجوز إضمارها إلا مع «إن» فيما قدمته من قولهم: «الناس مجزيون ~~بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر». # والثانى: أن {خيرا} صفة مصدر محذوف، تقديره: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وهو ~~قول (¬3) الفراء، وهذا القول ليس فيه زيادة فائدة على ما دل عليه {انتهوا} ~~لأن انتهوا يدل على الانتهاء بلفظه، فيفيد ما يفيده الانتهاء (¬4). # والثالث: قول سيبويه (¬5)، وهو أن التقدير: ائتوا خيرا لكم، وفى هذا ~~التقدير فائدة عظيمة، لأنه نهاهم بقوله: {انتهوا} عن التثليث، وأمرهم ~~بقوله: ائتوا خيرا لكم، بالدخول فى التوحيد، فكأنه قال: انتهوا عن قولكم: ~~آلهتنا ثلاثة، وأتوا خيرا PageV02P099 # لكم، فقولوا: إنما الله إله واحد، فقد أخرجهم بهذا التقدير عن أمر فظيع، ~~وأدخلهم فى أمر حسن جميل، ومنه ما أنشده أبو علي، فى كتابه الذى وسمه ~~بالإيضاح (¬1): # تروحي أجدر أن تقيلى ... غدا بجنبى بارد ظليل # وفيه على ما ذهب إليه، ولم يذكره فى الإيضاح، خمسة (¬2) حذوف، لأنه قدر ~~ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل، وحذف المفعول الموصوف الذى /هو ~~مكانا، وحذف الباء التى يتعدى بها أجدر، وحذف الجار من فيه، فصار: # تقيليه، فحذف العائد إلى الموصوف، كما حذف فى قوله سبحانه: {واتقوا يوما ~~لا تجزي نفس عن نفس شيئا} (¬3) أى لا تجزى فيه، وقال الخليل وسيبويه فى قول ~~عمر ابن أبى ms264 ربيعة (¬4): # فواعديه سرحتى مالك ... أو الربا بينهما أسهلا # إن التقدير: ائتى مكانا سهلا، وضع أسهل، مكان سهل، كما وضع أفعل PageV02P100 # موضع فعيل، فى قوله تعالى: {وهو أهون عليه} (¬1) أى هين. # وما يحذف لدلالة الحال عليه، الفعل (¬2) [من قولك] إذا رأيت رجلا متوجها ~~وجهة الحج، عليه آثاره: مكة والله، أى يريد مكة، وكذلك قولك إذا سمعت صوت ~~السهم، بعد أن رأيت الرامى يسدده: القرطاس والله، أى أصاب القرطاس، وكذلك ~~إذا رأيت رجلا فى حال ضرب أو إعطاء، قلت: زيدا، أى اضرب زيدا، أو أعط زيدا. # ومنه النصب على إضمار «أعنى» للمدح، أو للذم، فمن المدح قولك: # جاءنى زيد الفاضل الكريم، تريد أعنى الفاضل الكريم، والذم قولك: مررت ~~بعمرو الخبيث اللئيم، فمن الذم قراءة عاصم: {حمالة الحطب} (¬3) يريد أعنى ~~أو أذم حمالة الحطب. # قال أبو علي: فكأنها كانت اشتهرت بذلك، فجرت عليها الصفة للذم، لا ~~للتخصيص والتخليص من موصوف غيرها، كقوله (¬4): # ولا الحجاج عينى بنت ماء ... تقلب طرفها حذر الصقور PageV02P101 # لم يرد وصفه إياه بالجبن، ولكن ذمه (¬1) وسبه، ومن الذم قول النابغة (¬2): # أقارع عوف لا أحاول غيرهم ... وجوه كلاب تبتغى من تجادع # ومن المدح قول الخرنق بنت هفان (¬3): # /لا يبعدن قومى الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزر # أرادت: أعنى أو أمدح النازلين والطيبين. # ومن المدح فى التنزيل قوله: {والصابرين في البأساء} (¬4) بعد قوله: ~~{والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} أراد: وأعنى الصابرين، ومثله: {والمقيمين ~~الصلاة} (¬5) وبعده {والمؤتون الزكاة} ذهب سيبويه (¬6) إلى أن {المقيمين} ~~منصوب على المدح، وهو أصح ما قيل فيه؛ لأن بعض معربى القرآن زعم أن ~~{المقيمين} مجرور بالعطف على PageV02P102 # الهاء والميم، فى {منهم} من قوله تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم} ~~فالتقدير على هذا القول: منهم ومن المقيمين الصلوة، وزعم آخر أنه معطوف على ~~الكاف من {إليك} فالتقدير: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلوة، ~~وقال آخر: هو معطوف على الكاف من {قبلك} فالتقدير: وما أنزل من قبلك وقبل ~~المقيمين الصلوة. # وقال الكسائى: هو مخفوض (¬1) بالعطف ms265 على {ما} من قوله: {بما أنزل إليك} ~~فالمعنى على هذا القول: يؤمنون بالذى أنزل إليك وبالمقيمين الصلوة، وهذا ~~قول بعيد من جهة المعنى، والأقوال الثلاثة فاسدة من جهة الإعراب، وذلك أن ~~الاسم الظاهر لا يسوغ عطفه على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار (¬2)، ~~لأمرين: # أحدهما: أنهم لا يعطفون المجرور إلا بإعادة الجار، كقولك: مررت بزيد وبك، ~~ولا تقول: بزيد وك، فوجب أن ينزل عطف الظاهر عليه منزلة عطفه على الظاهر، ~~فيقال: بك وبزيد، كما قيل: بزيد وبك، ولا يقال: بك وزيد، كما لا يقال: بزيد ~~وك، وهذا قول أبى عثمان المازنى. # والقول الآخر، وهو قول أبى على: أن الضمير المجرور نحو الكاف فى بك، وفى ~~غلامك، والياء فى بى/وفى غلامى، أشبه التنوين، من حيث صيغ على حرف واحد، ~~كما أن التنوين كذلك، ومن حيث حذفوا ياء المتكلم فى النداء، فقالوا: يا ~~غلام، و {يا عباد فاتقون} (¬3) فكان حذفها أكثر من إثباتها، وألزموها الحذف ~~فى نحو: {قالت رب أنى يكون لي ولد} (¬4) بإجماع القراء، كما ألزموا التنوين PageV02P103 # الحذف فى قولهم: يا غلام، بالضم، ومن حيث لم يجمعوا بين التنوين فى اسم ~~الفاعل، وبين الضمير المتصل، فيعدوا اسم الفاعل إليه، فيقولوا: مكرمنك ~~وضاربنك، كما قالوا فى الظاهر: مكرم زيدا، وضارب عمرا، ولكنهم ألزموه ~~الإضافة، فقالوا: مكرمك وضاربك، كرهوا الجمع بينه وبين التنوين، كما كرهوا ~~الجمع بين خطابين وبين تأنيثين وبين تعريفين، ولذلك امتنع الجر فى قوله تعالى: # {إنا منجوك وأهلك} (¬1) فلم يجز فيه إلا النصب، بإضمار فعل دل عليه اسم ~~الفاعل، تقديره: وننجى أهلك، وقد أشبعت القول فى هذه المسألة فيما تقدم (¬2). # وقول أبى على: أشبه التنوين لأنه صيغ على حرف واحد، يتوجه عليه اعتراض، ~~لأنه قد صيغ على أكثر من حرف، كقولهم: بكما وبكم وبكن، وكرهوا مع ذلك الجمع ~~بينه وبين التنوين، والقول فى ذلك أنهم كرهوا الجمع بين التنوين وضمير ~~الواحد، ثم حملوا الفرع الذى هو التثنية والجمع، على الأصل الذى هو الواحد. # ومما حذف منه الفعل، وقامت الحال مقامه، قولهم: ms266 هنيئا لك قدومك، قال أبو ~~الفتح فى قول أبى الطيب: # هنيئا لك العيد الذى أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيدا (¬3) # العيد مرفوع بفعله، وتقديره: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال ~~مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه. # وقال أبو العلاء المعرى: هنيئا ينتصب عند قوم على قولهم: ثبت لك هنيئا، ~~وقيل: هو اسم فاعل، وضع موضع/المصدر، كأنه قال: هنأك هناء، PageV02P104 # لأنهم ربما وضعوا اسم الفاعل موضع المصدر، كما قالت بعض نساء العرب، وهى ~~ترقص ابنها: # قم قائما قم قائما ... لاقيت عبدا نائما (¬1) # أرادت: قم قياما. # ... PageV02P105 ### | AUTO المجلس الثانى والأربعون # يتضمن ذكر فصول من إضمار الأفعال # ذكر سيبويه (¬1)، فى (باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل المتروك ~~إظهاره) قولهم: سبحان الله، وعمرك الله، وقعدك الله، فقال: وذلك قولك: # سبحان الله وريحانه، وعمرك الله إلا فعلت، وقعدك الله إلا فعلت، فكأنه ~~حيث قال: سبحان الله، قال: تسبيحا، وحيث قال: وريحانه، قال: استرزاقا، لأن ~~معنى الريحان الرزق، فنصب هذا على أسبح (¬2) تسبيحا، وأسترزق استرزاقا، ~~وخزل الفعل هاهنا، لأن المصدر بدل من اللفظ بقوله (¬3) [أسبحك] وأسترزقك. ~~انتهى كلامه. # وأقول: إن سبحان اسم للتسبيح، كما أن الكلام والسلام اسمان للتكليم ~~والتسليم، وجاء سبحان على زنة الغفران والكفران، فى قولهم: «غفرانك اللهم ~~لا كفرانك» (¬4) وجاء الكفران فى قوله تعالى: {فلا كفران لسعيه} (¬5) ومثله ~~فى الزنة، PageV02P106 # وهو نقيضه فى المعنى، الشكران، فكما قالوا: كلمته كلاما، وسلمت عليه ~~سلاما، فاستعملوهما فى موضع التكليم والتسليم، كما استعمل السراح فى موضع ~~التسريح، من قوله تعالى: {وسرحوهن سراحا جميلا} (¬1) كذلك استعملوا سبحان ~~فى موضع التسبيح. # قال سيبويه (¬2): وزعم أبو الخطاب، يعنى الأخفش الكبير، أن سبحان الله ~~براءة الله من السوء، وزعم أن مثله قول الأعشى (¬3): # أقول لما جاءنى فخره ... سبحان من علقمة الفاخر # /قال: وإنما ترك التنوين فى سبحان، وترك صرفه، يعنى فى بيت الأعشى، لأنه ~~صار عندهم معرفة. # وأقول: إنه لما صار علما للتسبيح، وانضم إلى العلمية الألف والنون ~~الزائدتان، تنزل منزلة عثمان، فوجب ترك ms267 صرفه، وقد قطعوه عن الإضافة، ~~ونونوه، لأنهم نكروه، وذلك فى الشعر، كقول أمية بن أبى الصلت، فيما أنشده ~~سيبويه: # سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبح الجودى والجمد (¬4) PageV02P107 # وقد عرفوه بالألف واللام، فى قول الشاعر: # سبحانك اللهم ذا السبحان (¬1) # و «من» فى بيت الأعشى متعلقة بسبحان، كأنه قال: البراءة من علقمة. # وأما قولهم: عمرك الله، فليس كقولهم: عمر الله، لأنهم قالوا: لعمر الله، ~~وعمر الله، رفعوه مع اللام بالابتداء، وألزموا خبره الحذف، لأن الجواب سد ~~مسد الخبر، إذا (¬2) قلت: لعمر الله لأفعلن، تريد: لعمر الله قسمى، ونصبوه ~~مع حذف اللام بالفعل المقدر، وذلك أن الأصل: أقسم بعمر الله، أى ببقائه ~~ودوامه، ثم حذفوا الفعل والجار، فنصبوا، كما قالوا: الله لأفعلن، والأصل: ~~أقسم بالله، والجواب يلزمه منصوبا كما يلزمه مرفوعا، تقول: عمر الله لاقمت، ~~وعمرك لا ذهبت. # والعمر بمعنى العمر، مصدر قولهم: عمر الرجل يعمر، إذا امتد بقاؤه، ولكنهم ~~لم يستعملوا فى القسم إلا المفتوح. # وقولهم: عمرك الله، مخالف لقولهم: عمر الله، من ثلاثة أوجه، أحدها: أن ~~عمرك الله ليس بقسم عند جل النحويين، قالوا: والدليل على ذلك أنه لا جواب ~~له، لا ظاهر ولا مقدر، وإنما هو إخبار بأنك داع للمخاطب بالتعمير، قال عمر ~~بن أبى ربيعة (¬3): # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان PageV02P108 # والثانى: أنك تنصب عمر الله، نصب المفعول (¬1) [به] على ما أريتك، وتنصب ~~عمرك الله نصب (¬2) المصادر، لأن سيبويه ذكره مع سبحان الله. # والثالث: أن العمر فى قولك: عمر (¬3) الله وعمرك يا فلان، بمعنى العمر، ~~وهو فى قولك: عمرك الله، بمعنى التعمير، حذفوا زوائده، ونصبوه بفعل ~~اختزلوه، لأنه صار بدلا من اللفظ بالفعل، فلا يجوز إظهاره معه، والناصب له ~~عمرتك مشددا، أنشد سيبويه للأحوص بن محمد (¬4): # عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذى سلم # وأنشد، ولم يذكر قائله، وهو لابن أحمر (¬5): # عمرتك الله الجليل فإننى ... ألوى عليك لو ان لبك يهتدى # وذكر أبو العباس محمد بن يزيد (¬6) فى قولهم: عمرك الله، أن ms268 انتصابه على ~~المصدر، بتقدير: عمرتك الله تعميرا، على ما قرره سيبويه، وأجاز فيه أبو ~~العباس أن ينتصب بتقدير حذف الجار، لأنه ذكره مع قولهم: يمين الله، وعهد ~~الله، فى قول من نصبهما، وإنما النصب (¬7) فيهما بتقدير: أقسم بيمين الله، ~~وبعهد الله، فلما حذفوا الباء وصل الفعل فعمل، وعلى هذا يكون قولهم: عمرك ~~الله، تقديره: أقسم بعمرك الله، فيكون عمرك الله قسما محذوف الجواب، ~~والمراد بالعمر التعمير، PageV02P109 # فالمعنى: أقسم بتعميرك الله، أى بإقرارك له بالدوام والبقاء. # وذكر أبو العباس بعد عمرك الله: قعدك الله لا تقم، فنزل عمرك الله منزلة ~~قعدك الله، قال: وإن شئت: قعيدك الله، وهذا دليل قاطع على نصبه عنده، ~~بتقدير: أقسم بعمرك الله. # وقال أبو علي: عمرك الله، مصدر، استعملوه بحذف الزوائد كقوله (¬1): # /فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدرى # أى تقديرى، وأصله بالزيادة: تعميرك الله، ألا ترى أن الفعل لما ظهر، كان ~~على فعلت فى قولك (¬2): # عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا # والأصل فيه: عمرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إياه نفسك، أى سألت الله ~~تعميرك، مثل سؤالك إياه تعمير نفسك، فالتعمير الأول مضاف إلى الفاعل، يعنى ~~الكاف، قال: والاسمان الآخران مفعول بهما، يعنى إياه نفسك، قال: ثم اختصر ~~هذا الكلام، وحذفت زوائد المصدر. انتهى كلامه. # ويجب أن ترعى قلبك ما أقوله فى تفسير قول أبى على، وذلك أن الأصل كما ~~ذكر: عمرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إياه نفسك، فحذفوا الفعل والفاعل ~~والمفعولين، فبقى تعميرا مثل تعميرك إياه نفسك، ثم حذفوا الموصوف الذى هو ~~«تعميرا»، وقامت صفته التى هى «مثل» مقامه، فبقى: تعميرك إياه نفسك، ثم ~~حذفوا زوائد المصدر، فبقى: عمرك إياه نفسك، فوضع الظاهر فى موضع المضمر، ~~أعنى وضعوا لفظة «الله» موضع «إياه» فصار: عمرك الله نفسك، PageV02P110 # فحذفوا المفعول الثانى، فبقى: عمرك الله، وإنما ساغ حذف المفعول الثانى، ~~لكون الفعل متعديا إلى مفعولين، ليس الثانى منهما هو الأول، كقولك: أعطيت ~~زيدا درهما. # ومعنى عمرتك الله: أى سألت الله تعميرك، فلهذا لم يكن قولهم: ms269 عمرك الله، ~~قسما فى هذا المذهب، وكان إخبارا بأنك داع للمخاطب بالتعمير. فهذه جملة ~~القول فى مذهب من نصب اسم الله تعالى. # وأما من رفع، فقال: عمرك الله، فإن أبا الفتح عثمان بن جنى، قال: # حكى أبو عثمان المازنى: عمرك الله، بالرفع، وله وجه، ولم يذكر أبو الفتح ~~الوجه فيه، وقال أبو علي عقيب كلامه، فى عمرك الله: ووجدت فى بعض الكتب: # حكي عن أبى العباس، عن أبى عثمان/أنه سمع أعرابيا يقول: عمرك الله، قال ~~أبو علي: ولا يجيء هذا على تفسير النصب، والمعنى فيه، إن كان ثبتا، أنه أراد: # عمرك الله تعميرا، فأضاف المصدر إلى المفعول، وذكر الفاعل بعد، كقول ~~الحطيئة (¬1): # أمن رسم دار مربع ومصيف # انتهى كلامه. # وأقول: إن المصدر المقدر بأن والفعل المتعدى، إذا أعمل مضافا، أضيف تارة ~~إلى الفاعل، كقوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس} (¬2) وتارة إلى المفعول، ~~كقول الحطيئة: # أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشئون وكيف PageV02P111 # لأن الرسم هاهنا مصدر: رسم المطر الدار يرسمها رسما: إذا جعل فيها رسوما، ~~أى آثارا، وهو مضاف إلى المفعول، والمربع: رفع بأنه الفاعل، والمراد به مطر ~~الربيع، والمصيف: مطر الصيف. # ومن فسر شعر الحطيئة من اللغويين فسروا الرسم بالأثر، وفسروا المربع بأنه ~~المنزل فى الربيع، والمصيف بأنه المنزل فى الصيف، وذلك فاسد، لأن تقديره: ~~أمن أثر دار منزل فى الربيع ومنزل فى الصيف؟ ثم لا يتصل عجز البيت بصدره، ~~على هذا التقدير، وتكون «من» في هذا القول للتبعيض، فكأنه قال: أبعض أثر ~~دار منزل فى الربيع، وهى فى قول [بعض] (¬1) النحويين بمعنى لام العلة، ~~مثلها فى قول الله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} (¬2) أى لإملاق، ~~وفى قولهم: فعلت ذلك من أجلك، يريدون لأجلك. # والصحيح ما ذهب إليه النحويون، لأن المعنى: أمن أجل أن أثر فى دار مطر ~~ربيع ومطر صيف، لعينيك وكيف (¬3) من ماء الشئون، والشئون: مجارى الدمع، ~~واحدها: شأن. # ثم نعود إلى القول فيما حكاه المازنى، من أنه سمع أعرابيا يقول: عمرك ~~الله، فأقول: ms270 إن أبا الحسن الأخفش قد ذكر هذا الوجه، فى كتابه/الذى سماه ~~«الأوسط»، فقال: أصله أسألك بتعميرك الله، أى بأن يعمرك الله، وحذفت زوائد ~~المصدر، وحذف الفعل الذى هو أسألك، وحذف الجار فانتصب المجرور. # وذهب أبو العلاء المعرى فى قولهم: عمرك الله، إلى خلاف ما أجمع عليه أئمة ~~النحويين، الخليل وسيبويه، وأبو الخطاب الأخفش الكبير، وأبو الحسن PageV02P112 # الأخفش الصغير (¬1)، وأبو عثمان المازنى، وأبو عمر الجرمى، وأبو العباس ~~محمد بن يزيد، وأبو إسحاق الزجاج، وأبو بكر بن السراج، وأبو على الفارسى، ~~وأبو سعيد السيرافى، وغير هؤلاء من المتقدمين والمتأخرين، فزعم أن العمر ~~مأخوذ من قولهم: # عمرت البيت الحرام: إذا زرته، قال: ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، ونصب ~~عمرك، من قولهم: عمرك الله، بتقدير: أذكرك عمرك الله، قال: كأنك قلت: أذكرك ~~خدمتك الله (¬2) [لأن زيارة البيت خدمة الله] قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ~~عمرك، مأخوذا من عمرت الديار، من العمارة، أى بعمرك المنازل المشرفة بذكر ~~الله وبعبادته، ذكر هذا فى تفسيره لقول المتنبى (¬3): # عمرك الله هل رأيت بدورا ... قبلها فى براقع وعقود # وأورده عنه أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي، فى تفسيره لشعر أبى الطيب. # وبالجملة إنه تصيد اشتقاق قولهم: عمرك الله، تارة من الاعتمار، وتارة من ~~العمارة، فخالف قول فحول النحويين المتقدمين والمتأخرين، فرارا من غموض ~~معانى (¬4) أقوالهم فيه، لأنه لم يتجه له حقيقة ما قالوه، فتمحل اشتقاقا محالا. # وأما قولهم: قعدك أن لا تفعل كذا، وقعيدك أن لا تقوم، وقعدك الله، وقعيدك ~~الله، ففيهما قولان، أحدهما: أنهما مصدران جاءا على الفعل والفعيل، PageV02P113 # كالحس والحسيس، ومعناهما المراقبة، فانتصابهما بتقدير أقسم، فكأنك قلت: # أقسم بمراقبتك الله، /ولما أضمرت أقسم، عديته بنفسه، لأن الفعل إذا كان ~~يتعدى بالخافض وأضمر، حذف الخافض، فوصل الفعل فنصب، كما قال: # أتيت بعبد الله فى القد موثقا ... فهلا سعيدا ذا الخيانة والغدر (¬1) # وهذا قليل، لأن القياس أن لا يضمر ما يتعدى بخافض (¬2). # والقول الآخر: أن معنى القعد والقعيد: الرقيب الحفيظ، من قوله تعالى: # {عن اليمين وعن الشمال قعيد} (¬3) أى رقيب ms271 (¬4) وحفيظ، فقعد وقعيد فى هذا ~~القول، كخل وخليل، وند ونديد، وشبه وشبيه، وإذا كان كذلك فهما من صفات ~~القديم سبحانه وتعالى، فهو الرقيب الحفيظ، فإذا قلت: قعدك الله وقعيدك ~~الله، على هذا المعنى (¬5)، نصبت اسم الله على البدل. # قد انتهى القول فى حذف الفعل، للدلالة عليه، ويليه حذف الفعل مع «أما» ~~وهو القسم الرابع. # حذفوا الفعل مع «أما» فيما حكاه سيبويه (¬6) من قولهم: أما أنت منطلقا ~~انطلقت معك، وأما زيد ذاهبا ذهبت معه، أى لأن كان ذاهبا ذهبت معه، قال عباس ~~بن مرداس: # أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومى لم تأكلهم الضبع (¬7) PageV02P114 # قال: فإنما هى «أن» ضمت إليها «ما» وهى ما التوكيد، ولزمت «ما» كراهية أن ~~يجحفوا بها، لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء ~~الزنادقة واليمانى. # قوله: وهى «ما» التوكيد، يعنى «ما» التى تزاد مؤكدة للكلام، إلا أنها ~~هاهنا لازمة، لما ذكره من كونها عوضا. # وقوله: كراهة أن يجحفوا بها، أى بالكلمة التى زيدت معها، لأن «أن» مع ~~«كان» فى تقدير الكون، والكون المقدر هو الكلمة التى كرهوا أن يجحفوا بها. # وقوله: كما كانت الهاء والألف/عوضا من ياء الزنادقة واليمانى، أراد أن ~~واحد الزنادقة: زنديق، فقياسه فى الجمع: زناديق، كمناديل، فحذفوا ياء ~~زناديق، وعوضوا منها هاء التأنيث، وأما اليمانى، فالأصل فى النسب إلى ~~اليمن: يمني، فخففوه بأن حذفوا إحدى ياءيه، وعوضوا منها الألف، فدخل فى باب ~~المنقوص، ومثله قولهم فى النسب إلى الشام: شآم، وإلى تهامة: تهام، والأصل: ~~تهمى كيمنى، نسبوا إلى التهم، ثم عدلوا عنه إلى تهام. # ... PageV02P115 ### || AUTO فصل # قال سيبويه (¬1) بعد أن ذكر «أما»: ومثل ذلك قولهم: افعل ذا إمالا، كأنه ~~قال: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، ولكنهم حذفوا «ذا» لكثرة استعمالهم إياه. # انتهى كلامه. # وأقول: إن قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك، وأما زيد ذاهبا ذهبت معه، ~~حذفوا منه «كان» وحدها، وأبقوا اسمها وخبرها، وقولهم: إمالا، حذفوا فيه كان ~~واسمها وخبرها، على أن خبرها جملة، و «إما» ms272 هى إن الشرطية، مدغمة نونها فى ~~ميم «ما»، وإنما ألزموها «ما» عوضا من كان واسمها وخبرها، وجعلوا «لا» ~~النافية منتهى الكلام، وأهل الإمالة يميلون ألفها، لقوتها من حيث سدت مسد ~~الفعل وفاعله ومفعوله، أعنى الجملة التى هى خبر كان، كما استجازوا إمالة ~~«بلى» لأنها سدت مسد جواب التقرير، فى نحو: {ألست بربكم} (¬2) وكما ~~استحسنوا إمالة حرف النداء، لنيابته عن أدعو. # ولا يستعملون «إما لا» إلا بعد كلام دائر بين متكالمين، وسأل أحدهما ~~الآخر أن يفعل شيئا سأله أن يفعله فأبى، فقال له السائل: إن كنت لا تفعل ~~كذا فافعل كذا، وتمثيل ذلك أن يكون سأله الإقامة عنده ثلاثة أيام، فامتنع ~~من ذلك /واعتذر بعذر ما، فقال: إما لا فأقم عندى يومين، أى إن كنت لا تقيم ~~ثلاثة أيام فأقم يومين. PageV02P116 # فتأمل هذا الفصل، فما علمت أن أحدا كشفه هذا الكشف (¬1). # وهذا اللفظ، أعنى «إمالا» كثيرا ما يدور فى كلام العامة، فيفتحون همزة ~~«أما لا» (¬2) يميلون ألف لا. # والخامس: حذف الفعل جوابا، فمن ذلك حذفه جوابا للشرط والقسم، ولو ولولا ~~ولما وأما، وحتى إذا. # فحذفه جوابا للشرط، كقولك: من كفى شر نفسه، فتحذف الجواب، لأنه معلوم، أى ~~كفى شرا عظيما، وكذلك تقول: أتصير إلى؟ فيقول: إن انتظرتنى، يريد: إن ~~انتظرتنى صرت إليك، وحسن حذف الجواب، لأن قوله: # أتصير إلى؟ دل عليه، وفى التنزيل: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم} (¬3) أى إن شكرتم وآمنتم لم يعذبكم، لأن معنى {ما يفعل الله ~~بعذابكم} أى شيء يفعل الله بعذابكم؟ فما هاهنا مخرجها مخرج الاستفهام، ~~ومعنى الكلام التقرير بأن العذاب لا يكون للشاكر المؤمن، لأن تعذيب الشاكر ~~المؤمن لا غرض لحكيم فيه، فكيف بمن لا تضره المضار، ولا تنفعه المنافع، ~~سبحانه وتعالى؟ # وأما حذف جواب القسم، فقد ورد فى قوله جل اسمه: {ص. والقرآن ذي الذكر} ~~(¬4) تقدير الجواب: لقد حق الأمر، وقيل: الجواب {كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن} (¬5) والمراد: لكم أهلكنا، فحذف اللام، لأن الكلام بينهما طال، PageV02P117 # فصار طوله عوضا منها، كما حذفت ms273 من جواب {والشمس وضحاها} (¬1) وهو قوله: ~~{قد أفلح من زكاها} وقيل: إن الجواب قوله: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ~~(¬2) وهذا قول ضعيف (¬3) جدا، لبعد ما بينه وبين القسم، ولأن الإشارة بقوله: # {ذلك} متوجهة إلى ما يكون من التلاوم والتخاصم بين أهل النار/يوم ~~القيامة، وذكر تلاومهم متأخر عن القسم، والذى يقتضيه صواب الكلام أن تعود ~~الإشارة إلى شيء سابق، نحو أن توجب شيئا قد جرى قبل القسم، فتقول: والله ~~لقد فعلت ذلك، فتتوجه الإشارة إلى ما تقدم ذكره، أو تنكر شيئا فتقول: والله ~~ما فعلت ذلك. # فالقول الأول فى تقدير الجواب هو الوجه. # وقد يجمعون بين القسم والشرط، فيحذفون جواب أحدهما، لدلالة المذكور على ~~المحذوف، فإن قدموا القسم حذفوا جواب الشرط، وإن قدموا الشرط حذفوا جواب ~~القسم، فمثال تقديم الشرط، قولك: إن زرتنى والله أكرمتك، ومثال تقديم ~~القسم، قولك: والله إن زرتنى لأكرمنك، وقد يدخلون على حرف الشرط اللام، ~~مزيدة مفتوحة، مؤذنة بالقسم، فيغلبون بها القسم على الشرط، وإن لم يذكروا ~~القسم، كقولك: لئن زرتنى لأكرمنك، ومثله فى التنزيل: {لئن أخرجوا لا يخرجون ~~معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار} (¬4) وأما PageV02P118 # قوله تعالى: {وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين} ~~(¬1) فإن الفاء جواب «أما» لأمرين، أحدهما: تقديمها على «إن» والآخر: # أن جواب «أما» لا يحذف في حال السعة والاختيار، وجواب «إن» قد يحذف فى ~~الكلام، نحو ما قدمته، ومنه قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله} (¬2) أى إن كنتم تؤمنون بالله فردوه ~~إلى الله والرسول، ونظيره فى الكلام: أنت (¬3) ظالم إن فعلت، حذفت جواب إن ~~فعلت، لدلالة قولك: # أنت ظالم، عليه. # فإن قيل: قد جاء حذف جواب «أما» فى القرآن فى قوله: {فأما الذين اسودت ~~وجوههم} (¬4). # قيل: إنما جاز ذلك، لأن تقدير الجواب: فيقال لهم: أكفرتم، والقول إذا ~~أضمر (¬5)، فهو كالمنطوق به. # ومما سد فيه الجواب مسد الجوابين، قوله تعالى: / {ولولا رجال مؤمنون ~~ونساء مؤمنات لم تعلموهم ms274 أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله ~~في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم} (¬6) قوله: {لعذبنا} ~~سد مسد الجوابين، جواب لولا، وجواب لو، وكثيرا ما يحذفون جواب «لو» وذلك ~~نحو PageV02P119 # قولك، إذا كنت مخبرا بعظيم أمر شاهدته: لو رأيت الجيش خارجا قد جمع الطم ~~والرم، تريد: لرأيت شيئا عظيما. # إذا بالغوا فى تكثير الجمع شبهوه بالطم والرم، فالطم: البحر، والرم: # الثرى. # ومما حذف فيه جواب «لو» قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو ~~قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} (¬1) ثم قال: {بل لله الأمر جميعا} وتقدير ~~الجواب: لكان هذا القرآن. # وكذلك جواب «لولا» تحذفه بعد قولك لمن توبخه وتعنفه: فعلت كذا وفعلت كذا ~~ولولا زيد، تريد: لقابلت فعالك بالعقوبة. # وأما حذف جواب «حتى إذا» فقال أبو إسحاق الزجاج فى قوله: {حتى إذا جاؤها ~~وفتحت أبوابها} (¬2): سمعت محمد بن يزيد، يذكر أن الجواب محذوف، وأن المعنى ~~{حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين} (¬3) سعدوا، فالمعنى فى الجواب: حتى إذا كانت هذه الأشياء PageV02P120 # صاروا إلى السعادة، وقال أبو إسحاق الزجاج: وقال قوم (¬1): الواو مقحمة، ~~والمعنى حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وقال: والمعنى عندى {حتى إذا جاؤها ~~وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} دخلوها، ~~وحذف الجواب، لأن فى الكلام دليلا عليه، انتهى كلام أبى إسحاق. # وأقول: إن حذف الأجوبة فى هذه الأشياء أبلغ فى المعنى، ولو قدر فى موضع ~~دخلوها: فازوا (¬2)، لكان حسنا، ومثل الآية فى حذف الجواب قول الشاعر: # حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا (¬3) # /وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب # تقدير الجواب بعد قوله: # وقلبتم ظهر المجن لنا # ظهر عجزكم عنا، وخبكم لنا، ودلك على ذلك قوله: إن اللئيم العاجز الخب. PageV02P121 # وقيل فى البيت كما قيل فى الآية: إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشىء، لأن ~~زيادة الواو لم تثبت فى شيء من الكلام الفصيح، وحذف الأجوبة كثير، وأما قول ~~الآخر ms275 (¬1): # حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة ... شلا كما تطرد الجمالة الشردا # وهو آخر القصيدة، فإن الجواب هو الفعل المقدر الناصب للمصدر، أى شلوهم ~~شلا (¬2). # ومثال حذف جواب «لما» أنك تقول: لما التقت الأقران، وخرج فلان من الصف، ~~معلما شاهرا سيفه، وجال بين العسكرين، وتسكت، تريد: قاتل وأبلى وبالغ. # وحذف جواب «أما» كقوله تعالى: {فأما الذين اسودت وجوههم} (¬3) فعلى ما ~~قدمته، أى: فيقال لهم: {أكفرتم} ومثله: {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي ~~تتلى عليكم} (¬4) أى: فيقال لهم: أفلم تكن آياتى تتلى عليكم؟ # ... PageV02P122 ### | AUTO المجلس الثالث والأربعون # يتضمن ذكر ما حذف من الجمل والأسماء الآحاد، اختصارا # ، وهو القسم السادس، ويليه فصول من حذف الحرف. [الحذف (¬1)] اختصارا من ~~أفصح كلام العرب، لأن المحذوف كالمنطوق به، من حيث كان الكلام مقتضيا له، ~~لا يكمل معناه إلا به، فمن ذلك فى التنزيل، الحذف فى قوله: {ولا تحلقوا ~~رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك} (¬2) أراد: فحلق ففدية، فاختصر، ولم يذكر «فحلق» ~~اكتفاء بدلالة قوله: {ولا تحلقوا رؤسكم} عليه، وحذف أيضا «عليه» الذى هو ~~خبر {ففدية}، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم (¬3)، وحذف مفعول «حلق» فحقيقة اللفظ: # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من/رأسه فحلق رأسه فعليه فدية. # ومثله فى حذف الجملة والعاطف قوله: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق} (¬4) أراد: فضربه فانفلق، فلم يذكر فضربه، لأنه حين قال: # {أن اضرب بعصاك البحر} علم أنه ضربه، ومثله: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} ~~(¬5) ومثله، وهو أبلغ فى الحذف، لأن المحذوف منه جملتان وعاطفان، PageV02P123 # قوله: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى} (¬1) التقدير: فضربوه ~~فحيى، كذلك يحيى الله الموتى. # ومما حذف منه ثلاث جمل وثلاثة عواطف، قوله تعالى: {وقال الذي نجا منهما ~~وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون} (¬2) ثم قال: {يوسف أيها الصديق ~~أفتنا} وإنما التقدير: فأرسلوه فأتى يوسف فقال له: يوسف أيها الصديق. # ومما حذف منه همزة الاستفهام مع ما دخلت عليه ms276 من الكلام، قوله تعالى: # {وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ~~أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما} (¬3) جاء فى التفسير، أن المعنى: ~~أهذا أفضل أم من هو قانت؟ فحذف ذلك اكتفاء بالمعرفة بالمعنى، وأنشدوا ~~للأخطل (¬4): # لما رأونا والصليب طالعا ... ومارسرجيس وموتا ناقعا # خلوا لنا راذان والمزارعا ... وحنطة طيسا وكرما يانعا # كأنما كانوا غرابا واقعا # أراد: فطاروا كأنهم كانوا غرابا، فحذف اللفظ الذى فيه المعنى، لأنه قد ~~علم ما أراد بتشبيههم بالغراب، ولا معنى لتشبيههم به، إلا كون انهزامهم ~~كطيرانه، فحذف الفعل والفاعل مع العاطف، وشبيه بذلك قول جرير (¬5): PageV02P124 # وردتم على قيس بخور مجاشع ... فبؤتم على ساق بطيء جبورها # أراد (¬1): فبؤتم على ساق مكسورة بطىء/جبورها» كأنه لما كان فى قوله: ~~«بطيء جبورها» دليل على الكسر، اقتصر عليه. # ومما حذف منه ثلاث جمل قول الشنفرى: # لا تقبرونى إن قبرى محرم ... عليكم ولكن خامرى أم عامر (¬2) # أم عامر: كنية الضبع، وكان الرجل إذا أراد أن يصطادها دخل عليها وهى فى ~~مغارها، وهو يقول: خامرى أم عامر، ويكرر هذا القول، ومعنى خامرى: # قاربى، فلا يزال يقول ذلك ويدنو، حتى يضع فى عنقها حبلا، فأراد: لا ~~تدفنونى ولكن دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أم عامر (¬3). # ومن حذف هذا الضرب فى التنزيل أيضا، حذف الجملة فى قوله تعالى: # {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين} (¬4) أى: وقيل ~~(¬5) لى: ولا تكونن من المشركين، ومثله فى قصة سليمان والجن: {يعملون له ما ~~يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا} ~~(¬6) PageV02P125 # أى (¬1): وقيل له: اعملوا آل داود شكرا، فالخطاب له فى اللفظ، وله ولأهل ~~بيته فى المعنى، كما قال تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} (¬2) ~~وكما قال: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} (¬3) ثم ~~قال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا} فالخطاب فى ~~هذا ونظائره له ولأمته. # وهاهنا سؤال، وهو: كيف ms277 قال: (اعملوا شكرا) ولم يقل: اشكروا، كما قال: ~~{واشكروا له إليه ترجعون} (¬4) ولم يقل: اعملوا له شكرا، وكما قال: # {واشكروا لي ولا تكفرون} (¬5) ولم يقل: واعملوا لى شكرا، وكلام العرب أن ~~يقولوا: # شكرت لفلان، وشكرت فلانا، ولا يقال: عملت له شكرا، وهذا مما سئلت عنه ~~قديما، سألنى عنه بعض أفاضل العجم. # والجواب: أن قوله {شكرا} ليس بمفعول (¬6) [به] وإنما هو مفعول له (¬7)، ~~ومفعول: {اعملوا} /محذوف، والمراد: اعملوا الأعمال الصالحة شكرا على هذه النعم. # ومما جاء فيه حذفان، قول أوس بن حجر (¬8): # حتى إذا الكلاب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طلبا # أراد: قال للبقر والكلاب: لم أر كاليوم مطلوبا وطالبا (¬9)، فحذف النافى PageV02P126 # والمنفى، اللذين هما «لم أر» فلذلك جاء بحرف النفى مع المعطوف فى قوله: # «ولا طلبا» لأنه عطفه على ما عمل فيه فعل منفى، ووضع المصدر الذى هو ~~«طلب» موضع اسم الفاعل الذى هو «طالب» ويجوز أن يكون التقدير: ولا ذا طلب، ~~فهذا حذف، والحذف الآخر: أنهم إذا قالوا: لم أر كاليوم رجلا، فإنهم يريدون: ~~لم أر رجلا كرجل أراه اليوم، فكذلك أراد: لم أر مطلوبا كمطلوب أراه اليوم. # ومن الحذف الطويل فى قول أبى دواد الإيادى (¬1): # إن من شيمتى لبذل تلادى ... دون عرضى فإن رضيت فكونى # أراد: فكونى (¬2) معى على ما أنت عليه، فإن لم ترضى فبينى، فحذف هذا كله. # وقال آخر: # إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها ... جرى دون ليلى مائل القرن أعضب (¬3) # أراد: لعلها قريبة، فحذف خبر لعل، وقد قدمنا نظائر هذا، والمعنى: إذا ~~قيل: سيروا لعل ليلى قريبة، برح لنا ظبى ذو قرن معوج وقرن مكسور، فآذن ~~ببعدها. والبارح من الظباء: الذى يجيء عن ميسرة السائرين، وهم يتطيرون به، ~~والسانح: الذى يجيء عن يمينهم، وهم يتيمنون به. # ... PageV02P127 ### || AUTO فصل # ذكر حذف الحرف # الحرف على ضربين: حرف معنى، وحرف من نفس الكلمة. # فمن الحروف/المعنوية التى وقع بها الحذف، أحرف خافضة، منها اللام، وحذفها ~~مطرد مع أن الشديدة وأن الخفيفة، كقولك: ما جئتك إلا أنك كريم، تريد: إلا ms278 ~~لأنك، وكذلك: ما أتيته إلا أن يحسن إلى، تريد: إلا لأن يحسن. # ومما حذفوا منه اللام فى الشعر، قول الأعشى (¬1): # أبالموت الذى لا بد أنى ... ملاق لا أباك تخوفينى # والوجه: لا أبا لك، كما قال زهير (¬2): # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # وإنما ضعف حذف هذه اللام، لأنها فى هذا الكلام معتد بها، من وجه، وإن ~~كانت غير معتد بها من وجه آخر، فالاعتداد بها، من حيث منعت الاسم، لفصلها ~~بينه وبين المجرور بها، أن يتعرف بإضافته إليه، فيكون اسم «لا» معرفة، PageV02P128 # وترك الاعتداد بها، من حيث ثبتت الألف فى «أب» ألا ترى أن الألف لا تثبت ~~فى هذا الاسم إلا فى الإضافة (¬1)، نحو: رأيت أباك وأبا زيد، فلولا أنه فى ~~تقدير الإضافة إلى الكاف، فى «لا أبا لك» لم تثبت الألف، وكذلك حكم اللام، ~~فى قولك: # لا غلامى (¬2) لك، ولا غلامى لزيد، فالاعتداد بها، من حيث منعت «غلامين» ~~التعرف بالإضافة إلى المعرفة، وترك الاعتداد بها، من حيث حذفت نون ~~«غلامين»، فلو لم يقدروا إضافتهما لما حذفت النون. # ومما حذفت منه اللام قولهم: شكرت لزيد، ونصحت له، هذا هو الأصل فيهما، ~~لأن التنزيل جاء به، فى قوله جل اسمه: {واشكروا لي ولا تكفرون} (¬3) وقوله: ~~{أن اشكر لي ولوالديك} (¬4) وقوله: {وأنصح لكم} (¬5) و {إذا نصحوا لله ~~ورسوله} (¬6) وجاء حذفها فى كلامهم نظما ونثرا، فمن النظم قول النابغة (¬7): # نصحت بنى عوف فلم يتقبلوا ... رسولى ولم تنجح لديهم وسائلى # /وقول آخر: # سأشكر عمرا إن تراخت منيتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلت (¬8) # نصب «أيادى» بتقدير حذف الخافض، أراد: على أياد، فلما حذف PageV02P129 # «على» نصب، ويجوز أن تنصب «أيادى» بدلا من «عمرو» بدل الاشتمال، وتقدر ~~العائد إلى المبدل منه محذوفا، تريد: أيادى له، وحذفت «له» كما حذف الأعشى ~~الضمير مع الجار فى قوله (¬1): # لقد كان فى حول ثواء ثويته ... تقضى لبانات ويسأم سائم # أراد: ثويته (¬2) فيه. # ومما عدوه باللام كال ووزن، فى نحو: كلت لك قفيزين برا، ووزنت لك ms279 منوين ~~عسلا، وجاء حذف هذه اللام فى كثير من كلامهم، كقولك: كلتك البر، ووزنتك ~~العسل، وقد يحذفون المفعول الثانى، فيقولون: كلتك ووزنتك، وعليه جاء قوله ~~تعالى: {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} (¬3) معناه: كالوا لهم أو وزنوا لهم. # وأخطأ بعض المتأولين فى تأويل هذا اللفظ، فزعم (¬4) أن قوله: «هم» ضمير ~~مرفوع، وكدت به الواو، كالضمير فى قولك: خرجوا هم، فهم على هذا التأويل ~~عائد على المطففين. PageV02P130 # ويدلك على بطلان هذا القول عدم تصوير الألف بعد الواو، فى {كالوهم} و ~~{وزنوهم} ولو كان المراد ما ذهب إليه هذا المتأول، لم يكن بد من (¬1) إثبات ~~ألف بعد الواو، على ما اتفقت عليه خطوط المصاحف كلها، فى نحو: # {خرجوا من ديارهم} (¬2) و {قالوا لنبي لهم} (¬3) وإذا ثبت بهذا فساد ~~قوله، فالضمير الذى هو «هم» منصوب بوصول الفعل إليه، بعد حذف اللام، وهو ~~عائد على {الناس} فى قوله تعالى: {إذا اكتالوا على الناس} (¬4) وهذا أيضا ~~دليل على فساد قوله: إن الضمير مرفوع، ألا ترى أن المعنى: إذا كالوا على ~~الناس يستوفون، وإذا كالوا/للناس أو وزنوا للناس يخسرون (¬5). # ومما حذفوا من الحروف الخافضة «من»، فى قولهم: اخترت الرجال زيدا، ~~يريدون: من الرجال، وجاء فى التنزيل: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} (¬6) ~~أى من قومه، وقال الفرزدق: # ومنا الذى اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هب الرياح الزعازع (¬7) # فالنصب فى «الرجال» بوصول الفعل بعد حذف الخافض. # ومما حذفت منه «من» وأعملت محذوفة، قول أبى حية النميرى (¬8): PageV02P131 # رأين خليسا بعد أحوى تلعبت (¬1) ... بفوديه سبعون السنين الكوامل # وأنكرت إعراض الغوانى ورابنى ... وأنكرن إعراضى وأقصر باطلى # أراد: من السنين، فحذفها وأعملها. # وذهب الخليل إلى أن النكرة بعد «كم» فى نحو: كم رجل عندى، تنجر على إرادة ~~«من» والدليل على جواز ذلك، كما قال الخليل، قول الأعشى (¬2): # كم ضاحك من ذا ومن ساخر # أراد: كم من ضاحك، فلذلك عطف عليه بمن، فقال: ومن ساخر. # وبالجملة إن إضمار الجار وإعماله بغير عوض، ضعيف، وإنما استجازوا إضمار ~~«من» بعد «كم» لأنه قد عرف موضعها، وكثر ms280 استعمالها فيه، كما كثر استعمال ~~الباء فى جواب قولهم: كيف أصبحت؟ فقيل ذلك لرؤبة، فقال (¬3): «خير عافاك ~~الله»، فحذف الباء وأعملها، وسوغ له ذلك ما ذكرته من كثرة استعمالها مع هذا اللفظ. # ومثل ذلك حذف الباء من اسم الله تعالى، فى القسم، فى لغة من قال: # الله لتفعلن، وهو قليل، ولم يستعملوه فى غير هذا الاسم، تعالى مسماه، فهو ~~مما اختص به، كاختصاصه بالتاء فى القسم، وبقطع همزته فى النداء، فى إحدى ~~اللغتين، وبتفخيم لامه (¬4) إذا تقدمتها ضمة أو فتحة، وبإلحاق آخره ميما ~~مثقلة عوضا PageV02P132 # من حرف النداء قبله، فى قولهم: اللهم، وإنما يكثر فى كلامهم الخفض فى هذا ~~الاسم بهمزة الاستفهام، نائبة عن الواو، /فى قولهم: آلله لتفعلن، أصله: # أو الله، فحذفوا الواو وأنابوا الهمزة عنها، فأعملوها عملها، وكذلك ~~أنابوا حرف التنبيه عن الواو، فجروا بها فى قولهم: لاها الله ذا، يريدون: ~~لا والله ذا قسمى. # ومما حذفوا منه الباء، فعاقبها النصب، قولهم: أمرتك الخير، يريدون: # بالخير، قال: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب (¬1) # والباء كثيرا ما تحذف فى قولهم: أمرتك أن تفعل كذا، فإذا صرحوا بالمصدر، ~~قالوا: أمرتك بفعل كذا، وإنما استحسنوا حذف الباء مع «أن» لطول «أن» بصلتها ~~التى هى جملة، فمن حذفها فى التنزيل، حذفها فى قوله تعالى: # {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات} (¬2) ومن إثباتها مع المصدر الصريح ~~إثباتها فى قوله تعالى: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} (¬3). # ومعنى قول أبى حية: «رأين خليسا بعد أحوى» الخليس: الشعر الأشمط (¬4)، ~~والأجوى: الأسود. # وقوله: «بفوديه» الفودان: شعر جانبى الرأس مما يلى الأذنين. PageV02P133 # ومما حذف منه حرف الجر، فعاقبه النصب قول المتلمس (¬1): # آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله فى القرية السوس # أراد: على حب العراق. # ومما حذفوه من الحروف الجارة، وعوضوا منه، كما حذفوا واو القسم وعوضوا ~~منها الهمزة الاستفهامية وحرف التنبيه: رب، حذفوها، وعوضوا منها الواو، ~~كقول القائل (¬2): «وقرن قد دلفت إليه فى المصاع» وكقوله: # وسبى قد حويته فى المغار ms281 # أراد: رب قرن، فحذف رب، وأدخل الواو، فمن النحويين (¬3) من قال: إن الواو ~~هى الجارة، على طريق النيابة، ومنهم/من قال: إن الجر برب مقدرة، والقول ~~الأول عند بعض النحويين أجود، قال: لأنك إذا لم تحكم بأن الجر للواو، كانت ~~عاطفة، والعاطف لا يقع أولا، وإنما يجيء بعد معطوف عليه، وهذه الواو كثيرا ~~ما تقع مبتدأ بها فى الشعر، كقول رؤبة: # وبلد عامية أعماؤه ... كأن لون أرضه سماؤه (¬4) # فلو حكمت بأن الجر لرب، تمحضت الواو للعطف ابتداء، والعطف لا يقع PageV02P134 # ابتداء، وعند آخرين من أئمة النحويين، منهم أبو (¬1) على، أن الجر برب، ~~واستدل أبو على بقول الهذلى: # فإما تعرضن أميم عنى ... وتنزعك الوشاة أولو النياط (¬2) # فحور قد لهوت بهن عين ... نواعم فى البرود وفى الرياط # فالفاء جواب الشرط، وإذا كانت الفاء جوابا للشرط، حصل انجرار الاسم (¬3) ~~[بالجار] المضمر، ومن الدليل على ذلك أيضا قوله: # بل بلد ملء الفجاج قتمه (¬4) # «فلو كان الجر بالواو، دون رب المضمرة، لكان الجر فى قوله: «بل بلد» ببل، ~~قال: وهذا لا نعلم أحدا به اعتداد يقوله». # قوله: «أولو النياط» النياط: جمع نوطة، والنوطة: الحقد. # والريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، وجمعها: ريط ورياط. # وقول رؤبة: «عامية أعماؤه» أى غير واضحة نواحيه وأقطاره. # وقوله: «كأن لون أرضه سماؤه» هو من المقلوب، وفيه تقدير حذف مضاف، وإنما ~~أراد: كأن لون سمائه لون أرضه، وذلك لأن القتام لأجل الجدب ارتفع حتى غطى ~~السماء، فصار لونها كلون الأرض، وقد اتسع القلب فى كلامهم حتى استعملوه فى ~~غير الشعر، فقالوا: أدخلت القلنسوة فى رأسى، والخاتم فى PageV02P135 # إصبعى، ومما جاء منه فى الشعر قول الأخطل (¬1): # مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوءاتهم هجر # قال الأخفش (¬2): جعل هجر كأنها هى البالغة، وهى المبلوغة فى المعنى. # قوله: «هداجون» الهدجان: مشى الشيخ، وهدج الظليم: إذا مشى فى ارتعاش. # ومن المقلوب قول كعب بن زهير (¬3): # كأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل # القور: جمع قارة، وهى الجبيل الصغير. # والعساقيل: ms282 اسم لأوائل السراب، جاء بلفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه. # والتلفع: الاشتمال والتجلل، وقال: «تلفع بالقور العساقيل» وإنما المعنى: # تلفع القور بالعساقيل. # وقال أبو العباس ثعلب، فى قوله تعالى: {ثم في سلسلة ذرعها سبعون} PageV02P136 # {ذراعا فاسلكوه} (¬1): هذا من المقلوب، وتقديره: اسلكوا فيه سلسلة. # وقال أبو زيد (¬2): يقال: «إذا طلعت الجوزاء انتصب العود فى الحرباء» ~~يريدون: انتصب الحرباء فى العود، والحرباء: دويبة تعانق عودا، وتدور مع عين ~~الشمس حيث دارت إلى أن تغيب. # وقال أبو الحسن الأخفش: يقولون: «عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على ~~الماء» يريدون: عرضت الماء عليها، وأنشد الأخفش: # وإن أنت لاقيت فى نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما (¬3) # قال: أراد: لا تتهيبها، وقال ابن مقبل (¬4): # ولا تهيبنى الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر # الأصداء: جمع الصدى، وهو ذكر البوم، والصدى: الصوت الذى يجيبك إذا صحت ~~بقرب جبل. # وأنشدوا فى المقلوب: # كما لففت الثوب فى الوعاءين (¬5) # أراد: كما لففت الثوبين فى الوعاء. # ومما حذفوا منه «إلى» قولهم: دخلت البيت، وذهبت الشام، ولم يستعملوا PageV02P137 # ذهبت/بغير «إلى» إلا فى الشام، وليس كذلك دخلت، بل هو مطرد فى جميع ~~الأمكنة، نحو: دخلت المسجد، ودخلت السوق، فمذهب سيبويه (¬1) أن البيت ينتصب ~~بتقدير حذف الخافض، وخالفه فى ذلك أبو عمر الجرمى، فزعم أن البيت مفعول به، ~~مثله فى قولك: بنيت البيت، واحتج أبو علي لمذهب سيبويه، بأن نظير دخلت ~~ونقيضه، لا يصلان إلى المفعول إلا بالخافض، فنظيره: غرت، ونقيضه خرجت، فلما ~~قالوا: غرت فى البيت، وخرجت من البيت، كان حكم دخلت كحكمهما (¬2) فى التعدى ~~بالخافض، ولما عدوا خرجت بمن، وهى لابتداء الغاية، دل على أن دخلت حكمه ~~التعدية بإلى، لأنها لانتهاء الغاية. # واحتج أبو علي أيضا بأن مصدر دخل، جاء على الفعول، والفعول فى الأغلب ~~إنما يكون للأفعال اللازمة، نحو صعد صعودا، ونزل نزولا، وخرج خروجا، ولغب ~~لغوبا، وشحب لونه شحوبا، وسهم وجهه سهوما، فجعل الدخول دليلا على أن دخل فى ~~أصل وضعه مستحق للتعدية بالخافض، الذى هو «إلى» وقد تعدى بفى، كما عدى ms283 بها ~~غرت، فيقال: دخلت فى البيت، كما يقال: دخلت فى هذا الأمر، ومثل ذلك فى ~~التنزيل: {ادخلوا في السلم كافة} (¬3). # فإن قيل: إن تعديته بفى إنما جاء فى غير الأمكنة. # قيل: وقد جاء فى الأمكنة كقول أعرابي أدخل حماما: PageV02P138 # أدخلت فى بيت لهم محندس ... قد مردوه بالرخام الأملس (¬1) # فقلت فى نفسى بالتوسوس ... أدخلت فى النار ولما أرمس # محندس: من الحندس، وهو الظلام. # ومردوه: ملسوه، ومنه الغلام الأمرد، وشجرة مرداء: لا ورق عليها. # ... PageV02P139 ### | AUTO المجلس الرابع والأربعون # /يتضمن ذكر الحذف، فيما لم نذكره من حروف المعانى # ، وحذف حروف من أنفس الكلم، فمما حذف من حروف المعانى «لا» إذا وقعت ~~جوابا للقسم، كقول امرئ القيس (¬1): # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى # أى لا أبرح، ومثله: # تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس (¬2) # الظيان: الياسمين. # وقد جاء حذف «لا» من هذا الضرب فى التنزيل، فى قوله تعالى: {قالوا تالله ~~تفتؤا تذكر يوسف} (¬3) أراد: لا تفتأ، أى لا تزال تذكر يوسف {حتى تكون ~~حرضا} PageV02P140 # والحرض: الذى أذابه الحزن أو العشق، قال الشاعر (¬1): # إنى امرؤ لج بى حب فأحرضنى ... حتى بليت وحتى شفنى السقم # وقد حذفت اللام من جواب القسم، كما حذفت «لا» وذلك من جواب: # {والشمس وضحاها} (¬2) وهو قوله: {قد أفلح من زكاها} وكذلك حذفها الشاعر ~~من قوله: # وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن أخاكم لم يثأر (¬3) # أراد: لأثأرن. # وقوله: «فرغ»، يقال فيه: ذهب دم فلان فرغا، أى باطلا لم يطلب (¬4) [به]. # وقد جاء حذف النون وإبقاء اللام فى قراءة ابن كثير: «لأقسم بيوم» PageV02P141 # «القيامة» (¬1) وحذف النون هاهنا حسن (¬2)، لأن نون التوكيد تخلص الفعل ~~للاستقبال، والله تعالى أراد الإقسام فى الحال، كقولك: والله لأخرج، تريد ~~بذلك خروجا أنت فيه، ولو قلت: لأخرجن، أردت خروجا متوقعا. # ومن قرأ {لا أقسم بيوم القيامة} (¬3) ففى قراءته قولان، أحدهما: أن تكون ~~«لا» مزيدة/كالتى فى قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب} (¬4) وهو قول أبى ~~على، وقال: فإن قلت: إن الحرف الذى يزاد ms284 إنما يزاد وسطا، كزيادة «ما» و ~~«لا» فى قوله: {فبما رحمة من الله} (¬5) و «مما خطاياهم» (¬6) وقوله: # {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} (¬7) [ولا يزاد (¬8) أولا. فقد قالوا: ~~إن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة، قالوا: والذى يدل على ~~ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله: {وقالوا ~~يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} (¬9) جاء جوابه فى سورة أخرى: {ما ~~أنت بنعمة ربك بمجنون} (¬10) PageV02P142 # فلا فرق إذن على هذا بين قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} وقوله: {فلا أقسم ~~برب المشارق والمغارب}] وبين قوله: {لا أقسم بيوم القيامة}، وقد حملت «ما» ~~على الزيادة، مع وقوعها أولا فيما أنشده أبو زيد (¬1): # ما مع أنك يوم الورد ذو جزر (¬2) ... ضخم الدسيعة بالسلمين وكار # وأنكر بعض النحويين (¬3) أن تكون «لا» زائدة فى قوله تعالى: {لا أقسم ~~بيوم القيامة} قال: لأن كون الحرف زائدا يدل على اطراحه، وكونه أول الكلام ~~يدل على قوة العناية به، فكيف يكون مطرحا معنيا به فى حالة واحدة، وإذا قبح ~~الجمع بين اطراح الشىء والعناية به، بطل كون «لا» فى هذه الآية زائدة، ~~وجعلناها نافية، ردا على من جحد البعث، وأنكر القيامة، وقد حكى الله تعالى ~~أقوالهم فى مواضع من كتابه، وكأنه قيل: {لا} ليس الأمر على ما تقولتموه، من ~~إنكاركم ليوم القيمة {أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة} فلا ~~هاهنا جواب لما PageV02P143 # حكى من جحدهم البعث، كما كان قوله تعالى: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} ~~جوابا لقولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} لأن القرآن يجرى ~~مجرى السورة الواحدة. # ومثل قوله: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} جوابا لما قذفوه به من الجنون، ~~مجىء قوله: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا} (¬1) جوابا لما ورد فى السورة الأخرى من قول ~~عبد الله بن أبى بن سلول، ومن كان معه من المنافقين: {لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} (¬2). # ومجىء «ما» زائدة ms285 فى قول القائل: # ما مع أنك يوم الورد/ذو جزر # من الشاذ النادر، وقوله: «ذو جزر» الجزر: جمع الجزرة، وهى الشاة ~~المذبوحة. # والدسيعة، هاهنا: الجفنة، والدسيعة فى غير هذا: العطية الضخمة، والدسيعة ~~أيضا: مركب العنق فى الكاهل. # والسلم: الدلو، ووكار: عداء. # ومما حذفوه من حروف المعانى: الفاء، حذفت من جواب الشرط، فى قول عبد ~~الرحمن بن حسان بن ثابت: # من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله سيان (¬3) # أراد: فالله يشكرها. PageV02P144 # والفاء العاطفة كثيرا ما تحذف فى الكلام وفى الشعر، وحذفها فى التنزيل ~~كثير، كقوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ~~قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله} (¬1) المعنى: فقالوا: أتتخذنا هزوا، ~~فقال: أعوذ بالله، وقال الشاعر: # لما رأيت نبطا أنصارا ... شمرت عن ركبتى الإزارا (¬2) # كنت لهم من النصارى جارا # أراد: فكنت (¬3). # ومما جاء فيه حذف الواو عاطفة قول الحطيئة: # إن امرأ رهطه بالشام منزله ... برمل يبرين جارا شد ما اغتربا (¬4) # أراد: ومنزله. # ومما استمر فيه حذف الفاء من أوائل آيات متواليات، قوله تعالى: {قال ~~فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. ~~قال لمن حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. قال إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون. ~~قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين. قال أولو جئتك بشيء مبين. ~~قال فأت به إن كنت من الصادقين} (¬5) جميع هذه الآى، الفاء مرادة في ~~أوائلها. PageV02P145 # /ومن حروف المعانى التى حذفت وقدرت «قد» فى قوله تعالى: {أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون} (¬1) أى: وقد اتبعك الأرذلون، أى أنؤمن لك فى هذه الحال؟ وإنما ~~وجب تقدير «قد» هاهنا لأن الماضى لا يقع فى موضع الحال (¬2) إلا ومعه «قد» ~~ظاهرة أو مقدرة، فالظاهرة كقولك: جاء زيد وقد أعيا، أى: معييا، والمقدرة فى ~~الآية المذكورة، ومثلها قوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} ~~(¬3) التقدير: # وقد كنتم أمواتا فأحياكم، ومثله: {أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو ms286 ~~يقاتلوا قومهم} (¬4) قيل: معناه: قد حصرت صدورهم، ويدل على ذلك قراءة الحسن ~~ويعقوب الحضرمي (¬5): {حصرت صدورهم} وقيل: إن الحال هاهنا محذوفة، و {حصرت ~~صدورهم} صفتها، والتقدير: جاءوكم قوما حصرت صدورهم، وهو قول الأخفش (¬6)، ~~وذهب أبو العباس المبرد (¬7) إلى أن قوله: {حصرت صدورهم أن يقاتلوكم} دعاء ~~عليهم، على طريقة: {قاتلهم الله} (¬8) و {قتل الإنسان ما أكفره} (¬9) PageV02P146 # ودفع ذلك أبو على (¬1) وغيره، بقوله تعالى: {أو يقاتلوا قومهم} قالوا: لا ~~يجوز أن ندعو عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم، بل نقول: اللهم ألق ~~بأسهم بينهم. # وأما العوامل فى الفعل، فمنها «أن» المصدرية، وهى تنصب مضمرة، كما تنصب ~~مظهرة، ونصبها مضمرة يكون بعد ثلاثة أحرف عاطفة، وحرفين جارين، فالعاطفة: ~~الفاء والواو وأو، والجاران: لام الإضافة، وحتى التى بمعنى إلى. # فالفاء تضمر بعدها «أن» بعد الأمر والنهى والاستفهام، والنفى والتمني ~~والدعاء والعرض. # ووجه إضمار «أن» بعد الفاء إذا وقعت بعد هذه المعانى، أن المراد بها عطف ~~[مصدر على (¬2)] مصدر متأول، لأنك إذا قلت: زرنى فأكرمك، فالتقدير: # لتكن زيارة منك فإكرام منى، وألزموها الإضمار، لأن المصدر الأول غير مصرح ~~به، فكرهوا التصريح بالمصدر الثانى، فالفاء هنا/فى التحقيق عاطفة، لا جواب، ~~لأن «أن» مع الفعل فى حكم المفرد، والمفرد لا يستقل بنفسه، فيكون جوابا، ~~وإنما سماها النحويون جوابا، لأنها لو سقطت انجزم الفعل الذى بعدها، بكونه ~~جوابا، إلا بعد النفى، وإنما يكون الجزم بعدها، لأن الأمر فى قولك: زرنى ~~أكرمك، ناب عن الشرط، من حيث كان الثانى مستحقا بالأول، ومسببا عنه، كما ~~يكون الجزاء مستحقا بالشرط، فلما دخلت على ما هو جواب بمنزلة الجزاء، سموها ~~جوابا، ألا ترى أنك إذا أسقطتها قلت: زرنى أكرمك، فجزمت أكرمك، لأن قولك: ~~زرنى، قام مقام قولك: إن تزرنى، وكذلك النهى، تقول: لا تضربه يكرمك، ~~تقديره: إن لا تضربه يكرمك، وإنما قدرت فيه حرف النفى، لأن النهى PageV02P147 # نفى، وكذلك قولك: هل تزورنى أكرمك؟ أنبت فيه الاستفهام مناب الشرط. # وأما الواو فيضمرون «أن» بعدها، إذا أرادوا النهى عن الجمع بين الشيئين، ~~كقولك: ms287 «لا (¬1) تأكل السمك وتشرب اللبن»، أى لا تجمع بينهما، وكذلك يفعلون ~~بعد النفى، كقولهم (¬2): لا يسعنى شيء ويعجز عنك، أى لا يجتمع فى شيء أن ~~يسعنى وأن يعجز عنك، ومنه قول دريد بن الصمة (¬3): # قتلت بعبد الله خير لداته ... ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا # أى: فلم يجتمع لى الفخر والجزع. # وإضمارها بعد «أو» إذا أردت بأو: إلا أن، كقولك: لألزمنك أو تفينى بحقى، ~~تريد: إلا أن تفينى. # فإن قيل: فإذا كانت بمعنى إلا، فمن أى شيء وقع الاستثناء؟ # قيل: وقع الاستثناء من الوقت، لأن التقدير: لألزمنك أبدا إلا وقت إيفائك ~~إياى بحقى. # فأما إضمارها بعد «حتى» فتكون «حتى» فيه على معنيين، معنى كى، ومعنى ~~إلى/أن، فإذا كان ما قبلها سببا لما بعدها، فهى بمعنى كى، كقولك: أطع الله ~~حتى يدخلك الجنة، المعنى: كى يدخلك الجنة، لأن دخول الجنة مسبب عن PageV02P148 # الطاعة، وإذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كانت بمعنى إلى أن، كقولك: # لأنتظرنك حتى تغيب الشمس، تريد: إلى أن تغيب الشمس، فغيبوبة الشمس غاية ~~لانتظاره له. # فإن كان الفعل بعد «حتى» حالا، رفعته، لأن العوامل لا تعمل فى الفعل ~~الحاضر، وعلى هذا مثل النحويون رفعه بقولهم: سرت حتى أدخلها، إذا قلت هذا ~~وأنت فى الدخول، وكذلك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه، ترفع «يجيء»، ~~إن أردت به: يجيء (¬1) الآن، أو أردت به المضى، وتكون حكاية حال قد مضت، ~~وعلى هذا قراءة من قرأ: {وزلزلوا حتى يقول الرسول} (¬2) رفعا، معناه: حتى قال. # وأما اللام فعلى ضربين: لام كى، ولام الجحد، فلام كى، مثالها قولك: # زرنى لأكرمك، التقدير: لأن أكرمك، والمعنى كي أكرمك، ولو أظهرت «أن» ~~هاهنا كان حسنا، لأن اللام فى هذا النحو لام العلة التى يحسن إظهارها، فى ~~قولك: جئته مخافة شره، وفى قول الشاعر: # متى تفخر ببيتك فى معد ... يقل تصديقك العلماء جير (¬3) # الأصل: لمخافة شره، ولتصديقك، أى يقولون: نعم ليصدقوك. # ولام الجحد كقولك: ما كان زيد ليكرمك، والتقدير: لأن يكرمك، ولا يجوز ~~إظهار «أن» هاهنا، ومثله ms288 فى التنزيل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} (¬4) ~~قال على ابن عيسى الرمانى: هذه لام الجحد، وأصلها لام الإضافة، والفعل ~~بعدها نصب PageV02P149 # بإضمار «أن» ولا تظهر بعدها «أن» لأن التأويل: ما كان الله مضيعا ~~إيمانكم، فلما كان معناه على التأويل، حمل لفظه على التأويل، من غير تصريح ~~بإظهار «أن» يعنى (¬1) [أنه] لما حمل قوله: {ليضيع} فى المعنى، على مضيع، ~~وبهذا الحمل يصح معنى الكلام، لزم «أن» /الإضمار، فلم يصرح بالمصدر، ليتفق ~~اللفظ والمعنى على التأويل دون التصريح. # ومما أضمروه من عوامل الأفعال، وأجاز النحويون ذلك فى الشعر، لام الأمر، ~~وأنشدوا: # محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا (¬2) # قالوا: أراد: لتفد، فاضطره الوزن إلى حذف اللام، لأن تبقية الجزم يدل على ~~أن ثم جازما، وقال بعضهم: هو خبر يراد به الدعاء، وأصله: تفدى نفسك كل نفس، ~~كما قال (¬3) # ويرحم الله عبدا قال آمينا # وكما جاء فى التنزيل: {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} (¬4) فاحتاج إلى ~~حذف الياء، وإن كان المراد به الخبر، كما حذفت (¬5) فى التنزيل من {نبغي} ~~فى PageV02P150 # قوله: {ذلك ما كنا نبغ} (¬1) وأنشد أبو بكر محمد بن السرى (¬2)، هذا ~~البيت، وأنشد معه لمتمم بن نويرة (¬3): # على مثل أصحاب البعوضة فاخمشى ... لك الويل حر الوجه أويبك من بكى # أراد: أو ليبك، فحذف اللام، قال أبو بكر: وقال أبو العباس (¬4): لا أرى ~~ذا على ما قالوه، لأن عوامل الأفعال لا تضمر، وأضعفها الجازمة، لأن الجزم ~~فى الأفعال نظير الخفض فى الأسماء، ولكن بيت متمم يحمل على المعنى، لأن قوله: # «فاخمشى» فى موضع «فلتخمشى» فعطف (¬5) «يبك» على المعنى، فكأنه قال: # فلتخمشى أو يبك. وأما البيت الآخر، فليس بمعروف، يعنى قول القائل: # محمد تفد نفسك كل نفس # قال أبو بكر (¬6): «على أنه فى كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» يعنى أن ~~سيبويه قدر فيه إضمار اللام. # قوله: «تبالا» التبال: الإهلاك، تبلهم الدهر: أفناهم. # ... PageV02P151 ### || CHECK فصل فى ذكر [بعض] ما حذف من الحروف التى من أنفس الكلم # فصل # فى ذكر (¬1) [بعض] ms289 ما حذف من الحروف التى من أنفس الكلم # ، فمن ذلك حروف العلة، /الألف، والواو، والياء، والهمزة. # فالألف تحذف فى نحو: تخشى وتسعى، إذا لقيتها الواو، فى قولك: # تخشون وتسعون، وإذا لقيتها الياء، فى قولك: أنت تخشين وتسعين، فوزن ~~تخشون: تفعون، وتخشين: تفعين. # وكذلك الواو فى نحو: يدعو ويخلو، تحذف فى قولك: هم يدعون ويخلون، وأنتم ~~تدعون وتخلون، ولا تحذف فى قولك: هن يدعون ويخلون، وأنتن تدعون وتخلون، ~~لعلة نذكرها فيما بعد بمشيئة الله. والأصل: يدعوون وتدعوون ويخلوون ~~وتخلوون، فاستثقلوا الضمة على الواو فأسقطوها، فالتقى واوان ساكنتان، لام ~~الفعل وواو الإضمار، فحذفوا الأولى، فآل وزن الفعل إلى يفعون. # وكذلك تحذف الواو من يدعو ونظائره، إذا قلت: تدعين يا هذه، وكان أصله: ~~تدعوين، فحذفت الكسرة، فلما سكنت الواو، حذفت لسكونها وسكون ياء الإضمار، ~~ثم أبدلت من الضمة التى قبل الواو كسرة، لتصح ياء الضمير، فقيل: تدعين، ~~وزنه تفعين، ومنهم من يشم العين الضمة. # وكذلك حكم الياء، فى نحو: يقضى ويرمى، إذا قلت: يقضون ويرمون، أصله: ~~يقضيون ويرميون، فحذفت ضمة الياء، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، ~~وكذلك إذا أسندت الفعل إلى ضمير المؤنث، أصله: ترميين، فحذفوا الكسرة، ثم ~~حذفوا الياء لسكونها وسكون ياء الإضمار بعدها. # ... PageV02P152 ### || AUTO فصل # فى الفرق بين: هم يدعون، وهن يدعون # (¬1). # أما هم يدعون، فقد قدمت أن لام الفعل حذفت لسكونها وسكون واو الإضمار، ~~فوزنه: يفعون، والنون فيه علامة رفع الفعل، يحذفها الجازم والناصب. # والواو فى قولك: هن يدعون، لام الفعل، كالجيم من يخرجن، والنون ضمير جمع ~~المؤنث، تثبت فى الأحوال/الثلاث، ألا تراها ثبتت فى موضع النصب، فى قوله ~~تعالى: {إلا أن يعفون} (¬2) فيعفون هاهنا: يفعلن. # ونعود إلى ذكر حروف العلة، فنقول: إنهن يحذفن لالتقاء الساكنين، فى نحو: ~~{قضى الله} (¬3) و {قالوا الآن} (¬4) و «يقضى الحق» (¬5). # ويحذفن من نحو: يخاف ويقول ويبيع، إذا سكنت اللام للجزم أو الوقف، PageV02P153 # فسكونها جزما، فى نحو: لم يخف ولم يقل ولم يبع، وسكونها وقفا، فى نحو: خف ~~وقل وبع. # لما اجتمع الساكنان الألف ms290 والفاء، فى لم يخاف، والواو واللام فى لم يقول، ~~والياء والعين فى لم يبيع، وجب حذف أحدهما، فكان حرف العلة أولى بالحذف من ~~وجهين، أحدهما: ضعفه وقوة الحرف الصحيح، والثانى: أنه إذا حذف دلت عليه ~~الحركة التى تجانسه. # وأصل المثال الأمرى من هذا النحو: أخوف وأقول وابيع، كقولك فى موازيه من ~~الصحيح: اركب، أقتل، اضرب، فنقلت حركة حرف العلة إلى الفاء، فاستغنى عن ~~همزة الوصل بتحريك الفاء، فحذفت فصار حينئذ إلى: خوف وقول وبيع، فحذف حرف ~~العلة، لما ذكرناه من التقاء الساكنين. # ومما حذفت منه الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة: يفعل، المبنى مما فاؤه واو، ~~كالوعد والوزن، قالوا: يعد ويزن، استثقالا ليوعد ويوزن، هذه علة حذف الواو ~~من هذا النحو، فإن زالت الكسرة ثبتت الواو، كقولهم فى مضارع وجل ووحل ووسن: ~~يوجل ويوحل ويوسن، ولما حذفوا الواو من يفعل، حملوا عليه أفعل ونفعل وتفعل، ~~فقالوا: أعد ونعد وتعد، كراهة أن يختلف الباب، وحملوا عليه أيضا مصدره (¬1) ~~الذى جاء على فعلة، فأعلوه بحذف فائه، ونقل كسرتها إلى عينه، فقالوا: # عدة وزنة، وإنما أعلوه، لانكسار فائه مع اعتلال فعله، ألا ترى أن المصادر ~~تتبع الأفعال، فى صحتها واعتلالها، وذلك كاعتلال الصيام والقيام/لاعتلال ~~صام وقام، وصحة الجوار واللواذ، فى نحو: {يتسللون منكم لواذا} (¬2) لصحة ~~جاور ولاوذ، PageV02P154 # وكذلك صح عور وحول، حملا على صحة اعور واحول، لأنه بمعناه، ثم حمل مصدر ~~فعل على فعله، فى الصحة، فقيل: العور والحول، ولم يعلوا ما جاء من مصدر باب ~~يعد، على مثال فعل، كوعد ووزن، لمباينته لفعله بفتح أوله. # والجهة مصدر، كالعدة والزنة، والفعل منه: وجه يجه. # واختلف أهل العربية فى الوجهة، من قوله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} ~~(¬1) فمنهم (¬2) من ذهب إلى أنه مصدر شذ عن القياس، فجاء مصححا، كما صح- ~~منبهة على الأصل-قولهم: الخونة والحوكة، واستحوذ، ونحو ذلك. # ومنهم من قال: إن الوجهة اسم غير مصدر، وجاء على أصله فى الصحة، من حيث ~~كان اسما للمتوجه، فالمراد (¬3) [إذن] بالوجهة القبلة. # اعتراض: فإن قيل: قد وقعت الواو ms291 بين ياء وكسرة، فى مثل: يوعد ويوقن ~~ويوجب، وأجمعوا على إقرارها مع وجود الشرطين. # فالجواب: أن يفعل أصله يؤفعل، كقولك فى مضارع دحرج: يدحرج، فالأصل: ~~يؤوعد، ويؤيقن، فحذفوا الهمزة استثقالا، لاجتماعها مع همزه المتكلم، فلما ~~كرهوا أن يقولوا: أأوقن، حذفوها، ثم حملوا على أوقن: يوقن وتوقن ونوقن، ~~ليستمر الباب على طريقة واحدة، ولما حذفوا الهمزة من هذا الضرب، حافظوا على ~~الواو، فلم يحذفوها، لئلا يوالوا بين إعلالين: حذف الهمزة وحذف الواو. # ... PageV02P155 ### || AUTO فصل [في أفعال فاءاتها واو:] # وقد جاءت أفعال فاءاتها واو، على مثال فعل يفعل: وهى ورث يرث، ووثق يثق، ~~وولى يلى، وورم الجرح يرم، وورع الرجل يرع: إذا كف (¬1)، وومق يمق مقة: إذا ~~أحب، ووفق يفق: من الوفاق بين الشيئين، كالالتحام بينهما، /وورى الزند يرى، ~~ويقال أيضا: ورى يرى وأورى، كل ذلك إذا أظهر نارا. # ومجىء هذه الأفعال على فعل يفعل، شذوذ عن القياس، لأن قياس فعل أن يأتى ~~مضارعه على يفعل، مفتوح العين، كقولك: عجل يعجل، وعلم يعلم، وعمل يعمل، وقد ~~ندر من الصحيح أربعة أحرف، تكلم بعض العرب بها على وجه القياس، وبعضهم على ~~الشذوذ، وهى حسب يحسب ويحسب، ونعم ينعم وينعم، وبئس يبأس ويبئس، ويئس ييأس ~~وييئس، ولم تأت اللغتان معا، القياسية والشذوذية، فى شيء من المعتل الفاء، ~~إلا فى ورى الزند. وورى (¬2) فأما وطئ يطأ، ووسع يسع، فإنما حذفوا الواو من ~~يطأ ويسع، وما بعدها مفتوح، لأنهما فى الأصل يوطئ ويوسع، من حيز وثق يثق، ~~ولكنهم فتحوا العين منهما، لمكان الحرف الحلقى، ألا ترى أن فعل الذى قياس ~~مضارعه يفعل، بكسر عينه، إذا كانت العين منه أو اللام حرفا من حروف الحلق ~~الستة: «الغين والخاء والعين والحاء والهمزة والهاء» جاء المضارع منه على ~~يفعل، كقولهم: جبه يجبه، وجرح يجرح، وسلخ يسلخ، وصنع يصنع، وبدأ يبدأ، ونعت ~~ينعت، وشغل يشغل، وفخر يفخر، ونحر ينحر، ونهض ينهض، وإنما استحسنوا الفتحة ~~فى هذا الضرب، PageV02P156 # لموافقتها لحروف الحلق، ووجه الوفاق بينهما: أن الفتحة من الألف، والألف ~~مخرجها من ms292 الحلق. # وقد يجيء الحرف من هذا الضرب على الأصل (¬1)، كقولهم: دخل يدخل (¬2)، ~~وفرغ يفرغ، ونحت ينحت، ونطح ينطح. # وأما يدع، فماضيه فعل، مفتوح العين، وإن لم يتكلموا به، استغناء عنه ~~بترك، فأصله: يودع، وحذف واوه لاجتماع الشرطين، الياء والكسرة، ثم فتحت ~~عينه لمكان حرف الحلق، ويذر محمول على يدع، لوفاقه له فى المعنى (¬3)، ~~فلولا حمله عليه كسرت عينه، فقيل: يذر، كقولك: وجب يجب، إذ ليس فيه حرف ~~/حلقى، تفتح عينه لأجله. # وحكم المضارع من وهب يهب، ووضع يضع، حكم يدع، فى أنهم حذفوا الواو منهما، ~~لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحوا عينيهما، لمكان الحرف الحلقي. # اعتراض: فإن قيل: لم استثقلوا وقوع الواو بين ياء وكسرة، ولم يستثقلوا ~~وقوعها بين ياء وضمة، فى قولهم: وضؤ يوضؤ، والضمة أثقل من الكسرة (¬4)؟ # قيل: إن الخروج من ضم إلى ضم، أسهل عليهم من الخروج من ضم إلى كسر، ومن ~~كسر إلى ضم، ألا ترى أنه قد جاء فى الأسماء فعل، مثل طنب PageV02P157 # وعنق، ولم يأت فيها مثال فعل (¬1)، وإنما جاء هذا البناء فى الفعل المبنى ~~للمفعول، وأما الخروج من كسر إلى ضم، فلم يأت مثال فعل فى الاسم ولا فى الفعل. # ومما حذفوه من الواوات، واو الضمير المرفوع والمنصوب والمجرور، فمثال ~~المرفوع: أنتمو (¬2) فعلتمو، ومثال المنصوب: لقيتهمو وأكرمتهمو، ومثال ~~المجرور: # عليكمو وعليهمو، بكسر الهاء وضمها، فمن حذف هذه الواو أتبعها الضمة فقال: ~~أنتم فعلتم ولقيتهم وأكرمتهم، وعليكم وعليهم، ولأن بقاء الضمة يجلب الواو. ~~وأجمعوا على حذف الواو فى الوقف، فأما حذف الهمزة، فسأذكره فى فصل مفرد، إن ~~شاء الله تعالى. # ... PageV02P158 ### | AUTO المجلس الخامس والأربعون # يتضمن ذكر حذف ضروب من الحروف التى من ذوات الكلم. # فمن المحذوفات التى استمر حذفها، وكثر فى ضروب من الكلام: التنوين، حذفوه ~~للإضافة فى نحو: غلامك، وغلام عمرو (¬1)، وجدة زينب، وحذفوه لمعاقبة لام ~~التعريف له، وحذفوه فى الوقف بعوض، فى نحو: رأيت زيدا، وبغير عوض فى اللغة ~~العليا، فى نحو: هذا زيد، ومررت بزيد، وأزد السراة (¬2) عوضوا، فقالوا: ~~زيدو، /وبزيدى، ms293 وهى لغة ردية، لثقل الواو والضمة، والياء والكسرة، ولوقوع ~~الواو وقبلها ضمة فى آخر اسم معرب، وهو مما رفضوه فى كلامهم، ولالتباس ~~الياء في نحو: # مررت بزيدى وبغلامى، بياء المتكلم. # وحذفوه من الاسم العلم فى النداء كقولك: يا زيد، و {يا نوح اهبط} (¬3) ~~ومن النكرة المقصود قصدها فى نحو: يا غلام هلم، و {يا جبال أوبي معه} (¬4). # وحذفوه فكان حذفه علما لثقل الاسم، فى نحو رأيت أحمد، ومررت بأحمد ~~{ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} (¬5) كما جعلوا إثباته علامة لخفة ~~الاسم، في نحو: رب أحمد غيرك أكرمته. PageV02P159 # وحذفوه لالتقاء الساكنين، وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فاللازم أن ~~تحذفه لسكونه وسكون الباء من ابن، باجتماع شرائط: منها أن يكون في اسم علم، ~~ومنها أن يكون ابن مضافا إلى علم، ومنها أن يكون ابن صفة للاسم، لا خبرا ~~عنه، ولا تكون الواسطة بين الاسمين إلا هذه اللفظة التي هى ابن، وتحذف ألفه ~~من الخط، فإن عدمت إحدى هذه الشرائط وجب إثبات التنوين، فمثال اجتماع شرائط ~~حذفه، قولك: هذا زيد بن جعفر، ورأيت زيد بن جعفر، ومررت بزيد بن جعفر، فإن ~~قلت: زيد ابن جعفر، نونت وأثبت ألف ابن، لأن قولك: «زيد» مبتدأ و «ابن ~~جعفر» خبره، وكذلك إن قلت: مررت بزيد ابن أخيك، نونت، لأنك أضفت الاسم إلى ~~غير علم، وكذلك إن قلت: مررت بزيد (¬1) عم جعفر نونت، لأنك وصفته بغير ابن. # وإنما حذفوا التنوين فى هذا النحو لكثرة الاستعمال (¬2)، لأن الإنسان لا ~~يخلو من اسم علم، وهو مع ذلك ابن صاحب اسم علم، ولا بد له من الأبوة، ~~والأبوة دالة على البنوة، وقد يجوز أن يخلو من الأخوة والعمومة والخؤولة. # ولا يجوز إثبات التنوين مع ما ذكرته من اجتماع هذه الشرائط إلا اضطرارا/ ~~كقول الحطيئة (¬3): # إلا يكن مال يثاب فإنه ... سيأتى ثنائى زيدا ابن مهلهل # وأنشد سيبويه (¬4): PageV02P160 # جارية من قيس ابن ثعلبه ... تزوجت شيخا غليظ الرقبه # ومن نون «عزيرا» فى قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله} (¬1) فلأنه ~~جعل ms294 ابنا خبرا لا صفة، والتنوين فى «عزير» للصرف، لأن مصغر الثلاثي ينصرف ~~وإن كان عجميا، كما ينصرف مكبره، وينصرف فى هذه العدة، وإن كان متحرك ~~الأوسط، كما ينصرف إذا سكن أوسطه، ولا اختلاف فيه كما اختلف فى نحو: هند ~~ودعد، وكما أجمعوا على منع الصرف، لاجتماع التأنيث والتعريف مع تحرك ~~الأوسط، فى نحو: لظى وسقر وقدم، إذا سميت بها (¬2) امرأة، فالساكن الأوسط ~~نحو: نوح ولوط، والمتحرك الأوسط نحو سبك (¬3) وغزر، اسم تركي. # ومن قرأ {عزير ابن الله} بحذف (¬4) التنوين احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون ~~«عزير» خبر مبتدأ محذوف، و «ابن» صفة، فيجب بذلك حذف التنوين، PageV02P161 # ويكون المبتدأ فيما قدره أبو على: صاحبنا أو نسيبنا أو نبينا عزير بن ~~الله، والوجه الآخر: أن لا يقدر مبتدأ بل يكون «عزير» هو المبتدأ، و «ابن» ~~خبره، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، فتتفق القراءتان على هذا التقدير. # ومن حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ما روى عن أبى عمرو، فى بعض طرقه: ~~{أحد. الله الصمد} (¬1) وحذفه على هذا الوجه متسع فى الشعر، كقوله (¬2): # حميد الذى أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع # وكقول الآخر: # لتجدنى بالأمير برا ... وبالقناة مدعسا مكرا # /إذا غطيف السلمي فرا (¬3) # ومثله: PageV02P162 # حيدة خالى ولقيط وعلى ... وحاتم الطائى حمال المئى (¬1) # وقال عبيد الله بن قيس الرقيات (¬2): # كيف نومى على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدى ... عن خدام العقيلة العذراء # أراد: وتبدى العقيلة العذراء عن خدام، والخدام: الخلخال، أى ترفع المرأة ~~الكريمة ثوبها للهرب فيبدو خلخالها، والجملة التى هى «تبدى العقيلة» موضعها ~~رفع بالعطف على الجملة التى هى «تذهل الشيخ عن بنيه» وموضع الجملة التى هى ~~«تذهل الشيخ عن بنيه» رفع على النعت لقوله «غارة» والعائد إلى الموصوف من ~~الجملة المعطوفة (¬3) [محذوف] تقديره: وتبدى العقيلة العذراء لها عن خدام، ~~أى لأجلها. والشعواء: المتفرقة. # ومما حذف منه التنوين لالتقاء الساكنين، قول الآخر (¬4): PageV02P163 # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا # والذى حسن لقائل هذا البيت حذف التنوين، لالتقاء الساكنين، ونصب اسم ms295 الله ~~تعالى، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة، وجر اسم الله: أنه لو أضافه ~~(¬1) لتعرف بإضافته إلى المعرفة، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف ~~عليه فى التنكير، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وأعمل اسم الفاعل، فعطف ~~(¬2) نكرة على نكرة مجرورة، بإضافة «غير» إليها، وانتصاب «غير» على الحال، ~~كانتصاب {ضالين} فى قوله تعالى: {ألفوا آباءهم ضالين} (¬3) فصار فى ~~التقدير: غير مستعتب ولا ذاكر. # /وحكى عن القاضى أبى سعيد السيرافى (¬4)، أنه قال: حضرت فى مجلس أبى بكر ~~بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست فى ذيل المجلس، فأنشد أحد الحاضرين ~~بيتين يعزيان إلى آدم عليه السلام، قالهما لما قتل ابنه قابيل أخاه هابيل، وهما: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح (¬5) # تغير كل ذى حسن وطيب ... وقل بشاشة الوجه المليح # فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل فى صدر الدنيا، وجاء فيه الإقواء، PageV02P164 # فقلت: إن له وجها يخرجه من الإقواء، فقال: ما هو؟ قلت: نصب «بشاشة» وحذف ~~التنوين منها لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، فتكون بهذا التقدير نكرة ~~منتصبة على التمييز، ثم رفع «الوجه» وصفته بإسناد «قل» إليه، فيصير اللفظ: # «وقل بشاشة الوجه المليح»، والأصل: بشاشتن الوجه المليح (¬1)، فقال: ~~ارتفع، فرفعنى حتى أقعدنى إلى جنبه. # هذا حكم التنوين. # فأما النون فقد حذفوها ساكنة ومتحركة، فمن حذف الساكنة، حذف نون التوكيد ~~الخفيفة، بعوض وبغير عوض، فحذفها بعوض يكون إذا وقفت عليها فى نحو: يا رجل ~~قوما، ويا زيد اخرجا، أبدلت منها الألف، كما أبدلته من التنوين، فى نحو: ~~رأيت زيدا، وكذلك: {لنسفعا بالناصية} (¬2) تقف عند انقطاع نفسك على الألف، ~~ومنه قول الأعشى (¬3): # وصل على حين العشيات والضحى ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # وقول آخر، فى وصف وطب مملوء لبنا، ملفوف فى غشاء: # يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيه معمما (¬4) PageV02P165 # أراد يحسبه الجاهل به. # وحذفها بغير عوض، يكون لالتقاء الساكنين، /كقولك: اضرب الغلام، حذفتها ~~لسكونها وسكون اللام، وبقيت الفتحة قبلها دالة عليها، ولم تحركها لالتقاء ~~الساكنين، كما تحرك التنوين فى اللغة ms296 العليا فى نحو: «أحدن الله الصمد» ~~(¬1) و (¬2) «فتيلن انظر» جعلوا (¬3) لزيادة الاسم مزية على زيادة الفعل، ~~فحذفوا زيادة الفرع، وحركوا زيادة الأصل، ومثل قولك: اضرب الغلام، فى حذف ~~النون، لدلالة الفتحة عليها، قول الشاعر (¬4): # ولا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه # أراد: تهينن، فحذف النون، وبقيت ياء «تهين» لثبات الفتحة بعدها. PageV02P166 # ومما حذفوا نونه، وعوضوا منها فى موضعها ألفا، قولهم: «جرنفش» (¬1) وهو ~~العظيم الجنبين، «وشرنبث» وهو الغليظ الكفين، قالوا فيهما: جرافش وشرابث. # وكذلك حذفوا النون من قولهم: «شنذارة»، وهو السيئ الخلق، وعوضوا منها ~~الهمزة، فقالوا: شئذارة، وحذفوا النون من «قنفخر» وهو الضخم (¬2) من ~~الرجال، وعوضوا منها ألفا، فى غير موضعها، فقالوا: قفاخرى. # ومن حذفها اضطرارا حذفها فى قول النجاشى (¬3): # فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل # كان حقها أن يحركها، لولا الضرورة. # ومما حذفوها منه استحسانا، وتشبيها لها بحروف المد واللين لفظة «يكون» ~~(¬4)]، وذلك إذا سكنت للجزم فى نحو: لم يكن، ولا تكن، كقولك: لم يك جالسا، ~~وكقوله تعالى: {وإن يك كاذبا} (¬5) وكذلك قولك: لا تك فى شك، وقوله تعالى: # {ولا تك في ضيق} (¬6) وإنما حذفوها فى هذا الحرف، لكثرة استعماله، كما ~~يحذفون حروف العلة، فى قولهم: لم يخش ولم يدع ولا ترم، ولم يحذفوها من ~~نظائر هذا الفعل، أعنى ما وازنه ولامه نون، نحو يصون ويهون، فيقولوا: /لم ~~يص نفسه، وذلك لقلة استعماله. PageV02P167 # ومما حذفوها منه قولهم، لضرب من الشجر: «عرنتن» (¬1) قالوا فيه: عرتن ~~حذفوها منه ثالثة ساكنة، كما حذفوا الألف من «علابط» (¬2) وهو القطيع الضخم ~~من الغنم (¬3)، فقالوا: علبط، قال: # ما راعنى إلا رياح هابطا ... على البيوت قوطه العلابطا (¬4) # القوط: القطيع من الغنم، يكون ضخما وغير ضخم، فلذلك وصفه بالعلابط، ونصب ~~العلابط (¬5) بهابط، لأن هبط لازم ومتعد، تقول: هبط زيد وهبطته (¬6). # ومما حذفت منه النون لالتقاء الساكنين، قوله: # أبلغ أبا دختنوس مألكة ... غير الذى قد يقال ملكذب (¬7) # أراد: من الكذب، ومثله قول الآخر (¬8): # كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من ms297 بعدنا عصر # أراد: من الآن. # وأما حذفها متحركة، فكحذف نون التثنية والجمع فى الإضافة، كقولك: PageV02P168 # ضاربا زيد، ومكرمو أخيك، وكحذفها من بني العنبر وبنى الهجيم وبنى الحارث، ~~قالوا: بلعنبر وبلهجيم وبلحارث، وإنما حذفوها هاهنا لمقاربتها للام فى ~~المخرج، لأنهم يستثقلون اجتماع المتقاربين، كما يستثقلون اجتماع المثلين. # وإنما استمر هذا الحذف والإبدال فى النون، لما بينها وبين حروف العلة من ~~المشابهة (¬1)، لأنها إذا سكنت تضمنت غنة، كما تتضمن حروف اللين مدا، وهذا ~~تعرفه بأنك إذا أمسكت جانبى طرف أنفك بسبابتك وإبهامك وتلفظت بقولك: # من قام، تعذر عليك إخراج النون، لأن مخرجها إذا سكنت من الخياشيم، ولذلك ~~أدغموها فى الواو والياء (¬2)، من قولك: من وعدك، ومن يقول ذاك. # وأبدلوها من الواو فى النسب إلى صنعاء وبهراء، قبيلة يمانية، وإلى سوراء، ~~فقالوا: صنعاني وبهراني وسوراني. # وجعلوها إعرابا، علما للرفع/فى خمسة أمثلة: تفعلان ويفعلان وتفعلون ~~ويفعلون وتفعلين، كما جعلوا الألف والواو والياء إعرابا في تثنية الأسماء ~~وجمعها. # وجعلوها ضميرا، فى فعلن ويفعلن وافعلن، كما جعلوهن ضمائر، فى افعلا ~~وافعلوا وافعلى، وفى تفعلان وتفعلون وتفعلين. # ومن المحذوفات من ذوات الكلم: الياء من المضاعف، فمن ذلك حذفها من ~~المضاعف، الذى جاء على مثال فيعل، نحو سيد وميت (¬3) وهين ولين، وليس فى PageV02P169 # الكلام فيعل إلا معتل العين، اختص بذلك المعتل دون الصحيح، كما اختص ~~بمثال فيعلولة، نحو كينونة وقيدودة وصيرورة، إلا أنهم لم يستعملوا هذا ~~المثال إلا مخففا، حذفوا عينه، فقالوا: كان كينونة، وقاد قيدودة، وصار ~~صيرورة، فوزنه الآن: # فيلولة، وكذلك قالوا فى سيد ونظائره: سيد وميت وهين ولين، كما جاء فى ~~الحديث: «المؤمن هين لين» (¬1) حذفوا عينه، كما حذفوا عين فيعلولة، فوزن ميت: # فيل، فإذا جمعوه ردوا عينه فى قولهم: أموات. # وكما اختص المعتل بفيعل، اختص الصحيح بفيعل، نحو صيرف، للمتصرف فى ~~الأمور، وجيدر للرجل القصير، وغيلم، بالغين المعجمة، للسلحفاة، والجارية ~~أيضا، وعيلم، للبئر الكثيرة الماء، وللبحر أيضا. # فأما قولهم للملك الذى دون الملك الأعظم: «قيل» فقال فيه ابن السكيت ~~(¬2): القيل: الملك من ملوك حمير، وجمعه: ms298 أقيال وأقوال، فمن قال: # أقيال، بناه على لفظ قيل، ومن قال: أقوال، جمعه على الأصل، وأصله من ذوات ~~الواو، وكان أصله: قيل (¬3)، فخفف، مثل سيد، من ساد يسود. # وأبى قوم (¬4) من النحويين هذا القول، وجعلوا للقيل اشتقاقين، بحسب ~~اختلاف جمعه، فذهبوا إلى أنه فعل، من اليائى، فيمن (¬5) قال: أقيال، كقيد ~~وأقياد، واشتقاقه من قولهم: تقيل فلان أباه: إذا رجع إليه فى الشبه، وقولهم ~~فى الملك: قيل، معناه أنه أشبه الملك الذى كان قبله، كما أن «تبعا» معناه: ~~تبع فى الملك/من كان PageV02P170 # قبله، كما قيل للظل: تبع، لأنه يتبع ضوء الشمس، قالوا: ولو كان «قيل» من ~~الواوى، كميت، لم يأت فى جمعه إلا أقوال، كما لم يأت فى جمع ميت إلا أموات. # وأما من جمعه على أقوال، فأصله قيل، فيعل من القول، والمعنى أنه يقبل ~~قوله ولا يرد، فهو مثل ميت وأموات، فوزنه على هذا: فيل، ردت عينه فى ~~التكسير. # وأقول: إن قول ابن السكيت غير بعيد، فيجوز أن يكون أصله فيعل، من القول، ~~فلما خففوه، حمله من قال فى جمعه: أقيال، على لفظه، وحمله من قال: # أقوال، على أصله، كما قالوا من الشوب: مشوب ومشيب، فمن قال: مشيب، حمله ~~على لفظ شيب، ومثله المجفو والمجفي، وهو من جفوت، قال: # ما أنا بالجافى ولا المجفى (¬1) # حمل المجفي على (¬2) [لفظ] جفى، ولم يطرد ذلك، فيقولوا من الصوغ: # مصيغ، كما قالوا من الشوب: مشيب، ولا قالوا من الغزو: مغزى، كما قالوا من ~~الجفوة: مجفى، فكذلك قالوا: أقيال، على لفظ قيل، وإن لم يقولوا: أميات، فى ~~جمع ميت. # فأما مضاعف الفعل، فمنه ما حذفوا منه أحد المثلين، بغير عوض، ومنه ما وقع ~~الحذف منه بعوض، فالمحذوف بغير عوض: اللام من ظللت، والسين من مسست وأحسست، ~~فقالوا: ظلت ومست وأحست، نقلوا فتحة السين إلى الحاء، ثم حذفوها، قال: PageV02P171 # سوى أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس (¬1) # وفى التنزيل: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} (¬2) ومنهم من يلقى ~~كسرة اللام على الظاء، ثم ms299 يحذفها، فيقول: ظلت، وقد قرأ به بعض أصحاب الشواذ (¬3). # ومما حذف منه أحد المثلين، قوله تعالى: {تنزل الملائكة} (¬4) حذفت التاء ~~الثانية، من {تتنزل} وخصت بالحذف، لأن الأولى حرف المضارعة، فهو لمعنى، ~~/والذى لمعنى يحافظ عليه. # و «شوس» (¬5) [فى البيت] جمع أشوس، وهو الذى ينظر بأحد شقي عينه تغيظا. # وأما ما حذفوا منه وعوضوا، فنحو: تظننت، قالوا: تظنيت، فعوضوا من النون ~~الياء، وقد حكى الفراء: قصيت أظفارى، يريدون: قصصت، وحكى ابن الأعرابى: ~~خرجنا نتلعى، أى نأخذ اللعاعة، وهى بقلة ناعمة، فى أول ما تبدو، وقال ~~الأصمعى، فى قولهم: «تسريت» أى اتخذت سرية: أصله تسررت، من السر الذى هو ~~النكاح، قال امرؤ القيس (¬6): # ألا زعمت بسباسة اليوم أننى ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالى PageV02P172 # وقيل فى تفسير قوله تعالى: {ولكن لا تواعدوهن سرا} (¬1) إنه أراد نكاحا، ~~ومن هذا الضرب قول العجاج، يمدح عمر بن معمر (¬2) التيمى: # إذا الكرام ابتدروا الباع بدر ... تقضى البازى إذا البازى كسر # أراد: تقضض، فأبدل من الضاد ياء، وكسر ما قبلها لتصح، يقول: إذا الكرام ~~ابتدروا فعل المكارم، بدرهم وأسرع كانقضاض البازى فى طيرانه، وذلك أسرع ما ~~يكون الطيران، ومعنى كسر: ضم جناحيه، ومنه قول الشاعر: # فآليت لا أشريه حتى يملنى ... بشىء ولا أملاه حتى يفارقا (¬3) # أراد: لا أمله، فرده إلى أصله، الذى هو أملله، وأبدل من اللام الأخيرة ~~ياء، فصار فى التقدير: أمليه، فانقلبت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها، ومعنى لا أشريه: لا أبيعه، وقوله: «بشىء» متعلق بأشريه. # وقال أبو إسحاق الزجاج فى قول الله سبحانه: {وقد خاب من دساها} (¬4) ~~معناه: خابت نفس دساها الله، أى جعلها قليلة خسيسة، والأصل: دسسها، ولكن ~~الحروف إذا اجتمعت من لفظ واحد، أبدل من آخرها ياء. PageV02P173 # [قال (¬1)] وقيل: إن المعنى: قد أفلح من زكى نفسه/بالعمل الصالح، وخاب من ~~دسى نفسه بالعمل الطالح. # وقيل فى قوله عز وجل: {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} (¬2) معناه: يتبختر، يقال: ~~جاء يمشى المطيطا، مقصورة، وهى مشية فيها تبختر، وهو أن يلقى يديه ويتكفأ، ~~وكان الأصل: ms300 يتمطط، فقلبت الطاء الثالثة (¬3) ياء، كما قالوا فى يتظنن: # يتظنى. # وقال أبو إسحاق الزجاج: يتمطى (¬4): يلوى مطاه فى مشيته (¬5)، والمطا: الظهر. # ومما حذفوا منه أحد المثلين قولهم: بخ، ساكن الخاء، وهى كلمة يقولونها ~~للشيء إذا أرادوا (¬6) مدحه وتفخيمه، ويكررونها فى أكثر الاستعمال، قال ~~أعشى همدان: # بين الأشج وبين قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود (¬7) # وربما نونوه، فقالوا: بخ، كما قالوا: صه، ويدل على أن أصله التشديد، ~~قولهم: حسب بخ. قال العجاج (¬8): # فى حسب بخ وعز أقعسا PageV02P174 # وقد صرفوا منه فعلا، فقالوا: بخبخ يبخبخ، إذا لفظ به، كما قالوا: هلل ~~يهلل، إذا قال: لا إله إلا الله، وسبح يسبح، إذا قال: سبحان الله، وحولق ~~(¬1) [يحولق] إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. # ومثله فى حذف أحد مثليه، قولهم فى التضجر: أف، خففها بعض العرب، وأسكنوا ~~فاءها، قال أبو الفتح عثمان (¬2): فيها ثمانى لغات: أف وأف وأف وأفا وأف ~~وأف وأف، خفيفة، وأفى ممال، مثل حبلى، ولا يقال: أفى بالياء، كما تقول ~~العامة. # وأقول: إن الذى تقوله العامة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى ~~الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى ~~الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل. # وأف: اسم من أسماء الفعل، مسماه: أتضجر، جاء اسما للفعل فى الخبر (¬3)، ~~كما جاء هيهات اسما لبعد، وشتان اسما لافترق، فى قولهم: شتان زيد وعمرو. # ومن قال: أف، فكسر، /حركه بأصل حركة التقاء الساكنين. # ومن قال: أف، ففتح، اختار الفتحة لثقل التضعيف، كما قالوا: رب وثم. # ومن قال: أف، أتبع الضم الضم على لغة من قال: شد ومد. # ومن نونه أراد به التنكير، لأن تنوين هذا الضرب علم للتنكير، كقولهم فى PageV02P175 # الاستزادة من الحديث: إيه، إذا أرادوا: حدثنى حديثا ما، وإيه (¬1) [فى ~~الاستزادة] من حديث يعرفه المحدث والمحدث، ومثله: صه وصه، ومه ومه، فمن ~~نون، فكأنه قال: افعل سكوتا وكفا، ومن لم ينون، فكأنه قال: افعل السكوت ~~والكف، وكذلك من قال: أف، ms301 فنون، أراد: أتضجر تضجرا (¬2)، ومن لم ينون فهو ~~بمنزلة: # أتضجر التضجر المعروف، وقد قرئ بالوجهين، فالتنوين قرأ (¬3) به مع الكسر ~~نافع وحفص، وقرأه الباقون بغير تنوين، إلا أن ابن كثير اختص بالفتح، ~~والباقون بالكسر (¬4). # ... PageV02P176 ### | AUTO المجلس السادس والأربعون # يتضمن الحذف من حروف المعانى المضاعفة، والحذف # / من اسم (¬1) المفعول، وغير ذلك، مما اقتضاه الكلام. # فمما حذف منه أحد المثلين من مضاعف الحروف «إن» فى قوله تعالى: # {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} (¬2) حذفت النون المتطرفة، وألغيت «إن»، ~~وقد حذفت نونها وأعملت فى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم، فى رواية أبى بكر: # {وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم} (¬3) وجاء تخفيف المفتوحة الهمزة فى قوله: # {وآخر دعواهم أن الحمد لله} (¬4) التقدير: أنه الحمد لله، فحذفت نونها ~~واسمها كما ترى، وهو ضمير الشأن، ومثله للأعشى (¬5): PageV02P177 # فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل # أراد: أنه هالك. # /ومما حذفوا تضعيفه وألغوه «لكن» جعلوها بعد التخفيف عاطفة، إذا لم تكن ~~معها الواو، وذلك نحو: ما قام أخوك لكن أبوك، فإن استدركت بها مجردة من ~~العطف، قلت: ولكن، وقد خفف الشاعر «كأن» وأعملها فى الاسم الظاهر، فى قوله: # وصدر مشرق النحر ... كأن ثدييه حقان (¬1) # وأنشد بعضهم (¬2): «ثدياه» رفعا على الابتداء، «وحقان» الخبر، والجملة من ~~المبتدأ والخبر خبرها، واسمها محذوف، فالتقدير: كأنه ثدياه حقان. # وأما قول الآخر: # كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم (¬3) # فقد روى «ظبية وظبية وظبية» فمن نصب أعملها فى الظاهر مخففة، والجملة ~~التى هى «تعطو» صفة لظبية، والخبر محذوف، والتقدير: كأن ظبية عاطية إلى ~~وارق السلم هذه المرأة، ومن قال: «ظبية» فرفع، أضمر اسمها، وظبية (¬4) ~~خبرها، PageV02P178 # فالتقدير: كأنها ظبية، ومن خفض، فبالكاف، «وأن» زائدة. # وإذا اتصلت إن وأن ولكن وكأن، بياء المتكلم، وصلوها بالنون المسماة ~~وقاية، بمعنى أنها تقى الحرف الذى قبلها الكسر، فقالوا: إننى وأننى ولكننى ~~وكأننى، وأجروا أواخرهن مجرى أواخر الأفعال، من نحو: أكرمنى ويكرمنى، وإنما ~~فعلوا ذلك بالفعل كراهة أن يقولوا: أكرمى ويكرمي، كما قالوا فى الاسم: # مكرمي، ms302 لأنهم لما جنبوا الأفعال الكسر، الذى هو إعراب، جنبوها الكسر الذى ~~ليس بإعراب، وشبهوا أواخر باب «إن» بأواخر الماضية، في بنائها على الفتح ~~ووقائها الكسر، لأنهم أجروها مجراها فى عمل النصب والرفع. # ومن خففهن بحذف إحدى النونات، فقال: إنى وأنى ولكنى وكأنى، حذف النون ~~الوسطى، لأنها هى التى حذفها قبل أن يتصلن بالنون الثالثة (¬1)، وجاء ~~القرآن بإقرارها فى قوله: {إنني أنا الله} (¬2) وبحذفها فى قوله: {إني أنا ~~ربك} (¬3). # /ومما حذفوا منه من مضاعف الحروف «رب» قال الشاعر (¬4): # أزهير إن يشب القذال فإنه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل PageV02P179 # وخففه نافع وعاصم، فى رواية حفص، فى قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا} ~~(¬1) الهيضل: الجماعة المتسلحة، واللجب: المرتفع الأصوات. # ومما حذفوا لامه من الحروف لاجتماعها مع لام التعريف «على» فيما حكاه ~~سيبويه، من قولهم: «علماء بنو تميم» (¬2) يريدون: على الماء، فهمزة الوصل ~~سقطت فى الدرج، وألف «على» سقطت لسكونها وسكون لام الماء، وحذفت لام «على» ~~تخفيفا، وأنشد سيبويه للفرزدق (¬3): # وما سبق القيسي من ضعف حيلة ... ولكن طفت علماء غرلة خالد # طفت: قفت (¬4)، والغرلة: القلفة، ومثله لقطرى بن الفجاءة: # غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم (¬5) # ومما حذفوا منه إحدى اللامين، قولهم: «ويلمه» الأصل: ويل، لأمه، فحذفوا ~~تنوينه، وأدغموا اللام التى هى لام الكلمة فى اللام الجارة، فصار [فى (¬6)] PageV02P180 # التقدير: ويل أمه، ثم حذفوا اللام المدغمة وهمزة «أم» فصار: ويلمه. # وإنما (¬1) جاز إدغام هذا، وإن كان منفصلا، وكان الحرف الذى قبل الحرف ~~المدغم ساكنا، لكون الساكن حرف لين، فالياء فى قولهم: ويل أمه، بمنزلة ~~الياء فى قولك: جيب (¬2) بكر، وقد أدغموا هذا النحو، وكذلك: ثوب بشر، وحسن ~~الإدغام فى هذا، مع كونه منفصلا، إذ كانوا قد قالوا فى عبد شمس: هذا عبشمس ~~(¬3)، ألقوا حركة الدال على الساكن، الذى هو الباء، ثم أدغموا الدال فى ~~الشين، وإن كان ذلك شاذا، ولا يحسن مثله فى قولك: قرم (¬4) موسى، واسم ~~مالك، لأن عبد شمس أكثر استعمالا منه، وهو مع ذلك علم، والأعلام تغير ms303 ~~كثيرا، إلا أنهم/ لم يلزموا عبد شمس الإدغام، وألزموه ويلمه، لما ذكرته من ~~كون عبد شمس أكثر استعمالا منه، كما ألزموا المعيدى التخفيف، فى نحو: «تسمع ~~بالمعيدى لا أن تراه (¬5)» و «خير من أن تراه» لأنه كثير الاستعمال، ~~والمعيدى تصغير معدى. # قال أبو على: إن قيل: ما تنكر من أن تكون «وى» من «ويلمه» ليس من PageV02P181 # «ويل» ولكنها التى فى {ويكأنه} (¬1) وفى قول عنترة «ويك (¬2) عنتر أقدم» ~~فإن الدلالة على أنه من «ويل» دون «وى» هذه قول الشاعر (¬3): # لأم الأرض ويل ما أجنت ... غداة أضر بالحسن السبيل (¬4) # [الحسن: موضع] فلما ظهرت اللام فى ويل، لما قدم الشاعر اللام الجارة، ~~كذلك إذا أخرت اللام، فقيل: ويل لأمه، هذا معنى كلام أبى على فى هذه ~~المسألة، وفى كلامى بعض لفظه. # وقوله: «وجاز إدغام هذا، وإن كان منفصلا، وكان الحرف الذى قبل الحرف ~~المدغم ساكنا، لكون الساكن حرف لين، فهو مثل: جيب بكر» كلام محتاج إلى ~~تفسير، وذلك أنهم إنما يدغمون المتصل، إذا سكن ما قبل الحرف المدغم، ~~كإدغامهم استفعل من المضاعف، بعد إلقاء حركة المثل الأول على الساكن قبله، ~~كقولهم فى استعدد، استعد، وفى استقرر (¬5): استقر، ولم يجيزوا مثل هذا فى ~~المنفصل، نحو قوله سيبويه: قرم (¬6) موسى، واسم مالك، وجاز (¬7) [هذا] فى ~~ويلمه، لأن الياء إذا سكنت فيها لين، وإن كان ما قبلها مفتوحا، فجاز لذلك ~~وقوع الساكن المدغم بعدها، كما جاز فى قولك: جيب بكر، وانضم إلى ذلك كثرة ~~استعمال (¬8) هذا PageV02P182 # الحرف، كما كثر استعمال المعيدى، وأصله: معدى (¬1)، مشدد الدال، وأما ~~مجىء الساكن مدغما بعد الياء المفتوح ما قبلها فى المتصل، فحسن، كقولهم، فى ~~تحقير أصم: أصيم، وفى تحقير مدق: مديق (¬2). # ولما جرى ذكر «وى» فى هذه المسألة رأيت إيراد الكلام فيها، وإيضاح ~~معانيها. # /قال المفسرون فى قول الله تعالى: {ويكأن الله يبسط الرزق} (¬3) معناه: # ألم تر أن الله، ومثل ذلك قوله: {ويكأنه لا يفلح الكافرون} (3) واختلف ~~فيها اللغويون، فقال الخليل: إنها «وى» مفصولة من «كأن» والمراد بها ~~التنبيه، وإلى هذا ms304 ذهب يونس وسيبويه (¬4) والكسائى، وقال أبو سعيد ~~السيرافى: (¬5) «وى» كلمة يقولها المتندم عند إظهار ندامته، ويقولها المندم ~~لغيره، والمنبه له، ومعنى كأن الله يبسط الرزق: # التحقيق، وإن كان لفظه لفظ التنبيه، فالتقدير: تنبه! إن الله يبسط الرزق، ~~أى تنبه لبسط (¬6) الله الرزق، قال الفراء (¬7): «معناها فى كلام العرب ~~التقرير، كقولك لمن تقرره: أما ترى إلى صنع الله» فكأنه قيل: أما ترى أن ~~الله يبسط الرزق! PageV02P183 # وأقول: إن كل واحد من هذين المذهبين، مذهبى الخليل والفراء، وكذلك ما ~~قاله أبو سعيد، من أن التقدير: تنبه؛ إن الله يبسط الرزق. [كلهن يخرج على ~~ما قاله المفسرون، وأن معنى قوله: ويكأن الله يبسط الرزق (¬1).] معناه: ألم ~~تر أن الله يبسط الرزق، وشاهد ذلك قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} (¬2) فهذا تنبيه على قدرته، وتقرير بها. # وقال غير هؤلاء من اللغويين: هى ويك، بمعنى (¬3): ويلك، وحذفت اللام ~~لكثرة استعمال هذه اللفظة فى الكلام، «وأن» من قوله: {ويكأن الله يبسط ~~الرزق} مفتوحة، بإضمار اعلم، واحتجوا بقول عنترة (¬4): # ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # فالكاف على هذا القول ضمير، فلها موضع من الإعراب. # وقال آخرون (¬5): هي وى: اسم للفعل، ومعناها: أتعجب، كما تقول: وى لم ~~فعلت هذا؟ فالكاف فى هذا الوجه حرف للخطاب، كالكاف فى رويدك، فهى PageV02P184 # دالة على أن التعجب موجه/إلى مخاطب، لا إلى غائب، وانفتحت «أن» بتقدير ~~اللام، أى أتعجب، لأن الله يبسط الرزق، وعلى أحد هذين القولين تحمل «وى» فى ~~قول المتنبي (¬1): # كفى أرانى ويك لومك ألوما ... هم أقام على فؤاد أنجما # وأقول فى تفسير هذا البيت: إن الإنجام من صفات السحاب، وهو الإقلاع، ~~ونقيضه: الإثجام، لأنه الإقامة والدوام، يقال: أثجمت السماء: إذا دام مطرها ~~أياما، وأنجمت: إذا أقلعت، ولا يقال: أنجم الفؤاد، ولكنه استعار ذلك، ~~ليقابل أقام، ومقابلة الشىء بنقيضه من بديع صناعة الشعر، ويسمى الطباق، ~~وحقيقة إنجام فؤاده أن الحب أذابه فأذهبه، كما قال (¬2): # أصبحت من كبدى ومنها معدما # وقد ms305 روى عنه أنه قال: لم أقل أنجم، وإنما قلت: أثجم، أى أقام على الهوى ~~فلم يقلع عنه بالملام. # وقوله: «أرانى» أرى: ماض، بمعنى أعلم، فهو منقول من رأى الذى بمعنى علم، ~~المتعدى إلى مفعولين، ولما نقل بالهمزة من رأى المقتضى مفعولين، اقتضى (¬3) ~~[بالنقل] ثلاثة مفاعيل، فالمفعول الأول الياء، من قوله: «نى» والثانى قوله: # «لومك» والثالث قوله: «ألوما» وفاعله «هم» والمعنى: أعلمنى هم مقيم على ~~فؤادى أن لومك لى أحق باللوم منى، أى أنت فى لومك لى أحق بأن تلامى (¬4). PageV02P185 # فإن قيل: كيف يصح إسناد الإعلام إلى الهم؟ # قيل: هذا مجاز، وحقيقة المعنى: علمت بما غلب على فؤادى من الهم أنك حق ~~باللوم منى. # ثم نعود إلى ما نحن بصدده، من ذكر حذف الحروف، التى من أنفس الكلم، وقد ~~تقدم ذكر الواو التى هى فاء، وحذفها على ضربين بعوض، وبغير عوض، فالمحذوفة ~~بغير عوض، هى المحذوفة في «يعد» وبابه، والمحذوفة بعوض على ضروب، الضرب ~~الأول: المحذوفة من المصدر المكسور أوله، مصدر باب «يعد» نحو: العدة والزنة ~~والثقة، فأصل هذا الضرب: وعد، ووزن، ووثق، /فأعلوه بحذف فائه، لأمرين: ~~أحدهما استثقال الكسرة فى الواو، والثانى: أن هذه الواو قد أعلت بالحذف فى ~~الفعل، والمصدر تابع للفعل فى صحته واعتلاله، والمصدر الأصلي فى هذا الباب ~~هو الفعل، نحو: الوعد والوزن، والفعل أصل فى المصادر الثلاثية، نحو الضرب ~~والقتل والمشى والسعى والغزو والعدو، ألا ترى أنهم إذا أرادوا المرة ~~الواحدة، جاءوا بها على فعلة، كقولك: خرجت خرجة، ودخلت دخلة، ولا يقولون: ~~خروجة ولا دخولة، فلما خرج المصدر بكسر أوله عن أصله، سرى إليه الإعلال من ~~فعله، ولما أرادوا حذف واوه، نقلوا كسرتها إلى ما بعدها، ثم أسقطوها وهى ~~ساكنة، لئلا يسقطوا حرفا وحركة، وفعلوا ذلك أيضا لتدل حركة المحذوف عليه، ~~ولما أسقطوها عوضوا منها تاء التأنيث، كما عوضوا تاء # العين المحذوفة، من مصدر أفعلت المعتل العين، نحو: أقمت وأجبت واعنت ~~وأغثت، لما حذفوا العين من أفعلت، وهى واو أقومت وأجوبت وأعونت وأغوثت، ~~حذفوها من مصدره، ms306 وكان أصله: إفعال، إقوام وإجواب وإعوان وإغواث، فألقوا PageV02P186 # حركة الواو على الساكن قبلها ثم قلبوها ألفا، لتحركها فى الأصل، وانفتح ~~(¬1) ما قبلها الآن، فالتقى فى التقدير ألفان، فحذفوا الأولى، فصار المصدر ~~إلى إقام وإجاب وإعان وإغاث، فعوضوا من المحذوف تاء التأنيث، فقالوا: إقامة ~~وإجابة وإعانة وإغاثة، وربما استغنوا عن تاء التأنيث، بإضافة هذا المصدر، ~~فسدت إضافته مسد التعويض، كما جاء فى التنزيل: {وإقام الصلاة} (¬2). # ومصدر استفعل المعتل العين، يجرى مجرى هذا المصدر، فى الحذف والتعويض، ~~نحو: استقام استقامة، واستجاب استجابة، واستعان استعانة، واستغاث استغاثة. # ومن الواوات التى حذفوها وعوضوا منها همزة: كل واو وقعت/مضمومة أولا، ~~وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فغير اللازم يكون فى الاسم والفعل، فالاسم ~~نحو: وجوه ووقوف ووعود ووحول، والفعل نحو: وعد ووزن ووقف ووقت، تقول على ~~طريق الاستحسان: أجوه وأقوف وأعود وأحول، وأعد وأزن وأقف وأقت، كما قرأ ~~القراء: {وإذا الرسل أقتت} (¬3) وانفرد أبو عمرو بالواو، وقرأ بعض أصحاب ~~الشواذ: «إن يدعون من دونه إلا أثنا» (¬4) أراد: وثنا، جمع وثن، PageV02P187 # جمعه على فعل، على سبيل الشذوذ، كقولهم فى جمع أسد: أسد (¬1). # وإنما أبدل الهمزة من هذه الواو من أبدلها من العرب، لأنهم نزلوا الضمة ~~منزلة الواو، فكأنه اجتمع واوان، ففروا لذلك إلى الهمزة (¬2) [وأما الإبدال ~~اللازم، فإبدال الهمزة] من الواو المضمومة، إذا وقعت بعدها واو متحركة، ~~كقولهم فى تحقير واصل وواعد، وشعر واحف (¬3)، وسقف واكف (¬4): أو يصل، وأو ~~يعد، وشعير أو يحف، وسقيف أو يكف، وكذلك تكسير هذا الضرب يوجب (¬5) ما ~~أوجبه تحقيره من إبدال واوه همزة، تقول: أواصل، وشعور أواحف، وسقوف أواكف، ~~قال الشاعر (¬6): # ضربت صدرها إلى وقالت ... يا عديا لقد وقتك الأواقى # أصله: الوواقى، جمع واقية. # فإن كانت الواو الثانية مدة، لم يلزمك الإبدال، كقولك فى فوعل، من الوعد ~~(¬7) (¬8) [والموافقة] والمواقفة والمواراة: قد ووعد فلان (8) [وقد ووفق فى ~~فعله] وقد ووقف على كذا، وقد ووري الميت، كما جاء فى التنزيل: {ما ووري ~~عنهما من سوآتهما} (¬9) وإنما حسن هذا، لأن الثانية جرت مجرى الألف ms307 التي PageV02P188 # انقلبت عنها الواو، فى واعد ووافق وواقف ووارى، فصحت الأولى فى فوعل، كما ~~تصح فى فاعل، ولك أن تقول: أوعد وأورى وأوقف، كما قلت فى وجوه: أجوه. # وكل العرب قالوا في مؤنث الأول: أولى، وأصلها: وولى، بزنة فعلى، / لأن ~~مذكرها أفعل. # فإن كانت الواو الواقعة أولا مكسورة، كواو وشاح ووكاف ووسادة (¬1)، جاز ~~همزها، وهو أقل من همز المضمومة، لأن الكسرة دون الضمة فى الثقل، فمن ~~النحويين من يقصر ذلك على المسموع، ومنهم من يجعله مقيسا على همز المضمومة، ~~لأن الكسرة أخت الضمة فى الثقل، ألا ترى أنهم جعلوا حكمها حكم الضمة، فى ~~استثقالها على ياء المنقوص، ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: «ثم استخرجها من ~~إعاء أخيه» (¬2). # وقالوا فى مؤنث أحد: إحدى، فألزموها الهمزة. # فإن كانت مفتوحة، كواو وشل ووحل ووعد، لم يجز همزها، لمباينة الفتحة ~~لأختيها بالخفة، فلذلك انفردت بالاستعمال فى باب قاض، وفى باب يغزو ويقضى، ~~ولم يأت همزها إلا قليلا، وذلك فى قولهم: أحد، وهو من الوحدة، وامرأة أناة، ~~وهى فعلة من الونى، لأن فى مدح النساء الوصف بالفتور والكسل، وقالوا: # أبلة الطعام، وأصلها وبلة، فعلة من الوبيل، وهو الردىء الوخيم، وقالوا فى ~~تسمية النساء: أسماء، وهي فعلاء من الوسامة، وقد سموا الرجل بذلك، وهو ~~أسماء بن خارجة الفزارى، والوسامة: الحسن. PageV02P189 # وقال ابن السكيت: «يقال (¬1): والدة وآلدة» وقالوا فى الفعل: أجم، ~~يريدون: وجم، من الوجوم (¬2). # فإن توسطت الواو المضمومة، استحسن بعض العرب إبدال الهمزة منها، وذلك فى ~~نحو: أدور، وأنور، منهم من يقول: أدور وأنؤر، وقالوا فى جمع ساق: # أسؤق وسئوق، مثل أسعق وسعوق، وقرأ بعض القراء: {بالسوق والأعناق} (¬3). # فإن انكسرت المتوسطة الواقعة بعد متحرك، كواو طويل وسويق، لم يجز همزها، ~~وكذلك الواو المضمومة المثقلة، كواو التخوف والتقول، مجمع على ترك إبدال ~~الهمزة منها، لأن تضعيف الهمزة أثقل من تضعيف الواو. # ... PageV02P190 ### || AUTO فصل # / قد ذكرت فيما مضى (¬1) الحذف الواقع باسم المفعول المعتل العين، ~~المأخوذ من نحو: خاف وحاز وهاب وباع، وذكرت اختلاف النحويين فى الحرف ~~المحذوف ms308 منه، ذكرا مستوفى، غير أنى ألم بذكر ذلك هاهنا تكملة لذكر الحذوف. # فأقول: إن أصل اسم المفعول من الخوف: مخووف، ومن الهيبة: # مهيوب، ومذهب الخليل وسيبويه أن الواو الزائد فى نحو: مخووف، هو المحذوف، ~~لكونه زائدا، والزائد أحق بالحذف من الأصلى، وطريق حذفه أنهم ألقوا ضمة ~~الواو الأول على الساكن الذى قبله، ثم حذفوا الثانى، لالتقائهما ساكنين، ~~فوزن مخوف إذن: مفعل. # وكذلك القول فى ذوات الياء (¬2) [أن ضمة الياء من] مهيوب ومبيوع ونحوهما، ~~ألقيت على الساكن، ثم حذفت الواو لسكونها وسكون الياء وكسر ما قبل الياء، ~~لئلا تنقلب لانضمام ما قبلها واوا، فقيل: مهيب ومبيع، فوزنهما: مفعل. # وقال الأخفش: إن الياء لما سكنت حذفت لسكونها وسكون الواو، وأبدلت من ~~الضمة قبلها كسرة، لئلا يصير إلى مهوب ومبوع، فتلتبس ذوات الياء بذوات ~~الواو، فوزن مخوف على قوله: مفول، ووزن مهيب: مفيل. # والحجة للخليل وسيبويه: أن واو مفعول أولى بالحذف من عينه، لأن حذف ~~الزائد أولى من حذف الأصلى. # وقال الأخفش: إنما حذفت العين وأقررت الزائد، لأن الزائد لمعنى، وكل حرف ~~لمعنى يقتضى المحافظة عليه، ألا ترى أن الياء لما سكنت فى باب قاض، ولقيها PageV02P191 # التنوين، وجب حذف الياء، وإن كانت لاما، لأن التنوين علم الصرف، فوجب ~~لذلك إقراره. # /والجواب عن هذا القول: أن واو مفعول ليست وحدها هى الدالة على اسم ~~المفعول، بل هى والميم وضعا لذلك، والميم أقوى منها فى الدلالة على هذا ~~المعنى، لأنها أول الكلمة، فلما حذفت الواو اجتزئ بدلالة الميم على أن ~~الاسم موضوع للمفعول، ويدلك على أن الميم هى الأصل فى الدلالة على اسم ~~المفعول، انفرادها بهذا المعنى، فى نحو: مكرم ومدحرج ومستخرج. # وقد صححوا طرفا من ذوات الياء، فقالوا: ثوب مخيوط، وبر مكيول، وفرس ~~معيوب، إلى غير ذلك، ولم يأت (¬1) [التصحيح] فى شيء من ذوات الواو إلا فى ~~قولهم: مسك مدووف، وثوب مصوون، وحكى قوم حرفين آخرين: فرس مقوود، وقول ~~مقوول، والمعروف فيهن الحذف. # انتهى المجلس السادس والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه. # ... PageV02P192 ### | AUTO المجلس السابع ms309 والأربعون # يتضمن ذكر حذف الهمزة الأصلية والزائدة # وأقول: مما كثر حذفه من الحروف الهمزة، وجاء ذلك فى الاسم والفعل، ~~فحذفوها فاء وعينا ولاما، وزائدة. # فمن حذفها فاء: حذفها من أناس، قالوا فيه: ناس، ووزنه من الفعل عال، وذهب ~~الكسائى إلى أن وزنه: فعل مثل باب، وكان أصله فعل: نوس، واستدل على هذا بأن ~~تحقيره نويس، كبويب، وأنه لو كان أصله فعال، لقيل فى تحقيره: أنيس، كما ~~يقال فى تحقير غراب: غريب. # والصحيح ما ذهب إليه جماعة البصريين، ووافقهم فيه الفراء، لقول العرب: # أناس، وإنما كثر حذف فائه إذا دخل عليه الألف واللام، فلا يكادون يقولون ~~الأناس إلا فى ضرورة الشعر كقوله: # إن المنايا يطلع ... ن على الأناس الآمنينا (¬1) # /وإنما قالوا فى تحقيره: نويس، فلم يردوا فاءه، لأن رد المحذوف إنما يلزم ~~فى التحقير للحاجة إليه، كقولك فى تحقير عدة وزنة: وعيدة ووزينة، وفى سه: # ستيهة، وفى أب وأخ: أبى وأخى، ألا ترى أنك لو لم ترد المحذوف من عدة، ~~أوقعت ياء التحقير ثالثة بعد الدال، وحركتها بالفتح، لوقوع تاء التأنيث ~~بعدها، فصارت الكلمة إلى عدية، بزنة فعلة، كرطبة، وحقيقة زنتها: علية، لأن ~~وزن PageV02P193 # عدة: علة، والياء زائدة للتحقير، فخرجت بذلك عن مثال التحقير، ثم انقلبت ~~الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت إلى عداة، وهذا إفساد مستحكم، ~~لأن ياء التحقير لا تمسها (¬1) الحركة، كما لا تمس ألف التكسير التى فى ~~مثال مفاعل (¬2)، فكيف تحريكها ثم قلبها ألفا؟ وكذلك لو لم ترد عين سه، ~~فتقل: ستيهة، لزمك أن تقول: سهية، مثل رطبة، فتحرك ياء التصغير ثم تقلبها ~~ألفا، وهذا فساد تبعه فساد، وهو إبطال لمثال التحقير، ولو لم ترد اللام من ~~أب وأخ، وقعت ياء التحقير طرفا، ولزم تحريكها بحركات الإعراب، ثم قلبها ~~ألفا، لانفتاح ما قبلها، فصار إلى أبا وأخا، وليس فى تحقير أناس، إذا لم ~~ترد المحذوف، شيء يخرج باب التحقير عن قياسه، لأن قولنا: ناس، وإن كان بوزن ~~عال، فإنه مماثل لباب، وإن كان باب وزنه فعل، وكذلك ms310 (¬3) تحقيره مماثل ~~لتحقيره، وإن كان نويس وزنه عويل، وبويب وزنه فعيل. # ووافق الكسائى من الكوفيين، فى أن ناسا كباب، وأصله نوس، فعل من النوس، ~~وهو التحرك: سلمة بن عاصم (¬4). # ومن ذلك-أعنى حذف الهمزة فاء-حذف همزة «إلاه» حذفوها تخفيفا، كما حذفوا ~~همزة أناس، وهمزة أب، فى قولهم: يا با فلان، فقالوا: لاه أبوك، يريدون: # لله، كما قال (¬5): PageV02P194 # لاه ابن عمك لا أفضلت فى حسب ... عنى ولا أنت ديانى فتخزونى # /معنى «تخزونى»: تسوسنى وتقهرنى، ومعنى «عنى» هاهنا بمعنى علي. # والديان: ذو السياسة. # فلاه فى قوله: «لاه ابن عمك» أصله: لله، فحذف لام الجر، وأعملها محذوفة، ~~كما أعمل الباء محذوفة فى قولهم: الله لأفعلن، وأتبعها فى الحذف لام ~~التعريف، فبقى لاه، بوزن عال، ولا يجوز أن تكون اللام فى قوله: «لاه ابن ~~عمك» لام الجر، وفتحت لمجاورتها للألف، كما زعم بعض (¬1) النحويين، لأنهم ~~قالوا: لهى أبوك، بمعنى لله أبوك، ففتحوا اللام، ولا مانع لها من الكسر فى ~~«لهى»، لو كانت الجارة، وإنما يفتحون لام الجر مع المضمر، فى نحو: لك ولنا، ~~وفتحوها فى الاستغاثة، إذا دخلت فى اسم المستغاث به، لأنه أشبه الضمير، من ~~حيث كان منادى، والمنادى يحل محل الكاف من قولك: أدعوك. # فإن قيل: فكيف يتصل الاسم بالاسم، فى قوله: لاه ابن عمك، بغير واسطة، ~~وإنما يتصل الاسم بالاسم فى نحو: لله زيد، ولأخيك ثوب، بواسطة اللام؟ # قيل: إن اللام أوصلت الاسم بالاسم، وهى مقدرة، كما عملت الجر وهى مقدرة، ~~وكما أوصلت الباء فعل القسم إلى المقسم به، وهى محذوفة، فأصل هذا الاسم ~~الذى هو «الله» تعالى مسماه، إله، فى أحد قولى سيبويه (¬2)، بوزن فعال، ثم PageV02P195 # لاه، بوزن عال، ولما حذفوا فاءه عوضوا منها لام التعريف، فصادفت وهي ~~ساكنة، اللام التى هى عين، وهى متحركة، فأدغمت فيها، وبعض العرب يقطعون ~~همزة لام التعريف منه فى النداء، فيقولون: يا الله، ليدلوا بقطعها على أن ~~الألف واللام فيه عوض من همزة قطع، وخصوه بشىء لم يسمع فى غيره، وهو تفخيم ~~لامه (¬1)، تعظيما له ms311 وتنويها به، وذلك إذا وقعت بعد ضمة أو فتحة، كقولك: # يقول الله، وقال الله، ويفعلون ذلك أيضا إذا ابتدءوا به، لأن همزة لام ~~التعريف مفتوحة، وهذا التفخيم معدوم فى اللات، وما قاربها فى اللفظ، /كالتى ~~واللاتى، فإن جيء به بعد كسرة، رققوا لامه، لموافقة الترقيق للكسر. # والذى ذهب إليه سيبويه، من أن أصل هذا الاسم: إلاه، قول يونس بن حبيب، ~~وأبى الحسن الأخفش، وعلى بن حمزة الكسائى، ويحيى بن زياد الفراء، وقطرب بن ~~المستنير، وقال بعد وفاقه لهذه الجماعة: وجائز (¬2) أن يكون أصله: لاه، ~~وأصل لاه: ليه، على وزن فعل، ثم أدخل عليه الألف واللام، فقيل: الله، ~~واستدل على ذلك بقول بعض العرب: لهي أبوك، يريدون: لاه أبوك، قال: فتقديره ~~على هذا القول: فعل، والوزن وزن باب ودار، وأنشد للأعشى (¬3): PageV02P196 # كحلفة من أبى رياح ... يسمعها لاهه الكبار # ولذى الإصبع العدوانى: «لاه ابن عمك» البيت. انتهى كلام سيبويه. # وأقول: إن الاسم الذى هو «لاه» على هذا القول، تام وأصله: ليه، فعل، مثل ~~جبل، فصارت ياؤه ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومن قال: لهى أبوك، فهو ~~مقلوب من لاه، قدمت لامه التى هى الهاء، على عينه التى هى الياء، فوزنه ~~فلع، وكان أصله بعد تقديم لامه على عينه: للهى، فحذفوا لام الجر ثم لام ~~التعريف، وضمنوه معنى لام التعريف، فبنوه، كما ضمنوا معناها أمس، فوجب ~~بناؤه، وحركوا الياء لسكون الهاء قبلها، واختاروا لها الفتحة لخفتها. # فأما اشتقاق هذا الاسم، تعالى المسمى (¬1) به، فقد قيل فيه غير قول، فمن ~~ذلك قول من قدمت ذكره من أهل العلم بالعربية، أن أصله إلاه، فعال بمعنى ~~مفعول، كأنه مألوه، أى مستحق للعبادة، يعبده الخلق ويألهونه، والمصدر ~~الألوهة، والتأله: التعبد، قال رؤبة (¬2): # سبحن واسترجعن من تألهى # أى تعبدى، ومعنى العبادة: الخضوع والتذلل، من قولهم: طريق معبد، إذا كان ~~موطوءا مذللا، لكثرة السير (¬3) فيه، ومنه اشتقاق العبد، لخضوعه وذلته ~~لمولاه. # وقال الخليل بن أحمد: أصل إلاه: ولاه، من الوله، والوله: الحيرة، فأبدلوا PageV02P197 # الواو لانكسارها همزة، كما قالوا فى ms312 وشاح ووعاء: إشاح وإعاء، ثم أدخلوا ~~عليه الألف واللام للتعريف، فقالوا: الإلاه، ثم حذفوا همزته بعد إلقاء ~~حركتها على لام التعريف، فصار: اللاه، فاجتمع فيه مثلان متحركان، فأسكنوا ~~الأول، وأدغموه فى الثاني، وفخموا لامه، فقالوا: الله، فكأن معناه على هذا ~~المذهب أن يكون الوله من العباد إليه جلت عظمته. # وقال قطرب وغيره من العلماء بالعربية: إن هذا الاسم لكثرة دوره فى ~~الكلام، كثرت فيه اللغات، فمن العرب من يقول: والله لا أفعل، ومنهم من ~~يقول: لاه لا أفعل، ومنهم من يقول: والله بحذف ألفه، وإسكان هائه، وترك ~~تفخيم لامه، وأنشدوا: # أقبل سيل جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلة (¬1) # يحرد: يقصد. # وأقول: إن حذف ألفه إنما استعمله قائل هذا الرجز للضرورة، وأسكن آخره ~~للوقف (¬2) عليه، ورقق لامه، لانكسار ما قبلها، ولو لم يأت فى قافية البيت ~~الثانى «المغلة» لأمكن أن يقول: جاء من أمر اللاه، فيثبت ألفه، ويقف على ~~الهاء بالسكون. PageV02P198 # ومن الأسماء المحذوف منها الهمزة، فاء «أبو فلان» إذا نادوه، كقول أبى ~~الأسود الدؤلى (¬1): # يا با المغيرة رب أمر معضل ... فرجته بالمكر منى والدها # وأما الأفعال التى حذفت الهمزة منها فاء، فمنها قولك إذا أمرت من الأخذ ~~والأكل: خذ وكل، أصلهما أأخذ واأكل، فثقل عليهم اجتماع همزتين فيما يكثر ~~استعماله، فأسقطوا الثانية، فوجب بإسقاطها إسقاط الأولى، لأنها همزة/ وصل، ~~وهمزة الوصل إنما تجتلب توصلا إلى النطق بالساكن، فإذا سقط الساكن الذى ~~لأجله تجتلب، استغنى عنها. # فأما (¬2) [قولك] افعل من أمر يأمر، فللعرب فيه مذهبان، منهم من نزله ~~منزلة خذو كل، فقالوا: مر فلانا بكذا، ومنهم من فرق بينه وبينهما، لأنه لم ~~يكثر استعماله كثرة استعمالهما، فلما فارقهما بكونه أقل منهما استعمالا، ~~وكرهوا اجتماع الهمزتين، أبدلوا الثانية لانضمام ما قبلها واوا، فقالوا: ~~أومر، كما فعلوا ذلك فيما قل استعماله من هذا الضرب، نحو أجر الدار يأجرها، ~~وأثر الحديث يأثره، فقالوا: # أوجر دارك، أوثر حديث (¬3) زيد، فإذا دخل حرف العطف عليه، أجمعوا على ~~إعادة همزته إليه، فقالوا: مر زيدا وأمر ms313 عمرا، كما جاء فى التنزيل: {وأمر ~~أهلك بالصلاة} (¬4). # وقد شبه بعض العرب «ائت» بخذ وكل، وإن لم يكن مثلهما فى الكثرة، فأسقطوا ~~الهمزة التى هى فاء، فاجتمع عليه إسقاط فائه ولامه، فقالوا: ت زيدا، PageV02P199 # فإذا وقفوا عليه قالوا: ته، فألحقوه هاء السكت، كما تقول إذا أمرته من ~~ولى: ل عملك، ومن وفى يفى: ف بقولك، فإذا وقفت قلت: له، وفه، وكذلك تكتب ~~هذا الضرب، أعنى أنك تلحقه فى الخط الهاء، لأن الخط مبنى على الوقف، ألا ~~ترى أنهم يصورون التنوين، فى نحو رأيت زيدا، ألفا، لأنهم إذا وقفوا عليه ~~وقفوا بالألف، وكذلك يحذفون الياء من الخط فى باب قاض فى الرفع والجر، ~~لأنهم يقفون عليه فى اللغة العليا (¬1) [بغير ياء] قال الشاعر: # ت لى آل زيد فاندهم لى جماعة ... وسل آل زيد أى شيء يضيرها (¬2) # قوله: «فاندهم»: أى فأتهم فى ناديهم، وقوله: «لى» أى لأجلى. # وأما حذف الهمزة عينا، فجاء على ضربين، ملتزم وغير ملتزم، فغير الملتزم ~~حذفها بعد إلقاء حركتها على ساكن قبلها، كقولك فى يسأل: يسل، وفى قولك: # اسأل: سل، ألقيت فتحة الهمزة من قولك: اسأل، على السين، وحذفتها ثم ~~حذفت/همزة الوصل، استغناء عنها بحركة السين، فهذا حذف قياسي، لأن استعماله ~~على سبيل الجواز، وكذلك إن كانت الهمزة فاء من كلمة، والساكن قبلها من ~~كلمة، ألقيت حركتها عليه وحذفتها، فقلت فى كم إبلك: كم بلك، ومن أخوك؟ من ~~خوك، وفى قد أفلح: «قد فلح المؤمنون» (¬3). # فأما الحذف الملتزم فيها إذا كانت عينا، فحذف الهمزة من يرى ونرى PageV02P200 # ونظائرهما، وهى ترى ونرى ويرى وأرى ونرى وأرى وترى ويرى، كان الأصل فى ~~يرى: يرأى، مثل يرعى، وفي يرى: يرإى، مثل يرعى، فألقوا حركة الهمزة على ~~الراء، ثم حذفوها والتزموا حذفها، والتزامه شاذ، وحذفوها (¬1) [أيضا] من ~~ماضى يرى، فقالوا: أرى، وأصله أرإى، مثل أرعى، ومن اسم فاعله، فقالوا: مرى، ~~وأصله مرئى، مثل مرعى، وحذفوها من مثال الأمر المصوغ من رأى، كقولك: # يا زيد ر جعفرا، تريد أبصر جعفرا، وكان الأصل: ار ms314 أ، مثل ارع، فألقيت ~~حركة الهمزة على الراء، وحذفت ثم حذفت همزة الوصل، للاستغناء عنها، وهذا ~~جمع بين إعلالين متواليين، حذف الهمزة التى هى عين، وحذف (¬2) [الألف] ~~المنقلبة عن الياء، التى هى لام فى رأيت، فلم يبق إلا الفاء، فقولك: ر ~~جعفرا، مثاله ف جعفرا، فإن أمرت اثنين، رددت اللام، فقلت: ريا، وأصله: ~~ارأيا، مثل ارعيا، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفتها، ثم حذفت همزة ~~الوصل، فوزن ريا فلا، وإنما رددت اللام هنا، كما رددتها من كل فعل معتل ~~اللام، أمرت منه اثنين، كقولك من خشيت: اخشيا، ومن دعوت: ادعوا، فإن أمرت ~~رجالا قلت: # روا، وأصله ارأوا، مثل ارعوا، ففعلت من إلقاء حركة الهمزة على الراء، ~~وحذفها بعد الإلقاء، ثم حذف همزة الوصل، للاستغناء عنها، كما فعلت فيما ~~قدمت ذكره، فوزن روا: فوا، وإنما لم ترد اللام هنا، كما تردها فى نحو: ~~اخشوا، لأن أصله: اخشيوا، /فحذفت ضمة الياء استثقالا لها على الياء، ثم ~~حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم تحذف الياء من اخشيا لخفة الفتحة. # فإن أمرت نساء قلت: رين، وأصله: ارأين، مثل ارعين، ففعلت ما تقدم ذكره، ~~من إلقاء الحركة، ثم حذف الهمزتين، الهمزة التى هى عين، وهمزة الوصل، فوزن ~~رين: فلن، وإنما رددت اللام هنا كما رددتها فى نحو اخشين، وإنما ثبتت فى ~~اخشين، لسكونها كما سكنت الميم في اعلمن، والباء فى اشربن. PageV02P201 # (¬1) ### || AUTO [فصل] [في مناداة الاسم المنقوص:] # يقتضيه هذا الفصل، وهو أنك إذا ناديت اسما منقوصا، فللنحويين فى يائه ~~اختلاف، فمذهب سيبويه (¬2) إثباتها، لأنها احتمت بالنداء من التنوين، كما ~~احتمت بالألف واللام (¬3) [وبالإضافة] ومذهب يونس بن حبيب حذفها، فعنده أن قولك: # يا قاض، أوجه من قولك: يا قاضى، قال: لأن باب النداء باب حذف وتغيير، فهو ~~مما كثر فيه التخفيف، لكثرة استعماله، فلذلك اختص به الترخيم، واتسع فيه ~~حذف ياء الضمير، فى نحو: يا غلام {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي} (¬4) اكتفاء ~~بدلالة الكسرة على الياء، ولم يخالف يونس سيبويه (¬5) في إثبات الياء من ~~اسم الفاعل المصوغ ms315 من أرى يرى، إذا نودى، فكلاهما يقول: يا مرى، فيثبتها ~~لئلا يجتمع على الاسم حذف عينه وحذف لامه، وقد جاء في هذا التركيب لغية، ~~ردوا فيها اللام، وهى لغة التقديم فيه والتأخير، وذلك قولهم: راء، مثل راع، ~~أخروا همزته، وقدموا ياءه، فصارت ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فوزنه: ~~فلع، قال كثير (¬6) عزة، أو غيره: # وكل خليل راءنى فهو قائل ... من اجلك هذا هامة اليوم أوغد PageV02P202 # فإذا استعملوا مضارعه، ردوا عينه، فجاءوا به على يفعل، دون يفلع، فقالوا: ~~يرأى، مثل يرعى، وهى من اللغات القليلة الاستعمال، لقلة مستعمليها. # ومما التزموا فيه حذف همزته، وهي عين، كما التزموا حذفها فى يرى/ ونظائره ~~(¬1) [قولهم] ملك، أصله: ملأك، مفعل من الألوك (¬2)، وهى الرسالة، فألقوا ~~حركة الهمزة على اللام، ثم حذفوها، واستمر ذلك فى استعمالهم إياه، ولم ~~يردوها إلا فى الجمع، ولم يأت ردها فى الأصل الذى هو الواحد إلا نادرا فى ~~الشعر، كقوله: # فلست لإنسى ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب (¬3) # كما جاء فى النادر: # أرى عينى ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات (¬4) PageV02P203 # الترهة: الباطل من كل شيء. # ومما حذفوا عينه وهي همزة، حذفا شاذا، قولهم فى المئين: المين، وهى لغة ~~ردية، لأن فيها جمعا بين إعلالين متلاصقين: حذف العين وحذف اللام، لأن أصل ~~مائة: مئية (¬1)، ومثله فى الجمع بين إعلالين، قولهم فى بنى العنبر وبنى ~~الحارث: بلعنبر وبلحارث، فحذفوا النون من «بنى» مع حذف اللام من ابن، ~~ويتبين هذا فيما تراه بعد (¬2)، بمشيئة الله وحسن إعانته. # انتهى المجلس السابع والأربعون بعون الله وحسن توفيقه. # ... PageV02P204 ### | AUTO المجلس الثامن والأربعون # يتضمن ذكر حذف الهمزة لاما، وما يتصل به # قد انقضى ذكر حذف الهمزة عينا، وأما حذفها لاما، فقد حذفوها من مصدر ~~سؤته، فقالوا: سواية، بوزن فعاية، وأصله سوائية (¬1)، فعالية. # وحذفوها من «أشياء» فى قول أبى الحسن الأخفش وقول الفراء (¬2)، اتفقا على ~~أن أصلها أشيئاء، بوزن أفعلاء، فحذفت الهمزة التى هى لام، فوزنها الآن: ~~أفعاء، فعورضا بأن الواحد مثاله فعل، وليس قياس فعل أن يجمع ms316 على أفعلاء، ~~فاحتجا بقولهم فى جمع سمح: سمحاء (¬3)، وروى عن الفراء أنه قال: أصل شيء ~~شيئ، كهين، وخفف كما خفف هين، /إلا أن شيئا ألزم التخفيف، ولما كان أصله PageV02P205 # فيعل، جمعوه على أفعلاء، كهين وأهوناء. وقوله فى شيء: إن أصله التثقيل، ~~دعوى لا دليل عليها. # وذكر أبو على فى التكملة (¬1) مذهب الخليل وسيبويه، في أشياء، ثم قال ~~[وقد قيل (¬2)] فيه قول آخر، وهو أن يكون أفعلاء، ونظيره سمح وسمحاء (¬3)، ~~وحذفت الهمزة التى هى لام حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، حيث قالوا: ~~سواية، ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين، أحدهما تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد ~~حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكررت أن يلزم الحذف. # والآخر: أن الكلمة جمع، وقد يستثقل فى الجموع مالا يستثقل فى الآحاد، ~~بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو، وهذا ~~قول أبى الحسن، فقيل له: فكيف تحقرها؟ قال: أقول فى تحقيرها: أشياء، فقيل ~~له: هلا رددت إلى الواحد، فقلت: شييئات، لأن أفعلاء لا يصغر، فلم يأت بمقنع. # وأقول: إن الذى ناظره فى ذلك أبو عثمان المازنى، فأراد أن أفعلاء من ~~أمثلة الكثرة، وجموع الكثرة لا تحقر على ألفاظها، ولكن تحقر آحادها، ثم ~~يجمع الواحد بالألف والتاء، كقولك فى تحقير دراهم: دريهمات. # ثم قال أبو على بعد قوله، فلم يأت بمقنع: والجواب عن ذلك، أن أفعلاء فى ~~هذا الموضع جاز تصغيرها، وإن لم يجز التصغير فيها فى غير هذا الموضع، لأنها ~~قد صارت بدلا من أفعال، بدلالة استجازتهم إضافة العدد [القليل (¬4)] إليها، ~~كما PageV02P206 # أضيف إلى أفعال، ويدل على كونها بدلا من أفعال، تذكيرهم العدد المضاف ~~إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، فكما صارت بمنزلة أفعال فى هذا الموضع، ~~بالدلالة التى ذكرت، كذلك يجوز تصغيرها، من حيث جاز تصغير أفعال، ولم يمتنع ~~تصغيرها على اللفظ، من حيث امتنع تصغير هذا الوزن فى غير هذا الموضع، ~~لارتفاع المعنى المانع/من ذلك عن أشياء، وهو أنها صارت بمنزلة أفعال، وإذا ~~كان كذلك لم يجتمع فى الكلمة ما يتدافع من إرادة ms317 التقليل والتكثير فى شيء ~~واحد. انتهى كلامه. # وأقول فى تفسير قوله «إن أفعلاء فى هذا الموضع صارت بدلا من أفعال»: # يعنى أنه كان القياس فى جمع شيء: أشياء (¬1)، مصروف، كقولك فى جمع فيء: # أفياء، على أن تكون همزة الجمع هى همزة الواحد، ولكنهم أقاموا أشياء، ~~التى همزتها للتأنيث، مقام أشياء التى وزنها أفعال، واستدلاله فى تجويز ~~تصغير أشياء على لفظها بأنها صارت بدلا من أفعال، بدلالة أنهم أضافوا العدد ~~(¬2) إليها، وألحقوه الهاء، فقالوا: # ثلاثة أشياء، مما لا تقوم به دلالة، لأن أمثلة القلة وأمثلة الكثرة ~~يشتركن فى ذلك، ألا ترى أنهم يضيفون العدد إلى أبنية الكثرة، إذا عدم بناء ~~القلة، فيقولون: ثلاثة شسوع (¬3)، وخمسة دراهم. # وأما إلحاق الهاء فى قولنا: ثلاثة أشياء، وإن كان أشياء مؤنثا، فلأن ~~الواحد مذكر، ألا ترى أنك تقول: ثلاثة أنبياء، وخمسة أصدقاء، وسبعة شعراء، ~~فتلحق الهاء وإن كان لفظ الجمع مؤنثا، وذلك لأن الواحد نبى وصديق وشاعر، ~~كما أن واحد أشياء: شيء، فأى دلالة فى قوله: ويدل على كونها بدلا من أفعال، ~~تذكيرهم العدد المضاف إليها فى قولهم: ثلاثة أشياء؟ # وأقول: إن الذى يجوز أن يستدل به لمذهب الأخفش، أن يقال: إنما جاز PageV02P207 # تصغير أفعلاء على لفظه، وإن كان من أبنية الكثرة، لأن وزنه نقص بحذف ~~لامه، فصار أفعاء، فشبهوه بأفعال، فصغروه. # وقول أبى على فى أشياء: «إن أصلها أفعلاء، وحذفت الهمزة التى هى لام ~~حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، ولزم حذفها من أفعلاء لأمرين، أحدهما: # تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكررت أن ~~يلزم الحذف» يعنى أن الهمزتين/فى أشيئاء تقاربتا، حتى لم يكن بينهما فاصل ~~إلا الألف مع خفائها، فهى كلا فاصل، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة المفردة في ~~سوائية، فحذف الهمزة التى وليتها همزة أولى. # وقوله: «ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين» أراد أن يعرفك بذلك أن حذفها فى ~~سواية، لم يلتزموه، فأحد الأمرين الداعيين إلى حذفها تقارب الهمزتين، ثم قال: # «والآخر أن الكلمة جمع، وقد يستثقل في الجموع ms318 مالا يستثقل فى الآحاد، ~~بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو» يعنى أن ~~الهمزة حذفت فى سوائية، وهو اسم غير جمع، فكان حذفها من أشياء، أجدر، لكونه ~~جمعا، والجمع ثقيل، لأن الجموع فروع على الآحاد، فلذلك التزموا في خطايا ~~قلب همزة خطيئة ياء، وكان أصلها: خطائىء، بهمزتين، مثل خطاعع، الأولى منهما ~~منقلبة عن ياء خطيئة، كما انقلبت ياء صحيفة همزة فى صحائف، والثانية همزة ~~خطيئة، فاستثقلوا اجتماع الهمزتين فى خطائىء، فأبدلوا المتطرفة ياء، فصار: # خطائى، فاستثقلوا الكسرة فى همزة بعدها ياء، فأبدلوا الكسرة فتحة، إذ ~~كانوا قد قالوا فى المدارى (¬1): مدارا، فأبدلوا من كسرته فتحة، وهى في حرف ~~صحيح، فكان إبدالها فى حرف علة واجبا، فصار حينئذ إلى خطاء، فوقعت الهمزة ~~بين ألفين، والهمزة أخت الألف، فتوالت ثلاثة أمثال، فأبدلوا الهمزة ياء. PageV02P208 # وأما ذوائب، فأصله: ذأائب، الهمزة الأولى همزة ذؤابة، والثانية بدل من ~~ألف ذؤابة، كما أبدلت ألف رسالة همزة، فى رسائل، فاستثقلوا الجمع بين ثلاثة ~~أمثال فى جمع، فأبدلوا من الأولى الواو. # فأما مذهب الخليل وسيبويه فى (¬1) [أشياء، فإن أبا على ذكر أشياء بعد ذكر ~~قصباء وطرفاء وحلفاء، فقال (¬2): وأما الاسم الذى يراد به الجمع عند ~~سيبويه، فقولهم: القصباء والطرفاء والحلفاء. ثم قال: ومن هذا الباب على قول ~~الخليل وسيبويه] قولهم: أشياء فى جمع شيء، وكان القياس فيه: شيئاء، ليكون ~~فعلاء، كطرفاء، فاستثقلوا تقارب الهمزتين، فأخروا الأولى التى هى اللام، ~~إلى أول الحرف، فصار: أشياء، ووزنه من الفعل: لفعاء، ثم قال: والدلالة/على ~~أنها اسم مفرد، ما روى من تكسيرها على أشاوى، كسروها كما كسروا صحراء على ~~صحارى، حيث كانت مثلها فى الإفراد، انتهى كلامه. # وأقول: إن أشياء يتجاذبها أمران: الإفراد والجمع، فالإفراد فى اللفظ، ~~والجمع فى المعنى، كطرفاء وقصباء وحلفاء، هن فى اللفظ كصحراء، وفى المعنى ~~جمع طرفة وقصبة وحلفة (¬3)، بكسر لامها وفتحه على الخلاف، وكذلك أشياء، ~~لفظها لفظ الاسم المفرد، من نحو صحراء، وهي فى المعنى جمع شيء، ودليل [ذلك ~~(¬4)] ما ذكره أبو على من ms319 قولهم فى جمع أشاوى كصحارى، وأصله أشايا، كما ~~تقول العامة، فأبدلوا الياء واوا، على غير قياس، كإبدالها واوا، فى قولهم: ~~جبيت الخراج جباوة، ودليل آخر، وهو قولهم فى تحقيرها: أشياء، كصحيراء، ولو ~~كانت جمعا لفظا ومعنى، وجب أن يقال فى تحقيرها: شييئات، ويدل على أنها فى ~~المعنى جمع، PageV02P209 # إضافة العدد إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، ولو كانت اسما مفردا لفظا ~~ومعنى، لم تجز إضافة العدد إليها (¬1)، ألا ترى أنه لا يجوز: ثلاث صحراء، ~~ولم يأت إضافة العدد إلى مفرد إلا إلى مائة، فى قولهم: ثلاث مائة، كما جاء: ~~{ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة} (¬2) وكان القياس: ثلاث مئين، أو مئات، كما ~~جاء فى قول الفرزدق (¬3): # ثلاث مئين للملوك وفى بها ... ردائى وجلت عن وجوه الأهاتم # ومن حذف الهمزة لاما، حذفها فى برءاء، جمع بريء، خالف الفراء الرواة، فى ~~قول الحارث بن حلزة (¬4): # أم جنايا بنى عتيق ومن يغ ... در فإنا من حربهم برءاء # فروى: لبراء. # فقولهم فى جمع بريء: برءاء، جاء على التمام، كظريف وظرفاء، والذى PageV02P210 # رواه الفراء مختلف فيه، قيل: أصل براء: برءاء، حذفت لامه استثقالا، / ~~لتقارب الهمزتين فى جمع، فبقى: فعاء، وقيل: هو جمع بريء على غير القياس، ~~جاء على فعال، كما قالوا فى جمع رخل (¬1) وظئر وتوأم وفرير، وهو ولد ~~البقرة: رخال وظؤار وتؤام وفرار، وقد قيل: إن الفرار واحد كالفرير. # وقال آخرون فى براء: إنه واحد مثل بريء، كخفيف وخفاف، وكبير وكبار وطويل ~~وطوال، وعجيب وعجاب، ووضعه فى موضع الجمع كقول الآخر: # كلوا فى نصف بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص (¬2) # ومثله فى التنزيل: {والملائكة بعد ذلك ظهير} (¬3) أوقع ظهير فى موضع ~~ظهراء، كما أوقع رفيق فى موضع رفقاء، فى قوله تبارك اسمه وجلت عظمته: # {وحسن أولئك رفيقا} (¬4) وقد اتسع هذا فى فعيل، كظهير ورفيق فى الآيتين، ~~وكنجى فى قوله تعالى: {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا} (¬5) أوقع نجيا فى ~~موقع أنجية، فى قول الراجز (¬6): # إنى إذا ما القوم كانوا أنجيه PageV02P211 # وكإيقاع كثير فى موضع (¬1) كثيرين، وقليل فى ms320 موضع (¬2) قليلين، فكثير فى ~~قوله تعالى: {رجالا كثيرا ونساء} (¬3) وقليل فى قوله: {وقليل من عبادي ~~الشكور} (¬4) فالشكور اسم جنس صيغ على مثال فعول للمبالغة، كالعفو والغفور، ~~فالمعنى: # وقليلون من عبادى الشاكرون، وكون اسم الجنس مشتقا قليل، وإنما يغلب على ~~أسماء الأجناس الجمود، كالدينار والدرهم، والقفيز والإردب، فى قولهم: «عز ~~الدينار والدرهم (¬5)، وكثر القفيز والإردب» يريدون: عزت الدنانير ~~والدراهم، وكثرت القفزان والأرادب. # ومن ذلك الملك والإنسان، فى قوله تعالى: {والملك على أرجائها} (¬6) وفى ~~قوله تعالى: {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها} (¬7) أراد: ~~والملائكة على جوانبها، وإنا إذا أذقنا الناس، فلذلك قال: {وإن تصبهم سيئة ~~بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور}. # ومما جاء من المشتق يراد به/الجنس: المفسد والمصلح، فى قوله تعالى: PageV02P212 # {والله يعلم المفسد من المصلح} (¬1) أى المفسدين من المصلحين، ومنه قول الآخر: # إن تبخلى يا جمل أو تعتلى ... أو تصبحى فى الظاعن المولى (¬2) # أراد: فى الظاعنين المولين. # وأما ما حذف من الهمزات المزيدة، فهمزة أفعل، نحو أكرم وأحسن، إذا اجتمعت ~~فى المضارع مع همزة المتكلم، كقولك: أنا أكرم وأحسن، وقد قدمت ذكر ذلك فى ~~غير موضع. # وقد حذفت الهمزة حذفا مطردا، زائدة وأصلية، وذلك إذا وقعت بعد حرف ساكن، ~~فأهل التخفيف يلقون حركتها على الساكن، فالزائدة كهمزة أفعل، نحو أحسن ~~وأكرم، تقول: قد حسنت إليك، وقد كرمتك، كقراءة من قرأ: «قد فلح المؤمنون» ~~(¬3)، {ولو آمن أهل الكتاب} (¬4). # فأما الأصلية فيقع بها الحذف فاء وعينا ولاما، فالفاء كهمزة أب وأرض، تقول: # من بوك؟ وكم رضك جريبا؟ ومثله فى التنزيل: «يريد أن يخرجكم من رضكم» (¬5) ~~- «وبالآخرة هم يوقنون» (¬6) ومنه قراءة من قرأ: «عادلو لى» (¬7) PageV02P213 # الأصل: عادن الأولى، فألقى ضمة أولى، وهى فعلى كحبلى، على لام التعريف، ~~ثم حذفت، فاجتمع متقاربان، النون المسماة تنوينا، واللام، فأدغم التنوين فى اللام. # والهمزة التى هى عين، كهمزة يسأل، تقول فى تخفيفها: يسل، ألقيت فتحتها ~~على السين، ثم حذفتها، وتقول إذا أمرت منه: سل، وأصله: اسأل، فلما ألقيت ~~فتحة الهمزة على السين وحذفتها، حذفت همزة ms321 الوصل، استغناء عنها، لأن الساكن ~~الذى اجتلبت لأجله قد عدم سكونه، فوزن سل: فل. # ومما همزته عين: جيأل، وهو اسم علم للضبع، والحوأب، وهو اسم ماء (¬1)، ~~/قال الشاعر: # هل هى إلا شربة بالحوأب ... فصعدى من بعدها أو صوبى (¬2) # فجيأل: فيعل، وجوأب: فوعل، تقول فيهما إذا خففت: جيل، والحوب. # والهمزة التى هى لام، كهمزة المرأة والكمأة، تقول فيهما: المرة والكمة، ~~فوزن مرة وكمة: فعه. # واعلم أن هذا النقل ربما امتنع فى بعض السواكن، فلم يجز حذف الهمزة، وذلك ~~فى الألف، والواو والياء إذا كانتا بمنزلة الألف فى المد والزيادة. # أما امتناع الألف، فلأن الألف لا تحتمل الحركة، وذلك فى نحو هباءة، وأما ~~امتناعه فى الواو والياء، إذا كانتا مدتين زائدتين، فلأنهما باجتماع هذين ~~الشرطين بمنزلة PageV02P214 # الألف، وذلك فى مثل: مقروءة وخطيئة، فلا يحتملان الحركة، كما لا تحتملها ~~الألف، وكذلك ياء التصغير، كقولك فى تحقير أفؤس: أفيئس، لا يصح إلقاء حركة ~~الهمزة عليها، لأنها بمنزلة ألف التكسير (¬1)، فى أفاعل، لا تتحرك أبدا، ~~كما لا تتحرك ألف أجادل وأرامل. # فإن كانت الواو والياء أصليين، كواو يغزو، وياء يرمى، أو للإلحاق، كواو ~~حوأب، وياء جيأل، أو ضميرين، كواو فعلوا، وياء افعلى، كانتا كالحروف ~~الصحيحة، فى جواز إلقاء حركة الهمزة عليهما، تقول فى يغزو أخاه، ويرمى أباه: # يغزو خاه، ويرمى باه، وفى قولك: فلان ذو أمرهم، وعجبت من ذي أمرهم: # ذو مرهم، وذى مرهم، لأن الواو فى قولك «ذو» عين، وتقول فى الحوأب: # الحوب، وفى جيأل: جيل، كما مضى، لأن الواو والياء فيهما للإلحاق، وتقول ~~فى الأمر من الامتثال: امتثلوا مرهم، وامتثلي مرهم. # انتهى المجلس الثامن والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه. # ... PageV02P215 ### | AUTO المجلس التاسع والأربعون # يتضمن ذكر حذف الهمزة من «أم» فى قوله # : # ويلم قوم، وتفسير أبيات، وذكر حذف لامات # /فمما حذفت فيه همزة «أم» قول الشاعر: # ويلم قوم غدوا عنكم لطيتهم ... لا يكتنون غداة العل والنهل (¬1) # صدء السرابيل لا توكا مقانبهم ... عجر البطون ولا تطوى على الفضل # يروى: ويلم، بكسر اللام، وو يلم، بضمها، ms322 والأصل فيه ما قدمت (¬2) حكايته ~~عن أبى على، وهو: ويل لأم قوم، فحذف التنوين، فالتقى مثلان، لام «ويل» ولام ~~الخفض، فأسكنت الأولى وأدغمت فى الثانية، فصار: ويل ام قوم، مشدد اللام ~~مكسورها، فخفف بعد حذف الهمزة بحذف إحدى اللامين، فأبو على ومن أخذ أخذه، ~~نصوا على أن المحذوفة اللام المدغمة، فأقروا لام الخفض على كسرتها، وآخرون ~~نصوا على أن المحذوفة لام الخفض، وحركوا اللام الباقية بالضمة التى كانت ~~لها فى الأصل. # وقوله: «لطيتهم» الطية: السفر (¬3)، وموضع «لطيتهم» نصب على الحال، أى ~~غدوا عنكم مسافرين. PageV02P216 # والعل: الشرب (¬1) الأول، والنهل: الشرب الثانى. # وقوله «لا يكتنون» أى لا يقول أحدهم مفتخرا عند شرب إبله الأول وشربها ~~الثانى: أنا أبو فلان، أراد أنهم ليسوا برعاء يسقون الإبل، وإنما يكتنى ~~ويرتجز على الدلو السقاة والرعاء. # وقد قيل فيه قولان آخران، أحدهما (¬2) [أنهم] يسامحون شريبهم، ويؤثرونه ~~بالسقى قبل أموالهم (¬3)، ولا يصولون عليه فيكتنون، وهذا من كرمهم. # والقول الآخر: أنهم ذوو عز ومنعة، فإذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها ~~عنه، لأنها/قد عرفت، فلا حاجة لأربابها إلى الاكتناء لتعرف. # وقال بعض أهل العلم باللغة، فى قوله: «يكتنون» إنه من قولهم: كتنت يده ~~تكتن، إذا خشنت (¬4) [من العمل] فقال: ليسوا بأهل مهنة فتكتن أيديهم وتخشن ~~من العمل، بل لهم عبيد يكفونهم ذلك (¬5)، فوزن يكتنون فى هذا القول: # يفعلون، وفى القول الأول: يفتعون، وأصله يكتنيون، يفتعلون من الكنية، ~~فحذفت ضمة يائه، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، ثم أبدلت الكسرة قبل ~~الواو ضمة، لئلا تنقلب الواو ياء. PageV02P217 # وقوله: «صدء السرابيل» السرابيل: اسم يقع على الدروع وعلى القمص بذلك جاء ~~التنزيل فى قوله تعالى: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} ~~(¬1) وفى هذا الكلام حذف عاطف ومعطوف، إذ التقدير: تقيكم الحر والبرد (¬2). # ووصفهم بأن دروعهم صدء، لكثرة حملهم السلاح ولبسهم له، وصدء: # جمع أصدأ، كأحمر وحمر. # وقوله: «لا توكا مقانبهم» معناه: لا تشد أوعيتهم التى يكون فيها الزاد، ~~واحدها مقنب، كنى بذلك عن إطعامهم الزاد، أى إنهم إذا سافروا ms323 لا تشد أوعية ~~زادهم، بل يبذلونه لمصاحبيهم. # وقوله: «عجر البطون» من صفة المقانب، والعجر: جمع أعجر، وهو الضخم، ~~وانتصاب قوله: «عجر البطون» على الحال، وهو من باب: حسن الوجه، أى لا تشد ~~أوعية زادهم ضخاما بطونها، أى لا تشد وهى مملوءة. # وقوله: «توكا» من الوكاء، وهو السير الذى يشد به رأس القربة، والخيط الذى ~~يشد به رأس الجراب ونحوه، وشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، العينين فى ~~اليقظة بالوكاء، فى قوله: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق ~~الوكاء (¬3)» السه والاست بمعنى (¬4)، أراد PageV02P218 # أن العينين شداد الاست، فإذا كان يقظان/حفظت عينه استه، كما يحفظ الوكاء ~~ما فى الوعاء، فإذا نام انحل الشداد. # وقوله: «لا تطوى على الفضل» أراد أن أوعية زادهم لا تطوى على ما فضل فيها ~~منه، وجمع فاضل الطعام على الفضل، لأن مثال فاعل من الصفات قد جمع على ~~الفعل فى قول الأعشى (¬1): # إنا لأمثالكم يا قومنا قتل # وفى قوله (¬2): # إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنا معشر نزل # جمع قاتلا ونازلا، على قتل ونزل، كما ترى، ورفع قوله: «أو تنزلون» على ~~الاستئناف بتقدير (¬3): أو أنتم تنزلون. # وذكر أبو علي فى قول الله سبحانه: {كانت لهم جنات الفردوس نزلا} (¬4) أن ~~النزل يجوز أن يكون جمع نازل، فينتصب على الحال من الهاء والميم، من قوله: # {لهم} أى كانت لهم جنات الفردوس نازلين فيها، ويجوز أن يراد بقوله: ~~{نزلا} الطعام الذى يهيأ للنزيل، فيكون فى الكلام تقدير حذف مضاف، أى كانت ~~لهم ثمرات جنات الفردوس نزلا، فعلى هذا ينتصب قوله: {نزلا} بأنه خبر كان. PageV02P219 # وقد جاءت لفظة «الفضل» بمعنى آخر، اسما غير جمع، وذلك فى بيت للمتنخل ~~الهذلى، من قصيدة رثى بها ابنه أثيلة (¬1) [وكان خرج مع ابن عم له، يقال ~~له: ربيعة بن الجحدر غازيين، فأغارا على طوائف من فهم (¬2) بن عمرو بن قيس ~~عيلان، فقتل أثيلة] وأفلت ربيعة، فقال أبوه فى مرثيته له: # فقد عجبت وما بالدهر من عجب ... أنى قتلت وأنت الحازم البطل (¬3) # السالك الثغرة ms324 اليقظان كالئها ... مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل # قوله: «أنى قتلت» أى كيف قتلت؟. # والثغرة والثغر بمعنى واحد، وهو موضع المخافة. # وكالئها: حافظها. # والهلوك من النساء: التى تتهالك فى مشيتها، أى تتبختر وتتكسر، وقيل: # الهلوك: الفاجرة التى تتواقع على الرجال. # والخيعل: القميص الذى لاكمى له (¬4)، وقيل: لاكمي له ولا دخاريص (¬5). PageV02P220 # ويقال: امرأة فضل: إذا كان عليها قميص ورداء، وليس عليها إزار ولا ~~سراويل، فأراد بما وصفه به: أنت الذى من شأنه سلوك موضع المخافة، يمشى ~~متمكنا غير فروق ولا هيوب، /مشى المرأة الفاجرة المتبخترة الفضل، وقال ~~الأعشى فى الفضل: # ومستجيب لصوت الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل (¬1) # فأما إعراب البيت، فإن الوجه فى قوله: «السالك الثغرة» نصب الثغرة، ~~كقولك: الضارب الرجل، ويجوز فيها الخفض، كقولك: الضارب الرجل، على التشبيه ~~بالحسن الوجه [كما قالوا: الحسن الوجه (¬2)] فنصبوا على التشبيه بالضارب ~~الرجل، وإذا نصبت الثغرة أو خفضتها، أجريت عليها اليقظان وصفا، فنصبته أو ~~جررته، وارتفع به كالئها، كقولك: مررت بالمرأة الحسن وجهها، وجاز ذلك لعود ~~الضمير إلى الموصوف. # وقوله: «مشى الهلوك» إن شئت نصبته بتقدير: يمشى مشى الهلوك، وإن شئت ~~أعملت فيه السالك، لأن السالك يقطع الأرض بالمشى، فيكون من باب (¬3): تبسمت ~~وميض البرق، لأن تبسمت بمعنى أومضت، ومثله: إنى لأبغضه كراهة، وإنى لأشنؤه ~~بغضا، ومثله فى التنزيل: {أمهلهم رويدا} (¬4) وقوله: PageV02P221 # {فسلموا على أنفسكم تحية} (¬1). # وزعم بعض (¬2) من لا معرفة له بحقائق الإعراب، بل لا معرفة له بجملة ~~الإعراب، أن ارتفاع «الفضل» على المجاورة للمرفوع، فارتكب خطا فاحشا، وإنما ~~الفضل نعت للهلوك على المعنى، لأنها فاعلة من حيث أسند المصدر الذى هو ~~المشى إليها، كقولك: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرا، رفعت «الطويل» لأنه وصف ~~لفاعل الضرب، وإن كان مخفوضا فى اللفظ، ولو قلت: عجبت من ضرب زيد الطويل ~~عمرو، فنصبت «الطويل» بأنه نعت لزيد على معناه، من حيث هو مفعول فى المعنى، ~~كان مستقيما، كما عطف الشاعر عليه المنصوب فى قوله: # قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا (¬3) # ومثل ذلك ms325 فى العطف قراءة الحسن: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار /أولئك ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} (¬4) عطف الملائكة والناس على ~~اسم الله، على المعنى، لأن التقدير: عليهم أن لعنهم الله (¬5). PageV02P222 # ومثل رفع الفضل على النعت للهلوك، رفع المظلوم على النعت للمعقب، فى قول ~~لبيد يصف الحمار والأتان: # يوفى ويرتقب النجاد كأنه ... ذو إربة كل المرام يروم (¬1) # حتى تهجر فى الرواح وهاجها ... طلب المعقب حقه المظلوم # قوله: يوفى: أى يشرف. # والنجاد: جمع النجد، وهو المرتفع من الأرض، أى يشرف على الأماكن المرتفعة ~~كالرقيب، وهو الرجل الذى يكون ربيئة لقوم، يربض على نشز متجسسا. # والإربة: الحاجة. # وقوله: «حتى تهجر فى الرواح» أى عجل رواحه فراح فى الهاجرة. # وهاجها: أى هاج الأتان، طردها وطلبها، مثل طلب الغريم المعقب حقه، (¬2) ~~[فالمعقب فاعل الطلب، ونصب حقه لأنه مفعول الطلب، والمظلوم صفة للمعقب على ~~المعنى، فرفعه لأن التقدير: طلبها مثل أن طلب المعقب المظلوم حقه] والمعقب: ~~الذى يطلب حقه مرة بعد مرة، وهذا تفسير الأصمعى، أراد أنه يطلب حقه طلبا ~~عقيب طلب. # وفى مرثية المتنخل: # فاذهب فأى فتى فى الناس أحرزه ... من حتفه ظلم دعج ولا جبل (¬3) PageV02P223 # ذهب بقوله: «أى فتى» مذهب النفى، أى ليس فى الناس فتى أحرزه من حتفه ظلم، ~~فلذلك عطف عليه بالنفى، فقال: ولا جبل، وهذا كقولك لمن أكرمته فجحد إكرامك ~~له، أو قابله بقبيح: أى إنسان يكرمك بعد هذا؟ تريد: # لا يكرمك إنسان. وفيها: # أقول لما أتاني الناعيان به ... لا يبعد الرمح ذو النصلين والرجل (¬1) # قوله: «به» أى بنعيه، فحذفه لدلالة قوله: «الناعيان» عليه. # وقوله: «ذو النصلين» شبهه بالرمح الذى له نصل وزج، فسمى الزج نصلا، وإنما ~~الزج الذى يكون فى أسفل الرمح، فغلب النصل على الزج، لأن العمل للنصل، وإذا ~~كان/للرمح زج، كان أمكن للطعن به. # وقوله: «والرجل» أراد: والرجل فى الشجاعة والعقل (¬2). وبعد هذا البيت: # رباء شماء لا يدنو (¬3) ... لقلتها # إلا السحاب وإلا الأوب والسبل # أراد أنه يكون ربيئة فى قلة جبل أشم شامخ. # والأوب: جماعة (¬4) النحل، وقيل: ms326 الأوب: الريح. PageV02P224 # والسبل: المطر. # ذكر الشريف المرتضى، رضى الله عنه، البيتين اللذين (¬1) الأول منهما: ~~«ويلم قوم» فى كتابه الذى سماه (¬2) (غرر الفوائد) وبين معنييهما، غير أنه ~~لم يستوعب (¬3) [تفسير] ما فيهما من اللغة، ولم يتعرض للإعراب فيهما، ولم ~~يزل قليل الإلمام بهذا الفن، وقال فى قوله: «ويلم قوم»: هذا من الزجر ~~المحمود الذى لا يقصد به الشر، مثل قولهم: قاتل الله فلانا، ما أشجعه!. ~~وترحه الله، ما أسمحه! ومثله قول آخر: # فويل بها لمن تكون ضجيعه ... إذا ما الثريا ذبذبت كل كوكب (¬4) # ... PageV02P225 ### || AUTO فصل # تردفه فصول فى حذف اللام # اللام أمكن فى الحذف من العين، والكلم المحذوف لاماتها على ضربين، ضرب ~~عوضوه من محذوفه، وضرب لم يعوضوه، فالذى لم يعوضوه على ضربين، مذكر ومؤنث ~~بالهاء، فالمذكر سوى اليد (¬1): دم وغد ويد ودد وأب وأخ وحم وهن وحر وفوك ~~وذو مال. # والمؤنث: شاة وشفة وسنة وأمة وضعة وبرة ولغة وقلة وثبة وظبة وكرة وحمة ~~ومائة وسية وفئة ورئة وعزة وعضة (¬2) ولثة. # والضرب الذى عوضوه على ضربين، ضرب عوضوه حرفا فى أوله، وضرب عوضوه حرفا ~~فى آخره أو أوسطه. # فالذى عوضوه فى الأوائل، عوضوه همزة الوصل، وهو: اسم واست وابن ~~وابنة/واثنان واثنتان. # والضرب الآخر عوضوه التاء، وهو: بنت وأخت وهنت وثنتان وكلتا وكيت وذيت. # فأصل دم عند بعض التصريفيين (¬3): دمى، ساكن العين، قالوا: لأن الأصل فى PageV02P226 # هذه المنقوصات أن تكون أعينها سواكن، حتى يقوم دليل على الحركة، من حيث ~~كان السكون هو الأصل، والحركة طارئة، قالوا: وليس ظهور الحركة فى قولنا: # «دميان» دليلا على أن العين متحركة فى الأصل، لأن الاسم إذا حذفت لامه ~~واستمرت حركات الإعراب على عينه، ثم أعيدت اللام فى بعض تصاريف الكلمة، ~~ألزموا العين الحركة، لإلفهم الحركة فيها، إذا قالوا: دم ودما وبدم. # وقال من (¬1) خالف أصحاب هذا القول: أصل دم: دمى، فعل مفتوح العين، لأن ~~بعض العرب قلبوا لامه ألفا، فألحقوه بباب رحا، فقالوا: هذا دما (¬2) وبدما، ~~وأنشدوا: # كأطوم فقدت برغزها ... أعقبتها الغبس منه عدما (¬3) # غفلت ثم ms327 أتت تطلبه ... فإذا هى بعظام ودما PageV02P227 # وعلى هذه اللغة أنشدوا: «يقطر الدما» بالياء (¬1)، فى قوله: # فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدما (¬2) # وقال بعض العرب فى تثنيته: دمان، فلم يردوا اللام، كما قالوا فى تثنية يد: # يدان، والوجه أن يكون العمل على الأكثر، ولذلك حكى قوم: دموان، والأعرف ~~فيه الياء، وعليه أنشدوا: # فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين (¬3) PageV02P228 # قال بعض أهل اللغة: من العرب من يقول: الدم، بالتشديد، كما تلفظ به ~~العامة (¬1)، وهى لغة رديئة، وأنشدوا لتأبط شرا (¬2): # حيث التقت بكر وفهم كلها ... والدم يجرى بينهم كالجدول # /والعامة تفعل مثل هذا فى الفم، ومن العرب من يشدد الفم أيضا، وإنما يكون ~~ذلك فى الشعر، كما قال: # يا ليتها قد خرجت من فمه (¬3) # الأطوم: البقرة الوحشية، والبرغز: ولدها، والغبس: الذئاب. # وغد، أصله: غدو، وقد نطقوا به، قال (¬4): # وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع PageV02P229 # وقال آخر: # لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا (¬1) # قوله: «لا تقلواها» أى لا تعجلا بها فى السير، ويقال: قلت الناقة ~~براكبها: إذا تقدمت به، وقلا العير أتنه (¬2) [قلوا] إذا طردها. # والدلو: ضرب من السير السهل، قال: # لا تعجلا فى السير وادلواها (¬3) # ويد، أصلها: يدى لظهور الياء فى تثنيتها، ولقولهم: يديت إليه يدا، أى ~~أسديت إليه نعمة، قال (¬4): # يديت على ابن حسحاس بن بدر ... بأسفل ذى الجذاة (¬5) يد الكريم PageV02P230 # فيجوز أن تكون اليد التى هى النعمة مأخوذة من التى هى الجارحة، لأن ~~النعمة تسدى باليد، ويجوز أن تكون الجارحة مأخوذة من النعمة، لأن اليد نعمة ~~من نعم الله على العبد. # ويدل على سكون عينها جمعها على أيد، لأن قياس فعل فى جمع القلة أفعل، ~~كقولهم: أكلب وأكعب وأبحر وأنسر. [فى جمع نسر] (¬1) وفتح الدال فى التثنية كقوله: # يديان بيضاوان عند محلم ... قد يمنعانك أن تذل وتقهرا (¬2) # لا يدل على فتحها فى الواحد، لما ذكرته لك من إجراء هذه المنقوصات على ~~الحركة، إذا أعيدت لاماتها، وذلك لاستمرار ms328 حركات الإعراب عليها فى حال ~~نقصها، وكذلك إذا نسبت إليها أعدت المحذوف، وفتحت الدال، /وأبدلت من الياء ~~واوا، كما أبدلت من ياء قاض، فقلت: يدوى، هذا قول الخليل وسيبويه فى النسب ~~إلى هذا الضرب، وأبو الحسن الأخفش ينسب إليه على زنته الأصلية، فيقول: ~~يديي، وفى غد: غدوى، وفى حر: حرحى، والخليل وسيبويه يقولان: # غدوى وحرحى (¬3). # وجمع اليد التى هى الجارحة فى الأكثر على أيد، وقد جاء جمعها على أياد، ~~فى قوله: PageV02P231 # قطن سخام بأيادى غزل (¬1) # سخام: ناعم. # واليد التى هى النعمة جمعها فى الأكثر الأشهر على الأيادى، وقد جمعوها ~~على الأيدى، وإنما الأيادى جمع (¬2) الجمع، كقولهم فى جمع أكلب: أكالب. # وقولهم فى تثنيتها: يدان، أكثر من قولهم: يديان، فهذا مضاد لقولهم: # دمان ودميان. # وقولهم: «دد» أصله: ددن، وهو اللهو واللعب، وجاء فى الحديث عنه PageV02P232 # صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أنا من دد ولا الدد منى (¬1)» وقال عدى بن ~~زيد العبادى (¬2): # أيها القلب تعلل بددن ... إن همى فى سماع وأذن # الأذن: الاستماع، يقال: أذن للحديث يأذن أذنا (¬3): إذا استمع، وفى ~~المأثور عنه عليه السلام: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن ~~(¬4)» وقال قعنب بن أم صاحب: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (¬5) # أى استمعوا، وليس الجمع بين السماع والاستماع فى بيت عدى، كالجمع بين ~~النأى والبعد فى قول الحطيئة (¬6). PageV02P233 # وهند أتى من دونها النأى والبعد # لأن السماع هو القول المسموع، والاستماع فى أصل وضعه هو الإصغاء إلى ~~المسموع. # وأصل أب وأخ وحم وهن: أبو وأخو وحمو وهنو، فعل كقلم، بدلالة جمعهن على ~~أفعال: آباء وآخاء وأحماء وأهناء، كأقلام، والدليل على أن المحذوف ~~منهن/واو، قولهم: أبوان وأخوان [وحموان (¬1)] وهنوان وهنوات، فى جمع مؤنثه، ~~وقد ألحقوا فى بعض اللغات أبا وأخا وحما، بباب عصا، وذلك قليل، كقلة (¬2) قولهم: # بدما # وإذا أضافوا هذه الأسماء الأربعة، أعادوا إليهن لاماتهن، فقالوا: أبوك ~~وأبو زيد، وأخوك وأخو بكر، وحموك وحموهند، وهنوك وهنو خالد. والحم أبو ~~الزوج، وأبو امرأة الرجل، وبعضهم ms329 (¬3) يقصره على أبى الزوج خاصة، وأنشد: # هى ما كنتى وتز ... عم أنى لها حم (¬4) # وفيه لغة ثالثة، رواها الأصمعي (¬5)، وهو: الحمء، مهموز، مثل الكمء. PageV02P234 # وقد جاء ترك إعادة اللام من «هنوك» فى بيت الفرزدق (¬1)، وقد مر بامرأة ~~وهو سكران يتواقع، فسخرت منه، فقال: # وأنت (¬2) ... لو باكرت مشمولة # حمراء مثل الفرس الأشقر # رحت وفى رجليك عقالة (¬3) ... وقد بدا هنك من المئزر # أراد: هنك، فحذف الضمة من المنفصل، تشبيها بالمتصل، فنزل «هنك» منزلة عضد (¬4). # فإن أضفتهن إلى ياء المتكلم لم ترد، وقلت: أبى وأخى وحمى، وأجاز PageV02P235 # أبو العباس المبرد: أبى وأخى وحمى، واحتج بقول الشاعر (¬1): # قدر أحلك ذا المجاز وقد أرى ... وأبي مالك ذو المجاز بدار # ومنع أبو على من هذا، وقال: إن «أبى» فى البيت جمع أب، على لغة من قال فى ~~جمعه: أبون وأبين، وعليه قول الشاعر (¬2): # فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا # وقول الآخر (¬3): # يدفن البعولة والأبينا # وأما قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب (¬4): # /فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور PageV02P236 # فقيل فيه: إنه وضع الواحد موضع الجمع، كقول آخر (¬1): # كلوا فى نصف بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص (¬2) # وكقول آخر: # قد عض أعناقهم جلد الجواميس (¬3) # وقيل: إنه جمع أخ، كجمع أب على الأبين، وحذف النون من «أخون» للإضافة، ~~ومن قال: الأبون والأخون، قال فى التثنية: الأبان والأخان، فلم يرد اللام ~~فى التثنية، كما لم يردها فى الجمع، فالياء التى قبل ياء المتكلم فى قوله: ~~أبى، ياء الجمع التى فى أبين، لا لام أب، فوزن أبى: فعى، لا فعلى، وعلى هذا ~~الجمع حملت قراءة من قرأ (¬4): «نعبد إلهك وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق» ليكون بإزاء {آبائك} فى القراءة الأخرى، وقد ذكرت هذا الفصل فيما ~~قدمته من الأمالى. PageV02P237 # والهن: عبارة عن السوءة، كما قال الفرزدق: # وقد بدا هنك من المئزر # ويقال: هنا المرأة: إذا غشيها، وقد استعملوه مؤنثا وجمعوه، فردوا ~~المحذوف، ولم يردوا، فقالوا: فى فلان هنات وهنوات، أى خصلات سوء، ولا يقال ~~ذلك فى الخير، قال فى ms330 الرد: # أرى ابن نزار قد جفانى وملنى ... على هنوات شأنها متتايع (¬1) # التتايع: التهافت فى الشر، وقيل: هو اللجاج، ولا يكون إلا فى الشر، وقال ~~فى ترك الرد: # ونعم الحي كلب غير أنا ... لقينا فى جوارهم هنات (¬2) # وحر: أصله حرح، لقولهم فى تحقيره: حريح، وفى جمعه: أحراح، قال: # وقد أقود جملا ممراحا ... ذا قبة مملوءة أحراحا (¬3) PageV02P238 # /انتهى المجلس التاسع والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه. PageV02P239 ### | AUTO المجلس الموفى الخمسين # يتضمن ذكر الحذف من قولهم: فوك وذو مال # ، وما يتصل بذلك # قولهم: «فوك» مما ألزموه الإضافة ما دام على هذه القضية؛ لأنهم لو أفردوه ~~سقطت الواو؛ لسكونها وسكون التنوين، فبقى على حرف واحد، وهذا معدوم فى ~~الأسماء الظاهرة، واللام منه هاء، ووزنه فى الأصل (¬1) فعل، فوه، مثل فوز، ~~بدلالة قولهم فى تحقيره وتكسيره: فويه وأفواه، وفى تصريف الفعل منه: تفوهت، ~~وحذفوا لامه؛ لأن الهاء حرف خفي مهموس، فلذلك استعملوه فى القوافى وصلا، ~~ساكنا ومتحركا، فالساكن فى نحو. # وقفت على ربع لمية ناقتى ... فما زلت أبكى عنده وأخاطبه (¬2) # والمحرك فى نحو: # عفت الديار محلها فمقامها (¬3) ... وبلد عامية أعماؤه (¬4) # كما استعملوا الألف والواو والياء وصلا فى نحو: PageV02P240 # أقلى اللوم عاذل والعتابا (¬1) # ونحو: # سقيت الغيث أيتها الخيامو (¬2) # ونحو: # قفانبك من ذكرى حبيب ومنزلى (¬3) PageV02P241 # وقد أبدلوها من الياء فقالوا فى دهديت: دهدهت، وأبدلوها من الألف فى ~~قولهم «مهما» أصلها: ماما، فى قول بعض النحويين (¬1)، فاستثقلوا تكرير ~~اللفظ بعينه. وقال آخرون: هى مه، زيدت عليها «ما». # وقد أبدلوها من الهمزة فقالوا فى إياك: هياك، وفى أنرت (¬2) الثوب: هنرت. # وعاقبت الواو التى هى لام الكلمة، فى قولهم من السنة: سانيت مساناة، ~~وسانهت مسانهة. # فلما قويت مشابهتها لحروف الاعتلال حذفوها. # ولما بقى الاسم على حرفين، المتطرف منهما حرف علة ألزموا/الكلمة الإضافة؛ ~~لأن إفرادها يؤدى إلى إسقاط حرف العلة منها. # ولما أرادوا التصرف فيها بالإفراد، كما تصرفوا فيها بالإضافة، أبدلوا من ~~الواو الميم لاتفاقهما فى الخروج من الشفتين (¬3)، فقالوا: فم، وفم زيد، ~~وإضافته مع الميم قليلة (¬4)، وقالوا فى تثنيته: فمان وفموان، ms331 فلم يردوا ~~الهاء كما ردوها فى فويه وأفواه. # والأوجه فى تثنيته: فمان؛ لأن من قال: فموان، جمع بين العوض والمعوض منه (¬5). # وكذلك قالوا فى النسب إليه: فمى وفموى (¬6). PageV02P242 # وهذا الاسم أحد الأسماء التى جعلوا ما قبل حرف إعرابها تابعا لحرف ~~الإعراب، فقالوا: أبوه وأباه وأبيه؛ وعلة ذلك أنهم إذا أفردوهن أعربوهن ~~بالحركات، فقالوا: أب وأبا وأب، والأب والأب والأب، وكذلك الأخ والحم ~~والهن، فلما ردوا إليهن حرف العلة فى الإضافة كرهوا أن يمنعوا الحرف ~~الملاصق لحرف العلة ما ألفوه فيه من الحركة، وإن كانت الحركة مختلفة فى ~~التقدير، فكانت فى الإفراد إعرابا، وفى الإضافة إتباعا. # وزعم الفراء أن حركة الإتباع إعراب، وسمى هذا الضرب معربا من مكانين. ~~وليس ما قاله بصحيح؛ لأنه لا يجوز الجمع بين إعرابين، كما لا يجوز الجمع ~~بين تعريفين ولا تأنيثين (¬1). # وعلة أخرى تحسن الإتباع فى هذه الأسماء، وذلك أنهم قد استعملوا الإتباع ~~فى الصحيح، من قولهم: امرؤ وابنم (¬2)، فقالوا: رأيت امرأ، ومررت بامرئ، ~~وهذا امرؤ، وكذلك ابنم وابنما وابنم، وإذا كانوا قد استحسنوا ذلك فى الحرف ~~الصحيح، فاستحسانهم إياه فى المعتل أجدر. # ولأبى علي كلام فى «فى» أورده فى تكملة الإيضاح، وهو مفتقر إلى كلام ~~يبرزه، وتفسير يوضحه. # وذلك قوله فى باب إضافة الاسم المنقوص وغير المنقوص/إلى ياء المتكلم: # «تقول: كسرت فاه، ووضعته فى فيه، فإن أضفت الفم إلى الياء قلت: هذا في، ~~وفغرت في، وفى في، فيكون الاسم فى الأحوال الثلاث فى الإضافة إلى الياء PageV02P243 # على صورة واحدة، لأن حركة الحرف الأول منه تتبع حركة الحرف الثانى، مثل ~~امرؤ وابنم وأخ وأب وحم، فيمن قال: حموها، وذو مال، فلما لزم كسر الآخر ~~أتبعته الأول، فلذلك لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت فاه (¬1)» انتهى كلامه. # وأقول: إنما لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت عصاى؛ لأن هذا الاسم قد ~~عرفت أنه من الأسماء المعتلة التى يتبع ما قبل حرف إعرابها حرف الإعراب فى ~~حركته، رفعا ونصبا وجرا كقولك: هذا أبوه، ورأيت أباه، ومررت بأبيه، ms332 ونظيرها ~~من الصحيح امرؤ وابنم. # فإذا أضفت هذا الاسم إلى كاف الضمير أو هائه قلت فى الرفع: هذا فوك، وذاك ~~فوه، وكان حقه أن تقول: فوك وفوه، بضمتين، ضمة الواو إعراب، وضمة الفاء ~~إتباع، كما قلت: هذا ابنم، فضممت النون إتباعا لضمة الميم، ولكنهم استثقلوا ~~الضمة على واو قبلها ضمة، فحذفوها، وكذلك كان حقه فى الجر: # ضعه فى فوك وفى فوه، بكسرتين، كسرة الواو إعراب، وكسرة الفاء إتباع، كما ~~أن كسرة النون من قولك: بابنم، إتباع لكسرة الميم، فاستثقلوا الكسرة على ~~واو قبلها كسرة فحذفوها، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما ~~صارت واو ميزان وميقات وميعاد، ياء لوجود الشرطين فيها، سكونها وانكسار ما ~~قبلها، فقلت: ضعه فى فيك وفى فيه. # وكذلك فى حال النصب كان حقه فوك وفوه، بفتحتين، فتحة الواو إعراب، وفتحة ~~الفاء إتباع، كما أن فتحة النون فى قولك: رأيت ابنما إتباع لفتحة الميم، ~~فصارت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقلت/فاك وفاه. # هذا حكم «في» فى إضافته إلى كاف الضمير وهائه، فإن أضفته إلى ياء الضمير ~~فقد عرفت أنها تقتضى كسر ما قبلها إذا كان حرفا يحتمل الحركة، PageV02P244 # كقولك: هذا غلامى، وضربت غلامى، وإنما قلت: إذا كان حرفا يحتمل الحركة ~~(¬1) تحرزا من الألف فى نحو {هي عصاي} (¬2). # وإذا عرفت أن ياء الضمير يكسر لها ما قبلها، وأضفت هذا الاسم إليها وقد ~~علمت أن أوله تابع لثانيه فى الحركة، فإن حقه فى الأصل أن تقول فى نصبه: # فغرت فوى، بكسرتين، فكسرة الواو هى التى تقتضيها ياء المتكلم، وكسرة ~~الفاء إتباع، كما أن كسرة الميم فى قولك: رأيت ابنمى حدثت لاتصاله بياء ~~المتكلم، وكسرة النون إتباع، فلما آل فى النصب إلى فوى، استثقلوا كسرة فى ~~واو قبلها كسرة، فأسقطوها، أعنى كسرة الواو، فأوجب سكون الواو مع انكسار ما ~~قبلها قلبها ياء، لما ذكرته لك من وجوب قلب الواو ياء باجتماع هذين ~~الشرطين، ولم تكن الواو مدغمة كواو اجلواذ، مصدر اجلوذ السير: إذا طال، لأن ~~إدغامها حماها من ms333 القلب، ولما صارت الواو ياء ساكنة أدغمت فى ياء الضمير، ~~فقيل: فغرت في، ولم يقولوا: فغرت فاى، كما قالوا: كسرت عصاى، وإن كان أصل ~~عصاى عصوى، لأن الصاد فى قولك عصوى، غير تابعة حركتها لحركة الواو، كما ~~تتبع حركة الفاء حركة الواو فى هذا الاسم، الذى كان حقه فى الأصل أن يقال فيه: # فغرت فوى. فاعرف الفرق بين فغرت فاك وفغرت فى، فقد بالغت فى إظهار إشكاله ~~بتوفيق الله. # فأما قول أبى على «وحم فيمن قال: حموها» فإنما قال هذا تحرزا من قول من ~~قال: هذا حماها، فقصره، ومن قول من قال: حمؤها، فهمزه. # وأما «ذو مال» فالمحذوف منه ياء، وأصله ذوى، فعل، بوزن قدم، بدلالة PageV02P245 # أنهم/كسروه على أفعال، فقالوا: أذواء (¬1) اليمن، لذى نواس، وذى رعين، ~~وذى يزن، وغيرهم من ملوك اليمن. # وإنما حكموا بأن المحذوف منه ياء، لأن العين إذا كانت واوا فالحكم بأن ~~اللام ياء؛ لأن باب لويت أكثر من باب قوة (¬2)، ولم يردوا لامه فى التثنية، ~~كما لم يردوا لام «فم» فى تثنيته، فلم يقولوا: ذويا مال، كما قالوا: أبوا ~~زيد، وأخوا عمرو، وحموا بكر، ولكنهم ردوا اللام فى تثنية مؤنثه، فقالوا: ~~ذواتا مال، كما جاء فى التنزيل: {ذواتا أفنان} (¬3) و {ذواتي أكل خمط} (¬4) ~~الأصل فيهما: ذويتا وذويتى، فعلتا، وفعلتى، فصارت الياء التى هى لام ألفا ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقولك: # ذواتا صيد، كقولك: فتاتا زيد، وكذلك ردوا لامه فى جمع التكسير، فى قولهم: # أذواء اليمن، كما ردوا لامات أب وأخ وحم وهن وفم، فى قولهم: آباء وآخاء ~~وأحماء وأهناء وأفواه. # وإنما لزمت الإضافة هذا الاسم، لأنهم إنما صاغوه توصلا به إلى الوصف ~~بأسماء الأجناس، كالعلم والمال والحسن، لما لم يستحسنوا أن يقولوا: رجل ~~مال، وشيخ علم، وامرأة حسن، قالوا: ذو مال، وذو علم، وذات حسن، أى صاحب ~~علم، وصاحبة حسن، فلزمت إضافته لهذا؛ لأنهم لو أفردوه فاتهم ما حاولوه ~~وأرادوه، ولأن إفراده كان يسقط واوه لسكونها وسكون التنوين. # ... PageV02P246 ### || AUTO فصل [في معنى قولهم: إن باب لويت ms334 أكثر # من باب قوة:] # سألنى بعض المستفيدين أن أبين له معنى قولهم: إن باب لويت أكثر من باب ~~قوة، تبيينا شافيا. # فأجبت بأن ما جاءت الواو فيه عينا والياء لاما أكثر مما جاءت فيه الواو ~~عينا ولاما، فقولك: لويت مثاله فعلت، وقولك: قوة مثاله فعلة، فمن باب «قوة»: # الجو: جو السماء، وهو الهواء، وجو: اسم اليمامة. # والبو: جلد حوار يحشى فتعطف عليه الناقة إذا مات ولدها لتدر عليه فتحلب. # والكوة: فى الحائط. # /والحوة: السواد. # والصوة: واحدة الصوى، وهى الأعلام من الحجارة، تنصب فى الفلاة ليستدل بها. # والصوان: حجارة فيها صلابة، مثاله فعلان، ويجوز أن تكون النون فيه أصلا ~~فيكون مثاله فعال، مأخوذ من الصون؛ لأن الحجارة تصان الأقدام عن ملابستها، ~~كقولهم فى الاسم العلم: حسان، يكون فعالا إذا أخذته من الحسن، فإن غلبت ~~زيادة الألف والنون فأخذته من الحس، وهو القتل فى قوله تعالى: {إذ تحسونهم ~~بإذنه} (¬1) كان فعلان. # والهوة: الوهدة العميقة. # والقوة: الواحدة من قوى الحبل. والقوة: ضد الضعف، ومنه رجل مقو: PageV02P247 # إذا كان كثير المال، والمقوى أيضا: المسافر الذى لا زاد معه ولا شيء له، ~~فهو من الأضداد، وقيل: إنما قالوا له: مقو لنزوله فى القواء من الأرض، وهو ~~القفر، ومنه قول الله تعالى فى ذكر النار: {جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} ~~(¬1) فمعنى {تذكرة} أنها يذكر بها نار الآخرة، ومعنى {ومتاعا للمقوين} أن ~~الذين ينزلون بالقواء يتمتعون بها، يختبزون ويطبخون ويشتوون ويصطلون ~~ويستضيئون. # والدو: المفازة، وهى الدوية أيضا. # وأما باب «لويت» فمنه: أويت إلى الشيء، وآويت فلانا إلي. # وثويت فى المكان وأثويت: إذا أقمت فيه، لغتان فاشيتان (¬2)، فمن أثويت ~~قول الأعشى (¬3). # أثوى وقصر ليله ليزودا # ومن ثويت فى التنزيل قوله تعالى: {وما كنت ثاويا في أهل مدين} (¬4) ~~والثوية: اسم مكان، والثوي: الضيف، وأم المثوى: صاحبة المنزل. # وحويت الشىء أحويه، والحوية: واحدة الحوايا، وهى الأمعاء، والحوية أيضا: ~~كساء يحوى حول سنام البعير. والحواء: بيت من وبر، والحواء (¬5): نبت، PageV02P248 # كان أصله حواى، فقلبت ياؤه همزة لتطرفها بعد ألف زائدة. # والجوى: داء ms335 القلب، لامه ياء، لأنه متى كانت الواو عينا واللام معتلة ~~حكمت بأن اللام ياء، حتى/يقوم دليل على أن أصل الألف واو، فلو سميت بالجوى ~~وثنيته قلت: جويان. # ومثله فى أن عينه واو، فلا تكون لامه إلا ياء، قولهم: خوى المنزل: إذا ~~خلا، وخوى النجم وأخوى: إذا سقط ولم يكن عن سقوطه مطر، وخوى البعير: # إذا تجافى فى بروكه، وغير ذلك من تركيب (خ وى). # ومثله من باب «لويت»: رويت الحديث أرويه رواية، ورويت على أهلى: # إذا أتيتهم بالماء، والروي: حرف قافية الشعر اللازم، والروية: الحاجة، ~~والراوية: # الجمل يحمل عليه الماء، ومنه قيل للمزادة: راوية، والأصل أن الراوية هو ~~البعير، قال: # مشي الروايا بالمزاد الأثقل (¬1) # ورجل راوية للشعر: أنثوه للمبالغة فى وصفه، كما قالوا: رجل علامة ونسابة، ~~وكما قالوا فى ضده طلبا للمبالغة: رجل لحانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، ~~مخففان، ولهذه الأسماء ونظائرها فصل تذكر فيه بعد هذا الفصل. # ومن تركيب (زوى) قولهم: زويت الشىء: إذا جمعته، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم «زويت لى الأرض» (¬2) أى جمعت، ومنه سميت زاوية البيت؛ ~~لاجتماعها، ومنه زوى المال عن وارثه. PageV02P249 # ومن تركيب (ذوى): ذوى العود يذوى: إذا يبس وبقيت فيه ندوة. # ومن تركيب (س وى) استوى الشىء: اعتدل، وهذا لا يساوى درهما: # أى لا يعادله، وهما على سوية من هذا الأمر: أى على استواء، ومكان سوى ~~(¬1): يعلم الدخول فيه والخروج منه، وقيل: هو النصف بين مكانين، وسواء ~~الدار: وسطها، ومنه {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} (¬2) وجاء القوم سوى زيد، ~~وسواء زيد، استثناء، واستعملا بمعنى غير، قال (¬3): # تجانف عن جل (¬4) ... اليمامة ناقتى # وما قصدت من أهلها لسوائكا # /أى لغيرك. # والخل: الطريق فى الرمل. ويروى: عن جل اليمامة: أى عن جل أهل اليمامة. # ومن تركيب (ك وى) كويت الجرح، وكويت الرجل بعينى: إذا أحددت النظر إليه. # ومن تركيب (ل وى) لوى يده يلويها ليا، ولواه بدينه ليانا: إذا مطله، ولوى ~~الرمل: منقطعه، مقصور، ولواء الجيش، ممدود، واللوى: وجع الجوف، إلى غير ذلك. # ومن تركيب ms336 (ن وى) نويت الأمر أنويه، والنوى: التحول من دار إلى دار، ونوى ~~التمر وغيره. # ومن تركيب (ه وى) الهوى: هوى النفس، مقصور، والهواء: الفراغ PageV02P250 # بين السماء والأرض، ممدود، ومنه قوله تعالى: {وأفئدتهم هواء} (¬1) أى ~~فارغة غير واعية للذكر، وهوى يهوى: إذا سقط من علو، والهاوية: كل مهواة، ~~والهاوية: # اسم من أسماء جهنم، إلى غير ذلك. # وما جاء من تركيب (ش وى) شويت اللحم، والشوى: رذال المال، والشواة: جلدة ~~الرأس، وجمعها شوى، ومنه قوله تعالى: {نزاعة للشوى} (¬2) والشوى: القوائم، ~~ومنه: رماه فأشواه: إذا لم يصب له مقتلا، والأصل أنه أصاب بعض قوائمه، ~~والشوى: الأمر الهين، وهذا التركيب واسع. # ومن تركيب (ط وى) طويت الثوب، وطوى (¬3): مكان، وأطواء الناقة: # طرائق شحم جنبيها، والطوي: البئر المطوية، والطاوى: الخالى البطن من ~~الطعام، والمصدر: الطوى، وأنشد النبى صلى الله عليه وآله وسلم قول عنترة (¬4): # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل # /فقال: «كنت أشتهى أن أراه» (¬5). PageV02P251 # قوله: وأظله، أراد: وأظل عليه (¬1). # ومن تركيب (ض وى) الضوى: الهزال، وغلام ضاوي: مهزول، ووزنه فاعول، وكانت ~~العرب تقول: إذا تقارب نسب الأبوين جاء الولد ضاويا. ومنه قولهم: «استغربوا ~~لا تضووا (¬2)»، وهذا التركيب متسع. PageV02P252 # ومن تركيب (دوى) الدواء، والدواة: التى يكتب بها، أصلها دوية. # والدوي: الرجل الأحمق، وهو كثير. # ومن تركيب (ع وى) عوى الكلب يعوى عواء، وعويت عن الرجل تعوية: إذا كذبت ~~عنه، ورددت على مغتابه، واستعوى الرجل لفيفا من القوم: إذا نعق بهم. # والعواء مقصور وممدود: اسم نجم، وهو مأخوذ من قولهم: عويت يده: إذا ~~لويتها؛ لأنه فى الصورة نجم ملتو على نجم. # والمعاوية: كلبة تجعل، أى تطلب الذكر فتعاوى الكلاب، وهى كلبة مجعل. # وروى أن شريك بن الأعور الحارثى-وكان من أصحاب أمير المؤمنين على PageV02P253 # عليه السلام-دخل على معاوية، فقال له متعرضا به: إنك لشريك، وما لله من ~~شريك، وإنك لابن الأعور، والصحيح خير من الأعور، وإنك لدميم سيئ الخلق، ~~فكيف سدت قومك؟ # فقال له: وأنت معاوية، وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت، فسميت ms337 معاوية، ~~وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب، والسلم خير من الحرب، ~~وإنك لابن أمية، وما أمية إلا أمة صغر بها، فكيف سميت أمير المؤمنين؟ # فقال معاوية: واحدة بواحدة والبادى أظلم، فأنشأ يقول: # أيشتمنى معاوية بن حرب ... وسيفى صارم ومعى لسانى (¬1) # وحولى من ذوى يمن ليوث ... ضراغمة تهش إلى الطعان # فلا تبسط لسانك يا ابن حرب ... فإنك قد بلغت مدى الأمانى # /فإن تك من أمية فى ذراها ... فإنى فى ذرى عبد المدان # وإن تك للشقاء لنا أميرا ... فإنا لا نقيم على الهوان # فترضاه معاوية. # قوله: وما أمية إلا أمة صغر بها: أى حقرت، وعدى صغر بالباء، كما قالوا: ~~نددت به: إذا أشعت شتمه، وشترت به: إذا تنقصته وعبته، وكذلك: # صغرت به: إذا أعلنت تحقيره. # وقوله: استعوت: أى طلبت بعوائها أن تعاويها الكلاب، كما تقول: # استقتل: أى طلب القتل. # ... PageV02P254 ### | AUTO المجلس الحادى والخمسون # يتضمن ذكر ما دخلته الهاء للتكثير والمبالغة فى # الوصف، ثم ما يلى ذلك من ذكر حذف اللامات # زادوا الهاء للتكثير والمبالغة فى الوصف، فى قولهم: رجل علامة ونسابة ~~وسأالة، وراوية للشعر، وكذلك قولهم: رجل فروقة وملولة وحمولة، دلت الهاء ~~فيه على كثرة الفرق والملل والاحتمال، وكذلك امرأة فروقة وملولة وحمولة، ~~دخلتهن الهاء لما ذكرناه من التكثير والمبالغة، لا للتأنيث، ألا ترى أنهم ~~لم يدخلوا الهاء فى فعول وصفا للمرأة، نحو امرأة صبور وشكور وغدور ولعوب، ~~كما جاء فى التنزيل: {توبوا إلى الله توبة نصوحا} (¬1) وامرأة نصوح. # ومثل إدخالهم الهاء للمعنى الذى ذكرته فى قولهم: علامة ونسابة، إدخالهم ~~إياها فى قولهم: رجل لحانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، مخففان، بوزن سحابة. # ومن النحويين من نصب «كافة» من قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} ~~(¬2) على الحال من الناس، وجعل اللام بمعنى إلى، كما جاءت بمعناها فى قوله: # {بأن ربك أوحى لها} (¬3) إليها، كما قال: {وأوحى ربك إلى النحل} (¬4) ~~وقالوا: PageV02P255 # هديته إلى الطريق وللطريق، كما قال: {قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى ~~الحق} (¬1) فالمعنى على هذا/القول: وما ms338 أرسلناك إلا إلى الناس كافة، ~~فالتأنيث فى قوله «كافة» للجمع، كما تقول: جاء القوم كافة، ومثله: {ادخلوا ~~في السلم كافة} (¬2) وقال الزجاج: إن «كافة» حال من الكاف فى «أرسلناك» ~~ولحقت الهاء «كافة» للمبالغة فى الوصف بالكف، أى أرسلناك كافا (¬3) للناس، ~~فاللام فى هذا القول على معناها، وإنما لم يجعل «كافة» حالا من الناس، لأن ~~حال المجرور لا يتقدم عليه. # وذهب ثعلب، وهو مذهب الفراء، إلى أن الهاء فى قولهم: علامة ونسابة ~~وراوية، للتأنيث لا للمبالغة فى الوصف، وكذلك رجل مجذامة ومطرابة ومعزابة، ~~قال: وذلك إذا مدحوه، كأنهم أرادوا به داهية، وكذلك إذا ذموه فقالوا: رجل ~~لحانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، كأنهم أرادوا به بهيمة (¬4). # والذى ذهب إليه البصريون من أن المراد بتأنيث هذه الأوصاف المبالغة فى ~~الوصف، هو الوجه؛ لأنه قد جاء من هذا القبيل ما هو خارج عن معنى الداهية ~~والبهيمة، وذلك نحو قولهم: رجل ملولة ورجل صرورة: للذى لم يحجج قط. # ومن منكرى قول الفراء وأحمد بن يحيى أبو محمد عبد الله بن جعفر بن ~~درستويه فى تصحيحه للكتاب، الذي سماه ثعلب: الفصيح، قال: إن الداهية نفسها ~~لم توضع للمدح خاصة، ولكنها تطلق على الخير والشر إذا جاوز الحد فى PageV02P256 # الدهي، كما قال الله عز وجل: {والساعة أدهى وأمر} (¬1) قال الشاعر: # وكل أناس سوف تدخل بيتهم ... دويهية تصفر منها الأنامل (¬2) # يعنى الموت، وتصغيره إياها، والمراد بها الموت، تصغير التعظيم، والموت ~~مكروه إلى كل نفس، وهو عندها مذموم، وإنما الداهية كقولهم للرجل: راوية، ~~فهى اسم من أسماء الفاعلين الجارية على أفعالها، دخلته تاء التأنيث ~~للمبالغة، وكذاك إذا ذموا الرجل بقولهم: لحانة وهلباجة ونحوهما، على تشبيهه ~~بالبهيمة، فغير صحيح؛ /لأنه ليس فى قولهم: رجل لحانة شيء من شبه البهيمة؛ ~~لأن اللحن مما يتعلق باللفظ، فهو عن البهيمة بمعزل، وإنما يشبه الأحمق ~~والجاهل بالبهيمة؛ لأن الجهل والحمق من نقص العقل # وقد وجدنا فى الوزراء الوافرى العقول، المدبري الممالك من يشوب كلامه لحن ~~مفرط، فهذا ونحوه دليل على أن ما ذهب إليه ms339 الفراء فى هذا القول ليس بشىء. # وأقول مع هذا: إنه لا يجوز فى وصف القديم سبحانه علامة، لا يقال: # علامة الغيوب، وإن كانت الهاء فيه لتكثير العلم والمبالغة فى الوصف به؛ ~~لأن هذه الهاء فى الأصل علم للتأنيث، وقد زرى عليهم بقوله: {إن يدعون من ~~دونه إلا إناثا} (¬3) فدل على أنه لا يجوز أن يجرى عليه نحو ذلك، ولو أنك ~~سميت بعلامة أو فروقة، لم تصرفه للتأنيث والتعريف. # المجذامة من الأدلاء: الشديد السير، القطاع للأرض، والجذم: القطع. # والمطرابة: الذى يكثر الطرب. PageV02P257 # والمعزابة: الذى يطيل العزوب عن أهله، أى يغيب عنهم في الرعى وغيره. # والهلباجة: الكسلان النوام. # والفقاقة: الأحمق المخلط فى كلامه، وهو الفقفاق أيضا، والعامة تغلط ~~فتقول: بقباق. # والجخابة: قريب منه فى الحمق، دون التخليط فى الكلام، وكلاهما فعالة بوزن سحابة. # ونعود الآن إلى ذكر ما كنا فيه من حذف اللامات، فنقول: أصل شاة: # شوهة (¬1)، ساكنة الواو، لما عرفتك من أن السكون هو الأصل، فلا يسوغ ~~العدول عنه، والدليل على أن لامها هاء قولهم فى تحقيرها: شويهة، وفى ~~تكسيرها: شياه، وحكى أبو زيد أنهم يقولون: تشوهت شاة: إذا صاد شاة، وأما ~~قولهم: شاء، فإنه اسم للجمع، ليس بجمع، وقال قوم: أصله شاه، فأبدلوا من ~~الهاء همزة، وهذا /قول مرغوب عنه؛ لأنك إذا حكمت به حكمت بالجمع بين ~~إعلالين متواليين: # قلب واوها ألفا، وإبدال هائها همزة، وهذا لا يسلك به إلا طريق الشذوذ. # وجاء ذلك فى قولهم: ماء، أصله: موه، لقولهم فى تحقيره وتكسيره: مويه ~~وأمواه، وصارت واوه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت هاؤه همزة، ~~فحمل شاء على أنه اسم للجمع وليس بمشتق من شاة، أولى. # وكذلك قولهم: شاوى (¬2) اسم للجمع، غير مأخوذ من لفظ شاة، وإن كان فيه ~~بعض حروفها (¬3). PageV02P258 # ولما حذفوا اللام من شاة، وهى الهاء من شوهة، وجاورت الواو تاء التأنيث، ~~وجب فتحها، وآلت إلى شوة، فانقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. # ومن زعم أن أصلها شوهة، فعلة مفتوحة العين، فليس قوله بشىء؛ لما ذكرته ms340 ~~لك، من كون السكون أصلا، فلا يسوغ العدول عن الأصل ما وجد عنه مندوحة. # يدل أيضا على أن أصل واوها السكون انقلابها إلى الياء فى شياه، ولو كانت ~~الواو فى الواحد متحركة صحت فى الجمع، كما صحت واو طويل وقويم، فى طوال ~~وقوام، وانقلابها إلى الياء فى شياه، كانقلاب واو حوض، وواو ثوب، فى حياض ~~وثياب، وذلك أن انقلاب الواو ياء فى فعال، إذا لم يكن مصدرا كجوار وحوار، ~~يحتاج إلى خمس شرائط (¬1)، إحداهن: أن يكون هذا المثال جمعا، فإن كان واحدا ~~صحت الواو فيه، وذلك نحو سوار وخوان. # والثانية: أن تكون الواو فى واحده ساكنة، كواو ثوب وحوض، فإن تحركت فى ~~الواحد صحت فى الجمع، كواو طويل وقويم. # والثالثة: أن تقع بعدها ألف فى الجمع، فإن لم يكن بعدها ألف صحت، وذلك ~~قولهم فى جمع زوج وجمل عود (¬2): زوجة وعودة. # والرابعة: أن تكون لامه صحيحة، كلام ثوب وحوض، فإن كانت معتلة فى الواحد ~~صحت فى الجمع، كقولهم/فى جمع ريان وطيان: رواء وطواء، فعال PageV02P259 # من الرى والطوى، وهو خلو البطن من الطعام، وقد تقدم ذكره. # والخامسة: وجود الكسرة قبلها فى الجمع، فإن عدمت الكسرة صحت كواو أثواب ~~وأحواض. # وإنما اعتلت الواو في الجمع وصحت فى الواحد؛ لأن الجمع ثقيل، فقلبوا فيه ~~الحرف الأثقل إلى الأخف، وأعلوها فى الجمع؛ لسكونها فى واحده، لأن سكون ~~الحرف يضعفه، ألا ترى أن منهم من يصحح الواو الزائدة إذا كانت متحركة فيقول ~~فى تحقير جدول وقسور: جديول وقسيور، وأجمعوا على قلب واو عجوز فى التحقير، ~~لضعفها بالسكون. # وأما علة قلبها إلى الياء مع وجود الألف بعدها فى ثياب ونحوه، ولم تقلب ~~فى عودة ونحوه؛ فإن الألف أقرب إلى الياء منها إلى الواو، فهى أشبه بها؛ ~~لأن الياء من وسط اللسان، والواو من الشفتين، والألف من الحلق، واعتلت ~~لوجود الكسرة قبلها؛ لأن الكسرة مجانسة للياء، فاجتذبت الواو إلى الحرف ~~الذى هو مجانسها. # ووجه اعتلال الواو فى ثياب وصحتها فى رواء، أنهم قد أعلوا لام رواء، ~~بقلبها ms341 إلى الهمزة، فلو أعلوا واوه فقالوا: رياء، جمعوا بين إعلالين ~~متواليين، وذلك إنما يكون نادرا. # فإن قيل: فلم أعلت اللام فى رواء وطواء، دون العين؟ # قيل: لضعف اللام بالتطرف، ألا ترى أن من يصحح عين أسود فى التحقير فيقول: ~~أسيود، لا يقول فى تحقير عروة إلا عرية، فيعلها لكونها لاما. # هذا الفصل اقتضى ذكره الدلالة على أن شاة أصلها شوهة، ساكنة الواو، وكذلك ~~شفة، أصلها شفهة، مثل جفنة، على ما قررناه من الأخذ بالسكون حتى يقوم دليل ~~على الحركة. # وأما الدلالة على كون لامها هاء، فظهور الهاء فى/التحقير PageV02P260 # والتكسير والتصريف، وذلك قولهم: شفيهة وشفاه، وشافهته مشافهة وشفاها. # وسنة أصلها سنوة، فى أشيع اللغتين (¬1)، لقولهم فى جمعها: سنوات، وفى ~~تحقيرها: سنية، وفى الفعل منها: سانيت مساناة (¬2). # والياء فى سانيت أصلها الواو، ولكنها لما وقعت رابعة صارت إلى الياء، ~~وكذلك سنية أصلها سنيوة، فلما اجتمعت مع الياء، والياء ساكنة قلبت ياء، ~~فوجب الإدغام. # وأصلها فى لغة بعض العرب: سنهة، فظهرت الهاء فى تصريف الفعل منها، قالوا: ~~سانهت مسانهة. # وحكى بعض النحويين فى جمعها: سنهات، وفى تحقيرها: سنيهة. # ويقوى كون لامها واوا أنها من الأسماء المؤنثة، التى جمعوها بالواو ~~والنون، عوضا من المحذوف منها، وإنما عوضوها الجمع بالواو وبالياء، فقالوا: ~~سنون وسنين وثبون وثبين؛ لأن المحذوف من هذه المنقوصات إنما هو فى الأغلب ~~واو أو ياء. # ومنهم من جعل النون فى جمع سنة حرف الإعراب، وألزمها الياء، وأثبت النون ~~فى الإضافة، ورفعها ونصبها وخفضها ونونها، تشبيها لها بنون غسلين، فقالوا: # أقمت عنده سنينا، وعجبت من سنين زيد، وأعجبتنى سنينك، قال (¬3): # دعانى من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا # وأما «أمة» فالمحذوف منها واو، فأصلها: أموة (¬4)، بدلالة ظهور الواو فى PageV02P261 # جمعها الذى جاء على فعلان، قالوا: إموان وإماء، وفى جمع القلة: آم (¬1)، ~~قال الشاعر (¬2): # أما الإماء فلا يدعوننى ولدا ... إذا ترامى بنو الإموان بالعار # وقال السليك (¬3): # يا صاحبي ألا لا حي بالوادى ... إلا عبيد وآم بين أذواد # ولم يعوضوها الجمع بالواو والنون، ms342 حملا على نظائرها من هذه المنقوصات ~~المؤنثة، وعلل أبو على ذلك بأن قال: «لم يقولوا: إمون، حيث كسر على ما رد ~~الأصل؛ لأن الجمع بالواو والنون إنما كان يلحق عوضا مما حذف منها، وأفعل ~~يجرى مجرى المفرد، فكأن مفرده لم يلحقه حذف (¬4)». # وأقول فى تفسير كلامه هذا: إنه أراد أنه العرب لم يقولوا فى جمع أمة: ~~إمون، كما قالوا فى جمع سنة: سنون، وإن كان الحذف قد لحق لام أمة، كما لحق ~~لام سنة، لأن لام أمة قد أعيدت فى جمع القلة الذى هو أفعل، فقالوا: رأيت ~~آميا، وقد جاءت الآمى، وأفعل بمنزلة الواحد فى لحاق التصغير له، كقولهم فى أكلب: # أكيلب، فلم يعوضوا أمة الجمع بالواو والنون، كما عوضوا سنة ونظائرها؛ لأن ~~رجوع ما حذف من المفرد إلى جمع بناء القلة، كرجوعه إلى المفرد. # وأقول: إن هذا التعليل ينفسخ بأن الواو المحذوف من سنة، قد أعيد فى PageV02P262 # قولهم: سنوات، وهو جمع قلة يشبه مفرده، فى أن التصغير يلحقه كما يلحقه. # والوجه عندى في تعليل ذلك أنهم إنما استجازوا أن يقولوا فى جمع سنة: # سنون، ولم يستجيزوا أن يقولوا فى جمع أمة: إمون؛ لأن تأنيث سنة وثبة ~~ونظائرهما غير حقيقى، وتأنيث أمة حقيقي، لا فرق بينه وبين تأنيث امرأة، ~~وإذا كانت هند، وتأنيثها غير تأنيث أمة، لخلوها من علامة تأنيث، أبوا أن ~~يقولوا فى جمعها: # هندون، فكيف يجوز أن يقال فى جمع أمة: إمون، وإذا كان طلحة، وهو اسم رجل، ~~لم يقولوا فى جمعه: طلحتون ولا طلحون، فكيف يجوز فى أمة، وهو اسم واقع على ~~امرأة، فهو مؤنث لفظا ومعنى، أن يجمعوه بالواو والنون، فيجامع التأنيث ~~الحقيقي علامة التذكير؟ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: خرج السنة، ولا يقال: ~~خرج الأمة، إلا فى حال اضطرار مع الفصل، كما قال: # /*لقد ولد الأخيطل أم سوء (¬1) ... * # فكل ما جمعوه بالواو والنون من المنقوصات المؤنثة، وغير المنقوصات، كأرض ~~وحرة، والحرة: الأرض التى بها حجارة سود، وإنما استجازوا فيه ذلك؛ لأن ~~تأنيثه غير حقيقى، ms343 ثم إنهم غيروا فى الجمع لفظ شيء من هذا القبيل، بتغيير ~~حركة أو زيادة حركة، أو زيادة حرف، ليقرب بذلك من جمع التكسير، فالذى غيروا ~~حركته سنة وقلة وثبة، كسروا أوائلهن فى الجمع. # وأما قولهم في جمع أرض: أرضون؛ فلأنهم نزلوا تاء التأنيث (¬2) منزلة ~~الحرف الأصلي، ففتحوا عينها فى الجمع، وكان التغيير بفتح أوسطها أحسن من ~~تغيير حركة PageV02P263 # أولها؛ لأنهم لو جمعوها جمع الأسماء المؤنثة لقالوا: أرضات (¬1)، ففتحوا ~~الراء، كما قالوا: جفنات. # وأما قولهم فى جمع حرة: إحرون؛ فلأن المضاعف يعتل، ألا ترى أنهم يفرون من ~~التضعيف إلى إبدال أحد حرفيه ياء، كقولهم فى تظننت وتسررت: # تظنيت وتسريت، ويخففونه فى القوافى كقول طرفة (¬2): # ففداء لبنى قيس على ... ما أصاب الناس من سر وضر # ما أقلت قدمي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر # وشبيه بذلك قولهم: امرؤ وامرأة، ألحقوهما همزة الوصل، وإنما تلحق همزة ~~الوصل عوضا من محذوف (¬3)، وجاز ذلك فيهما من غير أن يلحقهما حذف؛ لأن ~~الهمزة يلحقها التخفيف، بجعلها بين بين، وبالإبدال منها ساكنة ومتحركة، ~~فالساكنة كهمزة كأس وبئر ولؤم، والمتحركة كهمزة جؤن وذئب، جمع جؤنة وذئبة، ~~ويلحقها الحذف لازما وجائزا، فاللازم حذفها من نرى وترى وأخواتهما، إذا ~~قلت: نرى، وترى، والجائز حذفها للتخفيف، فى نحو كم بلك؟ ومن خوك؟ تريد: كم ~~إبلك؟ ومن أخوك؟ # فلما تعاورها التليين والإبدال والحذف/تنزل الاسم الذى هي فيه منزلة ~~الاسم الذى دخله الحذف، فعوض همزة الوصل. # ومن قال من العرب: إحرون، فقوله أقيس من قول من قال: حرون؛ لأنه PageV02P264 # زاد فى أول الكلمة حرفا، حرصا على التغيير، فوافق الحرف المزيد فى أول ~~الجمع الحركة فى أول سنين، كما اتفق الحرف والحركة فى غير هذا وذلك، كاتفاق ~~حركة وافقت فتحة العين من قدم، علما لامرأة، والباء من زينب، فى منع الصرف ~~(¬1)، وكما وافقت فتحة العين من جمزى الألف الخامسة من جمادى فى الحذف، إذا ~~نسبت إليهما فقلت: جمزى، كما قلت: جمادى، وكما وافق الحرف الحركة فى الحذف ~~للجزم، إذا قلت لم يدع ولم يرم ms344 ولم يخش، كما قلت: لم ينطلق. # قال أبو بكر بن دريد: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لما فرغ علي ~~صلى الله (¬2) عليه من حرب الجمل، فرق على رجال أبلوا، فأصاب الرجل منهم ~~خمس مائة درهم، وكان ممن أخذ رجل من بنى تميم، فلما خرج إلى صفين خرج ذلك ~~الرجل معه، فعضته الحرب، فلما رجع إلى الكوفة قالت له ابنته: أين خمس ~~المائة التى أعطيتها؟ فأنشأ يقول (¬3): # إن أباك فر يوم صفين ... لما رأى عكا والأشعريين # وحاتما يستن فى الطائيين ... وذا الكلاع سيد اليمانين (¬4) # وقيس عيلان الهوازنيين ... قال لنفس السوء هل تفرين # لا خمس إلا جندل الإحرين ... والخمس قد جشمنك الأمرين (¬5) PageV02P265 # جمزا إلى الكوفة من قنسرين (¬1) # والضعة من ذوات الواو، لقولهم فى جمعها: ضعوات، وهى ضرب من الشجر، قال (¬2): # /متخذا من ضعوات تولجا # التولج: السرب، شبه ما يجعله الوحشى عليه من الشجر ظلة بالسرب، وأصله: ~~وولج، فوعل (¬3) من الولوج، أبدلوا واوه تاء كما أبدلوها تاء فى تراث وتقاة ~~وتجاه وتخمة وتهمة، وفى تالله. # وقيل فى «التوراة» إن أصلها: ووارة، وكانت وورية، فوعلة، من قولهم: # ورى الزند: إذا أظهر النار؛ لأن التوراة نور، فأبدلوا واوها تاء وياءها ألفا. # وتراث أصله وراث، وتجاه: وجاه، فعال من ورث وواجه، وتقاة أصلها وقية، ~~فعلة من وقيت، وكذلك تخمة أصلها وخمة، فعلة من الوخامة، وتهمة من توهمت، ~~وتكأة من توكأت، وقالوا: ضربه حتى أتكأه، أصله أوكأه، وقالوا: # تكلان، أصله وكلان، فعلان من توكلت. # وقال بعض العرب فى تولج: دولج، أبدلوا الدال من التاء، لتقاربهما فى ~~المخرج، كما أبدلوا الدال تاء فى قولهم للناقة الذلول: تربوت، وأصلها ~~دربوت، فعلوت من الدربة، وهى العادة، لأن الدلول مدرب، وقيل: هي فعلوت، من ~~التراب، للينها وذلها. # ... PageV02P266 ### | AUTO المجلس الثانى والخمسون # يتضمن ذكر حذف اللامات من الأسماء المؤنثة بالهاء # ، وما يتصل بذلك. # البرة: الحلقة تكون فى أنف البعير، وكل حلقة من سوار أو خلخال أو قرط، ~~فهى برة، وجمعها برات وبرى وبرون، وقال بعضهم: برون، فكسر أولها، وأصلها ~~بروة، ms345 وقد تكلموا بها. # ولغة: أصلها. لغوة، قيل: اشتقاقها من لغى بالشىء يلغى: إذا لهج به، وردوا ~~لامها فى التكسير فى قولهم: لغى، ولم يردوه فى قولهم: لغات، كما ردوه فى ~~سنوات وعضوات. # والقلة: أصلها قلوة، فعلة، من قولهم: قلوت، أى لعبت بالقلة، وهى الخشيبة ~~التى تسمى اللاحة، والخشبة التى تضرب بها تسمى القاطر. /قالوا فى جمعها: ~~قلات، وجمعها بعضهم بالواو والنون فقالوا: قلون، غيروا حركة أولها، كما ~~قالوا: سنون وثبون، قال سيبويه: وبعضهم يقول: قلون، فلا يغير (¬1). # والثبة: الجماعة من الناس، وأصلها ثبوة، فعلة من ثبا يثبو: إذا اجتمع ~~وتضام، فقيل للجماعة: ثبة، لانضمام بعضها إلى بعض، وليس فى قولهم: ثبيت ~~(¬2)، إذا جمعت، دليل على أن لامها ياء، لأن الواو إذا وقعت رابعة انقلبت ~~إلى الياء، وقالوا فى جمعها: ثبون وثبات، وفى التنزيل: {فانفروا ثبات} (¬3) ~~قال الجرمى: كان أبو عبيدة PageV02P267 # إذا سئل عن تفسير «ثبات» قال: جماعات فى تفرقة (¬1)، وأنشد أبو عمر: # نحن هبطنا بطن والغينا ... والخيل تعدو عصبا ثبينا (¬2) # وبعضهم قال: ثبون، فغيروا أوله. # فأما الثبة التى هى أسفل الحوض، فالمحذوف منها عين (¬3)، وأصلها ثوبة، ~~فعلة من ثاب يثوب: إذا رجع، وذلك لرجوع الماء إليها. # والظبة: حد السيف، وجمعوها ظبات، وجاء فى شعر الكميت: # يرى الراءون بالشفرات منها ... كنار أبى الحباحب والظبينا (¬4) # حباحب: رجل كان لا ينتفع بناره لبخله، فنسبت إليه كل نار لا ينتفع بها ~~فقيل لما تقدحه حوافر الخيل على الصفا: نار الحباحب (¬5)، قال النابغة فى ~~وصف السيوف: # ويوقدن بالصفاح نار الحباحب (¬6) PageV02P268 # وجعل الكميت اسمه كنية للضرورة. # وقال القطامى، والقطامى، بضم القاف وفتحها: الصقر، وهو لقب غلب عليه، ~~واسمه عمرو بن شتيم التغلبي، من قصيدة، وقد نزل بامرأة من محارب طروقا، فلم ~~تقره، فهجاها وذم قيس بن عيلان ببيت فى آخر القصيدة، وهو (¬1): # ألا إنما نيران قيس إذا شتوا (¬2) ... لطارق ليل مثل نار الحباحب # وأول الأبيات التى هجا بها المحاربية: # أخبرك الأنباء عن أم منزل ... تضيفتها بين العذيب وراسب # /الأنباء: الأخبار. # ولا بد أن الضيف مخبر أهله ms346 ... بما قد رآه أو مخبر صاحب # تلفعت فى طل وريح تلفنى ... وفى طرمساء غير ذات كواكب # تلفعت: اشتملت بثوب. # وطرمساء: ليلة ظلماء، وقال بعض أهل اللغة: الطرمساء والطرفساء والطرفسان: ~~الظلمة. # إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفعت الظلماء من كل جانب # حيزبون: عجوز فيها بقية. # وقوله: تلفعت الظلماء، استعار التلفع للظلمة. # فما راعها إلا بغام مطية ... تريح بمحسور من الصوت لاغب PageV02P269 # البغام: صوت الناقة والظبية، ويقال: ناقة بغوم: تكثر التصويت. # ومحسور: ضعيف. # ولاغب: من اللغوب، وهو التعب والمشقة، وفى التنزيل: {وما مسنا من لغوب} (¬1). # تقول وقد قربت كورى وناقتى ... إليك فلا تذعر على ركائبى # الكور: رحل البعير. # وقولها «إليك» أى تنح. # والذعر: الإفزاع. # وجنت جنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عارى الأشاجع شاحب # دلاث: ناقة ماضية، تركب رأسها فى سيرها. # والأشاجع: عروق ظاهر الكف. # وشاحب: متغير اللون. # سرى فى جليد الليل حتى كأنما ... تحزم (¬2) فى الأطراف شوك العقارب # أى كأنما تحزم بأطرافه؛ يديه ورجليه، من البرد إبر العقارب. # وردت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحازت الأفعى مخافة ضارب (¬3) PageV02P270 # فقلت لها لا تفعلى ذا براكب ... أتاك مصيب ما أصاب فذاهب # ولما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحي قالت معشر من محارب # /من المشتوين القد مما تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب # الريف: الخصب، يقال: خصب وخصب، بكسر أوله وفتحه. # والناضب: الذاهب، من قولهم: نضب الماء: إذا ذهب، أى يشتوون القد (¬1) ~~فيأكلونه فى زمن الخصب. # فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... علي مناخ السوء ضربة لازب # يقال: ليس هذا الأمر ضربة لازب، أى ليس بثابت، لازم، وقد قالوا: # ضربة لازم. # وقمت إلى مهرية قد تعودت ... يداها ورجلاها خبيب المواكب # مهرية: منسوبة إلى مهرة بن حيدان، بطن من اليمن، يضرب بإبلهم المثل فى الكرم. # والخبب والخبيب: ضرب من العدو. # تخود تخويد النعامة بعد ما ... تصوبت الجوزاء قصد المغارب # التخويد: ضرب من السير السريع. # ألا إنما نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب # إذا مت فانعينى بما أنا أهله ... لتغلب إن الموت لا ms347 بد غالبى # وهجا عبد الصمد بن المعذل أخاه، فعرض فى هجوه بذكر هذه العجوز، فقال ~~(¬2): PageV02P271 # لى أخ لا ترى له ... سائلا غير خائب # فمرجيه آمل ... للبروق الكواذب # ليت لى منك يا أخى ... جارة من محارب # نارها كل شتوة ... مثل نار الحباحب # قوله: ليت لى منك جارة: أى بدلا منك، ومثله. # كسوناها من الريط اليمانى ... مسوحا فى بنائقها فضول (¬1) # أراد: كسونا الإبل بدلا من الريط مسوحا. والريط: جمع الريطة، وهى ~~الملاءة/لا تكون لفقين، وعنى بالمسوح عرقها، شبهه لاسوداده بالمسوح. # والبنائق: جمع بنيقة، وهى كل رقعة فى الثوب كاللبنة والنيفق، ومثله فى ~~قول الراعى، يذم عمال الصدقات: # أخذوا المخاض من الفصيل غلبة ... ظلما ويكتب للأمير: أفيلا (¬2) # المخاض: النوق الحوامل، واحدتها خلفة. # والفصيل: ولد الناقة الذى فصل عن أمه. # والأفيل: الصغير. أراد: أخذوا النوق الحوامل بدلا من الفصال، ويكتبونها ~~للأمير، أى أمير المؤمنين، إفالا. # وضع الفصيل والأفيل فى موضع الفصال والإفال، على ما ذكرته لك فى PageV02P272 # عدة مواضع من وضع الواحد فى موضع الجماعة، ومن هذا الضرب قول كثير: # وإنا لنعطى العقل دون دمائنا ... ونأبى فلا نستاق من دمنا عقلا (¬1) # أراد بالعقل الدية، وإنما سميت الدية عقلا؛ لأنهم كانوا يدون قتلاهم ~~بالإبل، فيعقلونها بفناء أولياء المقتول، فقال: إذا قتلنا أعطينا الدية دون ~~القصاص، وإذا قتل منا أبينا إلا القصاص، فلا نستاق بدلا من دم قتيلنا إبلا. # ومن هذا الضرب قول المتنبى (¬2): # وخيلا تغتذى ريح الموامى ... ويكفيها من الماء السراب # وصف خيل بنى كلاب بأن غذاءها الريح وماءها السراب. # فالتقدير: ويكفيها السراب بدلا من الماء، أى إذا رأت شبيه لون الماء ~~اكتفت به. # ومما جاء فى التنزيل من هذا الضرب قوله تعالى: {ولو نشاء لجعلنا منكم ~~ملائكة في الأرض يخلفون} (¬3) المعنى: لجعلنا بدلا منكم فى الأرض ملائكة ~~يخلف بعضهم بعضا. # ومثله فى المعنى: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} (¬4). # ونظيره فى إضمار/البدل قوله: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} (¬5) أى ~~بدلا من الآخرة، وقال بعض المفسرين فى قوله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم} PageV02P273 # {بالبينات فرحوا ms348 بما عندهم من العلم} (¬1) وأقول: أى علم كان عند ~~المشركين بالله؟ وإنما المعنى: فرحوا بما عندهم بدلا من العلم، أى فرحوا ~~بما عندهم من الباطل، بدلا من الحق. # وقال أبو إسحاق الزجاج: أى هذا العذاب الذى نزل بكم بما كنتم تفرحون ~~بالباطل الذى كان فى أيديكم (¬2). # فعلى هذا التفسير يكون العلم فى الآية الباطل الذى كان يسمونه علما، ~~ويعتقدونه حقا. # ... ممن هجا أخاه أبو (¬3) المرجى، خال ابن أبى الجبر، صاحب البطيحة، ~~واجتمعت به، وأنشدنى قوله فيه: # أى حرام من الحلال أخى ... كأنه الخمرة ابنة العنب (¬4) # أجاد فى هذا التشبيه، وما أظن أن أحدا سبقه إليه: # قاتلك الله يا أخي لقد ... فضحتنا فى قبائل العرب # كأننا الغر من قريش سموا ... وأنت ما بيننا أبو لهب PageV02P274 # قوله: «سموا» فى موضع الحال، «وقد» مضمرة فيه، التقدير: كأننا الغر من ~~قريش سامين، كما أضمرت «قد» (¬1) فى قوله تعالى: {أو جاؤكم حصرت صدورهم} ~~(¬2) فالتقدير: حصرى الصدور. # وروى أن شاعرا توعد أخاه بالهجاء، فقال له: أتهجوني وأبى أبوك وأمى أمك؟ ~~قال: نعم، أقول: # لئيم أتاه اللؤم من عند نفسه ... ولم يأته من عند أم ولا أب (¬3) # وقال آخر: # أبوك أب حر وأمك حرة ... وقد يلد الحران غير نجيب (¬4) # فلا يعجبن الناس منك ومنهما ... فما خبث من فضة بعجيب # /وهجا الحطيئة أمه بقوله (¬5): # تنحى فاقعدى منى بعيدا ... أراح الله منك العالمينا # أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا # الكانون من الرجال: الثقيل على مجالسيه. # وقوله: غربالا وكانونا، منتصبان انتصاب المصادر (¬6)، فهو مما دخله حذف PageV02P275 # جملتين ومضافين، وما اتصل بذلك، والتقدير: أتخرجين ما تستودعينه من السر ~~إخراج غربال ما فيه، وتثقلين على المتحدثين ثقل كانون. # وما كنت أظن أن أحدا هجا أمه إلا الحطيئة، حتى أنشدنى رجل من عدول واسط، ~~يعرف بابن كردى، أبياتا لأبى المرجى المذكور آنفا، يهجو بها أمه، وهى (¬1): # إنا إلى الله من عجوز ... تأخذها هزة الغيور # كانت لها دولة وولت ... ودولة الحب للغرير # الغرير: الحديث السن، والغرارة: الحداثة. # كأنما وجهها قميص ... قد فركوه على ms349 حصير # تفتر عن مبسم غليظ ... كأنه مشفر البعير # ما بين ناب لها طويل ... وبين أنف لها قصير # وكان هذا الرجل لهجا بالهجو، حتى إن مدحه كان شبيها بالهجو. # فمن ذلك أنه مدح الوزير زعيم الدولة محمد بن جهير، رضى الله عنه، بقصيدة، ~~اعتقد أنه قد بالغ فى تجويدها، فقال فيها: # بقية فى زمان سوء ... صالحة من بنى جهير # فلما سمع الوزير هذا البيت قال لاهيا به: حفظك الله، ما قصرت! # ونعود إلى ما كنا آخذين فيه، من ذكر حذف اللامات، فنقول: والكرة: # /المحذوف منها عند المحققين لامها، وهى واو، لأن الفعل منها كروت، ~~وأصلها: # كروة، وجمعها كرات وكرون، وزعم قوم أن المحذوف عينها، فحكموا بأن أصلها: PageV02P276 # كورة، فعلة، من قولهم: كار العمامة على رأسه يكورها، وكورها يكورها: إذا ~~عبأ بعضها على بعض، ومن ذلك قوله تعالى: {يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل} (¬1) أى يجعل هذا على هذا، وهذا على هذا، فقيل لها: كرة ~~لتدورها كتدور العمامة والكارة. # وحمة العقرب: سمها، وليست بإبرتها، كما يعتقد العامة (¬2)، وأصلها حموة، ~~فعلة، فى لغة من قال: حمو الشمس، وحمية، فى قول من قال: حمى الشمس. # والمحذوف من مائة لامها، وهى ياء، فأصلها مئية، وحكى الأخفش أبو الحسن ~~أنه سمع أعرابيا يقول: اعطنى مئية، فجاء بها على الأصل، وكذلك أنشدوا: # أدنى عطائهم إياي مئيات (¬3) # والمشهور: مئات ومئون، قال الفرزدق: # ثلاث مئين للملوك وفى بها ... ردائى وجلت عن وجوه الأهاتم (¬4) # وروى بعض التصريفيين أنهم حذفوا همزتها فى الجمع، فقالوا فى الجر والنصب: ~~مين، وهذا رديء (¬5)؛ لأنه جمع بين إعلالين متلاصقين: حذف العين وحذف ~~اللام. PageV02P277 # والسية: طرف القوس، عينها عند قوم ياء، والنسب إليها سيوى، وجمعها سيات، ~~وقال الجرمى: سمعت أبا عبيدة يقول: سئة القوس، مهموزة. # وحكى غيره من البصريين: أسأيت القوس، ويجوز أن يكون المحذوف منها واوا، ~~وليس فى قولهم: أسأيت، دليل على أن المحذوف ياء؛ لأن الواو تصير هنا ياء، ~~نحو أغريت وأدنيت، ولكن فيه دلالة على أن المحذوف منها لام. # وقالوا: إن ms350 هذه المنقوصات؛ ما لامه واو أكثر مما لامه ياء، فإذا جهلت جنس ~~لام الكلمة/فاحكم بأنها واو، حتى يقوم دليل على خلافه. # والمحذوف من «فئة» واو، وجمعها فئات، وهى من قولهم: فأوت: إذا شققت ~~وفرقت؛ لأن الفئة كالفرقة، وقالوا: فأوت رأسه بالسيف: إذا فلقته. # ولام الرئة ياء، لقولهم: رأيته: إذا ضربت (¬1) رئته، وجمعها رئات، وحكى ~~أبو زيد: رئون، وأنشد: # فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم ... قلوبا وأكبادا لهم ورئينا (¬2) # والعزة: الجماعة من الناس، وهى مأخوذة من عزوته إلى كذا، وعزيته: # إذا نسبته إليه، وجمعها عزون، وفى التنزيل: {عن اليمين وعن الشمال عزين} ~~(¬3) وعضة: واحدة العضاه، وهو شجر من شجر الشوك، كالطلح والعوسج، وعضة ~~كسنة، فى كون لامها فى لغة هاء، وفى أخرى واوا، ويقال فى جمعها: # عضوات وعضون، قال: # وعضوات تقطع اللهازما (¬4) PageV02P278 # فأصلها فى هذا القول عضوة، وأما قوله تعالى: {جعلوا القرآن عضين} (¬1) ~~ففيه قولان: أحدهما: أنه من الواو، لأنه فسر على أنهم فرقوه، فكأنهم جعلوه ~~أعضاء، فقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو سحر، وقال آخرون: # أساطير الأولين. # والقول الثانى: أن الواحدة عضهة، مأخوذة من العضيهة، وهى الكذب. # وأراد الشاعر باللهازم اللهزمتين، وهما ما تحت الأذنين من أعلى اللحيين، ~~وإنما جمعهما بما حولهما، كقولهم: شابت مفارقه (¬2)، وبعير ذو عثانين، ومثله. # والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر (¬3) # وضع الترائب فى موضع التريبة، واللبات فى موضع اللبة، ويجوز أن يكون جمع ~~لأنه أراد باللهازم لهازم جماعة من الإبل. # واللثة (¬4): ما انحدر من اللحم على الأسنان، وجمعها لثات ولثى، والمحذوف ~~منها ياء، /قال بعض اللغويين: لأنها مأخوذة من اللثى، وهو ما يخرج من الشجر ~~أبيض كالماء يسقط ويقطر، ويقال: أمة لثياء، إذا كان قبلها يعرق. # قلت: أما اللثى فلا دلالة فيه على أن المحذوف من اللثة ياء، وإنما الدليل ~~على ذلك ظهور الياء فى اللثياء، لأنهم شبهوها لعرق قبلها بالشجرة التى يسقط ~~منها المسمى لثى. # ... PageV02P279 ### | AUTO المجلس الثالث والخمسون # يتضمن ذكر ما لم نذكره من حذف اللامات # ، التى عوضوا منها، وما حذف على ms351 طريق الشذوذ من الياءات، التى هى لامات. # فمن الضرب الأول: الاسم، فالمحذوف منه عند البصريين (¬1) لامه، وهى واو ~~واشتقاقه عندهم من السمو، لأن المسمى يرتفع ذكره باسمه فيعرف به، وإذا جهل ~~اسمه كان خاملا، ومن هذا المعنى يقال: فلان له اسم، إذا كان شهيرا، وفيه ~~لغات، أعلاها: اسم؛ لأن التنزيل جاء به، والثانية: سم، مكسور السين، ~~والثالثة: سم، بضمها، والرابعة: سما، مضموم الأول، مقصور كهدى، ومنهم من ~~يقول: اسم، فيضم همزته، وهى قليلة، قال الراجز (¬2). # باسم الذى فى كل سورة سمه # وقال آخر، فضم السين وأثبت اللام: # لأحسنها وجها وأكرمها أبا ... وأسمحها كفا وأعلنها سما (¬3) PageV02P280 # ومثله: # الله أسماك سما مباركا (¬1) # وقال آخر، فضم السين وحذف اللام: # وعامنا أعجبنا مقدمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سمه (¬2) # القرضاب: الفقير، وهو القرضوب أيضا # ومثال اسم، فى أصل وضعه: سمو، فعل، مكسور الأول ساكن الثاني، مثل جذع، أو ~~سمو، فعل، مثل قفل، فى لغة من قال: سم، فضم السين ولم يفتح الميم، أو سمو، ~~فعل، مثل رطب، فى قول من/فتح ميمه، فصارت واوه ألفا، وجمعوه على أفعال. # فمن كسر أوله، كان كأجذاع وأعدال، ومن ضم أوله وحذف واوه فلم يقلبها، كان ~~كأبراد (¬3) وأقفال، ومن ضم أوله وقلب واوه، كان كأرطاب وأرباع، جمع الربع، ~~وهو ولد الناقة التى تلده فى الربيع. # ومن قال: اسم، فإنه حذف لامه، وأسكن فاءه، واجتلب له همزة الوصل عوضا من ~~المحذوف، كما فعلوا ذلك فى ابن واست ونحوهما. PageV02P281 # ومن قال: سم وسم، لم يعوض، كما لم يعوضوا فى أب وأخ ونحوهما. # وخالف الكوفيون البصريين فى اشتقاقه، فزعموا أن المحذوف فاؤه، وأخذوه من ~~السمة (¬1)، فوزن سم وسم على قولهم: عل وعل، وكذلك اسم: إعل، وأصله وسم أو ~~وسم، قالوا: لأن السمة العلامة، والاسم علامة تدل على المسمى. # وهذا القول صحيح فى المعنى، فاسد من جهة التصريف (¬2)، وذلك أنك إذا ~~صغرته أو كسرته أو صرفت منه فعلا، رددت المحذوف منه إلى موضع اللام، ولو ~~كان من السمة كما زعموا رددت المحذوف إلى موضع ms352 الفاء، ألا ترى أنك تقول فى ~~تصغيره: سمي، وفى تكسيره: أسماء، وفى الفعل منه: سميت، ولو كان من السمة ~~ردوا المحذوف منه أولا، فقالوا: وسيم، وأوسام، ووسمت. # ودليل آخر يسقط ما قالوه، وهو أنك لا تجد فى العربية اسما حذفت فاؤه وعوض ~~همزة الوصل، وإنما عوضوا من حذف الفاء تاء التأنيث، فى عدة وزنة وثقة، ~~ونظائرهن. # ومما احتجوا به على مذهب البصريين، فى اشتقاقهم الاسم من السمو، أنهم ~~قالوا: قد وجدنا من الأسماء أسماء تضع من مسمياتها كقرد وكلب وجرو، وعوسج ~~وشوك. PageV02P282 # وليس هذا الذى تعلقوا به بشىء؛ لأن هذه الأسماء علقت على أجناس وضيعة، ~~فالوضاعة لاحقة بها من الجنسية، لا من جهة الاسمية، /ألا ترى أنهم قد سموا ~~بكلب وكلاب، وعوسجة، وكنوا بأبى الشوك، فلم يضع ذلك من المسمين والمكنين، ~~وجرى مجرى تسميتهم ببدر وهلال ومطر وأسد. # قيل لعلى بن عيسى الرمانى: لم عوضوا فى اسم وابن، ولم يعوضوا فى أب وأخ؟ # فقال: كراهة إدخال ألف الوصل على ألف الأصل. # أراد أنهم لو أسكنوا أولهما واجتلبوا لهما الهمزة الوصلية صارت همزتاهما ~~ياءين (¬1)، لانكسار الهمزة قبلهما فقيل: إيب وإيخ. # وأما «است» فأصلها: سته، مفتوحة العين، بزنة قدح، بدلالة جمعها على أفعال ~~كأقداح. # فإن عورض هذا القول بأنها يجوز أن يكون أصلها: سته كعدل، أو سته كبرد، ~~وكلاهما قياسه فى الجمع أفعال. # قيل: لا يجوز ذلك؛ لقولهم فى اللغة الأخرى: سه، ففتح السين فى هذه اللغة ~~مقطوع به على أن أصلها سته، فعل (¬2). # ووزن سه: فل، ودل على أن المحذوف منها هاء، ظهور الهاء فى سه، وفى PageV02P283 # جمعها وتصغيرها وما صرف منها، كقولهم: رجل استه، وستهم، بمعنى استه، ~~وامرأة ستهاء، والميم فى ستهم زائدة (¬1)، كما زيدت فى زرقم. # ولما حذفوا لامها صارت إلى ست، بوزن فع، فأسكنوا فاءها، واجتلبوا لها ~~همزة الوصل تعويضا من محذوفها. # وأما «ابن» فأصله: بنو، فعل، مفتوح العين، بدلالة جمعه على أفعال، ~~كأجبال، فلا يجوز أن يقال: إن أصله بنو، بكسر أوله وسكون ثانيه، بدلالة كسر ~~بائه ms353 في بنت، فيكون كقنو (¬2)، وجمع على أبناء، كأقناء، لأن هذا يبطل بفتح ~~الباء فى بنين وبنات وبنوي. # /وأكثر النحويين حكموا بأن المحذوف منه واو، واستدلوا بظهور الواو فى ~~البنوة. # وقال آخرون: ليس ظهور الواو فى البنوة بدليل على أن لامه واو؛ لقولهم فى ~~مصدر الفتى: الفتوة، ولامه ياء، بدلالة ظهور الياء فى فتيان وفتيان وفتيات، قالوا: # وإذا لم يكن فى البنوة دلالة على الواو، فأصله بنى، فعل من بنيت، لأن ~~الابن مبنى على الأب، وهذا قول، وإن كان معظم النحويين على القول الأول (¬3). # وأشكل ما فى هذا الاسم قولهم فى جمع مصغره: أبينون، قال سلمى بن ربيعة ~~السيدى: # زعمت تماضر أننى إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتى (¬4) PageV02P284 # لا يجوز [أن يكون (¬1)] أبينون جمعا لمصغر ابن؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: # بنيون، ولا يجوز أن يكون جمعا لمصغر أبناء، لأنه لو كان كذلك لقيل: ~~أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو والنون. # وإذا بطل الأول والثانى، فإن قولهم «أبينون» جمع لتصغير اسم للجمع، وليس ~~بجمع، ولكنه كنفر ورهط، وهو مما قدروه ولم ينطقوا به، ومثاله: أبنى مقصور، ~~بوزن أعشى، ثم حقر فصار إلى أبين، مثل أعيش، ثم جمع فقيل: # أبينون، وأصله: أبينيون، ففعل فيه ما فعل فى القاضون. # وابنة: حكمها حكمه، فى أن أصلها بنوة، أو بنية، فى قول من حكم بأن لامه ~~ياء، ولما حذفوا لاميهما أسكنوا فائيهما، واجتلبوا لهما همزة الوصل تعويضا ~~لما دخلهما من الحذف. # وأما بنت، فسنذكرها مع نظائرها، إن شاء الله. # والمحذوف من قولهم: «اثنان» ياء، فالواحد أصله ثنى، فعل، من ثنيت، بوزن ~~قلم، لأن الاثنين قد ثني أحدهما على صاحبه. # وحكى سيبويه (¬2) أنهم قد قالوا فى جمعه: أثناء، فهذا دليل على فتح عينه. # ويجوز أن يكون أصله ثني، كجذع، فأفعال محتمل للمثالين، ولا يجوز أن يقطع ~~على/أن أصله فعل، كجذع، دون فعل، كجبل، استدلالا بكسر الثاء من ثنتان، كما ~~لم يجز أن يحكم بأن أصل ابن: بني، اعتبارا بكسر الباء من بنت. ms354 # وأصل مؤنثه ثنية، كرقبة، أو ثنية، كسدرة، ولما حذفت لاماهما أسكنت ~~فاءاهما، وعوضا منهما همزة الوصل. # ... PageV02P285 ### || AUTO فصل # فأما ما عوض من لامه التاء # ، فمنه «بنت» (¬1) وقد قدمنا أن أصلها: بنوة، فحذفوا منها هاء التأنيث، ~~ثم حذفوا الواو أو الياء التى هى لامها، وكسروا أولها، وأسكنوا ثانيها، ~~وزادوا التاء فى آخرها، عوضا من لامها، فألحقوها بجذع. # وكذلك «أخت» أصلها: أخوة، فعلة، كبقرة، فحذفوا منها الهاء ثم اللام، ~~وضموا أولها وأسكنوا ثانيها وعوضوها التاء من محذوفها، فألحقوها بقفل، ~~فليست التاء فيها وفى بنت كالتاء التى تلحق للتأنيث، فى نحو مرأة وظريفة، ~~لأن هذه يلزم ما قبلها الفتح، فسكون النون من بنت، والخاء من أخت يخرج ~~تاءيهما من أن تكونا من قبيل ما ذكرناه، إلا أنهما مع ذلك غير عاريتين من ~~التأنيث بالكلية، بدلالة قولك فى النسب إليهما: بنوي (¬2) وأخوي، حذفت ~~التاء منهما كما حذفت تاء التأنيث فى قولك: مكى وكوفى، ولو كانت مجردة من ~~التأنيث لقيل بنتي وأختي. # ودليل آخر، وهو أن هذه التاء المزيدة فى بنت وأخت عوضا من محذوفيهما ~~اختصوا بزيادتها أسماء مؤنثة، سيأتى ذكر جميعها، فمنها «ثنتان» وحكمها حكم ~~بنت وأخت، فى حذف الهاء منها، ثم حذف لامها وتعويضها منها التاء، إلا أن ~~المحذوف منها ياء، فأصلها: ثنية، مثل قصبة، أو ثنية، مثل سدرة، على ما ~~قررناه فى مذكرها. # /وهنت (¬3) أصلها: هنوة، مفتوحة العين؛ لأن مذكرها فعل، بدلالة جمعه PageV02P286 # على أفعال، فحذفوا منها هاء التأنيث ثم الواو، وأسكنوا ثانيها، وعوضوها ~~التاء فألحقوها بكعب. # وذهب سيبويه (¬1) فى «كلتا» إلى أنها فعلى، كذكرى، وأصلها كلوى، فحذفوا ~~واوها وعوضوها منها التاء، كما فعلوا فى بنت وأخت وهنت، ويدل على أن تاءها ~~ليست بأصل، بل بدل من حرف علة، اعتلال اللام من كلا، ويدل على أن لامها واو ~~ما ذكرناه من أن اللام أغلب على الواو. # ودليل آخر، وهو أن تعويض التاء من الواو أكثر من تعويضها من الياء. # وذهب الجرمى إلى أن وزن كلتا فعتل، وأن التاء على تأنيثها. # ويشهد (¬2) بفساد ms355 هذا القول ثلاثة أشياء. # أحدها: سكون ما قبلها (¬3). # والثانى: أن تاء التأنيث لا تزاد حشوا. # والثالث: أن مثال فعتل معدوم فى العربية. # وأما «كيت وذيت (¬4)» فإن العرب استعملت هاتين اللفظتين كناية عن الجمل ~~والحديث الطويل، وألزموهما التكرير، فقالوا: بلغنى كيت وكيت، وكان من الأمر ~~ذيت وذيت. # وفيهما ثلاث لغات: فتح التاء وكسرها وضمها، والفتح أشهر وأقيس. PageV02P287 # وأصلهما: كية وذية، فأسقطوا منهما الهاء والياء المتحركة، وعوضوا منها ~~التاء، وقد استعملوا كية وذية مكررتين أيضا مفتوحتين لا غير، وإنما بنوا ~~هاتين اللفظتين لأنهم عبروا بهما عن الجمل، والجمل مبنية. # ألا ترى أنك إذا سميت بالجملة حكيتها، كما سموا بتأبط شرا، وبرق (¬1) ~~نحره، وشاب قرناها، فلو سميت بقولك: يخرج زيد، لقلت: جاء يخرج زيد، ورأيت ~~يخرج زيد، ومررت بيخرج زيد، وكذلك زيد منطلق هذا حكمه، فالجملة مجموعها ~~مبنية، وإنما المعرب «يخرج» بانفراده و «زيد» بانفراده. # ... PageV02P288 ### || AUTO / فصل # ومن حذف اللام على الشذوذ # ، ما جاء من حذف الياء اكتفاء بالكسرة، وذلك فى غير الفواصل والقوافى، كقوله: # كفاك كف لا تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما (¬1) # قوله: «لا تليق» لا تمسك. # وقال آخر، فحذف الياء من الأيدى: # دوامى الأيد يخبطن السريحا (¬2) # السريح: جلود تنعلها الإبل إذا حفيت، واحدتها: سريحة. # وقال آخر (¬3): PageV02P289 # لا صلح بينى فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقى # رمحى وما كنا بنجد وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق # وقوله تعالى: {يوم يأت لا تكلم نفس} (¬1) من هذا الضرب، وكذلك {ذلك ما ~~كنا نبغ} (¬2) لأنه ليس كقوله: {والليل إذا يسر} (¬3) إلا أن أبا علي (¬4) ~~شبه «نبغ» بالفاصلة، قال: لأنه قد تم عليه الكلام. # وكذلك حذفوا الياء فى قولهم: «لا أدر» لكثرة استعماله (¬5). # واختلفوا فى الوقف على الاسم المنقوص (¬6)، المرفوع والمجرور، إذا كان ~~فيه لام PageV02P290 # التعريف، فأثبتها بعضهم، وحذفها آخرون، فالحجة لمن أثبتها أن حرف التعريف ~~حماها من التنوين، فزال حكم التنوين تقديرا، كما زال حكمه لفظا. ومن حذفها ~~شبهها لسكونها بالحركة، فحذفها كما تحذف الحركة فى الوقف، فى نحو: هذا ~~الرجل، ومررت بالرجل، ألا ms356 ترى أنهم قد نزلوا حروف اللين فى نحو يدعو ويقضي ~~ويخشى منزلة الحركة، فحذفوهن للجزم، كما يحذفون الحركة من الحرف الصحيح. # ونظير حذف هذه الياء إذا سكنت حذف ياء المتكلم فى الوقف، كقراءة من قرأ: ~~{ربي أكرمن} و {ربي أهانن} (¬1) وكقول الأعشى (¬2): # ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن # والذين حذفوها مما فيه الألف واللام فريقان، فريق خالف بين وصله ووقفه، ~~فأثبتها فى الوصل، وحذفها فى الوقف، وفريق حذفها فى الوصل والوقف. # وعلة حذفها فى الوصل أنهم اجترءوا على حذفها؛ لدلالة الكسرة عليها، كما ~~اجترءوا على حذف ياء المتكلم لدلالة الكسرة عليها، فى نحو {وإياي فارهبون} ~~(¬3) وعلى هذه اللغة قالوا: عمرو بن العاص (¬4)، وحذيفة بن اليمان، PageV02P291 # والحاف (¬1) بن قضاعة، وعليها قراءة من قرأ: {دعوة الداع} (¬2) و {مهطعين ~~إلى الداع} (¬3) و {يوم يدع الداع} (¬4). # واختلفوا فى المنقوص إذا نودي، فسيبويه كان يرى إثبات يائه (¬5) أوجه؛ ~~لأنها احتمت من التنوين بالبناء، ويونس بن حبيب كان يرى حذفها؛ لأن النداء ~~يكثر فيه الحذف والتغيير، لكثرة استعماله، ولذلك اختصوه بالترخيم، وقد ذكرت ~~هذا من قبل. # ومما حذفت ياؤه وهى لام: ما باليت به بالة، الأصل: بالية، على فاعلة، ~~كالعافية (¬6). # ومما حذفت فيه ألف منقلبة عن ياء منقلبة عن واو، هى لام، قول لبيد (¬7): PageV02P292 # وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل # حذف الألف من المعلى، مع التضعيف، وأصل معلى: معلو، مفعل، من علوت، ثم ~~معلى، صارت الواو ياء لوقوعها خامسة، ثم معلى، صارت الياء ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، والتضعيف يحذف فى القوافى، كقول طرفة: # أصحوت اليوم أم شاقتك هر (¬1) # وكقول امرئ القيس (¬2): # إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر # والألف لا تكون أصلا إلا فى حروف المعانى، وإنما تكون منقلبة أو زائدة، / ~~فى الأسماء والأفعال (¬3)، وحذفها قليل لخفتها؛ لأن خروجها من الحلق مع ~~النفس بغير كلفة، قال الخليل: مخرجها فويق مخرج الهمزة، وتحت مخرج الهاء، ~~ومما حذفت فيه قول الآخر: # فلست بمدرك مافات منى ... بلهف ولا بليت ولا لو ms357 أني (¬4) # أراد: بلهفى، وأكثر ما يجيء حذفها فى الشعر، ليقوموا به الوزن، ويصححوا ~~به القافية. # ... PageV02P293 ### | AUTO المجلس الرابع والخمسون # يتضمن القول فى حذف ياء المتكلم من أم وعم # ، إذا أضيف إليهما ابن فى النداء. وفى حذف ألفات من كلم شتى. وفصلا فى ~~الحذف للترخيم. # اختلفت العرب فى قولهم: يا ابن أم، ويا ابن عم، فمنهم من أثبت الياء، وهو ~~القياس، كقول أبي زبيد الطائى (¬1): # يا ابن أمى ويا شقيق نفسي ... أنت خليتنى لدهر كئود # وكقول الآخر (¬2): # يا ابن أمى ولو شهدتك إذ تد ... عو تميما وأنت غير مجاب # ومنهم من أبدل من الكسرة فتحة، فقلب الياء ألفا، فقال: يا ابن أما، ويا ~~ابن عما، وأنشدوا لأبى النجم العجلى (¬3). PageV02P294 # يا ابنة عما لا تلومى واهجعى # ومنهم من يحذف الألف ويبقى الفتحة فيقول: يا ابن أم، ويا ابن عم. # وإنما كان القياس إثبات الياء، دون حذفها؛ لأن حذفها إنما يقوى إذا كان ~~المنادى مضافا إليها كقولك: يا غلام، فيحذفونها كما يحذفون التنوين فى قولهم: # يا غلام، إذا أرادوا غلاما بعينه، فإذا قالوا: يا غلام غلامى، ضعف حذفها؛ ~~لأن الغلام الثاني غير منادى. # وإنما جاز حذفها فى قولهم: يا ابن أم ويا ابن عم، ولم يكره/كما كره فى ~~قولك: يا غلام غلامى، لأن إضافة ابن إلى هذين الاسمين مما كثر استعماله، ~~فتغيرا عن أحوال نظائرهما، ألا ترى أن العربي يلقى العربي الأجنبي وهو لا ~~يعرفه، فيقول له يا ابن عم، وكذلك يقول من لا نسب بينه وبينه: يا ابن أم، ~~كما يقول له: يا أخي. # فأما اختلاف القراء فى قوله تعالى، حاكيا عن هارون فى خطابه لموسى عليهما ~~السلام: {يا بن أم} (¬1) فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم: # يا ابن أم، بنصب الميم، وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر، وابن عامر وحمزة ~~والكسائى: # يا ابن أم، بكسر الميم. # فمن فتح الميم احتمل قوله أمرين: أحدهما أنه أراد: يا ابن أما، فحذف ~~الألف كما يحذف الياء، إذا قال: يا غلام، وإن ms358 كان الغلام منادى والأم غير ~~مناداة، ولكن جاز ذلك ولم يكره لما ذكرته من كثرة استعمالهم: يا ابن أم، ~~والفتحة فى «ابن» على هذا القول نصبة، كالفتحة فى قولك: يا عبد الله. PageV02P295 # والآخر: أن يكون ركب ابنا مع أم، فجعلهما بمنزلة اسم واحد، كخمسة عشر، ~~ففتحة «ابن» (¬1) فى هذا القول ليست بنصبة كما كانت فى القول الأول، وإذا ~~كان قوله: «يا ابن أم» بمنزلة خمسة عشر، كان فى موضع ضم، لأنه جرى مجرى ~~المفرد فى قولك: يا زيد. # ومن قال: يا ابن أم، فكسر، احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى ~~أم، وأما إلى ياء الضمير، ثم حذف الياء، وكان الوجه إثباتها كإثباتها فى ~~قولك: يا غلام غلامى. # والآخر: أن يكون جعل ابنا مع أم اسما واحدا، وأضافه إلى نفسه، كما يقول ~~(¬2): يا خمسة عشر أقبلوا، أردت: يا خمسة عشرى، فحذفت الياء كما تحذفها من ~~آخر المفرد فتقول: يا غلام. # وقال أبو عثمان المازنى فى قراءة من قرأ: {يا أبت لا تعبد الشيطان} (¬3) ~~إنه أراد: /يا أبتا، قال: والدليل على ذلك أن الشاعر قد أظهرها فى قوله (¬4): # يا أبتا علك أو عساكا # ومما حذفوه فوالوا بين إعلالين فى كلمة، الألف من ترى، فى قولهم: # «أصاب الناس جهد ولو تر ما أهل مكة (¬5)» حذفوا الألف وهى منقلبة عن ~~الياء التى هى لام فى رأيت، بعد حذف الهمزة التى هى العين، وقالوا: أم ~~والله لأفعلن، وهذه «ما» المزيدة للتوكيد، ركبوها مع همزة الاستفهام، ~~واستعملوا مجموعهما على وجهين: PageV02P296 # أحدهما (¬1): أن يراد به معنى حقا، فى قولهم: أما والله لأفعلن. # والآخر: أن تكون افتتاحا للكلام، بمنزلة ألا، كقولك: أما إن زيدا منطلق، ~~وأكثر ما يحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم؛ ليدلوا على شدة اتصال الثانى ~~بالأول؛ لأن الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها، فعلم بحذف ألف ~~«ما» افتقارها إلى الاتصال بالهمزة. # ومن الحروف المركبة «لولا (¬2)» فلو معناها امتناع الشىء لامتناع غيره، و ~~«لا» معناها النفى، فلما ركبوهما بطل معنياهما، ودلت ms359 «لولا» على امتناع ~~الشىء لوجود غيره، واختصت بالاسم، وعلى التحضيض، واختصت بالفعل. # ومثل ذلك تركيبهم للهمزة مع «لا» فبطل الاستفهام والنفى، ودل مجموعهما ~~على ثلاثة معان، الأول: استفتاح الكلام به، كقوله تعالى: {ألا إنهم هم ~~السفهاء} (¬3). # والثانى: التمنى، كقولهم: ألا ماء (¬4) أشربه. # والثالث: العرض، كقولك: ألا تنزل عندنا تصب من طعامنا؟ جزمت الفعلين على ~~الجواب؛ جواب التمنى وجواب العرض. # ومن الألفات التى حذفوها ألف «تبالى» فى قولهم «لا تبل (¬5)» حذفوا ياءه ~~أولا PageV02P297 # للجزم، فقالوا: لا تبال، كقولك: لا ترام، ثم اختصروه لكثرة استعماله، ~~فجزموه جزما ثانيا بإسكان لامه، فسقطت ألفه لالتقاء الساكنين، وقالوا فيه ~~أيضا: لم أبله (¬1)، كان/قياسه أولا: لم أبال، كقولك: لم أرام، فحذفوا كسرة ~~اللام، كما حذفوا ضمة الإعراب فى نحو أجاب وأعان، فانحذفت الألف لما سكنت ~~اللام، فصار: لم أبل، كقولك: لم أجب، ولم أعن، ثم ألحقوه فى الوقف عليه هاء ~~السكت، فوجب تحريك لامه؛ لسكونها وسكون الهاء، فحركوها بالكسر، لأنه الأصل ~~فى حركة التقاء الساكنين، ولم يردوا ألف «أبالى» فيقولوا: لم أبا له؛ لأن ~~حركة التقاء الساكنين لا اعتداد بها، من حيث كانت عارضة تزول إذا زال ~~التقاء الساكنين، والحركة العارضة لا يرد لها المحذوف، ألا ترى أنهم لم ~~يردوا ألف رمى فى قولهم: رمت المرأة، مع تحرك التاء التى أوجب سكونها حذف ~~الألف، وذلك لما ذكرناه من كون هذه الحركة لا اعتداد بها، لأنك تقول: رمت ~~مرأة، فتزول الكسرة. # وقد اعترض فى دخول هاء السكت فى لم أبله، على اللام وهى ساكنة، وهاء ~~السكت لا تدخل إلا على متحرك لتبين حركته، كقولهم فى عم ولم: عمه ولمه وفى ~~كتابى وحسابى: كتابيه وحسابيه، وفى قولهم: اسع وادن: اسعه وادنه، وتدخل على ~~الألف، لأن الألف لخفائها تشبه الحركة، وذلك فى الندبة. # والجواب عن هذا الاعتراض: أن لام «أبالى» مكسورة كسرا أصليا، كما ترى، ~~والجازم أوجب حذف الياء منه وحدها، كحذفها فى لم أرام، فحذف الكسرة بعد حذف ~~الياء حذف بغير استحقاق؛ لأن علم الجزم فى «أبالى» إنما ms360 هو حذف يائه، ولما ~~حذفوا الياء ثم أتبعوها الكسرة، كان ذلك جزما بغير جزم، فالجزم PageV02P298 # الثانى غير مستحق، وإذا كان إسكان اللام بغير استحقاق، وكانت الكسرة ~~المحذوفة مقدرة فى اللام، فكأنها موجودة لفظا، وإذا كانت فى تقدير الوجود ~~صارت هاء السكت كأنها دخلت على متحرك. # وشبيه هذا، وإن كان بعكسه، /تقدير السكون والعمل بمقتضى وجوده، وذلك أن ~~«هلم (¬1)» مركب من حرف وهو «ها» وفعل وهو «المم» فهمزة الوصل سقطت فى ~~الدرج، والميم الأولى ألقيت ضمتها على اللام، ثم أدغمت فى الثانية بعد ~~تحريك الثانية بالفتح، فصار إلى هالم، فلم يعتدوا بضمة اللام؛ لأنها منقولة ~~إليها من الميم، فنزلت اللام منزلة الساكن، حيث لم تكن ضمتها أصلية، فكأنه ~~التقى ساكنان، فحذفوا ألف حرف التنبيه، الذى هو «ها» لما كانت اللام ساكنة ~~تقديرا. # فكما حذفوا هذه الألف لسكون مقدر، كذلك أدخلوا هاء السكت على «أبل» لحركة ~~مقدرة، أسقطت بغير حق، لأنهم أسقطوها لجزم ثان، فكأنها لذلك موجودة لفظا. # وهذا الجواب عن هذا الاعتراض مما استخرجته. # ... PageV02P299 ### || AUTO فصل # فى الحذف المسمى ترخيما # هذا الاسم مأخوذ من قولهم: امرأة رخيم الكلام، ويحتمل هذا الوصف معنيين، ~~أحدهما: أن يكون كلامها مرتلا محذوف الفضول، فيكون موافقا لهذا الحذف ~~المسمى ترخيما. # والثانى: أن تكون لينة الكلام، خفيضة الصوت. ناعمة النغمة، ومن هذا قولهم ~~للحجر الأملس: رخامة، ولضرب لين من النبت: رخامى، ومنه قولهم: # ألقى فلان على فلان رخمته، أى محبته وتعطفه ولين منطقه، فسمى هذا الحذف ~~ترخيما، لأنه تخفيف اللفظ وتسهيله، قال ذو الرمة (¬1): # لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر # الحواشى: الأطراف، فيحتمل أن يريد أن أطراف منطقها محذوفة الفضول، ويحتمل ~~أن يريد أن منطقها ناعم المقاطع، فيوافق هذا قوله: «لها بشر مثل/ الحرير» ~~فتكون بشرتها ومنطقها متفقين فى اللين والنعومة. # والبشرة: ظاهر الجلد. # والهراء: المنطق الفاسد، يقال منه: أهرأ فى منطقه. # وللترخيم شرائط (¬2)، فالشريطة الأولى: اختصاصه بالنداء، إلا ما شذ ففارق ~~القياس. PageV02P300 # والثانية: كون الاسم علما في الأغلب الأشهر. # والثالثة: كونه ms361 مفردا. # والرابعة: كونه رباعيا فما زاد، إلا أن تكون ثالثة تاء التأنيث. # والخامسة: بناؤه على الضم بالنداء؛ لأن التغيير يؤنس بالتغيير، فلا يجوز ~~إذن ترخيم المضاف، ولا المضارع للمضاف، وهو العامل فيما بعده الرفع أو ~~النصب، ولا ترخيم النكرة المنصوبة بالنداء، ولا ترخيم المستغاث به؛ لأنه ~~معرب، ولا المندوب؛ لزوال معنى الندبة، ولا ترخيم مبهم نحو: يا هذا ويا هذه ~~ويا هؤلاء، ولا مضمر، نحو: يا أنتما ويا أنتم؛ لما ذكرناه من اختصاصهم ~~بالترخيم الأعلام فى الأغلب، ولأن المبهم والمضمر ليسا مما يغيره النداء، ~~قال الشاعر فى نداء الضمير: # يا أقرع بن حابس يا أنتا ... أنت الذى طلقت عام جعتا (¬1) # وإنما خصوا النداء بالترخيم، لأن النداء معنى كثر استعماله، فاعتمدوا فيه ~~هذا التخفيف، ألا ترى أن المتكلم يقدمه إذا أخبر أو استخبر، أو نهى أو أمر، ~~فيقول: يا فلان، عرفت كذا، ويا فلان، هل عرفت كذا؟ ويا فلان، افعل كذا، ويا ~~فلان، لا تفعل كذا، فلما كثر استعماله هذه الكثرة خصوا ضربا من الأسماء ~~كثير الاستعمال بتخفيف لفظه فيه. PageV02P301 # وللعرب فيه مذهبان: منهم من حذف آخر الاسم، وترك ما قبله على حركته أو ~~سكونه، إلا أن يؤدى السكون إلى الجمع بين ساكنين فيلزم التحريك، وسترى بيان ~~ذلك إن شاء الله تعالى. # ومنهم من يحذف ما يحذفه ويضم ما قبل المحذوف، إن صح فيه الضم، فيجعله ~~اسما قائما بنفسه، كأنه لم يحذف منه شيء. # /والمذهب الأول هو اللغة العليا، ومعظم العرب عليه، وذلك قولك فى حارث: ~~يا حار، ويا حار، وفى جعفر: يا جعف ويا جعف، وفى هرقل: يا هرق، ويا هرق ~~أقبل، ويتفق المذهبان فى ما قبل آخره ضمة لفظا، ويختلفان تقديرا، وذلك قولك ~~فى بلبل: يا بلب، فالضمة فى قول من قال: يا حار، ضمة الأصل، وفيمن قال: يا ~~حار، ضمة حادثة، كالضمة فى قولك: يا زيد، وعلى المذهبين ينشدون قول زهير (¬1): # يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلى ولا ملك # وقول امرئ القيس (¬2): # أحار بن ms362 عمرو كأنى خمر # أى كأنى قد خامرنى شر من ذا، وقول حسان (¬3): # حار بن كعب ألا أحلام تزجركم ... عنا وأنتم من الجوف الجماخير PageV02P302 # الجوف: جمع أجوف، وهو الذى لا رأى له ولا حزم، وواحد الجماخير: # جمخور، وهو الضعيف العقل، وجاء المذهب الأوجه وحده فى قول الأعشى (¬1): # كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... فى جحفل كسواد الليل جرار # إذ سامه خطتى خسف فقال له ... مهما تقله فإنى سامع حار # فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار # ومثله لعمرك ما خشيت على عدي ... سيوف بنى مقيدة الحمار (¬2) # ولكنى خشيت على عدي ... رماح الجن أو إياك حار # رماح الجن: كناية (¬3) عن الطاعون، ومثله قول النابغة (¬4): # قالت بنو عامر خالوا بنى أسد ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام # فصالحونا جميعا إن بدا لكم ... ولا تقولوا لنا أمثالها عام # معنى خالوا: فارقوا. PageV02P303 # وروى عن بعض من لا بصيرة له أنه قال، وقد سمع عليا عليه السلام، وابن ~~مسعود، ويحيى بن وثاب والأعمش قرءوا: «ونادوا يا مال ليقض علينا ربك» (¬1) ~~فقال: إن عند أهل النار لشغلا عن الترخيم! فقال له من سمعه: ويحك! إن فى ~~هذا الاختصار من أهل النار لمعنى لا يعرفه إلا ذو فطانة، وذلك أنهم لما ذلت ~~نفوسهم، وتقطعت أنفاسهم، وخفيت أصواتهم، وضعفت قواهم، ولم تنفع شكواهم، ~~قصرت ألسنتهم عن إتمام الاسم، وعجزوا عما يستعمله المالك لقوله، والقادر ~~على التصرف فى منطقه. # ومن أبيات الكتاب قول أوس بن حجر (¬2): # تنكرت منا بعد معرفة لمى ... وبعد التصابى والشباب المكرم # وقول آخر (¬3): # فقلتم تعال يا يزى بن مخرم ... فقلت لكم إنى حليف صداء # حذفا السين والدال من لميس ويزيد، على المذهبين. # واختلف النحويون فى الثلاثي المتحرك الأوسط، نحو عمر وحسن، فأجاز ~~الكوفيون والأخفش ترخيمه، لأن حركة أوسطه قامت مقام الحرف الرابع، كما قامت ~~حركة القاف من سقر، والظاء من لظى، والدال من قدم (¬4)، اسم امرأة، PageV02P304 # مقام الحرف الرابع من زينب، فلم ينصرف فى التعريف، ففارق بذلك الثلاثي ~~الساكن الأوسط، كهند ودعد. # ولم يجز ms363 الخليل وسيبويه (¬1)، ومن أخذ أخذهما ترخيم هذا النحو؛ لخروجه عن ~~حيز الأصول، إذ أكثرها خمسة، وأقلها ثلاثة. # واتفق الجميع على أن الثلاثي الساكن الأوسط، كبشر وبكر، لا يجوز ترخيمه ~~لأجل الإجحاف به، لسكون أوسطه، وقلة عدده. # وأجمعوا على ترخيم العلم الثلاثي، كهبة، وثبة/وعزة، لأن تاء التأنيث ~~بمنزلة اسم ضم إلى اسم، فجرت مجرى الثانى من الاسمين المركبين، نحو بعلبك ~~ودرابجرد (¬2)، تقول: ياهب، وياثب، كما لو ناديت بعلبك أو درابجرد، كما ~~نادى النابغة الدار فى قوله: # يا دارمية بالعلياء فالسند (¬3) # فرخمته، لقلت: يا بعل، ويا دراب، فحذفت العجز، وأبقيت الصدر. # وإنما نزلوا تاء التأنيث منزلة الثانى من المركبين، حتى إنهم استجازوا ~~حذفها وإبقاء الاسم على حرفين؛ لأن ما قبلها يلزمه الفتح، كما يلزم الفتح ~~آخر الصدر، ولأنك إذا نسبت إلى هذا الضرب حذفت العجز، فقلت: درابى، وبعلى، ~~كما تحذف تاء التأنيث فى قولك: مكى، وكوفى، وإذا حقرت حقرت الصدر، وأبقيت ~~فتحته، فقلت: بعيلبك، كما تبقى الفتحة قبل تاء التأنيث، فى قولك: طليحة، ~~فلا تكسر الحاء كما تكسر فاء جعفر، فى قولك: جعيفر. PageV02P305 # وإذا عرفت هذا فلك أن تقول: ياثب، كقولك: يا حار، ولك أن تضم آخره، كما ~~تقول: يا حار، فإن ناديت شاة علما أو نكرة مقصودا قصدها، قلت على لغة من ~~قال: يا حار، فكسر: يا شا، وعلى اللغة الأخرى: يا شاه ما أفرهك! ترد لامها، ~~وقد عرفت أنها هاء بظهورها فى التحقير والتكسير، وإنما وجب رد اللام فى لغة ~~من قال: يا حار، لأن أهل هذه اللغة يجعلون المرخم بمنزلة اسم قائم بنفسه، ~~وليس فى العربية اسم معرب على حرفين، الثانى منهما حرف مد ولين. # واعلم أن ترخيم ما فيه تاء التأنيث أكثر من ترخيم غيره، لكثرة ما يلحق ~~تاء التأنيث من التغيير والحذف، والتغيير إبدال الهاء منها فى الوقف، ~~والحذف حذفهم إياها فى التكسير، كقولك فى جمع مقدحة: مقادح، وفى جمع فاطمة: ~~فواطم، وكذلك تحذفها فى جمع التأنيث، كقولك: فاطمات ومسلمات، فلها أحكام ~~تخالف فيها غيرها من الحروف، ms364 ألا ترى أنك إذا سميت بمرجان/ومكى، فرخمتهما ~~حذفت الألف والنون، وحذفت ياءي النسب، فقلت: يا مرج، ويا مك، لأنهما ~~زائدان، زيدا معا، فإن ألحقتهما تاء التأنيث لم تحذف غيرها؛ لأنها كالاسم ~~المضموم إلى اسم، فقلت: يا مرجان، ويا مكى. # ولك فى نداء طلحة وأشباهه، بعد قولك: يا طلحة، ثلاثة أوجه: # الأول: يا طلح، بالترخيم وفتح الحاء، على اللغة المشهورة. # والثانى: يا طلح، بالضم. # والثالث: يا طلحة أقبل، بفتح التاء وإقحامها، وعليه أنشدوا للنابغة (¬1): # كلينى لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب PageV02P306 # فإن قيل: إن المعروف من الإقحام إقحام حرف بين حرفين، كإقحام تيم، بين ~~تيم وعدى، فى قوله (¬1): # يا تيم تيم عدى لا أبا لكم ... لا يلقينكم فى سوأة عمر # فى قول من نصب تيما الأول، وكإقحام اللام بين بؤس والجهل، فى قول ~~النابغة: # يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام (¬2) # أراد: يا بؤس الجهل، بدلالة إسقاط تنوين بؤس، وكذلك حكم اللام فى قول سعد ~~بن مالك (¬3): # يا بؤس للحرب التى ... وضعت أراهط فاستراحوا # وقال أبو العباس محمد بن يزيد (¬4): إنما قالوا: يا ويح لزيد، ويا بؤس ~~للحرب، فأقحموا اللام توكيدا، لأنها لام الإضافة، ألا ترى أن قولك: المال ~~لزيد، كقولك: مال زيد، فى المعنى، لأن المراد مال لزيد، وكذلك قوله: «يا ~~تيم تيم عدى»، أقحم الثانى توكيدا، وكذلك يا طلحة، أراد: يا طلح، فأقحم ~~التاء توكيدا، وأقر الفتحة. انتهى كلامه. PageV02P307 # وأقول: إن الإقحام إذا كان على ما قرروه، فما الذى أقحمت تاء طلحة بينه ~~وبين الحاء؟ # والجواب أن التاء زيدت ساكنة بين حركتها والحاء، ألا ترى أنه يمكنك/أن ~~تقول فى الوقف: يا طلحت، بسكون التاء، كما روى عن العباس عليه السلام، أنه ~~قال فى ندائه المسلمين، لما انهزموا يوم حنين: يا أصحاب بيعة الشجرت، يا ~~أصحاب سورة البقرت، فقال المجيب له منهم: والله ما أحفظ منها آيت (¬1). # فلما سمع منهم طلحت، صارت التاء بين فتحتها والحاء، وكذلك: # يا أميمت، زيدت التاء بين فتحتها والميم. وهذا من الدقائق التى نبه عليها ms365 ~~أبو على. # ومن ترخيم هذا الضرب قول امرئ القيس: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل (¬2) # وقول هدبة بن خشرم (¬3): # عوجى علينا واربعى يا فاطما PageV02P308 # [أراد يا فاطمة فرخم (¬1)] وقول الشماخ (¬2): # أعائش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون السوام مع المضيع # ... PageV02P309 ### || CHECK فصل إذا كان قبل آخر الاسم واو أو ياء أو ألف حذفته مع الطرف ### | AUTO المجلس الخامس والخمسون # يتضمن ذكر فصول من الحذف للترخيم، وتفسير أبيات من الباب # فصل # إذا كان قبل (¬1) آخر الاسم واو أو ياء أو ألف حذفته مع الطرف # ، باجتماع أربع شرائط، الأولى: سكون حرف العلة، الواو والياء. # والثانية: بقاء الاسم بعد الحذف على ثلاثة أحرف، فما زاد. # والثالثة: أن يكون الحرف المعتل زائدا، لا أصلا. # والرابعة: أن يكون ما قبل الواو مضموما، وما قبل الياء مكسورا. # فهذه الشرائط مجتمعة فى منصور ومسعود ومحمود وموهوب، وفى عمار وسلام ~~وحماد وعباد، وفى مسكين ومعطير ومحضير وزحليل، إذا نقلن إلى العلمية-كما ~~قالوا: مسكين الدارمي (¬2) -رخمن، قالوا: امرأة معطير، أى كثيرة التعطر، ~~وفرس محضير، أى شديد الحضر، وهو العدو، وزحليل: زلاقة الصبيان. # تقول: يا منص ويا مسع ويا محم ويا موه، ويا عم ويا سل ويا حم ويا عب، ويا ~~مسك ويا معط/ويا محض ويا زحل، بحذف حرف العلة، إتباعا للطرف، وتبقى الفتحة ~~فى عمار ونظائره، والكسرة فى مسكين ونظائره، على لغة من قال: يا حار، ~~وتضمها فى اللغة الأخرى. PageV02P310 # وأما ضمة الصاد فى قولك: يا منص، فتختلف تقديرا، فتكون فى لغة من قال: يا ~~حار، هى الضمة الأصلية، وفى لغة من قال: يا حار، هى ضمة حادثة كالضمة فى ~~قولك: يا زيد، كما أن كسرة الهاء فى قولك: ناقة هجان ككسرة الكاف من كتاب، ~~والكسرة فيها إذا قلت: نوق هجان (¬1) -وهى البيض الكرام-ككسرة الكاف من ~~كلاب، وكما أن ضمة الفاء من الفلك فى قوله تعالى: {وترى الفلك فيه مواخر} ~~(¬2) غير ضمة الفاء منه، فى قوله: {في الفلك المشحون} (¬3) لأن ضمة الفاء ~~من {الفلك المشحون} ضمة الواحد، فى نحو قفل وبرد، ms366 وضمة فائه فى الآية ~~الأخرى ضمة الجمع من نحو حمر وخضر. # فإن رخمت مختارا ومنقادا وما أشبههما، مما ألفه أصلية منقلبة عن ياء عين، ~~أو واو عين، نحو مغتاظ ومعتاد، لم تحذف ألفه كما حذفت ألف حماد وعمار، ألا ~~ترى أن مختارا أصله: مختير مفتعل، أو مختير مفتعل من الاختيار، ومنقادا ~~أصله: منقود، منفعل من القود، فلما لم تكن زائدة أقرت فقيل: يا مختا، ويا منقا. # وكذلك تبقى حرف العلة إذا كان يبقى بعد حذفه حرفان، وذلك فى نحو سعيد ~~وجميل وعقيل، وهلال وبلال، وثمود وعجوز، إذا سميت به، تقول: يا سعى ويا جمى ~~ويا عقى، ويا هلا ويا بلا ويا ثمو ويا عجو، فى لغة من قال: يا حار، وفى ~~اللغة الأخرى: يا ثمى ويا عجى، لأن المنادى فى هذه اللغة بمنزلة اسم تام، ~~على ما عرفتك، وذلك من حيث لم يكن المحذوف مرادا، وليس فى العربية اسم ظاهر ~~معرب آخره واو قبلها ضمة، فمتى أدى إلى ذلك قياس رفضوه، فأبدلوا من ضمته PageV02P311 # كسرة، فصارت واوه ياء، كما فعلوا فى جمع دلو وحقو، [فقالوا: أدل وأحق ~~(¬1)] وأصلهما: أدلو، وأحقو، كأكلب، وإنما كرهوا/وقوع الواو طرفا بعد ضمة، ~~فى اسم يضاف تارة وينون تارة، وينسب إليه تارة. # فيعتوره التنوين إذا قيل: أدلو، والإضافة إلى ياء المتكلم إذا قيل: ~~أدلوى، والاتصال بياء النسب إذا قيل: أدلوى، فتتوالى فيه أشياء مستثقلة، ~~الضمة على اللام وبعدها ضمة الواو أو كسرتها مع التنوين، أو ياء المتكلم أو ~~ياء النسب، ولم يستثقلوا ذلك فى الفعل، نحو يغزو، وسرو الرجل يسرو، من ~~السرو-وهو سخاء فى مروءة-وذلك لأن الفعل لا يلحقه شيء مما ذكرناه، وكذلك ~~وقوع الواو المضموم ما قبلها فى آخر المضمر، نحو هو وهمو، وأنتمو، فى لغة ~~من ألحق الميم الواو فى الوصل؛ لأن المضمرات لا يلحقها التنوين، ولا تضاف ~~ولا ينسب إليها، ولا اعتراض بقولهم: أبوك وأخوك ونحوهما، لأن الواو فى هذا ~~الضرب إنما تثبت غير متطرفة، ولا يلحقها مع ذلك حركة. # وأما ترخيم الذى ms367 قبل آخره واو أو ياء مفتوح ما قبلها، فالتغيير أيضا ~~يلحقه فى لغة من قال: يا حار، بالضم، فمثال ذوات الواو: برذون، وخنوص، وهو ~~ولد الخنزير، وعجول، وهو العجل. # ومثال ذوات الياء: غرنيق، وهو طائر، وجميز، وهو شيء يشبه التين، وعليق، ~~وهو شجر من الأراك، تقول فى لغة من قال: يا حار: يا برذو، ويا خنو، ويا ~~عجو، ويا غرنى ويا جمي ويا علي، تدع الواو والياء بحالهما؛ لأن المحذوف ~~مراد وتقول فى اللغة الأخرى: يا برذا، ويا خنا، ويا عجا، ويا غرنا (¬2)، ~~ويا علا، تقلب الياء والواو ألفا، لإرادة الحركة فيهما مع انفتاح ما ~~قبلهما. PageV02P312 # وأما ما قبل آخره حرف علة متحرك، فمثاله: حولايا، وبردرايا، وجرجرايا. ~~وتقول فى ترخيم هذا الضرب فى قول من قال: يا حار: يا حولاي، ويا بردراي، ~~ويا جرجراي، فلا تحذف الياء لقوتها بالحركة، ومن قال: يا حار، أبدل الياء ~~همزة لتطرفها بعد ألف زائدة، فقال: يا حولاء، ويا بردراء، ويا جرجراء. # /فإن كان فى آخر الاسم زائدان، زيدا معا حذفتهما معا، وذلك ينقسم إلى ~~ضروب، أحدها: ما فى آخره الألف والنون الزائدان، كعثمان وعمران وسلمان ~~وحمدان ومروان. # والثانى: ما فى آخره الألف والهمزة المبدلة من ألف التأنيث، كظمياء ~~ولمياء وعفراء وأسماء، التى أصلها وسماء، مأخوذة من الوسامة، وهو الحسن ~~والجمال وليست بأسماء، جمع اسم، لأن هذه زنتها أفعال. # والثالث: ما فى آخره الياءان المزيدتان للنسب، كزيدي ومكي، علمين. # والرابع: ما فى آخره الواو والنون المزيدتان للجمع، كزيدون وحمدون. # والخامس: ما فى آخره الألف والتاء المزيدتان لجمع المؤنث، كهندات ~~وصالحات، قال الفرزدق يخاطب مروان بن الحكم: # يا مرو إن مطيتى محبوسة ... ترجو الحباء وربها لم ييأس (¬1) # وقال آخر (¬2): PageV02P313 # أفق عثم من بعض تعذالكا # وتقول فى حمراء علما وأسماء: يا حمر ويا أسم، قال: # يا أسم صبرا على ما كان من حدث ... إن الحوادث ملقى ومنتظر (¬1) # وقال عمر بن أبى ربيعة (¬2): # قفى فانظرى يا أسم هل تعرفينه ... أهذا المغيرى الذى كان يذكر # وتقول فى مكى: يا ms368 مك ويا مك، وفى حمراوى اسم رجل أو امرأة: # يا حمراو، فى لغة من قال: يا حار، فلا تحذف إلا ياء النسب، كما لم تحذف ~~من مرجانة ومكية إلا تاء التأنيث، وتقول فى لغة من ضم: يا حمراء، تقلب ~~الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة. # وأهل التحقيق من البصريين يقولون: لو سميت بحمراء هذه المرخمة لصرفتها/فى ~~التنكير، لأن همزتها ليست منقلبة عن ألف التأنيث، وإنما هى منقلبة عن واو ~~منقلبة عن همزة منقلبة عن ألف. # ومما استجيز ترخيمه من النكرات المقصود قصدها كل مؤنث بالتاء، كقولك فى ~~جارية وجالسة: يا جارى هلمى، ويا جالس قومى، وجاء عليه قوله (¬3): PageV02P314 # جارى لا تستنكرى عذيرى ... سيرى وإشفاقى على بعيرى # العذير: الأمر الذى يحاوله الإنسان فيعذر فيه، أى لا تستنكرى ما أحاوله ~~معذورا فيه، وقد فسره بالبيت الثانى، ويقولون: من عذيرى من فلان؟ أى من ~~ينتحى باللائمة عليه، ويعذرنى فى أمره. # ولم يأت ترخيم منكر (¬1) قصد قصده إلا ترخيم «صاحب» وذلك لكثرة استعماله، ~~وتشبيهه بالعلم؛ من حيث وهنه النداء بالبناء، فاستجازوا فيه: # يا صاح، ولا يجوز: يا صاح، لأن من يضم المنادى يجعله بعد الحذف كاسم قائم ~~بنفسه، لا دلالة فيه على المحذوف، فلم تحتمل النكرة أن يفعل بها هذا، قال ~~امرؤ القيس (¬2): # أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين فى حبى مكلل # الحبي: السحاب المشرف. # والمكلل: الذى بعضه على بعض. # وأما النكرات التى لم يقصد قصدها، فلم يجز ترخيمها لشياعها، وأنها معربة، ~~وكذلك المضاف كقولك: يا جعفر تميم، لم يجز ترخيمه؛ لأنه معرب فى النداء، ~~ولأن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، فآخر المضاف بمنزلة وسط الاسم، ووسط ~~الاسم لا يرخم، ولا يجوز أن يرخم المضاف إليه؛ لأنه ليس بمنادى. # وأجاز الكوفيون ترخيم المضاف إليه، وأنشدوا شاهدا عليه: # خذوا حذركم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرحم بالغيب تذكر (¬3) PageV02P315 # /رخم عكرمة، فأجازوا على هذا فى سعة الكلام: يا أبا (¬1) عرو أقبل، وهذا ~~لا يجيزه البصريون إلا فى الشعر، ومثله مما أنشده البصريون: # ألا ما ms369 لهذا الدهر من متعلل ... عن الناس مهما شاء بالناس يفعل (¬2) # وهذا ردائى عنده يستعيره ... ليسلبنى عزى أمال بن حنظل # أراد: يا مالك بن حنظلة، فرخم حنظلة، على لغة من قال: يا حار، فجعله اسما ~~قائما بنفسه متصرفا، فخفضه بعد الترخيم، لخروجه عن النداء. # الآصرة: القرابة، أو إسداء منة، يقال: ما يعطفنى على فلان آصرة، أى ما ~~يعطفنى عليه قرابة ولا منة أسداها إلي، والعرب تقول: فلان يستعير رداء ~~فلان، إذا أراد أن يبقى بعده، وفلان قد استعار رداء أخيه، إذا بقى بعده. # ومما رخمته العرب فى غير النداء، فضالة وكلدة، فى قول أوس بن حجر (¬3): # وفدت أمى وما قد ولدت ... غير مفقود فضال بن كلد # ومنه قول آخر: # أرق لأرحام أراها قريبة ... لحار بن كعب لا لجرم وراسب (¬4) # وأنشد أبو العباس المبرد: # على دماء البدن إن لم تفارقى ... أبا حردب ليلا وأصحاب حردب (¬5) PageV02P316 # قال: والاسم حردبة، فرخمه على لغة من قال: يا حار، ومنع المبرد (¬1) من ~~الترخيم فى غير النداء على لغة من قال: يا حار، بالكسر، وأنشد بيتا أنشده ~~سيبويه مرخما فيه «أمامة»، على هذا المذهب، وهو: # ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أماما (¬2) # قال: هكذا وضعه سيبويه، ولا وجه له، وإنما الشعر: # وما عهد كعهدك يا أماما # وأنشد المبرد قول عنترة (¬3): # يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر فى لبان الأدهم # بضم الراء وفتحها، ثم قال: وذهب أحد من يقول: «عنتر والرماح» إلى أن اسمه ~~عنتر فى أصل وضعه، ولم تكن فيه هاء التأنيث، قال: وكذلك يقولون فى قول ذى ~~الرمة (¬4): # ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب PageV02P317 # إنه كان مرة يسميها ميا، ومرة يسميها مية (¬1). # قال: ويجوز أن يكون أجراه فى غير النداء على: يا حار، ثم صرفه لما احتاج ~~إلى صرفه، قال: وهذا الوجه عندى، لأن الرواة كلهم ينشدون: # فيا مي ما يدريك أين مناخنا ... معرقة الألحى يمانية سجرا (¬2) # انتهى كلامه. # وأقول: إن من زعم فى روايته «يدعون عنتر والرماح» أن الأصل: ms370 عنتر، فزعمه ~~محال، لقوله (¬3): # أنا الهجين عنتره ... كل امرئ يحمى حره # أسوده وأحمره ... والشعرات الواردات مشفره # والوجه عندى: يدعون عنتر، مفتوح الراء، وذلك يحتمل وجهين. # أحدهما: أن يكون منادى مرخما على لغة من يقول: يا حار، بالكسر، لأن ~~الدعاء قول، فكأنه قال: يقولون يا عنتر، وحذف حرف النداء، كما جاء فى ~~التنزيل: {فاطر السماوات والأرض أنت وليي} (¬4). # والوجه الثانى: أن لا يكون منادى، بل يكون مفعولا، والناصب له يدعون، فى ~~غير النداء، على: يا حار، كما قال أوس بن حجر: «فضال بن كلد» وكما قال ~~الآخر: «لحار بن كعب (¬5)» PageV02P318 # وأما من قال: يدعون عنتر، بالضم، فرخم على لغة من قال: يا حار، كما تقول: ~~/يا طلح أقبل. # وأما قول ذى الرمة: «إذ مي تساعفنا» فيحتمل الوجهين اللذين ذكرهما ~~المبرد. # أحدهما: أنه كان يسميها مرة مية، ومرة ميا، فيصرف «ميا» كما يصرفون دعدا، ~~لأنه ثلاثي ساكن الأوسط، ويجوز أن يكون مرخما فى غير النداء، على لغة من ~~قال: يا حار، وصرفه كما صرف الآخر حنظلة، فى قوله: «أمال بن حنظل» وكما قال الآخر: # أبا حردب ليلا وأصحاب حردب (¬1) # واعلم أن الشاعر إذا اضطر إلى الترخيم فى غير النداء، فإنه من الضرورات ~~المستقبحة؛ لأن الترخيم إنما يستحقه المنادى، وليس كل منادى يرخم، وإذا لم ~~يكن كل منادى يرخم، فغير المنادى بعيد من الترخيم، فمن اضطر إليه فجعل ~~الاسم قائما بنفسه، فهو أسهل؛ لأنه كأنه غير مرخم إذا لم يبق فيه للترخيم ~~دلالة، كقوله: # أبا حردب ليلا وأصحاب حردب # ومن ترك فيه دلالة على الترخيم، فقد أساء؛ لمخالفته للأصول، وإنما يجوز ~~فى الضرورات مراجعة الأصول، كصرف مالا ينصرف، وكقصر الممدود؛ لأن القصر هو ~~الأصل، كما أن الصرف فى الاسم هو الأصل، فإذا رخمت فى غير النداء على قول ~~من قال: يا حار، بالضم، فهو الأوجه؛ لأن من يقول هذا يجعل الاسم بمنزلة ما ~~لم يحذف منه شيء، فهو لا يريد المحذوف، فهذا أشبه بالخبر، فإذا وقع الحذف PageV02P319 # منه على لغة من يقول: يا ms371 حار، فالمحذوف مراد، فالخبر والنداء يتجاذبانه، ~~فالنداء يجذبه من قبل اللفظ، والخبر يجذبه من جهة المعنى، وسيبويه أجاز ذلك ~~فى الشعر، على بعده، وأنشد عليه: # وأضحت منك شاسعة أماما (¬1) # على ما سمعه من العرب، وإن كان بعيدا فى القياس، وفيما أنشده سيبويه أيضا ~~من هذا قوله: # أتانى عن أمي نثا حديث ... وما هو في المغيب بذى حفاظ (¬2) # وأنشد: # إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا (¬3) # وأنشد لابن أحمر: # أبو حنش يؤرقنى وطلق ... وعمار وآونة أثالا (¬4) # قال: أراد: أثالة # وقال بعض اللغويين: ليس فى العرب أثالة علما، وإنما هو أثال، سمى بجبل ~~يقال له: أثال (¬5). # وقال المبرد: ذهب سيبويه إلى أن أثالا مرخم، وليس القول عندى كما قال، ~~ولكنه نصبه لأنه مفعول معطوف على ما قبله من الضمير المنصوب. PageV02P320 # فهذا القول من المبرد وفاق لقول من زعم أنه ليس فى العرب أثالة علما، فإن ~~صح هذا فقد بطل كونه مرخما، وبطل أيضا قول أبى العباس إنه مفعول معطوف على ~~المضمر المنصوب فى قوله: «يؤرقنى» لأن أثالا من الجماعة المؤرقين لابن ~~أحمر، فلم يرد يؤرقنى ويؤرق أثالا، فإنما ذكر عظيم ما يلاقيه لفراق هؤلاء ~~المذكورين من الشوق والسهر، إن كانوا فارقوه أحياء، أو ما يلاقيه من الهم ~~والحزن، إن كانوا فارقوه بالموت، كما قال بعض رواة شعره، ولم يخبر ابن أحمر ~~بما فى قلب أثال، وما يقاسيه من الأرق أوانا بعد أوان، لفراق أبى حنش وطلق وعمار. # وإذا بطل قول سيبويه، وقول أبى العباس أن أثالا من المؤرقين، وثبت أنه من ~~المؤرقين، فانتصابه بفعل مضمر دل عليه الكلام، تقديره: وأتذكر آونة أثالا، ~~وقد مر بى أن الأثالة من الشىء بقيته، إلا أنهم نصوا على أن العرب لم يسموا به. # وزعم بعض رواة الشعر وأخبار العرب، أن هؤلاء الأربعة أصيب بهم ابن أحمر. # وقال راوية آخر: ليس الأمر على ما قال؛ لأن فى الشعر الذى فيه هذا البيت ~~ما يدل على أنهم فارقوه أحياء، /وذلك قوله: # وأيام المدينة ms372 ودعونا ... فلم يدعوا لقائلة مقالا (¬1) # فأية ليلة تأتيك سهوا ... فتصبح لا ترى منهم خيالا # ليلة سهو: أى لينة ساكنة، وقوله: «أية ليلة» استفهام مراد به النفى، أى ~~ما من ليلة تأتيك ساكنة ليس فيها مانع من الرقاد إلا وأنت ترى فيها ~~خيالاتهم، ثم قال: # أبو حنش يؤرقنى وطلق ... وعمار وآونة أثالا PageV02P321 # أراهم رفقتى حتى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا # تجافى الليل: تقضى، وانخزل: انقطع. # إذا أنا كالذى يسعى لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا # أراد: أراهم فى المنام كأنهم رفقة لى، فإذا تقضى الليل كنت كساع إلى سراب ~~ظنه ماء، فلم يدرك ما يبل شفته. # ثم مدحهم فقال: # غطارف لا يصد الضيف عنهم ... إذا ما طلق البرم العيالا # غطارف: جمع غطريف، وهو السيد المفتخر، يقال: تغطرف، إذا افتخر، وكان حق ~~جمعه غطاريف، فحذف الياء، كما حذفها الآخر من الخلاخيل، فى قوله: # لم يبق إلا الغبط والخلاخل (¬1) # الغبط: جمع غبيط، وهو المحمل، قال (¬2): # تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل # أى لم تدع شدة السير إلا المحامل والخلاخل، وبالعكس من حذف الياء من ~~لغطاريف والخلاخيل، إثباتها فى الصياريف من قوله: # تنفى يداها الحصى فى كل هاجرة ... نفى الدراهم تنقاد الصياريف (¬3) PageV02P322 # وقد روى بعضهم: نفي الدراهيم، وهذا يقوله من يأبى طبعه الزحاف. # وقوله: / «لا يصد الضيف عنهم» أى ينزل بهم الضيف إذا طلق البرم عياله، ~~وذلك فى سنة الجدب؛ لأن البرم هو الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر، فيقامر ~~فى نحر الجزر لشحه. # أرى ذا شيبة حمال ثقل ... وأبيض مثل صدر السيف نالا # رجل نال: إذا كان ذا نائل، كقولهم: رجل مال: إذا كان كثير المال، وما جاء ~~من هذا الضرب فأصله: فعل، نول ومول، ومثله: يوم طان، ويوم راح، أى ذو طين ~~وذو ريح. # وبيض لم يخالطهن فحش ... نسين وصالنا إلا سؤالا # أى تركن وصالنا إلا السؤال عنا، ومثل نسين بمعنى تركن، قوله تعالى: # {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي} (¬1) أى ترك، ومثله: ms373 {نسوا الله ~~فنسيهم} (¬2) أى تركوا طاعة الله فتركهم من رحمته. # وجرد يعله الداعى إليها ... إذا ركب الفوارس أو متالا (¬3) # يعله إليها: أى يذهب قلبه إليها، يقال: رجل علهان، وامرأة علهى. # وقوله: أو متى لا، أراد: أو متى لم يركبوا، فوضع «لا» فى موضع «لم» وحذف ~~الجملة، ومثل وضعه «لا» فى موضع «لم» قول الآخر (¬4): PageV02P323 # لاهم إن الحارث بن جبله ... زنى على أبيه ثم قتله # وكان فى جاراته لا عهد له ... فأي أمر سيئ لا فعله # أى لم يفعله، ومثله فى التنزيل: {فلا اقتحم العقبة} (¬1) أى فلم يقتحم، ~~وأجود ما يجيء ذلك مكررا، كقوله: {فلا صدق ولا صلى} (¬2) أى: فلم يصدق ولم ~~يصل، ومنه قول الراجز: # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما (¬3) # /أى لم يلم بالذنوب. # وقوله: «زنى (¬4) على أبيه» أى زنا بامرأته. # فهذا ما أدى إليه بيت عمرو بن أحمر الباهلي، من الفوائد، وإن كان قد تقدم ~~ذكر هذا البيت فيما أمليته قبل (¬5). # وأما قول عنترة: «أنا الهجين» فالهجين: الذى أبوه عربي وأمه غير عربية. # وقوله: # كل امرئ يحمى حره # أراد يحمى نساءه، فكنى عن النساء بما لا يكون إلا لهن. # وقوله: # أسوده وأحمره PageV02P324 # أراد سودهن وبيضهن، لأنهم إذا قالوا: الأسود والأحمر، أرادوا بالأحمر ~~الأبيض، وقال النبي عليه السلام: «بعثت إلى الأسود والأحمر (¬1)». # وأما قول ذى الرمة: # أيا مي ما يدريك أين مناخنا ... معرقة الألحى يمانية سجرا # فقوله: «مناخنا» معناه: إناختنا، كقولهم: المقام بمعنى الإقامة، والمدخل ~~والمخرج، بمعنى الإدخال والإخراج، كما جاء فى التنزيل: {وقل رب أدخلني مدخل ~~صدق وأخرجني مخرج صدق} (¬2). # ونصب «معرقة» بالمصدر الذى هو المناخ. # والألحى: جمع اللحى (¬3). # ومعرقة: من قولهم: عرقت العظم: إذا أخذت ما عليه من اللحم. # والسجر: جمع سجور، وهى الحنون من النوق، يقال: سجرت الناقة: # إذا حنت إلى ولدها (¬4) وإلى عطنها الذى ألفته، ويجوز أن تكون السجر جمع ~~سجراء، PageV02P325 # وهى البيضاء التى تخالط بياضها حمرة، ويقال أيضا: عين سجراء، إذا كانت ~~بهذا الوصف. # ... PageV02P326 ### | CHECK المجلس السادس والخمسون (¬*) يتضمن مسائل ms374 الترخيم # المجلس السادس والخمسون (*) # يتضمن مسائل الترخيم # ، وما يتصل بها، وما لم تستعمله العرب إلا فى النداء. # كنت حددت المذهب المختار من مذهبى الترخيم، فقلت: من العرب من يحذف آخر ~~الاسم، ويترك ما قبله على حركته أو سكونه، إلا أن يؤدى/السكون إلى الجمع ~~بين ساكنين، فيلزم حينئذ التحريك، ووعدت ببيان ذلك. # وبيانه أنك إذا سميت بماد أو شاد، وناديته ورخمته على اللغة المختارة، ~~التقى بعد حذف الطرف ساكنان، على أحد الشرطين فى التقاء الساكنين، وهما كون ~~الأول حرف مد ولين، والثانى مدغما، فوجب لذلك التحريك، ولا يخلو المدغم أن ~~يكون فى الأصل مكسورا أو مفتوحا أو مضموما، فإن كان أصله الكسر، أعدت إليه ~~كسرته، وإن كان أصله الفتح أو الضم، أعدت إليه حركته، فقلت فى شاد: # يا شاد أقبل، فكسرت الدال؛ لأن أصله شادد، ومثله اسم الفاعل من السباب، ~~تقول: يا مساب، فإن أردت اسم المفعول منه، قلت: يا مساب، ففتحت الباء، لأن ~~أصله مسابب، فإن سميته بتساب، مصدر تساب القوم، قلت: يا تساب، فضممت، لأن ~~أصله: تسابب. PageV02P327 ### || AUTO مسألة # إن سميت بقاضون ونحوه، فناديته ورخمته، حذفت الواو والنون، لأنهما ~~زائدان، زيدا معا، وأعدت ياء قاض؛ لأنك إنما حذفتها من قاضون لسكونها بعد ~~حذف حركتها وسكون الواو، فلما حذفت للترخيم الحرف الذى لأجله حذفتها، ~~رددتها، فقلت: يا قاضى (¬1). # ... PageV02P328 ### || AUTO مسألة # إن سميت بطيلسان، فى لغة من كسر (¬1) لامه، وفتحها أجود، قلت فى ترخيمه، ~~فى المذهب المختار: يا طيلس تعال، ولا يجوز: يا طيلس، بالضم، لأنك تجعله فى ~~هذه اللغة اسما قائما بنفسه، وليس فى كلامهم فيعل صحيح العين، إنما جاء ذلك ~~فى المعتل، كسيد وميت وهين ولين، وقد تقدم ذكر هذا (¬2). # فإن رخمته فى لغة من قال: طيلسان، ففتح اللام، جاز ترخيمه على اللغتين؛ ~~لأن مثال فيعل متسع/في الصحيح، كجيدر، وصيرف، وضيغم، وقد تقدم ذكر هذا أيضا. # فإن سميته هيبان، رخمته على اللغة المختارة، فقلت: يا هيب، ولم يجز: # يا هيب بالضم، لأنه ليس فى الكلام فيعل معتل العين، وإنما ms375 جاز ذلك فى لغة ~~من قال: يا حار، لأن الألف مرادة، بدلالة الفتحة عليها، وكذلك إن سميته ~~بريهقان، لم يجز ترخيمه على لغة من قال: يا حار، لأنه ليس فى الصحيح ولا ~~المعتل اسم على مثال فيعل. # وأجاز أبو سعيد السيرافى: يا طيلس، بكسر اللام، على لغة من ضم آخر ~~المرخم، وإن لم يكن فى الصحيح اسم على فيعل، قال: كما جاز: يا منص، فجىء به ~~على مفع، وليس مثله فى الكلام. وهذا تشبيه فاسد؛ لأنه شبه مثالا تاما بمثال ~~ناقص، محذوف اللام، وإنما يشبه التام بالتام، كتشبيه طيلس بحيدر. # الريهقان: الزعفران. PageV02P329 # والهيبان: الجبان، والهيبان: لغام البعير، والهيبان: الراعى. # وقد (¬1) تقدم أن الجيدر الرجل القصير. # والصيرف: المتصرف فى الأمور. والضيغم: الأسد، أخذوه من الضغم، وهو العض. # ... PageV02P330 ### || AUTO مسألة # إن سميت بهبيخ وقنور (¬1)، فرخمت قلت: يا هبى، ويا قنو، فحذفت طرفيهما؛ ~~الخاء والراء، فإن ألحقتهما تاء التأنيث قلت فى هبيخة: يا هبيخ، وفى قنورة: ~~يا قنور، حذفت التاء وحدها؛ لأن تاء التأنيث على ما عرفتك بمنزلة الاسم ~~المضموم إلى الصدر. # ولا يخلو هبيخ أن يكون مثاله فعيل، أو فعيلل، وكذلك قنور: فعول، أو ~~فعولل، ولا يجوز فيهما فعيلل وفعولل، كسميدع وفدوكس؛ لأن الياء والواو لا ~~تكونان أصلا فى بنات الأربعة، إلا أن يكون فى الكلمة تضعيف، كصيصية، ~~وفيفاء، ووزوزة، وضوضاء، فثبت أنهما فعيل وفعول (¬2)، ملحقان بدلهمس ~~وسفرجل. # /الهبيخ: الوادى العظيم (¬3)، والهبيخة: الجارية. # والقنور: السيئ الخلق، وقيل القنور: الضخم، والأول هو الأعرف. # والصيصية: واحدة الصياصى، وهى الحصون، والصيصية: القرن، وصيصية الديك ~~معروفة. # والوزوزة: سرعة الوثب، ورجل وزواز: خفيف. # والفيفاء: المفازة (¬4). # والضوضاء: الجلبة. PageV02P331 # وأصل الفيفاء على هذا القول: فيفاى، كما أن الضوضاء أصلها: ضوضاو (¬1). # ومن قال: الفيف، فهمزة الفيفاء (¬2) للتأنيث، فوزنها فعلاء، وفى القول ~~الأول وزنها فعلال، مصروفة، وكونها مضاعفة أوجه؛ وذلك لقلة (¬3) باب سلس وقلق. # والدلهمس: الأسد، والسميدع: السيد، والفدوكس: الشديد، فى قول ثعلب، وقال ~~أبو زيد: هو الغليظ الجافى، وقد نظمت فيه بيتا لئلا يشذ عن الحفظ، وهو: # فدوكس عن ثعلب ms376 شديد (¬4) ... وعن أبى زيد غليظ جافى # ... PageV02P332 ### || AUTO مسألة # إن سميت بحبلوى، لم يجز ترخيمه على لغة من قال: يا حار، بالضم، لأنه ~~يلزمك إذا حذفت ياءي النسب أن تضم الواو، فتقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما ~~قبلها، فتقول: يا حبلى، فتصير ألف فعلى منقلبة، وألف فعلى لم تكن قط إلا ~~زائدة للتأنيث، لا أصل لها. # قال: أبو العباس المبرد (¬1): فإن قال قائل: فيكون ألف حبلى هذه لغير ~~التأنيث؛ لأنها ترخيم حبلوي. # قيل: هذا محال؛ لأن فعلى لم تستعمل لغير التأنيث. # وقوله هذا محتاج إلى تفسير، وذلك أن هذا المثال مخالف لمثال فعلى وفعلى؛ ~~لأن هذين المثالين قد جاءت ألفاهما للتأنيث وللإلحاق، فألف علقى وأرطى ~~للإلحاق بسلهب وشرجب، وألف معزى وذفرى للإلحاق بدرهم وهجرع، ودل على ذلك ~~شيئان؛ أحدهما صرفهن، والآخر: قولهم فى واحدة العلقى والأرطى/علقاة وأرطاة، ~~فلو كانت الألف للتأنيث لم تحلقها تاء التأنيث. # فأما مجىء ألفها للتأنيث، ففى نحو الغضبى والشبعى والشكوى والدفلى ~~والشعرى والذكرى، والفعلى مباينة لهما؛ فى مجىء ألفيهما للإلحاق؛ لأنه لم ~~يأت مثال فعلل فيكون ألفها للإلحاق به، فخلصت ألف حبلى وأنثى وخنثى وصغرى ~~وكبرى ونظائرهن للتأنيث. # فإن قيل: قد جاء عنهم برقع وجخدب وجندب وقعدد وجؤذر. # قيل: إنما روى الفتح فى لامات هذه الأسماء الأخفش أبو الحسن، وأبى سيبويه ~~إلا الضم. PageV02P333 # العلقى: شجر، وكذلك الأرطى: شجر من شجر الرمل يدبغ به. # والهجرع: الكلب الخفيف، والرجل الطويل الأحمق. # والسلهب: الفرس الطويل. . # والشرجب: الرجل الطويل. # والذفرى: أصل الأذن من خلفها. # والقعدد: أقرب القوم إلى جدهم، والقعدد أيضا: اللئيم، سمى بذلك لقعوده عن ~~المكارم. # والجندب: الجراد. # والجخدب: الجرادة الذكر. # والجؤذر: ولد البقرة الوحشية. # ... PageV02P334 ### || AUTO مسألة # إن سميت باسم فى آخره ألف ونون زائدان، قبلهما واو، كقطوان ونزوان، أو ~~ياء، كصميان وغليان، حذفت فى ترخيمه الألف والنون، وتركت الواو والياء على ~~فتحهما، فى اللغة المختارة، فقلت: يا قطو، ويا نزو، ويا صمى، ويا غلى، فلم ~~تغيره لأن الألف مرادة. # فإن رخمته على اللغة الأخرى، قلبت الياء والواو ألفين؛ لأنك قدرت ms377 الضمة ~~فيهما، فجعلتهما منتهى الاسم، فقلت: يا قطا، ويا نزا، ويا صما، ويا غلا. # /القطوان: البطيء فى مشيه، حمار قطوان، أخذ من القطو، وهو تقارب الخطو. # والصميان: الشجاع، وقيل: هو الأهوج الشديد الذى لا يهاب. # والنزوان: مصدر نزا الفحل على الأنثى. # ... PageV02P335 ### || AUTO مسألة # إن سميت بترقوة وعرقوة، قلت على لغة من قال: يا حار: يا ترقو، ويا عرقو، ~~فلم تغير الواو؛ لأنها، وإن تطرفت، بمنزلة المتحصن، لتقدير تاء التأنيث ~~بعدها، من حيث دلت الفتحة عليها، وتقول على اللغة الأخرى: يا ترقى، ويا ~~عرقى؛ لأنك أردت: يا ترقو، ويا عرقو، بضم الواو، لجعلك المرخم اسما على ~~حياله، فوجب إبدال الضمة كسرة، وقلب الواو ياء، كما فعلت فى أدل وقلنس، ~~كراهة لوقوع واو قبلها ضمة فى آخر اسم مظهر، وقد تقدم شرح (¬1) هذا. # فإن سميته شقاوة أو نهاية، قلت فى ترخيمه على اللغة العليا: يا شقاو، ويا ~~نهاي، فأقررت الواو والياء، فلم تهمزهما لأنهما فى التقدير غير متطرفين، ~~وذلك لدلالة الفتحة على تاء التأنيث، وقلت فى ترخيم اللغة الأخرى: يا شقاء، ~~ويا نهاء، فهمزت الواو والياء لتطرفهما بعد ألف زائدة، كما فعلت ذلك فى ~~كساء ورداء، وهما من الكسوة والردية. # الترقوتان: العظمان المشرفان فى أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر. # والعرقوة: الخشبة المعروضة على الدلو. # ... PageV02P336 ### || AUTO فصل # يتضمن ما اختص به النداء # فمما لم يجيء إلا فى النداء: فل، فى قولهم: يا فل أقبل، لم يستعملوه إلا ~~مضموما. # قال أبو العباس المبرد (¬1): وليس بترخيم فلان، لأنه لو كان ترخيمه لقيل: # يا فلا، كما تقول فى ترخيم حباب وهلال: يا حبا ويا هلا، قال: ومما يزيد ~~ذلك وضوحا/قولهم فى مؤنثه: يا فلة أقبلى، قال: وقد جاء فى غير النداء فذا ~~فى قوله (¬2): # فى لجة أمسك فلانا عن فل # اللجة: الجلبة. # وذكر أبو العباس هذا الاسم مع الأسماء الوصفية التى جاءت على مثال فعل فى ~~معنى فاعل أو فعيل، وخصوا بها النداء إلا فى الشذوذ، كقولهم: يا فسق، ويا ~~خبث، فكأن ms378 أصله عنده فلو، بوزن فسق، فحذفوا الواو وضموا اللام فى النداء، ~~كما يضمون القاف إذا قالوا: يا فسق. # وأقول: إنه، وإن لم يكن أصله فلان، فإنه بمعناه، وإنما استحسنوا ترخيمه، ~~وإن لم يكن علما، لأن هذا الاسم-أعنى فلانا-كناية عن الأعلام، ومن ذلك ~~قولهم: يا هناه، لم يستعملوا هذه اللفظة فى غير النداء، فهى بمنزلة قولهم: PageV02P337 # يا نومان ويا ملأمان، يريدون: يا لئيم، فعدلوا عن فعيل إلى مفعلان، ~~للمبالغة فى لؤمه، وكذلك يا مكذبان ويا مخبثان، عدلوهما عن كاذب وخبيث، ولا ~~يقال: هذا هناه، ولا مررت بهناه، وإنما يكنون بهذه الكلمة عن اسم نكرة، كما ~~يكنون بفلان عن الاسم العلم، وهى مع ذلك كلمة ذم، قال امرؤ القيس (¬1): # وقد رابنى قولها يا هنا ... ه ويحك ألحقت شرا بشر # فمعنى يا هناه: يا رجل سوء. # واختلف البصريون فى أصل تركيب هذه الكلمة ووزنها، فذهب بعضهم (¬2) إلى أن ~~أصلها هناو، فعال من هنوك، فأبدلوا من الواو الهاء. # وقال آخرون: بل أبدلت من الواو الهمزة، لوقوع الواو طرفا بعد ألف زائدة، ~~ثم أبدلت من الهمزة الهاء، كما قالوا فى إياك: هياك، وهذا عندى هو الصواب. # وقال قوم منهم: إن الهاء أصلية، وليست ببدل، وجعلوها من الكلم التى جاءت ~~لامها فى لغة هاء، وفى أخرى واوا، كسنة وعضة. # وقال من رغب عن هذا/المذهب: إن هذا القول ضعيف؛ لأن باب «سلس وقلق (¬3)» ~~قليل فلا يقاس عليه. # وذهب بعضهم إلى أن الهاء فى قولهم: يا هناه، هاء السكت، وهذا قول ضعيف ~~جدا، لأن هاء السكت لا تحرك فى حال السعة. PageV02P338 # وقال الفراء وغيره من الكوفيين-وهو مذهب أبى الحسن الأخفش، وأبى زيد ~~الأنصارى-: إن الألف والهاء زائدان، ولام الكلمة محذوفة، كما حذفت فى هن ~~وهنة، فوزنها على هذا القول: فعاه، وقد رد هذا القول ابن جنى فى الكتاب ~~اللطيف التصريفي، الذى سماه (الملوكى) (¬1)، ولم يذكر الوجه فى رده. # وعلى هذا المذهب تأتى مسائل التثنية والجمع فى المذكر والمؤنث، والألف ~~والهاء فى كونهما زائدين فيه، كالألف والهاء فى الندبة، ms379 إلا أن هذه الهاء ~~ليست بهاء السكت لما ذكرناه، فإذا ثنيت على هذا قلت: يا هنانيه أقبلا، ~~فالألف فى هنانيه علامة التثنية، وصارت ألف هناه بعد نون التثنية ياء، ~~لانكسار النون، ثم انكسرت الهاء لمجاورة الياء، كما انكسرت هاء الضمير فى ~~عليه وإليه، ونحوهما، وتقول فى الجمع: يا هنوناه أقبلوا، فالواو علامة ~~الجمع، وثبتت ألف هناه بعد نون الجمع؛ لانفتاح النون، وبقيت الهاء على ضمتها. # فإن قيل: كيف جاز جمع هذا الاسم بالواو والنون، وهو بمعنى رجل، ونحن لا ~~نقول: رجلون؟. # فالجواب: أنه إنما جاز ذلك فيه، لأنه فى هذا القول، من الأسماء التى ~~دخلها التغيير بحذف لاماتها، فعوضوها الجمع بالواو والنون، على حد قولهم فى ~~جمع سنة: سنون. # وتقول فى تأنيثه: يا هنتاه أقبلى، كما تقول: يا مرأة، فإذا ثنيت قلت: # يا هنتانيه أقبلا، صارت الألف التى فى هنتاه ياء، لانكسار نون التثنية ~~قبلها، وانكسرت الهاء، لما تقدم ذكره من وقوعها بعد الياء الساكنة. # وإذا جمعت/قلت: يا هناتوه أقبلن، فالألف فى هناتوه ألف جمع التأنيث، ~~وانقلبت ألف هنتاه واوا لانضمام التاء قبلها، كما تنضم فى قولك: يا ثبات PageV02P339 # أقبلن، وانحذفت التاء التى في هنتاه، لمجيء تاء جمع التأنيث بعدها، كما ~~انحذفت تاء مسلمة في مسلمات (¬1). # ومما خصوا به النداء، قولهم: اللهم (¬2)، ولم يستعملوا فيه حرف النداء، ~~إلا أن يضطر شاعر، كما قال: # إنى إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما (¬3) # وإنما لم يجمعوا بين الميم وحرف النداء؛ لأنهم إنما ضموا الميم إلى هذا ~~الاسم، تعالى مسماه، عوضا من حرف النداء. هذا قول البصريين، وهو الصواب، لا ~~ما ذهب إليه يحيى بن زياد الفراء، من قوله: إن هذه الميم مأخوذة من فعل، ~~وأنهم أرادوا: يا الله أمنا بخير، أى اقصدنا، فخذفوا همزة «أم» تخفيفا. # وهذا القول يبطل بما سأذكره لك، فلك أن تقول: يا الله، بقطع الهمزة، ويا ~~الله، بوصلها، ولك أن تقول: اللهم، وإنما ثقلوا الميم، ليعوضوا حرفين من حرفين. # وقال أبو على فى مذهب الفراء: ليس ms380 هذا القول بشىء، لقول الله عز وجل: ~~{وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة} (¬4) فلو ~~كان المراد: يا الله أمنا، لأغنى هذا الفعل عن جواب الشرط، وكانت الميم ~~سادة مسد الجواب، كما تقول: يا ربنا قابل فلانا إن كان باغيا. PageV02P340 # وأقول: إن هذه الآية تدفع قول الفراء من الوجه الذى ذكره أبو علي، وتدفعه ~~أيضا من قبل أن التقدير عنده: يا الله أمنا بخير، ثم جاء بعد هذا {فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} فالكلام الآخر ينقض الأول، على ~~ما قدره الفراء. # ودفع أبو علي قول الفراء بشىء آخر، وهو أنه قال: لو كان المراد ما قاله، ~~لما حسن: اللهم أمنا بخير، وفى حسنه دليل على أن الميم ليست/مأخوذة من أم، ~~إذ لو كانت مأخوذة منه لكان فى الكلام تكرير، ثم قال: والاستدلال بالآية ~~فيه كفاية. # وأقول: إن هذا الاسم مخالف للأسماء الأعلام، فى جواز حذف حرف النداء ~~منها، فيجوز: زيد أقبل، كما جاء {يوسف أعرض عن هذا} (¬1) ولا يجوز: الله ~~اغفر لى، وإنما لم يجز أن ينادى بغير حرف النداء، لأن أصله: الإلاه، على ما ~~بينته لك فيما تقدم (¬2)، فإذا (¬3) قلت: الله اغفر لى، فكأنك قلت: الإله ~~اغفر لى. # وإذا ثبت أنه لا يجوز: الله اغفر لى، حتى تقول: يا الله، أو تقول: اللهم، ~~علمت أن الميم عوض من حرف النداء. فهذا دليل قاطع بأن الذى ذهب إليه ~~البصريون هو الصحيح. # ومما لم يستعملوه إلا فى النداء إدخال تاء التأنيث على الأب والأم، تقول: # يا أبت لا تفعل، ويا أمت لا تفعلى، كما جاء فى التنزيل: {يا أبت لا تعبد ~~الشيطان} (¬4) و {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك} (¬5) ولا يجوز ~~الجمع فيهما بين تاء PageV02P341 # التأنيث وياء المتكلم، لا تقول: يا أبتى، ولا يا أمتى؛ لأن تاء التأنيث ~~فيهما صارت عوضا من الياء (¬1). # فإن قيل: فقد جاء يا أبتا، ويا أمتا، وأنشدوا فيه قول الراجز: # يا أبتا ms381 علك أو عساكا (¬2) # وأنشدوا قول جارية من العرب: # يا أمتا أبصرنى راكب ... يسير فى مسحنفر لا حب (¬3) # فقمت أحثو الترب فى وجهه ... عمدا وأحمى حوزة الغائب # فقالت أمها: # الحصن أولى لو تأييته ... من حثيك الترب على الراكب (¬4) # قيل: إنما جاز: يا أبتا ويا أمتا، ولم يجز: يا أبتى، ويا أمتى، وإن كانت ~~الألف مبدلة/من الياء؛ لأن إبدال الألف من الياء يخرجهما من صريح الإضافة، PageV02P342 # لتغير لفظ الياء، ولشبه الألف بألف الندبة، فكما جاز: وا أبتاه، ووا ~~أمتاه، جاز: يا أبتا ويا أمتا. # فإن قيل: فقد قالوا: يا عمتى، ويا خالتى، فهلا جاز ذلك فى يا أبت ويا أمت. # قيل: إنما جاز ذلك فى العمة والخالة؛ لأن دخول تاء التأنيث فيهما ليس ~~بمختص بالنداء، وإذا كان دخولها فيهما غير مختص بالنداء، لم تكن التاء ~~فيهما عوضا من الياء، فيكون الجمع بينهما جمعا بين العوض والمعوض. # ومن قال منهم: يا أبت ويا أمت، ففتح التاء، أراد: يا أبتا، ويا أمتا، ~~فحذف الألف اجتزاء بالفتحة. # فإن قيل: كيف دخلت تاء التأنيث على الأب، وهو مذكر؟ # قيل: ليس ذلك ببعيد، ألا ترى أنهم قالوا: رجل ربعة، ورجل صرورة، للذى لم ~~يحج، وقالوا بعكس هذا: امرأة طالق وحائض، وناقة بازل، ومهرة ضامر، قال (¬1): # عهدى بها فى الحى قد سربلت ... بيضاء مثل المهرة الضامر # وفى الوقف عليهما مذهبان: مذهب البصريين، الوقف على الهاء، كما يوقف على ~~الهاء، إذا قيل: يا عمة ويا خاله، وقال الكوفيون: الوقف عليهما: يا أبت ويا ~~أمت (¬2)؛ لأن تاء التأنيث فيهما لما كانت عوضا من ياء المتكلم، شبهوها ~~بتاء الإلحاق (¬3) فى بنت وأخت. PageV02P343 # وقال البصريون: هذا لا يلزم؛ لأن التاء فى قولهم: يا أبت، ويا أمت، مفتوح ~~ما قبلها، كما فتح فى عمة وخالة، فخالفت بذلك التاء فى بنت وأخت. # قول الجارية: # يسير فى مسحنفر لاحب # أى فى طريق بين واضح. # ويقال: حثوت التراب أحثوه، وحثيته أحثيه. # وقولها: «وأحمى حوزة الغائب». عنت بالغائب فرجها (¬1). # والحصن (¬2): العفة. # وقولها: «لو تأييته» معناه: لو تعمدته، ms382 ويروى: لو تريدينه. # ... PageV02P344 ### | AUTO المجلس السابع والخمسون # /يتضمن ذكر ما عدل عن مثال إلى مثال [للمبالغة # (¬1)] وذكر ما يتصل بذلك. # إذا أرادوا المبالغة فى الوصف، عدلوا عن بناء إلى بناء أدل على المبالغة ~~من الأول، وذلك على ضربين: ضرب استعملوه فى الخبر، وضرب اختصوا به النداء. # فعدولهم فى الخبر كعدولهم عن فاعل إلى فعيل، فى قولهم: رحيم وقدير وسميع ~~وخبير وعليم. # وعدولهم عن مفعل إلى فعيل، فى قولهم: بصير، وفى قولهم: سميع، من قول عمرو ~~بن معد يكرب: # أمن ريحانة الداعى السميع ... يؤرقنى وأصحابى هجوع (¬2) # معناه الداعى المسمع (¬3). # وعدلوا عن فاعل إلى فعلان، فى قولهم: الرحمن، فالرحمن أبلغ فى الوصف PageV02P345 # بالرحمة من الرحيم، والرحيم أبلغ من الراحم، فلشدة المبالغة فى الرحمة ~~اختص بالرحمن القديم تعالى (¬1). # ومن ذلك فعول وفعال، عدلوا إليهما عن فاعل، فى قولهم: غفور وشكور وصبور ~~وضروب، وضراب وقتال وصبار، كما جاء فى التنزيل: {لكل صبار شكور} (¬2) ~~ومثله: {علام الغيوب} (¬3). # وقال أبو طالب بن عبد المطلب، فى مدح (¬4) النبى صلى الله عليه وآله وسلم: # ضروب بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنك عاقر # ومن ذلك مفعال، كقولهم: مطعان ومطعام، فمطعان معدول عن فاعل، ومطعام عن ~~مفعل، وقالوا: امرأة ميلاد وولود، إذا وصفوها بكثرة الولاد. # ومن ذلك فعل، كفهم وأشر وحذر، والأشر: البطر، وفى التنزيل: # {كذاب أشر} (¬5) قرن فعلا/بفعال، وأنشد سيبويه (¬6): # حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار PageV02P346 # ومما اختص بالنداء عدولهم عن فاعل وفعيل إلى مفعلان، كقولهم: # يا مكذبان ويا مخبثان ويا ملأمان، يريدون: يا كاذب ويا خبيث ويا لئيم، ~~بالغوا فى وصفه بالكذب والخبث واللؤم، وقالوا: يا مكرمان، فبالغوا فى وصفه ~~بالكرم. # ومن الأمثلة التى عدلوا إليها فى النداء: فعل وفعال، كقولهم للرجل: يا ~~فسق ويا خبث ويا غدر ويا لكع، وللمرأة: يا فساق ويا خباث ويا غدار ويا ~~لكاع، ولا يكادون يستعملون شيئا من هذين الضربين فى غير النداء، إلا على ~~سبيل الشذوذ، كقوله (¬1): # أطوف ما أطوف ثم آوى ... إلى بيت قعيدته ms383 لكاع # وقولهم: يا لكع، معناه: يا لئيم، يقال: لكع الرجل لكاعة، إذا لؤم، ~~وقولهم: بنو اللكيعة، قيل: اشتقاق هذه اللفظة من اللكع، وهو الوسخ، وقال ~~رجل للحسن البصرى: يا با سعيد، إن العامة تزعم أنك تبغض عليا، فأكب يبكى ~~طويلا، ثم رفع رأسه وقال: والله لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى ~~الله على أعدائه، رباني هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قريبة، لم يكن بالنومة عن حق الله، ولا بالغافل عن ~~أمر الله، ولا بالسروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه في ما له وعليه، ~~فأشرف منها على رياض مونقة، وأعلام بينة. ذلك على بن أبى طالب يا لكع (¬2). # قوله: «مونقة» حسنة معجبة. # وجملة الأمر أن كل واحد من مثالى فعل وفعال ينقسم إلى ثمانية أقسام: # أما فعل فيكون اسم جنس، كجرذ ونغر وصرد. PageV02P347 # ويكون جمعا كغرف وظلم/وحجر. # ويكون مصدرا، كهدى وتقى وسرى. # ويكون صفة كحطم، فى قوله: # قد لفها الليل بسواق حطم (¬1) # ولبد، فى قوله تعالى: {يقول أهلكت مالا لبدا} (¬2) اللبد: الكثير. # والسواق الحطم: الذى يحطم من شدة سوقه ما يسوقه، والحطم: # الكسر. # والصرد: طائر، وكذلك النغر طائر أصغر من العصفور. # وكان فى حجر أم سليم (¬3) يتيم يكنى أبا عمير، فدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوما عليها فوجده يبكى، فقال: ما باله؟ فقالت: يا رسول ~~الله، طار نغره، فقال عليه السلام يداعبه: «يا أبا عمير، ذهب (¬4) النغير». # فهذه الأقسام الأربعة مصروفة، والأربعة الأخر معدولة. PageV02P348 # فالأول: العلم المعدول عن فاعل، كعمر، وقثم وزحل، عدلوا عمر عن عامر، ~~وقثم عن قاثم، وزحل عن زاحل، فقثم من القثم، وهو الإعطاء، يقال: # قثم له من ماله. # ويقال: زحل عن المكان فهو زاحل، إذا تنحى عنه متباطئا. # والقسم الثانى: فعل المعدول عن أفعل من كذا، وهو أخر، فأخر جمع أخرى فى ~~قوله تعالى: {وأخر متشابهات} (¬1) وفى قوله: {فعدة من أيام أخر} (¬2) ~~الأصل: من أيام أخرى، كما قال: {أإنكم لتشهدون أن مع ms384 الله آلهة أخرى} (¬3) ~~فأخر معدولة عن آخر من كذا. # ومعنى قولنا: معدولة عن آخر من كذا: أن قولك: جاءنى الهندات ونساء أخر، ~~أصله: ونساء آخر منهن، كما تقول: جاء الهندات ونساء أفضل منهن، لأن الآخر، ~~والأخرى من باب الأفضل والفضلى، والأكبر والكبرى، ولكنه شذ عن نظائره، فعرى ~~من الألف واللام، ومن «من». # والقسم الثالث: فعل، فى قولهم: جاء النساء جمع كتع بصع، فجمع معدولة عن ~~جمع، فى قول أبى عثمان المازنى؛ لأنه جعل أجمع وجمعاء، من باب أحمر وحمراء، ~~وهذا الباب قياس جمعه: فعل، كحمر وصفر، فعدلوا على قول أبى عثمان جمع ~~المفتوح/العين عن جمع الساكنة عينه. # وخالفه النحويون فى هذا القول، لمخالفة أجمع لباب أحمر، من حيث قالوا: ~~أجمعون، ولم يقولوا: أحمرون، لم يجمعوه بالواو والنون، كما لم يجمعوا مؤنثه ~~بالألف والتاء، فجمعاء عندهم كصحراء، فجمعها فى القياس جماعى، PageV02P349 # كصحارى، فجمع إذا معدولة [عن] (¬1) جماعى، وإن لم ينطقوا بجماعى. # ولو أنهم قالوا فى جمع جمعاء: جمعاوات، كان قياسا كصحراوات. # فإن قيل: فما العلة التى انضمت إلى العدل فى جمع، حتى امتنع من الصرف؟ # قيل: هى التعريف. # فإن قيل: وما وجه التعريف فيه، وليس بعلم ولا مضمر ولا اسم إشارة؟ # فالجواب: أن هذه الألفاظ الموضوعة للتوكيد، حقها الإضافة إلى ضمير غيبة، ~~كالكل والنفس والعين، فى قولك: جاء القوم كلهم، وجاء زيد نفسه وعينه، وكذلك ~~قولهم: جاء الجيش أجمع، إضافة «أجمع» إلى الضمير مرادة، وكذلك: # جاء القوم أجمعون، وجاءت القبيلة جمعاء، وجاء النساء جمع، التقدير: جاء ~~الجيش أجمعه، والقوم أجمعوهم، والقبيلة جمعاؤها، والنساء جمعهن، فحذف ~~المضاف إليه، وبقى التعريف فيهن لتقدير إضافتهن إلى الضمير، كما حذف الضمير ~~من كل فى قوله تعالى: {وكل أتوه داخرين} (¬2) التقدير: وكلهم، كما قال: # {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} (¬3). # ولإرادة التعريف فيهن بتقدير إضافتهن إلى الضمير أتبعن المعارف دون ~~النكرات، فلا يجوز: جاء جيش أجمع، ولا قبيلة جمعاء، ولا قوم أجمعون، ولا ~~نساء جمع، فأجمع على هذا حكمه حكم أحمد، ولم ينصرف للتعريف والوزن، وجمعاء ~~كعفراء: ms385 اسم امرأة، ولو لم يكن فيها غير همزة التأنيث لامتنعت من PageV02P350 # الصرف؛ لأن التأنيث بالهمزة علة تقوم مقام علتين، لكونه تأنيثا لازما، ~~فلزومه يقوم مقام علة أخرى. # فأما كتع بصع فحكمهما حكم جمع فى تقدير العدل فيهما/وتقدير الإضافة إلى ~~الضمير، فمن النحويين من قال: إن المراد بهما شدة التوكيد، فهما تابعان غير ~~مشتقين، ومنهم من قال: إن كتع مأخوذ من قولهم: كتع فلان فى أمره: إذا شمر ~~فيه، وبصع مأخوذ من قولهم: بصع الماء، إذا سال، وتبصع عرقه، وقد روى: بضع ~~عرقه وتبضع، بالضاد المعجمة. # والقسم الرابع من [هذه] (¬1) الأقسام المعدولة: فعل، المختص بالنداء، ~~كقولهم: يا فسق ويا غدر ويا خبث، فهذا مبنى معرفة؛ لأنه منادى قصد قصده، ~~فلذلك تقول: يا فسق الخبيث. # وفعال حكمه حكم فعل، فى الانقسام إلى ثمانية أقسام، الأول: كونه اسما ~~مفردا مذكرا، كغزال وفدان (¬2)، ومفردا مؤنثا، كعناق وأتان. # والثانى: كونه وصفا لمذكر، كجواد وجبان، ولمؤنث كحصان ورزان. # والثالث: كونه مصدرا، كذهاب وضمان. # والرابع: كونه جمعا (¬3)، كجراد وبنان وسحاب، وفى التنزيل: PageV02P351 # {وينشئ السحاب الثقال} (¬1). # فهذه الأربعة معربة مصروفة، كما ترى، والأربعة الباقية (¬2) معدولة ~~مبنية، لا خلاف فى بنائهن، إلا فى القسم الرابع، على ما ستراه، إن شاء الله. # فالأول: فعال المسمى بها فعل الأمر للمواجه، كنزال ونظار ومناع وحذار ~~وتراك ودراك، هذه معدولة عن انزل وأنظر وامنع واحذر واترك وأدرك، وحكمها فى ~~اللزوم والتعدي حكم مسمياتها، قال ربيعة بن مقروم الضبى: (¬3) # فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # وقال آخر (¬4): # حذار من أرماحنا حذار # وقال آخر: # نظار كى أركبها نظار (¬5) # أراد بقوله: «نظار» أنظر، بفتح الهمزة وكسر الظاء، وليس من نظر PageV02P352 # العين، وإنما المراد به الانتظار، كما جاء فى التنزيل: {هل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة} (¬1) /أي ينتظرون، وكما قال الشاعر يخاطب ميتا: # هل انت ابن ليلى إن نظرتك رائح ... مع الركب أو غاد غداة غد معى (¬2) # أراد: انتظرتك، وقال آخر (¬3) فى المتعدى: # تراكها من إبل تراكها ... أما ترى الموت لدى أوراكها ms386 # أراد: أن أوراكها من شدة السير، كأنها فى استرخائها قد شارفت الموت، ~~ومثله فى المتعدى قول الآخر (¬4): # مناعها من إبل مناعها ... أما ترى الموت لدى أرباعها # الأرباع: جمع الربع، وهو ولد الناقة الذى تلده فى الربيع، والهبع: الذى ~~تلده فى أول الصيف، وجمعه أهباع، كرطب وأرطاب. # وحق هذه الأسماء فى الأصل أن تبنى على الوقف (¬5)؛ لأنها أعلام لأفعال ~~موقوفة، فاحتاجوا إلى تحريكها لالتقاء الساكنين، فحركوها بالكسرة، لأمرين: # أحدهما أن الكسرة أصل فى حركة التقاء الساكنين، والثانى: أنها أسماء ~~مؤنثة، PageV02P353 # والكسرة من علامات التأنيث فى نحو أنت فعلت، و {كذلك قال ربك} (¬1) وذلك ~~أن الكسرة من الياء، والياء قد استعملت علامة للتأنيث فى قولهم: تفعلين، ~~وهذى أمة الله، ويدلك على تأنيث هذه الأسماء قول زهير (¬2): # ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج فى الذعر # وقول زيد الخيل (¬3): # وقد علمت سلامة أن سيفى ... كريه كلما دعيت نزال # وعلة بناء هذا الضرب أنه صيغة نابت عن صيغة تضمنت معنى الحرف، فنزال ناب ~~عن انزل، وانزل ناب عن فعل الأمر المجزوم باللام؛ لأن القياس/كان فى أمر ~~المواجه: لتنزل، حملا على قولنا: لينزل، وللمتكلم: لننزل، كما جاء فى ~~التنزيل: {ولنحمل خطاياكم} (¬4) ولكن الأمر للمواجه كثر استعماله، ~~فاستثقلوا مجىء اللام فيه مع كثرة الاستعمال، فحذفوها مع حرف المضارعة، ~~واجتلبوا للفعل إذا كان ثانيه ساكنا همزة الوصل، وبنوه لتضمنه معنى اللام؛ ~~وربما استعملوه على الأصل، فقد روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال في بعض مغازيه: «لتأخذوا PageV02P354 # مصافكم (¬1)» وجاء فى بعض القراءات: «فبذلك فلتفرحوا» (¬2). # وزعم الكوفيون أن فعل الأمر للمواجه مجزوم بتقدير اللام الأمرية، وهو قول ~~مناف للقياس، وذلك أن الجزم فى الفعل نظير الجر فى الاسم، فحرف الجر أقوى ~~من حرف الجزم، كما أن الاسم أقوى من الفعل، وحرف الجر لا يسوغ إعماله ~~مقدرا، إلا على سبيل الشذوذ (¬3)، وإذا امتنع هذا فى القوى فامتناعه فى ~~الضعيف أجدر. # ومما يبطل ما قالوه أن الفعل المضارع إنما استحق الإعراب لمضارعته للاسم، ~~ووجه مضارعته له ms387 بوجود حرف المضارعة فيه، لأنه بذلك يتخصص بدخول السين أو ~~سوف عليه، بعد شياعه، كما يتعرف الاسم بالألف واللام بعد تنكره، ولأنك ~~تقول: إن زيدا لينطلق، كما تقول: إن زيدا لمنطلق، فتدخل عليه لام التوكيد، ~~ولا يصح دخول هذه اللام على الفعل الأمرى، كما لا يصح دخولها على الماضى، ~~والماضى أقوى من فعل أمر المواجه، بدلالة الوصف به والشرط به، وبنائه على ~~حركة PageV02P355 # تشبه حركة الإعراب، من حيث لا تلحق آخره هاء السكت، كما لا تلحق أواخر ~~الأسماء المعربة. # هذا ما جره شرح القسم الأول من أقسام فعال، المعدولة عن الفعل، من ~~الفوائد. # /فأما القسم الثاني: ففعال التى عدلوها عن المصدر للمبالغة، كما عدلوا ~~فعال عن الفعل لذلك، وذلك قولهم: لا مساس، أى لا مماسة، وجاء فى بعض ~~القراءات: {فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} (¬1) وقال الشاعر: # فقلت امكثى حتى يسار لعلنا ... نحج معا قالت أعاما وقابله (¬2) PageV02P356 # عدل يسار عن الميسرة، وقال النابغة (¬1): # أنا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار # الخطة: الحال الصعبة، يقال: وقعوا فى خطة سوء. # وبرة: اسم علم للبر. # وفجار: اسم للفجرة. ومثله جماد اسم للجمود، وحماد اسم للحمد، فى قوله (¬2): # جماد لها جماد ولا تقولوا ... طوال الدهر ما ذكرت حماد # بالحاء، أراد: قولوا لها جمودا، ولا تقولوا لها حمدا، ومنه قول الآخر: # وذكرت من لبن المحلق شربة ... والخيل تعدو بالصعيد بداد (¬3) PageV02P357 # أراد: بددا. # وقوله: من لبن المحلق: أى من لبن النعم الذى عليه وسوم كأمثال الحلق. # والقسم الثالث: فعال المعدولة عن الصفة الغالبة، وذلك أن الصفة والمصدر ~~فى الدلالة على الفعل، بمنزلة اسم الفعل الذى هو نزال، فى دلالته على انزل، ~~وذلك قولهم للضبع: جعار، اسم لها خاصة، مأخوذ من الجعر، وهو ذو (¬1) بطنها، ~~وبطن الذئب والكلب، وخصوها بهذا الاسم دونهما؛ لكثرة جعرها، قال الشاعر: # فقلت لها عيثى جعار وجررى ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره (¬2) # عيثى: من العيث، وهو الإفساد. # /ومثل «جعار» فى كونها معدولة عن صفة غالبة، قولهم للمنية: حلاق، عدلوها ms388 ~~عن الحالقة، كما عدلوا جعار عن الجاعرة، قال (¬3): PageV02P358 # لحقت حلاق بهم على أكسائهم ... ضرب الرقاب ولا يهم المغنم # قوله: «ضرب الرقاب» من إضافة المصدر إلى المفعول، أراد تضرب الرقاب ضربا، ~~ومثله فى التنزيل: {فضرب الرقاب} (¬1) أى فاضربوا الرقاب ضربا. # ومن إضافة المصدر إلى الفاعل قوله تعالى: {صنع الله} (¬2) أى صنع الله ~~صنعا و {وعد الله حقا} (¬3) أى وعد الله وعدا حقا. # الأكساء: جمع كسء، وهو آخر الشىء وعقبه. # وقوله: «ولا يهم المغنم» أراد: أنهم إنما قصدوا الأنفس، دون الأموال، ~~وقال مهلهل بن ربيعة: # ما أرجى بالعيش بعد ندامى ... كلهم قد سقوا بكأس حلاق (¬4) # وإنما الحالقة نعت غالب، أى غلب على الاسمية، فاختص بالمنية، ومثله ~~النابغة، هو نعت فى الأصل، وغلب حتى صار اسما، فلذلك حذف الألف واللام منه ~~فى قول الشاعر (¬5): PageV02P359 # ونابغة الجعدى بالرمل بيته ... عليه صفيح من تراب منضد # الصفيح: الحجارة الرقاق العراض، وهى الصفاح أيضا. # والقسم الرابع: فعال، العلم المعلق على النساء، المعدول عن مثال فاعلة، ~~نحو حذام (¬1) وقطام، ورقاش وغلاب، عدلوهن عن حاذمة وقاطمة وراقشة وغالبة. # واشتقاق حذام: من الحذم، وله معنيان: القطع، والمشى الخفيف. # وقطام: من القطم، وهو القطع أيضا، أو من القطم (¬2)، وهو الشهوة، يقال: ~~فحل قطم، إذا كان يشتهى الضراب. # ورقاش: من الرقش، وهو مثل النقش، ومنه حية رقشاء، إذا كانت منقطة. # وفى فعال هذه لغتان، فأهل الحجاز يبنونه على الكسر، كقوله: # /إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام (¬3) # وكقول النابغة (¬4): # أتاركة تدللها قطام ... وضنا بالتحية والسلام (¬5) PageV02P360 # وبنو تميم يعربونه غير مصروف، فيقولون: هذه قطام، ورأيت قطام، ومررت بقطام. # فإن كان آخر شيء من هذا النوع راء أجمع الفريقان على بنائه، وذلك قولهم: ~~حضار، فى اسم كوكب، وسفار، فى اسم ماء، وإنما جنح بنو تميم إلى بناء هذين ~~الاسمين، فوافقوا أهل الحجاز فى بنائهما؛ لأن الإمالة لغة بنى تميم، ولا ~~تصح الإمالة فيما آخره راء مضمومة ولا مفتوحة، فعدلوا إلى كسر آخرهما لتصح ~~الإمالة فيهما. هذا قول أبى العباس المبرد. # وقد جاء ms389 اسم ثالث آخره راء، وهو وبار، اسم إقليم تسكنه الجن، مسخ أهله، ~~وقد أعربه الأعشى، وصرفه للضرورة فى قوله: (¬1) # ومر دهر على وبار ... فهلكت جهرة وبار # وإنما امتنعت الإمالة مما آخره راء مضمومة أو مفتوحة؛ لأن الراء فيها ~~تكرير، فالحركة تقوم فيها مقام حركتين، فإذا كانت الضمة فى هذا الحرف تقوم ~~مقام الضمتين، والضمة من موانع الإمالة، وكذلك الفتحة، رفضوا (¬2) إمالة ما ~~آخره راء مضمومة أو مفتوحة، كقولك: هذا حمار، وركبت حمارا، وحسنت الإمالة ~~لما انكسرت الراء فى نحو: {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (¬3). # ولأبى العباس فى علة بناء فعال هذه، مذهب قد أخذ عليه (¬4)، وهو أنه جعل ~~علة بنائها اجتماع ثلاثة أسباب من الأسباب الموانع للصرف، وهى التعريف ~~والتأنيث والعدل، فقال: إن التنوين إذا سقط بعلتين، التعريف والتأنيث، أسقط ~~العدل الحركة PageV02P361 # التى هى إعراب، فجعل انضمام العدل إلى التعريف والتأنيث موجبا للبناء. # /وقد أبطلوا (¬1) ما ذهب إليه بقول العرب: أذربيجان، فأعربوها وفيها خمس ~~علل؛ العجمة والتأنيث والتعريف والتركيب والألف والنون. # وقال من أفسد قول أبى العباس: إنما بنيت فعال هذه، وفعال المعدولة عن ~~المصدر، والمعدولة عن الصفة الغالبة، حملا على باب نزال؛ لأن المشابهة ~~بينهما من أربعة أوجه: # أحدها: الموازنة، والثانى: العدل، والثالث: التأنيث، والرابع: أنهن كلهن ~~أعلام وضعن لمسميات [بهن] (¬2). # ولعلي بن عيسى الربعى، فى بناء حذام، ونظائرها، علة لم يسبق إليها، وهى ~~تضمنهن معنى علامة التأنيث التى فى حاذمة وقاطمة وراقشة، فلما عدلن عن اسم ~~مقدرة فيه تاء التأنيث، وجب بناؤهن لتضمنهن معنى الحرف # والقول الذى قدمناه هو المعمول عليه، ألا ترى أنهم قد عدلوا جماد عن ~~الجمود، وهو خال من تاء التأنيث. # واعلم أنك إذا سميت مذكرا باسم من باب فعال المبنية بنيته، وإن سميته ~~باسم من باب قطام، على لغة بنى تميم، منعته الصرف، كما منعته إياه، وهو ~~متعلق (¬3) على امرأة. # ... PageV02P362 ### | AUTO المجلس الثامن والخمسون # يتضمن الكلام فى أصل حركة التقاء الساكنين # [وفرعها (¬1)] وذكر مسائل (¬2) استفتيت فيها، بعد ما استفتى المكنى بأبى ~~نزار (¬3)، فجاء بخلاف ما ms390 عليه أئمة النحويين أجمعين، وكذلك خالف العرب ~~قاطبة فى كلمة أجمعوا عليها، وأثبت خطه بما سنح له من هذيانه، وأثبت بعده ~~خطه الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد [المعروف بابن الجواليقى (¬4)]. ### || AUTO نسخة الفتوى # ما يقول السادة النحويون، أحسن الله توفيقهم فى قول العرب: «يا أيها ~~الرجل»، /هل ضمة اللام فيه ضمة إعراب؟. وهل الألف واللام فيه للتعريف؟ وهل ~~يأمل ومأمول، وما يتصرف منهما جائز؟ وهل يكون سوى بمعنى غير؟ PageV02P363 ### ||| AUTO نسخة جواب الجاهل المكنى بأبى نزار # الضمة فى اللام من قولهم: يا أيها الرجل، ضمة بناء، وليست ضمة إعراب، لأن ~~ضمة الإعراب لا بد لها من عامل يوجبها، ولا عامل هنا يوجب هذه الضمة. # والألف واللام ليست هاهنا للتعريف؛ لأن التعريف لا يكون إلا بين اثنين فى ~~ثالث، والألف واللام هنا فى اسم المخاطب، والصحيح أنها دخلت بدلا من يا، ~~وأي وإن كان منادى فنداؤه لفظي، والمنادى على الحقيقة هو الرجل، ولما قصدوا ~~تأكيد التنبيه، وقدروا تكرير حرف النداء، كرهوا التكرير فعوضوا عن حرف ~~النداء ثانيا «ها» فى أيها، وثالثا الألف واللام، فالرجل مبني بناء عارضا، ~~كما أن قولك: # يا زيد، يعلم منه أن الضمة فيه ضمة بناء عارض. # وأما «أمل ويأمل» فلا يجوز؛ لأن الفعل المضارع إذا كان على يفعل، بضم ~~العين، كان بابه أن ماضيه على فعل، بفتح العين، وأمل، لم أسمعه فعلا ماضيا. # فإن قيل: نقدر أن يأمل فعل مضارع، ولم يأت ماضيه، كما أن يذر ويدع كذلك. # قلت: قد علم أن يذر ويدع، على هذه القضية جاءا شاذين، فلو كان معهما كلمة ~~أخرى شاذة لنقلت (¬1) نقلهما، ولم يجز أن لا تنقل، وما سمعنا أن ذلك ملحق ~~بما ذكرنا. فلا يجوز: يأمل ولا مأمول، إلا أن يسمعنى الثقة أمل، خفيف الميم. # وأما «سوى»، فقد نص على أنها لا تأتى إلا ظرف مكان، وأن استعمالها اسما PageV02P364 # منصرفا بوجوه الإعراب، بمعنى «غير»، خطأ. وكتب أبو نزار النحوي. ### ||| AUTO / نسخة جواب الشيخ أبى منصور موهوب بن أحمد # ضمة اللام ms391 من قولك: يا أيها الرجل وشبهه، ضمة إعراب، ولا يجوز أن تكون ~~ضمة بناء، ومن قال ذلك فقد غفل عن الصواب، وذلك أن الواقع عليه النداء «أى» ~~المبنى على الضم لوقوعه موقع الحرف، والرجل، وإن كان مقصودا بالنداء، فهو ~~صفة «أي» فمحال أن يبنى أيضا لأنه مرفوع رفعا صحيحا، ولهذا أجاز فيه أبو ~~عثمان النصب على الموضع (¬1)، كما يجوز فى يا زيد الظريف، وعلة رفعه أنه ~~لما استمر الضم فى كل منادى معرفة، أشبه ما أسند إليه الفعل، فأجريت صفته ~~على اللفظ، فرفعت، ومحال أن يدعى تكرير حرف النداء مكان «ها» ومكان الألف ~~واللام؛ لأن المنادى واحد، وإنما تقدر الألف واللام بدلا من حرف النداء، ~~فيما عطف بالألف واللام، نحو يا زيد والرجل؛ لأن المنادى الثانى غير الأول، ~~فيحتاج أن يقدر فيه تكرير حرف النداء، فقد صارت الألف واللام هناك كالبدل ~~منه، وليس كذلك يا أيها الرجل؛ لأنه بمنزلة: يا هذا الرجل، والألف واللام ~~فيه للتعريف. # وأما أمل يأمل فهو آمل، والمفعول مأمول، فلا ريب فى جوازه عند العلماء، ~~وقد حكاه الثقات، منهم الخليل (¬2) وغيره، والشاهد عليه كثير، قال بعض ~~المعمرين: # المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيش قد يضره (¬3) # وقال الآخر (¬4): PageV02P365 # ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلى ومولدى حجرا # وقال كعب بن زهير (¬1): # والعفو عند رسول الله مأمول # وقال المتنبى، وهو من العلماء بالعربية: «حرموا الذى أملوا (¬2)». # وأما «سوى»، فلم يختلفوا فى أنها تكون بمعنى «غير» وتكون أيضا بمعنى ~~الشىء نفسه، /تقول: رأيت سواك، أي غيرك، وحكى ذلك أبو عبيد عن أبى عبيدة، ~~وقال الأعشى: # وما قصدت من أهلها لسوائكا (¬3) # أى لغيرك، فهذه بمعنى غير، وهى أيضا غير ظرف، وتقدير الخليل (¬4) لها ~~بالظرف فى الاستثناء بمعنى مكان وبدل، لا يخرجها عن أن تكون بمعنى غير، ~~وفيها لغات: إذا فتحت مدت لا غير، وإذا ضمت قصرت لا غير، وإذا كسرت جاز ~~المد، والقصر أكثر. # وما يحمل المتكلم بالقول الهراء إلا فشو الجهل. وكتب موهوب بن أحمد. PageV02P366 ### ||| AUTO نسخة ms392 جوابى # الجواب والله سبحانه الموفق للصواب. # إن ضمة اللام فى قولنا: يا أيها الرجل، ضمة إعراب؛ لأن ضمة المنادى ~~المفرد المعرفة، لها باطرادها منزلة بين منزلتين، فليست كضمة حيث؛ لأن ضمة ~~حيث غير مطردة، وذلك لعدم اطراد العلة التى أوجبتها، ولا كضمة زيد، فى نحو ~~خرج زيد؛ لأن هذه حدثت بعامل لفظى، ولو ساغ أن توصف «حيث» لم يجز وصفها ~~بمرفوع حملا على لفظها؛ لأن ضمتها غير مطردة، ولا حادثة عن عامل. # ولما اطردت الضمة فى قولنا: يا زيد، يا عمرو، يا محمد، يا بكر {يا لوط ~~إنا رسل ربك} (¬1) {يا نوح اهبط} (¬2) {يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} ~~(¬3) وكذلك اطردت فى النكرات المقصود قصدها، نحو: يا رجل، يا غلام، يا مرأة ~~{يا جبال أوبي معه} (¬4) {يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي} (¬5) إلى مالا ~~يحصى كثرة، تنزل الاطراد فيها منزلة العامل المعنوي الرافع للمبتدإ، من حيث ~~اطردت الرفعة فى كل اسم ابتدئ به مجردا من عامل لفظى، وجيء له بخبر، كقولك: ~~زيد منطلق، عمرو ذاهب، جعفر جالس، محمد صادق، إلى مالا يدركه الإحصاء، فلما ~~استمرت ضمة المنادى فى معظم الأسماء، كما استمرت فى الأسماء المعربة الضمة ~~الحادثة عن/الابتداء، شبهتها العرب بضمة المبتدأ، فأتبعتها ضمة الإعراب فى ~~صفة المنادى، فى نحو: يا زيد الطويل، وجمع بينهما أيضا أن PageV02P367 # الاطراد معنى كما أن الابتداء معنى، ومن شأن العرب أن تحمل الشىء على ~~الشىء، مع حصول أدنى تناسب بينهما، حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها (¬1): # ألا ترى أنهم قد أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء فى قراءة من قرأ: ~~{الحمد لله} (¬2) بكسر الدال، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب في ~~قراءة من قرأ {الحمد لله} بضم اللام (¬3)، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة ~~الإعراب فى نحو: يا زيد ابن عمرو، فى قول من فتح الدال من زيد. # وقد كان شافهنى هذا المتعدى طوره بهذا الهراء الذى ابتدعه، والهذاء الذى ~~اختلقه واخترعه، فقلت له: إن ضمة المنادى لها منزلة بين منزلتين، فقال ~~منكرا ms393 لذلك: وما معنى المنزلة بين المنزلتين؟ فجهل معنى هذا القول، ولم يحس ~~بأن هذا الوصف يتناول أشياء كثيرة من العربية، كهمزة بين بين، التى هى بين ~~الهمزة والألف، أو الهمزة والياء، أو الهمزة والواو، وكألف الإمالة، التى ~~هى بين ألف التفخيم والياء، وكالصاد المشربة صوت الزاى، وكالقاف التى بين ~~القاف الخالصة والكاف. # وأما قوله: إن الألف واللام هنا ليست للتعريف؛ لأن التعريف لا يكون إلا ~~بين اثنين فى ثالث، والألف واللام هنا فى اسم المخاطب، والصحيح أنها دخلت ~~بدلا من PageV02P368 # «يا» فقول فاسد، بل الألف واللام هنا لتعريف الحضرة، كالتعريف فى قولك: # جاء هذا الرجل، ولكنها لما دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب، من ~~حيث كان قولنا: يا أيها الرجل، معناه: يا رجل، ولما كان الرجل هو المخاطب ~~فى المعنى، غلب حكم الخطاب، فاكتفى باثنين؛ لأن أسماء الخطاب/لا تفتقر فى ~~تعرفها إلى حضور ثالث، ألا ترى أن قولك: خرجت يا هذا، وانطلقت، ولقيتك، ~~وأكرمتك، لا حاجة به إلى ثالث، وليس كل وجوه التعريف تقتضى أن تكون بين ~~اثنين فى ثالث، ألا ترى أن ضمائر المتكلمين نحو: أنا خرجت، ونحن ننطلق، لا ~~يوجب تعريفها حضور ثالث. # فقد وضح لك بهذا أن قوله: «التعريف لا يكون إلا بين اثنين فى ثالث»، كلام ~~ظاهر الفساد؛ لأنه أطلق هذا اللفظ على جميع التعاريف. # فتأمل سددك الله هذه الفطرة (¬1) التى عمى عنها هذا الغبى، وعما صدرت به، ~~حتى خطأ بجهله الأئمة المبرزين فى علم العربية، المتقدمين منهم والمتأخرين. # ومن شواهد إعراب الرجل، فى قولنا: يا أيها الرجل، نعته بالمضاف المرفوع، ~~فى قولك: يا أيها الرجل ذو المال، وعلى ذلك أنشدوا: # يا أيها الجاهل ذو التنزى (¬2) # فهذا دليل على إعراب «الرجل» قاطع، لأن الصفة المضافة فى باب النداء لا ~~يجوز حملها على لفظ المبني، ولا تكون إلا منصوبة أبدا، كقولك: يا زيد ذا المال. # وقد عارضته بهذا الدليل الجلي، الذى تناصرت به الروايات، عن النحوى PageV02P369 # واللغوى، فزعم أنه لا يرفع هذه الصفة، ولا ينشد إلا ms394 (¬1): «ذا التنزى»، ~~ولا يعتد بإجماع النحويين واللغويين، على سماع الرفع فيها عن العرب، فدل ~~ذلك على أن هذا العديم الحس هو المقصود بالنداء فى قول القائل: # يا أيها الجاهل ذو التنزى # وأما قوله: ولما قصدوا تأكيد التنبيه وقدروا تكرير حرف النداء، كرهوا ~~التكرير، فعوضوا عن حرف النداء، ثانيا «ها» وثالثا الألف واللام. # فهذا من دعاويه الباطلة؛ لأنه زاعم أن أصل يا أيها الرجل: يا أى يا يا ~~رجل، فعوضوا من «يا» الثانية «ها»، ومن الثالثة الألف واللام، وليس الأمر ~~على ما قاله وابتدعه من هذا المحال، ولكن العرب كرهوا أن يقولوا: يا الرجل، ~~وما أشبه ذلك، /فيولوا حرف النداء الألف واللام، فأدخلوا أى، فجعلوها وصلة ~~إلى نداء المعارف بالألف واللام، وألزموها حرف التنبيه عوضا لها مما منعته ~~من الإضافة. # هذا قول النحويين، فمن تكلف غيره بغير دليل فهو مبطل، فلا حاجة بنا إلى ~~أن نقدر أن الأصل: يا أى يا يا رجل، فإنه مع مخالفته لقول الجماعة خلف من ~~القول، يمجه السمع، وينكره الطبع. # وأما قوله فى أمل ويأمل، إنهما لا يجوزان عنده؛ لأنه لم يسمع فى الماضى ~~منهما أمل، خفيف الميم، فليت شعرى ما الذى سمع من اللغة ووعاه حتى أنكر أن ~~يفوته هذا الحرف؟ وإنما ينكر مثل هذا من أنعم النظر فى كتب اللغة كلها، ~~ووقف على تركيب «أم ل» فى كتاب العين، للخليل بن أحمد، وكتاب الجمهرة، لأبى ~~بكر بن دريد، والمجمل، لأبى الحسين بن فارس، وديوان الأدب، لأبى إبراهيم ~~الفارابى، وكتاب الصحاح، لأبى نصر إسماعيل بن حماد الجوهرى النيسابورى، ~~وغير ذلك PageV02P370 # من كتب اللغة، فإذا وقف على أمهات كتب هذا العلم، التى استوعب كل كتاب ~~منها اللغة، أو معظمها، فرأى أن هذا الحرف قد فات أولئك الأعيان، ثم سمع ~~قول كعب بن زهير: # والعفو عند رسول الله مأمول (¬1) # سلم لكعب، وأذعن له، صاغرا قميئا. فكيف يقول من لم يتولج سمعه عشرة أسطر ~~من هذه الكتب التى ذكرتها: لم أسمع أمل، ولا أسلم أن يقال: مأمول (¬2)؟ # وأما ms395 قوله: إنه لا يجوز يأمل ولا مأمول، إلا أن يسمعنى الثقة أمل، فقول ~~من لم يعلم بأنهم قالوا: فقير، ولم يقولوا فى ماضيه: فقر (¬3)، ولم يأت ~~فعله إلا بالزيادة، أفتراه ينكر أن يقال: فقير؛ لأن الثقة لم يسمعه فقر؟ ~~ولعله يجحد أن يكونوا قد نطقوا PageV02P371 # بفقير، وقد ورد به القرآن فى قوله جل ثناؤه: {إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير} (¬1) وهل إنكار فقير إلا كإنكار مأمول، بل إنكار فقير عنده أوجب، ~~لأنهم لم يقولوا فى ماضيه إلا افتقر، ومأمول، قد نطقوا بماضيه بغير زيادة. # وأما «سوى» (¬2) فإن العرب استعملتها استثناء، وهى فى ذلك منصوبة على ~~الظرف؛ بدلالة أن النصب يظهر فيها إذا مدت، فإذا قلت: أتانى القوم سواك، ~~فكأنك قلت: أتانى القوم مكانك، وكذلك: قد أخذت سواك رجلا، أى مكانك. # واستدل الأخفش على أنها ظرف بوصلهم الاسم الناقص بها، فى نحو: أتانى الذى ~~سواك، والكوفيون (¬3) يرون استعمالها بمعنى غير. # وأقول: إدخال الجار عليها فى قول الأعشى: # وما قصدت من أهلها لسوائكا # يخرجها من الظرفية، وإنما استجازت العرب ذلك فيها تشبيها لها بغير، من ~~حيث استعملوها استثناء، وعلى تشبيهها بغير قال أبو الطيب (¬4): # أرض لها شرف سواها مثلها ... لو كان مثلك فى سواها يوجد # رفع «سوى» الأولى بالابتداء، وخفض الثانية بفى، فأخرجهما من PageV02P372 # الظرفية، فمن خطأه فقد خطأ الأعشى فى قوله: «لسوائكا» ومن خطأ الأعشى فى ~~لغته التى جبل عليها، وشعره يستشهد به فى كتاب الله تعالى، فقد شهد على ~~نفسه بأنه مدخول العقل، ضارب فى غمرة الجهل. # وليس لهذا المتطاول إلى ما يقصر عنه ذرعه شيء يتعلق به فى تخطئة العرب ~~ألا قول الشاعر (¬1): # حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا # فكل فاقرة ينزلها بالعربية يزف أمامها هذا البيت، معارضا به أشعار الفحول ~~من العرب العاربة، وليس دخول «إلا» في هذا البيت خطأ، كما توهم، لأن بعض ~~النحويين قدر في «تنفك» التمام، ونصب «مناخة» على الحال، فتنفك هاهنا مثل ~~منفكين، فى قول الله عز ms396 وجل: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة} (¬2) فالمعنى: ما تنفصل عن جهد ومشقة إلا فى حال ~~إناختها على الخسف، ورمى البلد القفر بها، أى تنتقل من شدة إلى شدة. # ومن العجب أن هذا الجاهل يقدم على تخطئة سلف النحويين وخلفهم، وتخطئة ~~الشعراء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، فيعترض على أقوال هؤلاء وأشعار ~~هؤلاء، بكلام ليس له محصول، ولا يؤثر عنه أنه قرأ مصنفا فى النحو، إلا ~~مقدمة من تأليف عبد القاهر الجرجانى، قيل: إنها لا تبلغ أن تكون/فى عشر PageV02P373 # أوراق، وقيل: إنه لا يملك من كتب النحو واللغة ما مقداره عشر أوراق، وهو ~~مع ذلك يرد بقحته على الخليل وسيبويه. إنها لوصمة اتسم بها زماننا هذا، لا ~~يبيد عارها، ولا ينقضى شنارها، وإنما طلب بتلفيق هذه الأهواس أن تسطر فتوى ~~فيثبت خطه فيها مع خط غيره، فيقال: أجاب أبو نزار بكذا، وأجاب غيره بكذا، ~~وقد أدرك لعمر الله مطلوبه، وبلغ مقصوده، ولولا إيجاب حق من أوجبت حقه، ~~والتزمت وفاقه، واحترمت خطابه، لصنت خطى ولفظى عن مجاورة خطه ولفظه. # ... PageV02P374 ### || AUTO فصل # قد تكرر قولنا إن الكسر هو الأصل فى حركة التقاء الساكنين، فإن قيل: # لم كان الكسر هو الأصل، دون الضم والفتح؟ # فمن ذلك جوابان، أحدهما: أن الجر لما اختص بالاسم، والجزم اختص بالفعل، ~~صارا نظيرين، فلما أرادوا أن يحركوا المجزوم للقاء ساكن، حركوه بأشبه ~~الحركات بالجزم، فقالوا: لم يقم الغلام، ولما وجب ذلك فى السكون المسمى ~~جزما، حملوا عليه السكون المسمى وقفا، فقالوا: كم المال، كما جاء: {خذ ~~العفو} (¬1) و {قم الليل} (¬2). # والثانى: أنهم لو حركوا المجزوم للقاء الساكن بالضم أو الفتح، التبست ~~حركته بالحركة الحادثة عن عامل، ألا ترى أنك لو قلت: لا يخرج الغلام، فكسرت ~~الجيم، أردت أن تنهاه عن الخروج، ولم يكن فى ذلك صدق ولا كذب، ولو قلت: لا ~~يخرج الغلام، فضممت الجيم، كان خبرا منفيا، واحتمل التصديق والتكذيب، فلولا ~~الفرق بين هذين المعنيين باختلاف الحركة، التبس النهى بالنفى، ونظير ذلك فى ms397 ~~التنزيل قوله تعالى، ناهيا: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين} (¬3) فلو ضمت ذال «يتخذ» صار المعنى: ليس يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أولياء، وقد علمنا/أن بعض المؤمنين اتخذ بعض الكافرين أولياء، بقوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} ~~(¬4) ثم قال بعد هذا: {تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما ~~أعلنتم}. PageV02P375 # ومثل ذلك فى ارتكاب اللبس، أنك تقول: «لا تأكل السمك وتشرب اللبن (¬1)»، ~~فتكسر الباء إذا أردت أن تنهاه عن أكل هذا وشرب هذا، على كل حال، فإن أردت ~~أن تنهاه عن الجمع بينهما فتحت آخر «تشرب» فلو حركوا المجزوم للقاء الساكن ~~بالفتح وقع لبس بين هذين النهيين، فلما خشوا اللبس فى هذا ونحوه حركوا ~~المجزوم بحركة لا تعرب بها الأفعال، ثم حملوا ما سكونه وقف على ما سكونه جزم. # فإن قيل: لم كسروا المجزوم والموقوف لما وقعا فى القوافى المطلقة، كقوله (¬2): # وكم دهمتنى من خطوب ملمة ... صبرت عليها ثم لم أتخشع # فأدركت ثأرى والذى قد فعلتم ... قلائد فى أعناقكم لم تقطع # وكقول عدى بن زيد (¬3): # إذا أنت لم تنفع صديقك جاهدا ... ولم تنك بالبوسى عدوك فابعد # إذا أنت فاكهت الرجال فلا تلع ... وقل مثل ما قالوا ولا تتزيد (¬4) # فعن ذلك جوابان، أحدهما: أنهم لما اضطروا إلى تحريك المجروم لإطلاق ~~القافية، لم يخل أن يحرك بالكسرة أو بإحدى أختيها، فلم يجز أن يحرك بالضمة ~~ولا الفتحة؛ كراهة أن يلتبس بالمرفوع أو المنصوب، فلما وجب تحريكه بالكسر، ~~حملوا عليه ما سكونه الوقف. PageV02P376 # والثانى: أنهم لما اضطرهم إتمام الوزن إلى تحريك المجزوم والموقوف، لا ~~لساكن لقيه، بل لينشأ عن حركته حرف مد يتم به الوزن، حركوه ~~بالحركة/المألوفة فيه إذا لقيه ساكن، فكسروه فنشأت عن الكسرة الياء. # فإذا ثبت بما ذكرته أن الكسر هو الأصل فى حركة التقاء الساكنين، فإنهم قد ~~ينصرفون عن هذا الحكم لعلة تحسن الانصراف عنه. # وذلك على أوجه عدة، أحدها: أن يكون للحرف مزية على الحرف، فيحرك بأقوى ~~الحركات، كتحريك الواو التى ms398 هى اسم، فى نحو {ولا تنسوا الفضل بينكم} (¬1) ~~بالضم، وتحريك الواو التى هى حرف، فى نحو {لو استطعنا لخرجنا معكم} (¬2) ~~بالكسر، وذلك لفضل الاسم على الحرف، وفضل الضم على الكسر، من حيث كان ~~الاعتماد فى إبراز الضمة على عضوين ظاهرين (¬3). # والثانى: أن يكون الضم إتباعا لضمة متقدمة، أو لضمة متأخرة، فالمتقدمة ~~كضمة ميم مد، وشين شد يا هذا، الأصل: امدد، واشدد، فآثر بعضهم الإدغام، ~~فألقى ضمة الدال الأولى على الساكن الذى قبلها، فالتقت الدالان ساكنتين فى ~~التقدير، فحركوا الآخرة بالضم إتباعا، وحذفوا همزة الوصل، استغناء عنها ~~بحركة الحرف الذى اجتلبوها لأجله، وهو ساكن. PageV02P377 # وأما الضمة المتأخرة التى تتبعها حركة ما قبلها، فنحو ضمة الراء فى ~~{وقالت اخرج عليهن} (¬1) والظاء فى {ولكن انظر إلى الجبل} (¬2) وليس الضم ~~فى هذا النحو لازما كلزومه فى منذ، وإنما هو شيء استحسنه بعض العرب، والكسر ~~أكثر، كما أن الفتح فى شد ومد ورد أكثر، والكسر مستعمل فيه، تقول: ازرر ~~قميصك وزره وزره وزره (¬3)، وحركوا ميم «هلم (¬4)» بالفتح خاصة؛ لأنها كلمة ~~مركبة، وللمركب حكم غير حكم المفرد. # والثالث: أن يكون العدول عن الكسر إلى الفتح لكثرة استعمال الحرف، كتحريك ~~نون «من» بالفتحة إذا لقيتها لام التعريف فى نحو: {من القوم} (¬5) لكثرة ~~دور لام التعريف فى الكلام، /مع كثرة تصرف «من» فى المعانى، من حيث جاءت ~~لابتداء الغاية في المكان، وللتبعيض، ولتبيين الجنس، فى نحو {فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان} (¬6) {ويلبسون ثيابا خضرا من سندس} (¬7) وجاءت للتوكيد ~~زائدة فى نحو PageV02P378 # {وما يعلمان من أحد} (¬1) وفارقة بين معنيين، فى نحو: ما جاءنى من رجل، ~~فليست هاهنا لمجرد الزيادة، بدلالة قولك: ما جاءنى رجل بل رجلان، فإذا دخلت ~~«من» دلت على العموم، وقد أنابوها مناب لام العلة فى نحو: لست أغب زيدا من ~~إكرامى له، أى لإكرامى، ومثله {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} (¬2) و {من ~~أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} (¬3). # فلما كثر استعمالها لكثرة تصرفها فى المعانى (¬4)، مع كثرة استعمال الألف ~~واللام، اختاروا لها أخف الحركات، استثقالا لتوالى كسرتين ms399 فيما يكثر ~~استعماله. # فإن ولى نونها ساكن غير لام التعريف، استعملوا الأصل، فكسروا فى نحو: ~~عجبت من ابنك، واسمى أحسن من اسمك، وقد فتحها هاهنا قوم من الفصحاء، فيما ~~حكاه سيبويه (¬5). # فأما نون «عن» فمجمع على كسرها، فى نحو: {عن القوم} (¬6) وذلك لعدم توالى ~~كسرتين. # والرابع: أن يختاروا الفتحة فرارا من اجتماع ثقلين، وذلك فى المضاعف، نحو ~~رب وثم، وفيما يجيء بعد واو أو ياء، نحو سوف وحوب وليت وكيف. # والخامس: أن يكون العدول إلى الفتح طلبا للفرق، كفتح نون الجمع، للفرق ~~بينها وبين نون التثنية، في قولك: الزيدان والزيدون، ويفعلان ويفعلون. PageV02P379 # فاختلاف الحركة فى هذا النحو للفرق والتعديل، ومعنى التعديل أن ثقل ~~الكسرة مع خفة الألف، وثقل الواو مع خفة الفتحة تعديل. # قول عدى بن زيد. # /إذا أنت فاكهت الرجال فلا تلع # معناه: لا تكذب، والمصدر الولع، بسكون اللام، وفاكهت: مازحت، والفكاهة: ~~المزاح. # وحوب: زجر للإبل. # ... PageV02P380 ### | AUTO المجلس التاسع والخمسون # أجمع النحويون البصريون، المتقدمون والمتأخرون: عبد الله بن أبى إسحاق ~~الحضرمي، وعيسى بن عمر الثقفي، وأبو عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، وأبو ~~عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، سيبويه، وأبو ~~الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وأبو عمر صالح بن إسحاق الجرمى، وأبو عثمان ~~بكر بن محمد المازني، وأبو العباس محمد بن يزيد الثمالى، وأبو محمد عبد ~~الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، وأبو إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج، ~~وأبو بكر محمد بن السرى السراج، وأبو على الحسن بن (¬1) عبد الغفار ~~الفارسى، وأبو الحسن على بن عيسى الرمانى، وأبو سعيد الحسن بن عبد الله ~~السيرافى. # ومن جاء بعد هذه الطبقة المتأخرة، كأبى الفتح عثمان بن جنى، وأبى الحسن ~~علي بن عيسى الربعي: أن أفعل فى التعجب، من نحو: ما أكرم عبد الله! فعل، ~~وتابعهم أبو الحسن على بن حمزة الكسائى. # وذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، إلى أنه اسم، وتابعه طائفة من ~~الكوفيين (¬2). # فمما احتج به الفراء وأصحابه قولهم: إنه جامد، والفعل ms400 بابه التصرف، PageV02P381 # فالجمود مباين للفعلية، فاستحق بمخالفته للأفعال، إلا ما شذ منها، أن ~~يلحق بالأسماء. # الجواب من البصريين: ليس جموده لأنه اسم، ولكنه فعل سلب التصرف لأمرين، ~~أحدهما: أن واضعى اللغة لما لم يصوغوا للتعجب حرفا يدل عليه، / جعلوا له ~~صيغة لا تختلف؛ ليكون ذلك أمارة للمعنى الذى حاولوه، فيدل لفظه بلزومه وجها ~~واحدا أنه تضمن معنى ليس له فى أصله، فلما دخل معنى التعجب على لفظ، متى ~~زال عن هيأته زال المعنى المراد به، وجب أن لا يعدلوا إلى لفظ آخر. # والثانى: أنه إنما لم يصرف؛ لأن المضارع يحتمل زمانين: الحاضر والمستقبل، ~~وإنما يتعجب فى الأغلب مما هو موجود ومشاهد، وقد يتعجب مما مضى، ولا يكون ~~التعجب مما لم يقع، فكرهوا استعمال لفظ يحتمل الدلالة على الاستقبال؛ لئلا ~~يصير اليقين شكا، ولما كرهوا استعمال المضارع كانوا لاسم الفاعل أكره، لأنه ~~لا يخص زمانا، فلذلك لم يقولوا: ما يحسن زيدا، ولا ما محسن زيدا، واستعملوا ~~لفظ الماضى، والمعنى معنى الحال، لأن التعجب معنى حادث عند رؤية شيء متعجب ~~منه، أو سماعه. # ويدلك على أنه ماض فى اللفظ دون المعنى، أنه إذا أريد ما مضى قيل: ما كان ~~أحسن زيدا! فلولا أنه حال فى المعنى لما دخلت «كان» حين أريد المضى، ~~فلهاتين العلتين سلبوه التصرف، وليس عدم التصرف بموجب له الاسمية، بدليل أن ~~«ليس وعسى» فعلان غير متصرفين بإجماع، فعدم التصرف فى الفعل لعلة أوجبت له ~~ذلك لا يدخله فى حيز الاسم. # الجواب من الفراء وأصحابه: إن «ليس وعسى» لم ينضم إلى سلب تصرفهما PageV02P382 # مجىء التصغير فيهما، كما جاء التصغير فى هذه الكلمة، مجيئا مستفيضا فى ~~الشعر وفى سعة الكلام، كقوله (¬1): # يا ما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هاؤليائكن الضال والسمر # وإذا كان التصغير قد اتسع فى هذه اللفظة، مع ما لزمها من الجمود، ~~/والتصغير من خواص الاسم، فليس إلا الحكم بأنها اسم، إذ كان قولهم: # يا ما أميلح غزلانا، مع امتناعهم أن يقولوا: ليس وعسي، دليلا نافيا عنه ~~الفعلية، وقاطعا ms401 له بالاسمية. # الجواب من البصريين: أن التصغير يدخل الأسماء للتحقير، في نحو: رجيل ~~ومريئة، وللتقليل، وذلك فى الجموع نحو: دريهمات وأجيمال، وللتقريب، وذلك في ~~الظروف من نحو: قبيل المغرب، وبعيد الظهر، ودوين الوادى، ومن نحو قوله (¬2): # بضاف فويق الأرض ليس بأعزل # ويدخل للحنو والتعطف، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصيحابى أصيحابى» ~~(¬3) ومنه قول أبى زبيد الطائى: PageV02P383 # يا ابن أمى ويا شقيق نفسى ... أنت خليتنى لدهر كئود (¬1) # ويدخل للتعظيم، كقول لبيد: # وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل (¬2) # يريد الموت، ولا داهية أعظم من الموت، ويدخل للتمدح، كقول الحباب ابن ~~المنذر الأنصارى يوم السقيفة (¬3): «أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب». # وليس ضرب من هذه الضروب إلا وهو يتناول الاسم معنى بتناوله إياه لفظا، ~~والتصغير اللاحق فعل التعجب إنما هو لفظي فقط، من حيث كان متوجها فى المعنى ~~إلى المصدر (¬4) الذى دل عليه هذا الفعل بلفظه، من نحو الحسن والملاحة ~~والظرف، وكأنهم أرادوا تصغير المصدر لفظا، ولكنهم رفضوا ذكر المصدر مع هذا ~~الفعل؛ كراهة أن يقولوا-وقد سلبوه التصرف-: ما أحسن غزالك حسنا، وما أملحه ~~ملاحة، وما أظرف غلامك ظرفا، لأن الفعل إذا أزيل عن التصرف لا يؤكد، ~~لأنه/قد خرج عن مذهب الأفعال، وأشبه بالجمود الحرف. # ولما كان الحسن والملاحة والظرف مصادر الثلاثية، التى استؤنف منها للتعجب ~~أحسن وأملح وأظرف، وآثروا تصغير المصدر، صغروا الفعل لفظا، ووجهوا التصغير ~~إلى المصدر معنى، وساغ تصغير المصدر بتصغير فعله؛ لأن الفعل PageV02P384 # يقوم فى الذكر مقام مصدره، بشهادة أنه دل بلفظه عليه، فأضمر فى قوله تعالى: # {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} (¬1) ألا ~~ترى أن «هو» ضمير البخل، وحسن عود الضمير إلى البخل، وإن لم يك مذكورا؛ ~~لدلالة «يبخلون» عليه، وهذا كقوله: «من كذب كان شرا له» (¬2)، أى كان ~~الكذب، ومثله قول الشاعر: # إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف (¬3) # يريد: جرى إلى السفه، ونظائره في التنزيل كثيرة، كقوله تعالى: {وإن ~~تشكروا يرضه لكم} (¬4) وقوله: {ولو آمن ms402 أهل الكتاب لكان خيرا لهم} (¬5) أى ~~يرض الشكر، ولكان الإيمان. # فكما أن الضمير يعود إلى المصدر، وإن لم يجر ذكره، استغناء بذكر فعله، ~~كذلك يتوجه التصغير اللاحق لفظ الفعل إلى مصدره الذى ليس بمذكور، ونظير ذلك ~~إضافتهم أسماء الزمان إلى الفعل. فى نحو: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} ~~(¬6) ونحو: # على حين عاتبت المشيب على الصبى (¬7) # على أن الإضافة إلى الفعل مستحيلة؛ لأن الغرض بالإضافة أن تخصص المضاف فى ~~نحو قولك: راكب حمار، أو تعرفه، كقولك: صاحب زيد، وقد PageV02P385 # ينضم إلى كل واحد منهما الملكية، كقولك: دار امرأة، وفرس خالد، والفعل لا ~~يعرف ما يضاف إليه، ولا يخصصه، لأنه فى أعلى مراتب التنكير، والملكية فيه ~~تستحيل، وإنما سوغ لهم إضافة اسم الزمان إلى الفعل أن المراد بإضافته إليه ~~مصدره، من حيث كان ذكر الفعل ينوب مناب ذكر مصدره، فالتقدير: هذا/ يوم نفع ~~الصادقين، وعلى حين معاتبة المشيب. # وخصوا بهذه الإضافة اسم الزمان، لما بين الزمان والفعل من المناسبة، من ~~حيث اتفقا فى كونهما عرضين؛ ولأن الفعل بنى للزمان، وأن الزمان حادث عن ~~حركات الفلك، كما أن الفعل حادث عن حركات الفاعلين، كالقتل يحدث عن حركة ~~القاتل، وكالقراءة والإنشاد والغناء، يحدثن عن حركات اللسان، فهذه الإضافة ~~لفظية، كما أن التصغير اللاحق فعل التعجب لفظي، فلا اعتداد به، كما أنه لا ~~اعتداد بالإضافة إلى الفعل، وإذا كان التصغير إنما لحق هذا الفعل على سبيل ~~العارية، بطل التعلق به. # وعلى أن هذا التصغير اللفظي، لأصحابنا في دخوله فى قولهم: ما أفعله، ~~قولان، أحدهما: أنه دخله حملا على باب أفعل، الذى للمفاضلة، لاشتراك ~~اللفظين فى التفضيل والمبالغة، لأنك لا تقول: ما أكرم زيدا! وزيد فى أول ~~مراتب الكرم، وإنما تقول ذلك عند بلوغه الغاية فى الكرم، كما تقول: زيد ~~أكرم القوم، فتجمع بينه وبينهم فى الكرم، وتفضله عليهم، فلحصول هذه ~~المضارعة بينهما، جاز «يا ما أميلح غزلانا» كما تقول: غزالك أميلح الغزلان، ~~ولهذه المناسبة بين هذين البابين، حملوا أفعل منك، وهو أفعل القوم، على ~~قولهم: ms403 ما أفعله، فجاز فيهما ما جاز فيه، وامتنع منهما ما امتنع منه. # ألا ترى أنهم لم يقولوا من الألوان والعيوب الظاهرة: ما أفعله، نحو: ما ~~أبيضه وما أحوله، وكذلك لم يقولوا: هو أبيض منك، ولا هو أحول القوم، ~~وقالوا: # ما أنصع بياضه، وما أظهر حوله، وحملوا اللفظين الآخرين عليه، فقالوا: هو ~~أنصع PageV02P386 # منك بياضا، وهو أظهر القوم حولا، وكذلك لم يقولوا: هو أحسن منك حسنا، ~~فيؤكدوه بالمصدر؛ لأنهم لم يقولوا: ما أحسن هندا حسنا، وأجمع/النحويون أن ~~«جلالة» من قول الشاعر: # أجل جلالة وأعز فقدا ... وأقضى للحقوق وهم قعود (¬1) # انتصابها على التمييز، وكذلك «لجاجا» فى قول الآخر (¬2): # ألج لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب # وإنما ساغ دخول التصغير فى هذه الألفاظ، وإن كانت موضوعة للتفضيل، ~~والتصغير نقيض التفضيل؛ لأنهم يخصون بذلك ما صغر ولطف، كغزال وتولب وفصيل ~~وعجول ومهر وصبى، كما خصوا هذا القبيل بويس (¬3)، تقول: ما أحيسن هذا ~~الطفل، وما أميلح هذا الخشف، كما قال أبو الطيب، وقد استحسن عين باز: # ألا ما أحيسنها مقلة ... ولولا الملاحة لم أعجب (¬4) # فهذا [هو] (¬5) الذى جوز دخول التصغير فى هذين البابين. # والقول الثانى لأصحابنا: أن التصغير حسن لحاقه لفعل التعجب، من حيث ألزم ~~التعجب طريقة واحدة، فأشبه فعله بذلك الأسماء، فدخله بعض PageV02P387 # أحكامها، وحمل الشىء على الشىء فى بعض الأحكام لا يوجب خروجه عن أصله، ~~ألا ترى أن اسم الفاعل محمول على الفعل فى العمل، ولم يخرجه ذلك عن كونه ~~اسما، وكذلك الفعل المضارع أعرب لمضارعته الأسماء، ولم يخرجه إعرابه عن ~~كونه فعلا، وكذلك تصغيرهم فعل التعجب تشبيها بالاسم، لا يجتذبه إلى ~~الاسمية. # جواب الكوفيين: قالوا: إذا كنتم تزعمون أن أفعل فى التعجب لما لزم طريقة ~~واحدة فضارع بذلك الاسم، لحقه التصغير، ألزمناكم أن تصغروا ليس وعسى، ~~لأنهما لزما لفظ المضي، فلم يأت لهما مضارع ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، ~~/وإذا كانوا قد امتنعوا أن يقولوا: ليس وعسي، مع قولهم: يا ما أميلح ~~غزلانا، كان قولكم إن تصغيره للزومه ms404 وجها واحدا مردودا عليكم، وإلا فما ~~الفرق بينه وبين ليس وعسى، وحكمه فيما ذكرناه كحكمهما؟ # فإن أخلدتم إلى القول الآخر، فقلتم: إنه انضم إلى جموده حمله على نظيره، ~~الذى هو أفعل القوم، فجاز فيه التصغير، وليس وعسى، لا نظير لهما من الأسماء ~~يحملان عليه، كما حمل ما أحيسنهم، على قولهم: هو أحيسنهم، فأنتم من مذهبكم ~~أن «نعم وبئس» فعلان غير متصرفين، ومعلوم أنهما للمبالغة فى المدح والذم، ~~كما أن التعجب موضوع للمبالغة فى هذين، فنعم الرجل زيد فى باب المدح مثل ما ~~أكرم زيدا، وبئس الغلام بكر فى باب الذم مثل ما ألأم بكرا، فقد جريا مجراه ~~من وجهين: عدم التصرف، وأنهما غاية فى المدح والذم، فهلا صغرا كما صغر. # وأوكد من هذا أن مثال أفعل به، كقولك: أكرم به، كلام وضع للتعجب، فنزل ~~منزلة ما أفعله فى المعنى، فساغ فيه ما ساغ فى ما أفعله، وامتنع منه ما ~~امتنع منه، وقد وقع الإجماع على أن أفعل فعل مسلوب التصرف، وهو مضارع لباب ~~أفعل منك، فهلا صغر، كما صغر أفعل، فى ما أفعله، وهل منع من تصغيره إلا ~~كونه فعلا، وهل سوغ تصغير المثال الآخر إلا كونه اسما؟ # فإن قلتم: إن لفظ أفعل به، لفظ الأمر، فهو مواز له فى زنته وسكون PageV02P388 # آخره، والأمر مخصوص به الفعل، فروعى لفظه، فلم يسغ فيه التصغير، كما ساغ ~~فى أفعل. # فليس ما قلتموه بمقبول، وذلك أنه قد جاء الأمر بالاسم، من نحو: صه وإيه، ~~و {هلم شهداءكم} (¬1) ودونك زيدا، و: # تراكها من إبل تراكها (¬2) # وقد جاء فى هذا القبيل ما أريد به الأمر وهو مصغر، وذلك رويد زيدا: أى أمهله. # وإذا ثبت هذا، ووجدنا التصغير لحق أفعل، دون أفعل، فليس ذلك إلا لأن/أفعل ~~اسم، ويؤيد ما ذهبنا إليه تصحيح عينه فى نحو: ما أقومه، وما أبيعه، كما صحت ~~العين فى الاسم، من نحو: هو أقوم منك، وأنت أبيع منه، فلو أنه فعل كما ~~زعمتم، أعلت عينه بقلبها ألفا، كما قلبت فى الفعل، من ms405 نحو قام وباع، وأقام ~~وأباع، فى قولهم: أباع الشىء، إذا عرضه للبيع، وإذا كان قد أجرى مجرى ~~الأسماء فى التصحيح، مع ما دخله من الجمود والتصغير، وجب القطع بأنه اسم. # الجواب: أجاب البصريون عن هذه الإلزامات، وعقبوا ذلك احتجاجا، فقالوا: ~~أما اعتراضكم بليس وعسى، فقد كفيتمونا مئونة الجواب عنه، وسقطت الكلفة فى ~~ذلك؛ بأنهما لا نظير لهما فى الأسماء يحملان عليه، كما حمل ما أفعله على ~~أفعل الذى للمفاضلة، غير أننا لا نقنع بهذا الجواب، بل نطرح حمل أفعل ~~التعجبي على نظيره جانبا. # فنقول: إن ليس وعسى، وإن كانا قد شركا فعل التعجب فى الجمود، فإنهما قد ~~بايناه بشيئين بعداهما من الاسم: PageV02P389 # أحدهما: أنهما يرفعان الظاهر والمضمر، كما ترفعهما الأفعال على تصاريفها، ~~وأفعل فى التعجب مخالف بابه، بأنه مقصور على رفع الضمير دون الظاهر، فقرب ~~بهذه المخالفة من الاسم الجامد. # والثانى: أن ليس وعسى وصلا بضمائر المتكلمين والمخاطبين والغائبين، من ~~نحو لست ولست وليسوا، وعسيت وعسيت وعسوا، وألزم هذا الفعل ضمير الغيبة، فلم ~~يتعده، فلما تصرفا فى الاتصال بضمائر الأفعال الماضية هذا التصرف، ولم ~~يختصا برفع المضمر دون الظاهر، وألزم فى الإضمار وجها واحدا، وهو رفع ضمير ~~الغيبة خاصة، كان جديرا (¬1) أن يجرى عليه حكم من أحكام الأسماء دونهما، ~~فلذلك لحقه التصغير، وعلى أنه لما صغر لفظا توجه التصغير فى المعنى إلى ~~مصدر من لفظه/فقام تصغيره مقام تصغير مصدره، وليس وعسى لا مصدر لهما يلفظ ~~به فيتنزل اللفظ بهما منزلة اللفظ به. # وأما إلزامكم إيانا تصغير نعم وبئس، بأنهما عندنا فعلان غير متصرفين، ~~وهما غاية فى المدح والذم، فكانا فى ذلك بمنزلة التعجب، فهذا الإلزام ~~مخاتلة منكم، ونحن نلزمكم أن تصغروا نعم وبئس؛ لأنهما عندكم اسمان، كأفعل ~~فى التعجب، فهلا دخلهما التصغير كما دخله! # فإن قلتم: إن ذلك لم يسمع فيهما عن العرب. # قلنا كما قلتم، ثم فرقنا بينهما وبين أفعل التعجبي بأنهما، وإن كانا ~~جامدين، أشبه منه بالأفعال المتصرفة، من حيث اتصل بهما الضمير على حد ~~اتصاله بالفعل المتصرف، ms406 فيما رواه الكسائى، من قولهم: نعما رجلين، ونعموا ~~رجالا، ورفعا مع ذلك الظاهر فى نحو: نعم الرجل، وبئس الغلام، والمضمر فى ~~نحو: نعم رجلا زيد، وبئس غلاما أخوك، ثم إنهما اتصلا بتاء التأنيث الساكنة، PageV02P390 # فى نحو: نعمت المرأة، وبئست الخصلة، كما تقول: قامت المرأة، وقبحت ~~الخصلة، وهذا حكم لازم للأفعال الماضية، فلما قربا هذا القرب من الفعل ~~المتصرف بعدا من الاسم. # وأما ما ألزمتموناه من تصغير أفعل به، فليس بواجب، وذلك أن أفعل جاء على ~~مثال الأسماء، من نحو أفكل وأجدل، وعلى مثال نظيره من الصفات، كأكرم منك ~~وأحسن، فلما اجتمع فيه إلى الجمود مجيئه على بناء الاسم، حسن تصغيره، وأما ~~أفعل، فإنه لم يأت له مثال فى الأسماء إلا أصبع، لغة مرذولة فى الإصبع، وهى ~~تلى فى الرداءة إصبعا، بكسر الهمزة وضم الباء، وأشهر اللغات فيها: إصبع، ~~بكسر الهمزة وفتح الباء، ثم أصبع، بضم الهمزة وفتح الباء، ثم أصبع بضمهما، ~~ثم إصبع، بكسرهما، ثم أصبع بفتحهما، ثم أصبوع، بضم الهمزة، مثل أسلوب. # وإذا لم يأت/له مثال فى الأسماء إلا هذا الحرف الشاذ باعده ذلك من الاسم ~~جدا، فلم يسغ فيه التصغير. # ألا ترى أن وزن الفعل الذى يغلب عليه أو يخصه، أحد الأسباب المانعة ~~للصرف، فإذا كان الاسم يقرب من الفعل بمجيئه على بعض أبنيته حتى يكون ذلك ~~علة تمنعه التنوين والجر، فكذلك (¬1) الفعل يبعد من الاسم لمخالفته له فى ~~البناء، هذا مع أن لفظه لفظ الأمر. # وقولكم: إن الأمر غير مخصوص به الفعل، ليس بشىء، ولا اعتبار بما جاء من ~~الأسماء مضمنا معنى الأمر، من نحو هلم، ورويد، ونزال؛ لأنها أسماء نابت ~~مناب الأفعال، والغرض فى تسمية الأفعال بها الاختصار، لأنك تقول للواحد ~~والواحدة فما فوق ذلك: رويد، وصه، ولا تتكلف إبراز ضمير لما جاوزت إليه ~~الواحد المذكر، فى قولك: أمهلا واسكتا، وأمهلوا واسكتوا، وأمهلن واسكتن. PageV02P391 # وأما احتجاجكم بصحة العين فى نحو: ما أسيره وأطوله، فإن التصحيح حصل له ~~من حيث حصل له التصغير، وذلك لحمله على باب ms407 أفعل، الذى للمفاضلة، فصحح كما ~~صحح، ومن حيث غلب عليه شبه الأسماء، بإلزامه وجها واحدا، وليس الشبه الغالب ~~على الشىء بمخرجه عن أصله؛ ألا ترى أن الأسماء التى لا تنصرف لما غلب عليها ~~شبه الفعل، لكونها ثوانى من جهتين، منعت التنوين والجر، كما منعهما الفعل، ~~ولم يخرجها شبهها بالفعل عن أن تكون أسماء، وكذلك تصحيح العين فى نحو: ما ~~أبيع زيدا، وما أجوله فى البلاد، حصل له من طريق قوة المشابهة بينه وبين ~~الاسم، وغير جائز أن يحكم له بالاسمية لحصول (¬1) ذلك فيه، على أن تصحيحه ~~غير مستنكر، لأنه قد وردت أفعال متصرفة مصححة، كقولهم: أغيلت المرأة تغيل، ~~إذا سقت ولدها/الغيل، وأغيمت السماء تغيم، واستنوق الجمل يستنوق، واستتيست ~~الشاة تستتيس، إذا غلب عليها شبه التيس، واستحوذ يستحوذ، وفى التنزيل: {ألم ~~نستحوذ عليكم} (¬2) و {استحوذ عليهم الشيطان} (¬3) وقالوا: أجودت وأطيبت ~~وأطولت، قال: # صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم (¬4) # وقالوا من العويل: أعول يعول، وإنما جعلوا التصحيح فى هذه الأفعال منبهة ~~على الأصل، وإذا كان التصحيح قد جاء فى الفعل المتصرف مع بعده من الاسم، ~~فما ظنك بما أزيل عن التصرف. PageV02P392 # فإن قلتم: إن التصحيح جاء فى هذه الأفعال شاذا، وتصحيح أفعل فى التعجب ~~قياسى مطرد. # قلنا: قد جاء التصحيح فى الفعل المتصرف على غير سبيل الشذوذ، وذلك كتصحيح ~~عور وحول وصيد، حملا على اعور واحول واصيد، وقد قالوا: # اجتوروا، واعتوروا، حملا على تجاوروا، وتعاوروا، وكذلك (¬1) حمل ما أطوله ~~وما أسيره، على قولنا: هو أطول منك، وأسير منى. # وبعد، فلا ينبغى لكم أن تحكموا له بالاسمية لتصحيحه، لأن أفعل به، قد ورد ~~التصحيح فيه مع الإجماع على أنه فعل، فلم يخرجه قولهم: أبيع به وأطول به، ~~عن كونه فعلا، فكذلك التصحيح فى ما أفعله، لا يخرجه عن الفعلية. # ومما يبطل ما ذهبتم إليه أنه إذا وصل بياء الضمير صحبتها النون المسماة ~~وقاية، كقولك: ما أفرحنى وما أتعبنى، وهذه النون لا تصحب ياء الضمير إلا ~~إذا اتصلت بالفعل، من نحو ms408 أكرمنى ويكرمنى، أو بما شابه الفعل من الحروف من ~~نحو: ليتنى وكأننى، ولم يقولوا فى الاسم: غلامنى، ولا فى الصفة: مكرمنى، ~~وإنما اتصلت هذه النون بآخر الفعل لتقى آخره الكسرة (¬2)، إذ كانت ياء ~~المتكلم تقتضى كسر ما/قبلها، ولما منعوا الفعل كسرة الإعراب كانوا أحرى ~~(¬3) أن يمنعوه كسرة البناء، فاجتلبوا له هذه النون؛ لتكون محلا للكسرة، ~~فلو لم يكن أفعل فى التعجب فعلا لما نزل منزلة الأفعال؛ لاتصال هذه النون به. # جواب الفراء وأصحابه: أما قولكم إن ليس وعسى من موانع تصغيرهما أنه لا ~~مصدر لهما، يتنزل تصغيرهما تصغيره، وأفعل فى التعجب ساغ تصغيره لأنه دال PageV02P393 # بلفظه على مصدر، فقام تصغيره مقام تصغير مصدره، فغير صحيح؛ لأن أفعل فى ~~ما أفعله إن كان فعلا كما تزعمون، فإنه لم يأت له مصدر، كما لم يأت لليس ~~وعسى مصدر، وليس الإحسان والإكرام والإفضال مصادر ما أحسنه وما أكرمه وما ~~أفضله، بدليل أننا نقول: ما أظرفه، وما أملحه، وما أشكره لك، ولا تجد فى ~~كلامهم الإظراف والإملاح والإشكار، فقد وجهتم التصغير إذا إلى مصدر فعل ~~آخر، وإنما اعتمادكم فى تصغيره على أن التصغير فى المعنى لمصدره، وإذا كان ~~التصغير متوجها إلى مصدر ليس هو فى الحقيقة له، فسد أكثر ما عولتم عليه. # وأما احتجاجكم بنون الوقاية فى: ما أفعلنى، فقد وجدنا من الأسماء ما ~~اتصلت به هذه النون، فيجوز أن يحمل أفعل فى التعجب عليه، ولا نجعل اتصاله ~~بها مدخلا لها فى حيز الأفعال، وذلك قولهم: قدنى وقطنى، أى حسبى، قال: # امتلأ الحوض وقال قطنى ... سلا رويدا قد ملأت بطنى (¬1) # فقد كسر هذا ما نصصتم عليه من أن هذه النون مقصورة على الأفعال دون ~~الأسماء. # جواب البصريين، يعقبه احتجاجان: إن كان أفعل فى نحو: ما أظرف زيدا، وما ~~أملح غزالك، وما أشكر زيدا لك، لا مصدر له، على ما يقتضيه القياس من ~~مجىء/مصدره على إفعال، فإن أظرف وأملح وأشكر مبنيات من ظرف وملح وشكر، ~~فالجميع مأخوذ من الظرف والملاحة والشكر، والمصادر تقع فى مواضع ms409 المصادر، ~~كوقوع السراح فى موضع التسريح، فى قوله تعالى: {وسرحوهن سراحا جميلا} (¬2) ~~ووقوع التبتيل فى موضع التبتل، فى قوله تعالى: {وتبتل إليه} PageV02P394 # {تبتيلا} (¬1) وعلى هذا نقول: اجتوروا تجاورا، فينوب التجاور مناب ~~الاجتوار، لأن اجتوروا وتجاوروا بمعنى واحد، وقال القطامى (¬2): # وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا # ومن هذا الباب قوله تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} (¬3) وقال رؤبة (¬4): # *وقد تطويت انطواء الحضب* # فوضع الانطواء موضع التطوى، كما وضع الآخر الاتباع موضع التتبع، لأن ~~تتبعت واتبعت واحد، كما أن تطويت وانطويت بمعنى، وقال تعالى: «أن يصالحا ~~بينهما صلحا» (¬5). # فعلى هذه القضية توجه تصغير أملح إلى الملاحة، لأن قولك: ما أميلح غزالك ~~معناه: ملح غزالك جدا، وهذا أسهل من وقوع المصدر عند قوم منا ومنكم موضع ~~المصدر (¬6)؛ لاتفاقهما فى المعنى، وليسا من لفظ واحد، كقولهم: إنى PageV02P395 # لأبغضه شناءة، وإنى لأشنؤه بغضا، ودعه تركا رفيقا، و {أمهلهم رويدا} (¬1) ~~وتبسم وميض البرق، ومنه {والعاديات ضبحا} (¬2) على قول الخليل، قال: يقال ~~فرس ضابح وضابع، إذا كان كثير الجرى، ومنه أيضا: # يعجبه السخون والبرود ... والتمر حبا ما له مزيد (¬3) # وقد جاء ما هو أشد من هذا، وهو إعمالهم ما ليس بواقع على الحدث عمل اسم ~~الحدث، لاتفاقهما فى اللفظ، وإن كانا متباينين فى المعنى، وذلك استعمال ~~العطاء موضع الإعطاء فى قوله: # /أكفرا بعد رد الموت عنى ... وبعد عطائك المائة الرتاعا (¬4) # وقستم عليه أيها الكوفيون: عجبت من دهنك الشعر، بضم الدال، فأجزتم ذلك فى ~~سعة الكلام، فإذا كنتم قد حملتم الدهن على الدهن فى العمل، لاتفاق اللفظ مع ~~اختلاف المعنى، فما الذى أنكرتم من حمل أملح فى التصغير على الملاحة، مع ~~اتفاقهما لفظا ومعنى؟ # وأما معارضتكم بقدنى، فهذه اللفظة من الشاذ الذى لا معرج عليه، PageV02P396 # ولا ملتفت إليه، فهى فى الشذوذ مثل منى وعنى (¬1)، وإنما حسن اتصال هذه ~~النون بقد وقط؛ لأنك تقول: قدك من كذا وقطك، أى اكتف، فتأمر بها كما تأمر ~~بالفعل، وإذا كانت من قبيل الشذوذ، فلا يسوغ أن يحمل المستفيض الشائع ms410 على ~~الفذ النادر، وقد قالوا مع هذا: قدى وقطى، قال نابغة بنى ذبيان (¬2): # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه (¬3) فقد # وقال آخر فجمع بين اللغتين: # قدنى من نصر الخبيبين قدى ... ليس الإمام بالشحيح الملحد (¬4) # فهل يمكنكم أن تأثروا عن عربى أنه يقول: ما أفرحى، كما قالوا: قدى؟ ~~ولعمرى إن ذلك غير ممكن، فهذا دليل على بطلان ما ذهبتم إليه، وفساد ما ~~عولتم عليه. # ومن أدلة مذهبنا أننا وجدنا أفعل التعجبي ينصب المعارف والنكرات، ووجدنا ~~أفعل الوصفى، كقولك: زيد أكثر منك علما، وأنجب غلاما، لا ينصب إلا النكرات ~~خاصة على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول، فلو كان أفعل فى قولنا: PageV02P397 # ما أفعله اسما كما تزعمون، لم ينصب المعارف، ألا ترى أنه لا يجوز: زيد ~~أكثر منك العلم، ولا زيد أعقل منك الغلام، كما يجوز: ما أكثر العلم فيهم، ~~وما أنجب الغلام منهم، وإذ قد ثبت هذا فى أفعل التعجبي، فهو فعل لا محالة. # /ومن أدلتنا أننا وجدناه مفتوح الآخر، فلولا أنه فعل ماض، لم يكن لبنائه ~~على الفتح وجه، إذ لو كان اسما لارتفع، من حيث وقع خبرا ل «ما» عند ~~الفريقين، إلا الأخفش، و «ما» فى موضع رفع بإجماع، فلو كان اسما لكان خبرا ~~مفردا، ووجب حينئذ رفعه، فلزوم الفتح لآخره يدل على أنه فعل ماض، وهو مع ~~فاعله المستتر فيه جملة فى موضع رفع، لوقوعها خبرا للمبتدإ. # جواب الفراء وأصحابه، قالوا: قد نصصتم على أن أفعل الوصفى لا ينصب إلا ~~النكرة خاصة، وقد وجدنا العرب أعملته فى المعرفة، وورد ذلك فى أشعارهم كقول ~~الحارث بن ظالم (¬1): # فما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا # نصب الرقاب بالشعر، والشعر جمع أشعر، ولا شبهة أن الجمع أضعف فى باب ~~العمل من واحده؛ لأن التكسير يباعده من شبه الفعل، لاستحالة التكسير فى ~~الفعل، وإذا بعد من الفعل بعد من العمل، فنصب الشعر للرقاب يفسد ما ~~استدللتم به. # وقال النابغة الذبياني (¬2): # ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له ms411 سنام (¬3) PageV02P398 # وقال آخر: # ولقد أغتدى وما صقع الدي ... ك على أدهم أجش الصهيلا (¬1) # فنصب الصهيلا بأجش، كما نصب النابغة الظهر بأجب. # وأما ما احتججتم به من فتح آخره، فليس بحجة، لأن التعجب أصله الاستفهام، ~~ففتح آخر أفعل للفرق بين المعنيين، فقولنا: ما أحسن عبد الله! أصله: ما ~~أحسن عبد الله؟ فعدلوا عن الاستفهام إلى التعجب، فغيروا أحسن، بفتح آخره، ~~ونصبوا عبد الله، ليفصلوا بين الاستفهام والخبر، هذا لفظ قول (¬2) الفراء. # /قالوا: ولنا قول آخر، وهو أن يحمل أفعل على أنه اسم بنى فى التعجب ~~لتضمنه معنى حرفه؛ لأن التعجب كان ينبغى أن يجيء له حرف، كما جاء فى ~~الاستفهام والشرط، والنفى والأمر والنهى، والتمنى والترجى، والتعريف ~~والتشبيه، والنداء والعطف، والاستثناء والتحضيض؛ وغير ذلك، حروف أدت ~~المعانى المقصودة والأغراض المطلوبة؛ إلا أنهم لم ينطقوا بحرف التعجب، ~~ولكنهم ضمنوا معناه هذا الكلام، فعقل به المعنى الذى كان يؤديه الحرف لو ~~نطق به، ونظير ذلك قولكم فى أسماء الإشارة: إنها بنيت لتضمنها معنى حرف ~~الإشارة، وإن لم ينطق للإشارة بحرف. # أو نقول: إنهم صاغوا للتعجب حرفا يدل عليه، ثم رفضوه، وضمنوا أفعل معناه، ~~فلما ناب عن الحرف الذي به كان يستفاد التعجب استحق البناء. # الجواب: أما بيت الحارث بن ظالم، فقد روى: «الشعر الرقابا» كما أوردتم، ~~وروى: «الشعرى رقابا» ونحن وإن لم ندفع الرواية الأولى، فالثانية عندنا ~~أوجه؛ لأنها PageV02P399 # أجرى على سنن الاستقامة فى الإعراب، وإذا سلمنا ما اعترضتم به، فإنه مع ~~وفاقنا عليه لا حجة لكم فيه؛ لأنه من باب: الحسن الوجه، والحسان الوجوه، ~~وقد قالوا: الحسن الوجه؛ بنصب الوجه، تشبيها بالضارب الرجل، كما قالوا: ~~الضارب الرجل، بخفض الرجل، تشبيها بالحسن الوجه، وهذا تشبيه لفظى، لأنهما ~~فى المعنى متباينان، من حيث كان الوجه فاعلا من طريق المعنى، لأن الحسن له، ~~والرجل مفعول به، لوقوع الضرب عليه، فما أبعد ما بينهما، إلا أن التشبيه ~~يكون تارة لفظيا وتارة معنويا. # فليس ما عارضتم به من هذا بمؤثر فيما احتججنا به، من جهة أن صواب ms412 الإعراب ~~خفض الرقاب من قوله: «الشعر الرقاب» لأن الإضافة هى الباب فى هذا النوع، ~~إذا كان فى الثانى الألف واللام. # فإن كان/أفعل التعجبي اسما كما زعمتم، فقولوا: ما أكرم الرجل، بخفض ~~الرجل، وإلا فما اعترضتم به ليس بشىء يلجأ إليه. # وأما روايتكم قول النابغة: «أجب الظهر» بفتحهما، فقد روى: «أجب الظهر» ~~بخفضهما، وروى: «أجب الظهر» بنصب «أجب» ورفع «الظهر» فالخفض فيهما هو ~~القياس، ومن نصب «الظهر» قدر فيه زيادة الألف واللام، ونصبه على التمييز، ~~وهذا مذهبكم فى باب حسن الوجه، ونحن نرى أنه مشبه بالمفعول. # ومن رفع «الظهر» جعله فاعلا، والتقدير عندنا: أجب الظهر منه، وعندكم أن ~~الألف واللام قامتا مقام العائد، وإذا كان الخفض هو الوجه، والرفع قد روى، ~~فلا دليل لكم إذن فى هذا البيت. # وكذلك قوله: «أجش الصهيلا» الوجه خفض «الصهيل» ولكنه نصبه على التشبيه ~~بالمفعول، أو جعله مميزا، على أن الألف واللام فيه زيادة، فهو على مذهبكم PageV02P400 # نكرة، فكيف يجوز أن تجعلوه لكم دليلا؟ ثم يمكن أن ينشد «أجش صهيلا» على ~~طريق الزحاف، أو أجش صهيلا» بالتنوين، فيستقيم وزنا وإعرابا. # وهبوا أننا سلمنا لكم صحة الإعراب بالنصب فى هذه الأبيات، وأجريناها فى ~~ذلك مجرى ما أكرم الرجل، فهل تقدرون أن توجدونا أفعل وصفيا نصب مضمرا أو ~~علما أو اسما من أسماء الإشارة؟ # وإذا كان هذا غير ممكن، ووجدنا أفعل فى التعجب يعمل فى جميع ضروب ~~المعارف، دل ذلك على استحالة الاسمية فيه، وبطل ما لجأتم إليه. # فأما قول الفراء إن أصل ما أحسن عبد الله: ما أحسن عبد الله؟ ففتحوا ~~«أحسن»، ونصبوا «عبد الله» فرقا بين الاستفهام والخبر، فقول لا يقوم عليه ~~برهان إلا بوحي من الله عز وجل، مع أن الفساد يعتوره، وإذا علم أنه دعوى لا ~~يمكن إقامة الدليل عليها، وجب أن لا نتشاغل بالجواب عنه، غير أننا نبين ~~فساده بما قدمناه/من الحجاج. # فنقول له: بم نصبت «أحسن» وهو مفرد فى محل الرفع؟ وبم نصبت «عبد الله» ~~وهو فى محل الخفض؟ فجوابه أن يعود ms413 إلى ما بدأ به، فيقول: للفرق بين ~~الاستفهام والتعجب، فنقول له: التفريق بين المعانى لا يوجب إزالة الإعراب ~~عن وجهه، فينصب اسما مرفوعا وآخر مجرورا، فيكون هو نفسه العامل فيهما ~~النصب، [وعلى أنه يفسد (¬1)] من وجه آخر، وهو أن التعجب إخبار، بدلالة دخول ~~الصدق والكذب فيه، فالاستفهام مباين له، فلا يصح أن يكون أصلا له، ولأننا ~~إذا قلنا: # ما أحسن عبد الله، فالتعجب وقع من جملته، وإذا قلنا: ما أحسن عبد الله؟ ~~فالاستفهام عن بعضه. # فأما القول الآخر، وهو تجويزهم أن يكون بنى لتضمنه معنى حرف PageV02P401 # التعجب، وإن لم تنطق العرب للتعجب بحرف، فلعمرى إنه كان ينبغى أن يصاغ له ~~حرف كما صيغ لغيره من المعانى حروف، أدى كل حرف منها المعنى الذى جاء له، ~~ولكنهم لما لم يفعلوا ذلك ضمنوا «ما» معنى حرفه، فبنوها، كما ضمنوا «ما» ~~الاستفهامية معنى الهمزة الاستفهامية، وضمنوا «ما» الشرطية معنى «إن» التى ~~وضعت للشرط، فبنوهما، ولم يكن للكلم الواقعة بعدهما علقة بالبناء، فكذلك ما ~~بعد «ما» التعجبية لا يكون له علقة بالبناء. # فبان بذلك أنه فعل ماض، واستحال قول من زعم أنه اسم. وبالله التوفيق. # ... PageV02P402 ### || AUTO فصل # قول الحباب بن المنذر الأنصارى: «أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب» ~~الجذيل: تصغير الجذل، وهو أصل شجرة يغرز فى حائط، فتحتك به الجربى من ~~الإبل، فأراد أنه يستشفى برأيه، كما تستشفى الإبل بالاحتكاك بالجذل. # /والعذق بفتح العين: النخلة، والعذق بكسرها: الكباسة، ومراده هاهنا ~~النخلة. وأصل الترجيب: التعظيم، يقولون: إن فلانا لمرجب، أى معظم، ومنه ~~اشتقاق «رجب» لأنهم كانوا يعظمونه، والترجيب أيضا: الدعم، وكانوا إذا مالت ~~النخلة الكريمة رجبوها، دعموها لئلا تسقط. # والأفكل: الرعدة. # والأجدل: الصقر. # والحضب (¬1) فى بيت العجاج: الحية. # والصيد: داء يصيب البعير فى عنقه فيميلها، ويسيل من أنفه ماء أصفر. # ويقال: أغيلت المرأة، وأغالت: إذا أرضعت ولدها وهى حامل، وذلك مذموم؛ ~~لأنه يضعف المرضع، ويسمى اللبن الذى يسقاه: الغيل. # ... PageV02P403 ### | CHECK المجلس الموفى الستين يتضمن [ذكر] الخلاف فى «نعم وبئس» بين البصريين وبين الفراء وأصحابه. # المجلس الموفى ms414 الستين # يتضمن [ذكر (¬1)] الخلاف فى «نعم وبئس» بين البصريين وبين الفراء # وأصحابه. # أجمع البصريون من النحويين على أن «نعم وبئس» فعلان، وتابعهم على بن حمزة ~~الكسائى (¬2). # وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء: هما اسمان (¬3)، وتابعه أبو العباس ~~أحمد بن يحيى ثعلب، وأصحابه، على اسميتهما، وإن كان لهما لفظ الفعل الماضى، ~~وذلك لأنهما نقلا إلى المدح والذم عن النعمة والبؤس اللذين يكون فيهما نعم ~~وبئس فعلين، كقولهم: نعم الرجل: إذا أصاب نعمة، وبئس: إذا أصاب بؤسا. # واحتج الفراء بقول العرب: ما زيد بنعم الرجل، وبقول حسان بن ثابت (¬4): PageV02P404 # ألست بنعم الجار يؤلف بيته ... أخا قلة أو معدم المال مصرما # وبقول بعض فصحاء العرب: «نعم السير على بئس العير (¬1)»، فدخول الباء و ~~«على» عليهما يحقق لهما الاسمية. # وقال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنبارى: سمعت أحمد بن يحيى ~~يحكي/عن سلمة بن عاصم، عن الفراء: أن أعرابيا بشر بابنة ولدت له، فقيل له: ~~نعم الولد هى! فقال: والله ما هى بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة، فهذا ~~أحد احتجاجاتهم. # وقال أبو بكر بن الأنبارى، فى كتابه الذى لقبه «بالواسط»: مما يؤيد قول ~~الفراء قول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فنداؤهم «نعم» يدل على ~~الاسمية فيها؛ لأن الفعل لا ينادى. # جواب البصريين: قالوا: ليس فيما أوردوه من دخول حرف الجر على «نعم وبئس» ~~حجة؛ لأنه مقدرة فيه الحكاية، وقد دخلت الباء فى هذا التقدير على فعل لا ~~شبهة فيه، وذلك فى قول الراجز: # والله ما ليلى بنام صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه (¬2) # فيجب (¬3) أن يحكموا للفعل الذى هو «نام» بالاسمية لدخول الباء عليه، ~~وليس ذلك من قولهم، وإذا كان الجار قد دخل على «نام» وهو فعل بإجماع، فكذلك ~~لا يكون «نعم وبئس» اسمين بدخول الجار عليهما، ولولا ما ذكرته لك من تقدير PageV02P405 # الحكاية فيما تعلقوا به، وفى البيت الذى أوردته، لم يسغ دخول حرف الجر ~~على «نعم وبئس» و «نام» ولكن التقدير: نعم السير على عير مقول فيه، أو ms415 يقال ~~فيه: بئس العير. # وكذلك قول حسان، التقدير فيه: ألست بجار مقول فيه: نعم الجار، ومثل ذلك ~~التقدير فى البيت الذى ذكرته: ما ليلى بليل مقول فيه: نام صاحبه، ولكنهم ~~حذفوا هذه الموصوفات، وأقاموا أوصافها مقامها، كما حذف الموصوف فى قوله ~~تعالى: {أن اعمل سابغات} (¬1) وقوله: {وذلك دين القيمة} (¬2) أراد: دروعا ~~سابغات، ودين الأمة القيمة، أو الملة القيمة، فصار التقدير: نعم السير على ~~مقول فيه: بئس العير، وأ لست بمقول فيه: نعم الجار، وما ليلى بمقول فيه: ~~نام صاحبه، /ثم حذفوا الصفة التى هى مقول، وأوقعوا المحكي بها موقعها؛ لأن ~~القول (¬3) قد كثر استعماله محذوفا كثرة استعماله مذكورا، فوليت الجملة حرف ~~الجر على هذا التقدير، كما وليت المضاف فى قول القائل: # مالك عندى غير سوط وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر # جادت بكفى كان من أرمى البشر (¬4) # أراد: بكفى رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف بالجملة، PageV02P406 # وأقامها مقامه، فوقعت الإضافة إلى الفعل لفظا، كما دخل الجار عليه فى ~~اللفظ، وهو فى التقدير داخل على غيره. # ونظير ذلك فى وقوع الجملة الاستفهامية وصفا فى شعر قديم، والاستفهام مما ~~لا يسوغ الوصف به، كما لا يجوز الوصل به، والصفة محمولة على الصلة، من حيث ~~كانت الصفة موضحة للموصوف، كإيضاح الصلة للموصول، وإنما استحال الوصف ~~بالاستفهام لما فيه من الإبهام، ولكنه وقع صفة مقدرا فيها الحكاية، فى قول ~~الراجز (¬1): # أقبلت أسعى معهم وأختبط ... حتى إذا جن الظلام المختلط # جاءوا بضيح هل رأيت الذئب قط # أى يقول من رآه: هل رأيت الذئب قط؟ والمعنى: جاءوا بلبن ممذوق أغبر فى ~~لون الذئب. # والضيح يضرب لونه إلى الخضرة والطلسة. # ومثل ذلك إيقاع الآخر الجملة الأمرية حالا فى قوله: # بئس مقام الشيخ أمرس أمرس (¬2) # أراد: بئس مقام الشيخ مقولا له: أمرس أمرس، ذم مقاما يقال له ذلك فيه. PageV02P407 # ومعنى أمرس أمرس: أعد أعد الحبل إلى موضعه من البكرة، يقال: مرس الحبل: ~~إذا وقع فى أحد جانبي البكرة، وأمرسته: إذا أعدته إلى مكانه منها. # فقد ترى هذه الأشياء ms416 كيف وقعت لسعة اللغة، فى غير مواقعها، ووليت ما ~~ليس/من شأنها أن تليه، وحسن ذلك شيئا (¬1)، ما ذكرته لك من اتساع إضمار ~~القول، حتى إنه فى الإضمار بمنزلته فى الإظهار، ألا ترى إلى كثرة إضماره فى ~~الكتاب العزيز، كقوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله} (¬2) أى يقولون: ما نعبد هؤلاء الآلهة إلا للقربة إلى ~~الله، وكقوله: # {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب* سلام عليكم} (¬3) أى يقولون ذلك، ~~وكقوله: {فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون} (¬4) أى يقولون: إنا لمغرمون، أى ~~معذبون. وتفكهون: تندمون، وكقوله: {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم} (¬5) أى: فيقال لهم: أكفرتم؟ وكقوله: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا} (¬6) التقدير: يقولون: ربنا أبصرنا ~~وسمعنا، ومثله: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل ~~منا} (¬7) أى يقولان ذلك. # فلما اتسع حذف القول فى كلامهم، استحسنوا إيقاعه على هذه الأشياء محذوفا. # فقد بان لك بما ذكرته، واتضح بما قررته أن الذى تشبثوا به من دخول الجار PageV02P408 # على «نعم وبئس» ليس بحجة يستند إليها، ولا يعول عليها. # وأما احتجاجهم بقول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فالقول فيه أن ~~المقصود بالنداء محذوف للعلم به، فالتقدير: يا الله نعم المولى ونعم النصير ~~أنت، فحذفوا المنادى، إذ كان حرف النداء دليلا عليه، كما حذفوا حرف النداء ~~لدلالة المنادى عليه فى نحو: # أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك وراد فما وردا (¬1) # أراد: يا كعب، ومثله فى التنزيل: {يوسف أعرض عن هذا} (¬2) و {فاطر ~~السماوات والأرض أنت وليي} (¬3). # ومثل قولهم: «يا نعم المولى» فى إيلاء حرف النداء الفعل قول ذى الرمة (¬4): # /ألا يا اسلمى يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # وقول الآخر (¬5): # ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر # أراد: ألا يا هذه اسلمى، ومثله للنمر بن تولب (¬6): # *فقالت ألا يا اسمع أجبك بخطة* PageV02P409 # وعلى هذا قرأ أبو جعفر يزيد ms417 بن القعقاع المدني، وأبو الحسن على بن حمزة ~~الكسائى: {ألا يسجدوا لله} (¬1) على الأمر بالسجود، وخففا اللام من «ألا» ~~لأنهما جعلاه استفتاحا، دخل على جملة ندائية، فالتقدير: ألا يا هؤلاء ~~اسجدوا، ولكن حذف المنادى لدلالة الكلام عليه، وحذف ألف «يا» من اللفظ ~~لسكون السين، ثم حمل الخط على اللفظ، فحذفت الألف خطا كما حذفت لفظا، فإن ~~وقفت على حرف النداء وقفت «ألا يا» ثم ابتدأت: اسجدوا (¬2). # فقد علمت بهذه الشواهد أن الذى اعتقدوه من نداء «نعم» ليس بصواب. # ومما يشهد شهادة قطع بفعلية «نعم وبئس» اتصالهما بتاء التأنيث الساكنة ~~التى ليس أحد من العرب يقلبها هاء، كما فعلوا ذلك فى تاء غرفة وغزالة ~~وظريفة، إذا وقفوا عليهن، وذلك قولهم: نعمت جارية هند، وبئست حاضنة جمل، ~~ألا ترى أن هذه التاء مخصوص بها الماضى لا تتعداه، فلا يسوغ الحكم باسمية ~~ما اتصلت به. # جواب الفراء ومن تابعه فى هذه المسألة، يتضمن اعتراضين واحتجاجات ثلاثة. # قالوا: إنما ولى حرف النداء من الفعل ما كان أمرا لمواجه، أو ما جرى مجرى ~~الأمر، ولم يله فيما علمناه فعل خبري، وإنما حسن حذف المنادى إذا صاحبه ~~الأمر شيئان: # /أحدهما: أن المنادى مخاطب والمأمور مخاطب، والخطاب فى الجملتين الندائية ~~والأمرية يتوجه إلى واحد، فحذفوا الاسم الأول من الاسمين المخاطبين استغناء ~~بالثانى، والدليل على أن المنادى مخاطب أنك إذا وصفته بالاسم الموصول جاز ~~أن تعيد إلى الموصول ضمير الخطاب، كقول أبى النجم العجلى: PageV02P410 # يا أيها الذكر الذى قد سؤتنى ... وفضحتنى وطردت أم عياليا (¬1) # وكقول الآخر (¬2): # ألا أي هذا المنزل الدارس الذى ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد # ونظير ذلك عود ضمير المتكلم إلى الموصول إذا أوقع الموصول خبرا عن ضمير ~~متكلم، كقول أمير المؤمنين عليه السلام: # أنا الذى سمتن أمى حيدره (¬3) # فهذا أحد الأمرين اللذين حسن لهما حذف المنادى. # والثانى: أن النداء يصحب فى الأكثر الأغلب الأمر، وما جرى مجراه من الطلب ~~والنهى، فلذلك قل فى القرآن نداء لا تصحبه جملة أمرية أو نهيية، فاتسعت ~~مصاحبته للأمر ms418 والنهى جدا، كقوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} (¬4) و {يا ~~أيها النبي اتق الله} (¬5) و {يا عباد فاتقون} (¬6) {ويا قوم استغفروا ~~ربكم} (¬7) و {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} (¬8) و ~~{يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم} (¬9) و {يا هامان ابن لي صرحا} ~~(¬10). PageV02P411 # وربما تقدمت جملة الأمر جملة النداء كقوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها ~~المؤمنون} (¬1) ولما جاءت جملة الخبر بعد النداء شفعتها جملة الأمر فى قوله تعالى: # {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} (¬2) فلما كان النداء والأمر جملتى ~~خطاب تصطحبان أبدا حسن حذف أحد الجزأين من الجملة الأولى للدلالة عليه، فى ~~نحو قوله: «ألا يا اسلمى» وقول الآخر «ألا يا اسمع» وليس كذلك قولهم: «يا ~~نعم المولى» لأن «نعم/المولى» خبر، فلا يسوغ تقدير المنادى فيه محذوفا، كما ~~ساغ ذلك فى نحو: «ألا يا اسمع» و «ألا يا اسلمى» وعلى أن ذا الرمة لما حذف ~~المنادى من الجملة الأولى ذكره فى جملة النداء الأخرى، فقال: «يا دارمى» ~~ليدل به على المحذوف، وكذلك قول الآخر: «ألا يا اسلمى يا هند» فليس فيما ~~استشهدتم به حجة قاطعة. # وأما استدلالكم بأن تاء التأنيث التى ليس أحد من العرب يبدل منها فى ~~الوقف هاء، مخصوص بها الماضى من الفعل، فغير مقبول؛ لأنها قد اتصلت بالحرف ~~فى قولهم: ربت وثمت، قال هبيرة بن أبى وهب (¬3): # ثمت رحنا كأنا عارض برد ... وقام هام بنى النجار يبكيها # وقال آخر (¬4): PageV02P412 # ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل # وقال آخر (¬1): # ماوى بل ربتما غارة ... شعواء كاللذعة بالميسم # فقد نقض لحاقها للحرف الأصل الذى بنيتم عليه، فما الذى يبعد أن يكون «نعم ~~وبئس» اسمين، لحقتهما هذه التاء كما لحقت رب وثم، وكان اتصالها بالاسم ~~شاذا، كاتصالها بالحرف، هذا على أن «نعم وبئس» ليست التاء لازمة لهما بوقوع ~~المؤنث بعدهما، كما تلزم الأفعال الماضية، ألا ترى أن قولك: قام المرأة ~~وجلس الجارية، ممتنع فى سعة الكلام، وقبيح استعماله فى الشعر مع الفصل، كقوله: # *لقد ولد ms419 الأخيطل أم سوء* (¬2) # وكقول الآخر: # إن امرأ غره منكن واحدة ... بعدى وبعدك فى الدنيا لمغرور (¬3) # وقولنا: نعم المرأة، وبئس الجارية، حسن يقوله أكثر العرب، وهذا دليل على ~~انتقالهما عن الفعلية، بدخولهما فى باب المدح والذم، وإنما ألحقهما التاء ~~من/ قال: نعمت الجارية، وبئست الخصلة، مراعاة لأصلهما. # ثم نستدل بعد ما قدمناه على أنهما اسمان بثلاثة أشياء، أحدها: ما جاء عن ~~العرب من قولهم: نعيم الرجل زيد، وليس فى أمثلة الأفعال فعيل، ألبتة. PageV02P413 # والثانى: أنهما غير متصرفين، فقد فارقا وباينا، بعدم تصرفهما، الأفعال. # والثالث: أنهما لو كانا على أصلهما من الفعلية لحسن اقتران الزمان بهما، ~~كسائر الأفعال، ولما لم يقولوا: نعم الرجل غدا، علم أن مذهب الفعلية قد ~~زايلهما. # هذا الاستدلال والذى قبله ذكرهما أبو بكر الأنبارى فى [كتابه الذى سماه] ~~(¬1) (الواسط). # جواب البصريين، يتلوه باقى حججهم: أما قولكم إنه لم يأت من الفعل ما ولى ~~حرف النداء إلا أمر المواجه، فلا فرق بين الفعل الأمرى والخبرى فى استحالة ~~وقوع كل واحد منهما بعد حرف النداء، إلا أن يفصل بينهما فى التقدير اسم، ~~فيتوجه النداء إليه، كما أن الفعل غير جائز أن يلى الفعل، إلا أن يحجز ~~بينهما فاعل فى النية، كقولك: زيد ليس يخرج، وعبد الله كان يزورك، فالفعلان ~~متلاصقان لفظا ومنفصلان تقديرا، فليس ما ألزمتمونا من مجىء الخبر بعد حرف ~~النداء بواجب، على أنه قد وليت الجملة الخبرية حرف النداء، بتقدير حذف ~~المنادى، من قوله: # يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار (¬2) # أراد: يا هؤلاء، لعنة الله على سمعان، فهذا فى كونه جملة خبرية بمنزلة: # نعم المولى. # ونقول بعد: قد اتفقنا وإياكم على أن الجمل لا تنادى، وأجمعنا على أن ~~قولنا: نعم الرجل، جملة، وإن اختلفنا فى نعم، فحكمنا بأنها فعل، وحكمتم ~~بأنها PageV02P414 # اسم، وإذا كان قولنا: يا زيد منطلق، ممتنعا، فكذلك يمتنع: يا نعم الرجل، ~~إلا أن تريد: يا هذا نعم الرجل أنت، على ما قدرناه فى قولهم: يا نعم ~~المولى. # وإذ قد ثبت هذا ms420 (¬1)، علم أن الذى/ذهبتم إليه لا يستقيم على وجه. # وأما قولكم: إن النداء الذى لم تصحبه جملة أمرية أو نهيية ليس بمتسع فى ~~القرآن، فغير صحيح، بل مجىء الجمل الاستفهامية والخبرية مع النداء، يكثر ~~كثرة مجىء الأمر والنهى، كقوله تعالى فى الخبر: {يا عباد لا خوف عليكم ~~اليوم} (¬2) و {يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا} (¬3) و {يا أبت هذا تأويل ~~رءياي من قبل} (¬4) و {يا قوم هذه ناقة الله لكم آية} (¬5) و {يا أيها ~~الناس أنتم الفقراء إلى الله} (¬6). # وقال فى الاستفهام: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع} (¬7) و {يا قوم ما لي ~~أدعوكم إلى النجاة} (¬8) و {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} ~~(¬9) و {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} (¬10) فقد تكافأت هذه ~~المعانى فى الكثرة، فليس لبعضها مزية على بعض. # وأما اعتراضكم بربت وثمت، فمدفوع مردود، لأن هذه التاء، وإن كانت ~~للتأنيث، ولم تنقلب فى الوقف (¬11)، ليست التاء فى نعمت، من حيث كانت PageV02P415 # مباينة لها من وجهين، أحدهما: أن التاء التى فى قولك: قامت المرأة، لحقت ~~الفعل لتأنيث الاسم المسند إليه الفعل، وعلى هذا الحد لحقت «نعم وبئس»، ~~والتاء التى فى ربت وثمت، لحقت لتأنيث الحرف نفسه، لا لتأنيث جزء آخر، ~~وكأنهم آثروا تأنيث شيء من الحروف، كما آثروا ذلك فى الظروف، فأنثوا قداما ~~وأماما ووراء، ودلوا على تأنيثهن بظهور الهاء فى قوله: «قديديمة التجريب» ~~(¬1) وفى نحو: # جلست أميمة زيد، وقمت وريئة (¬2) أخيك، فهذا فرق. # والفرق الآخر: أن التاء اللاحقة للفعل، أحد أوصافها السكون، والتاء ~~اللاحقة هذين الحرفين، وإن كانت لا تنقلب فى الوقف، ليست موافقة للتاء فى ~~قولك: قامت ونعمت، فى سكونها. # وأما اعتراضكم بأن التاء لا تلزم «نعم وبئس» مع وقوع المؤنث بعدهما، ~~فليس/بصحيح؛ لأنها تلزمهما فى لغة شطر العرب، كلزومها باب قام، فلا فرق ~~عندهم بين نعمت المرأة وقامت المرأة، وإنما استحسن حذفها الذين قالوا: نعم PageV02P416 # المرأة، وإن لم يجز عندهم: قام المرأة، إلا مع الفصل فى الشعر؛ لأن ms421 ~~المرأة فى قولهم: نعم المرأة، واقعة على الجنس وقوع الإنسان على الناس، فى ~~قوله تعالى: # {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها} (¬1) وقوله: {إن الإنسان خلق ~~هلوعا} (¬2) ألا ترى أنه قال بعد فى الآية الأولى: {وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} وقال فى الآية الثانية: {إلا المصلين} ولو ~~قلت: قام زيد إلا إخوتك، كان محالا؛ لأن حد الاستثناء عكس هذا. # وإذا كان ما يرتفع بنعم وبئس واقعا على الفريقين، وكان التقدير فى قولنا: ~~نعم الرجل زيد، وبئس الغلام خالد: زيد محمود فى الرجال، وخالد مذموم فى ~~الغلمان، فمعلوم أن أسماء الأجناس والجموع تذكر أفعالهما وتؤنث، كما جاء فى ~~آية {إذ قالت الملائكة} (¬3) وفى أخرى: {فسجد الملائكة} (¬4) وجاء فى وصف ~~اسم الجمع: # {كأنهم أعجاز نخل منقعر} (¬5)، و {كأنهم أعجاز نخل خاوية} (¬6) فذكر فعل ~~الجمع وأنث، وذكرت صفة [اسم (¬7)] الجنس وأنثت، فنعم المرأة إذن بمنزلة ~~{وقال نسوة في المدينة} (¬8) ونعمت المرأة بمنزلة قول الشاعر: # آمت نساء بنى أمية منهم ... وبناتهم بمضيعة أيتام (¬9) PageV02P417 # ولهذه العلة أسقط العلامة فى هذا الباب من أسقطها، وإذا كانوا قد أسقطوها ~~فى حال السعة من فعل المؤنث الحقيقى، فى قولهم: حضر القاضى اليوم امرأة، ~~فليس بمستنكر سقوطها من فعل المؤنث الواقع على الجنس، وقد قالوا: # ما قام إلا هند، وما خرج إلا المرأة، فاختاروا طرح العلامة، فلم يثبتوها ~~إلا لضرورة شعر. # فإن قلتم: إنما طرحت العلامة فى هذا، تنبيها على المعنى، لأن التقدير: # ما قام أحد/إلا هند، وما خرج أحد إلا المرأة. # قلنا: كذاك هو، ولكن اللفظ على أن هندا والمرأة غير بدل، وإن كان المعنى ~~على أنهما مبدلتان من «أحد» المقدر، كما أن اللفظ على أن عرقا، فى قولنا: # تصببت عرقا، غير فاعل، والمعنى على أنه فاعل. # فهذا كله مما يزيل الاستيحاش من قولهم: نعم المرأة، ويدل على أن «نعم» لا ~~يكون بحذف العلامة منه منتقلا عن الفعلية. # وأما استدلالكم بقولهم: نعيم الرجل زيد، فهذا مما رواه قطرب وحده (¬1). # وإذا صح ذلك عن ms422 العرب، فليس بحجة لكم، لأن «نعم» أصله نعم، مثل علم، وكل ~~ما جاء على مثال فعل وثانيه حرف حلقى، فلهم فيه أربعة أوجه، أحدها: ~~استعماله على أصله كفخذ، وقد ضحك. # والثانى: إسكان عينه وإقرار فائه على الفتح، تقول: [فخذ (¬2)]، وقد ضحك ~~زيد. PageV02P418 # والثالث: إتباع فائه عينه فى الكسر، تقول: فخذ، وقد ضحك. # والرابع: إسكان عينه بعد كسر فائه، تقول: فخذ، وقد ضحك بكر. # وقرأ بعض القراء: «فنعما هي» (¬1) بفتح النون وكسر العين، وقرأ آخرون: # {فنعما} بكسرهما، وقرأ يحيى بن وثاب: {فنعم عقبى الدار} (¬2) بفتح النون ~~وسكون العين، وأنشدوا لطرفة: # ففداء لبنى قيس على ... ما أصاب الناس من سر وضر (¬3) # ما أقلت قدمى إنهم ... نعم الساعون فى الأمر المبر # وإذا ثبت هذا فالياء فى قولهم: نعيم الرجل، إشباع، كما أشبع الفرزدق كسرة ~~الراء من الصيارف، والهاء من الدراهم، فنشأت عن الكسرة الياء، فى قوله: # /تنفى يداها الحصى في كل هاجرة ... نفى الدراهيم تنقاد الصياريف (¬4) # وكما أشبع الآخر الضمة، فنشأت عنها الواو، فى قوله: # من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور (¬5) # أراد: فأنظر، وأنشد أبو على وغيره: PageV02P419 # عيطاء جماء العظام عطبول ... كأن في أنيابها القرنفول (¬1) # وكما أشبع الآخر الفتحة فنشأت عنها الألف، فى قوله: # وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح (¬2) # أراد بمنتزح، أى بمكان نازح، فمنتزح مفتعل من النزوح، ومثله لعنترة (¬3): # ينباع من ذفرى غضوب جسرة # أراد ينبع، يعنى العرق، فأشبع فتحة الباء. # وأما احتجاجكم بعدم التصرف فى هاتين اللفظتين، وأن العرب لم يقرنوا بهما ~~الزمان، فيقولوا: نعم الرجل أمس، ولا نعم الرجل غدا. # فالجواب عن ذلك أن امتناعهما من الاقتران بأمس، لكم أن تتعلقوا به؛ ~~لأنهما عندنا فعلان ماضيان، وأما امتناعهما من الاقتران بغد، فغير مستنكر ~~ذلك فى الأفعال الماضية، فما أبعد من الصواب استنكاركم أن العرب لم تقل: ~~نعم الرجل غدا، حتى جعلتم ذلك حجة لكم، وبجح (¬4) به أبو بكر محمد بن ~~القاسم، فضمنه PageV02P420 # كتابه، وإنما امتنع «نعم وبئس» من الدلالة على الزمان الماضى، وسلبا ~~التصرف، فلم يصوغوا ms423 منهما مضارعا، ولا اشتقوا من لفظهما اسم فاعل؛ لأن ~~«نعم» موضوع لغاية المدح، «وبئس» موضوع لغاية الذم، فجعلت دلالتهما على ~~الزمان مقصورة على الآن؛ لأنك إنما تمدح أو تذم بما هو موجود فى الممدوح أو ~~المذموم، ولا تمدح ولا تذم بما كان فزال، ولا بما سيكون ولم يقع، فلذلك ~~استحال اقترانهما بالزمان الماضى، وبعدا (¬1) غاية البعد من المستقبل، فلم ~~يبنوا لهما مضارعا؛ لأن المضارع إنما يتكلف [له (¬2)] فى بنائه زيادة حروف ~~(¬3) المضارعة، للحاجة إلى دلالته على الزمان الحاضر أو المستقبل، فإذا كان ~~«نعم وبئس» وهما على لفظ المضى قد أفادا الدلالة على الحاضر من الزمان ~~باقتضاء المعنى، وكان المدح والذم/بما لم يقع مستحيلين، وجب أن لا يصاغ ~~لهما مضارع؛ لأن الاحتياج إلى اشتقاق المضارع قد سقط، ومن هاهنا وجب أن لا ~~يبنى منهما اسم فاعل؛ لأن اسم الفاعل لا يعين الزمان؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ~~زيد ضارب جعفر، جاز أن يكون ضربه فى وقت إخبارك، وجاز أن يكون ماضيا، وجاز ~~أن يكون متوقعا، فلما كان عاما للأزمنة الثلاثة استحال بناؤه منهما. # فقد وضح بهذه الجملة أن هذين الفعلين، إنما جمدا بنقلهما (¬4) إلى معنى ~~لم يكن لهما فى أصل وضعهما، فترك تصريفهما للمعنى المراد بهما، فليس عدم ~~تصرفهما بدليل على انتقالهما عن الفعلية. # وإذا كان كذلك علم أن ما أخلدتم إليه ليس بدليل يعول عليه PageV02P421 # هذا على أن لنا حجة ثانية وثالثة ورابعة. # فالثانية: ما رواه الكسائى، من اتصال الضمير بهما على حد اتصاله بالفعل ~~المتصرف، وذلك فى قولهم: نعما رجلين، ونعموا رجالا. # والثالثة: بناؤهما على الفتح من غير عارض لهما، فمن ادعى أنهما اسمان ~~لزمه أن يوضح العلة فى فتحهما. # والرابعة: أنهما رافعان ناصبان، يرفعان المعارف، من نحو: {فلنعم ~~المجيبون} (¬1) و {بئس مثل القوم} (¬2) وينصبان النكرات، من نحو: زيد نعم ~~رجلا و {بئس للظالمين بدلا} (¬3) فنعم الرجل، بمنزلة كرم الرجل، وفلان بئس ~~رجلا، بمنزلة لؤم رجلا. # فهذه أدلة كلها تشهد لهما بانتفاء الاسمية، ورسو قدمهما فى الفعلية. ~~وبالله التوفيق. ms424 # ... PageV02P422 ### | AUTO المجلس الحادى والستون # ذكر أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، صاحب كتاب الأغانى (¬1)، حديثا ~~رفعه إلى أبى ظبيان الحمانى، قال: اجتمعت جماعة من الحى على شراب، فتغنى ~~أحدهم بقول حسان (¬2): # إن التى ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل # /كلتاهما حلب العصير فعاطنى ... بزجاجة أرخاهما للمفصل # فقال رجل منهم: كيف ذكر واحدة بقوله: «إن التى ناولتنى فرددتها» ثم قال: ~~«كلتاهما حلب العصير» فجعلها اثنتين، (¬3) وقال أبو ظبيان: فلم يقل أحد من ~~الجماعة جوابا، فحلف رجل منهم بالطلاق ثلاثا، إن بات ولم يسأل القاضى عبيد ~~الله بن الحسن (¬4)، عن تفسير هذا الشعر. PageV02P423 # قال: فسقط فى أيدينا ليمينه، ثم أجمعنا على قصد عبيد الله، فحدثنى بعض ~~أصحابنا السعديين قال: فيممناه نتخطى إليه الأحياء، فصادفناه فى مسجده، ~~يصلى بين العشاءين، فلما سمع حسنا أوجز فى صلاته، ثم أقبل علينا، فقال: ~~حاجتكم، فبدر رجل منا كان أحسننا نفثة (¬1)، فقال: نحن، أعز الله القاضى، ~~قوم نزعنا إليك من طريق (¬2) البصرة، فى حاجة مهمة، فيها بعض الشىء، فإن ~~أذنت لنا قلنا، فقال: قولوا، فذكر يمين الرجل والشعر. # فقال: أما قوله: «إن التى ناولتنى» فإنه يعني الخمر، وقوله: «قتلت» أراد ~~مزجت بالماء، وقوله: «كلتاهما حلب العصير» يعنى الخمر ومزاجها، فالخمر عصير ~~العنب، والماء عصير السحاب، قال الله تعالى: {وأنزلنا من المعصرات ماء ~~ثجاجا} (¬3) انصرفوا إذا شئتم. # وأقول: إن هذا التأويل يمنع منه ثلاثة أشياء، أحدها: أنه قال: كلتاهما، ~~وكلتا موضوعة لمؤنثين، والماء مذكر، والتذكير أبدا يغلب على التأنيث، ~~كتغليب القمر على الشمس، فى قول الفرزدق: # لنا قمراها والنجوم الطوالع (¬4) PageV02P424 # أراد لنا شمسها وقمرها، وليس للماء اسم آخر مؤنث فيحمل على المعنى، كما ~~قالوا: «أتته كتابى فاحتقرها» (¬1) لأن الكتاب فى المعنى صحيفة، وكما قال ~~الشاعر (¬2): # قامت تبكيه على قبره ... من لى من بعدك يا عامر # تركتنى فى الدار ذا غربة ... قد ذل من ليس له ناصر # /كان الوجه أن يقول: ذات غربة، وإنما ذكر لأن المرأة إنسان، فحمل على ~~المعنى. # والثانى: أنه قال: «أرخاهما للمفصل» وأفعل هذا ms425 موضوع لمشتركين (¬3) فى ~~معنى وأحدهما يزيد على الآخر فى الوصف به، كقولك: زيد أفضل الرجلين، فزيد ~~والرجل المضموم إليه مشتركان فى الفضل، إلا أن فضل زيد يزيد على فضل ~~المقرون به، والماء لا يشارك الخمر فى إرخاء المفصل. # والثالث: أنه قال فى الحكاية: «فالخمر عصير العنب» وقول حسان: # «حلب العصير» يمنع من هذا؛ لأنه إذا كان العصير الخمر، والحلب هو الخمر، PageV02P425 # فقد أضيفت الخمر إلى نفسها، والشىء لا يضاف إلى نفسه. # والقول فى هذا عندى أنه أراد: كلتا الخمرين، الصرف والممزوجة، حلب العنب، ~~فناولنى أشدهما إرخاء للمفصل. # فرق اللغويون بين المفصل والمفصل، فقالوا: إن المفصل بكسر الميم وفتح ~~الصاد: اللسان، وهو بفتح الميم وكسر الصاد: واحد مفاصل العظام، وهو فى بيت ~~حسان يحتمل الوجهين. # ... ذكر أبو سعيد السيرافى فى قولهم: «أكلونى البراغيث (¬1)» ثلاثة أوجه، ~~أحدها: ما قاله سيبويه (¬2)، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة، ~~وليست ضميرا. # والوجه الثانى: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلونى خبرا مقدما، تقديره: # البراغيث أكلونى. # والوجه الثالث: أن تكون الواو فى «أكلونى» ضميرا على شرط التفسير، ~~والبراغيث بدل منه، كقولك: ضربونى وضربت قومك، فتضمر قبل الذكر على شرط ~~التفسير، وقد كان الوجه فى قولهم: أكلونى البراغيث على تقديم (¬3) علامة ~~الجماعة، أن يقال: أكلتنى البراغيث، لأن البراغيث مما لا يعقل، وضمير مالا ~~يعقل كضمير جمع المؤنث، إلا أنهم جعلوا البراغيث مشبهة بما يعقل، حين وصفت ~~بالأكل، فأجريت مجرى ما يعقل، ولذلك نظائر، /منها قوله تعالى: # {إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (¬4) لما PageV02P426 # وصفها بالسجود الذى لا يكون إلا لما يعقل، أجراها مجرى ما يعقل، وكذلك ~~القول فى قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} (¬1) لما جرى الخطاب ~~لها مجرى خطاب ما يعقل، أجريت مجرى ما يعقل # ذكر هذا أبو سعيد فى شرح كتاب سيبويه. # وأقول: إنه وهم فى هذا القول؛ لأن مالا يعقل بمنزلة الأناسى فى وصفهم ~~بالأكل، كقولنا: أكلت السنور الفأرة، وأكل السبع الشاة، فلا يجوز أن تقول: # أكلوهم السباع، كما تقول: ms426 القوم أكلوا الطعام. # والوجه عندى أن يحمل قولهم: أكلونى البراغيث، على غير الأكل الحقيقى، ~~ولكن (¬2) نحمله على الأكل الذى يراد به التعدى والظلم، كقولهم: أكل فلان ~~جاره، إذا تعدى عليه، وعلى ذلك قول علفة بن عقيل بن علفة لأبيه: # أكلت بنيك أكل الضب حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل (¬3) # وهذا المعنى لا يكون إلا من ذوى العقل، فلما وصفوا به البراغيث أجروها ~~مجرى العقلاء؛ لأنه قد جرى مجرى السجود الذى لا يكون إلا من العقلاء. # وقول علفة لأبيه: «أكل الضب» معناه مثل أكل الضب أولاده، لأن الضباب تأكل ~~أولادها إلا القليل، فجعل تعديه على بنيه وظلمه لهم كأكل الضب ولده، مبالغة ~~فى وصفه بالبغى عليهم، والظلم لهم. # ... PageV02P427 ### || AUTO مسألة # سألنى سائل عن جواز طلع الشمس، وامتناع الشمس طلع. # فقلت: إنما امتنع قولك [الشمس طلع لامتناع قولك (¬1)] الشمس طالع، ووجه ~~امتناع هذا أن الخبر المفرد حكمه حكم المخبر عنه؛ فى تذكيره وتأنيثه، ~~وتوحيده وتثنيته وجمعه، من حيث/كان الخبر المفرد هو المخبر عنه، فلما وقع ~~فعل موقع فاعل، لحقته التاء وجوبا كما لحقت اسم الفاعل. # ... PageV02P428 ### || AUTO فصل # اختص المعتل بأشياء، أحدها: ما جاء على فيعل، لا يكون ذلك إلا فى المعتل ~~العين (¬1)، نحو سيد وميت وهين ولين وبين. # والثانى: ما جاء من جمع فاعل على فعلة، لم يأت إلا فى المعتل اللام، كقاض ~~(¬2) وقضاة، وداع ودعاة، وغاز وغزاة. # والثالث: ما جاء من المصادر على فيعلولة (¬3)، اختص بذلك المعتل العين، ~~نحو قولهم: بان بينونة، وصار صيرورة، وكان كينونة، الأصل عند سيبويه: ~~بينونة وصيرورة، وكيونونة، ثم كينونة، قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء ~~لاجتماع الياء والواو وسبق الأولى بالسكون، وقال غيره: هو فعلولة، وكلاهما ~~لم يأت مصدرا فى الصحيح، وقولهم: كينونة يدل على ما قاله سيبويه؛ لأنه لو ~~كان فعلولة لقيل: # كونونة، ولكنهم لما خففوه أبقوا الياء، كما قالوا فى تخفيف ميت وهين: ميت وهين. # والرابع: ما جاء من المصادر على فعل، فهذا مما اختص به المعتل اللام، ~~وذلك قولهم: التقى والهدى والسرى. # قال سيبويه ms427 (¬4): قد جاء فى هذا الباب، يعنى باب اعتلال اللام، المصدر ~~على فعل، قالوا: هديته هدى، وذلك أن الفعل المعتل المكسور الأول، لم يأت ~~مصدرا PageV02P429 # في هديت، فصار فعل عوضا منه. وقالوا: قريته قرى، وقليته قلى، فأشركوا ~~بينهما، فصار فعل عوضا من الفعل في المصدر. وقال: قد دخل كل واحد من فعل ~~وفعل على صاحبه، لأنهما أخوان، قالوا: كسوة وكسى، وجذوة وجذى، وصوة (¬1) ~~وصوى. قال: ومن العرب من يقول: رشوة ورشا، ومنهم من يقول: رشوة ورشا، وحبوة ~~وحبا، وأكثر العرب يقول: رشا وكسى وجذى، بكسر أوائلهن. # ... PageV02P430 ### || AUTO تعريب آية # / يقال فى قوله تعالى: {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين} (¬1) ما إعراب الكاف فى {كذلك} وبم انتصب {حقا}؟ # الجواب: أن العامل فيه {ننجي} الأول، والإشارة بذلك إلى إنجاء من أنجاه ~~الله مع نوح ومع موسى عليهما السلام، فيما قصه فى السورة، ثم قال: {فهل ~~ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} (¬2) يعنى أيام العذاب {قل ~~فانتظروا} أى انتظروا نزول العذاب، وعقب ذلك بقوله: {ثم ننجي رسلنا والذين ~~آمنوا كذلك} أى إنجاء مثل (¬3) ذلك الإنجاء الذى تقدم ذكره. # وقوله {حقا} نعت لمصدر الفعل الذى بعده، كأنه استؤنف فقيل: إنجاء حقا ~~علينا ننجى المؤمنين. # وأما {علينا} فإن شئت علقته بقوله: {حقا} لأن فعله يتعدى بعلى تقول: يحق ~~عليك أن تفعل كذا، وإن شئت جعلته وصفا له، فعلقته بمحذوف، كأنه قيل: حقا ~~واجبا علينا. # ... قرأ بعض أصحاب القراءات الخارجة عن قراءات السبعة: {إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي} (¬4) بالنصب، وقرأ آخرون: {النبي} ~~بالخفض، فمن PageV02P431 # نصب عطفه على الهاء من قوله: {اتبعوه} أى اتبعوه واتبعوا هذا النبى. # ومن خفض عطفه على {بإبراهيم} فالتقدير: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا ~~النبى للذين اتبعوه. # ومن رفع عطفه على {للذين اتبعوه} فالتقدير: إن أولى الناس بإبراهيم ~~المتبعون له، وهذا النبي. # ... قوله تعالى حاكيا عن امرأة العزيز: {هيت لك} (¬1) معنى هيت: هلم، أى ~~تعال إلى ما أدعوك إليه، وقوله {لك} أى إرادتى بهذا لك، ms428 فهذه اللام للتبيين ~~(¬2)، PageV02P432 # وكذلك «لك» فى قولهم: سقيا لك، ورعيا لك، التقدير: سقاك الله سقيا، ورعاك ~~رعيا، «ولك» /تبيين، أى هذا لك. # وقوله: سقيا ورعيا، وما أشبههما من المصادر المنصوبة، كقولهم فى الدعاء ~~على الرجل: جدعا له، وعقرا له، مما اختزل الناصب له، فلم يجز إظهاره. # ... من قبيح التضمين قول بشر بن أبى خازم (¬1). # وكعبا فسائلهم والرباب ... وسائل هوازن عنا إذا ما # لقيناهم كيف نعليهم ... بواتر يفرين بيضا وهاما # ومثله للنابغة الذبيانى (¬2): # وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إنى # شهدت لهم مواطن صادقات ... أتينهم بصدق الود منى # وقول أعشى قيس (¬3): # فلله عينا من رأى من عصابة ... أشد إذا حام الكماة من التى # أتتنا من البطحاء يبرق بيضها ... وقد بذخت فرسانها وأدلت # ... PageV02P433 # قوله تعالى: {فراغ عليهم ضربا باليمين} (¬1) معناه: فمال عليهم يضربهم ~~ضربا، وإن شئت كان انتصاب «ضربا» على الحال، كقولك: أتيته مشيا، أى ماشيا، ~~ومثله: {ثم ادعهن يأتينك سعيا} (¬2) أى ساعيات. # و {باليمين} فيه قولان: قيل باليد اليمنى، وقيل بالقوة، وأنشدوا قول ~~الشماخ (¬3): # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # قالوا: أراد بالقوة، كما جاء فى التنزيل: {خذوا ما آتيناكم بقوة} (¬4). # ويجوز أن يراد باليمين فى الآية القسم، وتكون الباء بمعنى لام العلة، أى ~~مال عليهم يضربهم لليمين التى حلفها، وهى قوله: {وتالله لأكيدن أصنامكم} ~~(¬5) ونظير وضع الباء فى موضع اللام وضعها فى قوله تعالى: {فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم} (¬6) أى فلنقضهم. # ... PageV02P434 # /إن قيل: إن لفظة «بين» الظرفية تقتضى اثنين فصاعدا، كقولك: # جلست بين الرجلين، وبين الرجال، وبين زيد ومحمد، ومحال أن تقول: جلست بين ~~زيد، فتقتصر على واحد، فكيف جاء فى التنزيل: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (¬1) و «ذلك» إنما يشار به إلى الواحد، ~~وكان حق الكلام: بين ذينك، وكذلك قوله: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} (¬2). # فالجواب: أن هذا إنما جاز، لأنهم قد يشيرون ب «ذلك» إلى الجمل والحديث ~~الطويل المشتمل على كلم كثيرة، كقولك لمن قال: زيد ms429 منطلق، وقد خرج محمد، ~~وسينطلق جعفر: قد عرفت ذلك، ومثله فى التنزيل: {ضربت عليهم الذلة أين ما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} (¬3) ونظير هذا فى التنزيل ~~أيضا {لا نفرق بين أحد منهم} (¬4) وجاز هذا لأن «أحدا» موضوع للعموم، فلهذا ~~لا يستعمل إلا فى النفى، تقول: ما جاءنى أحد، ولا يجوز: جاءنى أحد، ولو ~~قلت: لا أفرق بين واحد منهم، لم يجز. # ومما جاء فى الشعر نظيرا لقوله: {وكان بين ذلك قواما} وقوله: {عوان بين ~~ذلك} قول ابن الدمينة (¬5): # عدمتك من نفس فأنت سقبتنى ... بكأس الهوى في حب من لم يبالك # ومنيتنى لقيان من لست لاقيا ... نهارى ولا ليلى ولا بين ذلك # أى: ولا بين الليل والنهار، أراد بالوقت الذى بين الليل والنهار، الظل ~~الذى PageV02P435 # ذكره الله عز وجل فى قوله: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} (¬1) وهو من بعد ~~طلوع الفجر إلى قبل طلوع الشمس. # ... PageV02P436 ### || CHECK فصل /عطف اسم الفاعل على «يفعل»، وعطف «يفعل» على اسم الفاعل # فصل # /عطف اسم الفاعل على «يفعل» (¬1)، وعطف «يفعل» على اسم الفاعل # ، جائز؛ لما بينهما من المضارعة التى استحق بها «يفعل» الإعراب، واستحق ~~بها اسم الفاعل الإعمال، وذلك جريان اسم الفاعل على «يفعل»، ونقل «يفعل» من ~~الشياع إلى الخصوص بالحرف (¬2) المخصص، كنقل الاسم من التنكير إلى التعريف ~~بالحرف المعرف، فلذلك جاز عطف كل واحد منهما على صاحبه، وذلك إذا جاز وقوعه ~~فى موضعه، كقولك: زيد يتحدث وضاحك، وزيد ضاحك ويتحدث؛ لأن كل واحد منهما ~~يقع خبرا للمبتدإ، ولما دخل على المبتدأ من العوامل، كباب كان وباب إن، ~~وكذلك مررت برجل ضاحك ويتحدث، وبرجل يتحدث وضاحك، لأن «يفعل» مما يوصف به ~~النكرات، فمن عطف الاسم على الفعل قول الراجز: # بات يغشيها بعضب باتر ... يقصد فى أسوقها وجائر (¬3) PageV02P437 # ومن عطف الفعل على الاسم قوله تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ~~ويقبضن} (¬1). # فإن قلت: سيتحدث زيد وضاحك، لم يجز، ms430 لأن ضاحكا لا يقع موقع يتحدث فى هذه ~~المسألة؛ من حيث لا يلى الاسم السين لأنها من خصائص الفعل، وكذلك مررت ~~بجالس ويتحدث، لا يجوز، لأن حرف الجر لا يليه الفعل، فإن عطفت اسم الفاعل ~~على «فعل» (¬2)، لم يجز، لأنه لا مضارعة بينهما، فإن قربت «فعل» إلى الحال ~~(¬3) بقد، جاز عطف اسم الفاعل عليه، كقول الراجز (¬4). # أم صبي قد حبا ودارج # فإن كان اسم الفاعل بمعنى «فعل»، جاز عطف الماضى عليه، كقوله تعالى: {إن ~~المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله} (¬5) لأن التقدير: إن الذين ~~تصدقوا/واللاتى تصدقن. # ... PageV02P438 ### || AUTO الكلام على آية # قوله تعالى: {يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه} # (¬1) # أى يدعو الوثن الذى لا يضر ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، وقوله: {يدعوا ~~لمن ضره أقرب من نفعه} ومعناه: الضرر بعبادته أقرب من النفع بها. # فإن قيل: كيف قال: {أقرب من نفعه} ولا نفع من قبله ألبتة؟ # قيل: لما كان فى قوله: {لمن ضره أقرب من نفعه} تبعيد لنفعه، والعرب تقول ~~لما لا يصح فى اعتقادهم تكونه: هذا بعيد، جاز الإخبار ببعد نفع الوثن، ~~والشاهد بذلك قوله تعالى حاكيا عنهم: {أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} (¬2). # واختلف المفسرون فى هذه اللام، فذهب قوم من البصريين والكوفيين إلى أن ~~معناها التأخير، فالتقدير: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وجاز تقديمها ~~وإيلاؤها المفعول؛ لأنها لام التوكيد واليمين، فحقها أن تقع أول الكلام، ~~فقدمت لتعطى حقها، وإن كان الأصل أن يليها المبتدأ، كما أن لام «إن» حقها ~~أن تدخل على اسم إن، فلما لم يجز أن تلى إن، لأنها بمعناها فى التوكيد، وفى ~~تلقى اليمين بها، جعلت فى الخبر، كقولك: إن زيدا لقائم (¬3)، لما لم يجز: ~~إن لزيدا قائم، فإذا أمكن أن تدخل على الاسم كان ذلك أجود، كقوله: {إن في ~~ذلك لآية} (¬4) فتقديمها على المفعول PageV02P439 # فى الآية إيذان بأن حقها الوقوع فى أول الكلام، وسوغ ذلك أنها لمجرد ~~التوكيد، فاللفظ بها يفيد التوكيد، تقدمت أو تأخرت، وليست بعاملة كعلى، في ms431 ~~قول الراجز: # إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل (¬1) # أراد: من يتكل عليه، وهذا تقديم قبيح، سوغته الضرورة (¬2)، وقد اعترض على ~~هذا القول بأن اللام فى صلة «من» فتقديمها على الموصول غير جائز. # /والجواب عن هذا الاعتراض: أنها حرف لا يفيد إلا التوكيد، وليست بعاملة ~~كمن المؤكدة، فى نحو: ما جاءني من أحد، فدخولها وخروجها سواء، فلذلك جاز ~~تقديمها. # ويمكن أن لا تكون «من» هاهنا موصولة، بل تكون نكرة، فى معنى شيء، مثلها ~~فى قول سويد بن أبى كاهل: # رب من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنى لى موتا لم يطع (¬3) # أراد رب إنسان، وكذلك هى فى قول كعب بن مالك الأنصاري (¬4): PageV02P440 # فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبى محمد إيانا # المعنى: على حي غيرنا، أو قوم غيرنا، ولذلك قدرها الكسائى باسم نكرة، ~~فقال: اللام فى غير موضعها، و «من» فى موضع نصب بيدعو، والتقدير: يدعو من ~~لضره أقرب من نفعه، أى يدعو إلها لضره أقرب من نفعه. # وقال أبو العباس محمد بن يزيد: {يدعوا} فى موضع الحال، والمعنى: # ذلك هو الضلال البعيد فى حال دعائه إياه، وقوله {لمن} مستأنف مرفوع ~~بالابتداء، وقوله: {ضره أقرب من نفعه} صلته، و {لبئس المولى} (¬1) خبره. # وهذا الذى قاله يستقيم، لو كان فى موضع يدعو: يدعى، فيكون تقديره (¬2): # ذلك هو الضلال البعيد مدعوا، فيكون حالا من الضلال، فمجيئه بصيغة فعل ~~الفاعل، وليس فيه ضمير عائد على المدعو، يبعده من الصواب. # وقال الأخفش (¬3): {يدعوا}: فى معنى يقول. و {لمن} فى موضع رفع ~~بالابتداء، و {ضره أقرب من نفعه} صلته، وخبره محذوف، أى يقول لمن ضره أقرب ~~من نفعه [هو مولاى] (¬4) بهذا اللفظ ذكره الزجاج فى معانى القرآن (¬5)، ~~فكأنه إنما قدر الخبر «مولاى» لقوله: {لبئس المولى}. PageV02P441 # وغير الزجاج قال: التقدير: يقول لمن ضره أقرب/من نفعه إلهه (¬1). قال ~~الزجاج: ومثل «يدعو» (¬2) قول عنترة: # يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر فى لبان الأدهم (¬3) # أى يقولون: يا عنتر. # وهذا القول فى تقدير الزجاج فاسد المعنى، ms432 وإنما كان يصح لو كانت اللام ~~لام الجر، فقيل: يقول لمن ضره أقرب من نفعه: هو مولاى، وفى التقدير الآخر ~~يصح لو كان تقدير يدعو يزعم، وهذا غير معروف، وذلك أن الزعم يتعدى إلى ~~مفعولين، ويجوز تعليقه عنهما باللام المفتوحة، كقولك: زعمت لزيد منطلق. # والمعنى فى تقدير الزجاج بعيد من الصواب؛ لأن المعنى فى تقديره: يقول ~~عابد الوثن: من ضره أقرب من نفعه هو مولاى، لا فرق فى المعنى بين إدخال ~~اللام وإسقاطها، وكيف يقر عابد الوثن أن ضر الوثن أقرب إليه من نفعه، وهو ~~يعبده ويزعم أنه مولاه؟ ولم يكن عباد الأوثان يزعمون أن عبادتها تضرهم، بل ~~كانوا يقولون: إنها تقربهم إلى الله، كما قال تعالى: {والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله} (¬4) أى يقولون: ما نعبدهم. # واختار الزجاج وجها رابعا، وزعم أنه أسد (¬5) من كل ما قيل فيها وأبين، ~~وأنه مما أغفله المفسرون، وهو أنه جعل {ذلك} من قوله: {ذلك هو الضلال ~~البعيد} اسما ناقصا بمعنى الذى، وصلته قوله: {هو الضلال البعيد} وموضعه PageV02P442 # نصب بيدعو، عمل فيه «يدعو» مؤخرا، فالتقدير: يدعو الوثن الذى هو الضلال ~~البعيد. وقوله: {لمن ضره أقرب من نفعه} مستأنف مبتدأ، وخبره {لبئس المولى}. # واستدل على أن أسماء الإشارة قد استعملت بمعنى الأسماء النواقص، المفتقرة ~~إلى الصلات بقوله: {وما تلك بيمينك يا موسى} (¬1) قال: المعنى: وما التى ~~بيمينك؟ وبقول يزيد بن مفرغ (¬2): # عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق # قال: أراد: والذى تحملين. # وقد قيل فى الآية غير ما قاله الزجاج، وهو أن {تلك} على بابها من ~~الإشارة، {بيمينك} فى موضع الحال، وكذلك «هذا» فى بيت ابن مفرغ، اسم إشارة، ~~وموضع «تحملين» نصب على الحال. # وإجازة استعمال أسماء الإشارة على الإطلاق بمعنى الأسماء النواقص ~~المستعملة بالألف واللام، مذهب للكوفيين، ووافقهم سيبويه (¬3) فى اسم واحد ~~من أسماء الإشارة، وهو «ذا» «إذا انضم إلى «ما» فى نحو قولك: ماذا فعلت؟ ~~وماذا تفعل؟ وله فى ذلك مذهبان، أحدهما: أن يركب «ذا» مع ms433 «ما» فيجعلهما ~~اسما واحدا بمعنى قولك: أى شيء؟ ويحكم على موضعه بالنصب، على أنه مفعول، ~~نصبه ما بعده، وجوابه منصوب مثله بإضمار فعل، مثل الذى ظهر، وتمثيل ذلك أن ~~يقال: ماذا أكلت؟ فتقول: خبزا، فتضمر: أكلت. PageV02P443 # والمذهب الآخر: أنه يجعل «ما» اسما مفردا مبتدأ، و «ذا» بمعنى الذى، وما ~~بعده من الفعل والفاعل صلته، وموضعه رفع بأنه خبر «ما» ويرفع الجواب برفع ~~«ما» فإذا قيل: ماذا أكلت؟ قدره: أى شيء الذى أكلت؟ فيقال: خبز، أى الذى ~~أكلت خبز، وهو خبر، وأنشد فى ذلك قول لبيد (¬1): # ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل # التقدير عنده: ما الذى يحاول؟ أهو نحب أم ضلال وباطل، وقد قرئت الآية على ~~وجهين: {ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو} (¬2) برفع {العفو} ونصبه، فالنصب ~~عنده بتقدير: أي شيء ينفقون؟ قل: ينفقون العفو، والرفع بتقدير: أي شيء الذى ~~ينفقون؟ قل: هو العفو، أو الذى ينفقون العفو. # وكذلك النصب فى قوله: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} (¬3) ~~تقديره: أي شيء أنزل ربكم؟ قالوا: أنزل خيرا. # وتقدير الرفع فى قوله: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين} (¬4): أى شيء الذى أنزل ربكم؟ قالوا: هو أساطير الأولين، فهذا لا ~~يقدر /فيه إلا «هو» ولا يقدر فيه: «الذى أنزل» لأنه إخبار عن الكافرين، ~~والكافر جاحد لإنزال القرآن. # وقد خولف سيبويه فى اختصاصه النصب بتقدير، والرفع بتقدير آخر، فقيل: إنه ~~يجوز مع نصب الجواب تقدير «ذا» بمعنى الذى، ومع رفعه تقدير PageV02P444 # «ذا» مع «ما» اسما واحدا، والنصب فيه بإضمار فعل مثل الذى ظهر، والرفع ~~بتقدير: هو. # وإذا عرفت هذا، فالاختيار عندى فى قوله تعالى: {يدعوا لمن ضره أقرب من ~~نفعه} هو القول الأول. والله الموفق للصواب. # عدس، فى قول يزيد بن مفرغ: # عدس ما لعباد عليك إمارة # زجر للبغال. # ... PageV02P445 ### | AUTO المجلس الثانى والستون # قال الرضى أبو الحسن محمد بن الطاهر أبى أحمد بن الحسين بن موسى الموسوى، ~~رضى الله عنهما، وقد نظر إلى الحيرة وآثارها، يذكر أربابها، ms434 وذلك فى سنة ~~اثنتين وسبعين (¬1) وثلاثمائة: # ما زلت أطرف المنازل بالنوى ... حتى نزلت منازل النعمان # أطرف: أستجد واستحدث، من قولهم: مال طريف، أى مستحدث، أراد أستجد بضربى ~~فى الأرض منزلا بعد منزل. # بالحيرة البيضاء حيث تقابلت ... شم العماد عريضة الأعطان # أراد: حيث تقابلت منازل رفيعة العماد، وسيعة الأعطان. # والأعطان: مبارك الإبل حول الماء، واحدها عطن. # شهدت بفضل الرافعين قبابها ... ويبين بالبنيان فضل البانى # ما ينفع الباقين (¬2) ... أن بقيت لهم # خطط معمرة بعمر فان # الخطط: ما يختط من الأرض فيبنى فيه، الواحدة خطة. # /باق بها حظ العيون وإنما ... لا حظ فيها اليوم للآذان (¬3) PageV02P446 # وعرفت بين بيوت آل محرق ... مأوى القرى ومواقد النيران # محرق: عمرو بن هند، الملك، وهند أمه، وهى بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل ~~المرار الكندى، وسبب تلقيب حجر بآكل المرار: أن ذياد (¬1) بن الهبولة أغار ~~فسبى امرأة حجر، وحجر غائب، فقال لها وقد بعد عن الحي: ما ظنك بحجر؟ فقالت: ~~ظنى أنه إذا بلغه ما فعلت يوافيك كاشرا كأنه بعير آكل مرار، فلم يلبث أن ~~لحقه حجر فاتحا فاه، فقتله فأخذها ورجع. # المرار: نبت إذا كان رطبا فهو على نبتة العصفر، إذا أكلته الإبل أسمنها، ~~وإذا يبس صار له شوك، فإذا أكلته قلصت عنه مشافرها. # وأبو عمرو بن هند: المنذر بن ماء السماء، وماء السماء أمه، وهى من النمر ~~بن قاسط، وأبوها عوف بن جشم، وسميت ماء السماء، لحسنها. # وأبو المنذر: امرؤ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن ~~غنم بن نمارة بن لخم. # وسمى عمرو بن هند محرقا، لأنه حرق من بنى دارم ثمانية وتسعين رجلا، ~~وكملهم مائة برجل من البراجم، وفد عليه، وبامرأة نهشلية، فلذلك قيل: «إن ~~الشقى وافد البراجم» (¬2) وسبب ذلك: أن رجلا منهم قتل ابنا له صغيرا خطأ ~~فآلى أن يقتل به منهم مائة. PageV02P447 # ومناط ما اعتلقوا من البيض الظبى ... ومجرما سحبوا من المران # المناط: المعلق، مفعل، من قولهم: نطت الشىء بالشىء: إذا علقته به. # وظبى السيوف: مضاربها، ms435 واحدتها ظبة، وقد تقدم الكلام فيها مع نظائرها (¬1). # والمران: الرماح، واحدتها مرانة، ويحتمل أن يكون مثاله فعلان، ويحتمل أن ~~يكون المراد به فعال، وحجة القول الأول كثرة زيادة الألف والنون، فيكون ~~كغفران، فى الأحداث، وكعريان فى الأوصاف، وكعثمان/فى الأعلام. # وحجة القول الثانى أن يحمل على كثرة مجىء النبات على فعال، كعناب وكراث ~~وحماض وخباز، وعلى ذلك وقع الخلاف فى رمان، بين الخليل والأخفش، فذهب ~~الأخفش إلى أنه فعال (¬2). # الهاجمين على الملوك قبابهم ... والضاربين معاقد التيجان # وكأن يوم الإذن يبرز منهم ... أسد الشرى، وأساود الغيطان # الشرى: موضع تكثر فيه الأسود، قال: # *أسود شرى لاقت أسود خفية* (¬3) PageV02P448 # والغيطان: جمع الغائط، وهو المطمئن من الأرض # شبههم بالأسود، فى قوتها وجرأتها، وبالحيات فى نكرها وخبثها، مع ما قدمه ~~من وصفهم بقرى الضيفان وإيقاد النيران. # وجمع أسد على أسد من الشاذ النادر (¬1)، وإنما قياسه أفعال، فى القلة، ~~وفعول، فى الكثرة. # ولقد رأيت بدير هند منزلا ... ألما من الضراء والحدثان # أراد هند بنت النعمان بن المنذر، وديرها (¬2) باق إلى اليوم بظاهر ~~الكوفة. # مغض كمستمع الهوان تغيبت ... أنصاره وخلا من الأعوان # الإغضاء: إدناء الجفن من الجفن، استعاره للمنزل. # بالى المعالم أطرقت شرفاته ... إطراق منجذب القرينة عان # المعالم: آثار الدار، واحدها معلم. # وقرينة الرجل: امرأته، وقرينته أيضا: نفسه. والعانى: الأسير. # أو كالوفود رأوا سماط خليفة ... فرموا على الأعناق بالأذقان # السماط: الصف من الناس، قال (¬3): # ملك أغر إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام # - PageV02P449 # ويجوز أن يكون أراد بالسماط الأسرة التى تصف ويوضع عليها الطعام. # وذكرت مسحبها الرياط بجوه ... من قبل بيع زمانها بزمان # الرياط: جمع الريطة، وهى إزار ليس بلفقين، وجوه: داخله. # وبما ترد على المغيرة دهيه (¬1) ... نزع النوار بطيئة الإذعان # قوله: «بما ترد» أى بردها، وعنى بالمغيرة المغيرة بن شعبة الثقفى، وكان ~~أحد دهاة العرب، وولى إمارة الكوفة فى أيام معاوية، فأرسل إلى هند بنت ~~النعمان يخطبها (¬2)، وكانت قد عميت، فأبت وقالت: والصليب ما في رغبة لجمال ~~ولا لكثرة مال، وأي رغبة لشيخ أعور فى عجوز عمياء! ms436 ولكن أردت أن تفخر ~~بنكاحى، فتقول: تزوجت بنت النعمان بن المنذر! فقال: صدقت والله، وأنشأ يقول: # أدركت ما منيت نفسى خاليا ... لله درك يا ابنة النعمان # فلقد رددت على المغيرة دهيه (¬3) ... إن الملوك ذكية الأذهان # إنى لحلفك بالصليب مصدق ... والصلب أصدق حلفة الرهبان # وكانت بعد ذلك تدخل عليه فيكرمها ويبرها، وسألها يوما عن حالها، فأنشدت: PageV02P450 # بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف (¬1) # فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف # قولها: نتنصف: أى نستخدم، والمنصف: الخادم. # وروى أن المغيرة هذا أدمى ثمانين بكرا، ومات بالكوفة وهو أميرها بالطاعون ~~سنة خمسين. # والنوار من النساء: التى تنفر من الريبة، امرأة نوار، وقد نارت تنور نورا: # نفرت من القبيح لعفتها. # والإذعان: الانقياد، وقوله: «نزع النوار» يقال: نزعت الشىء من مكانه ~~نزعا، ونزعت عن الأمر نزوعا، إذا رجعت عنه، ونزعت إلى فلان نزاعا، إذا حننت ~~إليه، وقد غلط أبو نواس فى وضع النزع موضع/النزوع فى قوله (¬2): PageV02P451 # وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس # وأما قول الرضى «نزع النوار» فجيد، لأنها كأنها (¬1) جذبت نفسها من ~~القبيح. # أمقاصر الغزلان غيرك البلى ... حتى غدوت مرابض الغزلان # كل ناحية من الدار الكبيرة أحيط عليها فهى مقصورة، وجمعوها على مقاصر. # وملاعب الأنس الجميع طوى الردى ... منهم فصرت ملاعب الجنان # الأنس: الحى الحلول، قال طفيل الغنوى (¬2). # *إذا أنس عزوا علي تصدعوا* # والجنان: الجن. # من كل دار تستظل رواقها ... أدماء غانية عن الجيران # شبهها بالظبية الأدماء، والأدم من الظباء: البيض. # ورواق البيت: ما بين يديه. # والغانية إذا لم تقيد بصفة ففيها ثلاثة أقوال، قيل: هى التى غنيت بالحسن ~~عن التزين، وقيل: غنيت ببعلها عن غيره، وقيل: غنيت عن جيرانها بغناها، وقد ~~قيدها هاهنا بالغنى عن الجيران. # ولقد تكون محلة وقرارة ... لأغر من ولد الملوك هجان PageV02P452 # الهجان: الخالص الذى أبواه عربيان. وضع «تكون» فى موضع «كان» (¬1) كما ~~قال زياد الأعجم: # فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح # وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد ms437 بكون أخادم وذبائح # ونقيض هذا قول الطرماح: # وإنى لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمس واستيجاب ما كان فى الغد (¬2) # وقد ورد فى التنزيل هذا الفن فى مواضع، منها قوله تعالى: {فلم تقتلون ~~/أنبياء الله من قبل} (¬3) وقوله: {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} ~~(¬4) فهذا وضع المستقبل فى موضع الماضى، ومن وضع الماضى فى موضع المستقبل ~~قوله جل وعز: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله} (¬5) لأن هذا إنما يكون فى يوم القيامة، ومثله: {ونادى ~~أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء} (¬6). # قال أبو الفتح عثمان بن جنى: قال لى أبو على: سألت أبا بكر-يعنى ابن ~~السراج-عن الأفعال يقع بعضها فى موقع بعض، فقال: كان ينبغى للأفعال أن تكون ~~كلها مثالا واحدا؛ لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أزمنتها، ~~فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال، جاز وقوع بعضها موقع بعض. # قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبى بكر عال سديد. وقد ذكرت هذا فيما PageV02P453 # مضى من الأمالى (¬1)، وإنما أعدته هاهنا لأن الموضع اقتضاه. # يطأ الفرات فناءها بعبابه ... ولها السلافة منه والروقان # فناء الدار: ما يمتد من قدامها. # وعباب الماء وغيره: معظمه. # والسلاف والسلافة: أول ما يعصر من الخمر، وهو أصفاه. # والروق أيضا: المتقدم، وأصله الروق الذى هو القرن، فلذلك ثناه. # ووقفت أسأل بعضها عن بعضها ... وتجيبنى عبرا بغير لسان # هذا من قول أمير المؤمنين على عليه السلام (¬2): «سل الأرض من شق أنهارك، ~~وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا». # قدحت زفيرى فاعتصرت مدامعى ... لو لم يؤل جزعى إلى السلوان # الزفير: أن يتزيد النفس حتى تنتفخ الضلوع. # /ترقى الدموع ويرعوى جزع الفتى ... وينام بعد تفرق الأقران # ارعوى عن القبيح: رجع عنه، وهو حسن الرعوى، وارعوى: من PageV02P454 # مضاعف الواو، فأصله: ارعوو (¬1)، كما أن أصل. احمر: احمرر، فكرهوا أن ~~يدغموا فيقولوا: ارعو يرعو، كما قالوا: احمر يحمر، فقلبوا الواو الثانية ~~ألفا لتحركها ms438 وانفتاح ما قبلها. # وكأنما نسى (¬2) ... التجار لطيمة # جرت الرياح بها على القيعان # اللطيمة: إبل تحمل العطر وأنواع البياعات، سوى الميرة، وكذلك كل سوق يباع ~~ذلك فيها تسمى لطيمة. # والقاع من الأرض: الأملس، وألفه من الواو؛ لقولهم فى تصغيره: قويع، ~~وجمعوه، وهو فعل على فعلان، ومثله: نار ونيران، وتاج وتيجان. # ماء كجيب الدرع تصقله الصبا ... ونقا يدرجه النسيم الوانى # خص الجيب من الدرع لكثرة وقوع نظر لابسها عليه، فهو يتعهده بإزالة الصدأ عنه. # والنقا: الكثيب من الرمل، وأصل ألفه الواو، لقولهم: نقوان، وقد روى ~~بعضهم: نقيان. # حلل الملوك رمى جذيمة بينها ... والمنذرين تغاير الأزمان # حلل الملوك: محالهم ومساكنهم، وأراد جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس ~~الأزدى، وهو الأبرش، وكان من أبعد ملوك العرب مغارا، وأشدهم نكاية، وهو أول ~~من ضم إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان أبرص، فسمته العرب الأبرش (¬3)، PageV02P455 # والوضاح: كناية عن البرص، إعظاما له، وهو أول من ملك من العرب الأنبار ~~والحيرة، وكانت منازله فيما بين الجزيرة والأنبار وبقة وهيت، وعين التمر، ~~وأطراف البر إلى الغمير، والقطقطانة، وخفية والحيرة. # والمنذران: أحدهما المنذر بن امرئ القيس، وقد مضى ذكر نسبه، فهذا ~~المنذر/الأكبر، والمنذر الآخر: ابنه، وهو أبو النعمان بن المنذر. # طردا كدأب الدهر فى عاد الألى ... وأولى الحفائظ من بنى الديان # الحفائظ: جمع حفيظة، وهو الغضب. # وبنو الديان: سادات بنى الحارث بن كعب، وكان بنو الحارث إحدى جمرات العرب (¬1). # ومن أنشد «فى عاد الألى» حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ومن فتح الدال ~~حذف التنوين لامتناع الصرف، باجتماع التأنيث والتعريف، فى قول من لم يصرف ~~هند، وأراد بالألى: الأولى، فحذف عين الفعلى ضرورة، كما حذفها الأسود بن ~~يعفر، فى قوله: # فأتبعت أخراهم طريق ألاهم ... كما قيل نجم قد خوى متتايع (¬2) PageV02P456 # أراد: أولاهم، فلذلك عادل بها أخراهم، كما جاء فى التنزيل: {قالت أخراهم ~~لأولاهم} (¬1) وكما قال أمية بن أبى الصلت: # وقد علمنا لو ان العلم ينفعنا ... أن سوف يتبع أخرانا بأولانا # فأما قول الرضى فى مدح الطائع: # قد كان جدك عصمة ms439 العرب الألى ... فالآن أنت لهم من الإعدام # فيحتمل أن يكون على حذف الواو من «الأولى» كما تقدم ذكره، ويحتمل أن يكون ~~أراد بالألى: الذين، والتقدير: الألى عاصروه، فحذف الصلة، كما قال عبيد بن ~~الأبرص: # نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا # أراد الألى عرفتهم، فحذف الصلة، وهو من الحذوف البعيدة، ولا يسوغ هذا ~~الوجه فى قوله: # *طردا كدأب الدهر فى عاد الألى* # ولا يكون إلا على الأولى، لأن الله تعالى قد وصف عادا بهذه الصفة فى ~~قوله: {وأنه أهلك عادا الأولى} (¬2) وزعم الأصمعى أن زهيرا غلط فى قوله: # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم (¬3) PageV02P457 # قال: أراد: كأحمر ثمود، فقال: كأحمر عاد، وإنما هو قدار، عاقر الناقة، ~~ووافق ثعلب (¬1) الأصمعى فى تغليط زهير، وقال: هذا كقول الآخر (¬2): # وشعبتا ميس براها إسكاف # فأبدل النجار بإسكاف (¬3). # وقال أبو العباس محمد بن يزيد: ليس هذا من زهير بغلط؛ لأن العرب تسمى ~~ثمود بعاد الآخرة، ولذلك وصف الله تعالى قوم هود بعاد الأولى، فى قوله: # {وأنه أهلك عادا الأولى}. # نعق الزمان بجمعهم عن لعلع ... وأقض مبركهم على نجران (¬4) # نعق الزمان بهم: صاح بهم، كما ينعق الراعى بالغنم. # وأقض مبركهم: من القضة، وهى صغار الحصى، وإذا كان في مبارك الإبل الحصى ~~شق عليها بروكها عليه، وكل هذا استعارات. # وكآل جفنة أزعجتهم نبوة ... نقلت قبابهم عن الجولان PageV02P458 # آل جفنة: من غسان، وكانوا ملوك الشام، أولهم الحارث بن أبى شمر، وهو ~~الحارث الأكبر، وآخرهم جبلة بن الأيهم، وأسلم فى أيام عمر عليه السلام ~~(¬1)، ثم تنصر، وله قصة معروفة (¬2)، وابن الحارث الأكبر: الحارث الأعرج، ~~وابن الحارث الأعرج: الحارث الأصغر، وابن الحارث الأصغر: عمرو، الذى مدحه ~~النابغة بقوله (¬3): # على لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب # وهو الذى مدحه علقمة بن عبدة، وقد أسر أخاه شأسا، حين غزا المنذر ابن ~~المنذر بن امرئ القيس آل جفنة، وكانوا قتلوا أباه، فقتلوه أيضا، ومن عمرو ~~ابن الحارث على أكثر الأسارى فأطلقهم، واستعطفه علقمة بقوله (¬4): # /وفى كل ms440 حى قد خبطت بنعمة ... وحق لشأس من نداك ذنوب # فقال: وأذنبة. # وكان آل جفنة ينزلون من الشام حارث الجولان، ولهم يقول حسان (¬5): # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل PageV02P459 # ومارية هذه: هى التى يضرب بقرطيها المثل، فيقال: «ولو بقرطى مارية» (¬1). # وعلى المدائن جلجلت برعادها ... بركا (¬2) بكلكلها على الإيوان # جلجلت: صوتت، وسحاب مجلجل: مصوت، وقالوا فى جمع الرعد: # رعود، ورعاد، كبحر وبحور وبحار، شبه الداهية بسحابة مجلجلة، وجعل لها ~~كلكلا، والكلكل: الصدر. # وإلى ابن ذى يزن غدت مرحولة ... نقضت حويتها على غمدان # أراد سيف بن ذى يزن، وقصته مشهورة، حيث استنجد على الحبشة بكسرى أنو ~~شروان، وقيل بهرمز بن قباذ، فأنجده بجيش من الفرس، فقتل ملك الحبشة، ~~واجتاحهم إلا قليلا منهم، ثم اتخذهم خولا، فعدوا عليه بحرابهم فقتلوه، وقد ~~ذكرت قصته فيما تقدم من الأمالى (¬3). # والضمير فى «غدت» للنبوة التى تقدم ذكرها، والمراد بها الداهية، وجعلها ~~كالناقة المرحولة (¬4)، واستعار لها حوية، وهى كساء يجعل حول سنام البعير، ~~فإذا حط المسافر رحله نقض الحوية. PageV02P460 # وغمدان: قصر كان بصنعاء، منزلا للملوك، هدمه عثمان بن عفان فى أيامه. # قصفت قنا جذل الطعان وثورت ... بعد الأمان بعامر الضحيان # جذل الطعان: كان رئيسا من رؤساء كنانة، وهو من بنى فراس بن غنم، وسمى جذل ~~الطعان (¬1)، لأنه كان يثبت فى الحرب، كأنه جذل، والجذل: ما يبقى من أصل ~~الشجرة، إذا قطعت، وكان قليل بنى فراس أعد من كثير غيرهم، ذكر أبو عبيدة/أن ~~الرجل منهم كان يعد بعشرة، وكانت نجدتهم مشهورة فى العرب، كانوا يسمون ~~الحمى الممنوع؛ لأن حماهم كان لا يقرب، وقال علي عليه السلام لأهل الكوفة، ~~وجنده يومئذ مائة ألف أو يزيدون: «يا معشر أهل العراق، من فاز بكم فقد فاز ~~بالسهم الأخيب، أبدلكم الله بى من هو شر لكم منى، وأبدلنى بكم من هو خير لى ~~منكم، فو الله لوددت أن لى بجمعكم ثلاثمائة رجل من بنى فراس ابن غنم، فما ~~أبالى من لقيت بهم (¬2)». # وقوله: «وثورت بعد الأمان» أراد: أظهرت الشر، ms441 يقال: ثور فلان بفلان، وعلى ~~فلان، إذا أظهر له شرا. # وقوله: «بعامر الضحيان» أراد بعامر، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، كما ~~حذفه الأول فى قوله: # إذا غطيف السلمى فرا (¬3) # وكقول الآخر: # حميد الذى أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع PageV02P461 # وعامر الضحيان: هو عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، ~~وكان سيد النمر، قال أبو عبيدة: كان بيت الضحيان أشرف بيت، وفيه يقول ~~الفرزدق (¬1): # إن الفوارس من ربيعة كلها ... يرضون أن بلغوا مدى الضحيان # كان الحكومة والرئاسة فيهم ... دون القبائل من بنى عدنان # قال ابن قتيبة (¬2): سمى الضحيان؛ لأنه كان يجلس لقومه فى الضحى، يحكم ~~بينهم. وروى أن النمر اجتمعت فى بعض السنين إلى الضحيان لمجاعة نزلت بهم، ~~فأضافهم وأكرمهم، ثم قال: كيلوا لهم كيلا، فقيل له: إن الكيل يبطئ بهم ~~لكثرتهم، فقال: هيلوا عليهم هيلا، وكان يطعم ربيعة بن نزار كلها ما هبت ~~الشمال. # زفر الزمان عليهم فتفرقوا ... وجلوا عن الأوطار والأوطان # يقال: جلا القوم عن منازلهم: إذا بعدوا عنها، وواحد الأوطار: وطر، وهو ~~الحاجة. # ... PageV02P462 ### | AUTO المجلس الثالث والستون # / قال أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة (¬1)، يفخر: # رضينا وما ترضى السيوف القواضب ... نجاذبها عن هامكم وتجاذب # القواضب: القواطع؛ لأن القضب القطع. # فإياكم أن تكشفوا عن رءوسكم ... ألا إن مغناطيسهن الذوائب # كان وجه الكلام أن يقول: ألا إن الذوائب مغناطيسهن، أى هى للسيوف ~~كالمغناطيس، وهو الحجر الذى يعلق به الحديد، وقدم المغناطيس، وجعل الذوائب ~~الخبر، اضطرارا. # تقول ملوك الأرض قولك ذا لمن ... فقلت وهل غير الملوك الضرائب (¬2) PageV02P463 # الضرائب: جمع الضريبة، وهى المضروب. # الآن بكت بغداد حين تشبثت ... بنا البيد وانضمت علينا الرواجب # ألقى حركة همزة «الآن» على اللام (¬1)، ثم حذفها، وهذا من أحسن التخفيف ~~المستعمل فى القرآن. # وقوله: «تشبثت بنا البيد وانضمت علينا الرواجب» مثل واستعارة، أى حين ~~توسطنا المفاوز فلم نقدر على الرجوع كنا كمن تشبث به متشبث، فضم عليه ~~رواجبه، والرواجب: قصب الأصابع. # وقيل: هى ظهور السلاميات وبطونها، ms442 والسلاميات: عظام الأصابع. # نصون ثرى الأقدام عن وتراتها ... فتسرقه ريح الصبا وتسالب # الوترات: جمع وترة، وهى الحاجز بين المنخرين. # وهبنا منعناه الصبا بركوبنا ... أنمنع منه ما تطاه الركائب # أبدل من همزة «تطأه» الألف، كما قال الفرزدق: # *فارعى فزارة لا هناك المرتع (¬2) ... * # وهو تخفيف على غير قياس، وإنما قياسه أن تجعل الهمزة بين بين. # ويروى: «ما تدوس الركائب» أى نصون تراب أقدامنا عن مناخر أهل بغداد؛ لأن ~~قوله: «بكت بغداد» بكى أهلها، بالغ بذلك فى تعظيم نفسه. PageV02P464 # فما فعلت بيض بها مشرفية ... تملس منها أكلف اللون شاحب # المشرفية من السيوف: منسوبة إلى مشارف الشام، وهى أعاليها. # وقوله: «تملس منها» من قولهم: املس الشىء من يدى، إذا سقط وأنت لا تشعر ~~به، ويقال: شحب لونه يشحب، إذا تغير من سفر أو مرض أو سوء حال، فهذا هو ~~الأكثر، وقد قيل: شحب يشحب. # غلام إذا أعطى المنية نفسه ... فقد فنيت آمالها والمطالب # /أراد: فنيت آمال المنية، فهذا أمدح من أن يريد: فنيت آمال نفسه. # أقول لسعد والركاب مناخة ... أأنت لأسباب المنية هائب # وهل خلق الله السرور فقال لا ... فقلت أثرها أنت لى اليوم صاحب # وخل فضول الطيلسان فإنه (¬1) ... لباسك هذا للعلى لا يناسب # يقال: طيلسان وطيلسان، بفتح اللام وبكسرها، والفتح أفصح. # عمائم طلاب المعالى صوارم ... وأثواب طلاب المعالى ثعالب # عنى بالثعالب جمع ثعلب الرمح، وهو طرفه الذى يدخل فى جبة السنان، فأراد ~~أنهم يعرضون رءوسهم للسيوف حتى تصير لهم كالعمائم، ويعرضون أبدانهم لأطراف ~~الرماح حتى تصير لهم كالملابس. # ولى عند أعناق الملوك مآرب ... تقول سيوفى هن لى والكواثب # المآرب: الحوائج، واحدتها: مأربة ومأربة، بفتح الراء وضمها. # والكواثب من الخيل واحدتها: كاثبة، وهى مقدم المنسج أمام القربوس، PageV02P465 # والكواثب معطوفة على قوله «هن» و «هن» عائد على الأعناق، أى تقول سيوفى: # أعناق الملوك لى وكواثب خيلهم. # فإن أنا لم أحربهم بنصالها ... فما ولدتنى من تميم الأجارب # قوله: «أحربهم» أى أسلبهم أموالهم، وحريبة الرجل: ماله الذى يعيش به. # والنصل من السيف: حديدته، بغير قائم ولا جفن، ms443 وجمعه نصال ونصول. # الأجارب: كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم (¬1). # لقد طالما ما طلتها وجفوتها ... وطالبت بالأشعار مالا تطالب # أى طلبت بالمدائح مالا تطلبه السيوف؛ لأن المطلوب بالمدائح الجوائز، التى ~~هى فى جنب ما يرومه خسيسة، والمطلوب بالسيوف الملك والنفوس النفيسة. # /أآمل مأمولا بغير صدورها ... فوا خجلتى (¬2) إنى إلى المجد تائب # رحمت بنى البرشاء حين صحبتهم ... من الجهل إن الجهل بئس المصاحب # البرشاء: أم ذهل وشيبان وقيس، بنى ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على ابن بكر ~~بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ~~بن معد بن عدنان، وضرتها الجذماء، أم تيم الله بن ثعلبة. # وقوله: «من الجهل» أراد: للجهل، فوضع «من» موضع لام العلة، كما جاء فى ~~التنزيل: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} (¬3). PageV02P466 # وعلمتهم خلقى فلم يتعلموا ... وقلت قبول المكرمات معايب # أى قلت: قبول المكرمات معايب عند هؤلاء. # فصونوا يدى عن شلها بعطائكم ... فما أنا فى أخذ الرغائب راغب # الباء من قوله: «بعطائكم» متعلقة بالشل، ولو علقتها بالصون فسد المعنى ~~الذى أراده وانعكس. # والرغائب: جمع رغيبة، وهى العطاء الكثير. # والشلل: فساد اليد. # خلقت أرى أخذ المواهب سبة ... فمن نعم الأيام عندى مصائب # أراد أن الذى استفدته من المال بغير السيف، ووصل إلى إجازات على المدح، ~~معدود عندى من المصائب، وإن كان فى الظاهر نعما. # ولا تجبهوا بالرد سائل حاجة ... ولو أنها أحسابكم والمناقب # الحسب: ما يعد من مآثر الرجل، أى ما يؤثر عنه من الأفعال الحسنة، وواحد ~~المناقب: منقبة، بفتح القاف، وهى المكرمة. # وقد كدت أعطى الحاسدين مناهم ... مخافة أن يلقى المطالب خائب (¬1) # فكونوا على الأسياف مثلى إذا انثنت ... سواعدها مفلولة والمضارب # أى سواعد أصحابها، فحذف المضاف. # والفل فى السيف: الثلم. # /فلو كان بأسى فى الثعالب أصبحت ... جماجمها للمرهفات تضارب # خص بذلك الثعالب؛ لأنها توصف بالجبن والروغان. PageV02P467 # وجاز إدخال اللام (¬1) فى قوله: «للمرهفات» لتقديم المفعول على الفعل، ~~كما جاء فى التنزيل: {إن كنتم للرءيا تعبرون} (¬2) و ms444 {هم لربهم يرهبون} ~~(¬3) ولا يجوز فى غير الشعر: تضارب للمرهفات، إنما يكون ذلك فى اسم الفاعل، ~~كقولك: فلان مضارب لفلان، كما تقول: فلان (¬4) ظالم لفلان، كما قال تعالى: ~~{فمنهم ظالم لنفسه} (¬5) ولا يجوز: يظلم لنفسه. # ولا تجهلوا نعمى تميم عليكم ... غداة أتتنا تغلب والكتائب # كانت بكر بن وائل حالفت تميما على تغلب، فكانت بينهم وقعة عظيمة، وهى ~~وقعة يوم العظالى (¬6)، وكان النصر لبكر وتميم. # على كل طيار العنان كأنه ... لراكبه من طول هاديه راكب # هادى الفرس: عنقه. # تطالبنا أكفالها وصدورها ... بما نهبت منها الرماح النواهب # /تود من الأحقاد أن شعورها ... سهام فترمينا بها وتحارب # الضمائر في البيت عائدة على الخيل، والمراد بذلك فرسانها. # وولوا عليها يقدمون رماحنا ... وتقدمها أعناقهم والمناكب PageV02P468 # الضمير فى قوله «تقدمها» للخيل لا للرماح. # خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب # عيب (¬1) عليه قوله: «لظهورهم» وقيل: لو قال: لصدورهم، كان أمدح؛ لأن ~~الطعن والضرب فى الصدور أدل على الإقدام والشجاعة للطاعن والضارب، والمطعون ~~والمضروب، وذلك أن الرجل إذا وصف قرنه بالإقدام مع ظهوره عليه كان أمدح له ~~من وصفه له بالانهزام، كما قال الأول: # فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدما (¬2) # والذى عابه بهذا المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوى، رحمه الله. # وأنتم وقوف تنظرون إلى الطلى ... تحل وغربان الرءوس نواعب # الطلى: الأعناق، واحدتها: طلية، وقوله: «وغربان الرءوس نواعب» شبه أقحاف ~~(¬3) الرءوس لما عليها من الشعر، وقد أطارتها السيوف، بالغربان، وشبه صوت ~~وقع السيوف فيها عند قطعها بالنعيب. # ومن رأينا فيكم دروع حصينة ... ولو شاء بز السابرية سالب # قوله: # ومن رأينا فيكم دروع حصينة # أى كانت آراؤنا لكم فى ذلك اليوم وقاية عليكم، كالدروع التى تقى لابسيها ~~الجراح. PageV02P469 # والسابرية من الدروع: الرقيقة النسج. # وقوله: # ولو شاء بز السابرية سالب # أى لو شئنا حرمناكم تلك الآراء التى كانت واقية عليكم. # ومعنى «بز» سلب، ومن كلامهم: «من عزبز (¬1)» أى من غلب سلب. # أبوا أن يطيعوا السمهرية عزة ... فصبت عليهم كاللجين القواضب # السمهرية: الرماح ms445 الصلاب، من قولهم: اسمهر الشوك، إذا يبس، واسمهر ~~الظلام، إذا اشتد، يقول: لم يردعهم الطعن عن الإقدام؛ لعزتهم، فأعليناهم ~~السيوف التى كأنها الفضة من صفائها. # وموضع قوله: «كاللجين» نصب على الحال، أى فصبت القواضب عليهم مشبهة فى ~~بياضها ونقائها للجين. # وعادت إلينا عسجدا من دمائهم ... ألا هكذا فليكسب المجد كاسب # نصب «عسجدا» على الحال، بتقدير حذف أداة التشبيه، أى مثل عسجد، أى رجعت ~~إلينا سيوفنا مشبهة للذهب؛ لانصباغها بالدماء. # أخذ محمد بن العباس (¬2) الأبيوردى تشبيه السيوف باللجين قبل الضرب بها ~~وتشبيهها بالعسجد بعد الضرب بها، فقال: # ولله در السيف يجلو بياضه ... غياهب يوم قاتم الجو أربدا PageV02P470 # بمعترك يلقى به الموت بركه ... يسل لجينا ثم يغمد عسجدا # قاتم: من القتام، وهو الغبار الأسود. # والربدة: لون مختلط سواده بكدرة، ويقال للغضبان: قد اربد وجهه. # وقوله: «يلقى به الموت بركه» البرك: الصدر، استعاره للموت، شبهه بالبعير ~~الذى إذا برك ألصق صدره بالأرض. # ونصب «لجينا وعسجدا» على ما ذكرته من الانتصاب على الحال، بتقدير حذف ~~أداة التشبيه. # وقول أبى نصر: # هكذا فليكسب المجد كاسب # موضع «هكذا» نصب على الوصف لمصدر محذوف، أى فليكسب المجد كاسب كسبا هكذا. # بيوم العظالى والسيوف صواعق ... تخر عليهم والقسى حواصب # الباء فى قوله. # بيوم العظالى والسيوف صواعق # قائمة مقام «فى» كقولك: زيد/بالبصرة، وكما جاء فى التنزيل: {السماء منفطر ~~به} (¬1) أى فيه، لأن الهاء تعود على اليوم، فى قوله: {فكيف تتقون إن كفرتم ~~يوما يجعل الولدان شيبا} (¬2). # وأحسن (¬3) ما قيل فى تذكير {منفطر} حمل {السماء} على المعنى، إذ قد PageV02P471 # سماها الله سقفا فى قوله: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} (¬1). # وقوله: «والسيوف صواعق» أى (¬2) مثل صواعق. # وقوله: «والقسي حواصب» أى مثل حواصب، ومعنى حواصب: أيد ترمى بالحصباء، ~~والحصباء: الحصى، والقسى: من الأسماء المقلوبة، وكان القياس أن يجمع القوس ~~على: القياس، حملا على نظائرها، كقولهم فى جمع ثوب وحوض وسوط: ثياب وحياض ~~وسياط، ولكنهم جمعوها على فعول، كقولهم فى جمع خيط: خيوط، فاستثقلوا أن ~~يقولوا: قووس (¬3)، فقلبوه بتقديم لامه على عينه، فصار إلى ms446 قسوو، بوزن ~~فلوع، فاستثقلوا اجتماع ضمتين وواوين، فأبدلوا من ضمة السين كسرة، فانقلبت ~~الواو الأولى ياء، فصار إلى قسيو، فاجتمعت الياء والواو، والأولى منهما ~~سابقة بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، كما فعلوا ذلك فى ميت، ~~إذ أصله ميوت، فصار بعد الإدغام إلى قسي، فكسروا القاف إتباعا لكسرة السين، ~~كما قالوا فى شعير: شعير، وفى نعم الرجل: نعم (¬4)، وفى شهد، شهد، إلا أن ~~الكسر فى قاف قسي لازم، فوزن قسي: فليع. # لقوا نبلها مرد العوارض وانثنوا ... لأوجههم منها لحى وشوارب # المرد: جمع الأمرد، وهو الذى لم يبد في وجهه الشعر، من قولهم: شجرة ~~مرداء، وهى التى انتثر ورقها. # والعارضان: عارضا اللحية، قال بعض أهل اللغة: لا يكادون يقولون للأمرد: ~~امسح عارضيك. أراد أن المكان الذى ينبت عليه الشعر من الوجه إنما يقال له ~~عارض، إذا نبت عليه الشعر. PageV02P472 # وقالوا فى جمع اللحية: لحى، بالكسر على القياس، ولحى بالضم على الشذوذ، ~~كما شذ في/جمع قرية: قرى (¬1). # والشارب: الشعر النابت على الشفة العليا، وإنما سموه شاربا لأنه أول ما ~~يرد الماء إذا شرب الشارب. # والهاء فى «منها» تعود على «النبل» لأن النبل يؤنث كما يذكر، من حيث كان ~~جمعا بينه وبين واحده تاء التأنيث (¬2)، كالنخل، فيجوز: النبل كسرته، ~~ويجوز: كسرتها، كما جاء: {أعجاز نخل منقعر} (¬3) و {أعجاز نخل خاوية} (¬4). # وقوله: «لأوجههم منها لحى» فى موضع الحال، وحذف واو الحال اكتفاء ~~بالضمير، كما جاء: # نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدرى (¬5) PageV02P473 # الأصل: والماء غامره، فحذف الواو اجتزاء بالهاء. # لأية حال يختلسن نفوسهم ... وهن عليها بالحنين نوادب # المضمر فى «يختلسن» يعود على القسي، لتشبيهه إياها بالنوادب، وتشبيهه ~~لرنينها بالحنين، وقد نظر فى هذا إلى قول ابن الرومي: # كالقوس تصمى الرمايا وهى مرنان (¬1) # أى تقتل ما ترميه، وهى مع ذلك مصوتة تصويت حزين. # ... PageV02P474 ### || AUTO فصل # قول الله تعالى: {أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون} ~~(¬1) يحتمل عامل النصب فى {خالدين} على الحال وجهين، أحدهما: أن يكون ناصبه ~~ما فى {أولئك} من ms447 معنى أشير، فتكون الحال على هذا حالا مقدرة (¬2)، مثلها ~~فى قوله: {فادخلوها خالدين} (¬3) أى مقدرين الخلود. # والوجه الآخر: أن تنصب {خالدين} بأصحاب، فلا تكون حالا مقدرة، كأنه قيل: ~~أولئك مالكو الجنة خالدين فيها. # /وأما قوله: {جزاء} فيحتمل أن يكون مصدرا وقع موضع مجزيين، فيكون حالا من ~~الضمير فى {خالدين} لأن المصادر قد تقع أحوالا فى مواضع أسماء الفاعلين ~~والمفعولين، فاسم الفاعل كقولك: جاء زيد مشيا، تريد ماشيا، واسم المفعول ~~كقولهم: «قتلوه صبرا» أى مصبورا. # ويحتمل {جزاء} أن يكون مصدرا مؤكدا، أى يجزون الخلود فى الجنة جزاء ~~بأعمالهم. # قوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق} (¬4) ~~العامل فى الظرف الذى هو {يوم} قول (¬5) مضمر عامل فى موضع الجملة، ~~فالتقدير: ويوم يعرض الذين كفروا على النار نقول: أليس هذا بالحق. PageV02P475 # ومثله فى إضمار العامل في الظرف، وإن لم يكن قولا، إضماره فى قوله عز ~~وجل: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين} (¬1) ثم قال: {آلآن وقد عصيت} قيل: التقدير: ~~الآن آمنت، ومثله {أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون} ~~(¬2) وقد قدمت ذكر (¬3) إضمار القول فى التنزيل، فى أكثر مواضعه. # ومن أغرب ما جاء من ذلك قوله فى سورة الواقعة، وقد ذكرته فيما سلف (¬4)، ~~وهو قوله: {لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون} أى تندمون {إنا لمغرمون} ~~أى تقولون إذا رأيتم زرعكم حطاما لا حنطة فيه: إنا لمغرمون، فهذا من الغرم، ~~أى لمثقلون دينا {بل نحن محرومون}. # وقد قيل إن معنى {لمغرمون} لمعذبون عذابا لازما، من قوله: {إن عذابها كان ~~غراما} (¬5) والوجه ما ذكرته هاهنا، وإن كان ما قدمته قول أهل العلم ~~بالتفسير. # ... قوله تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} (¬6) اختلف فى «إن» ~~هذه، فزعم قطرب أنها بمعنى «قد» وزعم الأخفش أنها زائدة (¬7)، وقوله أمثل ~~من قول قطرب. PageV02P476 # /وقال غيرهما (¬1): إنها نافية، مثلها فى قوله تعالى: {إن عندكم من سلطان ~~بهذا} (¬2) وهذا القول أسد ما ms448 قيل فيها؛ لأن «ما» بمعنى الذى، والمعنى: ~~ولقد مكناهم فى الذى ما مكناكم فيه، فهذا مطابق لقوله عز وجل: {ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} (¬3). # ... قوله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} (¬4) وقوله: {قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} (¬5) وقوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله} (¬6). # اختلف فى جزم {يقولوا} و {يغضوا} و {يغفروا} فذهب الأخفش (¬7) إلى أنهن ~~أجوبة {قل} وذهب غيره (¬8) إلى أنهن أجوبة أمر آخر مضمر، تقديره: قل ~~لعبادى: قولوا التى هى أحسن يقولوا، وقل للمؤمنين: غضوا من أبصاركم يغضوا، ~~وقل للذين آمنوا: اغفروا للذين لا يرجون أيام الله يغفروا، وهذا أوجه ~~القولين، ومن ذلك قوله تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} (¬9). # والذى يوضح إضمار أمر آخر، أن «قل» لا بد له من جملة تحكى به، فالجملة ~~المحكية به هى التى ذكرناها، لأن (¬10) أمر الله لنبيه بالقول ليس فيه بيان ~~لهم بأن PageV02P477 # يقيموا الصلاة حتى يقول لهم النبي: أقيموا الصلاة، فلا يجوز أن تكون هذه ~~المجزومات أجوبة لقل. # ... PageV02P478 ### | AUTO المجلس الرابع والستون # قيل: إن أجود شعر قيل فى لقاء الأسد، من الشعر القديم، هذه القصيدة ~~وقائلها بشر بن عوانة الأسدى (¬1)، أنشدنيها القاضى أبو يوسف محمد بن عبد ~~السلام القزوينى، وقال: أنشدنيها خالى أبو الفضل بديع الزمان الهمذانى: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت (¬2) ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا PageV02P479 # فى نصب «أخاك» وجهان، أحدهما أن تنصبه بشهدت، إذا أردت به معنى شاهدت، ~~كما قال: # يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تد ... عو تميما وأنت غير مجاب (¬1) # وتنصب «الهزبر» على هذا القول بلاقى، وتضمر الفاعل فى «لاقى»، وتعيده إلى ~~الأخ، فيكون الأخ فى هذا القول بنية التقديم على الجملة التى هى قوله: # «وقد لاقى الهزبر» وهي فى موضع حال منه، فالتقدير: لو شاهدت فى بطن خبت ~~أخاك وقد لاقى الهزبر، وجاز وقوع الماضى حالا؛ لأن معه «قد» (¬2) فهى تقربه ~~من الحاضر. # والوجه الآخر: أن تنصبه بلاقى، وترفع «الهزبر» ms449 بإسناد «لاقى» إليه، ويكون ~~«شهدت» فى هذا القول بمعنى حضرت، كما جاء فى التنزيل: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} (¬3) أى من حضر بالمصر فى الشهر، فالتقدير: لو حضرت ببطن خبت، وقد ~~لاقى الهزبر أخاك. # ويجوز أن تنصب «بشرا» على البدل، وإن شئت على عطف البيان. # إذن لرأيت ليثا رام ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا # أخذ البحترى هذا البيت لفظا ومعنى فى قوله (¬4): PageV02P480 # هزبر مشى يبغى هزبرا وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا # الأغلب: الغليظ العنق. # تبهنس إذ تراجع عنه مهرى ... محاذرة فقلت عقرت مهرا # يقال: تبهنس فى مشيه، وبهنس: إذا تبختر، ونصب «مهرا» على التمييز. # أنل قدمى ظهر الأرض إنى ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا # وقلت له وقد أبدى نصالا ... محددة ووجها مكفهرا # شبه أنياب الأسد بالنصال المحددة، وهى جمع نصل السهم. # يدل بمخلب وبحد ناب ... وباللحظات تحسبهن جمرا (¬1) # يدل: من قولهم: أدل فلان على أقرانه في الحرب (¬2)، كالبازى يدل على صيده. # وفى يمناى ماضى الغرب أبقى ... بمضربه قراع الموت أثرا (¬3) # غرب السيف: حده. # والقراع: الضراب بالسيوف. # ألم يبلغك ما صنعت ظباه ... بكاظمة غداة لقيت عمرا (¬4) PageV02P481 # ظبة السيف: حده، جمعها فى موضع التثنية. # وأنت تروم للأشبال قوتا ... ومطلبي لبنت العم مهرا # نصب «مهرا» بمطلبى؛ لأنه مصدر مضاف إلى فاعله بمعنى اطلابى ومطلبي، ~~وموضعه من الإعراب محتمل للرفع والنصب، فالرفع بالابتداء، وخبره محذوف، دل ~~عليه قوله «تروم» أى أنت تروم قوتا لأشبالك، ومطلبى لبنت عمى مهرا مرامي، ~~والنصب فيه بتقدير فعل من لفظ «تروم» كما كان خبر المبتدأ كذلك، كأنه قال: ~~ومطلبى لبنت العم مهرا أروم (¬1). # نصحتك فالتمس يا ليث غيرى ... طعاما إن لحمى كان مرا (¬2) # «كان» فى هذا البيت مثلها فى قول الله تعالى: {وكان الله عزيزا حكيما} ~~(¬3) ونظائره. وفى هذا النحو قولان، أحدهما: أن «كان» بمعنى لم يزل، كأن ~~القوم شاهدوا عزا وحكمة ومغفرة ورحمة، فقيل لهم: لم يزل الله كذلك، وهذا ~~قول سيبويه (¬4). PageV02P482 # والقول الآخر: أن «كان» تدل على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان، فإذا كان ms450 ~~فعلا يتطاول، لم تدل دلالة قاطعة على أنه زال وانقطع، كقولك: كان زيد ~~صديقى، لا دلالة فى هذا القول قطعا على أن صداقته لك قد زالت، بل يجوز أن ~~تكون باقية بحالها، ويجوز أن تريد: كان صديقى وهو الآن عدوى، فمن المعنى ~~الأول قوله تعالى: {إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} (¬1) ألا ترى أن هذا ~~نزل وعداوة الكافرين للمؤمنين باقية، وكذلك قول هذا الشاعر: «إن لحمى كان ~~مرا» ليس يريد أن مرارة لحمه زالت. # واعلم أن الزمان الذى تدل عليه «كان» يكون محدودا، ويكون غير محدود، ~~فالمحدود كقولك: كان زيد جالسا هاهنا، وغير المحدود كقوله تعالى: {وكان ~~الله عزيزا حكيما}؛ لأن كل صفة لله مستحقة فى حال، فهى مستحقة فى كل حال. # فلما ظن أن الغش قولى ... وراوغنى كأنى قلت هجرا # الهجر: الهذيان، يقال: هجر يهجر، والهجر أيضا: الإفحاش فى المنطق، يقال: ~~أهجر فى منطقه. # وراوغنى: من قولهم: راغ عن الشىء يروغ روغا وروغانا، إذا حاد عنه. # مشى ومشيت من أسدين راما ... مراما كان إذ طلباه وعرا # الوعر: أصله فى المكان، يقال: مكان وعر، وقد وعر وعورة، وهو خلاف السهل. # «من» فى هذا البيت قائمة مقام لام التعجب، أى اعجبوا من أسدين، PageV02P483 # فهى بمنزلة اللام فى قول الله تعالى: {لإيلاف قريش} (¬1) في أحد (¬2) ~~القولين، ومثلها اللام فى قول المتنبى (¬3): # لسري لباسه خشن القط ... ن ومروى مرو لبس القرود # أراد: اعجبوا لسري. # وقد أقاموا «من» مقام لام العلة، كقوله تعالى: {من أجل ذلك/كتبنا على بني ~~إسرائيل} (¬4) وكقوله: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} (¬5) وكذلك الباء ~~جاءت بمعنى اللام فى قوله: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات} (¬6). # هززت له الحسام فخلت أنى ... هززت به لدى الظلماء فجرا # وجدت له بجائشة رآها ... لما صدقته أمضى منه أمرا (¬7) # أراد بضربة جائشة، فحذف الموصوف، كما جاء فى التنزيل: {أن اعمل سابغات} ~~(¬8) حذف دروعا، كما حذف الملة أو الأمة، فى قوله: {وذلك دين القيمة} (¬9). PageV02P484 # وجائشة: من قولهم: جاشت القدر تجيش، إذا غلت. # فخر مجدلا فظننت أنى ms451 ... هدمت به بناء مشمخرا (¬1) # هدمت به: أى بخروره. # والمشمخر: المفرط فى العلو. # والمجدل: مأخوذ من الجدالة، وهى الأرض، قال: # وأترك العاجز بالجداله (¬2) # فالمجدل: الملصق بالأرض. # وقلت له يعز على أنى ... قتلت مناسبي جلدا وقهرا (¬3) # أراد مناسبي فى الجلد والقهر، فانتصاب «جلدا» على هذا بتقدير حذف الخافض، ~~ويجوز أن يكون مميزا. PageV02P485 # فلا تبعد فقد لاقيت حرا ... يحاذر أن يعاب فمت حرا (¬1) # ... ذكرت الرواة (¬2) أنه كان باليمامة رجل من بنى حنيفة (¬3)، يقال له: ~~جحدر مالك، وكان شجاعا فاتكا شاعرا، قد أبر (¬4) على أهل حجر، وبرح بهم، ~~فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف، فكتب إلى عامله على اليمامة بالتجرد فى أمره، حتى ~~يظفر به أو يعذر، فندب له فتية من بنى يربوع وبنى حنظلة، فراسلوه بأنهم ~~يريدون التحرم (¬5) به، فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه، فشدوه وثاقا، فقدموا ~~به على عامل/ اليمامة، فبعث به إلى الحجاج، فقال له: ما الذى حملك على ركوب ~~ما ركبته من الفتك والتعرض للقتل؟ # فقال: جفوة السلطان، وكلب الزمان، مع جرأة الجنان، فلو بلانى الأمير ~~وجدنى من صالحى الأعوان. # فقال له: إنى قاذف بك مكبلا فى حائر (¬6) فيه أسد، فإن قتلك كفانا ~~مئونتك، وإن قتلته خليت سبيلك، وأحسنت جائزتك. PageV02P486 # فقال: قد أعطيت-أصلحك الله-المنية، وأعظمت المنة، وقربت المحنة. # فألقى مقيدا على أسد قد أجيع ثلاثة أيام، فتقدم إليه وهو يرتجز: # ليث وليث فى مقام ضنك ... كلاهما ذو أنف ومحك (¬1) # إن يكشف الله قناع الشك ... فهو أحق منزل بترك # فلما كان من الأسد على قيد رمح، أو أنفس (¬2)، تمطى الأسد وزأر زأرة ~~وحمل، فحمل عليه جحدر بالسيف، فضربه ففلق هامته، فخر كأنه أطم مقوض، ولم ~~يلبث جحدر لشدة حملة الأسد عليه مع كونه مكبلا أن وقع علي ظهره متضمخا ~~بالدم، وعلت أصوات الجماعة بالتكبير. # وقال له الحجاج، لما رأى منه ما هاله: إن أحببت أن نلحقك ببلدك، بعد أن ~~نحسن جائزتك فعلنا، وإن أحببت أن تقيم معنا أسنينا (¬3) فريضتك. # فقال: بل أختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة من أهل بيته. # المكبل: المقيد، ms452 والكبل: القيد. # والمحك: اللجاج. # والأطم: الحصن، وقال ابن فارس فى «المقوض»: قوضت البناء، إذا نقضته من ~~غير هدم (¬4). PageV02P487 # وقال ابن دريد: قوضت البيت، إذا نزعت أوتاده وأعواده وأطنابه، وكل مهدوم: ~~مقوض (¬1). # فقوله: كل مهدوم مقوض، مخالف قول ابن فارس: قوضت البناء، إذا نقضته من ~~غير هدم، وكأن مراد ابن فارس أن يصرع البناء من أسفله. # ... PageV02P488 ### || AUTO مسألة # سئلت عن {ترين} فى قول الله سبحانه: {فإما ترين من البشر أحدا} (¬1) ~~وذكر/السائل لى أن الواعظ المعروف بالشعرى، امتحن الناس بهذه اللفظة على ~~الكرسى، فقال: ما المحذوف منها؟ وما وزنها؟ فرأيت أن أقدم أسا يبنى الكلام ~~فيها عليه. # فأول ذلك أن العرب بنت الفعل مع النون المؤكدة على الفتح، لأن الفعل فى ~~الأصل ثقيل، وزاده اتصاله بهذه النون ثقلا، فاستحق البناء كما استحقته ~~الأسماء المركبة، وخصوه بالفتحة لخفتها، كما بنوا عليها خمسة عشر (¬2)، ~~وبعلبك، وهو جارى بيت بيت، ولا رجل فى الدار، فقالوا: لتخرجن، وهل ينطلقن؟ ~~كما قال: # هل ترجعن ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا (¬3) # وكما جاء فى التنزيل: {ليسجنن وليكونا من الصاغرين} (¬4) وكذلك الفعل ~~المعتل كقولك: هل تدعون، ولا ترمين، فإن كان الفعل لجماعة ذكور، أو واحدة PageV02P489 # مخاطبة، نحو: تخرجون وتجلسين، حذفت للبناء هذه النون التى هى علم الرفع، ~~كما حذفت الضمة للبناء فى قولك: يا زيد هل تخرجن، وإذا حذفت نون تخرجون ~~وتجلسين، حذفت الواو والياء لسكونهما وسكون النون المدغمة من نون التوكيد ~~الثقيلة، وجاز حذف الواو والياء لدلالة الضمة والكسرة قبلهما عليهما، فقلت: # هل تخرجن؟ وتالله لتجلسن، كما جاء فى التنزيل: {لتركبن طبقا عن طبق} (¬1) ~~وقال تأبط شرا: # لتقرعن علي السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقى (¬2) # فإن اتصل الفعل المعتل اللام بواو الضمير أو يائه، وما قبل الواو مضموم، ~~وما قبل الياء مكسور، حذفت الواو والياء لسكونهما وسكون النون، فقلت: هل ~~تدعن يا قوم، وهل ترمن يا مرأة، فمثال تدعن وترمن، من الفعل: تفعن وتفعن، ~~لأن الأصل فيهما: تدعوون، وترميين، مثل تخرجون وتجلسين، فحذفت/ضمة ms453 الواو ~~وكسرة الياء استثقالا لحركتين ثقيلتين فى حرفين معتلين، ثم حذفت الواو ~~والياء اللامان لسكونهما وسكون الواو والياء الضميرين، فصارا إلى تدعون ~~وترمين، فلما اتصلا بنون التوكيد سقطت النون التى هى علم الرفع، لبناء ~~الفعل مع النون المؤكدة، فكرهوا أن يقولوا: تدعون وترمين؛ لسكون الواو ~~والياء، فيجمعوا بين ساكنين، الثانى منهما مدغم، فحذفوا الواو لدلالة الضمة ~~عليها، والياء لدلالة الكسرة عليها، فصار إلى تدعن وترمن. PageV02P490 # فإن قيل: فهلا احتملوا اجتماع الساكنين فيهما؛ لأن الأول حرف مد، والثانى ~~مدغم، كما جمعوا بين الساكنين باجتماع هذين الشرطين فى فعل الاثنين، ~~فقالوا: تدعوان وترميان، وجاء فى التنزيل: {ولا تتبعان سبيل الذين لا ~~يعلمون} (¬1). # فالجواب: أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم لو أسقطوا الألف، كما أسقطوا الواو ~~والياء صار اللفظ إلى تدعون وتتبعن، فالتبس المثنى بالواحد، فاحتملوا الجمع ~~بين ساكنين، الأول منهما ألف والثانى مدغم، وهذا كثير فى كلامهم، فى نحو: ~~العامة والطامة (¬2)، فى قوله تعالى: {فإذا جاءت الطامة} (¬3) ونحو الشابة، ~~و {ما ترك عليها من دابة} (¬4) و {ادخلوا في السلم كافة} (¬5) وإنما ~~احتملوا هذا فى الألف؛ لأنها أمكن فى المد (¬6) من الواو والياء الساكنتين ~~المتحرك ما قبلهما بالحركة التى تجانسهما؛ من حيث كان المد يلزم الألف ~~دونهما، فهى مباينة فى ذلك لهما، فلذلك خصت دونهما باستعمالها تأسيسا، ~~وبانفرادها فى القصيدة ردفا. # والتأسيس: كل ألف وقعت فى القافية وبينها وبين الروي حرف، كألف سالم ~~وعالم ونازل وبازل، والحرف الفاصل بين الألف والروي، يقال له: الدخيل. # وأما الردف فكل حرف لين وقع قبل الروى بغير فصل، كألف كلام، وياء كليم، ~~وواو كلوم، ولا اعتداد بالجمع بين الواو الساكنة والساكن المدغم فى نحو: # تمود/الثوب، وكذلك الياء فى أصيم، ومديق (¬7)، ونحوهما لقلة ذلك فى ~~الاستعمال. PageV02P491 # فإن كان ما قبل الواو والياء مفتوحا، كواو ترضون، وياء تخشين، لم يجز ~~حذفهما إذا اتصلا بنون التوكيد؛ لأنهما لو حذفا لم تدل الحركة التى قبلهما ~~عليهما؛ لأن الفتحة مجانسة الألف، كما أن الضمة مجانسة الواو، وكما أن ~~الكسرة مجانسة الياء، فكل واحدة ms454 منهن-أعنى الحركات-إنما تدل على الحرف ~~المجانسها، فوجب لذلك تحريك الواو والياء فى هذا النحو، إذا اتصلا بنون ~~التوكيد واستحال حذفهما، فحركوا الواو بالضمة والياء بالكسرة، خصوا كل ~~واحدة منهما بالحركة المجانسة لها، فقالوا: لترضون، وهل تخشين؟ والأصل: ~~ترضيون وتخشيين، فاستثقلت الضمة فى ياء ترضيون، والكسرة فى ياء تخشيين، ~~فحذفتا، أعنى الحركتين، ثم حذفت الياءان بعد حذف حركتيهما، لسكونهما وسكون ~~الواو والياء الضميرين بعدهما، فصارا إلى ترضون وتخشين، فلما اتصلا بنون ~~التوكيد سقطت النون التى زيدت علما للرفع؛ لأن الفعل صار مع نون التوكيد ~~إلى البناء، فصار فى التقدير إلى: ترضون وتخشين، بسكون الواو والياء، فوجب ~~تحريكهما لسكونهما وسكون النون، فحركت الواو بالضمة، والياء بالكسرة، فقيل: # ترضون وتخشين، فمثال الواو فى التنزيل: {لتبلون في أموالكم} (¬1) و ~~{لترون الجحيم} (¬2) ومثال الياء: {فإما ترين} فالمحذوف من ترون وترين عين ~~الفعل ولامه، فعينه همزة، ولامه ياء، وذلك أن الهمزة التى فى «رأيت» اعتزمت ~~العرب على حذفها من أرى ونرى ويرى وترى، فلم يقولوا: نرأى ولا ترأى، إلا فى ~~ضرورة، كما قال: # أرى عينى ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات (¬3) # فأصل ترون وترين قبل اتصالهما بنون التوكيد، وقبل اعتزام العرب على PageV02P492 # حذف/عينهما: ترأيون وترأيين، بوزن تفعلون وتفعلين، فحذفت العين التى هى ~~الهمزة بعد إلقاء فتحتها على الراء، فصار إلى تريون وتريين، بوزن تفلون ~~وتفلين، فاستثقلت الضمة على ياء تريون، والكسرة على ياء تريين، فحذفت ~~الحركتان منهما، فسقطت الياءان لما سكنتا وبعدهما واو الضمير وياؤه ~~ساكنتين، فبقى ترون وترين، بوزن تفون وتفين. # فأما ترون، فإنه لما اتصل بنون التوكيد سقطت النون التى هى علامة رفعه، ~~فصار ترون، بواو ساكنة ونون مشددة، فلم يجز أن تحذف الواو لالتقاء ~~الساكنين؛ لأن قبلها فتحة، فلو حذفت لم يدل عليها دليل، فلما امتنع حذفها ~~وجبت حركتها لالتقاء الساكنين؛ فحركت بالضمة، فقيل: ترون، بوزن تفون. # وأما ترين، فإن النون التى هى علامة الرفع سقطت لدخول الجازم الذى هو ~~«إما» (¬1) فبقى: تري، بوزن تفي، فلما اتصلت به نون التوكيد لم يجز حذف ms455 ~~الياء لالتقاء الساكنين؛ لأنها لو حذفت مع انفتاح ما قبلها عدم دليل عليها، ~~فحركت حينئذ بالكسر، فصار: ترين، بوزن تفين. فأحسن تأمل ما ذكرته، فقد ~~بالغت فى إيضاح المسئول عنه، بتوفيق الله. # ... PageV02P493 ### | AUTO المجلس الخامس والستون # أورد أبو علي فى الإيضاح (¬1) هذا البيت: # فقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهماها يقرع العظم نابها # وهو من قصيدة للقيط بن مرة الأسدى، رثى فيها أخاه أطيطا، وهجا مرة ابن ~~عداء، ومدرك بن حصن الأسديين، فمنها: # وأبقت لى الأيام بعدك مدركا ... ومرة والدنيا قليل عتابها # أراد أن عتاب الدنيا غير نافع، فمعاتبها غير مستكثر منه. # قرينين كالذئبين يقتسماننى ... وشر صحابات الرجال ذئابها # شبههما بالذئبين؛ لأن الذئاب أخبث السباع. # جمعوا الصاحب على أصحاب، وليس ذلك بقياس فى فاعل، فكأنهم قدروا حذف ألفه، ~~فصار إلى صحب تقديرا، فجمعوه على أفعال كنمر وأنمار، ووتد وأوتاد، وجمعوه ~~على صحب، كما قالوا فى جمع تاجر وراكب وشارب: تجر وركب وشرب، وهذا الضرب ~~إنما هو اسم للجمع، بدلالة تصغيره على لفظه، قالوا: # صحيب (¬2) وركيب وشريب، فحقروه تحقير الواحد، قال: # وأين ركيب واضعون رحالهم (¬3) PageV02P494 # حقر ركبا تحقير كعب، وأعاد إليه ضمير جمع على المعنى. وجمعوه على صحابة ~~(¬1)، وهذا أيضا غير مقيس، ثم قالوا: صحابات، فجمعوه بالألف والتاء، كما ~~قالوا فى جمع صاحبة: صواحب، ثم قالوا: صواحبات، وجاء فى الحديث: «إنكن ~~لصواحبات يوسف (¬2)» # إذا رأيا لى غفلة آسدا لها (¬3) ... أعادي والأعداء كلبى كلابها # آسدا أعادي: أفسدا قلوبهم حتى جعلا أخلاقهم كأخلاق الأسود. # والكلبى: جمع كلب كلب، كزمن وزمنى، وضمن وضمنى. # فقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهماها يقرع العظم نابها # الضغمة: العضة، ومنه قيل للأسد: ضيغم. # و «جعل» هاهنا من أفعال المقاربة، كقولهم: طفق يقول كذا، وكرب يفعل كذا، ~~ولهذا الفعل انقسام إلى معان، قد ذكرها أبو علي مع ذكره لهذا البيت. # يقول: جعلت نفسى تطيب لأن أضغمهما ضغمة يقرع لها الناب العظم، وصف ضغمه ~~بالجملة، والمصدر الذى هو الضغم مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، التقدير: ~~لضغمى إياهما، والهاء التى فى قوله: «لضغمهماها» ms456 عائدة إلى الضغمة، ~~فانتصابها إذا انتصاب المصادر، مثلها فى قوله تعالى: {إن هذا لمكر مكرتموه ~~في المدينة} (¬4) وأضاف الناب إلى ضمير الضغمة؛ لأن الضغم إنما هو بالناب، ~~واللام فى قوله: «لضغمهماها» متعلقة بيقرع، أى يقرع عظمهما/نابى، لضغمى ~~إياهما ضغمة واحدة. PageV02P495 # فلولا رجاء أن تثوبا وما أرى ... عقولكما إلا بعيدا ذهابها # سقيتكما قبل التفرق شربة ... شديدا على باغى الظلام طلابها # يقول: لولا أنى أرجو أن ترجعا عما ارتكبتماه من ظلمى لسقيتكما قبل أن ~~يفارق أحدكما صاحبه، شربة يشتد طلبها، أى طلب مثلها على من يطلب المكافأة ~~على ظلمه، أى فعلت بكما فعلا يشابه شربة سم. # والظلام، بالكسر (¬1): الظلم، وأراد: على باغي جزاء الظلام، فحذف المضاف. # وقال: «عقولكما» فجمع العقل فى موضع التثنية، شبهه بما فى الجسد منه شيء ~~واحد، كالقلب والوجه والأنف والبطن، كما جاء فى التنزيل: {فقد صغت قلوبكما} ~~(¬2) و {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} (¬3) وجمع العقل هاهنا أجود من جمع الرحل ~~فيما حكاه سيبويه، من قولهم: «ضعا رحالكما (¬4)؛ لأن الأصل فى هذا النحو ~~جمع ما هو فى الجسد. # وقد جاءت التثنية فى موضع التثنية، كقول الفرزدق: # بما فى فؤادينا من الشوق والهوى (¬5) # وجاءت اللغتان فى قول هميان بن قحافة: # ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين PageV02P496 # القذف: البعيد. # والمرت: الذى لا ينبت مرعى، وقيل: الخالى من الحيوان. # ... ذكر أبو العباس محمد بن يزيد فى المقتضب (¬1)، هذا البيت: # فأصبحوا والنوى عالى معرسهم ... وليس كل النوى يلقى المساكين # ذكره شاهدا على إضمار الشأن والحديث فى «ليس» فنصب «كل النوى» بيلقى، ~~فخلت لذلك الجملة من ضمير ظاهر أو مقدر، يعود على مرفوع «ليس» لأن ضمير ~~الشأن لا يعود عليه من الجملة المخبر بها عنه ضمير؛ لأن هذا المخبر عنه هو ~~الخبر فى المعنى، وإنما يلزم أن يعود على المخبر عنه ضمير من الجملة المخبر ~~بها عنه إذا كان/الخبر غير المخبر عنه، كقولك: ليس زيد يكرمه أخوك، فقولك: # «يكرمه أخوك» حديث عن زيد، والحديث غير المحدث عنه. # ولو رفعت «كل النوى» بليس لزمك أن ms457 تقدر ضميرا يعود إليه من الجملة، تريد: ~~وليس كل النوى يلقيه المساكين، وحذف الضمير العائد من الخبر إلى المخبر عنه ~~ضعيف، مباين لحذف العائد من الصفة إلى الموصوف، وقد أشبعت القول فى هذا ~~فيما تقدم (¬2). # وهذا البيت لحميد بن مالك الأرقط، وكان معدودا فى بخلاء العرب، ونزل به ~~قوم فأطعمهم تمرا، وقال: PageV02P497 # باتوا وجلتنا البرني بينهم ... كأن أنيابهم فيها السكاكين (¬1) # فأصبحوا والنوى عالى معرسهم ... وليس كل النوى يلقى المساكين # المعرس: المنزل الذى ينزله المسافر آخر الليل، والتعريس: النزول فى ذلك ~~الوقت، يقول: أصبحوا وقد غطى النوى لكثرته على منزلهم، فى زمان لا يلقى فيه ~~المساكين أكثر النوى، ولكنهم يأكلونه من الجهد والجوع. # ومن شعره الذى استدل به على بخله قوله يذكر ضيفا نزل به: # أتى يخبط الظلماء والليل دامس ... يسائل عن غير الذى هو آمل (¬2) # فقلت لها قومى إليه فيسري ... طعاما فإن الضيف لا بد نازل # يقول وقد ألقى مراسيه (¬3) ... للقرى # أبن لي ما الحجاج بالناس فاعل PageV02P498 # قوله: «ألقى مراسيه» أى ألقى أثقاله، وثبت كل الثبات، والرسو: الثبات ~~بثقل، ومنه قيل للجبال: الرواسى. والمراسى: جمع المرسى، وأصل المرسى ~~للسفينة، وهو الذى يكون من حديد، ويسمى الأنجر، يشد بطرف حبل ويلقى فى ~~البحر ليمنع السفينة من السير، فترسو به. # فقلت لعمرى ما لهذا طرقتنا ... فكل ودع الحجاج ما أنت آكل # /سؤاله عن الحجاج هو الذى عناه بقوله: # يسائل عن غير الذى هو آمل # وقوله: «طرقتنا» أراد أتيتنا ليلا. # أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل # فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل # أراد أنه امتلأ من الطعام حتى كسبته الكظة العي، وهذا كقولهم: «البطنة ~~تذهب الفطنة (¬1)» ولما بدأه الضيف بالحديث، وسأله عن الحجاج طلبا ~~للاستئناس قطع عليه كلامه بقوله: ما لهذا طرقتنا، فكل ودع الحجاج، وهذا منه ~~نهاية فى البخل؛ لأن محادثة الضيف من دلائل الكرم، وقد مدحوا بذلك وتمدحوا ~~به، فمن المدح قول الشماخ (¬2): # إنك يا ابن جعفر نعم الفتى ... ونعم مأوى ms458 طارق إذا أتى PageV02P499 # ورب ضيف (¬1) ... طرق الحي سرى # صادف زادا وحديثا ما اشتهى # إن الحديث طرف من القرى # ومن التمدح قول عقبة بن مسكين الدارمي (¬2). # لحافى لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهنى عنه غزال مقنع # أحادثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسى أنه سوف يهجع # وضربت العرب بباقل المثل فى العي والفهاهة، فقالوا: «أعيا من باقل» كما ~~ضربوا بسحبان وائل المثل فى البلاغة والخطابة، فقالوا: أبلغ من سحبان وائل ~~(¬3)» ووائل: بطن من باهلة، وباقل: أحد بنى قيس بن ثعلبة، وقيل: هو من بنى ~~مازن، ومما يؤثر عنه أنه شرى ظبية بأحد عشر درهما، فقيل له: بكم شريت ~~الظبية؟ ففتح كفيه وفرق أصابعه، وأخرج لسانه، يريد أحد عشر، فأفلتت الظبية ~~فعيروه بذلك، فقال: # يلومون فى حمقه باقلا ... كأن الحماقة لم تخلق (¬4) # فلا تكثروا العذل فى عيه ... فللعي أجمل بالأحمق PageV02P500 # خروج اللسان وفتح البنان ... أحب إلي من المنطق # قال أبو الفتح عثمان فى قول أبى الطيب (¬1): # من لى بفهم أهيل عصر يدعى ... أن يحسب الهندي فيهم باقل # فى هذا البيت شيء يمكن أن يتعلق به عليه، وذلك أن باقلا لم يؤت من سوء ~~حسابه، وإنما أتى من سوء عبارته، فكان ينبغى أن يذكر مع سوء العبارة ~~الخطابة والفصاحة، لأن سوء العبارة والفصاحة ضدان، ولا يذكر مع عي اللسان ~~جودة الحساب؛ لأنهما ليسا ضدين، ولو قال: # أن يفحم الخطباء فيهم باقل # ونحو ذلك، كان أسوغ. # وقال من (¬2) رد على ابن جنى: ليس الأمر كما قال، فإن باقلا كما أتى من ~~سوء البيان أتى من الجهل بعقد البنان، فإنه لو ثنى (¬3) من سبابته وإبهامه ~~دائرة، ومن خنصره عقدة، لم تفلت منه الظبية، فقد صح قوله فيما نسبه إليه من ~~الجهل بالحساب. # وأقول: إن أبا الطيب إنما ذكر حساب الهند؛ لأنه مما يعزب لدقته عن كثير ~~من الأفهام الجلية والقلوب الذكية، وباقل كان فى الطبقة العليا من البلادة، ~~والحساب الهندي يتعذر فهمه على العربي الذكي، فكيف البليد منهم العيى (¬4)! # ... PageV02P501 # قال أبو علي فى الحجة، فى ms459 قول الله سبحانه: {الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~والسماء بناء} (¬1): لما كان البناء رفعا للمبني قوبل بالفراش، الذى هو ~~خلاف البناء، ومن ثم وقع البناء على ما فيه ارتفاع فى نصبته، وإن لم يكن ~~مدرا، كقول الشاعر (¬2): # - PageV02P502 # لو وصل الغيث أبنين امرأ ... كانت له قبة، سحق بجاد # /أى جعلن بناءه بعد القبة خلق كساء، كأنه كان يستبدل بالقبة سحق كساء، ~~لإغارة الخيل عليه. انتهى كلامه. # وأقول: البجاد: كساء مخطط. والسحق: البالى. # ويقال: بنيت خباء، أى رفعته، وأبنيت زيدا خباء، تعدى بالهمزة إلى مفعول ثان. # والضمير فى «أبنين» ضمير خيل قد تقدم ذكرها، أو هو إضمار لها قبل الذكر؛ ~~لأن عود الضمير إلى معلوم قد تقرر فى النفس، وارتفع فيه اللبس، جائز كما ~~جاء فى التنزيل: {ما ترك عليها من دابة} (¬1) و {إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر} (¬2) وكما أعاد حميد بن مالك الضمير إلى امرأته، ولم يجر لها ذكر، ~~فى قوله (¬3): # فقلت لها قومى إليه فيسرى. طعاما. . . . # وقوله: «سحق بجاد» مفعول ثان لأبنين، أى جعلنه له بناء. PageV02P503 # ومعنى قوله: «لو وصل الغيث» أن الغيث وقع فى أرض دون أرض، من المسافة ~~التى بين الخيل وبين من أرادت الإغارة عليه، فلم يكن للخيل مرعى يوصلها إلى ~~المكان الذى تريده. # ... سألنى سائل فقال: ما العامل فى الظرفين، من قولهم: «بينما زيد إذ جاء ~~عمرو»؟ ما هذان الظرفان؟ # فأجبت بأن الأكثر في الكلام أن يقال: بينما زيد جاء عمرو، فلذلك جعل بعض ~~النحويين «إذ» هاهنا زائدة، فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف يجوز إظهاره، ~~فالتقدير: بينما زيد حاضر، أو فى الدار، أو خلف بكر، أو نحو ذلك، فالعامل ~~فى «بينما» الفعل المذكور، ومما جاء على إسقاط «إذ» وإظهار الخبر قول ~~الشاعر (¬1): # بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع سراعا والعيس تهوى هويا # خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيا # ومما جاء على حذف الخبر وإثبات «إذ» قول الآخر: # استقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير (¬2) PageV02P504 # /وصواب هذا [الكلام (¬1)] عندى الحكم ms460 بزيادة «إذ» لأنك لو جعلتها غير ~~زائدة (¬2) أعملت فيها الخبر مذكورا أو مقدرا، وهى مضافة إلى الجملة ~~الفعلية (¬3)، التى هى «جاء» وفاعله، وهذا الفعل هو الناصب لبينما، فإذا ~~قدرت «إذ» مضافة إليه وهى على بابها غير زائدة، بطل إعماله فى «بينما» لأن ~~المضاف إليه كما لا يصح إعماله فى المضاف، كذلك لا يصح أن يعمل فيما قبل ~~المضاف، ألا ترى أنهم لم يجيزوا فى قولهم: أنت مثل ضارب زيدا، تقديم زيد، ~~فيقولوا: أنت زيدا مثل ضارب. # وأما قولك: ما هذان الظرفان؟ فإن «بين» فى أصل وضعه ظرف مكان، والمراد به ~~هاهنا الزمان، كما أن «عند» موضوعة للمكان، وقد استعملوها للزمان، كقوله: # عند الصباح يحمد القوم السرى (¬4) PageV02P505 # وقد حذفوا الميم من «بينما» فى الشعر، وهو من أقبح الضرورات، كقوله: # فبيناه يشرى رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب (¬1) # أراد: فبينما هو، فحذف ميم «ما» وواو «هو» كما حذف الآخر ياء «هى» فى قوله: # دار لسعدى إذه من هواكا (¬2) # شبهوا الواو والياء المتحركتين الأصليتين بالواو والياء الساكنتين ~~الزائدتين، / فى نحو: لقيتهو، ومررت بهى، وخذوهو، وإليهى. # فالهاء فى قوله «فبيناه» مبتدأ، وخبره «يشرى رحله» ولم يأت بإذ التى ~~استعملها الآخر فى قوله: # فبينما العسر إذ دارت مياسير # و «يشرى رحله»: يبيعه، يقال: شريت الشىء: إذا اشتريته، وإذا بعته. # والملاط: العضد. # ... PageV02P506 ### || AUTO مسألة # المعلم والمعلمة زيد عمرا خير الناس إياه أنا # (¬1) # الجواب: أن المعلم مبتدأ، والمعلمة معطوف عليه، وهو يقتضى اسما فاعلا، ~~ويقتضى التعدى إلى ثلاثة مفعولين، كما يقتضى ذلك فعله الذى هو أعلم، فزيد ~~فاعله، والهاء المفعول الأول، وعمرا الثانى، وخير الناس الثالث، وإياه ضمير ~~مصدره، الذى هو الإعلام، أضمره وإن لم يجر له ذكر، لأن المصدر (¬2) يحسن ~~إضماره إذا ذكر فعله أو اسم فاعله، فمثال إضماره بعد ذكر فعله، فى التنزيل ~~قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} ~~(¬3) التقدير: البخل خيرا لهم، فحذف البخل وأضمره لدلالة {يبخلون} عليه، ~~وهذا الضمير هو الذى يسمى فصلا، ms461 ويسمى عمادا، فلا موضع له من الإعراب، ~~ومثال إضمار المصدر لدلالة اسم الفاعل عليه قول الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف (¬4) # وقولك «أنا» خبر المبتدأ الذى هو المعلم، والمعلمة وإن كان عطفا على ~~المعلم فإنه هو المعلم، لأنه وصف له، فلذلك كان «أنا» خبرا عنهما معا، ~~فالتقدير: المعلم (¬5) المعلمة زيد عمرا خير الناس أنا. PageV02P507 # ومثل ذلك قولك: القائم والواضع يده على رأس زيد جعفر، جئت بخبر واحد، لأن ~~المعنى: الذى قام ووضع يده على رأس زيد جعفر، فهذا يحسن فى أسماء الفاعلين ~~وغيرها من الصفات، والأغلب أن يكون/هذا مع تكرير الصفات كقولك: زيد الظريف ~~والعاقل، الكريم، ومنه قول ابن زيابة (¬1). # يا لهف زيابة للحارث ... الصابح فالغانم فالآيب # فقوله: «للحارث الصابح فالغانم فالآيب» عبارة عن شخص واحد. # ... PageV02P508 ### | AUTO المجلس السادس والستون # لولا: حرف وضع لمعنيين # ، أحدهما: التحضيض، والآخر: امتناع الشىء لوجود غيره. # فالموضوع للتحضيض مختص بالفعل، ماضيا ومستقبلا، وظاهرا ومقدرا، تقول: ~~لولا أكرمت زيدا، ولولا تكرم جعفرا، كما جاء فى التنزيل: {فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة} (¬1) و {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} (¬2). # وقال بعض النحويين: إن «لولا» هذه قد استعملت للتوبيخ (¬3)، كقوله تعالى: # {لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء} (¬4) ومثال تقدير الفعل بعدها، أن يقول لك: ~~جئتك ماشيا، فتقول: فلولا راكبا، تريد: فلولا جئت راكبا، وكذلك إذا قال: ~~سأعطى زيدا، فقلت: فلولا محمدا، أردت: فلولا تعطى محمدا، قال الأشهب بن رميلة: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكمي المقنعا (¬5) PageV02P509 # أراد: لولا تعدون (¬1) الكمي، أى ليس فيكم كمي فتعدوه. # والضرب الآخر، يدخل على جملتين؛ فيربط إحداهما بالأخرى، ويجعل الثانية ~~جوابا للأولى، فالأولى منهما مبتدأ وخبر، والثانية فعل وفاعل، ويحتاج إلى ~~اللام فى الجواب، كاحتياج «لو» إليها فى نحو: لو جئتنى لأكرمتك، تقول: لولا ~~زيد لجئتك، فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف لعلم السامع به، تقديره: لولا ~~زيد حاضر أو عندك، أو نحو ذلك مما يعرفه المخاطب، لجئتك. # وجعل سيبويه أصل المسألة (¬2): زيد بالبصرة خرج عمرو، فلا تعلق ms462 لإحدى ~~الجملتين بالأخرى، فإذا/دخلت «لولا» علقت أحد الكلامين بالآخر، فقلت: # لولا زيد لخرج عمرو، حذفوا الخبر حين فهم المعنى مع كثرة الاستعمال. # وأقول: إن خبر المبتدأ بعد «لولا» قد ظهر فى قوله تعالى: {ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} (¬3) وكذلك {ولولا فضل الله عليك ورحمته ~~لهمت طائفة منهم أن يضلوك} (¬4) وربما جاء بعدها مكان المبتدأ الفعل ~~والفاعل، لاستواء هاتين الجملتين فى المعنى، ألا ترى أن قولك: زيد قام، ~~وقام زيد، معناهما واحد، قال الجموح أحد بنى ظفر، من سليم بن منصور: # لا در درك إنى قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذرى لمحدود (¬5) # - PageV02P510 # أى لولا الحد والحرمان (¬1). # وقال الفراء وغيره من الكوفيين: لولا ترفع ما بعدها (¬2)، لانعقاد ~~الفائدة بها. # قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه: ألا ترى أن الفعل قد وقع بعدها في ~~قول الجموح: «لولا حددت» وكل حرف يليه الاسم والفعل، فما بعده رفع ~~بالابتداء، نحو إنما وكأنما، وهل وألف الاستفهام. # وأقول: إن الاحتجاج لسيبويه بوقوع الفعل بعدها ضعيف؛ لأنه لم يسمع إلا فى ~~البيت الذى تقدم ذكره، والوجه فى الاحتجاج لسيبويه: أننا لم نر حرفا (¬3) ~~يرفع اسما إلا وهو ينصب آخر، كأن وأخواتها، و «لا» في نحو: لا رجل أفضل ~~منه. PageV02P511 # /ولا كريم من الولدان مصبوح (¬1) # و «ما» فى لغة أهل الحجاز، فهذه حجة لمذهب سيبويه، قاطعة بصحته # وإذا أتيت بالمضمر (¬2) بعد «لولا» فالوجه أن تأتى بالمرفوع المنفصل، ~~كقولك: لولا أنا، ولولا أنت، ولولا نحن، كما جاء فى التنزيل: {لولا أنتم ~~لكنا مؤمنين} (¬3). # وإن شئت جئت بالمتصل المخفوض فقلت: لولاك ولولاى، ولولاكم، قال يزيد ابن ~~الحكم الثقفي: # وكم موطن لولاى طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوى (¬4) # وقال آخر: # لولاك ما صمنا ولا صلينا (¬5) PageV02P512 # واختلف النحويون فى المتصل هاهنا، فزعم الخليل وسيبويه أنه مخفوض، لأن ~~لفظه لفظ الضمير المخفوض. # وقال الأخفش والفراء: إنه ضمير خفض، استعير للرفع، كما استعير ضمير الرفع ~~للخفض، فى قولهم: «ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا» وأبو العباس المبرد يأبى ~~استعمال المتصل ms463 بعد «لولا» ويعول على ما جاء به القرآن، وقد أشبعت الكلام ~~فى هذا النحو فيما تقدم (¬1). # وزعم قوم من الكوفيين (¬2) أن «لولا» قد استعملت بمعنى «لم» واحتج بقوله ~~تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس} (¬3) قال: ~~معناه: لم تكن قرية آمنت عند نزول العذاب، فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، ~~وكذلك {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض ~~إلا قليلا ممن أنجينا منهم} (¬4) وهذا التقدير موافق للمعنى، ومباين لأصح ~~الإعرابين؛ لأن المستثنى بعد النفى يقوى فيه البدل، ويجوز النصب، ولم يأت ~~في الآيتين إلا النصب. # وشبه سيبويه (¬5) حذف خبر المبتدأ بعد «لولا» بأشياء من المحذوفات، ~~كقولهم: / «إما لا» وأصله، فيما زعم الخليل، أنهم أرادوا: إن كنت لا تفعل ~~كذا فافعل كذا، ومعنى هذا الكلام أن رجلا لزمته أشياء يفعلها، فامتنع، فرضى PageV02P513 # منه صاحبه ببعضها، فقال: افعل هذا إما لا، أى افعل هذا إن كنت لا تفعل ~~جميع ما يلزمك، وزاد «ما» على «إن» وحذف «كان» وما يتصل به، وكثر ذلك فى ~~كلامهم حتى صارت «لا» مع ما قبلها كشىء واحد، ولذلك أمالوا الألف من «لا» ~~وهى لا تمال فى غير هذا الكلام. # وذكر سيبويه (¬1) قولهم: «حينئذ، الآن» يريدون: واسمع الآن، قال أبو ~~سعيد: أى كان الشىء الذى تذكر واسمع الآن، وذكر سيبويه [قولهم] (¬2) «ما ~~أغفله عنك شيئا» (¬3) وفسره بقوله: أى دع الشك عنك، ثم قال: فحذف هذا لكثرة ~~استعمالهم هذا الكلام. # وأقول: إنه قد روى عن أبى عثمان المازنى، أنه قال: سألت الأخفش عن قوله، ~~يعنى سيبويه: «ما أغفله عنك شيئا» ما معناه؟ فقال لى: لم أزل أسأل عن هذا. # وقال المازنى: سألت الأصمعى وأبا زيد وأبا مالك (¬4) عنه، فقالوا: ما ~~ندرى ما هو. PageV02P514 # وقال أبو إسحاق الزجاج: سمعت أبا العباس المبرد يقول: كان أصحابنا لا ~~يعرفون معنى هذا الحرف، يعنى المازني والجرمي. # وقال أبو سعيد: ما فسره من مضى إلى أن مات المبرد، وفسره الزجاج، فقال: ~~معناه على كلام قد تقدم، ms464 كأن قائلا قال: زيد ليس بغافل عنى، فقال المجيب: ~~بلى ما أغفله عنك! أراد أن يبعثه على أن يعرف صحة كلامه، فقال: # انظر شيأ؛ فإنك تعرف صحة ما أقول لك، كما تقول: انظر قليلا. انتهى ما ~~حكاه عن الزجاج. # وقوله: «ما أغفله عنك» تعجب بمقتضى هذا الكلام، وبقى فيه أن قوله: # دع الشك عنك، لا يتصل بما قاله. # ووجدت بخط أبى الفرج سعيد بن علي بن السلالى الكوفى، ما أملاه عليه أبو ~~العلاء المعرى، ونسبه المعرى إلى بعض النحويين. /ولم يسمه، قال: إن الذى ~~قيل له هذا الكلام كان له صديق عوده أن يبره ويحسن إليه، وأنه ذكر صنيعه ~~به، فقال له السامع: ما أغفله عنك! شيئا، قال: فالكلام يتم عند قوله: «عنك» ~~وقوله: «شيئا» من كلام مستأنف، كأنه قال: فكر شيئا، أى تفكيرا قليلا، أى ~~إنه قد انتقل عن الحال التى كنت تجده عليها، فكأن الرجل المثنى على الصديق ~~شك فى أمره، ولم يدر ما أغفله عنه، فقال له من حضر: فكر شيئا، أى دع الشك؛ ~~لأنه إذا فكر وجب أن يصح له الأمر. # وقال المعرى: إن المراد بقوله: ما أغفله عنك، التعجب، ويحتمل أن يكون ~~استفهاما، كأنه قال: أي شيء أغفله عنك؟ # ... PageV02P515 ### || AUTO هذه أبيات ألغاز سئلت عنها # اسمع أبا الأزهر ما أقول ... عليك فيما نابنا التعويل # مسألة أغفلها الخليل ... يرفع فيها الفاعل المفعول # ويضمر الوافر والطويل # فأجبت (¬1): بأن الإضمار من الألقاب العروضية والنحوية، وهو فى العروض: # لقب زحاف يقع فى البحر المسمى الكامل، وهو أن يسكن الحرف الثانى من ~~متفاعلن، فيصير متفاعلن، فينقل إلى مستفعلن، والبحران الملقبان الطويل ~~والوافر ليس الإضمار من ألقاب زحافهما. # والإضمار فى النحو: أن يعود ضمير إلى متكلم أو مخاطب أو غائب، كقولك فى ~~إعادة الضمير إلى الغائب: زيد قام وبشر لقيته وبكر مررت به، فهذا هو ~~الإضمار الذى أراده بقوله: # ويضمر الوافر والطويل # لا الإضمار الذى هو زحاف. # وقد وضعت فى الجواب عن هذا السؤال كلاما يجمع إضمار الطويل والوافر، ورفع ~~المفعول ms465 للفاعل، وهو قولك: ظننت زيدا الطويل حاضرا أبوه، وحسبت عمرا الوافر ~~العقل/مقيما أخوه. # فقولك: حاضرا ومقيما: مفعولان لظننت وحسبت، وقد ارتفع بهما أبوه وأخوه، ~~كما يرتفعان بالفعل لو قلت: يحضر أبوه ويقيم أخوه، والهاء فى قولك أبوه: # ضمير الطويل، والهاء فى قولك: أخوه: ضمير الوافر، فقد أضمرت هذين الاسمين ~~بإعادتك إليهما هذين الضميرين. PageV02P516 # وقولك: أبوه وأخوه: فاعلان، رفعهما هذان المفعولان، مفعولا ظننت وحسبت. ~~وبالله التوفيق والتسديد. # ... قال أبو بكر بن مجاهد: قرأ عاصم فى رواية أبى بكر: «نجى المؤمنين» ~~(¬1) بنون واحدة مشددة الجيم، على ما لم يسم فاعله، والياء ساكنة، قال: ~~وروى عبيد عن أبى عمرو، وعبيد عن هارون عن أبى عمرو، كذلك (¬2)، وهو وهم، ~~لا يجوز هاهنا الإدغام؛ لأن النون (¬3) لا تدغم فى الجيم، وإنما خفيت لأنها ~~ساكنة تخرج من الخياشيم، فحذفت فى الكتابة، وهى فى اللفظ ثابتة، ومن قال: ~~مدغم، فهو غلط. # قال أبو علي: القول في ذلك أن عاصما ينبغى أن يكون قرأ {ننجي} بنونين، ~~وأخفى الثانية، لأن النون تخفى مع حروف الفم، ولا تبين، فالتبس على السامع ~~الإخفاء بالإدغام (¬4)، من حيث كان كل واحد من الإخفاء والإدغام غير مبين، ~~ويبين ذلك إسكانه الياء من نجى؛ لأن الفعل إذا كان مبنيا للمفعول به وكان ~~ماضيا لم يسكن آخره، وإسكان آخر الماضى إنما يكون فى قول من قال فى PageV02P517 # رضى: رضا (¬1)، وليس هذا منه، فإسكان الياء يدل على أنه قرأ {ننجي} كما ~~روى حفص عنه. # ومما يمنع أن يظن ذلك به نصبه قوله المؤمنين من {ننجي المؤمنين} ولو كان ~~على ما لم يسم فاعله لوجب أن يرفع. # فأما قول من قال: إنه يسند الفعل إلى المصدر، ويضمره؛ لأن الفعل دل عليه، ~~فذلك مما يجوز فى ضرورة الشعر، فالبيت (¬2) الذى أنشده: # ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا (¬3) # /لا يكون حجة فى هذه القراءة، وإنما وجهها ما ذكرنا أن الراوى حسب ~~الإخفاء إدغاما، ألا ترى أن الفعل المبنى للمفعول ينبغى أن يسند إليه كما ~~يسند المبنى للفاعل ms466 إليه، وإنما تسند هذه الأشياء إلى الظروف والحروف ~~الجارة، إذا لم يذكر المفعول به، فأما إذا ذكر المفعول به فلا تسند إلى ~~غيره؛ لأن الفعل له فهو أولى به، وإنما حذفت النون من الخط كراهية لاجتماع ~~صورتين متفقتين، وقد كرهوا ذلك فى الخط فى غير هذا الموضع، وذلك أنهم كتبوا ~~نحو الدنيا والعليا والحذيا، بالألف، ولولا الياء التى قبل الألف لكتبوها ~~بالياء، كما كتبوا: بهمى وحبلى وأخرى، ونحو ذلك بالياء، فكما كرهوا الجمع ~~بين صورتين متفقتين فى هذا PageV02P518 # النحو، كذلك كرهوا فى ننجى، فحذفوا النون الساكنة، فالوجه فيه كما رواه ~~حفص. انتهى كلام أبى علي. # وأقول: إن الفراء هو الذى روى البيت شاهدا (¬1) على أن «نجى» مبني ~~للمفعول، وأنه مسند إلى المصدر المقدر، والمراد: لسب السب بذلك الكلاب، ~~وكان الأصل: لسب الكلاب السب بذلك، أى بولاد ذلك الجرو، وهذا كما قال أبو ~~علي إنما يجوز فى ضرورة الشعر، وإذا كان إسناد الفعل إلى المصدر الظاهر ~~الموصوف، ونصب المفعول به مما لا يحتمله إلا الضرورة، فما ظنك بالمصدر ~~المقدر، كقولك فى التصريح بالمصدر: ضرب الضرب الشديد زيدا. # وأقول: إن الذى قاله أبو بكر بن مجاهد وأبو علي فى هذه القراءة، من الرد ~~على من ظن أن النون تدغم فى الجيم، ومن إفساد ما ذهب إليه الفراء فى البيت ~~الذى أورده، ومن الاحتجاج فى إبطال كون الفعل مبنيا للمفعول مع سكون يائه ~~ونصب المؤمنين، قول سديد، يشهد بصحته مقاييس العربية. # وخطر (¬2) لى فى هذه القراءة وجه يخرج الفعل من بنائه للمفعول، وعن إدغام ~~النون/فى الجيم، ولا يخرجه عن قياس كلام العرب، وهو أن يكون القارئ «نجى» ~~أراد: ننجى، مفتوح النون مشدد الجيم، فحذف النون الثانية كراهة توالى مثلين ~~متحركين، كما حذف التاء من قرأ {تذكرون} (¬3) خفيف الذال، حذف PageV02P519 # التاء الثانية من تتذكرون، وكما حذفوا بإجماع التاء الثانية، من تتنزل، ~~وقرءوا كلهم: # {تنزل الملائكة والروح} (¬1). # ومما جاء من حذف إحدى النونين المتحركتين حذفها فى قراءة نافع: # {فبم تبشرون} (¬2) بكسر النون خفيفة، فر من ms467 تبشروننى إلى الحذف، كما فر ~~منه ابن كثير إلى الإدغام، فقرأ: {تبشرون} وباقى القراء على فتح النون وحذف ~~المفعول بغير دليل عليه. # وكذلك اختلفوا فى قوله تعالى: {أفغير الله تأمروني أعبد} (¬3) فستة من ~~القراء فروا من تأمروننى إلى الإدغام، ونافع حذف الثانية (¬4). # ويقوى أن من قرأ: «نجى» أراد ننجى مجىء الماضى قبله على فعلنا مشدد ~~العين، فى قوله: {ونجيناه من الغم} (¬5) فلما جاء الماضى على فعلنا: نجينا، ~~قوبل بننجى، ولو كان «وأنجيناه» جاز لمن قرأ ننجى، بسكون النون، أن يحتج ~~بسكونها فى الماضى. فأنعم النظر فيما ذكرته، فهو أعبق بالصواب من غيره. # ... وهذا الحرف مما سأل عنه نصر بن عيسى بن سميع الموصلى، مكاتبة، وسأل ~~عن قراءة أبى جعفر يزيد بن القعقاع المدني: {فالصالحات قانتات} PageV02P520 # {حافظات للغيب بما حفظ الله} (¬1) بنصب هذا الاسم، تعالى مسماه. # فأجبت بأن انتصابه بوقوع الفعل عليه، بتقدير حذف مضاف، أى بما حفظ أمر ~~الله (¬2)، كما جاء فى الأخرى: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} (¬3) أى ~~فأتاهم أمر الله. # ومعنى «ما» فى هذه القراءة معنى «الذى» فالمضمر فى {حفظ} عائد على «ما» ~~والتقدير: حافظات للغيب، أى لغيب أزواجهن بالصلاح الذى حفظ أمر الله. # وأما من قرأ/بالرفع، فإن «ما» فى قراءته مصدرية، ومفعول {حفظ} محذوف، أى ~~حافظات لغيب أزواجهن بما حفظهن الله فى مهورهن، وإلزام أزواجهن الإنفاق عليهن. # قال أبو على: من نصب فقال: {بما حفظ الله} لم يجز أن يجعل «ما» مع الفعل ~~بمنزلة المصدر؛ لأنه يبقى الفعل بغير فاعل، يعنى أن التقدير فى كونها ~~مصدرية: بحفظهن الله، وهذا يصح لو كان لفظ التلاوة: بما حفظن الله، وصح هذا ~~مع الرفع؛ لأن التقدير: يحفظهن الله، فحذف المفعول؛ لأن حذف المفعول جائز، ~~ولم يجز ذلك مع النصب؛ لأن حذف فاعل الفعل لا يجوز. # ... ومما سأل عنه قول ثعلب: «وإذا أمرت من هذا الباب كله كان باللام، PageV02P521 # كقولك: لتعن بحاجتى» (¬1) فقال: إن اللام موضوعة لأمر الغائب، فكيف دخلت ~~على أمر المواجه؟. # فأجبت بأنه أراد فى قول ابن درستويه، ms468 فى تصحيحه للفصيح (¬2): أن لا يؤمر ~~بهذا اللفظ مواجه، وإنما يؤمر به غائب، مكاتبة أو مراسلة. # وأقول بعد هذا: إن الأصل فى أمر المواجه أن يستعمل بلام الأمر مع تاء ~~الخطاب، فقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال فى بعض مغازيه: «لتأخذوا ~~مصافكم» (¬3) وفى قراءة أبي: «فبذلك فلتفرحوا» (¬4) وقيل: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كذلك قرأها، فالأصل فى أمر المواجه: لتقم، لتنطلق، كما ~~يقال للمنهي المواجه: لا تقم، ولا تنطلق، ولكنهم استثقلوا استعمال أمر ~~المواجه باللام مع حرف المضارعة؛ لأنه كثر فى كلامهم، فخففوه بحذف اللام ~~وحذف التاء، واستدلوا (¬5) بالصيغة على المعنى الذى أرادوه، واستغنوا ~~بقولهم: قم وانطلق عن قوله: # لتقم ولتنطلق، ويجوز عندى استعمال الأصل فى قولك: لتعن بحاجتى، ولتوضع ~~(¬6) فى تجارتك، مخاطبا به حاضرا (¬7)، وهذا الذى أراده ثعلب. # ... ومما سأل عنه نصر بن عيسى الموصلى، عامل الجزم فى «يؤخر» من قول زهير ~~(¬8): PageV02P522 # /فلا تكتمن الله ما فى نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # يؤخر فيوضع فى كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم # فأجبت بأنه انجزم على جواب النهى الذى هو «لا تكتمن» لأن النهي وما أشبهه ~~مما ليس بواجب، ينوب عن الشرط فينجزم جوابه، إذا لم تكن فيه الفاء، فأراد: ~~لا تكتمن الله ما فى نفوسكم من الغدر يؤخر، أى فإنكم إن تكتموه (¬1) يؤخر، ~~أى يؤخر جزاؤه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فارتفع الضمير لقيامه ~~مقام مرفوع، واستتر، ثم قال: «فيوضع فى كتاب فيدخر ليوم الحساب» أى إلى يوم ~~الحساب، «أو يعجل» أى يعجل جزاؤه، وقامت اللام مقام إلى، كما جاء فى ~~التنزيل: {بأن ربك أوحى لها} (¬2). # ... PageV02P523 ### | AUTO المجلس السابع والستون # قال أبو على، فى قول الله تعالى جده: {لا أقسم بيوم القيامة} (¬1) من قال: # إن «لا» صلة (¬2) كانت كالتى فى قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} (¬3) فإن ~~قلت: إن «لا وما» والحروف التى تكون زوائد إنما تكون بين كلامين، كقوله: ~~{فبما رحمة من الله} (¬4) و «مما خطاياهم» (¬5) و {فبما نقضهم ميثاقهم} ~~(¬6) ولا ms469 تكاد تزاد أولا. # فقد قالوا: إن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة، قالوا: # والذى يدل على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، ~~كقوله: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} (¬7) جاء جوابه فى ~~سورة أخرى/ {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} (¬8) فلا فصل على هذا بين قوله: ~~{لئلا يعلم أهل الكتاب} وبين قوله: {لا أقسم بيوم القيامة} وقد حملت «ما» ~~على الزيادة فيما أنشده أبو زيد: # ما مع أنك يوم الورد ذو جزر ... ضخم الدسيعة بالسلمين وكار (¬9) PageV02P524 # جاءت «ما» زائدة فى أول البيت كما ترى. انتهى كلامه. # وأقول: إن بعض النحويين أنكر أن تكون «لا» زائدة فى قوله: {لا أقسم بيوم ~~القيامة} قال: لأن زيادة الحرف تدل على اطراحه، وكونه فى أول الكلام يدل ~~على قوة العناية به، فلا يجوز أن يكون مطرحا معنيا به فى حال واحدة، وإذا ~~قبح الجمع بين اطراحه والعناية به، لم يجز أن نجعل «لا» فى هذه الآية ~~زائدة، وجعلناها نافية، ردا على من جحد البعث، وأنكر القيامة، وقد حكى الله ~~أقوالهم فى مواضع من الكتاب، فكأنه قيل: لا، ليس الأمر على ما تقولتموه من ~~إنكاركم ليوم القيامة، ثم قال: {أقسم بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة} فلا: جواب لما حكى من جحدهم للبعث، كما كان قوله: {ما أنت بنعمة ~~ربك بمجنون} جوابا لقولهم: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} لأن ~~القرآن يجرى مجرى السورة الواحدة. # ومثل قوله: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} جوابا لما قذفوه به من الجنون قوله ~~تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ~~وهموا بما لم ينالوا} (¬1) المراد بذلك قول عبد الله بن أبي بن سلول، ومن ~~كان معه من المنافقين: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} (¬2). # فاحتج من قال إن «لا» فى قوله: {لا أقسم بيوم القيامة} رد على من أنكر ~~البعث بما احتج به أبو على، على زيادتها، ثم إنه قال بعد ms470 ما حكيته عنه: فقد ~~(¬3) يجوز أن تكون «لا» ردا لكلام. ثم ذكر بعد هذا قراءة ابن كثير، فقال: ~~وأما قول (¬4) PageV02P525 # ابن كثير: «لأقسم/بيوم القيامة» فإن اللام يجوز أن تكون التى تصحبها إحدى ~~النونين فى أكثر الأمر، وقد حكى ذلك سيبويه (¬1) وأجازه، وكما لم تلحق ~~النون مع الفعل الذى للآتى، كذلك لم تلحق اللام مع النون فى نحو قول ~~الشاعر: # وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فرغ وإن أخاهم لم يثأر (¬2) # ويجوز أن تكون اللام لحقت فعل الحال، فإذا كان للحال لم تتبعه النون؛ لأن ~~هذه النون التى تلحق الفعل فى أكثر الأمر، إنما هى للفصل بين فعل الحال ~~والفعل الآتى، وزعموا أن الحسن قرأ: «لأقسم» وقرأ {ولا أقسم} وأنه قال: # أقسم الله بالأولى، ولم يقسم بالثانية، قال أبو علي: وقد حكى ذلك عن ابن ~~أبى إسحاق. انتهى كلامه (¬3). # وأقول: إن كون «أقسم» فى قراءة ابن كثير للحال أولى من كونه للاستقبال؛ ~~لأنه إذا أريد أقسم بيوم القيامة الآن، فهو أولى من أن يراد أقسم بيوم ~~القيامة فيما يستقبل من الزمان، فكأنه قيل: سأقسم بيوم القيامة. # ومثل {لا أقسم بيوم القيامة} {لا أقسم بهذا البلد} (¬4) قال الزجاج: # المعنى: أقسم بهذا البلد، و «لا» دخلت توكيدا، كما قال: {لئلا يعلم أهل ~~الكتاب} قال: وقرئت: «لأقسم بهذا البلد»، تكون اللام لام القسم، قال: # وهذه القراءة قليلة بعيدة؛ لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا ~~مع النون، تقول: لأضربن زيدا، ولا يجوز: لأضرب زيدا، تريد الحال. انتهى ~~كلامه (¬5). # وقوله هذا يقوى ما ذكرته من حمل {أقسم} فى قراءة ابن كثير، على أنه PageV02P526 # فعل حال لا مستقبل. وقال: المراد بالبلد مكة، وبوالد وما ولد: آدم ~~وذريته. # وقال من ضعف قراءة ابن كثير: فى قراءة ابن كثير نظر؛ لأن ألف (¬1) {أقسم} ~~ثابتة فى الإمام، يعنى المصحف الأقدم. # وأقول: إنه ليست «لا» فى قوله تعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم} (¬2) ~~وقوله: {فلا أقسم/برب المشارق والمغارب} (¬3) ونحو ذلك بمنزلتها فى قوله: # {لا أقسم بيوم القيامة} كما زعم بعض النحويين؛ ms471 لأنها ليست فى أول السورة، ~~فمجيئها بعد الفاء، والفاء عاطفة جملة على جملة، يخرجها عن كونها بمنزلتها ~~فى {لا أقسم بيوم القيامة} فهى إذا زائدة للتوكيد، وسنذكر وجوه «لا» بعد ~~تفسير غريب قول الشاعر: # ما مع أنك يوم الورد ذو جزر ... ضخم الدسيعة بالسلمين وكار # الجزر: جمع جزرة، وهى الشاة المذبوحة (¬4). # والدسيعة هاهنا: الجفنة، والدسيعة فى غير هذا: العطية الضخمة، والدسيعة ~~أيضا: مركب العنق فى الكاهل، وهو أعلى الظهر. # والسلم: الدلو، ووكار: عداء. # وقول الآخر: # وقتيل مرة أثأرن فإنه. . . فرغ. # أراد: فإن دمه فرغ، يقال: ذهب دم فلان فرغا، أى باطلا لم يطلب به. # وأقول: إن «لا» تنقسم فى تصاريفها عملا ومعنى إلى ضروب، أحدها: أن تكون ~~تبرئة، وذلك إذا ركبتها مع النكرة، فتناولت نفى الجنس، فى نحو: لا مال PageV02P527 # لزيد، ولا رجل فى الدار، و {لا تثريب عليكم} (¬1) فهى فى هذا الوجه مشبهة ~~بإن، من حيث هى نقيضتها، ومعنى تناقضهما: أنه إذا قيل: إن فى الدار رجلا، ~~قيل فى نفيه: لا رجل فى الدار، والعرب يحملون الشىء على نقضيه (¬2)، كما ~~يحملونه على نظيره، كما حملوا «كم» على «رب» فى الخبر، فبنوها من حيث ~~ناقضتها، فكانت للتكثير، ورب للتقليل، فالفتحة فى نحو لا رجل فى الدار فى ~~قول البصريين بناء يشبه الإعراب، وهى فى قول الكوفيين إعراب، والصحيح ما ~~ذهب إليه البصريون، وذلك لعدم التنوين، فتنزل لا رجل منزلة خمسة عشر (¬3). # /فإن وليها المضاف أو الطويل (¬4)، وهو الذى يعمل فيما بعده نصبا أو ~~رفعا، فالفتحة نصب صريح؛ لأن التركيب لا يكون فيما جاوز جزئين، فمثال ~~المضاف: # لا صاحب حق فى الدار، ولا طالب رفد هنا، ومنه قول المتنبى (¬5): # فلا ثوب مجد غير ثوب ابن أحمد ... على أحد إلا بلؤم مرقع # ومثال الطويل الناصب، قولك: لا ضاربا زيدا هنا، والرافع: لا كريما أبوه ~~عندك، ولا حسنا وجهه حاضر، ومن الطويل الناصب: أفعل، فى نحو: لا أفضل من ~~زيد فى الدار، وإنما حكموا بطول أفضل؛ لتعلق «من» به، ألا ترى أنه لما ms472 زال ~~عن أفعل وزن الفعل فوجب صرفه، لحقه التنوين، فقيل: لا خيرا من زيد عندنا، ~~ولا شرا من بكر عندك. PageV02P528 # فالفتحة فى قولك: لا صاحب حق، وفى قوله: «لا ثوب مجد» نصب صريح، فأما ~~قوله، أعنى أبا الطيب (¬1). # قفا قليلا بها على فلا ... أقل من نظرة أزودها # فيجوز فى «أقل» الرفع والنصب، فالرفع على تشبيه «لا» بليس، والنصب على ~~تشبيه «لا» بإن، والفتحة فى «أقل» إعراب، لطوله بمن. # فإن قيل: ما الذى أوجب بناء الاسم المنكور، فى نحو: لا رجل فى الدار؟ # قيل: الذى أوجب بناءه تضمنه معنى الحرف الذى هو «من» وذلك أن «من» فى ~~قولك: هل من رجل فى الدار؟ موضوعة لاستغراق الجنس، وكذلك إذا قلت: ما جاءنى ~~من رجل، استغرق النفى الجنس، فإذا قلت: ما جاءنى رجل، جاز أن تكون نفيت ~~رجلا (¬2)، فأردت: ما جاءنى رجل بل رجلان، ولا يجوز أن تقول: # ما جاءنى من رجل بل رجلان. # وإذا عرفت هذا، فإن الاستفهام فى قولك: هل من رجل فى الدار؟ مستغرق للجنس ~~كله، فجوابه المستحق: لا من رجل فى الدار؛ لأن الجواب حقه أن يكون/وفق ~~السؤال، فحذفوا «من» وضمنوا الاسم معناها فبنوه؛ لأن الاسم إذا تضمن معنى ~~الحرف استحق البناء، ولو أنه قال مستفهما: هل رجل فى الدار؟ قلت نافيا: لا ~~رجل فى الدار، فأعربت المنفى (¬3)؛ لأنه لم يتضمن معنى الحرف. # واختلف فى قوله جل وعز: {لا جرم أن لهم النار} (¬4) فقال الفراء: معناه ~~لا بد ولا محالة أن لهم النار (¬5). PageV02P529 # وقال الزجاج: إن «لا» رد، أى لا، ليس الأمر كما وصفوا، جرم أن لهم النار، ~~أى وجب، حكى ذلك عن قطرب (¬1). # وقال غيرهما: إن «لا» زائدة، وجرم فعل ماض معناه: ثبت وحق، والفراء لا ~~يرى زيادة «لا» فى أول الكلام، فجرم على قوله اسم منصوب بلا، على التبرئة. # وقال أبو العباس المبرد: إذا قلت: لا محالة أنك ذاهب، ولا بد أنك ذاهب، ~~فأنك: فى موضع رفع، بمنزلة «أفضل» فى قولك: لا رجل أفضل منك (¬2). # وأقول: إن ms473 قوله: لا جرم إذا كان بمعنى لا بد ولا محالة [فإن حرف الجر ~~مقدر فى الخبر، فالتقدير: لا بد من أن لهم النار ولا محالة (¬3)] في أن لهم ~~النار، كما تقول: # لا بد من هذا، ولا محالة فى هذا. # والضرب الثانى من ضروب «لا»: أن من العرب من شبهوها بليس، فرفعوا بها ~~الاسم، ونصبوا بها الخبر، وألزموا اسمها التنكير، فقالوا: لا رجل حاضرا، ~~ولا غلام عندى، قال الشاعر: # من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (¬4) # أراد: لا براح لى، وقد بسطت الكلام فى هذا النحو فيما تقدم (¬5)، وذكرت ~~أن أبا الفتح عثمان لما ذكر فى تفسيره لشعر المتنبى قوله: # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا PageV02P530 # لم يذكر فى رفع (¬1) «لا» للمعرفة شيئا. # ومتى دخلت «لا» على معرفة كررت وارتفع الاسم بالابتداء، كقولك: # لا زيد عندى ولا بكر، ومثله فى التنزيل: {لا الشمس/ينبغي لها أن تدرك ~~القمر ولا الليل سابق النهار} (¬2) وإنما وجب فى هذا النحو تكريرها؛ لأنها ~~جواب لمن قال: أزيد عندك أم بكر؟ فوافق الجواب السؤال، فإن قال السائل: ~~أزيد عندك؟ فاقتصر على الواحد، قال المجيب: لا، فاقتصر على لا أو نعم، إن ~~كان زيد عنده، قال أبو علي: ويقبح أن تقول: لا زيد عندى حتى تتبعه بشىء، فتقول: # ولا عمرو، وقالوا: «لا نولك أن تفعل» فلم يكرروا لأنه صار بمنزلة لا ~~ينبغى لك، فأجروها مجراها، حيث كانت بمعناها، كما أجروا يذر مجرى يدع، ~~لاتفاقهما فى المعنى. انتهى كلامه (¬3). # وقال سيبويه: قد يجوز فى الشعر رفع المعرفة، ولا تثنى «لا»، قال الشاعر (¬4): # بكت جزعا فاستعبرت ثم آذنت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها PageV02P531 # وأقول: إن قولهم: «لا نولك أن تفعل كذا» لما كان «نولك» بمعنى الفعل الذى ~~هو ينبغى، لم يكرروه وإن كان معرفة، كما لم يكرروا الفعل فى: # لا ينبغى لك أن تفعل، وكذلك كل فعل تنفيه لا يلزم تكريره، كقولك: لا يخرج ~~زيد اليوم، وكقوله تعالى: {لا يحب الله ms474 الجهر بالسوء} (¬1) و {قل لا أسئلكم ~~عليه أجرا} (¬2). # وقوله: كما حمل يذر على يدع لاتفاقهما فى المعنى، أراد: أن يدع أصله ~~يودع، مكسور الدال، فحذفوا واوه لوقوعها بين ياء وكسرة، كما حذفوها فى يعد، ~~فصار فى التقدير: يدع مثل يعد، ثم فتحوا عينه التى هى الدال؛ لأن لامه وهى ~~العين، حرف حلقي، ومتى كانت لام الفعل أو عينه حرفا من حروف الحلق، وهى ~~الغين والخاء والعين والحاء والهمزة والهاء، فإنه يجيء فى الأغلب على فعل ~~يفعل، بفتح العين فى الماضى والمستقبل، كقولهم: صنع يصنع ومنع يمنع ورفع ~~يرفع وجبه يجبه وسلخ يسلخ وسلح يسلح، فهذا مثال ما لامه حرف حلق. # وأما مثال ما عينه الحلقي، فنحو: شغل يشغل وفعل يفعل ومحق يمحق وثأر ~~يثأر/وبهر يبهر وفغرفاه يفغره. # وإذا عرفت هذا ولم تجد فى «يذر» حرفا حلقيا يستحق به أن تفتح عينه، وكان ~~قياسه يذر، بكسر الذال، علمت أن ذاله فتحت حملا على دال «يدع» لاتفاقهما فى ~~المعنى (¬3). # ومثل تكرير المعرفة فى قولهم: لا زيد عندى ولا عمرو، تكرير النكرة إذا ~~فصل بينها وبين «لا» فوجب رفعها فى نحو: لا فى الدار رجل ولا امرأة، كما ~~جاء فى التنزيل {لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} (¬4) وذلك أن التكرير لا ~~يلزم إذا ركبت PageV02P532 # «لا» فى نحو: لا رجل فى الدار؛ لأنك إذا ركبتها نفيت بها الجنس، فتناولت ~~العموم. # والثالث من ضروبها: استعمالها للنهي، فينهى بها المواجه والغائب، تقول: # لا تقم، ولا يقم زيد، و {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} (¬1) و {لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين أولياء} (¬2). # والرابع: استعمالهم إياها دعاء، فأولوها المستقبل والماضى، فالمستقبل ~~كقولك: لا يغفر الله له، وكقول الشاعر (¬3): # فلا تشلل يد فتكت بعمرو ... فإنك لن تذل ولن تضاما # وكقول الفرزدق (¬4): # إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم # الجراضم: العظيم البطن. PageV02P533 # والماضى كقولك: لا فض الله فاك، ولا شلت (¬1) يداك، ولا غفر الله له، ~~وكقول ابن الرقيات (¬2): # لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن ms475 إلا لهن مطلب # والخامس: أنهم نفوا بها الأفعال المستقبلة والحاضرة، فإذا قال: سيفعل أو ~~سوف يفعل، قلت: لا يفعل، ومن ذلك قوله: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} (¬3) ~~فهذا مستقبل محض؛ لأنه جزاء، ومثله: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ~~ولئن/قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} (¬4) ~~وإذا قال: زيد يكتب الآن، قلت: لا يكتب، فنفيت الحاضر، والنفي بها يتناول ~~فعل المتكلم وفعل المخاطب، كما يتناول فعل الغائب، فتناوله لفعل المتكلم، كقولك: # لا أخرج اليوم، ولا نسافر غدا، ومثله قوله: {قل لا أسئلكم عليه أجرا} (¬5). # وفعل المخاطب كقولك: إنك لا تزورنا، ومثله: {سنقرئك فلا تنسى} (¬6) ~~وقوله: {فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} (¬7) ومنه قراءة ابن عامر: {ولا ~~تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} (¬8) بتخفيف النون. PageV02P534 # فإذا نفيت بها فى جواب القسم دخلت على يفعل وعلى فعل، كما كان ذلك فى ~~الدعاء، تقول؛ والله لا أقوم، وو الله لاقمت، وإنما استعملوا الماضى في ~~هذين الضربين: الدعاء والقسم، لخفته، كما استعملوه فى الشرط. # والسادس: أنها تكون ردا فى الجواب، مناقضة لنعم وبلى، فإذا قال مقررا: # ألم أحسن إليك؟ قلت: لا أو بلى، وإذا قال مستفهما: هل زيد عندك؟ قلت: # لا أو نعم، كما جاء فى التنزيل: {ألست بربكم قالوا بلى} (¬1) وجاء فيه: ~~{فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} (¬2). # وقد استعملوا «نعم» فى جواب الطلب والخبر، قال سيبويه: «نعم عدة وتصديق» ~~(¬3)، فإذا قال: هل تزورنا؟ فقال: نعم، فهذا عدة، وكذلك إن قال: # زرنى، فقلت: نعم، وإذا قال: زيد رجل صالح، فقلت: نعم، فهذا تصديق. # والسابع: أنها تكون عاطفة، تشرك ما بعدها فى إعراب ما قبلها، وتنفى عن ~~الثانى ما ثبت للأول، كقولك: خرج زيد لا بكر، ولقيت أخاك لا أباك، ومررت ~~بحميك لا أبيك (¬4). # فإن قلت: ما قام زيد ولا بكر، وما لقيت الزيدين ولا العمرين، فالعطف ~~للواو دونها، لأمرين، أحدهما: أن الواو أم حروف العطف. # والآخر: أن «لا» لا يعطف بها بعد النفى، لا تقول: ما قام زيد لا بكر، ~~وإذا ms476 بطل أن تكون/للعطف فهى زائدة لتوكيد النفى، وكذلك حكم «لكن» PageV02P535 # الخفيفة مع الواو، تنفرد الواو دونها بالعطف، وتفيد «لكن» الاستدراك فقط، ~~فى قولك: ما قام زيد ولكن بشر. # والثامن: أنهم استعملوها بمعنى «لم» فألزموها الماضى، كقوله تعالى: # {فلا صدق ولا صلى} (¬1) أى لم يصدق ولم يصل، ومثله: {فلا اقتحم العقبة} ~~(¬2) ومثله قول الشاعر (¬3): # وأي خميس لا أفأنا نهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما # الخميس: الجيش العظيم، وكبش الجيش: رئيسه، ومن ذلك قول الآخر: # لا هم إن الحارث بن جبله ... زنا على أبيه ثم قتله (¬4) # وكان فى جاراته لا عهد له ... فأي أمر سيئ لا فعله # قوله: «زنا على أبيه» يروى بتخفيف النون وتشديدها (¬5)، فمن رواه مخففا ~~فمعناه زنا بامرأته، ومن رواه مشددا فأصله: زنأ، مهموز، ومعناه ضيق عليه، ~~وهذا القول أوجه، وهى رواية ابن السكيت (¬6)، وقال أبو خراش الهذلى، وهو ~~يطوف بالبيت: # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما (¬7) PageV02P536 # أى لم يلم بالذنوب، وقد ذكرت هذا الفصل فيما تقدم. # والتاسع: استعمالهم «لا» اسما فى قول القائل (¬1): # أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله # فى قول من جر «البخل» بإضافة «لا» إليه، لأن «لا» قد تكون للبخل ولضده، ~~وسأبين هذا فيما بعد. # وقد استعملت العرب بعض الحروف أسماء، وذلك على ضروب، فمنها ما حكته ~~فأقرته على لفظه، كإقرار «لا ونعم» في هذا البيت على لفظهما، ومنها ما حكته ~~وغيرت معناه، كعن فى قول قطرى بن الفجاءة: # ولقد أرانى للرماح دريئة ... من عن يمينى مرة وأمامى (¬2) # أراد: من ناحية يمينى، ومثل ذلك «على» فى قولهم: نزلت من على الجبل، ~~يريدون: من فوق الجبل، كما قال (¬3): # غدت من عليه تنفض الطل بعد ما ... رأت حاجب الشمس استوى فترفعا # ومما استعملوه اسما بمعناه حرفا، كاف التشبيه، فى نحو قول امرئ القيس، ~~يصف فرسا (¬4): PageV02P537 # فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقى # وجعله الأعشى اسما بإسناد الفعل إليه، فى قوله (¬1): # أتنتهون ولن ينهى ذوى ms477 شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل # واستعمال الحرف اسما بلفظه أقيس؛ لأنك تنزله منزلة الاسم المبني، كقولك: ~~هل حرف استفهام، ومن حرف تبعيض، ولم حرف نفى، فإن قلت: # هل حرف استفهام، ولم حرف نفى، فنزلته منزلة دم وغد، فجيد. # وقد استعملوا حروفا أسماء على ضربين: ضرب أعربوه ونونوه، وضرب أعربوه ~~ونونوه وشددوا آخره، كما قال (¬2): # إن ليتا وإن لوا عناء # وضرب جمعوا فيه الألف واللام والتشديد، فمن ذلك ما حكاه الخليل، قال: # «قلت لأبى الدقيش: هل لك فى زبد وتمر؟ فقال: أشد الهل وأوحاه (¬3)» وجاء ~~فى شعر أبى نواس (¬4): PageV02P538 # هل لك والهل خير # ومن المعرب المنون قول المتنبى (¬1): # من اقتضى بسوى الهندى حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم # يقول: من اقتضى بسوى السيف حاجته أجاب كل سؤال يقال فيه: هل قضيت حاجتك؟ ~~بقوله: لم تقض، وأراد بالحاجة هاهنا ما عظم من المطالب التى/ لا يكاد مثلها ~~يدركه طالبه إلا بالسيف. # وذهب بعض الكوفيين فى قولهم: غضبت من لا شيء، وخرجت بلا زاد (¬2)، ~~يريدون: من غير شيء، وبغير زاد، إلى أن «لا» فى هذا النحو اسم لدخول الخافض ~~عليها، وقيامها مقام «غير» قال: وكذلك إذا استعملت فى وصف النكرة، كما جاء ~~فى التنزيل: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر} (¬3) وكما جاء: {وظل من يحموم. لا ~~بارد ولا كريم} (¬4) ومثله: {وفاكهة كثيرة. لا مقطوعة ولا ممنوعة} (¬5) ~~وأنشد للأسود بن يعفر (¬6): # تحية من لا قاطع حبل واصل ... ولا صارم قبل الفراق قرينا # بخفض «قاطع وصارم» قال: أراد تحية إنسان غير قاطع حبل من يصله، قال: ~~وتقول: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، بالخفض على ما تقدم، ولا كريم PageV02P539 # ولا شجاع، بالرفع على إضمار «هو» قال: وقبيح أن تقول: لا كريم أو لا ~~كريم، وتسكت، وربما جاء فى الشعر بغير تكرير، وأنشد: # وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفع وموتك فاجع (¬1) # ومذهب البصريين أن العامل فى المجرور من قولهم: غضبت من لا شيء ونحوه هو ~~الجار، تخطى «لا» إلى العمل فيما بعدها، ms478 وأن «لا» حرف وإن أدت معنى «غير». # قال أبو سعيد، فى شرح الكتاب: دخلت «لا» مكان «غير» فى قولك غضبت من لا ~~شيء، و «لا» حرف فلا يقع عليه حرف الخفض، فوقع حرف الخفض على ما بعد «لا» ~~وعلى هذا: «ما كان إلا كلا شيء» أى كغير شيء، وقال سيبويه فى قول جرير: # ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين (¬2) # إنما هو: حين حين، و «لا» بمنزلة «ما» إذا ألغيت. # والعاشر: أنهم زادوها توكيدا للكلام، كزيادتها (¬3) فى قوله تعالى: {لئلا ~~يعلم} PageV02P540 # {أهل الكتاب} (¬1) المراد: لأن يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء ~~من فضل الله، ومما زيدت فيه قوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} (¬2) أراد: # ما منعك أن تسجد، كما قال فى الأخرى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} (¬3). # ومن مواضع زيادتها المطردة مجيئها بعد النفى، مؤكدة له فى نحو قوله تعالى: # {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} (¬4) وقد تجيء مؤكدة ~~للنفى فى غير موضعها الذى تستحقه، كقوله: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} (¬5) المعنى: وما يستوى الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات والمسيء؛ لأنك تقول: ما يستوى زيد وعمرو، ولا تقول: ما ~~يستوى زيد، فتقتصر على واحد، ومثله: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} (¬6). # ومما زيدت فيه قوله تعالى: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} ~~(¬7) المعنى: حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا. # وقد تزاد لإزالة الاحتمال، فى نحو قولك: ما قام زيد ولا عمرو، وذلك أنك ~~إذا قلت: ما قام زيد وعمرو، احتمل أنهما لم يقوما معا، ولكن قام كل واحد ~~منهما منفردا، فإذا زدت «لا» زال هذا الاحتمال، وصار إعلاما بأنهما لم ~~يقوما ألبتة. # ومما زيدت فيه «لا» قول العجاج (¬8): PageV02P541 # فى بئر لا حور سرى وما شعر # معناه: فى بئر حور، أى فى بئر هلاك، وكذلك هى فى قول الآخر (¬1): # وما ألوم البيض أن لا تسخرا ... إذا رأين الشعر القفندرا # القفندر: ms479 القبيح المنظر، وقال آخر: # مخافة أن لا يجمع الله بيننا ... ولا بينها أخرى الليالى الغوابر (¬2) # الغوابر: البواقى (¬3)، فأما قوله: # أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله (¬4) # /فقد روى بنصب «البخل (¬5)» وجره، فنصبه على أن تكون «لا» زائدة، ~~فالمعنى: أبى جوده البخل، وجره على إخراج «لا» من الحرفية إلى الاسمية، ~~وإضافتها إليه، لأن «لا» تكون للبخل ولغير البخل، فأراد أنه يمتنع من «لا» ~~التى للبخل خاصة، فمثال التى للبخل أن يقول له: هل تجود علي بدرهم؟ فيقول: ~~لا، ومثال التى لغير البخل: أن يقول له: هل تمنعنى عطاءك؟ فيقول: لا. PageV02P542 # والحادى عشر: أنهم غيروا بلا أربعة أحرف، فنقلوهن عما وضعن له إلى غيره، ~~وهن: لو وهل وأن وهمزة الاستفهام، فقالوا: لولا وهلا وألا وأ لا، خفيفة اللام. # فأما «لو» فنقلوها من امتناع الشىء لامتناع غيره، إلى معنيين، أحدهما (¬1): # التحضيض فى نحو: لولا تكرم زيدا. # والثانى: امتناع الشىء لوجود غيره فى نحو: لولا زيد لجئتك. # وأما «هل» فنقلوها من الاستفهام إلى التحضيض، فى قول عنترة: # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى (¬2) # الباء هاهنا بمعنى «عن» فهى متعلقة بسألت، كما جاء فى التنزيل: # {فسئل به خبيرا} (¬3) أى فاسأل عنه. # وأما «أن» فهى المصدرية أو المفسرة التى بمعنى «أى» فى قوله تعالى: # {وانطلق الملأ منهم أن امشوا} (¬4) معناه: أى امشوا، أفادت بتركيبها مع ~~«لا» التحضيض فى نحو: ألا تعطى بكرا. # وأما الهمزة فإنهم لما ركبوها مع «لا» صلحت للتحضيض، فى نحو: ألا تكرم ~~أخاك! وللتمنى فى نحو: ألا ماء أشربه (¬5)! ولاستفتاح الكلام فى نحو: {ألا} PageV02P543 # {إنهم هم المفسدون} (¬1). # فهذه وجوه «لا» لم أخل منها بشيء، وسأذكر وجوه «ما» موضحة بتوفيق الله ~~وحسن إعانته. # ... PageV02P544 ### | AUTO المجلس الثامن والستون # تصرف «ما» فى المعانى كتصرف «لا» # وهي (¬1) تنقسم إلى ضربين: اسم وحرف. # /فالاسمية تنقسم إلى ستة أضرب، وكذلك الحرفية. # فالضرب الأول من ضروب الاسمية: كونها شرطية، كقولك: ما تولنى من صنيع ~~أشكرك عليه، فما فى ms480 موضع نصب، بوقوع الفعل الشرطي عليها، ومثله فى التنزيل: ~~{وما تفعلوا من خير يعلمه الله} (¬2). # فإن قلت: ما تسده إلي من جميل أعترف لك به، فما فى موضع رفع بالابتداء، ~~لأنك شغلت الفعل عنها بالهاء. # والثانى: كونها استفهامية، كقولك: ما معك؟ ف «ما» فى موضع رفع ~~بالابتداء، ومثله: {وما تلك بيمينك يا موسى} (¬3) فإن قلت: ما أخذت؟ كانت ~~فى موضع نصب؛ لأن الفعل غير مشغول عنها. # فإن أدخلت عليها حرف خفض لزمك فى الأغلب حذف ألفها فى اللفظ والخط، تقول: ~~عم سألت؟ وفيم جئت؟ فرقوا بهذا بينها وبين الخبرية التى بمعنى PageV02P545 # الذى، كما جاء فى التنزيل: {عم يتساءلون} (¬1) {وما ربك بغافل عما ~~يعملون} (¬2)، وقال فى الاستفهامية: {فبم تبشرون} (¬3) وفي الخبرية {بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك} (¬4)، وقال جرير: # يا آل بارق فيم سب جرير (¬5) # ومن المجرور بمن قوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق} (¬6) وباللام: {فلم ~~تقتلون أنبياء الله} (¬7) ومن العرب من يقول: لم فعلت، بإسكان الميم، قال ~~ابن مقبل (¬8): # أأخطل لم ذكرت نساء قيس ... فما روعن منك ولا سبينا # وقال آخر: # يا أبا الأسود لم خليتنى ... لهموم طارقات وذكر (¬9) # ومن العرب من يثبت الألف فيقول: لما تفعل كذا؟ وفيما جئت؟ وعلى ما تسبني؟ PageV02P546 # قال حسان (¬1): # على ما قام يشتمنى لئيم ... كخنزير تمرغ فى دمان # الدمان: السرجين (¬2). وقال آخر: # /أنا قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيما يكثر القيل (¬3) PageV02P547 # وقال آخر (¬1): # فتلك ولاة السوء قد طال عهدها ... فحتام حتام العناء المطول # وإنما يستفهمون ب «ما» عن غير ذوى العقل (¬2) من الحيوان وغيره، فإذا ~~قال: ما معك؟ قلت: فرس أو جمل أو ثوب أو دينار، أو نحو ذلك، وقد يستفهمون ~~بها عن صفات ذوى العقل، نحو أن يقول: من عندك؟ فتقول: زيد، فلا يعرفه باسمه ~~فيقول: وما زيد؟ فتقول: شاب عطار، أو شيخ بزاز، أو كهل تميمي، أو نحو ذلك، ~~كما جاء فى التنزيل: {قال فرعون وما رب العالمين} (¬3). # وقال بعض النحويين: إنها قد تجيء بمعنى «من» واستشهد بقوله تعالى: # {فما يكذبك ms481 بعد بالدين} (¬4) قال: المعنى: فمن يكذبك؟ لأن التكذيب لا ~~يكون إلا من الآدميين، واستشهد أيضا بما حكاه أبو زيد عن العرب، فى «ما» ~~الخبرية: # «سبحان ما سخركن لنا (¬5)». # والثالث: كونها خبرية، تلزمها الصلة، فتأتى بمعنى الذى أو التى أو الذين، PageV02P548 # فهى فى التزامها للصلة مخالفة للاستفهامية والشرطية، فمن ذلك قوله تعالى: ~~{إنما صنعوا كيد ساحر} (¬1) المعنى: إن الذى صنعوه. # وحقها إذا جاءت بعد «إن» أن تكتب منفصلة للفرق بينها وبين «ما» الكافة فى ~~نحو: {إنما أنت منذر} (¬2) ولكنها جاءت على غير القياس متصلة فى قوله ~~تعالى: {إنما صنعوا كيد ساحر} وجاءت على القياس منفصلة فى قوله: {إن ما ~~توعدون لآت} (¬3). # فأما قوله جل وعز: {ما جئتم به السحر} (¬4) فقرأ أبو عمرو: # «آلسحر»؟ بمد الألف، وقرأه الباقون خبرا، ف «ما» على قراءة أبى عمرو ~~استفهامية، وهى فى محل الرفع بالابتداء، والجملة التى هى {جئتم به} الخبر، ~~وقوله: «آلسحر» فى رفعه قولان، أحدهما: قول أبى على، وهو أن يكون بدلا من ~~«ما» فإذا قدرت إيقاعه فى موضع «ما» صار: أالسحر جئتم به؟ # /والقول الآخر: أن تجعله خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أهو السحر؟ وإن شئت: ~~أالسحر هو؟ تقدره خبرا. # فإن قيل: ما وجه الاستفهام مع علم موسى أنه سحر؟ # فإنه على وجه التقرير (¬5)، كما قال: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله} (¬6) وهذا يقع فى الكلام كثيرا. PageV02P549 # وأما من قرأ: {ما جئتم به السحر} خبرا، فما موصولة بمعنى الذى، و {جئتم ~~به} صلتها، وموضعها رفع بالابتداء، والسحر خبرها. # قال أبو على: ويقوى هذا الوجه أن فى حرف عبد الله: «ما جئتم به سحر» (¬1) ~~قال: وزعموا أن إلحاق الهمزة فى {السحر} قراءة مجاهد وأصحابه (¬2). # وأما قوله: {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} (¬3) فالتقدير: ~~اجعل لنا إلها مثل التى هى لهم آلهة، وحذف المبتدأ من الصلة كما حذف فى ~~قوله تعالى: # {وهو الذي في السماء إله} (¬4) أى هو الذى هو فى السماء إله، لا بد من ~~هذا التقدير؛ لأنك إن ms482 حكمت بأن قوله {إله} مبتدأ و {في السماء} خبره، لم ~~يكن في الجملة عائد على {الذي} ومثله حذف المبتدأ العائد على الذي، فى ~~قراءة من قرأ: {تماما على الذي أحسن} (¬5) برفع {أحسن} التقدير: الذى هو ~~أحسن، ومثله قراءة رؤبة: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة} (¬6) ~~برفع {بعوضة} فالتقدير: أن يضرب الذى هو بعوضة مثلا، وعلى هذا حمل الأخفش ~~قول الشاعر (¬7): PageV02P550 # وجدنا الحمر من شر المطايا ... كما الحبطات شر بنى تميم # قال: معناه: كالذين هم الحبطات، قال: وإن شئت جعلت «ما» زائدة، وجررت ~~«الحبطات» بالكاف. انتهى كلامه. # وأقول: إن هذا الوجه عندى أجود من الأول. # وأما قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} (¬1) ف «ما» تحتمل وجهين، ~~أحدهما: أن تكون بمعنى الذى، وهى مرفوعة الموضع بالابتداء، و {بكم} صلتها، ~~ومعنى بكم: فيكم، وقوله: {من نعمة} /فى موضع حال من المضمر فى الظرف، ~~وقوله: {فمن الله} هو الخبر، وجاز دخول الفاء فى الخبر، لأن الصلة ظرف، ~~وإنما جيء بالفاء فى خبر الموصول بالظرف كما يجاء بها في خبر الموصول ~~بالفعل، ألا ترى أنهم قد نزلوا الظرف إذا وصفوا به منزلة الفعل إذا وصفوا ~~به، فقالوا: كل رجل فى الدار فله درهم، كما قالوا: كل رجل يأتينى فله درهم. # وإذ (¬2) تنزل الظرف منزلة الفعل فإن الظرف متى وقع صلة جاز دخول الفاء ~~فى خبر المبتدأ الموصول به، كدخولها فى جواب الشرط، تقول: الذى يزورنى فله ~~(¬3) درهم، وعلى ذلك جاء {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ~~فلهم أجرهم} (¬4). # وقد دخلت الفاء فى خبر الموصول إذا كان اسم إن، وهذا أشد من دخولها فى ~~خبره إذا كان مبتدأ، لأن دخولها فى خبره إنما هو لتشبيه صلته: الشرط، ~~والأسماء الشرطية حكمها حكم الاستفهامية، فى لزومها صدر الكلام، فلا يعمل ~~فيها عامل لفظى، إلا أن يكون خافضا. PageV02P551 # فمما دخلت الفاء فى خبره مع عمل «إن» فيه، الموصول فى قوله تعالى: # {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم} (¬1) وفى قوله: ms483 ~~{إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} (¬2) وفى ~~قوله: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} (¬3). # والوجه الثانى في قوله: {وما بكم من نعمة فمن الله} فى قول بعض ~~البغداديين: أن تكون (¬4) «ما» شرطية، والفعل الذى هو الشرط مضمر، ~~والتقدير: # ما يكن بكم من نعمة فمن الله، واستشهد بقول الشاعر (¬5): # إن العقل فى أموالنا لا نضق به ... ذراعا وإن صبرا فنصبر للصبر # أراد: إن يكن العقل، أى إن تكن الدية، وقوله: «وإن صبرا» أى وإن نصبر ~~صبرا، بمعنى نحبس حبسا، ومنه قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} ~~(¬6) ومنه قول عنترة: PageV02P552 # /فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع (¬1) # والرابع: أن تكون تعجبية، نحو: ما أكرم زيدا، وما أظرفه، وقيل فى قوله ~~تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره} (¬2) إنه تعجب، والتعجب لا يكون من القديم ~~سبحانه، لأن التعجب إنما يكون مما ظهر حكمه وخفى سببه، والله لا تخفى عليه ~~خافية، ولكنه يحمل على أنه مستحق أن يقال له: ما أكفره، وكذلك يقال في قول ~~من ذهب إلى أن قوله: ما أكفره، استفهام. # وما التعجبية فى تقدير: شيء، وموضعها رفع بالابتداء، وخبرها ما بعدها من ~~الفعل والفاعل والمفعول؛ لأن أفعل التعجبي فعل ماض بإجماع البصريين (¬3)، ~~ففاعله مضمر عائد على «ما» فالتقدير فى قولك: ما أحسن أخاك! على مذهب ~~الخليل وسيبويه: شيء أحسن أخاك. # وذهب الأخفش إلى أنها موصولة بمعنى الذى، والجملة التى هى أفعل وفاعله ~~ومفعوله صلتها، وأنها مبتدأ خبره محذوف، فالتقدير: الذى أحسن أخاك شيء. # وقول الخليل وسيبويه أصح؛ لأن التعجب فى الإبهام بمنزلة الشرط ~~والاستفهام، فإذا حكم بأن «ما» التعجبية موصولة، فإن الصلة تخرجها من ~~الإبهام، من حيث كانت الصلة موضحة للموصول. # ويقوى مذهب الخليل وسيبويه أن الكلام على قولهما تام غير مفتقر إلى تقدير ~~محذوف، وأن هذا الخبر المقدر، فبما ذهب إليه الأخفش، لم يظهر فى شيء من ~~كلامهم. # والخامس: أن تكون «ما» اسما منكورا تلزمه الصفة (¬4)، كقولك: مررت بما PageV02P553 # معجب لك، ms484 ورأيت ما معجبا لك، أى شيئا معجبا لك، وكذلك هى في قولك: # نعم ما فعلت، وبئس ما صنعت، أى نعم شيئا فعلته، وبئس شيئا صنعته، ومنه ~~«ما» فى قول الشاعر (¬1): # /ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال # أراد: رب شيء تكرهه النفوس. # وقال سيبويه، فى قول الله تعالى: {هذا ما لدي عتيد} (¬2) إن المراد شيء ~~لدى عتيد، أى معد. # وقيل في «ما» من قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة} ~~(¬3) إنها اسم نكرة، وأن {بعوضة} بدل منه، أى أن يضرب شيئا بعوضة مثلا، وسد ~~البدل مسد الصفة، وكون «ما» هاهنا زائدة أجود. # وقد جاءت «ما» فى هذا النحو (¬4) مجردة من صفة، فى قوله تعالى: {إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي} (¬5) أى فنعم شيئا هى. # والسادس: أن تكون «ما» اسما بمعنى الحين (¬6)، كقول الله تعالى: {كلما ~~خبت زدناهم سعيرا} (¬7) {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} (¬8) ~~{كلما} PageV02P554 # {أضاء لهم مشوا فيه} (¬1) أي فى كل حين خبت، وفى كل حين نضجت جلودهم، وفى ~~كل حين أضاء لهم، ومنه قول الشاعر (¬2): # منا الذى هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المرد والشيب # قال ابن السكيت: يريد حين أن طر شاربه (¬3)، يقال: رجل عانس، وهو الذى ~~أخر التزويج بعد ما أدرك. # فهذه وجوه «ما» التى استعملتها العرب اسما. # والضرب السابع: أن يكون حرفا نافيا، يرفع الاسم وينصب الخبر، فى اللغة ~~الحجازية، تشبيها لها بليس؛ وذلك لدخولها على جملة الابتداء والخبر، كدخول ~~«ليس» عليها؛ ولأنها تنفى ما فى الحال كما تنفيه «ليس» ويدخلون على خبرها ~~الباء، كما يدخلونها على خبر «ليس» كقولك: ما زيد بقائم {وما ربك بغافل} ~~(¬4). PageV02P555 # وبنو تميم لزموا فيها القياس؛ لأنها من الحروف الداخلة على الجملتين ~~الاسمية والفعلية، كهل، وحق ما يدخل على الجملتين أن لا يعمل؛ لأن العامل ~~يجب أن يكون مختصا بما يعمل فيه من اسم أو فعل (¬1). # تقول فى لغة أهل الحجاز: /ما زيد قائما، كما جاء فى التنزيل: {ما هذا ~~بشرا} (¬2) و {ما ms485 هن أمهاتهم} (¬3) أجمع القراء والعرب على قراءتهم {بشرا} ~~موافقة لخط المصحف، واختلفوا فى نصب {أمهاتهم} ورفعها، فروى المفضل عن عاصم ~~رفعها (¬4)، وأجمعت العرب على ترك إعمالها إذا قدموا الخبر على المخبر عنه، ~~أو نقضوا النفي بإلا، فقالوا: ما قائم زيد، وما زيد إلا قائم. # وإنما منعوها العمل فى هاتين الحالتين؛ لأنها عملت بحكم الشبه، لا بحكم ~~الأصل فى العمل. # وحكم «ما» فى نفي «يفعل (¬5)»، حكم «ليس» فى نفيها للحال دون المستقبل، ~~فإذا قيل: زيد يصلى الآن أو الساعة، قيل: ما يصلى، كما يقال: ليس يصلى، ~~وكذلك إذا قيل: ما زيد مصليا، وليس زيد مصليا، لم يذهب باسم الفاعل إلا ~~مذهب الحال. # والضرب الثامن: كونها مع الفعل بتأويل مصدره، كقولك: أعجبنى ما ضحكت! أى ~~ضحكك، وسرنى ما رجعت، أى رجوعك، وفى التنزيل: # {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} (¬6) أى برحبها، وفيه: {بما نسيتم لقاء} PageV02P556 # {يومكم هذا} (¬1) أى بنسيانكم. وقال عبد بنى الحسحاس (¬2): # ألكنى إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا # أى بآية مجيئها، فأما قول الله سبحانه: {قال يا ليت قومي يعلمون* بما غفر ~~لي ربي} (¬3) فقال الكسائى: معناه بمغفرة ربى، وذهب أهل التفسير إلى أن ~~المعنى: بأي شيء غفر لى ربى؟ جعلوا (¬4) «ما» استفهاما، واحتج الكسائى ~~بأنها لو كانت استفهاما لحذفت ألفها لاتصالها بحرف الخفض (¬5). # وقوله عز وجل: {فاصدع بما تؤمر} (¬6) فيه قولان، أحدهما: أن «ما» مصدرية، ~~فالكلام فى هذا القول على وجهه، والتقدير: فاصدع بالأمر. # والقول الآخر: أنها خبرية (¬7)، بمعنى الذى، ففى الكلام على هذا القول ~~خمسة /حذوف، لأن أصله: فاصدع بما تؤمر بالصدع به، فحذفت الباء من «به» فصار ~~فى التقدير: بالصدعه، فحذف الألف واللام، لامتناع الجمع بينها (¬8) وبين ~~الإضافة، فصار: بصدعه، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما PageV02P557 # حذف فى نحو: {وسئل القرية} (¬1) ونحو {وأشربوا في قلوبهم العجل} (¬2) ~~والمراد أهل القرية، وحب العجل، فصار: بما تؤمر به، فحذفت الباء، كحذفها فى ~~قول عمرو بن معديكرب: # أمرتك الخير فاصنع ما أمرت به ... فقد تركتك ذا ms486 مال وذا نشب (¬3) # فصار: بما تؤمره، فحذفت الهاء من الصلة، كما حذفت فى {أهذا الذي بعث ~~الله} (¬4) وفى {فخذ ما آتيتك} (¬5) وهذا تقرير أبى الفتح عثمان. # قيل فى معنى {فاصدع بما تؤمر} اجهر بالقرآن، يقال: صدع بالشىء، إذا ~~أظهره، أخذ ذلك من الصديع، وهو الصبح، قال الشاعر (¬6): # كأن بياض غرته صديع # مذهب سيبويه أن «ما» المصدرية لا تحتاج إلى عائد، وكان أبو الحسن الأخفش ~~يخالفه فى ذلك، ويضمر لها عائدا، فهى على قوله اسم، وعلى قول سيبويه حرف (¬7). # ومما يبطل قول الأخفش أننا نقول: عجبت مما ضحكت، ومما نام زيد، فنجد ضحك ~~ونام، خاليين من ضمير عائد على «ما» ظاهر ومقدر، ونجد أبدا PageV02P558 # عائدا إلى «ما» الخبرية، ظاهرا فى نحو: عجبت مما أخذته، ومما جلبه زيد، ~~ومقدرا، فى نحو {فكلوا مما رزقكم الله} (¬1). # فإن احتج للأخفش بأن الفعل الذى لا يتعدى إلى مفعول به يتعدى إلى مصدره، ~~كما يتعدى الفعل المتعدى إلى المفعول به إلى مصدره، والفعل إذا ذكر دل ~~بلفظه على مصدره، فنقدر إذن ضميرا يعود على الضحك فى قولنا: عجبت مما ضحكت، ~~وضميرا يعود على النوم، فى قولنا: عجبت مما نام زيد، ويجوز أن نبرز هذا ~~الضمير، فنقول: عجبت مما ضحكته، ومما نامه زيد. # فهذا قد أفسده النحويون بقول الله تعالى: {ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون} (¬2) /فى قراءة من ضم ياءه وشدد ذاله، وقالوا: لا يخلو الضمير ~~المحذوف من قوله {يكذبون} أن يعود على القرآن، أو على النبي، أو على ~~المصدر، الذى هو التكذيب، فإن أعدناه إلى القرآن أو النبى، فقد استحقوا ~~بذلك العذاب، وإن أعدناه إلى التكذيب، لم يستحقوا العذاب؛ لأنهم إذا كذبوا ~~التكذيب بالقرآن وبالنبي كانوا بذلك مؤمنين، فكيف يكون لهم عذاب أليم ~~بتكذيب التكذيب (¬3)؟ # والضرب التاسع: أن تكون كافة للعامل عن عمله، فمن ذلك كفها الأحرف الستة، ~~إن وأخواتها عن عملهن، فإما أن يرتفع الاسم بعدهن بالابتداء، أو تقع بعدهن ~~الجملة الفعلية، فمثال الأول فى التنزيل: {إنما إلهكم الله} (¬4) و {إنما} PageV02P559 # {أنت منذر} (¬1) وفى ms487 قول ابن كراع العكلى (¬2): # تحلل وعالج ذات نفسك وانظرن ... أبا جعل لعلما أنت حالم # ووقوع الجملة الفعلية كقول الفرزدق (¬3): PageV02P560 # أعد نظرا يا عبد قيس لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا # ومثله فى التنزيل: {إنما حرم عليكم الميتة} (¬1) و {إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء} (¬2). # وسيبويه وغيره من النحويين يرون إلغاء «ما» فى «ليتما» حسنا، فيرجحون ~~النصب فى قولهم: ليتما زيدا منطلق، ويجوزون أن تكون كافة، قال سيبويه: «وقد ~~كان رؤبة بن العجاج ينشد هذا البيت رفعا، وهو بيت النابغة (¬3): # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد # ورفعه على وجهين: على أن يكون بمنزلة قول من قال: {مثلا ما بعوضة} أو ~~يكون بمنزلة قولك إنما زيد منطلق» (¬4) أراد أن أحد وجهى الرفع أن تجعل ~~«ما» بمنزلة «الذى» وتضمر مبتدأ، كأنه قال: ألا ليت الذي هو هذا الحمام ~~لنا، كما أن التقدير فى الآية: مثلا الذى هو بعوضة. # والوجه الآخر: أن تجعل «ما» كافة للعامل، مثل/إنما زيد منطلق. # قال سيبويه: «قال الخليل: «إنما» لا تعمل فيما بعدها، كما أن «أرى» إذا ~~كانت لغوا لم تعمل» وأقول: إن تشبيهه لها بأرى يدل على أنها ربما أعملت، ~~لأن «أرى» ليست تلغى على كل حال، ثم قال بعد هذا: ونظير «إنما» قول المرار ~~الفقعسى: # أعلاقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس (¬5) PageV02P561 # قال: جعل «بعد» مع «ما» بمنزلة حرف واحد، وابتدأ ما بعده فتشبيهه «إنما» ~~بقول الشاعر «بعد ما» مانع من إعمال «إنما»، كما أن قوله «بعد ما» لا يصح ~~إعماله (¬1). # العلاقة: الحب. # والأفنان: الأغصان، الواحد منها: فنن، استعارها للشعر. # والثغام: جمع ثغامة، وهى شجرة بيضاء الزهر. # والمخلس (¬2) من النبات: الذى خالطت خضرته بياض زهره، يقال: أخلس رأسه، ~~إذا خالط سواد شعره البياض. # ولعلما بمنزلة كأنما، يغلب عليهما أن تكون «ما» فيهما كافة، وإنما ولكنما ~~فى هذا نظيرتان، ليس فيهما فى الأغلب الأكثر إلا الكف، فهما فى إلغاء «ما» ~~دون لعلما وكأنما. PageV02P562 # وإنما غلب على «ليتما» العمل لقوة شبه «ليت» بالفعل، ms488 ألا ترى أن وددت ~~بمعنى تمنيت، وليت: هي علم التمنى، فلذلك حسن نصب الجواب فى قولك: وددت أنه ~~زارنى فأكرمه، وكذلك «لو» مختصة بالفعل، وقد استعملوها للتمنى كقوله: {لو ~~أن لي كرة فأكون من المحسنين} (¬1) ويدلك على تقارب إنما ولكنما أنه يجوز ~~الرفع بالعطف على موضع «لكن» كما يجوز ذلك فى «إن» لأن موضعيهما رفع ~~بالابتداء، تقول: إن زيدا قائم وعمرو، لكن بشرا جالس وبكر. # ويدلك أيضا على تقاربهما أن «لكن» إذا خففت بطل عملها، وصارت من حروف ~~العطف، فارتفع الاسم بعدها بالابتداء، كقوله: {لكن الله يشهد بما أنزل ~~إليك} (¬2)، ولاصقها الفعل فى نحو: ما خرج زيد لكن خرج بكر. # /وكذلك «إن» إذا خففت غلب عليها الإلغاء، فى نحو: إن زيد لمنطلق، كما ~~قال: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} (¬3) و {إن كل نفس لما عليها حافظ} ~~(¬4) فى قراءة من قرأ {لما} خفيفة الميم، فأما من شدد الميم، فإن نافية، ~~ولما بمعنى إلا. # وإعمال «إن» مخففة قليل، قال سيبويه (¬5): حدثنا من نثق به أنه سمع من ~~العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق، وأهل المدينة يقرءون: {وإن كلا لما ~~ليوفينهم ربك أعمالهم} (¬6) يخففون وينصبون، كما قال: PageV02P563 # كأن ثدييه حقان (¬1) # ولما خففوها أولوها الفعل، فى نحو: {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} (¬2) {وإن ~~نظنك لمن الكاذبين} (¬3) وألزموها اللام (¬4) إذا وقع بعدها الفعل، كما ~~يلزمونها إياها إذا وقع بعدها المبتدأ، لتدل اللام على أنها المخففة، ~~والكوفيون يجعلونها النافية، ويجعلون اللام بمعنى «إلا» فيقولون (¬5): ~~المعنى: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، وما نظنك إلا من الكاذبين، وهو من ~~أقوالهم المستبعدة. # واعلم أن «إنما» لها معنى تنفرد به، وذلك أنها تفيد معنى الإيجاب بعد ~~النفي (¬6)، كقولك: إنما خرج أخوك؛ تريد: ما خرج إلا أخوك، فلذلك جاز أن ~~تقول: إنما خاصم القوم أنا، وإنما أكرم زيدا أنت، تريد: ما خاصم القوم إلا ~~أنا، وما أكرم زيدا إلا أنت، ولو أنك قلت: خاصم القوم أنا، وأكرم زيدا أنت، ~~لم يجز إلا استعمال الضمير المتصل. # ومن الحروف المكفوفة بما كاف ms489 التشبيه، فى قولهم: كن كما أنت. # ومنها رب، فإذا كفت وقع بعدها الفعل والمعرفة، فالفعل كقوله (¬7): PageV02P564 # ربما أوفيت فى علم ... ترفعن ثوبى شمالات # والمعرفة كقول أبي دؤاد الإيادى (¬1): # ربما الجامل المؤبل فينا (¬2) ... وعناجيج بينهن المهار # الجامل: الجمال، ومثله الباقر: البقر. # ويقال: إبل مؤبلة، إذا كانت للقنية. # والعناجيج من الخيل: الرائعة، أى تروع من حسنها من نظر إليها. # والوجه استعمال الماضى بعد «رب» لأن التقليل إنما يتناول ما عرف حده، ~~والمستقبل مجهول، فأما قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} ~~(¬3) فقيل: إن {يود} حكاية حال قد مضت، وقيل: إن التقدير: ربما كان يود ~~الذين كفروا، وهو من الأقوال المردودة (¬4). # وقال على بن عيسى الرمانى: إنما وقع المستقبل هاهنا، لأن المستقبل معلوم ~~عند الله تعالى كالماضى. # وقال الكوفيون: «ما» هنا اسم بمعنى شيء، وقال البصريون: «ما» كافة. PageV02P565 # واعلم أن وقوع «ما» بعد «رب» على ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون كافة، زيدت ~~ليصلح وقوع الفعل والمعرفة بعدها، وقد بينا هذا. # والثانى: أنها تكون بعد «رب» بمعنى شيء، وقد قدمت الاستشهاد على ذلك، بقوله: # ربما تكره النفوس من الأمر # أراد: رب شيء تكرهه النفوس. # والثالث: وقوعها بعدها زائدة لغوا، فلا تمنعها من العمل، كقولك: ربما رجل ~~عالم لقيته، قال عدى بن الرعلاء الغسانى: # ربما ضربة بسيف صقيل ... دون بصرى وطعنة نجلاء (¬1) # وقد كفوا «من» بما، فقالوا: إنى لمما أفعل، قال أبو العباس المبرد: # يريدون: لربما أفعل (¬2)، وأنشد لأبى حية النميرى (¬3): PageV02P566 # وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقى اللسان من الفم # وقالوا: قلما يخرج زيد، وقلما يكون كذا، فزادوا «ما» ليصلح وقوع الفعل ~~بعد قل، لأن الفعل لا يليه فعل، وأما قول المرار الأسدى: # صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم (¬1) # /فقال المبرد: «ما» زائدة، والاسم بعدها مرتفع بقل (¬2). # وقال غيره: «ما» كافة، زيدت ليصلح وقوع الفعل بعدها؛ لأنه كان وجه الكلام ~~أن يقول: وقلما يدوم وصال، وإنما قدم الاسم للضرورة (¬3). # وقوله: «فأطولت» صحح عين «أطلت» لإقامة الوزن، كما صححت ms490 فى استحوذ، ~~وأغيلت المرأة، إذا سقت ولدها الغيل، وهو أن ترضعه وهى حامل، وفى أحرف (¬4) ~~غير هذين، صححوها ليدلوا بها على الأصل الذى أعلوه. # والضرب العاشر: أن تكون مسلطة للحرف على العمل، وذلك إذا أرادوا أن ~~يشرطوا بإذ وحيث، قالوا: إذ ما تزرنى أزرك، وحيثما تجلس أجلس، قال (¬5): # وحيثما يك أمر صالح تكن PageV02P567 # وقال آخر (¬1): # إذ ما ترينى اليوم أزجى مطيتى ... أصعد سيرا فى البلاد وأفرع # فإنى من قوم سواكم وإنما ... رجالى فهم بالحجاز وأشجع # وإذ مع «ما» إذا شرط بها، حرف عند سيبويه، لا اسم، وليست معها زائدة، ~~كزيادتها مع غيرها من الأسماء التى شرطوا بها، كمتى وأين وأي، فى قوله {أيا ~~ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (¬2) وإنما هى مهيئة لعمل الجزم، ومسلطة هذين ~~الحرفين عليه. # والحادى عشر: أنها تكون مغيرة للحرف عن معناه الذى وضع له، وذلك فى ~~قولهم: لو ما تفعل كذا! نقلت «لو» عن معناها الذى هو امتناع الشىء لامتناع ~~غيره إلى التحضيض، كما فعلت ذلك «لا» فى هلا وألا ولولا، وفى التنزيل: # {لو ما تأتينا بالملائكة} (¬3). # والثانى عشر: استعمالها صلة مؤكدة للكلام، فمن ذلك زيادتها بين الجار ~~والمجرور، في نحو {فبما رحمة من الله} (¬4) و «مما خطاياهم» (¬5) ومثله: ~~{فبما نقضهم ميثاقهم} (¬6) و {عما قليل ليصبحن نادمين} (¬7) وقول الشاعر: PageV02P568 # فإن لما كل أمر قرارا ... فيوما مقاما ويوما فرارا (¬1) # ومنه زيادتها بين الشرط وحرفه، نحو: {وإما تخافن من قوم خيانة} (¬2) و ~~{أينما تكونوا يدرككم الموت} (¬3) وقول الأعشى (¬4): # متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا # وزيادتها بين المبتدأ وخبره، فى نحو: {وقليل ما هم} (¬5) و {جند ما هنالك ~~مهزوم} (¬6)، وزيادتها بين المفعولين فى قوله: {أن يضرب مثلا ما بعوضة} ~~(¬7) وزادها الأعشى فى موضعين من بيت، وهو قوله (¬8): PageV02P569 # إما ترينا حفاة لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل # وزادها أمية بن أبى الصلت في ثلاثة مواضع من بيت، وهو (¬1): # سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا # ذكر ابن قتيبة فى كتاب ms491 «معانى الشعر» (¬2) أن الأصمعى ذكر عن عيسى بن ~~عمر، أنه قال: ما أدرى ما معنى هذا البيت، ولا رأيت أحدا يعرف معناه. # وقال غيره: إن أمية قال هذا البيت فى سنة جدب، وكانوا فى سنة الجدب ~~يجمعون ما يقدرون عليه من البقر، ثم يعقدون فى أذنابها وثنن عراقيبها السلع ~~والعشر، ضربين من الشجر، ثم يعلون بها فى جبل وعر، ويشعلون فيه النار، ~~ويضجون بالدعاء والتضرع، وكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا. # والبيقور: البقر. # والعائل: الفقير، وفى التنزيل: {ووجدك عائلا فأغنى} (¬3). # وعالت البيقور، يعنى سنة الجدب، أى أثقلت البقر بما حملت من السلع ~~والعشر، يقال: عالنى الأمر: أى أثقلنى. وقوله: «وثنن عراقيبها» الثنن: جمع ~~ثنة، وهو الشعر المحيط بالعرقوب وبالظلف وبالحافر. # ... PageV02P570 # واختلف فى «ما» من قولهم: «مهما» فقيل: إن أصله: ماما، فما الأولى هى ~~الشرطية/والثانية زائدة للتوكيد، كما زيدت فى أينما ومتى ما، فاستثقلوا ~~تكرير اللفظة بعينها، فأبدلوا من ألف الأولى هاء، وهذا قول الخليل (¬1). # وذهب سيبويه إلى أنهم ركبوا «مه» مع «ما» وهى التى يزجر بها فيقال: مه ~~مه، وينونونها، فيقولون: مه يا هذا، ركبوها مع «ما» بعد أن سلبوها المعنى ~~الذى وضعت له، وفى التنزيل: {مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك ~~بمؤمنين} (¬2) وقال زهير (¬3): # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم # وقد زادوا «ما» بين «إن» الشرطية و «لا» النافية، عوضا من «كان» واسمها ~~وخبرها، فصرن ككلمة واحدة، وذلك قولهم: «إمالا» ولتنزلهن منزلة كلمة ~~استجازوا إمالة ألف «لا» لأنها صارت كالألف فى نحو: استدعى، ولا يكون ~~«إمالا» إلا جواب كلام، كأن قائلا قال: لا أفعل هذا، فقال آخر: افعل هذا ~~إمالا، يريد: إن كنت لا تفعل هذا فافعل هذا، هكذا قدره سيبويه، وقد ذكرته ~~فى غير موضع (¬4). # ... PageV02P571 ### | AUTO المجلس التاسع والستون # كلام فى الظروف # الظرف: كل اسم من أسماء الزمان والمكان «فى» مقدرة فيه، فإن ظهرت إلى ~~اللفظ صارت هى الظرف، وصار ما بعدها اسما صريحا. # والفعل يعمل بغير وساطة ms492 الحرف الظرفى، فى جميع ظروف الزمان؛ المبهم منها ~~والمختص، لأنه يدل على الزمان من طريق المعنى وطريق اللفظ، فدلالته عليه من ~~طريق اللفظ: أنك إذا قلت: كتب زيد وصلى، دل هذا على ما مضى، وإذا قلت: هو ~~يكتب وهو يصلى، دل على الزمان الحاضر، وإذا قلت: سوف يكتب وسيصلى، وصل يا ~~زيد واكتب، ولا تصل على بكر ولا تكتب، دلت هذه الصيغ على زمان متوقع. # ولا يتعدى الفعل إلى مكان مخصوص إلا بواسطة، لأنه لا يدل على المكان إلا ~~من طريق المعنى، من حيث لا يقع فعل إلا فى مكان، وقد جاء فى الشعر متعديا ~~إلى /المكان المخصوص، فى نحو قوله (¬1): PageV02P572 # فلأبغينكم قنا وعوارضا ... ولأقبلن الخيل لابة ضرغد # ضرغد: اسم مكان، وقال آخر: # لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب (¬1) # رمح لدن: لين. # ويعسل: يشتد اهتزازه، وعسل الثعلب والذئب فى عدوه: إذا اشتد اضطرابه. # والهاء التى فى «فيه» تعود إلى الهز (¬2). # والناصب للظروف أحد شيئين (¬3)، الأول: فعل ظاهر، أو ما قام مقامه، من ~~اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر، فالفعل كقولك: خرجت يوم الجمعة أمام زيد، ~~وما قام مقام الفعل قولك: زيد منطلق الساعة وراء بكر، وانطلاق زيد اليوم ~~خلفك أعجبنى، وفرسك مركوب غدا فرسخا. # وقد يعمل ظرف المكان فى ظرف الزمان، كقولك: زيد فى داره اليوم، وتقدمه ~~عليه، فتقول: الساعة زيد خلفك، فتعمل فيه معنى الفعل مقدما، كما أعملته فيه ~~مؤخرا، فمن إعماله فيه مقدما قولهم: «كل يوم لك ثوب» (¬4) ومثله فى PageV02P573 # التنزيل: {هنالك الولاية لله الحق} (¬1) ألا ترى أن {هنالك} مشار به إلى ~~يوم القيامة، كما أشير به إلى الزمان فى قوله: {هنالك دعا زكريا ربه} (¬2). # فإن كان المبتدأ اسم حدث، وجئت بعده بظرفين زمانى ومكاني، كقولك: القتال ~~يوم السبت خلف المدينة، جاز أن يعمل كل واحد منهما فى الآخر، فإذا أعملت ~~ظرف الزمان، فالتقدير: القتال واقع يوم السبت خلف المدينة، فإذا أعملت ظرف ~~المكان، فالتقدير: القتال واقع خلف المدينة يوم السبت، وإنما جاز ms493 أن تعمل ~~كل واحد من هذين الظرفين فى الآخر، لأن الكلام يتم بظرف الزمان خبرا، كما ~~يتم بظرف المكان، ويجوز أن تعمل/القتال فى ظرف الزمان إذا جعلت ظرف المكان ~~الخبر، ويجوز أن تعمله فى ظرف المكان إذا جعلت ظرف الزمان الخبر. # والثانى من العوامل فى الظرف عامل لا يظهر، وذلك أنك تقدره فى أربعة ~~مواضع، أحدها: أن يقع الظرف خبرا لمبتدإ. # وثانيها: أن يقع صفة لنكرة. # وثالثها: أن يقع فى موضع حال من معرفة. # ورابعها: أن يقع صلة، وكذلك إن وقع خبرا فى باب كان وباب إن، ومفعولا ~~ثانيا فى باب ظننت. # والأجود أن يقدر العامل فى الظرف بالمفرد، إذا وقع خبرا او صفة أو حالا، ~~وتقديره بالجملة جائز، إلا أن يقع بين إن واسمها، كقولك: إن خلفك زيدا، ~~وإنما لم يجز تقديره هاهنا بالجملة، لامتناع ملاصقة «إن» للجملة، وعكس ذلك PageV02P574 # أنه إذا وقع صلة قدرته بجملة؛ لأن الصلة لا تكون اسما مفردا، تقول: الذى ~~فى الدار زيد، فتقدر العامل: استقر، وتقول: زيد فى الدار، فالأصوب أن يكون ~~التقدير: مستقر؛ لأن أصل الإخبار الخبر المفرد، ومن قدر: زيد استقر فى ~~الدار، وعمرو استقر خلفك، فلأن الفعل هو الأصل فى العمل. # ... PageV02P575 ### || AUTO فصل # ظرف الزمان ينقسم أربعة أقسام # : # قسم ينصرف ويتصرف، وقسم لا ينصرف ولا يتصرف، وقسم ينصرف ولا يتصرف، وقسم ~~يتصرف ولا ينصرف. # ومعنى ينصرف ويتصرف (¬1) أنه يكون ظرفا تارة، ثم يتسع فيه فيجعل مبتدأ ~~وفاعلا ومفعولا ومجرورا بحرف جر، وبإضافة اسم إليه، كقولك: يوم الجمعة ~~مبارك، وقد حانت ليلة زيارتك، وسير بزيد شهران، وإنى لأحب ليلة زيارتك، ~~وعجبت من يومك، ومسيرك فى شهر رمضان، ومنه: «ملك يوم الدين» (¬2) وقال ~~الشاعر: # رب ابن عم لسليمى مشمعل ... طباخ ساعات الكرى زاد الكسل (¬3) # وقال آخر (¬4): PageV02P576 # وكرار خلف المجحرين جواده # ويروى: # طباخ ساعات الكرى زاد الكسل # و: خلف المجحرين جواده # فمن جر الساعات وخلف المجحرين، فقد أخرجهما من باب الظرفية بالإضافة ~~إليهما، ونصب الزاد والجواد بطباخ وكرار، على أنهما مفعولان، ومن جر الزاد ms494 ~~والجواد نصب ساعات الكرى وخلف المجحرين، على أنهما ظرفان فاصلان بين المضاف ~~والمضاف إليه، ومثل هذا فى الشعر جائز؛ قال: # يا سارق الليلة أهل الدار (¬1) # يريد: يا سارق أهل الدار الليلة، وقال آخر (¬2): # كما خط الكتاب بكف يوما ... يهودي يقارب أو يزيل # المجحر: الذى ألجأه الزمان إلى مكان. # وأما مالا ينصرف ولا يتصرف (¬3): فسحر إذا أردت به سحر يوم بعينه، وإنما ~~لم ينصرف لأنه معرفة معدول عن الألف واللام، وحقيقة عدله أنهم عدلوا عن أن PageV02P577 # يقولوا: السحر، إلى قولهم: سحر، ووجه تعريفه أن المراد به سحر يوم معين؛ ~~وشبيه به سبحان، في قول الأعشى: # أقول لما جاءنى فخره ... سبحان من علقمة الفاخر (¬1) # لم يصرفه لأن فيه الألف والنون زائدين، وأنه علم للتسبيح، فإن نكرته ~~صرفته، كما قال أمية بن أبى الصلت: # سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبح الجودي والجمد (¬2) # وكذلك إن أردت سحرا من الأسحار صرفته، كما جاء فى التنزيل: {إلا آل لوط ~~نجيناهم بسحر} (¬3). # وأما امتناعه من التصرف فلأنه عدل من غير جهة العدل، فألزم النصب على ~~الظرف، وذلك أن جهة العدل أن تعدل صيغة/عن صيغة مخالفة لها فى الزنة، كعدل ~~عمر عن عامر، وحذام وقطام عن حاذمة وقاطمة، وأحاد وثناء عن واحد واثنين، ~~وأخر عن آخر من كذا. # والقسم الثالث: وهو الذى ينصرف ولا يتصرف: أسماء (¬4) أوقات ألزموها ~~الظرفية فلم يرفعوها ولم يجروها، وهى: صباح وعشاء وضحوة وعتمة، تقول: # خرجت عتمة، وخرج زيد ضحوة وعشاء، إذا أردت ضحوة يومك أو يوم غيره بعينه، ~~وكذلك تريد عتمة ليلتك أو ليلة بعينها، فلو رفعت شيئا من هذا أو خفضته ~~فقلت: سير عليه عتمة أو ضحوة، أو خرجت فى عتمة، لم يجز؛ لأنهم لم يرفعوه ~~ولم يجروه. PageV02P578 # قال أبو بكر بن السراج: ما يكون ظرفا ولا يكون اسما، نحو: ذات مرة، ~~وبعيدات بين، وبكرا، وسحر، إذا أردت سحر يوم بعينه، ولم تصرفه، وضحى، ~~وضحيا، إذا أردت ضحى يومك، وعشية وعتمة، إذا أردت عشية يومك وعتمة ليلتك، ~~لم يستعمل كل هذا ms495 إلا ظروفا (¬1). # قال أبو عبيد القاسم بن سلام، فى الغريب المصنف (¬2): لقيته بعيدات بين، ~~إذا لقيته بعد حين، ثم أمسكت عنه ثم أتيته، ولقيته صكة عمي (¬3)، إذا لقيته ~~فى أشد الهاجرة. # والقسم الرابع: وهو ما يتصرف ولا ينصرف قولهم: غدوة وبكرة، إذا أردت غدوة ~~يومك وبكرته، أو غيره مما تعينه، فهذان لم ينصرفا للتأنيث وأنهما علمان ~~لوقت بعينه، والفرق بينهما وبين ضحوة وعتمة أنهما لوقت محصور، وأن ضحوة ~~وعتمة لوقتين متسعين، فتقول على هذا: سير عليه يوم السبت بكرة، وجئتك [فى] ~~(¬4) يوم الجمعة غدوة، فلا تصرفهما، فإن أردت غدوة من الغدوات وبكرة من ~~البكرات، صرفت، كما جاء فى التنزيل: {ولهم رزقهم/فيها بكرة وعشيا} (¬5) ~~وعلى هذا تتأول قراءة ابن عامر: {بالغداة والعشي} (¬6) كأنه أدخل الألف ~~واللام على غدوة، لأنه نكرها كما ينكر زيد إذا أريد تثنيته أو جمعه، ثم ~~تدخل عليه الألف PageV02P579 # واللام، ويجوز أن تكون الألف واللام فى الغدوة زيادة، كما زيدا فى عمرو، ~~من قوله (¬1): # باعد أم العمر من أسيرها # وفى «يزيد» من قول الآخر: # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... مطيقا لأعباء الخلافة كاهله (¬2) # وقد حكى الخليل (¬3) فى غدوة وبكرة الصرف، فروى: جئتك اليوم غدوة، وجئتنى ~~أمس بكرة، وحكى أيضا فى ضحوة وعتمة ترك الصرف، فروى: جئتك يوم الجمعة ضحوة، ~~وليلة الأربعاء عتمة، بغير تنوين، والأجود ما بدأت به. # وإذا عرفت هذا فليس يخلو اسم من أسماء الزمان أن يكون أحد هذه الأقسام. # ومما ينتصب ظرفا من الزمان «ألفا» من قولهم فى المثل: «سكت ألفا ونطق ~~خلفا» (¬4) أى مقدار ألف كلمة، أى سكت حينا يتكلم فيه متكلم بألف كلمة، PageV02P580 # ولما نطق نطق بمحال، ومثله فى انتصابه على أنه ظرف زماني «غبا» فى قوله ~~عليه السلام: «زر غبا تزدد حبا» (¬1) يقال: أغببت القوم، إذا جئتهم يوما ~~وتركتهم يوما. # وأما ظروف المكان: فمنها أيضا ما ينصرف ويتصرف، كخلف وأمام ووراء وقدام، ~~قال لبيد بن ربيعة: PageV02P581 # فغدت، كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها (¬1) # الفرج: موضع المخافة، وكذلك الثغر والثغرة، والعورة، ms496 يصف بقرة وحشية، ~~يقول: فغدت البقرة وكلا الطريقين المخوفين اللذين بين يديها تظن أنه أولى ~~بالمخافة، والهاء التى فى «أنه» عائدة على «كلا» وخلفها وأمامها بدل منه، ~~وهو/مبتدأ، وقوله: «تحسب أنه مولى المخافة» خبره، والجملة من المبتدأ ~~والخبر فى موضع الحال من المضمر فى «غدت». # وقالوا: جلس زيد دونك، وأخرجوه من الظرفية فصرفوه فرفعوه فى قولهم: # «ثوب دون» (¬2). # ومن ظروف المكان ما يلزم الظرفية، فلا ينتقل عنها، كعند ولدن وسواء ومع ~~وحيث، لا يجوز أن ترفع عندك (¬3)، فإن دخل عليها حرف جر لم يكن إلا «من» ~~خاصة، لا يجوز: إلى عندك، وجاء فى التنزيل: {فإن أتممت عشرا فمن عندك} (¬4). # وسوى (¬5) مكسورة السين مقصورة، ومفتوحة السين ممدودة، وتكون ظرفا فى كل ~~موضع، ولا يدخل عليها حرف جر، إلا فى الشعر نحو قوله: # تجانف عن جل اليمامة ناقتى ... وما قصدت من أهلها لسوائكا (¬6) PageV02P582 # تجانف: من الجنف، وهو الميل فى قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا} (¬1). # وقوله: «عن جل اليمامة» جل: بمعنى أكثر، وفيه تقدير مضاف، أى عن أكثر أهل ~~اليمامة. # ولدن (¬2) كعند فى المعنى، إلا أنها مبنية، وفيها لغات: لدن هو (¬3) ~~الأصل، ولدن، بسكون الدال وفتح النون، ولد ساكنة، ولد (¬4)، ولدن مثل قفل، ~~فمن قال: # لدن، فهى كعضد، ومن قال: لدن، فسكن، كما سكنوا الضاد من عضد، والجيم من ~~رجل، فتح النون، ومن قال: لد، شبه النون بالتنوين فحذفها لسكونها وسكون الدال. # ولتشبيههم إياها بالتنوين، قال بعضهم: «لدن غدوة» فنصب «غدوة» على ~~التمييز (¬5)، كما تقول: قفيز حنطة. ومن قال: لدن، نقل حركة الدال إلى ~~اللام، بعد أن سلب اللام حركتها، وهى فى جميع أحوالها مبنية، كما جاء فى ~~التنزيل: # {من لدن حكيم عليم} (¬6). # وأما «مع» ففتحتها إعراب، وكان أبو علي يحكم عليها بالحرفية إذا أسكنت ~~(¬7)، وأنشد فى إسكانها قول الشاعر: PageV02P583 # فريشى منكم وهواى معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما (¬1) # وإنما حكم عليها بالحرفية؛ لأنها على حرفين، وانضم إلى ذلك فيها السكون، ~~فنزلها منزلة هل وبل وقد. # واحتج من دفع هذا القول بلحاق ms497 التنوين لها، ودخول «من» عليها فى قولهم: ~~كان معها فانتزعته من معها (¬2)، وقال: إن السكون لحقها للضرورة. # وأقول: إنهم قد استعملوا «عن» اسما بمعنى الناحية، إذا أدخلوا عليها «من» ~~كقوله (¬3): # جرت عليها كل ريح سيهوج ... من عن يمين الخط أو سماهيج (¬4) # أراد: من ناحية يمين الخط. # يقال: ريح سيهوج: شديدة، وسماهيج: ضعيفة (¬5)، ومثل (¬6) قول قطرى بن ~~الفجاءة: # ولقد أرانى للرماح دريئة ... من عن يمينى مرة وأمامى (¬7) # أى من ناحية يمينى. وهى مع استعمالهم إياها اسما، على حرفين ساكنة PageV02P584 # الآخر، وقد بسطت الكلام على «مع» فى الجزء الثانى من هذه الأمالى (¬1). # ومما استعملوه من الأسماء المخصوصة استعمال الظروف (¬2)، قولهم: زيد مناط ~~الثريا، المناط: موضع النوط، مصدر نطت الشىء بالشىء، إذا علقته به، أى هو ~~بالمكان الذى نيطت به الثريا، شبهوا ارتفاع منزلته بارتفاع مكان الثريا، ~~وقالوا: # هو منا مزجر الكلب، وذلك إذا كان مباعدا مهانا، وتقديره (¬3): مكان مزجر ~~الكلب، وهو منى معقد الإزار، يريدون قرب المنزلة، وقعد منى مقعد القابلة، ~~وذلك إذا لصق به من بين يديه، وأما قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت (¬4): # وإن بنى حرب كما قد علمتم ... مناط الثريا قد تعلت نجومها # فيحتمل أن يكون «كما قد علمتم» خبر اسم إن، و «مناط الثريا» خبرا ثانيا، ~~و «قد تعلت/نجومها» خبرا ثالثا، على أن تعود الهاء إلى «بنى حرب» جاء ~~بثلاثة أخبار، كقول القائل (¬5): PageV02P585 # من يك ذا بت فهذا بتى ... مقيظ مصيف مشتى # ويجوز أن يكون «كما قد علمتم» و «مناط الثريا» خبرين، و «قد تعلت نجومها» ~~حالا من الثريا. # ويجوز أن يكون «مناط الثريا» حالا من الضمير المحذوف من «علمتم» وعلمتم ~~بمعنى عرفتم، أى كما عرفتموهم حالين فى مناط الثريا. # وقالوا: هو منى فرسخان وميلان وقيد رمح، التقدير: بعده منى فرسخان، ثم ~~حذف البعد فانفصل المضمر وارتفع بالابتداء، وفرسخان خبر البعد، لأن ~~الفرسخين هما البعد، ويجوز أن تقدر المحذوف من الخبر، فيكون التقدير: هو ~~منى ذو مسافة فرسخين، ثم حذف «ذو» وأعرب ما بعده بإعرابه، فصار: هو ms498 منى ~~مسافة فرسخين، ثم حذفت المسافة، وأعرب الفرسخان بإعرابها. # قال سيبويه: لا يقاس على هذا، لو قلت: هو منى عدوة الفرس، أو غلوة السهم، ~~لم يجز (¬1). # ... PageV02P586 ### || AUTO فصل # تقول: إن زيدا قريب منك، إذا جعلت القريب زيدا، فإن نصبت «قريبا» جعلته ~~ظرفا، وقدرت موصوفا محذوفا، فأردت: إن زيدا مكانا قريبا منك. # قال سيبويه (¬1): «وتقول: إن قريبا منك زيدا، إذا جعلت قريبا منك موضعا ~~(¬2)، وإذا جعلت الأول هو الآخر، قلت: إن قريبا منك زيد. وتقول: إن بعيدا ~~منك زيد». أراد أنك تنصب قريبا منك بأن، وزيد خبرها، وكذلك: إن بعيدا منك زيد. # ثم قال: «والوجه إذا أردت هذا أن تقول: إن زيدا قريب منك، أو بعيد منك؛ ~~لأنه اجتمع معرفة ونكرة». انتهى كلامه. # وأقول: إنه أجاز قولك: إن قريبا منك زيد، على أنك جعلت قريبا هو زيدا ~~/واستضعفه؛ لأنك جعلت اسم إن نكرة، وخبرها معرفة، فلهذا قال: والوجه إذا ~~أردت هذا أن تقول: إن زيدا قريب منك، وإنما استجاز إن قريبا منك زيد، ~~لاتصال «منك» بقريب، فقد حصل له باتصال «منك» به شيء من التخصيص، فقرب بذلك ~~من المعرفة. # قال: «وإن شئت قلت: إن بعيدا منك زيدا، وقلما يكون «بعيدا منك» ظرفا، ~~وإنما قل هذا؛ لأنك لا تقول: إن بعدك زيدا، وتقول: إن قربك زيدا، فالدنو ~~أشد تمكنا فى الظرف من البعد» (¬3). انتهى كلامه. PageV02P587 # وأقول: إن قربك زيدا، تقديره: فى قربك، ولم يجز: إن بعدك زيدا، لأنهم لم ~~يصرفوا البعد تصريف القرب، فيقولوا: إن فى بعدك زيدا؛ لعلة أذكرها لك: # قال النحويون: إنما صار الدنو أشد تمكنا؛ لأن الظروف موضوعة على القرب، ~~أو على أن يكون ابتداؤها من قرب، فالموضوع على القرب: عند ولدن، وما كان فى ~~معناهما، يريدون بما كان فى معناهما: صددك وصقبك (¬1) وتجاهك وإزاءك وحذاءك ~~وتلقاءك وقبلك (¬2) وقبالتك، ونحو ذلك. # وأما ما يكون ابتداؤه من قرب: فالجهات المحيطة بالأشياء، كقدام وخلف ~~ويمنة ويسرة وفوق وتحت، فإذا قلت: زيد خلف عمرو، فهو مطلوب خلفه من أقرب ما ~~يليه؛ لأن ms499 للقرب حدا، والبعد لا نهاية له ولا حد. # ويكشف هذا أننا إذا قلنا: قربك زيد، طلبه المخاطب فيما قرب منه، وذلك ~~ممكن مفهوم، وإذا قلنا: بعدك زيد، لم يمكن ذلك فيه. # ونذكر ما قاله المفسرون فى تذكير {قريب} مع تأنيث الرحمة، من قوله تعالى: ~~{إن رحمت الله قريب من المحسنين} (¬3) قال أبو إسحاق الزجاج: إنما قيل PageV02P588 # قريب؛ لأن الرحمة والغفران فى معنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي (¬1). # وقال/غيره: إنما ذكر قريب لأن الرحمة والرحم سواء، وهذا نظير قول الزجاج؛ ~~إلا أنه أوفق؛ لأنه ذكر ما هو من لفظ الرحمة، فأراد أن الرحم فى قوله ~~تعالى: {وأقرب رحما} (¬2) بمعنى الرحمة، فقد وافقها لفظا ومعنى، فحملت ~~الرحمة عليه. وقال الأخفش: المراد بالرحمة هاهنا المطر، لأنه قد تقدم ما ~~يقتضى ذلك، فحمل قريب عليه (¬3). # وقال أبو عبيدة: ذكر {قريب} لتذكير المكان، أى مكانا قريبا (¬4). # وأقول: إنه لو أريد (¬5) هذا لنصب قريب على الظرف، فإن حملناه على ما ~~قاله، فالتقدير: إن رحمة الله ذات مكان قريب، فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، فصار: إن رحمة الله مكان قريب، فحذف الموصوف كما حذف فى قوله ~~تعالى: {أن اعمل سابغات} (¬6) أراد دروعا سابغات # وقال الفراء: إنما أتى قريب بغير هاء، ليفرق بين قريب من النسب وقريب من ~~القرب (¬7). # قال الزجاج: وهذا غلط؛ لأن كل ما قرب؛ من مكان أو نسب، فهو جار PageV02P589 # على ما يقتضيه (¬1) من التذكير والتأنيث. يريد أنك إذا أردت القرب فى ~~المكان قلت: زيد قريب من عمرو، وهند قريبة من العباس، وكذلك إذا أردت ~~قربهما فى النسب قلت للرجل: قريب، وللمرأة: قريبة. # ... PageV02P590 ### || AUTO فصل # اختلف القراء فى رفع النون ونصبها، من قوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} # (¬1) # فقرأ نافع والكسائى، وحفص عن عاصم {بينكم} نصبا، وقرأه الباقون رفعا (¬2). # قال أبو علي: البين: مصدر بان يبين، إذا فارق، واستعمل هذا الاسم على ~~ضربين، أحدهما: أن يكون اسما متصرفا كالافتراق. # والآخر: أن يكون ظرفا ثم استعمل اسما، والدليل على جواز كونه اسما قوله: ~~{ومن بيننا ms500 وبينك حجاب} (¬3) و {هذا فراق بيني وبينك} (¬4) فلما استعمل ~~اسما فى هذه المواضع، جاز أن/يسند إليه الفعل الذى هو {تقطع} فى قول من رفع. # ويدل على أن هذا المرفوع هو الذى استعمل ظرفا: أنه لا يخلو من أن يكون ~~الذى هو ظرف اتسع فيه، أو يكون الذى هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم؛ ~~لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف المعنى المراد، ألا ترى أن ~~المراد لقد تقطع وصلكم وما كنتم تتألفون عليه. # فإن قلت: كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل، وأصله الافتراق والتباين، وعلى ~~هذا قالوا: بان الخليط، إذا فارق، وفى الحديث «ما بان من الحي فهو ميتة» ~~(¬5). PageV02P591 # قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين فى نحو: بينى وبينك شركة، ~~وبينى وبينه رحم وصداقة، صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة، ~~وعلى خلاف الفرقة، فلهذا جاء {لقد تقطع بينكم} بمعنى: لقد تقطع وصلكم (¬1). # ومثل «بين» فى أنه يجرى فى الكلام ظرفا، ثم يستعمل اسما، قولهم: # «وسط» الساكن العين (¬2)، ألا ترى أنك تقول: جلست وسط الدار، فتجعله ~~ظرفا، لا يكون إلا كذلك، ثم استعملوه اسما فى نحو قول القتال (¬3): # من وسط جمع بنى قريط بعد ما ... هتفت ربيعة يا بنى جواب # وقال آخر (¬4): # أتته بمجلوم كأن جبينه ... صلاية ورس وسطها قد تفلقا # فجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما جره الآخر بالحرف الجار، وحكى سيبويه: # «هو أحمر بين العينين» (¬5). PageV02P592 # فأما من قال: {لقد تقطع بينكم} بالنصب، ففيه وجهان، أحدهما. أنه أضمر ~~الفاعل فى الفعل، ودل عليه ما تقدم من قوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين ~~زعمتم أنهم فيكم شركاء} (¬1) ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع ~~والتهاجر، وذلك المضمر هو الوصل كأنه قال: لقد تقطع وصلكم بينكم، ~~وحكى/سيبويه أنهم قالوا: «إذا كان غدا فأتنى» (¬2) فأضمر ما كانوا فيه من ~~رخاء أو بلاء، لدلالة الحال عليه، وصارت دلالة الحال بمنزلة جرى الذكر. # والمذهب الآخر: أن انتصاب البين من قوله: {لقد تقطع بينكم} على شيء رآه ~~أبو الحسن، وهو ms501 أنه كان يذهب إلى أن قوله: {لقد تقطع بينكم} إذا نصب يكون ~~معناه معنى المرفوع؛ لأنه لما جرى فى كلامهم منصوبا ظرفا، وكثر استعماله، ~~تركوه على ما يكون عليه فى أكثر الكلام، وكذلك قال فى قوله: {يوم القيامة ~~يفصل بينكم} (¬3) وكذلك قال فى قوله: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} ~~(¬4) فدون فى موضع رفع عنده، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا ~~الصالح ومنا الطالح. انتهى كلامه. # وقال أبو إسحاق الزجاج: {لقد تقطع بينكم}: «الرفع أجود، ومعناه: # لقد تقطع وصلكم، والنصب جائز، والمعنى: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة ~~بينكم» (¬5) وإنما قال: ما كنتم فيه من الشركة، لقول الله تعالى: {وما نرى ~~معكم} PageV02P593 # {شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء}. # انقضى ذكر أقسام الظروف المعربة، الزمانى منها والمكانى، والمبهم منها ~~والمختص، والمعرفة والنكرة، والمنصرف وغير المنصرف، والمتصرف وغير المتصرف. # ونتبعه الآن بذكر مبنياتها الزمانية والمكانية، بتوفيق الله ومشيئته وحسن ~~تسديده وإعانته. # الصلاية للطيب فى قوله: «صلاية ورس» وبعض العرب يهمزونها. # والورس: صبغ أصفر. # ... [(1) طرفة. ديوانه ص 80، وكتاب الشعر ص 182، وحواشيه. # ومن هذا البيت يبدأ الموجود من النسخة ط، بعد ذلك السقط الكبير الذى بدأ ~~فى أثناء المجلس السادس والخمسين.] # [(2) فى ط «حركات» وتقدم مثلها قريبا.] # [(3) سورة آل عمران 38.] PageV02P594 ### | AUTO المجلس الموفى السبعين # [أضرب الظروف المبنية:] # الظروف المبنية ثلاثة أضرب: ضرب زماني، وضرب مكاني، وضرب يتجاذبه الزمان ~~والمكان. # فالزماني: أمس والآن، ومتى وأيان، وقط المشددة، وإذ وإذا/ المقتضية جوابا. # والمكاني: لدن، وحيث، وأين وهنا وثم، وإذا المستعملة بمعنى ثم. # والضرب الذى يتجاذبه الزمان والمكان: قبل وبعد، يبنيان على الضمة إذا ~~قطعا عن الإضافة إلى معرفة، يريدها الحاذف ويقدرها، فكانا حينئذ غايتين، ~~كقوله تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} (¬1) أراد: من قبل غلبهم ومن بعد ~~غلبهم، ألا ترى أن ذكر هذا المضاف إليه قد تقدم فى قوله: {وهم من بعد ~~غلبهم} وبنيا على الضمة لأنها (¬2) لا تكون لهما إعرابا إذا أضيفا. # فأما «أمس» (¬3) فأكثر العرب ضمنوه معنى لام التعريف، ms502 فصار معرفة، بدلالة ~~وصفهم إياه بالمعرفة، فى قولهم: خرجت أمس الأحدث، وبنوه على حركة لسكون ~~ميمه، وأعطى الكسرة لأنها أصل حركات التقاء الساكنين، ومنهم من عدله عن ~~الألف واللام، وحقيقة عدله أنهم عدلوا أمس عن الأمس، كما عدلوا سحر عن ~~السحر، فأعربوه ومنعوه الصرف للتعريف والعدل، فقالوا: خرجت أمس، وفى PageV02P595 # أمس، وأعجبنى أمس، وأنشدوا على هذه اللغة: # لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالى قعسا (¬1) # القعس: دخول العنق فى الصدر (¬2). # ومن بناه من العرب فنكره أو أضافه أو أدخل عليه الألف واللام، أعربه، ~~فقال: رب أمس معجب لنا، وما كان أطيب أمسنا، وأمسنا أعجبنى، وإن الأمس ~~راقنى، قال نصيب (¬3): # وأنى ظللت اليوم والأمس (¬4) ... قبله # ببابك حتى كادت الشمس تغرب # وإنما استحق الإعراب فى هذه الأحوال الثلاث لزوال تضمنه معنى لام ~~التعريف. # وأما «الآن» فقد اختلف فيه، فقال سيبويه وأبو الحسن الأخفش وأبو عمر PageV02P596 # الجرمى وأبو عثمان المازنى، وبقولهم قال أبو إسحاق الزجاج (¬1): إنما بنى ~~«الآن» /وفيه الألف واللام، وسبيلهما أن يمكنا ما دخلا عليه؛ لأنه ضارع ~~المبهم المشار به؛ لأن سبيل الألف واللام أن يدخلا لتعريف العهد، فى نحو: ~~خرج الرجل ودخلت المرأة، يريدون رجلا وامرأة معينين، أو لتعريف الجنس، ~~كقولهم: عز الدرهم والدينار (¬2)، والمؤمن خير من الكافر، والأسد أقوى من ~~الإنسان، أو يدخلا على علم مستغن عن التعريف بهما، نحو الحارث والعباس، ~~فلما دخلا فى «الآن» لغير هذه المعانى، وكانا بمعنى الإشارة إلى الوقت ~~الحاضر، وأدى قولك «الآن» معنى: هذا الوقت، وجب بناؤه لمضارعته لأسماء ~~الإشارة. # وقال أبو العباس المبرد، وبقوله قال أبو بكر بن السراج: إنما وجب بناء ~~«الآن» لأنه وقع من أول وهلة معرفا بالألف واللام، وسبيل ما دخلا عليه أن ~~يكون منكورا أولا ثم يعرف بهما، فلما جاء على غير بابه بنى. # وقال أبو علي: حذفت لام التعريف منه، وضمن معناها، ثم زيد فيه لام أخرى. # وقال الفراء: هو منقول من قولهم: آن لك أن تفعل، ثم أدخل عليه الألف ~~واللام، وترك على فتحه محكيا ms503 كما جاء: «أنهاكم عن قيل وقال (¬3)» على ~~الحكاية. # وأجود الأقوال القول الأول، وأبعدها قول أبى علي، ويليه فى البعد قول ~~الفراء. PageV02P597 # وقيل: إن أصله: أوان، فحذفت منه الألف فصار فى التقدير: أون، فقلبت الواو ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقيل: آن، وإنما حكموا بحذف الألف دون ~~الواو؛ لأن الألف زائدة والواو أصلية. # وأما «متى» فاستفهموا بها، وشرطوا، فاستحقت البناء لتضمنها معنى الحرف ~~الاستفهامي أو الشرطي. # وأيان بمعنى «متى» فى الاستفهام، ولم يشرطوا بها، وبنوها والآن على الفتح ~~إتباعا للألف. # /وأما «قط» فإنهم ضمنوه معنى حرفين: معنى مذ وإلى؛ لأنهم أرادوا بقولهم: ~~ما رأيته قط: ما رأيته مذ أول عمرى إلى الآن، فلقوته بتضمنه معنى حرف ~~الابتداء فى الزمان وحرف الانتهاء، حركوه بأقوى الحركات (¬1). # وأما «إذ وإذا» فلبنائهما علتان، إحداهما: أنهما احتاجا إلى إضافة توضح ~~معنييهما، فأشبها بذلك بعض كلمة، وبعض كلمة لا يستحق إعرابا. # والعلة الأخرى: أنهما افتقرا إلى إضافة إلى جملة، فأشبها بذلك حروف ~~المعانى؛ لأن حرف المعنى لا يفيد حتى ينضم إلى جملة. # ول «إذا» علة أخرى، وذلك أنها ضمنت معنى حرف الشرط. # وأما الظروف المكانية، فمنها «لدن»: وقد تقدم ذكرها (¬2). # ومنها «حيث» وهو من الظروف التى لزمتها الإضافة إلى جملة، فأشبه بذلك ~~«إذ» تقول: جلست حيث زيد جالس، وحيث جلس زيد، كما تقول: خرجت إذ زيد جالس، ~~ودخلت إذ جلس زيد، ويدلك على أنها للمكان قولك: زيد حيث PageV02P598 # عمرو جالس، أخبرت بها عن شخص، وقد استعملوها للزمان، وهو قليل، كقوله: # للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه # وفيها لغات، منهم من بناها على الفتح؛ لمكان الياء، وهو القياس، حملا على ~~أين وكيف وليت وكيت وذيت. # ومنهم من بناها على الضم، وهى لغة التنزيل؛ وذلك أن إضافتها إلى الجملة ~~لا اعتداد بها؛ لأن حق الظرف المكاني أن يضاف إلى المفرد، فلما عدمت ~~الإضافة التى يستحقها ظرف المكان، صارت إضافتها كلا إضافة، فأشبهت الغايات ~~التى استحقت البناء على الضم، لقطعها عن الإضافة. # ومن قال: «حيث» فكسرها، فلأن الكسرة ms504 أصل حركة التقاء الساكنين، ونظيرها ~~فى ذلك «جير». # وقد استعملوها فى الأحوال الثلاثة بالواو، فقالوا: حوث/وحوث وحوث. # وأما «أين» فقد استفهموا بها وشرطوا، فاستحقت البناء؛ لتضمنها معنى ~~الحرفين، واستحقت البناء على الفتح لمكان الياء. # وأما «هنا» فيشار به إلى مكان قريب، فإن ألحقته الكاف أشرت به إلى ما بين ~~القريب والبعيد، فإن زدت اللام مع الكاف، دل «هنالك» على المكان المتراخى، ~~وقد استعمل للزمان فى قوله تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه} (¬1). PageV02P599 # و «ثم» يشار به إلى ما توسط بين القريب والمتراخى. # و «إذا» بمعناه، تقول: خرجت فإذا زيد، معناه فثم زيد، وإن شئت: # فهناك زيد. # وخصوا «ثم» بالبناء على الفتح؛ لثقل التضعيف، فأعطوه أخف الحركات، كما ~~فعلوا ذلك في إن وأن وكأن وثم ورب ولعل. # وقد استعملوا «إذا» هذه بمعنى الفاء فى جواب الشرط، كقوله تعالى: # {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} (¬1). # وقد قدمت ذكر العلة التى استحق بها «قبل وبعد» البناء، والعلة التى ~~استحقا بها الضمة دون غيرها. # ويدل على استعمالهما للمكان إخبارك بهما عن الأشخاص، فى نحو قولك: # الجبل قبل الوادى، والوادى بعد الجبل، وتقول إذا استعملتهما للزمان: جئت ~~قبلك وبعد زيد، أى جئت وقتا قبل الوقت الذى جئت فيه، وجئت وقتا بعد الوقت ~~الذى جاء فيه زيد. # ومما شبهوه بهذا الضرب قولهم: جئت من عل، يريدون: من عليه، وابدأ بهذا ~~أول، أى أول الأشياء، قال: # لعمرك ما أدرى وإنى لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول (¬2) # ومن الظروف المكانية المشبهة بقبل وبعد: خلف وقدام، يقولون: أتيت زيدا PageV02P600 # من خلف، وعمرا من قدام، يريدون: من خلفه ومن قدامه، أنشد أبو عمر الزاهد: # ألبان إبل تعلة بن مسافر ... ما دام يملكها علي حرام (¬1) # /لعن الإله تعلة بن مسافر ... لعنا يشن عليه من قدام # أراد: من قدامه. # إن الذين يسوغ فى أحلاقهم ... زاد يمن عليهم للئام # وقد بسطت فيما مضى من هذه الأمالى الكلام فى هذا الضرب (¬2). # ومما استعملته العرب تارة بالبناء وتارة بالإعراب، من اسم وصفي أو ms505 اسم ~~زماني: مثل وغير وحين ويوم، وذلك إذا أضيف منهما شيء إلى فعل ماض أو حرف ~~موصول، أو «إذ» فمتى أضفته إلى أحد هذه الثلاثة أعداه داؤه، فجاز بناؤه على ~~الفتح، كقول النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما تصح والشيب وازع (¬3) # يروى: على حين، وعلى حين، وكقول آخر: # لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت ... حمامة فى غصون ذات أو قال (¬4) # يروى: «غير أن هتفت»، بالفتح، و «غير أن هتفت» بالرفع. # وتقول: خرجت منذ حين أن جاء زيد، ومنذ حين، ومنذ حينئذ وحينئذ، PageV02P601 # ومذ يومئذ ويومئذ، وساعتئذ وساعتئذ، وقد قرئ {من عذاب يومئذ} و {عذاب ~~يومئذ} (¬1)، {ومن خزي يومئذ} و {خزي يومئذ} (¬2). # ولم يأت فى {يومئذ} من قوله تعالى: {فإذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم ~~عسير} (¬3) إلا الفتح، وفيه قولان، قيل: الفتحة فيه إعراب، بتقدير: أعنى ~~يومئذ، وقيل: هى بناء، على أنه فى محل رفع، بدل من {فذلك} و «ذلك» مبتدأ، ~~إشارة إلى وقت دل عليه «إذا» فالتقدير: فإذا نقر فى الناقور، أى نفخ فى ~~الصور، فذلك الوقت، أو فذلك اليوم يوم عسير. # واختلف القراء فى رفع {مثل} ونصبه، من قوله تعالى: {إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون} (¬4) فقرأ عاصم فى رواية أبى بكر، وحمزة والكسائى {مثل ما} برفع ~~اللام، وقرأ الباقون: / {مثل ما} بنصب (¬5) اللام، قال أبو على (¬6): من ~~رفع «مثلا» جعله وصفا لحق، وجاز أن يكون «مثل» وإن كان مضافا إلى معرفة ~~وصفا لنكرة؛ لأن «مثلا» لا يختص بالإضافة، لكثرة الأشياء التى يقع التماثل ~~بها من المتماثلين، فلما لم تخصصه (¬7) الإضافة ولم تزل عنه الإبهام ~~والشياع الذى كان فيه قبل الإضافة، بقى على تنكيره، فقالوا: مررت برجل ~~مثلك، فكذلك (¬8) فى الآية، لم يتعرف بالإضافة إلى PageV02P602 # {أنكم تنطقون} وإن كان قوله: {أنكم تنطقون} بمنزلة نطقكم. # و {ما} فى قوله: {مثل ما أنكم تنطقون} زائدة كزيادتها فى قوله: # «مما خطاياهم» (¬1) وقوله: {فبما رحمة من الله} (¬2) و {عما قليل ليصبحن ~~نادمين} (¬3). # ومن نصب فقال: {مثل ما أنكم ms506 تنطقون} فيحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: # أنه لما أضاف {مثل ما} إلى مبني، وهو قوله: {أنكم} بناه كما بنى {يومئذ} ~~فى قوله: {ومن خزي يومئذ} و {من عذاب يومئذ}. # وكما بنى النابغة الجعدي «الحين» فى قوله: # على حين عاتبت المشيب على الصبا # وكما بنى الآخر «غير» فى قوله: # لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت # فغير فى موضع رفع بأنه فاعل يمنع. # وإنما بنيت هذه الأسماء المبهمة، نحو: مثل وحين وغير ويوم، إذا أضيفت إلى ~~المبني، لأنها تكتسى منه البناء؛ لأن المضاف يكتسى من المضاف إليه ما فيه ~~من التعريف والتنكير، والجزاء والاستفهام، تقول: هذا غلام زيد، فيتعرف ~~الاسم بالإضافة إلى المعرفة، وتقول: غلام من تضرب؟ فيكون استفهاما، وكما تقول: # صاحب من تضرب أضرب، فيكون جزاء، فمن بنى هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبنى ~~جعل البناء أحد ما يكتسيه من المضاف إليه، ولا (¬4) يجوز على هذا: جاءنى PageV02P603 # صاحب خمسة عشر، ولا غلام هذا؛ لأن هذين من الأسماء غير المبهمة، والمبهمة ~~فى إبهامها وبعدها من الاختصاص كالحروف التى تدل على/أمور مبهمة، فلما ~~أضيفت إلى المبنية جاز ذلك فيها، والبناء على الفتح فى مثل قول سيبويه (¬1). # أراد أبو على أنك إذا أضفت صاحبا إلى خمسة عشر، وغلاما إلى هذا، لم يجز ~~فيهما، لإضافتهما إلى هذين المبنيين، البناء، كما جاز فى «مثل» لإضافتك ~~إياه إلى {أنكم تنطقون} لأن هذين الاسمين لا إبهام فيهما يتقضى بناءهما ~~لإضافتهما إلى مبنى، كما فى «مثل» ونحوه من الإبهام والشياع. # ثم قال أبو على: والقول الثانى: أن تجعل «ما» مع «مثل» بمنزلة شيء واحد ~~وتبنيه على الفتح، وإن كانت «ما» زائدة، وهذا قول أبى عثمان المازنى، وأنشد ~~أبو عثمان فى ذلك: # وتداعى منخراه بدم ... مثل ما أثمر حماض الجبل (¬2) # فذهب إلى أن «ما» مع «مثل» جعلا بمنزلة شيء واحد، وقد يجوز أن لا يقدر ~~«مثل» مع «ما» كشىء واحد، ولكن يجعل مضافا إلى «ما» ويكون التقدير: مثل شيء ~~أثمره حماض الجبل، فبناء «مثل» على الفتح لإضافتها إلى «ما» وهى ms507 غير متمكن، ~~ولا يكون لأبى عثمان حينئذ فى البيت حجة على كون «مثل» مع «ما» بمنزلة شيء ~~واحد، ويجوز أن لا يكون له فيه حجة من وجه آخر، وهو أن يجعل «ما» مع الفعل ~~بمنزلة المصدر، فيكون مثل إثمار الحماض، فيكون كقوله تعالى: {ولهم عذاب ~~أليم بما كانوا يكذبون} (¬3). PageV02P604 # والقول الثالث: فى قوله: {مثل ما أنكم تنطقون} أن ينصب على الحال، وهو ~~قول أبى عمر الجرمي، وذو الحال الذكر (¬1) المرفوع فى قوله: {لحق} والعامل ~~فيه هو الحق، لأنه من المصادر التى يوصف بها. # قال: ويجوز أن تكون الحال من النكرة الذى هو «حق»، وإلى هذا ذهب أبو عمر، ~~ولم يعلم عنه أنه جعله حالا/من الذكر الذى فى «حق» وهذا لا خلاف فى جوازه. # وقد حمل أبو الحسن قوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا من عندنا} (¬2) ~~على الحال، وذو الحال قوله: {كل أمر حكيم} وهو نكرة (¬3). انتهى كلام أبى على. # وأقول: إننا إذا نصبنا {مثل ما} على الحال من الذكر الذي فى «حق» فالعامل ~~فيه حق، فهذا لا مانع منه، وإن جعلناه حالا من «حق» فما العامل فيه؟ فهذا ~~مما أرى القياس يدفعه. # ... PageV02P605 ### || AUTO فصل # فى دخول حروف الخفض بعضها مكان بعض # (¬1) # فمن ذلك دخول «فى» مكان «على» فى قوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} ~~(¬2) أى على جذوع النخل، وقال سويد بن أبى كاهل: # هم صلبوا العبدي فى جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا (¬3) # دعا على شيبان، ومعنى «بأجدع» أى بأنف مقطوع. # ومن ذلك {أم لهم سلم يستمعون فيه} (¬4) أى عليه. # وقد استعملوا «فى» مكان «مع» كقول الشاعر (¬5): PageV02P606 # إذا أم سرباح غدت فى ظعائن ... جوالس نجدا فاضت العين تدمع (¬1) # أى مع ظعائن، يقال: جلس فلان، إذا أتى نجدا، ويقال لنجد: الجلس. # ويقال: فلان عاقل فى حلم، أى مع حلم، ومنه قوله تعالى: {أولئك الذين حق ~~عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم} (¬2) أى مع أمم. # وقد أوقعت مكان «بعد» فى قوله: {وفصاله في عامين} (¬3) أى بعد عامين، ~~ومكان ms508 «إلى» فى قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} (¬4) أى إلى أفواههم، وقال ~~علقمة بن عبدة (¬5): # طحا بك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشباب عصرحان مشيب # أى إلى الحسان. وطحا بك: ذهب بك. # وأوقعوها مكان الباء، قال زيد الخيل (¬6): # ويركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون فى طعن الأباهر والكلى (¬7) PageV02P607 # أى بصيرون بطعن الأباهر. والأباهر: جمع الأبهر، وهو عرق مستبطن الصلب، ~~متصل بالقلب، وقال آخر: # وخضخضن فينا (¬1) ... البحر حتى قطعنه # على كل حال من غمار ومن وحل (¬2) # أراد: خضخضن بنا البحر. # «إلى» قد استعملوا «إلى» مكان «مع» كقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} ~~(¬3) أى مع الله، ومثله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} (¬4) أى مع شياطينهم. # واستعملوها مكان «فى» كقول النابغة (¬5): # فلا تتركنى بالوعيد كأننى ... إلى الناس مطلى به القار أجرب # أى فى الناس، وقال طرفة (¬6): # وإن يلتق الحي الجميع تلاقنى ... إلى ذروة البيت الكريم المصمد # أى فى ذروة البيت الذى يصمد إليه، أى يقصد. # وتوقع مكان (¬7) «مع» كقولهم: جلست إلى القوم: أى معهم. PageV02P608 # وتكون مكان الباء، قال كثير (¬1): # ولقد لهوت إلى الكواعب كالدمى ... بيض الوجوه حديثهن رخيم # أراد: لهوت بكواعب. # «على» استعملوها مكان «فى» يقولون: أتيته على عهد فلان، أى فى عهده، ومنه ~~{واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} (¬2) أى فى ملك سليمان، وقال ~~الأعشى: # وصل على حين العشيات والضحى ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا (¬3) # وتكون مكان «من» كقوله: {إذا اكتالوا على الناس يستوفون} (¬4) أى من ~~/الناس. # وتكون مكان «عن» كقوله: # أرمى عليها وهى فرع أجمع (¬5) PageV02P609 # أى أرمى عنها، وقال القحيف العقيلى (¬1): # إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبنى رضاها # وتكون مكان الباء، قال أبو ذؤيب (¬2): # وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع # أى يفيض بالقداح، أى يضرب بها. # والربابة: خرقة تجمع فيها قداح الميسر، إلا أنه أراد بالربابة فى هذا ~~البيت القداح أنفسها؛ لأنه يصف آتنا (¬3) وحمارا، فشبه الأتن بالقداح؛ ~~لاجتماعهن، وشبه الحمار باليسر صاحب الميسر، وجمعه أيسار. # ويصدع: يفرق. # ويقولون: اركب على اسم الله، أى باسم الله. # «عن» تكون ms509 مكان «من» كقوله: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} (¬4) أى من ~~عباده. PageV02P610 # وتكون مكان الباء، كقوله: {وما ينطق عن الهوى} (¬1) أى بالهوى. وتكون ~~مكان «على» كقوله: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} (¬2) أى على نفسه، وقال ~~ذو الإصبع: # لاه ابن عمك لا أفضلت فى حسب ... عنى ولا أنت ديانى فتخزونى (¬3) # أى لم تفضل فى حسب علي، ولا أنت ديانى: أى مالك أمرى. وتخزونى: # أى تسوسنى وتقهرنى. # وقوله: «لاه» أراد: لله، فحذف لام الجر ولام التعريف، قال الخليل: # وكانت العرب [فى الجهلاء (¬4)] تقول: لاه أنت، فى معنى: لله أنت، وكره ~~ذلك فى الإسلام، وأنشد: # لاه در الشباب والشعر الأس ... ود والراتكات تحت الرحال (¬5) # الرتكان: ضرب من السير فيه اهتزاز، قال الخليل: ولا يكاد يقال إلا للإبل (¬6). # وتكون «عن» مكان «بعد» قال العجاج (¬7): PageV02P611 # ومنهل وردته عن منهل # /أراد بعد منهل، ومثله فى التنزيل: {لتركبن طبقا عن طبق} (¬1) أى حالا ~~بعد حال، ومنه قولهم: «سادوك كابرا عن كابر (¬2)»، أى كبيرا بعد كبير، وقد ~~أظهر الشاعر «بعد» فى قوله (¬3): # بقية قدر من قدور توورثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر # وقال الحارث بن عباد: # قربا مربط النعامة منى ... لقحت حرب وائل عن حيال (¬4) # أى بعد حيال، أراد: هاجت بعد سكونها، فاستعار لها اللقاح والحيال. # يروى مربط ومربط، بفتح الباء وكسرها، فمن فتح أراد المصدر، ومن كسر أراد ~~موضع الربط، والمربط، بكسر الميم وفتح الباء: الحبل. PageV02P612 # «من» تقع مكان «على» قال الله تعالى: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا} (¬1) أى على القوم. # وتكون مكان الباء، كقوله: {يحفظونه من أمر الله} (¬2) أى بأمر الله، ~~ومثله {يلقي الروح من أمره على من يشاء} (¬3) أى بأمره، ومثله: {تنزل ~~الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} (¬4) أى بكل أمر. # «الباء» قد استعملت الباء مكان «من» فى قوله: {عينا يشرب بها عباد الله} ~~(¬5) أى يشرب منها، وقال عنترة (¬6): # شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم # وقال أبو ذؤيب (¬7): # شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج ms510 PageV02P613 # متى لجج: أى وسط لجج، حكى الكسائى عن العرب: «أخرجه من متى كمه» (¬1)، أى ~~من وسط كمه، وهى لغة هذيل. # والنئيج: الصوت، يصف سحبا. # وتقع الباء موقع «عن» كقوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع} (¬2) أى عن ~~عذاب، ومثله: {فسئل به خبيرا} (¬3) أى عنه، وقال عنترة: # /هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى (¬4) # أى سألت الخيل عما لم تعلمى، وقال النابغة (¬5): # كأن رحلى وقد زال النهار بنا ... بذى الجليل على مستأنس وحد # أراد زال النهار عنا (¬6). PageV02P614 # وقد كثر استعمالها مكان «فى» كقوله: # إن الرزية لا رزية مثلها ... أخواى إذ قتلا بيوم واحد (¬1) # أراد: فى يوم واحد، ومنه: {السماء منفطر به} (¬2) أى فيه، أى فى يوم ~~القيامة، ومثله: {للذي ببكة مباركا} (¬3). # واستعملت فى موضع «على» كقول الشاعر (¬4): # أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب # أى على رأسه. # «اللام» قد جاءت (¬5) فى مكان «إلى» فى مواضع من التنزيل، منها قوله: ~~{بأن ربك أوحى لها} (¬6) ومنها: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} (¬7) ومنها: PageV02P615 # {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان} (¬1) أي إلى الإيمان، وجاءتا ~~متواليتين فى قوله: {قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق} (¬2). # واستعملوها مكان «على» فى قولهم: سقط لوجهه، أى على وجهه، ومثله. # فخر صريعا لليدين وللفم (¬3) # ومثله فى التنزيل {وتله للجبين} (¬4) أى على الجبين. # و {يخرون للأذقان سجدا} (¬5). # واستعملوها فى مكان «بعد» قال متمم بن نويرة (¬6). # فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # أى بعد طول اجتماع، ومثله فى التنزيل {أقم الصلاة لدلوك الشمس} (¬7) PageV02P616 # [الجزء الثالث] ### | AUTO المجلس الحادى والسبعون # يتضمن الكلام فى الحال # الحال فضلة فى الخبر (¬1)، والخبر على ضربين: خبر المبتدأ، وخبر الفاعل، ~~وما قام مقام الفاعل، فمثال خبر المبتدأ: زيد جالس، وأخوك فى الدار، ومثال ~~خبر الفاعل: خرج بكر وسيقوم بشر، ومثال خبر ما أقيم مقام الفاعل: ضرب عمرو، ~~ويكرم جعفر. تقول: زيد جالس متكئا، وأخوك فى الدار مضطجعا، وأقبل محمد ~~مسرعا، وسيقوم بشر ضاحكا، وضرب عمرو مشدودا، ms511 ويكرم جعفر قادما. # ومن الأفعال مالا يسمى خبرا لفاعله، ولكن مسندا إليه، وذلك أفعال الأمر ~~والنهى، كقولك: ليخرج بكر، ولا يخرج أخوك. # فالحال إذن (¬2) فضلة على المسند، كما أنها فضلة على الخبر. # والضرب الأول يطلق عليه الإسناد، كما يطلق عليه الإخبار، فالإسناد أعم ~~إذن؛ لأن كل إخبار إسناد، وليس كل إسناد إخبارا، وذلك أن الإخبار ما جاز أن ~~يقابل بصدق أو كذب. # ولما كانت الحال فضلة على الخبر، والخبر فى الأمر العام إنما يستفاد إذا ~~كان نكرة، لزم الأحوال أن يكن نكرات، حملا على الأضل؛ لأن الأصل التنكير، ~~قال PageV03P003 # الربعى: الحال زيادة فى الخبر، والخبر فى الأمر العام يكون نكرة، فوجب أن ~~تكون الحال نكرة؛ لأنها مستفادة مع الجملة، كما يستفاد الخبر مع الواحد. ~~انتهى كلامه. # ... والحال تشبه المفعول به من وجه، وتخالفه من وجوه، فوجه الشبه بينهما ~~أن النصب يجمعهما، ومن وجوه الخلاف (¬1) بينهما ما ذكرناه من لزومها ~~التنكير، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة. # والثانى: أن الحال فى الأغلب/هى ذو الحال، وليس المفعول هو الفاعل. # والثالث: أن الحال يعمل فيها الفعل ومعنى الفعل، والمفعول لا يعمل فيه ~~المعنى. # والرابع: أن المفعول يبنى له الفعل فيرفع رفع الفاعل، والحال لا يبنى لها الفعل. # ... والحال تشبه التمييز من ثلاثة أوجه، وتخالفه من وجه (¬2). # فأحد وجوه المشابهة: أنك إذا قلت: جاء زيد، احتمل أن يكون مجيئه على صفة ~~تخالف صفة، كالركوب والمشي، والسرور والحزن، والبكاء والضحك، فإذا قلت: ~~راكبا أو ماشيا أو مسرورا أو محزونا، فقد بينت الحال التى جاء عليها، كما ~~أنك إذا قلت: عندى عشرون، احتمل أن يكون المميز درهما، وأن يكون ثوبا، وأن PageV03P004 # يكون غيرهما من الأجناس، فإذا قلت: درهما أو دينارا أو غير ذلك، بينت ما أردت. # والثانى: أن التنكير يلزم المميز كما يلزم الحال. # والثالث: أنهما لا يجيئان إلا بعد التمام، فالمميز يجيء بعد تمام الجملة، ~~كقولك: امتلأ الإناء، أو بعد تمام الاسم بالنون كقولك: عشرون، أو بالتنوين ~~كقولك: راقود، أو بالمضاف إليه كقولك: لى مثله، كما ms512 تجيء الحال بعد الجملة ~~المبتدئية أو الفعلية. # ووجه المخالفة بينهما أن الحال فى الأغلب يلزمها الاشتقاق، والمميز يلزمه ~~أن يكون اسم جنس، فإن جاء صفة فقدر له موصوفا محذوفا، كقولك: عشرون ظريفا. # ... وبين الحال والظرف مشابهة (¬1) ومخالفة، فوجه المشابهة أن الحال ~~مفعول فيها، كما أن الظرف مفعول فيه. # والمخالفة: أن الحال لا يعمل فيها المعنى إذا تقدم عليها، لا يجوز: زيد ~~قائما فى الدار، وليس كذلك الظرف؛ لأنك تقول: كل يوم لك ثوب، فتنصب كل يوم ~~بلك، وإنما لم يعمل المعنى فى الحال إذا تقدمت عليه؛ لشبه الحال (¬2) ~~بالمفعول به، من حيث كان المفعول به لا يعمل فيه المعنى، وإنما جاز ~~إذا/تأخرت الحال أن يعمل فيها المعنى، لأن الشىء إذا وقع فى موضعه جاز فيه ~~مالا يجوز إذا وقع فى غير موضعه، تقول: ما جاءنى أحد إلا زيد، ترفع زيدا ~~على الإبدال من أحد، فإن PageV03P005 # قدمته لم يجز فيه الرفع، لأن البدل تابع فلا يكون من قبل المتبوع. # وإنما جاز للحال أن تجيء غير مشتقة؛ لأن الخبر نفسه قد جاء غير مشتق، فى ~~نحو: زيد غلامنا، وبكر أخو جعفر، وإذا جاز ذلك فى الخبر جاز فى الفضلة على ~~الخبر، فمن ذلك فى التنزيل: {هذه ناقة الله لكم آية} (¬1) أى علامة لصدقي، ~~وجاء فى الشعر لأبى الصلت الثقفى: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان ذارا منك محلالا (¬2) # نصب «دارا» على الحال من رأس غمدان، قصر بصنعاء، وجاز ذلك لأن الدار ~~منزل، ومن هذا قول المتنبى (¬3). # بدت قمرا وماست خوط بان ... وفاحت عنبرا وزنت غزالا # الميس والميسان: مشي فيه تبختر وتهاد. # والخوط: الغصن. # والرنو: النظر، يقال: رنا، إذا مد بصره. # ونصب «قمرا وخوط بان وعنبرا وغزالا» على الحال، ويتأول فيهن الاشتقاق، ~~فيحملن على قولنا: بدت مشرقة، وماست متثنية، وفاحت طيبة، ورنت مليحة، ونظير ~~هذا البيت قول آخر (¬4): PageV03P006 # سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا # واحد الجآذر: جؤذر، ولد البقرة الوحشية، ومن هذا الضرب قولهم: # «هذا بسرا أطيب منه رطبا ms513 (¬1)» التقدير: هذا إذا وجد صلبا أطيب منه إذا ~~وجد لينا، فهذا يقال فيه إذا كان بلحا. # ومما جاءت فيه الحال بمعنى المشتق قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين ~~فئتين} (¬2) انتصاب {فئتين} على الحال؛ لأن المعنى: ما لكم منقسمين فى ~~شأنهم فرقتين، فرقة/تمدحهم، وفرقة تذمهم. # وحقيقة المعنى عندى (¬3) أن «فئتين» فى معنى مختلفين، فحرف الجر الذى هو ~~«فى» متعلق بهذا المعنى، أى ما لكم مختلفين فى أمرهم، فانتصابه كانتصاب ~~{معرضين} فى قوله: {فما لهم عن التذكرة معرضين} (¬4). # واختلف فى هؤلاء المنافقين (¬5)، فقيل: هم قوم تخلفوا يوم أحد، و {قالوا ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم} (¬6) وقيل: هم قوم قدموا المدينة وأظهروا ~~الإسلام، ورجعوا إلى مكة فأظهروا الكفر، وقيل: هم قوم أسلموا بمكة، وكانوا ~~يعينون المشركين، والدليل على أنهم من أهل مكة قوله: {فلا تتخذوا منهم ~~أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} (¬7). PageV03P007 # وقوله: {والله أركسهم بما كسبوا} أى نكسهم؛ والمعنى ردهم فى حكم الكفر، ~~قال الكسائى: يقال: أركسه وركسه. # وتقول: زيد فى الدار قائما وقائم، فالظرف فى النصب يتعلق بالاستقرار، وفى ~~الرفع يتعلق بقائم، وإن لم يكن الظرف تاما (¬1) لم يجز فيما بعد المبتدأ ~~إلا الرفع تقول: زيد فيك راغب، وأخوك منك متعجب؛ لأن الكلام لا يتم بقولك: ~~زيد فيك، ولا بقولك: أخوك من زيد، وتقول: إن القوم فى الدار مقيمين ~~ومقيمون، على ما قدمناه من نصبك «مقيمين» بالاستقرار، ورفعك له بأنه الخبر، ~~فمثال النصب فى التنزيل {إن المتقين في جنات ونعيم. فاكهين} (¬2) ومثال ~~الرفع: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون} (¬3) وتقول: أقبل رجل راكب ~~وراكبا، والنصب ضعيف، وإنما قوي الرفع؛ لأنهما نكرتان، فوصف النكرة بالنكرة ~~أولى من مخالفتها لها فى إعرابها، وجاز نصبها على الحال؛ لأن الكلام قد تم ~~بالنكرة، كما يتم بالمعرفة لو قلت: أقبل زيد، وعلى هذا جاء {فيها يفرق كل ~~أمر حكيم. أمرا من عندنا} (¬4) فقوله: {أمرا} حال (¬5) من {كل أمر} ~~والأمران مختلفان فى المعنى، فالأول واحد الأمور، والثانى نقيض النهي، ~~فالتقدير: مأمورا به من عندنا. # /وأقول: إنما حسن مجىء ms514 الحال من النكرة فى الآية؛ لأن قوله: {كل أمر} ~~معناه كل الأمور، كما تقول: جاءنى كل رجل فى الدار، والمعنى: كل الرجال ~~الذين فى الدار، فلما تضمن هذا المعنى كان حكمه حكم المعرفة. PageV03P008 # فإن قدمت صفة النكرة عليها صار ما كان ضعيفا فى التأخير لا يجوز غيره، ~~تقول: فى الدار قائما رجل، كما قال: # لعزة موحشا طلل (¬1) # بطل (¬2) كونه صفة لما تقدم؛ لأن الصفة لا تكون إلا تابعة، والتابع لا ~~يقع قبل المتبوع. # ... قد ذكرنا من المعانى التى تعمل فى الحال الظروف، وتعمل فيها أيضا ~~أسماء الإشارة وحرف التنبيه، تقول: ذا زيد مقبلا، وها زيد مقبلا، وهذا زيد ~~مقبلا، وفى التنزيل: {وهذا صراط ربك مستقيما} (¬3) وفيه {وهذا بعلي شيخا} ~~(¬4) وتقول: هاتا أمتك سافرة، وتلك هند جالسة، كما قال تعالى: {فتلك بيوتهم ~~خاوية} (¬5) وتقول: # هذا أبوك مقبلا ومقبل، فرفعه من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون خبرا بعد خبر. # والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، فيكون الكلام فى تقدير جملتين، أى هو مقبل. # والثالث: أن تبدله من الأب، فكأنك قلت: هذا مقبل. # والرابع: أن تبدل الأب من هذا، فكأنك قلت: أبوك مقبل، وفى مصحف PageV03P009 # ابن مسعود: «وهذا بعلى شيخ» ورفعه من الأوجه الأربعة (¬1). وقال جرير (¬2): # هذا ابن عمي فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا # يجوز أن تنصب «خليفة» باسم الإشارة، فيكون حالا منه، ويحوز أن تعمل فيه ~~الظرف، فيكون حالا من الذكر (¬3) الذى فيه، ويجوز أن ترفعه من وجهين، ~~أحدهما: أن يكون خبرا ثالثا، ابن عمى: الأول، وفى دمشق: الثانى، وخليفة ~~الثالث. # ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، على ما قدمنا ذكره. # القطين: الأتباع. # /وقد أعملوا فى الحال من حروف المعانى ثلاثة: كأن وليت ولعل، وذلك لقوة ~~شبههن بالفعل، تقول: كأن زيدا راكبا أسد، وليت زيدا مقيما عندنا، ولعل بكرا ~~جالسا فى الدار، قال النابغة: # كأنه خارجا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد (¬4) # شبه قرن ثور وحشي طعن به كلبا، فأخرجه من صفحة عنقه، بسفود قوم يشربون ~~الخمر ms515 نسوه عند مفتأد، والمفتأد: المشتوى والمطبخ، مكان الشي والطبخ، يقال: ~~فأدت اللحم: إذا شويته، ويقال للسفود: المفأد. # ... PageV03P010 # وقد تقع الجمل أحوالا، كما تقع أخبارا وأوصافا، ولا بد فى الجملة من ضمير ~~إذا وقعت خبرا أو صفة، يعود إلى المخبر عنه وإلى الموصوف، ولما وجب هذا فى ~~الخبر والصفة وجب فى الحال؛ لأنها صفة ذى الحال، وأنها زيادة فى الخبر، فقد ~~أخذت شبها منهما. # وكلتا الجملتين المبتدئية والفعلية تقع حالا. # وإذا كانت الجملة مبتدئية ووقعت (¬1) حالا، جاز أن تأتى فيها بواو، وليست ~~الواو العاطفة، ولكنها التى شبهها سيبويه بإذ، وإنما شبهها بإذ، لأنها ~~تتعلق بما قبلها من الكلام، كما تتعلق «إذ، وذلك فى قوله تعالى: {وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم} (¬2) بعد قوله: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى ~~طائفة منكم} وكذلك الواو فى قوله: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده} (¬3) فموضع {والبحر يمده} نصب على الحال، قال (¬4) سيبويه: «والبحر ~~هذه حاله»، والعامل فى هذه الحال الفعل الذى عمل فى «أن»، وتقديره: ولو ~~كان، أو ولو وقع، أو ولو وجد أن ما فى الأرض من الشجر أقلام. # وقد جاءت الواو فى الجملة الفعلية إذا كان الفعل ماضيا معه «قد»، كقولك: ~~جاء زيد وقد وضع يده على وجهه. # فمن الجمل التى وقعت فى موضع الحال قول الهزانية (¬5): PageV03P011 # / ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى فى ريشه زغبا # قولها: «أعظمه أم الطعام» حال من الفرخ، والعامل فيها ما فى «مثل» من ~~معنى التشبيه، فالمعنى، مثل الفرخ صغيرا، لأنها أرادت بأم الطعام حوصلته، ~~ولا تكون حوصلته أعظمه إلا وهو صغير. # ولو حذفت الضمير من جملة الحال المبتدئية واكتفيت بالواو، جاز، كقولك: ~~جاء زيد وعمرو حاضر، ولو حذفت الواو اكتفاء بالضمير، فقلت: # خرج أخوك يده على وجهه، جاز، كما قال المسيب بن علس، يصف غواصا: # نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدرى (¬1) # أى ما يدرى ما حاله. # وأما الجملة الفعلية فلا يخلو الفعل أن يكون حاضرا أو مستقبلا أو ms516 ماضيا، ~~فإن كان حاضرا حسن وقوعه فى موضع الحال، كقولك: جاء زيد يسرع، ومنه قول ~~الحطيئا (¬2): # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # وإن كان ماضيا لم يحسن وقوعه فى موضع الحال إلا ومعه «قد» كقولك: # جاء زيد قد عرق، وذلك أن «قد» تقربه إلى الوقت الحاضر، وكان أبو الحسن ~~الأخفش يجيز إيقاعه حالا و «قد» مقدرة (¬3) فيه، واحتج بقول الله تعالى: ~~{أو جاؤكم} PageV03P012 # {حصرت صدورهم} (¬1) قال: أراد قد حصرت، وهذا لا يجيزه سيبويه، وحمل الآية ~~(¬2) على غير هذا، فقال: {حصرت} صفة لمحذوف، تقديره: قوما حصرت صدورهم، ~~فقوما نصب على الحال، وحصرت صفتهم، وحذف الموصوف وأبقيت صفته. # وكان أبو العباس المبرد يقول فى قوله: {حصرت صدورهم}. قولا ثالثا، وهو ~~أنه خرج مخرج الدعاء عليهم (¬3)، كما قال تعالى: {قاتلهم الله} (¬4) ~~فالمعنى: # ضاقت صدورهم عن/قتالكم. والذى قاله جائز، لولا ما جاء بعده من قوله: # {أو يقاتلوا قومهم} ونحن لا ندعو بأن تضيق صدورهم عن قتال قومهم، بل ~~نقول: اللهم ألق بأسهم بينهم، فلما عطف على الأول ما لا يصح أن يقع موقع ~~الأول لم يصح الذى تأوله (¬5). # وقد جاء الفعل الماضى فى موضع الحال مقدرة معه «قد» فى قوله تعالى: # {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} (¬6) المراد: وقد كنتم، ومثله ~~{أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} (¬7) أراد: وقد اتبعك. # فإن كان الفعل مستقبلا لم يقع حالا، لا تقول: جاء زيد سيضحك، أو جاء زيد ~~يضحك غدا؛ لأن الحال إنما تكون لما أنت فيه. # فإن قيل: فقد جاء فى كتاب سيبويه: «مررت برجل معه صقر صائدا به PageV03P013 # غدا (¬1)» فقوله: «معه صقر»، لا يخلو «صقر أن يكون مبتدأ والظرف الذى هو ~~«معه» خبره، فيكون إذن فى الظرف ذكر (¬2) مقدر يعود على رجل، من الجملة ~~التى هى وصف له، أو يكون «صقر» مرتفعا بالظرف ارتفاع الفاعل بفعله، فالقول ~~أنه مرتفع بالظرف (¬3)، على قول سيبويه فى هذه المسألة، وإن كان سيبويه ليس ~~مذهبه أن يرفع بالظرف، وإنما رفع بالظرف هاهنا لوقوع الظرف صفة، ms517 فأشبه بذلك ~~الفعل، فعمل عمله، وكذلك يرفع بالظرف إذا وقع صلة، ووقوعه صلة أشد تقريبا ~~له من الفعل؛ لأنه إذا وقع صلة لم يتعلق إلا بفعل، وذلك فى نحو قوله تعالى: ~~{ومن عنده علم الكتاب} (¬4) لا يكون {علم الكتاب} فى التحقيق إلا مرتفعا ~~بالظرف، وإنما جاز «صائدا به غدا» لأنها حال مقدرة، فالمعنى: معه صقر مقدرا ~~به الصيد، وهى حال من الهاء التى فى «معه»، ومن الحال المقدرة فى التنزيل ~~قوله: {طبتم فادخلوها خالدين} (¬5) أراد: مقدرين الخلود، ومثله: {لتدخلن ~~المسجد الحرام/إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين} (¬6) أى مقدرين ~~التحليق والتقصير، فأما قوله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} ~~(¬7) فقرأ نافع وحده {خالصة} رفعا (¬8)، فمن نصبها جعلها حالا من الذكر ~~(¬9) الذى فى خبر {هي} PageV03P014 # لأن التقدير: هي ثابتة للذين آمنوا [فى الحياة الدنيا (¬1)] فى حال ~~خلوصها لهم يوم القيامة. # ... قال أبو الفتح عثمان: «تقول: مررت بهند جالسة، ولا يجوز: مررت جالسة ~~بهند، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه (¬2)»، وهذا قول جميع النحويين إلا ~~ابن كيسان (¬3)، فإنه أجاز تقديم حال المجرور عليه، واحتج بأن قال: العامل ~~فى الحال على الحقيقة هو مررت، وإذا كان العامل هو الفعل لم يمتنع تقديم ~~الحال، واحتج أيضا بقوله جل وعز: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} (¬4) قال: ~~أراد إلا للناس كافة، أى إلى الناس، يقال: خرج القوم كافة، ولقيتهم كافة، ~~كما قال تعالى: {ادخلوا في السلم كافة} (¬5). # وعلة النحويين فى امتناعهم من هذا أن العامل فى الحال هو العامل فى ذى ~~الحال فى الأكثر، فالعامل فى الحال هاهنا هو الجار؛ لأنه عمل فى لفظ ذى ~~الحال، ولم يكن كالفعل الذى عمل فى الموضع، وقاس النحويون الخافض على ~~الرافع والناصب، فلما خالفهما ألزموا حال المخفوض التأخير، وذلك أن الرافع ~~والناصب يتقدم الحال عليهما؛ لأن المرفوع والمنصوب يجوز تقديمه عليهما، ~~تقول: خرج زيد مسرعا، وزيد خرج مسرعا، فلما جاز تقديم زيد على خرج، ms518 جاز ~~تقديم الحال عليه، فقيل: مسرعا خرج زيد، وتقول فى عامل النصب فى ذى الحال: ~~ضربت PageV03P015 # زيدا مشدودا، وزيدا ضربت مشدودا، فجاز لذلك: مشدودا ضربت زيدا، فقد رأيت ~~كيف جاز تقديم ذى الحال المرفوع على الرافع، وذى الحال المنصوب/على الناصب، ~~ولا يمكن تقديم المخفوض على الخافض، فامتنع لذلك تقديم الحال على ذى الحال ~~المخفوض. # وقال أبو القاسم الثمانيني: قد أجاز بعض النحويين تقديم حال المجرور ~~عليه، وقال: إن العامل فى الحال هو الفعل، والفعل متصرف فى نفسه، فينبغى أن ~~يتصرف معموله، فيجوز تقديم الحال على صاحبها، قال: وهذا الذى ذكره ليس ~~بصحيح؛ لأن الفعل عمل فى الجار والمجرور جميعا، وقد صارا كالشيء الواحد، ~~فإن جاز أن يتقدم الحال عليهما وجب أن تكون لهما معا، ومحال أن يكون للحرف ~~حال. انتهى كلامه. # وأما ما تعلق به ابن كيسان من قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} ~~فإن {كافة} ليس بحال من الناس، كما توهم، وإنما هو على ما قاله أبو إسحاق ~~الزجاج: حال من الكاف فى {أرسلناك} والمراد (¬1) كافا، وإنما دخلته الهاء ~~للمبالغة فى الوصف، كدخولها فى علامة ونسابة وراوية، أى أرسلناك لتكف الناس ~~عن الشرك وارتكاب الكبائر. # ... ومن مسائل الحال: ضربى زيدا قائما، التقدير: إذ كان قائما، إن قيل ~~هذا وقد مضى ضربه، وإذا كان قائما، إن قيل هذا وضربه متوقع (¬2). PageV03P016 # وقول المتنبى: # بحب قاتلتى والشيب تغذيتى ... هواى طفلا وشيبى بالغ الحلم (¬1) # في موضع «هواى وشيبى» من الإعراب قولان، الأول: أنهما مبتدءان، وطفلا ~~وبالغ الحلم، حالان سدا مسد الخبرين، والتقدير: هواى إذ كنت طفلا، وشيبي إذ ~~كنت بالغ الحلم، كما تقول: انطلاقك مسرورا، وشربك السويق ملتوتا، أى إذ كنت ~~مسرورا، وإذا كان ملتوتا، وإنما يقدر «إذ وإذا» على ما قررته بحسب ما ~~يقتضيه الكلام من المضى والاستقبال، و «كان» المضمرة هاهنا هى/ المكتفية ~~بمرفوعها (¬2). # والقول الثانى: أن «هواى وشيبى» مجروران على البدل من «حب قاتلتى» و ~~«الشيب»، كما تقول: مررت بأخيك وغلامك زيد وخالد، فالتقدير: تغذيتى بحب ~~قاتلتى والشيب (¬3)، بهواى ms519 طفلا، وبشيبي بالغ الحلم، ويعمل فى الحالين على ~~هذا القول المصدران، كأنك قلت: بأن هويت طفلا، وبأن شبت بالغ الحلم، وهذا ~~قول علي بن عيسى الربعى، والأول قول ابن (¬4) جنى، وكلا القولين سديد. # وإضافة «بالغ» إلى «الحلم» كإضافته فى قول الله جل ثناؤه: {هديا بالغ ~~الكعبة} (¬5). # ... PageV03P017 # وتقول: «لقيت زيدا مصعدا منحدرا (¬1)، فتجعل «مصعدا» حالا من زيد، لأنه ~~ملاصق له، و «منحدرا» حالا من ضميرك؛ ليكون في الكلام فصل واحد، وهو فصلك ~~بزيد وحاله بين التاء وحالها، ولو جعلت «مصعدا» حالا من التاء، و «منحدرا» ~~حالا من زيد، كان فى الكلام فصلان: فصلك بزيد بين التاء وحالها، وهو ~~«مصعدا» وفصلك بمصعدا بين زيد وحاله، التى هى «منحدرا». # ... وتقول: أحسن ما يكون زيد قائما «ما» هذه هى المصدرية، فقولك: # «ما يكون» بمعنى الكون، و «كان» هى التامة، ولما أضفت «أحسن» إلى المصدر ~~صار مصدرا، وقد ذكرت فيما تقدم (¬2) أن «أفعل» هذا لا يضاف إلا إلى ما هو ~~بعض له، وخبر هذا المبتدأ محذوف، و «قائما» نصب على الحال، وسدت الحال مسد ~~الخبر، وجاز ذلك؛ لأنها بعض الخبر وأنت قد تحذف الخبر بأسره، فحذف بعضه ~~أسهل، والتقدير: أحسن ما يكون زيد إذا كان قائما، والعامل فى الظرف اسم ~~فاعل محذوف، تقديره ثابت إذا كان قائما، وقد ذكرت أن «كان» المقدرة هى ~~التامة، فالمعنى: إذا وجد قائما، ولو كانت الناقصة، لسمع فى هذا المنصوب ~~التعريف، فهذا يبطل قول من قال (¬3) إن خبر «كان» والمفعول الثانى من باب ~~«ظننت» ينتصب على الحال، ألا ترى أنك/تقول: ظننته إياك، وتقول: # رأيت رجلا يعدو، فتقول: كنته. # ... PageV03P018 # وتقول: أرخص ما يكون البر مدان بدرهم، الرفع في هذا أجود، والنصب جائز، ~~مدان مبتدأ، وبدرهم خبره، والعائد محذوف، تقديره: منه، والجملة من المبتدأ ~~والخبر فى موضع نصب على الحال، والنصب على تقدير: إذا كان، أى إذا وجد ~~مسعرا، مدين بدرهم، حذفت الحال وبقى معمولها. وتقول: «سادوك كابرا عن كابر ~~(¬1)» والمعنى كبيرا بعد كبير، فعن فى هذا الموضع بمعنى «بعد»، التى ظهرت ms520 ~~فى. قول القائل: # بقية قدر من قدور توورثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر (¬2) # وتقول: بينت له حسابه بابا بابا، أى مفصلا، لا بد من تكرير «بابا» لئلا ~~يظن أن حسابه كله باب واحد، وتقول: بعته ناجزا بناجز، ويدا بيد، والمعنى: # بعته نقدا لا بنسيئة (¬3)، وكلمته فاه إلى فى، أى جاعلا فاه إلى فى، ~~فحذفوا الحال، وبقى معمولها، كما جاء فى التنزيل: {وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه} (¬4) أى مرسلا إلى فرعون، ~~والمعنى: # كلمته مشافها، ويجوز: كلمته فوه إلى في، أى كلمته وهذه حاله (¬5)، ولا ~~يجوز على هذا: بعته يد بيد، لأنك لا تريد: بعته ويده بيدى، وإنما تريد: ~~أعطيته وأخذت منه، وأنت تريد في المسألة الأولى المشافهة والقرب، فإذا قلت: ~~وفوه إلى في، فإنما تريد: كلمته وأنا قريب منه. # وتقول: أخذته بدرهم فصاعدا، المعنى: فذهب الثمن صاعدا إلى أثمان شتى، ~~فالعامل في هذه الحال هذا الفعل المقدر، ومعنى هذا أنك ابتعته أولا بدرهم PageV03P019 # ثم زاد الثمن فأخذته بأكثر من ذلك، ولا بد من الفاء لهذا المعنى، ولو جئت ~~مكانها بثم لجاز، ولو جئت بالواو لم يجز؛ لأنك كنت توجب أنك أخذته بدرهم ~~وزيادة من أول شيء (¬1). # وقالوا: جاء القوم الجماء الغفير، بمعنى: جاءوا بأجمعهم، فنصبوهما على ~~الحال، بتقدير زيادة الألف واللام، /وقالوا أيضا: جاءوا جماء الغفير، وجم ~~الغفير، وجما غفيرا، وهذا مؤذن بزيادة الألف واللام فيهما. # والجماء من الجم، وهو الكثير فى قوله تعالى: {وتحبون المال حبا جما} (¬2). # والغفير: من قولهم: غفرت الشىء: إذا غطيته، ومنه الغفر والغفران؛ لأنه ~~تغطية الذنوب، ومنه قيل للكمة من الزرد التى يغطى بها الرأس فى الحرب: ~~مغفر، فأرادوا أنهم جاءوا يغطون الأرض لكثرتهم. # وتأنيث الجماء لتأنيث الجماعة، وتذكير الغفير لتذكير الجمع. # ومما جاء بلفظ التعريف وظاهره أنه حال، وإنما انتصابه انتصاب المصادر ~~قولهم: طلبته جهدك، ورجع عوده على بدئه، أى رجع من حيث جاء، وأرسلها ~~العراك، والتقدير: طلبته تجهد جهدك، ورجع يعود عوده، وأرسلها تعارك ms521 العراك ~~(¬3)، فالحال فى الحقيقة الفعل الناصب للمصدر، قال لبيد، يصف حمارا وحشيا ~~وآتنا: PageV03P020 # فأوردها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدخال (¬1) # أراد: أوردها يعارك بعضها بعضا عند ورودها؛ لتزاحمها على الماء. # وقوله: # ولم يشفق على نغص الدخال # أصل الدخال: أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا، يفعل به ذلك ~~لضعفه، كأن ضعفه منعه من الرى فى الشرب الأول، فينغص عليهما شربهما بإدخاله ~~بينهما. # وروى: على نغض الدخال، والنغض: كثرة الحركة، ومن هذا المعنى قول المتنبى (¬2). # فلا غيضت بحارك يا جموما ... على علل الغرائب والدخال # غيضت: نقصت، يقال: غاض الماء وغضته. والجموم: من الجم، وقد تقدم ذكره. # والعلل: الشرب الثانى # والغرائب: الإبل الغريبة ترد على الحوض، وليست من إبل أهله، ضرب له هذا ~~مثلا، فأراد: أنت كثير العطاء ومعاود له لمن هو مقيم عندك، ولمن يرد عليك ~~غريبا قد ناله قبل ذلك برك، فكان له كالشرب/الأول، وهو النهل، والبر الثانى ~~كالعلل. # ... PageV03P021 # ومن الحال قولهم: هو زيد معروفا، وفى التنزيل: {وهو الحق مصدقا} (¬1) ~~فهذه حال مؤكدة (¬2)؛ لأن الحق لا يكون إلا مصدقا، ومثله: {وهذا صراط ربك ~~مستقيما} (¬3) لأن الاستقامة لزم (¬4) صراط الله؛ ولأن قولك: هو زيد، قد دل ~~على أنه معروف عندك، فجئت بقولك «معروفا» مؤكدا به، قال (¬5): # أنا ابن دارة معروفا بها (¬6) ... نسبى # فهل بدارة يا للناس من عار # ولو قلت: هو زيد قائما، لم يجز؛ لأنه ليس فى «قائم» ما يدل على الأول. ~~والعامل فى «معروفا ومصدقا» وما أشبهه معنى الجملة، ولهذا لا يجيز ~~النحويون: معروفا هو زيد. # ... ومن الحال-وقد تقدم (¬7) هذا الضرب-قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا. # فإن قلت: هذا رطب أطيب منه بسر، فقولك: «أطيب منه بسر» جملة فى موضع ~~الصفة لرطب، ولو قلت: هذا رطب أطيب منه عنب، لم يجز فيه إلا الرفع، لأن PageV03P022 # الرطب لا يتحول فيصير عنبا. وتقول: ما شأنك قائما، فما مبتدأ، وشأنك ~~خبره، وقائما حال، العامل فيها معنى الكلام؛ لأن معنى ما شأنك؟ ما تلابس؟ # فإن قلت: فهلا جعلت العامل ms522 فى الحال ما دل عليه الاستفهام (¬1) من معنى ~~الفعل، فأجزت: هل زيد جالسا فى الدار؟. # قيل: هذا لا يجوز؛ لأن هذه الحروف إنما جاءوا بها نائبة عن الأفعال، فلو ~~أعملوها فى الأحوال كان إعمالها بمنزلة إظهار الفعل، وهم إنما جاءوا بها ~~اختصارا، فأما ليت وكأن ولعل، فاستجازوا إعمالهن فى الأحوال؛ لأنهن أشبهن ~~الأفعال من جهة اللفظ والمعنى، فقوين بهذه المشابهة، فمشابهتهن للفعل من ~~جهة اللفظ بناؤهن على الفتح كبناء الأفعال الماضية عليه، وأن عدة حروفهن ~~كعدة حروف الفعل/الماضى، ثلاثة فما زاد، ومشابهتهن من جهة المعنى أن ليت ~~بمعنى أتمنى، ولعل بمعنى أترجى، وكأن بمعنى أشبه، ولا يجوز فى إن ولكن ما ~~جاز فيهن؛ لأنهما لم يغيرا معنى الكلام، بل أكداه. # وقد أعملوا فى الحال كاف التشبيه، كما أعملوا فيها كأن، فقالوا: زيد ~~كعمرو خاطبا، وبكر كبشر محاربا، وقوة هذا الحرف بأن له حظا فى الاسمية ~~بإسنادهم الفعل إليه، وإدخالهم الجار عليه، فإسناد الفعل إليه فى قول ~~الأعشى: # أتنتهون ولن ينهى ذوى شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل (¬2) # وإدخال الجار عليه فى قول امرئ القيس: PageV03P023 # فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقى (¬1) # ونصبوا به التمييز، فى نحو: زيد كزهير شعرا، وبشر كحاتم جودا، ونصبوه به ~~محذوفا، كقولك: أخوك حاتم جودا، وأبوك النابغة شعرا. # ... PageV03P024 ### | AUTO المجلس الثانى والسبعون # ذكر مواضع تاء التأنيث التى تنقلب فى الوقف هاء # فمن ذلك دخولها للفرق بين المذكر والمؤنث، فى الصفات وغيرها، فالصفات ~~كفاضل وفاضلة، ومحبوب ومحبوبة، وظريف وظريفة، ومكى ومكية، وأشر وأشرة، ~~وقتال وقتالة، ومطراب ومطرابة. # وغير الصفات كمرء ومرأة، وامرئ وامرأة، ألحقوهما ألف الوصل، كما فعلوا ~~ذلك فى ابن وابنة، وأصلهما بنو وبنوة، وقيل: بل بنى وبنية؛ لأن الابن مبني ~~على أبيه، فحذفوا لاميهما وأسكنوا فاءيهما واجتلبوا (¬1) لهما همزة الوصل ~~عوضا مما حذف منهما، كما فعلوا ذلك فى اثنين واثنتين واسم واست. # فإن قيل: فامرؤ وامرأة لم يدخلهما حذف، فما الذى أوجب اجتلاب/ همزة الوصل لهما؟ # قيل: إن الهمزة حرف عليل، يحذف ms523 لاستثقاله تارة، ويبدل تارة، ويلين تارة، ~~فهو موجود كمعدوم، والألف واللام لا يدخلان على امرئ وامرأة، استثقالا ~~لكسرة لام التعريف فيهما لو قالوا: الامرؤ والامرأة، ولم يستثقلوا المرء ~~والمرأة، وفى التنزيل: {يحول بين المرء وقلبه} (¬2) وقد ألحقوا الرجل ~~الهاء، فقالوا: رجلة، قال: PageV03P025 # خرقوا جيب فتاتهم ... لم يبالوا حرمة الرجله (¬1) # وكذلك قالوا: شيخ وشيخة، وغلام وغلامة، قال (¬2): # ومركضة صريحي أبوها ... تهان لها الغلامة والغلام # وقال الآخر (¬3): # كأنها شيخة رقوب # الرقوب من النساء: التى لا يعيش لها ولد، ومثلها المقلات، وقالوا فى ذوات ~~الحافر: برذون وبرذونة، وبغل وبغلة، وحمار وحمارة، ومن السباع: ذئب وذئبة، ~~وكلب وكلبة، وأسد وأسدة، ومن الطير: قمري وقمرية، ومن ذوات. PageV03P026 # الخف: بختى وبختية، ألحقوا فى هذه الأسماء وفيما قدمته من الصفات وفى ~~نظائرهما التاء علما للتأنيث، وكان المؤنث أحق بأن تلحقه العلامة؛ لأن ~~المذكر هو الأصل، والقياس أن الأصل لا يحتاج إلى علامة. # والضرب الثانى: عكس هذا الضرب، وذلك إلحاقهم تاء التأنيث اسم العدد من ~~الثلاثة إلى العشرة، علامة للتذكير، وحذفهم إياها علامة للتأنيث، كقولهم: # ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، وأربعة أحمرة، وأربع آتن، وخمسة أبغل، وخمس ~~بغلات، وستة أثواب، وست ملاحف، وعشرة أرطال، وعشر أواق، كما جاء فى ~~التنزيل، فى العدد المضاف إلى جمع الذكور: {لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء} ~~(¬1)، وجاء/بعكسه: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} (¬2) وقال: {فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} (¬3)، وقال فى عدد ~~الليالى: # {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} (¬4) وعلة ذلك أن أسماء العدد ~~الخالية من علامة التأنيث كذوات العلامة فى التأنيث، فثلاث كأتان وعناق، ~~كما أن ثلاثة كزرافة وبغاثة. # وإذا عرفت هذا فالأصل فى التأنيث أن تكون له علامة، فتأنيث أتان وعناق ~~فرع على تأنيث حمامة وقطاة، ولما كان إلحاق علامة التأنيث أصلا، والتذكير ~~أصلا PageV03P027 # للتأنيث، أعطوا المذكر الذى هو الأصل إلحاق علامة التأنيث الذى هو أصل، ~~فأثبتوها علما للتذكير فى هذا الضرب من العدد. # الزرافة: الجماعة (¬1)؛ قال: # طاروا إليه زرافات ووحدانا (¬2) # والبغاثة (¬3): واحدة البغاث، وهو ما لا ms524 يصيد من الطير، ولا يمتنع أن ~~يصاد، قال: # بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور (¬4) # قد تقدم تفسير المقلات، والنزور: فعول من الشىء النزر، وهو القليل. # والثالث من ضروب التاء: أن تلحق الواحد للفرق بينه وبين الجمع، نحو تمرة ~~وتمر، وشعرة، وشعر، وحمامة، وحمام، وجرادة وجراد، وسحابة وسحاب، وشجرة ~~وشجر، وبقرة وبقر، ونخلة ونخل، ونبلة ونبل، وهذا الضرب إنما هو فى الحقيقة ~~اسم للجمع يدل على الجنس، يجوز تذكيره وتأنيثه، فقد وصفوه بالواحد المذكر، PageV03P028 # وبالواحد المؤنث، ووصفوه بالجمع، فمثال وصفه بالواحد المذكر قوله تعالى: # {والسحاب المسخر} (¬1)، ومثال وصفه بالجمع قوله: {وينشئ السحاب الثقال} ~~(¬2) وقال تعالى فى وصفه بالواحد المؤنث: {أعجاز نخل خاوية} (¬3)، ~~وبالمذكر: {أعجاز نخل منقعر} (¬4) و {جراد منتشر} (¬5)، و {من الشجر ~~الأخضر} (¬6) /وجاء فى وصفه بالجمع، وبالواحد المذكر قول النابغة (¬7): # واحكم كحكم فتاة الحى إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد # قوم يغلطون فيكتبون «واردى الثمد» بالياء، يريدون: واردين. # الثمد: الماء القليل الذى لا مادة له. # وإنما وصفوا هذا الضرب بالمذكر؛ لأنه اسم جنس، لا جمع تكسير، ووصفوه ~~بالمؤنث حملا على معنى الجماعة. PageV03P029 # والضرب الرابع: نقيض هذا الضرب، وهو أن يدل لحاق التاء على الجمع، ~~كقولهم: رجل جمال ورجال جمالة، وبغال وبغالة، وحمار وحمارة، وسيار وسيارة، ~~قال الهذلى: # حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة ... شلا كما تطرد الجمالة الشردا (¬1) # قتائدة: اسم مكان، والبيت آخر القصيدة، فلا يجوز أن تنصب «شلا» بأسلكوهم ~~لئلا تبقى «إذا» بغير جواب ظاهر ولا مقدر، ولكن تنصبه بفعل تضمره، فيكون ~~جواب «إذا» فكأنك قلت: حتى إذا أسلكوهم شلوهم شلا (¬2)، ومثله فى التنزيل: ~~{إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان مارد} (¬3) ~~أراد: وحفظناها حفظا، ومثله: {وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا} (¬4). # ومن هذا الضرب فى أحد القولين قولهم: كمء للواحد، فإذا أرادوا الجمع ~~قالوا: كمأة، وهو الذى حكاه أبو زيد عن منتجع ورؤية بن العجاج، والقول ~~الآخر نقيضه، وهو يروى عن أبى خيرة الأعرابى، قال: الكمأة للواحدة، والكمء ~~للجمع، فكمأة إذن وكمء كنخلة ونخل. ms525 # والخامس: لحاق التاء لغير فرق (¬5)، بل لتكثير الكلمة، وذلك نحو غرفة ~~وبرمة وعمامة وإداوة وقرية وكلية وبهيمة ومدينة وبرية وعلية (¬6) وموماة ~~ومرضاة. PageV03P030 # /والسادس: أن تلحق الكلمة للمبالغة فى المدح والذم، كقولهم فى المدح: # رجل علامة ونسابة وراوية للأخبار، وكقولهم فى الذم: رجل لحانة وهلباجة، ~~وهو الأحمق، ومثله جخابة، بوزن غزالة، وكذلك فقاقة، على زنته، وهو الأحمق ~~المخلط فى كلامه، وقيل فى قوله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} (¬1) ~~وفى قوله: {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} (¬2) إن المراد بالتاء ~~فيهما المبالغة، وكذلك قالوا فى قولهم: خليفة، إن الأصل خليف، والهاء ~~للمبالغة، وقد أشبعت الكلام فى هذا الفن فيما قدمته (¬3). # والسابع: إلحاقها لفظ الجمع توكيدا لتأنيثه، وتغليبا للحمل على الجماعة، ~~كما ألحقت نحو ناقة ونعجة، وذلك على ضربين: ضرب تطرد فيه فتلزمه، وضرب لا ~~تلزمه، فلزومها جاء فى مثالين: أفعلة وفعلة، فأفعلة كأجربة وأقفزة (¬4) ~~وأرغفة وأغربة، قال (¬5): # من فوقه أنسر سود وأغربة ... وتحته أعنز كلف وأتياس # وفعلة كإخوة وغلمة وصبية وخصية وعلية، جمع خصي وعلي، ومنه نيرة وجيرة، ~~وقيعة، فى جمع نار وجار وقاع، كما جاء فى التنزيل: {كسراب بقيعة} (¬6) ~~وقالوا فى جمع شيخ: شيخة. PageV03P031 # والضرب الذى لا تلزمه مثالان أيضا: فعال وفعول، فدخولها فى فعال نحو ~~قولهم: حجارة وجمالة وذكارة وفحالة، وفى التنزيل: {ترميهم بحجارة من سجيل} ~~(¬1) وفيه: «كأنه جمالات صفر» (¬2) ودخولها فى فعول نحو قولهم فى جمع عم ~~وخال وبعل: عمومة وخئولة وبعولة، وفى جمع صقر: صقورة، وقالوا أيضا: فحولة ~~وذكورة، وفى التنزيل: {وبعولتهن أحق بردهن} (¬3) وقال الشاعر: # يدفن البعولة والأبينا (¬4) # وهى فى بعض هذه الكلم أكثر استعمالا، فاستعمالها فى العمومة والخؤولة ~~والبعولة أكثر، وكذلك الحجارة والذكارة. # /والضرب الثامن: لحاقها على ما كان من الجمع على مثال مفاعل كيلا (¬5) ~~للدلالة على معنى النسب، كقولهم: المهالبة والأزارقة والأشاعثة والمناذرة، ~~فى النسب إلى المهلب بن أبى صفرة، ونافع بن الأزرق، ومحمد بن عبد الرحمن بن ~~الأشعث بن قيس، والمنذر بن الجارود، وكذلك المسامعة والأشاعرة، فى النسب ~~إلى مسمع (¬6) PageV03P032 # والأشعر (¬1)، جمعوا ms526 المهلبى والأزرقى والأشعري والأشعثى والمنذرى ~~والمسمعى، بحذف ياء النسب، وعوضوا منها تاء التأنيث، وقد فعلوا ذلك فى جمع ~~التصحيح، فقالوا: الأشعرون والأشعثون، ونحو ذلك، وعليه جاء فى التنزيل: # {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} (¬2) قيل: أراد الأعجميين. # والتاسع: لحاقها ما كان على هذا المثال من الأعجمية المعربة للدلالة على ~~العجمة، نحو الجواربة والموازجة، جمع الجورب والموزج، وهو الخف، وكذلك ~~الطيالسة والصوالجة، والكرابجة، جمع الكربج، وهو الحانوت، وأصله بالفارسية ~~كربه، كما أن الموزج أصله موزه. # وقد جاء فى هذا الضرب اسمان، اجتمع فيهما ما افترق فى المهالبة والكرابجة ~~من النسب والعجمة، وهما السبابجة (¬3) والبرابرة، فأفادا معنى السبيجيين ~~والبربريين، واحدهم سبيجى وبربرى، فلحاق تاء التأنيث لهما أوكد من لحاقها ~~لما لم يجتمع فيه المعنيان. # والسبابجة: قوم من السند يستأجرون ليكونوا فى السفينة كالبذرقة (¬4). # وإنما اجتمع التعريف والنسب فيما ذكرناه من لحاق تاء التأنيث؛ لاتفاقهما ~~فى النقل من حال إلى حال، فالنسب يصير به الاسم وصفا بعد أن لم يكن كذلك، ~~ويصير به بعد تعريف العلمية نكرة، والتعريف ينقل الأعجمى إلى حيز العربى. PageV03P033 # ونقول بعبارة أخرى: لحقت تاء التأنيث مفاعل دالة على النسب، نحو ~~المهالبة، ولحقت الأعجمي المعرب، نحو الموازجة؛ لمشابهة العجمة للنسب، من ~~حيث كان/النسب ينقل الاسم من العلمية إلى الوصفية، والعجمى منقول بالتعريف ~~إلى العربية. # والعاشر: ما دخلته التاء من الجمع الذى جاء على مثال من هذه الأمثلة، ~~عوضا من يائه، كقولهم فى جمع زنديق وفرزان وجحجاح، وهو السيد، وتنبال، وهو ~~القصير: زنادقة وفرازنة (¬1) وجحاجحة وتنابلة، فالتاء فى هذا الضرب معاقبة ~~للياء التى فى زناديق وفرازين وجحاجيح وتنابيل، فهى عوض منها، فلا يجوز ~~إخلاؤه منهما معا، ومنه قولهم فى جمع إنسان: أناسية، التاء بدل من ياء ~~أناسى، هذا أصله، كما جاء فى التنزيل: {وأناسي كثيرا} (¬2). # والحادى عشر: ضرب من الجمع جاء على مثال مفاعل كيلا (¬3)، ودخلته التاء ~~تغليبا لمعنى الجماعة، ولم تلزمه، وذلك قولهم فى جمع صيقل وصيرف وقشعم: # صياقلة وصيارفة وقشاعمة، والصياقل والصيارف والقشاعم أكثر. والقشعم: # المسن، وأكثر ما يستعمل فى ms527 النسور. # وهذا الضرب نظير فعال وفعول، فى قولهم: جمالة وبعولة، إلا أنى أفردته ~~لمقاربته للأمثلة التى جاءت على مثال مفاعيل، ومنه الملائكة والملائك، ~~والملائكة أكثر، قال أمية بن أبى الصلت (¬4). PageV03P034 # وكأن أجنحة الملائك حوله # وللنحويين فى أصل «ملك» قولان، قال بعضهم: أصله ملأك، واحتج بقول الشاعر: # فلست لإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب (¬1) # وقال آخرون: أصله مألك، مأخوذ من الألوك والمألكة [والمألكة (¬2)] وهى ~~الرسالة، وقول الشاعر: «لملأك» كان الوجه أن يقول: لمألك، ولكنه قلب فقدم ~~اللام وأخر الهمزة، فوزنه معفل. # والثانى عشر: أربعة أمثلة من المصادر، لحقتها تاء التأنيث عوضا من محذوف: # /فالأول: مصدر وعد يعد، ووزن يزن ونظائرهما، فهذا الضرب له مصدران، الأصل ~~منهما وزنه فعل: وعد ووزن، والآخر وزنه فى الأصل فعل، مثل جذع، وعد ووزن، ~~فأعلوه بحذف فائه لأمرين، أحدهما كسر واوه، والآخر كونه مصدر فعل معتل ~~محذوف الفاء، فصار إلى عل: عد وزن، فعوضوه من فائه التاء، فقالوا: عدة وزنة. # والمصدر الثانى: مصدر أفعل المعتل العين، نحو أقام وأعان، وأباع فرسه: ~~إذا عرضه للبيع، أصل مصدر هذا الضرب البناء على إفعال، قياسا على الصحيح: # إقوام وإعوان وإبياع، كإكرام وإحسان، فحملوه على فعله فى الإعلال؛ لأن من ~~شأن المصادر أن تتبع أفعالها فى التصحيح والإعلال، فألقوا فتحة عينه على ~~فائه، ثم قلبوا العين ألفا لتحركها فى الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ~~ألفان؛ المنقلبة عن العين، وألف إفعال، فحذفوا ألف إفعال؛ لأنها زائدة، ~~فصار إلى إقام وإعان وإباع، PageV03P035 # فألحقوه تاء التأنيث عوضا من المحذوف، فقالوا: إقامة وإعانة وإباعة، ~~وربما أسقطوا هذه التاء إذا أضافوه، كما جاء فى التنزيل: {وأقام الصلاة} (¬1). # والمصدر الثالث: مصدر استفعل، المعتل العين، نحو استقام واستعان واستبان، ~~كان قياسه: استقوام واستعوان واستبيان، فأتبعوه فعله فى الإعلال، فألقوا ~~فتحة العين على الفاء، ثم قلبوا العين ألفا لتحركها فى الأصل وانفتاح ما ~~قبلها الآن، فاجتمع ألفان، المنقلبة عن العين وألف استفعال، فحذفوا الزائدة ~~وعوضوه منها التاء، فقالوا: استقامة واستعانة واستبانة. # والمصدر الرابع: مصدر فعلت ms528 المعتل اللام، يجيء على التفعلة، نحو غطيته ~~تغطية، وعديته تعدية، وفديته تفدية، جاءوا به على هذا المثال مخالفة لمصدر ~~فعلت الصحيح اللام؛ لأنه جاء على التفعيل، نحو قطعته تقطيعا، وكسرته ~~تكسيرا، / {وكلم الله موسى تكليما} (¬2) وكذلك المعتل الفاء، نحو وجهته ~~توجيها، والمعتل العين نحو عودته تعويدا، وغيبته تغييبا (¬3)، فكرهوا ~~التفعيل فى المعتل اللام فلم يقولوا: التغطى والتعدى، استثقالا لتضعيف ~~الياء، فحذفوا ياء التفعيل وعوضوا منها تاء التأنيث، كما عوضوها فى باب ~~الإقامة والاستقامة. # وقد جاء لبعض أبنية الأفعال مصدران، مذكر، ومؤنث، ولم تدخله التاء عوضا ~~من محذوف، وذلك مثالان: فعللت وفاعلت، ففعللت نحو دحرجته دحرجة، وسرهفته ~~سرهفة، والمصدر الآخر: الدحراج والسرهاف، قال (¬4): PageV03P036 # سرهفته ما شئت من سرهاف # ومعنى سرهفته: حسنت غذاءه. # ومصدر فاعلت المذكر: الفعال، والمؤنث: المفاعلة، نحو خاصمته خصاما ~~ومخاصمة، وسابقته سباقا ومسابقة، وكذلك المعتل الفاء، نحو واجهته مواجهة، ~~وواعدته مواعدة. والمعتل العين، نحو غاورته مغاورة، وحاورته محاورة، ~~والمعتل اللام، نحو راميته مراماة، وساميته مساماة. والمضاعف نحو راددته ~~مرادة، وعاززته معازة. # وقال بعض التصريفيين: إن (¬1) تاء التأنيث المزيدة فى نحو الدحرجة ~~والسرهفة زيدت عوضا من ألف الدحراج والسرهاف؛ لأن التذكير هو الأصل. # والضرب الثالث عشر: كل مصدر دخلته التاء لتبيين عدد المرات، فجاء على ~~مثال فعلة، نحو جلست جلسة، وضربت ضربة، وأكلت أكلة، ولبست الثوب لبسة، ~~وركبت فرسك ركبة، كل هذا يراد به المرة الواحدة، فإن كسرت أول شيء منه، ~~فقلت: هو حسن الجلسة والركبة، فإنما تريد الهيئة التى هو عليها فى الجلوس ~~والركوب، وكذلك إذا قلت: خطوت خطوة، وغرفت غرفة، بفتح أوله، أردت المرة، ~~كما جاء فى التنزيل: {إلا من اغترف غرفة/بيده} (¬2) فإن PageV03P037 # ضممت فقلت: الخطوة والغرفة، فالخطوة: ما بين القدمين، والغرفة: ما تأخذه ~~المغرفة (¬1). # والرابع عشر: ما دخلته التاء للازدواج، وذلك فى قولهم: «لكل ساقطة لاقطة» ~~قال أبو بكر محمد بن بشار الأنبارى: معناه: لكل كلمة تسقط من متكلم لا قط ~~لها، يتحفظها، فقيل: لاقطة، لتزدوج الكلمة الثانية مع الأولى، كما قالوا: ~~«إن فلانا يأتينا بالعشايا والغدايا» ms529 فجمعوا الغداة غدايا، لتزدوج مع ~~العشايا (¬2). # ... PageV03P038 ### | AUTO المجلس الثالث والسبعون # ذكر أقسام أي # أى منقسمة فى المعانى إلى ضروب: # أحدها: أن تكون شرطية، كقولك: أيهم يكرمنى أكرمه، وأيهم تكرم أكرمه، نصبت ~~«أيهم» بالشرط، كما جاء فى التنزيل: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} ~~(¬1) ما هذه زائدة للتوكيد، زيدت بين منصوب وناصب، ومجزوم وجازم، ومثل ذلك ~~فى انتصاب «أى» بما بعدها وكونها شرطا قوله: {أيما الأجلين قضيت فلا عدوان ~~علي} (¬2) وتقول: على أيهم تنزل أنزل، تريد: أنزل عليه، فتحذف «عليه» ~~استخفافا، وإن شئت ذكرته. # والقسم الثانى: أن تكون استفهامية، كقولك: أيهم عندك؟ وأي القوم لقيت، ~~وبأيهم مررت، ويعلقون عنها العلم، فيقولون: قد علمت أيهم أخوك؟ ومعنى ~~التعليق: أن الفعل يعمل فى الموضع دون اللفظ، ومنه فى التنزيل: # {ولتعلمن أينا أشد عذابا} (¬3) و {لنعلم أي الحزبين أحصى} (¬4) وتقول: ~~أيهم تظن منطلقا؟ فتعمل فيها الظن لوقوعه بعدها، وإن شئت ألغيته، فقلت: ~~أيهم تظن منطلق؟ وإنما لم يعمل فيها ما قبلها من الأفعال إذا كانت ~~استفهاما، لأن الاستفهام PageV03P039 # له صدر الكلام، /وإعمال الفعل الذى قبلها فيها يخرجها من الصدر، وكذلك ~~إذا كانت شرطية، حكمها فى التصدير حكم الاستفهامية. # ولأي فى الاستفهام إذا أضيفت أحكام، فمنها: إذا أضيفت إلى معرفة كانت ~~سؤالا عن الاسم دون الصفة، وهى بعض المعرفة التى تضاف إليها، كقولك: # أي الرجلين أخوك؟ وأي الرجال قام؟ فأي واحد من الاثنين، ومن الجماعة، ~~فالجواب أن تقول: زيد أو عمرو، أو نحو ذلك، فتجيب بأحد الاسمين أو الأسماء. # وإذا أضيفت إلى النكرة فإنها تكون سؤالا عن الصفة، وتكون بعدد النكرة ~~كلها، فإذا قال: أي رجل أخوك؟ وأي رجل زيد؟ قلت: طويل أو قصير، أو بزاز أو ~~صائغ، أو نحو ذلك، فأجبت بصفة الاسم. # فإذا (¬1) أضيفت إلى نكرتين فقيل: أى رجلين أخواك؟ قلت: سمينان أو ~~هزيلان، أو سمين وهزيل، أو نحو ذلك. # فإذا أضيفت إلى جماعة، فقيل: أي رجال إخوتك؟ قلت: طوال أو قصار، أو بعضهم ~~طوال وبعضهم قصار، ولا يجوز أن تضيف «أيا» إلى ms530 معرفة واحدة، لا تقول: أي ~~الرجل أخوك؟ ولا أي زيد خرج؟ لأنها سؤال عن البعض، والواحد لا يتبعض، وأما ~~فى النكرة فإنها سؤال عن الكل؛ لأن التنكير يقتضى العموم، فلذلك جاز ~~إضافتها إلى نكرة واحدة، فى نحو: أي رجل أخوك؟ # والثالث من أقسامها: أن تكون اسما ناقصا بمعنى الذى أو التى أو الذين أو ~~اللاتى، يلزمه أن يوصل بما يوصل به أحد هذه الأسماء النواقص، من الجمل أو ~~الظروف، كقولك: أي القوم قامت أخته زيد، أى الذى قامت أخته زيد، وأي النسوة ~~خرج أخوها زينب، أى التى خرج أخوها زينب. PageV03P040 # و «أي» معربة فى جميع أحوالها، بخلاف نظائرها من الأسماء التى ضمنت معانى ~~الحروف، كمن وما وأين ومتى، وكم وكيف وأيان وأنى، وإنما أعربوها/حملا على ~~نظيرها، وهو بعض، وعلى نقيضها وهو كل، وسيبويه (¬1) يحكم ببنائها على الضم ~~إذا كانت اسما ناقصا موصولا بجملة ابتداء، والمبتدأ من الجملة محذوف، وهو ~~العائد منها إلى أي، كقولك: أكرمت أيهم صاحبك. # فإن قلت: أكرمت أيهم هو صاحبك، نصبتها وفاقا، وذلك لتمام صلتها. # وإنما حكم ببنائها إذا نقصت صلتها؛ لأنه جعل لتضمنها معنى الحرف تأثيرا ~~فيها، وخص بذلك حال النقص الذى دخلها، كأنها لما حذف المبتدأ العائد عليها ~~من صلتها ضعفت فرجعت إلى البناء الذى استحقه الذى ومن وما، وبقوله قال ~~المازني وجماعة من البصريين، وإلى بنائها ذهب فى قول الله تعالى: {ثم ~~لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} (¬2) لأن التقدير عنده: الذى ~~هو أشد على الرحمن عتيا، أو الذين هم أشد، فالضمة على قوله بناء، وقد حكى ~~مع ذلك أن هارون الأعور القارئ قرأها بالنصب (¬3). PageV03P041 # وفى رفعها قولان آخران، حكاهما سيبويه، أحدهما عن يونس: وهو أنه علق عنها ~~{لننزعن} فرفعها بالابتداء، و {أشد} خبرها، كما ارتفعت فى قوله تعالى: # {ولتعلمن أينا أشد عذابا} (¬1) والخليل وسيبويه منعا من تعليق {لننزعن} ~~لأن النزع فعل علاجى، وإنما يعلق أفعال العلم والشك، واعتذر بعضهم ليونس، ~~فقال: إن النزع قد يكون بالقول. # والقول الآخر فى رفعها ms531 قول الخليل، وهو ارتفاعها على الحكاية، فأيهم ~~مبتدأ وأشد خبره، وتقديره عنده: ثم لننزعن من كل شيعة الذى من أجل عتوه يقال: # أي هؤلاء أشد عتيا، ومثل ذلك عنده قول الشاعر (¬2): # ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم # وهذا عند سيبويه مرفوع بلا، وهى المشبهة بليس، وخبرها محذوف تقديره: # /لا حرج ولا محروم فى مكاني، والجملة خبر أبيت، والياء التى فى مكانى هى ~~العائد من الجملة إلى اسم أبيت، ومن جعله حكاية فخبر أبيت محذوف عنده، وهو ~~المقدر فى قوله: فأبيت بمنزلة الذى يقال له: لا حرج ولا محروم، قال أبو بكر ~~بن السراج، وذكر المذاهب الثلاثة فى الآية: «وأنا أستبعد بناء «أي» مضافة، ~~وكانت مفردة أحق بالبناء، وما أحسب الذين رفعوا أرادوا إلا الحكاية (¬3)»، ~~يعنى من رفعها من العرب إذا حذف المبتدأ من صلتها. # ومما خالفت (¬4) فيه «أي» أخواتها الموصولات حسن حذف المبتدأ من صلتها PageV03P042 # حتى كثر ذلك فى الاستعمال، تقول: أكرم أيهم أفضل، ولا يحسن: أكرم من ~~أفضل، حتى تقول: من هو أفضل، ولا تقول: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ~~ولا يحسن: أكرم الذى أفضل، وإن كان قد قرئ فى الشذوذ: {تماما على الذي ~~أحسن} (¬1). # وفى قوله تعالى: {الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} (¬2) ~~قولان: أحدهما: أن يكون {أيهم} مبتدأ، و {أقرب} خبره، والمعنى: يبتغون ~~الوسيلة إلى ربهم، ينظرون أيهم أقرب فيتوسلون به. # والثانى: أن يكون {أيهم} اسما موصولا، والمبتدأ محذوف من صلته، وهو بدل ~~من الواو التى فى {يبتغون} فالتقدير بإيقاعه موقع الواو: يبتغى إلى ربهم ~~الوسيلة الذى هو أقرب، أو الذين هم أقرب، فالضمة فى {أيهم} إعراب، إلا على ~~مذهب سيبويه، والذى ذهب إليه من بناء «أي» إذا حذف المبتدأ من صلتها، رواه ~~عن العرب باجتماع شرطين، أحدهما: اختصاص ذلك بحال الإضافة، فإن نونوها ~~أعربوها، فقالوا: لقيت أيا أفضل. # والثانى: أنهم لا يبنونها إذا كان العامل فيها جارا، بل يقولون: مررت ~~بأيهم أفضل. هذا قول بعض النحويين الأوائل، ms532 وخص سيبويه بالجار الباء دون غيرها. # ومن العرب من يعربها فى كل أحوالها، يحملونها على القياس، فيقولون: # كلم/أيهم أفضل، يعملون فيها الناصب، ويرفعون الاسم بعدها، على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف. # قال سيبويه: وهى لغة جيدة، نصبوها كما جروها، وعلى هذه اللغة قرأ هارون ~~الأعور {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد}. PageV03P043 # والرابع من أقسامها: أن تكون تعجبا، فلا تضاف إلا إلى النكرات، تقول: # أي رجل زيد! وأي رجلين أخواك! وأي رجال إخوتك! وإن شئت أدخلت قبلها سبحان ~~الله؛ لئلا يلتبس التعجب بالاستفهام، فقلت: سبحان الله، أي رجل زيد! # والخامس: أن تكون مناداة، فيلزمها حرف التنبيه، والوصف بما فيه الألف ~~واللام، تقول: يا أيها الرجل، وإنما جعلوها وصلة إلى نداء ما فيه الألف ~~واللام؛ لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء والألف واللام، ولا يجوز فى ~~صفتها إلا الرفع؛ لأنها صفة لا يجوز الوقف دونها، فهى المناداة فى المعنى، ~~بخلاف الصفة فى قولك: يا زيد الظريف، وفى قوله (¬1): # يا حكم الوارث عن عبد الملك # وأجاز المازنى نصب صفتها حملا على نصب «الظريف» و «الجواد» فى قول جرير (¬2): # فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا # والقياس ما أجمع عليه النحويون، وقد أوضح ما قلته سيبويه، فى قوله: # «وإنما صار وصفه، لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: يا أي، ~~ولا: يا أيها، وتسكت؛ لأنه مبهم يلزمه التفسير، فصار هو والرجل بمنزلة اسم ~~واحد، فكأنك قلت: يا رجل (¬3)». انتهى كلامه. # فإن جئت بعد صفتها بمضاف، فلك فيه الرفع والنصب، تقول: يا أيها الرجل ذو ~~الجمة، على الوصف للرجل، وذا الجمة على البدل من «أي» كأنك PageV03P044 # قلت: يا ذا/الجمة، ويجوز نصبه على استئناف نداء، وعلى هذا يحمل قوله (¬1): # يا أيها الجاهل ذا التنزى ... لا توعدنى حية بالنكز # [ويروى: لا توعدن حية (¬2)]. # التنزى: تسرع الإنسان إلى الشر، ويقال: نكزته الحية نكزا: إذا ضربته ~~بفيها ولم تنهشه. # والسادس: أن تكون «أي» نعتا للنكرة، يراد به المدح، كقولك: مررت برجل أي ms533 ~~رجل، ورأيت رجلا أي رجل، وجاءنى رجل أي رجل، وجاءنى رجلان أي رجلين، ورأيت ~~رجالا أي رجال، وإن شئت أظهرت المبتدأ فقلت: وأي رجل هو، وتقول: مررت برجل ~~أي رجل أبوه، ترفع «أيا» بأنها خبر مقدم، وكذلك تقول فى المعرفة: مررت بزيد ~~أي رجل أبوه، وتقول فى المؤنث: مررت بجارية أية جارية، كما جاء التأنيث فى ~~التنزيل: {يا أيتها النفس المطمئنة} (¬3) وإن شئت اكتفيت بتأنيث الجارية، ~~فقلت: بجارية أي جارية، كما جاء فى التنزيل: {في أي صورة ما شاء ركبك} (¬4) ~~و {بأي أرض تموت} (¬5). # ... PageV03P045 ### || AUTO فصل # يتضمن ذكر أحكام «رب» # فمن أحكامها: أنها وضعت للتقليل، ومن أحكامها أن لها صدر الكلام، بمنزلة ~~ألف الاستفهام، و «ما» النافية؛ لأن تقليل الشىء مضارع لنفيه، وقد استعملوا ~~قل وأقل نفيا، فقالوا: قل رجل يقول ذاك إلا زيد، وأقل رجل يقول ذاك إلا ~~عمرو (¬1)، كما تقول: ما رجل يقول ذاك إلا عمرو، فلذلك ألزموها صدر الكلام، ~~فقالوا: رب رجل جاءنى، ولم يقولوا: جاءنى رب رجل. # ومن أحكامها: دخولها على النكرة دون المعرفة، وأجاز النحويون: رب رجل ~~وأخيه منطلقين، ولم يجيزوا: رب رجل وزيد منطلقين، وإنما أجازوا الأول؛ لأن/ ~~قولك: وأخيه، يقدر: وأخ له. # ومن أحكامها: أنه لا بد للنكرة التى تدخل عليها من صفة، إما اسم، وإما ~~فعل، وإما ظرف، وإما جملة من مبتدأ وخبر، ولا يجوز أن تقول: رب رجل وتسكت، ~~حتى تقول: رب رجل صالح، أو رب رجل يعلم ذاك، أو رب رجل عندك، أو رب رجل ~~أبوه عالم، فأما قول الشاعر (¬2): # إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك ورب قتل عار PageV03P046 # فإنما أراد: هو عار، فحذف المبتدأ من الجملة التى هى صفة لمعمول رب. # ومن أحكامها: أنها تكون لتقليل ما مضى، وما هو حاضر، دون المستقبل، تقول: ~~رب رجل أخبرنا بحاله، ورب رجل يخبرنا الآن، ولا تقول: رب رجل سيخبرنا، ولا: ~~رب رجل ليخبرننا غدا؛ لأن ما لم يقع لا يعرف كميته فيقلل ولا يكثر. # ومن أحكامها: أنها تدخل على ms534 الضمير قبل الذكر، على شريطة التفسير بنكرة ~~منصوبة، كقولهم: ربه رجلا جاءنى، ومعنى ربه رجلا: رب رجل، وليست الهاء ~~بضمير شيء جرى ذكره، ولو كانت ضمير شيء جرى ذكره لكانت معرفة، ولم يجز أن ~~تلي رب، ولكنها ضمير مبهم، فأشبه بإبهامه النكرات؛ لأنك إذا قلت: ربه، ~~احتاج إلى أن تفسره، فضارع النكرات؛ إذ كان لا يخص، كما أن النكرة لا تخص، ~~وهذا الضمير لا يثنى عند البصريين ولا يجمع، ولا يؤنث؛ لأنه ضمير مجهول، ~~يعتمد فيه على التفسير، فيغنى تفسيره عن تثنيته وجمعه، وأجاز فيه الكوفيون ~~التثنية والجمع والتأنيث. # قال أبو سعيد السيرافى: ومما قدم من الضمائر على شرط التفسير: إنه كرام ~~قومك، وإنه ذاهبة فلانة (¬1)، وربه رجلا، وليست الهاء بضمير شيء جرى ذكره، ~~ولكنها ضمير مبهم، أشبه بإبهامه النكرات. # /قال: وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى ربه رجلا: أقلل به فى الرجال: # انتهى كلامه. # ومن أحكامها: أن تلحق بها تاء التأنيث، فيقال: ربت، كما ألحقت بثم، PageV03P047 # ولا، قال ابن أحمر (¬1): # وربت سائل عنى حفى ... أعارت عينه أم لم تعارا # عارت: من العور، أصله عورت، وأراد تعارن، فأبدل من نون التوكيد الخفيفة ~~ألفا فى الوقف، قياسا على التنوين إذا انفتح ما قبله، فى نحو: رأيت زيدا، ~~وقال آخر فى ثم: # ولقد أمر على اللئيم يسبنى ... فمضيت ثمت قلت لا يعنينى (¬2) # وجاء فى التنزيل: {ولات حين مناص} (¬3) أى وليس حين مهرب. # ومن أحكام «رب» تخفيفها فى لغة بعض العرب، قال أبو كبير الهذلى: # أزهير إن يشب القذال فإنه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل (¬4) # الهيضل: جمع هيضلة، وهى الجماعة. # واللجب: الكثير الأصوات. # ومن أحكامها: أنها توصل ب «ما»، فيقع بعدها المعرفة والفعل، وقد قدمت ~~ذكر ذلك (¬5)، وحق الفعل بعدها أن يكون ماضيا أو حالا، على ما قررته قبل، ~~وقد ذكرت PageV03P048 # ما قاله النحويون فى قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} (¬1). # فمن أقوالهم: أنه حكاية حال قد مضت، ومنها إضمار «كان» بعد ربما، وهو ~~أردأ ما قيل فيه، وأجودها أن ربما ms535 فى الآية دخلت على الفعل المستقبل لصدق ~~المخبر سبحانه وعلمه بما سيكون كعلمه بما كان، فإخباره بما لم يكن كإخباره ~~بالكائن، ألا ترى أن قوله تعالى: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} (¬2) جاء فى ~~اللفظ كأنه قد كان، وهو لصدقه كائن لا محالة، ومثله قوله: {ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رؤسهم} (¬3)، وقوله: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ~~ربهم} (¬4). # ... PageV03P049 ### || AUTO سئلت عن معنى قول المتنبي # (¬1) # وأنك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقب بالجواد # فأجبت بأنه استعار الجود للهبات، فأسند «لا تجود» إليها، والمعنى أن ~~هباتك عظمت وتوالت، واحتقر فى جنبها هبات غيرك، فمنعت أن يسمى جواد غيرك جوادا. # ... ### || AUTO وسئلت عن قوله # (¬2) # كتمت حبك حتى منك تكرمة ... ثم استوى فيك إسرارى وإعلانى # كأنه زاد حتى فاض عن جسدى ... فصار سقمى به فى جسم كتمانى # فأجبت بأنه أراد: بالغت فى كتمانى حبك، حتى أنى كتمته منك تكرمة لك. # ويجوز (¬3) أن يكون المعنى: إكراما للحب وإعظاما له، حتى لا يطلع عليه، ~~ثم PageV03P050 # إن إسرارى وإعلانى تساويا، وسبب مساواة الإعلان للإسرار أن الحب أسقمه، ~~فذل نحول جسمه على الحب، ثم قال: كأنه زاد حتى فاض عن جسدى، فشبه حبه بأحد ~~الأشياء المائعات، فوصفه بالفيض، ثم قال: فصار سقمى به فى جسم كتمانى، أى ~~لما أفرط الحب فى الزيادة فصار كالشيء الفائض تعدى سقمى به إلى جسم كتمانى، ~~فأذابه وأضعفه، فلما ضعف الكتمان ظهر الحب؛ لضعف مخفيه. # مخفيه. # وقال أبو الفتح عثمان بن جنى فى تفسير البيت الثانى: كأنه، أى كأن/ ~~الكتمان، فأضمره وإن لم يجر ذكره، لأنه لما قال: كتمت، دل على الكتمان (¬1). # قال: وما علمت أن أحدا ذكر استتار سقمه وأن الكتمان أخفاه، غير هذا ~~الرجل، وهو من بدائعه. # وفى هذا القول اختلال فى الإعراب، وفساد فى المعنى، وتناقض فى اللفظ لو ~~كان الشاعر أراده، وذلك أنه إذا أعدنا الهاء من «كأنه» إلى الكتمان كما ~~زعم، وجب إعادة الضمائر التى بعدها إلى الكتمان أيضا، فصار التقدير: ~~كأن/الكتمان زاد حتى فاض، فصار ms536 سقمى به، أى بالكتمان فى جسم كتمانى، ففى ~~هذا من اختلال الإعراب ما ترى، وفيه أنه جعل الكتمان هو الذى أسقمه، ~~والصحيح أن الحب هو المسقم (¬2) له، ثم إن قوله: ذكر استتار سقمه وأن ~~الكتمان أخفاه، متناقض؛ لمساواة إعلانه لإسراره، فى قوله: # ثم استوى فيك إسرارى وإعلانى # ... PageV03P051 ### | CHECK المجلس الرابع والسبعون ذكر ما جاء فى الذى والتى و [فى] تثنيتهما وجمعهما من اللغات # المجلس الرابع والسبعون # ذكر ما جاء فى الذى والتى و [فى (¬1)] تثنيتهما وجمعهما من اللغات # اختلف النحويون فى أصل «الذى»، فقال البصريون: أصله لذ، بوزن شج وعم ~~(¬2)، وقال بعضهم: إن الألف واللام دخلتا عليه للتعريف، وقال آخرون، وهو ~~الصحيح: بل دخلتا زائدتين لتحسين اللفظ، ولوصف الذى بما فيه الألف واللام، ~~كقولك: مررت بالذى أكرمته الظريف، وجاءنى الذى عندك الطويل، ولم يفعلوا هذا ~~فى «من» إذا كانت موصولة، لم يقولوا: مررت بمن أكرمته الظريف، قالوا: وإنما ~~تعرف «الذى» بصلته كما تعرف «من» و «ما» بصلتهما، وكما تعرف «ذو» فى قول ~~الشاعر: # لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه (¬3) # أى الذى أنا عارقه، بصلته. # وقال الفراء: أصل الذى: ذا، المشار به إلى الحاضر، أرادوا نقله من الحضرة ~~إلى الغيبة، فأدخلوا عليه الألف واللام للتعريف، وحطوا ألفه إلى الياء، PageV03P052 # للفرق بين الإشارة إلى الحاضر والغائب، وهذا قول ظاهر الفساد، وهو من ~~دعاوى الكوفيين، فمن فساده أن «ذا» معرفة بما فيه من الإشارة، فلا حاجة به ~~إلى التعريف بالألف واللام، ثم قوله: «حطوا ألفه إلى الياء، للفرق بين ~~الإشارة إلى الحاضر والغائب» فاسد أيضا؛ لأننا لسنا نجد فى «الذى» إشارة ~~إلى غائب، كما نجد فى «ذلك» وفى «تلك وذانك وأولئك» إشارة إلى غائب، وأقوى ~~وجوه فساده أنه إذا كان أصل «الذى» ذا، بزعمه، فما وجه هذه/اللام المدغمة ~~فيها لام التعريف؟ فقد وضح لك بما ذكرته أن أصل الذى والتى: لذ ولت، كما ~~قال البصريون. # وأما اللغات فيها، فأولها الذى، وهى اللغة العليا. والثانية: الذ، بحذف ~~الياء وإبقاء الكسرة، قال الشاعر: # والذ لو شاء ms537 لكانت برا ... أو جبلا أصم مشمخرا (¬1) # والثالثة: اللذ، بإسكان الذال، قال (¬2): # فظلت فى شر من اللذ كيدا ... كاللذ تزبى زبية فاصطيدا # الزبية: حفيرة يستتر فيها الرجل للصيد. # والرابعة: الذى، بتشديد الياء، قال: PageV03P053 # وليس المال فاعلمه بمال ... وإن أغناك إلا للذى # يريد به العلاء ويصطفيه ... لأقرب أقربيه وللقصبى # والخامسة: استعمالهم «ذا» بمعنى «الذى» (¬1)، وذلك إذا أوقعوه بعد «ما» ~~الاستفهامية، كقولك: ماذا صنعت؟ وماذا معك؟ تريد: ما الذى صنعت؟ وما الذى ~~معك؟ هذا مذهب سيبويه، وفاقا للكوفيين، ومنه فى الشعر قول لبيد: # ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل (¬2) # ومثله فى التنزيل: {ماذا أنزل ربكم} (¬3) قال: معناه: ما الذى أنزل ربكم؟ # والسادسة: أن منهم من يقيم مقام الذى: ذو، ومقام التى: ذات، وهى لغة ~~طيىء، يقولون: زيد ذو قام، وهند ذات قامت، بمعنى التى قامت، قال (¬4): # فإن بيت تميم ذو سمعت به ... فيه تنمت وأرست عزها مضر # و «ذو» موحدة على كل حال، فى التثنية والجمع، وكذلك «ذات»، موحدة مضمومة ~~في كل حال، قال الفراء: سمعت بعضهم يقول: «بالفضل ذو فضلكم الله به، ~~/وبالكرامة ذات أكرمكم الله بها (¬5)». PageV03P054 # ومنهم من يجعل ذو بمعنى الذى والتى، فيقول: هذه هند ذو سمعت بها، ومررت ~~بهند ذو سمعت بها، ورأيت أخويك ذو مررت بهما، ومررت بالقوم ذو سمعت بهم، ~~كما جعلوا «من» للذكر والأنثى وللاثنين والجميع، قال سنان بن الفحل الطائى (¬1): # فإن الماء ماء أبى وجدى ... وبئرى ذو حفرت وذو طويت # قال بعض النحويين (¬2): وربما ثنوا وجمعوا، فقالوا: هذان ذوا تعرف، ~~وهؤلاء ذوو تعرف، وهاتان ذواتا تعرف، وهؤلاء ذوات تعرف، ويضمون التاء على ~~كل حال، قال الفراء: أنشدنى بعضهم: # جمعتها من إبل موارق ... ذوات ينهضن بغير سائق (¬3) # موارق، من قولهم: مرق السهم: إذا نفذ. # فإن ثنيت الذى، ففيه ثلاث لغات: اللذان بتخفيف النون، واللذان بتشديدها، ~~والتشديد لغة قريش، واللذا بحذف النون، قال الأخطل (¬4): # أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا # هذا قول الكوفيين، وقال البصريون: إنما حذف النون لطول الاسم ms538 بالصلة، PageV03P055 # وقد قرئ {والذان يأتيانها} (¬1) بتخفيف النون وتشديدها، فمن شدد جعل ~~التشديد عوضا من ياء الذى، وكذلك من قرأ {فذانك} (¬2) و {هاتين} (¬3) و ~~{هذان} (¬4) بالتشديد، جعله عوضا من الحرف المحذوف فى التثنية، وإنما حذفوا ~~ياء الذى، فلم يقولوا: الذيان، وقالوا فى الشجى ونحوه: الشجيان، للفرق بين ~~المعرب وغير المعرب، وكذلك حذفوا ألف «ذا» فقالوا: ذان، وقلبوا ألف المعرب، ~~فقالوا عصوان (¬5)؛ لما ذكرنا من الفرق. # وزعم الفراء أن ألف ذان، هى ألف ذا، قال: لأنه لا يجوز أن يبقى الاسم ~~غير/المضمر على حرف. والدليل على أنها ألف التثنية انقلابها فى الجر ~~والنصب، وإنما جاز أن يبقى الاسم على حرف؛ لأنه تكثر بألف التثنية ونونها. # وفى جمع «الذى» لغات، أوجهها قول من قالوا: الذين، فى الأحوال الثلاث، هى ~~(¬6) اللغة العليا، لأن القرآن نزل بها، ومنهم من يقول فى الرفع: الذون، ~~وهى لغة هذيل، وعلى هذا أنشد من سمعهم ينشدون هذا البيت: # وبنو نويجية الذون كأنهم ... معط مخدمة من الخزان (¬7) # الخزان: جمع الخزز، وهو ذكر الأرانب. # والمعط: جمع الأمعط، وهو الذى سقط شعره. PageV03P056 # والمخدم: الأبيض الأطراف. # ومنهم من يأتى بالجمع بلفظ الواحد، كما قال (¬1): # وإن الذى حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # وقيل فى قول الله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} ~~(¬2) إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ~~ما حوله ذهب الله بنورهم} (¬3) قيل: إن المعنى: كمثل الذين استوقدوا، فلذلك ~~قيل: {ذهب الله بنورهم} فحمل أول الكلام على لفظ الواحد، وآخره على الجمع. ~~وأما قوله عز وجل: {وخضتم كالذي خاضوا} (¬4) فإن «الذى» هاهنا وصف لمصدر ~~محذوف، تقديره: وخضتم كالخوض الذى خاضوه. # ومنهم من قال فى جمع الذى: الألى، وهذه اللغة تلى الذين فى الفصاحة، قال ~~القطامى (¬5). # أليسوا بالألى قسطوا جميعا ... على النعمان وابتدروا السطاعا # قسطوا: جاروا، ونقيضه: أقسطوا: عدلوا، قال الله تعالى: {وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين} (¬6)، وقال: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} (¬7). PageV03P057 # والسطاع: عمود الخيمة. # وقال عبيد بن الأبرص: ms539 # /نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا (¬1) # أراد نحن الألى عرفتهم، فحذف الصلة، وهو من الضرورات البعيدة. # ومنهم من يقول فى الرفع: هم اللاءون فعلوا كذا، واللاءين، فى الجر ~~والنصب، قال الهذلى: # هم اللاءون فكوا الغل عنى ... بمرو الشاهجان وهم جناحى (¬2) # ومنهم من يقول: اللاءو، بحذف النون، قال الكسائى: سمعت هذيل تقول: هم ~~اللاءو فعلوا كذا وكذا. # ومنهم من يقول: هم اللائى فعلوا، بالياء فى الأحوال الثلاث، قال الفراء: # وهذه اللغة سواء فى الرجال والنساء، ومنهم من يحذف الياء فى الرجال ~~والنساء، فيقول: هم اللاء فعلوا، وهن اللاء فعلن، قال: وأنشدنى رجل من بنى سليم: # فما آباؤنا بأمن منه ... علينا اللاء قد مهدوا الحجورا (¬3) PageV03P058 # وأما التى ففيها أربع لغات: هذه أعلاها. # والثانية: الت، بحذف الياء وإبقاء الكسرة. # والثالثة: الت، بإسكان التاء، أنشد الفراء: # فقل للت تلومك إن نفسى ... أراها لا تعوذ بالتميم (¬1) # التميم: جمع تميمة، وهي التعويذ. # والرابعة: أن منهم من يقيم مقام التى: ذات، كما أن منهم من يقيم مقام ~~الذى: ذو، وهى لغة طيئ، وقد تقدم ذكرها. # وذكر أبو القاسم الثمانيني لغة خامسة، وهى التي، بتشديد الياء، كما قالوا ~~فى المذكر: الذى. # وفى تثنية «التى» ثلاث لغات: اللتان، بتخفيف النون، واللتان بتشديدها، ~~واللتا، بحذفها، أنشد الفراء: # هما اللتا لو ولدت تميم ... لقيل فخر لهم صميم (¬2) # وفى جمعها لغات، أحدها: اللاتى، وفى التنزيل: {واللاتي يأتين الفاحشة/من ~~نسائكم} (¬3). # والثانية: اللات، بحذف الياء وإبقاء الكسرة، قال الأسود بن يعفر (¬4): PageV03P059 # اللات كالبيض لما تعد أن درست ... صفر الأنامل من قرع القواقيز # شبه النساء بالبيض، كما جاء فى التنزيل: {كأنهن بيض مكنون} (¬1). # ومعنى «درست»: حاضت. # والأنامل: أطراف الأصابع. # والقواقيز: الأقداح التى يشرب بها الخمر وغيرها من الأشربة، واحدها: # قاقوزة وقازوزة، وهو القدح الضيق الأسفل. # واللغة الثالثة: اللائى، بالهمزة وإثبات الياء. # والرابعة: اللاء، بكسر الهمزة وحذف الياء، وقد قرئ: {واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم} (¬2) بهاتين اللغتين، وقال الشاعر (¬3): # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا # وقد قرأ بعض القراء ms540 (¬4) بتخفيف الهمزة من اللاء، وقياسها أن تجعل بين بين. # والخامسة: اللا، بحذف الهمزة، قال الكميت (¬5): PageV03P060 # وكانت من اللا لا يعيرها ابنها ... إذا ما الغلام الأحمق الأم عيرا # وقال آخر: # فدومى على العهد الذى كان بيننا ... أم أنت من اللا ما لهن عهود (¬1) # فإن جمعت الجمع، قلت فى اللاتى: اللواتى، وفى اللاء: اللوائى، وقد روى ~~عنهم: اللوات، بحذف الياء وإبقاء الكسرة. # ... PageV03P061 ### || AUTO فصل # يتضمن أقسام «من» # وهى أربعة، أحدها: أنها تكون شرطية، فيحكم عليها بالرفع وبالنصب وبالخفض، ~~فالرفع كقولك: من يكرمنى أكرمه، فمن مبتدأ، والفعلان بعده/ مجزومان بكونهما ~~شرطا وجزاء، والجملة من الشرط والجزاء خبر «من» وقد قيل إن الشرط هو الخبر ~~(¬1)، ومثله: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} (¬2) والنصب كقولك: من تكرم أكرم، ~~فمن مفعول به، والناصب له الشرط دون الجزاء، كما نصب الشرط «أيا» فى قوله: ~~{أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (¬3) فإن أضفت إلى «من» اسما يظهر فيه ~~الإعراب نصبته إذا لم تشغل الفعل بغيره، كقولك: صاحب من تكرم أكرم، فإن ~~شغلت الفعل عنه رفعته بالابتداء، فقلت: صاحب من تكرمه أكرمه. # فأما الجر فى «من» ونظائرها فبحرف جر أو بإضافة اسم إليها، وإنما جاز ~~للجار أن يتقدم على ما لا يتقدم عليه الفعل؛ لأن الجار كالجزء من المجرور. # والقسم الثانى: أن تكون استفهامية، فتحكم عليها بالرفع والنصب والخفض، ~~كما حكمت على الشرطية، تقول: من جاءك؟ فتحكم عليها بالرفع بالابتداء، فإن ~~قلت: من أكرمت؟ حكمت عليها بالنصب؛ لأنك لم تشغل عنها الفعل، فإن قلت: من ~~أكرمت أخاه؟ حكمت عليها بالرفع؛ لأنك شغلت الفعل عنها. # وتقول فى الجر: بمن مررت؟ وصاحب من أكرمت؟ فتعمل أكرمت فى PageV03P062 # المضاف، فإن قلت: صاحب من أكرمت أخاه؟ رفعته بالابتداء، وتقول: من ضرب ~~أخاك إلا زيد؟ فمن هاهنا استفهام فى تأويل النفى، كأنك قلت: ما ضرب أخاك ~~إلا زيد، ومثله فى التنزيل: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} (¬1) كأنه قيل: ليس ~~يغفر الذنوب إلا الله، وجاز هذا لما بين الاستفهام والنفى من المضارعة، ~~بإخراجهما الكلام إلى غير ms541 الإيجاب، تقول: هل زيد إلا صاحبك؟ كما جاء فى ~~التنزيل: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} (¬2). # وتقول: أبا من تكنى؟ فتنصب الأب؛ لأنه مفعول مقدم، ووجب تقديمه لإضافته ~~إلى «من» لأن الاستفهام صدر أبدا، لا يجوز تقدم الفعل العامل فيه عليه. # والثالث من أقسامها: أن تكون موصولة، فتؤدى لإبهامها معنى الذى/والتى ~~وتثنيتهما وجمعهما، ويفرق بين هذه المعانى الضمير العائد إليها من صلتها، تقول: # جاءنى من أكرمته، ومن أكرمتها، ومن أكرمتهما، ومن أكرمتهم، ومن أكرمتهن، ~~فمثال المفرد المذكر فى التنزيل قوله: {ومنهم من يستمع إليك} (¬3)، ومثال ~~المجموع قوله: {ومنهم من يستمعون إليك} (¬4) ومثله: {ومن الشياطين من ~~يغوصون له} (¬5) وجاء فى المثنى قول الفرزدق، وقد ألقى إلى ذئب طرقه كتف ~~شاة مشوية: # تعش فإن عاهدتنى لا تخوننى ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (¬6) # وقد توقع «من» على جماعة فيعاد عليها ضمير مفرد على لفظها، وضمير PageV03P063 # مجموع على معناها، كقولك: جاءنى من أكرمته ولهم علي حق، ومثله فى ~~التنزيل: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} (¬1) وكذلك يعاد إليها ضمير مذكر، حملا على ~~لفظها، ثم يعاد بعده ضمير مؤنث حملا على المعنى، كما جاء فى التنزيل: {من ~~يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب} (¬2) وقال: {ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها} (¬3) وكذلك حكم الإفراد والتثنية، تقول: # أكرمت من أكرمته وأجزلت عطاءهما. # والقسم الرابع: أن تكون «من» نكرة بمعنى إنسان أو ناس، وتلزمها الصفة ~~بمفرد أو بجملة، قال عمرو بن قميئة (¬4): # يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين PageV03P064 # أراد: يا رب إنسان يبغض أذوادنا، وقال حسان: # فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا (¬1) # ويروى: «غيرنا» بالرفع، فمن فى هذه الرواية معرفة؛ لأنها موصولة، ~~والتقدير: على/الذين هم غيرنا، وقال الفرزدق (¬2): # إنى وإياك إذ حلت بأرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور # فمن هاهنا نكرة؛ لأنه وصفها بممطور، كأنه قال: كإنسان ممطور. # وزاد الكسائى فى معانى «من» قسما آخر، فزعم ms542 أنها قد جاءت صلة، يعنى ~~زائدة، وأنشد فى ذلك: # إن الزبير سنام المجد قد علمت ... ذاك العشيرة والأثرون من عددا (¬3) # قال: أراد: والأثرون عددا، وقال غيره: معناه: والأثرون من يعد (¬4) عددا، ~~فحذف الفعل واكتفى بالمصدر منه، كما تقول: ما أنت إلا سيرا، فمن فى هذا ~~القول نكرة موصوفة بالجملة المحذوفة، فالتقدير: والأثرون إنسانا يعد. # وتقول (¬5): غلام من تضرب أضرب، فتجزم الفعلين، وتنصب الغلام بالفعل ~~الأول، لأن الثانى جواب، فإن جعلت «من» استفهاما رفعت الفعل الأول، PageV03P065 # وجزمت الثانى، فقلت: غلام من تضرب أضرب؟ ووجه جزمه أنك جعلته جوابا ~~للاستفهام، كقولك: من الذى أكرمك أحسن إليه؟ فإن جعلت «من» بمعنى الذى، ~~رفعت الفعلين، فقلت: غلام من تضرب أضرب، تنصب الغلام بالفعل الثانى، ~~لأمرين: أحدهما أن الموصول لا يتقدم عليه شيء من صلته، والآخر: أن الفعل ~~الأول واقع على ضمير غيبة يعود على «من». # ... PageV03P066 ### || AUTO بيت سأل عنه أبو الرضا بن صدقة # مكاتبة من الموصل، وهو: # ووحشية لسنا نرى من يصدها ... عن الفتك فضلا أن نرى من يصيدها # أطلق على امرأة هذا الاسم، مبالغة فى تشبيهها بظبية أو مهاة، وهى البقرة ~~الوحشية. # ونفس السؤال أنه قال: علام انتصب «فضلا» وما معناه؟ # فأجبت بأن انتصابه على المصدر، والتقدير: فضل انتفاء أن نرى إنسانا ~~يصدها/عن الفتك بنا فضلا عن رؤيتنا إنسانا يصيدها لنا، ففضل هاهنا مصدر فضل ~~من الشىء كذا: إذا بقيت منه بقية، كقولك: أنفقت أكثر دراهمك والذى فضل منها ~~ثلاثة، وكقولك لإنسان خلص من أمر عظيم ولحقه منه بعض الضرر: # معك فضل كثير، وكذلك وجود إنسان يصيد هذه الوحشية، وانتفاء من يكفها عن ~~الفتك، بينهما فضل كبير، فإذا كان من يكفها عن الفتك معدوما، فكيف يكون من ~~يقدر على صيدها موجودا (¬1). # ... PageV03P067 ### || AUTO سئلت عن قول أبى الطيب # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت فى عين من لا يجرب (¬1) # فقلت: هذا البيت مضمن تشبيه قلة الخيل بقلة الصديق، وإن كانت الخيل فى ~~مرآة العين كثيرة، والأصدقاء كذلك، كثير عددهم، إلا أنهم عند التحصيل ms543 ~~والتحقيق قليلون؛ لأن الصديق الذى يركن صديقه إليه، ويعتمد فى الشدائد عليه ~~قليل جدا، وكذلك الخيل التى تلحق فرسانها بالطلبات وتنجيهم من الغمرات ~~قليلة، ومن لم يجرب الخيل ويعرفها حق معرفتها يراها فى الدنيا كثيرة، وكذلك ~~من لم يجرب الأصدقاء ويختبرهم عند شدته يراهم كثيرين. # والذى أراد الشاعر أن الخيل الأصيلة (¬2) المجربة قليلة، كما أن الصديق ~~الصادق فى مودته الذى يصلح لصديقه فى شدته قليل. # ... قوله فى قصيدته التى أولها: # فى الخد أن عزم الخليط رحيلا # لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا (¬3) # فى معناه وإعرابه إشكال. # وأقول: إن خبر «كان» ومفعول «تعطيهم» الثانى محذوفان، وتقدير خبر كان: ~~لهم، وكذلك العائد إلى الموصول من «تعطيهم» الأول محذوف، فالمعنى PageV03P068 # والتقدير: /لو كان لهم الذى تعطيهموه من قبل أن تعطيهم إياه لم يعرفوا ~~التأميل؛ لأن ذلك كان يغنيهم عن التأميل، وقد كشف أبو نصر بن نباتة هذا ~~المعنى، وجاء به فى أحسن لفظ فى قوله: # لم يبق جودك لى شيئا أؤمله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل (¬1) # ومثله لأبى الفرج الببغاء. # لم يبق جودك لى شيئا أؤمله ... دهرى لأنك قد أفنيت آمالى (¬2) # وكان أبو الفرج وابن نباتة متعاصرين، فلست أعلم أيهما أخذ من (¬3) صاحبه. # ... PageV03P069 ### | AUTO المجلس الخامس والسبعون # ذكر معانى «أو» ومواضعها # «أو» مع لزومها للعطف تدل على معان مختلفة، وإنما قلت مع لزومها للعطف؛ ~~لأن الواو تدل على معان مختلفة إذا فارقت العطف، نحو كونها للحال، وكونها ~~للقسم، وكونها بمعنى «مع» فى نحو: «استوى الماء والخشبة». # فمن معانى «أو» كونها للشك فى نحو: جاءنى زيد أو عمرو، يجوز أن يكون ~~المتكلم بهذا شاكا، ويجوز أن يكون قاصدا بذلك تشكيك مخاطبه. # والثانى: أن تكون للتخيير بين الشيئين، وقصد أحدهما دون الآخر، كقولك: كل ~~سمكا أو اشرب لبنا، أمرته بأن لا يجمعهما، بل يختار أحدهما، وكقولك: تزوج ~~هندا أو بنتها، خيرته فيهما، ولا يجوز أن يجمعهما، ومنه فى التنزيل قوله ~~تعالى: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ms544 كسوتهم أو تحرير ~~رقبة} (¬1) ومثله: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} (¬2) أنت مخير فى جميع ~~هذا، أي ذلك فعلت أجزأك. # والثالث: أن تكون للإباحة، كقولك: تعلم الفقه أو النحو، وجالس الحسن/أو ~~ابن سيرين، واصحب الفقهاء أو النحويين، أى هذا مباح لك، تفعل PageV03P070 # فيه ما شئت على الانفراد والاجتماع، وكذلك إذا نهيته كانت «أو» حظرا ~~للجميع، كما كان فى الأمر إطلاقا، تقول: لا تجالس مغتابا أو كذابا، ومنه فى ~~التنزيل: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} (¬1). # والفرق بين التخيير والإباحة: أنك إذا قلت: جالس فقيها أو نحويا، ~~فجالسهما أو جالس أحدهما، لم يكن عاصيا، وإذا قلت له: كل سمكا أو اشرب ~~لبنا، فجمعهما، كان عاصيا، وكذلك إذا خيرته فى مالك، فقلت: خذ ثوبا أو ~~دينارا، فأخذهما. فقد فعل محظورا، كما لو جمع بين هند وبنتها فى التزوج كان ~~مرتكبا محرما. # ولا يجوز أن تقع «أو» مع الأفعال التى تقتضى فاعلين أو أكثر، وكذلك ~~الأسماء التى تقتضى اثنين فما زاد، لا يجوز: تخاصم زيد أو عمرو، ولا: جلست ~~بين زيد أو عمرو، وكذلك لا تقول: سيان زيد أو بكر، فأما قول الشاعر: # فكان سيان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت السوح (¬2) # فقال أبو علي: «إنما أنسه (¬3) بذلك أنك تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، ~~فيستقيم له أن يجالسهما جميعا». # السى: المثل. # والسوح: جمع ساحة، ومثله ناقة ونوق، ولابة ولوب، واللابة: الحرة، وهى أرض ~~ذات حجارة سود. PageV03P071 # وقوله: «أن لا يسرحوا نعما» معناه: أن لا يرعوا إبلا. وصف سنة ذات جدب، ~~فرعي النعم وترك رعيها سواء. # وإنما قال: «سيان» فرفعه وهو نكرة، وقوله: «أن لا يسرحوا» معرفة (¬1)؛ ~~لأنه أضمر فى «كان» ضمير الشأن. # والرابع: أن تكون «أو» للإبهام، كقول القائل لمن يعلم سامعو لفظه أنه ~~مبطل: أحدنا مبطل أو محق. وقال أبو إسحاق الزجاج فى قول الله تعالى: {وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (¬2) روي فى التفسير: وإنا لعلى هدى ~~وإنكم لفى ضلال/مبين. قال: وهذا فى اللغة ms545 غير جائز، ولكنه يؤول تفسيره إلى ~~هذا المعنى، والمعنى: إنا لعلى هدى أو فى ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو فى ~~ضلال مبين، وهذا كما يقول القائل، إذا كانت الحال تدل على أنه صادق: أحدنا ~~صادق أو كاذب، ويؤول معنى الآية: وإنا (¬3) لما أقمنا من البرهان لعلى هدى ~~وإنكم لفى ضلال مبين. # وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (¬4): قوله: {وإنا أو إياكم لعلى ~~هدى} قال المفسرون: معناه: وإنا لعلى هدى وأنتم فى ضلال مبين (¬5)، قال: ~~وكذلك هو فى المعنى، غير أن العربية على غير ذلك، والمعنى: وإنا لضالون أو ~~مهتدون، وإنكم أيضا لضالون أو مهتدون، والله يعلم أن رسوله المهتدى، وأن ~~غيره الضال، وأنت PageV03P072 # تقول للرجل يكذبك: والله إن أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه (¬1)، فكذبته تكذيبا ~~غير مكشوف، وهذا فى القرآن وكلام العرب كثير؛ أن يوجه الكلام إلى أحسن ~~مذاهبه إذا عرف. # وقال قتادة بن دعامة فى تفسير الآية: قد قال أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم للمشركين: والله ما نحن وأنتم على أمر واحد، وإن أحد الفريقين ~~لمهتد (¬2). # وأقول: إن هذا اللفظ جاء على الإبهام؛ لأن المشركين إذا أفكروا فيما هم ~~عليه عند سماع هذا الكلام الباعث لهم على الفكر، فأجالوا أفكارهم فى إغارات ~~بعضهم على بعض، وسبى ذراريهم، واستباحة أموالهم، وقطع الأرحام، وركوب ~~الفروج الحرام، وقتل النفوس التى حرم الله قتلها، وشرب الخمر الذى يذهب ~~العقول ويحسن ارتكاب الفواحش، وأفكروا فيما النبى صلى الله عليه وآله وسلم ~~والمسلمون عليه، من صلة الأرحام، واجتناب/الآثام، والأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر، وإطعام المسكين، وبر الوالدين، والمواظبة على عبادة الله، علموا ~~أن النبي والمسلمين على الهدى، وأنهم هم على الضلال، فبعثهم ذلك على ~~الإسلام. # فهذه الفائدة العظيمة هى الداعية إلى الإبهام فى هذا الكلام. # والخامس: أن تكون «أو» بمعنى واو العطف، وهو من أقوال الكوفيين، ولهم فيه ~~احتجاجات من القرآن، ومن الشعر القديم. # فمما احتجوا به من القرآن قوله: {لعله يتذكر أو يخشى} (¬3) و {عذرا أو ~~نذرا} (¬4) و {لعلهم يتقون أو ms546 يحدث لهم ذكرا} (¬5) ومن الشعر القديم قول ~~توبة بن الحمير: PageV03P073 # وقد زعمت ليلى بأنى فاجر ... لنفسى تقاها أو عليها فجورها (¬1) # وقول جرير: # أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا (¬2) # أى عدلت هاتين القبيلتين بهاتين القبيلتين، وقول جرير أيضا: # نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر (¬3) # وقول آخر: # قفا نسأل منازل من لبينى ... خلاء بين فردة أو عرادا (¬4) PageV03P074 # وقول ابن أحمر (¬1). # ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما ما غيبتنى غيابيا # أراد: ونصف ثالث؛ لأن لبث (¬2) نصف الثالث لا يكون إلا بعد لبث الشهرين. # وقول لبيد (¬3): # تمنى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر PageV03P075 # قالوا: «أو» هاهنا بمعنى الواو؛ لأنه لا يشك فى نسبه حتى أنه لا يدرى أمن ~~ربيعة/هو أم من مضر، ولكنه أراد بربيعة أباه الذى ولده؛ لأنه لبيد بن ~~ربيعة، ثم قال: أو مضر (¬1)، يريد: ومضر، يعنى مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان، واحتجوا بقول متمم بن نويرة (¬2). # فلو أن البكاء يرد شيئا ... بكيت على بجير أو عفاق # على المرأين إذ هلكا جميعا ... لشأنهما بشجو واشتياق # قال: على المرأين؛ لأنه أراد: على بجير وعفاق، فأبدل اثنين من اثنين، ~~واحتجوا بقول الراجز: # خل الطريق واجتنب أرماما ... إن بها أكتل أو رزاما (¬3) # خويربين ينقفان الهاما ... لم يدعا لسارج مقاما # قالوا: أراد أكتل ورزاما، فلذلك قال: خويربين، ولو كانت «أو» على بابها ~~لقال: خويربا، كما تقول: زيد فى الدار أو عمرو جالس، ولا تقول: جالسان. # وأبطل البصريون الاحتجاج بهذا الشعر بقول الخليل: إن «خويربين» نصب على ~~الشتم، قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الأسدى: # إن بها أكتل أو رزاما ... خويربين ينقفان الهاما # فزعم أن «خويربين» نصب على الشتم، كما انتصب «{حمالة الحطب} (¬4) على ~~الشتم، و: PageV03P076 # النازلين بكل معترك (¬1) # على التعظيم». # أكتل ورزام: لصان كانا يقطعان الطريق بأرمام (¬2)، وينقفان هام من يمر بها. # وخويرب: تحقير خارب، والخارب لص الإبل. # واختلفوا فى قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} (¬3) فقال ms547 ~~بعض الكوفيين: أو بمعنى الواو، وقال آخرون منهم: المعنى: بل يزيدون، وهذا ~~القول ليس بشىء عند البصريين. # وللبصريين فى «أو» هذه ثلاثة أقوال: أحدها قول سيبويه (¬4)، /وهو أن «أو» ~~هاهنا للتخيير، والمعنى: أنه إذا رآهم الرائى يخير فى أن يقول: هم مائة ~~ألف، وأن يقول: أو يزيدون. # والقول الثانى: عن بعض البصريين: أن «أو» هاهنا لأحد الأمرين، على ~~الإبهام. # والثالث: ذكره ابن جنى (¬5)، وهو أن «أو» هاهنا للشك، والمعنى: أن الرائى ~~إذا رآهم شك فى عدتهم لكثرتهم. PageV03P077 # ومن زعم أن المعنى: بل يزيدون، قال مثل ذلك فى قوله: {فهي كالحجارة أو ~~أشد قسوة} (¬1) وفى قوله: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} (¬2) ~~وقوله: {فكان قاب قوسين أو أدنى} (¬3) ومن قال: إن المعنى: # ويزيدون (¬4)، قال مثل ذلك فى هذه الآي. # والوجه: أن تكون «أو» فيهن للتخيير، أى: إن قلت: إن قلوبهم كالحجارة جاز، ~~وإن قلت: إنها أشد قسوة جاز، وعلى هذا تقدير الآيتين الأخريين (¬5)، ويجوز ~~أن تكون «أو» فيهن للإبهام. # والسادس من معانى «أو»: أن تكون بمعنى إلا أن، كقولهم: لألزمنه أو يتقينى ~~بحقى، معناه: إلا أن يتقينى، وقال الكوفيون: حتى يتقينى، ومنه قول امرئ ~~القيس (¬6): # بكى صاحبى لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا # فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # ومثله قول زياد الأعجم: # وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما (¬7) PageV03P078 # والسابع: استعمالها بمعنى «إن» الشرطية مع الواو، كقولك: لأضربنك عشت أو ~~مت (¬1)، معناه: إن عشت بعد الضرب وإن مت، ومثله: لآتينك إن أعطيتنى أو ~~حرمتنى، معناه: وإن حرمتنى. # والثامن: أن يعطف بها بعد ألف الاستفهام وهل، فتكون لأحد الشيئين/أو ~~الأشياء، كقولك: أقام زيد أو عمرو؟ معناه: أقام أحدهما؟ وهل تعفو عن زيد أو ~~تحسن إلى أخيه؟ أى هل يكون منك أحد هذين؟ قال الله سبحانه: # {هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون} (¬2) أى هل يكون منهم أخذ ~~هذه الأشياء؟ ومثله: {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ms548 ركزا} (¬3) {أفأنت ~~تسمع الصم أو تهدي العمي} (¬4) وإنما عد هذا قسما على حياله،؛ لأن ~~الاستفهام أخرجه من الشك والتخيير والإباحة. # والتاسع: أن تكون للتبعيض، فى قول بعض الكوفيين، وإنما جعلها للتبعيض؛ ~~لأنها لأحد الشيئين، وذلك فى قول الله سبحانه: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا} (¬5) وهذا القول إنما هو إخبار من الله عز وجل عن الفريقين، وفى ~~الكلام حذوف، أولها: حذف مضاف من أوله، ثم حذف واو العطف، وجملتين PageV03P079 # فعليتين من آخره، وهما قال وفاعله، وكان واسمها (¬1). # فأما تقدير المضاف، فإن قوله: {وقالوا} معناه: وقال بعضهم-يعنى اليهود ~~-كونوا هودا، وتقدير الواو والجملتين: وقال بعضهم: كونوا نصارى، فقام قوله: # {أو نصارى} مقام هذا الكلام. وهذا يدلك على شرف هذا الحرف. ولا يجوز أن ~~تكون «أو» هاهنا للتخيير؛ لأن جملتهم لا يخيرون بين اليهودية والنصرانية. # ... PageV03P080 ### || CHECK من شعر كتاب سيبويه قول خزز بن لوذان السدوسى # من شعر كتاب سيبويه قول خزز (¬1) بن لوذان السدوسى # يا صاح يا ذا الضامر العنس (¬2) # وقول عبيد بن الأبرص الأسدى (¬3): # يا ذا المخوفنا بمقتل شيخه ... حجر تمنى صاحب الأحلام # قال (¬4) أبو سعيد: ذا، فى البيتين للإشارة، وما بعدهما نعت لهما، وهو ~~رفع وإن كان مضافا؛ لأن الأصل فيه غير (¬5) الإضافة. أما البيت الأول ~~فتقديره: يا ذا الضامر عنسه، كما تقول: أيها الضامر عنسه، والبيت الثاني ~~تقديره: يا ذا المخوف لنا، كما/تقول: أيها المخوف لنا، ومثله: يا ذا الحسن ~~الوجه، وتقديره: يا ذا الحسن وجهه، وليس «ذا» بمنزلة يا ذا المال، ويا ذا ~~الجمة، تريد: يا صاحب المال، ويا صاحب الجمة، وهو الذى يكون فى الرفع ~~بالواو وفى الخفض بالياء وفى النصب بالألف، تقول: جاءنى ذو المال، ومررت ~~بذى المال، ورأيت ذا المال، وهو معرفة بإضافته إلى ما بعده، وتقول فى ~~الآخر: جاءنى ذا الحسن الوجه، ومررت بذا الحسن الوجه، ورأيت ذا الحسن ~~الوجه. PageV03P081 # والكوفيون ينشدون: # يا صاح يا ذا الضامر العنس # بخفض «الضامر»؛ لأنهم يضيفون «ذا» إلى الضامر، ويجعلونه بمنزلة: يا ذا ~~الجمة، ويا ذا المال، ويحتجون ms549 لصحة روايتهم بقوله بعد: # والرحل والأقتاد والحلس (¬1) # بخفض الرحل والأقتاد، ويقدرون: يا ذا العنس الضامر والرحل، بمعنى: # يا صاحب العنس، وقالوا: لو كان على ما قاله سيبويه لم يستقم خفض «الرحل»، ~~لأن إنشاد سيبويه برفع «الضامر» إنما يكون بمعنى: يا ذا الضامر عنسه، ~~كقولنا: # يا ذا الحسن الوجه، بمعنى الحسن وجهه، ولا يستقيم فى الرحل إذا عطفناه ~~على العنس، أن تقول: الذى ضمر رحله. # قال أبو سعيد: والذى أنكروه ليس بمنكر؛ لأن هذا من باب قوله: # علفتها تبنا وماء باردا (¬2) # وقوله (¬3): # يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا # على أن تجعل الثانى على ما يليق به، ولا يخرج عن مقصد الأول، فيكون معنى ~~الضامر المتغير، والرحل محمول عليه، كأنه قال: المتغير العنس والرحل، ويدخل ~~الرحل فى لفظ الضامر، لإرادة معنى التغير به. انتهى كلامه. PageV03P082 # وأقول: إن هذا الفن متسع فى كلام العرب، يقدرون للثانى ما يصلح حمله ~~عليه، ولا يخرج به عن المراد بالأول، فيقدرون فى قوله: # يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا # /وحاملا رمحا، كما قدروا (¬1) فى قوله: # علفتها تبنا وماء باردا # وسقيتها. # وقد قيل فى قول الله سبحانه: {والذين تبوؤا الدار والإيمان} (¬2) إن ~~المعنى: وأحبوا الإيمان، وكذلك يقدر فى قول المتنبى (¬3): # ذات فرع كأنما ضرب العن ... بر فيه بماء ورد وعود # ودخان عود؛ لأن العود لا ماء له، وكذلك قوله (¬4): # وقد كان يدنى مجلسى من سمائه ... أحادث فيها (¬5) بدرها والكواكبا # من قال: إنه أراد بالكواكب خصال سيف الدولة، كما قال (¬6): # أقلب منه طرفى فى سماء ... وإن طلعت كواكبها خصالا # فلا بد من تقدير فعل ينصب الكواكب؛ لأن الخصال لا توصف بالمحادثة، ~~وتقديره: وأستضىء الكواكب، أى أستفيد من فضائله، وأقتبس من محاسنه. PageV03P083 # الأقتاد: خشب الرحل، واحدها قتد، وقالوا أيضا فى جمعه: قتود. # والعنس من النوق: الصلبة الشديدة. # لك على مذهب سيبويه فى قوله: «يا ذا الضامر العنس» أن تقول: يا زيد الحسن ~~الوجه، برفع الحسن، والحسن الوجه، بنصبه، كما تقول: يا زيد الحسن والحسن، ~~لأن الإضافة ms550 فى هذا الباب كالإفراد، من حيث كان التقدير: الحسن وجهه. # قول أبى سعيد: إن «الضامر» مضاف إلى «العنس»، صحيح؛ لأن الضامر غير متعد، ~~والاسم الذى بعده فيه ألف ولام، وقوله: إن «المخوف» مضاف إلى ما بعده، سهو؛ ~~لأن المخوف متعد، وليس بعده اسم فيه ألف ولام، وأنت لا تقول: المخوف زيد، ~~فالضمير فى قوله «المخوفنا» منصوب لا مجرور. # ... PageV03P084 ### || AUTO قول أبى الطيب فى سيف الدولة # إذا نحن سميناك خلنا سيوفنا ... من التيه فى أغمادها تتبسم (¬1) # /معدود فى أبياته النادرة، وقد عاب بعض نقاد الشعر قوله: # من التيه فى أغمادها تتبسم # وقال: أخطأ فى هذا، ووضع الشىء فى غير موضعه، وعند من لا ينقد الشعر حق ~~نقده، ولا يلطف فكره للغوامض أن هذا البيت أحسن بيت له، ووجه الأخطاء أنه ~~قال: تتبسم من التيه، وإنما يكون من التيه العبوس، وأن يشمخ الإنسان بأنفه، ~~كذلك يكون التائه المتكبر، وإنما يكون التبسم من المرح والفرح. انتهى كلامه. # وأقول: إن التبسم قد يكون من المعجب بنفسه، التائه على أضرابه؛ استكثارا ~~لما عنده، واستقلالا لما عندهم، فليس ينكر أن يكون التبسم من الإعجاب، فكأن ~~السيوف تبسمت إعجابا بأنفسها، لمشاركة الممدوح لها فى التسمية، فحقرت بذلك ~~الرماح وغيرها من السلاح. # ... PageV03P085 ### || CHECK وأقول في بيت آخر [له] وهو قوله # وأقول في بيت آخر [له (¬1)] وهو قوله: # فيوما بخيل تطرد الروم عنهم ... ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا (¬2) # أنشد أبو زكريا يحيى بن على التبريزي: «بجود يطرد» بالياء، وقال: التاء ~~فى «تطرد» للخيل، والياء فى «يطرد» الثانى للجود. # والصواب عندى إنشاد الثانى بالتاء كالأول، وتكون التاءان لخطاب الممدوح؛ ~~لأمرين: أحدهما: أن خطابه قد جاء قبل هذا البيت وبعده، فمجيئه قبله فى قوله: # هنيئا لأهل الثغر رأيك فيهم ... وأنك حزب (¬3) الله صرت لهم حزبا # وأنك رعت الدهر فيها وريبه ... فإن شك فليحدث بساحتها خطبا # ومجيئه بعده فى قوله: # سراياك تترى والدمستق هارب ... وأصحابه قتلى وأمواله نهبى # والأمر الآخر: أنك إذا جعلت التاءين للخطاب علقت الجارين بالفعلين ~~/اللذين بعدهما، ولم تحتج ms551 إلى تقدير ما تعلقهما به، فكأنك قلت: فيوما تطرد ~~الروم عنهم بخيل، ويوما تطرد الفقر عنهم بجود، وإذا جعلت «تطرد» للخيل، و ~~«يطرد» للجود كان الفعلان وصفين لخيل وجود، أى فيوما بخيل طاردة عنهم ~~الروم، ويوما بجود طارد عنهم الفقر، فلا بد من تقدير ما يتعلق به الباءان ~~على هذا القول، فكأنك قلت: فيوما تحوطهم بخيل تطرد الروم عنهم، ويوما ~~تنعشهم بجود يطرد الفقر عنهم، فالذى ذهبت إليه هو الصحيح الذى لا يخفى إلا ~~على موغل فى التقصير. # ... PageV03P086 ### | AUTO المجلس السادس والسبعون # الكلام فى قول الله عز وجل: {ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا} # (¬1) # يتوجه فى قوله {لك} سؤال، فيقال: لو قيل: ألم نشرح صدرك، كان الكلام ~~مكتفيا، ومثله: {ورفعنا لك ذكرك} فلأى معنى ذكر {لك}؟ # والجواب عن هذا السؤال: أن اللام فى {لك} لام العلة التى تدخل على ~~المفعول من أجله، فى نحو قولك: فعلت ذاك لإكرامك، فإن حذفتها قلت: فعلته ~~إكرامك، كما قال: # متى تفخر ببيتك فى معد ... يقل تصديقك العلماء جير (¬2) # الأصل: لتصديقك، فلما حذف اللام نصب، فإن حذفت المصدر رددت اللام فقلت: ~~فعلت ذاك لك، ومثله: جئت لمحبة زيد، ومحبة زيد، ولزيد، ومنه قول عمر بن أبى ~~ربيعة (¬3): # وقمير بدا ابن خمس وعش ... رين له قالت الفتاتان قوما # أراد: لأجله قالت الفتاتان: قوما. # وإذا عرفت هذا فالمعنى: ألم نشرح لهداك (¬4) صدرك؟ كما قال تعالى: {فمن} PageV03P087 # {يرد الله/أن يهديه يشرح صدره للإسلام} (¬1) فلما حذف المصدر وجب إثبات ~~اللام، وكذلك قوله: {ورفعنا لك ذكرك} أراد: رفعنا لتشريفك ذكرك. # وقوله: {فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا} إنما كررت الجملة توكيدا ~~كقول الشاعر: # وكل حظ امرئ دونى سيأخذه ... لا بد لا بد أن يحتازه دونى (¬2) # وكقول الخنساء: # هممت بنفسى بعض الهموم ... فأولى لنفسى أولى لها (¬3) # وقد جاءت الجملة مكررة فى القرآن بالعاطف، فى قوله تعالى: {أولى لك ~~فأولى. ثم أولى لك فأولى} (¬4). # وإنما كان «العسر» معرفا و «اليسر» منكرا؛ لأن الاسم إذا تكرر منكرا ~~فالثانى غير الأول (¬5)، كقولك: جاءنى ms552 رجل فقلت لرجل جاء بعده: كذا وكذا، ~~وكذلك إن كان الأول معرفة والثانى نكرة، كقولك: حضر الرجل فقلت لرجل: # كيت وكيت، فإن كان الأول نكرة والثانى معرفة، فالثانى هو الأول، كقولك: # مررت برجل فقلت للرجل: افعل كذا، ومثله فى التنزيل: {كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول} (¬6) ومثله: {مثل نوره كمشكاة فيها} PageV03P088 # {مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري} (¬1) فذكر المعرفة بعد ~~النكرة يجرى مجرى ذكر المعرفة بعد المعرفة، كقولك: حضر الرجل فأكرمت الرجل، ~~ولذلك قال ابن عباس رضوان الله عليه: «لن يغلب عسر يسرين» وقد روى هذا ~~الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬2). # وقوله: {وإلى ربك فارغب} جامعت الفاء الواو، متعلقة بما بعد الفاء، ولو ~~وضعت {إلى} فى محلها الذى تستحقه لقيل: وفارغب إلى ربك، ومثله: {وثيابك ~~فطهر. والرجز فاهجر} (¬3) انتصب ما قبل الفاء بما بعدها، وهذا من عجيب كلام ~~العرب؛ /لأن الفاء إنما تعطف، أو تدخل فى الجواب وما أشبه الجواب، كخبر ~~الاسم الناقص، نحو {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم ~~أجرهم} (¬4) وهى هاهنا خارجة عما وضعت له، ومثل ذلك دخولها فى الأمر المصوغ ~~من «كان» مع تقدم الخبر، كقول أبى الطيب (¬5): # ومثل سراك فليكن الطلاب # وإنما جاءوا بها فى هذا النحو ليعلموا أن المفعول أو الخبر وقع فى غير ~~موقعه، فإذا لم يكن فى الكلام الواو ولا غيرها من حروف العطف، كقولك: زيدا ~~فاضرب، فقد قال أبو علي: زيد منصوب بهذا الفعل، وليس تمنع الفاء من العمل، ~~وقال: PageV03P089 # وتسمى هذه الفاء معلقة، كأنها تعلق الفعل المؤخر بالاسم المقدم، وكأنها ~~هنا شبيهة بالزائد، ويدل على أن العامل هو هذا الفعل قولك: بزيد فامرر، لو ~~لم تكن معلقة بامرر هذا لم يجز؛ لأنه لا بد للباء من شيء تتعلق به، ولو ~~علقتها بفعل آخر لاحتجت لهذا الفعل إلى باء أخرى (¬1). انتهى كلامه. # وأقول: إنها زائدة لا محالة فى قوله تعالى: {وثيابك فطهر. والرجز فاهجر} ~~(¬2)؛ لأنك إن لم تحكم بزيادتها أدى ذلك إلى دخول ms553 الواو العاطفة عليها وهى ~~عاطفة، وكذلك «ثم» زائدة فى قول زهير (¬3): # أرانى إذا ما بت بت على هوى ... فثم إذا أصبحت أصبحت غاديا # قال الفراء: ألم نشرح (¬4) صدرك: ألم نلين قلبك، {ووضعنا عنك} PageV03P090 # {وزرك} قال: إثم الجاهلية. وقال الزجاج: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر (¬1). # {الذي أنقض ظهرك} فى كل التفاسير: أثقل ظهرك، وزاد بعضهم: # فتنقضت له العظام، كما يتنقض البيت إذا صوت للوقوع، وزاد آخر فقال: نقص ~~من لحمه، وهو من قولهم للبعير الذى أتعبه السفر والعمل فنقص لحمه: بعير نقض. # {ورفعنا لك ذكرك} قال الفراء: لا أذكر إلا ذكرت معى (¬2). # وقال الزجاج: جعل ذكره عليه/السلام مقرونا بذكر توحيد الله فى الأذان، ~~وفى كثير مما يذكر الله فيه. # وقال قتادة بن دعامة: رفع الله ذكره، فليس خطيب ولا متشهد إلا يبدأ ~~«بأشهد أن لا إله إلا الله» وبعده «وأشهد أن محمدا رسول الله (¬3)». # {فإن مع العسر يسرا} قال الزجاج: كان أصحاب النبي عليه السلام فى ضيق ~~شديد، فأعلمهم الله أنهم سيوسرون، وأنهم سيفتح عليهم، ففتح الله عليهم، ~~وأبدلهم بالعسر يسرا. # {فإذا فرغت فانصب} قال الزجاج: معناه: إذا فرغت من صلاتك فانصب فى الدعاء ~~إلى ربك. # {وإلى ربك فارغب} أى اجعل رغبتك إلى الله وحده، وكذلك قال قتادة، ثم قال: ~~وقال الحسن: أمره الله بأنه إذا فرغ من غزوة أن يجتهد فى العبادة. PageV03P091 # قول (¬1) المتنبى: # يا من لجود يديه فى أمواله ... نقم تعود على اليتامى أنعما (¬2) # حتى يقول الناس ماذا عاقلا ... ويقول بيت المال ماذا مسلما # قال فيه أبو زكريا يحيى بن على التبريزي: عظم الممدوح تعظيما وجب معه ألا ~~يكون خاطبه بقوله: # حتى يقول الناس ماذا عاقلا # وإنما تبع فى ذلك قول أبى نواس (¬3): # جاد بالأموال حتى ... قيل ما هذا صحيح # فظن أنه أراد: ما هذا صحيح العقل، ولعل أبا نواس لم يرد ما ظنه أبو ~~الطيب، وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه. # وأقول: إن أبا نواس لم يرد بقوله: «ما هذا صحيح» إلا ms554 ما ذهب إليه أبو ~~الطيب؛ وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه. # وأقول: إن أبا نواس لم يرد بقوله: «ما هذا صحيح» إلا ما ذهب إليه أبو ~~الطيب؛ لأن أبا نواس قد صرح بهذا المعنى فى قصيدة أخرى، وأتى بلفظة أقبح من ~~اللفظة التى فى البيت الأول، فقال: # جاد بالأموال حتى ... حسبوه الناس حمقا (¬4) PageV03P092 # وتبعه فى ذلك أبو تمام فقال: # ما زال يهذر بالمكارم والندى ... حتى ظننا أنه محموم (¬1) # الهذر: الهذيان، يقال: رجل مهذار. # فعلى هذا المنوال نسج أبو الطيب بيته، فأراد أنه يفرط فى الجود حتى ينسبه ~~الناس إلى الجنون، ولو كان بيت المال مما يصح منه الكلام لقال: ماذا مسلما؛ ~~لأنه فرق أموال المسلمين، ويجوز أن يكون أراد: ويقول خزان بيت المال، فحذف ~~المضاف، كما حذف فى قوله تعالى: {وسئل القرية} (¬2). # والأصل فى هذا قول أعرابى، فيما أنشده الجاحظ فى كتاب الحيوان (¬3): # حمراء تامكة السنام كأنها ... جمل بهودج أهله مظعون # جادت بها عند الوداع يمينه ... كلتا يدى عمر الغداة يمين # ما كان يعطى مثلها فى مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون # الخيم: السجية. والهاء فى «مثله» تعود على الوداع، أى فى مثل ذلك الوقت. # ... من العرب من يذكر السماء، وفى تذكيرها وجهان: أحدهما أنها جمع سماوة، ~~كسحاب وسحابة، ونخل ونخلة. وهذا الضرب من الجمع قد ورد فيه التذكير ~~والتأنيث، فالتذكير فى قوله تعالى: {والسحاب المسخر} (¬4) و {أعجاز نخل} PageV03P093 # {منقعر} (¬1)، والتأنيث فى قوله: {أعجاز نخل خاوية} (¬2). # ويدل على أن السماء جمع إعادة ضمير الجمع إليها فى قوله: {ثم استوى إلى ~~السماء فسواهن} (¬3) كما دل وصف السحاب بالجمع فى قوله: {وينشئ السحاب ~~الثقال} (¬4) على أنه جمع. # والوجه الآخر أن السماء سقف الدنيا، كما قال تعالى: {وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا} (¬5) فمن ذكرها، لأنه ذهب بها هذا المذهب، فهو قول حسن كالأول، ~~وعليهما يحمل قوله تعالى: {السماء منفطر به} (¬6) وقول الشاعر: # فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السحاب (¬7) # ... مما أوقعته العرب موقع غيره لاتفاقهما فى المعنى، الحوادث فى قول ms555 ~~الشاعر: # فإما ترينى ولى لمة ... فإن الحوادث أودى بها (¬8) # أعاد إلى الحوادث ضميرا مذكرا؛ لأنه حمله على الحدثان، من حيث وافقه فى ~~المعنى، كما حمل الآخر الحدثان على الحوادث فى قوله: # ألا هلك الشهاب المستنير ... ومدرهنا الكمى إذا نغير PageV03P094 # وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف النصور (¬1) # إنما منع الأول أن يقول: «فإن الحوادث أودت» كراهية إفساد القافية؛ لأن ~~ألف «أودى» تأسيس، والتأسيس يلزم أبيات القصيدة كلها، والحرف الذى بعده ~~يسمى الدخيل، والذى بعد الدخيل هو الروى، والألف المتطرفة حرف إطلاق ~~القافية. # وقال آخر: # بال سهيل فى الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح وبرد (¬2) # ذكر الضمير الذى فى «برد» لأنه أعاده إلى اللبن، فأما ما جاء فى التنزيل ~~من عود الضمير مذكرا بعد جمع فى قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة ~~نسقيكم مما في بطونه} (¬3) فإن الضمير أعيد إلى النعم وهو واحد الأنعام، ~~وهو مع تذكيره يوقع على جماعة من الإبل، فيقال: لمن هذا النعم؟ كما يقال: ~~لمن هذا القطيع؟ # قال ابن فارس: الفضيخ: أن يشدخ الرطب ثم ينبذ (¬4). والمدرة: السيد. PageV03P095 ### || AUTO وقال المتنبى فى وصف أسد # ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا (¬1) # نصب «حلولا» على الحال، والظاهر أنه حال من «الفريق» والحال من المضاف ~~(¬2) إليه قليل مستضعف، وإن كان قد جاء فى الشعر القديم، كقول تأبط شرا: # سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى ... فيا خير مسلوب ويا شر سالب (¬3) # وكقول الجعدي فى وصف فرس: # كأن حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب (¬4) # وقال أبو علي فى المسائل الشيرازيات: قد جاء الحال من المضاف إليه، فى ~~نحو ما أنشده أبو زيد: # عوذ وبهثة حاشدون عليهم ... حلق الحديد مضاعفا يتلهب (¬5) # انتهى كلامه. # /والوجه فى هذا البيت فيما أراه: أن «مضاعفا» حال من «الحلق» لا من ~~«الحديد»؛ لأمرين، أحدهما: أنه إذا أمكن مجىء الحال من المضاف كان أولى PageV03P096 # من مجيئها من المضاف إليه، ولا مانع فى البيت من كون «مضاعفا» حالا من ~~«الحلق»؛ لأننا نقول: حلق محكم ومحكمة. # والآخر: أن ms556 وصف «الحلق» بالمضاعف أشبه، كما قال (¬1): # يخببن بالحلق المضاعف والقنا # ويجوز أن تجعل «مضاعفا» حالا من المضمر فى «يتلهب» و «يتلهب» فى موضع ~~الحال من «الحلق»، فكأنه قال: عليهم حلق الحديد يتلهب مضاعفا (¬2). # ... وذكر أبو علي فى المسائل الشيرازيات، فى قول أبى الصلت الثقفى: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا (¬3) # أن «دارا» يجوز أن تكون حالا من المضاف، ويجوز أن تكون حالا من المضاف ~~إليه، فإن جعلتها حالا من «الرأس» أعملت فيها «مرتفقا» وإن شئت أعملت فيها ~~«اشرب» وإن جعلتها حالا من «غمدان» أعملت فيها ما فى الكلام من معنى الفعل. ~~قال: ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة فى الأمر العام من أن تكون بمعنى اللام ~~أو بمعنى من، يعنى أنك تعمل فى الحال ما تتضمنه الإضافة من معنى الاستقرار ~~أو الكون، وإنما قال: فى الأمر العام، لخروج باب الحسن الوجه، من ~~التقديرين؛ من حيث لا يصح: الحسن للوجه، ولا الحسن من الوجه. # والحال فى قول الجعدي: «كأن حواميه مدبرا» أقرب إلى الصواب من قول تأبط: ~~«سلبت سلاحى بائسا» لأن الحوامى ما عن أيمان حوافره وشمائلها، فهى بعض ~~المضاف إليه، وليس السلاح بعض ما أضيف إليه. PageV03P097 # فإن قيل: قد جاءت الحال من المضاف إليه فى القرآن، فى قوله عز وجل: # {قل بل ملة إبراهيم حنيفا} (¬1). # فالقول عندى أن الوجه أن تجعل {حنيفا} حالا من الملة/وإن خالفها ~~بالتذكير؛ لأن الملة بمعنى الدين، فجاءت الحال على المعنى؛ ألا ترى أن ~~الملة قد أبدلت من الدين فى قوله: {دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا} (¬2). ~~وقوله هاهنا: # {يظلمون} يحتمل ان يكون وصفا لقوله: {حنيفا} ويحتمل أن يكون بدلا من ~~الملة، ويحتمل أن يكون حالا من {إبراهيم} والعامل فيه ما فى الكلام من معنى ~~الفعل، على ما قرره أبو علي. # والصواب أن تجعل «حلولا (¬3)» حالا من المضمر فى «الفريق» لأن الفريق ~~الجماعة التى تفارق عشيرتها أو غيرهم من الناس. # وقال أبو علي فى مجىء الاسم (¬4) حالا فى قول أبى الصلت: «دارا ms557 منك ~~محلالا»: إن مجىء الاسم حالا كثير، فمنه فى التنزيل: {هذه ناقة الله لكم ~~آية} (¬5). # ومنه قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا (¬6)، وقولهم: «العجب من بر مررنا به ~~قفيزا بدرهم»، وقولهم: مررت بزيد رجلا صالحا. قال: وهذا من طريق القياس بين ~~أيضا؛ لأن الحال إنما هى زيادة فى الخبر، فكما (¬7) أن الخبر يكون تارة ~~اسما وتارة وصفا، كذلك الزيادة عليه. PageV03P098 # وأما انتصاب الملة، فى قوله: {بل ملة إبراهيم} فبفعل مقدر، دل عليه ما ~~قبله؛ لأن قوله: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى} يدل على: اتبعوا اليهودية أو ~~النصرانية، فنصب {بل ملة إبراهيم} بتقدير: بل نتبع ملة إبراهيم. # ... PageV03P099 ### || AUTO مسألة # قال أبو علي فى كتابه الذى سماه التذكرة: قيل لنا: علام عطف قول الله ~~سبحانه وتعالى: {فكرهتموه} من قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه} (¬1). # فقلنا: المعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله، فقوله: {واتقوا ~~الله} عطف على قوله: «فاكرهوا» وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه، كقوله: # {اضرب بعصاك/الحجر فانفجرت} (¬2) أى فضرب فانفجرت، وقوله: # {فكرهتموه} كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء لما فى الكلام من معنى الجواب؛ ~~لأن قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه} كأنهم قالوا فى جوابه: لا، فقال: ~~{فكرهتموه} أى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة، فهو جواب لما يدل عليه ~~الكلام، من قولهم: لا، فالفاء هاهنا بمنزلتها فى الجزاء، والمعنى على: فكما ~~كرهتموه، وإن لم تكن «كما» مذكورة، كما أن قولهم: ما تأتينى فتحدثنى، ~~المعنى: ما تأتينى فكيف تحدثنى؟ وإن لم تكن «كيف» مذكورة، وإنما هى مقدرة. # والقول عندى (¬3) أن الذى قدره أبو علي هاهنا بعيد، لأنه قدر المحذوف ~~موصولا، وهو «ما» المصدرية، وحذف الموصول وإبقاء صلته رديء ضعيف، ولو قدر ~~المحذوف مبتدأ كان جيدا؛ لأن حذف المبتدأ كثير فى القرآن، والتقدير عندى: # فهذا كرهتموه، والجملة المقدرة المحذوفة مبتدئية لا أمرية، كما قدرها، PageV03P100 # فكأنه قيل: فهذا كرهتموه والغيبة مثله، وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها ~~الجملة الأمرية التى هى {اتقوا الله} ولا حاجة بالكلام إلى تقدير جملة ~~أمرية لتعطف عليها ms558 الجملة الأمرية؛ لأن قوله: {واتقوا الله} عطف على الجملة ~~النهيية التى هى قوله: # {ولا يغتب بعضكم بعضا} وعطف الجملة على جملة مذكورة أولى من عطفها على ~~جملة مقدرة، والإشارة فى المبتدأ الذى قدرته، وهو «هذا» موجهة إلى الأكل ~~الذى وصفه الله، كأنه لما قدر أنهم قالوا: لا، فى جواب قوله: {أيحب أحدكم ~~أن يأكل لحم أخيه ميتا} قيل: فهذا كرهتموه، أى فأكل لحم الأخ الميت ~~كرهتموه، والغيبة مثله. فتأمل ما ذكرته تجده أصوب الكلامين، وقد ذكر أبو ~~علي هذه المسألة فى الحجة أيضا. # ... PageV03P101 ### || AUTO / مسألة # إن قيل: لم استتر ضمير الواحد المذكر فى قم ونحوه، وبرز ضمير الأنثى ~~والاثنين والجماعة؟ # فالجواب: أن الفعل لا بدله بقضية العقل من فاعل، ولا يقتضى العقل أن ~~الفاعل لا بد أن يكون مؤنثا، أو لا بد أن يكون مثنى، أو لا بد أن يكون ~~مجموعا، كما أنه لا يقتضى وجوب تذكير الفاعل مع كونه واحدا، فوجب لذلك ~~الفرق بين هذه المعانى بعلامات تختص كل علامة منها بمعنى، ولما لزمهم ~~الفرق، وكان التذكير أصلا للتأنيث، والواحد أصلا لجميع الأعداد، جعلت ~~العلامة للمعنى الطارئ، ليدل تغير اللفظ على تغير المعنى، ولما تميزت ~~الفروع بعلامات، فقيل: قومى وقوما، وقوموا، وقمن، تميز الأصل بقوله: قم؛ ~~لأن عدم العلامة فى الأصل علامة له. # ... PageV03P102 ### || AUTO قول أبى الطيب # فمن كان يرضى اللؤم والكفر ملكه ... فهذا الذى يرضى المكارم والربا (¬1) # الإشارة بهذا، فى نقدى واستخراجى، موجهة إلى ملك الممدوح، لا إلى ~~الممدوح؛ لأمرين، أحدهما: أنه لو أراد الممدوح لقال: # فأنت الذى ترضى المكارم والربا # لأن اللفظ بالخطاب فى مثل هذا أمدح. # والآخر: أنه أشار إلى الملك، فجعل الإرضاء له؛ لأن الإرضاء فى قوله: # فمن كان يرضى اللؤم والكفر ملكه # مسند إلى الملك، كما ترى، فوجب أن يكون الإرضاء الثانى كذلك، فوجه (¬2) ~~الإشارة إليه؛ لأن قوله: «ملكه» قد دل عليه، كما توجهت الإشارة إلى الصبر، ~~فى قوله الله تعالى جده: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} (¬3) ~~لدلالة {صبر} عليه، وكما ms559 عاد الضمير فى «به» إلى «الملك» فى قول القطامى: # /هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والساسة الأول (¬4) # وكانت المقابلة تقتضى أن يقول: يرضى المكارم والإيمان، ليقابل بالإيمان ~~الكفر، كما قابل بالمكارم اللؤم، ولكنه لما اضطره الوزن والقافية إلى وضع ~~لفظة PageV03P103 # «الرب» فى موضع الإيمان، كان ذلك فى غاية الحسن؛ لأن المراد في الحقيقة ~~إرضاء أهل اللؤم وأهل الكفر، وكذلك إرضاء الإيمان إنما يراد به إرضاء أهله، ~~وإرضاء أهله تابع لإرضاء الله جلت عظمته. # ... وقوله: # وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا (¬1) # أى الأبصار تثبت فى خصرها استحسانا له، وتكثر عليه من جوانبه حتى تصير ~~كالنطاق، وهذا منقول من قول بشار بن برد (¬2): # ومكللات بالعيو ... ن طرقننا ورجعن ملسا # أراد أنهن لحسنهن تعلو الأبصار إلى وجوههن ورءوسهن، حتى كأن لهن من ~~العيون أكاليل، فنقل أبو الطيب المعنى من الأعالى والأكاليل، إلى الخصر ~~والنطاق، وكشف السرى الموصلى عن هذا المعنى فى قوله (¬3): # أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق # ... وله وقد وصف سيفا، ثم قال فى وصف يد منتضية: # ومحل قائمه يسيل مواهبا ... لو كن سيلا ما وجدن مسيلا (¬4) PageV03P104 # قال يحيى بن علي التبريزي: «مواهبا» منصوبة؛ لأنها مفعول. # فقلت: لا يجوز أن تكون مفعولا؛ لأن «يسيل» لا يتعدى إلى مفعول به، بدلالة ~~أنه لا ينصب المعرفة، تقول: سال الوادى رجالا، ولا تقول: سال الوادى ~~الرجال، وسالت الطرق خيلا، ولا تقول: سالت الطرق الخيل، فلما لزمه نصب ~~النكرة خاصة، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة، والمميز لا يكون إلا نكرة، ~~ثبت أن قوله: «مواهبا» /مميز، ويوضح هذا لك أنك إذا أدخلت همزة النقل على ~~«سال» تعدى إلى مفعول واحد، تقول: أسال الوادى الماء المعين، فلو كان قبل ~~النقل بالهمزة يتعدى إلى مفعول لتعدى بعد النقل إلى مفعولين. # فإن قيل: إن المميز من شأنه أن يكون واحدا. # قلنا: لعمرى إن هذا هو الأغلب، وقد يكون جمعا، كقوله تعالى: {قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا} (¬1)، وكقوله: {نحن أكثر أموالا وأولادا} (¬2). # ... PageV03P105 ### | AUTO المجلس ms560 السابع والسبعون # ذكر معانى «أم» ومواضعها # فمن ذلك أنها تكون عاطفة بعد ألف الاستفهام، معادلة لها، فتكون معها ~~بمعنى أيهما وأيهم وأيهن، كقولك: أزيد عندك أم بكر؟ معناه أيهما عندك؟ جعلت ~~«الهمزة» مع أحد الاسمين المسئول عنهما، وجعلت «أم» مع الآخر، فهذا (¬1) هو ~~المعادلة، وجواب هذا القول بالتعيين، وذلك أن يقول: زيد، إن كان عنده زيد، ~~أو بكر، إن كان عنده بكر، ومثله: أزيد فى الدار أم بشر أم خالد؟ بمعنى: # أيهم فى الدار؟ وكذلك: أهند حاضرة أم زينب أم سعاد؟ بمعنى أيهن. # فإذا (¬2) كانت المعادلة بين اسمين ومعهما فعل فالأحسن تقديم الاسم، ~~كقولك: أزيد خرج أم محمد؟ ويجوز: أخرج زيد أم محمد؟ فإن كانت المعادلة بين ~~فعلين، فالأحسن تقديم الفعل، كقولك: أضربت زيدا أم شتمته؟ ويجوز (¬3): # أزيدا ضربت أم شتمته؟ # والمعنى الثانى: أن تكون «أم» عاطفة بعد ألف التسوية، كقولك: سواء علي ~~أقمت أم قعدت، وما أدرى أزيد فى الدار أم بشر، وما أبالى أسافر زيد أم ~~أقام، فاللفظ على الاستفهام والمراد به الخبر، /وإنما تريد تسوية الأمرين ~~عندك، قال الله سبحانه: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} (¬4) أى ~~سواء عليهم PageV03P106 # استغفارك لهم وترك استغفارك، ومثله: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} ~~(¬1) {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} (¬2) ومن ذلك قول زهير: # وما أدري وسوف أخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء (¬3) # وقال الحارث بن كلدة الثقفى: # فما أدرى أغيرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا (¬4) # وقال حسان (¬5): # ما أبالى أنب بالحزن تيس ... أم لحانى بظهر غيب لئيم # النبيب: صوت التيس عند النزو. # والثالث: أن تكون مقدرة ببل مع همزة الاستفهام، فتسمى منقطعة، ومن ~~شرائطها أن يقع بعدها الجملة دون المفرد، وأن تأتى بعد الاستفهام بهل ~~وبعدها الخبر، وقد تأتى بعد الهمزة، فمجيئها بعد «هل» كقوله (¬6): # هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم # التقدير: بل أحبلها مصروم؟ ثم قال بعد هذا: # أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم ms561 # جمع بين أم وهل، ولا يجوز الجمع بين استفهامين، ولا يجوز تقدير «هل» ~~هاهنا بقد، كما قدرت بها فى قوا، الآخر: PageV03P107 # سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذى الأكم (¬1) # وكما قدرت بها فى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} (¬2) و {هل أتاك ~~حديث الغاشية} (¬3) وإنما لم تقدر فى البيت بقد؛ لوقوع الجملة المبتدئية بعدها. # /وإذا لم يجز تقديرها بقد، ولم يجز الجمع بين استفهامين، وجب حمل ~~اجتماعهما على ما يصح، وفى ذلك قولان: أحدهما للكوفيين، وهو أنهم يحكمون ~~على «أم» المنقطعة بأنها تكون بمعنى «بل» مجردة من الاستفهام، فالتقدير على ~~هذا: بل هل كبير بكى؟ والبصريون مجمعون على أنها لا تكون بمعنى «بل» إلا ~~بتقدير همزة الاستفهام معها (¬4). # والقول الآخر: أن يكون أحد الحرفين زائدا، دخوله كخروجه، وإذا حكمنا ~~بزيادة أحدهما، فالأولى أن نحكم بزيادة «هل» لوقوعها حشوا؛ لأن الأغلب أن ~~لا يكون الزائد أولا، فالتقدير: بل أكبير بكى؟ # ومعنى «لم يقض عبرته»: لم ينفد ماء شئونه. # ومعنى «مشكوم» مثاب مجازى. # وأما مجىء المنقطعة بعد الهمزة فكقولك: أزيد فى الدار أم جعفر حاضر؟ ~~فالجواب: لا، أو نعم، لأن المعنى: بل أجعفر حاضر؟ # ووقوعها بعد الخبر، كقولك: قام أخوك أم محمد جالس؟ ومن كلامهم: # إنها لإبل أم شاء؟ كأنه رأى أشخاصا من البعد فقال متيقنا: إنها لإبل، ثم ~~أدركه PageV03P108 # الشك فأضرب عن ذلك، فقال: أم شاء، على معنى: بل أهى شاء؟ وإذا ورد فى ~~التنزيل شيء من هذا سمى تركا لكلام وأخذا فى كلام آخر، فمن ذلك قوله تعالى: ~~{الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه (¬1)} ~~المعنى: بل أيقولون افتراه؟ فهو استفهام أريد به تعنيف المشركين، فأما قول ~~الأخطل (¬2): # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا # فإنه أراد: أكذبتك؟ فحذف الهمزة وهو ينويها، ومثله قول عمر بن أبى ربيعة: # لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان (¬3) # أراد: أبسبع؟ # والرابع: أن تكون «أم» زائدة، واستشهدوا على هذا ms562 بقول ساعدة بن جؤية (¬4): # /يا ليت شعرى ولا منجا من الهرم ... أم هل على العيش بعد الشيب من ندم # التقدير: ليت شعرى! هل على العيش من ندم؟ وقال أبو زيد، فى قوله تعالى ~~جده: PageV03P109 # {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين} (¬1): أم زائدة، قال: والتقدير: # أفلا تبصرون، أنا خير من هذا الذى هو مهين، وأنشد قول الراجز: # يا دهن أم ما كان مشيى رقصا ... بل قد تكون مشيتى توقصا (¬2) # قال: المعنى: ما كان مشيى. # وقول سيبويه في الآية: أن «أم» منقطعة، قال: «كأن فرعون قال: # أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، فقوله: أم أنا خير، بمنزلة قوله: أم أنتم ~~بصراء، لأنهم لو قالوا: أنت خير منه، كان بمنزلة قولهم: نحن بصراء، فكذلك ~~أم أنا خير بمنزلة قوله لو قال: أم أنتم بصراء (¬3)»، وهذا التأويل فى «أم» ~~هاهنا أحسن من الحكم بزيادتها. # قول الراجز: «يا دهن» ترخيم دهناء (¬4). # والرقص (¬5): الخبب، عن ابن فارس (¬6). وقال ابن دريد: الرقص: شبيه ~~بالنقزان من النشاط، والقولان متقاربان. # والتوقص: تقارب الخطو، وقيل: شدة الوطء، وكلاهما من فعل الهرم. # ومن مسائل الفرق بين «أم» و «أو» أنه إذا قال: أخرج زيد أو عمرو؟ فمعناه: ~~أخرج أحدهما؟ فجوابه: لا أو نعم، فإن قلت: نعم، فقد أخبرته PageV03P110 # بخروج أحدهما من غير تعيين، فإذا أراد التعيين سأل بأم فقال: أزيد الخارج ~~أم عمرو؟ فالجواب: زيد، إن كان زيد هو الخارج، أو عمرو، إن كان عمرو هو ~~الخارج؛ لأن المعنى: أيهما خرج؟ وكذلك إذا قال: أتصدقت بدرهم أو دينار؟ ~~فجوابه: لا أو نعم، لأن المعنى: أتصدقت بأحدهما؟ فإن قلت: نعم، وطلب منك ~~التعيين قال: أبدرهم تصدقت أم دينار؟ أراد بأيهما تصدقت؟ # ومن مسائل الإيضاح (¬1): آلحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية؟ # /فالجواب: أحدهما، بهذا اللفظ؛ لأنه أراد: أأحد هذين أفضل أم ابن ~~الحنفية؟ ومن هذا قول صفية بنت عبد المطلب، وقد جاءها صبي يطلب الزبير ~~ليصارعه فصرعه الزبير، فقالت له: # كيف رأيت زبرا ... أأقطا أو تمرا # أم قرشيا صارما هزبرا (¬2) # هذه ms563 رواية سيبويه (¬3)، وروى غيره: # أم قرشيا صقرا PageV03P111 # وإنما أدخلت «أو» بين الأقط والتمر؛ لأنها لم ترد أن تجعل التمر عديلا ~~للأقط، بمعنى أيهما؟ ولكنها جعلتهما كاسم واحد، وعادلت بينه وبين قرشى، أى: ~~أحد هذين رأيته أم قرشيا؟ # و «زبر» مكبر الزبير، ويحتمل أن يكون مصدر زبرت الكتاب: إذا كتبته، وأن ~~يكون مصدر زبرت الرجل: إذا انتهرته، وأن يكون مصدر زبرت البئر: إذا طويتها ~~(¬1)، وأن يكون الزبر الذى هو العقل، يقال: ما لفلان زبر: أى عقل. # والأقط: اللبن الرائب يطبخ حتى ينعقد، ثم يجعل أقراصا ثم يجفف فى الشمس. # ... PageV03P112 ### || AUTO مسألة # (¬1) # سأل سائل عن قراءة من قرأ: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} (¬2) برفع ~~«الملائكة»، فقال: ما وجه ذلك؟ # فأجبت بأن رفع «الملائكة» بالابتداء، و {يصلون} خبر عنها، وخبر «إن» ~~محذوف، لدلالة الخبر المذكور عليه (¬3)، فالتقدير: إن الله يصلى على النبى، ~~وملائكته يصلون على النبى، فحذف الخبر الأول لدلالة الثانى عليه، ونظير ذلك ~~قول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف (¬4) # أراد: نحن بما عندنا راضون، فاجتزأ بذكر «راض» عنه، ومثله حذف أحد ~~الخبرين من قول الله جل ثناؤه: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (¬5) ولو كان ~~{أحق} خبرا عنهما لقيل «يرضوهما». # ويجوز أن يكون قوله: {وملائكته} معطوفا على موضع «إن» واسمها؛ PageV03P113 # لأن «إن» من الحروف التى تدخل على الكلام فلا تغير معناه، فموضعها مع ~~اسمها رفع بالابتداء، فالتقدير: الله وملائكته يصلون على النبى. # وأجاز أبو على الحسن بن أحمد الفارسى أن يكون {يصلون} خبرا عن الله ~~تعالى، والخبر عن الملائكة محذوف، والتقدير: إن الله يصلون (¬1) على النبى ~~وملائكته كذلك، وحسن الإخبار عن الله سبحانه بلفظ الجميع تفخيما وتعظيما، ~~كما جاء خطابه بلفظ الجمع فى قوله: {رب ارجعون} (¬2)، وكما جاء إخباره عن ~~نفسه بلفظ الجميع فى كثير من القرآن، كقوله: {نحن نقص عليك} (¬3) و {نحن ~~نرزقك} (¬4) و {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (¬5). # ... روت الرواة بإسناد جمعوه، إلى خريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائى: ~~أنه قال: هاجرت إلى ms564 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منصرفه من تبوك، ~~فأسلمت وعنده يومئذ عمه العباس، فسمعته يقول: إنى أريد أن أقول قولا أثنى ~~عليك به، فقال له: قل يا عم، لا يفضض الله فاك، فأنشأ يقول: # من قبلها طبت فى الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق (¬6) PageV03P114 # ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق # بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق (¬1) # تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق # /حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق # وأنت لما ولدت أشرقت ال ... أرض وضاءت بنورك الأفق # فنحن فى ذلك الضياء وفى الن ... ور وسبل الرشاد نخترق # قوله: «من قبلها»: أى من قبل الخليقة، كنى عن غير مذكور، والعرب تفعل ذلك ~~توسعا واختصارا، وثقة بفهم السامع. # وأقول: إن ضمير الغيبة ينقسم إلى أربعة أضرب، أحدها، وهو الأصل: أن يعود ~~إلى شيء قد تقدم ذكره، كقولك: زيد لقيته، وهند خرجت، وأخواك أكرمتهما، ~~والقوم انطلقوا، وضرب زيد غلامه، ومثله فى التنزيل: {وعصى آدم ربه} (¬2) ~~{ونادى نوح ابنه} (¬3). # والثانى: أن يعود إلى مذكور في سياقة الكلام، مؤخر فى اللفظ، مقدم فى ~~النية؛ لأن رتبته التقديم، كقولك: ضرب غلامه زيد، وكقولهم: «فى بيته يؤتى ~~الحكم (¬4)»، ومثله فى التنزيل: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} (¬5) وقوله: ~~{فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس} (¬6). # والثالث: أن لا يعود على مذكور، ويلزمه أن يفسر بنكرة منصوبة، PageV03P115 # أو بجملة، فالمفسر بالمنصوب المنكور المضمر فى نعم وبئس ورب، كقولك: # نعم رجلا زيد، وبئس غلاما بكر، وربه رجلا أكرمته. # والمفسر بالجملة ضمير الشأن وضمير القصة، وهو على ضربين: مرفوع ومنصوب، ~~فالمرفوع على ضربين: منفصل ومتصل مستتر، فمثال المنفصل: هو زيد منطلق، و ~~{قل هو الله أحد} (¬1) التقدير: الشأن: زيد منطلق، والشأن: الله أحد، وأما ~~المستتر فيضمر فى «كان» كقولك: كان زيد جالس، تريد: كان الشأن: زيد جالس، ~~ومنه قول الشاعر (¬2): # فلا أنبأن أن وجهك شانه ... خموش وإن كان الحميم حميم # /ومثله: # إذا مت كان الناس نصفان ms565 شامت ... وآخر مثن بالذى كنت أصنع (¬3) # أراد كان الشأن: الناس نصفان [والمنصوب (¬4)]، كقولك: إنه زيد شاخص. # ويكون ضمير القصة إذا كان الاسم مؤنثا، كقولك: إنها هند شاخصة، PageV03P116 # هذا هو الأحسن، ويجوز: إنه هند شاخصة، فضمير الشأن فى التنزيل: {إنه أنا ~~الله} (¬1) وضمير القصة: {فإنها لا تعمى الأبصار} (¬2). # وقد جاء ضمير الفاعل مستترا مفسرا بمفعول؛ لأنه لم يعد إلى مذكور، وذلك ~~على مذهب البصريين فى باب إعمال الفعلين، فى نحو: أكرمنى وأكرمت زيدا، ~~أردت: أكرمنى زيد، فأضمرت زيدا ولم تحذفه، كما رأى حذفه الكسائى، وحسن ~~إضماره لدلالة ما بعده عليه. # والضرب الرابع: أن يعود الضمير إلى معلوم قد تقرر فى النفوس، فقام قوة ~~العلم به وارتفاع اللبس فيه مقام تقدم الذكر له، كقوله تعالى: {كل من عليها ~~فان} (¬3) و {ما ترك على ظهرها من دابة} (¬4) أضمر الأرض، وكقوله: {فلولا ~~إذا بلغت الحلقوم} (¬5)، و {كلا إذا بلغت التراقي} (¬6)، أضمر النفس ~~والروح، وكقوله: # {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (¬7)، و {مستكبرين به سامرا تهجرون} (¬8) ~~أضمر القرآن (¬9) والمسجد الحرام، وقال حاتم الطائى: # لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (¬10) PageV03P117 # أراد: حشرجت النفس، أى ترددت، ومنه قول الأخطل: # أخالد هاتى خبرينى وأعلنى ... حديثك إنى لا أسر التناجيا (¬1) # حديث أبى سفيان لما سما بها ... إلى أحد حتى أقام البواكيا # أراد سما بالخيل. # ومن هذا الفن فى أشعار المحدثين قول دعبل بن على، فى إبراهيم بن ~~المهدى/وقد بويع فى العراق: # نفر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كل أطلس مائق (¬2) # إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق # أراد: مضطلعا بالخلافة، يقال: اضطلع فلان بالأمر: إذا قام به. # وشكلة: اسم أمه. # والأطلس: الذئب الأغبر، شبههم بالذئاب الطلس. # والمائق: الأحمق. # ومخارق: مغن كان أوحد فى الغناء. # ومن هذا إضمار الخمر فى قول عبد الله بن المعتز: # وندمان دعوت فهب نحوى ... وسلسلها كما انخرط العقيق (¬3) # ... PageV03P118 # وقوله: «طبت فى الظلال»: أى فى ظلال الجنة المذكورة فى قوله تعالى: # {إن المتقين في ظلال وعيون} (¬1) والظلال: جمع ms566 ظل، وإنما يريد ظل شجرها، ~~ويجوز أن يراد أن الجنة كلها ظل لا شمس فيها، كما قال تعالى: {وظل ممدود} ~~(¬2) وقال: {لا يرون فيها شمسا} (¬3). # وقوله: «فى مستودع» أى فى صلب آدم قبل أن يهبط إلى الأرض، كما قال تعالى: ~~{فمستقر ومستودع} (¬4) أى مستقر فى الأرحام، ومستودع فى الأصلاب. # وقوله «حيث يخصف الورق» يعنى حيث خصف آدم وحواء عليهما الورق حين بدت ~~سوءاتهما، قال تعالى: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} (¬5) والخصف: ضم ~~الشىء إلى الشىء وإلصاقه به، ومنه قولهم: خصفت النعل: أى رقعتها، وصانعها ~~خصاف، والإشفى مخصف. وقوله: # ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق # يعنى هبوطه وهو نطفة فى صلب آدم، لم يصر علقا ولا مضغة. والعلق: # الدم الجامد، والمضغة: القطعة من اللحم. # وقوله: «بل نطفة تركب السفين» يعنى فى صلب نوح، كما جاء فى التنزيل: ~~{وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} (¬6). PageV03P119 # /وحذف الهاء من السفينة يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون حذفها ومراده ~~بالسفين الواحدة، وقد تفعل الشعراء ذلك، ومنه قول أبى طالب (¬1): # وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل # أراد: نائلة، ونائلة وإساف: صنمان. ومنه قول مالك بن حيان: # ولا نجاوركم إلا على ناحى (¬2) # أراد: ناحية. # والثانى: أن يكون أراد بالسفين الجمع، واستعمل الجمع فى موضع الواحد، ~~كقولهم: بعير ذو عثانين (¬3)، وشابت مفارقه، وكقول الشاعر: # والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر (¬4) # استعمل الترائب واللبات فى موضع التربية واللبة. واللبة: موضع القلادة من ~~الصدر، والتربية والتريب أيضا: الصدر، قال (¬5): PageV03P120 # أشرف ثدياها على التريب # فقوله: الترائب واللبات، كأنه جمعهما بما حولهما، وكذلك السفين يكون على ~~تسمية كل جزء من السفينة سفينة. وقوله: # وقد ألجم نسرا وأهله الغرق # أراد بنسر: الصنم الذى كان قوم نوح يعبدونه، وقد ذكره الله تعالى فى ~~قوله: {ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} (¬1)، وأدخل فيه ~~الشاعر الألف واللام زيادة للضرورة، فى قوله: # أما ودماء مائرات تخالها ... على قنة العزى، وبالنسر عندما (¬2) # وما سبح الرهبان ms567 فى كل ليلة ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما # لقد هز منى عامر يوم لعلع ... حساما إذا ما هز بالكف صمما # دماء مائرات: مترددات. مار الدم على وجه الأرض يمور: إذا تردد. # وقنة العزى: أعلاها، وقنة الجبل: أعلاه. # والعندم: البقم (¬3)، والعندم: دم الأخوين. # والأبيل: الراهب (¬4)، فأبيل الأبيلين: راهب الرهبان. # /وصمم: مضى، يقال: صمم الرجل فى الأمر: إذا جد فيه. ومثل زيادة الألف ~~واللام فى النسر زيادتها فى اليزيد، من قول الشاعر: PageV03P121 # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله (¬1) # أعباء الخلافة: أثقالها، واحدها: عبء، مثل قمع. # والكاهل: أعلى الظهر. # وقوله: # تنقل من صالب إلى رحم # الصالب والصلب: الصلب، ثلاث لغات. وقوله: # إذا مضى عالم بدا طبق # الطبق هاهنا: القرن من الناس، سموا بذلك؛ لأنهم كالطبق للأرض، والطبق فى ~~غير هذا: الحال، ومنه قوله تعالى: {لتركبن طبقا عن طبق} (¬2) أى حالا بعد ~~حال. وقوله: # حتى احتوى بيتك المهيمن # بيت الرجل: يستعمل بمعنى أصله ومنبته، وبمعنى عترته. # والمهيمن: أصله أن يستعمل وصفا لله سبحانه، وهو مما جاء لفظه مشبها لفظ ~~المصغر، وهو مكبر، كقولهم للمسلط: مسيطر، وللبيطار: مبيطر. # وقد وصف به فى القرآن غير الله، فى قوله: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} (¬3) وقيل فى معنى {ومهيمنا ~~عليه} أقوال، قال بعض المفسرين: وشاهدا عليه، وقال بعضهم: مؤتمنا عليه، ~~وقال آخرون: المهيمن: الحافظ والرقيب، وأما أهل العربية، منهم أبو العباس ~~محمد بن يزيد، فقالوا: أصله مؤيمن، وأبدلت من الهمزة (¬4) الهاء، كما قالوا ~~فى أرقت الماء: PageV03P122 # هرقت، وفى إياك: هياك، وهذا القول موافق لقول من قال من المفسرين إن معناه: # مؤتمن وأمين، وعلى هذا يحمل قوله: # حتى احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء. . . # أى احتوى بيتك الأمين منزلة علياء من مجد خندف، وسامى شرفها. # والنطق: جمع نطاق، وهو ما يشد به الرجل وسطه والمرأة، وهذا مثل ضربه؛ لأن ~~النطاق يشد تحت محل القلب، فشبه محل شرفه فى خندف بمحل القلب من الجسد، ~~/وهو أعلى [من (¬1)] مكان النطاق. # وقوله: ms568 ضاءت بنورك الأفق. أنث الأفق حملا على المعنى؛ لأن معناه الناحية. # ودليل تذكيره قوله تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين} (¬2) وأراد بالأفق ~~الآفاق، ولكنه استعمل الواحد فى موضع الجمع، كما جاء فى التنزيل: ~~{والملائكة بعد ذلك ظهير} (¬3) و {خلصوا نجيا} (¬4) {وحسن أولئك رفيقا} ~~(¬5) ومثله فى الشعر: # قد عض أعناقهم جلد الجواميس (¬6) .... # وقول الآخر: # كلوا فى نصف بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص (¬7) PageV03P123 # ويقال: ضاء المكان وأضاء، وضاءت النار وأضاءت، غير متعديين، وقد استعملوا ~~أضاء متعديا، فقالوا: أضاءت النار المكان، قال الشاعر: # حضأت له نارى فأبصر ضوأها ... وما كاد لولا حضأة النار يبصر (¬1) # دعته بغير اسم هلم إلى القرى ... فأسرى يبوع الأرض والنار تزهر # فلما أضاءت شخصة قلت مرحبا ... هلم وللصالين بالنار أبشروا # حضأت النار، مهموز، وحضوتها، لغتان: سعرتها. # ويبوع الأرض: يقطعها. # ... PageV03P124 ### | AUTO المجلس الثامن والسبعون # ذكر أقسام «إما» المكسورة و «أما» المفتوحة # فمن معانى المكسورة أنها تكون للشك، كقولك: جاءنى إما زيد وإما جعفر، ~~فأنت فى هذا القول متيقن أنه جاءك أحدهما، وغير عالم به أيهما هو، وكذلك: ~~لقيت إما زيدا وإما جعفرا. # والثانى: أنها تكون للتخيير، كقولك لمن تخيره فى مالك: خذ إما ثوبا وإما ~~دينارا، ومثله قوله تعالى: {إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} (¬1)، وقوله: # {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} (¬2) وقوله: {إما أن تلقي وإما أن نكون أول ~~من ألقى} (¬3)، /وقوله: {فإما منا بعد وإما فداء} (¬4) هذا كله تخيير، إنما ~~هو هذا أو هذا، وانتصاب «منا وفداء» على تقدير: فإما تمنون منا، وإما ~~تفادون فداء. # والثالث: أن تكون للإباحة، كقولك: تعلم إما الفقه وإما النحو، فإن PageV03P125 # تعلمهما معا فقد أطاع، وإن تعلم أحدهما فقد أطاع، فهى فى هذه المعانى ~~الثلاثة بمنزلة «أو» والفرق بينهما أنك إذا قلت: جاءنى إما زيد وإما جعفر، ~~فقد بنيت كلامك على الشك، وإذا قلت: جاءنى زيد أو جعفر، فإنما اعترضك الشك ~~بعد أن مضى صدر كلامك على اليقين (¬1). # ومن الفرق بينهما أن «إما» ليست من حروف العطف، كما زعم بعض (¬2) ~~النحويين، لأنه ms569 لا يخلو أن تكون الأولى منهما عاطفة أو الثانية، فلا يجوز ~~أن تكون الثانية عاطفة؛ لأن الواو معها، والواو هى الأصل فى العطف، فإن ~~جعلت «إما» عاطفة فقد جمعت بين عاطفين، ولا يجوز أن تكون الأولى عاطفة؛ ~~لأنها تقع بين العامل والمعمول، كقولك: خرج إما زيد وإما بكر، ولقيت إما ~~زيدا وإما بكرا، فهل عطفت الفاعل على رافعه، أو المفعول على ناصبه؟ فأما ~~قوله تعالى: {حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة} (¬3) فانتصاب ~~{العذاب} على أنه بدل من قوله: {ما يوعدون} وإنما ذكرها من ذكرها من ~~النحويين فى حروف العطف تقريبا؛ لأنها بمعنى «أو» ولأن إعراب ما بعد ~~الثانية كإعراب ما قبلها. # وقد أجازوا أن تأتى بها غير مكررة، وذلك إذا كان فى الكلام عوض من ~~تكريرها (¬4)، كقولك: إما أن تكلمنى كلاما جميلا وإلا فاسكت، المعنى: وإما ~~أن تسكت، واستشهدوا بقول المثقب العبدى: # فإما أن تكون أخى بصدق ... فأعرف منك غثي من سمينى (¬5) PageV03P126 # وإلا فاطرحنى واتخذنى ... عدوا أتقيك وتتقينى # فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين # /وقال الفراء: قد أفردت العرب «إما» من غير أن تذكر «إما» سابقة، وهى ~~تعنى بها «أو» وأنشد: # تلم بدار قد تقادم عهدها ... وإما بأموات ألم خيالها (¬1) # أراد: أو بأموات. # واعلم أن «إما» لا تقع فى النهي، لا تقول: لا تضرب إما زيدا وإما عمرا؛ ~~لأنها تخيير، فكيف تخيره وأنت قد نهيته عن الفعل، فالكلام إذن مستحيل (¬2). # ول «إما» وجه رابع: وهو أن تكون مركبة من «إن» الشرطية و «ما» ويلزمها ~~فى أكثر الأمر نون التوكيد، ولا تكون مكررة، كما لا يكون حرف الشرط مكررا، ~~كقولك: إما تنطلقن فإنى أصحبك، وإما تخرجن أخرج معك، وفى التنزيل: {وإما ~~تخافن من قوم خيانة} (¬3) وفيه: {فإما ترين من البشر أحدا} (¬4)، وفيه: ~~{فإما تثقفنهم في الحرب} (¬5) وقد تطرح نون التوكيد من هذا فى الشعر، كقول ~~الأعشى: # إما ترينا حفاة لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل (¬6) PageV03P127 # وكقوله أيضا: # فإما ترينى ولى لمة ... فإن الحوادث ms570 أودى بها (¬1) # واختلفوا فى قوله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} (¬2) ~~فذهب البصريون إلى أنها للتخيير، فانتصاب «شاكرا وكفورا» على الحال، قال ~~الزجاج: هديناه الطريق، إما طريق السعادة أو الشقاوة، وقال غيره: التخيير ~~هاهنا إعلام من الله أنه يختار ما يشاء ويفعل ما يشاء، وليس التخيير ~~للإنسان، وقيل: # هى حال مقدرة، والمعنى إما أن يحدث منه عند فهمه الشكر، فهو علامة ~~السعادة، وإما أن يحدث منه الكفر، فهو علامة الشقاوة (¬3). # وأجاز الكوفيون أن تكون/ «إما» هاهنا هى الشرطية، والفراء قطع بأنها هى، ~~فقال: معناه: إنا هديناه السبيل، إن شكر وإن كفر (¬4). # وقال مكي بن أبى طالب المغربى، فى مشكل إعراب القرآن: أجاز الكوفيون فى ~~قوله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} أن تكون «إما» إن ~~الشرطية، زيدت عليها «ما» قال: ولا يجوز هذا عند البصريين؛ لأن «إن» ~~الشرطية لا تدخل على الأسماء، إلا أن تضمر بعد «إن» فعلا، وذلك فى نحو: # {وإن أحد من المشركين استجارك} (¬5) أضمر «استجارك» بعد «إن» ودل عليه ~~الثانى، فحسن لذلك حذفه، ولا يحسن إضمار فعل بعد «إن» هاهنا؛ لأنه يلزم رفع ~~«شاكر» بذلك الفعل، وأيضا فإنه لا دليل على ذلك الفعل المضمر فى الكلام. ~~انتهى كلامه (¬6). PageV03P128 # وهذا القول منه ليس بصحيح؛ لأن (¬1) النحويين يضمرون بعد «إن» الشرطية ~~فعلا يفسره ما بعده؛ لأنه من لفظه، فيرتفع الاسم بعد «إن» بكونه فاعلا لذلك ~~المضمر، كقولك: إن زيد زارنى أكرمته، تريد: إن زارنى زيد، وكذلك: إن زيد ~~حضر حادثته، تريد: إن حضر زيد، وكقوله تعالى: {إن امرؤ هلك} (¬2)، {وإن ~~امرأة خافت} (¬3) {وإن أحد من المشركين استجارك} هذه الأسماء ترتفع بأفعال ~~مقدرة، وهذه الظاهرة مفسرة لها، وكما يضمرون بعد حرف الشرط أفعالا ترفع ~~الاسم بأنه فاعل كذلك يضمرون بعده أفعالا تنصب الاسم بأنه مفعول، كقولك: # إن زيدا أكرمته نفعك، تريد: إن أكرمت زيدا، ومنه قول النمر بن تولب: # لا تجزعى إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى (¬4) # أراد: إن أهلكت منفسا. # وإذا عرفت هذا ms571 فليس يلزم {شاكرا} أن يرتفع فى قول من قال إن «إما» شرطية. # وقوله: لا دليل على الفعل المضمر فى الكلام، يعنى/فى قوله: {إما شاكرا ~~وإما كفورا} قول بعيد من معرفة الإضمار فى مثل هذا الكلام؛ لأن المضمر ~~هاهنا فعل تشهد بإضماره القلوب، وهو «كان» وذلك أن سيبويه (¬5) لا يرى ~~إضمار «كان» إلا فى مثل هذا المكان، كقولك: أنا أزورك إن قريبا وإن بعيدا، ~~تريد: إن كنت قريبا وإن كنت بعيدا، ومن ذلك البيت المشهور، وهو للنعمان بن ~~المنذر: PageV03P129 # قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا (¬1) # وقول ليلى الأخيلية: # لا تقربن الدهر آل مطرف ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما (¬2) # أي إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما، وكذلك التقدير: هديناه السبيل إن كان ~~شاكرا، وإن كان كفورا، وإضمار الفعل بعد حرف الشرط مخصوص به «إن»، وربما ~~استعمله الشاعر مع غيرها، كقوله: # صعدة نابتة فى حائر ... أينما الريح تميلها تمل (¬3) # الصعدة: القناة التى تنبت مستوية فلا تحتاج إلى تثقيف، وامرأة صعدة: # مستوية القامة، شبهوها بالقناة. # والحائر: المكان الذى يتحير (¬4) فيه الماء. # ولمكى فى تأليفه مشكل إعراب القرآن، زلات سأذكر فيما بعد (¬5) طرفا منها ~~إن شاء الله. # ... وأما «أما» المفتوحة فلها ثلاثة مواضع، أحدها: أن تكون لتفصيل ما ~~أجمله المتكلم واستئناف (¬6) كلام، كقولك: جاءنى إخوتك، فأما زيد فأكرمته، ~~وأما خالد فأهنته، وأما بكر فأعرضت عنه، قال الله تعالى بعد ذكر السفينة ~~والغلام والجدار: PageV03P130 # {أما السفينة فكانت لمساكين} {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} {وأما ~~الجدار فكان لغلامين يتيمين} (¬1). # /ومن أحكامها أنها لا يليها إلا الاسم، مرفوعا بالابتداء، أو منصوبا بفعل ~~بعده، غير مشغول عنه، وأن الفاء تقع بعدها جوابا لها، لتضمنها معنى الفعل ~~الشرطى، ولتضمنها معنى الفعل لم يلاصقها فعل. # فمثال ارتفاع الاسم بعدها قولك: أما زيد فعالم، وأما بكر فجاهل، التقدير ~~عند النحويين: مهما يكن من شيء فزيد عالم ومهما يكن من شيء فبكر جاهل. # وإذا أوليتها الاسم المنصوب بما بعده قلت مخبرا: أما بكرا فأهنت، وأما ~~عمرا ms572 فأكرمت، وقلت آمرا: أما بكرا فحارب، وأما عمرا فعاتب، وقلت ناهيا: # أما عمرا فلا تحارب، وأما بكرا فلا تعاتب، قال الله جل اسمه: {فأما ~~اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر} (¬2). # فإن شغلت الفعل عن الاسم رفعته فقلت: أما زيد فأكرمته، وأما خالد فأهنته، ~~كما جاء فى التنزيل: {وأما ثمود فهديناهم} (¬3) وقد نصب بعض القراء «ثمود» ~~بفعل مضمر مفسر بالفعل الذى بعده، تقديره: وأما ثمود فهدينا، وينشدون بيت ~~بشر بن أبى خازم رفعا ونصبا: # فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما (¬4) PageV03P131 # الروبى: الذين استثقلوا نوما، الواحد روبان، وقال بعد هذا: # وأما بنو عامر بالنسار ... غداة لقوا القوم كانوا نعاما (¬1) # حذف الفاء من جواب «أما» ولا يجوز حذفها فى حال السعة؛ إلا أنها قد جاءت ~~محذوفة فى القرآن مع جملة القول، فكان حذفها أحسن من إثباتها؛ لكثرة حذف ~~القول، وذلك فى قوله تعالى: {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} ~~(¬2) أى فيقال لهم: أكفرتم؟ ومثل بيت بشر فى حذفها قول الآخر: # فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرا فى عراض المواكب (¬3) # والثانى من مواضع «أما» أن تكون أخذا فى كلام مستأنف من غير أن يتقدمها ~~كلام، وعلى هذا يرد ما يأتى فى أوائل الكتب، كقولك: أما بعد كذا، ~~فإنى/فعلت، وأما على أثر (¬4) ذلك فإنى صنعت، واستفتح أبو علي كتابه الذى ~~سماه الإيضاح بقوله: «أما على إثر ذلك فإنى جمعت». # فالعامل فى الظرف الذى هو «على» عند سيبويه وجميع النحويين «أما» لأنها ~~لنيابتها عن الفعل تعمل فى الظروف خاصة، فعلى هذا تقول: أما اليوم فإنى ~~خارج، فتعمل «أما» فى «اليوم» ولا تعمل فيه «خارجا» لأن «إن» تقطع ما بعدها ~~عن العمل فيما قبلها؛ فإن قلت: أما اليوم فأنا خارج، جاز أن تعمل فى اليوم ~~«أما» وجاز أن تعمل «خارجا»، فإن قلت: أما زيدا فأنا ضارب، لم يعمل فى ~~«زيد» إلا ضارب؛ لأن «أما» لا تعمل فى المفعول الصريح، وإن قلت: أما زيدا ~~فإنى ضارب، فهذه غير جائزة عند جميع النحويين ms573 إلا أبا العباس المبرد، فإنه ~~أجاز PageV03P132 # نصب «زيد» بضارب (¬1)، ومما أنشده سيبويه قول ابن ميادة، ولقبه الرماح: # ألا ليت شعرى هل إلى أم معمر ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا (¬2) # ويروى «إلى أم جحدر»، فالصبر مبتدأ، والجملة من لا واسمها وخبرها خبر ~~عنه، وخبر «لا» محذوف، أراد: فلا صبر لى، ولا عائد من الجملة على المبتدأ ~~الذى هو «الصبر» لدخوله تحت «الصبر» الثانى، من حيث كان عاما مستغرقا ~~للجنس، كما دخل «القتال» الأول تحت الثانى فى قوله: # فأما القتال لا قتال لديكم # وكما دخل «زيد» تحت «الرجل» فى قولهم: زيد نعم الرجل. # واعترض بيت ابن ميادة، وقد كنت ذكرته فيما تقدم من الأمالى، جويهل (¬3)، ~~فزعم أن قافيته مرفوعة، وإنما صغرته بقولى: جويهل؛ لأنه شويب (¬4) /استولى ~~الجهل عليه (¬5)، فعدا طوره، وجاوز حده، مع حقارة علمه، ورداءة فهمه. # وهذا البيت من مقطوعة منصوبة القوافى، وكذلك أورده سيبويه، وقد أوردتها ~~لتعرفها: # ألا ليت شعرى هل إلى أم معمر ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا (¬6) # فأعجب دار دارها غير أننى ... إذا ما أتيت الدار فارقتها صفرا PageV03P133 # عشية أثنى بالرداء على الحشا ... كأن الحشا من دونه أشعرت جمرا # وإنى لأستنشى (¬1) ... الحديث من اجلها # لأسمع عنها وهى نازحة ذكرا # وإنى لأستحيي من الله أن أرى ... إذا غدر الخلان أنوى لها غدرا # قوله: «فارقتها صفرا» أى خاليا مما أشتهيه، يقال: صفر المنزل وغيره: إذا ~~خلا، ويقولون فى الدعاء على الرجل: ما له؟ صفر إناؤه! أى ماتت ماشيته. # والحشا: واحدة أحشاء الجوف، وهى نواحيه. # وقوله: «أشعرت (¬2) جمرا» أى صار لها الجمر كالشعار، وهو الثوب الذى يلى الجسد. # والثالث: من مواضع «أما» استعمالها مركبة من «أن وما» فى قولهم: أما أنت ~~منطلقا انطلقت معك، وهى من مسائل سيبويه، وقد ذكرتها فى موضعين (¬3)، ~~وأصلها: أن كنت منطلقا، فحذفوا «كان» وعوضوا منها «ما» وأدغموا نون «أن» فى ~~ميم «ما» ووضعوا «أنت» في موضع التاء، وأعملوا «كان» محذوفة، وموضع «أن» مع ~~صلتها نصب؛ لأنه مفعول له، والتقدير: لأجل أن كنت منطلقا انطلقت ms574 معك، وعلى ~~هذا أنشد سيبويه: # أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومى لم تأكلهم الضبع (¬4) # قال سيبويه: إن أظهرت الفعل كسرت، فقلت: إن كنت منطلقا انطلقت معك. انتهى ~~الكلام فى «أما». PageV03P134 # /معنى الضبع، فى قوله: «لم تأكلهم الضبع» السنة المجدبة، وروى أن رجلا ~~جاء إلى النبى عليه السلام، فقال: «يا رسول الله، أكلتنا الضبع (¬1)» يريد السنة. # ... روى عن أبى الحسن بن كيسان أنه قال: حضرت مجلس إسماعيل القاضى (¬2)، ~~وحضر أبو العباس المبرد، فقال لى أبو العباس: ما معنى قول سيبويه: «هذا باب ~~ما يعمل فيه ما قبله وما بعده (¬3)» قال: فقلت: هذا باب ذكر فيه سيبويه ~~مسائل مجموعة، منها ما يعمل فيه ما قبله، نحو قولهم: «أنت الرجل دينا، ~~نصبوه على الحال، أى أنت الرجل المستحق الرجولية فى حال دين، ومنها ما يعمل ~~فيه ما بعده نحو قولهم: أما زيدا فأنا ضارب، فالعامل فى «زيد» هاهنا «ضارب» ~~لأن «أما» لا تعمل فى صريح المفعول. ولم يرد سيبويه بقوله هذا أن شيئا ~~واحدا يعمل فيه ما قبله وما بعده، هذا لا يكون. فقال لى أبو العباس: هذا لا ~~يوصل إليه إلا بعد فكر طويل، ولا يفهمه إلا من أتعب نفسه، فقلت له: منك ~~سمعت هذا، وأنت فسرته لى، فقال: إنى من كثرة فضولى فى جهد. # ... PageV03P135 # كان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد منحرفا عن المتنبي؛ لأنه طلب منه ~~أن يمدحه فأبى، فأظهر لشعره معايب (¬1)، ونسبه إلى أن معانيه مسترقة، ثم ~~عمد بعد هذا إلى استراق معنى منه بلفظه ووزنه وقافيته، وهو قوله: # وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملى على وأكتب (¬2) # فقال الصاحب فى وصف قصيدة مدح بها سيف الدولة: # وما هذه إلا وليدة ليلة ... يغور لها شعر الوليد وينضب (¬3) # على أنها إملاء مجدك ليس لى ... سوى أنه يملى علي وأكتب # أراد بالوليد: أبا عبادة البحترى. # ... /قول أبى الطيب (¬4). # نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد PageV03P136 # هذا من أحسن ما مدح به ملك، وهو مدح ms575 موجه، أى ذو وجهين، كالثوب الموجه، ~~وذلك أنه مدحه فى النصف الأول بالشجاعة وبالقدرة على نهب الأعمار، وفى ~~النصف الثانى، بأنه لو عاش مقدار ما نهبه من الأعمار كانت الدنيا مهنأة ~~ببقائه، ولو قال: لبقيت خالدا، لم يكن المدح موجها. # قال علي بن عيسى الربعى: المدح فى هذا البيت من وجوه، أحدها: أنه وصفه ~~بنهب النفوس دون الأموال. # والثانى: أنه كثر قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم خلد فى الدنيا. # والثالث: أنه جعل خلوده صلاحا لأهل الدنيا، بقوله: # لهنئت الدنيا بأنك خالد # والرابع: أن جميع مقتوليه لم يكن ظالما فى قتلهم؛ لأنه لم يقصد بذلك إلا ~~صلاح الدنيا وأهلها، فهم مسرورون ببقائه، فلذلك. قال: # لهنئت الدنيا بأنك خالد # أى هنىء أهل الدنيا. # ... أول من ذكر الطير التى تتبع الجيش لتصيب من لحوم القتلى، الأفوه ~~الأودى فى قوله (¬1): # وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار PageV03P137 # ثم النابغة الذبيانى فى قوله (¬1): # إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب # لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرضوا الخطى فوق الكواثب # الكاثبة: ما ارتفع من منسج الفرس، والمنسج أمام القربوس (¬2). # ثم حميد بن ثور، فى وصف الذئب: # إذا ما عدا يوما رأيت غياية ... من الطير ينظرن الذى هو صانع (¬3) # /أصل الغياية: الظلمة والغبرة، واستعارها للطير المصطفة فى الجو، لأنها ~~تغطى عين الشمس. # ثم أبو نواس يمدح العباس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور: # تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره (¬4) # تأييت: تمكثت، أى تنتظر الطير غدوته للحرب. # والجزر: الشاء المذبوحة، واحدتها جزرة، شبه بها القتلى. # ثم مسلم بن الوليد الأنصاري، يمدح يزيد بن مزيد الشيبانى، فى قوله (¬5): # قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يصحبنه فى كل مرتحل PageV03P138 # ثم أبو تمام حبيب بن أوس، فى قوله (¬1): # وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير فى الدماء نواهل # أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل # زعم قوم من نقاد الشعر (¬2) أن أبا تمام زاد عليهم بقوله: «إلا أنها ms576 لم ~~تقاتل» وأحسن من هذه الزيادة عندى (¬3) قوله: «فى الدماء نواهل»، وقوله: ~~«أقامت مع الرايات»، وبذلك يتم حسن قوله: «إلا أنها لم تقاتل» على أن ~~الأفوه قد فضل الجماعة بأمور، منها: السبق، وهى الفضيلة العظمى. # والثانى: أنه قال: «رأي عين» فخبر عن قربها، لأنها إذا بعدت تخيلت تخيلا، ~~وإنما يكون قربها توقعا لما تصيبه من القتلى، وهذا يؤكد المعنى. # والثالث: أنه قال: «ثقة أن ستمار» فجعلها واثقة بالميرة، ولم يجمع هذه ~~الأوصاف غيره. # وأما أبو نواس، فإنه نقل اللفظة فى قوله: «ثقة بالشبع»، ولم يزد فيفضل، ~~وكذلك مسلم أخذ قوله: «قد عود الطير عادات» من قول النابغة: # لهن عليهم عادة قد عرفتها # وأخذ قوله: «وثقن بها» من قول الأفوه: «ثقة أن ستمار». # وقال المتنبى (¬4): # سحاب من العقبان يزحف تحته ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه PageV03P139 # فزاد أن جعل الطير والجيش سحابين، وجعل السحاب الأسفل يسقى السحاب ~~الأعلى، فغرب فى هذا، وقد تعنته فى هذا البيت مقصر (¬1) فى معرفة التدقيق ~~فى المعانى بأمرين، أحدهما: أن السحاب لا يسقى ما فوقه، والآخر: أن الطير ~~لا تستسقى، وإنما تستطعم. # وأقول (¬2): أما إسقاء السحاب ما فوقه، وهو الذى غرب به، فإنه لم يجعل ~~الجيش سحابا فى الحقيقة فيمتنع إسقاؤه لما فوقه، وإنما أقامه مقام السحاب؛ ~~لأنه طبق الأرض لكثرته وتزاحمه (¬3)، وغطاها كما يغطى السحاب السماء، وقد ~~فعلت العرب ذلك فى أشعارها، ولما سماه لذلك سحابا جعله يستسقى فيسقى، مع أن ~~الطير لا تصيب من القتلى ما تصيبه وهى فى الجو، وإذا كانت تهبط إلى الأرض ~~حتى تقع على القتيل فالسحاب الساقى عال عليها. # فأما استسقاء الطير فجار على عادة العرب فى استعارة هذه اللفظة تعظيما ~~لقدر الماء. قال علقمة بن عبدة، يطلب أن يفك أخوه شأس من الأسر، يخاطب بذلك ~~ملك الشام: # وفى كل حى قد خبطت بنعمة ... وحق لشأس من نداك ذنوب (¬4) # وأصل الذنوب الدلو العظيمة، وقيل للنصيب: ذنوب، فى قوله تعالى: {فإن ~~للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم} (¬5) لأنهم كانوا يقتسمون الماء فيأخذ ms577 ~~هذا ذنوبا وهذا ذنوبا. وقال رؤبة (¬6): # يا أيها المائح دلوى دونكا ... إنى رأيت الناس يحمدونكا PageV03P140 # وهما لم يستسقيا فى الحقيقة ماء، وإنما استطلق أحدهما أسيرا، وطلب الآخر ~~عطاء؛ ولذلك سموا السائل والمجتدى مستميحا، أخذوه من الميح، وهو أن يجمع ~~المائح الماء فى الدلو، والمائح: الذى ينزل إلى البئر فيملأ الدلاء. # ثم إن سباع الطير قد تلغ فى الدماء، ولذلك قال أبو تمام: # بعقبان طير فى الدماء نواهل # والنهل لا يكون إلا من المشروب دون المطعوم. وقد كرر أبو الطيب هذا ~~المعنى فغيره وألطف، فجاء كالمعنى المخترع، قال (¬1): # تفدى أتم الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم # وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم # وذكر الطير فى موضع آخر، فأحسن وجاء بما لم يسبق إليه فقال (¬2): # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع # ومن مستحسن ما قيل فى هذا المعنى قوله أيضا فى وصف جيش: # وذى لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم (¬3) # قال أبو الفتح: أراد أن الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف ~~الطير أمامه. PageV03P141 # وقال أبو العلاء المعرى: يقول: إذا طار ذو الجناح أمامه فليس بناج؛ لأن ~~الرماة كثيرة فى الجيش، وإن ثار وحش أدركوه فأخذوه. # وقول أبى العلاء إن ذا الجناح تصيبه الرماة أوجه؛ لأن الشاعر أراد تفخيم ~~الجيش وتعظيمه فلا يفوته طائر ولا وحشى. ثم قال: # تمر عليه الشمس وهى ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم (¬1) # أراد أن الجيش ارتفع غباره، فالشمس تصل إليه ضعيفة داخلة بين ريش الطير ~~التى تتبعه لتصيب من لحوم القتلى. ثم قال: # إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم (¬2) # وذكر أبو نصر بن نباتة الطير، فزاد زيادة أبدع فيها، فقال (¬3): # ويوماك يوم للعفاة مذلل ... ويوم إلى الأعداء منك عصبصب # إذا حومت فوق الرماح نسوره ... أطار إليها الضرب ما تترقب # وقال: # وإنك لا تنفك تحت عجاجة ... تقطع فيها المشرفية بالطلا # إذا يئست عقبانها من خصيلة ... رفعت إليها الدارعين على القنا ms578 # الخصيلة: كل لحمة فيها عصب. والطلا: الأعناق. # وقول أبى تمام: # إذا ظللت عقبان أعلامه # يقال للراية: عقاب، وتجمع عقبانا. # ... آخر المجلس PageV03P142 ### | AUTO المجلس التاسع والسبعون # ذكر معانى «إن» الخفيفة المكسورة # قد تصرفت العرب فيها، فاستعملتها شرطية، ونافية، ومخففة من الثقيلة ~~وزائدة مؤكدة. # فإذا كانت نافية، فسيبويه (¬1) لا يرى فيها إلا رفع الخبر، يقول: إن زيد ~~قائم، كما تقول (¬2) فى اللغة التميمية: ما زيد قائم، وإنما حكم سيبويه ~~بالرفع بعدها؛ لأنها حرف (¬3) يحدث معنى فى الاسم والفعل، كألف الاستفهام، ~~فوجب لذلك ألا يعمل، كما لم يعمل ألف الاستفهام، وكما لم تعمل «ما» النافية ~~فى اللغة التميمية، وهو وفاق للقياس، ولما خالف بعض العرب القياس فأعملوا ~~«ما» لم يكن لنا أن نتعدى القياس فى غير «ما». # وغير سيبويه أعمل «إن» على تشبيهها بليس، كما استحسن بعض العرب ذلك فى ~~«ما»، واحتج بأنه لا فرق بين «إن» و «ما» فى المعنى؛ إذ هما لنفى ما فى ~~الحال، وتقع بعدهما جملة الابتداء، كما تقع بعد «ليس»، وأنشد: # إن هو مستوليا على أحد ... إلا على جزبه الملاعين (¬4) PageV03P143 # وهو قول الكسائى، وأبى العباس المبرد، ووافق الفراء (¬1) فى قوله سيبويه. # ولك فى «إن» إذا كانت نافية ثلاثة أوجه: أحدها ألا تأتى بعدها بحرف ~~إيجاب، كقولك: إن زيد قائم، إن أقوم معك، كما قال تعالى: {إن عندكم من ~~سلطان بهذا} (¬2)، وقال: {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} (¬3) ~~اللام فى {لئن} مؤذنة بالقسم، وقوله: {إن أمسكهما من أحد من بعده} جواب ~~القسم المقدر. وقال تعالى: {قل إن أدري أقريب ما توعدون} (¬4) أى ما أدرى. ~~فأما قوله: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} (¬5) ففى «إن» قولان، أحدهما ~~أنها نافية، و «ما» بمعنى الذى، فالتقدير: مكناهم فى الذى ما مكناكم فيه. # والقول الآخر: أن «إن» زائدة، فالتقدير: مكناهم فى الذى مكناكم فيه، ~~والوجه هو القول الأول، بدلالة قوله تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم ~~من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} (¬6). # والثانى من أوجهها الثلاثة: أن ms579 تأتى بعدها بإلا فاصلة بين الجز أين فتجعل ~~الكلام موجبا، كقولك: إن زيد إلا قائم، وإن خرج إلا أخوك، وإن لقيت إلا ~~زيدا، كما قال تعالى: {إن الكافرون إلا في غرور} (¬7) و {إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم} (¬8) و {إن هو إلا نذير مبين} (¬9) و {إن يقولون إلا} PageV03P144 # {كذبا} (¬1) و {إن يدعون من دونه إلا إناثا} (¬2) {وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا} (¬3). # فأما قوله: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} (¬4) فالتقدير فيه: وإن ~~أحد من أهل الكتاب، وحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، ومثله: {وإن منكم إلا ~~واردها} (¬5) التقدير: وإن أحد منكم. # والوجه الثالث: أن تدخل «لما» التى بمعنى «إلا» موضع «إلا»، وهى التى فى ~~قولهم: «بالله لما فعلت»، وحكى سيبويه: «نشدتك الله لما فعلت» (¬6) أى إلا ~~فعلت، تقول: إن زيد لما قائم، تريد: ما زيد إلا قائم، قال الله تعالى: {إن ~~كل نفس لما عليها حافظ} (¬7)، وقال: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} (¬8)، ~~{وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} (¬9). # وقد قرئت هذه الآيات بتخفيف الميم (¬10)، فمن شدد جعل «لما» بمعنى «إلا»، ~~و «إن» نافية، فالمعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وكذلك الآيتان الأخريان. # ومن خفف الميم جعل «ما» زائدة، و «إن» مخففة من الثقيلة، واللام PageV03P145 # للتوكيد، فارقة بين النافية والموجبة، والمعنى: إن كل نفس لعليها حافظ، ~~والكوفيون يقولون فى هذا النحو: إن نافية، واللام بمعنى «إلا»، وهو من ~~الأقوال البعيدة. # والمخففة من الثقيلة لك فيها وجهان: إن شئت رفعت ما بعدها بالابتداء، ~~وألزمت خبرها لام التوكيد، فقلت: إن زيد لقائم، تريد: إن زيدا لقائم. هذا ~~هو الوجه؛ لأنها إنما كانت تعمل بلفظها وفتح آخرها، على التشبيه بالفعل ~~الماضى، فلما نقص اللفظ وسكن الآخر بطل الإعمال، فمن ذلك قول النابغة (¬1): # وإن مالك للمرتجى إن تقعقعت ... رحى الحرب أو دارت على خطوب # وقول آخر: # إن القوم والحى الذى أنا منهم ... لأهل مقامات وشاء وجامل (¬2) # الجامل: الجمال، وكذلك الباقر: البقر، وإنما ألزمت خبرها اللام إذا رفعت؛ ~~لئلا تلتبس بالنافية لو قلت: إن ms580 زيد قائم. وإن شئت نصبت فقلت: إن زيدا ~~قائم، وإن أخاك خارج، وتستغنى عن اللام إذا نصبت؛ لأن النصب قد أبان للسامع ~~أن الكلام إيجاب، وإن استعملت اللام مع النصب جاز، وأنشدوا بالنصب قول ~~الشاعر: # كليب إن الناس الذين عهدتهم # بجمهور حزوى فالرياض لدى النخل (¬3) # نصب «الناس» على نية تثقيل «إن»، وعلى هذا قراءة من قرأ: {وإن} PageV03P146 # {كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم} (¬1). # وإذا بطل عمل المخففة جاز أن يقع بعدها الفعل، فلم يكن بينها وبين ~~النافية فرق فى ذلك إلا باللام، تقول فى النافية: إن قام زيد، وإن ضربت ~~زيدا، وتقول فى المؤكدة: إن قام لزيد، وإن ضربت لزيدا، تدخل اللام على ~~الفاعل وعلى المفعول، للفرق بين الإيجاب والنفى، قال: # شلت يمينك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمد (¬2) # وكذلك تقول: إن كان زيد منطلقا، تريد: ما كان زيد منطلقا، وتقول: إن كان ~~زيد لمنطلقا، تريد: إنه كان زيد منطلقا، فتدخلها على خبر «كان»، كما جاء فى ~~التنزيل: {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} (¬3)، {إن كان وعد ربنا لمفعولا} ~~(¬4) وعلى خبر كاد: {وإن كادوا ليفتنونك} (¬5)، وعلى المفعول الثانى من باب ~~الظن: {وإن نظنك لمن الكاذبين} (¬6)، {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} (¬7) «إن» ~~فى هذه المواضع مخففة من الثقيلة بإجماع البصريين، واللام لام التوكيد ~~(¬8)، والكوفيون يجعلونها النافية، ويزعمون أن اللام بمعنى «إلا»، وقد ذكرت ~~أنه قول ضعيف بعيد. PageV03P147 # وأما الزائدة فقد زادوها بعد «ما» النافية، كافة لها عن عملها، فى لغة ~~أهل الحجاز، فيقع بعدها المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، تقول: ما إن زيد ~~قائم، وما إن يقوم زيد، وما إن رأيت مثله. قال فروة بن مسيك (¬1): # فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا # طبنا: شأننا. # وقال النابغة (¬2): # ما إن أتيت بشىء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطى إلى يدى # وقال امرؤ القيس (¬3): # حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال # أراد: فما حديث، فزاد «إن» و «من» وقد زادها آخر بعد «ما» المصدرية فى ~~قوله (¬4): # ورج الفتى للخير ms581 ما إن رأيته ... على السن خيرا لا يزال يزيد # أراد: لا يزال يزيد خيرا. PageV03P148 # وقد ذكروا لهذا الحرف معنى خامسا، فقالوا: إنه بمعنى «إما» فى قول النمر ~~ابن تولب (¬1): # سقته الرواعد من صيف ... وإن من خريف فلن يعدما # قال سيبويه (¬2): أراد: وإما من خريف، وحذف «ما» لضرورة الشعر، وإنما يصف ~~وعلا، وقبل هذا البيت: # فلو أن من حتفه ناجيا ... لكان هو الصدع الأعصما # والمعنى: سقته الرواعد من مطر الصيف، وإما فى الخريف فلن يعدم السقى. # وقال الأصمعى: «إن» هاهنا للشرط، أراد: وإن سقته من خريف فلن يعدم الرى. ~~وبقول الأصمعى أخذ أبو العباس المبرد (¬3)؛ لأن «إما» تكون مكررة، وهى ~~هاهنا غير مكررة، واحتج من قال بقول سيبويه أنه وصفه بالخصب، وأنه لا يعدم ~~الرى، ويجب فى قول الأصمعى أن لا يقطع له بالرى؛ لأنه إذا كانت «إن» للشرط ~~لم يقطع له بأن الخريف يسقيه، كما تقول: إن حضر زيد أكرمته، فلا يقطع له ~~بالحضور، كما يقطع له به فى قولك: إذا حضر زيد أكرمته، ولذلك تقول: أسافر ~~إذا جاء الصيف، ولا تقول: أسافر إن جاء الصيف؛ لأن الصيف لا بد من مجيئه، ~~فكأنه قال: وإن سقاه الخريف فلن يعدم الرى، فدل هذا على أنه يعدم الرى إن ~~لم يسقه الخريف. # وقول الأصمعى قوى من وجهين، أحدهما أن «إما» لا تستعمل PageV03P149 # إلا مكررة، أو يكون معها ما يقوم مقام التكرير، كقولك: إما أن تتحدث ~~بالصدق وإلا فاسكت، وإما أن تزورنى أو أزورك، وهذا معدوم فى البيت. # والثانى: أن مجىء الفاء فى قوله: «فلن يعدما» يدل على أن «إن» شرطية؛ لأن ~~الشرطية تجاب بالفاء. و «إما» لا تقتضى وقوع الفاء بعدها، ولا يجوز ذلك ~~فيها، تقول: إما تزورنى وإما أزورك، ولا يجوز: وإما فأزورك، فبهذين كان قول ~~الأصمعى عندى أصوب القولين. # وكذلك اختلفوا فى قول دريد بن الصمة (¬1): # لقد كذبتك عينك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر # قال سيبويه (¬2): فهذا على «إما» ولا يكون على «إن» التى للشرط؛ لأنها لو ~~كانت للشرط ms582 لاحتيج إلى جواب؛ لأن جواب «إن» إذا لحقتها الفاء لا يكون إلا ~~بعدها، فإن لم تلحقها الفاء فقلت: أكرمك إن زرتنى، سد ما تقدم على حرف ~~الشرط مسد الجواب، ولو ألحقت الفاء فقلت: أكرمك فإن زرتنى، لم يسد أكرمك ~~مسد جواب الشرط، فلا بد أن تقول: أكرمك فإن زرتنى زدت فى إكرامك، أو ما ~~أشبه هذا، فلذلك بطل أن يكون قوله: «فإن جزعا» على معنى الشرط، وحملت «إن» ~~على معنى «إما»، وحذفت «ما» للضرورة، والمعنى: فإن ما جزعت جزعا، وإما ~~أجملت إجمال صبر. # وقال غير سيبويه: هو على «إن» التى للشرط، والجواب محذوف، فكأنه PageV03P150 # قال: إن كان شأنك جزعا شقيت به، وإن كان إجمال صبر سعدت به. # وقول سيبويه هو القول المعول عليه؛ لأنه غير مفتقر إلى هذا الحذف، الذى ~~هو حذف كان ومرفوعها، وحذف جوابين لا دليل عليهما. # الصدع: الفتى من الأوعال. وواحد الأوعال وعل، وهو تيس الجبل. # وفى الأعصم قولان، قيل: هو الذى فى رسغه بياض، والرسغ: موصل الكف فى ~~الذراع، وموصل القدم فى الساق، ويقال لموصل الكف فى الذراع: # المعصم. وقيل: إنه سمى أعصم؛ لاعتصامه فى قلة الجبل. # وزعم قوم أن «إن» قد وردت بمعنى «إذ»، واستشهدوا بقوله تعالى: {وذروا ما ~~بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} (¬1) فقالوا: المعنى: إذ كنتم مؤمنين؛ لأن ~~الخطاب للمؤمنين، ولو كانت «إن» للشرط لوجب أن يكون الخطاب لغير المؤمنين، ~~ومثله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} (¬2)، ومثله ~~أيضا: {فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} (¬3). # وقال من رد هذا القول: إن للشرط، والمعنى: من كان مؤمنا ترك الربا، ومن ~~كان مؤمنا لم يخش إلا الله. وهذا أصح القولين. # وقد حكى قطرب بن المستنير أن «إن» قد جاءت بمعنى «قد»، وهو من الأقوال ~~التى لا ينبغى أن يعرج عليها (¬4). PageV03P151 ### || AUTO ذكر أقسام «أن» المفتوحة الخفيفة # فأحد أقسامها: أن تدخل على الفعل فتكون معه فى تأويل مصدره، إن كان ماضيا ~~أو مستقبلا أو أمريا. وهذا الحرف أحد الحروف الموصولة، فيكون ms583 مع صلته فى ~~تأويل مصدر، فى موضع رفع أو نصب أو خفض، فكونه فى موضع رفع، مثاله: {وأن ~~تصوموا خير لكم} (¬1) أى وصومكم، ومثله: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} (¬2) أى ~~وعفوكم. ومن المرفوع بكان: {أكان للناس عجبا أن أوحينا} (¬3) {فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا} (¬4) فى قراءة من نصب الجواب. # ومن المنصوب: {يريد الله أن يخفف عنكم} (¬5) و {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ~~أن أنذر قومك} (¬6) معناه: بأن أنذر قومك، فلما حذفت الباء تعدى الفعل ~~فنصب، ومنه فى أحد القولين: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله} ~~(¬7). PageV03P152 # قوله: {أن اعبدوا الله} فى موضع نصب على البدل من قوله: {ما أمرتني به}، ~~ويجوز أن تكون «أن» هاهنا مفسرة بمعنى «أى» فلا يكون لها موضع من الإعراب. # ومثال المجرور: {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا} (¬1) أى من قبل إتيانك. # وتقع بعد «عسى» فتكون مع صلتها فى تأويل مصدر منصوب، إذا كانت عسى ناقصة، ~~كقولك: عسى زيد أن ينطلق، ومثله: {عسى ربكم أن يرحمكم} (¬2)، وتكون فى ~~تأويل مصدر مرفوع إذا كانت عسى تامة، كقولك: عسى أن أنطلق، ومثله: {وعسى أن ~~تكرهوا شيئا} {وعسى أن تحبوا شيئا} (¬3). # والقسم الثانى من أقسامها: أن تكون مخففة من الثقيلة، ويليها الاسم ~~والفعل، فإذا وليها الاسم فلك فيه مذهبان: أحدهما أن تنصبه على نية ~~تثقيلها، تقول: علمت أن زيدا قائم، قال الشاعر: # فلو أنك فى يوم الرخاء سألتنى ... فراقك لم أبخل وأنت صديق (¬4) # وقال كعب بن زهير (¬5): # وقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبت شمالا PageV03P153 # بأنك ربيع وغيث مريع ... وقدما هناك تكون الثمالا # والمرملون: الذين لا زاد معهم. والمريع: الكثير النبات، غيث مريع، ومكان ~~مريع، وقد مرع المكان وأمرع. # وقوله: «وهبت شمالا» أضمر الريح ولم يجر لها ذكر، فنصب شمالا على الحال، ~~وقد أشبعت الكلام فى هذا النحو. # و «هناك» فى هذا البيت ظرف زمان، وإنما وضع ليشار به إلى المكان، واتسع ~~فيه، ومثله فى التنزيل: {هنالك الولاية لله الحق} (¬1) و {هنالك دعا زكريا ms584 ~~ربه} (¬2). # والثمال: الغياث. # ومما جاءت فيه «أن» معملة على هذا الوجه من أشعار المحدثين قول المتنبى (¬3): # وأنك بالأمس كنت محتلما ... شيخ معد وأنت أمردها # فى قوله: «محتلما» كلام رأيت إيراده لما فيه من الفائدة، وذلك أن ~~«محتلما» حال، وخبر «كان» قوله: «شيخ معد»، والعامل فى الحال «كان»، ومن ~~منع من إعمال «كان» فى الأحوال فغير مأخوذ بقوله؛ لأن الحال فضلة فى الخبر ~~منكورة، فرائحة الفعل تعمل فيها، فما ظنك بكان، وهى فعل PageV03P154 # متصرف، تعمل الرفع والنصب فى الاسم الظاهر والمضمر، وليست «كان» فى نصبها ~~الحال بأسوأ حالا من حرف التنبيه والإشارة، وحكى أبو زكريا فى تفسيره لشعر ~~المتنبى، عن أبى العلاء المعرى أنه قال: زعم بعض النحويين أن «كان» لا تعمل ~~فى الحال. قال: وإذا أخذ بهذا القول جعل العامل فى «محتلما» من قوله: # وأنك بالأمس كنت محتلما # الفعل المضمر الذى عمل فى قوله: «بالأمس». # وأقول: إن هذا القول سهو من قائله وحاكيه؛ لأنك إذا علقت قوله «بالأمس» ~~بمحذوف، فلا بد أن يكون «بالأمس» خبرا لأن أو لكان؛ لأن الظرف لا يتعلق ~~بمحذوف إلا أن يكون خبرا أو صفة أو حالا أو صلة، ولا يجوز أن يكون خبرا لأن ~~ولا لكان؛ لأن ظروف الزمان لا توقع أخبارا للجثث، ولا صفات لها، ولا صلات ~~ولا أحوالا منها. وإذا استحال أن يتعلق قوله «بالأمس» بمحذوف، علقته بكان، ~~وأعملت «كان» فى «محتلما». # والوجه الثانى من وجهى إعمال «أن»: أنك تعملها فى مقدر، وهو ضمير الشأن، ~~وتوقع بعدها الجملة خبرا عنها، كقولك: علمت أن زيد قائم، وأكثر قولى أن لا ~~إله إلا الله، ومنه قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} ~~(¬1) التقدير: أنه زيد قائم، وأنه لا إله إلا الله، وأنه الحمد لله، ومثله: ~~{أن لعنة الله على الظالمين} (¬2) فى قراءة من خفف ورفع، ومثله: {وناديناه ~~أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا} (¬3) التقدير: أنه قد صدقت الرؤيا، أو أنك ~~قد صدقت الرؤيا، ومنه PageV03P155 # قول الأعشى: # فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن ms585 هالك كل من يحفى وينتعل (¬1) # وإذا وليها الفعل لم يجمعوا عليها مع النقص الذى دخلها بحذف إحدى نونيها ~~وحذف اسمها، أن يليها مالا يجوز أن يليها وهى مثقلة، فكان الأحسن عندهم ~~الفصل بينها وبينه بأحد أربعة أحرف: السين وسوف ولا وقد، تقول: علمت أن ~~ستقوم، وأن سوف تقوم، وأن لا تقوم، وأن قد تقوم، وفى التنزيل: {علم أن ~~سيكون منكم مرضى} (¬2)، وفيه: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا} (¬3)، وقال جرير: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع (¬4) # وقال أمية بن أبى الصلت: # وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا ... أن سوف يتبع أخرانا بأولانا (¬5) # وربما وليها الفعل بغير فصل، كقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~(¬6)، وإنما حسن أن يليها «ليس» لضعف «ليس» فى الفعلية، وذلك لعدم تصرفها، ~~وقد وليها الفعل المتصرف فى الشعر فى قوله: # إنى زعيم يا نوي ... قة إن سلمت من الرزاح (¬7) PageV03P156 # وسلمت من عرض الحتو ... ف من الغدو إلى الرواح # أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطلاح # رفع الفعل لأنه أراد: أنك تهبطين. الرزاح (¬1): الإعياء، يقال: إبل ~~مرازيح ورزحى ورزاحى. # والطلاح: جمع الطلح، وهو شجر عظام كثير الشوك، وأما الطلح فى قوله تعالى: ~~{وطلح منضود} (¬2) فزعم المفسرون أنه الموز. # ... PageV03P157 ### || AUTO فصل # الأفعال التى تقع بعدها «أن» ثلاثة أضرب: ضرب قد ثبت فى النفوس واستقر، ~~وهو علمت وأيقنت، ورأيت فى معنى علمت. # وضرب بعكس هذا، نحو طمعت وخفت واشتهيت. # وضرب متوسط بينهما، وهو حسبت وخلت وظننت. # فالضرب الأول: لا يقع بعده إلا الثقيلة والمخففة منها؛ لأن التوكيد إنما ~~يقتضيه ما ثبت فى النفوس واستقر. # والضرب الثانى: لا يقع بعده إلا المصدرية، تقول: طمعت أن تزورنى، وخفت أن ~~تهجرنى، واشتهيت أن تواصلنى، وفى التنزيل: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي} ~~(¬1)، وفيه: {وأخاف أن يأكله الذئب} (¬2). # والضرب الثالث: يقع بعده المخففة والمصدرية، كما جاء فى التنزيل: {وحسبوا ~~ألا تكون فتنة} (¬3) قرئ برفع {تكون} ونصبها. # وقد جاءت المخففة من الثقيلة بعد الخوف، فى قول أبى محجن ms586 الثقفى: # إذا مت فادفنى إلى أصل كرمة ... تروى عظامى بعد موتى عروقها (¬4) # ولا تدفننى بالفلاة فإننى ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف فى قول الآخر: PageV03P158 # وما خفت يا سلام أنك قاطعى (¬1) # وأشد من هذا مجيئها بعده فى التنزيل، فى قوله: {ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله} (¬2). # والثالث من أقسام «أن»: استعمالها زائدة للتوكيد، كقولك: لما أن جاء زيد ~~أكرمته، وو الله أن لو أقمت لكان خيرا لك، قال (¬3): # ولما أن رأيت الخيل قبلا ... تبارى بالخدود شبا العوالى # القبل: جمع الأقبل، وهو الذى ينظر إلى طرف أنفه، وفى التنزيل: {فلما أن ~~جاء البشير} (¬4). # والرابع: كون «أن» بمعنى «أى» التى للعبارة والتفسير لما قبلها، كقولك: ~~دعوت الناس أن ارجعوا، معناه: أى ارجعوا، قال الله تعالى: {وانطلق الملأ ~~منهم أن امشوا} (¬5) معناه: أى امشوا، وقال: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~أن طهرا بيتي} (¬6) معناه: أى طهرا. وتكون هذه فى الأمر خاصة، ولا تجيء إلا ~~بعد كلام تام؛ لأنها تفسير، ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنها حرف يعبر به عن ~~المعنى (¬7). PageV03P159 ### || AUTO فصل # اختلف النحويون فى مواضع من كتاب الله، منها قوله: {يبين الله لكم أن ~~تضلوا} (¬1) ومنها: {يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من ~~بشير} (¬2)، ومنها: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين} (¬3)، ومنها: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} (¬4)، ~~ومنها: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} (¬5)، ومنها: {ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم} (¬6)، ومنها: {يخرجون الرسول ~~وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} (¬7)، وأضافوا إلى ذلك قول عمرو بن كلثوم (¬8): # نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا # فقال الكسائى والفراء (¬9): يبين الله لكم لئلا تضلوا، وقال أبو العباس ~~المبرد: # بل المعنى: كراهة أن تضلوا (¬10)، وكذلك قوله: {يخرجون الرسول وإياكم أن ~~تؤمنوا بالله ربكم}، قال الكوفيان (¬11): معناه لئلا تؤمنوا بالله، وقال ~~المبرد: كراهة أن تؤمنوا بالله، وكذلك قول عمرو بن كلثوم: PageV03P160 # فعجلنا القرى ms587 أن تشتمونا # قالا: معناه لئلا تشتمونا، وقال أبو العباس: أراد كراهة أن تشتمونا، وقال ~~على بن عيسى الرمانى: إن التقديرين فى قوله تعالى: {يبين الله لكم أن ~~تضلوا} واقعان موقعهما؛ لأن البيان لا يكون طريقا إلى الضلال، فمن حذف «لا» ~~فحذفها للدلالة عليها، كما حذفت للدلالة عليها من جواب القسم، فى نحو: ~~والله أقوم، أى لا أقوم، إلا أن أبا العباس حمل الحذف على الأكثر؛ لأن حذف ~~المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف «لا». # وأقول: ليس يجرى حذف «لا» فى نحو {يبين الله لكم أن تضلوا} مجرى حذفها من ~~جواب القسم؛ لأن الدلالة عليها إذا حذفت من جواب القسم قائمة؛ لأنك إذا ~~قلت: والله أقوم، لو لم ترد «لا» لجئت باللام والنون، فقلت: # لأقومن. # ... PageV03P161 ### || AUTO فصل # زعم بعض النحويين أن «أن» قد استعملت بمعنى «إذ (¬1)» فى نحو: هجرنى زيد ~~أن ضربت عمرا، قال: معناه إذ ضربت، واحتج بقول الله تعالى: {وعجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم} (¬2) قال: أراد: إذ جاءهم، وبقوله: {ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك} (¬3)، وبقوله: {إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين} (¬4)، وبقوله: {ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا} (¬5)، وبقوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام (¬6)}، وبقوله: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين} (¬7) ~~فى قراءة من فتح الهمزة، وبقول الشاعر (¬8): # سالتانى (¬9) ... الطلاق أن رأتانى # قل مالى قد جئتمانى بنكر # وبقول جميل (¬10): # أحبك أن سكنت جبال حسمى ... وأن ناسبت بثنة من قريب PageV03P162 # وبقول الفرزدق (¬1): # أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم # وهذا قول خال من علم العربية. والصواب أن «أن» فى الآى المذكورة والأبيات ~~الثلاثة، على بابها، فهى مع الفعل الذى وصلت به فى تأويل مصدر مفعول من ~~أجله، فقوله: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} معناه: لأن جاءهم، ومن أجل أن ~~جاءهم، وكذا التقدير فى جميع ما استشهد به، ثم أقول: إن تقدير «إذ» فى بعض ~~هذه الآى ms588 التى استشهد بها يفسد المعنى ويحيله، ألا ترى أن قوله تعالى: {ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} لا يصح إلا بتقدير: من أجل أن يكبروا، ~~ويفسد المعنى بتقدير: إذ يكبروا، ثم إذا قدرها فى هذه الآية بالظرف الذى هو ~~«إذ» ونصب بها الفعل، فحذف نون «يكبرون» كان فسادا ثانيا. # قول جميل: «ناسبت بثنة» اسم محبوبته بثينة، وإنما كبرها ضرورة، والبثنة: ~~الزبدة. # ... PageV03P163 ### | AUTO المجلس الموفى الثمانين [في ذكر زلات مكى بن أبى طالب المغربى، فى «مشكل إعراب القرآن:] # يتضمن ما وعدت به من ذكر زلات مكى بن أبى طالب المغربى، فى «مشكل إعراب ~~القرآن (¬1)». # فمن ذلك أنه قال فى قول الله سبحانه: {أولئك على هدى من ربهم} (¬2): # واحد أولئك: ذلك، فإذا كان للمؤنث فواحده ذى أو ذه أو تى. انتهى كلامه. # وأقول: إن أسماء الإشارة منها ما وضع للقريب، ومنها ما وضع للمتراخى ~~البعيد، ومنها ما وضع للمتوسط، فالموضوع للقريب المذكر ذا، والمؤنث ذى وذه ~~وتا، وللاثنين ذان، وللاثنتين تان، وللجماعة الذكور والإناث: ألاء، ممدود، ~~وألا، مقصور. # وقالوا للمتوسط: ذاك، فزادوا الكاف، وتيك، وذانك وتانك، وألاك وألائك. # وقالوا للمتباعد الغائب: ذلك، فزادوا اللام، وتلك وتالك، قال القطامى ~~(¬3): PageV03P164 # فإن لتالك الغمر (¬1) ... انقشاعا # وقالوا: ألالك، وعلى هذا أنشدوا: # ألالك قومى لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا ألالكا (¬2) # وقالوا فى المثنى: ذانك وتانك، فشددوا النون. فكان الصواب أن يذكر مع ~~أولئك: ذاك وتيك، فذكره ذى وذه خطأ، والصحيح أن نظير ذى وذه للمؤنث «تا»، ~~فأما «تى» فمجهولة فى أكثر الروايات. # وقال فى قوله: {والله محيط بالكافرين (¬3)}: أصل محيط: محيط، ثم ألقيت ~~حركة الياء على الحاء (¬4). # والصحيح أن أصل محيط: محوط؛ لأنه من حاط يحوط، والحائط أصله PageV03P165 # حاوط؛ لأنك تقول: حوطت المكان، إذا جعلت عليه حائطا، فألقيت كسرة الواو ~~على الحاء، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما صارت واو الوزن ~~والوقت والوعد ياء، فى ميزان وميقات وميعاد. # وقال فى قوله تعالى: {كلما أضاء لهم مشوا فيه} (¬1): كلما نصب على الظرف ~~بمشوا، وإذا ms589 كانت «كلما» ظرفا فالعامل فيها الفعل الذى هو جواب لها، وهو ~~{مشوا}؛ لأن فيها معنى الشرط، فهى تحتاج إلى جواب، ولا يعمل فيها {أضاء} ~~لأنه فى صلة «ما»، ومثله: {كلما رزقوا} (¬2) الجواب: {قالوا}، وهو العامل ~~فى «كل» و «ما» اسم ناقص، صلته الفعل الذى يليه (¬3). انتهى كلامه. # وأقول: إنه لا يجوز أن تكون «ما» فى «كلما» هذه ونظائرها اسما ناقصا؛ لأن ~~التقدير فيها إذا جعلتها ناقصة: كل الذى أضاء لهم البرق مشوا فى البرق؛ لأن ~~الهاء التى فى «فيه» تعود على البرق، فلا ضمير إذن فى الصلة يعود على ~~الموصول، ظاهرا ولا مقدرا، والصحيح أن «ما» هاهنا نكرة موصوفة بالجملة، ~~مقدرة باسم زمان، فالمعنى: كل وقت أضاء لهم البرق مشوا فيه. # فإن قيل: فإذا كانت نكرة موصوفة بالجملة، فلا بد أن يعود عليها من صفتها ~~عائد، كما لا بد أن يعود على الموصول عائد من صلته. # فالجواب: أن الجملة إذا وقعت صفة بخلافها إذا وقعت صلة؛ لأن الصلة مع ~~الموصول بمنزلة اسم مفرد، فلا معنى للموصول إلا بصلته، وليس كذلك الصفة مع ~~الموصوف. PageV03P166 # وإذا عرفت هذا فالعائد من الجملة الوصفية إلى الموصوف محذوف. # التقدير: كل وقت أضاء لهم البرق فيه مشوا فيه، فحذفت «فيه» هاهنا، كما ~~حذفت من الجملة الموصوف بها فى قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا} (¬1) التقدير: لا تجزى فيه، كما قال: {واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله} (¬2). # وقال فى قوله: {إلا إبليس} (¬3): إبليس: نصب على الاستثناء المنقطع، ولم ~~ينصرف لأنه أعجمى معرفة. وقال أبو عبيدة (¬4): هو عربى، مشتق من أبلس: إذا ~~يئس من الخير، ولكنه لا نظير له فى الأسماء، وهو معرفة فلم ينصرف لذلك. # قلت: إن كان يريد بقوله: «لا نظير له» فى وزنه، فليس هذا بصحيح؛ لأن مثال ~~«إفعيل» كثير فى العربية، كقولهم للطلع: إغريض، وللعصفر: إحريض، وللسنام ~~الطويل: إطريح. ولا خلاف فى أنك لو سميت بإغريض ونحوه لصرفت. # وإن كان يريد أنه لا نظير له فى هذا التركيب على هذا ms590 المثال، فكذلك إغريض ~~منفرد بهذا التركيب على هذا المثال، ولو انضم التعريف إلى ذلك لم يمتنع من ~~الصرف، وأبو عبيدة إنما كان صاحب لغة. # وقال فى قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد} PageV03P167 # {إيمانكم كفارا} (¬1): قوله: {كفارا} مفعول ثان ل {يردونكم}، وإن شئت ~~جعلته حالا من الكاف والميم فى {يردونكم (¬2)}. # قلت: لا يجوز أن يكون قوله: {كفارا} مفعولا ثانيا ل {يردونكم}؛ لأن «رد» ~~ليس مما يقتضى مفعولين (¬3)، كما يقتضى ذلك باب «أعطيت» بدلالة أنه إذا ~~قيل: أعطيت زيدا، قلت: ماذا أعطيته؟ فيقال: درهما، أو الدرهم الصحيح، أو ~~نحو ذلك. ولو قيل: رددت زيدا، لم تقل: ماذا رددته؟ فبهذا يعتبر (¬4) الفعل ~~المتعدى وغير المتعدى، ويزيد ذلك وضوحا أن منصوب «رددت» الثانى يلزمه ~~التنكير والاشتقاق، وأن يكون هو الأول، كقولك: رددت زيدا مسرورا، ورددته ~~ماشيا، ورددته راكبا، ولو كان مفعولا لم تلزمه هذه الأشياء؛ ألا ترى أنك تقول: # أعطيت زيدا الدرهم، فتجد فى المنصوب الثانى التعريف والجمود، وأنه غير ~~الأول، ثم يجوز مع هذا أن يكون المنصوب الثانى فى هذا الباب مضمرا، تقول: ~~الدرهم أعطيتكه، وأعطيتك إياه، وجميع هذه الأوصاف لا يصح منها وصف واحد فى ~~قولك: رددت زيدا راكبا ونحوه، حتى إن التعريف وحده ممتنع، تقول: رددتكم ~~ركبانا، ولا تقول: رددتكم الركبان، ولا رددتك الراكب. # وقال فى قوله: {حسدا من عند أنفسهم}: من متعلقة بحسد، فيجوز الوقف على ~~{كفارا}، ولا يجوز الوقف على {حسدا} وقيل: هى متعلقة ب {ود كثير}، ولا ~~يوقف على {كفارا} ولا على {حسدا} (¬5). PageV03P168 # قلت: إن قول النحويين: هذا الجار متعلق بهذا الفعل، يريدون أن العرب ~~وصلته به، واستمر سماع ذلك منهم، فقالوا: رغبت فى زيد، ورضيت عن جعفر، ~~وعجبت من بشر، وغضبت على بكر، ومررت بخالد، وانطلقت إلى محمد، وكذلك قالوا: ~~حسدت زيدا على علمه وعلى ابنه، ولم يقولوا: حسدته من ابنه، وكذلك «وددت» لم ~~يعلقوا به «من»، فثبت بهذا أن قوله: {من عند أنفسهم} لا يتعلق ب {حسدا} ~~ولا ب {ود}، ولكنه ms591 يتعلق بمحذوف يكون وصفا لحسد، أو وصفا لمصدر {ود}، ~~فكأنه قيل: حسدا كائنا من عند أنفسهم، أو ودا كائنا من عند أنفسهم. # وقال فى قوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون} (¬1) و {كذلك قال الذين من ~~قبلهم} (¬2): الكاف فى الموضعين فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، أى قولا مثل ~~ذلك قال الذين لا يعلمون، وقولا مثل ذلك قال الذين من قبلهم، ثم قال: ويجوز ~~أن يكونا فى موضع رفع على الابتداء، وما بعد ذلك الخبر (¬3). انتهى كلامه. # وأقول: لا يجوز أن يكون موضع الكاف فى الموضعين رفعا كما زعم؛ لأنك إذا ~~قدرتها مبتدأ احتاجت إلى عائد من الجملة، وليس فى الجملة عائد. # فإن قلت: أقدر العائد محذوفا، كتقديره فى قراءة من قرأ: «وكل وعد الله ~~الحسنى» (¬4) أى وعده الله، فأقدر: كذلك قاله الذين لا يعلمون، وكذلك قاله ~~الذين من قبلهم. لم يجز هذا؛ لأن {قال} قد تعدى إلى ما يقتضيه من منصوبه، ~~وذلك قوله {مثل قولهم} فلا يتعدى إلى منصوب آخر (¬5). PageV03P169 # وقال فى قوله عز وجل: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} (¬1): أن ~~تبروا فى موضع نصب، على معنى: فى أن تبروا، فلما حذف حرف الجر تعدى الفعل، ~~وقيل: تقديره: كراهة أن، وقيل: لئلا أن (¬2). انتهى كلامه. # وأقول: إن ما حكاه من أن التقدير: لئلا أن، خطأ فاحش؛ لتكرير «أن» وتبروا ~~مراد بعدها، فالتقدير: لئلا أن تبروا. وأن تبروا معناه: بركم، فالتقدير: ~~لئلا بركم. # ومما أهمل ذكره، ولم يفعل ذاك متعمدا، ولكنه خفى عليه، وهو من مشكل ~~الإعراب؛ لأن عامله محذوف: وجه النصب فى {فرجالا} من قوله: {فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا} (¬3). والقول فيه أن {فرجالا} هاهنا ليس بجمع رجل، وإنما ~~هو جمع راجل، كصاحب، وصحاب، وصائم وصيام، ونائم ونيام، وقائم وقيام، وتاجر ~~وتجار، وقد قالوا فى جمعه: رجل، كما قالوا: صحب وتجر وركب، ولكونه جمع ~~راجل، عطف عليه جمع راكب، وانتصابه على الحال، بتقدير: فصلوا رجالا، ودل ~~على هذا الفعل قوله: {حافظوا على الصلوات} (¬4) ثم قال: {فإن خفتم} فصلوا ms592 ~~رجلا أو على الركائب. ومن شواهد هذا الجمع قول عمرو بن قميئة (¬5): # ونكسو القواطع هام الرجال ... وتحمى الفوارس منا الرجالا # الرجال الأولى: جمع رجل، والثانية: جمع راجل. PageV03P170 # وقال فى قوله تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله} ~~(¬1): الكاف فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، تقديره: إبطالا كالذى (¬2). هذا ~~منتهى كلامه. # ومن عادته أن يقف على الموصولات بغير صلاتها، كما وقف على «أن» فى قوله: ~~لئلا (¬3) أن، وكراهة أن. # وأقول فى قوله: إن الكاف نعت لمصدر محذوف، تقديره إبطالا كالذى ينفق: إنه ~~قول فيه بعد وتعسف؛ لأن ظاهره تشبيه حدث بعين، ولا يصح إلا بتقدير حذفين ~~بعد حذف المصدر، أى إبطالا كإبطال إنفاق الذى ينفق ماله. # والوجه أن يكون موضع الكاف نصبا على الحال من الواو فى {تبطلوا} ~~فالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذى ينفق ماله رئاء الناس (¬4). فهذا ~~قول لا حذف فيه، والتشبيه فيه تشبيه عين بعين. # ومن زلاته فى سورة آل عمران: أنه قال فى قوله تعالى: {كدأب آل فرعون} ~~(¬5): الكاف فى موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، تقديره عند الفراء (¬6): ~~كفرت العرب كفرا ككفر آل فرعون. قال: وفى هذا القول إبهام للتفرقة بين ~~الصلة والموصول (¬7). أراد أن الكاف فى هذا القول قد دخلت فى صلة {الذين} PageV03P171 # من قوله: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ~~وأولئك هم وقود النار} (¬1). فبعدت من الناصب لها، وهو {كفروا}، وكان ~~الواجب على هذا المعرب (¬2) حيث أنكر قول الفراء، أن يعتمد على قول غيره، ~~ولا يقتصر على ذكر قول مناف لقياس العربية. # قال أبو إسحاق الزجاج: كدأب آل فرعون: أى كشأن آل فرعون. كذا قال أهل ~~اللغة. ويقال: دأبت أدأب دأبا ودأبا ودءوبا: إذا اجتهدت، وموضع الكاف رفع؛ ~~لأنها فى موضع خبر ابتداء. المعنى: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم، أى اجتهادهم فى كفرهم وتظاهرهم على النبى، كاجتهاد آل فرعون فى ~~كفرهم وتظاهرهم على موسى. # ولا يصلح أن تكون الكاف فى موضع نصب بكفروا، ms593 لأن كفروا فى صلة الذين، فلا ~~يصلح: إن الذين كفروا ككفر آل فرعون؛ لأن الكاف خارجة من الصلة، فلا يعمل ~~فيها ما فى الصلة (¬3). انتهى كلام الزجاج. # وهذا القول منه قول من نظر فى كتاب الفراء؛ لأنه حكى كلامه بلفظه. # وقال على بن عيسى الرمانى: كدأب آل فرعون: كعادتهم فى التكذيب بالحق، ~~وقيل: كعادتهم فى الكفر، وقيل: شأنهم كشأن آل فرعون فى عقاب الله إياهم، ~~والكاف فى {كدأب} يتصل بمحذوف، تقديره: عبادتهم كدأب آل فرعون، فموضع الكاف ~~رفع؛ لأنها فى موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها {كفروا}؛ لأن صلة ~~{الذين} قد انقطعت بالخبر. وهذا الكلام أيضا كلام من نظر فى كتاب الفراء. PageV03P172 # وقال فى نصب اليوم، من قوله: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} ~~(¬1): يوم منصوب ب {يحذركم} أى: ويحذركم الله نفسه فى يوم تجد، ثم قال: ~~وفيه نظر. وقال: ويجوز أن يكون العامل فيه فعلا مضمرا، أى: # واذكر يا محمد يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه {المصير} أى: وإليه ~~المصير فى يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه {قدير}، أى قدير فى يوم تجد (¬2). # انتهى كلامه. # وأقول: إنه لا يجوز أن يكون العامل فيه {يحذركم}؛ لأن تحذير الله للعباد ~~إنما يكون فى الدنيا دون الآخرة، ولا يصح أن يكون مفعولا به، كما كان كذلك ~~فى قوله: {وأنذرهم يوم الآزفة} (¬3)، وقوله: {لينذر يوم التلاق} (¬4)، ~~وقوله: {وأنذرهم يوم الحسرة} (¬5)، وإنما لم يجز أن يكون اليوم فى هذه ~~الآيات ظرفا؛ لأن الإنذار لا يكون فى يوم القيامة. فانتصب اليوم فيهن ~~انتصاب الصاعقة فى قوله: {فقل أنذرتكم صاعقة} (¬6)، وإنما لم يصح أن يكون ~~اليوم فى قوله: {يوم تجد} مفعولا به؛ لأن الفعل من قوله: {ويحذركم الله ~~نفسه} قد تعدى إلى ما يقتضيه من المفعول به، ولا يجوز أن يعمل فيه المصدر ~~الذى هو {المصير} للفصل بينهما (¬7)، ولا يعمل فيه أيضا {قدير}؛ لأن قدرة ~~الله على الأشياء كلها لا تختص بزمان دون زمان (¬8)، فبقى أن يعمل فيه ~~المضمر ms594 الذى هو «اذكر»، PageV03P173 # وإن شئت قدرت: احذروا يوم تجد كل نفس، فنصبته نصب المفعول به، كما نصبته ~~فى تقدير: اذكر، على ذلك. # وقال فى قول الله تعالى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} (¬1): # قوله: {إلا رمزا} استثناء ليس من الأول، وكل استثناء ليس من جنس الأول ~~فالوجه فيه النصب (¬2). انتهى كلامه. # وأقول: إن «إلا» فى قوله: {إلا رمزا} إنما هى لإيجاب النفى، كقولك: # ما لقيت إلا زيدا، فليس انتصاب {رمزا} على الاستثناء، ولكنه مفعول به ~~(¬3)، منتصب بتقدير حذف الخافض، والأصل: ألا تكلم الناس إلا برمز، أى ~~بتحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة بصوت، فالعامل الذى قبل «إلا» مفرغ فى ~~هذا النحو للعمل فيما بعدها، بدلالة أنك لو حذفت «إلا» وحرف النفى استقام ~~الكلام، تقول فى قولك: ما لقيت إلا زيدا: لقيت زيدا، وفى قولك: ما خرج إلا ~~زيد: خرج زيد، وكذلك لو قيل: آيتك أن تكلم الناس رمزا، كان كلاما صحيحا، ~~وليس كذلك الاستثناء فى نحو: ليس القوم فى الدار إلا زيدا، وإلا زيد، فلو ~~حذفت النافى والموجب فقلت: القوم فى الدار زيدا، أو زيد، لم يستقم الكلام. ~~وكذلك: ما خرج إخوتك إلا جعفر، لو قلت: خرج إخوتك جعفر، لم يجز، وكذلك ~~الاستثناء المنقطع، نحو: ما خرج القوم إلا حمارا، لو قلت: # خرج القوم حمارا، لم يستقم، فاعرف الفرق بين الكلامين. PageV03P174 # ثم أقول: إن المستثنى الذى ليس من جنس الأول يصح أن يقع به الفعل الذى ~~عمل فى الأول، تقول: ما لقيت أحدا إلا حمارا، فيصح أن تقول: لقيت حمارا، ~~وكذلك: ما مر بى أحد إلا غزالا، يصح أن تقول: مر بى غزال، ولا يصح أن توقع ~~التكليم بالرمز فتقول: كلمت رمزا، كما تقول: كلمت زيدا. # وقال فى قوله تعالى: {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله} (¬1): أن فى موضع خفض، بدل (¬2) من {كلمة}، وإن شئت فى موضع رفع، على ~~إضمار مبتدأ، تقديره: هى أن لا نعبد، ويجوز أن تكون مفسرة بمعنى أى، على أن ms595 ~~تجزم {نعبد} و {نشرك} بلا، ولو جعلت «أن» مخففة من الثقيلة رفعت {نعبد} و ~~{نشرك} وأضمرت الهاء (¬3). انتهى كلامه. # وأقول: أغرب الوجوه التى قد ذكرها فى إعراب {نعبد} وما عطف عليه الجزم. ~~قال الزجاج: لو كان {ألا نعبد إلا الله} بالجزم، {ولا نشرك} لجاز، على أن ~~تكون «أن» مفسرة فى تأويل أى، ويكون {ألا نعبد} على جهة النهى، والمنهى هو ~~الناهى فى الحقيقة، كأنهم نهوا أنفسهم (¬4). انتهى كلام أبى إسحاق. # وأقول: إن النهى قد يوجهه الناهى إلى نفسه، إذا كان له فيه مشارك، كقوله ~~لواحد أو لأكثر: لا نسلم على زيد، ولا ننطلق إلى أخيك، وكذلك الأمر، كقولك: ~~لنقم إلى زيد، ولننطلق إلى أخيك، كما جاء فى التنزيل: {ولنحمل خطاياكم} ~~(¬5). PageV03P175 # وليس لمكى فيما أورده من الكلام فى هذه الآية زلة، وإنما ذكرت ما ذكرته ~~فيها لما فيه من الفائدة. # وقال فى قوله جل وعز: {لن يضروكم إلا أذى} (¬1): أذى فى موضع نصب، ~~استثناء ليس من الأول (¬2). # وهذا القول نظير ما قاله فى قوله تعالى: {إلا رمزا} إنما {أذى} موضعه نصب ~~بتقدير حذف الخافض، أى لن يضروكم إلا بأذى؛ لأنك لو حذفت «لن» و «إلا» ~~فقلت: يضرونكم بأذى، كان مستقيما. # وقال فى قوله: {ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} (¬3): إنما وحد ~~الظالم لجريانه على موحد (¬4). # قوله: «وحد لجريانه على موحد» قول فاسد؛ لأن الصفة إذا ارتفع بها ظاهر ~~وحدت، وإن جرت على مثنى أو مجموع، نحو: مررت بالرجلين الظريف أبواهما، ~~وبالرجال الكريم آباؤهم؛ لأن الصفة التى ترفع الظاهر تجرى مجرى الفعل الذى ~~يرتفع به الظاهر، فى نحو: خرج أخواك، وينطلق غلمانك. # وحكى عن الفراء أن {الصابئون} من قول الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئون والنصارى} (¬5) معطوف على المضمر فى {هادوا}، فنسب إليه ما ~~لم يقله عن نفسه، وإنما حكاه عن الكسائى، وأبطله الفراء من وجه غير وجه ~~(¬6) PageV03P176 # أبطله به مكى، فقال فى كتابه الذى ضمنه معانى القرآن: قال الكسائى: # ترفع {الصابئون} على إتباعه الاسم الذى فى {هادوا} وتجعله ms596 من قوله: {إنا ~~هدنا إليك} أى تبنا، ولا تجعله من اليهودية. # قال الفراء: وجاء التفسير بغير ذلك؛ لأنه أراد بقوله: {الذين آمنوا}: # الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى ~~والصابئين، فقال: {من آمن} منهم فله كذا وكذا، فجعلهم منافقين ويهودا ~~ونصارى وصابئين. انتهى كلام الفراء (¬1). # يعنى أنه إذا صار معنى {هادوا}: تابوا هم والصابئون، بطل ذكر اليهود فى ~~الآية. وأما الوجه الذى أبطل به مكى قول الكسائى وعزاه إلى الفراء، فقوله: # وقد قال الفراء فى {الصابئون}: هو عطف على المضمر فى {هادوا}، قال: # وهذا غلط؛ لأنه يوجب أن يكون الصابئون والنصارى يهودا، وأيضا فإن العطف ~~على المضمر المرفوع قبل أن يؤكد أو يفصل بينهما بما يقوم مقام التوكيد، ~~قبيح عند بعض النحويين. # ثم ذكر وجوها فى رفع الصابئين. وأقول: إنك إذا عطفت على اسم «إن» قبل ~~الخبر، لم يجز فى المعطوف إلا النصب، نحو إن زيدا وعمرا منطلقان، ولا يجوز ~~أن ترفع المعطوف حملا على موضع إن واسمها؛ لأن موضعهما رفع بالابتداء، ~~فتقول: إن زيدا وعمرو منطلقان؛ لأن قولك: عمرو رفع بالابتداء، ومنطلقان خبر ~~عنه وعن اسم إن، فقد أعملت فى الخبر عاملين: الابتداء وإن، وغير جائز أن ~~يعمل فى اسم عاملان، وإن لم تثن الخبر فقلت: إن زيدا وعمرو منطلق، ففى ذلك ~~قولان: أحدهما أن يكون خبر إن محذوفا، دل عليه الخبر المذكور، فالتقدير: إن PageV03P177 # زيدا منطلق وعمرو منطلق، وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأخفش (¬1)، وأبو ~~العباس المبرد. # والآخر قول سيبويه (¬2)، وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إن، وخبر المعطوف ~~محذوفا، فالتقدير: إن زيدا منطلق وعمرو كذلك. فالتقدير فى الآية على المذهب ~~الأول: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله-أى من آمن منهم بالله- ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم، [والصابئون والنصارى من آمن منهم ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم (¬3)] فحذف الخبر الأول ~~لدلالة الثانى عليه. # وعلى المذهب الآخر، وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إن، وخبر الصابئين ~~والنصارى محذوفا، كأنه قيل: ms597 والصابئون والنصارى كذلك. # ... PageV03P178 ### | AUTO المجلس الحادى والثمانون # يتضمن ذكر ما لم نذكره من زلات مكى # فمن ذلك غلطه فى قوله تعالى، فى سورة الأنعام: {وكذلك نفصل الآيات ~~ولتستبين سبيل المجرمين} (¬1) قال: من قرأ بالتاء ونصب ال {سبيل} جعل ~~التاء علامة خطاب واستقبال، وأضمر اسم النبى فى الفعل. # ومن قرأ بالتاء ورفع ال {سبيل} جعل التاء علامة تأنيث واستقبال، ولا ~~ضمير فى الفعل، ورفع ال {سبيل} بفعله. حكى سيبويه (¬2): استبان الشىء، ~~واستبنته أنا. # فأما من قرأ بالياء ورفع ال {سبيل} فإنه ذكر ال {سبيل} لأنه مما يذكر ~~ويؤنث (¬3)، ورفعه بفعله. # ومن قرأ بالتاء (¬4) ونصب ال {رحيم} أضمر اسم النبى عليه السلام فى ~~الفعل، ونصب ال {سبيل} لأنه مفعول به، واللام فى {لتستبين} متعلقة بفعل ~~محذوف، تقديره: ولتستبين سبيل المجرمين فصلناها (¬5). انتهى كلامه. PageV03P179 # وأقول: إنه غلط فى قوله: «واستقبال» بعد قوله: «جعل التاء علامة خطاب، ~~وجعل التاء علامة تأنيث»؛ لأن مثال «تستفعل» لا شبه بينه وبين مثال الماضى ~~فتكون التاء علامة للاستقبال، فقولك: تستقيم أنت وتستعين هى، لا يكون إلا ~~للاستقبال، تقول: أنت تستقيم غدا، وهى تستعين بك بعد غد، ولا تقول: تستقيم ~~أمس، ولا تستعين أول من أمس، فهو بخلاف «تفعل»؛ لأنك إذا قلت: أنت تبين ~~حديثها، وهى تبين حديثك، أردت: تتبين، فحذفت التاء الثانية استثقالا للجمع ~~بين مثلين متحركين، كما حذفت [من قوله (¬1)]: {تنزل الملائكة والروح} (¬2) ~~الأصل: تتنزل، ففعل فيه ما ذكرنا من حذف الثانية، ولما حذفت التاء من قولك: ~~تتبين، صار بلفظ الماضى فى قولك: قد تبين الحديث، وفى قوله تعالى: {قد تبين ~~الرشد من الغي} (¬3) فحصل الفرق بين الماضى والمستقبل باختلاف حركة آخرهما، ~~ففى هذا النحو يقال: التاء للخطاب والاستقبال، أو للتأنيث والاستقبال. # السبيل مما ذكروه، وأنثوه، فالتأنيث فى قوله تعالى: {قل هذه سبيلي} (¬4)، ~~والتذكير فى قوله: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل ~~الغي يتخذوه سبيلا} (¬5). # وقال فى {جنات} من قوله عز وجل: {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء ms598 فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها ~~قنوان دانية وجنات من أعناب} (¬6): من نصب {جنات} PageV03P180 # عطفها على {نبات}، وقد روى الرفع عن عاصم (¬1)، على الابتداء، بتقدير: ~~ولهم جنات، ولا يجوز عطفها على {قنوان}؛ لأن الجنات لا تكون من النخل (¬2). # أراد أنك لا ترفع {جنات} بالعطف على {قنوان}، من قوله: {قنوان دانية}؛ ~~لأن القنوان جمع قنو، وهو العذق التام، ويقال له أيضا: الكباسة، فلو عطفت ~~{جنات} على {قنوان} صار المعنى: ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب. # فقوله (¬3): لأن الجنات لا تكون من النخل، فيه لبس؛ لأنه يوهم أنها لا ~~تكون إلا من العنب دون النخل، وليس الأمر كذلك، بل قد تكون الجنة من العنب ~~على انفراده، وتكون من النخل على انفراده، وتكون منهما معا، فدلالة كونها ~~منهما معا قوله: {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب} (¬4)، ودلالة كونها من ~~النخل بانفراده قول زهير (¬5): # كأن عينى فى غربى مقتلة ... من النواضح تسقى جنة سحقا # قوله: «سحقا» صفة لمضاف محذوف، فالتقدير: تسقى نخل جنة سحقا؛ لأن السحق ~~جمع سحوق، وهى النخلة الباسقة، فكان الصواب أن يقول: # لأن الجنات التى من الأعناب لا تكون من النخل. # قول زهير: # كأن عينى فى غربى مقتلة PageV03P181 # الغربان: الدلوان الضخمان. والمقتلة: المذللة، وإنما جعلها مذللة؛ لأن ~~المذللة تخرج الغرب ملآن يسيل من نواحيه، والصعبة تنفر فتهريقه، فلا يبقى ~~منه إلا صبابة، وكل بعير استقى عليه فهو ناضح، والرجل الذى يستقى عليه ناضح (¬1). # ومن أغاليطه قوله فى قوله تعالى، فى سورة الأعراف: {حتى إذا اداركوا ~~فيها} (¬2): أصل {اداركوا} تداركوا، ثم أدغمت التاء فى الدال، فسكن أول ~~المدغم، فاحتيج إلى ألف الوصل، فثبتت الألف فى الخط، ولا تستطاع على وزنها ~~مع ألف الوصل؛ لأنك ترد الزائد أصليا، فتقول: وزنها افاعلوا، فتصير تاء ~~«تفاعلوا» فاء الفعل؛ لإدغامها فى فاء الفعل، وذلك لا يجوز، فإن وزنتها على ~~الأصل جاز فقلت: تفاعلوا (¬3). انتهى كلامه. # وأقول: إن عبارته فى هذا الفصل مختلة، ورأيت فى نسخة من هذا ms599 التأليف: # «لا يستطاع على وزنها» بالياء. والصحيح استعماله بغير الجار: لا يستطاع ~~وزنها (¬4)؛ لأن «استطعت» مما يتعدى بنفسه، كما جاء: {فلا يستطيعون توصية ~~(¬5)}، و «تستطاع» بالتاء جائز على قلق فيه، وكان الأولى أن يقول: # ولا يسوغ وزنها مع التلفظ بتاء «تفاعلوا» فاء، ثم إن منعه أن توزن هذه ~~الكلمة وفيها ألف الوصل غير جائز؛ لأنك تلفظ بها مع إظهار التاء، فتقول: ~~وزن اداركوا: اتفاعلوا، وإن شئت قلت: ادفاعلوا، فلفظت بالدال المبدلة من التاء. # وقال فى قوله تعالى: {ساء مثلا القوم} (¬6): فى {ساء} ضمير الفاعل، و ~~{مثلا} تفسير، و {القوم} رفع بالابتداء، وما قبلهم خبرهم، أو رفع على PageV03P182 # إضمار مبتدأ، تقديره: ساء المثل مثلا هم القوم الذين كذبوا، مثل نعم رجلا زيد. # وقال الأخفش (¬1): تقديره: ساء مثلا مثل القوم (¬2). # قلت: ساء بمنزلة بئس، وهذا الباب لا يكون فيه المقصود بالذم أو المدح إلا ~~من جنس الفاعل، فلا يجوز: بئس مثلا غلامك، إلا أن يراد: مثل غلامك، فيحذف ~~(¬3) المضاف. فقول الأخفش هو الصواب، ومن زعم أن التقدير: ساء مثلا هم ~~القوم، فقد أخطأ خطأ فاحشا. # ومن الأغاليط الشنيعة أقوال حكاها فى سورة الأنفال، فى قوله تعالى: {كما ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق} (¬4) قال: الكاف من {كما} فى موضع نصب، نعت لمصدر ~~{يجادلونك} أى جدالا كما، وقيل: هى نعت لمصدر يدل عليه معنى الكلام، ~~تقديره: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك، وقيل: هى نعت لحق، أى ~~هم المؤمنون حقا كما. وقيل: الكاف فى موضع رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق، فاتقوا الله، فهو ابتداء وخبر. وقيل: الكاف بمعنى الواو للقسم، ~~أى الأنفال لله والرسول والذى أخرجك (¬5). انتهى كلامه. # وهذه أقوال رديئة منحرفة عن الصحة انحرافا كليا، وأوغلها فى الرداءة ~~القول الرابع والخامس. فقوله: الكاف من {كما} فى موضع رفع بالابتداء، وخبره ~~{فاتقوا الله} (¬6) قول ظاهر الفساد، من وجوه، أحدها أن الجملة التى PageV03P183 # هى {فاتقوا الله} مع تقديمها على الكاف، بينها وبين الكاف فصل بثلاث ~~آيات، وبعض آية رابعة، وهذا الفاصل ms600 مشتمل على عشر جمل، وليس (¬1) فى كلام ~~العرب، ولا فى الشعر الذى هو محل الضرورات خبر قدم على المخبر عنه، مع ~~الفصل بينهما بعشر جمل أجنبية. # والثانى: دخول الفاء فى الجملة التى زعم أنها الخبر، والفاء لا تدخل فى ~~خبر المبتدأ إلا أن يغلب عليه شبه الشرط، بأن يكون اسما موصولا بجملة ~~فعلية، أو يكون نكرة موصوفة، كقولك: الذى يزورنى فله درهم، وكل رجل يزورنى ~~فله درهم، أو يكون خبر المبتدأ الواقع بعد «أما». # والثالث: أن الجملة التى هى قوله: {فاتقوا الله} خالية من ضمير يعود على ~~الكاف الذى زعم أنه مبتدأ، وهى مع ذلك جملة أمرية، والجمل الأمرية لا تكاد ~~تقع أخبارا إلا نادرا، وتمثيل هذا الذى قد قرره قائله-وهو تقرير باطل- ~~قولك: فاتق الله كما أخرجك زيد من الدار، وأى فائدة فى انعقاد هذين ~~الكلامين؟ والقول الآخر التابع لما قبله فى الرذالة، والآخذ بالحظ الوافر ~~من الاستحالة قول من زعم أن الكاف للقسم، بمنزلة الواو، وهذا مما لا يجوز ~~حكايته، فضلا عن تقبله، وما علمت فى مذهب أحد ممن يوثق بعلمه فى النحو؛ ~~بصرى ولا كوفى، أن الكاف تكون بمنزلة الواو فى القسم (¬2)، فلو قال قائل: ~~كالله لأخرجن، يريد: والله لأخرجن، لاستحق أن يبصق فى وجهه. ثم إنه جعل هذا PageV03P184 # القسم واقعا على أول السورة، وجعل «ما» التى فى قوله: {كما أخرجك} بمعنى ~~الذى، وجعلها واقعة على القديم تعالى جده، مع جعله الكاف بمعنى الواو، فقال ~~فى حكايته: الأنفال لله والرسول والذى أخرجك. وهذا لو كان على ما تلفظ به ~~لوجب أن يكون فاعل {أخرجك} مضمرا عائدا على «الذى»، وكيف يكون فى {أخرجك} ~~ضمير، والفاعل {ربك}؟ فكأنه قيل: الأنفال لله والرسول والذى أخرجك ربك. ثم ~~تعليقه لهذا الذى زعم أنه قسم، بأول السورة يجرى مجرى القول الذى قبله فى ~~تباعد المتعاقدين. # وأما قوله: إن موضع الكاف نصب على أنها نعت لمصدر {يجادلونك} فإنه أيضا ~~قول فاسد؛ لأن قوله: {يجادلونك في الحق} معناه: فى إخراجك من بيتك وخروجهم ~~معك، فلهذا ms601 قال: {كأنما يساقون إلى الموت} فيكون المعنى على هذا التأويل: ~~يجادلونك فى إخراجك من بيتك جدالا مثل ما أخرجك ربك من بيتك. فهذا تشبيه ~~الشىء بنفسه؛ لأنه تشبيه إخراجه من بيته بإخراجه من بيته. # وقوله: إن الكاف تكون نعتا لمصدر يدل عليه (¬1) معنى الكلام، تقديره: قل ~~الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك. فهذا أيضا ضعيف لتباعد ما ~~بينهما. # وأقرب هذه الأقوال إلى الصحة قوله: إن الكاف تكون نعتا للمصدر الذى هو ~~{حقا} (¬2) لأمرين: أحدهما تقارب ما بينهما، والآخر: أن إخراجه من بيته كان ~~حقا، بدلالة وصفه له بالحق فى قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق}. # وإيراد مكى لهذه الأقوال الفاسدة، من غير إنكار شيء منها دليل على أنه ~~كان مثل قائليها فى عدم البصيرة. PageV03P185 # والقول فى تحقيق إعراب هذا الحرف (¬1): أن قوله تعالى: {يسئلونك عن ~~الأنفال} الآية، نزلت فى أنفال أهل بدر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~(¬2) لما رأى قلة أصحابه وكراهيتهم للقتال قال ليرغبهم فى القتال: «من قتل ~~قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا (¬3)». فلما فرغ من أهل بدر قام سعد ~~بن معاذ (¬4)، فقال: يا رسول الله، إن نفلت هؤلاء ما سميت لهم بقى كثير من ~~المسلمين بغير شيء. فأنزل الله: {قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله} فى قسمة الغنائم، فهى له يصنع فيها ~~ما يشاء. فسكتوا وفى أنفسهم من ذلك كراهية، وهو قوله: {كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق} على كره منهم من المسلمين، فامض لأمر الله فى المغانم، كما ~~مضيت على مخرجك وهم له كارهون. فموضع الكاف على هذا رفع، بأنها مع ما اتصلت ~~به خبر مبتدأ محذوف، فالتقدير: كراهيتهم لقسمتك الأنفال كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، فقوله: {كما أخرجك} معناه: مثل ~~إخراجك. وإن قدرت المبتدأ «هذا» وأشرت به إلى كراهيتهم لقسمة النبى ~~للأنفال، فأردت: هذا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فحسن. وبالله التوفيق. # ومن أغاليطه فى سورة ms602 براءة، ما قاله فى قوله تعالى: {الذين يلمزون} PageV03P186 # {المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم} (¬1) قال: {والذين لا يجدون} فى موضع خفض، عطف على {المؤمنين}، ولا ~~يحسن عطفه على {المطوعين}؛ لأنه لم يتم اسما بعد؛ لأن {فيسخرون} عطف على ~~{يلمزون} هكذا ذكر النحاس فى الإعراب له، وهو عندى وهم (¬2). انتهى كلامه. # يعنى أن النحاس ذكر أن قوله (¬3): {والذين لا يجدون} عطف على {المطوعين} ~~ومنع هو من هذا؛ لأن {المطوعين} بزعمه لم تتم صلته، وليس الأمر على ما قال، ~~بل صلة الألف واللام من {المطوعين} آخرها قوله: {في الصدقات}، واحتج بأن ~~{المطوعين} لم تتم صلته بعطف {فيسخرون} على {يلمزون} وأى حجة فى هذا، و ~~{يلمزون} قبل {المطوعين}؟ وزعم أن {الذين لا يجدون} عطف على {المؤمنين}، ~~وهذا غير صحيح؛ لأن تقدير الكلام على قوله: يلمزون من تطوع من المؤمنين، ~~ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم، فيكون الذين لا يجدون إلا جهدهم غير مؤمنين؛ ~~لأن المعطوف يلزمه أن يكون غير المعطوف عليه، تقول: جاءنى أصحابك والرجال ~~النصارى، فيكون النصارى غير أصحابه، وجاءنى الرجال النصارى وأصحابك، فيكون ~~أصحابه غير نصارى. PageV03P187 # والصواب عطف {الذين لا يجدون} على {المطوعين}، فالتقدير: # يلمزون الأغنياء المتطوعين، ويلمزون ذوى الأموال الحقيرة، الذين لا يجدون ~~إلا جهدهم، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف أتى بصرة من ذهب تملأ الكف، وأتى رجل ~~يقال له: أبو عقيل (¬1) بصاع من تمر، فعابه المنافقون بذلك، فقالوا: رب ~~محمد غنى عن صاع هذا. فالنحاس إذن مصيب (¬2)، والراد عليه هو المخطئ. # وقال فى قوله تعالى، فى سورة يونس: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير} (¬3) قوله: {استعجالهم} مصدر، تقديره: استعجالا مثل استعجالهم، ثم ~~أقام الصفة، وهى «مثل» مقام الموصوف، وهو الاستعجال، ثم أقام المضاف إليه، ~~وهو «استعجالهم» مقام المضاف، وهو «مثل» هذا مذهب سيبويه. وقيل: تقديره: ~~كاستعجالهم، فلما حذف حرف الجر نصب. ويلزم من قدر حذف حرف الجر منه أن ~~يجيز: زيد الأسد، فينصب الأسد، على تقدير: # كالأسد (¬4). # قلت: لا يلزم من ms603 قدر الكاف فى قوله: {استعجالهم} أن يجيز: زيد الأسد؛ لأن ~~الكاف حرف شاعت فيه الاسمية، حتى دخل عليه الخافض، وأسند إليه الفعل (¬5)، ~~وليس من الحروف الخافضة التى إذا أسقطتها نصبت ما بعدها، وإنما هى أداة ~~تشبيه، إذا حذفت جرى ما بعدها على إعراب ما قبلها، كقولك: فينا رجل كأسد، ~~ورأيت رجلا كأسد، ومررت برجل كأسد، تقول إذا ألقيتها: فينا رجل أسد، ورأيت ~~رجلا أسدا، ومررت برجل أسد، فلا يجوز: زيد الأسد، بالنصب؛ لأن منزلتها ~~منزلة «مثل» فى قولك: زيد مثل بكر، تقول إذا حذفت PageV03P188 # «مثلا»: زيد بكر، كما قال تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} (¬1)، ولعمرى إن قول ~~سيبويه (¬2) فى الآية هو الوجه. ومن قدر الكاف وحذفها، فنصب ما بعدها، فلأن ~~ما قبلها منصوب. # وقال فى قوله تعالى: {فزيلنا بينهم} (¬3): هو فعلنا، من زلت الشىء عن ~~الشىء، فأنا أزيله: إذا نحيته، والتشديد للتكثير، ولا يجوز أن يكون فيعلنا، ~~من زال يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، فيقال: زولنا. وحكى الفراء (¬4) أنه قرئ: # «فزايلنا» من قولهم: لا أزايل فلانا، أى لا أفارقه. ومعنى زايلنا وزيلنا ~~واحد (¬5). # انتهى كلامه. # أما قوله: لا يجوز أن يكون فيعلنا من زال يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، ~~فيقال: زولنا. فغير صحيح، من قبل أنه لو كان فيعلنا من زال يزول، كان أصله: ~~زيولنا، ثم يصير الواو ياء لوقوع الياء قبلها ساكنة، ثم تدغم الياء فى ~~الياء، فيقال: زيلنا، وذلك أن من شرط الياء والواو إذا تلاصقتا والأولى ~~منهما ساكنة: أن تقلب الواو ياء، ولا تقلب الياء واوا كما زعم مكى. فمما ~~تقدمت فيه الياء قولهم فى فيعل من الموت: ميت، ومن هان يهون، وساد يسود: ~~هين وسيد. الأصل: # ميوت وهيون وسيود، ففعل فيهن ما ذكرنا. # ومما تقدمت فيه الواو: الشى والطى واللى، مصادر: شويت وطويت ولويت، ~~أصلهن: شوى وطوى ولوى، ثم صرن إلى القلب والإدغام. PageV03P189 # وقال فى قوله تعالى، فى سورة الحجر: {إن المتقين في جنات وعيون.} # {ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا} (¬1): إخوانا ~~حال من ms604 {المتقين}، أو من الضمير المرفوع فى {ادخلوها}، أو من الضمير فى ~~{آمنين}، ويجوز أن يكون حالا مقدرة من الهاء والميم فى {صدورهم} (¬2). # وأقول: إن «إن» ليست من الحروف التى تنصب الأحوال، كما تنصبها «كأن» فى ~~نحو: كأن زيدا محاربا أسد، لما فى «كأن» من التشبيه الذى ضارعت به الفعل، ~~ولكن يجوز أن يكون قوله: {إخوانا} حالا من المضمر فى الظرف الذى هو خبر ~~«إن»؛ لأنه ظرف تام (¬3)، والظروف التوام تنصب الأحوال؛ لنيابتها عن ~~الاستقرار أو الكون، فالتقدير: إن المتقين مستقرون فى جنات. وجاز أن يكون ~~{إخوانا} حالا من هذا الضمير على ضعف، وذلك لبعد الحال منه؛ لأن مجموع هذه ~~الآيات تشتمل على ثلاث جمل: الأولى {إن المتقين في جنات}، والثانية: ~~{ادخلوها بسلام}، والثالثة: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} فإن جعلت {إخوانا} ~~حالا من الواو فى {ادخلوها} فهى حال مقدرة (¬4) لقوله: {على سرر متقابلين}؛ ~~لأنهم لا يدخلونها وهم متقابلون على سرر، وإنما يكون ذلك بعد الدخول، ~~فالتقدير: مقدرين التقابل على سرر، وإن جعلت الحال من المضمر فى {آمنين} ~~فحسن، وإن جعلتها من الضمير الذى هو الهاء والميم فى {صدورهم} فالحال من ~~المضاف إليه ضعيفة، وقد بسطت القول فى هذا النحو، فيما تقدم (¬5). ولكن ~~يجوز ويحسن أن يكون قوله: {إخوانا} حالا من PageV03P190 # هذا الضمير شيئان: أحدهما قربه منه، والآخر أن المضاف الذى هو «الصدور» ~~بعض المضاف إليه، فكأنه قيل: ونزعنا ما فيهم من غل، فليس هذا المضاف ~~كالمضاف فى قول تأبط شرا: # سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى (¬1) # فاعرف الفرق بين الحالين. # وقال فى قوله عز وجل، فى سورة مريم: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد} ~~(¬2): ذهب يونس إلى أن {أيهم} رفع بالابتداء، لا على الحكاية، ويعلق (¬3) ~~الفعل، وهو {لننزعن} فلا يعمله فى اللفظ، ولا يجوز تعليق مثل {لننزعن} عند ~~سيبويه والخليل (¬4)، وإنما يجوز أن تعلق (¬5) أفعال الشك وشبهها، مما لم ~~يتحقق وقوعه (¬6). # قلت: اختصاصه بالتعليق أفعال الشك وشبهها مما لم يتحقق وقوعه. # خطأ؛ لأن أفعال العلم تعلق، ولها فى تحقق الوقوع ms605 القدم الراسخة، فمما علق ~~فيه الماضى منها عن لام الابتداء قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له ~~في الآخرة من خلاق (¬7)}، ومما علق فيه المستقبل منها عن الاسم الاستفهامى قوله: # {ولتعلمن أينا أشد عذابا} (¬8). # ... PageV03P191 # هذه جملة ما علقت به من سقطات هذا الكتاب، على أننى لم أبالغ فى تتبعها، ~~وإنما ذكرت هذه الردود على هذه الأغاليط؛ لئلا يغتر بها مقصر فى هذا العلم ~~فيعول عليها ويعمل بها. والله ولى التوفيق للصلاح فى كل ما أنويه وأعتمده، ~~بمنه وطوله. ### || AUTO مما دقق فيه أبو الطيب # قوله # لا يستكن الرعب بين ضلوعه ... يوما ولا الإحسان أن لا يحسنا (¬1) # وأقول: إن الإحسان فى اللغة على معنيين: الأول نظير الإنعام، ونقيض ~~الإساءة، ويتعدى فعله بحرف خفض، إما «إلى» أو «الباء»، تقول: أحسنت إليه، ~~كما جاء: {وأحسن كما أحسن الله إليك} (¬2)، وإن شئت: أحسنت به، كما جاء: ~~{وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} (¬3)، وكذلك نقيضه، تقول: # أسأت إليه، وأسأت به. قال كثير: # أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت (¬4) # والثانى: أن يكون الإحسان بمعنى إجادة العمل، يقال: هو يحسن كذا: # إذا كان عارفا به، حاذقا له، وفعله يتعدى بنفسه كما ترى، ومنه فى ~~التنزيل: {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} (¬5)، وقال امرؤ القيس: PageV03P192 # وقد زعمت بسباسة اليوم أننى ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالى (¬1) # وقال الراجز (¬2): # قد قارعت معن قراعا صلبا ... قراع قوم يحسنون الضربا # فقول أبى الطيب: «أن لا يحسنا» معمول الإحسان، فكأنه قال: # ولا يستكن بين ضلوعه أن يحسن أن لا ينعم، ومثله قول الآخر: # يحسن أن يحسن حتى إذا ... رام سوى الإحسان لم يحسن (¬3) # المعنى: يجيد أن ينعم حتى إذا ما رام سوى الإنعام لم يجد ما رامه. # ومن قيله: # منى كن لى أن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب (¬4) # ليالى عند البيض فوداى فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندى عاب # منى: مبتدأ وإن كان نكرة، وقد يفيد الابتداء بالنكرة إذا أخبرت عنها ~~بجملة تتضمن اسما معرفة، كقولك: ms606 امرأة خاطبتنى، وكذلك إن أخبرت بظرف مضاف ~~إلى معرفة، كقولك: رجل خلفك، قال الهذيل بن مجاشع: # ونار القرى فوق اليفاع ونارهم ... مخبأة، بت عليها وبرنس (¬5) # البت: الكساء الغليظ، وإنما ضعف الابتداء بالنكرة؛ لأن النفس تتنبه ~~بالمعرفة على طلب الفائدة، وإذا كان المخبر عنه مجهولا كان المخبر حقيقا ~~باطراح الإصغاء إلى PageV03P193 # خبر من لا يعرفه. وحد الكلام إذا كان المبتدأ منكورا وتضمن خبره اسما ~~معروفا أن يقدم الخبر، كقولك: لزيد مال؛ لأن الغرض فى كل خبر أن يتطرق إليه ~~بالمعرفة فيصدر الكلام بها، وهذا موجود هاهنا؛ لأنك وضعت زيدا مجرورا لتخبر ~~عنه بأن له مالا قد استقر له، فقولك: لزيد مال، فى تقدير: زيد ذو مال، ~~فالمبتدأ الذى هو «مال» هو الخبر فى الحقيقة، وقولك: «لزيد» هو المبتدأ فى ~~المعنى. # وقوله: «منى كن لى» مفيد؛ لأن فى ضمن الخبر ضمير المتكلم، وهو أعرف ~~المعارف. ولو قال: منى كن لرجل، لم يحصل بذلك فائدة؛ لخلوه من اسم معروف. ~~فاحتفظ بهذا الفصل فإنه أصل كبير. # وقوله: «أن البياض خضاب» منقطع من أول البيت، وتحتمل «أن» الرفع والنصب، ~~فالرفع على إضمار مبتدأ، كأنه قال: إحداهن أن البياض خضاب، أو أقدمهن أن ~~البياض خضاب؛ لأنه قد أخبر بأن ذلك كان فى أيام حداثته وريعان شبيبته بقوله: # ليالى عند البيض فوداى فتنة # الفود: معظم شعر اللمة مما يلى الأذنين. # وأما النصب فعلى إضمار «تمنيت» لدلالة «منى» عليه، كما أضمر «نتبع» فى ~~قوله تعالى: {قل بل ملة إبراهيم} (¬1)، وكإضمار «اشدد» فى قول أحيحة بن ~~الجلاح (¬2): PageV03P194 # ألا أبلغ سهيلا أننى ما عشت كافيكا # حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا (¬1) # فإن قيل: إن التمنى مما لم يثبت كالرجاء والطمع، فلا يقع على «أن» ~~الثقيلة؛ لأنها للتحقيق، فهى أشبه بأفعال اليقين، وإنما يقع التمنى وما ~~شاكله على «أن» الخفيفة؛ لأنها تخلص الفعل للاستقبال، فهى أشبه بالطمع ~~والرجاء والتمنى، من حيث تعلقت هذه المعانى بما يتوقع، ومنه قول لبيد: # تمنى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر (¬2) # قيل: ms607 لا يمتنع وقوع التمنى على «أن» الثقيلة، كما لم يمتنع وقوع «وددت» ~~عليها، ووددت وتمنيت بمعنى واحد، فمن ذلك فى التنزيل: {وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم} (¬3). # ويدلك على أن وددت وتمنيت معناهما واحد، قوله تعالى: {يومئذ يود الذين ~~كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} (¬4). والمعنى: لو يجعلون والأرض ~~سواء، كما قال: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا} (¬5). # وهذا استدلال أبى على. PageV03P195 # ويجرى مجرى التمنى فيما ذكرته الخوف، وقد جاء: {وأخاف أن يأكله الذئب ~~(¬1)}، وقد جاء: {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} (¬2). ومثل تمنيت اشتهيت، ~~وقد قال أبو تمام (¬3): # مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر # وجاء صريح التمنى فى قول الآخر: # ما روضة إلا تمنت أنها ... لك مضجع ولخط قبرك موضع # ويجوز أن تكون «منى» منصوبة نصب الظروف، والجملة التى هى كان واسمها ~~وخبرها نعت لها، فتتصل «أن» بما قبلها، كأنه قال: فى منى كن لى أن البياض ~~خضاب، أى فى جملة منى، كما قالوا: حقا أنك ذاهب، وأكبر ظنى أنك مقيم، ~~يريدون: فى حق، وفى أكبر ظنى، وإذا أردت معنى الظرفية فى «منى» فلك فى «أن» ~~مذهبان، فمذهب سيبويه والأخفش والكوفيين، رفع «أن» بالظرف، وكل اسم حدث ~~يتقدمه ظرف يرتفع عند سيبويه بالظرف، ارتفاع الفاعل، وقد مثل ذلك بقوله: ~~غدا الرحيل (¬4)، وأ حقا أنك ذاهب؟ والحق أنك ذاهب؟ قال: حملوه على: أفى حق ~~أنك ذاهب؟ قال: وكذلك إن أخبرت فقلت: حقا أنك ذاهب، والحق أنك ذاهب، وأكبر ~~ظنى أنك ذاهب. # وإذا كان هذا مذهب سيبويه، مع من ذكرناه، فالمنية تقارب الظن، فيحسن أن ~~تقول: أكبر مناى أنك ذاهب، فتنصب «أكبر» بتقدير «فى»، PageV03P196 # وأنشد سيبويه فى ذلك للأسود بن يعفر (¬1): # أحقا بنى أبناء سلمى بن جندل ... تهددكم إياى وسط المجالس # وأنشد: # أحقا أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق (¬2) # فى أبيات أخر. فهذا أحد المذهبين، والمذهب الآخر مذهب الخليل، وذلك أنه ~~يرفع اسم الحدث بالابتداء، ويخبر عنه بالظرف ms608 المتقدم، حكى ذلك عنه سيبويه ~~فى قوله: وزعم الخليل أن التهدد هاهنا-يعنى فى بيت الأسود-بمنزلة «الرحيل ~~بعد غد» وأن «أن» بمنزلته، وموضعها كموضعه (¬3). انتهت حكايته عن الخليل. # وأقول: إن اعترض معترض، وقال: كيف تحكمون على «أن» المفتوحة بالابتداء، ~~والعرب لم تبتدئ بها. # فالجواب: أنهم لم يبتدءوا بها لئلا يعرضوها لدخول «إن» المكسورة عليها، ~~وإذا كانوا قد كرهوا دخول المكسورة على لام التوكيد؛ لأنهما بمعنى واحد، ~~فكراهيتهم لدخولها على «أن» مع تقارب لفظيهما واتفاقهما فى العمل والمعنى، PageV03P197 # أشد، فلما ألزموها التأخير استجازوا رفعها بالابتداء؛ لأن «إن» المكسورة ~~لا تباشرها إذا دخلت على الجملة، كقولك: إن من الصواب أنك تنطلق. # ومثل قوله: # أحقا أن جيرتنا استقلوا # {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} (¬1) على المذهبين. # وقال أبو العلاء المعرى فى تفسير قوله: «منى كن لى. . .» البيت: لو أن ~~هذا الكلام فى غير الشعر لكان ثبوت الألف واللام فى «شباب» أحسن؛ لأنه مضاه ~~لقولهم: المشيب. وكانت العرب فى الجاهلية إذا اتفق لها مثل هذا آثرت دخول ~~لام التعريف، وإن قبح فى السمع، وأكثر ما يجيء فى شعر امرئ القيس، فمنه ~~قوله (¬2): # فإن أمس مكروبا فيا رب بهمة ... كشفت إذا ما اسود وجه الجبان # فقد أساءت الألف واللام الوزن عند السامع، وآثرها قائل البيت على الحذف، ~~ولو حذف لكان الحذف أحسن فى الغريزة، ولكن دخول الألف واللام أثبت فى تمكين ~~اللفظ، وكذلك قوله (¬3): # فلما أجن الشمس عنى غئورها ... نزلت إليه قائما بالحضيض # وأقول: إن اللام فيما ذكره أبو العلاء لا تخلو أن تكون لتعريف الجنس، أو ~~تكون عوضا من تعريف الإضافة إلى الضمير، فكونها لتعريف الجنس، فى مثل قوله: ~~«وجه الجبان»، وكونها عوضا من تعريف الإضافة، فى مثل قولك: حسن الوجه، ~~الأصل: حسن وجهه، فلما حذفت الهاء من «وجهه» عرفته باللام، PageV03P198 # ولو قلت: حسن وجه، جاز على ضعف؛ لأنه قد علم أنك لا تعنى من الوجوه إلا ~~وجه المذكور. # فحق «شباب» فى بيت المتنبى أن يكون معرفا باللام، عوضا من تعريف الإضافة ~~إلى الضمير، من ms609 حيث كان مراده: شبابى، فدخول اللام هاهنا- لو استعمل-أقلق ~~الوزن، إلا أنه كان يكمل المعنى واللفظ، على أن إسقاط اللام منه زحاف، وقد ~~قيل: رب زحاف أطيب (¬1) فى الذوق من الأصل (¬2). # قال أبو الفتح في تفسير البيت: يقول: شيبى هذا منى كن لى قديما، وإنما ~~كنت أتمنى المشيب ليخفى شبابى (¬3). والقرون: الذوائب، واحدها قرن. # ... PageV03P199 ### || AUTO مسألة # الفرق بين اسم الفاعل والمصدر فى العمل: أن اسم الفاعل يضاف إلى المفعول، ~~ولا يضاف إلى الفاعل؛ لأن اسم الفاعل عبارة عن الفاعل، والشىء لا يضاف إلى ~~نفسه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. # واسم الفاعل يعمل إذا كان للحال أو الاستقبال، ولا يعمل إذا كان لما مضى؛ ~~وذلك لأن اسم الفاعل يشبه الفعل المضارع، ولا يشبه الماضى، من جهة أنه يجرى ~~على المضارع، فى حركاته وسكونه وعدد حروفه، فمدحرج جار على يدحرج، وليس ~~بجار على دحرج، فلما أشبهه بجريانه عليه حمل عليه فى العمل، وحمل الفعل على ~~اسم الفاعل فى الإعراب. والمصدر يعمل إن كان للماضى من الزمان أو الحاضر أو ~~المستقبل. # ومن الفرق بينهما أن المصدر يعمل معتمدا وغير معتمد، واسم الفاعل لا يعمل ~~عند سيبويه إلا معتمدا، واعتماده أن يكون وصفا أو خبرا أو حالا، فيعتمد على ~~الموصوف، أو المخبر عنه، أو ذى الحال. # واسم الفاعل يضمر الفاعل فيه، والمصدر يحذف الفاعل منه، وإنما أضمر ~~الفاعل فى اسم الفاعل؛ لأنه مشتق من الفعل، فأضمروا فيه الفاعل، كما أضمروه ~~فى الفعل. والمصدر بعكس ذلك؛ لأن الفعل مشتق منه. # واسم الفاعل يتقدم منصوبه عليه، كما يتقدم على الفعل، والمصدر لا يتقدم ~~عليه منصوبه؛ لأن المصدر المعمل عمل الفعل مقدر بأن والفعل، و «أن» حرف ~~موصول، والصلة لا تتقدم على الموصول؛ لأنهما بمنزلة كلمة، فإن شئت قدرته ~~بأن وفعل سمى فاعله، وإن شئت بأن وفعل لم يسم فاعله، فالأول كقول الله PageV03P200 # تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه} (¬1) أى من بعد أن ظلم، والثانى كقوله: # {ولمن انتصر بعد ظلمه} (¬2) أى بعد أن ظلم. # ... PageV03P201 ### | AUTO المجلس الثانى والثمانون ms610 # يتضمن ذكر أبيات من شعر أبى الطيب # منها قوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ: # يمشى بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم (¬1) # ذهب باليدين والرجلين مذهب الأعضاء، فذكر على المعنى، كما قال الأعشى: # يضم إلى كشحيه كفا مخضبا (¬2) # وكان القياس أن يقول: بأربع، ولكنه ألحق الهاء ضرورة، وقد أنثوا المذكر ~~على المعنى، فيما رواه الأصمعى، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيا ~~يمانيا يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها (¬3). فقلت له: أتقول جاءته ~~كتابى؟ فقال: أليس بصحيفة؟ فقلت له: ما اللغوب؟ فقال: الأحمق. # وقال الشاعر: # وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف النصور (¬4) # ويروى: «الغيور». أنث الحدثان على معنى الحادثة. ومن تأنيث المذكر على ~~المعنى تأنيث الأمثال فى قوله عز وجل: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ~~(¬5)؛ لأن الأمثال فى المعنى حسنات، فالتقدير: عشر حسنات أمثالها. وإذا PageV03P202 # كانوا قد أنثوا المذكر على المعنى، فتذكير المؤنث أسهل؛ لأن حمل الفرع ~~على الأصل أسهل من حمل الأصل على الفرع. # وقال: «على أعقابه» فجمع فى موضع التثنية، وحقه فى الكلام: على عقبيه، ~~كما جاء فى التنزيل: {نكص على عقبيه} (¬1)، ولكنهم قد جمعوا فى موضع ~~الإفراد، فقالوا: شابت مفارقه، وبعير ذو عثانين، وقال الشاعر: # والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر (¬2) # فجمع التربية واللبة بما حولهما. وإذا كان هذا قد جاز فى موضع الواحد، ~~فالجمع فى موضع التثنية أجوز. # وأما (¬3) إعراب «وراء» مع حذف المضاف إليه، فإن الغايات، وهى الظروف ~~التى حذفوا منها المضاف إليه، وبنوها على الضم، كقبل وبعد وفوق وتحت، إنما ~~بنوها لأن المضاف إليه مقدر عندهم، حتى إنها متعرفة به محذوفا، فلما ~~اقتصروا على المضاف فجعلوه نهاية، صار كبعض الاسم، وبعض الاسم لا يعرب، فإن ~~نكروا شيئا من ذلك أعربوه، فقالوا: جئت قبلا، ومن قبل، وبعدا، ومن بعد، قال ~~الشاعر: # فساغ لى الشراب وكنت قبلا ... أكاد أغص بالماء الفرات (¬4) # وقرأ بعض القراء: {لله الأمر من قبل ومن بعد} (¬5)، فأعرب لنية التكرير. PageV03P203 # فقوله: «من وراء» على تقدير التنكير، كأنه ms611 قال: من جهة تخالف وجهه يلجم. # والعلج: يجمع علوجا، وأعلاجا، كجذوع وأجذاع. والعلج: الرجل العجمى، ~~والحمار الوحشى. وقالوا: رجل علج، أى شديد، واشتقاقه من المعالجة، كأنه ~~لشدته يعالج الشىء الثقيل، وقالوا لحمار الوحش علج؛ لأنه يعالج آتنه، ~~يعاركها، وقالوا: اعتلجت الأمواج: التطمت. # يقول: يمشى القهقرى على أربع؛ حبا للاستدخال، ولما وصفه بالمشى على أربع ~~كالبهيمة جعل ما يولج فيه لجاما. # ... ومنها قوله: # وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفة أو فت فيها حصرم # أراد أنه أبدا يحرك جفونه، يستدعى بذلك العلوج، فإشارته إليهم بجفونه ~~متتابعة، حتى كأن بعينه طرفة، أو حصرما فت فيها، فهى لا تستقر. و «فت» ~~معطوف على «مطروفة»، وليس من حق الفعل أن يعطف على الاسم، ولا حق الاسم أن ~~يعطف على الفعل، ولكن ساغ ذلك فى اسم الفاعل واسم المفعول، لما بينهما وبين ~~الفعل من التقارب، بالاشتقاق والمعنى (¬1)، ولذلك عملا عمله، فمما عطف فيه ~~الفعل على الاسم قوله تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن} ~~(¬2) وقوله: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا} (¬3). # ومما عطف فيه الاسم على الفعل قول الراجز (¬4): PageV03P204 # تبيت لا تأوى ولا نفاشا # وقول الآخر: # بات يغشيها بعضب باتر ... يقصد فى أسوقها وجائر (¬1) # وإنما ساغ ذلك فى هذا الضرب من الأسماء لصحة تقدير الاسم بالفعل، والفعل ~~بالاسم، فالتقدير: صافات وقابضات، وإن الذين تصدقوا وأقرضوا، ولا تأوى ولا ~~تنفش، ويقصد فى أسوقها ويجور، وطرفت وفت فيها حصرم. # النفاش: الغنم التى تنتشر بالليل فترعى بلا راع، وكذلك الإبل، يقال: # نفشت تنفش نفشا، مفتوح الثانى، وفى التنزيل: {وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} (¬2). # ... ومنها قوله: # وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم # إن قيل: كيف قابل القهقهة، وهى صوت، باللطم، وليس بصوت، وإنما كان حق ~~الكلام أن يضع فى موضع «تلطم» تولول، أو تبكى، أو نحو ذلك؛ لأنه إنما شبه ~~حديثه بقهقهة القرد، فشبه صوتا بصوت، ولا معنى لتشبيه الحديث باللطم. # وعن هذا السؤال جوابان: أحدهما أنه شبه حديثه بقهقهة ms612 قرد، أو بلطم عجوز ~~خدها فى مناحة، ولطم النساء فى المناحة لا بد أن يصحبه صوت، فلما PageV03P205 # اضطره الوزن والقافية إلى ذكر اللطم الدال على الولولة والنوح، اكتفى ~~بذكر الدليل من المدلول عليه. # و «أو» هاهنا للإباحة، فكأنه قال: إن شبهته فى حديثه بقرد يقهقه فكذاك ~~هو، وإن شبهته بعجوز تلطم وتولول فكذاك. # والجواب الثانى: أنه شبه شيئين بشيئين، شبه حديثه بقهقهة القرد، وشبه ~~إشارته فى أثناء حديثه بلطم العجوز، وإنما جعل حديثه كضحك القرد؛ لأنه لعيه ~~غير مفهوم الحديث، وجعله مشيرا بيديه؛ لأنه لا يقدر على الإفصاح، فهو ~~يستعين بالإشارة إذا حدث، كما أشار باقل (¬1) حين عجز عن الجواب وقد مر ~~بقوم ومعه ظبى اشتراه بأحد عشر درهما، وهو متأبطه، فقالوا: بكم اشتريت ~~الظبى؟ فمد يديه وفرق أصابعه ودلع لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم، وبلسانه ~~درهما، فشرد الظبى حين مد يديه. # وقد ضمن هذا التشبيه معنى آخر، وهو أنه أراد قبح وجهه، وكثرة تشنجه، فهو ~~فى القبح كوجه القرد، وفى التغضن-وهو التشنج-كوجه العجوز. # فإن قيل: كيف يشبه شيئين بشيئين، ويعطف بأو، وهى لأحد الشيئين، وإنما حق ~~ذلك العطف بالواو؛ لأن (¬2) التقدير: وإذا أشار محدثا فكأنه فى حديثه قرد ~~يقهقه، وفى إشارته عجوز تلطم؟ # فعن هذا الاعتراض جوابان: أحدهما: أن «أو» هاهنا للإباحة، وقد قدمت ذكر ~~ذلك. PageV03P206 # والثانى: أن «أو» قد وردت فى مواضع من كلام العرب بمعنى الواو، واعتمد ~~بعض النحويين على ذلك، وأنشدوا: # فقلت البثوا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكم ما غيبتنى غيابيا (¬1) # أراد: ونصف ثالث. # قال الأصمعى: الكركرة والقهقهة: رفع الصوت بالضحك، والاستغراب أشد منهما. # ... ومنها قوله: # يقلى مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمم # القلى: البغض، مكسور مقصور، وقد صرفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه، مثل ~~رماه يرميه، وقليه يقلاه، مثل رضيه يرضاه، وهو من الياء، بدلالة يقلى، ولو ~~كان من الواو كان يقلو، وأنشدوا فى يقلى: # وترميننى بالطرف أى أنت مذنب ... وتقليننى لكن إياك لا أقلى (¬2) # وفى التنزيل: {ما ودعك ربك وما قلى} ms613 (¬3)، وروى أبو الفتح لغة ثالثة: # قلاه يقلوه قلاء (¬4)، مثل: رجاه يرجوه رجاء، وأنشد: PageV03P207 # إن تقل بعد الود أم محلم ... فسيان عندى ودها وقلاؤها (¬1) # والقذال: جماع مؤخر الرأس. ويجوز أن يرتفع قذاله بإسناد «يقلي» إليه، ~~كأنه قال: يبغض قذاله مفارقة الأكف إياه، ويجرى إسناد البغض إلى القذال ~~مجرى إسناد الاشتهاء إلى السفن فى قوله: # تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن (¬2) # والوجه أن تضمر فى «يقلى» فاعلا، وتعمل المفارقة فى القذال، فإن نصبته ~~فالأكف فاعلة، وإن رفعته فالأكف مفعولة، على منهاج: # قرع القواقيز أفواه الأباريق (¬3) # يقول: يحب أن يقفد (¬4)، حتى إنه ليكاد يتعمم على يد قافدة، أى صافعة، ~~فقوله: PageV03P208 # يقلى مفارقة الأكف قذاله # كقولك: يحب مواصلة الأكف قفاه. # ... ومنها قوله: # وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم # هذا البيت قد تكلمت عليه، وأوضحت وجوه إعرابه فيما قدمته من الأمالى ~~(¬1)، وهو والأبيات الأربعة التى ذكرتها قبله، وذكرت ما اقتضته من التفسير، ~~مهملة كلها فى تفسير أبى زكريا، لم يصحب بيتا منها كلمة فذة، وأبو الفتح ~~ذكر فى بيتين منها أحرفا يسيرة. # ... حذف أبو الطيب «أن» ورفع الفعل فى قوله: # يا حاديى عيسها وأحسبنى ... أوجد ميتا قبيل أفقدها (¬2) # وحذفها فى هذا النحو للضرورة، ولا يجوز عند البصريين النصب بها مضمرة إلا ~~بعد عوض، كإضمارها بعد الفاء فى جواب ما ليس بواجب، كالنهى فى قوله: # {لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم} (¬3) والكوفيون يرون النصب بها محذوفة ~~وإن لم PageV03P209 # يكن عوض، وينشدون قول طرفة: # ألا أي هذا الزاجرى أحضر الوغا ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى (¬1) # بنصب «أحضر»، وعلى مذهبهم قال أبو الطيب: # بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيها ويمنعها الحياء تميسا (¬2) # والمراد بتصغير الظروف تقريب الأوقات والأماكن، كقولك: خرجت قبيل الظهر، ~~وبعيد المغرب، وقعدت دوين الحائط، كما قال ذو القروح، يصف ذنب فرسه: # بضاف فويق الأرض ليس بأعزل (¬3) # الضافى: السابغ. والأعزل من الأذناب: الذى يميل يمنة أو يسرة. # فإن قيل: لم كان حذف «أن» اضطرارا فى قوله: «قبيل أفقدها»، وظاهر أمر ~~«قبل وبعد» ms614 أنهما ظرفا زمان، فهلا أضيفا إلى الفعل بغير تقدير «أن» كسائر ~~أسماء الزمان؟ # فالجواب: أن المكان أحق بهما من الزمان، وقد أوضح حالهما أبو سعيد ~~السيرافى، فى شرح الكتاب، فى قوله: إن «قبل وبعد» غير متمكنين، فلا يرفعان، ~~ولا يجوز: سير قبلك، والذى منعهما من التصرف والرفع أنهما ليسا باسمين لشيء ~~من الأوقات، كالليل والنهار، والساعة والظهر والعصر، وإنما استعملا فى ~~الوقت للدلالة على التقديم والتأخير. يعنى أنك إذا قلت: جئت قبل زيد، أردت PageV03P210 # تقديم زمان مجيئك على زمان مجيئه، وإذا قلت: جئت بعده، أردت تأخير زمان ~~مجيئك عن زمان مجيئه. # ويشهد بأن أصلهما المكان ثلاثة أشياء: أحدها امتناعهم من إضافتهما إلى ~~الفعل فى حال السعة، وإنما يضافان إلى أن والفعل، وما والفعل، كما جاء فى ~~التنزيل: {من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} (¬1). # والثانى: إخبارك بهما عن الجثة، كقولك: الجبل بعد الوادى، والوادى قبل ~~الجبل، وظروف الزمان لا تستعمل أخبارا عن الأشخاص. # والثالث: أنهما أصل فى الغايات، ولم نجدهم أدخلوا فى حكمهما إلا ظروف ~~المكان، كفوق وتحت ووراء وقدام وعلى. فهذا قول جلى كما تراه، والمتسمون ~~بالنحو قبيل وقتنا هذا، ممن شاهدته وسمعت كلامه على خلاف ما قلته وأوضحته. ~~فاستمسك بما ذكرته لك، فقد أقمت لك (¬2) برهانه. # وهذه المسألة مما ذكرته فى الرد على أبى الكرم بن الدباس أغاليطه فى ~~كتابه الذى سماه: المعلم (¬3). # ... PageV03P211 ### || AUTO من مشكل كلام أبى على فى الإيضاح # قوله فى (باب الجمع الذى على حد التثنية): «لو سميت رجلا بخالد أو حاتم ~~وكسرته قلت: خوالد وحواتم، كما تقول: كاهل وكواهل، ولو سميته أحمر لقلت: ~~الأحمرون والأحامر، وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح، فهذا أجدر، ومن قال: ~~الحرث (¬1)، فقياس قوله: أن يقول: حمر، وإن نكره كان قياس قوله ألا يصرف ~~بلا خلاف (¬2)». # وأقول: إن كل ما كان من الصفات على مثال فاعل، كجالس، وضارب، فإنهم لم ~~يجمعوه على فواعل وصفا للرجال، لئلا يلتبس بفواعل إذا أريد به النساء، ~~كقولك: نسوة جوالس وضواحك، كما جاء فى التنزيل: ms615 {والقواعد من النساء} (¬3) ~~وشذ من جمع الرجال: فوارس، وذلك لاختصاص هذا الوصف بالرجال، فإن سموا رجلا ~~بوصف على هذا المثال، كخالد وحاتم وحارث، كسروه على فواعل، وإنما استجازوا ~~جمعه علما على فواعل؛ لخروجه من الوصفية إلى العلمية، كما أن أحمر لا يجمع ~~وصفا إلا على فعل، فإذا أخرجوه عن الوصفية بالتسمية جمعوه جمع السلامة؛ ~~لأنه صار كأحمد وأكثم، فقالوا: الأحمرون، كما قالوا: الأحمدون، وكسروه على ~~الأفاعل، كما قالوا فى العلم: الأحامد، وفى غير العلم: الأجادل. # وقوله: وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح، فهذا أجدر. يعنى أن الأبطح ومؤنثه ~~مما أخرجته العرب عن الوصفية، فلم يجروه على ما قبله فيقولوا: مكان أبطح، ~~ولا بقعة بطحاء، وكذلك الأبرق والبرقاء، فالأبطح والأبرق صفتان غالبتان، ~~بمعنى PageV03P212 # أنهما غلبا على الاسمية، فلم يجريا على موصوف، وجمع المذكر منهما على ~~الأفاعل (¬1): الأباطح والأبارق، كما جمع الاسم عليه، كالأزمل والأزامل، ~~ولم يجمعوا مؤنثهما على قياس باب «حمراء» فيقولوا: بطح وبرق، لمفارقتهما ~~له؛ من حيث لم يجريا على موصوف، بل شبهوهما لتأنيثهما وفتح أولهما بباب ~~«جفنة» فقالوا: # بطحاوات وبرقاوات، كصحراوات، كما شبهوا باب «الكبرى» لتأنيثه وضم أوله ~~بباب «غرفة» فقالوا: الكبر، كما قالوا: الغرف. وكذلك قالوا فى تكسيرهما: # بطاح وبراق، كجفان وقصاع. # فإذا سميت بأحمر وجمعته على الأحامر فهو أجدر من جمع الأبطح على الأباطح؛ ~~لأنك قد أخرجت أحمر عن معناه، بنقله إلى العلمية، والأبطح غير خارج عن ~~معناه الوصفى الذى وضع له، ونقيض هذا قول من جمع الحارث على الحرث، وذلك ~~أنهم ردوه بهذا الجمع إلى الوصفية، فجمعوه على فعل، كشاهد وشهد، وصائم ~~وصوم، وغاز وغزى، فقياس هذا أن يجمع أحمر علما على مثال جمعه وصفا، فيقال: ~~حمر، وإن نكرته على هذا القول قلت: مررت بأحمر وأحمر آخر، فلم تصرفه نكرة ~~لمراعاة الوصفية فيه، من حيث جمع على حمر. # وقوله: «بلا خلاف» يعنى بلا خلاف بين سيبويه والأخفش؛ لأن سيبويه إذا سمى ~~رجلا بأحمر ثم نكره لم يصرفه (¬2)، مراعاة للوصف فيه، والأخفش يصرفه لزوال ~~الوصف بالتسمية، وقد أوردت ms616 هذه المسألة فيما تقدم. فهاهنا يوافق الأخفش ~~سيبويه، فلا يصرفه منكرا؛ لأن جمعه على فعل مصرح له بالوصفية. # الأبطح والبطحاء: كل مكان متسع. والأبرق والبرقاء: مكان ذو حجارة مختلفة ~~الألوان. والكاهل: ما بين الكتفين. والحارث فى أصل وضعه: الكاسب. # والأزمل: الصوت. والأجدل: الصقر. PageV03P213 # وقال أبو على، فى (باب الأفعال المنصوبة): «وتقول: «كان سيرى أمس حتى ~~أدخلها. إن جعلت «كان» بمعنى وقع، جاز الرفع والنصب فى «أدخلها»، وإن جعلت ~~«كان» المفتقرة إلى الخبر، وجعلت «أمس» من صلة السير، لم يجز إلا النصب؛ ~~لأنك إن رفعت بقيت «كان» بلا خبر، وإذا نصبت كان قولك: # «حتى أدخلها» فى موضع الخبر (¬1)». انتهى كلامه. # وأقول: إنك إن جعلت «كان» بمعنى «وقع» فالكلام يتم إذا قلت: كان سيرى، ~~فإن جعلت «حتى» غاية جاز أن تعلقها بكان، وجاز أن تعلقها بالسير، وإن ~~جعلتها للاستئناف فقد أتيت بجملة تامة بعد جملة تامة. # فإن جعلت «كان» الناقصة، وجعلت «أمس» خبرا لها، علقته بمحذوف، وجاز أيضا ~~فى «أدخلها» الرفع والنصب، وإن علقت «أمس» بالسير، احتجت إلى خبر لكان. # فإن جعلت «حتى» غاية، فهى وما بعدها فى تأويل «إلى» ومجرورها؛ لأن ~~التقدير: حتى أن أدخلها، أى حتى دخولها، والمعنى: إلى دخولها، فكأنك قلت: ~~كان سيرى إلى دخول المدينة، فإلى متعلقة بمحذوف، أى منتهيا إلى دخول ~~المدينة. # وإذا جعلت «حتى» للاستئناف، فالتقدير: كان سيرى حتى أنا أدخل المدينة، ~~فالجملة التى هى: حتى أنا أدخل المدينة، خالية من ضمير يعود على اسم «كان» ~~ظاهر ومقدر. # ... PageV03P214 # من روى لأبى الطيب: # نرى عظما بالبين والصد أعظم (¬1) # فالمعنى أن البين يزيله قطع المسافة، والصد لا تقطع مسافته. ومن روى (¬2): # نرى عظما بالصد والبين أعظم # فالمعنى: أن الحبيب وإن صد فعين المحب تدركه، وإذا فارق حال البعد عن ~~النظر إليه. # ... وقوله: # خود جنت بينى وبين عواذلى ... حربا وغادرت الفؤاد وطيسا (¬3) # الوطيس فى العربية مستعمل على معنيين: أحدهما معركة الحرب، والآخر: # تنور من حديد. وقيل قول ثالث: أنه حفرة يختبز فيها. # وقيل: أول من قال: «الآن حمى الوطيس ms617 (¬4)» النبى صلى الله PageV03P215 # عليه (¬1). يريد الحرب، شبه اشتعالها باشتعال النار فى التنور، قال ذلك ~~يوم حنين. # قال تأبط شرا (¬2): # إنى إذا حمى الوطيس وأوقدت ... للحرب نار منية لم أنكل # قال أبو الفتح: حمل الوطيس فى البيت على التنور أشبه؛ لأنه يريد حرارة قلبه. # والقول الآخر غير ممتنع هاهنا؛ لأنهم يقولون: حميت الحرب، واحتدمت، ~~وتضرمت. # وأقول: إن الأحسن عندى أن يكون أراد معركة الحرب؛ لأمرين: أحدهما قوله: ~~«جنت حربا». والآخر: أن حرب العواذل إنما تكون باللوم، واللوم إنما يلحق ~~القلب دون غيره من الأعضاء، فهو معركة حربهن. # ... وقوله فى أبى على هارون بن عبد العزيز الأوارجى الكاتب: # لا تكثر الأموات كثرة قلة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء (¬3) # أراد بقوله: «كثرة قلة» كثرة يقل لها الأحياء. قدر أبو الفتح مضافا ~~محذوفا من قوله: «بك» قال: أراد شقيت بفقدك (¬4). # وذهب أبو العلاء المعرى إلى أنهم شقوا به، أى بقتله إياهم. وقال: أراد أن PageV03P216 # الأحياء إذا شقيت بك كثرت الأموات، وتلك الكثرة تؤدى إلى القلة؛ إما لأن ~~الأحياء يقلون بمن يموت منهم، وإما لأن الميت يقل فى نفسه. # وقال أبو زكريا: قول أبى الفتح: شقيت بك يريد بفقدك، يحيل معنى البيت؛ ~~لأن الأحياء شقوا به؛ لأنه قتلهم. # وأقول: إن الصحيح قول أبى الفتح، إنه أراد: شقيت بفقدك، وبهذا فسره على ~~بن عيسى الربعى. قال: ذهب إلى أنه نعمة على الأحياء، وفقده (¬1) شقاء لهم. # ومما حذفت منه هذه اللفظة التى هى «الفقد» قول المرقش: # ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم (¬2) # أراد: ليس على فقد طول الحياة؛ لا بد من تقدير هذا. وأظهر هذه اللفظة فى ~~هذا المعنى بعينه-وهو كون حياته نعمة، وكون موته شقاء ونقمة-الشاعر فى قوله: # لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير (¬3) # ولكن الرزية فقد حر ... يموت لموته خلق كثير # وقد صرح بهذا المعنى ما رواه الربعى عن المتنبى، أنه قال: قال لى أبو عمر ~~السلمى: عدت أبا على الأوارجى فى علته التى مات فيها بمصر، ms618 فاستنشدنى: # لا تكثر الأموات كثرة قلة. . . البيت # فأنشدته، فجعل يستعيده ويبكى حتى مات (¬4)، فإذا كان المتنبى قد حكى هذا، ~~فهل يجوز أن يكون المعنى إلا على ما قدره أبو الفتح؟ # ... PageV03P217 # وقوله: # لم تسم يا هارون إلا بعد ما ... اقترعت ونازعت اسمك الأسماء (¬1) # قال فيه أبو الفتح: أراد: لم تسم بهذا الاسم إلا بعد ما تقارعت عليك ~~الأسماء، فكل أراد أن تسمى به، فخرا بك. # وقال أبو العلاء: أجود ما يتأول فى هذا: أن يكون الاسم هاهنا فى معنى ~~الصيت، كما يقال: فلان قد ظهر اسمه، أى قد ذهب صيته فى الناس، فذكره لا ~~يشاركه فيه أحد، وماله يشترك فيه الناس. # فأما أن يكون عنى باسمه هارون، فهذا يحتمله ادعاء الشعراء، وهو مستحيل فى ~~الحقيقة؛ لأن العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون. # والذى ذهب إليه أبو الفتح، من إرادته اسمه العلم هو الصواب. وقول المعرى ~~إن الاسم هنا يريد به الصيت ليس بشىء يعول عليه؛ لأن قول أبى الطيب: # «لم تسم» معناه: لم يجعل لك اسم. وأما دفع المعرى أن يكون المراد الاسم ~~العلم بقوله: إن فى الناس جماعة يعرفون بهارون، فقول من لم يتأمل لفظ صدر ~~البيت الذى يلى هذا البيت، وهو قوله: # فغدوت واسمك فيك غير مشارك (¬2) # والمعنى: أن اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء، فمعارضته بأن فى الناس ~~جماعة يعرفون بهارون إنما تلزم أبا الطيب لو قال: فغدوت وأنت غير مشارك فى ~~اسمك، فلم يفرق المعرى بين أن يقال: اسمك غير مشارك فيك، وأن يقال: # أنت غير مشارك فى اسمك، فإنما أراد أن اسمك انفرد بك دون الأسماء، ولم ~~يرد أنك انفردت باسمك دون الناس، فاللفظان متضادان كما ترى. # ... PageV03P218 ### | AUTO المجلس الثالث والثمانون # تفسير قول أبى الطيب # : # عزير أسا من داؤه الحدق النجل ... عياء به مات المحبون من قبل (¬1) # روى بعض الرواة: عزيز أسا (¬2)، بتنوين «أسا» ونصبه على التمييز، كما تقول: # عزيز دواء زيد، فرفعوا «من» بالابتداء، و «عزيز» خبرها؛ لأن «من» معرفة ~~بصلتها، ms619 أو نكرة متخصصة بصفتها، فهى أولى بالابتداء فى كلا وجهيها، وصفة ~~«من» تكون على ضربين: جملة ومفرد، فالجملة فى قول عمرو بن قميئة: # يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين (¬3) # وفى قول الآخر: # رب من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنى لى موتا لم يطع (¬4) # والمفرد فى قول حسان: # فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبى محمد إيانا (¬5) PageV03P219 # فمن نكرة فى البيت الأول والثانى؛ لأن «رب» لا تليها المعرفة. وفى البيت ~~الثالث؛ لأن المفرد لا يكون صلة، فكأنه قال: على ناس غيرنا، أو قوم غيرنا، ~~وإن رفعت «غيرنا» بأنه خبر مبتدأ محذوف، تريد: من هو غيرنا، فجعلت «من» ~~موصولة، كقراءة من قرأ: {تماما على الذي أحسن} (¬1) يريد: هو أحسن، جاز. ~~ومثله ما رواه الخليل من قولهم: ما أنا بالذى قائل لك شيئا. # ويجوز فى قول من نون «أسا» أن ترفع «من» بعزيز، رفع الفاعل بفعله، على ما ~~يراه الأخفش والكوفيون، من إعمال اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة ~~باسم الفاعل وإن لم يعتمدن، كقولك: قائم غلاماك، ومضروب صاحباك، وظريف أخواك. # والوجه إعمالهن إذا اعتمدن على مخبر عنه، أو موصوف، أو ذى حال، وأقل ما ~~يعتمدن عليه همزة الاستفهام، و «ما» النافية. # وروى آخرون إضافة «أسا» ورفعه بالابتداء؛ لتخصصه بالإضافة، و «عزيز» ~~خبره، وإن شئت رفعت «عزيزا» بالابتداء، ورفعت «أسا» به، على المذهب الأضعف. # وأما «عياء» ففى رفعه ثلاثة أوجه: إن شئت جعلته خبرا بعد خبر، كقولهم: ~~هذا حلو حامض، أى قد جمع الطعمين. وإن شئت أبدلته من الحدق؛ لأنها هى الداء ~~فى المعنى، فكأنك قلت: من داؤه عياء (¬2). و «عزيز» هنا يحتمل أن يكون من ~~عز الشىء: إذا قل وجوده. ويحتمل أن يراد به: شديد صعب، غالب للصبر، من ~~قولهم: عزه يعزه، إذا غلبه، ومنه {عزيز عليه ما عنتم} (¬3)، أى شديد عليه ~~عنتكم، أى هلاككم. PageV03P220 # وللأسا وجهان: أحدهما الحزن، وفعله: أسى يأسى، والآخر: العلاج والإصلاح، ~~وفعله: أسا يأسو، يقال: أسوت الجرح: إذا أصلحته وداويته، أسوا وأسا. قال ~~الأعشى ms620 (¬1): # عنده البر والتقى وأسا الشق ... وحمل لمضلع الأثقال # وحدقة العين: سوادها، والجميع: حدق وحداق، فحدق من باب قصبة وقصب، وحداق ~~مثل رقبة ورقاب، ورحبة ورحاب. # والنجل: جمع نجلاء، والمصدر: النجل، وهو السعة فى حسن. # ... تفسير قوله: # كفى بجسمى نحولا أننى رجل ... لولا مخاطبتى إياك لم ترنى (¬2) # يتوجه فى هذا البيت سؤال عن الفرق فى الإعراب بين «كفى بجسمى نحولا» ~~{وكفى بالله وكيلا} (¬3). # وسؤال ثان، وهو أن «أن» المفتوحة تكون مع خبرها فى تأويل مصدر، كقولك: ~~بلغنى أنك ذاهب، أى بلغنى ذهابك، فبأى مصدر تتقدر فى هذا البيت؟ # وسؤال ثالث، وهو أن يقال: إن الجملة التى هى «لولا مخاطبتى إياك لم ترنى» ~~وصف لرجل، ورجل اسم غيبة، فكيف عاد إليه منها ضمير متكلم؟ وكان القياس أن ~~يقال: لولا مخاطبته إياك لم تره. PageV03P221 # الجواب: أن «كفى» مما غلب عليه زيادة الباء، تارة مع فاعله، وتارة مع ~~مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل: كفى بالله، ~~المعنى: كفى الله، ويدلك على أنها مزيدة فى «بالله» قول سحيم (¬1): # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # وأما زيادتها مع المفعول، فمنه ما أوردته آنفا من قول الأنصارى: # فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبى محمد إيانا # ومنه: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا (¬2) # التقدير: كفاك داء رؤيتك الموت، ومنه: «كفى بجسمى نحولا» لأن فاعل «كفى» ~~أن وما اتصل بها. واسبك لك من ذلك فاعلا بما دل عليه الكلام من النفى بلم، ~~وامتناع الشىء لوجود غيره بلولا، فالتقدير: كفى بجسمى نحولا انتفاء رؤيتى ~~لولا وجود مخاطبتى، وانتصاب «نحولا» على التفسير (¬3)، والتفسير فى هذا ~~النحو للفاعل دون المفعول، فوكيلا تفسير لاسم الله تعالى، و «نحولا» تفسير ~~لانتفاء الرؤية، كما كان «فضلا» فى بيت الأنصارى تفسيرا لحب النبى إياهم. ~~فقد بان لك الفرق فى الإعراب بين «كفى بجسمى نحولا» «وكفى بالله وكيلا»؛ من ~~حيث كان «بالله» فاعلا، و «بجسمى» مفعولا. # وإنما زيدت الباء فى نحو «كفى بالله» حملا على معناه، إذ كان بمعنى اكتف ~~بالله، ونظيره ms621 قولهم: حسبك بزيد، زادوا الباء فى خبر «حسبك» لما دخله معنى ~~اكتف. PageV03P222 # وأما رجل من قوله: «أننى رجل» فخبر موطئ (¬1)، وإنما الخبر فى الحقيقة هو ~~الجملة التى وصف بها رجل، والخبر الموطأ هو الذى لا يفيد بانفراده مما ~~بعده، كالحال الموطئة (¬2) فى نحو: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} (¬3) ألا ترى ~~أنك لو اقتصرت على رجل هنا لم تحصل به فائدة، وإنما الفائدة مقرونة بصفته، ~~فالخبر الموطأ كالزيادة فى الكلام، فلذلك عاد الضميران اللذان هما الياءان ~~فى «مخاطبتى» و «لم ترنى» إلى الياء فى «أننى»، ولم يعودا على «رجل»؛ لأن ~~الجملة فى الحقيقة خبر عن الياء فى «أننى»، وإن كانت بحكم اللفظ صفة لرجل، ~~فلو (¬4) قلت: إن «رجل»، لما كان هو الياء التى فى «أننى» من حيث وقع خبرا ~~عنها عاد الضميران إليه على المعنى-كان قولا. ونظيره عود الياء إلى «الذى» ~~فى قول على عليه السلام: # أنا الذى سمتن أمى حيدره (¬5) # لما كان «الذى» هو «أنا» فى المعنى (¬6)، وليس هذا مما يحمل على الضرورة؛ ~~لأنه قد جاء مثله فى القرآن، نحو: {بل أنتم قوم تجهلون} (¬7) فتجهلون فعل ~~خطاب وصف به اسم غيبة كما ترى، ولم يأت بالياء وفاقا ل {قوم}، ولكنه جاء ~~وفق المبتدأ الذى هو {أنتم} فى الخطاب، ولو قيل: بل أنتم قوم، لم PageV03P223 # يحصل بهذا الخبر فائدة. ومما جاء من ذلك فى الشعر لغير ضرورة قوله (¬1): # أأكرم من ليلى على فتبتغى ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها # أعاد من «أطيعها» ضمير متكلم، ولم يعد ضمير غائب وفاقا لامرئ. # فهذا دليل إلى (¬2) دليل التنزيل. فاعرف هذا وقس عليه نظائره. # ... ومما أهمل مفسرو شعر أبى الطيب تعريبه قوله (¬3): # بئس الليالى سهدت (¬4) ... من طربى # شوقا إلى من يبيت يرقدها # يتوجه فى هذا البيت السؤال عن المقصود فيه بالذم، وما موضع «من طربى» من ~~الإعراب؟ وما الذى نصب «شوقا»؟ وكم وجها فى نصبه؟ وبم يتعلق «إلى»؟ وكم ~~حذفا فى البيت؟. # فأما المقصود بالذم فمحذوف، وهو نكرة موصوفة بسهدت، والعائد إليه من صفته ~~محذوف ms622 أيضا، فالتقدير: ليال سهدت فيها، ونظير هذا الحذف فى التنزيل، فى ~~قوله تعالى: {ومن آياته يريكم البرق} (¬5)، التقدير: آية يريكم فيها البرق. PageV03P224 # وجاء فى الشعر حذف النكرة المجرورة الموصوفة بالجملة، فى قول الراجز: # مالك عندى غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر # جادت بكفى كان من أرمى البشر (¬1) # أراد: بكفى رجل، فحذف رجلا، وهو ينويه. # وقوله: «من طربى» مفعول له. و «من» بمعنى اللام، كما تقول: جئت لأجلك، ~~ومن أجلك، وأكرمته لمخافة شره، ومن مخافة شره، {ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق} (¬2) أى لإملاق. # و «شوقا» يحتمل أن يكون مفعولا من أجله، عمل فيه «طربى»، فيكون الشوق علة ~~للطرب، والطرب علة للسهاد، ولا يعمل «شهدت» فى «شوقا» لأنه قد تعدى إلى علة ~~فلا يتعدى إلى أخرى إلا بعاطف، كقولك: أقمت سهرا وخوفا، وسهدت طربا وشوقا. # ويحتمل «شوقا» أن ينتصب انتصاب المصدر، كأنه قال: شقت شوقا، أو شاقنى ~~التذكر شوقا، وشقت: ما لم يسم فاعله، كقول المملوك: قد بعت، أى باعنى ~~مالكى، وكقول الأمة وقد سئلت عن المطر: «غثنا ما شئنا (¬3)»، والأصل: غاثنا الله. # فأما «إلى» فالوجه أن تعلقها بالشوق؛ لأنه أقرب المذكورين إليها، وإن PageV03P225 # شئت علقتها بالطرب، وذلك إذا نصبت «شوقا» بطربى، فإن نصبته على المصدر ~~امتنع تعليق «إلى» بطربي؛ لأنك حينئذ تفصل ب «شوقا» وهو أجنبى بين الطرب وصلته. # وكان الوجه فى «يرقدها»: يرقد فيها، كما تقول: يوم السبت خرجت فيه، ولا ~~تقول: خرجته، إلا على سبيل التوسع فى الظرف، تجعله مفعولا به على السعة، كقوله: # ويوما شهدناه سليما وعامرا (¬1) # وكقول الآخر: # فى ساعة يحبها الطعام (¬2) # المعنى: يحب فيها، وشهدنا فيه. # ففى البيت أربعة حذوف: الأول: حذف المقصود بالذم، وهو ليال. # والثانى: حذف «فى» من «سهدت فيها»، فصار «سهدتها»، والثالث: حذف الضمير ~~من «سهدتها». والرابع: حذف «فى» من «يرقدها». # وقد روى: سهرتها طربا، وسهرت من طرب. # وقد فرق بعض اللغويين بين (¬3) السهاد والسهر، فزعم أن السهاد للعاشق ~~واللديغ، والسهر فى كل شيء، وأنشد قول النابغة (¬4): # يسهد فى ليل التمام سليمها ms623 PageV03P226 # وقول الأعشى: # وبت كما بات السليم مسهدا (¬1) # والطرب: خفة تصيب الإنسان لشدة سرور أو حزن. قال ابن قتيبة: # يذهب الناس إلى أن الطرب فى الفرح دون الجزع، وليس كذلك، إنما الطرب خفة ~~تصيب الرجل لشدة السرور، أو لشدة الجزع (¬2)، وأنشد: # وأرانى طربا فى إثرهم ... طرب الواله أو كالمختبل (¬3) # ومثله قول الآخر: # وقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكى من الطرب الجليد (¬4) # ... وقوله: # أمط عنك تشبيهى بما وكأنه ... فما أحد فوقى وما أحد مثلى (¬5) # يتوجه فيه سؤال عن «ما» من قوله: «تشبيهى بما» وليست «ما» من أدوات ~~التشبيه. # وقد قيل فى ذلك أقوال، أحدها: ما حكاه أبو الفتح عن المتنبى، أنه كان إذا ~~سئل عن ذلك أجاب بأن «ما» سبب للتشبيه؛ لأن القائل إذا قال: ما الذى يشبه ~~هذا؟ قال المجيب: كأنه الأسد، أو كأنه الأرقم، أو نحو ذلك، فأتى PageV03P227 # المتنبى بحرف التشبيه الذى هو «كأن» وبلفظ الحرف الذى كان سؤالا عن ~~التشبيه، فأجيب عنه بكأن. فذكر السبب والمسبب جميعا. قال أبو الفتح: وقد ~~فعل أهل اللغة مثل هذا، فقالوا: الألف والهمزة فى «حمراء» علامة التأنيث، ~~وإنما العلامة فى الحقيقة الهمزة وحدها، ولكنها لما صاحبت الألف، وكان ~~انقلابها لسكون الألف قبلها قيل: هما جميعا للتأنيث (¬1). # والثانى: ما حكاه القاضى أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجانى، صاحب ~~كتاب «الوساطة بين المختصمين فى شعر المتنبى» عن المتنبى أيضا، قال: سئل عن ~~معنى قوله: «بما وكأنه» قال: أردت: لا تقل ما هو إلا كذا، وكأنه كذا؛ لأنه ~~ليس فوقى أحد ولا مثلى فتشبهنى به، وقال هذا الراوى مقويا لهذا الوجه: إذا ~~قلت: ما هو إلا الأسد، وإلا كالأسد، فقد أتيت ب «ما» لتحقيق التشبيه، كما ~~قال لبيد (¬2): # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه # فليس ينكر أن ينسب التشبيه إلى «ما» إذا كان لها هذا الأثر (¬3). # والثالث: ما رواه الربعى عن المتنبى أيضا، قال: سئل عن قوله: «بما وكأنه» ~~فقال: أردت: ما أشبه فلانا بفلان، وكأنه فلان. PageV03P228 # فهذه ثلاثة أقوال مختلفة، كما ترى، ولا يمتنع ms624 أن يجيب المسئول بأجوبة ~~مختلفة فى أوقات متغايرة. # والرابع: قول أبى على بن فورجة، قال: هذه «ما» التى تصحب «كأن» إذا قلت: ~~كأنما زيد الأسد (¬1)، وإليه ذهب أبو زكريا، قال: أراد: أمط عنك تشبيهى بأن ~~تقول: كأنه الأسد، وكأنما هو الليث. وهذا القول أردأ الأقوال وأبعدها من ~~الصواب؛ لأن المتنبي قد فصل «ما» من «كأن»، وقدمها عليه، وأتى فى مكانها ~~بالهاء، فاتصال «ما» بكأنه غير ممكن لفظا ولا تقديرا، وهى مع ذلك لا تفيد ~~معنى إذا اتصلت بكأن، فكيف إذا انفصلت منه وقدمت عليه، وهى فى الأقوال ~~الثلاثة المحكية عن المتنبى منفصلة قائمة بنفسها تفيد معنى، فهى فيما رواه ~~أبو الفتح استفهامية، وفيما رواه على بن عبد العزيز الجرجانى نافية، وفيما ~~رواه الربعى تعجبية. والكافة إنما تدخل لتكف عن العمل، لا لمعنى تحدثه، فهى ~~بمنزلة «ما» الزائدة. # ثم إن هذين اللفظين اللذين قد مثل بهما أبو زكريا، فقال: كأنه الأسد، ~~وكأنما هو الليث، قد أتى فيهما بأداة التشبيه التى هى «كأن» وحدها؛ لأن ~~معنى كأنه وكأنما هو واحد، فلا فرق بينه وبين أن تقول: أمط عنك تشبيهى بكأن ~~وكأن، فهو فاسد من كل وجه. # يقال: ماط الله (¬2) عنك الأذى، وأماطه، أى أزاله، وماط الشىء: زال، ومطه ~~عنك، وأمطه: نحه وأزله، ومط عنى: تنح وزل. استعملوا ماط لازما ومتعديا. # وقوله: «تشبيهى» أراد: تشبيهك إياى، فحذف الفاعل، وهو الكاف، PageV03P229 # وأضاف المصدر إلى المفعول، فصار المنفصل متصلا. والمصدر كثيرا ما يحذف فاعله. # ... أنشد بعض (¬1) أهل الأدب لأخى الحارث بن حلزة: # ربما قرت عيون بشجى ... مرمض قد سخنت منه عيون # وقال: من هذا البيت أخذ المتنبى قوله (¬2): # مصائب قوم عند قوم فوائد # قلت: إن كان الجاهلي أبا عذرة هذا المعنى، فلقد أحسن أبو الطيب أخذه، حيث ~~أتى به فى نصف بيت. # ... PageV03P230 # قوله (¬1): # إلام طماعية العاذل ... ولا رأى فى الحب للعاقل # ظاهره أن معنى عجزه غير متعلق بمعنى صدره، وأين قوله فى الظاهر: # ولا رأى فى الحب للعاقل # من قوله: # إلام طماعية العاذل؟ # ويحتمل تعلقه ms625 به وجوها، أحدها: أن يريد: إلام يطمع عاذلى فى إصغائى إلى ~~قوله، والعاقل إذا أحب لم يبق له مع الحب رأى يصغى به إلى قول ناصح، فعذله ~~غير مجد نفعا. # والثانى: أن العاقل لا يرتئى فى الحب، فيقع به اختيارا، وإنما يقع ~~اضطرارا، فلا معنى لعذله (¬2). # والثالث: أن العاقل ليس من رأيه أن يورط نفسه فى الحب، وإنما ذلك من فعل ~~الجاهل، وعذل الجاهل أضيع من سراج فى الشمس (¬3)، فكيف يطمع فى نزوعه؟ # ... ومن مشكل أبياته قوله (¬4): # لا تجزني بضنى بى بعدها بقر ... تجزى دموعى مسكوبا بمسكوب PageV03P231 # كنى بالبقر عن النساء، على مذهب العرب فى تشبيههم النساء بالبقر الوحشية، ~~يريدون بذلك شدة سواد عيونهن، قال عبد الرحمن بن حسان (¬1): # صفراء من بقر الجواء كأنما ... ترك الحياء بها رداع سقيم # الرداع: وجع الجسم أجمع. ويروى: «أثر الحياء». # وقوله: «لا تجزنى» دعاء بلفظ النهى، فحكمه فى الجزم حكم النفى، كما قال: # فلا تشلل يد فتكت بعمرو ... فإنك لن تذل ولن تضاما (¬2) # وكذلك استعمال الدعاء بلفظ الأمر، كقولك: ليقطع الله يده. # والضنى: الداء المخامر الذى إذا ظن صاحبه أنه قد برأ نكس. # وقوله: «بعدها» أراد بعد فراقها، فحذف المضاف. # وقوله: «بى» صفة لضنى، فالباء متعلقة بمحذوف، تقديره: كائن أو واقع. ~~ويحتمل الناصب للظرف الذى هو «بعدها» وجهين: إن شئت أعملت فيه المصدر الذى ~~هو «ضنى»، وإن شئت أعملت فيه الباء التى فى «بى»؛ لأن الظرف وحرف الخفض إذا ~~تعلقا بمحذوف عملا فى الظرف وفى الحال، كقولك: # زيد فى الدار اليوم، وهو عند جعفر غدا. # والهاء فى «بعدها» عائدة على «بقر»، وإن كانت «بقر» متأخرة، وجاز PageV03P232 # ذلك لأنها فاعل (¬1)، والفاعل رتبته التقدم، فإذا أخرته جاز تقديم الضمير ~~العائد إليه؛ لأن النية به التقديم، ومثله: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} (¬2). # وفى الكلام حذف؛ وذلك أنه أراد: لا تجزنى بضنى بى ضنى بها، أى ضنى يقع ~~بها، فحذف ذلك للعلم به. # و «مسكوبا» لا يجوز أن ينتصب على الحال من «دموعى»؛ لأن الواحد المذكر لا ~~يكون ms626 حالا من جماعة، لا تقول: طلعت الخيل مترادفا، ولكن: # مترادفة، ولو قلت: مترادفات، كان أحسن، كما جاء فى التنزيل: {أولم يروا ~~إلى الطير فوقهم صافات} (¬3). # ولو قال: تجزى دموعى مسكوبة، كان حالا. وإذا بطل انتصاب «مسكوبا» على ~~الحال، نصبته على البدل من «الدموع» كأنه قال: تجزى مسكوبا منها بمسكوب من ~~دموعها، فحذف الجارين والمجرورين، وإنما احتيج إلى تقدير «منها»؛ لأن بدل ~~البعض وبدل الاشتمال لا بد أن يتصل بهما ضمير يعود على المبدل منه، كقولك: ~~ضربت زيدا رأسه، وأعجبنى زيد علمه. ومن بدل الاشتمال المحذوف منه الضمير ~~قول الأعشى: # لقد كان فى حول ثواء ثويته ... تقضى لبانات ويسأم سائم (¬4) PageV03P233 # أراد: ثويته فيه. # ومعنى البيت: أنه بكى عند الفرقة وبكين، فجزين دمعه بدمع، فدعا لهن بألا ~~يجزينه بضناه ضنى، كما جزينه بالدمع دمعا. PageV03P234 ### | AUTO المجلس الرابع والثمانون # قول أبى الطيب # (¬1): # أنت الجواد بلا من ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا مذل # سألنى سائل عن المذل، فقلت: قد قيل فيه قولان: أحدهما أن معناه القلق، ~~يقال: مذلت من كلامك، أى قلقت، ومذل فلان على فراشه: إذا قلق فلم يستقر. # والقول الآخر: البوح بالسر، يقال: فلان مذل بسره، وكذلك هو مذل بماله: ~~إذا جاد به. # وذكر أبو زكريا فى تفسير البيت الوجهين فى المذل، ثم قال: والذى أراد أبو ~~الطيب بالمذل: أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد، كما يقلق غيره. وليس ما ~~قاله بشىء عليه تعويل، بل المذل هاهنا البوح بالأمر، ونفى ذلك عنه، فأراد: # أنه إذا جاد كتم معروفه، فلم يبح به. # وقول أبى زكريا: «أراد أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد» قد زاد بذكر ~~الشدائد ما ذهب إليه بعدا من الصواب، وهل فى البيت ما يدل على الشدائد؟ ~~إنما مبنى البيت على الجود، والخلال التى مدحه بنفيها عنه متعلقة بمعنى ~~الجود، وهى المن والكدر، والمطال والوعد، والمذل الذى هو البوح بالشىء. # ... PageV03P235 ### || AUTO فصل # أنبه فيه على فضائل أبى الطيب، وأورد فيه غررا من حكمه. فمن بدائعه قوله ~~فى ms627 الحمى: # وزائرتى كأن بها حياء ... فليس تزور إلا فى الظلام (¬1) # بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت فى عظامى # المطارف: جمع مطرف، ومطرف، وهو الذى فى طرفه علمان. # والحشايا: جمع حشية، وهو ما حشى، مما يفرش. # إذا ما فارقتنى غسلتنى ... كأنا عاكفان على حرام # إنما خص الحرام، والاغتسال يكون من الحلال والحرام؛ لأنه جعلها زائرة، ~~والزائرة غريبة، فليست بزوجة ولا مملوكة (¬2). # كأن الصبح يطردها فتجرى ... مدامعها بأربعة سجام # إنما قال: «بأربعة» لأنه أراد الغروب والشئون، وواحدهما: غرب وشأن، وهما ~~مجارى الدموع. # أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام # ويصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك فى الكرب العظام # أبنت الدهر عندى كل بنت ... فكيف وصلت أنت من الزحام # جعل الحمى بنتا للدهر؛ لأنها تحدث فيه، فكأنه أب لها. # وقوله: «عندى كل بنت» يريد كل شديدة يحدثها الدهر. PageV03P236 # وفيها: # وضاقت خطة فخلصت منها ... خلاص الخمر من نسج الفدام # خطة: حال صعبة. والفدام: مصفاة الخمر. ويقال: فدام، بالتشديد. # قال أبو الفتح، بعد أن ذكر هذه الأبيات: ما قيل شعر فى وصف حال نهكت ~~صاحبها واشتدت به، ثم عاد إلى حال السلامة، إلا وهذا أحسن منه. وقد ذكر عبد ~~الصمد بن المعذل الحمى فى قصيدة رائية (¬1)، وليست فى طرز هذه، وإن كان عبد ~~الصمد حاذقا مخترعا غير مدفوع الفضل. # ... وقال أبو الفتح بعد قوله: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم (¬2) # ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم # هذا كلام شريف، لا يصدر إلا عن فضل باهر. # القريحة: خالص الطبع، وهى مأخوذة من قريحة (¬3) البئر، وهو أول ما يخرج ~~من مائها، ومن هذا قيل: ماء قراح، أى لا يخالطه غيره. # ... PageV03P237 # وقال أبو الفتح عقيب قوله: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم (¬1) # أشهد بالله أنه لو لم يقل المتنبى غير (¬2) هذا البيت لوجب أن يتقدم ~~كثيرا من المجيدين. # ... وقال أبو الطيب فى أسد قتله بدر بن عمار، وفر منه أسد آخر: # تلف الذى اتخذ الجراءة خلة ... وعظ ms628 الذى اتخذ الفرار خليلا (¬3) # وقال أبو الفتح بعد إيراد هذا البيت: هذا من حكمه التى يرسلها، وله فى ~~شعره أشباه لهذا كثيرة، منها قوله: # الرأى قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهى المحل الثانى (¬4) # ومنها: # مصائب قوم عند قوم فوائد (¬5) # ومنها: # إن النفيس غريب حيث ما كانا (¬6) PageV03P238 # ومنها: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد (¬1) # ... وقال أبو الفتح بعد إيراد قوله: # ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا (¬2) # نطقت بسؤددك الحمام تغنيا ... وبما تجشمها الجياد صهيلا # أشهد بالله لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناس، والسلام. # ... وقال أبو الفتح فى قوله: # نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد (¬3) # لو لم يمدحه إلا بهذا البيت وحده لكان قد أبقى له مالا يخلقه الزمان، ~~وهذا هو المدح الموجه؛ لأنه بنى البيت على أن مدحه باستباحة الأعمار، ثم ~~تلقاه فى آخره بذكر سرور الدنيا ببقائه واتصال أيامه. # وهذا البيت قد ذكرت ما فيه فيما تقدم. # ... PageV03P239 # وقال أبو العلاء المعرى فى قوله: # إلف هذا الهواء أوقع فى الأن ... فس أن الحمام مر المذاق (¬1) # والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق # هذان البيتان يفضلان كتابا من كتب الفلاسفة؛ لأنهما متناهيان فى الصدق ~~وحسن النظام، ولو لم يقل شاعرهما سواهما لكان فيهما جمال وشرف. # ... وقال أبو العلاء فى مرثية أبى الطيب، التى رثا بها أخت سيف الدولة، ~~التى أولها: # إن يكن صبر ذى الرزية فضلا (¬2) # لو لم يكن للمتنبى غير هذه القصيدة فى سيف الدولة لكان ذلك كثيرا، وأين ~~منها قصيدة البحترى التى أولها: # إن سير الخليط لما استقلا (¬3) # انتهى كلامه. # ... PageV03P240 # ومن معانى أبى الطيب المستحسنة-وإن كان مما سبق إليه-قوله: # ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله ... وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم (¬1) # أصل هذا المعنى قول أرسطاطاليس: العقل سبب رداءة العيش (¬2)، وأخذه عبد ~~الله ابن المعتز فى قوله: # وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا (¬3) # وكرره أبو الطيب فى قوله: # أفاضل الناس ms629 أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن (¬4) # ... ومن ابتداءاته الغزلة (¬5) الفائقة قوله: # أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفى برود وهو فى كبدى جمر (¬6) # ... ومن بارع ابتداءات المراثى قوله: # نعد المشرفية والعوالى ... وتقتلنا المنون بلا قتال (¬7) # ونرتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالى PageV03P241 # وما وصف أحد ما اعتوره من نوائب الدهر بأحسن من قوله: # رمانى الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادى فى غشاء من نبال # فصرت إذا أصابتنى سهام ... تكسرت النصال على النصال # وهل وصف واصف نساء بالجمع بين بكاء الفجيعة وبكاء الدلال بأبرع من قوله: # أتتهن المصيبة غافلات ... فدمع الحزن فى دمع الدلال # وهل أبن شاعر امرأة بأبلغ من قوله: # ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... وما التذكير فخر للهلال # ومن هذه القصيدة فى المدح قوله: # فإن تفق الأنام وأنت منه ... فإن المسك بعض دم الغزال (¬1) # ... ومما جمع فيه بين الصنعة وحسن المعنى، وهو من شوارد بدائعه، قوله: # أزورهم وسواد الليل يشفع لى ... وأنثنى وبياض الصبح يغرى بى (¬2) # قابل أزورهم بأنثنى، وسواد الليل ببياض الصبح، ويشفع لى بيغرى بى. # ... PageV03P242 # وأجمع أهل المعرفة بالشعر على أنه لم يمدح أسود بأحسن من قوله فى كافور: # فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضا خلفها ومآقيا (¬1) # حتى قال بعضهم: لو مدح بهذا أبيض لكان غاية فى المدح، فكيف والممدوح به أسود؟ # ... وما ذم شاعر الدنيا بمثل قوله: # فذى الدار أخون من مومس ... وأغدر من كفة الحابل (¬2) # تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل # المومس من النساء: الفاجرة. # ... ومن بديع الاستعتاب بأحسن لفظ وأعذب معنى قوله: # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم (¬3) # ... PageV03P243 # ومن أبلغ الوصف بالجود قوله: # أرجو نداك ولا أخشى المطال به ... يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا (¬1) # ... ومن أشد ما هجى به خصي أسود قوله: # وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود (¬2) # ... ومن در قلائده، وهو مما أقر له فيه أبو نصر بن ms630 نباتة بالفضيلة، فقال: # إننا لنقول وما نحسن (¬3) أن نقول كقول أبى الطيب: # إذا ما سرت فى آثار قوم ... تخاذلت الجماجم والرقاب (¬4) # ... ومما زاد فيه على من تقدمه قوله فى الطير التى تصحب الجيش لتصيب من ~~القتلى: # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع (¬5) # أراد: طول أكلها إياهم، فحذف فاعل المصدر، وأضافه إلى المفعول، كما جاء ~~فى التنزيل: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك} (¬6) أى بسؤاله إياك نعجتك. PageV03P244 # ومن أحسن المدح باستلذاذ المسئول السؤال قوله: # إذا غزته أعاديه بمسألة ... فقد غزته بجيش غير مغلوب (¬1) # كأن كل سؤال فى مسامعه ... قميص يوسف فى أجفان يعقوب # ... ومن أرق لفظ فى المدح وأظرفه قوله: # تأبى خلائقك التى شرفت ... ألا تحن وتذكر العهدا (¬2) # لو كنت عصرا منبتا زهرا ... كنت الربيع وكانت الوردا # ... ومن غرره قوله: # وجرم جره سفهاء قوم ... فحل بغير جارمه العذاب (¬3) # وقوله: # وما الحسن فى وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن فى فعله والخلائق (¬4) # وقوله: # فإن قليل الحب بالعقل صالح ... وإن كثير الحب بالجهل فاسد (¬5) # وقوله: # إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم (¬6) PageV03P245 # وقوله: # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل (¬1) # وقوله: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل (¬2) # وقوله: # وإذا الشيخ قال أف فما م ... ل حياة وإنما الضعف ملا (¬3) # آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى # أبدا تسترد ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا # وقوله: # وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت فى مرادها الأجسام (¬4) # وقوله: # أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم (¬5) # وما انتفاع أخى الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # وقوله: # وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل (¬6) PageV03P246 # وقوله: # إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإنى قد أكلتهم وذاقا (¬1) # فلم أر ودهم إلا خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا # وقوله: # فما ترجى النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود (¬2) # وقوله: # أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ms631 ... فما طلبى منها حبيبا ترده (¬3) # وأسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء فى طباعك ضده # وقوله: # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم (¬4) # وعادى محبيه بقول عداته ... وأصبح فى ليل من الشك مظلم # وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم # وقوله: # ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلمه عنى ولم أتكلم # وقوله: # وكل امرئ يولى الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب (¬5) PageV03P247 # وقوله: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن (¬1) # وقوله: # ومراد النفوس أصغر من أن ... نتعادى فيه وأن نتفانى (¬2) # غير أن الفتى يلاقى المنايا ... كالحات ولا يلاقى الهوانا # ولو أن الحياة تبقى لحى ... لعددنا أضلنا الشجعانا # وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا # وقوله: # ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام (¬3) # وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمى أنه بعض الأنام # ومنها: # وآنف من أخى لأبى وأمى ... إذا ما لم أجده من الكرام # ولم أر فى عيوب الناس شيئا (¬4) ... كنقص القادرين على التمام # وقوله: # إذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم (¬5) PageV03P248 # وقوله: # إذا ما عدمت الأصل والعقل والندى ... فما لحياة فى حياتك طيب (¬1) # وقوله: # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال (¬2) # إنا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال # ذكر الفتى عمره الباقى (¬3) ... وحاجته # ما فاته وفضول العيش أشغال # وقوله: # إنى لأجبن من فراق أحبتى ... وتحس نفسى بالحمام فأشجع (¬4) # ويزيدنى غضب الأعادى قسوة ... ويلم بى عتب الصديق فأجزع # تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع # ولمن يغالط فى الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع # أين الذى الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع (¬5) # بمصر أهرام، منها اثنان ارتفاع كل واحد منهما مائة ذراع (¬6). PageV03P249 # تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع # ومن ذلك قوله: # توهم القوم أن العجز قربنا ... وفى التقرب ما يدعو إلى التهم (¬1) # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال ms632 ولو كانوا ذوى رحم # وفيها: # هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم # ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم (¬2) # وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم # غاض الوفاء فما تلقاه فى عدة ... وأعوز الصدق فى الإخبار والقسم # غاض: ذهب، من قولك: غاض الماء. # وفيها: # أتى الزمان بنوه فى شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم # ومن ذلك قوله: # تريدين لقيان المعالى رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل (¬3) # وقوله: # تمن يلذ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغنى فتيلا ولا يجدى (¬4) PageV03P250 # وغيظ على الأيام كالنار فى الحشى ... ولكنه غيظ الأسير على القد # وقوله: # نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه (¬1) # تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هى من كسبه # فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه # لو فكر العاشق فى منتهى ... حسن الذى يسبيه لم يسبه # يموت راعى الضأن فى جهله ... موتة جالينوس فى طبه # وقوله: # فلا تغررك ألسنة موال ... تقلبهن أفئدة أعادى (¬2) # فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد # وإن الماء يجرى من جماد ... وإن النار تخرج من زناد # وقوله: # على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وقال ووامق (¬3) # المقة: المحبة. # تغير حالى والليالى بحالها ... وشبت وما شاب الزمان الغرانق # الغرانق من الرجال: الشاب الناعم، وجمعه: غرانق، بفتح الغين. PageV03P251 # ومن ذلك قوله: # فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما يهب اللئام (¬1) # ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث ضخام # وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام (¬2) # الرغام: التراب. # خليلك أنت لا من قلت خلى ... وإن كثر التجمل والكلام # ولو حيز الحفاظ بغير عقل ... تجنب عنق صيقله الحسام # وشبه الشىء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام # الطغام: جمع طغامة، وهو الجاهل الذى لا يعرف شيئا. # ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام # وقوله: # أنكرت طارقة الحوادث مرة ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا (¬3) # ومنها: # ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس ms633 المقتنى # لعنت مقارنة اللئيم فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيفنا # الضيفن: ضيف الضيف. ومن ذلك قوله: # واحتمال الأذى ورؤية جاني ... ه غذاء تضوى به الأجسام (¬4) PageV03P252 # ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام # كل حلم أتى بغير اقتدار ... حجة لاجئ إليها اللئام # من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام # وقوله: # أعرض للرماح الصم نحرى ... وأنصب حر وجهى للهجير (¬1) # وأسرى فى ظلام الليل وحدى ... كأنى منه فى قمر منير # فقل فى حاجة لم أقض منها ... على تعبى (¬2) بها شروى نقير # الشروى: المثل. يقال: هذا شروى هذا، أى مثله. # والنقير مما ضربوا به المثل فى الحقارة، كالفتيل والقطمير، فالنقير: ~~النقرة، أى النكتة التى فى ظهر النواة. والفتيل: الذى فى شق النواة. ~~والقطمير: القشرة الرقيقة التى عليها. وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه ~~وضع طرف إبهامه على باطن سبابته ثم نقدها (¬3) وقال: هذا النقير (¬4). ~~وقال: الفتيل: ما يخرج من بين الإصبعين إذا فتلتهما. # ونفس لا تجيب إلى خسيس ... وعين لا تدار على نظير # وكف لا تنازع من أتانى ... ينازعنى سوى كرمى (¬5) وخيرى # الخير: الكرم، وعطفه عليه لاختلاف لفظيهما، كما قال الحطيئة: # وهند أتى من دونها النأى والبعد (¬6) PageV03P253 # و «سوى» متعلق بتنازع، أى لا تنازع سوى كرمى من أتانى ينازعنى # وقلة ناصر جوزيت عنى ... بشر منك يا شر الدهور # عدوى كل شيء فيك حتى ... لخلت الأكم (¬1) موغرة الصدور # فلو أنى حسدت على نفيس ... لجدت به لذى الجد العثور # الجد هاهنا: الحظ. # ولكنى حسدت على حياتى ... وما خير الحياة بلا سرور # وفيها: # فلو كنت امرأ يهجى هجونا ... ولكن ضاق فتر (¬2) عن مسير # ومن ذلك قوله: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن (¬3) # أغراض: أهداف. # وإنما نحن فى جيل سواسية ... شر على الحر من سقم على بدن # سواسية: مستوون فى الشر. # حولى بكل مكان منهم خلق ... تخطى إذا جئت فى استفهامها بمن # أراد: باستفهامك عنها، فحذف فاعل المصدر والجار. وفيها: # فقر الجهول بلا قلب إلى أدب ms634 ... فقر الحمار بلا رأس إلى رسن # وفيها: # لا يعجبن مضيما حسن بزته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن PageV03P254 # راقنى الشىء: أعجبنى. # ومن ذلك قوله فى مرثية جدته: # عرفت الليالى قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتنا لم تزدنى بها علما (¬1) # وما الجمع بين الماء والنار فى يدى ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما # وإنى لمن قوم كأن نفوسهم (¬2) ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما # فلا عبرت بى ساعة لا تعزنى ... ولا صحبتنى مهجة تقبل الظلما # ومن ذلك قوله: # وأنا الذى اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل (¬3) # وفيها: # ما نال أهل الجاهلية كلهم ... شعرى ولا سمعت بسحرى بابل # فإذا أتتك مذمتى من ناقص ... فهى الشهادة لى بأنى فاضل (¬4) # ومن ذلك قوله: # ولا تحسبن المجد زقا وقينة ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكر (¬5) # ومن ينفق الساعات فى جمع ماله ... مخافة فقر فالذى فعل الفقر # وفيها: # وما زلت حتى قادنى الشوق نحوه ... يسايرنى فى كل ركب له ذكر PageV03P255 # وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر # ومن ذلك قوله: # لا أستزيدك فيما فيك من كرم ... أنا الذى نام إن نبهت يقظانا (¬1) # ومن ذلك قوله: # كذا فتنحوا عن على وطرقه ... بنى اللؤم حتى يعبر الملك الجعد (¬2) # الجعد هاهنا: السخى (¬3)، مشبه بالثرى الندى، إذا قالوا: ثرى جعد فإنما ~~يريدون أنه يجتمع فى الكف، وكذلك إذا قالوا: شعر جعد. # فما فى سجاياكم منازعة العلى ... ولا فى طباع التربة المسك والند # فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد (¬4) # وقوله: # من خص بالذم الفراق فإننى ... من لا يرى فى الدهر شيئا يحمد (¬5) # وقوله: # يهون على مثلى إذا رام حاجة ... وقوع العوالى دونها والقواضب (¬6) # إليك فإنى لست ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعى نام فوق العقارب PageV03P256 # وقوله: # يخيل لى أن البلاد مسامعى ... وأنى فيها ما يقول العواذل (¬1) # وقوله: # إذا غامرت فى شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم (¬2) # فطعم الموت فى أمر حقير ... كطعم الموت فى أمر عظيم # يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة ms635 الطبع اللئيم # وقوله، وقد تقدم ذكره (¬3): # ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله ... وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم # وكذلك قوله: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # أراد: لا يسلم للشريف شرفه من أذى الحساد والأعداء حتى يقتل حساده ~~وأعداءه، فإذا أراق دماءهم سلم له شرفه، فإنه إنما يصير مهيبا بالغلبة. # والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم (¬4) # والذل يظهر فى الذليل مودة ... وأود منه لمن يود الأرقم # ومن البلية عذل من لا يرعوى ... عن جهله وخطاب من لا يفهم # ومن ذلك قوله: # كلام أكثر من تلقى ومنظره ... مما يشق على الآذان والحدق (¬5) PageV03P257 # وقوله: # مشب الذى يبكى الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه (¬1) # وتكملة العيش الصبا وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه (¬2) # وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه # وقوله: # يدفن بعضنا بعضا ويمشى ... أواخرنا على هام الأوالى (¬3) # الأوالى: مقلوب من الأوائل، فوزنه الأفالع. # وكم عين مقبلة النواحى ... كحيل بالجنادل والرمال # ومغض كان لا يغضى لخطب ... وبال كان يفكر فى الهزال # وقوله: # وما الموت إلا سارق دق شخصه ... يصول بلا كف ويسعى بلا رجل (¬4) # يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ... ويسلمه عند الولادة للنمل (¬5) # وقوله: # أرى كلنا يبغى الحياة بسعيه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا (¬6) PageV03P258 # فحب الجبان النفس أورده التقى (¬1) ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا # ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن يرى إحسان هذا لذا ذنبا # ومن ذلك قوله: # طوى الجزيرة حتى جاءنى خبر ... فزعت منه بآمالى إلى الكذب (¬2) # حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بى # أى صغرت فى جنب الدمع، فصرت بالإضافة إليه كالشيء يشرق به فى القلة (¬3). # ومن ذلك قوله: # كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم (¬4) # ليت الغمام الذى عندى صواعقه ... يزيلهن إلى ما عنده الديم # وقوله: # إذا ما لبست الدهر مستمتعا به ... تخرقت والملبوس لم يتخرق (¬5) # وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق # وما ms636 ينصر الفضل المبين على العدى ... إذا لم يكن فضل السعيد الموفق # وقوله: # رب أمر أتاك لا تحمد الفع ... ال فيه وتحمد الأفعالا (¬6) PageV03P259 # وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا # من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا # كل غاد لحاجة يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا # وقوله: # الرأى قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهى المحل الثانى (¬1) # فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان # ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأى قبل تطاعن الأقران # لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان # وقوله: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا (¬2) # تمنيتها لما تمنيت أن ترى ... صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا # إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة ... فلا تستعدن الحسام اليمانيا # ولا تستطيلن الرماح لغارة ... ولا تستجيدن العتاق المذاكيا # فما ينفع الأسد الحياء من الطوى ... ولا تتقى حتى تكون ضواريا # حببتك قلبى قبل حبك من نأى ... وقد كان غدارا فكن لى وافيا # وأعلم أن البين يشكيك بعده ... فلست فؤادى إن رأيتك شاكيا # أقل اشتياقا أيها القلب ربما ... رأيتك تصفى الود من ليس جازيا # خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا ... لفارقت شيبى موجع القلب باكيا PageV03P260 # وفيها: # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا (¬1) # وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا # ومن ذلك قوله: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا (¬2) # ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف فى موضع الندى # ومن ذلك قوله: # تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف فى الشجب (¬3) # الشجب: الهلاك. أراد أن الناس مختلفون فى كل شيء، ولم يقع الاتفاق منهم ~~إلا على الموت، ثم إنهم قد اختلفوا فيه، وبين وجه اختلافهم بقوله: # فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء فى العطب # قيل: إن الملحدين يقولون: إن النفس تهلك كما يهلك الجسم، وروى عن أفلاطون ~~وأرسطوطاليس فى ذلك خلاف، ms637 فقيل إن أحدهما كان يقول: تبقى النفس الخيرة بعد ~~خروجها من الجسد، وإن الآخر كان يقول: تبقى النفس المحمودة والمذمومة. ومن ~~يذهب إلى هذا الوجه يزعم أنها تكون ملتذة بما فعلته من الخير فى الدار ~~الفانية. # ومن تفكر فى الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب # ... PageV03P261 ### ||| AUTO وقد وردت لأبى الطيب أمثال # فى أعجاز أبيات # (¬1) # منها قوله: # إن المعارف فى أهل النهى ذمم (¬2) # وقوله: # أنا الغريق فما خوفى من البلل (¬3) # وقوله: # وقد يؤذى من المقة الحبيب (¬4) # وقوله: # ولكن ربما خفى الصواب (¬5) # وقوله: # وكل اغتياب جهد من ماله جهد (¬6) # وقوله: # ليس التكحل فى العينين كالكحل (¬7) PageV03P262 # وقوله: # وتأبى الطباع على الناقل (¬1) # وقوله: # وفى الباقى لمن بقى اعتبار (¬2) # وقوله: # ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا (¬3) # وقوله: # ومن لك بالحر الذى يحفظ اليدا (¬4) # وقوله: # والمستغر بما لديه الأحمق (¬5) PageV03P263 # وقوله: # وفى عنق الحسناء يستحسن العقد (¬1) # وقوله: # وليس بمنكر سبق الجواد (¬2) # وقوله: # ولكن صدم الشر بالشر أحزم (¬3) # وقوله: # قد أفسد القول حتى أحمد الصمم (¬4) # وقوله: # مصائب قوم عند قوم فوائد (¬5) # وقوله: # ومخطئ من رمية القمر (¬6) # وقوله: # فإن فى الخمر معنى ليس فى العنب (¬7) PageV03P264 # وقوله: # ومن قصد البحر استقل السواقيا (¬1) # وقوله: # وأين من المشتاق عنقاء مغرب (¬2) # وقوله: # ولا يرد عليك الفائت الحزن (¬3) # وقوله: # بجبهة العير يفدى حافر الفرس (¬4) # وقوله: # والجوع يرضى الأسود بالجيف (¬5) # وقوله: # إذا عن بحر لم يجز لى التيمم (¬6) # وقوله: # إنا لنغفل والأيام فى الطلب (¬7) PageV03P265 # وقوله: # إن النفيس غريب حيث ما كانا (¬1) # وقوله: # وبضدها تتبين الأشياء (¬2) # وقوله: # غير مدفوع عن السبق العراب (¬3) # وقوله: # ما كل دام جبينه عابد (¬4) # وقوله: # ومن يسد طريق العارض الهطل (¬5) # وقوله: # ويبين عتق الخيل فى أصواتها (¬6) # وقوله: # والشيب أوقر والشبيبة أنزق (¬7) PageV03P266 # وقوله: # وفى التجارب بعد الغى ما يزع (¬1) # يزع: يكف، أى يكف الغاوى عن غيه. # وجاء بمثل فى ثلث بيت، وهو قوله: # ومن للعور بالحول (¬2) # ... وليس شيء مما ذكرته من هذه الآداب البارعة والأمثال السائرة الرائعة ~~إلا قد فاوضت فيه شيوخ أهل العلم، فابدءوا فيه وأعادوا، واستحسنوا ~~واستجادوا. وإنما ذكرت لك طرفا ms638 من عيون كلمه، وبعضا من فنون حكمه؛ لأنبهك ~~على جلالة قدره، وأعرفك أنه فى الشعر نسيج وحده وقريع عصره. ومن صغر شأنه ~~فقد أبان عن نقص فى نفسه كثير، وما أحسن قول النابغة: # أى الرجال المهذب (¬3) # والفاضل من عدت سقطاته، والإساءة فى البيت الفذ مغفورة بالإضافة إلى ألف ~~حسنة، كما قيل: # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع (¬4) # وبعد هذا، من الذى سلم فى شعره من الشعراء المتقدمين؟ ولو اقتصصت PageV03P267 # لك سقطات بشار وأبى نواس وأبى تمام والبحترى، وغيرهم من الفحول المبرزين، ~~المتقدمين والمتأخرين، لاستحسنت من شعر أبى الطيب ما استقبحته، واستجدت ما ~~استرذلته، على أنه لم يرتكب لفظة مستهجنة إلا وليس له عنها مندوحة، ولست ~~تقدر أن توجدنى أمثالا عدد أمثاله فى شعر واحد من نظرائه وأمثاله، بل لا ~~تجد ذلك لمجيدين أو ثلاثة مكثرين، من المتقدمين والمتأخرين، وما أحسن قوله: # فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد (¬1) # وأسخف شعره القصيدة التى أولها (¬2): # ما أنصف القوم ضبه # وفيها: # إن أوحشتك المعالى ... فإنها دار غربه # أو آنستك المخازى ... فإنها بك أشبه (¬3) # وكل من خطأه فى معنى أو كلمة لغوية فهو مخطئ فى تخطئته. # فممن خطأه فى كلمة لغوية أبو زكريا، فقال فى قوله (¬4): # قد كنت تهزأ بالفراق مجانة PageV03P268 # الناس يستعملون المجانة فى معنى الهزء بالشىء والتهاون به، يقولون: فلان ~~ماجن، إذا كان مسرفا فى اللهو والقول لما لم يكن. فأما أهل اللغة فيقولون: # مجن: إذا مرن على الشىء. انتهى كلامه. # والذى قاله غير صحيح، بدلالة أن المجانة قد وردت فى الشعر القديم، على ما ~~ذهب إليه المتنبى، وذلك فى قول يزيد بن مفرغ الحميرى، يهجو عباد بن زياد بن أبيه: # شجاع فى المجانة والمخازى ... جبان عند محتضر المصاع (¬1) # وقال أبو الحسين بن فارس فى المجمل: «المجون: ألا يبالى الإنسان بما صنع» ~~(¬2)، فهذا دفع لما قاله أبو زكريا، من جهة شعر العرب، ومن جهة قول أهل اللغة. # ... وقال المتنبى يصف جيشا فى أرض قطعها، ويخاطب الممدوح: # جيش كأنك فى ms639 أرض تطاوله ... والأرض لا أمم والجيش لا أمم (¬3) # يقول: بعدت الأرض وطالت، فكأنها تطاول جيشك البعيد أطرافه. # والأمم: بين القريب والبعيد. ثم فسر هذا بقوله: # إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منها بدا علم # أراد بالعلم من الأرض: الجبل، وبالعلم من الجيش: الراية، يقول: # فلا الجبال تفنى، ولا أعلام الجيش. PageV03P269 # قال أبو زكريا: ولو قال: وإن مضى عالم منه، لكان أحسن فى حكم الشعر؛ لأن ~~تكرير «العلم» فى البيت كثر. وقوله: وإن مضى عالم، يقلل تردد «العلم» ويدل ~~على كثرة الجيش. انتهى كلامه. # وأقول: إن المتنبى لو قال ما ذهب إليه أبو زكريا، فاستعمل «العالم» فى ~~موضع «العلم» كان قبيحا فى صناعة الشعر؛ لأنه قد أتى بذكر «العلم» الذى هو ~~الجبل مرتين، فوجب أن يقابله بذكر «العلم» الذى هو الراية مرتين. # وأما قوله: إنه لو قال: «مضى عالم» دل على كثرة الجيش، فكذلك ذكر «العلم» ~~يدل على كثرة الجيش؛ لأن العلم يكون تحته أمير معه عالم. # وأما كراهيته لتكرير «العلم» فقول من جهل ما فى التكرير من التوكيد ~~والتبيين، إذا تعلق التكرير بعضه ببعض، بحرف عطف، أو بحرف شرط، أو غير ذلك ~~من المعلقات، كما جاء فى التنزيل: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله} (¬1) ومثله: {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين ~~من قبلكم بخلاقهم} (¬2). فالتكرير فى هذا النحو حسن مقبول، وإذا جاء هذا فى ~~القرآن علمت أن التكرير فى بيت أبى الطيب غير معيب، وإنما يعاب التكرير إذا ~~ورد اللفظ فى بيتين أو ثلاثة والمعنى واحد. # ووهم (¬3) أبو زكريا في بيت لأبى نواس، حمل عليه بيتا لأبى الطيب، وذلك ~~قول أبى الطيب: PageV03P270 # يا من لجود يديه فى أمواله ... نقم تعود على اليتامى أنعما # حتى يقول الناس ماذا عاقلا ... ويقول بيت المال ماذا مسلما # قال أبو زكريا: عظم الممدوح تعظيما وجب معه ألا يكون خاطبه بقوله: # حتى يقول الناس ماذا ms640 عاقلا # وإنما تبع فى ذلك الحكمى فى قوله: # جاد بالأموال حتى قيل ما هذا صحيح # ويجوز أن يكون أبو الطيب ظن أن أبا نواس أراد: ما هذا صحيح العقل، ولعله ~~لم يرد ذاك، وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه. # وأقول: إن أبا نواس لم يرد إلا ما ذهب إليه المتنبى؛ لأن أبا نواس قد صرح ~~بهذا المعنى فى قصيدة أخرى، وأتى بلفظة أقبح من قوله: «ما هذا صحيح» فقال: # جدت بالأموال حتى ... حسبوه الناس حمقا # وتبعه فى ذلك أبو تمام فقال: # ما زال يهذى بالمكارم والندى ... حتى ظننا أنه محموم # ويروى: «يهذر» والأصل فى هذا قول أعرابى، فيما أورده الجاحظ فى كتاب ~~الحيوان: # حمراء تامكة السنام كأنها ... جمل بهودج أهله مظعون # جادت بها عند الوداع يمينه ... كلتا يدى عمر الغداة يمين # ما كان يعطى مثلها فى مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون # فعلى هذا المنوال نسج أبو الطيب بيته، فأراد أنه يفرط فى الجود حتى ينسبه ~~الناس إلى عدم العقل، ولو كان بيت المال مما يصح منه الكلام لقال: ماذا ~~مسلما؛ لأنه فرق أموال المسلمين، ويجوز أن يكون أراد: حتى يقول خزان بيت ~~المال، وحذف المضاف، كما حذف فى {وسئل القرية}. PageV03P271 # وقول الأعرابى: «تامكة السنام» أى عاليته. تمك السنام: علا. # والخيم: السجية، وهى الخليقة. والهاء فى «مثله» تعود على الوداع، أى فى ~~مثل وقت الوداع. # ... قد أثبت لك ما ظفرت به بالتتبع، من حكم أبى الطيب، ولم أثبت إلا ما ~~رأيته فى مكاتبة، أو سمعته فى مفاوضة، فقد كفيتك مئونة تطلبه، وبقى عليك ~~تكلف تحفظه. # فمن فضائل هذا الشاعر من دون قائلى القريض (¬1)، أنك لا تجد واحدا من ~~الناس إلا وهو يحفظ من شعره قصائد أو قصيدتين أو قصيدة، أو مقطوعة أو بيتا، ~~أو صدر بيت، أو عجز بيت. فمما أجمع الناس على حفظه، أو حفظ عجزه قوله: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد (¬2) # ولقد سمعت من أدوان العوام مرارا غير محصاة أناسا ms641 ينشدون: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد (¬3) # وكذلك قوله: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم (¬4) PageV03P272 # إلا أنهم يغلطون فيقولون: فإن ترى. يستعملون «ترى» موضع «تجد». # وما أوقع قوله فيمن ذمه: # وإذا أتتك مذمتى من ناقص ... فهى الشهادة لى بأنى فاضل (¬1) # وقوله: # رمانى خساس الناس من صائب استه ... وآخر قطن من يديه الجنادل (¬2) # ومن جاهل بى وهو يجهل جهله ... ويجهل علمى أنه بى جاهل # أما إعراب هذين البيتين: فإن دخول «من» فى قوله: «من صائب استه» كدخولها ~~فى قولك: جاء القوم من ضاحك ومن باك، فهى للتبعيض؛ لأن المعنى: # بعضهم ضاحك، وبعضهم باك. ويقال: أصاب السهم الهدف فهو مصيب، وصابه فهو ~~صائب، لغية. قال بشر بن أبى خازم الأسدى (¬3): # تسائل عن أخيها كل ركب ... ولم تعلم بأن السهم صابا # وقوله: # ويجهل علمى أنه بى جاهل # علمى: مفعول يجهل. وقوله: «أنه بى جاهل» هو الفاعل، أى يجهل جهله بى علمى ~~(¬4). PageV03P273 # وفسر على بن عيسى الربعى قوله: «من صائب استه» بأنه من ضعفه إذا رمى يصيب ~~استه، فحمله على معنى قوله: # وآخر قطن من يديه الجنادل # وليس هذا القول بشىء؛ لأننا لم نجد فى الموصوفين بالضعف من يرمى بحجر أو ~~غير حجر مما ترمى به اليد فيصيب استه، وإنما هو مثل ضربه، فذكر تفصيل ~~عائبيه، فقال: عابنى أراذل الناس، فمنهم من رمانى بعيب هو فيه، وهو الأبنة، ~~فانقلب قوله عليه، فأصاب استه بالعيب الذى رمانى به. وآخر لم يؤثر كلامه فى ~~عرضى؛ لعيه وحقارته، فهو كمن يرمى قرنه بسبائح القطن، أى الذين رمونى من ~~هذين الصنفين بهذين الوصفين. # ... تمت الأمالى التى أملاها الشريف النقيب ضياء الدين أبو السعادات هبة ~~الله ابن على الشجرى البغدادى. رحمه الله. # وكتب أسعد بن معالى بن إبراهيم بن عبد الله. فى شهور سنة إحدى وثمانين ~~وخمسمائة. حامدا لله تعالى على نعمه، ومصليا على خيرته من خلقه محمد النبى، ~~وعلى آله وصحبه، ومسلما. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ms642 # بلغ العرض على أصله المنقول منه، فصح والله الموفق (¬1) ... ms643