######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005432 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: علي بن منجب بن سليمان، أبو القاسم، تاج الرياسة، ابن الصيرفي (المتوفى: 542هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 542 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأفضليات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005432 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5432 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5432 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | كتاب الأفضليات ### | رسالة العفو # بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان ~~الكاتب: هذه الرسائل التي صنفتها منذ الأيام الأفضلية، فأولها رسالة العفو ~~التي ترجمتها استنزال ... مما خدم به المجلس العالي الملكي الأفضلي مملوكه ~~فلان، الحمد لله راحم خلقه وإن عظمت ذنوبهم، وكاشف ضرهم فيما يطرقهم ~~وينوبهم والمتفضل عليهم بنعمة وهم غافلون، والقائل في محكم كتابه: (وهو ~~الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) وصلى الله ~~على سيدنا محمد نبيه الذي شرفه بالقرآن الكريم، ووصفه بالخلق العظيم، وفضله ~~على كافة الأنبياء الذين بعثهم وأرسلهم، وأمره في أصحابه بقوله - عز من ~~قائل -: (فاعف عنهم واستغفر لهم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب الذي أجاب إلى الإيمان مسارعا مبادرا، وصفح عن عدوه وكان عليه ~~قادرا، وأعربت شيمه عن الشرف الصريح، ومنعه كرمه أن يجهز على جريح، وعلى ~~آلهما الطاهرين الذين طهر بهم من الأدناس صلاة دائمة الاتصال، مستمرة في ~~الغدو والآصال، وسلم وكرم ومجد وعظم. أجمعت البرية على اختلاف ألسنتها ~~وألوانها، وتغاير عصورها وأزمانها، وتباين عقولها وآرائها، وتفاوت أغراضها ~~وأهوائها أن أفضل ما اكتسبه المرء في وجوده، وأشرف ما منحه من كرم الله ~~تعالى وجوده ما يوفق له من إصلاح أخلاق النفس وتهذيبها، وتبليغها غاية تجود ~~الخواطر فيها وتهذي بها، وإن من أدرك ذلك فقد نال الرتبة العلية، وحاز ~~السعادة الحقيقية؛ لأنه حصل على فضيلة الذات، ووصل بها إلى أعظم اللذات، ~~وهذه قضية لا تنتقض، ومقدمة لا يخالف أحد فيها ولا يعترض. فأما النتيجة ~~عنها فهي فعل الحسن والمثابرة عليه، والتنزه عن القبيح وإن دعت المكافأة ~~إليه وأفضل الحسن ما بقي ذكر المرء بعده، وجعله بالوصف قريبا وإن أطالت ~~الأيام عهده، إذ كان بقاء ذكر الإنسان عمرا يستجده، وكنزا يذخره لوارثه ~~ويعده. ومن أمثالهم: (البشر أحد الجودين، والذكر أحد الخلودين، والبيان أحد ~~السحرين، والثناء أحمد العمرين) وما أحسن قول أبي الطيب: # كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه ms001 منشور # وقد سبقه إلى هذا المعنى غيره. قال التيمي: # ردت صنائعه على حياته ... فكأنه في طيه منشور # وقال آخر: # طوته المنايا والثناء كفيله ... برد حياة ليس يخلقها الدهر # وبعد أبي الطيب قال مهيار: # أفنى الثراء على الثناء لعلمه ... أن الفناء مع الثناء خلود # PageV01P001 # وإذا تؤملت المناقب التي تخلد حسن الذكر، وتمثلت صورا تستشف في مرآة ~~الفكر؛ وجد أحسنها منظرا، وأشفها جوهرا ما كانت النعمة فيه تتعدى، والآمال ~~تتعرض نحوه وتتصدى، فلذلك عظم رب المنائح والصلات، وفضل المتنفل بالصدقة ~~على المتنفل بالصلاة؛ وذلك (أن) المصلي لا تتجاوزه مثوبة ما صنع، والمتصدق ~~فقد نفع غيره وهو لا محالة قد انتفع. وهذا أمر قائم الدليل، واضح برهان ~~التفضيل. ثم إن هذه النعمة المشتركة بين منعم عليه بها، ومنعم يثاب بسببها، ~~تنقسم في قسمين أيضا: أحدهما البر المعهود والصدقة المعروفة، والآخر العفو ~~عن الجرائم التي تأبى احتمالها الطباع العزوفة. وتفضيل من يعفو على من ~~يتصدق فرض واجب، وترجيحه عليه أمر متعين وحق لازب؛ لأن المتصدق لا يتجاوز ~~حالا مختلة يسد خصاصتها وفاقتها، والعافي عن الذنوب فقد يحقن دماء يوجب ~~العدل سفكها وإراقتها. فالأول يولي جميلا ويحسن صنيعا، والثاني يحيي نفيسا ~~(ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) فبينهما هذا التفاوت الذي لا يخفى ~~قدره، والتباين الذي لا يستتر على ذي تصور أمره، فقد استقر بهذه السياقة أن ~~العفو أكرم الخصال، وأعلى منازل الكمال، وأحمد الأفعال عاقبة في العاجلة ~~والمآل. ومن لطائف الله تعالى بأهل هذا العصر، ومواهبه التي تتعدى مدى ~~الإحصاء والحصر؛ أن جعل هذه الفضيلة التي قام بها البرهان على أنها الأولى ~~في العدد، وارتفع الخلاف في كونها الأولى بتعظيم كل أحد، أغلب الخلال على ~~خلائق مولانا الملك السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر ~~الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله ملكه بالتخليد، ~~وشد ببقائه أزر الإيمان والتوحيد، الذي ملأ جماله العيون، وصدق إحسانه ~~الظنون، ووضحت الدلائل على أن مثله لم يكن قط ولن يكون: # هيهات قامت معجزات العلا ... فيه ms002 وماتت آية الانفراد # جل عن الناس فما عابه ... شيء سوى تشبيهه بالعباد # ثم إنه بسط الله اقتداره، وأعز أولياءه وأنصاره لم يعرض من الصفح بما ~~ألف، ولم يقنع من العفو بما عرف مما يجود منه على الجاني ببقاء روحه، ويحول ~~به بين المجرم وبين سكنى ضريحه، حتى أبان من التذاذه بالغفران، وإحسانه إلى ~~من قابل نعمته بالكفران ما جعل المذنبين يتقربون إليه بالجرائر، والمسيئين ~~يتوسلون عنده بالكبائر، فحمدوا خطأهم وما عهدنا الخطأ مع غير كرمه يحمد، ~~وجحدوا براءتهم وما عرفنا البراءة لولا فيض فضله تنكر وتجحد، وصارت إساءتهم ~~من مواتهم إليه وشوافعهم، وجنايتهم من حرماتهم لديه وذرائعهم. فما أصدق ما ~~قال أحد شعراء مجلسه العالي شيد الله مبانيه، وبلغ كلا من مماليكه آماله ~~وأمانيه: # وسعت مراحمك الجناة بأسرهم ... وأقلت كلا منهم عثراته # وجزيت مرتكب الكبيرة منهم ال ... حسنى فأصبح شاكرا زلاته # وهذا المعنى وإن كان مجيدو الشعراء قد ألموا به، وأبدعوا فيه، وسلكوا منه ~~مذهبا لا يسلكه غيرهم ولا يقتفيه، كقول مهيار - وهو من المستحسن المختار -: # وإذا الإباء المر قال لك: انتقم ... قالت خلائقك الكرام: بل احلم # شرع من العفو انفردت بدينه ... وفضيلة لسواك لم تتقدم # حتى لقد ود البريء بأنه ... أدلى إليك بفضل جاه المجرم # PageV01P002 # فإنه في أوصاف مولانا - أدام الله ملكه - صدق وحق، وفي مدائح غيره من ~~الملوك زور ومذق، ولسنا نطلق هذا الحكم خاليا من شاهد يصححه، ولا عاطلا من ~~قياس يبينه ويوضحه. فنقول: إن كل خلة شريفة، وكل فضيلة لملك أو خليقة، مما ~~يتداول بالروايات، ويتناقل بالأخبار والحكايات، مثل ما اشتهر من عدل كسرى ~~أنوشروان، وانتشر من ورع عمر بن عبد العزيز بن مروان، ومثل ما ذكر من حزامة ~~الجعدي، وشكر من سماحة المهدي، ووصف من صبر المعتمد، وعرف من سياسة ~~المعتضد، إلى غير ذلك من الفضائل التي شهدت لهم بحسن الأثر، وتضمنها ما ثبت ~~من أخبارهم في التواريخ والسير، ولم نعلم أحدا اشتهر بالعفو اشتهار المأمون ~~حتى كأن هذه المنقبة عليه موقوفة، وكأن الأمة مدفوعة ms003 عنها مصروفة. وأبهر ما ~~حوته من آياته، وأكثر ما تضمنته من معجزاته، عفوه عن إبراهيم بن المهدي ~~عمه، وتكرمه في تجرع غيظه منه وكظمه، وقد شاع ذلك عنه وذاع، وملأ ذكره ~~ووصفه الأسماع، وإنما هو شخص مفرد، ورجل واحد، وصنو لأبيه. وكل عم أب ~~ووالد. وقد كان استشار فيه من ثبت عنده عقله وفهمه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أكره أن يقال يوما: أخوه، ويوما: عمه. وهذا كلام يرفع القلب له ~~حجابه، ويعلم سامعه صحته وصوابه. فلم انتقم منه لظاهر بالقساوة والعقوق، ~~ولو شفى غيظه لجاهر بالإضاعة للحقوق، وأيضا فإنه وصل إلى بغداد عقيب ~~استخفاء إبراهيم واستتاره، واستقر بها بعد خمول ذكره وخمود ناره، فما ظفر ~~به حتى انكسرت مغائظه، وتناقصت حقوده وحفائظه، وتمكن له من السلطان ما ترفع ~~معه أن يأتي الانتقام، وحصل له من الاقتدار ما رغبه في ثناء إذا تقضت ~~الأيام ثبت وأقام، ومع ذلك فما كان يقين إبراهيم بعفو المأمون حسنا، ولا ~~اعتقاده في صفحة قويا من قلبه ولا متمكنا، ومن دلائل ذلك أنه كان عند وثوبه ~~اقترض مالا كثيرا من التجار، وكان فيه لعبد الملك الزيات والد محمد عشرة ~~آلاف دينار، فلما لم يتم أمره لواهم أموالهم، فعمل محمد بن عبد الملك ~~الزيات قصيدة يخاطب بها المأمون، وقال فيها عند ذكر إبراهيم بن المهدي: # ووالله ما من توبة نزعت به ... إليك ولا حب نواه ولا ود # فلا تتركن للناس موضع شبهة ... فإنك مجزي بحسب الذي تسدي # فكم غلط للناس في نصب مثله ... بمن ليس للمنصور بابن ولا المهدي # فكيف بمن قد بايع الناس فالتقت ... ببيعته الركبان غورا إلى نجد # ومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادى به بين السماطين من بعد # وأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد # فإن قلت قد رام الخلافة غيره ... فلم يؤت فيما كان حاول من جد # فلم أجزه ... إذ خيب الله سعيه # على خطأ قد كان منه ولا عمد # ولم أرض بعد العفو حتى رفدته ... وللعم أولى بالتغمد ms004 والرفد # فليس سواء خارجي رمى به ... إليك سفاه الرأي والرأي قد يردي # وآخر في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد # وعرضها على إبراهيم، ولم يكن محمد حينئذ من أهل النباهة، ولا من أرباب ~~الوجاهة، فسأله إبراهيم كتمانها، واستحلفه على ذلك، وأدى مال أبيه دون مال ~~جميع التجار. فلو كان واثقا بعفو المأمون لما التفت إلى هذا الإغراء، ولا ~~عرج على هذا الافتراء، وكيف يثق به وهو لم يخل في أيامه من الترويع، ولا ~~سلم من مخاوف التعنيف والتقريع؟! لا جرم أنه ما أمن حتى قضى المأمون نحبه، ~~ولا اطمأن إلى أن مضى ورضوه ... حتى قال أحدهم في بعض ما خدم به من ~~القصائد: # فإن تعف عنهم فانفهم عن ديارهم ... وإن تنتقم فاضرب مناط القلائد # فخالف - خلد الله ملكه - من أتى بهذا القول مشيرا، وشملهم من العفو بما ~~بدل ناعيهم بشيرا. على أنا ما علمنا ملكا حرض على محرم فعف، ولا خليفة حمل ~~على مكروه مسيء فتأخر عنه ولا كف. هذا سديف بن ميمون دخل على أبي العباس ~~السفاح وعنده سليمان بن هشام فأنشده: # لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن بين الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوقها ظهرها (أمويا) # PageV01P003 # فقال سليمان قتلتني يا شيخ، قتلك الله، ونهض أبو العباس فوضع المنديل في ~~عنق سليمان، وقتل من ساعته. ودخل شبل بن عبد الله على عبد الله بن علي ~~فأنشده محرضا على بني أمية وعنده منهم ثمانون رجلا: # أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس # منها: # لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وأواسي # ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي # ولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربها من نمارق وكراسي # أنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والإتعاس # واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس # والقتيل الذي بحران أمسى ... ثاويا بين غربة وتناس # نعم شبل الهراش مولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس # فلما سمع؛ تنكر؛ وأمر بهم فقتلوا، وألقى عليهم البسط، ms005 وجلس للغداء، وإن ~~أحدهم ليسمع أنينه لم يمت بعد. وقد قيل: إن المخاطب بهذه الأبيات أبو ~~العباس السفاح، ويروى أنه قال لشبل: لولا أنك خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك ~~جميع أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالي بني هاشم. وقال العبدي الشاعر: ~~دخلت على عبد الله بن علي السفاح، وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلا، ~~والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على مصلاه، فاستنشدني، فأنشدته ~~قصيدتي الرائية: # وقف المتيم في رسوم ديار # وهو مطرق حتى انتهيت إلى قولي: # أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار # أأمي مالك من قرار فالحقي ... بالجن صاغرة بأرض وبار # ولئن رحلت لترحلن ذميمة ... وكذا المقام بذلة وصغار # قال: فرفع الغمر رأسه إلي وقال: يا بن الفاعلة، ما دعاك إلى هذا؟ فضرب ~~عبد الله بقلنسوته الأرض، وكانت العلامة بينه وبين أهل خراسان، فوضعوا ~~عليهم العمد حتى ماتوا، وأمر بالغمر فقتل صبرا. # وكان ابن حزم أميرا على المدينة، فتحامل على الأحوص الشاعر تحاملا شديدا، ~~فشخص إلى الوليد بن عبد الملك، فأنشده قصيدة رائية أيضا يمتدحه فيها، فلما ~~بلغ منها إلى قوله الذي يشتكي ابن حزم ويظلمه: # لا ترثين لحزمي ظفرت به ... يوما ولو ألقي الحزمي في النار # الناخسين بمروان بذي خشب ... والداخلين على عثمان في الدار # فقال له الوليد: صدقت، والله غفلنا عن حزم وآل حزم. ثم كتب عهد عثمان بن ~~حيان المري على المدينة، وعزل ابن حزم، وأمر باستصفاء أمواله وأموال آهل، ~~وإسقاط جميعهم من الديوان. # وهذه الحكايات والأخبار فلها أشباه كثيرة وأنظار لو توضع فيها لطال بابها ~~ولم يضمن مع ذلك استغراقها واستيعابها. # وبعد فكل ملك إذا أخذ أهبة مملكته تكبر، وإذا انتصب في مقر عظمته طغى ~~وتجبر، ومولانا - خلد الله ملكه - إذا علا دسته ورقي سريره رأى الناس أفضل ~~الملوك سيرة، وأحسنهم مع الله سريرة، لا يعجل بالعقاب، ولا يؤجل الثواب، ~~ولا يتجاوز في حكمه الصواب، ولا يمنع أحدا يستقي الحجة ويستوفي الخطاب هذا ~~على انبساط قدرته، واعتلاء شأنه وانتشار ms006 هيبته، واتساع سلطانه، وإنه إذا ~~استقر في منصبه، وحف الأكابر والعظماء به، وحضر رسل الملوك وسفراؤهم لديه، ~~ووقف الأماثل سماطين بين يديه، وأذن لمن ببابه من أعيان الوفود، وغصت ~~الأماكن الفسيحة بالعساكر والجنود، وتعرض الخدم لامتثال المراسم، واشتكت ~~إليه الأرض من وقع المياسم؛ رأيت شرف الدنيا وعز الأبد، وسلطانا عظيما قوي ~~المدد، وملكا كثيرا لا ينبغي لأحد، ونظرت الأنوار قد سطعت وأشرقت، والأبصار ~~قد خضعت وأطرقت، وشاهدت مقاما مهيبان ومنظرا هائلا، وألفيت كل لسان معقولا ~~بالمخافة وقد كان جائلا قائلا، وتمثلت ضرورة بقول الله تعالى في محكم ~~الكتاب: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) فالله تعالى يجعل مملكته ~~مخلدة، وسعوده أبدا مجددة، وقلوب الأداني والأقاصي جنودا في طاعته مجندة ~~بفضله وقدرته وجوده ومشيئته. # وإذ قد قام الدليل على شرف العفو وفضله، وتعين بالواجب تعظيم من كان من ~~أهله؛ فلا بد في هذه الرسالة من ذكر شيء مما جاء فيه، وإيراد طرف في ~~الاستعطاف والاسترحام؛ إذ كانا من أسباب ودواعيه. ### | فصل مما جاء في العفو # قال الله عز من قائل: (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) . # PageV01P004 # وقال: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وقال: (فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله) وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ألا فليقم من كان أجره على الله، فلا ~~يقوم إلا من عفا) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو لم تذنبوا لجاء ~~الله بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم) وما أحسن قول بعض الزهاد: إن الله ~~- عز وجل - أمر بالعفو، وهو لا يكون عن البريء، وإنما يكون عن المذنب ~~المسيء. ألم تسمع إلى قول الله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) ~~فو الله ما قال: على إحسانهم، ولا على عدلهم. # الحسن بن هانئ وهو آخر شعر قاله: # يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم # إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ms007 ويدعو المجرم؟ # أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم؟ # ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وعظيم عفوك ثم أني مسلم # حكي عن بعض ملوك العجم أنه أتى بأسير عظيم الجرم، فقال له: لو كان هواي ~~في العفو عنك لخالفته إلى قتلك ولكن لما كان هواي في قتلك خالفته إلى العفو ~~عنك. وعفا عنه. فمن بركة العفو أنه صرف هذا الملك عن موافقة هواه، وعدل به ~~إلى متابعة هداه وتقواه. # ذكر أن أحد خدم الملوك قال له يوما: إني لأتعمد الخطأ في خدمتك، وليس ذاك ~~جهلا بشرف طاعتك، (فقال: وما يحملك على ذاك؟ فقال رأيتك شديد السرور) إذا ~~عفوت، فقصدت ما يؤدي إلى مسرتك. ومن ها هنا أخذ ابن القمي قوله: # وعبدك إن يأت الذنوب فإنما ... تعمد أن يهفو لأن تتغمدا # وكان أبو محمد الخازن قد بعد عن الصاحب وفارق خدمته، ثم عاد إليه، فتلقاه ~~بالترحيب، وجعل إقالته العثرة سالمة من اللوم والتثريب، فكتب إلى أبي بكر ~~الخوارزمي كتابا منه: ولقد كنت أحسب العفو عني حلما ولا أقدر ما جنيت يعقب ~~حلما، فكأني ما خطوت إلا في التماس قربة، ولا أخطأت إلا لتأثيل إيثار ~~ومحبة. # ولما وصل الفتكين الشرابي غلام معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه إلى ~~الشام في خلافة العزيز بالله عليه السلام، وسيرت العساكر إليه تقرر الصلح ~~بينه وبني القائد جوهر على أن ينادي بشعار الدولة ثم نقض ذلك، ولم يزل ~~يقرره ثم ينقضه، حتى خرج العزيز بالله عليه السلام إليه، وتولى قتاله بنفسه ~~بعد أن أبى ما أعطاه من الأمان، وبذل له من الإحسان. فلما ظفر به ضرب له ~~فازة، وأمر بأن تحمل إليه أنفس الفرش والألات، ورد إليه كل ما عرفه من ~~المنهوب له، وكان جماعة قد أشاروا بأن يشهر على الفيل، وبأن يجعل في قفص، ~~فأبت خلائقه إلا عفوا، وموارد كرمه إلا صفوا. ويقال إنه أنفق في توبته إلى ~~أن حصل في قبضته ألفي ألف دينار. # وحكى بعض البغداديين قال: كنت ms008 ببغداد في سنة ثمان وستين وثلاث مئة حين ~~ورد كتاب أحد التجار بما فعله العزيز بالفتكين، فوقعت ضجة، واجتمع خلق لا ~~تحصى، ورفعوا أصواتهم بالدعاء له، وخرجوا إلى مسجد براثا يدعون، وأظهر ~~الشيعة ما في نفوسهم من الولاء فما أمكن الملك فناخسرو إنكار ذلك لكثرة ~~الناس. قال أبو الفتح بن المقدر المتكلم: استدعى الصاحب أبو القاسم في بعض ~~الأيام شراب السكر، فأحضر قدح منه، فلما أراد أن يشربه قال له أحد خواصه: ~~لا تشربه، فإنه مسموم. وكان الغلام الذي ناوله إياه واقفا، فقال للرجل ~~المحذر له منه: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال: أن تجربه على من أعطاكه، ~~فقال: لا أستحسن ذاك ولا أستحله. قال: فعلى دجاجة. قال: إن التمثيل ~~بالحيوان لا يجوز. ورد القدح، وأمر بأن يقلب ما فيه، وقال للغلام: انصرف ~~عني، ولا تدخل داري. وأمر بإقرار جاريه وجرايته عليه، وقال: لا يدفع اليقين ~~بالشك، ولا تحسن العقوبة بقطع الرزق. # ابن حيوس: # لعمري لقد بذ الملوك جميعهم ... بأربعة في غيره لن تألفا # بأمن لم يخشى، وقهر لمن طغى ... وسبق لمن جارى، وعفو لمن هفا # ملي بأن يأتي الجميل خليقة ... إذا ما أتاه المحسنون تكلفا # إبراهيم بن المهدي: # لغفوت عما لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع # إلا العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع # ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين وآلهة كقوس النازع # أبو سعيد الرستمي: # PageV01P005 # يا بن الذين إذا بنوا شادوا وإن ... أسدوا يدا عادوا، وإن يعدوا يفوا # إن حاربوا لم يحجموا، أو قارنوا ... لم يندموا، أو عاقبوا لم يشتفوا # ومتى استجيروا أسعفوا، ومتى استني ... لوا أسرفوا، ومتى استفيدوا أضعفوا # مهيار: # وكم آبق من رق ملكك غامط ... لنعماك لم ينهض بما قد تحملا # عفوت مرارا عن تمادي ذنوبه ... وأبطرته بالعفو حتى توغلا ### | فصل في الشفاعة والاستعطاف # لما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماء السماء - وهو المنذر ~~الأكبر، وماء السماء أمه - أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شأس بن عبدة ~~في تسعين ms009 رجلا من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر فقصد ~~الحارث ممتدحا بقصيدته المشهورة التي أولها: # طحا بك قلب في الحسان طروف ... بعيد الشباب عصر حان مشيب # فأنشده إياها حتى بلغ إلى قوله: # إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب # إليك ... أبيت اللعن # كان وجيفها # لمشتبهات هو لهن مهيب # هداني إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أعلام المتان علوب # فلا تحرمني نائلا عن جناية ... فإني امرؤ وسط القباب غريب # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... وحق لشأس من نداك ذنوب # فقال الحارث: نعم، وأذنبة، وأطلق له شأسا أخاه وجماعة أسرى بني تميم، ومن ~~سأل فيه من غيرهم. # ومن الشفاعات التي تضاعف الانتفاع بها لتصحيف اتفق فيها، وقلما ينتفع ~~بالتصحيف، ما حكاه أبو عبد الله حمزة بن الحسين الأصبهاني قال: ورد على ~~الفرزدق البصرة مولى له من البادية، فأخبره أنه خلف بسفوان امرأة قد عاذت ~~بقبر أبيه غالب، فرد الفرزدق مولاه من فوره إلى سفوان ... # علي بن الجهم: # لئن جل ذنب ولم أعتمد: ... لأنت أجل وأعلى يدا # أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى # سعيد بن حميد: # اغتفر زلتي لتحرز فضل ال ... عفو عني ولا يفوتك أجري # لا تكلني إلى التوسل بالعذ ... ر لعلي أن لا أقوم بعذري # كاتب بكر: # ولو أن فرعون لما طغى ... وقال على الله إفكا وزورا # أناب إلى الله مستغفرا ... لما وجد الله إلا غفورا # الشهزروري: # يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... بما جناه وانتهى عما اقترف # بقوله: (قل للذين كفروا ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) # مهيار: # أعيذك بالمجد المحسد أن يرى ... جنابك عني ضيقا وهو واسع # وأعجب ما حدثته حفظك العلا ... وعبدك في أيام ملكك ضائع # أبو إسحق الصابي: # أمولاي مولاك الذي أنت ربه ... إليك على جور النوائب يستعدي # وهذي يدي مدت إليك بقصة ... أعيذك فيها من إباء ومن رد # PageV01P006 # وللملوك مقرر هذه الرسالة خدمة كان رفعها إلى المجلس العالي المالكي - ~~خلد الله سلطانه وشيد أركانه - وهي: (وأيوب إذ نادى ms010 ربه أني مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) لو كان للمراحم عن الشيم ~~الشريفة الأفضلية معدل، أو للعواطف عنها مرجع أو موئل؛ لما منع ذلك ذوي ~~العقول من قصد الجناب الكريم المالكي الأفضلي وقوفا بآمالهم في رحيب ~~ساحاته، وتخييما برجائهم في مصون عرصاته؛ إذ كان كل مملوك فإلى مالكه معاذه ~~ومفزعه، ولسلطان عصره ملاذه وإليه مرجعه، فكيف وأنواع الرأفة إلى مولانا - ~~خلد الله ملكه - منسوبة، وأقسام العواطف من سمائه مستنزلة مطلوبة، والجرائم ~~عنده - وإن عظمت - مسموح بها مرهوبة على أن سطوته بالإجماع مخوفة، وهيبته ~~مرهوبة. لا جرم أن الله تعالى خصه من الرحمة بما هو معدود من صفاته، وأفرده ~~من الخصائص ببدائع الفضل ومعجزاته. والله أحكم بتدبير خلقه، وأعلم حيث يجعل ~~رسالاته. والمملوك يقبل الأرض بالمقام الكريم، وينهي ما هو عليه من ضر قد ~~قصر عنه جلده، وضاق فيه بروحه جسده، وأصار راحمه من كان يحسده، وقد تهكته ~~العطلة والبطالة، أطال الزمان دفاعه عن الحظ ومطاله، وله حرمة من نشأ في ظل ~~دولته القاهرة، وفاضت عليه سحائب مكارمه الغامرة وربي في دواوين مملكته ~~السعيدة، وتميز بالمسير تحت ركابه في الأسفار القريبة والبعيدة، وما نعرف ~~ذنبا أتاه كفر به نعمته وإحسانه، ولا أنه خرج في الإخلاص له والعبودية عما ~~هو عليه الله سبحانه، لكنه يعلم أن أحدا من المماليك لا يكون في أمر يكرهه ~~ويسوؤه إلا لذنب متقدم أحصاه الله ونسوه، فلذلك يعترف بين يدي مولاه ومالكه ~~بمثل ما اعترف به أول مخلوق إلى بارئه وخالقه، فيقول: (ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . ومعلوم أن كل كبيرة تغرق في ~~بحار رحمته، وكل عظيمة تضيع في واسع مغفرته، فبموضع الله من قلبه إلا رحم ~~منه ذليلا ضعيفا بين الميت والحي، وعبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومسكينا ~~يقول في استرحامه ومناجاته مثل ما قاله الأعرابي في استغفاره ومناداته: ~~اللهم اغفر لي؛ فإنك تجد من تحاربه غير، ولا أجد من يغفر لي ms011 غيرك. وقد تحرم ~~بصدق الرجاء في نجح طلبه، واستشفع بمن لا يخيب من استشفع به: # شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى در الشفيع سبيل # وقد ختم المملوك رسالته بهذه الخدمة تجديدا لشكوى حاله، وطلبا للرحمة ~~الشاملة لأمثاله، فقد والله اشتد ضره وزاد، وبلغ به الدثور أو كاد: # ومن كان في أيام ملكك خاملا ... ففي أي ملك يستريش ويستعلي؟ # بقيت بلا بعد يرجى انتظاره ... كما أنت إن عد الملوك بلا قبل # آمين آمين آمين (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على ~~سيد المرسلين محمد نبيه وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما. الله حسب المملوك ~~ونعم الوكيل. ### | رسالة رد المظالم ### | رسالة سماها رد المظالم # الحمد لله العادل في أحكامه، الشامل بإنعامه، الجاعل مملكة أرضه فيمن ~~يستكمله ويرتضيه، والمستخلف في تدبير خلقه من توجبه الحكمة وتقتضيه، ~~والكافل بالخيرة لعباده وإن كان منها ما يباين إرادتهم، والفاعل فيها ما ~~يشاء من تفاوت رتبهم وتباعد درجاتهم، والقائل في كتابه الكريم حجة ~~للمفوضين، وردا على المعترضين (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما ~~يجمعون) . # PageV01P007 # لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه يرجعون. ~~وصلى الله على سيدنا محمد رسوله الذي شرفه واجتباه، وأظهره على من خالف ~~دينه وأباه، وفضله على من سبقه من الأنبياء وتقدمه، ومكنه ممن عصاه وأباح ~~بحد سيفه دمه، وعلى آله الأئمة الطاهرين الذين أوجب لهم على عباده إيثارا ~~وحبا، وقال -عز من قائل -: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) ~~وسلم عليهم أجمعين سلاما متصل الدوام، باقيا ببقاء الليالي والأيام. قد ~~اتفق أولو الدراية والعقل، وأجمع ذوو الرواية والنقل، على أن أحوال الأزمنة ~~معلومة من سير ملوكها، وأن هذا المعتقد طريقة لا ضلال في سلوكها، وذلك في ~~تفاضل الأيام هو السبب والعلة، والحجة التي قامت على صحتها البراهين ~~والأدلة. وهذا أصل قوي يعبد طريق الإفصاح عما قصدناه، ومعنى جلي ms012 يمهد سبيل ~~الإيضاح لما أردناه، فنقول: قد ثبت بالعيان والسماع، وعرف بالوفاق والإجماع ~~شرف هذا الزمن الذي عمت فيه السعة، وعظمت به المنفعة، وأمن فيه ما يخشى ~~ويتوقى، وأخذت مطالب أهليه تسمو وتترقى، ولم يبق إلا من غدت أمانيه متحكمة ~~على زمانه، وآماله متأكدة الثقة بكفالة الحز وضمانه. وهذا بحسن سيرة مولانا ~~الملك السيد الأجل الأفضل، أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل ~~قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي خضعت لدولته جبابرة الملوك، ~~وتنزه اليقين بذلك عن اعتراض الشكوك، وارتفعت صفاته عن استطاعة مخلوق ~~وقدرته، وثبتت معجزاته فقامت بعذر المقصر في تقريظها وحجته، فإذا طالعت ~~الأبصار نور بهائه ارتدت عنه وكلت، وإذا سلكت القلوب نهج علائه حارث فيه ~~وضلت؛ لأن مناقبه أعلى من أن يسمو إليها المدح والصفة، ومفاخره أعظم من أن ~~يحيط بها الإدراك والمعرفة. # هذي مناقب قد أغناه أيسرها ... عن الذي شرعت آباؤه الأول # قد جاوزت مطلع الجوزاء وارتفعت ... بحيث ينحط عنها الحوت والحمل # ومن أوضح براهينه لمن تمسك بالحق وتعلق بأسبابه، وأقوى الدلائل على سر ~~الله الكريم وعنايته تعالى به؛ أن المجتهد في وصفه لا يخشى من يناقضه، ولا ~~يخاف من يعارضه، ولا يتقي من يحمله على المبالغة والغلو، ولا يعلم أحدا ~~ينسبه إلى الظلم والعلو، بل لا يعدم من إذا سمعه استقصر وندى، وإذا استنزر ~~ما أتى به نكص ولم يجد وزرا، هذا إن اعتقد أنه وفى الامتداح حقه، وعفى ~~مذاهب الانتقاد وطرقه، وتيقن تأديته الفريضة مكملة، وقضاءه إياها مرضية ~~متقبلة. فأما إذا سلك المحجة القويمة، وتنكب السبيل المكروهة الذميمة، ~~واستعذب قول الحق فأقر بعجزه، واعتمد على تصريحه دون إشارته ورمزه؛ فقد ~~نافى ذوي التهمة والظن، وأجر ألسنة أولي العيب والطعن. وهذه حالنا فيما ~~نورده من أوصافه، وقضيتنا في شكر الله سبحانه على تمليكه علينا واستخلافه. ~~ونحن الآن نذكر المراد بهذا الجزء الذي جعلنا الخدمة به قربانا، ورجونا بما ~~نحونا فيه سعادة أولانا وأخرانا. ### | فصل # اعلم أن النظر يقتاد كل عاقل مميز، ويضطر كل منتسب إلى ms013 العلم متحيز، إلى ~~الإقرار بأنه أشرف الملوك وأكملهم، وأعمهم بضروب الرحمة وأشملهم. وبرهان ~~ذلك أنه إذا تأمل الموجودات متيقظ، ورتبها في مراتبها ... زمن الأهواء ~~متحفظ، فأشرفها بلا مخالفة في ذلك الحيوان، ثم المخصوص بالنطق منه وهو ~~الإنسان، ثم مدبرو المدن الذين عضدتهم القوى الملكوتية، وفاضت عليهم ~~الأنوار الإلهية، ثم الأقرب منهم فالأقرب، والأمثل فالأمثل، ثم الجامع لذلك ~~وهو مولانا الملك السيد الأجل الأفضل. وهذا ما لا خفاء به، ولا لبس فيه، ~~ولا ريب يبعده عن محض الحقيقة وينفيه، فهو سيد أهل الأرض مذ فخرت البسيطة ~~بظهوره، وسلطان هذا الخلق مذ استقر في دسته، واستوى على سريره، وظل الله ~~الممدود على كافة المقرين بكلمة التوحيد، وصفوته الثابت علمها من جهة ~~الاستدلال لا من جهة التقليد. فلا سبيل لعاقل أن ينكر ذلك ويجحده، بل ~~الواجب على كل ناطق أن يقول بين يديه وينشده: # من شك أنك مخلوق لتملكه ... كمثل من شك أن الله خلاق # على أن مقامه الشريف يجعل كل بليغ لكنا، ويعيده حصرا، وقد كان فصيحا ~~لسنا: # هو موقف تغضي العيون مهابة ... فيه ويعثر بالكلام المنطق # PageV01P008 # وقد ازدحمت بفنائه ضروب الأمم، وتواصلت إليه ملوك العرب والعجم، وهاجروا ~~نحو بابه راجين مهطعين، وأموا ظله لاجئين إليه منقطعين ولقد ورد منهم اثنان ~~متباعدا الأفقين، متباينا المنطقين وهما ملكا غانة وفرغانة، فأزال من قلب ~~كل منهما أحقاده على الدهر وأضغانه، فاعتبروا يا أولي الأبصار كيف أحسن حتى ~~إلى الدهر فأصلح القلوب له، وجعل ذلك من شكر الله على ما قمصه إياه وسربله. ~~وهذا إشارة إلى القدرة التي خص بها، والعظمة التي استقر في أشرف منصبها. ~~وإذا تأملنا ما سفر فيه البيان وتبرج، وأسفر به صبح الإبداع وتبلج، وأخرجت ~~منه الضمائر جواهر كانت مستترة، ونظمت به الخواطر عقودا ما زالت منتثرة؛ ~~وجدنا ضروبا من الأقوال متسعة، وأصنافا من المدح متشعبة متنوعة، تدعو ~~الناظر المحرر، والمتأمل المتصور، والعامل بفريضة العدل تعرضا لجزائه، ~~والمناضل عن الحق رغبة في انتسابه إليه واعتزائه، إلى القول إن كل لسان ~~انطلق ms014 في أيامه بخدمة ملوكية فما قصد غير مدحه، وكل بيان انبعث في أوصاف ~~حقيقة فما أراد سوى تفصيل ذلك وشرحه، فلله در أبي نواس إذ يقول: # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحه ... لغيرك إنسانا فأنت (الذي نعني) # وما أحسن قول ابن الرومي: # إن أسرق الشعراء شعرهم ... فجزاء ما سرقوا من المجد # سرقوك مجدك وهو مدخر ... من قبل أن تلقى إلى المهد # وكسوه قوما لا يليق بهم ... من ماجد وسط ومن وغد # فرددت حقك غير معتذر ... منهم إلى حر ولا عبد # فعمدنا إلى هذا الباب ذاكرين منه أنموذجا لنظائره، واقتصرنا عليه إذ لا ~~طمع لنا في ذكر سائره، واعتمدنا على ما لم يبتذله الاشتهار، وقصدنا ما لم ~~يكن للألسن به استهتار، واجتهدنا في إيراد ما لم تخلق الأسماع جدته، وخدمنا ~~بما لم تسلب الرواية رواءه وهجته. وقد يأتي في تضاعيفه ما ليس من شرطه حسب ~~ما يوجبه تفرع التصنيف، ويقضي به تشعب التأليف. وسمينا ذلك رد المظالم لأنه ~~حق لمولانا. # وقد حليت على غير أكفائه عروسه، وأديرت على غير شربه كؤوسه، فافتضت ~~أسماعهم أبكاره، وشربت أفهامهم عقاره. وهذا ظلم من ناظمه وقائله، وتعد من ~~سامعه وقابله. # ومن أقسام سيرته الشريفة العدل في إعادة الحقوق إلى أربابها، واستخلاصها ~~من دار ذلها واغترابها. فاستعملنا بعض سيرته في وصفه، ورجونا الله بذلك في ~~دفع المكروه عنا وصرفه، والله يسعدها ويوفقنا وعليه توكلنا ومعتمدنا. # وهذه بداية الكتاب: قال محمد بن عيسى: # ملك الورى والندى والبأس أنصله ... هندية وعطاياه هنيدات # وبدر سبع وسبع تستنير به الس ... بع الأقاليم والسبع السماوات # ومن قصد بهذين البيتين وما يجاريهما صفة مولانا فكأنه لقول الحق إنما تلا ~~قرآنا، وهما على الحقيقة كغيرهما من المدائح الشريفة لأنهما لما كان مآلهما ~~إلى العرض بالمقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - وكانا يشتملان على بعض صفاته ~~صارا كلتاهما من خدم شعراء المجلس العالي وعفاته. وهذا حكم باب المآل، ~~ونهاية التصانيف للأقوال. قال الله عز وجل: (إني أراني أعصر خمرا) والخمر ~~لا يعصر، وإنما يعصر العنب، لكنه ms015 لما كان المآل إلى الخمر سمي المعصور ~~خمرا. # ومثله قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وإنما ~~التقطوه ليكون لهم سرورا وولدا، لكنه لما كان مآله إلى العداوة جعل علمه ~~للالتقاط. # قال عبد الله بن محمد بن سنان بن سعيد الخفاجي الحلبي: # لا يدعي الفصحاء فيك غريبة ... والبيض تنثر والأسنة تنظم # إن أحسنوا حنك الثناء فإنها ... نطقت بمدحك قبل أن يتكلموا # عجبا لوجهك كيف بارق بشره ... تهمي سحائبه ولا يتغيم # =ومن العجائب أن بيض سيوفه=تبكي دما وكأنها تتبسم فأما الأول فمن مليح ~~التورية وقد أتى بها في قوله: # وصفوا بياض يد الكليم بمعجز ... فيه وكم لك من يد بيضاء # واستطرفوا إحياء عيسى ميتا ... فردا وجودك باعث الفقراء # وقال: # من القوم صال الدهر إلا عليهم ... وصالوا ببيض الهند حتى على الدهر # أشد احتقارا بالردى من حسامه ... وأدنى إلى سر الأعادي على الذعر # له خلق في المحل غيث وفي الصبا ... نسيم وفي جنح الدجى غرة البدر # وقد استعمل تركيب هذا البيت في موضع آخر فقال: # PageV01P009 # ما هزه طرب العقار وإنما ... أعطته نشوة كأسها الأخلاق # هي في الهوى وعد الوصال وفي الكرى ... طيف الخيال وفي الوداع عناق # وهو مأخوذ من قول ابن نباتة: # إنها في السحاب وبل وفي الر ... ريح نسيم ونشوة في الشراب # فأما قوله: أشد احتقارا بالردى من حسامه فهذا الصدر يصلح أن يعجز بقول ~~أبي الطيب: # وأقدم بين الجحفلين من النبل # على أن صدر بيت أبي الطيب مناسب للعجز المذكور؛ لأنه قال: # أقل بلاء بالرزايا من القنا # فبصير هذا العجز مع صدرين. # قال محمد بن عباد بن عمرو: # سميدع يهب الآلاف مبتدئا ... ويستقل عطاياه ويعتذر # له يد كل جبار يقبلها ... لولا نداها لقلنا: إنها الحجر # ولو أمكنه أن يقول الحجر الأسود لكشف المراد وبينه، وأظهر المعنى وحسنه. ~~وقد اتفق ذلك لمحمود بن القاضي الموفق أحد مماليك مولانا، و (كاتب) إنشاء ~~دولته في قوله يصف كتابا ورده، ويذكر أن الفاتك والناسك يلقياه بالتبجيل، ~~وقابلاه بالتقبيل كأنما قد حل فيه ms016 اللمى، أو ذاب فيه الحجر الأسود. على أن ~~ابن مكنسة ذكر الحجر غير موصوف، فلم يشكل المراد فيه. وسبب ذلك ما قرنه به، ~~وضمه إليه، فقال من قصيدة أولها: لمثل ذا اليوم كان السعد ينتظر منها: # كأنك البيت قد طاف الحجيج به ... وفي ركابيك حل الركن والحجر # فأما قصيدة محمد المقدم ذكره فإن لعبد الله بن سنان قصيدة على وزنها وفي ~~معناها على تقارب العصرين وتباعد المستقرين، منها ما هو من شرط هذا الكتاب. ~~قال منها: # ملك له سيرة في العدل معجزة ... لولا الشريعة قلنا إنها سور # قوم إذا طلب الأعداء عيبهم ... فما يقولون إلا أنهم بشر # تسمو البلاد إذا عدت وقائعهم ... فيها وتبتسم الدنيا إذا ذكروا # إن الخلافة ما زالت منابرها ... إلى سيوفهم في الروع تفتقر # فهم صوارمها والبيض نابية ... وشهبها وظلام الخطب معتكر # قال أحمد بن عبد الله: # ترى الدهر إن يبطش فمنكم يمينه ... وإن تضحك الدنيا فأنتم لها ثغر # عطاء ولا من وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وملك ولا كبر # طريقتكم مثلى وهديكم رضى ... ومذهبكم قصد ونائلكم غمر # وهذا ضد قول العباس بن الأحنف: # وصالكم هجر وحبكم قلى ... وقربكم بعد وسلمكم حرب # ومن مليح التقسيم قول ابن حيوس: # لعمري لقد بذ الملوك جميعهم ... بأربعة في غيره لن تألفا # بأمن لمن يخشى وقهر لمن طغى ... وسبق لمن جارى وعفو لمن هفا # وقوله أيضا: # قصر السابقون دون مداها ... وتملكتها بست خصال # مكرمات مع اعتذار، وعفو ... باقتدار، وعفة في جمال # وقوله أيضا: # ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر # ومن مليح ما في هذا البيت ما تضمنه من ذكر الجواب قوله: # وبعد بيت رسول الله ما فخرت ... بمثل بيتك لا عجم ولا عرب # إن ناضلوا نضلوا، أو فضلوا ... أو حاربوا حربوا، أو خاطبوا خطبوا # وقد أحسن أحمد المقدم ذكره فيما أتى به من ذلك في الغزل فقال: # يا بائعا حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع # ته احتمل، واستطل اصبر، وعز ms017 أهن ... وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع # وهو كثير. # ولأحمد بن عبد الله أيضا: # يا خير من ركب الجوا ... د وسار في ظل اللواء # لا زلت للدنيا فأن ... ت دواؤها من كل داء # وورثت أعمار العدا ... وقسمتها في الأولياء # وبقيت مفديا بنا ... إن نحن جزنا في الفدا # ومثل هذا لحسن بن عبد الصمد، وقد كانا في عصرن وإن لم يجتمعا في مصر، فلا ~~أدري هل تسارقا أم توافقا: # لا زلت مخفوض العدا ... ما عشت مرفوع البنا # تفدى بنا إن كان ير ... ضى المجد أن تفدى بنا # ومن أجود ما في هذه القصيدة: # ما أحسن المال إذا ... صاحب ذكرا حسنا # ومنها: # لنا الثناء خالصا ... منه وما يحوي لنا # شاد الذي بنى له ... آباؤه ومكنا # عممت بالإحسان من ... ك مضرا واليمنا # ينقاد صعب اللفظ لي ... سهل القياد مذعنا # كأن في خواطري ... لكل معنى رسنا # PageV01P010 # ومن هؤلاء الشعراء من يحسن في كثير مما يتصرف فيه، ويتناول المعنى فيجيده ~~ويستوفيه؛ فمن محاسن أحمد هذا ما كتب به مع تفاح أهداه إلى ابن عباد: # يا من تزينت الريا ... سة حين ألبس ثوبها # جاءتك جامدة المدا ... م فخذ عليها ذوبها # وهذا من قول الخليع: # الراح تفاح جرى ذائبا ... كذلك التفاح راح جمد # فاشرب على جامده ذوبه ... ولا تدع لذة يوم لغد # وقال السري: # وقد أضاءت نجوم مجلسنا ... حتى اكتسى غرة وأوضاحا # لو جمدت راحنا اغتدت ذهبا ... أو ذاب تفاحنا اغتدى راحا # والأصل في ذلك ما يحكى من قول كسرى: لست أدري: هل التفاح خمر جامد، أم ~~الخمر تفاح ذائب؟. # وقد أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، فمنهم من يجعلها ذوب الذهب كقول ~~الصنوبري: # رأيته والكأس في فيه قد ... صوبها كالكوكب الصائب # وجسمها من ذهب جامد ... وروحها من ذهب ذائب # وقول محمد بن عباد: # أبدى لنا من لطيف حكمته ... في جامد الماء ذائب الذهب # ومنهم من جعلها ذوب الورد كقوله: # لاح وفاحت روائح الند ... مختصر الخصر أهيف القد # وكم سقاني والليل معتكر ... في جامد الماء ذائب الورد ms018 # وقول الصنوبري: # من ينس لا أنس اتصال زماننا ... ويد السعود على الزمان مساعده # إذ نخبتي راح كورد ذائب ... وتحيتي ورد كراح جامده # وكل هذا تصرف في قول ابن المعتز: # وزنا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا # وعلى ذكر الذهب وذوبه فحدثني إبراهيم بن شغب أنه ليم فيما أنفقه على ~~جارية له، فقال: # ما الذهب الصامت مستكثرا ... إذ هابه في الذهب الناطق # قال أبو بكر محمد بن عمار: # ملوك مناخ العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم # إذا قصر الروع الخطى نهضت بهم ... طوال العوالي في طوال المعاصم # وأيد أبت من أن تؤوب ولم تفز ... بجز النواصي أو بجز الغلاصم # إذا ركبوا فانظروا أول طاعن ... وإن نزلوا فارصده آخر طاعم # وهذه قطعة اتسع فيها، وأحسن التصرف في معانيها، فقال في صفة الفرس: # خذوا بين إن لم تهدروا كل سابح ... لريح الصبا في إثره أنف راغم # من العابسات الدهم إلا التفاتة ... إلى غيره أهدت له ثغر باسم # طوى بي عرض البيد فوق قوائم ... توهمته منهن فوق قوادم # ومن جيد ما فيها: # وليل لنا بالسدتين معاطف ... من النهر ينساب انسياب الأراقم # بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم # وبتنا ولا واش يحس كأننا ... حللنا مكان السر من صدر كاتم # ولأبي بكر هذا: # ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا # قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القرى # أيقنت أني من ذراه بجنة ... لما سقاني من نداه الكوثرا # وقال أيضا: # جنيت ثمار النصر طيبة الجنى ... ولا شجر غير المثقفة الملد # ببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليث ولكن من براثنه الهندي # ورب ظلام سرت فيه إلى العدا ... ولا نجم إلا ما تطلع من غمد # ومنها في ذكر بلدة افتتحها وأحرقها: # فأرملتها بالسيف ثم أعرتها ... من النار أثواب الحداد على الفقد # فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدى ... ويا برد تلك النار في كبد المجد # فقوله أرملتها بالسيف، وألبستها حدادا بالنار، من أحسن تركيب ms019 وأبدع ~~تشبيه. ولقد ذكر عبد الله بن محمد مثل ذلك، وهو وأبو بكر متقاربا الزمن، ~~متباينا الوطن؛ فهذا بالعدوة الدنيا وهذا بالعدوة القصوى. فقال وأحسن ما ~~شاء: # غادرتها دمنا على أطلاعها ... يبكى الخليط وتذكر الأشواق # وشرعت دين قراك في عرصاتها ... فالنار تضرم والدماء تراق # وعلى هذا البيت من البهجة، وحسن الديباجة، ما لا أعلم لأحد مثله. ولقد ~~ذكرت بالنار قول الآخر في حريق جامع دمشق: # فأتته النيران طولا وعرضا ... عن يمين من قتره ويسار # ثم مرت على حدائق نخل ... فإذا الجمر موضع الجمار # ومن قول أبي بكر: # PageV01P011 # كم من شجاع قدته نحو الردى ... بدم من الأوداج كأرسان # روى ليضرب فابتدهت بطعنه ... إن الرماح بداية الفرسان # وقال: # وفيت لربك فيمن غدر ... وأنصفت دينك ممن كفر # ولم تتقدم بجيش الرجا ... ل حتى تقدم جيش الفكر # فعاقر سيفك حتى انحنى ... وعربد رمحك حتى انكسر # وكم نبت في حربهم عن علي ... وناب عن النهروان النهر # وأبو بكر هذا من الأعيان المشهورين، والمجيدين المذكورين، والمحسين في ~~خطاب الملوك، والمطلعين باستعطافهم شمسا آمنة من الدلوك. فمن ذلك ما كتب به ~~إلى أحد السلاطين وهو مزمع على السفر لخوف لحقه منه: # أصدق ظني أم أصيخ إلى صحبي ... وأمضي عزيمي أم أعوج عن الركب # أخافك للحق الذي لك في دمي ... وأرجوك للحب الذي لك في قلبي # وهذا وإن كان مأخوذا من قول مهيار في القصيدة التي أولها: # سل الركب إن أعطاك حاجتك الركب ... من الكاعب الحسناء تمنعها كعب # أحبك ودا من يخافك طاعة ... وأعجب شيء خيفة معها حب # فإنه ألذ مسموعا، وأحسن مصوغا. وقد أحسن الآخر في قوله: # تمر سفيهات الرياح بأرضه ... فترصن إجلالا له وتوقر # وتشتاق عينيه الكرى وتخافه=فيأتي إلى الأجفان وهو مغرر ومن مليح الوصف ~~بالخوف: # مخوف والصوارم لم تجرد ... ولا أخلت مرابطها الخيول # ويكسو الصبح من نقع خضابا ... كليل والنصول به نصول # وكتب إليه أبو بكر أيضا: # إني لممن إن دعاه لنصرة ... يوما بساطا حجة وجلاد # أذكيت دونك للعدى حدق القنا ... وصمت عنك بألسن الأعماد ms020 # وهذا من أجزل عبارة، وأجود استعارة. ولله مهيار حيث يقول: # وهل تخفى المقاتل وهي بيض ... على مقل الذوابل وهي زرق # وقد أكثر الناس من الكناية عن السيوف، ومن مليح ما جاء في ذلك قول أبي ~~تمام يصف سحابة: # سيقت ببرق ضرم الزناد ... كأنه ضمائر الأغماد # وهذا مما جعل منه الفرع أصلا؛ لأن المعتاد أن تشبه السيوف بالبروق، فتكون ~~البروق أصلا لأنها مشبه بها، وتكون السيوف فرعا لأنها مشبهة، فقلب مبالغة. ~~وقال أبو الطيب: وأترك الغيث في غمدي وأنتجع فأما الأعشى النحوي فجعله ~~جدولا فقال: # ملك إذا ادرع الدلاص حسبته ... لبس الغدير وسل منه جدولا # ومثله قول محمد بن البين: # وجلوا ظلام الليل بالصبح الذي ... قسموه بين جيادهم أوضاحا # وأتوا بغدران المياه جوامدا ... قد فصلوها ملبسا وسلاحا # وقول محمد بن عثمان: # أنى يهاب ضرابهم وطعانهم ... صبا بألحاظ العيون طعين # فكأنما بيض الصفاح جداول ... وكأنما سمر الرماح غصون # وقد سماه قوم سليل الصاعقة، وسماه آخرون طبيب النفاق. وما أحسن قول ~~الكموني: # لما التقى أسد العرين وشادن ... تحت الإزار وصارم بتار # قالت: أرى بيني وبينك ثالثا ... ولقد عهدتك بالدخيل تغار # أأمنت نشر حديثنا؟ فأجبتها ... هذا الذي تطوى به الأسرار # ومن غريب التصرف في وصفه، قول الآخر: # عقرت في سهك التراب خدودهم ... حتى ظننا أنها تتشيع # وتركت في عفر التراب رؤوسهم ... في الأرض تسجد عن سيوف تركع # وقوله أيضا: # جعلت رؤوس القوم عرس سيوفنا ... تعصفر من أوداجهم وتطيب # إذا وعدتها البيض صادق وعدها ... بعثت لها البيض الرقاق تكذب # ومن قوله: # إذا سلبته عزمة منك غمدة ... كسته نجيعا فهو يكسى ويسلب # وإنما أخذه من قول السري: # يكسوه من دمه ثوبا ويسلبه ... ثيابه فهو كاسيه وسالبه # وأخذه السري من قول البحتري: # سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا # وقد جعلها ابن حيوس صوالج، فقال: # لك اليوم الذي شابت قرون ... به من بعد أن فنيت قرون # بحيث بنيت مرهفة المواضي ... صوالج والرؤوس لها كرين # وكرين: جمع كرة؛ لأنه يقال في جمعها كرات وكرين، ولهذا أخذ على ms021 القائل في ~~وصف النارنج: # كأن السماء همت بالنضار ... فصاغت لنا الأرض منه أكر # وعلى أبي نواس قبله في قوله في أرجوزته: # يحدو بحقب كالأكر # PageV01P012 # قال ابن جني: قد أخطأ في جمع كرة على أكر، فإن كان أراد جمع أكرة وهي ~~الحفرة، فشبه الأتن في استدارتها بالحفر المدورة؛ فقد أحال المعنى. ومن ~~البديع قول ابن حيوس: # قدت الجحافل لم يقد معشارها ... كسرى الملوك ولا رآها تبع # قوم إذا راموا ممالك غيرهم ... حصدوا ببيض الهند ما لم يزرعوا # وقول ابن المحترق: # صيغ من الماء وصيغت له ... من لهب النيران خدان # وهذا نقل بيت ابن نباتة في وصف سكين: # ما أبصر الراؤون من قبلها ... ماء ونارا جمعا في مكان # على أن المملك قد فعل ما فعله ابن المحترق، فقال في وصف سيف مرصع: سيف ~~تقام الحدود بحده، ويجتمع الماء والنار في غمده، ويتنازع ذوو الوصف في ~~جوهري ترصيعه وفرنده. وقد أخذه حسن بن عبد الصمد، فقال: # فلم أر ماء قبله مترقرقا ... يخالطه ذاك اللظى المتلهب # إلا أن حسنا استعمله في الغزل وهو يصلح صفة للسيف. # ومن الشعر ما يحتمل معنيين، ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما، كقول والبة بن ~~الحباب في صفة الورد: # مثل الشموس طلعن في الإصان # ويصلح أن يدخل في باب الغزل. # وقول السري في شبكة صياد: # وهل يفات لحظها أو يسبق ... وكلها نواظر لا تطرق # وهذا يصلح أن يوصف به فهد، وقد نقله ابن السراج إلى وصفه فقال: # تنافس الليل فيه والنهار معا ... فقمصاه بجلباب من المقل # ومن محاسن هذه القصيدة: # يقصر الغيث عن آثار جودكم ... فحمرة البرق في قطريه كالخجل # وقد استعمل غيره هذا المعنى فقال: # يجود بالماء غيث الأفق منقطعا ... وغيث كفك بالأموال متصل # جارى نداك فلم يظفر ببغيته ... فذلك البرق في حافاته خجل # ثم أتى بزيادة على ذلك فقال من أخرى: # منعت مكارمه رويته ... فنداه طول الدهر مرتجل # جارت نداه السحب فارتجعت ... عنه ووابل ودقها وشل # فالرعد في أثنائها ضجر ... والبرق في أرجائها خجل # وقال: # قد قلت إذ ms022 قالوا: يداه سحابة ... سحبت ذيول مجلجل هطال # لا تضربوا مثلا له في جوده ... فحقيقة الأمثال للأمثال # وأبلغ من هذا قول الآخر: # ضربوا لك الأمثال في أشعارهم ... لكنني بك أضرب الأمثالا # فأما ما تقدم من وصف السيف بالماء والنار فقد نقل وبولغ فيه. # أنشدني ابن مكنسة قوله في الخمر من أبيات: # أيام عودك مطلول بوابلها ... والدهر في عقله من مسها خبل # تنزو إذا قرعتها كف مازجها ... كأنما نارها بالماء تشتعل # وقوله في وصف كأس: # وخضيبة بالراح يج ... لوها عليك خضيب راح # ما زال يقدح نارها ... في الكأس بالماء القراح # وقوله من أبيات: # كلما سلط المزا ... ج على نارها اشتعل # وهو من قول الآخر: # كم جوى مثله رسم مثل ... ودم قد طل أثناء طلل # وأدرنا لهبا في ذهب ... كلما أخمد بالماء اشتعل # وكأن مأخوذ من قول البحتري: # كل جون إذا التقى البرق فيه ... لمعت للعيون بالماء ناره # وقال محمد بن عيسى يصف أبياتا بعث بها بعض الملوك إليه: # بعثت بها يا واحد الدهر قطعة ... هي الماء إلا أنها تتلهب # فجئت بها في الحسن ورقاء أيكة ... ولكنها في العدم عنقاء مغرب # ومن مليح ما وصف به الشعر قول الآخر: # وقواف ليست تفارق مغنا ... ك على أنها تجوب البلادا # وقبيح أن أدعى الفضل فيها ... بعد أن أنطقت علا الجمادا # وكتب إليه أبو بكر في يوم غيم وقد احتجب: # تجهم وجه الأفق واعتلت النفس ... بأن لم يلح للعين أنت ولا الشمس # فإن كان هذا منكما عن توافق ... وضمكما أنس فيهنيكما العرس # وقال ابن خلصة: # ملك تملك حر الحمد، لا يده ... نالت بظلم ولا مالت إلى بخل # لم تدر قبلك عين أنها بصرت ... بالغيث والليث والرئبال في رجل # يغرهم بك ... والآمال كاذبة # ما جمعوا لك من خيل ومن خول # فأما قوله: لا يده نالت بظلم؛ فقد زاد الآخر فيه زيادة حسنة: # إذا هو ذاد الظلم عنا بعدله ... غدا ماله في كفه متظلما # يرى الذنب أن تسطو يداه بمذنب ... ويعتد جرما أن يعاقب مجرما # وقوله أيضا: # PageV01P013 # تظلم ms023 ما تحويه فيك فلم يغث ... وقد جعلت في راحتيك المظالم # ومن عجب أن تظلم المال وحده ... ولم يبق في أيامك الغر ظالم # وقوله أيضا: # يا عادلا في كل ما هو فاعل ... ما بال كفك في اللهى لا تعدل؟ # تبقى أحاديث القتيل بسيفه ... فكأنما يحيي به من يقتل # وهذا البيت من قول ابن نباتة: # تبقى بهم أخبار من غلبوا ... فكأنهم أحيوا وقد قتلوا # وقال أبو الطيب: # وأن دما أجريته بك فاخر ... وأن فؤادا رعته لك حامد # وقال مهيار: # ويستطيل القرن لاقى الردى ... بهم وما في الموت من طائل # ويشرف السيف بما شامه ... ويفخر المقتول بالقاتل # ومن باب ظلم المال قول الآخر وذكر الخيل: # ما أوردوها قط إلا أصدرت ... جرحى الصدور سليمة الأكفال # وإذا انجلت عنهم دياجير الوغى ... عدلوا بفتكهم إلى الأموال # ووصفه الخيل من قول الرضي: (فجعت بمنصلت) يعرف للقنا=أعناقها ويحصن ~~الأكفالا وهو مأخوذ من قول الببغاء: # يلقى الطعان بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ماله كفل # وقال محمد بن عثمان في وصف قصر، وهو بصفات مباني مولانا أليق، وأرجه في ~~أرجائها أعطر وأعبق: # هو جنة الدنيا تبوأ نزلها ... ملك جبلته التقى والدين # راس بحيث النون إلا أنه ... سام فقبته بحيث النون # فكأنما الرحمن عجله له ... ليرى بما قد كان ما سيكون # وكأن بانيه سنمار فما ... يعدوه تحسين ولا تحصين # وجزاؤه فيه خلاف جزائه ... شتان ما الإحياء والتحيين # ومحمد بن عثمان من المكثرين المبدعين، والمتصرفين التوسعين، ومن مليح ~~تشبيهاته: # والسمر من قلب القلوب مواتح ... وكأنها موصولة الأشطان # والنبل في حلق الدلاص كأنها ... وبل الحيا في مائج الغدران # وقوله أيضا: # وفويق ذاك الماء من شهب القنا ... حبب ومن خضر الصوارم عرمض # أهواهم وإن استمر قلاهم ... ومن العجائب أن يحب المبغض # وقوله في وصف هام المصلين: # وقد تلم بها الغربان واقعة ... كأنها فوق مخلوقاتها لم # وقال: # تكاد تغنى إذا شاهدت معتركا ... عن أن يسل حسام أو يراق دم # وما اجتدى الموت نفسا (من نفوسهم) ... إلا وسيفك كعب الجود أو هرم # وهذا من ms024 القول المعجب، والنظم المطرب، والبيت الأول قول مهيار: # ألق السلاح فقد غنيت سعادة ... عن حمله واضرب بجدك واطعن # وإذا أردت بأن تفل كتيبة ... لاقيتها فتسم فيها واكتن # وقال الآخر: # أدل بجمعه فكفاك جد ... يفل سعوده الجيش اللهاما # ضربناه بذكرك وهو لفظ ... فكان القلب واليد والحساما # وقال: # وما خيلاء الخيل فيها سجية ... ولكنها لما امتطيت توائه # فنصرك أيا ما سلكت مساير ... وفتحك أيا ما اتجهت مواجه # وقال في وصف هذه القصيدة: # ففي أنفس الحساد منها هزاهز ... وفي ألسن النقاد منها زهازه # وهذا من العكس الذي يطرب له السامع، وتقل فيه المطالع، ومن بديعه قول ابن ~~جاخ: # وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ند # تسالم من وطئت خده ... وتلسع قلب الشجي الأبعد # وللنيلي أحد شعراء اليتيمة: # إذا دهاك الوداع فاصبر ... ولا يروعنك البعاد # وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عادوا # وقد أخذه ابن أبي وهب فقال: # قالوا تدانيت من وداعهم ... ولم نر الصبر عنك مغلوبا # فقلت للعلم إنني بغد ... أسمع لفظ الوداع مقلوبا # ومن ضروب العكس قول البحتري: # ولم ير يوما قادرا غير صافح ... ولا صافحا عن زلة غير قادر # وقول الآخر - وهو على دولاب -: # عبدك يا عبدون في نعمة ... صافية أذيالها ضافية # نديمتي جارية ساقية ... ونزهتي ساقية جارية # وعلى ذكر الدولاب فلم أسمع فيه أحسن من قول السلامي # وكأنما الدولاب ضل طريقه ... فتراه ليس يزول وهو يطوف # وقال أبو الطيب سالكا مذهب البحتري: # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # وقال ابن حيوس: # PageV01P014 # إذا طلب العلياء لم يهنه الكرى ... وإن طلب الأعداء لم ينهه الزجر # ثغور العدا إن رمتموهن كالفلا ... وكل فلاة رمتم منعها ثغر # ومن بديع القلب، ونوعه الغريب الصعب أن يقرأ الكلام من آخره كما يقرأ من ~~أوله، كقوله عز وجل: (كل في فلك) وكقولهم: سر فلا كبا بك الفرس. وقد جاء ~~ذلك منظوما قال: # بلغت بلاغتنا مدى ... دم أنت غالب تغلب # ومثله قول الآخر: # أراهن ناد منه ليس لهو ms025 ... وهل ليلهن مدان نهارا # وقول الآخر: # قال بكر للمرادي ... دارم للركب لاق # وذكر أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري من هذا الباب: لم أخامل. كبر ~~رجاء أجر ربك. سكت كل من نم لك تكس. # ومن المنظوم: # أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا # أسند أخا نباهة ... ابن إخاء دنسا # اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا # وقال محمد يصف سماطا: # سمت السوام به الحمام كأنما ... أخذت بشأن من ذوي الشنآن # وتبعتها ذات الجناح كأنما ... فعلت جناحا قبل في الطيران # حتى غدا حمل السماء ونسرها ... حذرين مما حل بالحملان # نار بأرجاء المدينة سقطها ... مزر ببيت النار في أرجان # فلو المجوس تجوس حول ديارنا ... أمت لديك عبادة النيران # وقال: # فلا دولة إلا إليك نزاعها ... وما زال يطوى عن سواك لها كشح # إذا خيف أن تشتد شوكة مارق ... فلا رأي إلا ما رأى السيف والرمح # وقال حسان بن المصيصي: # ملك يظل ثرانا عنده قبلا ... فذو الغواية منا مثل عابدنا # نسقى ونسجد إجلالا لهيبته ... فنحن نشرب خسرا في مساجدنا # وقال: # مليك إن دعته الحرب يوما ... لما تعنو لهيبته الأسود # قسا قلبا وسن عليه درعا ... فباطنه وظاهره حديد # وقال مسعود بن محسن: # مليك تحلم الآمال فيما ... حواه من الطريف أو التلاد # وتزدحم المطامع في نداه ... لأن عليه أرزاق العباد # وقد أحسن الآخر في قوله: # إن غاض صوب الحيا فاضت أنامله ... جودا وروضت الدنيا مكارمه # يصرف الأمر في الآفاق خاتمه ... ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه # وقال مسعود أيضا: # وإنا إذا الأرواح ذابت مخافة ... متحنا بأشطان الرماح وكاياها # متى ما أردنا أن يذاق حديدنا ... خلقنا بحد المشرفية أفواها # وهذا من باب قول ابن نباتة: # خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب # ومسعود هذا مقل في شعره، محسن مطرب بغزله مفتن فمن ذلك قوله: # غزال يكون الفهد طوع يمينه ... ولم نر ظبيا قط مستخدما فهدا # ومن أعجب الأشياء أن بات آمنا ... من الثأر فينا وهو يقتلنا عمدا # وقوله: # حوراء تقتل من رمته بطرفها ... فكأن سهم ms026 لحاظها مسموم # وتصيب أسهمها وليس يرى دم ... فالقتل منها ظاهر مكتوم # وتكاد تسكر بالحديث لأنه ... عصرت بحيث يمر فيه كروم # وقال محمد بن عيسى: # وضحت به العليا فمنهج قصدها ... منه إلى ظهر المجرة مهيع # يندى عليك وأنت منه خائف ... وكذاك لج البحر مغن مفزع # وهذا من قول الآخر: هو البحر فيه الغنى والغرق على أن محمد بن عيسى قد ~~ذكر هذا المعنى في موضع آخر، واحتاط للمدوح، فقال وأحسن: # براحته بحر محيط مسخر ... يفاد الغنى فيه ولا يذعر الركب # والذي دعاه إلى البيت العيني قوله بعده: # فأشد ما تلقاه عند ليانه ... وكذا الأرق من الحسام الأقطع # وقال: # تخللت حتى غابة الأسد الورد ... وأنزلت حتى ساكن الأبلق الفرد # وجردت دون الدين سيفك فانثنى ... من النصر في حلي من الدين في غمد # لقد ضم أمر الملك حتى كأنه ... نطاق بخصر أو سوار على زند # يغيثك في محل يغيثك في ردى ... يروعك في روع، يروقك في برد # جمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى، كالمزن، كالبرق، كالرعد # ومثل هذا التركيب، وعلى حكمه في الترتيب، قول محمد بن أبي سعيد: # جاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل # PageV01P015 # سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل # وقال محمد بن عيسى أيضا: # ملك غدا الرزق مبعوثا ... وظل يجري على أحكامه القدر # يا من قضى الله أن الأرض يملكها ... عجل ففي كل قطر أنت منتظر # وقال: # يهوى قناتك قلب من لم تهوه ... فيكاد فوق سنانها يتقلب # أنت النهار فليس دونك نجعة ... والليل أنت فليس دونك مهرب # وفي هذا بيت النابغة وزيادة لأنه قال: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقد أجاد ابن أبي الفرات في قوله: # كأن فجاج الأرض كفاك إن يسر ... بها مجرم ضمت عليه الأناملا # فأين يفر المرء عنك بجرمه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا؟ # وقال: # يجري النهار إلى رضاك وليله ... وكلاهما متعاقب لا يسأم # فكأنما الإصباح تحتك أشقر ... وكأنما الإظلام تحت أدهم ms027 # والخيل كانت تستريح من السرى ... لو لم يكن فوق البسيطة مجرم # تهوى قناك الطير فهي وراءها ... تهوي لتبصر حيث تطعن تطعم # بلغت إلى السمع الأصم صفاتهم ... وأبان فيهن اللسان الأعجم # قوله: تهوى قناك الطير هو المعنى الذي سبق الأفوه الأودي إليه، واتبع ~~جماعة من الشعراء تمثيله فيه واحتذوا عليه. ومن المشهور في ذلك ما جاء ~~للنابغة، ومسلم، وأبي نواس، وأبي تمام وغيرهم، ومن مليح ما أعرفه فيه قول ~~مروان بن أبي الجنوب: # لا تشبع الطير إلا في وقائعه ... فأينما سار سارت خلقه زمرا # عوارفا أنه في كل معترك ... لا يغمد السيف حتى يكثر الجزرا # وقول الآخر: # ولست ترى الطير الحوائم وقعا ... من الأرض إلا حيث كان مواقعا # وقول عبيد الله بن قيس: # والطير إن سار سارت خلف موكبه ... عوارفا أنه يسطو فيقريها # وقول ابن نباتة: # إذا حومت فوق الجموع عقابه ... تباشر عقبان بها ونسور # حواجل أو ربد الظهور قشاعم ... قوانصها للدارعين قبور # وقول الآخر: # كأن النسور نافست فيهم الثرى ... فقد حصلت أجسامهم في الحواصل # وقوله: # وتطايرت في الجوار رزق أجادل ... طلبت مطاعمها وزرق نصال # وقول الآخر: # عتادهم خطية قد تكفلت ... برزق نسور حوم وخوامع # وقوله أيضا: # فإن تك أسرى عفت البيض عنهم ... فمن بعد أن عافت ضباع وأنسر # والبديع كل البديع قول أبي الطيب: # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع # وقال: # سألت أخاه البحر عنه فقال لي ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب # لنا ديمتا ماء ومال فديمتي ... تماسك أحيانا وديمته سكب # إذا نشأت مالية فله الندى ... وإن نشأت مائية فلي السحب # أقلوا عليه من سماع صفاته ... فإني لأخشى أن يداخله عجب # غفرت ذنوب الدهر لما لقيته ... ودهر به ألقاه ليس له ذنب # وأبلغ من هذا قول مهيار: # وما ذممت زماني في معاتبة ... وحجتي بك إلا وهو يخصمني # وقال محمد بن عبادة، فاستعمل أسلوبا غريبا، وركب تركيبا غريبا عجيبا، ~~لأنه خلط بمديحه غزلا وتشبيها: # نفى الحب عن مقلتي الكرى ... كما قد نفى عن يدي العدم # فقد قر ms028 حبك في خاطري ... كما قر في راحتيه الكرم # وفر سلوك عن فكرتي ... كما فر عن عريضه كل ذم # فحبي ومفخره باقيان ... فلا يذهبان بطول القدم # وقد شاب قولي بذكري له ... مديح أجل ملوك الأمم # وقال ابن مطرف: # يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهان # لا طرفة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورة إلا لها شان # وقال عبد الحميد بن عبد الحميد: # أرح متن المهند والجواد ... فقد تعبا بجدك في الجهاد # قضيت بعزمة حق العوالي ... فقض براحة حق الجياد # وقال جعفر بن محمد: # وعصرك مثل زمان الربي ... ع لا تهجر الشمس فيه الحمل # تسامت علاك سمو النجوم ... وسارت أياديك سير المثل # وقال آخر: # لعزك ذلت ملوك البشر ... وعفرت تيجانهم في العفر # وأنت ملوك إذا شاجروا ... أظلتهم من قناهم شجر # PageV01P016 # بدور تجرد سيف الندى ... وتغمده في رؤوس البدر # وقال مصعب بن محمد: # مليك يجر الجيش جما عديده ... لأرض الأعادي زائر متعبد # يزعزع أقطار البلاد كأنما ... تحم به الأرض الفضاء فترعد # وقال: # إلى ملك لو لم أحل قلائدي ... به لم أكن من جوهر الفضل حاليا # ألا إنني لما عددتك أولا ... ختمت وما استثنيت بعدك ثانيا # وهذا المقدار دال على استنباط أمثاله من هذا الأسلوب، ومسهل استخراج ~~أنظاره من هذا الغرض المطلوب، وهاد إلى ما يجب قصده في المدح واعتماده، ~~وباعث على ما يلزم إضماره في الوصف واعتقاده. وقد أوردنا في هذا الجزء ~~أنموذجا لما يجاريه من بابه، واقتصرنا عليه لتعذر استقصائه واستيعابه. ~~والله تعالى يديم على الأمة ظل مولانا ودولته، ويثبت سلطانه ومملكته، ويجعل ~~تراب أرضه رثما في الشفاه، وغررا في الجباه، ولا زال عفوه كعبة الخائف ~~الجاني، وجوده غاية تسمو إليها همم الأماني، وأيامه المشرقة الزاهرة موسما ~~للبشائر والتهاني، ويرحم الله عبدا قال آمينا إن شاء الله عز وجل. # الحمد لله وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله الطاهرين، وسلم. ~~الله حسب المملوك ونعم الوكيل. ### | رسالة لمح الملح ### | رسالة سماها لمح الملح # الحمد لله الذي كتب على نفسه ms029 الرحمة لأهل طاعته، وفرض الزلفة لمن أنضى ~~فيها مطايا استطاعته، ووسع طرق الأعمال فيما يجازي عليه بالحسنى، ووفق ~~المخلصين لما ينالون به شرف الحظ الأسنى، وأيدهم بروح منه، فوجب لهم الأجر ~~الكريم، ووعدهم خلود جنات لهم فيها نعيم مقيم، (فضلا من الله ونعمة والله ~~عليم حكيم) . وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي أيده بعزيز نصره واختصه ~~من الفضل بما يعجز ذوو العقول عن حصره، وأبان باصطفائه إياه عن رفيع منزلته ~~وشريف قدره، وجعله رحيما بالمؤمنين، رؤوفا بالمستضعفين، وناهيا عن القنوط ~~للجانين على أنفسهم والمسرفين، فقال تعالى على ما نطق به كتابه الكريم: (قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب المشهور بالشرف الخالص، والمحبو بالمآثر والخصائص. والمجموع ~~فيه ما تفرق في غيره من الفضائل الجمة، والمنصوص على علمه بما جاء في ~~الحديث من كونه أقضى هذه الأمة. وعلى آلهما الأئمة الأطهار الذين تجلت ~~بأضوائهم ظلم الشكوك، ووضحت حجتهم بهم حجة كفاتهم من العظماء والملوك، وسلم ~~ومجد، وأجرى على أفضل ما عود. والحمد لله الذي أطلع من ملوك الأرض شموسا لا ~~تتم المصلحة إلا بهم، وحفظ أسلافهم مذ تنقلوا أنوارا في ظهورهم، وأصلابهم، ~~وأرشد بهم من الضلالة، وجعل آيتهم مبصرة، وأوضح المعذرة لمن كانت قوته في ~~صفاتهم مقصرة، وحض على طاعتهم شعوب الأمم وفرقهم، وفضلهم على كافة بريته ~~ولذلك خلقهم، وجعل هذا العصر مخصوصا بأرفعهم لديه رتبة، وأوجبهم عنده قربة، ~~وأكثرهم عادة في المراحم ودربة، والمجتبى لحياطة الأمة، فكم كشف غمة، وفرج ~~كربة! مولانا الملك السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، كافل قضاة ~~المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير ~~المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي ظهرت آياته فبهرت، واستفاضت ~~أوصافه واشتهرت، وطمت بحار كرمه الغامر وزخرت، وتاهت به البسيطة وباهت ~~وفخرت، وتشوقت إلى استيلائه على جميع بلاده، وألقت إليه من ms030 مهاجرة ملوكها ~~أفلاذ أكباده؛ فازدحموا على بابه ازدحام الحسنات في أفعاله، ونال كل منهم ~~من شرف الحباء ما لم يخطر قط على باله، فعادوا شاكرين لدهرهم، راضين عن ~~زمانهم، وصاروا متفقين في ولائه مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وما عرف الدهر ~~محمودا إلا في جنابه المريع وظله الوارف، ولا علم اتفاق بنيه إلا في أيامه ~~التي شملت بضروب العوارف فعلت بذلك أطواد الخلافة العلوية وسمت، وانقطعت ~~عنها مواد الطغاة ببركته وانحسمت، وتهللت الملة الحنيفية بيمن كفالته ~~العزيزة وابتسمت، وتشعبت الخواطر في صفات مناقبه وتوزعت وتقسمت. فلله هو من ~~ملك أحيا من الآمال رفاتا رميما، وأبرأ من الأحوال عليلا سقيما: # وبدا الزمان به أغر محجلا ... ولقد عهدناه أغر بهيما # PageV01P017 # وأتى يحيط بجلاله وصف وقد عم عدله الآفاق، فساوى بين البعيد والقريب، ~~وتأرجت الأرض بالثناء عليه فكاد النسيم يتضرع بالطيب، وحاز العزة الباذخة ~~التي استحقها وراثة وإلهاما، واستولى على الرتبة الشامخة التي يتعاظمها كل ~~ملك ويتحامى: # فعلت فما يسمو إليها مرتق ... وغلت فلست ترى لها مبتاعا # فمهابته مقابلة العظمة بالخشوع والسجود، ومخافته محرمة على الأجفان لذيذ ~~الهجوع والهجود، وفواضله الوسيعة قد طبقت جميع الأرض من السهول والنجود، ~~وخلائقه الشريفة مزرية بالجوهر الفاخر والروض الممطور المجود، فلا سبيل إلى ~~استيعاب أوصافه الباهرة واستقصائها، كما لا مطمع في عد كواكب السماء ~~وإحصائها. على أن مفاخره أعلى من النجوم محلا، وأكثر منها عددا، ومكارمه ~~أوسع من البحار الزاخرة مدى، وأغزر منها مددا، ولا اختلاف بين ذوي الفهم ~~والتصور، ولا ارتياب عند أولي التأمل والتدبر أن الله تعالى اصطفاه ليملكه ~~الأرض وحده، وأن ذلك مما لا يستطيع أحد إنكاره ولا جحده، لما أوتيه من ~~القوى اللاهوتية، ومنحه من الخصائص الملكوتية. والله - عز وجل - يقضي بدوام ~~سلطانه القاهر وخلوده، ويملأ آفاق الدنيا بجيوشه المنصورة وجنوده، حتى لا ~~تبقى أمة من الأمم إلا وقد ذلت منه لمسترقها ومالكها، لا بقعة من الأرض إلا ~~وقد وسمت بحوافر خيوله وسنابكها؛ ليستهم النعمة به كافة الخلق وجميع ~~البرية، ويعلم الكافة من شريف ms031 سيرته ما لا عهد لهم بمثله في الطباع ~~البشرية، وهو بكرمه يرفع هذا الدعاء الذي يصعد إليه ويترقى، ويجعل هذا ~~الابتهال مستقبلا بالإجابة متلقي، ويسهل بذلك نفاذ الأقضية والأقدار، ويعجل ~~المصلحة بتيسيره لأهل هذه الدار. بفضله وطوله وقدرته وحوله. # ولما كانت خدمة مقامه الأكرم من أنواع العبادة وأسباب الطاعة، والتوفر ~~عليها كفريضة الحج الواجبة على ذوي القدرة والاستطاعة؛ تعين على كل مملوك ~~أن يعتمد ذلك على حسب إمكانه، ويحرص على أدائه بقلبه ويده ولسانه، واثقا أن ~~المواقف الشريفة تقبل جهد المقل في خدمتها، والمقامات الكريمة ترضى قدرة ~~المستطيع وإن قلت في مقابلة عظمتها: # ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله # فلذلك خدم المملوك بلمعة من الأدب الذي نفقت في أيام مولانا سوقه، وضحت ~~للمتوسلين به سبيله وطريقه، وجعل خدمته مشتملة على أشياء قد عهد فيما ~~يماثلها أن يمال إليه ويصغى، وألف فيما يجانسها أن يحافظ عليه ولا يلغى، ~~وكان اعتماده على البدائع التي ظهرت في دولته كوامنها، وبرزت في مملكته ~~مخبآتها ودفائنها، فإن أورد قديما فلما هو عليه من بديع المعنى وحسن السبك، ~~وأنه مما لم يبتذله الاشتهار كما ابتذلت الرواية: قفا نبك. أو لأن فيما ~~أورده لمحدث شبها له ومثلا، فقصد بذكره أن ينظم للمحاسن عقدا، ويجمع لها ~~شملا، أو لأن المملوك أو من يماثله من المحدثين أغربوا فيما انتقدوه فيه، ~~وتنبهوا منه على ما لم يسبقوا إليه، ولولا ذلك لما عرض له، ولا ألم به؛ إذ ~~كانت خزائن مولانا قد اشتملت عليه عن معاد ذلك ومنقوله والله عز وجل يوفق ~~المملوك لما يحظيه ويزلفه، ويسعده بارتضاء ما يخدم به ويؤلفه بمنه وكرمه. ### | من المحاسن العصرية في المملكة المصرية # قد خدم مجلس مولانا الملك بغرائب من المدح كان البيان بها ضنينا، وأنتج ~~الدهر له من بدائع القول ما لم يزل ف حشاه جنينا، مما استقرت الخدم به عند ~~حفظتها، وحصلت مصونة تحت أيدي خزنتها، من منثور يتناقل في الآفاق ويتهادى، ~~ويحدث لسامعه طربا ms032 لم يكن لمثله معتادا: # وقواف ليست تفارق معنا ... ه على أنها تجوب البلادا # ولولا ذلك لقصر المملوك هذا الفصل منها على الجوهر الشفاف، وأورد من ~~الصفات الشريفة ما ينسب المفرق فيه إلى التقصير إذا نسب غيره إلى الإسراف. ~~فهو يذكر غررا لا يتحيز إلى فن مفرد، ويورد متخيرا يعرب عن حسن المطلب ~~وجودة المقصد، ويفتتح ذلك بأحق الأشياء بالتقديم، وأولاها بالتشريف ~~والتعظيم. # قال محمود بن القاضي الموفق في مولانا الملك ثبت الله دولته: # مليك تذل الحادثات لعزه ... يعيد ويبدي والليالي رواغم # فكم كربة يوم النزال تكشفت ... بحملاته وهي الغواشي الغواشم # تداركنا والمكرمات دواثر ... يصم صداها والمعالي معالم # PageV01P018 # تشيد بناء الحمد والمجد بيضه ... وهن لأساس الهوادي هوادم # إذا صدرت عن مورد الموت خلتها ... بأغمادها وهي العواري العوارم # رقاق الظبى تجري بأرزاق ذا الورى ... وآجالهم فهي القواسي القواسم # وكان أبو طاهر الأطفيجي العابد اقترح عليه أن يقفه على شيء من منظومه. ~~فعمل هذه القصيدة في مدح مولانا - خلد الله ملكه - وقال فيها مخاطبا ~~للعابد: # صحائف أعداها الشباب بصبغة ... فهل أنت ماح ما تخط المآثم # إذا قائم السيف انثنى في ملمة ... ولم يغن أغنى وحده وهو قائم # ولا يعلم المملوك شابا مدح شيخا متعبدا، وحدثا اجتدى ناسكا متزهدا بأحسن ~~من هذا. وإذا كان الناس قد أجلبوا بقول حبيب: # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب # وهو بيت واحد؛ فما الظن بعدة أبيات سالمة من الضعف، بريئة من التسمج في ~~الوصف؛ ألا إن ذلك بسعادة من خدم بها مقامه الأشرف، وإقبال من اتسعت مناقبه ~~فغدا الخاطر يجري في ذكرها ولا يتوقف. وهذا النوع يسمى: التجنيس المركب. ~~وقوم يسمونه: الناقص؛ لأن الحروف الأصلية في إحدى لفظتي التجنيس تنقص عن ~~الأخرى، وقد أراد قوم جمع أقسامه فلم يحيطوا علما بها، وودوا حصر أنواعه لو ~~أمنوا من تفرعها وتشعبها: # ولكنها صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منها أعقبت بسحائب # لأن أدباء كل وقت يحدثون من ذلك ما يقترحون له ألقابا، وعلماء كل عصر ~~يولدون فيه ما ms033 يقصدون به تعاطيا وإغرابا. فمن مستحسن ما أتوا به تجنيس ~~التنوين، كقوله: # أنا الذي لا ذو هوى ... ولا شجى ولا شجن # لاقى الذي لاقيت من ... محبتي فتى فتن # وفي هذا مناسبة لقول الميكالي: # ليت أجفاني به سعدت ... فترى الطرف الذي فترا # وقول الصقلي: # نهاك أهلك عني ... من أجل أهلك أهلك # وقول مجبر أحد شعراء المجلس العالي المالكي ثبت الله سلطانه: # غاروا فغار لحيني فيهم قمر ... هويته أفلا أبكي وقد أفلا # والمتقدمون يسمون هذا: تجنيس المماثلة، وقوم يعبرون عنه بتجنيس اللفظ ~~والخط، ويجعلون قول أبى نواس في آل الربيع من أحسنه وهو: # عباس عباس إذا حضر الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع # ويروى: إذا احتدم الوغى، أي اشتد حره. # والمملوك يقول: إن الأمدح أن يكون إذا اشتد الوغى بساما لا عباسا، فإن ~~قصد بعباس رجلا مشهورا بالشجاعة فهو وجه جيد، ويكون من باب قول الآخر: # حتى كأنك يا علي علي # ومن الشجعان المشهورين: عباس بن مرداس السلمي، ورآه عمر بن معدي كرب ~~فقال: أهذا عباس بن مرداس؟ لقد كنا نفرق به صبياننا في الجاهلية. اللهم إلا ~~أن يكون أبو نواس أراد ما جاء في الحديث من قوله عليه السلام: (ألقوا ~~الكفار بوجوه مكفهرة) أي غلاظ، فهو وجه، فأما قول الأعشى: # إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر # فمن علماء الشعر من يجعله مجانسة؛ لأن أحدها رجل والآخر قبيلة، ومنهم من ~~يقول بل معناهما واحد؛ لأنه قال: بني عامر، فأضاف البنين إليه، ولو قال: ~~ساد عامرا، يعني القبيلة؛ لكان تجانسا غير مدفوع. وقد سلم ابن سعيد الحلبي ~~من هذا التأويل في قوله: # آل غني ما لناديكم ... قد فقد الطارق والسامرا # وما لهذا البيت من عامر ... لم يبق بيتا للندى عامرا # ومما ولده المحدثون تجنيس التورية، كقول مهيار: # ومدير سيان عيناه والإب ... ريق فتكا وريقه والرحيق # والإبريق هاهنا السيف، وهو من أسمائه. قال أهل اللغة: إذا كان في السيف ~~بريق فهو إبريق. ووجه التورية أنه لما قال: ومدير، ثم ذكر الإبريق حسن ms034 أن ~~يعتقد فيه أنه آلة الخمر، ولما كان المعنى على السيف صار موريا عن غرضه ~~بهذه اللفظة المشتركة. وهذا غرور في التجنيس ومثله قوله أيضا: # فتى لا يريد المجد إلا لنفسه ... ولا المال إلا قسمة ومنائحا # ينازع أزمات الزمان بأنمل ... جوابر للأحوال تسمى جوارحا # فورى بجوارح ضد جوابر عن الجوارح التي هي الأعضاء، وقصد ههنا الأيدي. # وقول عبد الله بن سعيد: # إذا سكنتم فقلبي زائد القلق ... وإن رقدتم فطرفي دائم الأرق # سرقت بالنوم وصلا من خيالكم ... فصار نومي مقطوعا على السرق # PageV01P019 # فورى بقوله: مقطوعا الذي هو حكم السارق عن انقطاع نومه الذي هو ذهابه ~~وعدمه. # وقول مجبر بن محمد: # فسقى محل الجزع من محل به ... غيث تدور على الربى كاساته # سفح سفحت عليه دمعي في ثرى ... كالمسك ضاع من القناة فتاته # فقد ورى بضاع من الضياع عن ضاع من التضوع. كما قال ابن حيوس: # بمدح إذا ما ضاع في القوم نشره ... فما الند أهل أن يكون له ند # ومن مليح التورية قول عمر بن أبي ربيعة: # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان # يعني الثريا بنت علي بن عبد لاه بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت نهاية ~~في الحسن والجمال، وسهيل بن عبد الله بن عوف، وكان غاية في القبح والدمامة ~~فمثلها بسمييهما، وأراد بعدهما وتفاوت محليهما. وكل هذا من أبيات المعاني. ### | في الإشارة إلى مدائح مولانا وفضائله وما ازدانت به الأرض من قصوره ومنازله # لما كان مولانا الملك - خلد الله ملكه - آية الله التي أبداها لعباده ~~وأظهرها، ورحمته التي بعثها على بلاده ونشرها، ومعجزته الموضحة مستور ~~الحكمة ومكنونها، وسريرته المستودعة من غامض علمه ما جعل كل آية دونها؛ ~~فكأن البسيطة ما سطحت إلا لتجول فيها عساكره، وكأن البرية ما خلقت إلا ~~لتنفذ فيها أوامره؛ وجب أن لا تخلو الدنيا من آثاره التي تمجيدها حتم، ~~وتعظيمها فرض، وأن يدوم على هذه الخليقة بهاء المباهاة بها ما دامت السموات ~~والأرض. وهذه ms035 الآثار التي انبعث شعاعها من فلك مملكته، وانبسطت أنوارها في ~~آفاق دولته تنقسم إلى قسمين: أحدهما ما يتميز السمع بشريف ذكره، ويتشنف ~~بنفيس جوهره وثمين دره، وهو الإخبار عن غامر عدله، والإبانة عن شامل فضله، ~~والوصف لمواقفه التي كشفت الأعداء فيها وثباته، الذكر لسيرته التي بهر ~~البشر تماديه عليها وثباته. وجميع هذه المناقب قد ثبت في اللوح المحفوظ، ~~وتداولته الألسن فكله من الملفوظ غير الملفوظ، فما تترقى همة الإخلال إلى ~~دراسته وتلاوته، ولا تتسلط السآمة على عذوبته في الأفواه وحلاوته، فقد أمن ~~راويه من تطرق النسيان عليه والسهو، ونال من فضيلة إيراده ما أقام عذره في ~~الخيلاء والزهو. والقسم الثاني ما وقع على حسنه الإجماع، وتنافست الأبصار ~~فيه والأسماع، واكتست به الدنيا أفخر زينة، واستخف الافتتان ببهجته الألباب ~~الرزينة، من المباني التي غدت على صدر الأرض وشاحا، وأظهرت في محياها غررا ~~وأوضاحا، وألبست جيدها عقدا، ومفرقها تاجا، واستوقفت الأبصار على بدائعها ~~فلم تستطع عنها معاجا. وهذه موهبة قد جمعت بين فضيلتي ملوك العرب والعجم، ~~واختص مولانا من شرفها بما لم ينله أحد في سالف الأمم، وذلك أن المحافظة ~~على بقاء الذكر أمر قسمه الله بين أنبيائه الذين بعثهم وأرسلهم، وبين ملوك ~~أرضه الذين اصطفاهم تعالى وفضلهم. أما الأنبياء فذكرهم باق ببقاء مللهم، ~~وأما الملوك فبما اقتضته أحوالهم في ممالكهم ودولهم. فملوك العرب يعتمدون ~~على تدوين مآثرهم بالفصاحة والبيان، وملوك العجم يعولون على إتقان العمارة ~~وتشييد البنيان. وكل يعتقد أنه قد احتاط للذكر بما يضمن بقاءه سرمدا، ويجعل ~~تناقله أمرا دائما لا ينتهي إلى مدى. ومولانا - خلد الله ملكه - فقد حاز ما ~~لم يحرزه أحد من النوعين، وجمع منهما ما يبقى على الأبد لذة للسمع وقرة ~~للعين؛ لأنه قد خدم من النظم والنثر بما لم يفز بمثله مخلوق، واستكثر من ~~سمة الأرض بمنازله التي لكل منها من أنواره عيوق. وقد اشتملت بغير شك على ~~المحاسن الملوكية، والصور الأرضية والفلكية، وحوت الغرائب من اجتماع ~~الحيوان المتضاد من غير عدوى، والتسوية بينه في ms036 أهب الذهب تبرعا بالعطاء ~~والجدوى، وأنى يكون اعتداء في أعمال مملكته فضلا عن قصوره، أو اجتراء لأحد ~~بحضرته؟ والمهابة تقضي بعجزه عن ذلك وقصوره، وقد وصفها شعراء مجلسه العالي ~~فيما صنعوه، وتنوعوا في ذكر ما خدموا به من ذلك ورفعوه، وعمل منه ما لم ~~يشمله شرف العرض بالمقام العالي، ثبت الله سلطانه. فمما يرويه المملوك من ~~ذلك قول محمود القاضي الموفق، ووصف التاج: # إن البسيطة قد أعدت شبابها ... حتى بدت وكأنها لم تهرم # لما غدت بك معصرا ألبستها ... تاجا ترصعه سعود الأنجم # PageV01P020 # وتماثلت شرفاته وصحونه ... في الحسن بين مخرم ومرخم # وأول هذه الأبيات: # هذه منازل من هويت فيمم ... وارتع وسح بربعها ديم الدم # عجنا فمن صب بصب دموعه ... ذرب ومن متعمل متعلم # غراء يجحد لحظها بسقامه ... قتلى فتخبر عن دمي بالعندم # شعل الهوى طرفي وقلبي إذ بدت ... يوم النوى بتأمل وتألم # منها: # من كل طلق الوجه إن شهد الوغى ... لقي العدى بتهجم وتجهم # ولمجبر أحد شعراء مجلس مولانا - خلد الله سلطانه _في وصف فوارة في ~~المباني الشريفة على ما أوجبه تخيله، واقتضاه توهمه وتمثله؛ لأنه أدركها ~~بنظره، ولا أجال فيها حاسة بصره: # وفوارة يستمد السحا ... ب من فضل أخلافها المحتلب # رأت جمرة القيظ محمرة ... لها شرر كرجوم الشهب # فظلت بها الأرض تسقي السما ... ء خوفا على الجو أن يلتهب # وهذا من قول الآخر في وصفها: أمطرت الأرض بها السماء ومن المستحسن في ذلك ~~ما أتى به علي بن الجهم في قوله: # وفوارة ثأرها في السماء ... فليست تقصر عن ثارها # ترد على المزن ما أسبلت ... على الأرض من صوب مدرارها # والذي صنعه الشعراء في هذا الباب هو مستقر في الخزائن المعمورة مغن عن ~~التوسع فيه؛ لاسيما وهذه الخدمة لمحة، والذي أورد فيها على وجه الإشارة. # PageV01P021 # ومن غير ذلك من الحكايات التي يتناقلها الناس ويتداولونها، ويستكثرون ~~بلاغتها ويستعظمونها على أنها مطلع يقتضي ما يجيء بعده، وابتداء لا عذر ~~للإعجاب أن يكتفي به فيقف عنده ما تضمنه كتاب الوزراء والكتاب لابن عبدوس ~~من ms037 أن فتى قدم على عمرو بن مسعدة متوسلا إليه بالبلاغة، وأن عمروا امتحنه ~~فرمى إليه كتاب صاحب البريد في بعض النواحي يخبر أن بقرة ولدت غلاما، وقال ~~له: اكتب في هذا المعنى، فكتب: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام. ~~فلما رأى عمرو ذلك جذب ما كتبه من يده، وأحسن إليه، وأعاده إلى بلده. وما ~~علم المملوك أحدا تمم هذه البداية المستحسنة، ولا تعرض لتكميلها في مدة ~~ثلاث مئة سنة، فاستيقظ لاستدراك ما تركه المتقدمون وأغفلوه، وتنبه على ~~استئناف ما أخلوا به وأهملوه، إذ كانت أيام مولانا مكملة كل ناقص من جميع ~~الفنون، ومخصوصة من الفضائل بما يوفي على الأوهام والظنون. وأنشأ في ذلك ما ~~العادة جارية أن يقرأ مثله على الناس وهو: الحمد لله خالق الأنام في بطون ~~الأنعام، ومصورهم بحكمته فيما يشاء من الأرحام، ومخرج الناطق من الصامت مع ~~اختلاف الأشكال، وتباين الأجسام، إبانة عن باهر آيته فيما ابتدع وإظهارا ~~لما استحال في العادات وامتنع؛ ليدل على أن قدرته أبعد غاية مما يتخيله ~~الفكر ويتوهمه، وأن مصنوعاته شواهد وحدانيته لمن يتبين معجزها ويتفهمه. ~~ويحمده أمير المؤمنين على ما اختص به أيامه من بدائع مخلوقاته، ويشكره على ~~غرائب صنعه التي أضحت من دلائل فضله وعلاماته؛ إذ كان - جل وعلا - قد جعل ~~آياته موقوفة على أزمنة أصفيائه، ومعجزاته مقصورة على عصور أنبيائه ~~وأوليائه، على أن لديه من خليله وفتاه، وصفيه الذي أوجه السعد نحوه وأتاه، ~~السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة ~~المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير ~~المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي اكتسى الدين بنصرته ثوب الشباب ~~والبهجة، واقترنت المبالغة في صفاته بقول الحق وصدق اللهجة؛ ملكا غدا ~~الزمان جذلا بدولته مغتبطا، وسيدا ارتفع أن يأتي بالمكارم إلا مخترعا لها ~~مستنبطا، وسلطانا يفعل الحسنة عذراء، ويتنزه أن يفعلها عوانا، وهماما يتأنس ~~في العزمات بنفسه، فلا يستنجد أنصارا لها ولا أعوانا. لا جرم أن أمير ~~المؤمنين يرفل من تدبيره ms038 في ملابس العز الفاخرة، ويتحقق أن النعمة به في ~~الدنيا برهان ما أعد له في الدار الآخرة، ويرغب إليه في الصلاة على جده ~~محمد سيد ولد آدم، وأشرف من كل من سلف وقته وتقادم، والمبعوث بشيرا ونذيرا ~~إلى كافة البشر، والمخصوص تسبيح الحصى، وحنين الجذع، وانشقاق القمر، صلى ~~الله عليه وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مستودع سره، ~~ومنتهى علمه ومقره، ومن قاتل الجن فسقوا بعضبه كأس المنون، وردت له الشمس ~~كما ردت من قبله ليوشع بن نون، وعلى آلهما الهداة الأئمة الذين زالت ~~بإرشادهم كل شبهة وغمة، ونسخت بأنوارهم ظلم الشكوك المدلهمة، وتنقلت فيهم ~~سيادة هذا العالم، وسيادة هذه الأمة، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم ~~تشريفا وتكريما وتعظيما. وإن أمير المؤمنين إذا تأمل ما ينشئه الله تعالى ~~ويبدعه، وتدبر ما يبدئه سبحانه ويخترعه؛ وجد من غرائب الفعل، وغوامض ~~القدرة، وعجائب الصنع، وسرائر الفطرة؛ ما يبعث على الضراعة له والخشوع، ~~ويدعو إلى الاستكانة لعظمته والخضوع، ويقتاد كل ذي لب وتصور، ويضطر كل ذي ~~عقل وتفكر إلى صحة العلم بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الواحد لا من حساب ~~عاد والقاهر بلا مدافع لأمره ولا راد، والرازق المنشئ المقدر، والخالق ~~البارئ المصور، مخرج العالم من العدم إلى الوجود، وفاطر النسم على غير ~~المثال المعهود، والدال على حكمته بإتقان ذلك وإحسان تركيبه، ومصرف الأقدار ~~فيما تحدثه قدرته النافذة وتأتي به. وهذا برهان أمير المؤمنين فيما هو لهج ~~به من الذكر والتوحيد، وحجته فيما هو متوفر عليه من مواصلة التحميد ~~والتمجيد، والله عز وجل يضاعف له ثواب المجتهدين، وينيله الزلفة بما يعينه ~~عليه من إعزاز الدين. وإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين كتاب متولي البريد، ~~يتضمن أمرا أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة، يتضمن أمرا ~~أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة وأوضح # PageV01P022 ### | المعذرة لمن يعتقده من شرائط الساهرة. وذلك أنه أنهى ن بقرة جرت حالها على غير # القياس، فنتجت حيوانا على هيئة الناس، وفي هذا ms039 مخالفة المنتوج جنس ~~الناتج، وذلك مما يضلل الفهم ويستوقفه؛ إذ كان مما تنكره العقول ولا تعرفه. ~~وهذا من الإنذارات المنبهة الموقظة، والإبداعات التي تضمنت بالغ الموعظة، ~~وفيها تحذير لمن تمادى على الآثام والمعاصي، وتذكير ليوم يؤخذ المجرمون فيه ~~بالأقدام والنواصي. فتأملوا معشر المسلمين - رحمكم الله - هذه الحادثة وما ~~اشتملت عليه من الوعيد، وتدبروا ما خطب به لسان التخويف فيها مسمعا للقريب ~~والبعيد، (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) وبادروا ~~- وفقكم الله - إلى الدعاء والابتهال، واعملوا بما ندبتم إليه من صالح ~~الأعمال، وأقلعوا عما كنتم تمسون عليه من الخطايا وتصبحون، وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وتوسلوا عنده بتعميركم مظان الخير ~~ومواطنه، وانتهوا إلى ما أمركم به في قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) ~~واعتقدوا الإخلاص في جميع ذلك وأضمروه، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه. فهذا إذا عكفتم عليه، واجتهدتم فيه، واعتمدتم منه ما يذهب عنكم ~~رجز الشيطان وغيه؛ حزتم من الثواب جزيلا جسيما، ونلتم في العاجلة حظا ~~عظيما، وكنتم في الآجلة ممن قال الله فيهم تبيينا لصادق وعده وتفهما: ~~(تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما) وقد دعاكم إيثار أمير ~~المؤمنين إلى ما يحييكم، ونصح الله تبارك وتعالى ولرسوله فيكم، فسارعوا إلى ~~أمره ترشدوا، وتمسكوا بهدايته توفقوا وتسعدوا. فاعلموا هذا، واعملوا به، ~~وانتهوا إليه انتهاء من الطاعة غاية مطلوبة إن شاء الله. # من غريب الاتفاق أن أديبا أنشد المملوك بيتا لعبد الله السمطي وهو: # حار طرف تأملك ... ملك أنت أم ملك؟ # فقال المملوك: هذا يليق بصفة مولانا وينبغي أن يكون ثانية: # بل تعاليت رتبة ... فلك الأرض والفلك # وكان أحد شعراء المجلس العالي - ثبت الله أيامه - ابتدأ قصيدة في ذل ~~الوقت لما رفعت العرب رؤوسها، وسفهت نفوسها، وبطرت نعمتها، وأساءت سيرتها، ~~فقال: # ظنوا جهادك في أعدائك الروم ... يلهيك بالشام عن قوص وإخميم # وما دروا أنك الشمس المنيرة في الس ... بع السموات والسبع الأقاليم # فاستعظم المملوك تفاوت الخاطرين في الوصف؛ ms040 واتفاقهما في الوقت. وذكر ~~المملوك بالإجازة ما روي من أن بعض الخلفاء سأل يوما عمن ببابه من الشعراء ~~فذكروا له، فأمر بإحضارهم، فلما صاروا بين يديه قال: قد قلت بعض بيت فهل ~~فيكم من يكمله؟ قالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: الملك لله وحده فقال ~~أحدهم ارتجالا: وللخليفة بعده فقال: أحسنت، فهل من زيادة؟ فقال: وللمحب إذا ~~ما=حبيبه بات عنده فأمر له بصلة سنية. # وحكي أن أبا نواس، والعباس بن الأحنف، والحسين بن الضحاك الخليع، ومسلم ~~بن الوليد، ويحيى بن معلى؛ خرجوا في متنزه لهم، وأدركت صلاة المغرب، فقام ~~يحيى يصلي بهم، فنسي (الحمد) وارتج عليه في: (قل هو الله أحد) فقال أحدهم: # أكثر يحيى غلطا ... في: قل هو الله أحد # فقال الآخر: # قام يصلي ساهيا ... حتى إذا أعيا سجد # فقال الآخر: # يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد # فقال الآخر: # كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد # فقال بعض المتأخرين ما جرته الحكاية، وأغفله الجماعة: # ونسي (الحمد) فما ... مرت له على خلد ### | ### | فصل # # بعض العصريين: # وقد كان هذا البحر ليس يجوزه ... سوى خائف من ذنبه ومخاطر # فأضحى بمن ينتاب جودك عامرا ... كأن عليه محكمات القناطر # وفيه ملامحة لقول دعبل: # وقال أناس إذ رأوا فضل مدحتي ... لعمران والنائي المكارم يمدح # أتطمع في عمران والبحر دونه؟ ... فقلت: نوال البحر يحسن يسبح # وهما يلتقيان من وجه، ويفترقان من آخر. فوجه التقائهما: أن البحر صراط ~~بين ممدوحيهما، ووجه افتراقهما: أن أحدهما يسعى إلى النوال، والآخر يسعى ~~النوال إليه، إلا أن قوله: محكمات القناطر، مما ملح فيه. # فصل # PageV01P023 # من المحدثين المجيدين محمد بن شرف، وذكر في بعض تصانيفه أنه كتب يشرح حال ~~حاج أصابه في الطريق حر شديد، فنزل بئرا ليشرب، فسقطت فيها صاعقة، فسلم ~~منها، ثم ركب وسار، فنزل برد أصابت رأسه منه واحدة فقتلته. وكتابه في ذلك ~~مشهور وقد كتب المملوك في هذا المعنى: إن من نوادر العبر، وبوادر الغير؛ ما ~~اتفق لفلان عند توجهه من الطائف، وتركه استصحاب الماء توكلا على ms041 اللطائف، ~~فإنه لقي يوما متلهب الأوار، متضرم النار، قد فقد نعيمه، وعدم نسيمه، ~~واستعير من لفح جهنم حره وسمومه، فاستند إلى صبره، وأوى إلى جلده، ظانا ~~سرعة ذاك على ما وقع في خلده، فلما اشتد القيظ، وخيف على النفوس الفيظ، ~~وتزايد به الأوام، وتشخص له الموت الزؤام؛ جعل يتماسك ويسير، وقد تيقن أن ~~باقي عمره قليل يسير. فبينا هو على تلك الحال، يغور تارة وينجد، وقد أعوزه ~~من يعين وأعجزه من ينجد؛ إذا هو ببئر ساقته إليها مهلة الأجل وهدته، وقادته ~~نحوها فسحة المدة وأدته، فلعدم الرشاء وتعذره، وإعجال الأمر له عن تثبته ~~وتصبره؛ نزلها كارعا في مائها، وناعشا بها نفسا لم يبق غير دمائها. وإنه ~~لكذلك إذ وقعت عليه صاعقة حبيها يصعق، ومسها يهلك ويوبق، فلقيت البئر حدتها ~~دونه، وحالت للمشيئة بين مضرتها وبينه، ثم صعد منها بعد أن نقع غلته، وبلغ ~~أمنيته، فسما بطرفه، واستولى على طرفه، وأعجب بحظه، وتوهم أن القدر لا يغفل ~~عن حفظه، وتحقق أن قصود المنايا له مخطئة، وضروب الرزايا عن الوصول إليه ~~مبطئة، وسار جذلا غير جزع ولا وجل، واثقا بالسلامة وكم من واثق خجل! فما ~~مضت ساعة حتى نشأت غمامة جر اليوم منها ستارته، ونسخ بها ذلك التوهج ومحا ~~آيته، وجعل جامد السماء يذوب، وماء المزن يهطل ويصوب، وأخذت الأقضية تحلل ~~من الديم العقد، وتفوق إلى مقاتل المقتول سهام البرد، فلم يزل يأتيه ~~أرسالا، ويتناثر عليه يمينا وشمالا، إلى أن أصابت إحداهن منه الهامة، ~~فأذهبت نفسه وعجلت له القيامة. فسبحان من قرب له المسافة بين منهل الاغترار ~~ومصرع الاعتبار، ومن نجاه مما الهلكة بمثله معتادة، وأهلكه بما يحيي به ~~أرضه ويرحم عباده. وهو المسؤول أن يسبغ علينا فضله، ولا يجعلنا بين عباده ~~مثلة، إنه جواد يجيب داعيه، ولا يخيب راجيه. # وابن شرف من أعيان الشعراء، وأماثل البلغاء، وله أبيات يجيد فيا، ويحسن ~~في معانيها. فمن بديع شعره قوله: # خلق كماء المزن طيب مذاقه ... والروضة الغناء طيب نسيم # كالسيف لكن فيه حلم واسع ms042 ... عمن جنى، والسيف غير حليم # كالليث إلا أنه متبرقع ... بوسامة، والليث غير وسيم # كالغيث إلا أن وابل جوده ... أبدا، وجود الغيث غير مقيم # كالدهر إلا أنه ذو رحمة، ... والدهر قاسي القلب غير رحيم # وقوله: # جفاني فواصلت الصبابة والأسى ... وبان فلم أعدم سهادا ولا دمعا # أأسر ولا أفدى، وقتل ولا أدى ... وسقم ولا أشفى، وموت ولا أنعى # وقوله: # إن تلقك الغربة في معشر ... تضافروا فيك على بغضهم # فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم # وقوله في مثله: # يا ثاويا في معشر ... قد اصطلى بنارهم # فما حييت جارهم ... ففي هواهم جارهم # وأرضهم في أرضهم ... ودارهم في دارهم # وقوله في عود قينة: # سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس # تغنى عليها الطير وهي رطيبة ... وغنى عليها الناس والعود يابس # وقوله في مثله: # يا عود من أية الأشجار أنت فلا ... جفا ثراها ولا أغصانها الماء # غنى القيان عليها وهي يابسة ... بعد الحمام زمانا وهي خضراء # وقوله: # خليل النفس لا تخل الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا # وجاهر في المدامة من ترائي ... فما فوق البسيطة من يداجى # إذا مريخها اتقد احمرار ... صببنا المشتري فيها مزاجا # والناس مختلفون في المزج. فمنهم من يراه فيأمر به، ومنهم من يكرهه فينهى ~~عنه. وأحسن ما سمعه المملوك في الاعتذار عن المزج قول ابن رشيق: # ما سجها الساقي لسوء خلقها ... كيف ومن تعليمها حسن الخلق # وإنما ظن سناها لهبا ... فشجعها بالماء كيلا تحترق # وهو مما أخذه من قول عبد المحسن: # PageV01P024 # أتاني بها كالنار من قبل مزجها ... ومن بعده كالشمس عند غروبها # لهيب قلوب الشرب تطفا بشربها ... ويخشى على أيديهم من لهيبها # وفي كل من المقطوعين ما ليس في الآخر، فقول عبد المحسن: إن لهيب النار ~~يطفأ بما يخشى على الأيدي لهيبه معنى لم يستوفه ابن رشيق، وقول ابن رشيق: ~~إنه شجها تحرزا من الاحتراق زيادة على عبد المحسن. # وقد أحسن ابن رشيق أيضا في وصف المزج بقوله: # تزأر في الكأس وهي مزبدة ms043 ... كأن حبس السقاة أغضبها # شجت مرارا كأن شاربها ... لم يستطع قتلها فعذبها # ومن غريب ما في هذه الأبيات: # وقام بالكأس بيننا قمر ... يدير ذات اليمين كوكبها # فقلت: خذها وهاتها عجلا ... فقال: لا تكثر التعتب ها # ويحتاج منشد هذا البيت عند ذكر القافية إلى إشارة المناولة، فبذلك يتم ~~المعنى. # فأما النهي عنه فمن أحسن ما جاء فيه لمتأخر: # قدر المدامة فوق قدر الماء ... فارغب بكأسك عن سوى الأكفاء # ولفرط ما قل الخليط رفعتها ... عما يكون لها من الخلطاء # والمليح كل المليح قول مسلم: # إذا شئتما أن تسقياني مدامة ... فلا تقتلوها كل ميت محرم # خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم # ولعمري إن أسرارها في الألوان فاشية، وحمرة الخدود مخبرة واشية. # ولقد أحسن الآخر في قوله: # ومقتول سكر عاش لما دعوته ... فبادر مسرورا يرى غيه رشدا # وقام تثنيه بقايا خماره ... وقد قطفت عيناه من خده وردا # لأنه جمع بين الاستعارة والتشبيه مع حسن اللفظ. وعلى ذكر العين والخد فقد ~~أبدع ابن مكنسة في قوله: # لم أر قبل شعره ووجهه ... ليلا على صبح نهار عسعسا # والسكر في وجنته وطرفه ... يفتح وردا ويغض نرجسا # على أن من تشبيهاته التي ابتكرها قوله من أبيات في الخمر: # ما لاح وجهك يجتلى في مجلس ... إلا وجلى عنه وجها أربدا # بكر إذا افترعت أخذت شعاعها ... بيدي وقلت لأهلها هذا الردى # ومن مليح ما وصف به فعلها قول ابن وكيع: # إذا ملكت رق الحجى ساء ملكها ... له فهو منها مدة الدهر آبق # ويحكى أن رجلا ترك النبيذ، فقيل له: لم تركته وهو رسول السرور؟ فقال: إلا ~~أنه بئس الرسول؛ يبعث إلى القلب، فيمضي إلى الرأس. # وقال آخر: # كأس إذا جليت علينا في الدجى ... ولم تبق منها غير صدغ أسود # وتظنها دارت عليك وإنما ... دارت على نوب الزمان بمرقد # ولابن شرف: # ولقد نعمت بليلة جمد الحيا ... بالأرض فيها والسماء تذوب # والكأس كاسية القميص كأنها ... لونا وقدا معصم مخضوب # مشروبة، للب شاربة، وما ... شيء سواها شارب مشروب ms044 # وقد تصرف في معنى قوله: شارب مشروب، ونقله إلى معنى آخر فقال: # وطلبت منه تكرما وظلمته ... فتعجبوا من ظالم متظلم # مثل الصلاة أردتها من حائض ... أو كالزكاة طلبتها من معدم # وهذان في أبيات منها: # لولاك ما لبس الضنى جسدي ولا ... عبس الزمان إلي بعد تبسم # غيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم # وقد أخذ معنى هذا البيت أحد شعراء العصر فقال: # فإن كان ذا غيظ فإني بنانه ... يسيل دما من عضة المتتابع # ولابن حيوس في تركيب شارب مشروب، وظالم متظلم: # فلك الفريد وقد وجدت نظامه ... ولي النظام وقد وجدت فريدا # حمد الورى لي ذا الثناء ومذهبي ... فيه فكنت الحامد المحمودا ### | والاختلاف في الصرف والممزوج كالاختلاف في الصبوح والغبوق، وقد أكثر الناس من # الكلام فيهما، والتفضيل بينهما. ومن أحسن ما سمعه المملوك في تفضيل ~~الغبوق على الصبوح قول بعض المتأخرين الذين اشتهروا بالعكوف على لذاتهم، ~~وأطاعوا سلطان أغراضهم وشهواتهم؛ فإنه ذم الصبوح وكان يدمنه، واعتذر عن ذلك ~~بما يستطيعه ويمكنه فقال: لا عذر في الصبوح لغير ملك، أو خليع منهمك؛ ~~فالملك لا يقاس عليه لعظمته، والخليع لا يلتفت إليه لضعته، وإن كنت في هذا ~~من الشعراء أقول ما لا أفعل، لكن فضلت أحسن القولين، ولم أجمع بين الخطأ من ~~وجهين. # PageV01P025 # وقال آخر ممن جعل النهار لرقدته، والظلام لعودته: لما فني عمر الأمس، ~~وطفئ سراج الشمس؛ لاحت بروق الثغور اللوامع، وجلجلت رعود الأوتار في ~~المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، فلم يزل ذلك دأبنا ما أقلع سحابنا، ولا يبس ~~ترابنا، حتى متنا بالهجعة، وكلنا يقول بالرجعة. # وقال آخر: لما ظهرت في الأرض الزهرة، وفي السماء الزهرة، شربنا على الما، ~~والمقبل الألمى، وأجرينا شقر الراح، حتى رأينا أشقر الصباح فكمنا في خمر ~~النوم، عمر اليوم، ثم خلعنا عهدة الرجعة، وأعدناها جذعة. # وقال من يخالف هذا المذهب ممن يمدح الصبوح يعاتب صديقا أتاه في الغبوق: ~~جعلت أول أمرنا أوان سكرنا، وأدرت خمرنا وقت خمارنا، فاغرم لنا بليلك ما ~~أتلفت من نهارنا. # وقال آخر: نمنا ms045 بنية الإصطباح، فهببنا قبل الصباح، والأصوات خشنة، ~~والحركات زمنة، وبدر الإنس هاجع، وكوكب الأنس راجع، ثم نشط الكسلان، وانتبه ~~الوسنان، وبرهن الأعشى وأبو نواس، على مداواة الكاس بالكاس. فكم صرع من ~~قرن، وما طلع للشمس قرن. ومن أعجب ما وقع الاختلاف فيه ما كان الناس مجمعين ~~على مدحه أو ذمه، فيأتي من الفصحاء من يحسن ببلاغته مخالفتهم، ويزين ~~بعبارته مفارقتهم، كالوعد الذي جبلت النفوس على مقته، وطبعت على الاستبطاء ~~الأوان إنجازه ووقته. كما قال الشاعر: # أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أجلك عن تعذيب قلبك بالوعد # فجاء من قال: # أحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله # وكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله # وجنة الفردوس يدعى بها ... آجلة للمرء لا عاجله # في الأبيات التي تقتضي قافية لا يكاد الخاطر يتخطاها فيأتي قائلها بأخرى ~~لا يتعرض لها الفكر ولا يتعداها، من ذلك قول علية بنت المهدي: # ومغترب بالمرج يبكي لشجوه ... وقد بان عنه المسعدون على الحب # إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنسم يستشفي برائحة القرب # قال السابق المعري: فأنزلت (الركب) عن هذه القافية وقد كان لها موضع، ~~ولكن (القرب) أحق به. وقول ابن نباتة: # رمته بها أهل الجبال فما دروا ... أخيل رمتها بالعدا أم سلالم # والمملوك يقول: إن الذي يمر إليه الخاطر تقفية هذا البيت بالقشاعم، فلما ~~ارتفع إلى السلالم زاد المعنى بهجة. ### | في القوافي التي يتحدى بها؛ فتتعذر على ملتمسيها وطلابها # من ذلك قول ابن نيقيا البغدادي أحد شعراء الوقت: # لله أي مواقف رقت لنا ... فيها الرسائل والقلوب غلاظ # عهدي بظلك والشباب نزيله ... أيام ربعك للحسان عكاظ # فأغرب فيما اهتدى إليه من هذه القافية وجدد بها رسم سوق جاهلية عافية، ~~وأبان بذلك عن فكر دقيق، ومغاص بعيد عميق. # وقول محمد بن عباد: # مولاي أشكو إليك داء ... أصبح قلبي به قريحا # سخطك قد زادني سقاما ... فابعث إلي الرضى مسيحا # فقوله: مسيحا، مما يضل الفكر في طلبه، ويقف الخاطر دون حفظ السياقة به. ~~وكان بعض ms046 إخوان المملوك قد سأله كتب رقعة إلى صديق يوم غطاس يستهديه نبيذا، ~~فكتب: جرت العادة في الغطاء بإعمال الكاس والطاس، وهذه الآلة إذا فقدت ~~الراح، بمنزلة أجسام عدمت الأرواح، فداو بإحيائها قلبا لي جريحا، وإذا كانت ~~عازر فكن لها مسيحا. # وقول المطوعي في الميكالي: # وطئت بي الوجناء وجنة مهمه ... متقاذف الأكناف والأرجاء # كيما ألاحظ منه في أفق العلا ... فلكا يدير كواكب العلياء # قرم يداه وقلبه ما منهما ... في النظم والإعطاء طائي # فأسكن حاتما وحبيبا في بيت، واستخرج تورية بذلك صفة الحي من الميت. # وقد أحسن المتنبي غاية الإحسان في قوله: # وتملك أنفس الثقلين طرا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب # طلبتهم على الأمواه حتى ... تحوف أن تفتشه السحاب ### | والمتنبي - وإن كان مشهور الإحسان في النظم - فقد كانت له معان يجيدها في النثر. # روي أنه مرض بمصر، وكان بعض أصدقائه يزوره في مرضه، فلما توجهت صحته؛ ~~تأخر عنه، فكتب إليه: واصلتني معتلا، وقطعتني مبتلا، فإن رأيت ألا تنكد ~~الصحة علي، ولا تحبب العلة إلي. فعلت إن شاء الله. وذكر الإقليلي أن ~~المتنبي أنشد سيف الدولة في الميدان قصيدته التي أولها: # لكل امرئ من دهره ما تعودا # PageV01P026 # فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها، فأنشدها، وكثر الناس فقال ~~قائل منهم يريد كيد أبي الطيب: لو أنشد قائما لأسمع، فأكثر الناس لا ~~يسمعون، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها: لكل امرئ من دهره ما تعودا وهذا ~~من مستحن الأجوبة ولو أدرك المتنبي عصر مولانا لكانت خدمته واقفا من أبهر ~~آياته، ومثوله بين السماطين قائما من أشرف عاداته؛ إذ كان الملوك وأبناؤهم ~~لا تسمو هممهم إلى غير الوقوف لديه، ولا يتعدى أملهم الخضوع له والانتصاب ~~بين يديه. ولقد سعد بما يرويه مولانا من شعره سعادة لا يجهل أحد فضلها؛ ~~فنال بعد وفاته رتبة لا تدلك الأفكار شأوها، ولا تبلغ الأوهام محلها: # تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك ترويه إذن لتألها # ومن القوافي التي لا يكاد يهتدي إليها قول ابن المعتز في وصف الطيور ~~الهدى: # لقد ms047 عرفن البرج بالآيات ... يلوح للناظر من هيهات # وهيهات غاية البعد. قال الله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) وقد ~~استعملها بحيث لا تفطن القرائح لها. # وقوله في وصف فرسين يتباريان في الجري: # وكم قد غدوت على سابق ... جواد المحثة وثابها # تباريه جرداء خيفانة ... إذا كان يسبق كدنا بها # فقوله كدنا بها، من أغمض تتميم وأصعبه، وأغرب لفظ فقي هذا البيت به. # وقول محمد بن أحمد الأصبهاني: # والجو مخضر الحواشي أملس ... يبسم فيه في البرق وهو يعبس # وفيه سرج نارها لا تقبس ... بت أراعيها كأني هرمس # فقد دلت هذه القافية على بديع الصنعة، وقضت لهرمس بالمعاد والرجعة. # وعلى ذكر القوافي فروي أن هشاما الأحول قال: كنا عند الأصمعي، فأخذ في ~~شعر عبيد الله بن قيس الرقيات، فجعل ينشد حتى قال: # عاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسجم # وإنما هي تنسكب. وقال يا فتيان أمروها على الميم. قال: فأمرها ونحن معه، ~~يقول ونقول على الميم حتى بلغنا إلى قوله: # ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا # فأراد قافية على الميم، فلم يقدر عليها. # والمملوك يقول: إن من أعجب الأشياء توقف الأصمعي خاصة في تقفية هذا البيت ~~على الميم مع ما يروى عنه من قوله: إن الحشمة في كلام العرب بمعنى الغضب، ~~وحكايته عنهم أن ذلك لمما يحشم بني فلان، أي يغضبهم، فكان يلزمه أن يقول: ~~حشموا. على أن أحسن ما قفي به هذا البيت على الميم ما اقتضاه صدره فيقال: # ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن نقموا # ويقال في البيت الثاني: # وأنهم معدن الملوك فما ... تصلح إلا عليهم الأمم # ويجعل الأمم عوضا عن العرب. # وذكر ابن أبي طاهر أنه عرضت على المنصور جارية، وقيل: إنها راوية للشعر، ~~فاستنشدها، فأنشدته شعر ابن قيس الرقيات: عاد له من كثيرة الطرب فلما بلغت ~~إلى قوله: # ما نقموا من بني أمية إلا ... # علمت أنها قد أخطأت، فقالت: أنهم يسفهون إن غضبوا. # ثم قالت: # وأنهم أرذل الملوك فما ... تفسد ms048 إلا عليهم العرب # فقال لها: أهكذا رويت هذا الشعر؟ قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني ~~لما ألقي على لساني، وعلمت أني قد وحصلت غيرته إجلالا لك وصدقا في القول، ~~فأعجبه ما رأى من فهمها، وأمر بأن تشترى. ### | في القوافي المتمكنة التي يصلح أن تتلو هذا الباب # من ذلك قول ابن مطرف: # يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أكفاره بالغيب كهان # لا طرفة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورة إلا لها شان # والبيت الأول - وهو المراد - من قول ابن حيوس: # وإذا امتطى سيف الخلافة عزمه ... فلدولة يبني وأخرى يهدم # وإذا نظرت إلى عواقب رأيه ... أيقنت أن ظنونه تتنجم # كما أن تركيب قول مهيار، والمراد الثاني: # صحا القلب لكن صبوة وحنين ... وأقصر إلا أن يخف قطين # وقالوا: يكون البين والمرء رابط ... حشاه بفضل الحزم؟ قلت: يكون # من قول عروة بن أذينة: # منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # فدنا وقال: لعلها معذورة ... في بضع رقبتها، فقلت: لعلها ### | مما يتجاذبه ضدان # قالت ليلى الأخيلية: # ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما # PageV01P027 # وعلماء الشعر يجعلونه من أعلى المدح، ويفسرونه بأنها أرادت أن يجذب ~~ويتعلق به في الحاجات لجوده وسؤدده وكثرة الناس حوله. # والمملوك يقول إنه يحتمل أن يكون هجاء لو بدل على أنه مهتضم قليل ~~العشيرة، فإذا مزقت ثيابه لم يقدر على الانتصار لذله، فيخلد إلى الحشمة ~~والحياء، فيخال سقيما. فهذا من المدح الذي أحاله النقد إلى الذم. # ومثله قول زهير: # على مكثريهم حق من يعتريه ... وعند المقلين السماحة والبذل # وهذا مما اتفق المتقدمون على تفضيله، وأجمعوا على استحسانه وتقديمه، وقد ~~خالفهم أحد المتأخرين، فقال: إنه - وإن قصد مدح سادة من الناس - فقد ذمهم ~~بأنواع الذم. فأول ذلك إخباره أن فيهم مكثرين ومقلين، فلو كان مكثروهم ~~كرماء لبذلوا لمقلهم الأموال حتى يستووا في الحال ويشبهوا الذي قال فيهم ~~حسان: # الملحقين فقيرهم بغنيهم ... والمشفقين على الفقير المرمل # ثم فيه أن المكثرين ضيعوا القريب، ورعوا حق الغريب، وصلة الرحم أولى ms049 ما ~~بدئ به. ومنها أن المكثرين ليس يسمحون بأكثر من الاستحقاق في قوله: من ~~يعتريهم، ومن أعطى الحق فإنما أنصف ولم يتفضل بما وراء الإنصاف، والزيادة ~~على الإنصاف أمدح. ثم أخبر أن المقلين - على قصور أيديهم - أكرم طباعا من ~~مكثريهم على قدرتهم في قوله: # وعند المقلين السماحة والبذل # فالبذل مع الإقلال مدح عظيم وإيثار، والسماحة إعطاء غير اللازم، فمدح ~~بشعره هذا من لا يحظى منه بطائل، وذم الذين يرجو منهم جزيل النائل، فأبان ~~عن الغلط في الاختيار فقد أخرجه النقد من المدح إلى الذم. # وهذا لا يجوز التمثل به في أيام مولانا - خلد الله ملكه - لأن مكارمه لم ~~تجعل للفقير على الأنام معاجا، وفواضله لم تغادر في لازمان مقلا ولا ~~محتاجا. وضد ذلك مما أخرجه التأول من الذم إلى المدح قول المتنبي: # أيقنت أن سعيدا طالب بدمي ... لما بصرت به بالرمح معتقلا # وهو مما لم يتعرض لتفسيره ابن جني، وقد جعله قوم من سقطاته؛ لأنه تمنى أن ~~يشفع الممدوح له بقوله قبل هذا البيت: # على الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا # وقالوا: والشفاعة سؤال ورغبة، فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب وإلا رجع ~~إلى القهر. والمملوك يقول: إنه جعل الممدح على غاية الجمال لاسيما إذا ~~اعتقل رمحا؛ إذ من الناس من يتضاعف حسنه في زي مخصوص، فيقول: إن هذه ~~المعشوقة قد سفكت دمي بامتناعها علي مع غرامي بها، وإنني لما رأيت الممدوح ~~على هذه الهيئة التي زاد بها جماله؛ أيقنت أنها تهواه، ويمتنع عليها ~~لعفافه، فتلقى منه مثل ما لقيت منها، فيكون ذلك كأنه طلب بدمي وأخذ بثأري. ~~ولا خلاف أن الإنسان قد يحسن على هيئة ما. فأما المعجزة التي خص الله بها ~~مولانا فنحن نذكرها شكرا على ما منحنا من حسن نظره وأولانا؛ وذاك أنه في كل ~~الهيئات على القضية التي ترتفع عن قضايا البشر، ويتقيد عندها مطلق اللحظة ~~وحاسة البصر، فإن استوى على دست العظمة، واستقر على سرير المملكة رأيت ~~الشمس والمشتري قد ms050 امتزجا واتحدا، وشاهدت ما افرده الله تعالى به مما لم ~~يعطه أحدا، فحظه من الشمس عموم نورها واتساعه، ومن المشتري أفعاله الجميلة ~~وطباعه، ومن مجموعهما معنى أحدثه التركيب، تتفرع شعوبه ولا تنحصر أنواعه، ~~وإن شرع في تدبير عبيده ورعيته، ونظر في أمر سلطانه ومصالح دولته، فقد أوفى ~~على البدر ليلة كماله وتمه، وزرى على عطارد بفضله الباهر وعلمه، وجعل الحق ~~مضمونا في قضائه العادل وحكمه وإن تجلى في آلة الحرب، وظهر للذب، وتفريج ~~الكرب؛ لم ترتب باجتماع الزهرة والمريخ متباريين في خدمته، ولم تشك أنهما ~~متنافسان على ما يحظى بحضرته؛ لأن أحدهما تقرب إليه بحسن صورته وهيئته، ~~والآخر توسل عنده بنفاذه ومضائه وهيبته. وهذه منقبة يشهد بها ما حازه من ~~الآيات وحواه، ومعجزة لم ينلها سلطان غيره ولا خص بها ملك سواه. # مما مدح به مهيار وهو إذا أنشد مفردا احتمل الهجاء: # كأن ما قد حل من ماله ... وطاب، محظور عليه حرام # فإذا أنشد الذي قبله خلص للمدح وهو: # وجاد حتى لم يدع فضلة ... تليه للبحر ولا للغمام # فما قول الآخر: # كأني إذ دعوت بني حنيف ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا # PageV01P028 # فمن قصد المدح أراد سرعة الإجابة كالصدى، ومن قصد الذم نسبهم إلى الثقل ~~مثل الجبال. # ومن النوادر العجيبة ما حكي عن زيد الأعور الخياط من أنه خاط لسلم الخاسر ~~قباء، وقال: قد خطته ل خياطة لا تبالي معها إذا لبسته مقلوبا كان أم مستويا ~~من جودة عمله ودقة دروزه، فقال سلم: وأنا أقول فيك قولا لا تدع أمدح هو أم ~~هجاء؟ وقال: # جاء من زيد قباء ... ليت عينيه سواء # فأحاجي الناس طرا ... أمديح أم هجاء؟ # وهذا من قول المتنبي: # فيا بن كروس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير # كان الشعراء قد نالوا بر الحسن بن سهل في عرس بوران ابنته إلا أبا ~~الينبغي، فقال لأقولن ما لا يعلم أمدح هو أم هجاء؟ وقال: # بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن # يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟ # ومن ms051 الشعر الذي يحتمل معنيين ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما قول حبيب في وصف ~~عمورية: # بكر فما افترعتهما كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب # من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب # وهذا مما يصلح أن توصف به الخمر. وأبلغ ما قيل في عتقها: # تحسب من طول الحقب ... مخلوقة قبل العنب # على أن فيه إحالة بذكره المعلول قبل العلة، وقد أصلح المعنى شيئا بقوله: ~~تحسب. وهو من الإفراط في الغلو. وقال السلامي في وصف فرس أدهم: # خاض الدماء وتحلى بالزبد ... كأنه إنسان عين في رمد # والثاني يصلح صفة لخال في خد. وقد أحسن الآخر في قوله: # وكأن خالا في صفيحة خده ... أثر الشرارة في قميص أحمر # وهو من بارع التشبيه. ولأحمد بن الشقاق: # تتنفس الصهباء في لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال # وكأنما الخيلان في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال # وقال عبد المحسن في الحمام: # ومنزل أقوام إذا نزلوا به ... تشابه فيه وغده ورئيسه # وهذا مما يصلح أن يوصف به قبر. وتمام الأبيات من مستحسن ما وصف به ~~الحمام، وهو: # يخفف كربي أن تزيد كروبه ... ويؤنس قلبي أن يقل أنيسه # إذا ما أعرت الجو طرفا تكاثرت ... عليك به أقماره وشموسه # ولبعض العصريين فيه: # أهلا بذا الحمام من منزل ... شيد لأبرار وفجار # تدخله ملتمسي لذة ... فندخل الجنة في النار # ومن الشعر الذي يتضمن نوعين من التجنيس قول ابن حيوس: # في ظل أروع إن تسأله منفسة ... يهب وإن باشر الهيجاء لم يهب ### | ففيه تجنيس اللفظ والخط: بيهب. وتجنيس التورية بها أيضا لأنه مدح بإيجاب وبنفي وأتى # بالنفي على صيغة الموجب، وإنما ورى به عن معنى آخر. ### | مما جمع المدح بالشيء وضده، وهو من ضروب التوجيه # من ذلك ما قيل في وصف عزة مولانا - خلد الله ملكه - وكرمه، ومدحه بحماية ~~الشيء الذي على يده إراقة دمه، وهو مذهب الشعراء في امتداح ملوك العرب؛ ~~لأنه يصفونهم بدفعهم عن النعم وذبهم، وإباحة حماها للوافدين عليهم ~~والنازلين بهم، على أن عظمته ms052 تأبى إلا عقر البدر تنزها عن عقر البدن، كما ~~أنه لا يقنع في القرى بدون إقطاع القرى وتسويغ المدن. والذي قيل: # يمنع السرح من تعدي الأعادي ... بطوال القنا وبتر السيوف # فهي في الخوف أمنها من مغير ... وهي في الأمن حتفها للضيوف # وهذا معنى قول ابن حيوس: # تبيت حداد البيض أوفى حتوفها ... وتضحي حجازا دونها في المراتع # وقوله: # تتوقع الأذواد منه عاقرا ... ما زال يحمي سرحها ويذود # وقوله: # وتمنع ما تحوي لتعطيه ندى ... وغيرك لا ينفك يعطي ليمنعا # فأراد أنك تمنع إباء وعزة ما تعطيه كرما ومنحة، وغيرك يعيط ذلة ومهنة ~~ليصون ذخيرة وقنية. والأصل في هذا قوله: # لنا إبل غر يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها # فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذم دماؤها # حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأهون خطب يوم حق فناؤها # وكرر ابن حيوس هذا المعنى، فقال وأحسن: # تضحي سيوفك للبلاد مفاتحا ... فإذا فتحت جعلتها أقفالا # على أنه مأخوذ من نصف بيت لأبي تمام، وهو قوله: أصبحت مفتاح الثغور ~~وقفلها # PageV01P029 # وهذا عكس ما اتفق لأبي تمام مع الكميت، لأنه أخذ معنى نصف بيت من شعره، ~~فأورده في بيتين. قال أبو تمام: # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد # فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد # والذي للكميت: # ولو لم تغب شمس النهار لملت # وللمعري: # السمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه # والعضب لا يشفي امرأ من ثأره ... إلا بفقد نجاده وقرابه # ولابن حيوس: كالمسك يزداد قدرا حين يغترب فأما قول مهيار: # ما اجتزن بالآذان كن مفاتحا ... وعلى قلوب عداكم أقفالا # فكل من بيتي حبيب وابن حيوس أصنع منه؛ وذلك أنهما جعلا الأقفال للشيء ~~الذي كانت عليه مفاتيح، ومهيار جعل المفاتيح والأقفال لغيرين. ووصف ابن ~~حيوس السيوف بأنها مفاتح البلاد أوقع موصف مهيار الأبيات بأنها مفاتح ~~الآذان. وقد ذكر أبو تمام المفتاح في غير موضع من شعره، فمن ذلك قوله: # للجود باب في الأنام ولم تزل ... مذ ms053 كنت مفتاحا لذاك الباب # وقد قال بعض المعترضين عليه: أتى إلى ممدوحه نجعله مفتاحا، فهلا قال كما ~~قال ابن الرومي: # قبل أنامله فلسن أناملا ... لكنهن مفاتح الأرزاق # فقيل له: لا تعجبن من هذا؛ فقد جعل ربه كذلك بقوله: # والله مفتاح باب المقفل الأشب # وعلى ذكر الأقفال وفتحها فقد أحسن الناشئ في قوله يصف اليويو: # مملك لنفوس الطير ينسفها ... نسفا فيقبض أجساما وأرواحا # كأنما أقفلت بالأهب أنفسها ... فكان بالكف للأقفال فتاحا # وقال ابن حيوس متصرفا في المعنى المقدم ذكره: # وبهم زلزلت بمن قارعوا الأر ... ض وهم أمنها من الزلزال # وكرره فقال: # تتزلزل الدنيا إذا غضبوا فإن ... بلغوا الرضى أمنت من الزلزال # وقال فيما يقارب هذا المعنى: # ثغور العدى إن رمتموهن كالفلا ... وكل فلاة رمتم منعها ثغر # وقال: # أخفت الآمنين سطى فلما ... عفوت غدوت أمن الخائفينا # ولأبي نصر المنازي: # لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى # شجى قلب الخلي فقال: غنى ... وبرح بالشجي فقال: ناحا # ومن مليح ما في هذه الأبيات: # ضعيف الصبر فيك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى # كذاك بنو الهوى سكرى صحاة ... كأحداق المها مرضى صحاحا # فأما قول ابن الرومي: # عيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن عينك سهم حتف مرسل # ومن العجائب أن شيئا واحدا ... هو منك سهم وهو مني مقتل # فليس من هذا الباب إلا أن فيه نوعا من مجانسته، وضربا من مناسبته، وهو من ~~بديع ما ابتكره، وغريب ما اخترعه. # وكذلك قوله في وصف القوس: # توددت حتى لم أجد متوددا ... وأمللت أقلامي عتابا مرددا # كأني استدني بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا # وقوله أيضا فيها: # تشكي المحب وتلقى الدهر شاكية ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان # وقد أحسن ابن حيوس في قوله: # أرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم ويلقى حتفه من تقوما # حتى الناس من قبل القسي لتقتنى ... وثقف منآد القنا ليحطما # على أن صدر البيت الثاني مأخوذ من قول كشاجم في وصفها: قد قومت للرمي ~~بالتعويج إلا أنه أحكم الأخذ والتركيب، ms054 وتصرف التصرف البديع الغريب، وقد ~~اقتضت الأبيات في القوس ذكر الحكاية العجيبة في إتقان الصناعة في الرماية ~~عنها، وهي أن راميين عرض لهما أسد، فقال أحدهما للآخر: اكفني عينه اليمنى ~~أكفك اليسرى، فرمياه عن يد، فأعمياه وسلما. # ولبعض الأندلسيين: # تقوس بعد طول العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوس # فأمشي والعصا تمشي أمامي ... كأن قوامها وتر لقوسي # وعلى ذكر التشبيه فمن غريبه قول الآخر: # وألزمته ألحاظ طرف يحبه ... فليس بمرتد ولا بمغمض # إلى أن ثنت عيني الشمول كأنني ... ألاحظه سكرا بأجفان مبغض # من المدح الذي قلت أمثاله، وعزت أشباهه، وعدمت له النظائر، وعقمت عنه ~~الخواطر قول حسن بن عبد الصمد: # سبقت مكارمه مواعده فلم ... يوسم بإنجاز ولا بمطال # وقاله: # PageV01P030 # ضنت أكفهم علا وسخت ... مالا فما كرموا ولا بخلوا # وقول الجرجاني: # ما قال لاقط مذ حلت تمائمه ... بخلا بها فوجدنا الجود في البخل # والتوصل إلى المدح بالبخل من أغرب ما نتجه خاطر. ### | من الأشعار الدالة على النظر في العلوم الشرعيات # عبد الله بن سعيد: # وأمست صباه تبث الحديث ... وتسند عن بانة الأجرع # وتقسم أني أهواكم ... وليس اليمين على المدعي # وهذا قول أحمد بن سلمة: # لقد جئت بابن أبي تبع ... بأم الأوابد في المجمع # حلفت بأنك من حمير ... وليس اليمين على المدعي # وقال آخر: # يا غريرا غرني ما ... ذا ترجي بصلاتك؟ # أرى نسكك هذا ... خجلا من فتكاتك # كيف تجزيك صلاة ... ودمي في وجناتك # وعلى ذكر الدماء في الوجنتين فقد أجاد ابن شرف في قوله: # همت عذاراه بتقبيله ... فجردت عيناه سيفين # وقامت الحرب على ساقها ... بين أميرين قتولين # فهذه الحمرة في خده ... دماء ما بين الفريقين # وقال أيضا: # حجت إلى وجهك أبصارنا ... طائعة يا كعبة الحسن # تلثم خالا منك في وجنة ... كالحجر الأسود في الركن # وهذا من قول كشاجم: # فلم يزل خدها ركنا أطوف به ... والخال في خدها يغني عن الحجر # ولأبي نصر محمد بن الحسن: # ملكت قلبي مسترقا له ... وكان حرا غير مستعبد # سكنت فردا فيه حتى لقد ... خلتك تشكو وحشة المفرد # فلو ms055 تنازعنا إلى حاكم ... قضى لك استحقاقه باليد # ولمحمد بن عمار في مغن يكنى أبا الفضل: # غنى أبو الفضل فقلنا له: ... سبحان مخليك من الفضل # غناؤه حد على شربها ... فاشرب فأنت اليوم في حل # الخوارزمي: # مقابل بين أقلام وألوية ... مردد بين إيوان وديوان # يا ترجمان الليالي عن مقادرها ... وحجة الزمن الباقي على الفاني # طلقت بعدك مدح الناس كلهم ... فإن أراجع فإني محصن زان # وللصابي في سابور لما أعيد إلى الوزارة: # قد كنت طلقت الوزارة بعدما ... زلت بها قدم وساء صنيعها # فغدت بغيرك تستحل ضرورة ... كيما يحل إلى ذراك رجوعها # فالآن عادت ثم آلت حلفة ... ألا يبيت سواك وهو ضجيعها ### | أبيات الأنساب # ابن الرومي: # وكم أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علا برسول الله عدنان ### | وتخصيصه عدنان دون غره من أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بما جاء في # الحديث من قوله عليه السلام: (لا تجاوزوا عدنان كذب النسابون) وقد كان ~~المملوك ضمن معنى بيت ابن الرومي منشورا كتبه أوان تصرفه، وفي حين تريث ~~الزمان عن الإساءة إليه وتوقفه، لمولاتنا السيدة الملكة والدة مولانا ~~الإمام المستعلي بالله صلى الله عليه لما أضيف إلى ديوانها بعض الإقطاعات ~~الجارية الآن فيه، فقال في تشبيه: إن أولى من ارتفع محله عن متعارف المنح، ~~وجل خطره عن متعالم المدح من ظهرت بأمير المؤمنين آيات شرفه ومجده، وعى ~~ذروة الشرف به كما علاها عدنان بجده. وهذا من باب مدح السلف بالخلف، وضده ~~قول مهيار؛ فإنه مدح الخلف بالسلف، ورجح المعلول على العلة، فقال: # وسيد قومه من سودوه ... بلا عصبية وبلا تحاب # وإن كان الفتى لأبيه فرعا ... فإن الغيث فخر للسحاب # ومثله قوله: # ومن بني عبد الرحيم قمر ... كل لياليه تمام سعد # كانوا الخيار وفرعت زائدا ... والنار تعلو وأبوها الزند # وقد أكثر أبو الطيب من استعمال هذا المعنى. نحو قوله: # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # وقوله: فإن في الخمر معنى ليس في العنب وقوله: فإنك ماء الورد إن ذهب ~~الورد ms056 وقوله: ولكن معدن الذهب الرغام وقوله: # لو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدر ساكن الصدف # فأما الجمع في المدح بين ذكر الآباء والأبناء فمن مليح ما جاء في ذلك قول ~~مهيار: # وفيت لآباء تكلفت عنهم ... مناسك ما سنوا فخارا وسيروا # وجئت بمعنى زائد فكأنهم ... # وما قصروا عن غاية المجد # قصروا # وقوله: # من النفر الذين إذا استغيثوا ... رأيت بهم وساع الأرض ضيقا # PageV01P031 # ترى الأب بالشهادة في بنيه ... قريبا وهو قد أمسى سحيقا # وقوله: # ولهم سيوف الخلفاء التي ... تعلم الضرب يد الضارب # غادوا نجوما ووفت في ابنهم ... شهادة الطالع للغارب # وقوله: # سارت بهم أيام سؤددهم ... سير الحديث بمعجز الرسل # وأتى الوزير فكان بينة ... شهدت لهم بسلامة النقل ### | الإخباريات # وهي كثيرة جدا، ومن بديع ما فيها قول جعفر بن إبراهيم: # أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدك لبس الحداد # وقد كان ينبت زهر الربيع ... فقد صار ينبت شوك القتاد # فهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخنى عليك ظهور السواد؟ # ومن مليح ما في هذا المعنى قول الآخر: # عابوه لما التحى فقلنا: ... عبتم وغبتم عن الجمال # هذا غزال وهل عجيب ... تولد المسك في الغزال ### | النحويات # ابن الحداد من قصيدة أولها: # عج بالحمى حيث الغياض الغين ... فعسى تغن لنا مهاه العين # يقول: # لا تألف الأحكام حيفا عنده ... فكأنها الأفعال والتنوين # ولآخر في رجل تزوج، فظهر أنه عنين: # كم ذكر في الورى وأنثى ... أولى من اثنين باثنتين # أرى الليالي أتت بلحن ... إذ جمعت بين ساكنين ### | الطبيات # من ذلك قول الزاهي: # رثى طبيبي لسقامي ومن ... أسقمني هجرانه ما رثى # وقال: هذا مرض معضل ... وربما أشفقت أن يلبثا # وهذه الصفراء قتالة ... فليته ذكر ما أنثا # وحدثني من كان معه عند عمله هذه الأبيات وأن السبب فيه إنشاد بعض ~~الحاضرين لابن المغربي: # قال الطبيب وقد تأمل علتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء # فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... لفظا ومعنى ما أراد خطاء # وهذا من قول الصابي وذكر الطبيب: # فقال: شفاؤه الرمان مما ... تضمنه حشاه من العسير ms057 # فقلت لهم: أصاب بغير عمد ... ولكن ذاك رمان الصدور # وقال جعفر بن شرف: # صنم من الكافور بات معانقي ... في حجبتين: تعفف وتكرم # فكرت ليلة وصله في صده ... فجرت بقايا أدمعي كالعندم # فطفقت أمسح مقلتي بصدره ... إذ عادة الكافور إمساك الدم ### | الهندسيات # هشام بن أحمد: # قد بينت فيه الطبيعة أنها ... ببديع أعمال المهندس ماهره # عنيت بمبسمه فخطت فوقه ... بالمسك قوسا من محيط الدائرة ### | الفلسفيات # مجبر بن محمد يمدح مولانا، خلد الله ملكه: # شعر أرق من النسيم حواشيا ... لم ترو حوشي الكلام رواته # نظمت لشاهنشاه منه قصائد ... قصدت مدائحه بها وصفاته # فأتى بديعا في بديع أطمعت ... ألفاظه وتمنعت طرقاته # كالروح يدرك بالحقيقة فعله ... وتغيب عن أهل البصائر ذاته # وحدثني ابن مكنسة، قال: حضرت جنازة ابن الطائي المقرئ، فرأيت من إعظام ~~الناس له - وهو محمول على نعشه - ما لم يكن له منهم في حياته، فقلت بديها: # أرى ولد الطائي أصبح يومه ... يعظمه الأقوام أكثر من أمس # وقد أكرموه في الممات، تراهم ... يظنون أن الجسم أزكى من النفس؟ # علي بن محمد الإيادي: # ليهنك أن الله أعطاك رتبة ... من الفضل ركناها التقى والتواضع # مضمنة حمل المكارم والعلا ... كما ضمنت حمل الحياة الطبائع # وله: # ألقى زماما إليه الدهر واجتمعت ... على فضيلته الشبان والشبب # ملك هو الصورة الأولى التي اصطفيت ... من قبل أن يلحق المبسوط تركيب # من جيد الطريقة التي استعملها المحدثون قول عبد الله بن العابد من قصيدة: # وما خصصت ولكن عم نائله ... فاستعبد الثقلين: الجن والبشرا # عدل تمد رواق الفضل سيرته ... فتشمل المواطنين البدو والحضرا # وتكشف الظلم والإظلام غرته ... فتخجل النيرين: الشمس والقمرا # ويستوي ذكره حسنا ومنظره ... فيشغل الممتعين: السمع والبصرا # سرح مناك إلى ساحات أنعمه ... وضمن الصادقين: الخبر والخبرا # PageV01P032 # هذه الخدمة مشتملة من الأدب على لمعة، وشاهدة بقوة في البلاغة وصنعة. وقد ~~جعل المملوك ما اعتمده من تقريرها، وقصده من ترتيبها وتحريرها سفيرا بين ~~مقاصده وبين النجح، وسبيلا إلى رغبة الأيام إليه في السلم والصلح؛ إذ كان ~~السعد مضمونا للذين لاذوا برجاء مولانا وتحرموا، ms058 والحظ محتوما للذين تبسطوا ~~على تأميله وتحكموا: # كل الورى داع وكل دعائمهم ... أن لا يزيل الله ظلك عنهم # أغنى نوالك بعضهم عن بعضهم ... كيلا يرى في الأرض غيرك منعم # فلذاك ألسنهم لسان واحد ... يثني بما خولت والدنيا فم # لا زالت الأقدار بإرادة المقام الأشرف - خلد الله ملكه - جارية، والأقضية ~~في خدمته متنافسة متبارية، ما اتصلت الأيام والليالي، وتزين الدهر من ~~مناقبه بفاخر اللآلي، إن شاء الله عز وجل. # الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد خاتم النبيين،، ~~وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما. الله حسب المملوك ونعم الوكيل. # وعند عرض هذه الرسالة رضي عنه، وأعاده إلى ديوان الإنشاء. ### | رسالة منائح القرائح ### | رسالة سماها منائح القرائح # أولى ما تقرب به إلى الله تعالى الإكثار من تحميده، والإقرار بربوبيته ~~وتوحيده، والصلاة على نبيه محمد الذي عضده بتأييده، وخصه من الشرف بما لا ~~سبيل إلى تحديده، وعلى آله الممنوحين من الفضل ما يعجز الوصف عن تعديده، ثم ~~التوسل إلى ملوك كل وقت بشكر نعمهم ومواصلة خدمهم، ونشر خصائصهم التي ~~امتازوا بها عن العباد، وذكر مناقبهم التي سارت في الأقطار ونقبت في ~~البلاد، والاجتهاد فيما نفقت بشريف مقاماتهم سوقه، والاعتماد على ما ظهر ~~سموقه في البلاغة وبسوقه. ولا خلاف أن سلطان هذا العصر، والمخصوص من ~~الفضائل بما لا يدخل تحت الحصر؛ مولانا الملك السيد الأجل الأفضل، أمير ~~الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة ~~المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام ~~قدرته، وأعلى كلمته؛ سيد من ملك الأرض، ولم يكتف بالدنيا دون الآخرة ولم ~~يرض، وخير من زخرت بحار مكارمه الفائضة وطمت ووهت أركان الشرك بعزماته ~~الماضية وتحطمت، وأفضل من دبر البرية من الأكابر العظماء، واستقر الثناء ~~عليه في الأرض لما استقر عليه في السماء، وتمت بيمن نظره محاسن الدنيا ~~وتكاملت، وفخرت أيامه على الأزمنة المتقدمة وتطاولت، لا جرم أن الآفاق قد ~~غدت طامعة باستيلائه عليها راجية وأصبحت ملوكها وافدة إلى بابه العزيز ~~لاجية، فعادت ms059 آمالهم متخلصة من يد الإخفاق ناجية، وأضحت أيامهم مشرقة وقد ~~كانت من قبل داجية، وصارت أحوالهم بمكارمه حالية نامية زاجية، فقد زهيت به ~~المملكة وأظهرت بهجتها وجمالها، واختالت في ملابس فخره فسحبت على السحب ~~أذيالها: # ولم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها # فيجب على من صفت فكرته، وصحت فطرته، وأمكنه استنباط معنى غامض، واستدل ~~على المحاسن ببرقها الوامض، وعرف موضع الفضيلة فيما يصنعه من تصنيف، وعلم ~~موقع الوسيلة به إلى كل مقام شريف أن يظهر كامن قوته، ويعمل مطايا رويته ~~فيما يخدم مجلسه العالي به مما يطرب مورده ومسموعه، ويعجب مؤلفه ومجموعه، ~~ويستحسن موضوعه ومصنوعه، ويذكر من ذلك ما يؤدي إليه أقصى حرصه وجهده، ~~ويعتمد منه ما يتعين لكل مولى على مملوكه وعبده، بعد شكر الله الذي لطف ~~بأمة جعله مالكها، وأوضح به إلى الخيرات ممالكها، وأولى منه منة أقر بالعجز ~~عن فرضها من يحاوله، واسبغ نعمة تطامن لها من الشكر متطاوله، وأحيا به ملة ~~نسخت ما تقدمها من الممل، وحسم في اعتقاد عبوديته جميع الموانع والعلل، ~~فالقلوب إلى الاجتهاد في طاعته مسرعة مرجفة، والملوك في الانقياد لعظمته لا ~~متوقفة ولا متخلفة، فأبقى الله على الدهر بهجة سلطانه وملكه، وجعل من كفر ~~نعمته صريع بطشه وفتكه، وحكم مواضيه وعواليه في إراقة دمه وسفكه بفضله ~~وقدرته وعدله ومشيئته. # PageV01P033 # ولذلك خدم المملوك بهذا الجزء الذي ألفه وجمعه، وأودعه مختار ما سمعه، ~~وأضاف إليه ما استنبطه وابتدعه مما لم يعلم أحدا سبقه إلى ما عمله منه ~~وصنعه، وقصد في هذه الجملة أن يوجز ويختصر، إذ كان الواجب أن يعتمد على ~~اليسير ويقتصر، لأن هيبة المقام الأعظم تمنع ما يستطال وإن كان يستطاب، على ~~أن المثول بين يديه يبيح استيفاء الحجة وإن اتسع الخطاب، والله - عز وجل - ~~يهديه في خدمة مالكه أقوم جدد، ويريه من نعمه السابغة ما لا يحصيه عدد، فله ~~القوة والحول، وبيده القدرة والطول. ### | في الشكر الذي يصون النعم من الانتقال ويلزم تقديمه أمام كل مقال # إن الله ms060 تعالى جعل الشكر فريضة لا رخصة فيها، وطريقة لا يضل مقتفيها، ~~وكان لمن حافظ عليها وحالفها المزيد، ولمن عدل عنها وخالفها التهديد ~~والوعيد. قال الله - عز من قائل -: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد) فواجب أن تقابل النعم من الشكر بما يؤنس وحشيها، ~~وتواصل من الحمد بما يعطف أبيها، فإحسان مجاورتها مقرب لقصيها، وإجمال ~~مصاحبتها ملين لعصيها، والتضرع لموليها في حراستها يؤكدها ويجددها، والتوسل ~~إلى مسبغها في إدامتها يقيدها ويخلدها، ولازم لكل ذي عقل أن لا يجهل معرفة ~~قدرها، ولا يشتغل بسكرها عن شكرها، ولقد أحسن أبو إسحاق الصابي في قوله: ~~موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف؛ إن وجده لم يرم، وإن فقده لم ~~يقم. # PageV01P034 # وإذا عددت نعم الله التي أضفاها، ومننه التي أولاها ووالاها، ومواهبه ~~التي منحها كرما وتفضلا، وعوارفه التي جازى المعترف بها رضى وتقبلا، كانت ~~منقسمة إلى العموم والخصوص، ومستوجبة من الشكر ما ثبت في العقول والنصوص، ~~فالنعمة التي تخص ما تعلق بالمرء في ذاته ونفسه، والنعمة التي تعم ما كان ~~شاملا لنوعه، شائعا في جنسه، وهذا لا يكون إلا بالملوك الذين هم أولياء ~~النعم، وزعماء الأمم، وقد أدرهم الله جل وعز على ما يعمون به دواعي الشكر ~~ونصبهم - تبارك وتعالى - للأمر بالعرف والنهي عن النكر، ويتباينون في ~~التعمير والتدمير، فمن عدل منهم وأقسط، وأرضى في ذات الله وأسخط؛ فقد أنال ~~المتفيئ بظله أقصى أربه، ووجب على كل مكلف شكره وشكر النعمة به. ومن أبى ~~الحق وصرفه، ودفع الواجب وصدفه؛ فلا مجال له هاهنا ولا مسرح، ولا سمو ~~لناظهر في هذا الأفق ولا مطمح، والإجماع واقع من الحاضر بالدراية ومن ~~الغائب بصحة الرواية أن سيد ملوك الأرض بلا مدافعة، وأشرف سلاطين العالم ~~بغير ممانعة، وأكمل من كل من تقدم لما علم بالنقل، وأفضل من كل من يأتي ~~بمقتضى القياس والعقل مولانا الملك السيد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف ~~الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله ~~به ms061 الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي ~~حكم فأنصف وعدل، وسلك جادة الحق فما نكب ولا عدل ووضحت له طرق الشبه فانحرف ~~عنها وجار، وقضى بين البرية فما ظلم ولا جار، وتيقن برق الثواب مومضا ~~فتمثله وشامه، وتحقق التناصف بهيبته فما انتضى سيفه ولا شامه، ولذلك سما ~~بفخره ناظر الدين الحنيف وقره، وانزعج بذكره مضجع أول الكفر فما ثبت ولا ~~قر، وغدا كل ملك يكتفي بأيسر رضاه ويقنع، وكل مشمول بأنزر مواهبه لا يطلب ~~ولا يقنع، فإن يسأل عطاء يمنح الرغائب ويهب، وإن يباشر هيجاء لم يرع لما ~~التهب من ضرامها ولم يهب، هذا إلى ما له من المناقب التي آمنت الديار، ~~وأرخصت الأسعار، وحسنت الآثار، وأدرك الإسلام بها الثار، وانحسمت فيها مواد ~~الكفرة والأعداء، وبرئت الأحوال بطبها من المرض والداء وأمنت المطالب معها ~~من الخيبة والإكداء، فلا ثناء ينهض بواجب جزائها، ولا تقريظ يستقل بأول ~~أجزائها. فمن الواضح البين، واللازم المتعين، لنعمتي الخصوص والعموم، وإن ~~كان الشكر عليهما من المفروض المحتوم أن يقع التوفر على حق الموهبة التي ~~عمت وشملت، ويبالغ في ذلك طلبا للجزاء يوم (توفى كل نفس ما عملت) فقد نتجت ~~هذه المقدمة وجوب الإجماع على حمد مالكها وشكره وبعثت على تعمير المحافل ~~بنشر إحسانه وذكره، وقضت بأن يعطر بوصفه نسيم الشمال والقبول، ودعت إلى ~~مواصلة الدعاء له في مظان الإجابة والقبول، وفرضت بذل الاستطاعة في ذلك ~~توخيا للصواب، وجعل اعتقاده أفضل ذخيرة تورث للذراري والأعقاب، فأوزع الله ~~الكافة شكر النعمة على ما أصلح به من دنياهم، وألهمهم القيام بما يلزم قوما ~~أدركوا من السعادة ما لم يبلغه مناهم، ووفقهم لما يجب عليهم من فرض أكرم ~~كفيل منه للشريعة ونصير، وأنهضهم من الاجتهاد لما يقيم عذرهم في العجز ~~والتقصير، وأعان كلا منهم على مواصلته إلى حين المنقلب والمصير، إنه السميع ~~البصير، اللطيف الخبير، وهو - بعزته - على ما يشاء قدير. ### | من المعاني التي استنبطها المملوك وابتدعها واستخرجها فكره واخترعها # فمن أنشأ فيها شيئا من ms062 أدباء الوقت، وشعراء العصر؛ فإنما انتهج قصد ~~المملوك متبعا لدليله، واقتفى أثره محتذيا على تمثيله، وكل من تعرض لذلك - ~~وإن أحسن وأجاد، ورجح وأوفى وزاد - فللملوك مزية البداية، وحرمة الهداية، ~~وماتة الابتكار، وفضيلة يأمن فيها من الدفع والإنكار. # وقد وقع الإجماع على فضل واصل بن عطاء، وكشفه في البلاغة كل حجاب وغطاء، ~~ودل كلامه على القدرة في الفصاحة وبعد الغور واشتهر من أجل لثغته بحذف ~~الراء من لفظه، وهي حرف كثير الدور. # PageV01P035 # ومن المحكي عنه قوله - وذكر بشارا وكان يرمى بالزندقة ولهذا قتله المهدي ~~-: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! والله لولا أن الغيلة خلق ~~من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه! فقال: الأعمى، ولم ~~يقل: الضرير، وقال: المكتني بأبي معاذ، ولم يقل: بشارا ولا ابن برد، وقال: ~~من أخلاق الغالية، ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت إليه، ولم ~~يقل: لأرسلت (إليه) ، وقال: على مضجعه، ولم يقل على فراشه! ومما قيل فيه: # ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر # ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر # ومن اللغز الذي تضمن خبيا وسرا، وأحسن قائله إذ عمى فيه وورى، إلا أن ~~إيراده هاهنا يجعل خافيه ظاهرا، ومبرقعه سافرا قول الشاعر: # ولما رأيت الشيب راء بعارضي ... تيقنت أن الوصل لي منك واصل # فخص الراء لحفظه المعنى الذي قصده وإحرازه، وأحسن التوصل بواصل إلى ~~تجنيسه وإلغازه. # وللرستمي في الصاحب: # نعم! تجنب: لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء # ولما أكثر الناس من تقريظ هذا الفن ووصفه، وادعى قوم أن المتعرض له إنما ~~يخبر عن عجزه وضعفه؛ اعتمد المملوك تأمله وتدبره، واستنجد، فيما يعرب به، ~~رويته وتفكره، فلم ير أن يكون لهذه السبيل مقتفيا، ولم ترض له الخدمة ~~الشريفة أن يلفى في هذا الباب مصليا، فعمل في مولانا شعرا لم تجتنب فيه ~~الراء، وإذا قرأه الألثغ أفاد معنى يزول في استحسانه المراء، وكان في ذلك ~~من الإعجاز أن الصريح والمستعجم، ms063 والفصيح والمتلعثم إذا أخذوا ي ذكر أوصاف ~~مولانا لم يشكل اللفظ الذي يوردونه، ولم يستبهم المعنى الذي يؤدونه، ولم ~~يعتذر بأن اللثغة أفسدت المراد ولا حالت دونه، وتساوت في روايتها الآلة ~~الصحيحة والسقيمة، وتماثلت في تلاوتها الألسنة المعوجة والمستقيمة، وأجرى ~~المملوك ذكر هذه الجملة مع محمود ابن القاضي الموفق، إذ كان الإغراب في ~~الصفات الشريفة من مذهبه، والإبداع فيها من بغيته وأربه، فلما رأى هذه ~~الطريقة من أسلوبه وشرطه؛ بالغ في استحسانها وعمل لوقته: # وذات وجهين أتت بدعة ... غايتها في الحسن لا تبلغ # قافية رائية فيك لا ... يعاب في إنشادها الألثغ # وشفعه بأن قال: # يا ملكا فائض إحسانه ... في كل آفاق الدنى سائر # وصفك عندي ذهب خالص ... نظمي له حيث انتهى صائر # والذي عمله المملوك: # من شاء جمع معال قد خصصت بها ... وجاوزت كل حد لم ينل ( ... ) # وكيف تستطيع أن تحصي فضائلها ... وزندك الغر مهما تقتدحه (وري) # ثم رأى المملوك أن لا يخلي النثر من هذا النوع الذي تتعب الأفكار في ~~طلبه، وأن يورد فصلا يتوخى فيه ذكر الشيء على ما هو به، فعمل في وصف مالكه ~~ثبت الله قدرته، وأدام سلطانه ودولته: ملك أبان الله إعلاء رايته فازدانت ~~بأوصافها المحافل، وتاه الزمن بمحاسنه فهو عن الإساءة لاه رافل، قد سارت ~~بالألسنة والأفواه مدائحه، وصارت حلى المجامع والأندية منائحه، وأصبح ~~الكافة من ظله في رياض أنيقة، ورامت السماء إحياء للأرض فخدمته بذاك على ~~الحقيقة. # ولما انتهى إلى هذا الحد أمل خاطره عليه من غير روية، ونظم - عفوا - ما ~~يشهد بصحة هذه القضية: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره (عن كل إطراء) # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من (نظم وإنشاء) # ثم اقتضت فكرته، وأوجبت خدمته أن يجعل هذه القافية على وجوه من الروي، ~~عملا بما رآه منسوبا إلى ابن نباتة والشريف الرضي، لتشترك الحروف في حظ من ~~الشرف واف، وتتبين فضيلة مجيئها متناوبة في قواف. والمنسوب إلى الشريف وابن ~~نباتة: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا ms064 المقسم بين الخيل والإبل # يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي معتدل # والتعبير الأول: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والكوم # يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي محطوم # والثاني: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب # PageV01P036 # يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مخضوب # والثالث: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين السرج والكور # يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مكسور # والرابع: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المصيخ وإن لم يدعه الداعي # يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على شويج من الخطي زعزاع # والخامس: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والقود # يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشج من الخطي ( ... ) # والسادس: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والنوى # يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مدقوق # فهذه ستة تغيرات. # والذي صنعه الملوك في البيتين اللذين أوردهما على قافية الهمزة يستوعب ~~الروي فيهما جميع حروف المعجم الثمانية والعشرين، وقوم يجعلونها تسعة ~~وعشرين، فيضيفون إليها الحرف المركب من اللام والألف، ولا يجوز دخول المركب ~~في البسيط، وهي - على مذهب جماعة من المحققين - ثمانية وعشرون حملا على عدة ~~منازل القمر، ولذلك قالوا: إن لام التعريف إنما صارت تدغم في نصف الحروف ~~فتظهر عند نصفها؛ لأن نصف منازل القمر ظاهر أبدا فوق الأرض، ونصفها خاف ~~أبدا عن ظاهر الأرض. وقد بين المملوك ما عمله وهو - قد تقدم ذكر الهمزة -: ~~الباء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... حلت مفاخره في النظم والخطب # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من مستغرب الأدب # التاء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس البرية في الماضي وفي الآتي # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يرفع الناس أعقاب المناجاة # الثاء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الدعاء له في الأرض مبثوثا # تغايرت أدوات النطق فيك ms065 على ال ... ثناء مكتسيا منه وموروثا # الجيم: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مواهبه عن مطلب الراجي # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يريك ظلام الحندس الداجي # الحاء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... سعت عطاياه عما اعتيد من منح # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من وصف ومن مدح # الخاء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... تطرزت بمعاليه التواريخ # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف به كل ما يعدو منسوخ # الدال: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت أياديه عن وصف وتعديد # تغايرت أدوات النطق فيك على ... شكر يضاهي الأيادي غير محدود # الذال: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أرضى العوامل إمضاء وإنفاذا # تغايرت أدوات النطق في مدح ... عادت بها أكبد الأعداء أفلاذا # الراء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أفنى أعاديه لا زال منصورا # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منظوما ومنثورا # الزاي: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... قامت معاذير من في وصفه عجزا # تغايرت أدوات النطق في مدح ... ما حال من دونها عي ولا حجزا # السين: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أزال أطماع باغي شأوه الياس # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنوع في إحسانه الناس # الشين: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس الأنام فما حابى ولا حاشا # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يواصله الإنسان ما عاشا # الصاد: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غالي الثناء بما يأتيه مرتخص # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف له في محل المشتري حصص # الضاد: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... لا يبلغ المدح في استحقاقه غرضا # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مندوبا ومفترضا # الطاء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يبغي بأفعاله تقوى الإله فقط # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مما ليس فيه سقط # الظاء: # لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... بالحق إذ كان من يعدوك محظوظا # PageV01P037 # تغايرت أدوات النطق فيك على ... غر المغاني بلفظ ليس ms066 ملفوظا # العين: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الملوك له جندا وأتباعا # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس إعرابا وإبداعا # الغين: # لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... ونلت ما لم ينل ملك ولا بلغا # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنافس في إحكامه البلغا # الفاء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أعطى، فقال العدا: قد زاد في السرف # تغايرت أدوات النطق فيك على ... صفات ما حزت من فخر ومن شرف # القاف: # لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... وحزت ما جزت فيه كل مخلوق # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف صنيع بديع غير ملحوق # الكاف: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره لما غدا ملكا # تغايرت أدوات النطق في مدح ... وفي دعاء ملأن الأرض والفكا # اللام: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في القول والعمل # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يقصر عنه منتهى الأمل # الميم: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا به العدل بين الخلق مقسوما # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منثورا ومنظوما # النون: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في السر والعلن # تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف بليغ يحلي عاطل الزمن # الهاء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ركن الأعادي بماضي عزمه واه # تغايرت أدوات النطق واتفقت ... مع التغاير في ذكرى شهنشاه # الواو: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يزهى به الخلق فيما عاينوا ورووا # تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس فيما أظهروا ونووا # الياء: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا بمعروفه ميت الرجا حيا # تغايرت أدوات النطق فيك على ... مناقب ليس يخشى نشرها طيا # فقد جمع ذلك غاية ما تبلغه عدة التغيير، وعفو ما يقتضيه هذا المغزى من ~~التبيين والتعبير، وهو، وإن كان بعضه يتميز عن بعض، فإنه عاجل اجتهاد ~~المملوك في أداء اللازم الفرض. على أن هذا الغرض المقصود كثير الشعب، ~~والوصول إليه من العزيز العسير الصعب فإن أتى غير معجب فلوعورة مطلبه، ms067 وإن ~~أبى إلا جودة فلسعادة من خدم به. # ومن ضروب التعبير التي دعت الاستحسان فلباها، وفخر بها مبدعها وباهى، ما ~~ينشد مرفوعا ومنصوبا كقوله: # إذا طال النهار علي يوما ... دعوت له فقصره رياد # حديث يعجب الحكماء منه ... ويونق حين يسمعه الفؤاد ### | فصل في ذكر خيمة الفرج # لما خرجت أوامر مولانا - ثبت الله دولته - بإنشاء خيمة للنظر، وعمل فازة ~~تتكفل بمصالح البدو والحضر؛ امتثلت مراسمه السامية في إنشائها ووقعت ~~المسارعة إلى انتهاج تمثيلاته واحتذائها، فجاءت توفي في الجلالة على إيوان ~~كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها الفسيحة خاسئة حسرى، إذ كانت مناسبة ~~لأمثالها من المنازل الشريفة في الاتساع، ومجانسة لأنظارها من المقامات ~~الكريمة في السمو والارتفاع، وتضمنت من صور ناطق الحيوان وصامته ما أحاط ~~بالحسن واستولى على غايته، تخالها حومة وغى لما اجتمع فيها من المقانب ~~والجيوش، أو بيداء لا محيص عنها لأنواع السباع والوحوش، قد حوت آفاقها ~~متضاد الحيوان بلا أذى ولا ضير، فكأنه فيها سليمان وقد حشر له جنوده من ~~الجن والإنس والطير، وفي يوم إظهارها ونصبها، واستقرار جلوسه الأشرف الأسنى ~~بها، وهب الأموال الجمة، وعم بالإحسان الأمة، ونشر الرأفة والرحمة، وسامح ~~بالكبائر والعظائم، وصفح عن الجرائر والجرائم، وأنعم بما لم ينعم به أحد من ~~ملوك الدهر، واستخلص الضمائر بالدعاء له في السر والجهر، فتضوعت بالأرض من ~~الثناء عليه بأعطر أرج، ووقع الاتفاق على تسميتها بخيمة الفرج، ووصفها ~~الشعراء وصفا أجادوه وأحكموه، وأحسنوا فيما صنعوه منه ونظموه. # فمن ذلك قول ابن الحواري: # وبنى للمجد فوق السبعة الأفلاك فازه # لو رأى كسرى سناها ... صاح إعجابا بها: زه # PageV01P038 # ومن تأمل هذا الشعر البديع، وتدبر هذا التركيب الصنيع، وجد فيه ما لا ~~يأبى استحسانه طبع سامع، وعلم أنه مما لا يظفر به كل طامع. # وقد استحسنوا هذه اللفظة - أعني: زه - في قول الأول - وهو مما يتغنى به: # في مثل هذا يحسن البلوى ... ليس على عاشق ذا عدوى # وكل من أبصره قال لي ... زه يا فتى تحسن أن تهوى # فإذا كانت مع ضعفها في ms068 الحشو مستجادة مستحسنة، فما الظن بها وقد أتت ~~قافية قوية متمكنة؟ وعلة فضيلة التقفية أنها أقصى ما يحصره الوزن، وآخر ما ~~يلقاه السمع، وبهذا احتج مفضل المقاطع على المطالع؛ فإذا كانت القافية مدى ~~الشعر، ومنتهى حده، وغاية ما يبلغه مما لا مطلب من بعده؛ فلا غرو أن تكون ~~مدح مولانا إذا تؤملت قوافيها مشتملة على الألفاظ التي لا تحسن في شيء ~~حسنها فيها؛ إذ كان آخر ملوك الدنيا وقتا وزمانا، وإن كان أولهم شرفا ومجدا ~~وسلطانا: # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى # فذلك # إذ أتى متأخرا # ولهذا فضل البيت الذي يكون المستحسن في آخر أجزائه، على البيت الذي ~~يتضمنه حشوا في تضاعيفه وأنحائه. على أن من الحشو ما لا تخفى بهجته، ولا ~~تجحد فضيلته. # حضر المملوك يوما بين يدي الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة فجرى ذكر ~~الحشو في الشعر فأنشد لأبي الشيص: # حلي عقال مطيتي ... لا عن قلى # وامضي فإني # يا أميمة # ماض # وقال: قوله: لا عن قلى، فضلة لا يفتقر المعنى إليها فلهذا سميت حشوا، وقد ~~جاءت في الحسن على ما ترى. # ولم يكن المملوك تنبه على ذلك من البيت وإن كان من حفظه فاعتده من فوائد ~~مجلسه، وأضافه إلى ما أخذه عنه من نظائره، وأنشده المملوك قول ابن حيوس: # وجاد بنفس لا يجود بمثلها ... مع العلم بالعقبى نبي مقرب # إذ كان قوله: مع العلم بالعقبى، من أحسن ما جاء في هذا الباب. # ولم يذكر ما جاء من الحشو: بحاشا، وما تصرف منها نحو قول المتنبي: # ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها # وحاشاك # فانيا # وقول الآخر: # مواهب شتى لو عدتني ... وحوشيت # كفاني ما أحرزته متسلقا # وقوله: # ولو أن ياجوج استعانوك مرشدا ... وحوشيت من إرشادهم خرقوا ( ... ) # لأن ذلك مما أكثر الناس فيه، فلا لذة في المحاضرة به. # ومن مليح الحشو قول نصيب: # فكدت ... ولم أخلق من الطير # أنني # أعار جناحي طائر فأطير # فقوله: ولم أخلق من الطير، من مستحسن ما أتى من هذا النوع. # وقول عوف ms069 بن محلم لعبد الله بن طاهر: # إن الثمانين ... وبلغتها # قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # على أن قوله: وبلغتها، معدود في الالتفات عند قوم، وفي التتميم عند ~~آخرين. # وقول ابن المعتز يصف خيلا: # صببنا عليها ... ظالمين # سياطنا # فطارت بها أيد سراع وأرجل # فقوله: ظالمين، من بديع الحشو. # وقول مهيار: # وكم ... ثم # من مسترزق حلفت له # لهاك # وبرت # أنه لا يخيب # فقوله: وبرت، لفظة يتم المعنى دونها إلا أنه تبرع بها، فتضاعف المدح ~~بسببها. # وقوله: # لو أن الورى أهلي لكنت وأنت لي ... أقوم بهم مستظهرا وأمو (ن) # فإحسانه بقوله: مستظهرا، مما لا يستطيع أحد جحده، ولا يسد غيره مسده. # وقوله: # عزي بنفسي ولكن زادني شرفا ... أني إليكم إذا باهلت أنتسب # فأبدع بقوله: إذا باهلت، لأنها أفضل ما ورد مع النسب. # وقول ابن أبي الشخباء: # يصرف الأمر في الآفاق خاتمه ... ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه # فقوله طوعا، مما تطوع به فأغرب، وأتى منه بما أعجب به وأطرب. ونظائره ~~كثيرة. # ومن مليح ما قيل في الخيمة المنصورة قول ابن زيد الأنصاري: # أخيمة ما نصبت اليوم أم فلك ... ويقظة ما نراه منك أو حلم # ما كان يخطر في الأفكار قبلك أن ... تسمو علوا على أفق السها الخيم # حتى أتيت بها شماء شاهقة ... في مارن الدهر من تيه بها شمم # إن الدليل على تكوينها فلكا ... أن احتوتك وأنت الناس كلهم # والطير قد لزمت فيها مواضعها ... لما تحققن منها أنها حرم # PageV01P039 # تغدو القماري والبازي يحفظها ... كأنما بينهم في جوها رخم # كأنها جنة فالقاطنون بها ... لا يستطيل على أعمارهم هرم # إن أنبتت أرضها زهرا فلا عجب ... وقد همت فوقها من كفك الديم # وقول الآخر: # عزت على الشعراء مدحة خيمة ... فوق النجوم أساسها أشطان # لما مثلت بها ظننت بأنها ... دار الخلود أباحها رضوان # مما عارض المملوك فيه من سبقه، وبعثه على إيراده رضى من استجاده ~~واستوقفه. # قد بالغ الناس في استحسان قول ابن سورين فيما كتب به عن الإمام الحاكم ~~بأمر الله عليه السلام إلى عامل القدس في إخراب ms070 قمامة وهو: صر إلى قمامة؛ ~~فاجعل طولها عرضا، وسماءها أرضا. واتفق للملوك لما سمع هذا الفصل أن ~~استحسنه، واستجاده على حسب ما أمكنه، فلم يقنع مورده بما وصفه به وقرظه، ~~فاعتمد في تكثير المدح ما أثقل السمع وبهظه، فقال المملوك: لو قال صر إلى ~~قمامة فأزل باطلها، واجعل عاليها سافلها. # أو قال: فعفها بالمحو والطمس واجعلها حصيدا لم تغن بالأمس، لكان أشرف ~~لترصيعه اللفظ بالقرآن، وترتيبه المعنى في أعلى طبقات البيان. # فقال راوي فصل ابن سورين: فضيلة هذا الفصل قلة حروفه، وفرط إيجازه، وإن ~~من تحدي به على حقيقة تعذره وإعجازه. # فقال المملوك: أنا أذكر هذا المعنى بلفظ أصنع وأقصر، ومعنى أجمع وأحصر، ~~فطولب أن يوفي الضمان، وقيل له: من نقض مان، فقال ما لا موضع فيه لحذف ولا ~~سبيل إلى تحقيقه بحركة ولا حرف، مع استيفاء المعنى، وأن أحدا لا يجد فيه ~~طعنا. وهو: صر إلى قمامة، فعجل لها القيامة. # ففضل هذا الفصل على الأول أضعافا، وبولغ في وصفه إلى أن تفادى المملوك ~~وتعافى؛ وعلة ذلك أن هذه الأيام الشريفة التي فخرت بمالكها على غيرها من ~~العصور، وخرجت فضائلها عن المحدود والمحصور، قد فاضت أنوارها على كل عالم ~~ومتعلم، وسرى شعاع سعدها إلى كل ناطق ومتكلم، ولما اتفق كون هذا الفصل في ~~التعفية على متعبد أهل الشرك، وتدمير ما يصنعونه فيه من الضلال والإفك؛ ~~اختصره مملوك مولانا كما اختصرت مشرفيه أعمارهم وآجالهم، وضيق فيه على ~~مقتفيه كما ضيقت هيبته منفسحهم ومجالهم، عملا بالهذيبات المالكة (على ما ~~اقتضته الشيمة الفاضلة) ، وتأدبا بالتثقيفات الأفضلية بحسب ما وصلت إليه ~~آلته القابلة، والله يمد ظلها فهو أفضل موجبات هذه الدنيا وأسباب وجودها، ~~وموزع الكافة شكر النعمة فيما غمرهم من كرمها الفائض وجودها، بفضله وقدرته ~~وطوله ومشيئته. ### | فصل من نادر ما جاء في بابه وأقوى دليل على إبداع قائله وإغرابه # قال أبو عبد الله التميمي اللغوي المعروف بالقزاز لبعض تلاميذه: # أحاجيك عياد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلا من صديق وصاحب # فأجابه: # سأكتم حتى ms071 ما تحس مدامعي ... بما انهل منها من دموعي السواكب # فكان تصحيف: عياد كزينب، بعد عكسه: سرك ذائع، وقال الآخر: سأكتم، فأجاب ~~على الظاهر إجابة حسنة، وتصحيف: سأكتم، بعد عكسه: منك أتيت، وفيه مقابلة ~~لقوله: ولم تؤت إلا من صديق وصاحب والمملوك يقول: معجز هذه الحكاية أن ~~المجيب ذكر كلمة كل من مستقيمها وتصحيف معكوسها جواب لما حوجي به. # وتسمية هذا النوع المحاجاة لدلالة الحجى عليه. # وعلى ذكر التصحيف فمن بديعه: نصحت فضيعت، وهو تصحيف صعب. وقولهم فيما ~~يصحف بعد عكسه: أذناه جرح يسيل. # وهذا: ليس يحرجه أبدا. ### | فصول تشتمل على ضروب أبدع البلغاء فيها وأحسنوا، وتنوعوا في أصنافها وتفننوا في خدع # البيان وتمويه الفصاحة # حكى حسن بن محمد البسامي قال: رأيت علي بن با منصور الديلمي، وكان من ~~مفاخر الديار، وله شعر يدل على غزارة أدبه، وحسن طريقته في النظم ومذهبه ~~كقوله: # ترى في ابيضاض الكأس حمرة خده ... فتحسبها ملأى ولا شيء في الكأس # قال البسامي: وكانت رؤيتي إياه بحمص جالسا على بعض الدكاكين، وكان أعور، ~~فاستثقلت شخصه، وقيل لي: إنه شاعر فأردت العبث به فقلت: أيها الشاعر، عملت ~~في عورك هذا شيئا؟، وانتظرت أن ينقطع ويخجل، فقال: نعم، وأنشدني: # لست آسى لفقد إنسان عيني ... وجميع الجمال في معتاضه # وحبيبي من مقلتي أخذ الخا ... ل وأعطى سوادها من بياضه # فاقشعر بدني منه، وعلمت أنه من الصيد الذي لا يحل أكله! # PageV01P040 # وحكي عنه أنه تعشق صبيا أعور فقال فيه: # له عين أصابت كل عين ... وعين قد أصابتها العيون # قال بعض الفضلاء: أظنه قال هذا الشعر لما اعتن معناه في نفسه، ثم طلب ~~أعور يعشقه ليجعله معرضا لقوله، فقد هون بفصاحته المستكره، وحسن ببلاغته ~~المستقبح. # ومن أحسن ما جاء في ذلك ما ذكره التميمي في سيرة الحجاج من أن عبد الملك ~~بن مروان أمر بعمل باب في بيت المقدس يكتب عليه اسمه، فسأله، الحجاج أن ~~يأذن له في عمل باب أيضا، فأذن له، واتفق أن وقعت صاعقة احترق فيها باب عبد ~~الملك، ms072 وسلم باب الحجاج، فعظم ذلك على عبد الملك فكتب الحجاج إليه: بلغني ~~أن نارا نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين، ولم تحرق باب الحجاج، ~~وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر! فسري عنه لما وقف على الكتاب. # وكان طاهر بن الحسين وهو في قتال المخلوع قد جعل دراهم للصدقة في كمه، ~~ونسيها، فأسبله، فتبددت الدراهم - وهو لا يعلم - فلما ذكرها تطير من ذلك، ~~فأنشده أحد الشعراء: # هذا تبدد جمعهم لا غيره ... وذهابها عنكم ذهاب الغم # شيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إماكه في الكم! # وذكر المملوك بالبيت الثاني قول محمد بن أبي سعيد؛ أحد المحدثين: # ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجز وإنذار # فتنا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم، وآخر ذا نار # وكان خالد بن يزيد بن مزيد تقلد الموصل في أيام المأمون، فلما دخلها مر ~~بأول درب منها اندق اللواء، فاغتم لذلك، وعظم عليه، فقال مروان بن محمد ~~المعروف بأبي الشمقمق بديها: # ما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى، ولا صرف يكون معجلا # لكن هذا الرمح ضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا! # فكتب صاحب البريد يخبره إلى المأمون، فزاده المأمون ديار ربيعة، وكتب ~~إليه: هذا لتضعيف الموصل متن لوائك، فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف منهم ~~وشخص إلى ديار ربيعة. # فقوة البراعة حكمت بالاقتدار على مدح ما عادته أن يذم، وجودة العبارة ~~ختمت باستحسان ذم ما عادته أن يمدح، كما قال عبد الله بن التوأم يذم النخلة ~~التي طاب جناها، وزاد نفعها وتناهى: إنها صعبة المرتقى، مهولة المجتنى، ~~بعيدة المهوى، حسنة المس، قليلة الظل. # وكما حكي عن سهل بن هرون من أنه عمل كتابا يمدح فيه البخل، ويذم الجود، ~~ليري بلاغته، وطول لسانه، وأهداه إلى الحسن بن سهل. إلا أن الحسن وقع عليه: ~~لقد مدحت ما ذمه الله، وحسنت ما قبحه الله، وما يقوم صلاح لفظك بفساد ~~معناك، وقد جعلنا ثوابك ms073 عليه قبول قوله فيه. ولم يعطه شيئا. # وقد اعتمد جماعة من البلغاء مدح الشيء وذمه إظهارا لاقتدارهم، وإبانة عن ~~محلهم ومقدارهم، وعملا بقول القائل: ما من شيء إلا وله وجهان؛ فالمادح يذكر ~~أحسنهما، والذام يذكر أقبحهما. # وقد روي عن عيسى - عليه السلام - أنه مر هو وأصحابه على كلب ميت فقال ~~بعضهم: ما أنتن ريحه، فقال عيسى - عليه السلام -: ما أشد بياض أسنانه. فسلم ~~لعائبه ما ادعاه من مساوئه، وذكر من محاسنه ما لم ينازعه فيه. # والمملوك يقول: إن من أبدع الكلام قول الحكيم: لا عشت ليوم أمدح فيه ما ~~ذممته، ولا أذم فيه ما مدحته؛ ذلك يوم ظفر الهوى بالرأي. ### | ومما يلحق بهذا الباب # أن يأتي ذم لا تكون المبالغة فيه إلا باللفظ الذي يكون مدحا لغيره، ~~كقوله: # شاهين موسى وإن أرضتك عفته ... أبر منه وأتقى باز عمران # وباز مالان لا تنجو طريدته ... ولو أتت بأمان من سليمان # فالعفة والتقى مبالغة في ذم الجوارح، وهما من أفضل ما يمدح به غيرها. ### | في تناوب الأعضاء # وهو مما يدل على تجويد الشاعر وقوة تصرفه، ومضاء خاطره وقلة توقفه، ومن ~~أحسن ما جاء في ذلك قول أبي الطيب: # وجحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان # وقوله: # كأن الهمام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد # وحكى ابن رشيق قال: جلست يوما إلى ابن حديدة الشاعر وأنا سكران، فسألني ~~عن حال المكان الذي خرجت منه، فوصفته، وأفضى بي الحديث إلى ذكر غلام كان ~~ساقيا، فقلت في درج الكلام: # فشربتها من راحتي ... ه كأنها من جنتيه # وقلت: أجز، فقال: # PageV01P041 # وشممت وردة خده ... نظرا ونرجس مقلتيه # فقلت: أحسنت، وجودت شمك بالنظر، كسماع أبي الطيب بالبصر حيث يقول: # خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا # وهذا - وإن لم يكن من هذا الباب من كل جهة - فهو من أولى ما أورد معه. # وكذلك قول مهيار: # خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم # لأن النوح والبكاء ليسا عضوين. # ولابن رشيق في جواب كتاب: # أسمعت ms074 عيني ما اشتهت ... بلسان هاتيك اليراعة # وقول الشريف الرضي: # عزني أن أرى الديار بعيني ... فلعلي أرى الديار بسمعي # وكان المملوك يوما مع صديق له وهما سائران في الطريق، فلقيهما ضرير، فلما ~~سمع وقع حوافر الدواب؛ جعل يتوقف ويتحسس، وأخذ يتنصت ويتجسس، فقال المملوك ~~لرفيقه: تأمل هذا الضرير كيف يتبصر بسمعه ولم يكن شيء من هذا الباب حينئذ ~~على ذكره، فاستجاد العبارة، واستحسن الاستعارة. # ولأبي الطيب: # خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها لقصدك الأقدام # ولحسن بن عبد الصمد: # تعطي وسمعك بالملام مشنف ... فكأن راحتك الكريمة تسمع # ولابن حيوس: # قواف هي الخمر الحلال وكأسها ... لساني ولكن بالمسامع تشرب # وقد أجاد ابن القمي وزاد بقوله: # ولي سنة لم أدر ما سنة الكرى ... كأن جفوني مسمعي والكرى العذل # ونظائره كثيرة. # قد قدم المملوك في صدر هذا الجزء اعتذاره في ذكر القليل وإيراده، ~~واحتجاجه على توخي اليسير واعتماده، لما خص به المقام الأعظم - ثبت الله ~~سلطانه - من المهابة التي تحجز عن الإطالة، وتمنع من دواعي السآمة ~~والملالة، ولولا ذلك لتوسع فيما يجمعه، واستكثر مما يصنعه، تقربا إلى مالكه ~~باجتهاده، وحرصا على تطلب الحظ وارتياده، والله تعالى يقضي له بارتضاء خدمه ~~وإن كانت مختصرة لطيفة، ويجعل السعود - أبدا - محدقة بمجلس مالكه مطيفة، ~~ويوزعه شكر النعمة فيما ناله من إحسانه وشمله، ويبلغه في الخدمة الشريفة ~~بغيته ورجاءه وأمله، بمنه وطوله وقدرته وحوله إن شاء الله عز وجل. ### | رسالة ### | مناجاة شهر رمضان # # مناجاة شهر رمضان # أيام المواسم مكرمة مفضلة، وأوقاتها مرفوعة أعمالها متقبلة، بدليل فضل ~~شهر رمضان عند من علمه وعرفه، وحصول الإجماع على ما شرف الله تعالى به يوم ~~عرفة، فالصائم إذا نادى لباه الله - سبحانه - وأجابه، والمؤمن إذا ناجى حرم ~~الله رده ومنع حجابه، لأنه كتب على نفسه قبول ما كان له - جل وعلا - فيه ~~رضى، وجعل فاعل ذلك لا يخاف مخالفا فيه ولا معترضا. # PageV01P042 # ولما أهل شهر رمضان على المقام العالي المالكي السيدي الأجلي الأفضلي ~~الجيوشي، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة ms075 ~~المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام الله ~~قدرته، وأعلى كلمته، مؤذنا باتساع قدرة تخدمها الأفلاك، ومبشرا بانفساح مدة ~~تخضع لها الأملاك، وكانت الحضرة العالية المالكة - ثبت الله دولتها، ونصر ~~ألويتها - مخصوصة بالتوفر على الخير والبر، حريصة على الطاعات في الجهر ~~والسر، متحققة أنها الأفعال التي يتقرب بها إلى الله تعالى ويتوصل، ~~والذرائع التي يتحرم بها عنده ويتوسل، والدواعي إلى الثواب الجزيل في ~~العاجلة والعقبى، والمساعي التي من لزمها كان الله حزبا وللشيطان حربا، وقد ~~علمت - خلد الله ملكها، وأدام في أعداء الدين فتكها - أن المجتهدين في ~~الأدعية اثنان: إما سالك في ابتهاله مسلك الطالب الراغب، أو معدد في ~~مناجاته ما لله عنده من المنائح والمواهب، ولا خلاف أن من عدد الإنعام أفضل ~~ممن طلبه، ومن اعترف بالإحسان أشرف ممن رامه وخطبه، وأنه لا حجة لها على ~~الله - عز وجل - لأنه استخلفها على البسيطة لما كانت أفضل الخلق، وارتضاها ~~لتدبير الخليقة لما هي عليه من العمل بالعدل، والحكم بالحق، وانتضاها ~~محامية عن دينه الحنيف وتوحيده، وشرف اعترافها عن عدول الجاحد ومحيده، ~~فأولى ما ناجته به وصف نعمه التي لا تحصى بعدد، وشرح منحه التي يلزمها ~~ذكرها دون كل أحد، لأنها محظورة على كافة أهل الأرض؛ والناطقين فيها، ~~ومحرمة أن يتفوه بها بشر إلا أن يكون إيرادها من شريف فيها. فلذلك خدم ~~المملوك بهذه المناجاة التي عظم بها القدر عند الله تعالى والجاه، وجعلها ~~مشتملة على تعديد النعمة، واستمطار الكرم والرحمة، والله تعالى يمد عليه ظل ~~مالكه، وينهضه بخدمته، ويديم على الدنيا والدين عز سلطانه، وبهجة دولته، ~~بفضله، وطوله، وحوله، وقدرته. ### | وهذا ابتداء المناجاة # رب! قد آتيتني من الملك. # اللهم إنك قد فضلتني على بريتك، ونصبتني لتدبير خليقتك، وارتضيتني محاميا ~~عن كلمة توحيدك، وعرضتني بذلك لمضاعفتك النعمة عندي ومزيدك، وخصصتني بما لم ~~ينله ملك في قديم الإسلام ولا حديثه، وجعلتني ممن يتفق كل ناطق في وصفه - ~~جل قوله - وحديثه، وعصمتني أن أجحد نعمك وأكفرها، وألهمتني أن أهب ms076 الجرائم ~~وأغفرها، ما لم يكن ذلك حائلا عن إقامة الحدود، أو حاجزا عن الانتقام من ~~أهل الشقاق والمردود. # اللهم إنك قد حفظت بي من الدين القيم ما أضاعه ملوك الوقت، وجعلت ذلك ~~قاضيا لي بالمحبة وحاكما عليهم بالمقت، وحبوتني من الكافة بصفاء الضمائر ~~وخلوصها، وساويت بين سرائرهم في عموم مشايعتي وخصوصها. # اللهم إنه قد أشرف هذا الشهر الشريف الذي فضلته على جميع الشهور، وميزته ~~في متقادم الأزمنة والدهور، وعظمته بما أنزلته في ذكره ووصفه؛ فقلت في ~~كتابك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: (شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) . # وجعلت فيه ليلة القدر التي لم تزل أعمال من أحياها إليك صاعدة، والمخصوصة ~~بنزول القرآن إلى سماء الدنيا فيها جملة واحدة. # اللهم فأعين على صيامه وقنوته، وأنهضني بما يجب له في أحيان ذلك ~~ومواقيته، ووفقني لما يرضيك من عمل نهاره وليله، وأذهب عني رجز الشيطان ~~الذي يجلب على المؤمن برجله وخيله، واجعل نصيبي من ثوابه كمنزلتي من ~~اصطفائك، وحظي من أجره أجزل حظ مننت به على عبيدك وأوليائك. # اللهم إنك أعلم بمصالحي مني، وإن أيسر جزء من إحسانك يتجاوز غاية التمني، ~~فبحرمة ما تعلمه من باطني وسريرتي، وما تطلع عليه من صحة عقيدتي وطهارة ~~نيتي، وما ألهمتني إياه من بث العدل في الرعية، والعمل بمرضاتك في هذه ~~البرية؛ إلا مددت في عمري وأصحبتني التأييد في جميع أمري، وجمعت لي ~~الحسنيين في القول والعمل، وبلغتني في طاعتك غاية المطلوب والأمل. # اللهم واقض لي أن يكون هذا الشرع الشريف محروس النظام بي، واجعل حمايته ~~في عقبي كما كانت من قبل من أبي. # اللهم وامددني من الحظوظ الملكوتية والسعود اللاهوتية بما أمددت به ~~أنبياءك الذين حكمت بعزتهم، وحتمت بقوتهم، وقضيت بانتشار دعوتهم، وتأذنت ~~بظهورهم وإعلاء كلمتهم. # PageV01P043 # اللهم وألن في طاعتي القلوب القاسية، ومكن قواعد مملكتي لتكون راسخة ~~راسية، واجعل الألسنة بصالح الأدعية لي لا غافلة ولا ناسية. # اللهم وأعني على ما استرعيتني ووفقني فيما ms077 استصلحتني له وارتضيتني، ~~وأيدني بروح منك لتصلح شؤوني، ويصح تدبيري، وأرشدني إلى ما يحظى لديك عند ~~مآلي إليك ومصيري، يا من لا يرد من أخلص في دعائه، ولا يحرم من وثق بعطائه، ~~ولا يخيب من استمسك بالعروة الوثقى من تأميله ورجائه. إنك اللطيف الخبير، ~~وأنت على كل شيء قدير. # (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين، ~~محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما، (وقالوا: حسبنا الله ~~ونعم الوكيل) . ### | رسالة سماها عقائل الفضائل # أفضل الكلام أصدقه وأنفعه، وأشرف البيان أسبقه إلى الفهم وأسرعه، ولقد ~~حكي عن المأمون أنه قال: أريت في المنام رجلا على الهيئة التي يوصف الحكماء ~~بها، خيل إلي أنه أرسطاليس، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقلت له: أيها ~~الحكيم، ما خير الكلام؟ فقال: ما يستقيم في الرأي، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما ~~يدل قليله على كثيره، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما لا تخشى عاقبته، قلت: ثم ~~ماذا؟ فقال: لا ثم! فإذا كان غاية الوصف الذي ختم به مقاله أن يكون المتكلم ~~كفافا لا عليه ولا له؛ فالكلام الذي يوجب أجرا أوفى رتبة وأعلى، والمقال ~~الذي يذهب وزرا أسنى قيمة وأغلى، وذلك لا يجود إلا في تعظيم الله وحمده، ~~ومواصلة شكره الذي به استنجاز وعده. والصلاة على سيد المرسلين محمد نبيه ~~وعبده، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أول من آمن به وتمسك بعهده، ~~وعلى الأئمة من ذريته، العامل كل منهم في سياسة الأمة بغاية جهده، ثم ~~الثناء على كل ملك وقع الاتفاق على فضله، وتساوت رعاياه في إنصافه وعدله، ~~وحاز الشكر بلسان الإجماع، وألقت شيمه التنافس بين الأبصار والأسماع. # ولما كان مولانا الملك أفضل ملوك هذه الدار، وأعدل من أعين بمساعدة ~~الأقدار، وأشرف من خدمه التوفيق في الإيراد والإصدار، ومن أبى في أحكام ~~الأمة سوى مساواتها، وملك القلوب فكان أحق بها من سويداواتها، وأولى من ~~النعم ما أوفى على السؤال والأرب، وبنى للعجم من الشرف مثل ما بناه رسول ~~الله للعرب، ولم ms078 يرض عند الله تعالى بدون المنزلة العظمى والدرجة العليا، ~~فاشترى الدار الآخرة بحسن سيرته وأفعاله في هذه الدار الدنيا. # كان أوفى ما استعمله الناطق، وأولى ما استكثر من الإخبار به الصادق؛ أن ~~يورد من خصائصه وصفاته، ويذكر من أفعاله وحسناته ما يتوخى فيه قول الحق ~~والصواب، وينال به عند الله جزيل الأجر والثواب. وحين عزم المملوك على ذلك ~~رأى أن الكلام يشرف بمن ينسب إليه ويعزى، وجلالة الموصوف تكسب الواصف ~~افتخارا وعزا، وقد قيل: إن القول يعظمه قائله، ولو قلت عقائله، فكيف إذا ~~جمع المعنيين، ولم يكتف بإحدى الحسنيين؟! وقد وصف مولانا الملك من الأئمة ~~الخلفاء - صلوات الله عليهم - بما لا يحصيه عدد، ونال من ذلك ما لم ينله ~~قبله أحد. والمملوك يقتصر من هذا الباب على فصول من جملة ما أنشأه عن ~~الحضرة الطاهرة الآمرية - صلى الله عليها - مما ثبت في السجلات، وصدر إلى ~~الأعمال والجهات، فتوج فروق المنابر، وبين عن الشرف الذي ورثه مولانا الملك ~~كابرا عن كابر، واستوطأ مهادا من قبل كل سامع، وتضوع أرج ذكره في المحافل ~~والمجامع، فهو - ثبت الله سلطانه - مستقر في دار مملكته السعيدة، وأحاديث ~~فضله تجول في البلاد القصية والأماكن البعيدة. ### | ### | فصل # اتفق في أسجاعه اللفظ والخط دون المعنى # PageV01P044 # ولقد انتضى الله عز وجل لإعزاز الدين، وارتضى لتدبير الدنيا من يضاعف ~~جزاءه يوم الدين؛ الملك السيد الأجل الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ~~ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي استظهرت ~~المملكة بعزماته على كل مخالف ومعاد، وأبت مفاخره كل مكرر من الصفات ومعاد، ~~وحفظ معاقد الملة من أن تختل أو تحل، وصان محظورات الشريعة من أن تباح أو ~~تحل، وساس أمور الكافة ببأسه الشديد ورأيه الصليب، وصرف عالي همته إلى ~~إعزاز التوحيد وإذلال الصليب، وأمضى في حياطة الإيمان مرهفا ماضي الغرار، ~~وأسهر جفنه في مصالح الأمة فما يطعم من الكرى غير الغرار، فالإجماع واقع ~~على أنه أشرف من رفع للمجد علما وراية، والاتفاق حاصل في كونه أفضل من وقف ~~على ms079 الخيرات نظره ورأيه، ولهذا نجح قصد راجيه وسائله، وأصبح لديه تأميل ~~مؤمله من أعظم وسائله، فلا زال باب اعتزامه في فل الخطوب غير مرتج، وزند ~~عطائه غير كاب بعنان ولا مرتج. ### | ### | ### | فصل # # فتدبيره أبرز الدولة الفاطمية في أجمل المعارض، وجعل آيات مجدها متلوة ~~بلسان المخالف والمعارض، لأنه شيد مبانيها باصطفاء الأنجاد، وحمى الدين وقد ~~قعد الملوك عن النصرة له والإنجاد، وانتصب لصالح الأمة يستمد أسبابها ~~ويجتلبها، واجتهد في منافع الكافة يستدر أخلافها ويحتلبها، فالأفهام ~~متواطئة على أن هدايته أرشدت الألباب الحائرة، والأحوال ناطقة بأن معدلته ~~أذهبت الأحكام الجائرة، فالله يخلد نظره ما تتابع ليلة ويوم، ويشيد مجده ما ~~تعاقب على الأجفان يقظة ونوم. # فصل # إن الله عضد الخلافة منه بكفيل تكفلت بحياطة الملة صرائمه، وخليل تجردت ~~لإيالة الإسلام صوارمه، وحفيظ وضحت مفاخره وضوح ضياء الشمس، وحسيب اجتمع له ~~فضيلتا كرم الأصل وشرف النفس، ومليك أوجبت خلاله تشوف الغد، وقضت بتلهف ~~الأمس، ولذاك آتاه الله من الخصائص التي فاضل بها عظماء الأرض طرا، وحباه ~~بالمآثر التي طال بها ملوك العصر شما كريمة وأفعالا غرا. # فصل # وكيف يبلغ الحمد مدى هممه، أو يؤدي القول فحوى شيمه، وقد بدد جموع الضلال ~~ذباب قواضبه القاضية، وسرد أسود الأقيال تغالب أسنته الضارية، وأورد دماء ~~الأعداء حوائم سهامه الظامية، واستنطق عصره مفتخرا على الأيام الخالية، ~~بأيامه الحالية، فبكفالته اغتباط الدولة وابتهاجها، وإلى مكارمه معرج ~~الآمال ومعاجها، وبتدبيراته الميمونة ظهر برهان الدولة الآمرية وثبت ~~احتجاجها، ولا خلاف أن أعطاف مجده لائقة بها ملابس التعظيم، وأن ملوك الأرض ~~قد أقرت له بفضيلة التقديم، وأنه قد حاز تالد الفخر وطارفه، فلم يحتج قديمه ~~إلى حديث، ولم يفتقر حديثه إلى قديم. ### | فصل مما كتب به عند مقامه بالفرما لتقرير أمر الجهاد وتدبيره، والعمل بما يؤدي إلى # هلاك العدو وتدميره # وأمير المؤمنين يقول مخبرا، ويورد مقتصدا مقتصرا. إن المنة به أكبر من أن ~~يوفى حقها باعتداد، وأعظم من أن يؤدى فرضها بمبالغة في الشكر واجتهاد، ~~وأسنى من أن يحيط بها ms080 وصف أو شرح، وأعلى من أن يناهضها تقريظ أو مدح، إلا ~~أن البلغة من أوصاف مفاخره واللمعة من فضائله الباهرة ومآثره؛ أنه ملك يؤمن ~~الخائف، ويقهر الحائف، ويبالغ في شكر العطاء والجود، ولا يتعدى الحد في ~~إقامة الحدود، فحلال الدماء مطلول بشفار مشرفيته، وحرامها مصون بدينه ~~الخالص وتقيته، يعمل بما يقضي بجذل الإسلام وابتهاجه، ويضمن الطمأنينة ~~والسكون في حركته وانزعاجه، وينهض لنصرة الدين وقد صاحبته الميامن والسعود، ~~ويفارق وطأته فراق السيف غمده يجلي ظلم الحوادث ويعود، ولذاك أعمل ركابه ~~لتجهيز العساكر المؤيدة، والأساطيل المظفرة، واستسهل البعد عن مقر أمير ~~المؤمنين في جنب ما يرجوه من إبادة أعدائه الكفرة، لأن عملهم ينهوضه جيش ~~ينفذ من الرعب، ولأن بعده الآن مؤذن - بمشيئة الله - بدوام الدنو والقرب، ~~فكم استخرجت عزمته الدعة من النصب، وكم استنتجت همته الراحة من التعب، فلا ~~زالت أقطار المملكة محصنة بقواضي قواضبه، والخطوب مخاطبة عن حوزتها بألسنة ~~كتائبه. # فإذا كان هذا جزءا من ثناء أمير المؤمنين، ويسيرا مما تداوله الخلفاء على ~~متقادم السنين؛ فأين يقع منه اجتهاد مماليكه في إحسان ذكره؟ وكيف يطمع أحد ~~منهم بواجب حمد الله على تمليكه عليهم وشكره؟ # PageV01P045 # عذرا إليه فإننا من عجزنا ... وقصورنا عن مدحه نستغفر # وهذه الفصول أنموذج في وصف مناقبه كاف، وسبيل إلى نشر فضائله غير عاف ولا ~~خاف، والمملوك يقف عند هذا الحد، ويقنع بما أورده مما قد أمن فيه من الرد، ~~ويشفع ذلك من الملح بما يسنح، ويتبعه بما يميل القلب إلى مثله ويجنح، وهو ~~وإن أورد منه ما نزر وقل، فقد نبه به على نظائره ودل، والله يعينه من ~~الخدمة الشريفة على ما تضمره نفسه وتنويه، ويقضي له من الحظ بما يكسبه جزءا ~~من إشادة وتنويه، بجوده، ومجده، وكرمه وفضله. ### | من فضائل الملوك التي ذكرت إيماء لكثرتها واتساع فنونها، ولأن التخفيف والاختصار من # شروط هذه الخدمة وقوانينها # وذلك نوع إذا استشفت ضروبه، وتؤملت أساليبه؛ كان سهم مولانا الملك منها ~~السهم المعلى، وألفي كل مدح في حقه مستنزرا مستقلا، ولو ms081 لم يكن له من ~~المناقب التي فضل بها وفاق، وملأ ذكرها ووصفها الآفاق، إلا أنه قوم الزمان ~~لما مال وانحرف، وفعل في تعديله ما أقر به الجاحد واعترف، فوفق بين سنة ~~الشمس وسنة القمر، وأبان عن صحة الفكر ودقة النظر، وكانت مسافة بعدهما ~~منافرة للعادة، ومدة تفاوتهما ثلاث سنين وهي إلى الزيادة، فدبر ذلك على حسب ~~سيرته العادلة، وسنته الحسنة، وجعل مقدار هذا التباين مأمونا فيهما إلى ~~مائة سنة، وأمر - أعلى الله أمره - بما أنشئ في هذا المعنى مما تولى - خلد ~~الله ملكه - تهذيبه، وقصد إيصاله إلى الأفهام وتقريبه، وقرئ على جميع منابر ~~المملكة، فعلم الكافة ما فيه من عموم النفع وشمول البركة، وذلك مما عجز عنه ~~الوزراء الذين هذا الفن صناعتهم، والتصرف في الكتابة عمدتهم وبضاعتهم، فما ~~يتنافسون إلا في طلابها، ولا يتوسلون إلى الرئاسة إلا بها. وهو - ثبت الله ~~دولته - فهي أيسر حسناته، وأقل آلاته وأدواته، وفضيلته فيها فضلة على ما هو ~~أعلى منها وأشرف، وعلومه شاهدة أنه أنفذ من مدرسيها وأعرف. # ولقد حكى الزعيم أبو العلاء (ثقة الملك) صاعد بن مفرج أن أماثل متولي ~~الدواوين اجتمعوا عند بعض الوزراء في سنة نيف وثلاثين، وتفاوضوا في نقل ~~السنة الخراجية إلى الهلالية، وقصدوا ما رفع اللبس وأزاله، ووسعوا القول ~~رغبة في إيضاح المعنى له، فقال: ما أوثر أن يجري هذا في أيامي ولا نظري، فو ~~الله ما وصل إلى فهمي، ولا علق بتصوري، وهذا يكون على يد غيري، ويخبأ لمن ~~يأتي بعدي. فأمسكوا عنه، وخرجوا من عنده وبقي ذلك مهملا إلى سنة خمس مائة ~~لأن الله تعالى ذخر الفضيلة فيه لمولانا الملك الذي أسبغ النعم العميمة، ~~وأولى المنح الجسيمة، ولم يكتف بالإحسان إلى كافة البرية حتى لاءم بين ~~السنة الشمسية والسنة القمرية. # فالله تعالى يديم بهجة الدنيا بامتداد ظله، ويلهم أهلها ما يستوجبون به ~~سبوغ عدله، ويجعل القلوب على طاعته متفقة، كما تألفت عنده الفضائل التي غدت ~~في الناس مفترقة. # لا غرو إن كان فيه الفضل مجتمعا ... والفضل مفترق ms082 في (سائر الأمم) # فأحرف الخط يحوى الطرس جملتها ... وقد تفرع منها سائر الكلم # ولا زالت الأمة في شكره قاضية دين، وإحسانه متجددا أبدا على الجديدين. ~~فأما إرشاده للمستخدمين، وإيفاؤه على ملوك الأرض المتأخرين والمتقدمين؛ ~~فيكفي من ذلك ما شاع واشتهر، ويقنع منه ما بهر مذ ظهر، ولا خلاف أنه يهدي ~~الحكام في المشكلات إذا نزلت، ويشجعهم في القضاء إذا ضعفت القوى وانخزلت، ~~ويرسم للكتاب ما يعتمدونه في المستبهمات إذا عرت، ويوضح لهم طرق المعالي ~~إذا صعبت وتوعرت، فأدام الله ظله على هذا الخلق، وأجاب فيه دعاء أهل الغرب ~~والشرق، بكرمه وفضله وجوده، ومجده. # يحكى أن الصاحب أنشد عضد الدولة فناخسروا قصيدته المعروفة باللاكنية ~~لكثرة ما كرر فيها (لكن) وأولها: # أشبب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب # ولي صبوة لكن إلى حضرة العلا ... وبي ظمأ لكن من العز أشرب # فلما انتهى إلى قوله: # ضممت على أبناء تغلب ثأيها ... فتغلب # ماكر الجديدان # تغلب # قال عضد الدولة: يكفي الله كراهية لقوله: تغلب! والصاحب لم يتيقظ لهذا ~~النقد مع أنه لا يصح في هذه اللفظة إلا بتغييرين: ضمة التاء، وفتح اللام، ~~وإنما ذكر أحدهما. # PageV01P046 # وقد سلم ابن حيوس مما لزم الصاحب، لما كان مادحا لبني تغلب، وغير محتاج ~~إلى بناء الفعل لما لم يسم فاعله في قوله: # إذا البيض كلت يوم حرب فإنها مواض قواض أن تغلب تغلب # ومولانا؛ فقد صان الله مواقفه المعظمة، ومقاماته المكرمة عن أن تكون ~~الخدم بها إلا منقحة، والمدح لها إلا مهذبة مصححة، وحماها مما لم يزل ~~سامعوه ينتقدونه فيحتاج قائلوه إلى الاعتذار عنه بما يتأولونه. # كان أبو المناقب الشاعر قد خدم المقام العالي المالكي الأفضلي - ثبت الله ~~سلطانه - بعيدية أولها: نهنيك، كلا! بل يهنى بك الدهر فقيل له: إن لفظة ~~(كلا) هاهنا غير مستحسنة، فوافق على ذلك وغيرها فقال: نهنيك والأولى نهني ~~بك الدهر وهذا دليل على أن الأقدار بخدمة مولانا متطوعة، والأفكار إلى ما ~~يرتضي غرضه بعالي مجلسه متوثبة متسرعة. # ويروى أن سيف الدولة علي بن ms083 حمدان قال لابن خالويه: لم يأت على تصريف: ~~رحم، فهو راحم، ورحيم، ورحمان؛ إلا قولهم: سلم فهو سالم، وسليم، وسلمان، ~~وندم فهو نادم، ونديم، وندمان. فقال ابن خالويه: أعرف رابعا في نسب الأمير، ~~قال: وما هو؟ قال: حمد فهو حامد، وحميد، وحمدان. # وهذه الرواية وإن شهدت بفضيلة سيف الدولة وأدبه، فقد أعربت عن إغفاله ~~تقصي النظر في نسبه. # وقد تقدم من وصف مولانا ما يدل على معجزاته، وعلم معه أن الاستدراك لا ~~مجال له في معلوماته، ولو أودع هذا الباب ذكر خصائصه لأتى من توسيع القول ~~وبسطه ما يقضي بتوفر حظ الإطناب وتضاعف قسطه. # يقال: إن رجلا سأل شرف الدولة مسلم بن قريش حاجة، وسار في موكبه إلى أن ~~وصل إلى حضرته، فقال له: أيها الأمير لا تنس حاجتي، فقال له شرف الدولة: ~~إذا قضيتها نسيتها! وهذا من الأجوبة الدالة على شرف القدر، واستيجاب الصدر، ~~وهو جل البيت الثاني من قول ابن قابوس عمر بن مسلم في يحيى بن خالد ~~البرمكي: # رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد # ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال، ولا ينسى الذي يعد # ومن أعلى رتب البلاغة نثر المنظوم ونظم المنثور، وقل من يجيد فيهما إلا ~~من أعانته دربته، وساعده طبعه وفطرته. # وقد كان أبو سعد علي بن خلف صنف لبهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة ~~كتابا في حل المنظوم، ولقبه بالمنثور البهائي واعتمد فيه على الحماسة، ~~للألف لها، والأنس بها، كما فعل أبو علي الفارسي في كتاب الإيضاح الذي عمله ~~لأبيه عضد الدولة فناخسروا؛ فإنه استشهد في باب (كان) بقول أبي تمام: # من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا # قال علي بن عيسى الربعي: قال لي أبو علي مرات: ما أفرق بين شعر الطائي ~~والبحتري، وبين حجرين ملقيين في الطريق أتجنب أن أعثر بهما فأعدل! ثم اعتذر ~~إلي من هذا البيت الذي ذكره في الإيضاح، فقال: يا أبا الحسن، لا تظن أني ~~تغير رأي ms084 في الطائي، أو ناقضت لذكري هذا البيت، وإنما جرى في مجلس الأمير ~~فعملته لأنه من حفظه لا أني جعلته شاهدا! ولعمري إن أبا تمام وغيره من ~~المحدثين لا يستشهد بأشعارهم في النحو ولا اللغة؛ لأن الشواهد على ذلك إما ~~لجاهلي، وإما لمخضرم: بفتح الراء وكسرها. قال الأخفش: يقال: ماء خضرم إذا ~~تناهى في الكثرة والسعة، فمنه سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام ~~مخضرما؛ كأنه استوفى الأمرين. # قال: ويقال: أذن مخضرمة، إذا كانت مقطوعة، فكأنه قطع عن الجاهلية إلى ~~الإسلام. # وإما لإسلامي كرؤبة، وذي الرمة، وجرير، والفرزدق. # على أن ابن جني قال في شرح منهوكة أبي نواس: وبلدة فيها زور. # قال بعض أهل علم العرب: لولا ما كان أبو نواس يخلط به شعره من الخلاعة ~~لاحتج به في كتاب الله - عز وجل _، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. # رجع المملوك إلى حل المنظوم: فمن فصول المنثور البهائي المقدم ذكره: # PageV01P047 # ومتى استنهضتنا لخطب، أو استنجدتنا في حرب؛ أنجدك منا رجال بأيديهم آجال، ~~إذا أبدى البأس ناجذيه طاروا جماعات ووحدانا إليه، وإن صرح الشر لهم، وهو ~~عريان، عدوا عليه عدوة الليث وهو غضبان، يرون بالقتل حياة، وفي الشر نجاة، ~~لا يصدون عن الحرب الزبون فرارا، ولا يزدادون عليها إلا إصرارا، ولا تبلى ~~بسالتهم وإن صلوا بها أطوارا، إذا أحلبت عليهم العدو المباسل اقتسمته ~~الأسنة والسلاسل، وإن سما لهم الجاهل المتطاول، فما العمر منه بباق ولا ~~المدى متطاول. # وهذا الفصل جل أوائل الحماسة: فأما نظم المنثور فلم ير المملوك تصنيفا ~~فيه إلا الحاتمية. وهو يمثله بشيء مما حاضر به، واتفق له. # قال يوما لأمية بن عبد العزيز المعروف بأبي الصلت في مذاكره بينهما: ما ~~أحسن قولهم: الأماني أحلام المستيقظ، فوافق على استحسانه، ونظمه فقال: # كم ضيعت منك المنى حاصلا ... كان من الواجب أن يحفظا # فإن تعللت بأطماعها ... فإنما تحلم مستيقظا # من الشعر المستحسن قول سيف الدولة صدقة بن مزيد يصف ناقة: # وحطا رحال الميس عنها فإنها ... أنيخت هلالا بعدما ثورت بدرا ms085 # ويحكى أنه لم يقل قط إلا هذا البيت، واقتصاره عليه دليل على أنه لم ~~يستكره طبعه ولا تعسف فكره. # وهذه قضية قد اتفقت لجماعة من الفضلاء في أنهم يقولون البيت المفرد، ولا ~~يعملون له ثانيا. فمنهم وقد - رقي المنبر يوم عيد فأرتج عليه، فنزل وهو ~~يقول: # فإلا أكن فيكم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب # فقيل له: لو قلت هذا على المنبر كنت أخطب الناس! ومنهم هشام بن عبد ~~الملك، فإنه كان يكثر التمثل ببيت قاله، ولم يقل غيره، وهو: # إذا أنت لم تعض الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال # ومنهم إبراهيم بن موسى بن جعفر في قوله لذي الرئاستين معزيا بابنه ~~العباس: # خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس # ومنهم عمرو بن مسعدة - ووقع به -: # أعزز علي بأمر أنت طالبه ... لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده # وقال ابن عبدوس في كتاب: الوزراء والكتاب إنه لم يقل قط غيره. # ومنهم إبراهيم بن العباس الصولي في قوله: # أناة فإن لم تغن أعقب بعدها ... وعيدا، فإن لم يغن أغنت صوارمه # ولم يقل أولا ولا ثانيا. # وقد قيل: إنه بدأ به على أنه كلام منثور، فجاء موزونا، فأقره على ما هو ~~به. # ولا يعلم المملوك شعرا في مكاتبة سلطانية إلا هذا البيت. # ومما مدح الفضل بن يحيى به مفردا: # ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... يترك الناس كلهم شعراء # فاستجيد هذا البيت، وعيب بأنه مفرد، فقال أبو العذافر: # علم المفحمين أن ينطقوا الأش ... عار منا والباخلين السخاء # ويروى أن ابن دارة واصل هجاء رجل من العرب فلقيه المهجو يوما وحده، ~~فقتله، وقال: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا. # ومنهم الشريف البياضي، وكتبه على مروحة: # وا رحمتا لي أن حللت بمجلس ... أن لحنوا فيه يكون كسادي # وهذا من أحسن ما هجي به غناء. # ولبعض شعراء المجلس العالي - ثبت الله سلطانه - في ملك غانة، لما وصل مصر ~~يريد الحج، وقد شاهد أهل مملكة مولانا ما ناله من ms086 الحباء الذي سهل حجه، ~~والعطاء الموضح له سبيل مراده ونهجه: # كذا يجيب دعاء الله من عرفه ... من غانة غاية الدنيا إلى عرفه # ولما اجتمع المملوك به طالبه بعلم ثان فذكر قصور قدرته عنه. ### | مما أهمله المتقدمون وتركوه، فتيقظ له أدباء هذا الوقت واستدركوه # تضمن كتاب البلاغتين للعسكري نقدا على الفرزدق وابن هرمة، وهو: قال ~~الفرزدق: # وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم # كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم # وقال ابن هرمة: # وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # والمنتقد أن ثاني بيت الفرزدق يصلح ثانيا لبيت ابن هرمة، وثاني بيت ابن ~~هرمة يصلح ثانيا لبيت الفرزدق. ولم يزل إصلاح ذلك مهملا إلى أن فاوض ~~المملوك بعض الأدباء فيه، فقال: ينبغي أن يكون قول الفرزدق: # PageV01P048 # وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم # كورقاء تعري للسفاهة بيضها ... وتستر بيضا غيره بالقوادم # وقول ابن هرمة: # وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا # كمثل الذي يهريق السقاء ... إذا ما السراب لعينيه لاحا # وهذا مما قنع المتقدمون بانتقاده، وأهملوا إصلاحه وتقويم منآده، حتى هذبه ~~أدباء هذه الأيام الزاهرة، وحرره أنشاء هذه المملكة القاهرة، وذلك لما فاض ~~عليهم من أنوار مالكها فاسترشدوا به في طريق الصناعة ومسالكها. # ذكر الشريف المرتضى في كتاب: طيف الخيال قول البحتري: # هجرتنا يقظى، وكادت على عا ... دتها، في الصدود تهجر وسنى # وحكى كلام الآمدي عليه، وتغليطه للبحتري مع حسن رأيه فيه، ووافقه الشريف ~~على ما ذهب إليه، مما مضمونه أنه يقظى ووسنى حالان من ضميرها، وأنها لا ~~تكون موصالة في وسنها، حتى يقول: كادت تهجر في هذه الحال! وهذا البيت صحيح ~~المعنى، وهو من إحسان البحتري، وذلك أن يقظى جمع يقظان، وهو حال من ضمير ~~المتكلمين، لا من ضميرها، ووسنى جمع وسنان، وهو مفعول تهجر، وتقريبه: ~~هجرتنا في حال يقظتنا، وكادت تهجر قوما ذوي وسن. # فالتأويل الأول يجعل البيت من إساءات البحتري ومعايبه. # والتأويل ms087 الثاني يجعله من حسناته وغرائبه. ### | من النقد # سمع المملوك من ينشد: # لا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... حاليك في السراء والضراء # فلرحمة المتوجعين مضاضة ... في القلب مثل شماتة الأعداء # فقال: يتوجه النقد في البيت الأول لكونه أجرى المؤالف مجرى المخالف في ~~النهي عن إعلام حاليه، وإنما الواجب أن يعلما حاله في السراء؛ لما في ذلك ~~من مسرة المؤالف، وغيظ المخالف، وأن لا يعلماها في الضراء إشفاقا من حزن ~~المؤالف، وشماتة المخالف. والوجه أن يكون البيت: # لا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... بنوازل البأساء والضراء # والدليل على ذلك تعليله إياه في البيت الثاني. # كان المملوك يوما مع إخوان له، وهم يتذاكرون أشياء من الأدب، فأنشد بعضهم ~~قول ابن سعيد الحلبي: # إذا أخذ المرآة ينظر وجهه ... حسبتهما شمسين بينهما بدر # فأنشد آخر في التشبيه بالمرآة: # والنجم وجه مقبل ... والبدر مرآة صدية # فقال المملوك: هذا البيت مما جمع تشبيهين بغير أداة، وفيه نقد لا يدرك ~~لمجرد الأدب؛ وذلك أن هذا التشبيه لا يكون إلا في وقت مخصوص، وهو إذا صار ~~القمر بدرا في الثور، وكان ذاهبا إلى مقاربة الثريا، أو منصرفا عنها، لأن ~~النجم - على مذهب العرب - الثريا. ألا تراه شبهها بالوجه، ثم ذلك لا يكون ~~والشمس في الثور، إذ كانت الثريا من كواكبه، وكل كوكب لا يظهر إذا كانت ~~الشمس في برجه؛ لأنه يكون تحت شعاعها. # ومن مليح ما قيل في المرآة: # قوراء تحويك وتحتويها # حاملة أشخاص حامليها # أعجب بها! تريك ما تريها # مظهرة منك بها شبيها # والحسن والقبح جميعا فيها! # وعلى ذكر التشبيه، فقد أحسن بعض الشاميين في قوله - وكتب به إلى صديق له ~~يدعوه على عجة -: # وعندي عجة تزهى بحسن ... تناهى فاستمالت كل نفس # ولم أر قبل صائغها حكيما ... يصوغ من الكواكب عين شمس # ومن مليح اللغز فيها قول الآخر في أبيات: حروفها تقرأ مقلوبة: ومراده: ~~اسمها، لا قلب حروفها. # وهذا يدخل في باب المحاضرة بقول الصقلي: # قد جاء بالنسرين يمسح خده ويشوفه # زهر ألذ بقربه ... ويسرني تصحيفه # ومراده أن (هذه الكلمة التي هي) ms088 يسرني، تصحيف نسرين. # وقوله أيضا في كرسي: # وا وحشتا لمفارق ... قد كان عيشي أنسه # فاعذر أخاك فإنه ... شيء يسرك عكسه # ومراده: عكس يسرك. # ومن فضلاء الشاميين السابق المعري، وله رسالة وسمها بتحية الندمان. قال: ~~ولهذا اللقب معنيان: أحدهما، رضيع المدامة، والآخر، فعلان، من الندامة. # فمن محاسنها قوله: صرت إلى حلب، والزمن موشي الجلباب، مقتبل الشباب، قد ~~تم عذاره، ونم بمحاسن وجهه آذاره. # وذكر المملوك بهذا الفصل قول محمد القيرواني - وقد كتب إجابة لمن سأل عما ~~آل إليه حال الجدب -: # PageV01P049 # وأما ما انعجم عليك من حال حولنا فقد برئ - بحمد الله - عليل برانا، ~~وأثرى فقير ثرانا، بطالع وسمي دنا فأسف، وتابع ولي وكف فما كف ثرثارا قطره، ~~محجوبا شمسه وبدره، حتى إذا ركب بالطام، وخيف منه انحطام الأطام، مزق عن ~~الرقعاء صحيح إهابها، واختزن در البر في أصداف ترابها. # وللملوك رسالة في مضاهاة هذه الإجابة منها: وأما استقراؤك حال سنتنا التي ~~وصفتها بالمجدبة، وهي المجدية، ووسمتها بالمهلكة وهي المحيية؛ فقد كانت ~~البلاد مغبرة مقشعرة فيها، وجاء - من كرم الله - ما يذهب عنها الشدائد ~~وينفيها، فأتت جيوش النعم متوافرة مقتحمة، ودنت ضروب المنح مكاثرة مزدحمة. ~~فتأمل الألطاف كيف تستبق ولا يخاف من فوتها، وانظر إلى أثر رحمة الله كيف ~~يحيي الأرض بعد موتها وذلك أن السحاب أنجم ثم أثجم، والغيث ارتفع ثم اندفع، ~~بهطل لا يخشى ضيمه، في يوم ستارته غيمه، تخال مزنه للشمس عاشقا، وتظنه بها ~~مغرما ولها وامقا، فكلما جعلت تحتجب ظل لعدمها يبكي وينتحب، فعاد نسيم ~~وقتنا عليلا مريضا، وغدا أديم أرضنا صحيحا أريضا، قد أحيا انهلال القطر ~~بجرعاتها مواتا، واستحفظت من الحب سرا فوشت به نباتا. # رجع المملوك إلى تحية الندمان. # فمن فصولها: ولقد نشطت يوما للنزهة في جماعة من الغرباء وطنا وفطنا، فمر ~~لنا يوم خنث الشمائل، غنج الضحى والأصائل، فلما قبض المغيب روح الشمس، ~~وصارت من الظلام في رمس، حثثنا الصغير بالكبير، وحدنا عن شرب القليل إلى ~~الكثير. # والمملوك يقول: إن قوله: وطنا وفطنا، من تركيب ms089 قول البديع: فما أجرنا ~~حزنا حتى هبطنا بطنا. # وقد أحسن البحتري في قوله: # جلن في يابس التراب فما رم ... ن طعانا حتى وطئن الطينا # فأما وصفه الشمس في مغيبها، وما استعاره لها عند غروبها؛ فهو مما أغرب ~~فيه، وأتى بإحسان لا يقدر الحاسد يكتمه ولا يخفيه. # وقد أحسن الآخر في وصفها عند أفولها بقوله: فجليت عروس الشمس في ~~الإصفرار، وأخذ الليل يدنس ثوب النهار. # وذكره هاهنا تدنيس الثوب مع جلاء العروس من المعاني التي تبتهج بها ~~القلوب، وتنشرح لها النفوس. ### | فصل في محاسن أهل الوقت # فمن ذلك: قول قاسم بن علي معارضة لأبي عبادة البحتري. # قال البحتري من قصيدة أولها: # بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح # مشبها للثغر: # كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح # وقال القاسم بن علي (الحريري) : # نفسي الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب # يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب # فالبحتري شبه الثغر بثلاثة، والقاسم شبهه بخمسة وهذا أكثر ما يمكن في ~~بيت. # وإذا استحسن قول الوأواء: # وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # وفيه خمسة تشبيهات بخمسة مشبهات فأن تستحسن هذه العدة لمشبه واحد أجدر. # والقاسم هذا باهر الفضل، فائق الطبع، غزير الأدب، كثير الملح فمما أعرب ~~فيه عن براعته، وأبان عن بديع صناعته، أنه يمدح الشيء فيحسن في مدحه، ثم ~~يذمه فيكشف عن قبحه، كقوله يمدح الدينار: # أكرم به أصفر راقت صفرته # وحببت إلى الأنام غرته # كم آمر به استتبت إمرته # وجيش هم هزمته كرته # وحق مولى أبدعته فطرته # لولا التقى لقلت: جلت قدرته! # وقوله يذمه: # تبا له من خادع مماذق # أصفر ذي وجهين كالمنافق # وحبه عند ذوي الحقائق # يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق # وشر ما فيه من الخلائق # أن ليس يغني عنك في المضائق # إلا إذا فر فرار الآبق # واها لمن تقذفه من حالق # ومن إذا ناجاه نجوى الوامق # قال له قول المحق الصادق # ولا رأي في ms090 وصلك لي، ففارق # وقد جعل هذا الشعر على وجه اللغز، وهو كثير الاستعمال لهذه الطريقة. ومن ~~مليحها ما صنعه على لسان السروجي وولده وقاض تقدما إليه، فالذي نسبه إلى ~~السروجي: # PageV01P050 # أيد الله القاضي، إنه كانت لي مملوكة رشيقة القد، أسيلة الخد، صبورة على ~~الكد، تخب أحيانا كالنهد، وترقد أطوارا في المهد، ذات كف ببنان، وفم بلا ~~أسنا، مطبوعة على المنفعة، مطواعة في الضيق والسعة، وطالما خدمتك فحملت، ~~ولربما جنت عليك فآلمت وململت، وإن هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته ~~إياها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلفها إلا وسعها، فأولج فيها ~~متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثم أعادها وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا ~~أرضاها. # والذي نسبه إلى الولد: أما الشيخ فأصدق من القطا، وأما الإفضاء ففرط عن ~~خطا، وقد رهنته على أرش ما أوهنته مملوكا لي متناسب الطرفين منتسبا إلى ~~القين، نقيا من الدرن والشين، يقارن محله سواد العين، يغذي الإنسان، ~~ويتحامى اللسان، إن سود جاد، وإن وسم أجاد، وإذا زود وهب الزاد، ومتى ~~استزيد زاد، لا يستقر بمغنى، وقلما ينكح إلا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند ~~جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته. # والذي نسبه إلى القاضي: إما أن تبينا، وإلا فبينا! فقال الولد: # أعارني إبرة لأرفأ أط ... مارا عفاها البلى وسودها # فانخرمت في يدي على خطأ ... مني لما جذبت مقودها # فاعتاق ميلي رهنا لديه ونا ... هيك بها سبة تزودها # فالعين مرهى لرهنه ويدي ... تقصر عن أن تفك مرودها # وقال الشيخ: # أقسمت بالمشعر الحرام ومن ... ضم من الناسكين خيف منى # لو ساعفتني الأيام لم ترني ... مرتهنا ميله الذي رهنا # ولا تصديت أبتغي بدلا ... من إبرة غالها ولا ثمنا # لكن قوس الخطوب ترشقني ... بمصميات من هاهنا وهنا # وخبر حالي كخبر حالته ... ضرا وبؤسا وغربة وضنا # قد عدل الدهر بيننا فأنا ... نظيره في الشقاء وهو أنا # لا هو يستطيع فك مروده ... لما غدا في يدي مرتهنا # ولا مجالي لضيق ذات يدي ... فيه اتساع للعفو حين جنى # فهذه قصتي وقصته ms091 ... فانظر إلينا وبيننا ولنا! # وقال في وصف كرم الخلق: أنا أراعي الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، ~~وأستقل الجزيل للنزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأودع معارفي عوارفي، وأولي ~~مرافقي مرافقي، وألين مقالي للقالي، وأديم تسآلي عن السالي، وأقنع من ~~الجزاء، بأقل الأجزاء، ولا أتظلم حين أظلم، ولا أنقم ولو لدغني الأرقم. # وقال في عكس ذلك: أنا لا آتي غير المواتي، ولا أصافي من يأبى إنصافي، ولا ~~أواخي من يلغي الأواخي، ولا أمالي من يخيب آمالي، ولا أداري من جهل مقداري، ~~ولا أبذل ودادي لأضدادي، ولا أدع إبعادي للأعادي، وإلا فلم أعلك وتعلني؟ ~~وأقلك وتستقلني؟ وأجرح لك وتجرحني؟ ومتى أصحب ود بعسف؟ وأي حر رضي بخطة ~~خسف؟ # قد كلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه # ولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه # ومن مليح شعره قوله: # لقد أصبحت موقودا ... بأوجاع وأوجال # وخوان من الإخوا ... ن قال لي لإقلالي # فكم أخطر في بال ... ولا أخطر في بال # فمحرابي أحرى بي ... وأسمالي أسمى لي # فهل حر يرى تخفيف أثقالي بمثقالي # وقوله: # إني امرؤ أبدع بي ... بعد الوجا والتعب # فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب # وأنتم منتجع الراجي ... ومرمى الطلب # لهاكم منهلة ... ولا انهلال السحب # وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب # ما لاذ مرتاع بكم ... فخاف ناب النوب # ولا تستدر آمل ... حباءكم فما حبي! # فأما قوله: # فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب # فمن المعاني التي تصرف فيها الشعراء وتفننوا، وتوسعوا توسعا أجادوا فيه ~~وأحسنوا، فمن ذلك قول ابن أبي سعيد: # شتان في الحالين ما بيننا ... وبيننا في المنظرين اشتباه # يا عجبا من حرقات الهوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه # وهذا أصنع من بيت القاسم بن علي، لأن القاسم جعل الزفرة غير العبرة، فهذا ~~في ارتفاع والتهاب، وهذه في انحدار وانصباب، وابن أبي سعيد جعلهما شيئا ~~واحدا إذا صعد كان نارا، وإذا جرى كان ماء، فالنار علة الماء؛ لأن صعودها ~~يجريه. # وقد عكسه الآخر في قوله: # PageV01P051 # ولم أر مثل الدمع ماء ms092 إذا جرى ... تلهب منه في الأصابع نار # فجعل الماء علة النار، وأن جريانه سبب لتلهبها. # وقد أحسن الصاحب غاية الإحسان في قوله: # لا تحسبن دموعي البض غير دمي ... وإنما نفسي نار تصعد ( ... ) # ولابن عباد أحد سلاطين الأندلس: # نار وماء صميم القلب أصلهما ... متى حوى القلب نيرانا وطو (فانا) # ضدان ألف هذا الدهر بينهما ... لقد تلون في الدهر ألوا (نا) # وأما قول القاسم: # وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب # فمعنى متداول أيضا. ومن مليح ما قيل فيه: # لك العرض المباح لمن بغاه ... من العافين والعرض المصون # وجارك ضد مالك منذ أما ... محلك، ذا يعز، وذا يهين # وعلى ذكر قاسم، فللقاضي الرشيد محمد بن قاسم - وكتب به إلى صديق له كانت ~~جاريته تزور داره، فجاءت على عادتها، وسألها أهله أن تقيم عندهم - فاستزار ~~مولاها بقوله: # سيدة الروم رام عترتها ... مقامها عندهم إلى العتمه # فكن صلاة العشاء زائرنا ... والنون للجمع ليس للعظمه # ولقد ملح ابن قاسم وتظرف، كما تنوع قاسم وتصرف. # الغزالي: # حلت عقارب صدغه في خده ... قمرا فجل بها عن التشبيه # قد كنت أعهده يحل ببرجها ... فمن العجائب: كيف حلت فيه؟! # ولما أنشد المملوك هذين البيتين ابن مكنسة عمل بديها: # قلت ... إذ ذرفن الدلا # ل على خده الشعر # هذه آية بها ... ظهر الحسن واشتهر # ما رئي قبل صدغه ... عقرب حلت القمر # وعلى ذكر القمر والعقرب فقد أحسن ابن المغربي في قوله - وقد لسبت العقرب ~~جارية كان يهواها -: # كم تستحم العين فيك بمائها ... حتى كأن بها جنون المذهب # إن كان نالك مؤلم من عقرب ... فالبدر ممتحن ببرج العقرب # وبرج العقرب: هبوط القمر. وقد جاء في الحديث أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن السفر إذا كان القمر في برج العقرب. # ولمحمود بن القاضي الموفق: # لام العواذل مغرما ... في حب ملهية وقينه # ولو أنهن رأين تأ ... ثير الغرام به وقينه # وهذا تجنيس لفظي خطي تركيب، فأما الخط واللفظ فواضحان، وأما التركيب ~~فالكلمتان في عدته متساويتا، وذلك أن الواو في الأولى عاطفة، وهي ms093 في ~~الثانية من أصل الكلمة، والنون في الأولى من أصل الكلمة، وفي الثانية ضمير ~~جماعة المؤنث، فأما الهاء فهي في الأولى تاء التأنيث المبدلة هاء في الخط ~~والوقف، وفي الثانية ضمير المفعول الذي هو المغرم. # وهو يكثر من استعمال هذه الطريقة، وهي من أحسن ضروب التجنيس، فمن ذلك ~~قوله: # وقد كان رأيك ركني الذي ... عليه اعتمادي وها قد وهى # ومن هذه الأبيات: # ترى الشمس يسمو بها أوجها ... إذا قابلت منهم أوجها # والمملوك يختم هذا الجزء ببعض ما لهذا المملوك محمود من الخدم الشريفة، ~~تحريا للصدق الذي لا يشوبه إفك، وعملا بقول الله - عز من قائل -: (ختامه ~~مسك) فمن ذلك قوله من قصيدة: # لي مهجة جفناك قد فتناها ... وبغى العدو أذاتها فتناهى # ما كان أفتاها بوصلي رحمة ... فمن الذي بقطيعتي أفتاها؟ # آها لما صنع الهوى بل واها ... فيه تلذ نفوسنا بلواها # ندية الأردان يفعم نشرها ... فكأنه أوصاف شاهنشاها # هادي الدعاة الأفضل الملك الذي ... فخر الزمان بما أتاه وتاها # قد كان عدم العدل أقنط أنفسا ... فجعلتها تقوى على تقواها # وقوله من قصيدة أخرى: # إني لأشكر بدر الخدر حين بدا ... وقد تقارب حيانا فحيانا # يرضي الهوى والتقى والعاذلات فما ... ينفك يجمع إحصانا وإحسانا # إن طالما أوضعت في الغي راحلتي ... فقد حمانيه وصف الأفضل الآنا # سيف الإمام الذي فخر الملوك بأن ... غدت تعفر في ناديه تيجانا # يقري العيون جمالا والعفاة جدى ... ملء الأماني والجانين غفرانا # أغليت قيمة هذا النظم فارتفعت ... وكان كلا على الأذهان إذ هانا # فما يجوز زمان أنت مالكه ... ولا يروعنا ما دمت ترعانا # PageV01P052 # قد أورد المملوك في رسالته ومختصره ما يدل على عجزه عن مفترط الخدمة ~~الشريفة وحصره، ولا غرو أن يكون اجتهاده متأخرا عما يلزم ويجب، إذ كان ~~المقام الأعظم مما يخفق كل قلب لمهابته ويجب، والله - سبحانه - يحرس عليه ~~رأي مالكه وسلطانه، ويقره من خدمته فيما يليق بمساكن مثله وأوطانه، بجوده ~~السابغ وإحسانه، وفضله الغامر وامتنانه، إن شاء الله عز وجل. ### | رسالة التدلي على التسلي ### | رسالة سماها التدلي على ms094 التسلي # من دلائل تفرد الله بتدبير بريته، وشواهد جري الأمور على إرادته ومشيئته، ~~وحجج وحدانيته التي من جحدها أبان جهلا وعنتا، وبراهين ما أخبر به في قوله: ~~(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أنه سبحانه يحمد على ما يسلبه كما ~~يحمد على ما يهبه، ويشكر على ما يزعج ويضر كما يشكر على ما يبهج ويسر، فجئ ~~القلوب ما يحدث فيها انصداعا، ودهم العقول ما يكاد يطيرها شعاعا، لم يلفتها ~~الجزع عن حمده - جل وعز وعلا - ولم يمنعها الوله من الرضى بقضائه، وإن ~~تحملت منه باهظا مثقلا. فالحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ولا ~~يخرج شيء من مصنوعاته عن الشهادة له بأنه إله، وصلى الله على سيدنا محمد ~~نبيه الذي حباه الشرف الباهر، وآتاه الفضائل الجمة والمفاخر، وأحسن العزاء ~~لأمته في قوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر) . وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي ~~تولى من رسول الله - صلى الله عليه - ما أبان به عن حسن صبره، واعتزل أمور ~~الدنيا جانبا إلى أن واراه - عليه السلام - في قبره، مع ما تداخل النفوس ~~يومئذ من الحسرات، وفجعت به من الطوارق المستنكرات، حتى غدا ذوو الجلد في ~~قبضة الهلع موثقين أسارى، وظلوا كما قال الله - عز من قائل -: (وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى) وعلى آلهما الأئمة الأبرار، الذي اهتضموا حيث حلوا من ~~الأرض وكانوا، وظلموا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا، إلى أن استثمروا من الصبر استعادة حقهم، وضيقوا على أعدائهم ~~مسالك طرقهم، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما. # وإن من حكمة الله - تعالى - وقدرته، وخفي علمه في تدبير خليقته، أن جعل ~~أهل الدنيا فيها متفاضلين، وعند فراقها متساوين متماثلين، إذا نزل بهم حدث ~~الموت لم يتميز فيه قوي من ضعيف، وإذا تجرعوا كأسه لم يختص بمر مذاقها ~~مشروف دون شريف، وذلك يقين لا مجال للشك فيه، وحق لا ms095 يطور الباطل بناحية من ~~نواحيه، وقد أخلدت النفوس إلى صحته وركنت، واطمأنت القلوب إلى حقيقته ~~وسكنت، لأنه أمر حتم قد علم بالفطرة، وغامض من غوامض الحكمة، وسر من أسرار ~~القدرة، وفي الصبر على ألمه الموجع، وترك الجزع الذي هو غير نافع ولا منجع، ~~إيضاح للتذلل والخشوع، وإظهار للتضرع والخضوع، وإبانة عن الإخبات لله - جل ~~وعز - فيما شاءه، ودلالة على رضى المخلوق بحكم خالقه فيما سره وساءه، وذلك ~~موصل إلى السلوة بأقوى الأسباب وداع إلى نيلها مع إحراز الأجر الجزيل ~~والثواب. ومن أبى في الرزء إلا الأسى كان بكاه منتهى جهده. وما أحسن قول ~~الحسن البصري: (الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى ~~معصيته، وآجرنا على ما لا بد لنا منه) . # يقول: كلفنا الصبر، وأكلفنا الجزع، لم يمكنا أن نقيم عليه وأجرنا على ~~الصبر ولا بد من الرجوع إليه. # ثم إن التأسي يسهل المصاعب، ويهون المصائب، فلله ابن دريد في قوله: وفي ~~خطوب الناس للناس أسى وإن كانت الخنساء قد غلبت على هذا الباب في المشهور ~~من قولها: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # وقد جعلت الغدر في تركها قتل نفسها كثرة الباكين حولها. وأين هذا من قول ~~الآخر: # ولقد هممت بقتل نفسي بعده ... أسفا عليه فخفت ألا نلتقي # فذكر أن علة ما هم به من قتل نفسه الأسف على من فقده، على أن ذلك في قوة ~~قول الخنساء. وإن علة الامتناع ما جاء في الحديث من أن قاتل نفسه في النار. ~~وقد وثق بحصول من فقده في الجنة، وطمع بها إذا لحقه غير قاتل نفسه. وهذا ~~العذر أشرف من عذر الخنساء؛ لأنه للمخافة من عدم اللقاء في المآل، وعذر ~~الخنساء إنما هو للتأسي. # PageV01P053 # فأما قول ابن الرومي مناقضا لهذا الباب، وذاكرا أن التأسي غير مخفف ~~للمصاب: # وما راحة المرزوء في رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمل # وضرب من الظلم الخفي مكانه ... تعزيك بالمرزوء حين ms096 تأمل # لأنك يأسوك الذي هو كلمه ... بلا سبب لو أن رأيك يعدل # وقوله: # ومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب اللدات والأصحاب # قلت ... لما انتحى يعد أساه # من مصاب شبابه فمصاب # ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به، وما بي ما بي # وقول الآخر: # رأيت التأسي مما يهيج ... على المرء ساكن أوصابه # وما نال ذو أسوة سلوة ... ولكن أتى الحزن من بابه # تذكر في مثله أو رآه ... فأذكره ما به ما به # فذاك من تمويه الفصيح وخدعه، وتصرف البليغ وتنوعه، وإلا فالأول هو الصحيح ~~الذي جاء في الكتاب والسنة. قال الله - تعالى -: (قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه) وقال: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) . # ولولا أن الاجتماع يخفف كل ما ينوء، والاشتراك يهون صعب ما يسوء، لما قال ~~الله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) لأنه نفى ~~عنهم الانتفاع بالاشتراك في العذاب تغليظا عليهم لما قدموه من الظلم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تأسوا في مصائبكم بي) . # وذلك في كلام البلغاء، ونظم الشعراء أكثر من أن يحاط به. # معلوم أن مالكنا الملك السيد الأجل الأفضل، ونعوته والدعاء له ( ... ) ~~سيد ملوك الزمن، ومن فاز بجزيل ثواب الله في حالتي المسرة والحزن. أما ~~المسرة؛ فلأنه يشمل بها جميع عبيده ورعيته، ويستخلص دعاء كل منهم بكريم ~~فعله وجميل نيته، وأما في الحزن؛ فإنه يستعمل حسن الصبر في الأمور التي لا ~~حيلة في دفعها، ويدل بذلك على استحقاقه ما خصه الله به من إعلاء المنزلة ~~عنده ورفعها، لا يرى في العظائم إلا صابرا مسترجعا، ولا ينفك وجهه إلا ~~مسفرا وإن كان متوجعا متفجعا، إذا نازله هم لقيه من الرضى والتسليم بالجيش ~~اللجب المجر، وإذا سما إليه خطب عرف شرف ما يناله في الصبر عليه من جزيل ~~الأجر، على أن محله أعلى وأعظم من أن يكون من الأقدار إلا مخدوما، ومكانه ~~من الله - جل وعز - يكاد يجعله من الأمور الحتمية موقى معصوما. ولما طرق - ~~خلد ms097 الله ملكه - بالحادث الجلل، ودهم بالرزء الذي لولاه لرمي عرش المملكة ~~بالثلل، من وفاة أخيه من جهة نسبته، وولده لكفالته إياه وتربيته: # ومن كان يستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر في الشكوى وإن عظم الأجر # الأجل المظفر، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدين، خليل ~~أمير المؤمنين، الذي حلت وفاته من كل عين عقد وكائها، وأجرى فقده سواد ~~النواظر في نجيع بكائها، وبغت القضاء فيه بأجور حكمه، وأنكر فعله، وشوهد من ~~يومه الأنكد الشنيع ما لم تتمخض المنون بمثله: # ما إن سمعنا بطود قبله طفقت ... أنامل تتهاداه وراحات # تنافست أعين الباكين حين بكوا ... كأنما أعين الباكين ضرات # ولقد عفت منيته سبيل التماسك والجلد، وأتت غبطته بما لم يجر في الخاطر ~~ولا جال في الخلد، لأنه - قدس الله روحه - صار إلى رحمة الله ورضوانه، ~~وانتقل إلى جواره وسكنى جنانه، وهو في ريعان عمره وأوله، وشرخ شبابه ~~ومستقبله، مع حسن تركيبه وبنيته، والحكماء في خدمته وتدبير صحته: # بنفسي مولى أسلمته عبيده ... ومرتحل لم ينتظر أن يودعا # لقد راضه الموت الكريه مذاقه ... ولو لم يرض لم يرض بالأرض مضجعا # ولا اتخذ الغبراء دار إقامة ... وقد كان مثواه من النجم أرفعا # فلست ترى إلا مختنقا بعبرته، متنفسا عن نار حسرته، عادما لسكونه وصبره، ~~باكيا على انقطاع أمله، وانفصام ظهره: # والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير # فما يغتبط بدنياه من تأمل هذا الحين، ولا يأمن فيظ النفس إلا من طمع ~~بالصبر وأين وأين؟ # وكل أسى لا تذهب النفس بعده ... فما هو إلا من قبيل التصنع # ولئن مضى إلى جوار الله الكريم، وانتقل إلى ما أعد له من النعيم المقيم؛ ~~فللكافة ما مالكها - ثبت الله دولته - من دوام ظله مسل عن كل موال، وبقاؤه ~~محسن الخلف عن كل من مضى وسلف: # PageV01P054 # لم يستحق الدهر كونكما معا ... فيه فعوض قاطنا بمودع # والله يجعل كل الأعمار زيادة في مدته وعمره، ويجيب فيه ما يرفعه الحريص ~~في سره وجهره. بكرمه، وطوله، وقدرته وفضله. # ولما كانت ms098 خدمة مجلسه العالي - ثبت الله سلطانه - فرضا على عبيد مملكته، ~~وحقا لا عذر في التخلف عن تأديته، وقد صنع شعراء المقام الأشرف - ضاعف الله ~~سعوده، ونصر أحزابه وجنوده - في هذا الباب ما أربوا فيه على من سبقهم، ~~وآيسوا غيرهم من أن يلحقهم؛ بادر المملوك بهذه الخدمة، وأنشأ ما يأتي ذكره ~~في هذه الحادثة الملمة على ما هو عليه من الحال التي ضلت معها العقول، ~~وحجزت الأحزان فيها بين القائل والمقول. # والذي صنعه المملوك: إن كان الدهر قد فجئ بفادح المصيبة، ورمى بسهامه ~~المصمية المصيبة، وبالغ في الفجيعة الفظيعة، وسعى بين الأرواح والأجسام ~~بالفراق والقطيعة، وطرق من المصاب بالأجل المظفر - كرم الله مثواه - بما ~~منع الطرف وسنه، وفتح من الصبر مستحسنه؛ فما حكم مداه إلا في مفاصله، ولا ~~مكن ظباه إلا من مقاتله، ولا سطا إلا على قمره المنير فأخفاه، ولا عدا إلا ~~على رونقه المونق فطمسه وعفاه: # إن خان فيه الدهر عندي إنما ... في نقصه وعلى محاسنه سعى # في كل يوم عثرة من صرفه ... لا تستقال بأن يقال لها: لعا # فيا لله! ما أعجب فعله، وأبين جهله، وأقبح إساءته إلى نفسه، وأشنع سواد ~~يومه بعد بياض أمسه: # يوم أظل بغمة لا يشتفي ... فيها الهدى وبغمة لا تنجلي # وأعجب من ذلك انطلاق الأيدي بعده - شرف الله ضريحه - بتحقيق خبر فقده، ~~والإقدام على التعزية عنه وقد عدمت العقول من بعده، فوا لهفاه على مضيه ~~وذهابه! ووا أسفاه على ما فعله الدهر، ودهى به! ووا حسرتاه! ما أمر العيش ~~لما مر! ووا حرباه! لقد أساء القدر فيه بعدما سر: # لئن حسنت فيه المراثي وذكرها ... لقد حسنت # من قبل # فيه المدائح # ولله مطيع بن إياس في قوله: # يا أهل، بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الهوامل السفح # يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم وإن كان أمس للمدح # ومع هذه الحال فليس إلا التسليم والرضى، والتقبل لما حكم الله به وقضى، ~~والتصبر وإن كان عمن لا تجد النفوس منه عوضا. على أن النعمة بالمقام الأعظم ms099 ~~المالكي - ثبت الله سلطانه - قد ألانت قلوبا على الدهر قاسية، والموهبة في ~~امتداد ظله قد غدت مصلحة لهذا الكلم آسية: # صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يمكن الصبر # عرانا ببؤسى لا يماثلها الأسى ... وإنك نعم لا يقوم بها الشكر # فأوجبت الأولى الملام فلم يلم ... وأنى له لوم وأنت له عذر! # فالحمد لله الذي جعل المقام المالكي الأفضلي مستقيما للذماء، مجددا ملابس ~~النعماء، مستقرة به الرأفة في الأرض كما استقرت الأدعية في السماء، وضاعف ~~الله للأمة بتخليد ملكه ضروب المنن، وجعله من حوادث الدهر في أمنع المعاقل ~~وأحصن الجنن. بمنه، وطوله، وقدرته، وحوله. # والمملوك يتبع ذلك بلمعة من أحسن ما يرويه للمتأخرين في باب التعازي نظما ~~ونثرا. على أن منها ما يلهب في الضلوع نارا، ثم يستخرجها من العيون أدمعا ~~غزارا: # يا عجبا من حرقات الجوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه! # والناس - وإن رغبوا في التسلي، وحثوا على حسن التعزي؛ عالمون أن في إفاضة ~~الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته، وفي إرساله لعبرته ما يعينه على سلوته. # يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال - عند موت ابنه أيوب - لعمر بن عبد ~~العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال ~~عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة - ~~كالمستريح إلى مشورته - فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من ~~بأس؛ فقد دمعت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابنه إبراهيم، ~~وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا ~~إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما، ~~فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، لكنه لما ~~دفنه، وحثا عليه التراب قال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال ~~متمثلا: # PageV01P055 # وقفت على قبر مقيم بقفرة ... مناخ قليل من حبيب مفارق # فمن مليح هذا الباب قول الشريف الرضي: # خبر تمخض بالأجنة ذكره ms100 ... قتل النفوس وأسلف البلبا (لا) # الشك أبرد للحشى في مثله ... يا ليت شكي دام فيه وطا (لا) # ينظر إلى هذا المعنى قول مهيار: # كم قد تعللت المنى بك تارة ... أمن، وطورا خيفة وحذار # وتخالفت فيك الرواة فسرني ... وتلونت بحديثك الأخبار # ولقد ظننت بها وراء لثامها ... خيرا، فكشف قبحها الإسفار # ما كنت أول كوكب نزل الدنا ... وسما إلى نظرائه فتعالى # لا رزء أعظم من مصابك إنه ... وصل الدموع وقطع الأوصالا # ألا أقالتك الليالي عثرة ... يا من إذا عثر لازمان أقالا # لمن الصوارم عريت أمطاؤها ... حول الخيام تنازع الأطوالا # بدلن من لبس الشكيم مقاودا ... مربوطة ومن السروج جلالا # فجعت بمنصلت يعرض للقنا ... أعناقها، ويحصن الأكفالا # *** وهذا من قول أبي الفرج الببغاء: # يلقى الطعان بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ما له كفل # *** # إن طوح الفعال دهر ظالم ... فلقد أقام وخلد الأفعالا # طلبوا التراث فلم يروا من بعده ... إلا على وفضائلا وجلالا # هيهات فاتهم تراث مخاطر ... حفظ الثناء وضيع الأموالا # قد كان أعرف بالزمان وصرفه ... من أن يثمر أو يجمع مالا # وأرى الكمال جنى عليه لأنه ... غرض النوائب من أعير كمالا # صلى الإله عليك من متوسد ... بعد المهاد جنادلا ورمالا # طرح الرجال لك العمائم حسرة ... لما رأوك تسير، أو إجلالا # يريد: حسرة وإجلالا، وأو هاهنا بمعنى الواو؛ قال الله - تعالى -: (ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا) ، وقال الشاعر: # أتى الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر # وقال آخر: # وقد زعمت ليلى بأني أحبها ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها # وقال مهيار: # كنت خبيئا ترقب الأيام في ... ظهوره الميقات أو تراصد # ولا يصح الوزن بالواو؛ لأن الكف لا يجوز في الرجز. # قالوا ... وقد فجئوا بنعشك سائرا # من ميل الجبل العظيم فمالا # وهو يكثر من هذا المعنى كقوله: # أتنظر كيف تسفع بالنواصي ... ليالبنا وتعثر بالجبال # وقوله: # جبل هوى لو خر في البحر اغتدى ... من وقعه متتابع الإزباد # ما كنت أحسب قبل حطك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد # وقوله: # إن ms101 كان ذا الطود خ ... ر فبعدما استعلى طويلا # وقوله دعاء لمريض: # لا زعزعتك الخطوب يا جبل. # وقوله: # أي طود لك من أي جبال ... لقحت أرض به بعد حيال # ما رأى حيا نزار قبله ... جبلا سار على أيدي الرجال # ومن مليح ما في هذه القطعة: # عجبا أصبحت للضيم وما ... نثر الطعن أنابيب العوالي # لا أرى الدمع كفاء للجوى ... ليس أن الدمع من بعدك غالي # وبرغمي أن كسوناك الثرى ... وفرشناك زرابي الرمال # وهجرناك على ضن الهوى ... رب هجران على غير تقال # كل مأسور يرجى فكه ... غير من أصبح في قد الليالي # لا تقل تلك قبور إنما ... هي أصداف على غر لآلي # وقوله أيضا: # أرواحنا دين وما أنفاسنا ... إلا قضاء والزمان غريمها # لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة ... في العمر إلا عاد وهو خصيمها # يا دهر كم أسهرت لي من ليلة ... قد كنت قبل؛ أنامها وأنيمها # إن كان رزؤك ذا جسيما فالذي ... ينمي إليك من الأمور جسيمها # فتعز، إن من العزاء شجاعة ... وأجل ما عزى نفوسا خيمها # وقوله أيضا: # إن المنايا معدات لأنفسنا ... وإن أمدت بأعوام وأعوام # نسعى بأقدامنا عنها فتدركنا ... سبق الجياد وما تسعى بأقدام # ما لي بطي الليالي غير مكترث ... وما ورائي منها كان قدامي؟! # إن الحياة وإن عزت مخائلها ... ظل، وإن المنى أضغاث أحلام # نامي البقاء إلى الذاوي تراجعه ... كلا، وما يرجع الذاوي إلى النامي # وقوله: # PageV01P056 # نغالب ثم تغلبنا الليالي ... وكم يبقى الرمي على النبال # ونطمع أن يمل من التقاضي ... غريم ليس يضجر بالمطال # يحط السيل ذروة كل طود ... ويهون بالجنادل والرمال # هي الأيام جائرة القضايا ... وملحقة الأواخر بالأوالي # ولأبي الفرج الببغاء: # خلف المدائح بعدك التأبين ... عن أي حادثة يعزى الدين # ما كان في الدنيا كيومك مشهد ... بهر العقول، ولا أراه يكون # لم يبق محذورا فكل مصيبة ... جلل لديه، وكل خطب دون # قرت عيون المشركين وطالما ... قرت به للمسلمين عيون # ولابن معلى الأندلسي: # أمعتنق الصعيد وكان يغدو ... عليه وهو معتقل الصعاد # أرى لبس الحداد عليك مما ... يشق على المهندة الحداد # ومن ms102 كلام الوزير أبي القاسم بن المغربي: ولقد سمعت نبأ من هذا الحادث ~~الرائع، وذروا من هذا الخبر المكروه الطلائع، فكنت كالظبي أفزعه القناص، ~~وكالهارب لاحت له الأشخاص، فدافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه، فلما صرح ~~مخض الاستخبار عن محض الحذار؛ فقدت الحس فلا أدعي ألما، وذقت سكون الموت ~~فما أشتكي سقما، وغرقت في أمواج الوساوس، وضعت بين أجبال الهواجس، فلقد كنت ~~يومئذ - وكل يوم يومئذ - عجبا لمعتبر، ومثلا لمفتكر. # فأما قوله: دافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه؛ فهو من قول أبي الطيب: # طوى الجزيرة حتى جائني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب # وقد أخذه ابن سعيد الحلبي، فقال، وأحسن: # أتاني وعرض البيد بيني وبينه ... حديث لأسرار الدموع مذيع # تصاممت عن راويه حتى أربته ... وإني على ما غالني لسميع # ولما سمع ابن مكنسة إذاعة سر الدموق قال: # دعوها تفض بعد دمع نجيعا ... نهاها النهى فأبت أن تطيعا # وسر تبدد في عبرة ... وكنت جمعت عليه الضلوعا # ومن قطعة ابن سعيد: # فلهفي على الآمال فيك فإنها ... ثوابت لم يقدر لهن شروع # وعز على ساري الدجى أن يجوبه ... وما لك من بين النجوم طلوع # ألوم عليك الوجد وهو مبرح ... وأعتب فيك الدمع وهو نجيع # وأعلم أني ما منحتك طائلا ... وهل هي إلا زفرة ودموع # وقول الوزير: فلقد كنت يومئذ _وكل يوم يومئذ - فالأصل فيه قول الأضبط بن ~~قريع - وكان سيد بني سعد، وكانوا يؤذونه، فلما انتقل عنهم رأى غيرهم يفعل ~~فعلهم، فقال-: بكل واد بنو سعيد. فذهبت مثلا. # وأخذ هذا المعنى متمم بن نويرة، فقال يرثى أخاه مالكا: # وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك # فقلت لهم: إن الأسى تبعث الأسى ... دعوني؛ فهذا كله قبر مالك # وقال الحجاج في خطبة له: يا أيها الرجل - وكلكم ذلك الرجل_ ... # ولأبي تمام في هذا المعنى: # فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند # وللبحتري: # بلوتهم واحدا واحدا ... فكلهم ذلك الواحد # ومن أحسن ما خوطب به المعزى قول أحمد بن سليمان: # جاءك هذا الصبر ms103 مستجديا ... أجرك في الصبر فلا تجده # سلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عنده # إن الذي الوحشة في داره تؤنسه الرحمة في لحده # ولمهيار: # كلح الصباح بموته عن ليلة ... نفضت على وجه الصباح ظلامها # فلئن مضى بعلاه دهر صانها ... فلقد أتى برداه يوم ضامها # وتصرف في معنى البيت الأول، فقال: # صبغت وفاتك فيه أبيض فجره ... يا للعيون من الصباح الأسود # ثم قال: # ولئن غمزت من الزمان بلين ... عن عجم مثلك أو عضضت بأدرد # فالسيف يأخذ حكمه من مغفر ... وطلى، ويأخذ منه سن المبرد # وأخذ هذا المعنى الخفاجي فقال: # لتطل ليالي الدهر بعدك إنه ... سيان بين صباحه وظلامه # سودته في ناظري كأنما ... خلعت لياليه على أيامه # وقال: # أشكو فراقك ثم أعلم عنده ... أن السبيل إلى لحاقك مهيع # وألوم طول الليل أرقب فجره ... أو ما ظلام الليل بعدك أسفع # وقال: # قد سألنا أطلالكم فأجابت ... ومن الصمت واعظ ونذير # يا سواد الهموم صرت على الأي ... ام لما ضاقت عليك الصدور # PageV01P057 # ولمهيار مما لا يجوز أن يتمثل بثانيه إلا شاعر: # أبكيك لا ما تستحق وجهد ما ... تسع الصبابة أن تسيل محاجري # وأشارك النواح فيك بأنني ... أبكيك، والتأبين نوح الشاعر # وهذا المعنى أيضا مما تصرف فيه فقال: # خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم # وقال: # خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم # وقال: # إن أنفدت عيني عليك دموعها ... فليبكينك بالقوافي مقولي # وما أحسن قوله في هذه القصيدة: # ما كنت أحسب ... والزمان مقاتلي # يرمي ويخطئ # أن يومك مقتلي # وقال: # أمر بفي عليك الزلال ... وآلم جلدي وقع الشفوف # أتحمل فقدك ذاك العظيم ... جوارح جسمي هذا الضعيف؟! # وهذا ينشد مطلقا ومقيدا؛ فإذا أطلق كان من الأول من المتقارب، وإذا قيد ~~كان من الثاني منه. # وقال: # نعم! هذه يا دهر أم المصائب ... فلا توعدني بعدها بالنوائب # هتك بها ستر المجامل بيننا ... ولم تلتفت فيها لقينا المراقب # سددت طريق الفضل من كل وجهة ... وملت على العلياء من كل جانب # أمن بعده يا دهر أحظى براجع ... من ms104 العيش أو آسى على إثر ذاهب؟ # تنافث عن جمر الغضا ناد باته ... كأن فؤادي في حلوق النوادب # بكت أدمعا بيضا ودمت جباهها ... فتحسبها تبكي دما بالحواجب # متى دنس الحزن السلو غسلته ... فعاد جديدا بالدموع السواكب # وهذا تصرف في معنى قول ابن المعتز: إذا دنس الليل أثوابها=غدت في ثياب ~~صباح جديد وقال: # ذهب الذي كانت تجاملني له الد ... دنيا وتسقط دوني الأخطار # عجبا، يكون الجو بعدك ساكنا ... واليوم أبيض ما عليه غبار # وكأن كفك لم تبن في ظهرها ... قبل الملوك وتشهد الآثار # ويخف بين بنانها إن حملت ... ضبط الحسام ويثقل الدينار # وقال: # بكر النعي فسك فيه مسامعي ... وأعاد صبحي جنح ليل أليل # الغاية في هذا المعنى قول أبي تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا # رحل الحمام بها غنيمة فائز ... ما ثار قط بمثلها عن منزل # كانت يد الدين الحنيف وسيفه ... فلأبكين على الأشل الأعزل # ولابن حيوس: # وليس يعلو قرى الغبراء من أحد ... ولا يكون لأضياف المنون قرى # حوادث لم تميز في تصرفها ... من ضيع الحزم ممن أكثر الحذرا # قضى وما إن قضى من لذة وطرا ... وكم قضت منه آمال الورى وطرا # ومن كلام حسن بن عبد الصمد المعروف بابن أبي الخشباء: غي بدع من الزمان ~~أن تنتكث حباله، وتصرد نباله، وتفهق بالغدر فجاجه، ويجدح بالسم أجاكه، ~~وتراش في قصد الكرام سهامه، ويثار في قبض النفوس عجامه، ولذلك عرفت النفوس ~~مواقع نكره، وأنست بغرائب غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت صوائبه، ~~وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، ولما طرق الحادث بمن لا أسميه تفاديا من ~~تحقيق الخبر بمصرعه، وصونا له عن مورد الحمام ومشرعه؛ رأيت المحامد ذات نور ~~خامد، والمآثر ذات عقد متناثر، والقمر وقد سئم هالته، والصبح وقد خلع الليل ~~عليه غلالته. وشاهدت الفضل وقد أسودت سحنته، واشتدت على الزمان إحنته؛ إذ ~~طرق بما يتجاوز القدر ويوحش الأضالع من صحبة الصدر. هذا - والله - هو ~~المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها، وتفارق له القلوب سويداواتها، ~~وتستخف النوفس فيه حمل الأوزار، وتأنف العيون ms105 من لقائه بغير الدموع الغزار، ~~حتى تجعل ذلك دابها، وتخضب بالنجيع أهدابها، إلا أنه نزل بمن لا يصبح الجزع ~~مالكه، ولا تخطب الخطوب تهالكه، فلذلك ساغ للعبيد أن يخلوا الخدم من ~~الإرشاد إلى مواقف التسليم، والحض على الصبر على الحادث الأليم، ويقتصروا ~~على الرغبة إلى الله ي أن يهب له عقبى الدار، ويغفل عنه جوامح الأقدار، ~~ويسعد بني الدنيا بسعادة حده، ويصون عن درجة الكسوف شموس مجده: # إذا صفحت عنك الليالي وأعربت ... بحفظك فينا هان كل مضيع # ولابن سنان: # وكيف يفوز الغيث فيك بمنة ... إذا كنت لا أرضى سحائب أدمعي # وليس بكاء العين إلا خيانة ... ولا اللؤم إلا أنها بقيت معي # وأين وفائي! لا مدى الدمع بالغ ... رضاي ولا جهد الصبابة مقنعي # PageV01P058 # تصاممت عن ناعيك حتى أربته ... ودافعت فيك القول من كل مدفع # ولما أبى إلا يقينا حديثه ... فزعت إلى جفن من الدمع مترع # فأي حسام حالت الأرض دونه ... وكان متى يضرب به الخطب يقطع # وهذا الحد فالمملوك يقف عنده، ثم يعطش قلمه بعده، لما يلزم في باب المصاب ~~إذا رمته الليالي وراء ظهرها، وأبعدت الأيام عهده بمرها، من الاكتفاء من ~~القول بيسيره، والاستغناء عن كثيره بقليله، كراهية لتجديد الحزن وتطريته، ~~وإشفاقا من تشييد ما يجب الحرص على تعفيته ولاسيما هذا الفادح الذي نبه ~~خامل الثرى. ومنع الجفون من مصافحة الكرى، وأحزن مليك الأرض وسلطان الورى: # وتر الردى من لو تناول سيفه ... يوما لنال من الردى ما شاء # وهذا الخطب وإن رمى العقول بالخبل، وعم بالغم أهل السهل والجبل، ولم يسلم ~~أحد فيه من رزء، ولا خلا من الأخذ منه بأوفر جزء؛ فالذي يسهل صعبه، وينفس ~~كربه، ويسيغ صابه، ويخفف أوصابه، أن مالكنا - خلد الله دولته - مكفوف ~~بالحماية، مشمول بالوقاية، محفوظ بعناية الله وكفايته، مخصوص بإطالة العمر ~~وإطابته، جار على عادته في تدبير مملكته، وكلاءة رعيته، وإعزاز دين الله - ~~تعالى - ونصرته. والله - تعالى - يجعل منتقص المدد زيادة في مدته، ولا يخلي ~~البسيطة من رواء سلطانه وبهجته. بفضله وطوله، وحوله، وقدرته. ms106 # قال الشيخ أبو القاسم المصنف: كنت أنفذت نسخة هذه الرسالة إلى بعض ~~الرؤساء الكبراء ممن كان يؤثر الوقوف على ما أعمله، فبلغني أن كاتبه قال ~~لما رأى ترجمة هذه الرسالة قبل الوقوف عليها: هلا قال: الغلوة في السلوة ~~وأنكر التدلي، فكتبت إليه: بلغ عبد الحضرة ما انتقد عليه في ترجمة ما خدم ~~به. وما استبعد من التدلي العائد بدنو النائي وتقربه، وقد كان يجب أن يبقى ~~على من عمل عجلا، وترجم مرتجلا، ولم تكن له مهلة لتنقيح ألفاظه وتهذيبها، ~~وإبرازها في معارض تستحسنها النقدة وتهذي بها، وإن بعض من انتقد عليه قال: ~~هلا كانت الترجمة: الغلوة في السلوة؟ وعبدها يقول: أما الغلوة فهي: ~~المرماة، والمغلاة: السهم، فالغلوة: غايته، وهذا ضد مراده؛ وذلك أن التدلي ~~إنما هو التوصل؛ تدليت على الشيء إذا توصلت إليه. ومنه أدلى فلان بحجته إذا ~~توصل بما أتى به إلى بغيته، ومن ذلك قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) وهذه الآية ~~من باب قوله سبحانه: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) . وهو من ~~المقلوب. أي: تنوء بها العصبة أولو القوة و: ثم تدلى فدنا. # وقد قال الشاعر: # لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غ (دوا) # وتقلواها: تبعداها، وادلواها: قرباها والدلو من هذا؛ لأنها تقرب الماء ~~بعد بعده. # فقول عبدها: التدلي على التسلي إنما معناه: التوصل إلى السلوة بأسبابها ~~من التاسي، وطلب الثواب، وغير ذلك. # وقول من قال: الغلوة في السلوة، إنما هو الوصول إلى غايته، والفرق بين من ~~قصد التوصل، وبين من بلغ الغاية لا يخفى عن أحد، فقد بان تضاد الترجمتين، ~~وتنافي الغرضين، وما ضر من انتقد لو صبر إلى أن يقف على الرسالة، ثم يقول ~~ما يختار، ولا يعجل بأن يضع مني ما صدر عني، فالله المستعان وصبر جميل. # قال الشيخ أبو القاسم: كانت وفاة الأجل المظفر - رضي الله عنه - يوم ~~الخميس تاسع جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكانت ولادته في سنة ~~تسع وسبعين وأربع مائة. # الحمد لله رب العالمين، ms107 وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله ~~الطاهرين، وسلم تسليما، حسبنا الله ونعم الوكيل. # 1 1 PageV01P059 ms108